حسين الخالدي · مقالات  —  مقالة

دورةُ التاريخ

القوى المتوسطة في عصر ذكاء الآلة

تاريخ وجيوسياسةالمورد السياديذكاء الآلة
جلسة مفوَّضي الدول الثماني في مؤتمر فيينا سنة ١٨١٥
جلسةُ مفوَّضي الدول الثماني في مؤتمر فيينا، ١٨١٥ — حفرٌ عن لوحة Jean-Baptiste Isabey. (متحف Rijksmuseum — ويكيميديا كومنز، CC0)

قاعتان بينهما قرنان

في خريف عام 1814 توافدت على فيينا وفودُ أوروبا كلها. كانت المدينة تعجّ بالحفلات والولائم حتى قيل يومها إن المؤتمر يرقص ولا يمشي. لكن خلف الستائر المخملية كانت الحقيقة أبسط وأقسى: خمس قوى فقط — بريطانيا وروسيا والنمسا وبروسيا ثم فرنسا التي أُعيدت إلى الطاولة — جلست ترسم خريطة القارة، بينما وقف ممثلو بقية الدول والإمارات في الأروقة، ينتظرون أن يعرفوا مصير بلدانهم من أفواه غيرهم. لم تكن تلك الدول صغيرة ولا فقيرة بالضرورة؛ كانت فقط خارج القاعة.

بعد قرنين من ذلك المشهد، يجلس وفد من دولة متوسطة القوة في قاعة اجتماعات زجاجية، يتفاوض مع شركة تقنية عملاقة على شراء طاقة حوسبية ورخص استخدام نماذج ذكاء اصطناعي لا يملك صناعتها، وعلى شروط تحدد أين تُخزَّن بيانات مواطنيه ومن يطّلع عليها. المشهدان مختلفان في كل شيء: اللغة والأزياء والأدوات. لكن السؤال المعلق في الهواء واحد لم يتغير: من يجلس داخل القاعة، ومن ينتظر خارجها؟

هذه المقالة محاولة لتتبّع هذا السؤال عبر دورات التاريخ الكبرى، ثم الوقوف عند لحظتنا الراهنة: ماذا يعني أن تكون دولة متوسطة القوة في عصر ذكاء الآلة؟ وهل ما زال أمام هذه الدول خيارات حقيقية، أم أن القاعة أُغلقت من جديد؟

قانون المورد السيادي

إذا تأملنا صعود القوى وهبوطها عبر العصور، وجدنا أن كل عصر كان يقوم على ما يمكن تسميته «المورد السيادي»: ذلك الشيء الذي من ملكه حَكم، ومن فقده دار في فلك غيره. تتبدل أسماء الإمبراطوريات والدول، لكن القانون يظل واحدًا، والتاريخ يدور حول هذا المحور دورة بعد دورة.

عصر الإمبراطوريات: الأرض والجند

في العالم القديم كان المورد السيادي هو الأرض ومن عليها من الفلاحين والجند. روما وفارس لم تكونا أغنى من جيرانهما بالفكر وحده، بل بقدرتهما على تجنيد مئات الآلاف وإطعامهم وتحريكهم عبر طرق ممهدة. الدول الواقعة بين الإمبراطوريتين — ممالك الأنباط وتدمر والحيرة والغساسنة — عاشت ما يشبه حال القوى المتوسطة اليوم: هامش مناورة حقيقي لكنه مشروط، وازدهار تجاري مقابل ولاء سياسي، ومصير يتقرر غالبًا في عواصم أخرى. وحين احتاجت روما إلى تدمر استعملتها، وحين خشيت طموحها هدمتها.

عصر الخلافة: الشرعية والعلم

غيّرت الدولة الإسلامية معادلة المورد السيادي تغييرًا عميقًا. فإلى جانب الأرض والجند، أصبحت الشرعية الجامعة والعلم موردَين سياديَّين بحد ذاتهما. كانت بغداد في أوج العصر العباسي، وقرطبة في ظل الخلافة الأموية في الأندلس، تجتذبان العقول والتجارة والسفارات لا بقوة السلاح وحدها، بل لأنهما كانتا مركز المعنى ومرجع المعرفة في زمانهما. ولعل التجربة الأندلسية تحديدًا من أوضح شواهد هذا القانون: فحين كانت الخلافة في قرطبة خيطًا جامعًا للنسيج الاجتماعي والسياسي، هابتها ممالك الشمال؛ وحين انفرط الخيط وتحولت الأندلس إلى ملوك طوائف — دويلات متوسطة وصغيرة يستقوي بعضها على بعض بالخارج — صارت تدفع الجزية لمن كانت تُملي عليهم الشروط. لم يتغير موقع الأندلس ولا مواردها؛ الذي تغير أنها خرجت من القاعة.

مشهد مكتبة من منمنمات الواسطي لمقامات الحريري
مكتبةٌ في مقامات الحريري، بريشة يحيى بن محمود الواسطي سنة ٦٣٥هـ/١٢٣٧م — حين كان العلم موردًا سياديًا. (المكتبة الوطنية الفرنسية — ويكيميديا كومنز، ملكية عامة)

الممالك الأوروبية: البارود والأسطول

مع صلح وستفاليا عام 1648 وُلد الشكل الذي ما زلنا نعيش فيه: الدولة ذات السيادة داخل حدود معترف بها. لكن السيادة القانونية شيء والقدرة الفعلية شيء آخر. كان المورد السيادي في تلك الحقبة هو البارود والأسطول وشبكات التجارة البحرية، ولذلك تقدمت دول صغيرة الحجم كبيرة الأثر كهولندا والبرتغال، ثم حسمت بريطانيا وفرنسا وإسبانيا السباق لصالح من يملك البحر. ومنذ ذلك الحين ترسّخ درس ستكرره العصور اللاحقة: الحجم وحده لا يصنع القوة، وإنما امتلاك مورد العصر.

عصر الاستعمار: المصنع والمستعمرة

ثم جاءت الثورة الصناعية فبدّلت المورد السيادي مرة أخرى: صار المصنع والفحم والسكة الحديدية هي مفاتيح القوة، وصارت المستعمرات مصدر الخام وسوق المنتج. وهنا بلغ التفاوت بين من يملك المورد ومن لا يملكه ذروته التاريخية؛ إذ لم يعد الفارق كمّيًا بل نوعيًا: جيوش صغيرة مسلحة بمنتجات المصانع تهزم إمبراطوريات عريقة. والدول التي أدركت اللعبة مبكرًا وقفزت إلى التصنيع — كاليابان بعد إصلاحات الميجي — نجت من مصير المستعمرات، بينما دفعت الدولُ التي ترددت ثمنَ تلك السنوات القليلة قرنًا كاملًا من التبعية. وهذه نقطة سنعود إليها، لأنها جوهر فكرة «النافذة» التي تقوم عليها هذه المقالة.

العصر الحديث: الذرّة والدولار

بعد الحرب العالمية الثانية استقر النظام الدولي على مورد سيادي مزدوج: السلاح النووي الذي يمنح صاحبه حصانة الوجود، والدولار مع المؤسسات المالية والتجارية الدولية التي تدير شرايين الاقتصاد العالمي. وفي هذا النظام تبلور مفهوم «القوى المتوسطة» بمعناه المعاصر: دول مثل كندا وأستراليا وتركيا وكوريا الجنوبية والمملكة العربية السعودية والبرازيل، لا تملك حق النقض ولا مظلة نووية خاصة، لكنها أكبر من أن تُتجاهل وأصغر من أن تُملي. وقد وجدت هذه الدول هامشها في الدبلوماسية والوساطة والتخصص الاقتصادي والتحالفات، وبدا لعقود أن قواعد اللعبة مستقرة ومفهومة.

ثلاثة كتب، ثلاثة أجوبة

في العقود الثلاثة الأخيرة تصدّرت المشهدَ الفكري ثلاث محاولات كبرى للإجابة عن سؤال: من يحكم العالم ولماذا؟ ومن اللافت أن الكتب الثلاثة، على تعارضها الشديد، تشترك في افتراض واحد صامت سنرى لاحقًا كيف جاء ذكاء الآلة ليهزّه.

فوكوياما: نهاية التاريخ

في مقالته الشهيرة عام 1989 ثم كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» عام 1992، جادل فرانسيس فوكوياما بأن سقوط الاتحاد السوفيتي لم يكن انتصارًا لمعسكر على معسكر، بل حسمًا لمسيرة التاريخ الفكرية نفسها: لم يعد للديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق منافس أيديولوجي جاد. وبمنطق هذه الأطروحة، لا تحتاج القوى المتوسطة إلى استراتيجية خاصة؛ يكفيها أن تلتحق بالنموذج الظافر وتنتظر أن يرفعها التيار. غير أن العقود التالية لم تكن رفيقة بهذا التفاؤل: صعدت الصين اقتصاديًا دون أن تتحول سياسيًا كما توقع النموذج، وعادت الحروب إلى أوروبا نفسها، واهتزت الثقة بالنموذج الليبرالي في عقر داره. والإنصاف يقتضي القول إن فوكوياما نفسه راجع أطروحته في كتاباته اللاحقة عن الهوية وتآكل المؤسسات، لكن السؤال الذي أراد إغلاقه عاد مفتوحًا على مصراعيه.

هنتنغتون: صدام الحضارات

ردّ صمويل هنتنغتون على تلميذه السابق بمقالة عام 1993 ثم كتاب «صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي» عام 1996: التاريخ لم ينته، وإنما تبدلت خطوط الصدع فيه من الأيديولوجيا إلى الحضارة والثقافة والدين. والمهم لموضوعنا أن هنتنغتون قدّم أوضح نظرية عن موقع القوى المتوسطة: فالعالم عنده يتكتل حول «دول مركزية» تقود كل حضارة، وعلى الدولة المتوسطة أن تعرف موقعها من حضارتها، وحذّر تحذيرًا شديدًا مما سماه «الدول الممزقة» التي تحاول نقل انتمائها من حضارة إلى أخرى فتخسر الطرفين. وبصرف النظر عن الانتقادات الوجيهة التي وُجهت إلى تقسيماته الحضارية وتبسيطها، فقد منح إطارُه القوى المتوسطة دورًا لا تجده عند غيره: أن تكون دولة مركزية لحضارتك خيارٌ استراتيجي متاح، لا مجرد حظ جغرافي.

تشومسكي: من يحكم العالم؟

أما نعوم تشومسكي في كتابه «من يحكم العالم؟» عام 2016، فيرفض الإطارين معًا. لا التاريخ انتهى ولا الحضارات تتصادم؛ وإنما هي بنية مصالح ونفوذ تُدار من مراكز القوة الكبرى — وفي القلب منها الولايات المتحدة — حيث تتشابك مصالح الدولة مع مصالح الشركات الكبرى ومجمّعات السلاح والمال. وفي هذه البنية لا تُسأل القوى المتوسطة عن حضارتها ولا عن أيديولوجيتها، بل عن موقعها من شبكة المصالح: فالنظام صُمم لغيرها، وقواعده تُكتب في غير عواصمها. قد يبدو هذا التفسير قاتمًا، لكنه ينبّه إلى حقيقة يغفلها الإطاران الآخران: أن جزءًا كبيرًا من القوة في عصرنا لا تحمله الدول أصلًا، بل كيانات خاصة عابرة للحدود. وسنرى بعد قليل أن هذه الملاحظة تحديدًا صارت في عصر ذكاء الآلة أهم مما كانت يوم كُتبت.

ثلاثة أجوبة متعارضة إذن. لكن تأمل الافتراض الصامت المشترك بينها: كلها تفترض أن مقوّمات القوة تتراكم ببطء. الديمقراطية المؤسسية تُبنى في أجيال، والحضارة تتشكل في قرون، وشبكات المصالح تُنسج في عقود. القوة في الأطر الثلاثة نهرٌ بطيء الجريان، يمكن التنبؤ بمساره. وهذا بالضبط ما لم يعد مضمونًا.

ما الذي كسره ذكاء الآلة؟

كل مورد سيادي سابق كان يخضع لقانون التراكم البطيء: الأسطول يُبنى في عقود، والقاعدة الصناعية في جيل أو جيلين، والترسانة النووية والمكانة المالية في نصف قرن. أما الذكاء الاصطناعي فيحمل خاصية لم يعرفها التاريخ من قبل: إنه مورد سيادي يمكن — في صورته الجاهزة — استئجاره. نموذج لغوي يضاهي في بعض المهام جيشًا من المحللين والمترجمين والمبرمجين، يمكن لأي دولة أن تصل إليه باشتراك وعقد خدمة، دون أن تبني جامعة واحدة أو مصنعًا واحدًا.

لكن هذه ليست سوى نصف الصورة، ونصفها الآخر معاكس تمامًا: فبينما تنتشر ثمار الذكاء الاصطناعي انتشار الماء، تتركّز جذوره تركّزًا لم يعرف التاريخ مثله أيضًا. صناعة الرقائق المتقدمة تمر عبر عنق زجاجة من حفنة شركات في حفنة دول؛ والنماذج الرائدة تحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات وطاقة كهربائية بحجم مدن؛ والمواهب القادرة على بناء هذه النماذج تُعد بالآلاف لا بالملايين، وتتنافس عليها كيانات أغنى من ميزانيات دول بأكملها. أضف إلى ذلك ما التقطه تشومسكي مبكرًا: أن اللاعب الحاسم هنا ليس الدول وحدها، بل شركات خاصة قد تفوق قدرتها الحوسبية ما تملكه حكومات مجتمعة.

نحن إذن أمام مفارقة تاريخية: أكثر موارد السيادة قابلية للانتشار في ثماره، وأشدها تركّزًا في جذوره. ومن هذه المفارقة تنشأ فرصة القوى المتوسطة وخطرها في آن واحد. الفرصة: أن الثمار متاحة اليوم بلا سابقة، وأن القفز فوق قرون من التراكم الصناعي ممكن نظريًا، كما قفزت دول نامية بشبكات الهاتف المحمول فوق مرحلة الهاتف الثابت بأكملها. والخطر: أن من يكتفي بالثمار دون أي جذر يرتضي تبعية من نوع جديد — تبعية معرفية ناعمة لا تحتاج إلى جندي واحد على أرضك، لأن عقلك الإداري والاقتصادي والتعليمي كله يعمل على بنية يملكها غيرك، ويستطيع تعديل شروطها أو قطعها متى شاء.

النافذة: لماذا سميناها دورة؟

سمّينا المقالة «دورة التاريخ» لأن لحظات تبدّل المورد السيادي تتكرر عبر العصور بإيقاع واحد: يظهر المورد الجديد سائلًا مشاعًا في البداية، تتقارب فيه الفرص وتضطرب فيه المراتب، ثم يتصلّب تدريجيًا وتنغلق أبوابه، فتتجمد المراتب قرنًا أو قرونًا حتى الدورة التالية. في العقود الأولى للثورة الصناعية كان بوسع دول كثيرة أن تلحق بالركب؛ وبعد قرن صار اللحاق يكلف حروبًا وأجيالًا. اليابان دخلت من النافذة قبل أن تُغلق فصارت قوة عظمى؛ ودول أعرق منها حضارة ترددت عقودًا قليلة فدفعت الثمن قرنًا كاملًا. ثم تكرر المشهد نفسه مصغّرًا في النصف الثاني من القرن العشرين: كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان عبرت نافذة التصنيع الإلكتروني في عقدين حاسمين، بينما ظلت دول بدأت من نقطة أفضل تراوح مكانها.

وكل الدلائل تشير إلى أننا اليوم داخل نافذة من هذا الطراز: فالتقنية ما زالت تتشكل، والمعايير الدولية لحوكمتها ما زالت تُكتب، وخرائط مراكز البيانات وسلاسل الرقائق ما زالت تُرسم، والمنظومة لم تتصلب بعد. لكن التاريخ يعلّمنا أن هذه النوافذ لا تبقى مفتوحة، وأن سرعة هذه الدورة تحديدًا — قياسًا بسرعة تطور التقنية نفسها — قد تجعلها أقصر النوافذ التي مرت على الإطلاق. فما الذي تستطيع دولة متوسطة أن تفعله وهي داخل النافذة؟

خيارات الدول المتوسطة

إذا صحّ هذا التشخيص، فإن أمام الدولة المتوسطة اليوم خمسة خيارات كبرى. وهي ليست متنافية تمامًا، لكن لكل منها منطقه وثمنه، والمزيج الذي تختاره كل دولة هو ما سيحدد موقعها حين تُغلق النافذة.

الخيار الأول: التبعية المريحة

أن تستأجر كل شيء: النماذج والحوسبة والخبرة، وتكتفي بدور المستهلك الذكي. هذا الخيار أسرع الطرق إلى الثمار وأرخصها في المدى القصير، وقد يكون معقولًا لدولة صغيرة محدودة الموارد. لكنه بالنسبة لقوة متوسطة يعني قبول ما وصفناه بالتبعية المعرفية: قراراتك الصحية والتعليمية والأمنية تمر عبر بنية لا تملك منها شيئًا ولا ترى ما بداخلها. وهو أشبه بحال الدولة التي اكتفت في عصر الاستعمار بتصدير الخام واستيراد المصنوع؛ عاشت مرتاحة عقودًا، ثم اكتشفت أن الراحة كانت اسمًا آخر للارتهان.

الخيار الثاني: التحوط بين الأقطاب

أن تتعامل مع الجميع ولا ترتهن لأحد: تشتري من هذا المعسكر وذاك، وتوازن علاقاتك بحيث يظل كل طرف حريصًا على كسبك. هذه هي الحكمة التقليدية للقوى المتوسطة منذ الحرب الباردة، وقد أتقنتها دول كثيرة. لكن التحوط في عصر ذكاء الآلة أصعب منه في عصر الصواريخ: فالمنظومات التقنية تتباعد وتتنافر، والاعتماد على بنيتين متنافستين يعني ازدواج التكلفة، وقد يأتي يوم تُطالب فيه الدولة بالاختيار الحاد بين المعسكرين. التحوط يشتري الوقت، وهذا ثمين داخل النافذة، لكنه وحده لا يشتري مقعدًا في القاعة.

الخيار الثالث: السيادة الانتقائية

وهو أن تدرك الدولة أنها لا تستطيع — ولا تحتاج — أن تبني السلسلة كلها من الرمل إلى النموذج، فتختار طبقات بعينها تصر على امتلاكها: بياناتها الوطنية تُخزَّن وتُحكم داخل حدودها؛ ونماذج مختصة بلغتها وثقافتها وتشريعاتها تُطوَّر محليًا ولو فوق أسس مستوردة؛ وقدرٌ كافٍ من الحوسبة يضمن ألا يتوقف عصبها الإداري إذا تعطلت العلاقة مع مورّد؛ وقبل ذلك كله جيل من المواهب يفهم هذه التقنية من الداخل لا كمستخدم فحسب. هذا الخيار هو الترجمة العملية لدرس التاريخ: فاليابان في عصر الميجي لم تخترع السفينة البخارية، لكنها أصرت على أن تُبنى في أحواضها وبأيدي مهندسيها. السيادة الانتقائية أبطأ من الاستئجار وأغلى، لكنها الفارق بين من يملك جذرًا في الأرض ومن يعيش على ثمار الغير.

الخيار الرابع: التكتل

قوة متوسطة واحدة لا تستطيع مساومة عمالقة التقنية أو القوى العظمى؛ لكن عشر قوى متوسطة سوقًا واحدة وموقفًا تفاوضيًا واحدًا تستطيع. التكتل قد يأخذ صورًا شتى: سوقًا رقمية موحدة تجعل شروط الدخول إليها ذات وزن، أو استثمارًا مشتركًا في بنية حوسبية إقليمية تتجاوز كلفتها طاقة أي دولة منفردة، أو صوتًا جماعيًا في صياغة قواعد الحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي وهي تُكتب الآن. وتجربة الاتحاد الأوروبي — على ما يعتريها من نقد — أثبتت أن التنظيم الجماعي يستطيع أن يُجلس على الطاولة من لا تُجلسه قوته منفردًا. والسؤال المفتوح: هل تستطيع تكتلات إقليمية أخرى، في الخليج وآسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، أن تفعلها قبل انغلاق النافذة؟

الخيار الخامس: المورد المكمّل

وأخيرًا، تستطيع الدولة المتوسطة أن تسأل: ما الذي يحتاجه مورد العصر ولا يستطيع مراكزه توفيره بأنفسهم؟ فالذكاء الاصطناعي جائعٌ إلى الطاقة الرخيصة الوفيرة، وإلى الأرض والمناخ الملائمين لمراكز البيانات، وإلى رأس المال الصبور، وإلى مواقع جغرافية تعبر منها الكوابل وتستقر فيها البنى. ومن يملك هذه المكملات يستطيع أن يقايض بها حصة في الجذور لا مجرد أولوية في الثمار: طاقتك وأرضك ومالك مقابل نقل معرفة وشراكة في البنية وموطئ قدم في السلسلة. وهنا تحديدًا تقف دول الخليج أمام لحظة نادرة: فالمورد الذي بنى دورتها الماضية — الطاقة — هو نفسه وقود الدورة القادمة، والفارق كل الفارق بين أن تبيعه خامًا كما بيع النفط في القرن الماضي، وأن تحوّله موقعًا دائمًا في خريطة العصر الجديد.

قبل الخيارات: حدودٌ في الفضاء الإلكتروني

الخيارات الخمسة السابقة كلها استراتيجيات نفوذ: كيف تكسب الدولة المتوسطة مقعدًا ووزنًا. لكن قبل النفوذ شرطٌ أسبق هو الكيان نفسه. فمنذ وستفاليا قام كيان الدولة على ركن واحد لا يقوم بدونه: حدود معلومة تحمي أرضها وسكانها، تعرف ما يدخل منها وما يخرج. واليوم صار لكل دولة جسد ثانٍ يعيش في الفضاء الإلكتروني: بيانات مواطنيها وسجلاتهم، وفضاؤها المعلوماتي الذي يتشكل فيه وعي أجيالها، وذاكرتها الثقافية التي تُخزَّن وتُسترجع رقميًا. وهذا الجسد الثاني — عند أكثر الدول — بلا حدود على الإطلاق: مفتوحٌ لكل عابر، تمامًا كما كانت أقاليم العالم القديم مفتوحة قبل أن تُرسم الخرائط.

لذلك فإن أول واجبات الدولة المتوسطة في هذا العصر أن تنسج لنفسها حدودًا حقيقية في الفضاء الإلكتروني كما نسجت حدودها على الأرض. وليست الحدود الإلكترونية انغلاقًا، كما أن الحدود الجغرافية ليست عزلة؛ فالحدود الحصيفة ليست جدارًا مصمتًا بل منافذ عبور منظمة: تعرف الدولة أين تقيم بيانات مواطنيها ومن يطّلع عليها، وتضع لتدفق المعلومات عبرها ما يشبه الجمارك والتأشيرات، وتحتفظ لنفسها بالقدرة على أن تقول لا. والأخطر من اختراق هذه الحدود سرقةً هو اختراقها تذويبًا: فالنماذج الذكية تحمل في أعماقها قيم صانعيها وثقافتهم وافتراضاتهم عن العالم، ومن يسلّم تعليم أبنائه وإعلامه وذاكرته لنماذج صُنعت في ثقافات أخرى، يكون قد فتح حدوده من حيث لا يرى، ولو ظلت أسواره الحجرية قائمة.

ما الذي لا تغيّره الدورة؟

وقبل أن نصل إلى مثالنا التطبيقي، لا بد من تصحيح مبالغة شائعة. ففي كل دورة من دورات التاريخ ظن المعاصرون أن المورد الجديد سيمحو ما قبله: قيل إن السكة الحديدية ستنهي البحر، وإن الصناعة ستنهي الزراعة، ولم يحدث شيء من ذلك؛ الذي يحدث دائمًا أن المورد الجديد يعيد ترتيب الموارد القديمة على خريطة القيمة، ولا يلغيها. والذكاء الاصطناعي — على غير ما يوحي به اسمه الأثيري — من أشد موارد التاريخ جوعًا إلى المادة: فهو يحتاج إلى كهرباء بحجم استهلاك مدن، فالطاقة لا بد منها اليوم وغدًا؛ ويحتاج إلى المعادن، من السيليكون والنحاس إلى العناصر الأرضية النادرة، تُستخرج من مناجم وتُعالَج في مصانع؛ ويحتاج إلى مراكز بيانات تُبنى بالحديد والإسمنت وتُشغَّل وتُصان بسواعد البشر.

ولهذا فإن الأعمال لن تختفي كما يتوعد المتشائمون: فسلاسل الطاقة والتعدين والإنشاء والتشغيل كلها أعمال، وهذه الأعمال جميعًا تحتاج إلى المال — إلى بنوك تموّل وتُقرض وتؤمّن وتدير المخاطر — فتظل المصارف والأسواق المالية شرايين الاقتصاد كما كانت. الاقتصاد إذن لن ينقلب رأسًا على عقب كما يتوقع بعضهم؛ المزارع بقي بعد الثورة الصناعية، لكن الجرار غيّر موقعه من خريطة القيمة. وهكذا ستبقى المهن والأسواق والمصانع، وإنما يتغير موقع كل منها ممن يملك مورد العصر: فالدولة التي تملك الطاقة والمعادن والمال تدخل الدورة الجديدة وهي تحمل نصف مفاتيحها، شرط أن تكسب النصف الآخر.

المملكة العربية السعودية: مثال من داخل النافذة

وأختم بمثال من وطني، لا لأنه بلدي فحسب، بل لأنه يجمع خيوط المقالة كلها في موضع واحد: قوة متوسطة تقف داخل النافذة، تملك نصف المفاتيح الموروثة، وتخوض سباقها على النصف الآخر.

الحدود العميقة: الهوية

أول الحدود التي تحفظ الكيان ليست خطوطًا على الخرائط ولا جدرانًا نارية في الشبكات، بل الهوية الوطنية والثقافية والعقدية. فالدولة التي تعرف من هي، وما عقيدتها، وبأي لسان تفكر، لا تذوب في فضاء غيرها مهما انفتحت عليه. ومن هنا فإن حفاظ المملكة على عقيدتها ولغتها العربية وموروثها ليس شأنًا ثقافيًا منفصلًا عن سباق التقنية، بل هو الوجه الآخر له: إذ لا معنى لامتلاك النماذج والحواسيب إذا كان الوعي الذي تخدمه قد صيغ في مكان آخر. ولذلك كان الاستثمار في نماذج لغوية عربية تحمل ثقافة المنطقة وقيمها، وفي محتوى رقمي عربي أصيل، جزءًا من نسج الحدود الإلكترونية لا ترفًا تقنيًا.

البشر: العدد والعقل

وثاني المقومات البشر أنفسهم. فخلافًا لظن شائع بأن الآلة تنتقص من قيمة العدد، تظل الكتلة السكانية أساس السوق الداخلية والوزن الإقليمي وعمق الدولة الاستراتيجي؛ ولهذا فإن نمو السكان مقصد وطني مهم لا عبء. غير أن العدد وحده لا يكفي، والفارق الحاسم هو الاستثمار الحقيقي في المورد الجديد: علمًا يُنتَج في الجامعات ومراكز البحث لا يُستهلك فقط، وتعلمًا يبدأ من مقاعد الدراسة حتى يفهم الجيل الجديد هذه التقنية من داخلها لا كمستخدم عابر، وعملًا يترجم العلم والتعلم إلى صناعة ووظائف ومنتجات. فالمجتمع الفتي كثير الشباب — إذا تعلم مورد العصر وعمل به — يتحول من سوق مستهلكة إلى قوة منتجة، وهذا هو الفرق كله بين الثمار والجذور.

نصف المفاتيح الموروث

ثم تأتي الموارد التي لا تلغيها الدورة بل ترفع قيمتها. فالطاقة التي بنت مكانة المملكة في الدورة الماضية هي نفسها وقود مراكز البيانات في الدورة القادمة، والشمس التي تغمر أرضها صارت موردًا كهربائيًا لا رمزًا جغرافيًا فحسب. وتحت الأرض ثروة معدنية يجري كشفها واستثمارها، والمعادن — كما رأينا — عصب الصناعة الجديدة. وفوق ذلك قطاع مالي ومصرفي راسخ وقدرة استثمارية سيادية تستطيع أن تقايض — كما قلنا في الخيار الخامس — رأس المال والطاقة والموقع بحصة في الجذور لا مجرد أولوية في الثمار. وبهذا يكتمل المثال: هوية تحرس الكيان، وبشر يزدادون عددًا وعلمًا، وموارد موروثة تشتري موقعًا في المورد الجديد. أما هل تعبر المملكة ومثيلاتها من القوى المتوسطة النافذة قبل انغلاقها، فذلك ما ستجيب عنه السنوات القليلة القادمة، وهي قليلة حقًا.

خاتمة: قبل أن يُرفع الاجتماع

نعود إلى فيينا. لم يكن الذين وقفوا في أروقة المؤتمر عاجزين ولا قاصرين؛ كانوا فقط قد فاتتهم الدورة السابقة من دورات المورد السيادي، فحضروا إلى القاعة وقد كُتبت قواعدها. والكتب الثلاثة التي استعرضناها، على خلافها، تتفق في شيء واحد صحيح: أن النظام الدولي لا يرحم من ينتظر. فوكوياما ذكّرنا بقوة النموذج الجاذب، وهنتنغتون بأن للدولة المتوسطة أن تكون مركزًا لا هامشًا، وتشومسكي بأن القواعد يكتبها الحاضرون لا الغائبون.

وفي قصة فيينا نفسها درسان يستحقان التأمل قبل أن نغادرها. الأول قدّمه تاليران، ممثل فرنسا المهزومة: جاء إلى المؤتمر والقاعة موصدة في وجه بلاده، فلما دبّ الخلاف بين المنتصرين حول بولندا وساكسونيا، انسلّ من بينهم بتحالف سري مع النمسا وبريطانيا، وإذا بفرنسا خلال أسابيع تجلس بين الكبار ندًّا لا متهمًا؛ شاهدٌ على أن المقعد قد يُنتزع بالدهاء وقراءة اللحظة حين لا تسعفك القوة وحدها. والدرس الثاني في المقارنة التي يعقدها المؤرخون بين فيينا 1815 وفرساي 1919: الأول أعاد المهزوم إلى الطاولة فأثمر نحو قرن من الاستقرار الأوروبي، والثاني أذلّه فأنجب حربًا عالمية خلال جيل واحد. فالنظام الذي يتسع للآخرين أطول عمرًا من النظام الذي يقوم على إقصائهم، وهو درس تُحسن القوى المتوسطة التذكير به لمن يكتبون قواعد العصر الجديد اليوم.

التاريخ يدور الآن دورة جديدة، ومورد العصر يتشكل أمام أعيننا، والنافذة — بكل المقاييس — ما زالت مفتوحة. لكن أحدًا لا يعرف كم بقي لها. والدول المتوسطة التي ستجلس داخل القاعة في منتصف هذا القرن ليست بالضرورة الأكبر ولا الأغنى اليوم، بل تلك التي تقرأ الدورة وهي تدور، لا بعد أن تكتمل. أما الانتظار، فقد جرّبته أمم كثيرة قبلنا، ونعرف جميعًا بماذا خرجت: بمقعد في الرواق، وخريطة يرسمها الآخرون.

In brief

In the autumn of 1814 five powers sat down at Vienna to redraw Europe while everyone else waited in the corridors. Two centuries later a middle power negotiates with a technology company over compute, model licences and where its citizens’ data will live. The question, this essay argues, is unchanged: who sits inside the room? Its organising idea is the sovereign resource — the thing that, in each era, decides who rules and who orbits. Land and soldiers gave way to legitimacy and learning, then to gunpowder and fleets, to the factory and the colony, and finally to the atom and the dollar. Machine intelligence breaks the pattern in one respect: every earlier sovereign resource accumulated slowly, while this one can be rented. Its fruits spread as no resource has before; its roots — advanced chips, frontier models, the handful of people who can build them — concentrate as none has either. From that paradox come both the opening and the danger for middle powers, and five options: comfortable dependency, hedging between poles, selective sovereignty, bloc-building, and trading the complements the technology is hungry for — energy, land, patient capital — for a share in the roots rather than priority in the fruits. Before any of them, the essay argues, comes a prior duty: drawing real borders in cyberspace. Saudi Arabia closes the piece as a worked example, holding half the inherited keys and racing for the other half.

مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)

قوبلت وقائعُ هذه المقالة بمصادرها — مؤتمر فيينا وصلح وستفاليا، وكتب فوكوياما وهنتنغتون وتشومسكي، وأرقام الطاقة والرقائق — مع فحصٍ للاقتباس. والنتيجةُ منشورةٌ كما خرجت، ولم تُعدَّل المقالة على ضوئها: اقرأ تدقيق المدقّق المحايد ←

© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.