[مقدمة المؤلف]
بسم الله الرحمن الرحيم [الحمد لله رب العالمين] (1) وصلى الله على محمد خاتم (2) النبيين، وآله الطيبين (3) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. ## | قال أبو عبد الله أحمد بن سهل الرازي: وبعد، فإني إنما (4) ابتدأت بذكر الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، صلوات الله عليه، المقتول بفخ لأن أول حركة يحيى بن عبد الله وطلب القوم له إنما كان بسبب خروجه مع الحسين بن علي، صلوات الله عليه، فاحتجت إلى أن أذكر طرفا (5) من خبر الحسين والسبب الذي هاج ذلك ليتصل آخر خبر الحسين بن علي بأول خبر يحيى بن عبد الله، صلوات الله عليه، فيأتي بذلك ما أردت سرده مستقصى (6) إن شاء الله تعالى. قال أبو عبد الله: حدثنا حسن بن عبد الواحد الكوفي، قال: حدثنا
محمد بن علي بن إبراهيم، قال: حدثني بكر بن صالح الرازي، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد (1) بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (2) قال: حدثنا عبد الله بن الفضل مولى عبد الله بن جعفر قال: كان [1] بدو (3) خروج الحسين بن علي هو (4) أن الهادي موسى بن المهدي بن المنصور ولى إسحاق بن عيسى (5) بن علي بن عبد لله بن عباس [2] المدينة، فكتب إسحاق إلى العمري المعروف بحبتي (6) ماء، واسمه عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب (2)، يأمره أن يصلي بالناس وأن يضبط العمل إلى قدومه/. قال: فوقع بين الحسن بن محمد بن (7) عبد الله بن الحسن بن الحسن وبين رجل من آل عمر كلام، فوكزه (8) الحسن وكزة فأصابته شجيجة، فاستعدا العمري على الحسن، فطلب الحسن بن محمد فلم يوجد وقته ذلك، فوجه العمري إلى الحسين بن علي فجيء به متعتعا (1) قد عنف به ولبب (2) حتى أدخل على العمري، فقال له: ايتني بالحسن بن محمد وإلا والله ملئت ظهرك وبطنك (3) ضربا، فقال (4) الحسين: إن الحسن بسويقة وأنا مقيم بالمدينة، ولست أقدر عليه لأنه رجل حر لا يمكنني اقتضاؤه (5) وما أنا له بكفيل [1]. فقال له: ما يصنع بهذا الكلام، والله لتأتيني به وإلا ملأت (6) ظهرك وبطنك ضربا؛ قال: إن بيني وبينه ستة وثلاثين ميلا، فأمهلني إذا وافتح لي حتى أخرج إليه وأجيئك (7) به. قال: فقال (8) العمري: يا هؤلاء اشهدوا أن امرأته طالق، وكل مملوك له حر إن لم يأته (9) به غدا [قبل الزوال] (10)، إن (11) لم يضرب الحسين بن علي ألف سوط عاش منها أو مات، وإن لم يركب إلى سويقة فيخربها ويأتي بنسائهم حسرا حتى يولجهن الحبس، وليعودن عليه (1) إن لم يجده، واستحلف (2) العمري الحسين بن علي بحق القبر ومن فيه ليأتينه به إلى المدينة إلى دار/مروان، فإن (3) لم يجده في الدار أشهد على موافاته به (4) شهودا [1]. قال: فانصرف الحسين بن علي فركب حتى أتى سويقة، فبعث إلى الحسن بن محمد فجاءه (5) واجتمع إليه، آل عبد الله بن الحسن: يحيى (6) وإدريس وسليمان ومن حضر منهم، فقال الحسين للحسن: قد بلغك يا ابن عم ما كان بيني وبين هذا الفاسق، قال: فامض، جعلت فداك، لما أحببت؛ إن أحببت جئت معك حتى أضع يدي في يده الساعة. فقال له الحسين: ما كان الله ليطلع على أن يكون محمد صلى الله عليه، حجيجي (7) في دمك [2]. ولكني أقيك بنفسي ثم نشاور القوم. وبعث إلى موسى بن جعفر بن محمد فحضر وإلى (1) عبد الله بن الحسن الأفطس، فاجتمع رأيهم جميعا على أن لا يعطوا بأيديهم وأن يبلوا عذرا في جهادهم. إلا/أن موسى بن جعفر قال: أنا ثقيل الظهر فلو (2) خرجت (3) معكم لم يتركوا من ولداني أحدا إلا قتلوه، فاجعلوني في حل من تخلفي عنكم. فعرفوا عذره، فجعله الحسين (4) في حل فودعهم وقال لهم: يا بني عمي أجهدوا أنفسكم في قتالهم وأنا شريككم في دمائهم فإن القوم فساق يسرون كفرا ويظهرون إيمانا [1]. قال، فقال الحسين بن علي ليحيى: هلم نبايعك، قال (5) له يحيى: أنت أحق بالبيعة مني لأنك الممتحن به دوني، وأنا لك عون حتى يقضي الله من أمورنا (6) ما هو قاض. فبايعه (1) يحيى وإدريس وسليمان بنو عبد الله بن الحسن [بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وعلي بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن] (2)، وعبد لله بن الحسن بن (3) علي بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الأفطس، وكان أسد بني هاشم وأشجع أهل زمانه؛ وبعثوا إلى فتيانهم فأتوهم فبايعه جميعهم، منهم: إبراهيم (4) بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن، والحسين/بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (5)، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن الحنفية [1]، والحسن وطاهر ابنا محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (6)، وحمزة بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي (7) بن أبي طالب؛ فاجتمع من أنفسهم خمسة عشر رجلا، ومن مواليهم خمسة وعشرون رجلا فصاروا أحد وأربعين رجلا (1). ثم جاءهم بعد من أفناء (2) الناس من له بصيرة ومائرة (3) نحو من خمسين رجلا فصاروا تسعين رجلا (4)، فلم تمنعهم قلتهم من النهوض بما (5) وجب لله، عز وجل، عليهم من الوفاء بالبيعة، والمدافعة عن الذي وجبت المدافعة عنه. فانطلقوا (6) بعدما أذن المؤذن بالصبح (7) حتى دخلوا المسجد ثم نادى (8) «أحد أحد» [1] وذلك (9) كان شعارهم. ومضى الحسين بن علي بمن معه/حتى جاوز (10) دار الإمارة وأصلتوا سيوفهم، وصعد/عبد الله بن الأفطس إلى المنارة التي عند رأس النبي، صلى الله عليه، عند موضع الجنائز وقال للمؤذن: أذن وقل في أذانك «حي على خير العمل» فتمنع؛ فلما رأى السيف مصلتا أذن برعب، وسمعها العمري فاقتحم دار عمر بن الخطاب ثم خرج في زقاق عاصم حتى نفذ منها (1) هاربا ولم يطلب [1]. وصلى الحسين بالناس الصبح [2] وبعث إلى أهل العدالة من أهل المدنية وفتح دار مروان، وهي دار الإمارة، ودعا الحسن بن محمد فأدخله الدار ثم قال للشهود: هذا الحسن بن محمد قد وافيت به الدار قبل الزوال فاشهدوا، وخرج من يمينه التي استحلفه بها العمري أن يوافيه به؛ قال، وقال للشهود: دلوني على العمري حتى أسلمه إليه، لأنه استحلفه على ذلك، وبعث الحسين إلى أصحاب العمري: من أراد (1) أن يدخل في هذه البيعة ويبايعنا (2) على عدو الله وعدونا فعل. وبعث إلى من كان في المدينة (3) من آل أبي طالب فامتنع عليه الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. حدثنا (4) عيسى بن مهران قال، حدثنا محمد بن مروان، قال حدثنا أرطاة بن حبيب قال: كانت بيعة الحسين بن علي الفخي رحمه الله: «أبايعكم على كتاب الله وسنة نبيه، والعدل في الرعية والقسم بالسوية، نحل ما أحل القرآن والسنة العادلة، ونحرم ما حرم القرآن والسنة العادلة. على ذلك (5) دعوانا بجهدنا وطاقتنا، وتتسلحوا/معنا وتجاهدوا عدونا (6) فإن وفينا لكم وفيتم لنا، وإن خالفنا فلا طاعة لنا عليكم. وعليكم عهد الله أن تجاهدونا فيمن جاهدنا إن نحن خالفنا [1]. ثم قال:
اللهم إشهد به (1). قال: ولحق العمري بخالد البربري، /وكان عاملا على الصوافي وكان فارسا، أحد رجال السلطان، فأقبل خالد مع العمري في ستمائة فارس وألف راجل [1] حتى اقتحم المسجد يقدم أصحابه، قد اعتم بعمامة (2) حمراء على بيضته، واقتحمت خيله المسجد فانحاز أصحاب الحسين جميعا ناحية (3) إلا ولد أبيه، ودخل إدريس بن عبد الله وموليان له ودرباس الخزاعي ورجلان من جهينة من ناحية المصلى ينادون «أحد أحد» (4) والحسين على المنبر لم يزل، فضرب (5) إدريس صاحب الصوافي وعرقب فرسه وخر (6) صريعا وضربه يحيى وسليمان فاشتركوا في قتله [2]، ومالوا على أصحابه فأخرجوهم من المسجد وقتلوا منهم جماعة ولم يتبعوا أحدا أدبر. وفي ذلك اليوم يقول العمري: «أطعموني حبتي ماء» (1)، فسمي حبتي ماء فلا يعرف إلا به [1]. فأقام العمري مع ذلك الجمع ومن (2) انضم إليهم (3) ثلاثة أيام يحاربون/الحسين [بن علي ومن معه] (4)، ومع العمري الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن وجماعة ممن تثاقل عن الحسين. وقتل (5) من أصحاب العمري جماعة ومن أصحاب الحسين نفر (6)، وعلت للحسين (7) على المدينة، وأخذ بيت المال فوجد فيه (8) ثلاثة ألف (9) الف، فقسمها على الفقراء والمساكين؛ كما أخبرني أبو زيد عمر بن شبة عن المدائني. وقد بلغني أن الهادي ارتجع بهذا المال [على أهل المدينة] (1) وفاء (2) ذلك لما تقرر عنده (3) أن الحسين لم يستأثر من المال بشيء، حتى امتدح (4) بعض شعراء المدينة العمري واستعفاه أن يلزمه وعشيرته من غرامة المال شيئا فأعفاه من ذلك بشعر قد ذكر لي. قال أبو عبد الله: وبايع/الحسين نحو (5) من ثلاثين ألف رجل من أهل البصائر والنيات (6) [والمشهورين بجميل الديانات وغيرهم] (7)، وواعدهم عرفات، وجعل الأمارة بينهم وبينه صاحب الجمل الأحمر [1] وكاتب أهل الأمصار فلم يتثاقل عنه ذو نهضة، إلا أن ميعاد جميعهم مكة، فتوجه (8) الحسين بمن معه من أهل بيته وأصحابه عند وقت الحج إلى مكة (9)، واستخلف على المدينة درباس (10) الخزاعي. كما أخبرني، قال: وكان/الحسين في أربعمائة رجل [1] ليس معهم (1) إلا فرس يحيى بن عبد الله بن الحسن (2). ووجه (3) الهادي (4) بجيوشه تترى جيشا في إثر جيش، قال: ووجه (5) محمدا وجعفرا ابني سليمان في جند البصرة، والخولي والعباس بن محمد وموسى بن عيسى في جيش كثيف [2]، وأتبعهم بعبيد (6) بن يقطين في أصحابه وأمدهم بجيش آخر مع حسن الحاجب، [وأردفهم بمبارك التركي إلا أن مباركا تثاقل عن إدراكهم شيئا] (1)، وكان مبارك التركي قريبا من المدينة في جيش كثيف، فأقبل، ولقي الحسين يوم الثالث من خروجه، فدخل المدينة وخرج إليه أهل المدينة فكلموه في أن يقاتل، فقاتل يوما إلى الزوال وكانت (2) حربهم سجالا، ثم انصرف عنه وكلمه (3) أهل المدينة فوعدهم ثم مضى (4) ولم يحارب ولم يحضرهم في حروبهم، فنقم ذلك موسى الهادي [بن محمد المهدي] (5) على مبارك [1]. فأخبرني أبو زيد قال، حدثني المدائني قال، حدثني عبد الرحمن ابن يقطين قال: حججت أنا وجماعة إخوتي ذلك العام فحصرنا، وكان عبيد بن يقطين في بقية من علة كان وجدها، فأتاه حجر فأصاب وجهه وأدماه (6) شيئا، فدعا بقوسه وأوترها (7) فرمى سليمان بن عبد الله بن الحسن/بن الحسن بن علي فقتله. قال: فلقد رأيت أباه (8) يقطين بن
موسى وكان حاضرا مشمرا وهو يقول: «سيعلم الناس اليوم يقطين طالبي أو عباسي»، /فمرة يقبل إلى عباس بن محمد فيقول (1): «عزما يا ابن ساداتي»، ومرة ينحرف إلى موسى بن عيسى فيقول: «قدما يا ابن المنعمين علي»، ومرة يقول لعبيد: «ايها فداك أبي وأمي»، حتى انقضت الحرب وحز رأس الحسين بن علي، رحمه الله، فتسلمه يقطين وبنوه وقدموا به (2) على موسى بن عيسى (3)، وعلي بن يقطين وزيره، فقال [لهم موسى] (4): أسرعتم كأنكم أتيتم برأس طاغوت، أما ان أقل ما أجازيكم به أن (5) أحرمكم جوائزكم [1]؛ قال عبد الرحمن: فحرمناها.
قال محمد بن علي بإسناده (1): فلما وافى الحسين بن علي فخ، وقد كانت عساكرهم لقيته بسرف، فحاجزهم مدافعا إلى قرب مكة ليصل إليه من أراده من أهل بيعته ومن واعده بها، أحاطت به العساكر. وقد حدثني بذلك أبو زيد عن المدائني علي (2) بن محمد عن (3) عبد العزيز بن عبد الملك بن عيسى؛ وأخبرنا سليمان بن موسى/عن أبيه عن مشايخ أهل بيته، وبعضهم يزيد على بعض؛ ومحمد بن القاسم بن إبراهيم قد أخبرني ببعضه، فاختصرت من ذلك حسب ما رجوته من القصة مؤديا، قال (4): فتوافت العساكر على ما ذكرنا ولحقهم مفضل الوصيف، وأبو الورد وصاعد في جيش كثيف، وحسن الحاجب، ومناره (5)، واستخلفوا على مكة (6) عبيد الله بن قثم في جماعة كثيرة تمنع الحاج أن يتوجه أحد منهم (7) إلى الحسين أو يكاتبه. وبثوا في الناس من أنهى (8) إليهم أخبارهم، وقطعوا (9) الطريق إلى الحسين وحا/لوا بين كل أحد وبين الوصول إليه. وقال الحسن بن عبد الواحد، قال الجعفري: صار يحيى بن عبد الله إلى مكة مستترا، فوقف على الصفا فجعل ينادي: رحم الله من يعرف الجمل الأحمر، قال: فكان يمر به من بايعه فيعرفه يحيى فيعرض عنه وقد رآه وسمع صوته. قال الجعفري: وحدثني إدريس ويحيى بذلك فأظن، والله أعلم، أن القوم لم يكونوا يطمعون (1) في الوصول إلى عسكر الحسين، وما أظن ذلك يعذر لهم، والله ولي العفو عن كل (2) مقصر. قال: وكان (3) المتولي لتدبير الحرب يقطين بن موسى. فجعل محمدا وجعفرا إبني سليمان، مع من حضر من آل سليمان بن علي، ومفضل الوصيف وصاعد (4) في الميمنة؛ وجعل موسى بن عيسى [وحسن الحاجب] (5) ومنارة في الميسرة؛ ويقطين وأولاده في القلب [1]. وذلك يوم التروية [2]، والتقوا (6) واقتتلوا بفخ يومهم ذلك. قال الحسن بن عبد الواحد (1) حدثني أحمد بن كثير قال، حدثني إسحاق بن إبراهيم قال (2): سمعت الحسين ليلة الجمعة حين لقينا أصحاب يقطين، فابتدأ الحسين في كلامه هذا حين لقيناهم، وهو على حمار إدريس والناس منصتون له، فقال: يا أهل القرآن، والله إن خصلتين أدناهما الجنة/لشريفتان، وإن يبقكم (3) الله ويظفركم ليعملن (4) بكتاب الله وسنة نبيه، /ولتشبعن الأرملة واليتيم (5)، وليعزن من أعزه الله (6) وأولياؤه، وليذلن من أذله الحق وليحكم (7) من أعدائه (8). وإن تكن الخصلة الأخرى، فأنتم تبع لسلفكم الصالح تقدمون عليهم وأنتم داعون إليهم، رسول الله وحمزة وعلي وجعفر والحسن والحسين وزيد بن علي ويحيى بن زيد وعبد الله بن الحسن ومحمد وإبراهيم إبنا (9) عبد الله؛ فمن أي الخصلتين تجزعون! فو الله إن لو لم (10) أجد غيري لحاكمتهم إلى الله حتى ألحق بسلفي [1]. وقد حدثني أيضا أحمد بن حمزة/الرازي قال، حدثنا أحمد بن رشيد عن سعيد بن خثيم الهلالي قال: (1) كنت مع الحسين بن علي (2)، رحمه الله، فاجتمعنا إليه قبل اللقاء فقام [فينا خطيبا] (3)، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا إخوتي وإخواني (4) وشيعة أبي (5) ومحبي جدي رسول الله، صلى الله عليه، قد (6) تبين لكم ظلم هؤلاء القوم وفسقهم وفجورهم وعداوتهم لله ولرسوله، وسيرتهم في أمة محمد وارتكابهم المحارم وتعطيلهم الحدود، وشربهم الخمور [وارتكابهم الشرور] (7) وهتكهم الستور، واستئثارهم بالفيء، وأمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف؛ دعاهم الشيطان فأجابوه واستصرخهم فاتبعوه، يسيرون فيكم بسيرة القياصرة والأكاسرة، / يقتلون خياركم ويستذلون فقهاءكم (8)، يقضون بالهوى ويحكمون بالرشا، ويولون السفهاء ويظاهرون أهل الريب والردى، يقلدون إمرة (9) المسلمين اليهود والنصارى، جبابرة عتاة، يلبسون الحرير، وينكحون الذكور، فكيف لا يغضب أولو النهى، أم كيف يسوغ (1) الطعام لأهل البر والتقوى، قد درس الكتاب فأول على غير تأويله، وغني به على المعازف فحرف عن تنزيله، فلم يبق من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، فلو أن مؤمنا تقطعت نفسه قطعا، ما كان ذلك (2) لله رضا بل كان بذلك جديرا عندي (3). فروحوا بنا إلى الله، واصطبروا لله، فو الله إن الراحة منهم ومن المقام معهم في دارهم لراحة، والجهاد عليكم فريضة فقاتلوهم (4) فإن الله تعالى قد فرض قتالهم (5)، واصبروا أنفسكم ف إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص (الصف 61/ 4) وكونوا ممن أحب الله والدار الآخرة، وباين اعداءه وآثر لقاءه، عصمنا الله وإياكم. قال: وحدثني هارون الوشاء ، قال حدثني عبد العزيز بن يحيى الكناني، ويقال إنه كان من الدعاة إلى يحيى بن عبد الله، قال: لما صار الحسين إلى فخ (6)، خرج يحيى على فرسه يحرض الناس؛ قال بعد (7) حمد الله (8): أبشروا معشر (1) من حضر من المسلمين فإنكم أنصار/الله وأنصار كتابه وأنصار/رسوله صلى الله عليه وسلم وأعوان الحق، وخيار أهل الأرض، وعلى ملة الإسلام ومنهاجه الذي اختاره (2) لأنبيائه المرسلين وأوليائه الصابرين؛ أو ما سمعتم الله يقول إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم [بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن/ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم، التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله] (3) وبشر المؤمنين (التوبة 9/ 111 - 112). ثم قال: والله ما أعرف على وجه الأرض (4) سواكم، إلا من كان على مثل رأيكم، حالت بينكم وبينهم (5) المعاذير، إما فقير لا يقدر على ما يتحمل به إلينا فهو يدعو الله في آناء ليله ونهاره، أو غني بعدت داره منا فلم تدركه دعوتنا، و (6) محبوس عند الفسقة وقلبه عندنا [ممن أرجو أن يكون ممن وفى لله بما اشترى منه] (7)، فما تنتظرون عباد الله بجهاد من قد أقبل إلى ذرية نبيكم (8) ليسبوا ذراريهم ويجتاحوا بقيتهم (9).
ثم قال: اللهم احكم بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الحاكمين. قال: فبرز للقتال (1)، ووجه إليه موسى بن عيسى وإلى جميع أصحابه يعرض عليهم الأمان [1]، فقال (2) الحسين: وأي أمان لكم يا فجرة؟ المغرور من غررتموه بأمانكم، وكيف لا (3) وأنتم تغرونه عن دينه بحيلة (4) يسيرة تطمعونه فيها، /فإذا ركن إليها قتلتموه؛ أليس من وصية آبائكم، زعمتم، قتل كل متهم ومن سأل الأمان عند الظفر به؟ فخرج إليه جميع (5) من حضر من بني العباس ومواليهم والجند ونقضوا إحرامهم ولبسوا (6) الأقبية، وبعثوا إليه ثانية (7) وبذلوا له مالا فأبى إلا قتالهم أو (8) الرجوع عما هم عليه من الإثم والعدوان ومعونة (9) الظالمين. قال: فشدوا عليه عندما أيسوا (10) من خديعته بأمانهم، وحملوا عليه وعلى أصحابه حملة شديدة فثبتوا لهم وقتل منهم جماعة. فحدثني محمد بن القاسم بن إبراهيم ، وكان إبراهيم بن إسماعيل طباطبا ممن خرج مع الحسين بن علي (1)، قال: كان محمد بن سليمان ابن علي ممن بعث مع موسى بن عيسى، وكانت أمه حسنية، وهي زينب ابنة جعفر بن الحسن بن الحسن، قال: فلما تصافوا بفخ (2) خرج محمد من عسكر المسودة ولقي (3) الحسين وسلم عليه (4) وقال: والله يا خال ما أشخصني إلى هذه البلد (5) إلا الشفقة عليك والظن بك، ورجاء أن يحقن الله دمك. فقال له الحسين: ما/أعرفني بما (6) تحاول من خديعتي عن ديني ودنياي، إليك عني! فقال له: يا خال لا تفعل، إقبل نصحي (7) ولا تعرض نفسك للهلكة فإن معي كتابا قد أخذته لك من ابن عمك الخليفة موسى الهادي بن محمد المهدي بأمانك، وجعل إلي أن أعرض عليك (8) كلما أحببت، فصر إلى أي بلد من البلدان/شئت (9) وسم ما شئت من الأموال والقطائع والضياع. قال: وأقبل (10) عليه الحسين فقال: يا عبد خيزران وخالصة (11)، أتظن أني إنما خرجت في طلب الدنيا/التي تعظمونها أو للرغبة فيما تعرضون علي من أموال المسلمين؟ ليس ذلك كما تظن، إنما خرجت غضبا لله ونصرة لدينه وطلبا للشهادة وأن يجعل مقامي هذا حجة على الأمة، واقتديت في ذلك بأسلافي الماضين المجاهدين، لا حاجة لي في شيء مما عرضت علي، وأنا نافذ فيما خرجت له وماض على بصيرتي حتى ألحق بربي. قال: فلما رأت المسودة ثبات أصحاب الحسين وصبرهم، جعلوا لهم (1) كمينا من ورائهم ثم استطردوا لهم حتى خرجوا من (2) الموضع الذي كانوا فيه، وقد الجئوا ظهورهم (3) إلى الجبل الذي شيده الحسين بنفسه وأصحابه وقطع مجاز الجبل فيه بالصخر، وهو على تلك الحال إلى اليوم. فلما خرج عليهم الكمين قاتل الحسين وأصحابه قتالا شديدا حتى كثر فيهم القتل (4) في الفريقين جميعا، ثم حملت العساكر بأجمعها فصبروا لهم حتى أبيدوا بأجمعهم وقتل الحسين، رحمه الله، وسط المعركة (5) وصرع أهله حوله بعد منازلة ومدافعة وصبر عظيم على وقع الحديد. ولقد أخبرني حمدان بن منصور (6) قال، حدثني القاسم بن إبراهيم الإمام (7)، رحمة الله عليه، عمن ذكره من أصحابه، قال: رأيت (8) الحسين
والناس في القتال يدفن شيئا (1)، فأتبع ذلك الدفين فإذا هو (2) بعض وجهه، ضربة (3) برت عامته [1]، فاعتزل حتى دفنه ثم تلثم على وجهه وعاود الحرب، رحمة الله عليه. وحدثني أيضا عن محمد بن منصور عن القاسم عن أبيه [2]: قال قيل للحسين بعدما أثخن الإثخان: فقد أعذرت؛ /فقال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليبغض العبد يستأسر (4) إلا من جراحة مثخنة (5)». قال: وقال لهم الحسين: يا بني عمي انحازوا وامضوا إلى بعض النواحي فعسى أن تدركوا بثأرنا يوما من الدهر فإني غير مفارقهم حتى يحكم الله بينناوهو خير الحاكمين (الأعراف 7/ 87) فأبوا وصبروا حتى قتلوا قدامه واحدا واحدا.
[هروب من فر من الطالبيين إلى الحبشة]
وأصابت يحيى بن عبد الله سبعون نشابة بين/درعه وكبره (1) حتى صار كالقنفذ. وجرح أخوه إدريس بن عبد الله (2) حتى صبغ (3) قميصه، وجرح الحسن بن محمد بن عبد الله وفقئت عينه بنشابة. وكان ممن ارتث (4) يحيى وإدريس إبنا عبد الله، وإبراهيم بن إسماعيل جد (5) الإمام القاسم (6) يعرف بطباطبا، وعبد الله بن الحسن الأفطس، جرحى ما فيهم حراك (7)، فاستدركهم رجل من خزاعة من أهل اليسار، كان سيد قومه، ويقال: لم يتحركوا (8)، وتعارفوا بالليل، فجزعوا في الجبل حتى صاروا إلى هذا الخزاعي، فآواهم عنده/زمانا حتى صلحوا من جراحاتهم وبرئوا من كلمهم وسكن عنهم ألم ذلك، وكف الطلب/وعميت
أخبارهم على من (1) وكل باتباعهم. ثم أجمع رأيهم على الخروج (2) إلى الحبشة إلى أن يجعل الله لهم من أمرهم مخرجا. فركبوا البحر جائزين إلى بلاد الحبشة في مركب للخزاعي، ووجه معهم غلمانه حتى عبروا بهم من معتك إلى عيذاب. واستفظع علي بن إبراهيم ركوب البحر واشمأز منه، فسألهم رده، فراوده القوم إشفاقا عليه وراجعوه ضنا (3) به، فامتنع من ركوبه واستعظم هوله، فألقوه في بعض مناهل (4) الحجاز فأسر نفسه وصار إلى الحجاز (5)، فتباشر به أهلها، لأنه كان وأصحابه (6) في عداد من قتل، فلم يخف مكانه فوشي به إلى خليفة للعمري كان بالحجاز (7) فأنهى ذلك إلى العمري، فهجم عليه وأخذه (8) وحمل إلى العراق وطرح (9) في المطبق وأقام (10) سنتين، ولخروجه قصة سنذكر/خبرها في موضعه (11) إن شاء الله [1]. فلما صار يحيى وأصحابه إلى ملك الحبشة، أعظمهم وأكبر أمرهم وأجزل جوائزهم، فأقاموا عنده خير إقامة في أكرم منزلة، وكان (1) أول من رجع منهم: إبراهيم بن إسماعيل طباطبا، وقد ولد له أكابر ولده بها، فصار إلى المدينة فأقام في المدينة متخفيا بها حينا (2)، وولد له بقية ولده في اختفائه بها، ثم نزع إلى الكوفة يريد البصرة/ومعه زوجته المحمدية، من ولد محمد بن الحنفية؛ وكان رجل من أهل الكوفة (3) يخف لهم في حوائجهم فلا تأتي فيها موافقة (4) ويظهر فيها خيانة، فاستراحوا منه إلى غيره (5)، واستعفوه من نفسه فوشى بهم إلى عامل الكوفة، فأخذ إبراهيم فطرح (6) في المطبق، وفر الرجل الذي وشى به (7) من الكوفة، فتبعه فتيان من أهلها حتى قتلاه ناحية (8) الجبل. ولإبراهيم قصة سأذكرها إن شاء الله.
[عودة يحيى وإدريس من الحبشة]
ثم (9) خرج يحيى وإدريس من الحبشة، فقدما فرع المسور ليلا، فأقاما به زمنا يتشاوران إلى أين يخرجان (10) وأي بلد يحملهم ويخفيهم وشملهم من الخوف، مثل ما كان عرف وتناهى (1) إليهم خبر (2) علي بن/ إبراهيم، وإبراهيم بن إسماعيل، والقاسم بن محمد بن عبد الله بن حسن (3)، وموسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (4).
[مقتل القاسم بن محمد بن عبد الله]
وكان أمرهم، كما أخبرني (5) محمد بن يوسف بن إبراهيم بن موسى عن أبيه، قال [1]: لما كان من أمر الحسين، رحمه الله، بفخ ما كان (6)، أحضر موسى الهادي موسى بن عبد الله بن الحسن (7)، والقاسم بن محمد بن عبد الله؛ وقال (8) للقاسم: والله لأقتلنك يا ابن الفاعلة قتلة ما قتلها أحد قبلي أحدا قبلك! قال له القاسم: الفاعلة هي الصناجة التي اشتريت بأموال المسلمين، أإياي (9) تهددني بالقتل (10) الذي لم يسبقك إليه ظالم؟ فلأصبرن لك صبرا ما صبره أحد قبلي طلبا لمرضات الله وجميل ثوابه، قال (1): فأمر موسى، لعنه الله [لعنا وبيلا] (2)، بالمناشير فأحضرت ثم أقيم (3) على كل عضو/منه منشار (4)، فنشر (5) وجهه صفحة (6) واحدة ثم نشروه (7) عضوا عضوا حتى أتوا على جميع بدنه (8)، قالوا جميعا (9): فما تأوه (10)، رحمه الله ولا تحرك (11) حتى جردوا عظامه عن لحمه، وفرقوا بين جميع أعضائه. فقال له اللعين موسى (12): كيف رأيت يا ابن الفاعلة؟ فقال (13) له القاسم: يا مسكين لو رأيت/ما أرى من الذي أكرمني الله به في دار المقامة وما أعد لك من العذاب [في دار الهوان] (14) لرأيت حسرة دائمة وتثبت النقمة العاجلة؛ وخرجت نفس القاسم مع آخر كلامه (15).
[مقتل الحسن بن علي بن الحسن المثلث]
ثم قال موسى للحسن بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب: /لأقتلنك قتلة ما سبقني إليها أحد! قال: إختر شرهما (1) لك، فأمر ببيت له بابان فملىء تبنا، وأدخله ذلك البيت ودخن عليه (2) ثم سد (3) الأبواب وتركه ثلاثة أيام، ثم طلب يوم الثالث فوجد حيا لم يرزأه ذلك كبير (4) رزء فأنكر موسى ذلك؛ وقال: والله (5) لأقتلنك قتلة يبطل معها سحرك. فشغلته الآكلة وعاجله الله، عز وجل، بالنقمة. وحبس (6) الحسن مع خاله موسى (7) ثم أطلق وعاش [بعد ذلك] (8) أربعين سنة إلا أنه ذهب بصره، فكان يقال له: حسن المكفوف، كان ينزل ينبع وكان أعلم أهل زمانه؛ ولم يبق للحسن بن الحسن (9) نسل إلا من ولده [1].
[العفو عن إبراهيم بن اسماعيل طباطبا]
قالوا: (10) ولما جيء بإبراهيم بن إسماعيل جعل موسى يقرعه بخروجه مع الحسين حتى كاد أن يأمر به، فقال له إبراهيم: يا أمير المؤمنين إن كنت ترحم (11) في العقوبة/رحمة الله فلا تزهدن عند المعافاة في الآخرة، فأمر (1) به إلى السجن بعدما كان هم به [1]. قال: وكان محمد بن إبراهيم الإمام (2) قد تزوج فاطمة ابنة عبد الله ابن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن (3) فسألته أن يتكلم في عمها، وكانت عنده أثيرة (4)، فتكلم فيه فأطلق وصار إلى الحجاز ومات به بعد حين. قال المدائني: فلما قتل من قتل منهم وعذب من عذب، نودي فيهم بالأمان، فقال يحيى: وأي أمان لكم يا فسقة؟ وكاتب يحيى الناس ولقيه (5) العلماء من أهل الأمصار، فأجابه خلق كثير. (1)
أخبار يحيى وإدريس
ابني عبد الله بن الحسن عليهم السلام (1) وقد (2) أخبرني هارون بن موسى ، قال: حدثني عبد العزيز بن يحيى الكناني، قال: لما انصرف يحيى وإدريس من أرض الحبشة، كاتب الناس وواعدهم الموسم بمنى في شعب الحضارمة. قال: فوافاه سبعون رجلا من خيار أهل الأرض في ذلك الزمان؛ قال: وكان فيهم جماعة من أهل مكة. قال هارون، وكأنه أومى إلى أن يكون كان (3) فيهم ولم يصرح بذلك ، قال: /وشاورهم (4) فأشاروا عليه واتفق رأيهم على أن يوجه في أمصار المسلمين ويستنصرهم على جهادهم فإنه ما من أعمال/البر شيء (5) يعدل عند الله جهادهم (6) ولا أفضل من نصرتهم عليهم. قال: (7) فاستخار الله/وكاتب أهل الآفاق ووجه إليهم الرسل؛ فوجه إلى أهل العراق ثلاثة، وإلى أهل المغرب ثلاثة ومعهم أخوه إدريس، وقال له: يا أخي إن لنا راية في المغرب تقبل في آخر الزمان فيظهر الله الحق على أيدي أهلها فعسى أن تكون أنت أو رجل من ولدك. فتوجه إدريس إلى المغرب مع أصحابه فصار إلى القيروان ثم إلى الزاب ثم إلى مليانة، ثم صار إلى طنجة فأعظمه أهلها وأكرموه؛ وقاتل عبد الوهاب بن رستم فأزاله عن بعض تلك المخاليف واتسع (1) سلطانه وتزايد أمره وأقام زمانا، حتى دس إليه هارون الرشيد من قتله بالسم؛ وله قصة ولمن وجه إليه سأذكرها في موضعها إن شاء الله [1].
[بث الدعاة والرسائل]
قال (2): ووجه إلى مصر وما يليها ثلاثة؛ وكتب معهم إبراهيم بن محمد ابن أبي يحيى الفقيه (3)، الذي يقال له (4) أستاذ محمد بن إدريس الشافعي وكان من دعاة يحيى ومن أجلة أصحابه وأهل زمانه (5)، إلى أبي محمد الحضرمي كتاب (6) فيه (7): [2] بسم [الله الرحمن الرحيم] (1). سلام (2) عليك، فإني أحمد الله إليك (3) الذي لا إله إلا هو، وأسأله/أن يصلي على محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى المستوجبين الصلاة من أهله. أما بعد، فقد بلغني حبك أهل بيت نبيك عامة ويحيى بن عبد الله خاصة، لمكان النبي، صلى الله عليه وسلم منهم، ولموضعهم الذي فضلهم الله به من بيننا (4)، فلقد وفقت لرشدك بمودتك لهم لأنهم أحق الناس بذلك منك ومن الأمة، وأقمنهم أن يقربك حبهم إلى ربك لأنهم أهل بيت الرحمة وموضع العصمة وقرار الرسالة، وإليهم كان مختلف الملائكة، وأهل رسول الله وعترته؛ فهم معدن العلم وغاية الحكم [1]؛ فتمسك بصاحبك واستظل بظله وأعنه على أمره وارض (5) به محلا ولا تبغ به بدلا، فإنه من شجرة باسقة الفرع (6)، طيبة النبع، ثابتة الأصل، دائمة/الأكل، قد ساخت عروقها فهي طيبة الثرى، واهتزت غصونها فهي تنطف الندى، وأورقت منضرة، ونورت مزهرة، وأثمرت مورقة (7)، لا ينقص ثمارها الجناة، /ولا شرعها (1) السقاة، فمن نزل بها وآوى إليها ورد حياضا تفيض، ورعى رياضا لا تغيض، وشرب شربا (2) رويا هنيا مريا متلئلئا غريضا فضيضا، فروى وارتوى وأروى من رواء (3) بدلاء ملاء مبذولة غير ممنوعة، معروضة غير مقطوعة. فاستمسك بالعروة الوثقى من معرفة حق الله عليك في نصرة يحيى وتحريم حرمته، واستغنم الظفر بما يلزمك من حفظه بمكان النبي، عليه السلام، ومكان الوصي بعده الإمام، ومكان أهله منه، وحفظ دين الله خاصة (4)، وفي أهل البيت عامة، وأحببهم (5) جميعا حبا نافعا، واجعل حبك إياهم حبا دائما بغير (6) تقصير ولا إفراط ولا احتراق ولا اختلاق، تجمعهم إذا تفرقوا ولا تفرق بينهم إذا اجتمعوا، ولا تصدق/عليهم أهل الفرية من الرافضة (7) الغلاة، فإنهم العداة (8) للقائمين بالحق من عترة الرسول، وسوء (9) النية فيهم، والجرأة على الله بالإفك والشنآن، وهم أهل الخلابة (10) وقلة المهابة للعواقب. واعلم أن من اعتقد/ترك ما نهي عنه في السر الباطن وأظهر الحق في المواطن، ولزم التقوى، وحفظ حق ذي القربى، وتجنب في حبهم الجور والحزونة وسلك الطريقة الوسطى وسار فيهم بالقسط والسهولة، وأقر بالفضل لأهله، وفضل ذا الفضل بفضله (1)، ودعا إلى الله تعالى وإلى كتابه وسنة نبيه ولم ير الإغماض في دينه ولم ينقض مبرما، ولم يستحل محرما، فمن كانت هذه صفته لحق بالصالحين من سلفه وبخير آبائه الطاهرين (2). فتدبر ما وصفت لك وميزه (3) بقلبك فإن كنت كذلك لحقت بأهل الولاية الباطنة، والمودة الواثنة (4) التي لم تغيرها فتنة ولم تصبها أبنة (5)، فتسكن خير دار عند أكرم/جبار (6)، بأهنأ راحة وأفضل قرار، في مكان لا تشوبه المكاره والغل، ولا يعاب أهله بسوء الأخوة والبخل، يتلاقون بأحسن تحية، بصدور برية (7) وأخلاق سنية، لا تمازجها الريبة ولا تشاع فيها (8) الغيبة، قد وصلهم الله بحبله فاتصلوا به (9)، وجمعهم في جواره فاستبشروا به، فعلى ذلك/يتواخون وبه يتواصلون؛ يتحابون بالولاية، ويتوادون بحسن الرعاية فهم كما قال الله كزرع أخرج شطأه (1) الآية (الفتح 48/ 29). فهم مثل (2) من خلا من قبلهم مستهم البأساء والضراء، ونالهم المكروه واللأواء والشدة والأذى، امتحنوا بعظيم المحن والبلوى فصبروا الله على ما امتحنهم به، وأخلصوا لله ما أرادوا منه، فحاباهم (3) على ما أسلفوا، وكافأهم بجميل ما اكتسبوا، وأحبهم لعظم (4) ما صبروا له (5) والله يحب الصابرين (آل عمران 3/ 146). رزقنا الله وإياك (6) تراحم الأبرار، وتواصل الأخيار الذين لهم عقبى الدار، وفتح لنا ولك أبواب الحكمة، وعصمنا وإياك بحبل العصمة، وشملنا (7) بجميل النعمة، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (8).
[خبر إدريس بن عبد الله]
فوجه في جميع الأمصار ثلاثة ثلاثة، واتصل خبره (1) بهارون فبث في طلبه (2) العيون والجواسيس ووضع المراصد، ووجه بصفته إلى جميع العمال في جميع الآفاق، فكان لا يشار إلى أحد أنه ذكره أو عرفه إلا عذبه ليأخذ خبره. [قال أبو زيد] (3)، قال المدائني: فلما اتفق رأي يحيى على أن (4) يبعث دعاته في الآفاق وجه أخاه/إدريس [مع رجلين نحو المغرب، يقال لأحدهما إسحاق بن راشد [1] وذكر الآخر. قال: وأقام يحيى بفرع المسور جمعه يوصي أخاه إدريس] (5) بن عبد الله، ووجه معه فليت (6) بن سليمان إلى مصر برسالة إلى رجل من الشيعة يعرف بأبي محمد من الحضارمة؛ وكتب إليه إبراهيم ابن أبي يحيى بالرسالة (1) التي قد ذكرتها. وكتب يحيى بن عبد الله إلى واضح مولى منصور، وكان على بريد مصر وكان يتشيع ويميل إلى الطالبيين ميلا شديدا، فكتب إليه أن يتلطف بحمل/إدريس إلى المغرب.
[إدريس في مصر]
فلما وصل إلى (2) مصر كان من خبره (3) كما حدثني محمد بن عمرو ابن خالد أبو علاثة (4) قال، حدثنا أخي (5) أبو خيثمة علي بن عمرو بن خالد قال، حدثنا إبراهيم بن أبي أيوب، قال: لما قدم إدريس إلى (6) مصر يريد المغرب بلغ هارون الرشيد خبره، فجمع القواد وشاورهم، قال (7): حدث من أمر إدريس كذا وكذا فأشيروا علي في أمره؟ فقالوا: نرى (8) أن تبعث في طلبه العساكر، فقال: ليس هذا برأي (9)، ولكن اطلبوا لي رجلا ثقة ناصحا لهذه الدولة أولية بريد مصر؛ فأشاروا عليه بشماخ (10) /اليمامي. فقدم شماخ مصر (11) وعلى بريدها واضح. قال أبو علاثة في خبره: قال فقال له الرشيد: انطلق إلى مصر فاسأل (1) عن خبر إدريس وابحث عنه، فإن قدرت عليه فذاك وإن خبرت (2) أنه قد نفذ إلى المغرب فاطلب رجلا تعطيه ثلاثين ألف دينار على أن تجعل (3) له منها خمسة عشر ألفا وتواضعه الباقي على (4) أن يشتري بها جهازا ويخرج إلى المغرب على أنه إذا جاوز رأس [الجسر] (5) ربط في وسطه كشتبر (6) ويقول إنه يهودي. قال: فقدم الشماخ إلى مصر، وموسى ابن عيسى عليها، قال: فجاء رجل إلى موسى بن عيسى [1]، فقال (7): هذا
إدريس؛ وكان هوى موسى لا يأخذ على يديه، فقال للساعي: هل علمت شريطتنا في إدريس؟ قال: ما هي أصلح الله الأمير؟ قال: إن دللتنا عليه وصدقتنا عنه أمرنا لك بألف دينار، وإن طلبناه فلم (1) نجده ضربناك في الموضع الذي زعمت أنه فيه، كذا وكذا سوطا (2)، قال: قد رضيت؛ قال: ادعوا بفلان (3) وابعثوا إلى الشماخ، وجعل يبعث إلى القواد قائدا قائدا حتى شاع (4) الخبر وبلغ إدريس، فخرج (5) من الموضع الذي كان فيه. قال أبو عبد الله (6): قال الذي كان إدريس نازلا في داره رافعا صوته إن الملأ يأتمرون بك (7) /ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (القصص 28/ 20). فلما وقع القول في مسامع إدريس علم أنه قد رهق فطرح ثيابه/واتخد (8) شملة وخرج في هيئة رثة تشبه
هيئة السؤال، فجاز بالقوم فعرفه (1) واضح فصار به إلى منزله وحمله من ساعته على (2) البريد إلى أرض المغرب.
[إدريس في أرض أفريقية/القيروان]
قال أبو علاثة: جاء بهم الرجل إلى الدار التي كان يسكنها آل بيان الدورقي اليوم بحضرة مسجد عبد الله (3)؛ فوجد آثاره (4) ولم يوجد إدريس، فضرب الساعي [على بابها وفاتهم إدريس] (5) وصاحباه. فوقعوا بأرض افريقية (6)، وكان الغالب على أهلها الخوارج والمعتزلة. وكان أحد الرجلين اللذين مع إدريس من أهل البصرة، من شيعة أخيه (7) إبراهيم ابن عبد الله، معتزليا بليغا خطيبا. فكاتبهم إدريس، وكلمهم البصري وكان حسن البيان، فسارع الناس إلى إدريس واتبعوه، واتصل خبره بروح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب [1]، فوجه في طلبهم (8) الخيل فأحاطت بالموضع/الذي هو فيه (9)،
[خروجه إلى جبال نفوسة]
فركب إدريس وسبق إلى جبال نفوسة وهي قبيلة من قبائل البربر خوارج، فمنعوه من أن يصل (1) إليه أصحاب روح ووقعت بينهم حرب شديدة/قتل فيها عالم من الناس. فكتب الموجه في طلبه إلى روح يعلمه ذلك فكتب روح إلى عبد الوهاب بن رستم أن هذا إدريس بن عبد الله، وأنت عارف بعداوته لك ولمن مضى من سلفك ولو ظفر بك لتقرب بدمك إلى الله، ونحو ذلك. فلما ورد كتابه على عبد الوهاب كتب إلى أهل نفوسة يأمرهم أن يشدوه وثاقا ويحملوه (2) إليه فإنه لا تؤمن (3) الفتنة به. وكان إدريس قد دعا [أهل نفوسة] (4) إلى حقه وبين لهم خطأ ما هم عليه من البراءة من علي بن أبي طالب، فاستجاب له منهم خلق وأبى ذلك أكثرهم، فلما ورد عليهم (5) كتاب عبد الوهاب اختلفوا، فقال المجيبون لإدريس (6): كيف نحمل ابن رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، إلى شيطان مارد (7) وقد استجار بنا، لاها الله (8) ما إلى خذلانه سبيل، قال: فلما رأى أهل الرأي منهم الاختلاف خافوا أن يتفانوا فمشى بعضهم إلى بعض/في أمره فاتفقوا على (1) أن يحملوه إلى حيث يأمن، ورضي إدريس منهم بذلك. وكان إدريس قد كاتب قبائل البربر أهل شلف (2) وتاهرت وزناته وزواغة وصنما (3) وصنهاجة ولواته/فاستجابوا له ووعدوه النصر (4) والقيام معه حتى يبلغ ما يريد أو يموتوا عن آخرهم. وهذه رسالته إليهم كما قال الحسن بن علي بن محمد بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب [1]: بسم الله الرحمن الرحيم (5). الحمد لله الذي جعل النصر لمن أطاعه، وعاقبة السوء لمن عند عنه، ولا إله إلا الله المتفرد بالوحدانية، الدال على ذلك بما أظهر من عجيب حكمته ولطيف تدبيره، الذي لا يدرك إلا بأعلامه [وبيناته، سبحانه منزها عن ظلم العباد وعن السوء والفحشاء (1) ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (الشورى 42/ 10)] (2). وصلى الله على محمد عبده ورسوله وخيرته من جميع خلقه، انتخبه واصطفاه، واختاره وارتضاه، صلوات الله عليه وعلى آله أجمعين. أما بعد، فإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه، وإلى العدل في الرعية والقسم بالسوية، ودفع المظالم (3) والأخذ بيد المظلوم، وإحياء السنة وإماتة البدعة، وإنفاذ حكم الكتاب على القريب والبعيد، فاذكروا الله في ملوك تجبروا وفي الأمانات خفروا (4)، وعهود الله وميثاقه نقضوا، /وولد نبيه قتلوا، وأذكركم الله في أرامل افتقرت، ويتامى ضيعت، وحدود عطلت وفي دماء بغير حق سفكت؛ فقد (5) نبذوا الكتاب والإسلام [وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون] (6)، فلم يبق من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه، واعلموا عباد الله أن مما أوجب الله على/أهل طاعته المجاهدة لأهل عداوته ومعصيته باليد واللسان، فباللسان الدعاء إلى الله بالموعظة الحسنة والنصيحة والتذكرة، والحض على طاعة الله والتوبة عن (1) الذنوب والإنابة (2) والإقلاع والنزوع عما يكره الله، والتواصي بالحق والصدق والصبر والرحمة والرفق، والتناهي عن معاصي الله كلها، والتعليم والتقويم لمن استجاب/لله ولرسوله، حتى تنفذ بصائرهم، وتكمل نحلتهم وتجتمع كلمتهم، وتنتظم إلفتهم؛ فإذا اجتمع منهم من يكون للفساد دافعا، وللظالمين مقاوما، وعلى البغي والعدوان قاهرا، أظهروا دعوتهم وندبوا العباد إلى طاعة ربهم، ودافعوا (3) أهل الجور عن ارتكاب ما حرم الله عليهم، وحالوا بين أهل المعاصي وبين العمل بها فإن في معصية الله تلفا لمن ركبها (4)، وهلاكا لمن عمل/بها؛ ولا يؤيسنكم (5) من علو الحق وإظهاره قلة أنصاره، فإن فيما بدىء به من وحده: النبي، صلى الله عليه، والأنبياء الداعين إلى الله قبله، وتكثيره إياهم بعد القلة، وإعزازهم بعد الذلة، دليل بين وبرهان واضح، قال الله عز وجل ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة (آل عمران 3/ 123) وقال ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (6) (الحج 22/ 40) فنصر الله نبيه وكثر جنده وأظهر حزبه، وأنجز وعده، جزاء من الله سبحانه (7) وثوابا لفعله وصبره وإيثاره طاعة ربه ورأفته بعباده ورحمته وحسن قيامه بالعدل والقسط في بريته، ومجاهدة أعدائه وزهده فيما زهده فيه، ورغبته فيما ندبه الله (1) إليه، ومواساته أصحابه، وسعة أخلاقه (2)، كما أدبه الله وأمره وأمر العباد باتباعه وسلوك سبيله، والاقتداء بهدايته (3) واقتفاء أثره، فإذا فعلوا ذلك أنجز لهم ما وعدهم كما قال عز وجل إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (محمد 47/ 7) وقال تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان (المائدة 5/ 2)، وقال إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر (4) (النحل 16/ 10). وكما مدحهم وأثنى عليهم إذ يقول كنتم خير أمة أخرجت/للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر [وتؤمنون بالله (آل عمران 3/ 110) وقال عز وجل المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض] (5) (التوبة 9/ 71). وفرض (6) الله جل جلاله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأضافه إلى الإيمان به (7) والإقرار بمعرفته، وأمر بالجهاد عليه والدعاء إليه فقال (8) عز وجل قاتلوا الذين لا/يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ماحرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق (التوبة 9/ 29)، وفرض قتال المعاندين عن الحق والباغين عليه، ممن آمن به وصدق بكتابه حتى يعودوا إليه ويؤمنوا (1)، كما فرض قتال من كفر به وصد عنه (2) حتى يؤمن به (3) ويعترف بدينه وشرائعه فقال وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهمافإن بغت إحداهماعلى الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله (الحجرات 49/ 9)، فهذا عهد الله إليكم، وميثاقه عليكم بالتعاون على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان (4)، فرضا من الله واجبا وحكما (5) لازما، فأين عن الله تذهبون، وأنى تؤفكون (6)، وقد جابت الجبابرة في الآفاق شرقا وغربا، وأظهروا الفساد وامتلأت الأرض ظلما وجورا، فليس للناس ملجأ ولا لهم عند أعدائهم حسن رجاء. فعسى أن تكونوا معاشر إخواننا من البربر اليد الحاصدة للجور /والظلم، وأنصار الكتاب والسنة، القائمين بحق المظلومين من ذرية النبيين (7). فكونوا رحمكم الله (8) عند الله بمنزلة من جاهد مع المرسلين ونصر الله مع النبيين (9)، واعلموا معاشر البربر، أوتيتم (10) وأنا المظلوم الملهوف، الطريد الشريد الخائف الموتور الذي كثر واتروه، وقل ناصروه، وقتل أخوته وأبوه، وجده وأهلوه، فأجيبوا داعي الله فقد دعاكم إلى الله، قال الله ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين (الصف 46/ 32)، أعاذنا الله وإياكم [من الضلال، وهدانا وإياكم] (1) إلى سبيل الرشاد. وأنا إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، رسول الله صلى الله عليه، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، جداي، وحمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار في الجنة عماي، وخديجة (2) الصديقة وفاطمة ابنة أسد الشقيقة برسول الله جدتاي، وفاطمة ابنة (3) رسول الله سيدة نساء العالمين وفاطمة ابنة (3) الحسين سيدة بنات ذراري النبيين/أماي، والحسن والحسين ابنا رسول الله أبواي، ومحمد وإبراهيم ابنا عبد الله، المهدي والزاكي أخواي. فهذه دعوتي العادلة (4) غير الجائرة، فمن أجابني فله ما لي وعليه ما علي، ومن أبى فحظه أخطأ، وسيرى ذلك عالم الغيب والشهادة أني لم أسفك له دما ولا استحللت له (5) محرما ولا مالا. واستشهدك يا أكبر الشاهدين شهادة، وأستشهد جبريل وميكائيل أني/أول من أجاب وأناب، لبيك اللهم لبيك (6)، مزجي السحاب (7) وهازم الأحزاب، مصير الجبال سرابا (8) بعد أن كانت صما صلابا، أسألك النصر لولد نبيك إنك على ذلك قادر (1). قال: فخرج معه أهل نفوسة في ألف حتى بلغوا (2) إلى شلف مدينة يقال لها مليانة، فلما دخلها أجابوه وقال له (3) أهل الرأي منهم: الرأي أن تحصن هذه المدينة فإنك إذا ظفرت بطلبتك لم يضرك تحصينها، وإن هزمت لجأت إليها. فعزم على ذلك (4) فعاجله عبد الوهاب بن رستم فقاتله مدة (5) طويلة وتفانى بينهم ألوف من الناس [1] /فكانت الهزيمة متى وقعت بعبد الوهاب ثاب إليه المدد لأن البلد بلده وأهل ديانته، ومتى نزلت بإدريس لم يجد غير أصحابه المنهزمين يعاود بهم الحرب.
[نزوله في طنجة ومبايعته]
فلما رأى إدريس ذلك لحق بطنجة فنزل مدينة يقال لها وليلة. وكان أهل طنجة والسوس الأقصى صفرية ومعتزلة فأجابوه وبايعوه، وكان بعضهم رآه يقاتل بفخ (6) مع الحسين حتى خضب قميصه بالدم، فلما رأوه عرفوه فلم ينثنوا عنه وشهدوا له أنه إدريس الذي قاتل المسودة هو وإخوته وبنو أبيه حتى قتلوا واجتمعوا عليه وقلدوه أمرهم فسار فيهم سيرة أهل الحق وأظهر العدل وقدم أهل/الفضل ولم يستبد برأيه دونهم. وكان رجلا متواضعا خاشعا كثير الصلاة حسن التلاوة للقرآن في آناء الليل والنهار، فآنسهم ما رأوا منه وألقوا إليه مقاليد أمورهم وفرحوا به وأجمعوا عليه. وأخبرني عيسى بن إدريس عن أبيه/عن إسحاق عن (1) راشد مولاهم قال: لما رأى إدريس رغبة من معه (2) في الجهاد ندبهم إلى قتال الخوارج، عبد الوهاب بن رستم فإن رزقه الله الظفر سار إلى المسودة فأجابوه إلى ذلك، وهذا بعدما أقام بطنجة سبع سنين. فاتصل الخبر بالفضل بن روح بن حاتم فضاق به ذرعا وعلم أنه لا طاقة له به إن ظفر بابن رستم، فكتب إلى هارون الرشيد بذلك وأنه إن ظفر بابن رستم (3) فلا طاقة له به، وإن ظفر بالقيروان (4) فلا راد له عن مصر. فلما قرأ هارون كتابه وجه إليه بالأموال والرجال.
[ثورة عبد الله بن الجارود في القيروان]
وثار على الفضل بن روح عبد الله بن الجارود الربعي [1]، فبلغ المغيرة بن بشر بن روح المهلبي، عامل الفضل على تونس ذلك وأنه كاتب إدريس، فبعث بخيل ليأتوه (1) به فلما أتوه تنحى عنهم وأخذ ابنه فأتى به المغيرة، فلما رأى عبد الله ذلك نادى في أصحابه (2) ثم أتى تونس، فلما رآه المغيرة تحصن في داره وسأله أمانه على نفسه وأهله حتى يلحق (3) بالقيروان ويخلي له تونس، فأجابه إلى ذلك؛ فخرج إلى /القيروان [فاجتمع أهل البلد وأهل خراسان والأبناء على عبد الله بن الجارود وأزمعوا] (4) جميعا على إخراج الفضل من القيروان وجميع آل المهلب، فإن رضي هارون بذلك وإلا دعوا إلى إدريس وبايعوا له، فلما اتصل عزمهم بالفضل وجه إليهم عبد الله بن سليمان المهلبي، والجنيد بن سنان (5)، والنضر بن العنبر، وجماعة من أصحابه فدعوا عبد الله إلى الصلح فأعطوه (6) كل ما يريد، فأبى إلا إخراج الفضل ووجه بخيل فأخذ الجنيد بن سنان (5) وأبا المغيرة وأبا النضر، فلما رأى عبد الله أن أصحابه قد أخذوا أراد أن يخلصهم من أيديهم، فحمل عليهم فقتلوه /وقتلوا من أصحابه وأفلت بقيتهم ولحق بالقيروان. فأمر الفضل ببيت المال ففتح وأعطى أصحابه، وكانت الأموال عنده كثيرة (1) مما يبعث إليه هارون (2) ويمده، فجعل أصحابه يأخذون من الأرزاق ويتسللون (3) إلى عبد الله بن الجارود حتى لحق عامتهم به. فلما كثر عند عبد الله الجموع كتب إلى الفضل يأمره بالخروج عن القيروان فإنه/لا حاجة للأبناء بولايته فإن فعل وإلا حاربه، فأبى الفضل إلا محاربته، وأخرج إليهم عبد الله بن يزيد (4)، ابن عمه، وابن وقدان الأنصاري وضم إليهما/من معه من القواد وأبناء خراسان، والتقوا هم وعبد الله بن الجارود بموضع يقال له طينابس (5) واقتتلوا قتالا شديدا يوم الأحد والإثنين، وكثرت القتلى بين (6) الفريقين فانهزم عبد الله بن يزيد بن حاتم وقتل هارون بن وقدان الأنصاري فلحقوا (7) بالقيروان، واتبعهم عبد الله بن الجارود فدخل القيروان وأمن الناس وكتب إلى هارون الرشيد يسأله أن يوليه على (8) القيروان وأن الأبناء لا ترضى إلا به، وحبس الفضل بن روح وهناد بن وبره (9) كاتبه. وكتب إلى الخليفة هارون جماعة الجند إنا قد رضينا بعبد الله بن الجارود. وثار (10) مالك بن منذر الكلبي على عبد الله بن الجارود فقتلوا محمد بن عبد الله بن الجارود ودعوا إلى إدريس بن عبد الله؛ وكان محمد بن عبد الله بن الجارود على تونس فلحق أصحابه بالقيروان وجلوا (1) عن تونس، فلما صاروا إلى عبد الله بن الجارود أخرج الفضل بن روح فضرب عنقه سنة ثمان وسبعين ومائة. ثم زحف إلى مالك بن منذر الكلبي فالتقوا، فقتل بينهم عالم كثير (2) وقتل مالك بن المنذر وإنهزم أصحابه. فلما اتصل الخبر (3) بهارون الرشيد وجه يقطين بن موسى صاحب الدولة، والمهلب بن رافع ليجيبوا عبد الله/بن الجارود إلى كل ما سأل ويضمنوا له جميع ما أحب، ووجه إليه بأموال كثيرة وجوائز وخلع. فلما بلغ عبد الله خبرهم وما جاءوا به (4) كتب إلى عامله بإطرابلس بحبسهم (5) قبله لا يخليهم حتى يرى رأيه، فحبسوا بها مدة، ثم إستعمل عبد الله على إطرابلس طالب بن عضين التميمي وأمره أن ينفذ إليه رسل هارون، فلما قدموا عليه أكرمهم وقبض ما معهم من الأموال وردهم إلى هارون فأعلموه أنه في الطاعة، وسألهم أن يستوهبوا له من هارون ما كان [من جبايته] (6)، ففعل/ذلك (7) له هارون ووجه إليه برزق الأبناء والجند ثلاث سنين، وأعطى هارون يقطين كل ما سأله، وأخبر يقطين أنه لا [يضبط الأبناء] (1) على بابه [إلا أرجل رجل] (2) وأخبره بخبر /إدريس، قال: لا آمن أن يميل عبد الله بن الجارود إلى إدريس فلا يرده عن مصر راد (3)، فراع هارون ذلك فاستعمل على المغرب هرثمة بن أعين، وكان أشد رجل في عصره وأحسنهم تدبيرا في الحرب، وأكد عليه في الحيلة في إدريس في السم (4)، ووجه معه الأموال والجيوش وأمره ألا يرجع ما دام (5) إدريس بالمغرب، فأقام هرثمة بالمغرب (6) حتى سم إدريس وقتل [1]. قال: وأقبل (7) /هرثمة حتى صار إلى برقة، فقدم يحيى بن موسى الكندي في جيش عظيم إلى اطرابلس وأراد أن يعلم خبر (8) عبد الله بن الجارود وهل (1) هو في الطاعة لهم أم لا، فكتب (2) إلى محمد بن يزيد الفارسي كتابا لطيفا يعده ويمنيه ويأمره أن يغتال عبد الله بن الجارود إن لم يقبل ما بذل له من الأمان ويسلم القيروان، وكتب إليه إن هو فعل ولاه القيروان ورفعه وأجازه. فعرض محمد بن يزيد على عبد الله بن الجارود أن يسلم إليه البلد فأبى، فكلم الأبناء ودس إليهم واستمالهم فقال (3): أنتم أصحاب هذه الدولة، القائمون بها (4) وعبد الله قد خلع الطاعة وشاق الخليفة ومالأ عدو أمير المؤمنين إدريس [بن عبد الله] (5)، فأجابوه فواعدهم موضعا يقال له باب ابن أبي الربيع [1] في يوم بيعتهم (6) ثم ثار بهم، فلما بلغ عبد الله بن الجارود زحف إليهم (7) فانهزم محمد بن يزيد الفارسي وتبعه عبد الله حتى قتله وأمن من تخلف من أصحابه ولحق قوم منهم بنفوسة وزناتة. ثم قدم يحيى بن موسى، خليفة هرثمة، إطرابلس فدخلها يوم السبت لعشر خلون من المحرم بغير حرب سنة تسع وسبعين ومائة، فبعث إلى من بها من القواد والأبناء فأعطاهم رزق سنتين، /فلما بلغ من بالقيروان ذلك خذلوا عبد الله بن الجارود العبدي (1) وتسللوا إلى يحيى بن موسى الكندي. وقدم هرثمة طرابلس فخاف أن يفوته عبد الله بن الجارود ويصير إلى الزاب (2) /فيلحق بإدريس فلا يقوم له، فأشاروا عليه أن يكتب إلى العلاء بن سعيد ويأمره بحربه والأخذ عليه ويمده بالأموال، وكان العلاء
[مقتل إدريس]
بالزاب ففعل، فجمع العلاء كل من قبله من (3) أبناء الجند وأهل الشام وسائر عرب المغرب ومن قدر عليه، وكتب إليه هرثمة أن يزحف إلى القيروان وأن يعرض جميع من أتاه ويستعين على عبد الله بن الجارود (4) بكل من قدر عليه. فلما بلغ عبد الله ذلك وخذله أصحابه، علم أنه لا طاقة له بالقوم ولا سبيل له (5) إلى اللحوق بإدريس بطنجة (6)، فكتب (7) إلى هرثمة بن أعين أن وجه إلي من أحببت حتى أسلم إليه وأعترف بالطاعة (8). فوجه هرثمة يحيى بن موسى بجميع الجند الذين كانوا باطرابلس، وضم إليه خلقا من أصحابه. فلما قارب إفريقية/تلقاه النضر بن حفص وابن معاوية القائدان (1) في جميع جند افريقية، فصوب نحو القيروان/وخالفه عبد الله بن الجارود فخرج عنها (2) إلى ناحية سرت (3)، وأقام بها ووجه رسولا يأخذ له الأمان من الرشيد، وعزم إن تعذر عليه الأمان منه أن يأخذ الفلاة والرمال (4) إلى إدريس. فأجابه الرشيد إلى جميع ما سأل، وبعث إليه بالخلع والأموال ووجه إليه رسولا (5) يؤمنه ويضمن له بكل (6) ما طلب ويأمره (7) بالقدوم بغداد. فخرج يريدها فلما فصل عن مصر سقي شربة فمات منها، وانتشر كل (8) من كان معه فقتل عامتهم. وصار (9) هرثمة إلى القيروان في جمادى سنة تسع وسبعين ومائة، فلم يزل يدس إلى إدريس ويحتال ليوجه (10) إلى النفر الذين كان هارون وجههم إلى إدريس إلى طنجة ليسقوه السم حتى فعلوا. ثم (11) أمر بالشيعة في جميع الأمصار أن يقتلوا ويعذبوا ويحرقوا حتى ما يومأ إلى بريء (12) ولا سقيم إلا أخذ وعذب بأنواع العذاب.
[خبر يحيى بن عبد الله]
(1) ففر يحيى إلى اليمن فطلب باليمن (2) ففر إلى بلاد الجزيرة، ثم إلى أرمينية [1]، والطلب يتبعه من بلد إلى بلد حتى ألجأه إلى أن دخل بغداد.
[دخوله إلى بغداد]
[قال الحسن عن إبراهيم (3) بن يونس عن أبيه عن فليت بن (4) سليمان، قال: لما إشتد الطلب بيحيى، ألجأه الطلب إلى أن دخل بغداد] (5)، فاتصل خبره بهارون فوضع له المراصد على بغداد، وتعثر (6) الدخول إليها والخروج منها، وأمر أصحاب الأرباع والمسالح (1) /والحراس أن يأتوه بكل غريب في (2) كل درب وكل خان/وكل سوق (3). فرجع صاحب الدار التي فيها يحيى فأخبره الخبر، واغتم لذلك وخاف أن يهجم عليه، فقال له يحيى: إمض فاشتر بغلين فارهين (4)، فدخل السوق فاشترى بغلين فارهين، فلما أتاه بهما حذ فهما على هيئة بغال البريد، فلما مضى من الليل ثلثاه خرج فركب وركب صاحبه، ودفع خريطة قد هيأها من النهار إلى صاحبه، وأمره أن ينعر ويصيح كأنه فرانق [1] بين يديه (5)، ففعل صاحبه ذلك، فجعل لا يمر بدرب ولا سريحة إلا فتحت بين يديه حتى خرجا عن بغداد؛ فلما فاتوا (6) موضع سكة البريد نزل وأدخلوا البغلين (7) بعض الأنهار وقيدوهما وتركوهما، ومضيا. قال: ومر (8) يحيى وقد لبس خلقانا وتعمم بعمامة خلقة كأنه أعرابي، فمنعه صاحب المسلحة أن (1) يجوز، فقال له يحيى: ويحك ليس مثلي يمنع، إنما يمنع رجل عليه (2) شارة الدنيا (3)، فما زال يدفع عن نفسه (4) بالمعاريض حتى قال له المسلحي (5): فأنشدني أبيات شعر (6)، فأنشأ (7) يقول [1]: [من السريع]. منخرق الخفين يشكو الوجا (1) %~% تنكبه (2) أطراف مرو حداد (3) / شرده الخوف من أوطانه (4) %~% كذاك من يكره حر الجلاد قد كان في الموت له راحة %~% والموت حتم في رقاب العباد (5) / قال: فلما وجد البغلان مسيبين (6)، استريب بهما، فسئل عنهما أصحاب المسالح (7) وهددوا. فقالوا: والله ما مر بنا إلا أعرابي أنشدنا أبياتا (8) من شعره، وذكروا الشعر (9). فقالوا: هو والله ذاك (10)، فطلبوه فلم يلحقوه وفاتهم.
[يحيى في اليمن]
وقد حدثني. سعيد بن بهلول من أبناء فارس بصنعاء (1) قال: قدم يحيى بن عبد الله صنعاء (2) فاختفى عند رجل منا-يعني (3) من الأبناء-يقال له زكرياء بن يحيى بن عمر بن سابور؛ فمكث عندهم بصنعاء ثمانية (4) أشهر مكتوما فكتبوا عنه علما كثيرا. وكان الشافعي، محمد بن إدريس من أصحابه، وابن عون اللهبي (5). فخرج من اليمن (6) بعدما طلب إلى خراسان. قال (7): وفي يحيى بن عبد الله يقول منصور النمري، في قصيدة مدح بها هارون، وهي (8): [من الوافر] [1] مننت على ابن عبد الله يحيى %~% وكان من الحتوف على شفير وقد سخطت لسخطتك المنايا %~% عليه فهي حائمة النسور (1) /ولو كافئت ما اجترحت يداه %~% دلفت له بقاصمة الظهور وما زالت جبالك تطئية (2) %~% وترهقه الوعور إلى الوعور وتأخذه عن الجنبات (3) حتى %~% أجابك واستحال عن النفور بودك، لو أناب بنو علي %~% فنزلهم بمنزلة الأسير (4) قال: ولما نزل يحيى بعض مناهل طريق مكة، وافقه فيه هارون /حاجا، كتب في قبة من قباب ذلك المتغشى: منخرق الخفين يشكو الوجا %~% تنكبه أطراف مرو حداد الأبيات الثلاثة. قال: فقرأها هارون، أو أخبر بها، فكتب تحتها: لك الأمان، لك الأمان، لك الأمان (5). أظنه بخطه إن شاء الله (6)، على ما ذكروا وهو حديث صحيح مسند.
قال: فلما رجع يحيى رآه (1) فكتب تحته: لا أثق بك، لا أثق بك.
[في طبرستان]
ولما خاف يحيى أن يقع في أيديهم، أحب أن يكون في موضع منيع حتى ترجع إليه دعاته ويحكم أمره، فكتب (2) إلى ملك طبرستان شرتون (3) بن فلان [1] يسأله الإفاق به (4) ثلاث سنين. فقال: أنا آويه الدهر كله، ولكني (5) أدلكم (6) على موضع هو أمنع من موضعي: جستان ملك الديلم، له أجبل (7) بين سهول طبرستان ومن وراء ذلك جبال دنباوند (8)، فمتى نزلت العساكر بها وحاصروني لم آمن أن يظفروا ببغيتهم /ويجدوا من أهل بيتي من يدلهم على عورتي فلا آمن الفضيحة، ولكني أسير معكم إلى جستان ملك الديلم وأسأله أن يؤويه (1) وأرجوا ألا (2) يمتنع علينا، وجبالي متصلة بجباله فنكون جميعا يدا على منعه. فصاروا إلى جستان [ملك الديلم] (3) /فأنعم لهم وأظهر سرورا واستبشارا. فهذا سبب دخول يحيى عليه السلام بلد الديلم (4).
[في الديلم]
وحدثني (5) أبو زيد عن المدائني قال: لما ظهر يحيى بن عبد الله صلى الله عليه أيام الرشيد بالديلم، [علا صوته في الآفاق] (6) وكثر الدعاة إليه وأجابه الناس، وسارع (7) إليه كل من له رغبة في الدين وأهل النيات من المسلمين. وكان له سبعون رجلا (8) من علماء زماننا، دعاة إليه وإلى نصرته، يتفرقون القرى (9) يدعون إلى حكم الكتاب ونصرة الدين ودفع الجور ومنع الظالمين، وإظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، منهم [1]: محمد بن إدريس الشافعي، ومحمد بن عامر، ومخول بن إبراهيم فقيه أيضا، وحسن بن الحسين (10)، وإبراهيم بن إسحاق، وسليمان بن جرير (1)، وعبد العزيز بن يحيى الكناني (2)، وبشر بن المعتمر، وفليت بن إسماعيل، ومنصور البخاري، ومحمد/ابن أبي نعيم، ويونس بن إبراهيم الرازي، ويونس ابن البجلي (3)، وابن عون (4) اللهبي، وحبيب بن أرطاة، وسعيد بن خثيم الهلالي، وغيرهم من فقهاء المدائن وعلماء الأمصار [وأهل البصائر] (5). فلما [1] انتهى ذلك إلى هارون هاله (6) وعظم عليه (7) وبلغ به الهم (8) أن ترك شرب الخمر ولبس الصوف أيام يحيى كلها حتى انقضى أمره. قال أبو زيد: / فوجه الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك في سبعين ألف رجل من صناديد رجاله ووجوه قواده وولاه الجبل (9) كله والري وكورها وجرجان وقومس ودنباوند (10) والرويان، وجمع له أجنادا لم تجمع إلا له، وأمده (1) بخمسين ألف ألف، فعسكر (2) بالنهروان، وجاء الرشيد فعرض الجيش بنفسه فرأى كراعا ورجالا ما رأى مثلهم (3)، وسلاحا وآلة أعجبته (4) وردت بعض رجائه، وأمره بالرحيل من ساعته، وأمده بالأموال يتبع بعضها بعضا، ولم يخله من خلعه وتقليده وإمداده في كل يوم منذ (5) توجه من عنده؛ وكان أكثر ما يقوم إليه فيه استمالة جستان ومراسلته وملاطفته ومواصلة سائر قواده ووزرائه، ويوجه إليهم (6) بالهدايا والألطاف ويبسط آمالهم (7) ويعدهم بكل جميل. فلما [1] نزل الفضل الطالقان (8) وجه إلى جستان بالبر العظيم من الخز والديباج والحرير والأموال وإلى (9) جميع أصحابه، وضمن له أن يحمل إليه في كل سنة ألف ألف درهم قفلة، وألف (10) ثوب خز، وألف ثوب حرير وديباج، وغير ذلك وكثر عليه في الأطماع (11) له (12)، وواتر في بره وملاطفته وجميع أسبابه، وسأله (1) أن يحمل إليه يحيى/. فقال له (2) (3) جستان: لو أعطيتني جميع ما تملكه ملوك الدنيا لم أسلمه إليكم، فاعمل ما بدا لك/أن تعمله. فلم ييئس (4) ذلك الفضل وواتر بره له ولحاشيته، وكتب إلى يحيى بن عبد الله كتابا يعرض عليه فيه الأمان (5) ويبذل ليحيى من المال ألف ألف وألف ألف وألف ألف ومن القطائع كذا وكذا، وأن ينزله (6) من البلاد [حيث أحب، ويوليه من الولايات (7) والبلاد] (8) ما أراد، ويقضي (9) له من الحوائج كلما طلب. فكتب يحيى إلى هارون جواب كتابه (10) وهو معتصم بما وكد له الديملي (11) من ذمته، راج منه الوفاء وحسن المدافعة، ولما (12) أظهر من منعه وعقد من ذمته. [وهذا كتابه] (13): [1] بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد (1)، فقد فهمت ما عرضت (2) علي من (3) الأمان على أن تبذل لي أموال المسلمين وتقطعني (4) ضياعهم التي جعلها الله لهم دوني ودونك ولم يجعل لنا فيها نقيرا ولا فتيلا، / فاستعظمت الاستماع له فضلا عن الركون إليه، واستوحشت منه تنزها عن (5) قبوله. فاحبس أيها الإنسان عني (6) مالك وإقطاعك وقضاءك حوائجي، فقد أدبتني إذن خالف (7) ناقصا، وولدتني عاقا قاطعا؛ فو الله لو أن من قتلته (8) من أهلي تركا وديالم على بعد أنسابهم مني وانقطاع رحمهم عني لوجبت علي نصرتهم والطلب بدمائهم إذ كان منكم قتلهم ظلما/وعدوانا، والله لكم بالمرصاد لما ارتكبتم من ذلك، وعلى الميعاد لما سبق فيه من قوله ووعده ووعيده (9)، وكفى بالله جازيا ومعاقبا وناصرا لأوليائه ومنتقما من أعدائه. وكيف لا أطلب بدمائهم وأنام عن ثأرهم، والمقتول بالجوع والعطش والنكال وضيق (10) المحابس وثقل الأغلال وعدو العذاب وترادف الأثقال (11) أبي: عبد الله بن الحسن النفس الزكية (1) والهمة السنية والديانة المرضية والخشية والتقية، شيخ الفواطم [1] وسيد أبناء الرسل (2) طرا، وأرفع أهل عصره قدرا، وأكرم أهل بلاد الله فعلا؛ ثم يتلوه أخوته وبنو أبيه ثم اخوتي وبنو عمومتي، نجوم السماء وأوتاد الدنيا، وزينة الأرض، وأمان الخلق، ومعدن الحكمة وينبوع العلم، وكهف المظلوم، ومأوى الملهوف، ما منهم أحد إلا لو (3) أقسم على الله لبر قسمه؛ فما أنسى من شيء (4) فلا أنسى مصارعهم وما حل بهم من سوء مقدرتكم ولؤم ظفركم، وعظيم إقدامكم (5) وقسوة قلوبكم، إذ جاوزتم قتلة من كفر بالله إفراطا، وعذاب من عاند الله إسرافا، ومثلة من جحد الله عتوا. وكيف أنساه وما أذكره ليلا إلا أقض علي مضجعي وأقلقني عن/موضعي، ولا نهارا إلا أمر علي عيشي وقصر إلى نفسي، حتى لوددت أني أجد السبيل إلى الاستعانة بالسباع عليكم فضلا عن الناس (1)، /وآخذ (2) منكم حق الله الذي وجب (3) عليكم، وانتصر (4) من ظالمكم فأشفي (5) غليل صدر قد كثرت بلابله، وأسكن قلبا جما وساوسه من المؤمنين، وأذهب غيظ قلوبهم (6) ولو يوما واحدا ثم يقضي الله في ما أحب، وإن (7) أعش فمدرك ثأري (8) داعيا إلى الله على سبيل رشاد (9) أنا ومن اتبعني، فسالك (10) قصد من سلف من آبائي وإخوتي وإخواني (11) القائمين بالقسط، الدعاة إلى الحق، وإن أمت فعلى سنن ما (12) ماتوا غير راهب لمصرعهم ولا راغب عن مذهبهم (13) فلي بهم/أسوة حسنة وقدوة هادية، فأول قدوتي منهم أمير المؤمنين، رضوان الله عليه، إذ كان ما زال قائما وقت القيام مع الأمكان (14) حتما والنهوض لمجاهدة الجبارين (15) فرضا، فاعترض عليه من كان كالظلف مع الخف ونازعه من كان كالظلمة مع الشمس، فوجدوا لعمر الله من حزب الشيطان مثل من (1) وجدت، وظاهرهم من أعداء الله مثل من ظاهرك (2)، وهم لمكان الحق عارفون وبمواضع الرشد عالمون، فباعوا عظيم جزاء الآخرة بوالج (3) عاجل الدنيا، ولذيذ الصدق (4) بغليظ مرارة الإفك، ولو شاء أمير المؤمنين لهدأت له/وركنت إليه بمحاباة الناكثين وإنجاد المضلين (5) وموالاة المارقين، ولكن أبي الله ورسوله (6) أن يكون للخائنين متخذا (7) ولا للظالمين مواليا ولم يكن أمره عندهم مشكلا (8)، فبدلوا نعمة الله كفرا (9) واتخذوا آيات الله هزوا، وأنكروا كرامة الله وجحدوا فضيلة الله (10)، فقال رابعهم: «أنى تكون لهم الخلافة والنبوة» حسدا وبغيا، فقديما ما حسد النبيون وآل (1) النبيين الذين اختصهم الله بمثل ما اختصنا وأخبر عنهم (2) تبارك وتعالى فقال أم يحسدون الناس على ماآتاهم الله من فضله (3) فقد آتيناآل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (النساء 4/ 54)، فجمع لهم المكارم والفضائل والكتاب والحكمة والنبوة والملك العظيم، فلما أبوا إلا تماديا في الغي وإصرارا على الضلال، جاهدهم أمير المؤمنين حتى لقي الله شهيدا، رضوان الله عليه، ثم تلاه الحسن (4) سليل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشبيهه (5) وسيد شباب أهل الجنة إذ كل أهلها سادة، فكيف بسيد السادة (6)، فجاهد من كان أمير المؤمنين جاهده، وسكن إليه من المسلمين من كان شايعه من ذوي السابقة وأهل المأثرة، فكان أول من نقض ما عقد له (7)، ونكث عما عاهده، عمك (8) عبيد الله بن العباس/حين اطمأن إليه وظن أن سريرته لله مثل علانيته وجهه على مقدمته في نحو من عشرين ألف من المسلمين (9)، فلما نزل مسكنا (10) من سواد العراق باع دينه وأمانته من ابن آكلة الأكباد بمائة ألف درهم، وفرق (1) عسكره ليلا ولحق بمعاوية [1]، فدله على عورات/عسكر ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم/ وأطمعه في مبارزته بعد أن كانت نفسه قد أحيط بها وضاق عليه مورده ومصدره وظن أن لا مطمع له حين استدرج وأمهل له (2)، فارتحل الحسن بنفسه باذلا لها في ذات الله، ومحتسبا ثواب الله حتى إذا كان بالمدائن وثب عليه أخو أسد فوجأه في فخذه [2]، فسقط لما به وأيس الناس من إفاقته فتبددوا شيعا، وتفرقوا قطعا، فلما قصرت طاقته وعجزت قوته وخذله أعوانه، سالم (3) هو وأخوه معذورين (4) مظلومين موتورين (5)، فاستثقل (6) اللعين ابن اللعين حياتهما واستطال مدتهما فاحتال بالاغتيال لابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى نال مراده وظفر بقتله، فمضى مسموما شهيدا (7) مغموما فقيدا، وغير شقيقه (8) وأخوه وابن أمه وأبيه، شريكه في فضله ونظيره في سؤدده (1)، على مثل ما انقرض عليه أبوه وأخوه، حتى إذا ظن أن قد أمكنته محبة (2) الله من بوارهم ونصرة الله من/افترائهم (3)، دافعه عنها أبناء الدنيا، واستدرج بها أبناء الطلقاء، فبعدا للقوم الظالمين، وسحقا لمن آثر على سليل النبيين وبقية المهتدين الخبيث ابن الخبيثين (4) والخائن ابن الخائنين، فقتلوه ومنعوه ماء الفرات وهو مبذول لسائر السباع، وأعطشوه وأعطشوا أهله وقتلوهم ظمأ (5)، يناشدونهم فلا يجابون، ويستعطفونهم فلا يرحمون، ثم تهادوا رأسه إلى يزيد الخمور والفجور تقربا إليه، فبعدا للقوم الظالمين. ثم توجهت جماعة من أهل العلم والفضل إلى سجستان في جيش (6)، فتذاكروا ما حل بهم من ابن مروان فخلعوه وبايعوا الحسن بن الحسن ورأسوا عليهم ابن الأشعث [1] إلى أن يأتيهم أمره، فكان رئيسهم (7) غير طائل ولا رشيد، نصب العداوة للحسن قبل موافاته، فتفرقت عند ذلك كلمتهم وفل حدهم فمزقوا (1) كل ممزق؛ فلما هزم جيش الطواويس احتالوا لجدي الحسن بن الحسن فمضى مسموما، يتحسى الحسرة ويتجرع الغيظ، رضوان الله عليه، حتى إذا ظهر الفساد في البر والبحر وشرى زيد بن علي، صلوات الله عليهما، لله (2) نفسه فما لبث أن قتل ثم صلب ثم أحرق، /فأكرم بمصرعه مصرعا. ثم ما كان إلا (3) طلوع ابنه يحيى ثائرا بخراسان (4)، فقضى نحبه وقد أعذرا (5)، رضوان الله عليهما. وقد كان أخي محمد بن عبد الله/دعا بعد (6) زيد وابنه يحيى، فكان أول من أجابه وسارع إليه جدك محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وأخوته وأولاده، فخرج-زعم (7) -يقوم بدعوته حتى خدع بالدعاء إليه طوائفا. ومعلوم عند الأمة أنكم كنتم لنا تدعون، وإلينا ترجعون، وقد أخذ الله عليكم (8) ميثاقا لنا، وأخذنا عليكم ميثاقا لمهدينا محمد بن عبد الله النفس/الزكية الخائفة التقية المرضية، فنكثتم ذلك وادعيتم من إرث الخلافة ما لم تكونوا تدعونه قديما ولا حديثا ولا ادعاه أحد لكم (9) من الأمة إلا تقولا كاذبا، فها أنتم الآن تبغون دين الله
عوجا وذرية رسول الله قتلا واجتياحا، والآمرين بالمعروف صلبا (1) واستباحا، فمتى ترجعون وأنى تؤفكون، أولم يكن لكم خاصة وللأمة عامة في محمد بن عبد الله فضلا (2)، إذ لا فضل يعدل فضله في الناس (3)، ولا زهد يشبه زهده، حتى ما يتراجع فيه اثنان، ولا تردد (4) فيه مؤمنان، ولقد أجمع عليه أهل الأمصار من أهل الفقه والعلم في كل البلاد، لا يتخالجهم فيه الشك، ولا تقفهم عنه الظنون، فما ذكر عند خاصة ولا عامة إلا اعتقدوا محبته، وأوجبوا طاعته، وأقروا بفضله، وسارعوا إلى دعوته، إلا ما كان من عناد أهل الإلحاد (5) الذين غلبت عليهم الشقوة وغمطوا (6) النعمة، وتوقعوا النقمة من شيع أعداء الدين، وأفئدة المسلمين (7)، وجنود الضالين، وقادة الفاسقين، وأعوان الظالمين، وحزب الخائنين؛ وقد كان الدعاء إليه منكم ظاهرا والطلب له قاهرا بإعلان اسمه وكتاب إمامته على أعلامكم «محمد يا منصور» [1]، يعرف
ذلك ولا ينكر (1)، ويسمع ولا يجهل، حتى/صرفتموها إليكم وهي تخطب عليه، وكفحتموها عنه وهي مقبلة إليه، حين (2) حضرتم وغاب، وشهدتم إبرامها ورأى (3) قلة رغبة ممن حضر، وعظم (4) جرأة ممن اعترض؛ حتى إذا حصلت لكم (5) بدعوتنا، وهدأت عليكم بخطبتنا (6)، وقرت لكم بنسبتنا، قالت (7) لكم اجرامكم إلينا وجنايتكم علينا، إنها لا تتوطأ لكم إلا بإبادة غضرائنا (8)، ولا تطمأن لكم دون استئصالنا، فأغرا بنا جدك المتفرعن في قتلنا لا حقا بإثرة فينا عند المسلمين (9)، لؤم مقدرة ورضاعة (10) مملكة، حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر قبل بلوغ شفاء قلبه من فنائنا. وهيهات أن (11) يدرك الناس ذلك ولله فينا خبيئة لا بد من ظهورها (1)، وإرادة لا بد من بلوغها/فالويل له. فكم من عين طال ما غمضت (2) عن محارم الله، [وسهرت متهجدة لله، وبكت في ظلم الليل خوفا من الله] (3)، قد أسحها بالعبرات باكية، وسملها بالمسامير المحماة فألصقها بالجدرات (4) المرصوفة قائمة، وكم من وجه طال ما ناجى الله مجتهدا، وعنا لله متخشعا (5)، مشوها بالعمد، مغلولا مقتولا ممثولا به معنوقا؛ وبالله (6) إن لو لم يلق الله إلا بقتل النفس الزكية، أخي محمد بن عبد الله، رحمه الله، للقيه بإثم عظيم وخطب كبير، فكيف وقد قتل قبله النفس النقية (7) أبي عبد الله بن الحسن وأخوته وبني أخيه، ومنعهم روح الحياة في مطابقه (8)، وحال بينهم وبين خروج النفس في مطاميره، لا يعرفون الليل من النهار، ولا مواقيت الصلاة إلا بقراءة أجزاء القرآن تجزئة [1]، لما عانوا (9) في آناء الليل والنهار، حين الشتاء والصيف، حال أوقات الصلاة/قرما منه إلى قتلهم، وقطعا لأرحامهم، وترة لرسول الله فيهم، فولغ في دمائهم ولغان الكلاب (1) وضري (2) بقتل صغيرهم وكبيرهم ضراوة الأسود (3) ونهم بهم نهم الخنزير، والله له ولمن عمل بعمله بالمرصاد. فلما أهلكه الله قابلتنا أنت وأخوك الجبار الفظ الغليظ العنيد (4) بأضعاف فتنته، واحتذاء بسيرته، قتلا وعذابا (5) /وتشريدا وتطريدا، فأكلتمانا أكل الرباء (6) حتى لفظتنا الأرض خوفا منكما، وتأبدنا في الفلوات هربا منكما، فأنست بنا الوحوش وأنسنا بها، وألفتنا البهائم وألفناها، فلو لم يجترم أخوك إلا قتل الحسين بن علي وأسرته بفخ، لكفى بذلك عند الله وزرا (7) عظيما، وسيعلم، وقد علم ما اقترف، والله مجازيه وهو المنتقم لأوليائه من أعدائه. ثم امتحننا الله بك من بعده (8)، فحرصت على قتلنا، وطلبت من فر عنك منا، لا يؤمنك منهم (9) بعد دار، ولا نأي جار، تتبعهم حيلك وكيدك حيث سيروا من بلاد الترك والديلم، لا تسكن نفسك ولا يطمئن قلبك دون أن تأتي على آخرنا،
ولا تدع صغيرنا ولا ترثي لكبيرنا لئلا (1) يبقى داع إلى حق ولا قائل بصدق (2) ولا أحد من أهله، حتى أخرجك الطغيان وحملك (3) الشنئان أن أظهرت بغضة أمير المؤمنين، وأعلنت بنقصه وقربت مبغضيه وأدنيت (4) شانئيه حتى أربيت على بني أمية في عداوته وأشفيت غلتهم في تناوله، فأمرت (5) بكرب قبر الحسين صلى الله عليه وتعمية موضعه وقتل زواره واستئصال محبيه وتوعدت فيه وأرعدت وأبرقت على ذكره؛ فو الله لقد كانت بنو أمية الذين وضعنا (6) آثارهم/مثلا لكم وعددنا مساويهم احتجاجا عليكم على بعد أرحامهم أراف بنا منكم، وأعطف علينا قلوبا من جميعكم، وأحسن استبقاء لنا ورعاية من قرابتكم؛ فو الله ما بأمركم خفاء ولا بشأنكم (7) امتراء. ولم لا نجاهد، وأنت معتكف على معاصي الله صباحا ومساء، مغترا بالمهلة، آمنا من النقمة، واثقا بالسلامة، تارة تغري بين البهائم بمناطحة كبش، ومناقرة ديك، ومخارشة (8) كلب، وتارة تفترش الخصيان وتأتي الذكران، وتترك الصلوات صاحيا وسكران، ثم لا يشغلك ذلك/عن قتل أولياء الله وانتهاك (1) محارم الله، فسبحان الله ما أعظم حلمه وأكثر أناته عنك وعن أمثالك، ولكنه تبارك وتعالى لا يعجل بالعقوبة، وكيف يعجل من لا يخاف الفوت وهو شديد العقاب. فأما (2) ما دعوتني إليه من الأمان، وبذلت لي من الأموال، فمثلي لا تثني الرغائب عزمه (3)، ولا تنحل لخطير همته، ولا يبطل سعيا باقيا على الأيام أثره، ولا يترك (4) جزيلا عند الله أجره بمال فان وعار باق، هذه صفقة خاسرة، وتجارة بائرة أستعصم الله منها وأسأله أن يجيرني (5) من مثلها/بمنه وطوله. أفأبيع المسلمين وقد سمت إلي أبصارهم، وانبسطت نحوي آمالهم بدعوتي، واشرأبت أعناقهم نحوي، إني إذن لدني الهمة، لئيم الرغبة، ضيق العطن؛ هذا والأحكام مهملة، والحدود معطلة، والمعاصي مستعملة، والمحارم منتهكة، ودين الله محقور (6)، وبصيرتي (7) مشحوذة، وحجة الله (8) قائمة في إنكار المنكر؛ أفأبيع خطيري (9) بمالكم، وشرف موقفي بدراهمكم، وألبس العار والشنار بمقامكم ل قد ضللت إذا (1) وماأنا من المهتدين (الأنعام 6/ 56). ووالله ما أكلي إلا الجشب، ولا (2) لباسي إلا الخشن، ولا شعاري إلا الدرع، ولا صاحبي إلا السيف، ولا فراشي إلا الأرض، ولا شهوتي من الدنيا إلا لقاؤكم والرغبة (3) في مجاهدتكم ولو موقفا واحدا، إنتظار إحدى الحسنيين في ذلك كله، من (4) ظفر أو شهادة. وبعد، فإن لنا على الله وعدا لا يخلفه، وضمانا سوف ينجزه، حيث يقول وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا (5) يشركون بي شيئا (النور 24/ 55)، وهو الذي يقول (6): ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (القصص 28/ 5) (7). قال [1] المدائني (1): فلما ورد جواب (2) يحيى ضاق ذرع هارون وعظم عليه أمره وساء ظنه وخاف أن تكون قد انقضت مدتهم، فشاور أهل الرأي من الوزراء والعمال والقواد والقضاة وغيرهم، فقال أبو البختري (3): لا يغمك الله يا أمير المؤمنين، علي أن أحتال لجستان حتى يسلمه إليك. قال له هارون: ويلك، كيف تعمل؟ قال: أسير إلى جستان بجمع من وجوه أهل دستبا (4) وقزوين وزنجان وأبهر والري وهمذان وجميع علمائها، ويشهدون (5) عنده بأني قاضي القضاة، فأشهد له أن (6) يحيى عبد لك. وقال (7) سليمان بن فليح، وكان على ديوان الخراج: وأنا أسير معه يا أمير المؤمنين فيشهدون عنده أني صاحب ديوان خراج الأرض، ثم أشهد معه أنه عبد لك. قال أبو البختري: ويأمر أمير المؤمنين بمن لم يشهد لنا ومعنا فنضرب عنقه ونستصفي (8) ماله، فإن أمير المؤمنين إذا فعل ذلك بهم شهدوا جميعا، وعلي (9) استمالة جستان ورده إلى ما يحب أمير المؤمنين. فوقع الكلام من هارون موقعا عجيبا وأمر لأبي البختري، لعنه الله (1)، بجائزة ثلثمائة ألف درهم، وأمر لسليمان بن فليح بمائة ألف درهم، ووجههما على البريد إلى الفضل بن يحيى وأمره أن من امتنع أن يشهد (2) معهما عند جستان، أن تضرب عنقه كائنا من كان ويستصفى ماله، ومن يشهد أكرم وأجيز وأسقط عنه الخراج، قال: ففعل الفضل بن يحيى ما (3) أمره هارون، وقدم أبو البختري إلى دستبا ووجه إلى وجوه البلدان فأحضرهم وقال (4) لهم (5): إن هذا يحيى بن عبد الله قد دخل/الديلم ويريد أن يقاتل بأهل الشرك أهل الإسلام ويخرج يده (6) من طاعة أمير المؤمنين، وقد جاءت الرخصة بالكذب (7) والخديعة/في الحرب، وقد رأينا (8) أنه عبد لأمير المؤمنين، نطلب بذلك الثواب عند الله لترجع ألفة المسلمين (9) وتسكن النائرة (10)، ولا غنى بكم عن حسن جزاء أمير المؤمنين وهذا كتابه، فقرأ عليهم ما فيه من الإيعاد لمن امتنع/والاطماع لمن أجاب، فأجابوه بأجمعهم على (1) أن يشهدوا معه. فخبرني حريث بن ميسرة الكناني ، من وجوه أهل مدينة أبهر، عن مشايخ أهله (2): أن أبا البختري وسليمان بن فليح (3)، لما قدما من عند هارون وجهوا إلى (4) كور الجبل إلى أهل الفقه والعلم والمعدلين ممن يعرفهم جستان من أهل قزوين وزنجان وأبهر وشهربرد وهمذان والري ودنباوند والرويان، فأتاهم فجمع (5) له منهم تسعمائة رجل، ومن أهل طبرستان أيضا أربعمائة رجل، فشهدوا بأجمعهم عند جستان أنه عبد لهارون؛ وكل هؤلاء من أهل الشرف والقدر والعرب المتمكنين في بلاد الجبل، ليس فيهم وضيع إلا يسير. قال: وقالوا لجستان ليس هو ابن بنت نبينا، هو مدع فيما يقول، إنما هو عبد للرشيد. وسمعت السميدع بن عبد الرحمن المرادي من أهل قزوين، وغيره يقول ذلك ويرويه عن مشايخه، قال (6): فلما شهدوا عند جستان ملك الديلم قال جستان ليحيى (1): يا يحيى ما وجدت أحدا تخدعه بدعوتك غيري؟ فقال له يحيى: أيها الرجل إن لك عقلا، فإن لم يكن دين (2)، فتدبر ما يقول القوم وما تقدم منهم (3) إليك فردده (4) على قلبك وعقلك واجعل عقلك حكما دون هواك، إني لو كنت كما قالوا ما وجهوا/لك (5) هذه الأموال [وما أردفوها بهذه العساكر ولا بذلوا في دفعك إياي إليهم هذه الأموال] (6) ولا جمعوا لك من ترى من وجوه الجبل وفقهائهم ومعدليهم ليشهدوا عندك بالزور، وما كان عليهم من رجل جاء إلى عدوهم أو وليهم ينتمي إلى نسب ليس منه؟ فمال الديلمي إلى الدنيا فقال: دعني من هذا، ما كان هؤلاء ليشهدوا (7) عندي بالزور! فقال يحيى عليه السلام: هنا خصلة، تبعث رجلين ممن تثق بهما (8) من رجالك مع رسولي إلى مكة والمدينة فيسألون عني، قال: هذا يطول! قال: فدع هذا وابعث رسولا إلى الري ورسولا إلى بغداد ورسولا إلى قزوين وسائر المدن فيسأل (9) عن هؤلاء الشهود فتعرف حالهم وأنهم [شهود زور وأنهم] (10) أكرهوا على شهادتهم وأنهم إن أبوا قتلوا واستصفيت أموالهم/وسبيت ذراريهم، قال: ما نصنع بهذا الكلام؟ لم يشهد هؤلاء كلهم على زور. فأيس يحيى من منعه وعلم أنه مسلمه، وظهر ميله إلى ما بذل له؛ قال: فاجمع بيني وبينهم/حتى أكلمهم بحضرتك، قال: ذلك لك. وطمع يحيى إن يذكرهم (1) الله أن يرجعوا أو تختلف كلمتهم. قال جستان لأبي البختري: اجمع [أصحابك واحضروا حتى يشهدوا] (2) على يحيى في وجهه، فاجتمعوا ونصب ليحيى كرسي فجلس عليه، فلما أخذوا مجالسهم ابتدأ يحيى فقال: الحمد لله على ما أولانا من نعمه، وأبلانا من محنه، وأكرمنا بولادة نبيه. نحمده على جزيل ما أولى، وجميل ما ابتلى (3)، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له [شهادة مقر بوحدانيته، خاضع متواضع لربوبيته] (4)، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، انتخبه واصطفاه، واختاره واجتباه، /صلوات الله عليه وعلى آله أجمعين. أما بعد معاشر العرب، فإنكم كنتم من الدنيا (5) بشر دار، وضنك (6) قرار، ماؤكم أجاج، وأكلكم لماج (7) من العلهز والهبيد (8). الأعاجم لكم
قاهرة، وجنودهم عليكم ظاهرة، لم يمنعهم من تحويلكم (1) إلا قلة خير بلدكم، أنتم مع الدنيا بمنزلة السقب (2) مع الناب الصعبة (3) الضروس متى دنا إليها لينال من درها منعته، إن أتاها (4) من أمامها خبطته، أو من (5) ورائها رمحته، أو من عرضها عضته، فما عسى أن يصيب منها؛ هذا على تفرق شملكم واختلاف كلمتكم، لا تحلون حلالا ولا تحرمون حراما، ولا تخافون آثاما، قد ران الباطل على قلوبكم فلا تعقلون، وغطت (6) الحيرة على أبصاركم فما تبصرون، وأسكت (7) الغفلة على (8) أسماعكم فما تسمعون؛ على أن عودكم نضار، وأنتم (9) ذوو الأخطار، ثم من الله عليكم (10) وخصكم دون غيركم، فبعث (11) فيكم محمدا صلى الله عليه منكم خاصة، وأرسله إلى الناس كافة، وجعله بين أظهركم ليميز به بينكم، وهو تبارك وتعالى أعلم بكم منكم بأنفسكم، فاستنقذكم من ظلمة الضلال إلى نور الهدى، وجلا غشاوة العمى عن أبصاركم بضياء مصابيح الحق، واستخرجكم من عمى بحور الكفر إلى جدد أرض الأيمان، وجمل برفقه ما انفتق من رتقكم، ورأب بيمنه ما انصدع من شعبكم، ولم بإصلاحه (1) ما فرقت الأحقاد/والجهل من قلوبكم، ثم اقتضب برمحه لكم الدنيا الصعبة (2) فذلت بعد عنت (3)، ثم أبسها بسيفه فأرزمت (4) وتفاجت واجترت بعد ضرس/ودرت، ومرى ضرعها بيمين كفه فأحفلت أخلاقها (5) وانبعثت أحالبها (6)، فرئمتكم كما ترأم النار (7) المقلاة، طلاها فشربتم عللا بعد نهل، وملأتم أسقيتكم فضلا بعد اكتظاظ؛ وتركها، صلى الله عليه، تدور حولكم وتلوذ بكم كما تلوذ الزجور (8) بسقبها، فلما أقام أود قناتكم بثقاف الحق، ورحض بظهور الإسلام عن أبدانكم درن الشرك، ولحب لكم الطريق وسن لكم السنن وشرع لكم الشرائع، خافضا في ذلك جناحه، يشاوركم/في أمره ويواسيكم (1) بنفسه ولم يبغ منكم على ما جاءكم به أجرا إلا أن تودووه في قرباه، وما فعل ذلك، صلى الله عليه، حتى أنزل الله قرآنا (2) فقال تبارك وتعالى قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى (الشورى 42/ 23). فلما بلغ رسالة ربه، وأنجز الله له ما وعده (3) من طاعة العباد والتمكن (4) في البلاد، دعي، صلى الله عليه، فأجاب فصار إلى جوار ربه وكرامته، وقدم على البهجة والسرور، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فوعده الشفاعة عنده (5) والمقام المحمود لديه، فخلف بين أظهركم ذريته فأخرتموهم وقدمتم (6) غيرهم ووليتم أموركم (7) سواهم، ثم لم يلبث إلا يسيرا حتى جعل (8) مال ولده حوزا، وظلمت ابنته فدفنت ليلا، وقتل فيكم وصيه وأخوه وابن عمه وزوج ابنته (9)، ثم خذل وجرح وسم سبطه الأكبر أبو محمد، ثم قتل سبطه الأصغر أبو عبد الله مع ثمانية عشر رجلا (1) من أهل بيته الأدنين في مقام واحد، ثم على اثر ذلك نبش وصلب وأحرق بالنار ولده (2) وولد ولد، ثم هم بعد ذلك يقتلون ويطردون ويشردون في البلاد إلى هذه الغاية. قتل كبارهم، وأوتم أولادهم (3)، /وأرملت نساؤهم؛ سبحان الله ما لقي عدو من عدوه ما لقي أهل بيت نبيكم (4) منكم من القتل والحرق والصلب، وليس فيكم من يغضب لهم إلا هزوا بالقول، وإن غضبتم لهم (5)، زعمتم، وقمتم معهم كي تنصروهم لم يلبثوا إلا يسيرا حتى تخذلوهم وتتفرقوا (6) عنهم، فلو كان محمد صلى الله عليه من السودان، البعيدة أنسابهم المنقطعة أسبابهم، إلا أنه قد جاوركم (7) لوجب له عليكم (8) حفظه في ذريته، فكيف وأنتم شجرة هو أصلها، وأغصان/هو فرعها، تفخرون على العجم وتصولون على سائر الأمم؛ وقد عاقدتموه وعاهدتموه أن تمنعوه مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم، فسوءة لكم ثم سوءة، بأي وجه تلقونه غدا، وبأي عذر تعتذرون إليه؟ أبقلة، فما أنتم بقليل، أفتجحدون فذلك يوم لا ينفع (1) جحد، ذلك (2) يوم تبلى فيه السرائر (3)، أم تقولون (4) قتلناهم فمصدقون (5)، فيأخذكم الجليل أخذ عزيز مقتدر؛ لقد هدمتم ما شيد الله من بنيانكم (6)، وأطفأتم ما أنار من ذكركم، فلو فعلت السماء ما فعلتم لتطأطأت إذلالا، والجبال (7) لصارت دكا (8)، أو الأرض لمارت مورا (9)، إني عجب (10)، من أن أحدكم يقتل نفسه في معصية الله ولا ينهزم، يقول بزعمه: لا تتحدث (11) نساء العرب بأني فررت، وقد تحدثت نساء العرب بأنكم خفرتم أمانتكم ونقضتم عهودكم ونكصتم على أعقابكم وفررتم بأجمعكم عن أهل بيت نبيكم، فلا أنتم تنصرونهم للديانة/وما افترض الله عليكم، ولا من طريق العصبية والحمية، ولا لقرب جوارهم وتلاصق دارهم منكم، ولا أنتم تعتزلونهم فلا (12) تنصرونهم ولا تنصرون عليهم عدوهم، بل صيرتموهم لحمة لسيوفكم،
/ونهزة لتشفي غيظكم من قتلهم واستئصالهم، وطلبتهم (1) في مظانهم ودارهم وفي غير دارهم، فصرنا طريدة لكم من دار إلى دار، ومن جبل إلى جبل، ومن شاهق إلى شاهق، ثم لم يقنعكم ذلك حتى أخرجتمونا من دار الإسلام إلى دار الشرك، ثم لم ترضوا بذلك من حالنا حتى تداعيتم علينا معشر العرب خاصة من دون العجم من جميع (2) الأمصار والمدائن والبلدان، فخرجتم إلى دار الشرك طلبا لدمائنا دون دماء أهل الشرك، تلذذا منكم بقتلنا، وتقربا إلى ربكم باجتياحنا، زعمتم، لئلا (3) يبقى بين أظهركم من ذرية نبيكم عين تطرف ولا نفس تعرف، ثم لم يقم بذلك منكم إلا أعلامكم ووجوهكم وعلماؤكم وفقهاؤكم؛ والله المستعان. قال [1] حريث، وأراه ذكره عن أبيه (4): فلما سمعنا كلامه وخطبته بكينا حتى كادت أنفسنا أن تخرج، قال: فقمنا وتشاورنا فقلنا ويلكم (5) هل بقي لكم حجة أو علة؟ لو قتلتم عن آخركم وسبيت ذراريكم واصطفيت أموالكم كان خيرا لكم من أن تشهدوا على ابن نبيكم بالعبودية وتنفوه (6) عن نسبه. قال فعزمنا على أن لا نشهد؛ قال:
فصاح بنا أبو البختري وسليمان: ما تنتظرون؟ خدعكم فانخدعتم وملتم معه على أمير المؤمنين/والله لئن امتنعتم من الشهادة عليه لتقتلن عن آخركم ولتسبين ذراريكم ولتؤخذن أموالكم. قال: فتقدمنا فشهدنا عليه بأجمعنا أنه عبد لهارون ليس ابن بنت النبي، صلى الله عليه وآله. وسمعت السميدع بن عبد الرحمن المرادي (1) يقول عن أبيه عن جده قال: نظر إلي يحيى بن عبد الله فقال ممن الرجل؟ قلت من مراد، قال: مالنا ولمراد؟ قال: فبان لجستان حاله (2) وأنهم مكرهون، ولكنه مال إلى الدراهم؛ وطمع يحيى أن يختلفوا فاجتمعوا وأقدموا، فلما شهدوا قال يحيى: ما لكم فرق الله بين كلمتكم وخالف بين أهوائكم ولا بارك لكم في أنفسكم وأولادكم، أما والله لولا خوف الله ومراقبته لقلت ما لا تنكرون، ولكن أمسك مخافة/أن تقتلوا وأن أشرك في دمائكم. ولكن لئن أكون مظلوما أحب إلي من أن أكون ظالما، ثم قال: وقد علمت أنكم مكرهون وأنكم ضعفتم عن الصبر على القتل، فوسع الله عليكم، وسلمنا وإياكم من هذا الجبار العاتي. قالوا: كان عامة من حضر وشهد (3) عليه قد بايعه وكان سببه إلى جستان وكان يقتل بالظنة والنميمة (4)، فلو ذكر يحيى من هذا شيئا لقتلوا عن آخرهم، وهذا مشهور عنهم. وكان رحمه الله/عظيم الحلم، طويل السكوت، شديد الاجتهاد. قال: (1) فلما شهدنا (2) قال جستان (3): بقي لك (4) علة تعتل بها بعد شهادة هؤلاء؟ قال يحيى: قد بان لك بكاؤهم (5) وترددهم أنهم مكرهون، فإذا أبيت إلا غدرا فانظرني (6) آخذ لي ولأصحابي الأمان على نسخة أنشئها (7) أنا وأوجهها (8) إلى هارون، حتى يكتب إقراره ذلك بخطه ويجمع الفقهاء (9) والمعدلين وبني هاشم فيشهدون عليه بذلك.
[كتاب الأمان]
فكتب [1] جستان إلى الفضل بذلك، وكتب الفضل به إلى الرشيد فامتلأ سرورا وفرحا، وعظم موقع ذلك منه، وكتب النسخة على ما وجه بها يحيى بخطه، وأشهد على ذلك الفقهاء والأشراف، منهم: عبد الصمد بن علي، والعباس بن محمد، وإبراهيم بن محمد، وموسى ابن عيسى، ووجه إليه بالجوائز والألطاف وألف ألف درهم. وهذه نسخة الأمان (10) التي وجه بها يحيى: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب أمان من أمير المؤمنين هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ليحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، ولسبعين رجلا من/أصحابه. إني أمنتك يا يحيى بن عبد الله والسبعين رجلا من أصحابك بأمان الله/الذي لا إله إلا هو، الذي يعلم من سرائر العباد ما يعلم من علانيتهم، أمانا صحيحا جائزا صادقا، ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره، بلا شوبة غل، ولا مخالطة (1) غش تبطله بوجه من الوجوه، ولا سبب من الأسباب. فأنت يا يحيى بن عبد الله والسبعون رجلا من أصحابك آمنون بأمان الله على ما أصبت أنت وهم، من مال أو دم أو حدث على أمير المؤمنين هارون بن محمد، أو (2) على أصحابه وقواده وجنوده وشيعته وأهل مملكته واتباعه ومواليه وأهل بيته ورعيته (3)، وعلى أن كل من طالبه أو طالب أصحابه بحدث كان منه أو منهم (4) من الدماء والأموال وجميع الحقوق كلها، فاستحق الطلب (5) ليحيى بن عبد الله وأصحابه السبعين رجلا (6)، فعلى أمير المؤمنين هارون بن محمد ضمان جميع ذلك (7) وخلاصه حتى يوفيهم حقوقهم أو يرضيهم بما شاؤا، بالغا ما بلغت تلك المسألة (8) من دم أو مال أو حد أو قصاص؛ وأنه لا يؤاخذه (1) بشيء كان منه ومنهم مما وصفنا في صدر كتابنا هذا، ولا يأخذه هو وإياهم (2) بضغن ولا ترة ولا حقد، ولا وغر شيء (3) مما كان منه من كلام أو حرب أو عداوة ظاهرة أو باطنة، ولا مما كان منه من المبايعة والدعاء إلى نفسه، وإلى خلع أمير المؤمنين وإلى حربه. وإن أمير المؤمنين هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أعطى يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (4)، /والسبعين رجلا من أصحابه، عهدا خالصا مؤكدا، وميثاقا واجبا غليظا، وذمة الله، وذمة رسوله، وذمة أنبيائه المرسلين، وملائكته المقربين، وأنه جعل له هذه العهود والمواثيق والذمم ولأصحابه في عنقه مؤكدة صحيحة، لا براءة له عند الله/في دنياه وآخرته إلا بالوفاء بها. وإني قد أنفذت ذلك لك ولهم (5) ورضيته وسلمته، وأشهدت الله وملائكته على ذلك، وكفى بالله شهيدا (6). فأنت وإياهم آمنون بأمان الله، ليس عليك ولا عليهم عتب ولا توبيخ ولا تبكيت، ولا تعريض ولا أذى، فيما كان منك ومنهم إذ كنت في مناوئتي ومحاربتي، من قتل كان أو قتال أو ذلة 5وجرم، أو سفك دم/أو جناية في عهد، أو خطأ، أو أمر من الأمور سلف منك أو منهم، في صغير من الأمور (7) ولا كبير، في سر وعلانية (8) ولا سبيل إلى نقض ما جعلت (1) لك من أماني ولا إلى نكثه بوجه من الوجوه، ولا بسبب من الأسباب. وإني قد أذنت لك بالمقام، أنت وأصحابك، أين (2) شئت من بلاد المسلمين، لا تخاف أنت ولا هم غدرا، ولا خترا ولا إخفارا، حيث أحببت من أرض الله، فأنت وإياهم (3) آمنون بأمان الله الذي لا إله إلا هو. لا ينالك أمر تخافه من ساعات الليل والنهار، ولا أدخل في أماني عليك غشا ولا خديعة ولا مكرا، ولا يكون مني إليك في ذلك دسيس ولا جاسوس ولا إشارة ولا معاريض ولا كناية (4) ولا تصريح، ولا شيء (5) من الأشياء مما تخافه على نفسك، من جديد ولا مشرب ولا مطعم ولا ملبس ولا أضمره لك (6)؛ وجعلت لك أن لا ترى مني انقباضا ولا مجانبة ولا ازورارا. وإن (7) أمير المؤمنين هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب نقض ما جعل لك ولأصحابك من أمانكم (8) هذا، أو نكث عنه أو خالفه إلى أمر يكرهه، أو أضمر لك في نفسه غير ما أظهر، وأدخل عليك فيما ذكره (9) من أمانه وسلمه (1) لك ولأصحابك المسمين (2) التماس/الخديعة لك، و (3) المكر بك، أو نوى غير ما جعل لك الوفاء به، فلا قبل الله منه صرفا ولا عدلا؛ وزبيدة ابنة جعفر بن أبي جعفر طالق ثلاثا منه (4)، وأن كل مملوك له (5)، من عبد أو أمة، وسرية، وأمهات أولاده أحرار، وكل امرأة له، وكل امرأة يتزوجها (6) فيما يستقبل، فهي طالق ثلاثا (7)، وكل مملوك يملكه فيما يستقبل، من ذكر أو أنثى، فهم أحرار، وكل مال يملكه، أو (8) يستفيده، فهو صدقة على الفقراء والمساكين؛ وإلا فعليه المشي إلى بيت الله الحرام، حافيا راجلا، وعليه المحرجات من الأيمان كلها، وأمير المؤمنين هارون بن محمد بن عبد الله بن (9) محمد بن علي بن عبد الله بن العباس خليع من إمرة المؤمنين، والأمة من ولايته براء، ولا طاعة له في أعناقهم؛ والله عليه بما أكد (10) وجعل على نفسه في هذا الأمان كفيل، وكفى بالله/شهيدا (11). أخبرني محمد بن القاسم بن إبراهيم رحمه الله/عن أبيه قال: لما بعث يحيى بالأمان، كتب إلى هارون أن يجمع الفقهاء والعلماء ويحلف له بطلاق (1) زبيدة باسمها واسم أبيها، وعتق كل ما ملك من السراري، وتسبيل كل ما ملك من مال، والمشي إلى بيت الله الحرام، والأيمان المحرجات، وأن يشهد الفقهاء على ذلك كله، قال: فأسرع هارون إلى أمانه وأعطاه الشروط التي اشترط له كلها، والأيمان التي طلب والإشهاد عليها. قال أبو زيد قال المدائني: فلما ورد الأمان على يحيى، وتوثق بصحته أحب أن (2) يتوثق من قبل الفضل بن يحيى، وكتب (3) أمانا آخر بإقرار الفضل على أن (4) أمير المؤمنين أمره أن يعطيه الأمان، فكتب كتاب أمان من الفضل فيه (5): بسم الله الرحمن الرحيم (6)، هذا كتاب أمان من الفضل بن يحيى بن خالد (7) بن برمك، ليحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب والسبعين (8) رجلا من أصحابه؛ أني أمنتك يا يحيى بن عبد الله والسبعين (8) رجلا من أصحابك بأمان الله الذي لا إله إلا هو الذي يعلم من (1) سرائر العباد ما/يعلم من علانيتهم، أمانا صحيحا جائزا صادقا، ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره (2)، ثم أمر الكتاب على نسق الأول، حتى أتى إلى (3) قوله: «من المبايعة والدعاء إلى نفسه وإلى خلع أمير المؤمنين ومحاربته»، قال: وإن الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك أعطى يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب والسبعين رجلا من أصحابه، عهدا (4) خالصا مؤكدا وميثاقا غليظا جائزا، وذمة الله، وذمة رسوله، وذمة أنبيائه المرسلين، وملائكته المقربين، أني جعلت لك (5) يا يحيى هذه العهود، وهذه المواثيق، والأمان والذمم لك ولأصحابك بعد استئماري عبد الله هارون بن محمد أمير المؤمنين، وأمرني بإيفاد ذلك لكم ورضيه، وجعله لكم، وتسلم (6) ذلك ممن قبله ومن (7) معي في عسكري من وزرائه وقواده، وشيعته من أهل خراسان، وأنت (8) وإياهم آمنون بأمان الله، ثم أتم الكتاب على نسق الأول. ثم وجه به إلى الفضل بن يحيى وسأله أن يكتب له بخطه وأن يشهد (9) له على نفسه أولئك التسعمائة (10) الرجل الذين جمعوا له من الكور، ويشهدوا عليه وللأربعمائة (1) الذين شهدوا عليه من أهل طبرستان وجرجان، ويشهد بعد ذلك القواد والجند الذين معه في عسكره، ثم يشهد أهل الري وأهل قزوين، ففعل الفضل بن يحيى ذلك وسارع إليه.
[عودته بعد تأمينه]
فلما قبل يحيى الأمان/وأخرجه جستان، حمل إليه الفضل المال (2)، وسلم يحيى إلى الفضل، فلما (3) قرب يحيى بن عبد الله من عسكر الفضل استقبله/وترجل له وقبل ركابه وذلك بعين جستان- بذلك أمره الرشيد-فلما رأى جستان ما فعل الفضل بن يحيى بن خالد بيحيى بن عبد الله، جعل (4) ينتف لحيته ويحثو التراب على رأسه ندامة على ما فعل، وجعل يدعو بالويل والثبور ويأسف (5) على يحيى كيف خذله وأسلمه، /وعلم أنهم مكروا به، وأنهم شهدوا زورا (6)، ورأى ذلك من معه من قواد الديلم وانتشر فيهم الخبر، واجتمعوا (7) وتشاوروا في ملكهم وسوء فعله، فخلعوه وقتلوه (8) وولوا عليهم مكانه رجلا من أهل بيت المملكة؛ وكان قد أسلم على يدي يحيى بن عبد الله جماعة فبنوا منزله (1) الذي كان يسكنه مسجدا وعظموه (2)، وهم إلى الآن يقولون نحن أنصار المهدي (3). فهذا سبب دخول يحيى الديلم.
[خبر يحيى مع الزيبري]
فلما خرج يحيى بن عبد الله ورد الخبر على جعفر بن يحيى بن خالد، وكان على البريد، فدخل على الرشيد (4) مسرعا فأخبره بخروج يحيى بن عبد الله في الأمان، فأمر له الرشيد بمال جزيل. وورد [1] الفضل بن يحيى ومعه يحيى بن عبد الله مدينة السلام، فلقيه الرشيد بكل ما أحب وأكرمه وألطفه وأنزله منزلا سريا، وأجرى له أرزاقا (5) سنية وبلغ بالفضل الغاية في الإكرام والبر، وأمر بني هاشم والقواد (6) بتعظيمه وتبجيله. قال: وأمر ليحيى بن عبد الله بأربعمائة ألف دينار وأمر له يحيى بن خالد بمثلها. قال محمد بن القاسم (7): كان سبب سخط هارون على يحيى، أنه لما أمر له بأربعمائة ألف دينار، وأمر له يحيى بن خالد (8) بمثلها، صار إلى منزله بأثيب ناحية سويقة من أرض الحجاز، فوصل كل من كان له به نسب أو خؤولة أو محبة من العرب وغيرهم حتى أغناهم، وكثر (1) إختلاف الناس إليه وتعظيمهم له. قال محمد بن القاسم حدثني أبي قال: كان بكار بن مصعب بن ثابت (2) الزبيري عاملا لهارون على المدينة، فوشى بيحيى بن عبد الله بعدما رجع إلى الحجاز، فكتب إلى هارون أن بالحجاز خليفة يعظمه الناس ويختلفون (3) إليه من جميع الآفاق، [ولا يصلح خليفتان في مملكة واحدة، وذكر أنه يكاتب أهل الآفاق] (4)، وكثر عليه في أمره، وهو على الغدر فليحذره أمير المؤمنين، وأشار (5) برفعه إليه وإلا فتق عليه فتقا عظيما؛ فوقع الثانية بهذا السبب [فكان في الحبس] (6) حتى/كان من أمره ما كان. قال أبو زيد/عن ابن زبالة المدني (7) قال: لما رجع يحيى إلى الحجاز بالصلات والأموال، جعل يفرقها على الأشراف وأهل الحاجة سرا وعلانية، وكان هارون قد ولى المدينة بكار [بن عبد الله بن] [1] مصعب وجعله عينا على يحيى، لعلمه بشدة بغضه للطالبيين وتعصبه عليهم، فلم يزل بكار يوغر صدر هارون/ويسعى إليه بيحيى حتى أمر الرشيد بحمله وحبسه وتقييده. وحدثني [1] ابن (1) النطاح عن المدائني قال وحدثني (2) الضبي (3) عن بعض النوفليين قال: دخلنا يوما على عيسى بن (4) جعفر نسلم عليه، وقد وضعت له وسائد، بعضها على بعض، وهو قائم متكىء عليها يضحك من شيء في نفسه متعجبا (5)، فقلنا له: ما الذي يضحك الأمير، أدام الله سروره، فقال (6): لقد دخلني (7) اليوم سرور ما دخلني قط مثله؛ قلنا حقق الله ذلك للأمير وزاد الأمير سرورا، فقال (8) والله لا حدثتكم إلا قائما (9)، فاتكىء على الفرش، وهو قائم، قال: كنت اليوم عند أمير المؤمنين، ودعا (1) بيحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، فجيء به مكبلا بالحديد، وعنده بكار بن [عبد الله بن] مصعب [1]، وكان الرشيد يميل إليه لسعايته إليه بآل أبي طالب، قال: فلما دخل يحيى قال الرشيد هاها، وهذا يزعم أيضا (2) أنا سممناه، فقال يحيى: ما معنى يزعم هذا، وأخرج لسانه مثل السلق (3)، فتربد (4) وجه هارون واشتد غضبه، فقال له يحيى عند ذلك: يا أمير المؤمنين إن لنا منك قرابة ورحما، ولسنا بترك ولا ديلم، فإنا (5) وأنتم أهل بيت واحد، فأذكرك الله بقرابتنا من رسول الله، علام تعذبني (6)؟ فرق (7) له هارون وهم بتخليته؛ قال فأقبل الزبيري على الرشيد فقال يا أمير المؤمنين: لا تسمع كلام هذا فإنه شاق عاص وإنما هذا مكر منه وخبث، إن هذا وأخويه قد أفسدا (8) علينا مدينتنا وعملوا فيها الأعاجيب، وأظهروا فيها الخلاف والعصيان. فأقبل يحيى فقال: أفسدنا عليكم مدينتكم؟ ومن أنتم، عافاكم الله، المدينة مدينة (9) عبد الله/بن الزبير أو مهاجر رسول الله؟ ومن أنت حتى تقول أفسدوا علينا مدينتنا، وإنما آبائي وآباء هذا هاجروا إلى المدينة. فاستضحك الرشيد، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين (1)، إنما الناس نحن وأنتم، فإن خرجنا عليكم، فلا (2) لوم علينا لأنكم أكلتم وأجعتمونا (3)، ووجدنا (4) بذلك مقالا فيكم ووجدتم بخروجنا عليكم مقالا (5) فينا/تكافوا (6) فيه القول ويعود الرشيد على أهله بالفضل، فلم يجرؤ هذا وضريباه (7) على أهل (8) بيتك؟ فقد كان (9) معاوية أبعد نسبا (10) منك، سعى عبد الله بن الزبير إليه بالحسين بن علي، عليه السلام، وتنقصه فقال له معاوية: تنتقص الحسين في مجلسي، لا ولا كرامة لك! فقال ابن الزبير: يا أمير المؤمنين كيف تنهاني وأنت تشتمه؟ قال: لحمي آكله لا أوكله [1]. يا أمير المؤمنين والله ما سعى هذا (11) بنا إليك نصيحة منه لك ولكن عداوة منه لنا جميعا، إذ قصرت يده، سعى بنا عندك كما سعى بك (1) عندنا من (2) غير نصيحة منه لنا يريد أن يباعد بيننا ويشتفي من بعضنا بعضا (3)، لأنا (4) أهل بيت رسول الله صلى الله عليه دونه، يا (5) أمير المؤمنين لقد جاءني هذا حين قتل أخي محمد بن عبد الله، فقال: فعل الله بقاتله وأنشدني فيه مرثية عشرين بيتا، وقال لي: إن خرجت في هذا الأمر/فأنا أول من يبايعك، وقال: ما يمنعك أن تلحق بأهل البصرة (6) فانهم شيعة أخيك إبراهيم وإن أيدينا مع يدك؛ قال: فتغير وجه الزبيري واسود، وأقبل عليه هارون فقال: ما يقول هذا يا بكار؟ قال: كاذب يا أمير المؤمنين ما كان مما قال حرف واحد. فأقبل الرشيد على يحيى فقال: تحفظ من أبيات القصيدة (7) التي رثى بها أخاك شيئا؟ قال: نعم واحفظ القصيدة التي حث فيها على الخروج مع أخي محمد بن عبد الله، قال: فأنشدنيهما. فأنشده هذه القصيدة [1]: [من البسيط] إن الحمامة يوم الشعب من دثن (8)%~% هاجت فؤاد محب دائم الحزن إني لآمل (1) أن ترتد ألفتنا%~% بعد التدابر (2) والشحناء والإحن/ وتنقضي دولة أحكام قادتها%~% فينا كأحكام قوم عابدي (3) وثن قد طال (4) ما قد بروا بالجور أعظمنا %~% بري الصناع قداح النبل بالسفن (5) حتى يثاب على الإحسان محسنها (6)%~% ويأمن الخائف المأخوذ بالدمن، فانهض ببيعتنا (7) ننهض بطاعتكم %~% إن الخلافة فيكم يا بني حسن لا عز ركنا نزار إنهم خذلوا %~% رهط النبي ولا ركنا ذوي يمن (8) فأنت أكرمهم فيهم إذا نسبوا %~% وأبعد القوم عيذانا من الإبن (9) وأفضل القوم عند القوم، قد علموا،%~% نفسا وأزكى وأنقاهم من الدرن (10) /وهو الذي يقول [1]: [من الكامل] قل للمشنىء والمقصي داره %~% تربت يداك أطلها مهديها فلتدهمنك غارة (1) جرارة %~% شعواء يحفز أمرها علويها حتى تصبح قرية كوفية %~% لما تغطرس ظالما قرشيها بكتيبة وكتيبة وكتائب %~% حسنية يحتثها (2) حسنيها فحلف ما قال مما ذكر حرفا واحدا، فقال يحيى صلى الله عليه: يا هارون، والله لقد رثاه بقصيدتين بعد موته، قال هارون: فترويهما؟ قال: نعم، قال: فأنشدنيهما! فأنشده قول الزبيري [1]: [من الكامل] يا صاحبي دعا الملامة واعلما %~% أن لست في هذا بألوم منكما وقفا بقبر ابن النبي محمد %~% لا بأس أن تقفا به وتسلما (3) قبر يضم (4) خير أهل زمانه %~% حسبا وطيب سجية وتكرما رجل نفى بالعدل جور بلادنا %~% وعفا عظيمات الأمور فأنعما (5) لم يجتنب قصد السبيل ولم يحد (6) %~% عنه ولم يفتح بفاحشة فما لو أعظم الحدثان شيئا قبله %~% بعد النبي لكنت أنت/المعظما (7) أو كان أمتع بالسلامة قبله %~% أحد لكان قصاره أن يسلما [ضحوا بإبراهيم خير ضحية %~% فتصرمت أيامه وتصرما] (1) بطل يخوض بنفسه غمراتها %~% لا طائشا رعشا ولا مستسلما حتى مضت فيه السيوف وربما %~% كانت حتوفهم السيوف وربما أضحى بنو حسن أبيح حريمهم %~% فينا وأصبح نهبهم متقسما (2) يتقربون بقتلهم شرفا لهم %~% عند الإمام يرون ذلك مغنما (3) والله لو شهد النبي محمد، %~% صلى الإله على النبي وسلما، إشراع أمته الأسنة في ابنه (4) %~% حتى تقطر من ظباتهم دما حقا لأيقن أنهم قد ضيعوا %~% تلك القرابة واستحلوا المأثما وأنشده أيضا [1]: [من مجزوء الكامل] تبكي مذلة أن تقنص حبلهم %~% موسى (5) وأقصد صائبا (6) عثمانا هلا على المهدي وابني مصعب %~% أذريت دمعك ساكبا تهتانا ولفقد إبراهيم حين تصدعت %~% عنه الجموع فوجهوا (1) الأقرانا سالت دموعك ضلة قد هجت لي %~% برحا (2) وهما يبعث الأحزانا (3) والله ما ولد الحواضن مثلهم %~% أمضى وأرفع محتدا ومكانا واشد ناهضة وأقول للتي %~% تنفي مصادر عدلها البهتانا فهناك لو فقأت غير مشوه (4) %~% عينيك (5) من (6) جزع عذرت عيانا (7) رزء (8) لعمرك لو يصاب بمثله %~% ميطان صدع (9) رزؤه ميطانا _1 قال الزبيري: والله الذي لا إله إلا هو، وأمرها غموسا، ما قلت من هذا شيئا ولقد تقول علي ما لم أقل. قال عيسى بن (10) جعفر: فأقبل الرشيد على يحيى فقال: هل من فيه (11) سمعت منه هذه المرثية؟ قال (12): تأذن لي استحلفه؟ قال: شأنك فاستحلفه (1) على ما تريد. قال: فأقبل يحيى على الزبيري (2) فقال: براك الله من حوله وقوته ووكلك إلى حولك وقوتك إن كنت قلت هاتين (3) المرثيتين ولا المديح الأول. قال الزبيري: براني الله من حوله وقوته ووكلني إلى حولي وقوتي إن كنت قلت شيئا مما قال؛ فلما حلف قال يحيى قتلته والله يا أمير المؤمنين (4). /وأمر (5) برد يحيى إلى السجن (6) وخرج الزبيري فضربه الفالج في شقه الأيمن، فمات من ساعته فولى الرشيد ابنه المدينة من بعده. فقال عيسى بن جعفر (7): فو الله (8) ما سرني أن يحيى نقصه حرفا واحدا مما قاله (9) و/لا وددت أنه قصر في شيء من مخاطبته (10). حدثني أبو زيد قال، حدثني غير واحد: أن يحيى بن عبد الله قال يومئذ لهارون: والله إنه ليتقرب إلينا بعداوتكم وبعداوتنا إليكم في سالف الدهر وحديثه، ما اجتمعنا له إلا جمعنا بالعداوة (11)، ولا يخص بمقت ولا بغض (1) واحدا دون صاحبه؛ قال: وما أقبل عليه يحيى في مخاصمته حتى افترقا، ما كان يقبل إلا على هارون ولا يخاطب غيره، حتى قال ابن مصعب: ألست الواثب في سلطاننا؟ قال يحيى: ومن أنتم عافاكم الله-يريد الزبيريين (2) -وإنه لمقبل على هارون، فتبسم هارون منه مستسرا بذلك، ثم أقبل يحيى فقال: والله يا أمير المؤمنين (3) إن كان من أنصار محمد الذين نصروه بأيديهم وألسنتهم؛ [وإنه القائل وذكر الشعر: قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا (4) %~% إن الخلافة فيكم يا بني حسن ثم أمر بحبسه؛ فذكر مثل (5) ذلك] (6). وسمعت (7) موسى بن عبد الله يقول (8): يذكر عن البكري أن هارون جمع الفقهاء والقرشيين وأحضر أمان يحيى بن عبد الله قال: وكان فيمن حضر من الفقهاء محمد بن الحسن والحسن بن زياد. وسمعت يحيى بن موسى يقول: هذا غلط، الذي أحضر أبو يوسف. وأخبرني أبو بكر محمد بن أحمد الرازي عن موسى بن نصر: أن الذي أحضر أبو يوسف.
[تخريق أمان يحيى]
وسمعت (1) أبا علي البستاني يذكر عن ابن سماعة صاحب محمد بن الحسن قال سمعت محمد بن الحسن يقول: بعث إلي هارون في أمر يحيى/وأمانه وقد جمع له الفقهاء والقرشيين، فجعلت على نفسي أن أصحح الأمان/ولو كان فاسدا لأحقن دمه. فذاكرات ابن أبي عمران بهذا (2) الخبر فذكر عن ابن سماعة نحو ما ذكره البستاني عنه، قال ابن سماعة [1]: قال محمد بن الحسن: لما سألني هارون عن أمان يحيى أراد مني ومن غيري أن ندله على رخصة يصل بها إلى قتل يحيى؛ قال فدفع إلي (3) الأمان وقال: انظر في هذا الأمان الفاسد، قال (4): فنظرت فيه فرأيته صحيحا (5)، أصح أمان ولو كلفت أن أكتب مثله على صحته لصعب علي، قال: فقمت قائما فقلت: يا أمير المؤمنين حرام الدم، ما رأيت قط أمانا (1) أصح منه ولا أوثق (2)، وليس في نقضه حيلة؛ قال: فأخذ دواة بين يديه فرماني بها فشج رأسي، ودفعه إلى غيري حتى عرضه على جميع من حضر، فقالوا كلهم مثل قولي إلا أنهم لم يبادوا به؛ قال (3)، فقال وهب بن وهب أبو البختري بعدما قال هو (4) إنه صحيح: ها هنا حيلة، قال: ما هي؟ قال: إن قال الفضل بن يحيى إنه نوى وقت ما أعطاه الأمان غير الوفاء فالأمان باطل، قال هارون: والفضل يقول هذا. قال: فدعا بالفضل بن يحيى، وأخوه جعفر بن يحيى حاضر فقال هارون: أليس (5) إنما نويت بالأمان غير الوفاء؟ فقال الفضل: ما/نويت بالأمان إلا الوفاء؛ قال: فغضب هارون وقال: ويلك أليس إنما نويت غير الوفاء؟ قال: لا يا أمير المؤمنين ما نويت إلا الوفاء، قال: [فاشتد غضب هارون وقال: ويلك أليس نويت غير الوفاء؟ قال:] (6) لا والله الذي لا إله إلا هو ما نويت غير الوفاء يا أمير المؤمنين، ونظر أبو البختري إلى يحيى بن خالد وجعفر بن يحيى قد تغيرت وجوههما وأربدت، ورمياه بأبصارهما فعرف الشر في وجوههما، قال، فقال: يا أمير المؤمنين ما تصنع بهذا ادع لي بسكين، فأحضر له سكين فقطع الأمان ثم قال: يا أمير المؤمنين اقتله ودمه في عنقي. قال، فقال له يحيى: يا دعي، لقد (7) علمت قريش أنك لقيط وأنك تدعي إلى غير أبيك، وأبوك الذي تدعي أبوته لم يصح له نسب في قريش، إنما هو عبد لبني زمعة [1]، فأنت مدع إلى دعي وقد جاء في الأثر/عن الرسول: صلى الله عليه وآله وسلم «إن من ادعى إلى غير أبيه أو (1) انتمى إلى غير مواليه فليتبؤا مقعده من النار» [2]، فكيف ترى حالك وأنت مصر على الدعوة بعد معرفتك بالأثر عن النبي عليه السلام، ثم جرأتك على الله واستخفافك بمحارمه وتخريق (2) أمان وكده ووثقه (3)، جماعة من علماء المسلمين، فهب أن لا مراقبة عندك في رجاء ثواب ولا خوف عقاب، فهلا سترت على ما يخفي ضميرك مما قد أبديته من هتك سترك وإبداء عورتك، معاندة لله ولدينه، /وعداوة منك لله ولرسوله ولذرية رسوله، ثم التفت إلى الرشيد فقال له: يا هارون اتق الله وراقبه فإنه قل ما ينفعك هذا وضرباؤه «يوم يعض الظالم على يديه ويقول الكافر يا وليتني لم أتخذ فلانا خليلا» (اقتباس من الآيتين 27 و 28 من سورة الفرقان) الآية يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (غافر 40/ 52). فقال (4) الرشيد لمن حضر (5) من الفقهاء وغيرهم: انظروا ولا يستحل أن يقول أمير المؤمنين (1)، وأراد هارون أن يحتج عليه ليبطل أمانه (2) فقال (3) يحيى: وما (4) جزعك من اسم سماكه أبوك، قد كان يقال لرسول الله، صلى الله عليه، يا محمد فما ينكر على الداعي له بذلك وقد سماه الله رسوله صلى الله عليه وسلم (5). وقال موسى في حديثه [1]: فأمر هارون جماعة الفقهاء والقرشيين (6) أن يكلموا يحيى يخبرهم بأسماء السبعين الرجل الذي أعطاهم الأمان، قال، وقال هارون: كل ما عزمت على طلب (7) أعدائي تهيبت (8) من أجل هؤلاء الذين أعطيتهم الأمان ألا أتعرضهم؛ قال (9)، فقالوا ليحيى: اذكر لأمير المؤمنين أسماء أصحابك لئلا (10) يغلط فيهم (11) فيأخذهم وقد أعطاهم الأمان فيأثم، فكلموه (12) بكلام هذا معناه؛ فقال يحيى: إن أراد أمير المؤمنين أن يفي لي ولهم (1) عرفني رأيه في الوفاء، فمتى أخذ رجل من أصحابي الذين أخذ لهم الأمان [أخبرته حتى استوفى عدد السبعين الذين أعطاهم/الأمان] (2)، إن أراد الوفاء لهم (3)، وإن لم يرد الوفاء لهم فكيف أخبره/بأسمائهم وأدله على مواضعهم إذن أكون شريكه في دمائهم. فراجعناه في ذلك، فقال (4): لو كانوا تحت قدمي ما رفعتها عنهم (5)، فليعمل ما (6) بدا له أن يعمل. قال: ورد يحيى إلى الحبس وخرجنا، فلما كان من الغد دعينا وأحضر يحيى، فقال لنا الرشيد: كلموه (7) لعله يخبرنا بأصحابه فكلمناه فأومىء إلى لسانه، قال (8): فأخرج لسانه أصفر قد سم، فحلف الرشيد أنه ما أمر في أمره بشيء وهو يوهمكم أني سقيته السم (9) فعليه وعليه إن كان من ذلك شيء، فلما أخرج لسانه قال هارون: ويلك يا مسرور ما هذا؟ قال: أنا سقيته لما رادك (10) يا أمير المؤمنين وخرجنا، ولم يعلم له خبر (11) بعد ذلك.
[مقتل يحيى] 253 - 273]
وقد أخبرني موسى بن عبد الله عن بعض أهله قال: رجلان (1) من أفضل أهل زمانهما، أو أفضل أهل عصرهما، أحدهما من ولد الحسن والآخر من ولد الحسين، لا يوقف على موتهما ولا على قتلهما كيف كان: موسى بن جعفر، ويحيى بن عبد الله. قال المدائني عمن أخبره: دفع هارون يحيى إلى جلاد (2) /يقال له أسلم أبو المهاصر، فحبسه عنده؛ قال [1]: وكان الرشيد يركب حمارا ويدور في القصر فيسأل أسلم عن خبره فيخبره، فقال (3) له يوما: إنه يطبخ قدرا في كل يوم بيده، ووصف له صفتها، فقال الرشيد: هذه (4) قدرنا مدينية، فاذهب إليه (5) فقل له: يقول لك أمير المؤمنين أطعمنا من قدرك، قال: فأتاه فقال له، فأخذ قصعة له من خشب (6)، فغسل داخلها ثم غرف أكثر القدر وبعث به إليه، فلما جاءه به أمر (7) أن يؤتى بخبز، وأكل به حتى بقيت قطعة بصل في جنب القصعة فأتبعها بلقمة حتى أخذها، ثم دعا مسرورا الكبير فقال: احمل إلى يحيى ألف خلعة من كل فن سري من الثياب الفاخرة مع ألف خادم فاره، كل خلعة ثلاثة أثواب، وانشرها كلها عليه وعرفه أثمانها ومن أهداها لنا، وقل له (1) يقول لك أمير المؤمنين جعلناها مكافأة لك (2) على ما أطعمتنا، حتى تأتي على آخرها. قال: فأتاه مسرور بالخلع والخدم وأبلغه الرسالة وهو مطرق/ ما ينطق ولا ينظر، قال: وأحس يحيى بالشر منه لما أتاه بذلك (3)، وأيقن أنه معذب مقتول. قال، فرفع رأسه فقال: قل لأمير المؤمنين إنما ينتفع بهذا من له في الحياة طمع ونصيب ومن كان آمنا على نفسه راجيا لبقائه، فأما المحبوس المقهور الخائف المأسور المرتهن بسعايا البغاة بغير ما جنت يداه، فاتق الله يا أمير المؤمنين (4) ولا تسفك دمي واحفظ رحمي وقرابتي فإني في شغل عما وجهت به (5) إلي. قال مسرور: فرققت له ثم رجعت إلي نفسي، فقلت (6): لا ولا كرامة، لا أقول لأمير المؤمنين من هذا شيئا. فقال يحيى: هذا من ذاك الذي أتخوفه وأشفق منه. وعاد مسرور إلى الرشيد فأخبره بكل ما قال. قال، (7) فقال له: فما قلت له؟ فأخبره بما قال، قال: أصبت، وأمره أن يرجع إليه ويقول/له: يقول لك أمير المؤمنين إن أحببت أن أطلق عنك، فأخبرني بأسماء السبعين الذين أخذت لهم الأمان لأعلم (8) أنك بريء مما سعي إلي فيك، فإنك إن فعلت أخرجتك من حبسي وأجزتك بألف ألف دينار، وأقطعتك من القطائع وأعطيت أصحابك من الأموال كذا وكذا، وأنزلتهم من البلاد حيث شاؤوا (1). قال مسرور: فلما قلت له ذلك قال: قل له يا أمير المؤمنين (2) إله عن ذكر أولئك فإنك لو قطعتني إربا إربا لم يرني الله أشاركك (3) في دمائهم، ولو أعطيتني جميع ما في الأرض ما أنبأتك باسم واحد منهم، /فاصنع ما بدا لك فإن الله بالمرصاد. قال المدائني: وقال هارون يوما لأسلم: كيف ضيفك؟ قال: صالح! قال: لا أصلح الله حالك، حتى قال ذلك له مرارا في أوقات مختلفة (4) فبقي أسلم لا يدري ما (5) معنى كلامه، فأتى مسرورا الكبير فقال: إن أمير المؤمنين كلما سألني عن ضيفي فقلت: صالح، قال: لا أصلح الله حالك، فقال له مسرور: إنه (6) إنما دفع إليك أمير المؤمنين عدوه لتغذوه له (7) ويكون عندك صالحا؟؟ قال أسلم: فجئت إلى محبسي فأخرجت يحيى منه وجعلته في بيت دونه (8) ثلاثة أبواب وأغلقت (9) الباب الأول والثاني والثالث فخاف يحيى مما أردته به فجعل معه بستوقة من سمن أخفاها/في كمه وأنا لا أعلم، فلما كان بعد سبعة أيام أتيته والموكلون بالباب، فدخلت عليه وأغلقت الباب من داخل، فإذا هو يصلي، فاشتد تعجبي وقعدت بحذاه وقلت (1): بهذه الخلقة أردت الخلافة، وبهذا الوجه أردت الخروج على أمير المؤمنين؟ وكان يحيى خفيف اللحية، وهو مقبل على صلاته ما يلتفت إلي، فما زلت أعرض (2) به وهو مقبل على صلاته ما يلتفت إلي حتى شتمته بالزاني (3)، فأسرع في صلاته وأوجز فيها ثم وثب إلي وثوب أسد (4) فقعد على صدري وقبض على حلقي وعصره حتى ظننت أنه قد قتلني، ثم أرسلني حتى استرحت ثم قبض على حلقي حتى فعل ذلك في ثلاث مرات ثم قال: لولا انه ليس في قتلك درك لقتلتك، ثم قال: ويلك من شتمت أفاطمة بنت محمد أم فاطمة بنت أسد أم فاطمة بنت الحسين أم زينب بنت أبي سلمة؟ ثم خلاني فخرجت هاربا وفتحت الأبواب وقلت للبوابين: ادخلوا فليس هذه قوة من لم يأكل سبعة أيام شيئا. ففتشوا البيت فأخرجوا بستوقة السمن فأخذتها وأغلقت الأبواب، وتركته ثلاثة أيام ثم جئت ففتحت الباب الأول ولم أغلقه وقلت للموكلين: إذا (5) سمعتم صياحي فادخلوا، ثم فتحت الباب الثاني والثالث فتسمعت (6) فلم أسمع له حركة، فتركت الأبواب مفتوحة ودخلت، فإذا هو ساجد انقلب على الجنب وهو ميت، فخرجت إلى الموكلين فوجهت بهم إلى منزلي فأتوني بفرش ووسائد (1) /ومخاد ومقرمة وإزار ثم بسطته، ولم (2) أدخل أحدا منهم معي (3) ثم قمت على ركبتيه حتى مددتهما ثم سجيته بثوب ثم خرجت وأغلقت الباب الخارج وأتيت هارون فقلت: /أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين، قال: فيمن؟ قلت في ابن عمك يحيى بن عبد الله، قال: قد (4) مات؟ قلت نعم، قال: به أثر (5)؟ قلت لا. قال: فاذهب فأدخل عليه شهودا يشهدون على موته وادفنه، ففعل. قال المدائني، حدثني عبد الله بن مروان قال: رأيت والله أبا المهاصر أسلم هذا الخادم بعد الرشيد ومحمد يتصدق عليه (6) بسوء حال بعد نعمة عظيمة. وحدثني (7) علي بن مسعود المصري / عن رجل، وسماه (8)، واسمه عندي مثبت في كتبي، قال (9): ركبنا في مركب من الموصل نريد بغداد، قال فجرى حديث يحيى بن عبد الله فقال قوم: قتلوه بالسيف، وقال قوم: قتلوه جوعا بالمطبق (1)، قال: وكان معنا خادم له هيئة وشارة فقال: إياي فاسألوا فإني أخبركم أمر يحيى كيف كان موته وقتله: دفعه إلي هارون فكان يسألني عنه كل يوم وأقول هو بخير فقال لي يوما: ويلك (2) لولا أنه قد خدعك، كيف يكون عدوي معك بخير؟ فعلمت ما يريد، فقلت: هذا عدو أمير المؤمنين، وكل من كان عدوا لأمير (3) المؤمنين فهو كافر، فقال لي اذهب فادخله بيتا ليس فيه طعام ولا شراب ثم أغلق عليه الباب ثلاثة أيام، ففعلت. ثم قال: إفتح عليه (4) الباب فانظر ما حاله؟ ففتحت الباب، فإذا هو قائم يصلي فتعجبت، ثم رجعت فأخبرت هارون، قال: فاذهب ففتش البيت لا يكون معه (5) شيء لا نعرفه ثم أغلق الباب عليه، ففعلت ثم أتيته بعد ثلاث فقال: إفتح عليه ثم انظر (6) ما حاله. ففتحت عليه (7)، فإذا هو قاعد يصلي إلا أنه قد ضعف، فرجعت إلى هارون فأخبرته، فقال: أخاف أن تكون قد غششت ولم تتصح، إذهب ويلك ففتشه وانظر كيف يعيش إنسان لا يأكل ولا يشرب أياما كثيرة، والله لئن أثرت فيه (8) أثرا لأضربن عنقك، قال: فرجعت وفتحت الباب وقلعت ثيابه وعريته فلما هممت يقلع السراويل قال: ويلك إحفظ قرابتي من رسول الله، فإنه ما رأى أحد عورتي (1) قط، فاستعنت عليه بأصحابي وحللنا (2) سراويله، فإذا بين فخذيه أنبوبة قصب فيها سمن، كلما (3) أجهده العطش مص منه شيئا فيمسك رمقه. قال: فأخذناها وخرجنا وأغلقت الباب ورجعت إلى الرشيد فأخبرته (4)، فقال (5): اتركه ثلاثا ثم انظر ما حاله؟ فجئته بعد ثلاث فإذا هو ساجد ميت، فرجعت إلى هارون فأخبرته، قال: إذهب فاشهد عليه بعد أن تمدده وتسجيه. قال: وكان معنا شاب له سمت فخف لذلك الخادم حتى إذا انفرد الخادم على جانب المركب يريد الخلوة للحاجة، قصد به الفتى موضع جرية الماء وجذبه ثم دفعه ورمى بنفسه خلفه فما زال (6) يغطه حتى غرق، فقلنا له/وقد خرج إلى الأرض: /يا عدو الله (7) قتلت الرجل! فقال: يا أعداء الله، ألم (8) تسمعوه يقول: أنا قتلت ابن رسول الله بالجوع والجهد فلم تنكروا عمله (9)، ويلي عليكم/لو قدرت على قتلكم لقتلتكم. وأخبرني أبو هاشم إسماعيل (10) بن علي [بن إبراهيم بن علي بن حسن] (11) بن عبد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، عن حمزة بن القاسم، عن أبيه، عن إبراهيم (1) قال (2): تذاكرنا يوما عند عمر بن فرج الرخجي أمر يحيى بن عبد الله، فقال عمر بن فرج، حدثني مسرور (3) الخادم قال: أتي بيحيى وهارون بالرافقة وعنده عبد الله بن مصعب الزبيري، فقال الزبيري: يا أمير المؤمنين (4) إن هذا وأخويه قد أفسدوا علينا مدينتنا، فقال له يحيى (5): ومن أنت عافاك (6) الله؟ فجرى بينهما من الحديث ما قد كتبناه (7)، حتى أنشد يحيى هارون الشعرين الذين قالهما الزبيري في محمد رحمه الله، فاسود وجه الزبيري وتغير (8) وانتفى أن يكون قال من هذا شيئا؛ فقال يحيى: يا أمير المؤمنين إن كان صادقا فليحلف بما أحلفه؛ فأمر هارون أن يحلف (9) فقال له [1]: قل براني الله من حوله وقوته ووكلني إلى حولي وقوتي إن كنت قلت هاتين (10) القصيدتين، قال: ليس (11) هذه من الأيمان، أنا أحلف بالله الذي لا إله إلا هو، وهو يحلفني بشيء ما أدري ما هو؛ فأمره الرشيد أن يحلف (1). فما أتى عليه إلا (2) ثلاث حتى مات، فأمر الرشيد أن يدفن، فدفن (3) فانخسف القبر، ثم بنوا ثانية فانخسف القبر ثم بنوا (4) ثالثة فانخسف القبر، فأمرهم (5) هارون أن تضرب عليه خيمة، فما زالت مضروبة على قبره. ثم دفع يحيى إلى مسرور، فكان يسأل عن خبره فقال له يوما: انظر ما يصنع؟ فنظر، فإذا هو يطبخ قدرا له عربية مدينية (6)، فوصفت (7) له صفتها فقال: نعم هذه قدرنا فخذ غضارة واذهب إليه فقل له: يقول (8) لك أمير المؤمنين أطعمنا من قدرتك (9). فأخذ القدر فأفرغها في الغضارة فجاء (10) بها، فدعى هارون بالمائدة والخبز/فأكلها حتى جعل يلعق أصابعه (11)، ثم قال: إرجع إليه فقل له زدنا، فقال مسرور: والله يا أمير المؤمنين ما خلف في القدر شيئا. قال: فاذهب إليه فقل له ليفرخ همك وروعك فإنه لا بأس عليك، فرجعت إليه فأخبرته بما قال، فقال يحيى: كيف (12) يفرخ روعي وأنا أعلم أنه قاتلي؟ فرجعت إلى هارون، فقال: ما قال لك؟ فأخبرته، قال: فاذهب وضيق عليه، فذهبت فجعلته في بيت ليس فيه طعام ولا شراب، ثم جئته بعد أيام فإذا هو في محرابه يصلي، فأخبرت هارون فقال: فعل الله بك غششتني، فحلفت/أني ما فعلت، قال: فاذهب ففتشه، فجئته فامتنع فاستعنت عليه فإذا تحت باطن قدميه شكوة (1) فيها سمن فنزعناها، وخرجت وسددت عليه، ثم أخبرت هارون وتركته أياما، ثم جئته أنظر ما حاله/فإذا هو ميت في محرابه، فأخبرت هارون. وذكر نحو القصة التي ذكرناها آنفا. وأما هارون الوشاء فقال: حدثني عبد العزيز بن يحيى الكناني، قال (2): جمع هارون الفقهاء فكان فيمن أحضر محمد بن الحسن، والحسن بن زياد، قال وكنت فيمن حضر، وأحضر من القرشيين جماعة من ولد أبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير، وأبو البختري، وأحضر أمان يحيى فدفع هارون الأمان إلى محمد بن الحسن (3)، ويحيى في الحديد (4)، فقال: يا محمد انظر في هذا الأمان هل هو صحيح أم (5) هل في نقضه حيلة؟ فقرأه ثم قام قائما وقال: يا أمير المؤمنين أمان صحيح، ما رأيت أمانا قط أصح منه، ولا ظننت أنه ما بقي في الدنيا رجل (6) يحسن أن يكتب مثل هذا، ولو كلفت أن أكتب مثله ما أحسنت؛ قال: فغضب الرشيد (1) حتى انتفخت أوداجه وانقطعت أزراره، وأخذ دواة بين يديه فضرب بها رأس محمد فشجه، فذكر القصة ثم قال (2) آخر ذلك: دفعه إلى الفضل بن يحيى، ولم يقل أن أبا البختري قال: فيه حيلة، ولكن: لما رأى أبو (3) البختري هارون قد غضب قال: ردوا علي الأمان، بعدما كان قد نظر فيه وصححه، فردوه عليه فوضع يده على حرف فقال: هذا آخره ينقض/أوله، اقتله ودمه في عنقي. فقال له يحيى: يا ملقوط، والله (4) لقد علمت قريش أنه ما لك أب يعرف، فلو استحييت من شيء لاستحييت من ادعائك إلى من ليس بينك وبينه رحم مع أن من تدعي إليه عبد لبني (5) زمعة، ثم قال: يا هارون اتق الله فإنه لا ينفعك هذا ولا ضرباؤه (6) يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (غافر 40/ 52). فقال هارون: انظروا [لا يستحل أن يقول يا أمير المؤمنين] (7)، هذا ينتقض ما أعطيته من الأمان. قال (8) يحيى: ما جزعك من اسم سماكه أبواك؟ قد (9) كان يقال لرسول الله يا محمد فما ينكره وهو رسول رب العالمين. قال: فدفعه إلى يحيى بن خالد بن برمك (1) وخرجنا من عنده. فبكى محمد بن الحسن (2)، فقلنا له: ما يبكيك؟ فقال: أخاف العقوبة من الله، قلنا (3): أليس قد أعذرت حتى خفنا عليك (4) أن يأمر بقتلك؟ [قال: كان يجب علي أن أرد على أبي البختري ما ادعى من أن ذلك الحرف ينقضه وقد كذب في ذلك، قالوا: لو تكلمت لأمر بقتلك] (5)؛ فلم يزل محمد في قلبه شيء من ذلك (6) حتى مات. قال المكي، فأخبرني الثقة: ان جعفر بن يحيى حبس يحيى بن عبد الله مدة عنده (7) /حتى سأله هارون عنه فأخبره بسلامته، فقال هارون: ما أطول حياته! فعلم جعفر أنه يريد (8) أن يقتله، فأخرجه ليقتله، فجعل جعفر يقول واأسفاه كيف أسلمت قتل (9) يحيى من بين الخلق (10)، فقال له يحيى بن عبد الله (11): اسمع مني أصلحك/الله شيئا يكون لك فيه السلامة في الدنيا والآخرة، أعطيك من العهود والمواثيق ما تسكن
إليه نفسك أنك إن تركتني خرجت حتى أدخل بلاد العجم-أو قال: الروم-ولا أخبر أحدا باسمي (1) ولا نسبي، إلا أن (2) أذكر لهم أني رجل من المسلمين جنيت جناية فخفت على نفسي فلحقت ببلادك. فإن قتلني كان يكون قتلي على يد مشرك (3)، وإن أمنني ولم يقتلني لم أخرج من بلادهم أبدا ما دام صاحبك في الحياة؛ وإن أمت قبله رجوت أن يقبل الله عذري ويعلم أني (4) لم أختر دار الشرك على دار الإسلام إلا أنه حيل بيني وبين ذلك في أني فررت من العذاب أو (5) القتل، فإن رأيت وفقك الله أن لا تعجل وتنظر فيما سألتك وتعرضه على قلبك، فإنك إن كنت محتاجا/إلى رضى هارون فإنك محتاج إلى رضى الرحمن، فانظر لنفسك قبل يوم الحسرة (6) والندامة فإن نعيم الدنيا وشيكا سيزول عنك وعن صاحبك فاشتر من الله نفسك بإحياء نفس من ذرية رسول الله تستوجب بذلك (7) عند الله الزلفى وحسن المآب، واحذر أن تلقى الله بدمي مع معرفتك بأني محرج مظلوم لا ناصر لي إلا الله، وكفى بالله من الظالمين منتقما. قال: فأمر جعفر برد يحيى إلى الحبس ووقع كلامه في قلبه فلما كان بالليل أرسل إلى يحيى فقال: إن كلامك قد وقع في قلبي وإن قبلي للناس (1) مظالم كثيرة وإن لي من المظالم الكبار والذنوب العظام الموبقات (2) ما لا أطمع في النجاة معها (3) والمغفرة. فقال له يحيى: لا تفعل فإنه لا (4) ذنب أعظم من الشرك، وقد قال الله في محكم التنزيل للمشركين (5) الذين أسرفوا في الشرك وفي معاداة النبي وقتل أصحابه ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له (الزمر 39/ 53 - 54) فأمرهم بالإنابة والتوبة، والله تبارك وتعالى يغفر لمن تاب وإن عظم جرمه، قال: فتضمن لي المغفرة إن أنا/ خليتك؟ قال له يحيى (6): نعم أضمن على شريطة، قال له (7) جعفر: وما هي؟ قال: تتوب من كل ذنب أذنبته بينك وبين الله ثم لا تعود في ذنب أبدا، وأما الذنوب التي بينك وبين الناس، فكل مظلوم ظلمته ترد ظلامته عليه، فإنك إذا فعلت ذلك وأديت الفرائض التي لله عليك غفر الله لك، وأنا الضامن لك ذلك. قال: فعزم جعفر على تخليته وأخذ على يحيى العهود والمواثيق بأن يمضي من فوره ذلك حتى يدخل إلى بلاد الروم وأن لا يخبر أحدا باسمه ونسبه (1)، ولا يستصحب أحدا، ويقيم في بلاد الروم ما دام هارون حيا، إلا أن لا يجد سبيلا إلى بلاد الروم بوصول (2)؛ فحلف يحيى على ذلك، فحلف، وكتب له جعفر بن يحيى منشورا أن لا (3) يعرض له وأن يحتال هو بالدخول (4) إلى بلاد (5) الروم سرا وحده لأمر مهم وينفذ من يومه إذا وصل إن شاء الله وأخرجه ليلا. قال: وكان عم جعفر، محمد بن خالد بن برمك، عاملا على ثغور الروم؛ فمر يحيى من فوره (6) حتى أتى ثغر المصيصة فأخذ بها وأتي به إلى محمد بن خالد بن (7) برمك. فلما نظر إليه وتأمله قال: أنت يحيى بن عبد الله [؛ فأنكر ذلك فتهدده وضربه] (8)، فأنكر وأخفى خبره؛ وقال: هذا يحيى دفعه هارون إلى جعفر ليقتله فأطلقه وإن بلغ هارون إطلاقه كان فيه هلاك آل برمك؛ فخرج به إلى (9) هارون يطوي المنازل حتى وافاه بمكة، فدخلها ليلا ومعه سبعة أبعرة. فمضى حتى صار إلى (10) دار الفضل بن الربيع، فاستأذن عليه من ليله (11)، فقال له الفضل: تركت عملك وجئت؟ فقال: إن الأمر الذي جئت له أعظم من أن يذكر معه عملا، قال: ما هو؟ قال: هذا يحيى بن عبد الله معي. فقال [له الفضل: قد مات يحيى، فقال] (1): هذا يحيى معي-وكان الفضل عدوا للبرامكة (2) -فقال محمد بن خالد بن (3) برمك: أعلم أمير المؤمنين بمكاني وانظر لا يعلم به (4) أحد فإنه إن علم بي جعفر خفت أن يغتالني. قال: فأخبر الفضل هارون بأمر يحيى، قال: فأقلقه ذلك، فوجه إلى هرثمة فأحضر وإلى محمد بن خالد وغيرهما، فشاورهم، فقال له هرثمة: يا أمير المؤمنين إنك في موسم مثل هذا ولا آمن إن أحس جعفر بأمر يحيى وخيانته فيه استقبل وعمل في صرف الخلافة، قال: فما الرأي؟ قال (5): أن تضرب عنق هذا القادم عليك وكل من معه من الغلمان والحشم حتى لا (6) يخرج خبره (7) وتأمر بيحيى تطوي به المنازل طيا إلى بغداد (8) /وتظهر لجعفر من اللين والكرامة أضعاف ما كان عندك (9)، فإذا دخلت بغداد قتلت جعفرا وجميع البرامكة واستبدلت بهم. قال: ففعل هارون كل ما أشار به (10) عليه هرثمة إلا قتل محمد بن
خالد فإنه استبقاه؛ وقدم بغداد فقتل/جعفرا والفضل وحبس يحيى بن خالد، واستصفيت أموالهم وقتلت رجالهم، وأحضر يحيى بن عبد الله، فقال: يا يحيى لم يكفك ما عملت بي (1) حتى أفسدت علي وزرائي، والله (2) لأقتلنك قتلة تحول بينك وبين إفساد أحد علي (3). فقال له يحيى: اتق الله يا هارون وراقبه فإنك عن قليل لاقيه وهو سائلك عن نقض ما أعطيتني من العهود والمواثيق المأخوذة لي (4) عليك، فلا تك ساهيا عن عقاب الله، غافلا عن وعده ووعيده كأنك لا ترجو من الله ثوابا ولا تخشى عقابا، تعمل أعمال الفراعنة، وتبطش بطش الجبابرة، خليلك ووزيرك من اتبع هواك في معصية الله، وعدوك من دعاك إلى طاعة الله، حسبك يا مغرور ما احتملت الأوزار وارجع إلى الله فإنه يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما في الصدور. قال: فدفعه الرشيد إلى مسرور، فقال (5): يكون عندك/حتى أسألك عنه. فلما خرج إلى خراسان الخرجة الأولى نزل بقرية (6) من قرى الري يقال لها أرنبوية، أمر أن يحفر قبر (7) من ناحية المقابر ويترك. فسمعت جماعة من أهل ناحية أرنبوية، منهم: أحمد بن حمزة، والحسين بن علي بن بسطام، وغيرهم من أهل مدينة الري، والحسن (1) بن إبراهيم بن يونس، كلهم يقول ويخبر (2) عن الحفارين الذين حفروا القبر، قالوا: أمرنا أن نحفر قبرا طوله كذا وعرضه كذا، ولا نجعل له لحدا، وظننا (3) أنهم يدفنون (4) فيه مالا، فصعدنا على شجر كان في المقبرة لننظر ما يدفن، فلما مضى من الليل نصفه إذ بنفر عليهم ثياب بيض، وفارس يركض وهو يصيح: خذوه خذوه! يوهم من كان هناك أنه قد رآه؛ فسكنا (5) حتى وقفوا على القبر، فإذا رجل مكبل بالحديد على بغل، ومعهم تابوت على بغل آخر، فوضع صاحب التابوت التابوت في القبر وانصرف، وجاء القوم فأنزلوا الرجل من البغل وأدخلوه التابوت/وهو (6) يقول: يا هارون اتق الله، ما شفيك (7) قتلي دون عذابي، أي درك لك (8) في عذابي؟ فيقول (9): الملك عظيم هيبته (10)، اطرحوه الآن في التابوت! فما زال (11) يناشده الله والرحم حتى واروه التابوت (12)، ثم انصرفوا، فقلنا: والله لو لم نحضر ما كان علينا من دمه، وإن أغفلناه كنا شركاء في دمه؛ فنزلنا من الشجرة/وأخذنا المساحي، ثم عالجنا (1) حتى أخرجنا التابوت، فاستخرجناه منه وبه أدنى رمق؛ فذهبنا به إلى النهر فغسلناه في الماء حتى عادت إليه نفسه، ثم عدنا إلى القبر فسويناه كما كان، وصرنا بيحيى إلى منزلنا (2). فكتب لنا رقعة إلى يحيى بن مالك الخزاعي، فوقفنا له حتى ركب ثم دفعنا إليه الرقعة، فقال: قفوا حتى أعود؛ ثم مضى ساعة يتصيد، ثم عاد (3) فقال: أخبروني كيف كانت قصته؟ فأخبرناه، فبكى ثم دعى (4) ببدرة دنانير، فقال: ادفعوها إليه وقولوا له: قال (5) يحيى يا مولاي اطو (6) الأرض ولا تعترف إلى أحد من الناس والحق ببلاد الشرك. قال: فأتيناه بالبدرة، فأخذ منها دينارين ودفع باقي ذلك المال إلينا ومضى. قال: بعضهم (7) يقول مضى إلى بلاد الشرك (8)، وبعضهم يقول: إنه أعقب في بلاد الإسلام بعد هذا. وكان رجل يعرف بعبد الله بن منصور، وكان حبرا (9) فاضلا كثير العلم [كتب عن الناس من أهل البيت وغيرهم] (10)، قال إنه من ولد يحيى بن عبد الله، وذاك أن جده منصور البخاري أبا أمه، كان من أصحاب يحيى، فلما طلبوا وأخذ صاحب (1) يحيى فر من بخارى ونزل قومس، فلما خرج يحيى من القبر لقيه منصور وهو خارج من (2) الجبال بقومس، قال: أين تريد؟ قال: أريد أن أدخل بلاد/الشرك: تبت أو الترك، قال له منصور: لا تفعل، ولكن أقم عندي ولا نعلم أحدا (3) من خلق الله من أنت فإنك إن كتمت (4) خبرك لم تخف إن شاء الله؛ فأقام عنده وزوجه منصور ابنته، فولدت له (5) عبد الله هذا، مات بطبرستان عند الحسن بن زيد سنة تسع (6) وستين وله جماعة أولاد. وأخبرني أبو الجارود سنح بن (7) محمد التمار عن أبيه عن مشايخ آل الحسن قال (8): كان ليحيى بن عبد الله ثلاثة بنين: محمد وصالح وعبد الله، فحبسهم بكار بن مصعب الزبيري وسم منهم اثنين فماتا، وذكر قصة لمحمد/طويلة ذهبت عني. وقال: ودس الزبيري جماعة من أهل المدينة وغيرها، فادعوا على يحيى وهو في حبس هارون مالا فقضى لهم بما ادعوا وباع ضياعه وأمواله بالمدينة وأعرا منها أهله وولده، منها سهمه/بعين سويقة والسانه (9) والسائرة والمضيق والعيص (10) وينبع، وباع عليه عمير (11) وتسمى وس (1) وهي اليوم في يد آل جعفر بن إبي طالب. وقد أخبرني أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن عبد الله قريبا من هذا، إلا أني أوعى لخبر أبي الجارود من خبر محمد (2). تم خبر (3) الحسين بن علي صاحب فخ وأخبار يحيى بن عبد الله رحمة الله عليهم (4) جميعا، والحمد (5) وحده وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله وسلامه (6).