حسين الخالدي · مقالات  —  مقالة

الحجامة بين التاريخ والطبّ النبوي

قراءةٌ في نشأة ممارسةٍ وأصلِ فكرةٍ

تاريخ الطبالطب النبوي

تمهيد: الحجامة عبر التاريخ

قلّ أن نجد ممارسةً طبيةً رافقت الإنسان في حِلّه وترحاله، وعبرت الحضارات والأديان واللغات، مثلما فعلت الحجامة والفصد — أي إخراج الدم من الجسد بقصد العلاج. فهي من أقدم ما عرفته البشرية من صور التداوي، ومن أطولها عمرًا؛ إذ ظلّت في صميم الطب «الرسميّ» آلاف السنين، من مصر الفرعونية إلى أوروبا القرن التاسع عشر، قبل أن يزيحها العلم الحديث عن مكانها.

وردت إشاراتٌ إلى استخراج الدم في بردية إيبرس المصرية (نحو القرن السادس عشر قبل الميلاد)، وعرفته حضارة بلاد الرافدين، ومارسته الصين والهند (حيث سُمّي الفصد في طبّ الأيورفيدا raktamokṣa). ثم صار عند الإغريق ركنًا من أركان الطب حين بنى أبقراط وجالينوس عليه نظريةً فيزيولوجية كاملة (نظرية الأخلاط الأربعة). ومن هؤلاء انتقل إلى العرب قبل الإسلام، فكان جزءًا من طبّهم الشعبي المتوارث حين بُعث النبي صلى الله عليه وسلم.

والمقصد من هذه المقالة أن نتتبّع هذه الرحلة الطويلة، ثم نقف عند سؤالٍ يشغل كثيرين اليوم بلطفٍ وإنصاف: هل الحجامة «طبٌّ نبويٌّ» بالمعنى الذي يجعلها فوق النقد، أم هي علاجٌ إنسانيّ قديم أقرّه النبي لأنه الأنجع المتاح في زمانه؟ وبين الجوابين فرقٌ ليس نظريًّا، بل يحدّد كيف نقرأ هذه النصوص: هل نُخضعها لميزان التجربة والدليل، أم نرفعها فوق ذلك بوصفها وحيًا؟

لطيفة تاريخية — كيف قتل الفصدُ رئيسًا

في ديسمبر ١٧٩٩، أصيب جورج واشنطن، أول رؤساء أمريكا، بالتهابٍ حادّ في الحلق (يُرجَّح اليوم أنه التهاب لسان المزمار الحادّ acute epiglottitis). فاستدعى أطبّاؤه — وكانوا من نخبة أطبّاء عصره — وطلب هو بنفسه أن يُفصد، إيمانًا منه بجدوى ذلك. وعلى مدى نحو اثنتي عشرة ساعة، سُحب منه ما يقارب ٨٠ أونصة من الدم، أي قرابة ٤٠٪ من حجم دمه كلّه، بناءً على المنطق الخِلطيّ نفسه: «الالتهاب امتلاءٌ، فأخرِجوا الفائض». فمات في ليلته. والعبرة أن الفصد لم يكن دجلًا هامشيًّا، بل كان الطبّ السائد المعتمَد حتى عتبة القرن العشرين — وهو ما يعيننا على فهم لماذا كان علاجًا مقبولًا بداهةً في عصر النبوة.

المحور الأول: مراجعة تاريخية — الحجامة والفصد وأصلهما في نظرية الأخلاط الأربعة

الإطار النظري الذي جعلها «علمًا»

مرّ بنا أن الحجامة والفصد ممارسةٌ إنسانيةٌ عابرة للحضارات، لا خصوصية عربية أو إسلامية فيها. لكن الذي رفعها من مجرّد عادةٍ شعبية إلى منظومةٍ علاجيةٍ لها أساسٌ نظريّ — بمقاييس زمانها — هو النظرية الخِلطية اليونانية. صاغ أبقراط (القرن الخامس ق.م) ومن بعده جالينوس (القرن الثاني الميلادي) تصوّرًا مفاده أن جسم الإنسان يقوم على أربعة أخلاط:

وكانت الصحّة عندهم اعتدالَ هذه الأخلاط، والمرضَ اختلالَ نسبتها. فإذا «امتلأ» البدن أو «فسد» خِلطٌ منه، كان العلاج المنطقيّ — ضمن هذا الإطار — هو إخراج الفائض: بالفصد أو الحجامة أو الإسهال أو القيء. وهنا يكمن مفتاح فهم الظاهرة كلّها: الحجامة لم تكن «سرًّا» ولا «معجزة»، بل كانت الاستنتاج العملي المتّسق مع أفضل نظريةٍ فيزيولوجية متاحةٍ آنذاك. كانت طبًّا سائدًا، بمعنى الكلمة، تمامًا كما أن استئصال الزائدة الملتهبة طبٌّ سائد اليوم.

الحجامة في جزيرة العرب وعصر النبوة

انتقلت هذه الممارسات إلى جزيرة العرب عبر طرق التجارة والاحتكاك بالحضارتين الفارسية والرومية. وكان العرب يمارسون الحجامة والكيّ والفصد ضمن طبٍّ شعبيّ متوارث. وفي هذا السياق يبرز اسم الحارث بن كَلَدة الثقفي (ويكتبه بعض النسّاخ والمصادر «الحَرْث بن كَلَدة» بحذف الألف)، الملقَّب بـ«طبيب العرب»، الذي يُروى أنه رحل إلى أرض فارس وتعلّم الطب في نواحيها (يُذكر عادةً مدرسة جُنديسابور) قبل أن يعود إلى الطائف. ومع أن كثيرًا من تفاصيل رحلته الفارسية يشوبها طابعٌ أسطوريّ يستدعي التحفّظ النقدي، فإن وجوده وشهرته بين العرب دلالةٌ على أن الطب كان صناعةً معروفة لها أهلها المختصّون في ذلك المجتمع — وهذه نقطة سيتّضح أثرها في المحور الثالث. والثابت أن الحارث عُمِّر طويلًا حتى أدرك خلافة معاوية بن أبي سفيان، ويُروى أن معاوية سأله: «ما الطبّ يا حارث؟» فأجاب: «الأَزْم» يعني الحِمية والجوع.

لطيفة في التمييز بين رجلين اشتبها

يخلط بعض المصادر فيجعل النضر بن الحارث — الذي قُتل كافرًا يوم بدر — ابنًا لطبيب العرب الحارث بن كَلَدة الثقفي. والطريف أن هذا الخلط وقع فيه المؤرّخ الطبيّ الكبير ابن أبي أُصيبعة نفسه في «عيون الأنباء»، وهو مصدرنا الأمّ في ترجمة الطبيب، إذ عدّ النضرَ ابنًا له و«ابنَ خالة النبي». وهذا وهمٌ صحّحه النسّابون والمحدّثون (كالزبير بن بكّار وابن الكلبي، وردّ عليه ابن الأثير والنووي مطوَّلًا): فالنضر المقتول ببدر قرشيٌّ عبدريّ من بني عبد الدار، نسبه: النضر بن الحارث بن عَلْقمة بن كَلَدة بن عبد مناف — فـ«كَلَدة» هنا جدٌّ أعلى في نسبٍ قرشيّ آخر، لا صلة له بالطبيب الثقفي. ومما يفضح هذا الخلط قرينةٌ زمنية قاطعة: الطبيب عاش إلى زمن معاوية، فكيف يكون ابنُه قد قُتل في السنة الثانية للهجرة؟ فالاسمان تشابها («الحارث… كَلَدة») فحصل الوهم، ولا رابط بينهما في الحقيقة.

الخلاصة: حين جاء الإسلام، كانت الحجامة علاجًا شائعًا مقبولًا، لا لأنه صحيح بالضرورة، بل لأنه المتّسق مع علم ذلك العصر.

المحور الثاني: نقدٌ لطيف لفكرة «الطب النبوي» — من الحديث إلى كتاب ابن القيّم

متى وُلد «الطب النبوي»؟

من المفارقات التي تغيب عن كثيرين أن مصطلح «الطب النبوي» كجنسٍ تأليفيّ مستقلّ لم يوجد في القرون الأولى. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يُملِ كتابًا في الطب، ولا جمع الصحابة مروياته الطبية في مصنَّفٍ خاص. وإنما نشأ هذا اللون من التأليف متأخّرًا، حين عمد جماعةٌ من العلماء — بعد أن ترسّخ الطب اليوناني في الحضارة الإسلامية عبر ابن سينا والرازي — إلى جمع الأحاديث ذات المضمون الطبي وشرحها.

ومن أشهر هذه المصنَّفات: الفصل الذي عقده ابن القيّم الجوزية (ت ٧٥١هـ) في كتابه «زاد المعاد» والمعروف مستقلًّا باسم «الطب النبوي»، وكتاب «الطب النبوي» للذهبي (ت ٧٤٨هـ)، وما كتبه السيوطي لاحقًا. والملاحظ أن هؤلاء — وهم فقهاء ومحدّثون لا أطبّاء بالدرجة الأولى — كانوا في الغالب يمزجون المرويّات الحديثية بالطب الجالينوسي السائد في زمانهم، فيشرحون حديث الحجامة مثلًا على أساس نظرية الأخلاط نفسها. أي أن «الطب النبوي» في صورته المكتوبة هو، في جانبٍ كبير منه، طبٌّ يونانيٌّ مُلبَّس لبوسًا نبويًّا.

أين يكمن الإشكال؟

الإشكال ليس في تأليف هذه الكتب؛ فجمعُ الأحاديث وشرحها عملٌ علميٌّ مشروع. الإشكال في ما آلت إليه فكرتها في الأذهان: أن يتحوّل «طبٌّ ورد ذكره في السنّة» إلى «طبٍّ منزّلٍ من السماء لا يُخطئ»، فيُرفَع فوق النقد، وتُعطَّل معه قاعدة التجربة والدليل التي هي روح الطب نفسه.

والإنصاف يقتضي أن نشير إلى أن كبار العلماء أنفسهم لم يكونوا غافلين عن هذا. فقد نبّه القاضي عياض إلى أن ما يقع من النبي في أمور الطب والعادة «ليست فيه محطّةٌ ولا منقصة، لأنها أمور اعتيادية يعرفها من جرّبها». والمقصود أن الخطأ في مسألةٍ طبيّةٍ صرفة — إن وقع — لا يمسّ مقام النبوة، لأن النبوة لم تُبعث لتقرير الحقائق الطبية أصلًا.

النقد اللطيف: تفكيكٌ لا هدم

هنا يحسن أن نضع المسألة في نصابها بلطفٍ ووضوح: من كان يحتجم بنيّة اتّباع فعلٍ ورد عن النبي، فله في ذلك أجر النيّة والاقتداء، وهذا شأنٌ إيمانيّ محترم. لكن أن يُقال إن الحجامة علاجٌ ناجعٌ لأمراضٍ بعينها لأنها «طبٌّ نبويّ» — فهذا خلطٌ بين مقام التعبّد ومقام التجربة. فالنفع الطبيّ يُثبَت بالدليل السريري، لا بورود الذِّكر. وقد أشار ابن خلدون إلى أن بعض ما ورد قد ينفع «على سبيل التبرّك بصدق الاعتقاد»، فيكون أثره راجعًا إلى الإيمان والطمأنينة النفسية — وهو ما نسمّيه اليوم في لغة البحث الطبي أثر البلاسيبو (placebo) — لا إلى فعلٍ دوائيّ مباشر.

المحور الثالث: الأدلّة والآراء — «بُعث نبيًّا لا طبيبًا»

نصل إلى قلب الأطروحة: النبي صلى الله عليه وسلم إنما بُعث معلِّمًا للناس دينهم وأخلاقهم وصلتهم بربّهم، لا مقرِّرًا لعلوم الدنيا وصناعاتها. وأمرُه بالحجامة داخلٌ في إقرار العادة النافعة الشائعة، لا في التشريع التعبّدي المقصود لذاته. ونبني هذه الدعوى على ثلاث دعائم، مرتّبةً من الأقوى:

الدعامة الأولى: حديث تأبير النخل — «أنتم أعلم بأمور دنياكم»

هذا هو الأصل التأصيليّ الأمتن. فقد مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بقومٍ يُلقِّحون النخل، فأشار عليهم بترك ذلك، فتركوه فخرج ثمرها رديئًا، فلمّا عَلِم قال كلمته الجامعة: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» (رواه مسلم). وهذا نصٌّ صريح يقرّر بلسان النبوّة نفسها أن كلامه في الشأن الدنيويّ التجريبيّ ليس كلّه وحيًا مُلزِمًا، وأن أهل الخبرة أعلم في مجال خبرتهم. فإذا كان هذا في تلقيح النخل، فالطبُّ من بابه أولى.

الدعامة الثانية: نصّ ابن خلدون — الطب النبوي «ليس من الوحي في شيء»

يأتي ابن خلدون (ت ٨٠٨هـ) ليقرّر المسألة بأوضح عبارة عرفها التراث. يقول في المقدمة إن للبادية طبًّا مبنيًّا على تجربةٍ قاصرة متوارثة عن مشايخ الحيّ وعجائزه، ثم يصرّح:

«وكان عند العرب من هذا الطب كثير، وكان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كلدة وغيره، والطبّ المنقول في الشرعيّات من هذا القبيل وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمرٌ كان عاديًّا للعرب، ووقع في ذِكر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم من نوع ذِكر أحواله التي هي عادةٌ وجِبِلّة، لا من جهة أن ذلك مشروعٌ على ذلك النحو من العمل».

فابن خلدون يفرّق تفريقًا حاسمًا بين ما هو عادةٌ وجِبِلّة بشرية (كالأكل والشرب والتداوي)، وما هو تشريعٌ مقصود يُتعبَّد به. ويُدرج الطب النبوي في القسم الأول، أي أنه ذُكر في السيرة بوصفه من عادات النبي البشرية، لا بوصفه شريعةً ملزمة.

الدعامة الثالثة: قصة الحارث بن كلدة — الإحالة إلى المختصّ

روى أبو داود (رقم ٣٨٧٥) عن سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه أنه مرض، فعاده النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده بين ثدييه حتى وجد بردها على فؤاده، ثم قال: «إنك رجلٌ مفئود، ائتِ الحارثَ بن كَلَدة أخا ثقيف، فإنه رجلٌ يتطبَّب» (المفئود: المصاب بعلّةٍ في فؤاده/صدره).

وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم أحال المريض إلى طبيبٍ مختصّ ووصفه بأنه «يتطبَّب»، ولم ينصّب نفسه طبيبًا معالِجًا. وهذا يتّسق تمامًا مع نصّ ابن خلدون: الطبّ صناعةٌ لها أهلها، والنبوّة شأنٌ آخر.

تنبيهٌ علميّ مهمّ حول درجة هذا الحديث (حفاظًا على رصانة الاستدلال)

هذا الحديث ضعّفه جماعة من أهل العلم، منهم الألباني ومحقّقو مسند أحمد، وشكّك ابن القطّان في اتّصاله (لأنه من رواية مجاهد عن سعد، ولم يُعلَم سماعه منه). ولذلك ينبغي ألّا يُجعل هذا الحديث دليلًا مستقلًّا يُبنى عليه وحده، بل شاهدًا داعمًا لِما دلّت عليه الدعامتان الأوليان اللتان هما أقوى منه سندًا ودلالة. فالحُجّة القويّة تُبنى على أمتن أدلّتها، لا على أضعفها.

ومن الشواهد المؤيِّدة أيضًا حادثة اللَّدود: حين اشتدّ برسول الله صلى الله عليه وسلم مرضُه، لدّه أصحابه بالدواء (وضعوه في جانب فمه) على غير إذنٍ منه، فكرِه ذلك. وهذا يدلّ على أنهم لم يكونوا يرون تصرّفاته في العلاج وحيًا شرعيًّا لا يُخالَف، بل يتعاملون معها معاملة الأمر الدنيويّ المحتمِل للاجتهاد.

إنصاف الرأي المقابل

من الأمانة أن نذكر أن فريقًا من العلماء يرى أن في بعض أحاديث الطب النبوي إعجازًا وإرشادًا نبويًّا يستحقّ العناية، وأن حديث الحجامة والعجوة ونحوهما ليست مجرّد عاداتٍ عابرة. والموقف المنصف — الذي يمثّله كلام القاضي عياض المتقدّم وكثيرٌ من المحقّقين — هو التمييز: فما كان من باب التعبّد (كالرُّقى والأدعية والتعوّذات) فمصدره الوحي ويُؤخذ على أنه تشريع؛ وما كان من باب العلاج بالأغذية والأعشاب والأدوية فمرجعه الخبرة والتجربة، ويُختبر بميزان الطب. وهذا التفصيل يحفظ للنصوص قدرها، ويحفظ للعلم استقلاله.

خاتمة: كيف نقرأ الحجامة اليوم؟

يتّضح من هذه المراجعة أن:

  1. الحجامة ممارسةٌ إنسانيةٌ قديمة عابرة للحضارات، أساسها النظري نظرية الأخلاط الأربعة، لا خصوصية عربية أو إسلامية فيها.
  2. النبي صلى الله عليه وسلم أقرّها لأنها العلاج السليم المتاح في عصره، لا لأنه أسّس طبًّا جديدًا؛ و«الطب النبوي» بوصفه جنسًا تأليفيًّا وصفٌ لاحقٌ لا سابق.
  3. الأدلّة والآراء — من حديث تأبير النخل، إلى تصريح ابن خلدون، إلى إحالته المرضى إلى المختصّين — تتضافر على أن بعثته صلى الله عليه وسلم كانت للدين لا للطب: بُعث نبيًّا، لا طبيبًا.

وبهذا لا يكون في القول انتقاصٌ من السنّة، بل وضعٌ لكلّ شيءٍ في موضعه: التعبّد حيث يكون التعبّد، والتجربة حيث تكون التجربة. أمّا سؤال «هل تنفع الحجامة اليوم؟» فجوابه لا يُلتمَس في متون الحديث، بل في ميزان الدليل السريري وحده — وهذا بابٌ آخر يستحقّ مقالةً مستقلّة تُخضِع المراجعات المنشورة لأطر التقييم المنهجي الصارمة.

مقام النبوّة أرفع من أن يُختزل في مهنة أو علاج

يبقى أن نقرّر ما هو أهمّ من هذا كلّه: مقام النبوّة أرفع وأشرف من كلّ مقام، وأجلّ من أن يُقاس بمقام الأطبّاء والحكماء. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يُبعث ليعلّم الناس كيف يحتجمون أو يفصدون، وإنما بُعث ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويصل قلوبهم بربّها. وحين نُصرّ على أن تفاصيل الطب في زمانه «وحيٌ منزّل»، فإننا — من حيث لا نقصد — نُنزل بهذا المقام الأعلى إلى ساحة المنازعة في جزئياتٍ دنيوية، بدلًا من أن نُبقيه في علوّه.

بل إنّ في هذا الإصرار ثغرةً يلِجُ منها المنتقِد: فإذا قيل إن الحجامة «علمٌ نبويٌّ» من الوحي، وهي ممارسةٌ معروفةٌ في الحضارات السابقة على الإسلام بقرون، أمكن الطاعنَ أن يقول: «إذن تعلّمها من بشرٍ سبقوه» — وحاشا لرسول الله. والأسلم للحُجّة والأصدق للحقيقة أن يُقال: هذه عادةٌ بشريةٌ شائعة، أقرّها النبي بوصفها نافعةً في زمانها، لا بوصفها علمًا اختصّ به عن العالمين؛ فيسقط الطعن من أصله.

ويزداد هذا المعنى قوّةً بأعظم دلائل صدقه صلى الله عليه وسلم: أُمّيّته؛ فهو النبيّ الذي لا يقرأ ولا يكتب، نشأ بين قومٍ أُمّيين، ولم يجلس إلى معلّمٍ ولا حكيم. فمن كان هذا شأنه، كان ما جاء به من الهدى والعلم النافع أدلَّ على أنه وحيٌ من عند الله، لا مكتسَبٌ من بشر. فالأمّية هنا ليست نقصًا يُعتذر عنه، بل هي البرهان الذي يقطع دابر دعوى «التعلّم من الغير». ومن هنا كان الأحرص على تعظيم النبوّة هو من يردّ العلم الدنيويّ إلى بابه البشريّ، ويُخلص الوحيَ لما جاء لأجله من الدين والهدى.

قال الله تعالى:

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

[الأعراف: ١٥٧]

فصلّى الله وسلّم وبارك على النبيّ الأمّيّ الأكرم، الذي بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة، وهدى الله به من الضلالة، وعلى آله وصحبه ومن اتّبع هداه إلى يوم الدين.

مصادر

للاستزادة

© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.