وموضوعُ التدقيق الوقائعُ وحدَها: صحّةُ التواريخ والأسماء والأرقام، ومطابقةُ النقل لأصله، وهل تقول الورقةُ المذكورةُ ما نُسب إليها — لا أطروحةُ المقالة، ولا مقارنتُها بين نتائج أكسلرود ونصوص الوحي، ولا حكمُها على أيٍّ منهما. وما وُجد من مأخذٍ منشورٌ كما خرج، ولم تُعدَّل المقالةُ لتوافقه.
المنهج
قوبلت كلُّ دراسةٍ وكتابٍ ذكرتهما المقالةُ بأصلهما المنشور: رسالةُ ناش بنسخة جامعة برنستون المصوَّرة، وورقةُ نواك وزيغموند وورقةُ شيلنغ وورقةُ هيرشفيلد بمُعرِّفاتها الرقمية (DOI) ونصوصِها الكاملة حيث تيسّرت، وأرقامُ مسابقتَي أكسلرود بما نشره هو ومن أعاد بناء المسابقتين بعده. وقوبلت الآياتُ الخمسُ بنصّ المصحف. وحيث خالف مصدرٌ مصدرًا رُجِّح الأصلُ على الناقل عنه.
أولاً: ما ثبت
مدارُ المقالة على لقاءٍ واحدٍ مؤرَّخ، وعلى ستة أعمالٍ منشورةٍ بأرقامها، وعلى خمس آيات. وقد ثبتت كلُّها، وفي موضعٍ واحدٍ كان نقدُ المقالة أضعفَ مما يحتمله الموضوع لا أقوى:
اللقاء في مكتب فون نويمان، وجملةُ «هذا تافه». ثابتٌ بروايةِ ناش نفسِه عند سيلفيا نصار في «عقل جميل»: دخل ناش على فون نويمان، فما إن ساق جملتين حتى قاطعه قائلًا: “That’s trivial, you know. That’s just a fixed point theorem.” وموعدُ اللقاء أكتوبر ١٩٤٩م، فقولُ المقالة «في خريف عام 1949» مطابقٌ للفصل والسنة. وبرهانُ ناش قائمٌ فعلًا على مبرهنة نقطةٍ ثابتة — مبرهنةِ كاكوتاني — فوصفُ فون نويمان صحيحٌ في وصفه، والمقالةُ لا تنازع في ذلك، بل تبني عليه خاتمتَها.
الكتابُ الذي وضعه فون نويمان «قبل خمس سنوات». هو Theory of Games and Economic Behavior، صدر سنةَ ١٩٤٤م عن مطبعة جامعة برنستون. والفرقُ بينه وبين لقاء ١٩٤٩م خمسُ سنواتٍ بالضبط.
رسالةُ الدكتوراه، ومايو ١٩٥٠م، ونوبل ١٩٩٤م. رسالةُ ناش Non-Cooperative Games قُدِّمت إلى جامعة برنستون في مايو ١٩٥٠م، وهي من أقصر الرسائل المعروفة، وليس في ثبتِ مراجعها إلا مرجعان. ونال ناش جائزةَ نوبل في الاقتصاد سنةَ ١٩٩٤م مناصفةً مع جون هارساني ورينهارد زيلتن، فالفارقُ أربعةٌ وأربعون عامًا كما قالت المقالة. نصُّ الرسالة — جامعة برنستون
ما أثبته ناش، وما لم يُثبته. هذا هو لبُّ المقالة، وهو صحيح. مبرهنةُ ناش تقرِّر وجودَ نقطة توازنٍ واحدةٍ على الأقل في كل لعبةٍ محدودةٍ بعددٍ محدودٍ من اللاعبين والاستراتيجيات، ولا تقرِّر شيئًا عن جودة تلك النقطة ولا عن أمثليَّتها. ومعضلةُ السجينين هي المثالُ المدرسيُّ على توازنٍ وحيدٍ هو في الوقت نفسه أسوأُ للطرفين من خيارٍ آخر متاح.
مشهدُ الفيلم، وأنّ ناش لم يقل ذلك ولم يذكر آدم سميث. ثابت. المشهدُ من صنع كاتب السيناريو، ولا أصل له عند ناش ولا في رسالته. بل إنّ المأخذ أكبرُ مما ذكرته المقالة: الحلُّ الذي يقترحه المشهد — أن ينصرف الجميع عن الفتاة — ليس توازنَ ناش أصلًا، لأنّ كلَّ واحدٍ منهم يستفيد حينئذٍ بأن يخالف وحدَه. فالمشهدُ لا يُخطئ في نسبة القول إلى ناش فحسب، بل يُخطئ في المفهوم الذي سُمّي باسمه.
فلود ودريشر في «راند» مطلعَ ١٩٥٠م، وألبرت تكر هو صاحبُ القصة والاسم. ثابت. أجرى ميريل فلود وملفن دريشر تجربتَهما في مؤسسة راند مطلعَ سنة ١٩٥٠م، وأدارا مئةَ جولةٍ متتاليةٍ لعبها زميلاهما الاقتصاديُّ أرمن ألكيان والرياضيُّ جون ويليامز. ثم صاغ ألبرت تكر — أستاذُ ناش — القصةَ ذاتَ السجينَين ليقرِّب الفكرة إلى جمهورٍ من علماء النفس، وعنه أُخذ الاسم. فترتيبُ الأسماء والأدوار في المقالة على وجهه.
أرقامُ مسابقتَي أكسلرود كلُّها. أربعةَ عشرَ برنامجًا في المسابقة الأولى سنةَ ١٩٨٠م، ومئتا جولةٍ في كل مباراة، وفوزُ «المعاملة بالمثل» (Tit for Tat) الذي أرسله أناتول رابوبورت في أربعة أسطر. ثم اثنان وستون برنامجًا في المسابقة الثانية من ستِّ دولٍ — الولاياتُ المتحدة وكندا وبريطانيا والنرويج وسويسرا ونيوزيلندا — وفوزُ البرنامج نفسِه مرةً ثانيةً وكلُّ المتسابقين يعرفون أنه الفائزُ السابق. كلُّ رقمٍ من هذه ثابتٌ بحرفه.
القواعدُ الأربع بألفاظها الإنجليزية. Be nice، Be retaliatory، Be forgiving، Be clear — هي خلاصةُ أكسلرود في «تطور التعاون» (١٩٨٤م)، والمقالةُ تنسبها إليه صراحةً وتضع ألفاظَه بين قوسين، فهي نقلٌ معزوٌّ لا تملُّكَ فيه.
ملاحظةُ أنّ «المعاملة بالمثل» لم يهزم خصمًا واحدًا في مواجهة مباشرة. ثابتةٌ عند أكسلرود، وهي من أشهر ما في الكتاب: البرنامجُ لا يمكنه بحكم قاعدته أن يسبق خصمَه في مباراةٍ ثنائية، لأنه لا يخون أولًا؛ وإنما فاز بالمجموع لأنه يرفع حصيلةَ من يلعب معه فترتفع حصيلتُه.
نواك وزيغموند سنةَ ١٩٩٢م، و«المعاملة بالمثل الكريمة». الورقةُ “Tit for tat in heterogeneous populations”، مجلة Nature ١٩٩٢؛ ٣٥٥: ٢٥٠–٢٥٣، وفيها بعينه ما قالته المقالة: أنّ إدخال احتمال الخطأ في تنفيذ الحركة يُدخل اللاعبَين في دوّامة انتقامٍ متبادَل، وأنّ نسخةً أكثر تسامحًا تتغاضى عمدًا عن بعض الخيانات تتغلَّب على «المعاملة بالمثل» في هذا الوسط. doi.org/10.1038/355250a0
شيلنغ سنةَ ١٩٧٨م، وعنوانُ مقالته، ونوبلُه بعد ذلك. المقالةُ “Egonomics, or the Art of Self-Management”، مجلة American Economic Review ١٩٧٨؛ ٦٨(٢): ٢٩٠–٢٩٤ — فالعنوانُ والسنةُ والصفحاتُ كما في ثبت المقالة. ونال توماس شيلنغ نوبلَ الاقتصاد سنةَ ٢٠٠٥م، فقولُ المقالة «الحائز على نوبل لاحقًا» دقيقٌ في ترتيبه الزمني. jstor.org/stable/1816707
إلستر «في العام التالي»، وجنسيتُه، وعنوانُ كتابه. يون إلستر فيلسوفٌ نرويجيّ، وكتابُه Ulysses and the Sirens: Studies in Rationality and Irrationality صدر سنةَ ١٩٧٩م عن مطبعة جامعة كمبردج — أي في العام التالي لمقالة شيلنغ، كما قالت المقالة.
كارس سنةَ ١٩٨٦م، وأستاذيَّتُه. جيمس كارس أستاذُ تاريخ الأديان وآدابها بجامعة نيويورك، وكتابُه Finite and Infinite Games صدر سنةَ ١٩٨٦م. والتفريقُ الذي نقلته المقالة — لعبةٌ تُلعب للفوز وأخرى تُلعب لاستمرار اللعب — هو تفريقُ الكتاب بعينه.
الآياتُ الخمسُ بنصِّها وعزوِها. قوبلت كلُّها بالمصحف: الشورى ٣٩–٤٠، وفصلت ٣٤ (والمقالةُ نقلت شطرَها الثاني، وهو ظاهرٌ من سياقها)، والقيامة ٢٠–٢١، والأعلى ١٦–١٧. لم يقع في النقل حرفٌ زائدٌ ولا ناقص، ولا خطأٌ في رقم سورةٍ ولا آية. وترتيبُ الدرجات الثلاث الذي استخرجته المقالةُ من آيتَي الشورى — الانتصارُ، ثم تقييدُه بالمثل، ثم رفعُ العفو فوقهما — قراءةٌ يحتملها النظمُ ويقول بها المفسرون.
ثانياً: ما يستحقّ تنبيه القارئ
موضعٌ واحدٌ يمسُّ ما يفهمه القارئ من التجربة، ومعه ملاحظةُ رقمٍ لا تغيّر معنًى:
«اختار أن يدخر للتقاعد أكثر» — المقيسُ في التجربة نيّةُ ادّخارٍ مفترضة، لا ادّخارٌ وقع. هذا أهمُّ ما في هذا التدقيق. تجربةُ هيرشفيلد وفريقِه (J. Marketing Research ٢٠١١؛ ٤٨: S23–S37) لم تقِس مالًا ادُّخر، وإنما سألت المشاركَ أن يتخيّل أنه تلقّى ألف دولارٍ لم يكن يتوقعها، ثم يوزّعها على أربعة أوجهٍ أحدُها صندوقُ تقاعد؛ وفي تجربتين أخريين قِيست مفاضلاتٌ زمنيةٌ واستبانةُ إنفاقٍ في مواقفَ مفترضةٍ كذلك. فالنتيجةُ الثابتة أنّ رؤية الوجه المُشيَّخ تُغيّر ما يقوله الشابُّ إنه سيفعل بمالٍ متخيَّل، لا أنها غيّرت ما فعله بماله. والفرقُ يهمُّ القارئ: عبارةُ المقالة «اختار أن يدخر للتقاعد أكثر» تُقرأ على أنّ سلوكًا تبدَّل، والذي تبدَّل تخصيصٌ افتراضيّ. ولا يسقط بهذا أصلُ الفكرة التي بنت عليها المقالةُ فقرتَها — أنّ إحضارَ الذات المستقبلية يُدخلها طرفًا في التفاوض — فهي نتيجةُ الورقة المعلنة؛ وإنما يسقط ما هو أقوى منها. PMC3949005 — نصٌّ كامل
«لتبدو أكبر بأربعين عامًا» — الفارقُ في التجربة نحوُ خمسين سنة. شُيِّخت الوجوهُ في التجربة إلى نحو السبعين، والمشاركون طلبةُ جامعةٍ متوسّطُ أعمارهم نحوُ العشرين أو الحادية والعشرين، فالفارقُ نحوُ خمسين سنةً لا أربعين. والرقمُ نفسُه يتكرّر في المقالة مرةً ثانيةً في فقرة «ميزان الوحي» («يريك وجهك بعد أربعين عامًا»). ولا يتغيّر بذلك شيءٌ في المعنى، وإنما يُذكر ليعرف القارئُ الرقمَ إن رجع إلى الورقة.
وتبقى مواضعُ صغيرةٌ لا تُغيّر شيئًا في فهم القارئ، تُجمع هنا ولا تُفرد: أنّ عدد صفحات رسالة ناش يُذكر في المصادر ستًّا وعشرين أو سبعًا وعشرين أو ثمانيًا وعشرين بحسب ما يُعدُّ من صفحات المتن والثبت والفهرس، فرقمُ المقالة «سبع وعشرون» أحدُ الأعداد المتداولة ولا يُخطَّأ؛ وأنّ كتاب سنة ١٩٤٤م الذي نُسب إلى فون نويمان وحدَه هو في الحقيقة بينه وبين الاقتصادي أوسكار مورغنشترن، وإن كان الأساسُ الرياضيُّ لفون نويمان؛ وأنّ برامج مسابقة أكسلرود الأولى أربعةَ عشرَ برنامجًا مُرسَلًا أضاف إليها أكسلرود برنامجًا عشوائيًّا خامسَ عشرَ من عنده؛ وأنّ أناتول رابوبورت يُوصف في مصادره بعالم النفس الرياضيّ، وهو أدقُّ من «عالم النفس» وحدَها. ولا يُبنى على شيءٍ من ذلك تصويبٌ.
ثالثاً: فحص الاقتباس
بُحثت جملٌ حاملةٌ من المقالة بألفاظها مقتبسةً — منها «الحساب الصحيح هو الذي أوصلهما إلى القاع»، و«الإرادة هي اللاعب الذي يخسر دائمًا»، و«الطبيب في هذه اللعبة وكيل عن الذات المستقبلية للمريض»، و«حسابه أوسع من مصفوفة أكسلرود»، و«قليل من التسامح ليس ضعفًا، بل صمام أمان ضد سوء الفهم»، و«تعقل ناقتك قبل أن تنفر، لا بعدها»، و«من يريد أن يربح الجدال مع زوجته يخسر الزواج»، و«التعاون يمكن أن يُهندس» — فلم يظهر لأيٍّ منها مطابقٌ منشور، لا بحرفه ولا بما يقاربه.
وقوبلت المقالةُ بمقالات الموقع السابقة، فلم يوجد فيها موضعٌ واحدٌ يعيد صياغةَ فقرةٍ منشورة. والتقاءُ الوحيد أنّ أناتول رابوبورت ذُكر قبلَها في مقالة «إلا من رحم ربك» في سياقٍ آخرَ تمامًا — أدبُ النقد في أربع قواعد كما نقله دانيال دينيت عنه — ولا نصَّ مشتركًا بين الموضعين. وقد أحالت المقالةُ إحالةً صريحةً إلى مقالة «ولا يزالون مختلفين» حيث بنت على ما فيها، وهو العزوُ الذي يُطلب.
أما القواعدُ الأربعُ المنقولة عن أكسلرود، والتفريقُ بين اللعبة المنتهية واللانهائية المنقول عن كارس، ومصطلحُ «ظل المستقبل»، فكلُّها منسوبةٌ إلى أصحابها في المتن بأسمائهم وكتبهم وسنواتها، وألفاظُها الإنجليزيةُ موضوعةٌ بين قوسين إلى جانب التعريب. وهذا نقلٌ معزوٌّ لا اقتباسَ فيه.
النتيجة: خطرٌ منخفض (LOW). لم يظهر تطابقٌ لفظيٌّ مع أي مصدرٍ منشور، ولا إعادةُ صياغةٍ غيرِ معزوّةٍ لعملٍ بلغةٍ أخرى. والأفكارُ المنقولةُ منسوبةٌ إلى أهلها في مواضعها.
نُشر هذا التدقيقُ كما خرج، ولم تُعدَّل المقالةُ لتوافقه. → العودة إلى المقالة