→ العودة إلى المقالة
حسين الخالدي · مقالات  —  تدقيق

مدقّقٌ محايد

تدقيقُ وقائع مقالة «ولا يزالون مختلفين»

Neutral Fact Checkerتدقيق وقائعفحص اقتباس

تقوم هذه المقالة على سلسلةٍ من النقول: خمسةِ نصوصٍ من التراث — للغزالي وابن القيم وابن الهيثم والبيروني وابن خلدون — ومثلِها من الغرب: فقرةٍ لبيكون وجملةٍ لليبمان وأربعِ دراساتٍ نفسيةٍ بمعرِّفاتها. وهذه كلُّها تُختبر ولا تُناقَش. فقوبل كلُّ نقلٍ عربيٍّ بصفحته المطبوعة في أصله، وقوبلت فقرةُ بيكون وجملةُ ليبمان بالنصَّين الإنجليزيَّين اللذين تُحيل المقالةُ نفسُها إليهما، وفُحص كلُّ معرِّفٍ رقميٍّ على قاعدة Crossref. وما خرج به الفحص منشورٌ كما خرج، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقه. والنتيجةُ أنّ النقول الخمسة من التراث مطابقةٌ لأصولها، وأنّ فقرة بيكون وجملة ليبمان مطابقتان، وأنّ الدراسات الأربع كلَّها تقول ما نُسب إليها. ويبقى ثلاثةُ مواضع تستحقّ تنبيه القارئ، أثقلُها كلمةٌ زائدةٌ داخل علامتَي اقتباسٍ في نقلٍ عن ابن القيم.

وموضوعُ التدقيق الوقائعُ وحدَها: مطابقةُ النقل لأصله، وسلامةُ العزو إلى الكتاب والصفحة، وصحّةُ عزو الآيات إلى سورها، ودقّةُ حساب الفترات الزمنية، وصحّةُ ما نُسب إلى كلّ دراسةٍ من نتيجة. أمّا أطروحةُ المقالة — أنّ القوالب الموروثة تتحوّل من آراءٍ تُحمَل إلى عيونٍ يُرى بها، وأنّ الأعلمَ قد يكون الأشدَّ انحرافًا فيما يمسّ هواه — فليست من التدقيق في شيء؛ تلك قراءةٌ يُحاكم إليها القارئ لا المدقّق. وهذه مقالةٌ لقارئٍ عام، فلم يُطلَب فيها ما يُطلَب في البحوث المحكَّمة.

المنهج

قوبلت النقولُ العربية بأصولها في الطبعات المثبتة في المكتبة الشاملة: «المنقذ من الضلال» للغزالي، و«إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان» لابن القيم (ط عطاءات العلم)، و«تحقيق ما للهند» للبيروني، و«تاريخ ابن خلدون» — كلٌّ منها عند موضعه. وقوبل نصُّ ابن الهيثم بنسخة «الشكوك على بطليموس» (تحقيق عبد الحميد صبرة ونبيل الشهابي، ١٩٧١) المرفوعة على أرشيف الإنترنت، وهي النسخةُ التي تُحيل إليها المقالة.

وقوبلت فقرةُ بيكون بالفقرة السادسة والأربعين من «الأورغانون الجديد»، وجملةُ ليبمان بالفصل السادس من «الرأي العام» — كلاهما من نصَّي مشروع غوتنبرغ اللذين تُحيل إليهما المقالة، لا من نقلٍ عنهما. وفُحصت المعرِّفاتُ الرقمية الأربعة على Crossref، فقوبل كلُّ عنوانٍ ومجلّةٍ وسنةٍ ومؤلِّف. ثم حُسبت الفتراتُ الزمنية الثلاث التي تذكرها المقالة. ثم فُحصت عشرُ جملٍ حاملةٍ بحثًا عن نصٍّ سابقٍ يطابقها.

أولاً: ما ثبت

وأثقلُ ما في المقالة نقولُها، وعليها مدارُ حجّتها. وقد ثبتت كلُّها:

ثابت

نصُّ الغزالي في «المنقذ من الضلال» — بحرفه. قوبل بالمنقذ (ص ١١٠)، فإذا هو مطابقٌ كلمةً كلمة، بما في ذلك «وانكسرت عليَّ العقائدُ الموروثة» — وهي اللفظة التي تسقط من كثيرٍ من النقول المتداولة، وقد أثبتتها المقالة على الصواب.

ثابت

«والحديث الذي هزّه أصلُه في الصحيحين». صحيح، والتحفّظ في كلمة «أصله» في محلّه: لفظُ الحديث كما ساقه الغزالي «كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه…»، ولفظُه في الصحيحين من حديث أبي هريرة «ما من مولودٍ إلا ويولد على الفطرة، أبواه يهوِّدانه ويُنصِّرانه ويُمجِّسانه» — رواه مسلم في كتاب القدر، وهو متّفقٌ عليه. فالمعنى واحدٌ واللفظ مختلفٌ قليلًا، وقولُ المقالة «أصلُه في الصحيحين» هو الوصفُ الدقيق لهذه الحال، لا «رواه الشيخان بلفظه».

ثابت

نصُّ ابن خلدون في أسباب الكذب في الأخبار — بحرفه. قوبل بـ«تاريخ ابن خلدون» (١/ ٤٦)، وهو أوّلُ الأسباب التي عدَّها كما قالت المقالة، ولفظُه مطابقٌ من «فمنها التّشيّعات للآراء والمذاهب» إلى «فتقع في قبول الكذب ونقله» دون زيادةٍ ولا نقص.

ثابت

نصَّا البيروني — كلاهما بحرفه، والحذفُ في موضعه. «غيرَ باهتٍ على الخصم، ولا متحرِّجٍ عن حكاية كلامه وإن باين الحقّ» في مقدمة «تحقيق ما للهند» (ص ١٥). وقولُه «ليس كتابَ حجاجٍ وجدلٍ … وإنّما هو كتابُ حكاية» يمتدّ في الأصل عبر صفحتين (ص ١٥–١٦)، والمحذوفُ بينهما «حتّى استعمل فيه بإيراد حجج الخصوم ومناقضة الزائغ منهم عن الحقّ» — حذفٌ لا يغيّر المعنى، وقد أُشير إليه بعلامة الحذف كما ينبغي.

ثابت

وصيّةُ ابن الهيثم، وشطراها معًا. وُجد في «الشكوك على بطليموس» المحقَّق: «… أن يجعل نفسه خصمًا لكلّ ما ينظر فيه … ويتّهم أيضًا نفسه عند خصامه فلا يتحامل عليه ولا يتسمّح فيه»، ووُجد كذلك تقريرُه أنّ «العلماء لم يعصمهم الله من الزلل». والمقالة تنقل الشطرين معًا وتنبّه إلى أنّ الثاني هو كمالُ الوصية — وهو تنبيهٌ في محلّه، إذ يُقتطع الشطرُ الأول وحده في أكثر ما يُتداول منها.

ثابت

أوهامُ بيكون الأربعة، وفقرةُ الانحياز التأكيدي. الأوهامُ الأربعة في الفقرة التاسعة والثلاثين من «الأورغانون الجديد»: القبيلة والكهف والسوق والمسرح، بأسمائها وترتيبها كما ذكرتها المقالة. وأمّا الفقرة التي وصفتها فهي السادسة والأربعون، ونصُّها أنّ العقل متى وُضع أمامه رأيٌ أرغم كلَّ شيءٍ سواه على أن يزيده تأييدًا وتصديقًا، وإن وُجدت شواهدُ مخالفةٌ أكثرُ وأرجح فإنّه لا يراها أو يزدريها أو يُنحّيها بتفريقٍ ما، حفاظًا على سلطان استنتاجاته الأولى. وترجمةُ المقالة أمينة، بما فيها «هيبة استنتاجاته الأولى».

ثابت

جملةُ ليبمان — بحرفها، بما فيها التحفّظ. نصُّها في «الرأي العام»: For the most part we do not first see, and then define, we define first and then see. والمقالة تنقلها «نحن في الغالب لا نرى ثم نُعرِّف، بل نُعرِّف أولًا ثم نرى» — فأثبتت «في الغالب»، وهي التي تسقط من أكثر النقول فتنقلب الجملةُ من وصفٍ غالبٍ إلى قانونٍ مطلق. و«صورٌ في رؤوسنا» عنوانُ الفصل الأول من الكتاب.

ثابت

الدراساتُ الأربع بمعرِّفاتها. فُحصت على Crossref فجاءت كما نسبتها المقالة: لورد وروس وليبر (١٩٧٩) «الاستيعاب المنحاز واستقطاب المواقف» في Journal of Personality and Social Psychology ٣٧(١١) ٢٠٩٨–٢١٠٩؛ وكوندا (١٩٩٠) «الحجّة للاستدلال الموجَّه» في Psychological Bulletin ١٠٨(٣) ٤٨٠–٤٩٨؛ وكاهان وبيترز وداوسون وسلوفيك (٢٠١٧) «الحساب الموجَّه والحكم الرشيد» في Behavioural Public Policy ١(١) ٥٤–٨٦؛ وكروسكيري (٢٠٠٣) «أهمية الأخطاء المعرفية في التشخيص» في Academic Medicine ٧٨(٨) ٧٧٥–٧٨٠. وكلٌّ منها يقول ما استُشهد به من أجله.

ثابت

الفتراتُ الزمنية الثلاث — حسابُها صحيح. «وقبله بثلاثة قرون» بين ابن القيم (ت ٧٥١هـ) وابن الهيثم (ت ٤٣٠هـ): ثلاثةُ قرونٍ هجرية تمامًا. و«بعد ابن خلدون بقرنين» إلى «الأورغانون الجديد» (١٦٢٠م): مئتان وأربعَ عشرةَ سنةً من وفاته. و«ستةَ قرون» من المقدمة (١٣٧٧م) إلى تجربة ستانفورد (١٩٧٩م): ستُّمئةٍ وسنتان. وكذلك «معاصرُه البيروني» — والرجلان متعاصران فعلًا (٩٦٥–١٠٤٠ و٩٧٣–١٠٤٨).

ثابت

عزوُ الآيات الثلاث. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، و﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ٤٦]، و﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨] — كلُّها في سورها وأرقامها.

ثانياً: ما يستحقّ تنبيه القارئ

تنبيه

كلمةٌ زائدةٌ في نقل ابن القيم. تنقل المقالة: «فإذا خلصت المرآةُ من الصدأ انطبعت فيها صورُ الحقائق». ونصُّ «إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان» (ط عطاءات العلم، ١/ ٧٧): «فإذا خلصت من الصدأ انطبعت فيها صُوَر الحقائق كما هي عليه». فكلمةُ «المرآة» ليست من كلام ابن القيم، وإنّما هي إيضاحٌ أُقحم داخل علامتَي الاقتباس. والمعنى الذي تؤدّيه هو المعنى نفسه الذي يفهمه القارئ من الأصل — فليس في الزيادة تحريفٌ للمقصود، وإنّما موضعُها خارج القوسين لا داخلهما. (وفي الأصل كذلك «لم ينطبع» حيث نقلت المقالة «لم تنطبع»، وهو فرقُ تذكيرٍ وتأنيثٍ لا أثر له.)

تنبيه

نسبتان جماعيّتان بلا مُسمًّى. تقول المقالة عن البيروني: «ولذلك عدَّه مؤرخو الأديان رائدَ الدرس المقارن المنصف»، وتقول عن بيكون: «الفقرةَ التي يعدُّها مؤرخو علم النفس أولَ تشخيص دقيق لما نسميه اليوم الانحيازَ التأكيدي». والحكمان في ذاتهما شائعان ولهما ما يسندهما، لكنّ صيغةَ «مؤرخو كذا يعدّون» تُلبس رأيًا سائدًا ثوبَ الإجماع المحرَّر، ولا يجد القارئ خلفها اسمًا يرجع إليه. والأولى في مثل هذا أن يُسمَّى قائلٌ واحد، أو يُقال «ويُعَدُّ».

تنبيه

القرنُ التاسع عشر عصرُ سيادة الستيريوتايب لا مولدُه. تقول المقالة: «كان عمالُ المطابع في القرن التاسع عشر إذا أرادوا طبعَ صفحةٍ آلافَ المرات صبُّوا عن أحرفها المرصوصة قالبًا معدنيًا واحدًا». والعبارةُ صحيحةٌ بحرفها — فهذا ما كان يفعله عمّالُ المطابع في ذلك القرن فعلًا، والصورةُ المنشورة مع المقال من جهازٍ مسجَّلٍ ببراءةٍ سنة ١٨٦٠. لكنّ الصناعةَ نفسها أقدمُ من ذلك بقرن: جرّبها ويليام غِد في اسكتلندة سنة ١٧٢٥، وأتقنها فيرمان ديدو في فرنسا في تسعينيات القرن الثامن عشر. فمن قرأ العبارة على أنّها تؤرّخ للاختراع أخطأ، ومن قرأها على أنّها تصف ممارسةً أصاب.

ثالثاً: ما صُحِّح قبل النشر

موضعان في قائمة «للاستزادة» لا في متن المقالة، وكلاهما رابطٌ لا دعوى، فصُحِّحا في المستند قبل التحويل بدل أن يُنشرا معطوبَين:

صُحِّح

رابطُ ابن القيم كان يشير إلى كتابٍ آخر. كان الرقمُ المثبت في القائمة shamela.ws/book/7513، وهو «إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان» — كتابٌ آخر لابن القيم لا صلة له بالنقل. وعنوانُ المصدر في القائمة صحيحٌ («من مصايد الشيطان»)، وإنّما اختلّ الرقم؛ فوُجِّه إلى shamela.ws/book/11688، وهو «إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان».

صُحِّح

رابطُ غيلوفيتش كان معطوبًا. المعرِّفُ المثبت على أرشيف الإنترنت لم يكن يفتح شيئًا (خطأ ٤٠٤)، فوُجِّه إلى نسخة الكتاب الموجودة فعلًا على الأرشيف. وكتابا غيلوفيتش وفستنغر متاحان على الأرشيف بالإعارة الرقمية لا بالتحميل الحرّ؛ أمّا «الشكوك على بطليموس» فمتاحٌ كاملًا بلا قيد.

رابعاً: فحص الاقتباس

فُحصت عشرُ جملٍ حاملةٍ من المقالة — من جنس «فالخللُ الذي نشرِّحه خللُ المرايا، لا خللُ النور»، و«المهارةُ لم تحمِ صاحبَها؛ صارت سلاحًا بيد القالب»، و«فالقالب لا يوقر مختبرًا ولا مذهبًا ولا تخصصًا»، و«فتكون العينةُ التي يحاكم عليها المرءُ الخلافَ عينةً مغشوشةً من أصلها» — بحثًا عن نصٍّ سابقٍ يطابقها. ولم يظهر لأيٍّ منها نصٌّ سابق.

وقوبلت المقالة كذلك بكلّ ما نُشر على هذا الموقع من مقالاتٍ وصفحاتِ تدقيق، بحثًا عن إعادة استعمالٍ لنصٍّ سابقٍ للمؤلف. ولم يظهر تطابقٌ في النثر البتّة. وما ظهر من تشابهٍ إنّما هو أثاثُ الصفحات نفسِه — فقرةُ المدقّق المحايد وسطرُ الحقوق — وآيةُ الحجّ ٤٦ المشتركة مع مقالة «أفلا يعقلون»، وهي آيةٌ منقولةٌ لا نثرٌ مؤلَّف.

وأمّا العلماءُ الغربيون الذين تتّكئ عليهم المقالة — بيكون وليبمان وفستنغر وكوندا وهايت وستانوفيتش وكاهان وغيلوفيتش وكروسكيري — فكلُّ واحدٍ منهم مذكورٌ باسمه في موضع الاتّكاء عليه، وليس في المقالة ترجمةٌ قريبةٌ لكلام أحدهم منسوبةٌ إلى غير قائلها. ويبقى أنّ ترتيب المقالة — من الغزالي إلى ابن خلدون إلى بيكون إلى ليبمان إلى المختبر — ترتيبٌ يتكرّر في أدبيات هذا الباب؛ وذلك تلاقٍ في الأطروحة لا نقلٌ في الألفاظ.

النتيجة: مخاطرةٌ منخفضة (LOW).

هذا التدقيق أُجري على النصّ المنشور، ونُشر كما خرج. ولم تُعدَّل المقالة لتوافقه. → العودة إلى المقالة