عندما يتحدث «الحالمون» عن الأندلس المفقودة، يكون حديثهم عن أماكنه وزواياه أولاً: قرطبة وغرناطة وطليطلة وإشبيلية وغيرها، ثم عن الأسماء اللامعة والأمراء والخلفاء المعروفين. ويسقط سهواً السؤالُ الذي ينبغي أن يسبق ذلك كله: من هم أهل الأندلس؟ فإذا عرفنا أن العرب الفاتحين والمهاجرين من الشام كانوا آلافاً — أو قل عشرات الآلاف ولا ضير — فمن هم أهل الأندلس فعلاً؟ من ساكنوها الذين ملؤوا مدنها وقراها طوال ثمانية قرون؟ وما كانت أعراقهم ودياناتهم وألسنتهم؟
ونقطة أخرى استدعت مني طرح السؤال والبحث — وهي موضوع مقال آخر قادم: فقد حفل التاريخ بذكر استياء الأندلسيين من القادمين الجدد من العدوة الجنوبية، بلاد المغرب، في زمن المرابطين ثم الموحدين من بعدهم. ولكن أليس أهل الأندلس أنفسهم، في غالبيتهم كما يُظن، ممن عبروا المضيق سابقاً وهم أصلاً من أهل المغرب؟ فماذا تغيّر؟ الجواب عن هذا السؤال يبدأ من هنا: من معرفة من هم أهل الأندلس أصلاً.
وسيقفز هذا المقال في سرده قفزاتٍ، بعضها كبير جداً، ليكون التسلسل منطقياً وأيسرَ فهماً؛ فسنبدأ من نهاية القصة لا من أولها: من الفتنة القرطبية التي كان وقودُها الأساسي عرقياً، ثم نعود إلى حال الجزيرة الإيبيرية وقت الفتح، ونمضي من هناك صعوداً حتى نقف على عتبة استدعاء المرابطين.
مشهدُ البداية: قرطبة تأكل أبناءها
في سنة ٣٩٩هـ (١٠٠٩م) انفجرت قرطبة. سقطت الدولة العامرية في أيام معدودة، وخرجت العامّة إلى الشوارع تطارد «البرابرة»: جنودَ المنصور بن أبي عامر الذين استقدمهم من العدوة المغربية قبل عقود ليكونوا سيفَ الدولة، فصاروا في نظر القرطبيين سببَ خرابها. نُهبت دورهم، وأُحرقت أحياؤهم، وقُتل من أُدرك منهم، وانحاز الباقون إلى ظاهر المدينة يحملون حقداً ستدفع الأندلس كلها ثمنه.
وبعد أربع سنين، في شوال ٤٠٣هـ (١٠١٣م)، عاد البربر ومعهم سليمان المستعين، فاقتحموا قرطبة اقتحاماً وأعملوا فيها النهب والقتل، وكان فيمن قُتل يومئذ محدِّثُ الأندلس ومؤرِّخ علمائها ابن الفَرَضي، صاحب «تاريخ علماء الأندلس»، الذي وُجد صريعاً في داره وبقي أياماً لا يُدفن — وكان قد دعا الله عند الكعبة أن يرزقه الشهادة، فذُكِّر بذلك فقال: فاستُجيب لي.
والمفارقة التي قلَّ من يلتفت إليها: أن كثيراً من القرطبيين الذين طاردوا «البرابرة» سنة ٣٩٩هـ كانت تجري في عروقهم دماء بربرية من جيش الفتح قبل ثلاثة قرون، ودماء إيبيرية من أمهات وجدّات لا يُحصَين، ودماء عربية صريحة أو منتحَلة. فمن «الأندلسي» إذن؟ ومن «البربري»؟ وكيف صار وافدون من ثلاث قارات أمةً واحدة تنظر إلى أبناء عمومتها عبر المضيق نظرتَها إلى الغرباء؟ للجواب لا بد من القفزة الأولى — الكبرى — إلى الوراء: ثلاثة قرون كاملة، إلى ما قبل نزول طارق بجبله.
قبل الفتح: مملكة متصدِّعة على طرف العالم
حين نزل طارق بن زياد بجبله سنة ٩٢هـ (٧١١م)، لم يكن أمامه «دولة» بالمعنى الذي نتخيله، بل هيكل متآكل. كانت إيبيريا القوطية طبقتين لا تختلطان: أقلية قوطية حاكمة لا تكاد تبلغ اثنين في المئة من السكان، جاءت غازيةً قبل قرنين ونيّف، فوق ملايين الإيبيريين الرومان من أهل البلاد الأصليين، تفصل بينهما قوانين ظلّت زمناً طويلاً تحرِّم التزاوج وتكرّس الامتيازات.
وكان في قاع ذلك الهرم يهودُ إيبيريا، وقد بلغ اضطهادهم في القرن الأخير من حكم القوط حدّاً لا نظير له في أوروبا يومئذ: تنصيرٌ قسري بمرسوم الملك سيسِبوت سنة ٦١٦م، ثم سلسلة مجامع طليطلة الكنسية التي ضيّقت عليهم الخناق مجمعاً بعد مجمع، حتى قضى مجمع سنة ٦٩٤م باسترقاقهم جميعاً وانتزاع أطفالهم لتنشئتهم نصارى. فلا عجب أن تذكر المصادر العربية أن الفاتحين كانوا يستخلفون اليهود على حراسة المدن المفتوحة، ثقةً بأن قوماً هذا حالهم لن يحنّوا إلى النظام القديم. يضاف إلى ذلك نزاعٌ مفتوح على العرش بين بيت الملك غيطشة وبين لذريق المغتصِب — وهو النزاع الذي فتح الباب أصلاً. لقد سقطت المملكة في سنوات قليلة لأنها كانت، ببساطة، جاهزة للسقوط.
طبقات النسيج: من جاء، ومتى، وأين استقرّ
الطبقة الأولى — الإيبيريون أهل البلاد: وهم البحر الذي ستصبّ فيه كل الروافد الآتية. ملايين من الهسبان الرومان، لم يرحلوا ولم يُستبدَلوا، بل بقوا يفلحون الأرض ذاتها ويسكنون المدن ذاتها، وتحوّلوا عبر القرون — كما سنرى — إلى جمهور «المولَّدين» الذي سيصير هو «الأندلسيين» بلا قيد ولا وصف.
الثانية — بربر الفتح: كان جيش طارق — نحو اثني عشر ألفاً — بربرياً في معظمه، وتبعته موجات استيطان توزّعت في الهضاب والجبال وغرب شبه الجزيرة، بينما استأثر العرب بخير الأرض في الوديان. وقد ثار هؤلاء البربر ثورتهم الكبرى سنة ١٢٢هـ (٧٤٠م) بامتدادٍ لثورة إخوانهم الصفرية في المغرب، ثم أجلت المجاعاتُ كثيراً منهم عن الثغور الشمالية الغربية فأخلوا جِلِّيقية. والمهم لموضوعنا: أن أحفاد هذه الطبقة ذابوا في النسيج خلال أجيال، حتى صار لفظ «البربري» في وعي القرن الخامس يعني الوافدَ الجديد حصراً، لا المنحدرَ من نسلٍ بربري قديم.
الثالثة — عرب «البلديين»: جيش موسى بن نصير الذي لحق بطارق — نحو ثمانية عشر ألفاً من يمانية العرب ومضرها — قد أخذوا صفوة البلاد: حوض الوادي الكبير وحواضر الجنوب، وحملوا معهم عصبياتهم القيسية واليمانية التي ستشعل حروب العصبية عقوداً.
الرابعة — الأجناد الشامية: عبر بلجُ بن بشر القشيري سنة ١٢٣هـ (٧٤١م) بفلول أجناد الشام الذين حوصروا في سبتة بعد ثورة بربر المغرب، فلما استقرّ الأمر أنزلهم الوالي أبو الخطّار الكلبي منازلَ الأجناد على نظام الشام نفسه: جند دمشق في إلبيرة (غرناطة)، وجند الأردن في ريّة (مالقة)، وجند فلسطين في شذونة، وجند حمص في إشبيلية، وجند قنّسرين في جيّان، وجند مصر في باجة وتدمير. وهذه الطبقة تحديداً — بولائها الأموي القديم — هي التي التقطت الأميرَ الشريد عبد الرحمن الداخل سنة ١٣٨هـ (٧٥٦م) فقامت على أكتافها الدولة الأموية الأندلسية.
الخامسة — الصقالبة والسودان: رقيقُ أوروبا الشرقية والفرنجة الذين جُلبوا خدماً وجنداً للقصور، فتأدّبوا وتعرّبوا وأُعتقوا ونبغ منهم كتّاب وقادة، حتى إذا انهارت الخلافة قامت لبعضهم دولُ طوائف في شرق الأندلس: خيران العامري بالمرية، ومجاهد العامري بدانية — وفي بلاط دانية هذا ستُكتب أغرب وثيقة في تاريخ الهوية الأندلسية، وسنقف عندها بعد قليل.
السادسة — من بقي على دينه: المستعربون النصارى الذين تعرّبوا لساناً وزيّاً وأسماءً، حتى شكا الكاتب النصراني ألبارو القرطبي سنة ٨٥٤م من أن شباب النصارى مفتونون بالشعر العربي ورسائله، يتقنون العربية ويتباهون بها، ولا يكاد يوجد فيهم من يحسن كتابة رسالة لاتينية. وأمّا اليهود فقد انتقلوا من الاسترقاق القوطي إلى واحدة من أزهى فترات تاريخهم: فحسداي بن شبروط طبيبُ عبد الرحمن الناصر وترجمانُه وسفيرُه، ثم صموئيل بن نغريلة (النغرالي) وزيرُ بني زيري في غرناطة ومدبّر جيوشهم — وسنعود إلى المصير المظلم لابنه يوسف في موضعه، فهو من أوائل الشروخ الكبرى في الجدار.
والخلاصة العددية التي يجب أن تستقر قبل مواصلة القراءة: هذه الروافد الوافدة كلها — عرباً وبربراً وصقالبة — لم تكن تبلغ مجتمعةً عُشرَ سكان شبه الجزيرة على أرجح التقديرات. الأغلبية الساحقة كانت ولم تزل الطبقةَ الأولى: أهلَ البلاد، وقد بدأوا يتحوّلون.
آلة الصهر: كيف يصير حفيدُ القوطيّ فقيهاً عربياً؟
لا توجد إحصاءات؛ فلم يُجرِ أحدٌ تعداداً للسكان في الأندلس. لكن المؤرخ ريتشارد بوليت ابتكر في سبعينيات القرن الماضي طريقة بارعة: تتبُّع سلاسل الأنساب في كتب التراجم، ورصدُ الجيل الذي يظهر فيه أول اسم إسلامي في كل سلسلة، ثم بناءُ «منحنى تحوّل» زمني من آلاف الحالات. ونتيجته للأندلس — على تقريبها — أن المسلمين كانوا نحو ربع السكان في أواخر القرن الثالث الهجري (٩٠٠م)، وبلغوا النصف نحو منتصفه، في عصر الناصر وازدهار قرطبة تحديداً، ثم نحو ثمانين في المئة بحلول سنة ١٠٠٠م. أرقام استدلالية لا يقينية، لكنها أفضل ما بأيدينا، وهي تكشف حقيقة مركزية: أن أسلمة الأندلس كانت عمليةً بطيئة استغرقت ثلاثة قرون، لا حدثاً رافق الفتح.
وكانت للصهر أدواتٌ أربع. أولاها اللغة: عربيةٌ فصحى في الديوان والعلم والشعر، ورومانثيةٌ دارجة في الأسواق والبيوت، وثنائيةٌ لسانية عمّت الجميع حتى المسلمين أنفسهم؛ وخرجاتُ الموشحات — تلك المقاطع الختامية الرومانثية أو المهجّنة في ذيل القصيدة العربية — شاهد حي على هذا الامتزاج.
وثانيتها المصاهرة وأمهات الأولاد: وخيرُ شاهد الخليفةُ الناصر نفسه؛ فقد كان عبد الرحمن الثالث أزرقَ العينين أشقرَ يخضب شعره بالسواد ليُشبه العرب، جدّته أميرة نافارية من بيت بنبلونة، وأمه سبيّة من الشمال. بل إن أمراء بني أمية بالأندلس كلَّهم تقريباً من أمهات إيبيريات، فكان الخليفة «القرشي» — بحساب الدم المجرد — إيبيرياً في معظمه، وليس هذا استثناءً بل هو القاعدة التي جرى عليها المجتمع من قمته إلى قاعدته.
وثالثتها ما يمكن تسميته اقتصادَ الأنساب: فابن حزم في «جمهرة أنساب العرب» يرصد بعين الناقد بيوتاً انتحلت أنساباً عربية لا أصل لها، بينما ادّعى عمر بن حفصون — زعيمُ أكبر ثورات المولدين — نسباً إلى أشراف القوط. النسب في الأندلس كان رأسَ مال رمزياً يُشترى ويُنتحل ويُنسى، وهذا وحده دليل على أن الدم الحقيقي كان قد اختلط حتى صار الادعاء ممكناً وغيرَ قابل للتكذيب.
ورابعتها — وهي الأبلغ — اختبارُ ابن حفصون ذاته: فقد قامت ثورته العارمة في جبال الجنوب (٢٦٧–٣١٥هـ) على ما وجده المولَّدون من استئثار العرب، ودانت له الجبال ما دام رافعاً رايةَ العدل داخل البيت الإسلامي. فلما تنصّر سنة ٢٨٦هـ ظنّاً منه أن أصول الثوار الإيبيرية ستجعل النصرانية جامعتَهم، انفضّ عنه المولّدون المسلمون وانحسر أمره. تلك اللحظة تؤرِّخ لولادة الهوية الجديدة: صار الانتماء للإسلام والعربية لا للعرق، ومات المعنى القديم لكلمة «مولَّد»، ووُلد «الأندلسي».
وليس أدلّ على اكتمال الصهر من اسم أحد أعظم مؤرخي القرن الرابع: ابن القوطية — أي «ابن المرأة القوطية» — صاحب «تاريخ افتتاح الأندلس»، وهو من نسل سارة القوطية حفيدة الملك غيطشة التي رحلت بنفسها إلى دمشق تشكو عمَّها إلى هشام بن عبد الملك. كان الرجل من أئمة اللغة العربية ونُحاتها في زمانه، وكان يحمل جدّته القوطية في اسمه فخراً لا غضاضة. في هذا الاسم وحده يختصر النسيجُ الأندلسي نفسَه.
الهوية تُعلن عن نفسها: رسالة ابن غرسية
في منتصف القرن الخامس الهجري، في بلاط دانية الصقلبي، كتب أبو عامر بن غرسية البشكنسي — وأصله باسكيٌّ سُبي طفلاً فتأدّب على العربية حتى برّز — رسالتَه الشعوبية الشهيرة، وهي الوثيقة الوحيدة الصريحة الباقية من شعوبية الأندلس. يفخر فيها بالعجم على العرب: فالعرب عنده رعاةُ إبلٍ وجفاةُ بادية، والعجمُ — وعجمُه همُ الروم وأبناء إيبيريا — أهلُ ملكٍ وحضارةٍ وسياسة.
والمفارقة هنا مزدوجة: فالرسالة الهاجية للعرب مكتوبة بعربيةٍ من أفصح ما كُتب في ذلك العصر، مليئة بأمثال العرب وأشعارهم؛ ثم إن الذين انبروا للرد عليها حميّةً للعرب لم يكونوا كلهم عرباً، وقد حُفظ من الردود خمسةٌ. أي أن المعركة كلها — هجوماً ودفاعاً — دارت داخل البيت الأندلسي الواحد وبلسانٍ واحد. لم تكن الرسالة صرخةَ أقليةٍ مقهورة، بل إعلاناً — بلغة المنتصر لا المهزوم — بأنّ النسب العربي لم يعد شرطَ الوجاهة في مجتمعٍ صارت العربيةُ والإسلام والأندلسيةُ فيه ملكاً مشاعاً للجميع. وهذا ما يجب أن نتذكره ونحن نقترب من لحظة لقاء المرابطين: أمّةٌ بهذا الاعتداد بحضريّتها لن تلقى قادمين من الصحراء لقاءَ المستنجِد الشاكر وحده.
طوائف بربريةُ الأنساب، أندلسيةُ الأرواح
سقطت الخلافة رسمياً سنة ٤٢٢هـ (١٠٣١م)، وتوزّعت البلاد دويلاتٍ تحكي أصولُ ملوكها خريطةَ النسيج الذي وصفناه: عربٌ في إشبيلية (بنو عبّاد اللخميون) وسرقسطة (بنو هود)؛ وصقالبةٌ في شرق الأندلس؛ وبربرٌ في الثغور والجنوب: بنو الأفطس المكناسيون في بطليوس — ومنهم المظفَّر صاحب الموسوعة الأدبية الضخمة المعروفة بـ«المظفَّري» — وبنو ذي النون الهوّاريون في طليطلة وقد اشتهرت قصورهم ومجالس مأمونهم، وبنو زيري الصنهاجيون في غرناطة.
فتأمَّل: بنو زيري صنهاجةٌ من القبيلة الأمّ ذاتها التي ستخرج منها لمتونةُ المرابطين. ومع ذلك فحين كتب آخرُ أمرائهم عبد الله بن بُلُقِّين مذكراتِه («التبيان» — وهي وثيقة فريدة في التراث العربي كله: أميرٌ مخلوع يكتب سيرته الذاتية والسياسية بضمير المتكلم) كتبها بوعيٍ أندلسي كامل: في همومه وذائقته ومفاهيمه عن الملك والعمران. وسيخلعه عن عرشه أبناءُ عمومته الصنهاجيون الصحراويون سنة ٤٨٣هـ (١٠٩٠م) وينفونه إلى أغمات، إلى جوار المعتمد بن عبّاد. صنهاجيٌّ يشكو صنهاجة: أوضحُ برهانٍ على أن الصراع القادم لم يكن عرقياً، بل صراعَ هويةٍ حضريةٍ متوسطية مع وافدٍ صحراوي.
على أن صورة التعايش في عصر الطوائف يجب ألا تُرسم وردية بلا ظلال؛ ففي غرناطة الزيرية نفسها وقعت سنة ٤٥٩هـ (١٠٦٦م) فتنةٌ عمياء قُتل فيها الوزير يوسف بن نغريلة وذهب في المذبحة خلقٌ كثير من يهود المدينة — وهي من أوائل الشروخ الكبرى في جدار التعايش الأندلسي، وقد وقعت قبل عبور المرابطين بعشرين سنة. ومن أراد أن يحاكم العهود اللاحقة في ملف أهل الذمة بإنصاف، فعليه أن يحفظ هذا التاريخ في ذهنه.
على الضفة الأخرى: خاتمةٌ معلَّقة
في النصف الثاني من القرن الخامس اكتملت عناصر العاصفة: ملوكُ طوائفَ يتقاتلون ويستعين بعضُهم بالنصارى على بعض، وأموالُ جزيةٍ سنوية (تسميها الوثائق الإسبانية «بارياس») تُحمل من قصور المسلمين إلى خزائن ألفونسو السادس فتموّل قوته عليهم، وشعبٌ أنهكته المكوس التي فُرضت لدفعها، وفقهاءُ يرون في ذلك كله خروجاً على الشرع. ثم جاءت الصاعقة: سقطت طليطلة سنة ٤٧٨هـ (١٠٨٥م)، أول حاضرة كبرى تسقط من يد الإسلام في الأندلس، فارتجّت شبه الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها.
وعلى الضفة الأخرى من المضيق كانت قد قامت دولةٌ فتية مترامية من صنهاجة الصحراء: ملثَّمون لا يعرفون الموشحات ولا مجالس الأنس، زهّادٌ مجاهدون فقهاؤهم مالكيةٌ صرحاء، يقودهم شيخٌ جاوز السبعين اسمه يوسف بن تاشفين. هؤلاء لم يغزوا الأندلس؛ الأندلسُ هي التي استدعتهم: كتب إليهم المعتمد وملوكُ الطوائف والفقهاءُ يستصرخونهم، وقال المعتمد كلمته الشهيرة التي تختصر المأزق كله: «رعيُ الجمال خيرٌ من رعي الخنازير».
فماذا يحدث حين يلتقي هذا النسيجُ الذي تعرّفنا إليه — المعتدُّ بحضريّته، الملوَّنُ الأعراق، الموحَّدُ اللسان والهوية — بمنقذين قادمين من عالمٍ آخر؟ هل كان المرابطون فاتحين أم منقذين؟ وهل كان استياء الأندلسيين منهم تعصّباً حضرياً أم تجربةً مريرة؟ تلك حكاية المقال القادم.
أهم المصادر والمراجع
من المصادر الأصلية: «تاريخ افتتاح الأندلس» لابن القوطية، و«المقتبس» لابن حيّان، و«جمهرة أنساب العرب» و«نقط العروس» لابن حزم، ورسالة ابن غرسية وردودها (نشرها عبد السلام هارون ضمن «نوادر المخطوطات»)، و«التبيان» لعبد الله بن بلقين (تحقيق ليفي بروفنسال)، و«أخبار مجموعة» لمؤلف مجهول، و«البيان المغرب» لابن عذاري، و«نفح الطيب» للمقّري.
من الدراسات الحديثة: ريتشارد بوليت، «التحول إلى الإسلام في العصور الوسطى» (١٩٧٩) لمنحنى الأسلمة؛ وبيير غيشار، «الأندلس: البنية الأنثروبولوجية» (١٩٧٦) لإثبات عمق الاستيطان القبلي ونقض أطروحة سانشيث ألبورنوث «الإسبانية»؛ وتوماس غليك، «إسبانيا الإسلامية والمسيحية في العصور الوسطى المبكرة»؛ وإيفاريست ليفي بروفنسال، «تاريخ إسبانيا الإسلامية»؛ وحسين مؤنس، «فجر الأندلس»؛ ودافيد فاسرشتاين، «قيام ملوك الطوائف وسقوطهم». وللقارئ أن يلاحظ أن الجدل بين المدرستين — «إسبانيا المستعرَبة» عند ألبورنوث و«الأندلس الشرقية» عند غيشار — هو نفسه فصلٌ من فصول صراع الهوية الذي أرَّخنا له.
In brief (English)
Who, in fact, were the people of al-Andalus? The essay begins at the end — the Cordoban fitna of 399/1009, when a mob hunted down "the Berbers" — and notes the irony: many of those doing the hunting carried Berber and Iberian blood themselves. It then jumps back three centuries. Visigothic Iberia was a thin ruling caste of perhaps two percent sitting atop millions of Hispano-Romans, with a persecuted Jewish population at the base; it fell quickly because it was ready to fall. The incoming layers — Berbers of the conquest, Arab baladiyyūn, the Syrian ajnād, Slavs — together never reached a tenth of the peninsula's people. The overwhelming majority were the inhabitants already there, and they converted slowly: on Richard Bulliet's onomastic curve, Muslims were a quarter of the population at the turn of the fourth Islamic century and only around eighty percent by the year 1000. Language, intermarriage, an economy of purchased genealogies, and the failure of Ibn Ḥafṣūn's revolt once he converted to Christianity did the rest. By the time Ibn García wrote his shuʿūbī epistle — a broadside against the Arabs, in some of the finest Arabic of its age — Arabness had ceased to be the price of standing. The essay closes on the eve of the Almoravid summons, with the question of what happens when this urbane, many-blooded, single-tongued people meets its rescuers from the desert.
مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)
قوبلت دعاوى هذه المقالة بالمصادر الأصلية وبالدراسات الحديثة، مع فحصٍ للاقتباس. والنقد منشورٌ كاملاً غيرَ منقوص، بما لها وما عليها، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقه: اقرأ نقد المدقّق المحايد ←
© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.