حسين الخالدي · مقالات  —  مقالة

تغريبة بني هلال بين التاريخ والأساطير

من الحلقة والربابة إلى الوثيقة: أين تنتهي الوقائع ويبدأ الخيال؟

بنو هلالالتغريبةابن خلدون

من منا لم يسمع بتغريبة بني هلال وقصص أبي زيد الهلالي؟ فقبل أن تكون التغريبة باباً في كتب التاريخ كانت سهرةً في المقاهي والموالد: شاعر يسند ربابته إلى صدره ويرفع عقيرته بسيرة «الهلالي سلامة»، والناس حلقة حوله يعرفون الحكاية حرفاً حرفاً ثم لا يملّون سماعها، من صعيد مصر إلى بوادي تونس والجزائر. وكانت الكراريس الشعبية صفراء الورق تباع على الأرصفة بعناوينها المغرية: سيرة بني هلال، وأبو زيد الهلالي سلامة، والجازية، ودياب بن غانم، ومصرع الزناتي خليفة، حتى ضُرب بأبي زيد المثل في الدهاء والإقدام على كل لسان. ثم انتقلت الملحمة من الحلقة إلى الأثير حين جمعها عبد الرحمن الأبنودي من أفواه آخر رواتها الكبار وغنّاها جابر أبو حسين على الربابة في إذاعة القاهرة، ومن الأثير إلى الشاشة: فقدّم التلفزيون المصري «السيرة الهلالية» بأجزائها الثلاثة منذ سنة 1997 عن نص يسري الجندي، بأبي زيدٍ جسّده أحمد عبد العزيز، وقدّمت الدراما السورية سنة 2004 مسلسل «أبو زيد الهلالي» بإخراج باسل الخطيب، يبدأ في نجد وينتهي في تونس على خطى السيرة نفسها.

وللسيرة في المغرب الكبير حياة أخرى بلهجة أخرى: ففي تونس كان «الفداوي» يقصّها نثراً موشى بالشعر في الأسواق والمقاهي، والبلاد نفسها تسمى في الذاكرة الشعبية «بلاد الجازية»، حتى غدت الجازية الهلالية عند التونسيين أعلى مقاماً من أبي زيد نفسه، وقد جمع محمد المرزوقي رواياتها من أفواه رواتها ونشرها في كتابه «الجازية الهلالية»؛ وفي الجنوب الجزائري ظلت أخبار الهلاليين ودياب والزناتي خليفة تُروى وتُغنى في الملحون عند أولاد نائل وفي واحات الصحراء والهضاب، وجمع الباحثون، ومنهم عبد الحميد بورايو في نواحي بسكرة، ما بقي منها في صدور الرواة قبل أن يدركها النسيان. والفرق بين الضفتين لطيف الدلالة: فالسيرة في مصر ملحمة شعرية تُغنى غناء متصلاً على الربابة، وهي في تونس والجزائر أقرب إلى قصص نثري تتخلله الأشعار وتلتصق بأسماء الأمكنة، كأن كل بلد أخذ من الحكاية بقدر ما أخذت الحكاية منه: فالبلد الذي تخلف عن الركب حفظ الرحيل غناء، والبلاد التي استقر فيها الركب حفظت مواطئ أقدامه. فأي حدث هذا الذي عاش على الألسنة والشاشات قرابة ألف سنة؟ وأين تنتهي فيه الوقائع ويبدأ الخيال؟ ذلك ما يتقصاه هذا البحث، صاعداً من الحكاية إلى الوثيقة.

قلّ أن اجتمع في حدث واحد من أحداث التاريخ الإسلامي ما اجتمع في تغريبة بني هلال من التباس بين التاريخ والأسطورة، حتى صار اسم الواقعة نفسه مأخوذاً من الحكاية لا من الوثيقة؛ فلفظ «التغريبة» صنيع السيرة الشعبية ورواتها، أما المؤرخون القدامى فسمّوا الأمر «دخول العرب إلى إفريقية» أو «زحفة الأعراب من الصعيد»، وجعلوه في حوادث منتصف القرن الخامس الهجري. والباحث في هذا الموضوع يمشي على أرضين مختلفتي التربة: أرض الخبر المسند عند ابن الأثير وابن عذاري المراكشي والنويري وابن خلدون، وأرض الملحمة المروية على الربابة في مضارب مصر وتونس والجزائر؛ وأول شروط الدقة ألا تُسقى إحدى الأرضين بماء الأخرى، وألا يُطلب من السيرة ما يُطلب من التاريخ، ولا يُحرم التاريخ مما تحفظه السيرة من صدى بعيد صادق.

فأما أصل القوم فبيّن في كتب الأنساب: بنو هلال بطن من بطون هوازن، ينتسبون إلى هلال بن عامر بن صعصعة، من قيس عيلان من مضر، وهم بذلك أبناء عمومة لبني سُليم الذين سيشاركونهم الرحلة الكبرى ويقاسمونهم برقة وطرابلس. ديارهم الأولى نجد وأطراف الحجاز، حول جبل غزوان مما يلي الطائف، على ما يثبته ابن خلدون في الجزء السادس من كتاب العبر حيث عقد لأخبارهم وأنسابهم فصولاً هي إلى اليوم أوفى مصدر واحد عنهم. وقد ظلوا طوال القرون الإسلامية الأولى على بداوتهم، خارج دواوين الأمصار وأنظمة الجند، تحفظ عنهم كتب الأدب شدةً في الطبع وضيقاً بسلطان الدول؛ ثم يبرز ذكرهم في القرن الرابع الهجري حين انخرطت جموع منهم ومن بني سليم في حركة القرامطة وحروبها على الشام ومصر. فلما استقرت الغلبة للفاطميين نقلوا من ظفروا به من هذه القبائل إلى صعيد مصر، وأنزلوهم الضفة الشرقية من النيل ومنعوهم العبور إلى غربيه، فيما يرويه ابن خلدون؛ فأقاموا هناك نحواً من نصف قرن، جسماً غريباً في جوف الدولة الفاطمية، تشكو منهم الولاة عيثاً في الصعيد وتعجز الخزانة عن استيعابهم عطاءً وإقطاعاً. وهذا الأصل القرمطي ثم المنفى الصعيدي هو المقدمة البعيدة للتغريبة، إذ جعل من بني هلال قوة عسكرية جاهزة، غاضبة، لا يربطها بمصر ولاء، ولا يحول بينها وبين المغرب إلا نهر.

مخطط نسب بني هلال في صورة شجرة: مضر ثم قيس عيلان ثم هوازن ثم عامر بن صعصعة، ومنه هلال بن عامر الذي تتفرع منه البطون الكبرى: الأثبج (ومنهم دريد)، ورياح (ومنهم الذواودة)، وزغبة (ومنهم بنو عامر وسويد)، وجشم (ومنهم الخلط وسفيان)، وقرة؛ وإلى جانب هلال أخوه سليم الذي مضى إلى برقة وطرابلس، وبنو معقل الذين لحقوا بالركب وفي نسبهم خلاف
الشكل 1: نسب بني هلال وبطونهم الكبرى كما في عبر ابن خلدون (رسم أعد لهذا البحث)

وأما المقدمة القريبة فكانت في إفريقية نفسها. فقد كان بنو زيري الصنهاجيون ولاة الفاطميين عليها منذ ارتحل المعز لدين الله إلى القاهرة سنة 362هـ/973م، غير أن الرابطة بين القيروان والقاهرة أخذت تتآكل جيلاً بعد جيل: فأهل إفريقية جمهورهم على مذهب مالك، وفقهاء القيروان يضيقون بالمذهب الإسماعيلي، وقد شهد صدر ولاية المعز بن باديس مقتلة عظيمة بالشيعة في القيروان وأعمالها نحو سنتي 407 و408هـ يرويها ابن عذاري في البيان المغرب. ثم تدرج المعز بن باديس في قطع ما بقي من الحبل، حتى أسقط خطبة المستنصر الفاطمي وخطب للقائم بأمر الله العباسي، وأظهر شعار السواد، وذلك فيما بين سنتي 433 و440هـ على اختلاف بين المصادر في ضبط السنة، والأرجح أن الأمر كان انفصالاً متدرجاً توّج بإعلان صريح نحو سنة 440هـ/1049م لا قراراً واحداً مؤرخاً بيوم بعينه، وهذا الاختلاف نفسه ينبغي أن يُثبت في البحث لا أن يُطوى.

هنالك اجتمع في ديوان القاهرة غضبان: غضب المذهب وغضب الملك. وكان القائم على أمر الدولة الوزير الحسن بن علي اليازوري، والدولة يومئذ أعجز من أن تجهز جيشاً نظامياً يعبر بَرّ برقة الطويل لاسترداد إفريقية. فأشار اليازوري بالرأي الذي يسميه ابن الأثير في حوادث سنة 442هـ من الكامل تدبيراً أصاب به غرضين معاً: أن تتخلص مصر من أعراب الصعيد وعيثهم، وأن يُنتقم بهم من ابن باديس. وأطلق للقبائل العبور المحرم، وروى ابن خلدون قول اليازوري لهم: «قد أعطيتكم المغرب وملك المعز بن بلكين الصنهاجي العبد الآبق فلا تفتقرون» ـ كذا في العبر بنسبة المعز إلى جده الأعلى بلكين بن زيري لا إلى أبيه باديس ـ وأجرى لكل من عبر النيل ديناراً، وكتب إلى المعز كتابه المشهور المسجوع: «أما بعد، فقد أنفذنا إليكم خيولاً فحولاً، وحملنا عليها رجالاً كهولاً، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً»، وهو ثابت بلفظه في الكامل والعبر جميعاً. وهذه الرواية على شهرتها ينبغي أن تُقرأ قراءة نقدية: فهي في صياغتها الأدبية المحكمة أقرب إلى ما يصوغه الرواة بعد الحدث تفسيراً له، لكن جوهرها ـ أي أن الدولة الفاطمية رفعت الحظر عن عبور النيل ووجهت القبائل غرباً وأغرتها بإفريقية ـ تتضافر عليه المصادر المشرقية والمغربية جميعاً، ولا معنى للتشكيك فيه.

على أن الوقوف عند «مؤامرة اليازوري» وحدها تبسيطٌ يخل بالبحث، فالانتقام الفاطمي إنما كان الشرارة لا الحطب. وتحت الشرارة أسباب أعمق: أولها ضغط العيش، فالقبائل في الصعيد كانت جموعاً متكاثرة على موارد شحيحة، وقد أخذت مصر نفسها تدخل في اضطراب اقتصادي سيبلغ ذروته بعد سنوات في الشدة المستنصرية، فكان دفع الأعراب غرباً حلاً لأزمة داخلية قبل أن يكون عقوبة خارجية. وثانيها عجز النظام الفاطمي المالي عن احتواء هذه القوة القبلية بالعطاء والإقطاع، وهو عجز جعل بقاءهم في مصر خطراً وخروجَهم منها غنيمة. وثالثها الجاذب لا الدافع: فإفريقية كانت في أعين القبائل بلاد خصب وأمصار غنية وراء صحراء يعرفون عبورها، ودولتها الزيرية منقسمة على بيتها، قد انشق عنها بنو حماد في القلعة ثم بجاية، واشتعلت بينها وبين زناتة المغرب الأوسط حروب مزمنة. فالتغريبة في حقيقتها التقاء دفعٍ مصري وجذبٍ إفريقي وعداوة مذهبية، لا أثرُ قرارٍ واحد لوزير واحد.

فأما مجرى الحوادث فإن رياحاً وزغبة والأثبج وسائر بطون هلال عبروا النيل ثم برقة نحو سنة 442هـ/1050ـ1051م، فنزل بنو سليم برقة واستوطنوها، ومضى بنو هلال غرباً. والطريف أن المعز بن باديس استقبل أوائلهم استقبال المستنصِر بهم لا المحارب لهم، فاستمال رؤساءهم وأقطعهم وصاهر بعضهم طمعاً في أن يجعلهم سيفاً على خصومه، فلما استفحل أمرهم وضاقت البلاد بهم انقلب الحلف حرباً. وكانت الفيصل وقعة حيدران قرب قابس سنة 443هـ/1052م، حيث انكسر جيش صنهاجة على كثرة عدده ـ والمصادر تبالغ فتجعله ثلاثين ألفاً أمام آلاف قليلة من الأعراب ـ كسرةً لم تقم له بعدها قائمة في البسائط المفتوحة. ثم أخذ الخناق يضيق على القيروان حتى خرج منها المعز إلى المهدية معتصماً بالبحر في شعبان سنة 449هـ، ودخلها الأعراب فانتهبوها في أول يوم من رمضان من السنة نفسها (1057م) على ما يؤرخه ابن عذاري بالضبط، وتمزقت إفريقية دويلات مدن: بنو خراسان بتونس، وأمراء متفرقون بقابس وصفاقس، والحماديون وراء جبالهم، والبسائط كلها للقبائل تُضرب عليها الإتاوات. وليس في هذا كله «فتح» بالمعنى العسكري المنظم، وإنما هو تسرب هجري مسلح امتد عقوداً، غلبت فيه القبائل على الأرياف وبقيت المدن جزراً تتقيها بالمال.

خريطة لشمال إفريقيا وحوض المتوسط ترسم مسار التغريبة بسهمين: سهم أخضر للموجة الهلالية الأولى يمتد من نجد إلى صعيد مصر (القرن الرابع الهجري: النقل إلى الصعيد) ثم من الصعيد عبر برقة سنة 442هـ إلى إفريقية والقيروان والمهدية عند وقعة حيدران 443هـ ثم غرباً نحو تلمسان؛ وسهم أحمر للتحويلات الموحدية 548ـ595هـ من إفريقية إلى سلا وتامسنا ثم الإجازة للجهاد نحو إشبيلية بالأندلس
الشكل 2: مسار التغريبة من نجد إلى الأندلس؛ الأخضر للموجة الهلالية الأولى والأحمر للتحويلات الموحدية (رسم أعد لهذا البحث)

ولم تقف حركة البطون الهلالية عند خراب إفريقية، بل كان لها فصل غربي يُغفل كثيراً، وينبغي فيه أولاً تصحيح شائع: فالظاهرة في جوهرها موحدية لا مرابطية. ذلك أن دولة المرابطين قامت على عصبية لمتونة الصنهاجية، وجيوشها في الأندلس كانت من لمتونة وحشمها الزناتيين والعبيد والمرتزقة، ولم يكن الهلاليون داخلين في مجالها أصلاً، إذ ديارهم إفريقية والمغرب الأوسط خارج القبضة المرابطية؛ وإنما ظهر التحالف المرابطي الهلالي متأخراً وفي غير الأندلس، حين استعان تاشفين بن علي بأحياء عرب المغرب الأوسط في حروبه اليائسة مع الموحدين، ثم حين صارت بطون رياح والأثبج عماد ثورة بني غانية، بقية المرابطين، على الموحدين في إفريقية. أما التحول الحقيقي فجاء بعد وقعة سطيف سنة 548هـ/1153م، حين كسرت جيوش الموحدين بقيادة عبد الله بن عبد المؤمن ـ لا عبد المؤمن نفسه كما يشيع ـ جموع رياح ومن معها من العرب المناصرين للحماديين، بعد قتال صبروا فيه ثلاثاً عقلوا فيها رواحلهم على ما يصفه ابن خلدون. ثم صنع عبد المؤمن ما لم يصنعه أحد قبله: أطلق أسراهم وردّ سبيهم واستمالهم إلى دعوته، ثم أخذ الموحدون يستنفرونهم إلى الجهاد بالأندلس حتى بالمخاطبات الشعرية على ما ينص ابن خلدون نصاً، تدبيراً مزدوج الغرض على عادة السياسة الموحدية: تحويل قوة قبلية لا تُؤمن في إفريقية إلى فرسان للجهاد الأندلسي تُوازَن بهم عصبيات مصمودة نفسها.

وقد نص ابن خلدون على أنهم أجازوا للجهاد مع عبد المؤمن ثم مع ابنه يوسف، ووثّق ابن صاحب الصلاة في «المن بالإمامة» ـ وهو الشاهد المعاصر الذي أرّخ بالأيام ـ مشاهد العرب في حملات أبي يعقوب يوسف من نحو سنة 567هـ، ثم كانوا ركناً مشهوداً في جيش يعقوب المنصور يوم الأرك سنة 591هـ/1195م، وحضر بقيتهم وقعة العقاب سنة 609هـ/1212م، وتفصيل ذلك عند ابن عذاري في القسم الموحدي من البيان وعند هويسي ميراندا في تاريخه السياسي للدولة الموحدية. فلما انتقض بنو غانية، بقية المرابطين، وملكوا بجاية سنة 581هـ لأول دولة المنصور، كانت جشم ورياح وجمهور الأثبج أسرع البطون إجابة لدعوتهم، على حين قاتلت زغبة في صف الموحدين؛ فلما ظفر المنصور بهم نفى جشم ورياحاً إلى المغرب الأقصى، وأنزل جشم ببسائط تامسنا ورياحاً ببلاد الهبط وأزغار مما يلي سواحل طنجة إلى سلا، كما يفصله ابن خلدون، عقاباً واستيعاباً معاً ـ فهذا الإسكان الجغرافي المشهور صنيع المنصور لا صنيع جده عبد المؤمن، وهو موضع يكثر الخلط فيه. والمآل طريف الدلالة: فهذه البطون المحشورة، وعلى رأسها الخلط وسفيان من جشم، انقلبت في فتنة الموحدين الأخيرة من أداة في يد الدولة إلى صانعة خلفاء تُنصّب وتخلع، ثم توارثتها الدول بعدهم قبائلَ «جيش» إلى العصر العلوي، وبها عُرّبت السهول الأطلسية للمغرب الأقصى. وهكذا فإن التغريبة التي بدأت طرداً من صعيد مصر انتهى بعض فرسانها مرابطين في سهول قشتالة، على غير ما قدّر لها أول أمرها.

خط زمني أفقي بالتقويم الهجري لمحطات التغريبة وامتدادها الموحدي الأندلسي: قطع المعز بن باديس الخطبة الفاطمية نحو 440هـ، وتدبير اليازوري وعبور النيل 442هـ، ونهب القيروان غرة رمضان 449هـ، ثم سطيف وكسر رياح وعفو عبد المؤمن 548هـ، وشهود حملات أبي يعقوب يوسف بالأندلس نحو 567هـ، وانتقاض بني غانية وملكهم بجاية 581هـ، ونفي جشم ورياح إلى تامسنا والهبط 595هـ، والأرك 591هـ، والعقاب 609هـ
الشكل 3: الخط الزمني للتغريبة وامتدادها الموحدي الأندلسي (رسم أعد لهذا البحث)

ثم إن صورة هذا الحدث في الأذهان إنما صاغها ـ أكثر مما صاغتها الوقائع ـ عبارة ابن خلدون حين شبّه زحفهم بالجراد المنتشر لا يمر بشيء إلا أتى عليه، وجعل في المقدمة خراب إفريقية شاهدَه الأكبر على أن العمران حيثما تغلبت العصبية البدوية أسرع إليه الفساد. وفي موقف ابن خلدون مفارقة تستحق التأمل: فهو صاحب أقسى حكم على الهلاليين، وهو في الوقت نفسه أعظم من حفظ ذكرهم، إذ دوّن في العبر أنسابهم وأيامهم وطرفاً من أشعارهم وأخبار سيرتهم مما كان يرويه بادية عصره، فكان خصمهم ووثيقتهم معاً. ومن هنا وجب الحذر المنهجي: فحكم ابن خلدون ليس وصفاً محايداً بل هو جزء من نظرية عامة في العمران جاء الهلاليون فيها مثالاً جاهزاً، والنظرية تسبق الشاهد أحياناً.

وسؤال يفرض نفسه هنا، وقد عايش ابن خلدون بعض أزمان هذا العالم الهلالي: هل كان حكمه القاسي على الأعراب ثمرة تلك المعايشة؟ الجواب أقرب إلى نعم، على تفصيل ينصف الرجل. فبينه وبين الحدث ثلاثة قرون، لكنه قضى عمره المغاربي كله في المشهد الذي خلّفه الحدث: خالط البطون الهلالية مخالطة عملٍ لا روايةٍ، وتردد سفيراً ومفاوضاً بين ملوك المغرب ومشيخات الذواودة من رياح، ثم اعتزل الدنيا في جوار أولاد عريف من عرب سويد بقلعة ابن سلامة نحو أربع سنين كتب فيها المقدمة نفسها؛ ففصلُه في أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب مكتوبٌ في قلب البادية الهلالية، وشاهده الأول الذي يسوقه هو إفريقية والمغرب لا غير، فالأغلب أنه استقرأ قانونه الكوني من التجربة الإقليمية التي عاش خرابها ماثلاً أمام عينيه. على أن إنصافه يقتضي أمرين: أولهما أن «العرب» في تلك الفصول إنما هم أعراب البادية المتغلبون على اصطلاحه المشروح في المقدمة نفسها، لا جنس العرب الذي ينتسب إليه هو نسباً وبيتاً حضرمياً إشبيلياً؛ وقد ظُلم الرجل مرتين: حين قُرئت فصوله قراءةً تراه ذاماً للعرب جنساً، وحين وظفتها الكتابة الاستعمارية سنداً «علمياً» لأسطورة الخراب البدوي، وهي القراءة التي حمل عليها إيف لاكوست في كتابه عن ابن خلدون (1966) وردّ بها على غوتييه صاحب «قرون المغرب الغامضة»، مبيناً أن نظرية الرجل أعقد كثيراً من ثنائية البدو والحضر الكاريكاتورية. وثانيهما أن مذهبه ليس ذماً محضاً، فالبداوة عنده معدن الخشونة والفضائل الأولى ومنبع العصبية التي بها تقوم الدول أصلاً، فالبدوي في دورته هادم العمران وبانيه معاً. فالتغريبة إذن لم تصنع النظرية وحدها، لكنها كانت مختبرها الأكبر وذاكرتها الملحّة؛ حتى ليصح القول: لولا التغريبة لما كُتب فصل الخراب على ذلك النحو، ولولا الاعتزال بين أحفاد الهلاليين بقلعة ابن سلامة لما وُلدت المقدمة في ذلك المكان أصلاً.

وقد فتح هذا الباب في الدرس الحديث سجالاً معروفاً حول ما يسمى «الكارثة الهلالية». فذهب الاستشراق الفرنسي الأقدم، عند جورج مارسيه في كتابه عن العرب في بلاد البربر (1913) ثم عند هادي روجيه إدريس في كتابه الكبير عن الدولة الزيرية (1962)، مذهبَ ابن خلدون في جعل الغزوة قاصمة ظهر الحضارة الإفريقية. ثم جاء جان بونسيه بمقالته الشهيرة في حوليات الأنال سنة 1967 عن «أسطورة الكارثة الهلالية» فقلب القضية، محتجاً بأن انحطاط إفريقية الاقتصادي سابق على مجيء القبائل، تشهد له شواهد منها تدهور سكة الدينار الزيري قبل منتصف القرن، وتحول طرق التجارة، والفتن المذهبية والسياسية الداخلية، وأن الهلاليين دخلوا بلداً مأزوماً فكانوا عرضاً من أعراض التحلل أكثر منهم علته الأولى. فرد عليه إدريس في المجلة نفسها سنة 1968 بمقالة «في حقيقة الكارثة الهلالية» محتجاً بإجماع الشهادات القديمة، فصار سجالهما من أشهر مساجلات مدرسة الحوليات في تاريخ المغرب. ونقّح مايكل بريت المسألة في أبحاثه المجموعة في كتابه عن ابن خلدون والمغرب الوسيط، وفي طليعتها دراسته عن الكتابة التاريخية الفاطمية للخصومة مع بني زيري (1048ـ1058م) التي رجّح فيها أن رواية التسريح المسجوعة صياغة ديوانية لاحقة أكثر منها محضراً للوقائع، فبيّن أن الهجرة كانت متدرجة لا صاعقة واحدة، وأن القبائل كثيراً ما قاتلت مرتزِقةً في حروب صنهاجة وزناتة القائمة أصلاً، لا غزاةً مستقلين دائماً. والإنصاف ـ فيما أرجح ـ بين الطرفين: فالمراجعة الحديثة محقة في نفي صورة الطوفان الواحد وفي رد أسباب الانهيار إلى جذور أقدم، لكنها إذا غلت أنكرت ما تجمع المصادر عليه من خراب القيروان وانحسار الزراعة في بسائط واسعة وانفراط عقد الدولة المركزية، وهي آثار يقصر عن إنكارها أي تنقيح.

وعلى الضفة الأخرى من الذاكرة تقوم السيرة الهلالية، وهي شيء آخر غير هذا التاريخ كله. فالسيرة تجعل سبب التغريبة قحطاً أقام في نجد سبع سنين حتى خرجت القبائل تطلب «بلاد تونس الخضراء»، وتجعل أبطالها أبا زيد الهلالي سلامة والجازية الحكيمة ودياب بن غانم، وخصمهم الأكبر الزناتي خليفة صاحب تونس. وهي رواية متأخرة التشكل، تخمرت شفاهاً قروناً ولم تتخذ صورها المعروفة إلا في العصور المملوكية وما بعدها، ثم ظلت تُنشد على الربابة إلى يومنا، حتى أدرجت اليونسكو السيرة الهلالية المصرية في قائمة التراث الثقافي غير المادي سنة 2008. ولا يصح اتخاذها مصدراً للوقائع، لكن إهمالها إهمال لوثيقة من نوع آخر: فهي تحفظ اتجاه الحركة من المشرق إلى إفريقية، وذاكرة الصراع مع زناتة، وأسماء بطون وأعلام يقابل بعضها ما في كتب الأنساب، وتحفظ قبل ذلك كله كيف اختارت القبائل أن تروي نفسها: لا مطرودين أطلقهم وزير للانتقام، بل مهاجرين شرفاء ساقهم القحط وقادهم الفرسان. فالسيرة تفسير القبيلة لنفسها، والتاريخ تفسير الدواوين لها، وبين التفسيرين تقوم الحقيقة.

وليست التغريبة بدعاً في هذا الباب، فللذاكرة الشعبية نظائر تضيء طبيعتها. فالنموذج الأم في التراث العربي سيل العرم وتفرق سبأ: حدث ثابت الأصل ـ خراب سد مأرب ـ تحول في الذاكرة إلى قصة التفرق الكبرى التي تعلل أنساب القبائل ومواطنها حتى صار «ذهبوا أيدي سبأ» مثلاً سائراً، كما علّلت التغريبة عروبة المغارب. ومن أخواتها في ديوان السير الشعبية: الزير سالم تحفظ ذاكرة تشرد تغلب بعد حرب البسوس، وذات الهمة تحفظ ذاكرة انتقال بني كلاب إلى الثغور الشامية البيزنطية، فتلك سيرة حدود كما أن الهلالية سيرة رحيل. وأقرب النظائر العالمية زمناً ونوعاً كتاب دده قورقود عند الأتراك، وهو ذاكرة هجرة قبائل الأُغُز الرعوية غرباً نحو الأناضول في القرن الخامس الهجري نفسه الذي عبر فيه الهلاليون إلى إفريقية، كأن نَفَساً واحداً دفع بوادي المشرقَين إلى أطراف العالم الإسلامي فأنتجت الضفتان ملحمتيهما. وعلى الضفة الأوروبية المقابلة يعاصر التغريبةَ السيدُ القمبيطور، رذريق دياث القشتالي، الذي صاغته «أنشودة السيد» بعد موته بنحو قرن بطلاً قومياً نقياً وغسلته من سني ارتزاقه في خدمة بني هود أصحاب سرقسطة، على النحو نفسه الذي غسلت فيه السيرةُ الهلاليةُ بني هلال من مؤامرة اليازوري وجعلت خروجهم قحطاً شريفاً ـ وله معنا وقفة مفردة في مقالة مستقلة. ومثلها ملحمة كوسوفو الصربية التي جعلت من هزيمة سنة 1389م ذاكرة تأسيس لأمة بأسرها. فالخيط الجامع أن هذه الملاحم مواثيق لا محاضر: تعلل نسباً، وتشرعن أرضاً، وتحول الاضطرار إلى اختيار بطولي. ولعل أبلغ شاهد على حياة هذا القالب أن الاسم نفسه استُعير في زماننا، فحين أراد وليد سيف أن يروي نكبة فلسطين درامياً سمى عمله «التغريبة الفلسطينية» (2004)، فصارت تغريبة بني هلال اسمَ جنسٍ لكل خروج جماعي في الوجدان العربي ـ وبذلك يلتقي آخر هذا البحث بأوله: من الشاشة بدأنا وإليها ننتهي.

وأما الأثر البعيد فأعظم من الحدث نفسه: فقد كانت التغريبة أكبر حركة تعريب لبلاد المغرب بعد الفتح الأول، إذ نقلت العربية من لغة أمصار وحواضر إلى لغة بوادٍ وأرياف، حتى إن اللسانيين إلى اليوم يقسمون لهجات المغرب العربية إلى ما قبل هلالي وهلالي. وامتد الموج بعد ذلك: فبنو سليم ملأوا برقة وطرابلس، وبنو معقل ـ الذين لحقوا بالركب وفي نسبهم خلاف يقفه ابن خلدون نفسه موقف المتحفظ ـ انحدروا نحو المغرب الأقصى والصحراء حتى تولدت من لهجتهم الحسانية في موريتانيا وما جاورها. وهكذا صارت حركة بدأت مؤامرة ديوانية في القاهرة تحولاً ديموغرافياً ولغوياً غيّر وجه شمال إفريقيا إلى الأبد، وهو مآل لم يخطر لليازوري ولا للمعز بن باديس ولا لشيوخ رياح وزغبة يوم عبروا النيل.

وأما مصير البطون الهلالية اليوم فسؤال يحتاج قبل الجواب إلى تحفظ منهجي: فالأساس الموثق الأخير لخريطة هذه البطون هو ما رسمه ابن خلدون في القرن الثامن الهجري، وما بعده تتداخل فيه الاستمرارية الحقيقية بالنسب المدّعى، إذ صار الانتساب إلى هلال في المغارب شرفاً تتنافس فيه القبائل وتُصطنع له السلاسل، فليس كل من قال إنه هلالي هلالياً، وليس التشكيك في كل الأنساب صواباً كذلك. وعلى هذا التحفظ يمكن القول إن أوضح الاستمرارات في المغرب الأقصى بقايا جشم المحشورين أيام الموحدين، وفي طليعتهم الخلط وسفيان وبنو جابر في سهول الغرب وتامسنا وما والاها من البسائط الأطلسية؛ وفي الجزائر تنتشر فروع زغبة في الغرب الوهراني، ومنهم بنو عامر حول وهران وتلمسان وسويد في وطاء الشلف وحميان في الجنوب الغربي، وفروع رياح في الحضنة ونواحي قسنطينة ومنهم الذواودة الذين طال ذكرهم عند ابن خلدون، على حين تُنسب جموع كأولاد نائل إلى الهلاليين في الرواية المتداولة مع خلاف معروف في سلسلتهم؛ وفي تونس تنتسب إلى هلال وسليم كبريات قبائل الوسط والغرب كجلاص والهمامة والفراشيش ودريد ـ وهؤلاء من الأثبج ـ وأولاد عيار؛ وأما ليبيا فالغالب عليها ميراث بني سليم لا هلال، ومنه قبائل برقة السعادية؛ وبقيت في صعيد مصر أحياء لم تعبر مع العابرين، وفي الصعيد نفسه عاشت السيرة الهلالية أطول عمر لها إنشاداً ورواية، كأن الذين تخلفوا عن التغريبة تولوا حفظ ذكراها. وأبعد الامتدادات جنوباً ميراث بني معقل الذين تولدت من عربيتهم الحسانية لسان موريتانيا والصحراء إلى اليوم. على أن أصدق خريطة باقية للهلاليين ليست خريطة قبائل، فالبنى القبلية ذابت في المجتمعات الوطنية الحديثة ذوباناً متفاوتاً، وإنما هي خريطة لسان: فاللهجات الهلالية التي يرسم حدودها اللسانيون من محيط المغرب إلى برقة هي الأثر الحي الذي لا يحتاج إلى سلسلة نسب.

خريطة لشمال إفريقيا تُظهر مواطن استقرار البطون الهلالية وأبناء عمومتها بعد التغريبة على خريطة ابن خلدون في القرن الثامن الهجري: جشم (الخلط وسفيان) في تامسنا والغرب المغربي، وبنو معقل في الصحراء وبلاد الحسانية، وزغبة في الغرب الوهراني، والأثبج في الهضاب، ورياح وجلاص والهمامة ودريد في الحضنة وقسنطينة، وبنو سليم في برقة وطرابلس، مع بقايا في صعيد مصر موطن السيرة المغنّاة
الشكل 4: توزع البطون بعد الاستقرار على خريطة ابن خلدون في القرن الثامن الهجري (رسم أعد لهذا البحث)

فإذا سُئلنا في ختام هذا البحث عن «سبب» التغريبة لم يسعنا الجواب بسبب واحد، بل بضفيرة أسباب: انفصال زيري مذهبي وسياسي عن القاهرة، وانتقام فاطمي وجد في القبائل سلاحاً رخيصاً، وأزمة موارد في صعيد مصر جعلت طرد القبائل مصلحة داخلية، وجاذبية بلاد مأزومة منقسمة وراء الصحراء، وطبيعة قبلية ظلت قروناً تطلب مجالاً أوسع من كل دولة حاولت احتواءها. وأما مادة الاستزادة فأصولها الأولى في الجزء السادس من عبر ابن خلدون وفي مقدمته، وحوادث سنة 442هـ وما بعدها من كامل ابن الأثير، والبيان المغرب لابن عذاري بقسميه، ونهاية الأرب للنويري، والمن بالإمامة لابن صاحب الصلاة للفصل الموحدي الأندلسي، ورحلة التجاني لما شاهده من أحوال إفريقية بعد قرنين ونصف من الحدث؛ ومن الدرس الحديث كتاب هويسي ميراندا في التاريخ السياسي للدولة الموحدية، و كتاب مارسيه عن العرب في بلاد البربر، وكتاب إدريس عن الدولة الزيرية، ومقالتا بونسيه (1967) وإدريس الجوابية (1968) في حوليات الأنال، وأبحاث بريت المجموعة في كتابه عن ابن خلدون والمغرب الوسيط؛ ومن جهة السيرة الشعبية أعمال الجمع والتسجيل المصرية والتونسية للسيرة الهلالية، وفي طليعتها ما جمعه عبد الرحمن الأبنودي من أفواه رواتها، وقد أثبتُّ روابط هذه المصادر جميعاً في القائمة التالية، محيلاً في نصوص الأصول إلى مستودع النصوص الإسلامية المفتوح OpenITI. والله أعلم بحقائق الأمور.

المصادر والمراجع بروابطها

ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر (وفيه المقدمة، وأخبار الهلاليين في الجزء السادس)، النسخ الرقمية في مستودع OpenITI: https://github.com/OpenITI/0825AH/tree/master/data/0808IbnKhaldun/0808IbnKhaldun.Tarikh

ابن الأثير، الكامل في التاريخ (فصل «ذكر دخول العرب إلى إفريقية» في حوادث سنة 442هـ)، في OpenITI: https://github.com/OpenITI/0650AH/tree/master/data/0630IbnAthirCizzDin/0630IbnAthirCizzDin.Kamil

ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب (خبر حيدران ونهب القيروان في القسم الأول، وأخبار العرب في العهد الموحدي في قسمه الأخير)، في OpenITI: https://github.com/OpenITI/0725AH/tree/master/data/0725IbnCidhariMarrakushi/0725IbnCidhariMarrakushi.BayanMughrib

النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب (أخبار بني زيري والهلاليين)، في OpenITI: https://github.com/OpenITI/0750AH/tree/master/data/0733Nuwayri/0733Nuwayri.NihayatArab

التجاني، الرحلة (تونس ـ طرابلس، 706ـ708هـ)، طبعة تونس 1958 بتقديم حسن حسني عبد الوهاب؛ وليست الرحلة في OpenITI (الموجود له فيه تحفة العروس)، ونصها الكامل مقروء في موقع الوراق: http://www.alwaraq.net/Core/waraq/bibliography_indetail?id=158

ابن صاحب الصلاة، المن بالإمامة على المستضعفين، تحقيق عبد الهادي التازي، دار الغرب الإسلامي، بيروت؛ وليس الكتاب في OpenITI بعد، وهذه دراسة تعريفية به: https://www.alukah.net/culture/0/110200/

Jean Poncet, «Le mythe de la “catastrophe” hilalienne», Annales ESC, 22/5 (1967), pp. 1099–1120، النص الكامل في Persée: https://www.persee.fr/doc/ahess_0395-2649_1967_num_22_5_421605

Hady Roger Idris, «De la réalité de la catastrophe hilâlienne», Annales ESC, 23/2 (1968), pp. 390–396 (رده على بونسيه، وكتابه الأصل: La Berbérie orientale sous les Zirides, Paris 1962)، النص الكامل في Persée: https://www.persee.fr/doc/ahess_0395-2649_1968_num_23_2_421920

Georges Marçais, Les Arabes en Berbérie du XIe au XIVe siècle, Paris: Leroux, 1913، بطاقة الكتاب ونسخه الرقمية في HathiTrust: https://catalog.hathitrust.org/Record/001969949

Michael Brett, Ibn Khaldun and the Medieval Maghrib, Aldershot: Ashgate/Variorum, 1999 (وفيه دراسته عن الكتابة التاريخية الفاطمية للخصومة الزيرية 1048ـ1058)، صفحة الناشر: https://www.routledge.com/Ibn-Khaldun-and-the-Medieval-Maghrib/Brett/p/book/9780860787723

Ambrosio Huici Miranda, Historia política del imperio almohade, Tetuán 1956ـ1957، والطبعة المصورة بتقديم إميليو مولينا لوبيث، جامعة غرناطة 2000: https://editorial.ugr.es/libro/historia-politica-del-imperio-almohade_137709/

Yves Lacoste, Ibn Khaldoun: naissance de l'histoire, passé du tiers monde, Paris: Maspero, 1966 (وطبعة La Découverte 1998)؛ وعرض روجيه لو تورنو النقدي له بالنص الكامل في Persée: https://www.persee.fr/doc/remmm_0035-1474_1966_num_2_1_942

السيرة الهلالية المصرية في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي، اليونسكو، 2008: https://www.unesco.org/en/intangible-cultural-heritage/al-sirah-al-hilaliyyah-epic

In brief (English)

From café gatherings and the rebab to radio and the television screen, the epic of Banu Hilal has been retold for nearly a thousand years across Egypt and the Maghreb. This essay separates that living legend from the documented history beneath it. Banu Hilal were a Najdi branch of Hawazin whom the Fatimids, after the tribes' Qarmatian episode, confined to Upper Egypt. When the Zirid governors of Ifriqiya broke with Shiʿite Cairo around 440 AH, the vizier al-Yazuri lifted the ban on their crossing the Nile and turned them westward — though the essay argues the migration sprang from a braid of causes (resource pressure, Fatimid fiscal weakness, a divided Ifriqiya), not one vizier's plot. The tribes broke the Zirids at Haydaran (1052) and sacked Qayrawan (1057). A less-noticed western chapter followed: it was the Almohads, not the Almoravids, who later co-opted these Arabs and sent them to fight in al-Andalus. Ibn Khaldun emerges as both their harshest judge and their greatest preserver, and modern scholarship still debates whether a "Hilalian catastrophe" ever happened. Set beside the folk epic — the tribe's own account of itself — and comparable migration legends from Dede Korkut to El Cid, the deepest legacy proves linguistic: the great Arabization of the rural Maghreb, whose dialect map outlives every genealogy.

مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)

قوبلت دعاوى هذه المقالة بالمصادر الأصلية وبالدراسات الحديثة، مع فحصٍ للاقتباس. والنقد منشورٌ كاملاً غيرَ منقوص، بما لها وما عليها، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقه: اقرأ نقد المدقّق المحايد ←

© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.