الرسالة الأولى خطرة الطيف في رحلة الشتاء والصيف
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على مولانا محمد وآله وصحبه
خطرة الطيف في رحلة الشتاء والصيف
للكاتب والأديب الناظم الناثر ذي الوزارتين
أبي عبد الله بن الخطيب
تغمده الله برحمته بمنه وكرمه (47)(48)
(لوحة 51) نحمد الله حمد معترف بحقه، ونشكره على عوائد فضله ورفقه، الذي جعل لنا الأرض ذلولا نمشي في مناكبها، ونأكل من رزقه،
ونصلي على سيدنا ومولانا محمد خيرته من خلقه، ونستوهب للمقام المولوي اليوسفي النصري سعدا يتلألأ نور أفقه، ونصرا يتلى بغرب المعمور وشرقه.
(ونقول) (49).
وقائلة صف لي فديتك رحلة %~% عنيت بها يا شقة القلب من بعد
فقلت خذيها من لسان بلاغة %~% كما نظم الياقوت والدر في عقد
لما وقع العزم الذي وفقه (50) الله على مصالح هذه الجزيرة، والقصد المعرب عن كريم العقيدة وفضل السريرة، على تفقد بلادها وأقطارها، وتمهيد أوطانها، وتيسير أوطارها، رأى من قلده الله أمورها، ووكل إلى حمايته ثغورها، مولانا وعصمة ديننا ودنيانا أمير المسلمين وظل الله على العالمين أبو الحجاج (51) بن مولانا أمير المسلمين وكبير الملوك العادلين (52) الصالحين أبي الوليد (53) إسماعيل بن (54) مولانا الهمام الأعلى، الذي تروى مفاخره وتتلى، أبي سعيد (55) حفظ الله منه على الأيام بحر الندى، وبدر المنتدى، وسابق الفخر البعيد المدى (56) وشمله برواق عصمته كلما راح واغتدى، أن يباشرها بنفسه، ويجعل آفاقها مطالع شمسه، نظرا للإسلام وقياما بحقه، وعملا على ما يقربه ممن استخلفه على خلقه، في وجهة خالفها الغمام المنسجم (57)، وقصبة (58) قضى لها بالسعد من لا ينجم (59)، فكان البروز إليها (60) يوم
الأحد سابع عشر (شهر) (61) المحرم فاتح عام ثمانية وأربعين وسبعمائة.
خرجنا وصفحة الأفق بالغيم منتقبة (62) وأدمع السحب لوداعنا منسكبة نتبع من الراية الحمراء دليلا هاديا، (وتغترف من وجهتنا الجهادية سناء باديا) (63) ونثق بوعد الله سبحانه في قوله ولا يقطعون واديا. وسلكنا جادة الماء المفروش نسرح اللحاظ بين تلك العروش، ونبتذل (64) ما نحلته عروش الربيع من تلك الفروش، ومن له بالحضرة حرسها الله شوق حثيث، وهوى قديم وحديث، يكثر الالتفات، ويتذكر لما فات ويبوح بشجنه، وينشد مشيرا إلى سكنه.
يوم أزمعت عنك (65) طي البعاد %~% وعدتني عن (الوداع)
(66) العوادي
قال صحبي وقد أطلت التفاتي %~% أي شيء تركت قلت فؤادي
وربما غلبته لواعج أشواقه، وشبت زافراته عن أطواقه، فعبر عن وجده، وخاطب (الحضرة) (67) معربا عن حسن عهده:
ألا عم صباحا أيها الربع واسلم %~% ودم في جوار الله غير مذمم
ولا عدمت أرجاؤك النور إنها %~% مطالع أقماري وآفاق أنجم (68)
إذا نسى الناس العهود وأغفلوا %~% فعهدك في قلبي وذكرك في فم (69)
وإني وإن أزمعت عنك لطية %~% وقوضت رحلي عنك دون تلوم
فقلبي لك البيت العتيق مقامه %~% وشوقي إحرامي ودمعي زمزم
ثم استقلت بنا الحمول، وكان بوادي فردس (70) النزول، منزل خصيب
ومحل له (من) (71) الحسن نصيب. ولما ابتسم ثغر الصباح، وبشرت بمقدمة نسمات الرياح، الغينا (72) عمل السراج إلى الاسراج، وشرعنا في السير الدائب، وصرفنا إلى وادي آش (73) صروف الركائب. واجتزنا بوادي حمتها (74)، وقد متع النهار، وتأرجت الأزهار، فشاهدنا به معالم الأعلام، وحيينا دار حمدة بالسلام، وتذاكرنا عمارة نواديها، وتناشدنا قولها في واديها:
أباح الشوق أسراري بوادي %~% له في الحسن آثار بوادي
فمن واد يطوف بكل روض %~% ومن روض يطوف بكل وادي
ومن بين الظباء مهاة رمل %~% سبت قلبي وقد ملكت فؤادي
لها لحظ ترقده لأمر %~% وذاك الأمر يمنعني رقادي
كأن البدر مات له شقيق %~% فمن حزن تسربل بالحداد (75)
واستقبلنا البلدة حرسها الله في تبريز سلب الأعياد احتفالها، وغصبها حسنها، وجمالها نادي بأهل المدينة، موعدكم يوم الزينة، فسمحت الحجال برباتها، والقلوب بحباتها، والمقاصر بحورها، والمنازل ببدورها. فرأينا تزاحم الكواكب بالمناكب وتدافع البدور بالصدور بيضاء كأسراب الحمائم،
ملتفعات بروضهن تلفع الأزهار بالكمائم (76)، حتى (إذا) (77) قضى القوم من سلامهم على إمامهم فرضا، واستوفينا (78) أعيانهم تمييزا وعرضا،
خيمنا ببعض (رباها (79) المطلة) (80)، وسرحنا العيون في تلك العمالة المغلة، والزروع المستغلة، فحباها الله من بلدة (أنيقة) (81) الساحة، (رحبة المساحة) (82)، نهرها مطرد، وطائرها غرد، تبكي السحاب فيضحك نورها ويدندن النسيم فترقص (83) حورها.
بلد أعارته الحمامة طوقها %~% وكساه حسن جناحه الطاووس (84)
فكأنما الأنهار فيه مدامة %~% وكأن ساحات الديار كؤوس
معقلها بادي الجهامة (85)، تلوح عليه سمة الشهامة، نفقت سوق النفاق دهرا، وخطبها الملوك فلم ترض إلا النفوس مهرا، طالما تعرفت وتنكرت، وحجتها نعم الأيالة النصرية فأنكرت، ومسها طائف من الشيطان ثم تذكرت، فالحمد لله الذي أن (86) هداها بعد أن تبت يداها، فجف من فتنتها ما نبع، وانقادت إلى الحق والحق أحق أن يتبع، وتنافس أهلها في البر الكفيل، والقرى الجميل (87) فبتنا نثني على مكارمهم الوافية، وفواضلهم (الكافية) (88) ولم نحفل بقول (ابن) (89) أبي العافيه: (54)
إذا ما مررت بوادي الأشا %~% فقل رب من لدغة سلم
وكيف السلامة في منزل %~% فيه (90) عصبة من بنى أرقم
ولما فاض نهر الصباح على البطاح ونادى منادي الصلاة على الفلاح،
قدمنا الرواحل (91) لارتياد منزل، وقمنا (92) عن اتباع آثارها بمعزل نظرا للمدينة في مهمات الأمور. وكان اللحاق بغور (93)، من بعض تلك الثغور، أتيناها والنفوس مستبشرة، والقباب لأهلها منتظرة، فحمدنا الله على كمال العافية، وقلنا في غرض تجنيس القافية:
ولما اجتلينا من نجوم قبابنا %~% سنا كل خفاق الرواق بغور
زرينا على شهب السماء بشهبها %~% متى شئت يا زهر الثواقب غور (94)
أطلتنا بها ليلة شاتية، والحفتنا أنواء الأرض مراثية (95) فلما شاب مفرق الليل، وشمرت (96) والآفاق من بزتها العباسية (97) فضول الذيل، بكرنا نغتم أيام التشريق، وندوس بأرجلنا حيات الطريق. وجزنا في كنف اليمن والقبول بحصن الببول (98)، حسنة الدولة (اليوسفية) (99)، وإحدى اللطائف (100) الخفية، تكفل الرفاق بمأمنها، وفضح سرية العدو في مكمنها من أبيض كالغارة (101) ضمن الفوز في تلك المفازة (102) فحييناه بأيمن طير وتمثلنا عنده (103) بقول زهير:
وسكنتها حتى اذا هبت الصبا %~% بنعمان لم تهتز في الأيك أغصان
ولم تك (104) فيها مقلة تعرف الكرى %~% فإن (105) زارها طيف مضى وهو غضبان
وكان ملقى الحران منابت الزعفران بسطة (106) حرسها الله، وما بسطة محل خصيب، وبلدة لها من اسمها نصيب، بحر الطعام، وينبوع العيون المتعددة بتعدد أيام العام. ومعدن ما زين للناس حبه من الحرث والأنعام.
يالها من عقيلة، صفحتها صقيلة، وخريدة، محاسنها فريدة، وعشيقة (نزعاتها) (107) رشيقة، لبست حلي (108) الديباج الموشى، مفضضة بلجين الضحى، مذهبة بنضار العشا (109)، وسفرت عن المنظر البهي، وتبسمت عن الشنب الشهي وتباهت بحصونها مباهاة الشجرة الشماء بغصونها، فوقع النفير وتسابق إلى لقائنا الجم الغفير، مثل الفرسان صفا، وانتشر الرجل جناحا ملتفا (110)، واختلط الولدان بالولائد، والتمائم بالقلائد في حفل سلب النهى (111) وجمع البدر والسهى، والضراغم والمها، وألف بين القاني والفاقع، وسد بالمحاجر كوى البراقع، فلا أقسم بهذا البلد وحسن منظره الذي يشفى من الكمد لو نظر الشاعر إلى نوره المتألق لآثرها بقوله في صفة بلاد جلق:
بلاد بها الحصباء در وتربها %~% عبير وأنفاس الرياح شمول
تسلسل منها ماؤها وهو مطلق %~% وصح نسيم الروض وهو عليل
رمت إلى غرض الفخر بالسهم المصيب، وأخذت من أقسام الفضل بأوفى نصيب، وكفاها بمسجد الجنة دليلا على البركة، وبباب المسك عنوانا على الطيب يغمر من القرى موج كموج البحر. إلا أن الرياح لاعبتنا ملاعبة الصراع، وكدرت القرى بالقراع، فلقينا من الريح ما يلقاه قلب المتيم من التبريح، وكلما شكت إليها المضارب شكوى الجريح، تركتها بين المائل والطريح.
ولما توسط الواقع، والتقمت (112) أنجم الغرب (113) المواقع، صدقتنا (114) الريح الكرة، وجادتنا الغمائم (115) كل عين ثرة (116)، حتى جهلت الأوقات، واستراب الثقات، فتستر الفجر بنقابه، وانحجز (117) السرحان في غابه، وكان أداء الواجب بعد خروج الحاجب، وارتحلنا (118) وقد أذن الله للسماء فأصحت، وللغيوم فتنحت (119)، وللريح فلانت بعد ما ألحت، وساعد التيسير، وكان على طريق قنالش (120) المسير، كبرى بناتها وشبيهتها في جداولها وجناتها، ما شئت من أدواح توشحت بالنور وتتوجت وغدران زرع هبت عليها الصبا فتموجت، سفر بها الشقيق الأرجواني عن خدود الغواني، فأجلنا العيون في رياض، وتذكرنا قول القاضي عياض:
انظر إلى الزرع وخاماته يحك %~% ي وقد ماس أمام الرياح
كتيبة خضراء مهزومة %~% شقائق النعمان فيها جراح
مثل أهلها فسلموا، ومن عدم النزول بهم تألموا. وأتينا فحص الأنصار فتجددت له ملابس المجادة، وتذكر عهود من حل به عند الفتح الأول من السادة، ولما خفقت به راية سعد بن عبادة (121) ولم تزل الركائب تفلي الفلاة فرى الأديم، وأهلة السنابك صيرها السير كالعرجون القديم، حتى ألحفتنا شجرات المصنبر بشذاها المعنبر (122) وراقتنا بحسن ذلك المنظر سوار مصفوفة،
وأعلام خضر ملفوفة، ونخل يانعة البسوق، وعذاري كشفت (123) حللها (124) الخضر عن السوق، كأنها شمرت الأذيال (125) لتعبر الوادي، على عادة نساء البوادي، ينساب بينها الزلال المروق، ويغني فوقها الحمام المطوق، فتهيج الجوي وتجدد عهود الهوى (126)، صبحتنا بها أصوات تلك القماري، وأذكرتنا قول ابن حصن الحجاري:
وما راعني إلا ابن ورقاء هاتف %~% على قنن بين الجزيرة والنهر
أدار على الياقوت أجفان لؤلؤ %~% وصاغ على المرجان طوقا من التبر
حديد شبا المنقار داج كأنه %~% شبا قلم من فضة مد في حبري (127)
توسد من عود (128) الأراك %~% ومال على طي الجناح مع الفجر (129)
ولما رأى دمعي مراقا أرابه %~% بكائي فاستولى على الغصن النضر
وحث (130) جناحيه وصفق طائرا %~% فطار بقلبي حيث طار ولا أدري
(مفستق طوق الأزودي كلكل %~% موشى الطلى إحدى القوادم والظهر) (131)
ونزلنا بظاهر حصن شيرون (132)، وقد ترعرع شباب اليوم، وطالبنا غريم الظهيرة بمنكسر فرض النوم، حصن أشم، ومناخ لا يذم. نزلنا الهضبة بإزائه، وغمرنا من بره ما عجزنا عن جزائه، وعثرنا بين المضارب، ببعض العقارب، سود الرؤوس، متوجة بأذنابها في شكل الطاووس، فتلقينا ذلك بسعة الصدر وقلنا العقرب من منازل البدر. ورحلنا بمثل تلك
الصورة، نلتحف ظلال وادي المنصورة (133)، سمر الأندية، وسلطان الأودية. يا لها من أرائك مهدلة السجوف (134)، وجنات دانية القطوف، ينساب بينها للعذب الزلال، أرقم سريع الانسلال (135)، وصارم (136) يغمد في جفون الظلال، يتلاعب بين أيدينا شمالا ويمينا، فطورا عصباه ثعبانا، وآونة تنعطف (137) صولجانا، وتارة تستدير أفلاكا، وربما نسجت منه أيدي الرياح شباكا (138)، وأم حسن فيه ذات لسن، تبعث بنغماتها لواعج الشجون (139)، وتقيم دين ابنها (140) في الخلاعة والمجون. وسرنا ودر الحصى بساط الأرجل ركابنا، ودنانير أبي الطيب تنثر فوق أثوابنا، ترقب نجوم القلاع والحصون، من خلل سحاب الغصون. والنساء (141) إلى مشاهدة التبزير قد حفت، وبشاطئ الوادي قد صفت، قد أبرزن (142) الثنايا (ببروق الثنايا) (143)، وسددن سهام المنايا، عن حواجب كالحنايا، يشغلن (58) الفتى (144) عن شؤونه، ويسلبن الروض لين ... مونه، هذا (145) خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه.
وطالعنا برشانة (146) حرسها الله، فحيتنا ببواكر الورد، ونضت عنا برود
( Simonet: Descripcion del reino de Granada P. 111 )
البرد، وشملتنا بالهواء المعتدل، وأظلتنا برواقها المنسدل. بلد أعيان وصدور، ومطلع نجوم وبدور، وقلعة سامية الجلال، مختمة بالكواكب متوجة بالهلال. حللناها في التبريز الحفيل، والمشهد الجامع بين الذرة (147) والفيل، حشر أهلها بين دان ونازح، ومثل حاميتها من نابل ورامح، فكان ذلك المجتمع عيدا، وموسما سعيدا (148)، وبتنا في ليلة للأنس جامعة، ولداع السرور سامعة. حتى إذا الفجر تبلج، والصبح من باب المشرق تولج، سرنا وتوفيق الله قائد، ولنا من عنايته صلة وعائد، تتلقى ركابنا الأفواج، وتحيينا الهضاب والفجاج إلى قتوريه (149)، (حرسها الله) (150)، فناهيك من مرحلة قصيرة كأيام الوصال، قريبة البكر من الآصال. كان المبيت بإزاء قلعتها السامية الارتفاع، الشهيرة الامتناع، وقد برز أهلها في العديد والعدة، والاحتفال الذي قدم به العهد على طول المدة، صفوفا بتلك البقعة، خيلا ورجلا كشطرنج الرقعة، لم يتخلف ولد عن والد، وركب قاضيها ابن أبي خالد (151)، وقد شهرته النزعة الحجازية، ولبس من حسن الحجى زية (152)، وأرمى من البياض طيلسانا وصبغ لحيته بالحناء والكتم، ولاث عمامته واختتم، والبداوة تسمه على الخرطوم، وطبع الماء والهواء يقوده قود الجمل المخطوم، فداعبته مداعبة الأديب للأديب، وخيرته بين خصلتي الذيب، وقلت نظمت مقطوعتين إحداهما مدح والأخرى قدح، فإن همت ديمتك وكرمت شيمتك فللذين أحسنوا الحسنى وإلا فالمثل الأدنى.
فقال أنشدني لأرى على أي الأمرين أثب، وأفرق بين ما أجتني (وما) (153) أجتنب، فقلت:
قالوا وقد عظمت مبرة خالد %~% قاري الضيوف بطارف وبتالد
ماذا أتمت (154) به فجئت بحجة %~% قطعت بكل مجادل ومجالد
إن يفترق نسب يؤلف (155) بيننا %~% أدب أقمناه مقام الوالد
وأما الثانية فيكفي من البارق شعاعه، وحسبك من شر سماعه، ويسير (156) التنبيه كاف للنبيه. فقال: لست إلى قراي بذي حاجة، وإذا عزمت فأصالحك على دجاجة، فقلت: ضريبة غريبة، ومؤونة قريبة، عجل ولا تؤجل، وإن انصرم أمد النهار فأسجل. فلم يكن إلا كلا ولا، وأعوانه من القلعة تنحدر، والبشير منهم بقدومها يبتدر، يزفونها كالعروس فوق الرؤوس، فمن قائل أمها البجابيه، وقائل أخوها الخصي الموجه إلى الحضرة العليه. وأدنوا مربطها من المضرب عند صلاة لمغرب، والحفوا في السؤال وتشططوا في طلب النوال فقلت يا بني اللكيعة، ولو جئتم ببازي بماذا كنت أجازي، فانصرفوا وما كادوا يفعلون، وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون حتى إذا سلت لذكاتها المدى، وبلغ من عمرها المدى، قلت: يا قوم، ظفرتم بقرة العين، وابشروا باقتراب اللقاء فقد ذبحت لكم غراب البين. وكانت البلاد الشرقية قد أخلفتها الغيوث وعدت عليها للعدو الليوث، فحيتنا على الشحط، وشكت إلى سعادة مقدمنا معرة القحط.
فظهرت مخيلة السعد، فأذن الله في إنجاز الوعد، وقربت غريم الغمائم (157) في المقام أعوان الرعد، فاعترف (60) وسمح وانقاد لحكم القضاء بعد ما جمح. ولم يسلم (158) بكيف ولا حتى، وقضاها
المدين (159) في دفع شتى. هذا وإن كان إنما وإن عزم، وأمده كاد أن ينصرم، فمنفعته بحول الله كبرى، وفيه مآرب أخرى. فتنفس صدر الجو وزفر، وقطب وجهه بعد ما سفر، وسح (160) الغمام وانسكب، وارتكب (161) من أمر الهنا (162) ما ارتكب فلم تجف له قطره، ولا خطرت بباله للصحو خطره، فسئمنا ذلك العارض الهطال (163)، وسهرنا الليل وقد طال، وما راعنا والصبح قد نم من خلف الحجاب، وقضيته قد انتقلت من السلب (164) إلى الإيجاب، والغمام لا يفتر انسكابه إلا السلطان قد ارتحل ركابه. فضربنا بالقباب وجه الصعيد، واستقبلنا طية الغرض البعيد، نهيم في ذلك الوادي، ونكرع من أطواقنا في غدران الغوادي وقد تهدلت الفروع، وخضلت بالغيث تلك الزروع كأنما أخلفتها (165) الريح فترامت، وسقتها (166) كؤوس السحب حتى سكرت ونامت، والمذانب (167) أمثال الصلال قد تفرعت وكأنما رعناها (168) فانسابت أمامنا وأسرعت، ومخيلة الصحو لا تتوسم والجو تستضحكه بشأننا فلا يتبسم. ومررنا بوادي المنصورة التي نسب الوادي إليها، وعرضت مراكب تياره بين يديها وأطلالها بالية. وبيوتها خاوية خالية، ومسجدها بادي الاستكانة خاضع للبلى على سمو المكانة، فعبرنا واعتبرنا وأبصرنا فاستبصرنا (169) وقول أبي الطيب (170) قد تذكرنا (171):
أين الذي الهرمان من بنيانه %~% ما قومه ما يومه ما المصرع
تتخلف الآثار عن أصحابها %~% حينا ويدركها الفناء (172) فتتبع
ثم بدلنا (173) ذلك الوادي بالعراء، واستقبلنا أرضا شبيهة بالصحراء ملاعب للريح، ومنابت للسدر (174) والشيح، سحبت بها عين السحاب فضول (175) الذيل، وطفف الغمام في الكيل، وغار النور، وفار التنور، وفاضت السماء، والتقى الماء، فالركائب تسبح سبح الأساطيل، والأرجل تزهق زهوق الأباطيل، والمبارك تعدي، والأدلة لا تهتدي، واللباس قد غير الطين من شكله، والإنسان قد رجع من الماء والحمأ (176) إلى أصله.
وخيمنا في بيره (177)، حرسها الله بالثغر الأقصى ومحل الرباط الذي أجر ساكنه لا يحصى. بلدة عدوها متعقب، وساكنها خائف مترقب، مسرحة بعير ومزرعة شعير، إذا شكرت الوابل، انبتت حبها سبع سنابل، ونجادها بالهشيم قد شابت، وزروعها قد دعا بها الفصل فما ارتابت، ونداء وآتوا حقه يوم حصاده أجابت. أرحنا بها يوما صحا فيه الجو من سكرته، وأفاق من عمرته، فقيل للنفوس شأنك ودمائك (178) ويا أرض ابلعي ماءك.
وتجلت عقيلة الشمس معتذرة عن مغيبها مغتنمة غفلة رقيبها.
ورحلنا من الغد وشمل الأنواء غير مجتمع، والجو قد أنصت كأنه يستمع، بعد أن تمخض (179) الرأي (180) عن زبدته، واستدعي من الأدلاء من
وثق بنجدته، وكثر المستشار، ووقع على طريق قيشر (181) الاختيار، وانتدب من الفريق، إلى دلالة تلك الطريق، رجل ذو احتيال، يعرف بابن هلال، استقبل بنا شعبا مقفلا (182)، ومسلكا (61) مغفلا (183)، وسلما حرج (184) الدرج، سامي المنعرج، تزلق الذر (185) في حافاته، وتراع القلوب لتوقع (186) آفاته، ويتمثل الصراط عند صفاته. أو عار لا تتخلص (187) منها الأوعال، ولا تغنى السنابك فيها ولا النعال. قطعنا بياض اليوم في تسنم جبالها، والتخبط في حبالها، نهوي (188) من شاهق إلى وهد، ونخوض (189) كل مشقة وجهد، كأننا في حلم محموم، أو أفكار مغموم (أو برشام نوم) (190).
ولما طال مرام العروج إلى جو السماء ذات البروج، قلت يا قوم انظروا لأنفسكم فيما أصبحتم فيه، واعلموا أن دليلكم ابن هلال عزم على اللحاق بأبيه، ثم أخذنا في الانحدار بأسرع الابتدار نهوى من (191) المرقب السامي الذرى ونهبط من الثريا إلى الثرى، ونتمثل في ذلك المسلك الواعر، بقول الشاعر:
بطريق بيرة (192) أجبل وعقاب %~% لا يرتجي
(193) فيها النجاة عقاب
فكأنما الماشي عليها مذنب %~% وكأنما تلك العقاب عقاب
(حتى (194) إذا استوينا على صفحة الأرض، وتذكرنا بذلك الصراط يوم العرض، تخلصنا من السبيل الوبيل، وانتقلنا الهمز إلى التسهيل، ونزلنا والركائب قد كلت، والمتاعب قد حلت، فكانت مواقد النيران، بوادي العبران، بقعة جديبة المرعى، معدن لكل عقرب تدب وحية تسعى غير أن الله دفع مضرتها، وكفى ببركة الأيالة اليوسفية معرتها).
ولما أصبح استقبلنا الفحص الأفيح، بساط ممدود الصرح، يعجز عن وصفه لسان الشرح، طاردنا قنيصه (195) على طول صحبته للأمان، من حوادث الزمان. فأثرنا (196) كل ذلق المسامع، ناء عن إدراك المطالع، كثير النفار (197)، مصطبر على سكنى القفار، يختال في الفروة اللدنة الحواشي، وينتسب إلى الطائر والماشي، فغلبناه (198) (62) على نفسه، وسلطنا عليه آفة من جنسه، وحللنا مقادة كل طويل الباع، رحب الذراع، بادي النحول، طالب بالدخول، كأنه لفرط النحول عاشق، أو نون أجادها ماشق، أو هلال سرار، أو قطعة سوار (199)، أو خبية (200) أسرار (201) رمينا (202) منه (203) بأجله على عجله، وقطعنا به عن أمله، فأصبح رهين هوان مطرقا بأرجوان.
ووصلنا الخطا (204) بين مجاثم (205) الأرانب، وأفاحيص القطا في فحص (206)
يتلقى الساير بترحيب واصل (207) إلى اشكوذر (208) حللناها والنهار (209) غض الشبيبة، والجو يختال من مذهب سناه في الحلي العجيبة.
واستقبلنا المرية (210)، عصمها الله، في يوم سطعت أشعة سعده، وتكفل الدهر (211) بإنجاز وعده، مثل (212) أهلها بجمعهم في صعيد سعيد (213)، ويدعوهم عيد عهدهم به بعيد، فلم يبق حجاب إلا رفع، ولا عذر إلا دفع، ولا فرد إلا شفع في يوم نادي بالجمهور إلى الموقف المشهور، وأذن الله لشهره بالظهور على ما تقدمه من الشهور، رمت البلدة فيه بأفلاذها وقذفت بثباتها وأفذاذها، وبرز أهلها حتى غص بهم سهلها وقد أخذهم الترتيب، ونظمهم المصف العجيب، تقدمت مواكب (214) الأشياخ الجلة، والفقهاء الذين هم سرج الملة، وخفقت أصناف البنود المطلة، واتسقت الجموع التي لا تؤتي بحول الله من القلة، وتعددت بمناكب البدور أشكال الأهلة، في جموع تسد مهبات (215) الصبا، وتكاثر رجل الدبا (216)، صفوفا كصفوف الشطرنج على أعناقهم قسي الفرنج، وقد نشروا البنود الشهيرة الألوان واستشعروا في يوم السلم شعار الحرب العوان، يتسابقون من الاحتفال إلى غايه، ويرجع كل منهم إلى شعار وإلى رايه، وقد أحسنوا
بالمشيخة الاقتداء، ورفعوا بالسلام النداء.
وامتاز خدام الأساطيل المنصورة في أحسن الصورة، بين أيديهم الطبول والأبواق تروع أصواتها وتهول. وتأنق من تجار الروم من استخلص العدل هواه، وتساوى سره ونجواه، في طرق من البر ابتدعوها، وأبواب من الاحتفاء شرعوها، فرفعوا فوق الركاب المولوي على عمد الساج، مظله من الديباج، كانت على قمر العلياء غمامه، وعلى زهر المجد كمامه، فراقتنا بحسن المعاني، وأذكرتنا قول أبي القاسم ابن هاني:
وعلى أمير المسلمين غمامه %~% نشأت تظلل وجهه (217) تظليلا
نهضت بعبء الدر ضوعف نسجه %~% وجرت عليه عسجدا محلولا
إلى غير ذلك من أروقة عقدوها، وكرامة أعدوها. وطلعت في سماء البحر أهلة الشواني، كأنها حواجب الغواني، حالكة الأديم، متسربلة بالليل البهيم، تتزاحم (218) وفودها على الشط، كما تتدخل النونات (219) في الخط، فياله من منظر بديع الجمال، أخذ بعنان الكمال، بكر الزمان، وآية من آيات الرحمن، حتى إذا هالة القبة استدارت، وبالقمر السعد من وجه السلطان، أيده الله، أنارت، مثلوا فسلموا، وطافوا بركن مقامه واستلموا، وأجهروا بالتلبية، ونظروا، من وجهه (220) الجميل إلى سعد الأخبية، وتزاحم من النساء الأفواج، كما تتدافع الأمواج، فرفع الجناح، وخفض الجناح، ومهد لهن سبيل العطف، وشملهن كنف الإشفاق واللطف. ولما أرحنا واسترحنا، والعيون في تلك البلدة سرحنا، رأينا قيد البصر، والمحاسن التي ترمي اللسان (221) بالحصر، حضرة يستقبل (222) بها الملك، ومربع يلتقي به القطار والفلك، رفعت راية الشرف القديم، وحازت على نظرائها مزية
التقديم، ما شئت من ساحة طيبة الأديم، رحيبة كصدر الحليم، متناسبة الوضع بتقدير العزيز العليم، تبرجت تبرج العقيلة، ونظرت وجهها من البحر في المرآة الصقيلة.
وركب السلطان أيده الله ثالث يوم وروده إلى مشاهدة قلعتها الشماء، المتعلقة بعنان السماء، فقدح سكانها زناد البارق المتألق، وتلعب صبيانها (223) على جناح الطائر المحلق، وعلى سمو مكانها وجلالة شأنها، فدولابها (224) شجى المزمار (225)، ومياهها في انهمار، وخزائنها (226) تستغرق (227) طول (228) الأعمار، وعددها كفيلة لحماية الذمار، فعوذناها من كل خطب فادح، وحيينا بها بهو خيران
الخير قد أوفى بعهدك خيران %~% وبشراك قد آواك عز وسلطان
(229) وقصر ابن صمادح (230) ونظرنا إلى تلك الآثار
الخير قد أوفى بعهدك خيران %~% وبشراك قد آواك عز وسلطان
الكبار، والمشاهدة (231) التي تغني عن الأخبار، أشرقت العدو بريقه، وسطت بفريقه، وأخذت عليه فيها يد الله ثنايا طريقه، وخص المولى أيده الله قائدها بتشريفه (232) وترفيعه، وتناول بيده الكريمة من صنيعه، في مجلس احتفى (233) واحتفل، وفي حلل الكمال رفل، وأخذت مجالسها الخاصة والكبراء (234) وأنشد الشعراء (235)، فكان (236) مقاما جليلا وعلى الهمم العربية والشيم الملوكية دليلا.
وكان الرحيل عن تلك المدينة لا عن ملال، ولا عن (237) ذم (238) خلال، ولكن مقام بلغ أمدا (239)، ورحلة انتهت إلى مدى (240).
أقمنا بها يوما ويوما وثالثا %~% ويوم (241) له يوم الترحل خامس
فيالها من خمسة علقها الدهر تميمة على نحره، وأثبتها معوذة في قرآن فخره. كانت لياليها معطرة النواسم، وأيامها كأيام المواسم.
وثنينا الأعنة إلى الإياب، وصرفنا إلى أوطاننا صدور الركاب، فكم من قلب لرحيلنا وجب، لما استقل ووجب، ودمع لوداعنا عظم انسكابه، لما رمت للبين ركابه، وصبر أصبح من قبيل (242) المحال عند زم الرحال، وإلف أنشد بلسان النطق والحال:
( Antonio Prietoy Vives: Los Reyes de Taifas Madrid 6291
ومضى وخلف في فؤادي لوعة %~% تركته موقوتا على أوجاعه
لم استتم سلامه لقدومه (243) %~% حتى ابتدأت عناقه لوداعه
وانصرفنا (244) وعروشها تتعلق بأذيالنا، ومخاضات (245) واديها تعترض صدور رجالنا (246)، ورياحها تدافعنا (247) عن المسير ومعالمها تقنع من إلمامنا ولو باليسير.
واستقبلنا وادي بجانه (248) وما أدراك ما هو، النهر السيال، والغصن المياد الميال، والأفياء والظلال.
المسك ما فت في جنباته، والسندس ما حاكته يد جناته، نعمة واسعة، وماجدة جامعة أزرت بالغوطتين زياتينه وأعنابه وسخرت بشعب بوان شعائبه بحيث لا تبدو (249) للشمس آيات (250) ولا تتأتى للحرباء حيات (251). والريح تلوى أعطاف غصون البان على أرداف الكتان (252)، وتجاذب عرايش (253) الخمائل، فضول (254) الغلائل، إلى مرشانة (255) وهي الكوكب الأعلى، والأشهب المحلى، والصباح إذا تجلى، والعروس على المنصة تجلى، وبها حلت
الغيوم سموطها (256)، ومدت عناكب (257) السحاب خيوطها (258)، فبتنا وعيون المزن باكية، والمنازل من توقع فراقنا (259) شاكية (واستقبلنا (260) الوادي نجعله دليل تلك الطريق، ونتبعه (261) في السعة والضيق، فكم مخاضة منه عبرنا، وعلى مشقتها (262) صبرنا، حتى قطرت الأذيال والأردان، وشكت أذى الماء الأبدان، وتوفرت ذو الضجر، لملازمة الماء والحجر، ونسينا بمعاناته ألم البعاد، وذكرنا ببرده وإعادته مثلهم في الحديث المعاد، اللهم غفرا فضله مديد، ومنظرا في الحسن فريد، وقد راق شأنه، وتصاف على الشط سكانه، فرأينا الحور تحت سماط الحور، والنور فوق بساط النور.
ولما كان عمر اليوم ينتصف، وقد بلونا من بعد المشقة ما لا نصف، وتخلصنا من ذاك الكمد، شارفنا دار عبلة (263) العلياء في السند). واستقبلنا عبلة ولورسانة (264)، وأنخنا الركائب (265) بطاهر (266) فنيانة (267)، بقعة حظها من النعم موفور، وبلدة طيبة ورب غفور، حللناها ومنادى (268) العجماء يعرب، والشمس يراودها المغرب، وقد عظم (أثر) (269) الهياط والمياط،
وسطا (270) الكلال بالنشاط. وبتنا والشيح وسائد مضاجعنا، وشكوى التعب حلم هاجعنا.
واستقبلنا المنهج (271) الأمثل (272)، والسهل الذي يضرب به المثل، بساط ممدود، ومن البحور (273) الأرضية (274) معدود، ولم يكن إلا كخطفة بارق، أو خلسة سارق، حتى تقلص الظل وطوى منشوره طي السجل.
واستقبلنا مدينة وادي آش حرسها الله، وقد راجعت الالتفات، واستدركت ما فات، فتجلت المخدرات، وقذفت بمن (275) اشتملت عليه الجدرات، وتنافس أهلها في العدة والعديد، واتخاذ شكك (276) الحديد، فضاق رحب المجال، واختلط النساء بالرجال، والتف أرباب الحجا بربات الحجال، فلم نفرق (277) بين السلاح والعيون الملاح، ولا بين حمر البنود (278) وحمر الخدود، وبتنا بإزائها ونعم الله كافله، ونفوسنا في حلل السرور رافلة. حتى إذا ظل الليل (279) تقلص، وحمام الصبح من مخالب غرابه (280) قد (281) تخلص، سرنا (282) وعناية الله ضافية، ونعمه وافية.
فنزلنا بوادي فردس (283)، منازلنا المعتادة، وقلنا رجع الحديث إلى قتادة، وبها تلاحقت وفود التهاني، وسفرت وجوه الأماني. نزلنا منه بالمروج
فتفتحت بها أزهار القباب البيض في بساطها (284) العريض، وخطرت ببالي مقطوعة في مخاطبة المولى أنجح الله عمله ويسر من فضله أمله، أثبتها على حكم الاستعجال. وأوصفت (285) على بيوتها خيل (286) الارتجال:
إذا سرت سار النور حيث تعوج %~% كأنك بدر والبلاد بروج
لك الله من بدر على أفق العلا %~% يلوح وبحر بالنوال يموج
تفقدت أحوال الثغور بنية %~% لها نحو أبواب القبول (287) عروج
وسكنتها بالقرب منك ولم تزل %~% تهيم هوى من قبله وتهيج
مررت على وعد من الغيث بينها %~% فمنظرها بعد العبوس بهيج
فكم قلعة قد كلل النور تاجها %~% ورف عليها (288) للنبات نسيج
ولا نجد إلا روضة وحديقة %~% ولا غور إلا جدول وخليج
أيوسف دم للدين تحمى ذماره %~% إذا كان للخطب الأبي ولوج
بفتية صدق إن دجا ليل حادث %~% فهم سرج آفاقهن سروج
بقيت قرير العين ما ذر شارق (289) %~% وما طاف بالبيت العتيق حجيج
وبتنا نتعلق بأنفاس (290) الحضرة العاطرة، ونستظل بسمائها الماطرة، ونعلن بالاستبشار (291)، ونحن إلى الأهل حنين العشار:
وأبرح (292) ما يكون الشوق يوما %~% إذا دنت الديار من الديار
فلما تبسم زنجي الليل عن ثغر الفجر، وشب وليد الصبح (293) عن عقد الحجر، ولحظتنا ذكاء بطرفها الأرمد، وقد بقي (294) الليل فيه بقية
الإثمد، استقبلنا الحضرة حرسها الله (295) فأنست النفوس بعد اغترابها، واكتحلت العيون بإثمد ترابها، واجتلينا من فحصها الكريم الساحة، الرحب المساحة، ما يبهر العين جمالا، ويقيد الطرف يمينا وشمالا، أم البلاد والقواعد، وملجأ الأقارب والأباعد، تعدت مقعد الوقار، ونظرت إلى الأرض بعين الاحتفار، ومدت إليه البلاد أكف الافتقار، نصبت من الجبل منصة قعدت عليها، وقامت وصائف القرى في ذلك البساط بين يديها، فمن ذا يدانيها أو يداريها أو يناهضها في الفخار ويجاريها، وهي غاب الأسود، والأفق الذي نشأت فيه سحاب الجود، وطلعت به من الأمراء السعداء نجوم السعود (296)، سيدة الأمصار، أو دار الملوك من أبناء الأنصار، ومصرع الطواغيت والكفار (والغمد الذي استودع سيوف الله دامية الشفار) (297) ولله در بعض شيوخنا وقد عبر عنها ببيانه، واعتذر عن بردها في أوانه حيث يقول:
رعى الله من غرناطة متبوأ %~% يسر كئيبا أو يجير طريدا (298)
تبرم منها صاحبي عند ما رأى %~% مسالكها بالبرد عدن جليدا
هي الثغر صان الله من أهلت به %~% وما خير ثغر لا يكون برودا
Levi Provencal: Le voyage d'Ibn Battuta dans le royaume de Granada( 1631 ),
Simonet:
Pag. 812, en: Melanges Wiliam Marcais( Paris 1691 )
( Miguel lafuente Alcantara: Historia de Granada, 4 tomos )
وصلناها والجو مصقول كالفرند، والسماء كأنها لصفائها مرآة (299) الهند، أخرج الحلى من الإحقاق، وعقد أزرار الحلل على الأعناق، وأطلع أقمار الحسن على الآفاق، وأثبت فخر الحضرة بالإجماع والاحقاق، على دمشق الشام وبغداد (300) العراق.
حتى إذ بلغنا قصور الملك وانتهينا إلى واسطة السلك، وقفنا مهنئين ومسلمين، وقلنا أدخلوها بسلام آمنين. وألقت عصاها واستقر (301) بها النوى (302) كما قر عينا بالإياب المسافر. (هنا انتهى التقييد والحمد لله على ما سناه من صنع جميل، وأولاه من بلوغ تأميل. وذلك يوم الأحد الثامن لصفر عام ثمانية وأربعين وسبعمائة، والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
تمت خطرة الطيف، والحمد لله وصلى الله على مولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما طيبا) (303).
الرسالة الثانية مفاخرات مالقة وسلا
ومن ذلك ما صدر عني في مفاخرات مالقة (304) وسلا (305) بما نصه:
سألتني عرفك الله عوارف السعد المقيم، وحملني وإياك على الصراط المستقيم، المفاضلة بين مدينتي مالقه وسلا، صان الله من بهما من النسم، وحباهما (306) من فضله بأوامر القسم بعد أن رضيت بحكمي قاضيا، وبفصلي الخطة سيفا ماضيا، لاختصاصي بسكنى البلدين، وتركي فيهما الأثر للعين.
على أن التفضيل إنما يقع بين ما تشابه وتقارب، أو تشاكل وتناسب، وإلا فمتى يقع التفضيل؟ بين الناس والنسناس، والملك والخناس، وقرد الجبال وظبي الكناس؟
مالقة أرفع قدرا، وأشهر ذكرا، وأجل شأنا، وأعز مكانا، وأكرم ناسا، وأبعد التماسا، من أن تفاخر أو تطاول، أو تعارض أو تصاول، أو تراجع
أو تغاول، ولكني سأنتهي إلى غرضك، وأبين رفع مفترضك وأباين بين جوهرك وعرضك.
فنقول الأمور التي تتفاضل بها البلدان، وتتفاخر منها به الأخوان، وتعرفه حتى الولائد والولدان، هي: المنعة والصنعة والبقعة والشنعة (307) والمساكن والحضارة والعمارة والإمارة والنضارة.
فأما المنعة، فلمالقة، حرسها الله، فضل الارتفاع ومزية الامتناع أما قصبتها (308)، فاقتعدت الجبل كرسيا، ورفعها الله مكانا عليا، بعد أن ضوعفت أسوارها وأقوارها (309)، وسما بسنام الجبل المبارك منارها، وقربت أبراجها، وصوعدت أدراجها، وحصنت أبوابها، وعزز جنابها، ودار ببلدها السور والجسور، والخندق المحفور. فقلهراته (310) مدائن بذاتها، وأبوابها المغشاة بالصفائح (311) شاهد بمهارة بناتها، وهمم أمرائها وولاتها كأنها لبست الصباح سربالا (312)، أو غاصت في نهر الفلق بهاء وجمالا، أمنت من جهة البحر التقية، ودار بها من جهة البر الحفير والسلوقية (313)، لا تجد العين بها عورة تتقى، ولا ثلما منه يرتقى، إلى الربضين (314) اللذين كل واحد منهما
Dozy: Supplement aux dictionnaires Arabes I, p. 197- 297 )( Paris 7291 ( (
Guillen Robls: Malaga Musulmana Cap II. Parte 2( Malaga 0881 )
Dozy: Dictionnair detaille des noms des Vetements chez les arabes, p 202. )Amesterdam 5481 (
( Levi Provencal: La Peninsule )Iberique D apres Ar- Rawd AL- Mi tar, p. 312 note 6
مدينة حافلة، وعقيلة في حلى المحاسن رافلة.
وسلا على ما علمت، سور حقير، وقور إلى التنجيد والتشييد فقير، آطام خامله، وللرم آمله، وقصبتها بالبلد متصلة، ومن دعوى الحصانة منتصلة، سورها مفرد، لا سلوقية تقيه، وبابها مقصد لا ساتر يحميه، والماء بها معدوم، وليس له جب معلوم، ولا بئر بالعذوبة مرسوم، وفي عهد قريب استباحها الروم في اليوم الشامس، ولم ترد يد لامس، من غير منجنيق نصب، ولا تاج ملك عليها عصب، قلة سلاح وعدم فلاح، وخمول سور، واختلال أمور (315).
ومنذ سقطت دعوى المنعة، فلنرجع إلى قسم الصنعة فنقول:
مالقة، حرسها الله، طراز (316) الديباج المذهب، ومعدن صنائع الجلد المنتخب، ومذهب الفخار، المجلوب منها إلى الأقطار، ومقصر (317) المتاع المشدود (318)، ومضرب الدست المضروب، وصنعاء (319) صنائع الثياب ومحج التجار إلى الإياب، لأفعام العياب، بشهادة الحس والجن والإنس، ولا ينكر طلوع الشمس.
وأي صناعة في سلا يقصد إليها أو يعول عليها أو يطرف بها قطر بعيد، أو يتجمل بها في عيد.
ومنذ سقطت مزية الصنعة، فلنرجع إلى مزية البقعة فنقول:
خص الله مالقة بما افترق في سواها، ونشر بها المحاسن التي طواها، إذ جمعت بين رمث الرمال وخصب الجبال، وقامرة (320) الفلاحة المخصوصة بالاعتدال، والبحر العديم الصداع، الميسرة مراسية للحط والإقلاع، والصيد العميم الانتفاع، جبالها لوز وتين، وسهلها قصور وبساتين، وبحرها حيتان مرتزقة في كل حين، ومزارعها المغلة عند اشتداد السنين، وكفى بفحص قامرة (321) صادع بالبرهان المبين، وواديها الكبير عذب فرات، وأدراج مثمرات، وميدان ارتكاض، بين بحر ورياض.
وسلا بلد الرمال، ومراعي الجمال، بطيحة لا تنجب السنابل، وإن عرفت المطر الوابل، جرد الخارج، وبحرها مكفوف بالعتب والمدارج وواديها ملح المذاق، مستمد من الأجاج الزعاق، قاطع بالرقاق من الآفاق، إلى بعد الإنفاق، وتوقع الإغراق. وشابلها (322) مقصور على فصل، وكم لشوكة من شبا نصل، عدمت الفاكهة، والمتنزهات النابهة.
وإذا بان فضل البقعة، فلنلم بذكر الشنعة، وهو مما لا يحتمل فيه النزاع، ولا تغطى الأبصار وتطمس الأسماع. إذ مالقة دار الملك في الروم، ومثوى المصاعب والقروم، تشهد بذلك كتب الفتح المعلوم، وذات ملك في الإسلام عديد الجيوش خانق الأعلام، غني بالشهرة عن الأعلام، سكنها ملوك الأدارسة (323) الكرام، والصناهجة الأعلام، ثم بنو نصر أنصار الإسلام (324) وجيشها اليوم مشهور الإقدام، متعدد المئين على مر الأيام
( Simonet: Glosario de Voces Ibericas p 97 )
وتجارها تعقد لواء خالقا، وتقيم الجهاد سوقا نافقا، وتركض الخيول السابحة، وتعامل الله على الصفقة الرابحة، وكفاها أنها أم للعدة من الثغور والحصون، والمدن ذات الحمى المصون، وشجرة الفروع الكثيرة والغصون وما منها إلا معقل سام، وبلد بالخيل والرجل مترام، وغيل حام، يحتوي بها ملك باذخ، وينسق فيها للسلطان فخر شادخ.
وأين سلا من هذه المزية، والشنعة العلية، أين الجنود والبنود، والحصون تزور منها الوفود، وإن كان بعض الملوك ذهب إلى اتخاذها دارا، واستيطانها من أجل الأندلس قرارا، فلقد هم وما أتم وطلله نم.
ولنقل في الحضارة بمقتضى الشواهد المختارة، ولا كالحلى والطيب، والحلل الديباجية والجلابيب، والبساتين ذات المرأى العجيب، والقصور المبتناة بسفوح الجبال، والجنات الوارفة الظلال، والبرك الناطفة بالعذب الزلال، والملابس المختالة في أفنان الجمال، والأعراس الدالة على سعة الأحوال، والشورات المقدرات بالآلاف من الأموال.
وأما سلا، فأحوال رقيقة، وثياب في غالب الأمر خليقة، وذمم منحطة ونفقات تحصرها من التقتير خطة، ومساجد فقيرة، وقيسارية حقيرة، وزي مجلوب وحلي غير معروف ولا منسوب، تملأ مسجدها الفذ العدد والأكسية، وتعدم فيها أو تقل الطيالس والأردية، وتكثر البلغات، وتندر النعال، وتشهد بالسجية البربرية والأصوات واللغات والأقوال والأفعال.
وأما العمارة، فأين يذهب رائدها، وعلام يعول شاهدها، وما دار عليه السور متراكم متراكب، منتسجة مبانية كما تفعل العناكب، فناديقه (325)
كثيرة، ومساجده أثيرة، وأرباضه حافلة، وفي حلل الدوح رافلة، وسككه غاصة، وأسواقه بالدكاكين متراصة، أقسم لربض من أرباضها أعمر من مدينة سلا، وأبعد عن وجود الخلا، واملأ مهما ذكر الملأ، بلد منخرق منقطع منفرق، ثلثه مقبرة خالية، وثلثه خرب بالية، وبعضه أخصاص وأقفاص، ومعاطن وقلاص، وأواري بقر تحلب، ومعاطن سائمة تجلب.
وأما الإمارة، فلمالقة القدح (326) المعلى، والتاج المحلى، وهو على كل حال بالفضل الأولى، حيث مناهل المختص، والخارج الأفيح الفحص. وسلا لا تأكل إلا من غرارة جالب، لا من فلاحة كاسب. ومالقة مجتزئة بنفسها في الغالب، محسبة من شرقيها وغربيها بطلب الطالب.
وأما النضارة، فمن ادعى أنه ليس في الأرض مدينة أنضر منها جنابا، ولا أغزر منها غروسا وأعنابا، ولا آرج أزهارا ولا أضوأ نهارا، لم تكذب دعواه، ولا أزرى به هواه، إنما هي كلها روض وجابية وحوض بساتين قد رقمتها الأنهار وترنمت بها الأطيار.
وسلا بلد عديم الظلال، أجرد التلال، إذا ذهب زمن الربيع والخصب المريع، صار هشيما، وأضحى ماؤها حميما، وانقلب الفصل عذابا أليما.
أما المساكن، فحسبك ما بمالقة من قصور بيض، وملك طويل عريض جنة السيد (327)، وما أدراك ما بها من جنة دانية القطوف، سامية السقوف، ظاهرة المزية والشفوف، إلى غيرها مما يشذ عن الحصر، إلى هذا العصر.
والجنات التي ملأت السهل والجبل، وتجاوزت الأمل، بحيث لا أسد يمنع من الأصحار بالعشي والأسحار، ولا لص يستجن بسببه في الديار.
( Oliver Hurrtado: Granada y sus Monumentos arabes, p, 563 y nota I )
وأما سلا وإن كان بها للملك دور وقصور، ولأهل الخدمة بناء مشهور فنهل قليل، وليس بالجمهور إليه سبيل.
وأما الساكن بمالقة بين راهن قيد الحياة، ومنتقل من جناتها إلى روضات الجنات، فأكبر به أن يفاضل، أو يجادل فيه أو يناضل، ولا شاهد كالصلات (328) الباقية المكتبة، والتواريخ المقررة المرتبة.
فاستشهد مغرب البيان (329) وتاريخ ابن حيان (330)،
Garcia Gomez: a proposito de Ibn Hayyan; AlAndalus 6491; Vol. XI, Fasc. 2
Garcia Gomez: Al- Hakam II y los Berebers segun un texto inedito de Ibn Hayyan, Al- Andalus 8491, vol. XIII Fasc. I
وتاريخ الزمان (331)، وكتاب ابن (332) الفرضي وابن بشكوال (333)، وصلة ابن الزبير (334) القاضي ومن اشتملت عليه من الرجال، وصلة ابن الأبار (335)، وتاريخ ابن عسكر (336) وما فيه من أخبار.
وبادر بالإماطة، عن وجه الإحاطة (337)، ترى الأعلام سامية، وأدواح الفضلاء نامية، وأفراد الرجال يضيق بهم رحب المجال.
وسلا المسكينة لا ترجو لعشرتها، إلا ابن عشرتها، مهملة الذكر والإشادة، عاطلة من حلى تلك السادة، وإن كان بها أهل عبادة، وسالكي
سبيل زهادة، فكم بمالقة من ولي، وذو مكان علي، ومن طنجالي وساحلي (338). وهذه حجج لا تدفع، ودلائل إنكارها لا ينفع، فمن شاء فليؤثر الاتصاف بالإنصاف، ومن شاء فليؤثر الخلاف وسجايا الأخلاف. فأنا- يعلم الله- قد عدلت لما حكمت، ورفعت لما ألممت، وسكت عن كثير، وجلب فضل أثير، إذا لم تحوج إليه ضرورة الفخر، ولا داعية القهر. ولو شئت لجلبت من أدلة التفضيل ما لا يدفع في عقده، ولا سبيل لنقده، لكن الله أغنى عن ذلك، وكفى بهذه المسالك، بيانا للسالك، وفضلا بين المملوك والمالك. والله يشمل الجميع بنعماه، ويتغمد الحي والميت برحماه.
وفصل الخطة أن لمالقه مزية بجلالها وكمالها وحسن أشكالها، ووفود مالها، وتهدل أظلالها وشهرة رجالها، وظرف صنائعها وأعمالها.
ولسلا، الفضل لكن على أمثالها ونظرائها، من بلاد المغرب وأشكالها، إذ لا ينكر فضل اعتدالها، وأمنها من الفتن وأهوالها عند زلزالها، ومدفن الملوك الكرام بجبالها.
ومالقة، قطر من الأقطار، ذوات الأقدار والأخطار، وتحصيل الأوطار.
وسلا، مصب الأمطار، ومرعى القطار، وبادية بكل اعتبار.
وهنا نلقي عصا التسيار، ونغض من عنان الإكثار، وحسبنا الله ونعم الوكيل ...
( Levi Provencal: Le Voyage d, Ibn Battuta dans le royaume de Grenada) 1631 )- Melanges Wiliam Marcais) Paris 1691 (P. 812
( Garcia G? mez: El Parang? n entre Malaga y Sale p. 491 y Nota. Op. Cit. )
الرسالة الثالثة كتاب معيار الاختبار في ذكر المعاهد والديار
المجلس الأول
الحمد لله الذي انفردت صفاته بالاشتمال على أشتات الكمال، والاستقلال بأعباء الجلال المنزه عن احتلال الحلال، المتصفة الخلال بالاختلال، المعتمد بالسؤال لصلة النوال، جاعل الأرض كسكانها متغايرة الأحوال، باختلاف العروض والأطوال، متصفة بالمحاسن والمقابح عند اعتبار الهيئات والأوضاع والصنائع والأعمال على التفصيل والإجمال. فمن قام خيره بشره تحت خطة الاعتدال، ومن قصر خيره عن شره كان أهلا للاستعاضة والاستبدال ومن أربى خيره على شره وجب إليه شد الرحال، والتمس بقصده صلاح الحال. وكثيرا ما اغتبط الناس بأوطانهم فحصلوا في الجبال على دعة البال وفازوا في الرمال بالآمال، حكمة منه في اعتمار ربع الشمال، وتفيء أكنافه عن اليمين والشمال إلى أن يدعو أهل الأرض لموقف العرض والسؤال، ويذهل عن الأهل عظيم الأهوال. والصلاة على سيدنا ومولانا محمد المصطفى الذي أنقذ بدعوته الوارفة الظلال من ظلمات الضلال، وجاء يرفع الأغلال، وتمييز الحرام من الحلال، والرضى عمن له من الصحب والآل موارد الصدق عند كذب الآل.
أما بعد، ساعدك السعد، ولان لك الجعد، فإن الإنسان وإن اتصف بالإحسان وإبانة اللسان، لما كان بعضه لبعض فقيرا، نبيها كان أو حقيرا، إذ مؤنته التي تصلح بها حاله، لا يسعها انتحاله، لزم اجتماعه وائتلافه على
سياسة يؤمن معها اختلافه، واتخاذ مدينة يقر بها قراره، ويتوجه إليها ركونه وفراره، إذا رابه أضراره، ويختزن بها أقواته التي بها حياته، ويحاول منها معاشه الذي به انتعاشه. فإن كان اتخاذها جزافا واتفاقا، واجتزاء ببعض المآرب وارتفاقا، تجاول شرها وخيرها، وتعارض نفعها وضيرها، وفضلها في الغالب غيرها، وإن كان عن اختيار، وتحكيم معيار، وتأسيس حكيم، وتفويض للعقل وتحكيم، تنافر إلى حكمها النفر، وأعمل السفر، وكانت مساوئها بالنسبة إلى محاسنها تغتفر، إذ وجود الكمال فاضح للآمال، ولله در القائل:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها %~% كفى المرء فضلا أن تعد معايبه
وبحسب ذلك حدث من يعنى بالأخبار ينقلها، والحكم يصقلها، والأسمار ينتقيها، والآثار يخلدها ويبقيها، والمجالس يأخذ صدورها، والآفاق يشيم شموسها وبدورها، والحلل يعرف دورها ويأكل قدورها، والطرف يهديها، والخفيات يبديها، وقد جرى ذكر البلدان، وذكر القاصي والدان، ومزايا الأماكن، وخصائص المنازل والمساكن، والمقابح والمحاسن، والطيب والآسن.
قال: ضمني الليل وقد سدل المسح راهبه، وانتهت قرصة الشمس من يد الأمس ناهبه، ودلفت جيوشه الحبشية وكتائبه، وفتحت الأزهار بشط المجرة كواكبه، وجنحت الطيور إلى وكونها، وانتشرت الطوافات بعد سكونها، وعوت الذئاب فوق هضابها، ولوحت البروق ببيض عضابها وباهت الكف الخضيب بخضابها، وتسللت اللصوص لانتهاز فرصها، وخرجت الليوث إلى قسمها وحصصها، في مناخ رحب المنطلق، وثيق الغلق، سامي السور كفيل بحفظ الميسور، يأمن به الذعر خائفه، وتدفع معرة السماء سقائفه. يشتمل على مأوى الطريد، ومحراب المريد، ومرابط خيل البريد، ومكاسع الشيطان المريد، ذي قيم كثير البشاشة، لطيف الحشاشة، قانع بالمشاشة (339)، يروج ويشي، ويقف على ريب الأعيان وأعيان
الريب فلا يشي. بر فأكثر، ومهد ووثر، وأدفأ ودثر، ورقى بسور استنزاله فأثر. فلما أزحت الكلفة وأقضمت جوادي العلفة، وأعجبتني من رفقاء الرفق الألفة، رمقت في بعض السقائف آمنا في زي خائف، وشيخا طاف منه بالأرض طائف، وسكن حتى اليمامة والطائف، جنيب عكاز ومثير شيب أثيث الوفرة، وقسي ضلوع تؤثر بالزفرة، حكم له بياض الشيبة بالهيبة، وقد دار بذراعه للسبحة الرقطاء حنش، كما اختلط روم وحبش، والى يمينه دلو فاهق، وعن يساره تلميذ مراهق، وأمامه حمار ناهق، وهو يقول:
هم أسكنونا في ظلال بيوتهم %~% ظلال بيوت أدفأت وأكنت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا %~% تلاقي الذي يلقون منا لملت
حتى إذا اطمأن حلوله، وأصحب ذلوله، وتردد إلى قيم الخان زغلوله، واستكبر لما جاءه بما يهواه رسوله، استجمع قوته واحتشد، ورفع عقيرته وأنشد:
أشكو إلى الله ذهاب الشباب %~% كم حسرة أورثني واكتئاب
سد عن اللذات باب الصبا %~% فزارت الأشجان من كل باب
وغربة طالت فما تنتهي %~% موصولة اليوم بيوم الحساب
وشر نفس كلما هملجت %~% في الغي لم تقبل خطام المتاب
يا رب شفع في شيبي ولا %~% تحرمني الزلفى وحسن المآب
ثم أن، والليل قد جن، فلم يبق في القوم إلا من أشفق وحن، وقال وقد هزته أريحية، على الدنيا سلام وتحية، فلقد نلنا الأوطار وركبنا الأخطار، وأبعدنا المطار وافترقنا الأقطار، وحلبنا الأشطار. فقال فتاه، وقد افترت عن الدر شفتاه، مستثيرا لشجونه، ومطلعا لنجوم همه من دجونه، ومدلا عليه بمجونه. وماذا بلغ الشيخ من أمدها أو رفع من عمدها حتى يقضى منه عجب، أو يجلى منه محتجب؟ فأخذته حمية الحفاظ لهذه الألفاظ، وقال أي بني، مثلي من الأقطاب، يخاطب بهذا الخطاب!! وأيم الله لقد عقدت الحلق، ولبست من الدهر الجديد والخلق، وفككت الغلق، وأبعدت في الصبوة الطلق، وخضت المنون، وصدت الضب والنون، وحذقت
الفنون، وقهرت بعد سليمان الجنون، وقضيت الديون، ومرضت لمرض العيون وركبت الهمالج، وتوسدت الوذائل (340) والدمالج، وركضت الفاره، واقتحمت المهالك والمكاره، وجبت البلاد، وحضرت الجلاد وأقمت الفصح والميلاد، فعدت من بلاد الهند والصين بالعقل الرصين، وحذقت بدار قسطنطين كتاب اللطين (341) ودست مدارس أصحاب الرواق ورأيت غار الأرواح وشجر الوقواق، وشريت حلل اليمن بأبخس ثمن، وحللت من عدن، حلول الروح من البدن، ونظرت إلى قرن الغزالة إذا شدن، وأزمعت عن العراقين سرى القين، وشربت من ماء الرافدين باليدين، وصليت بمحراب الدمنى ركعين، وتركت الأثر للعين، ووقفت حيث وقف الحكمان (342)، وتقابل التركمان، وأخذت بالقدس، عن الحبر الندس، وركبت الولايا إلى بلاد العلايا بعد أن طفت بالبيت الشريف، وحصلت بطيبة على الخصب والريف في فصل الخريف، وقرأت بإخميم علم التصريف، وأسرعت في الانحطاط إلى الفسطاط والمصر الرحب الاختطاط، وسكنت مدينة الإسكندرية ثغر الرباط، وعجلت بالمرور إلى تكرور، فبعت الظل بالحرور، ووقفت بإسبانية إلى الهيكل المزور، وحصلت بأفريقية على الرفد غير المنزور، وانحدرت إلى المغرب انحدار الشمس إلى المغرب، وصممت تصميم الحسام الماضي المضرب، ورابطت بالأندلس ثغر الإسلام، وأعلمت بها تحت ظلال الأعلام. فآها والله على عمر مضى وخلف مضضا، وزمن انقضى وشمل قضى الله من تفرقة ما قضى، ثم أجهش ببكائه، وأعلن باشتكائه وأنشد:
لبسنا فلم نبل الزمان وأبلانا %~% يتابع أخرانا على الغي أولانا
ونغتر بالآمال والعمر ينقضي %~% فما كان بالرجعى إلى الله أولانا
فماذا عسى أن ينظر الدهر ما عسى %~% فما انقاد للزجر الحثيث ولا لانا
جزينا صنيع الله شر جزائه %~% فلم نرع ما من سابق الفضل أولانا
فيا رب عاملنا بما أنت أهله %~% من العفو واجبر صدعنا أنت مولانا
ثم قال:
لقد مات أخواني الصالحون %~% فما لي صديق ولا لي عماد
إذا أقبل الصبح ولى السرور %~% وإن أقبل الليل ولى الرقاد
فتملكتني له رقة، وهزة للتماسك مسترقة، فهجمت على مضجعه هجوما أنكره، وراع شاءه وعكره، وغطى بفضل ردنه سكره، فقلت له على رسلك أيها الشيخ، ناب حنت إلى حوار، وغريب أنس بجوار، وحائر اهتدى بمنار، ومقرور قصد إلى ضوء نار، وطارق لا يفضح عيبا، ولا يثلم غيبا، ولا يهمل شيبا، ولا يمنع سببا. ومنتاب يكسو الحلة، ويحسن الخلة، ويفرغ الغلة، ويملأ القلة:
أجارتنا إنا غريبان هاهنا %~% وكل غريب للغريب نسيب
فلما وقم الهواجس وكبتها، وتأمل المخيلة واستثبتها، تبسم لما توسم، وسمح بعد ما جمح، فهاج عقيما فتر، ووصل ما بتر وأظهر ما خبأ تحت ثوبه وستر، وماج منه البحر الزاخر، وأتى بما لا تستطيعه الأوائل ولا الأواخر.
وقال وقد ركض الفنون وأجالها، وعدد الحكم ورجالها، وفجر للأحاديث أنهارها وذكر البلدان وأخبارها.
لقد سئمت مآربي %~% فكأن أطيبها خبيث
إلا الحديث فإنه مثل اسمه أبدا حديث
فلما ذهب الخجل والوجل، وطال المروي والمرتجل، وتوسط الواقع وتشوفت للنجوم المواقع، وتوردت الخدود الفواقع، قلت أيها الحبر، واللج الذي لا يناله السبر، لا حجبك قبل عمر النهاية القبر، وأعقب كسر أعداد عمرك المقابلة بالقبول والجبر، كأنا بالليل قد أظهر لوشك الرحيل الهلع، والغرب الجشع لنجومه قد ابتلع، ومفرق الأحباب وهو الصبح قد طلع، فأولني عارفة من معارفك أقتنيها، واهزز لي أفنان حكمك أجتنيها. فقال
أمل ميسر، ومجمل يحتاج أن يفسر، فأوضح الملغز، وأبن لي الطلا من البرغز، وسل عما بدا لك فهو أجدى لك، فأقسم لا تسألني عن غامض، وحلو وحامض، إلا أوسعته علما وبيانا، وأريتك الحق عيانا. قلت صف لي البلاد وصفا لا يظلم مثقالا، ولا يعمل في الصدق وخدا ولا إرقالا (343)، وإذا قلتم فاعدلوا ومن أصدق من الله مقالا. فقال سل ولا تسل ولو راعك الأسل. قلت أنقض لي البلاد الأندلسية من أطرافها، وميز بميزان الحق بين اعتدالها وانحرافها، ثم اتلها بالبلاد المرينية نسقا، واجل بنور بيانك غسقا وهات ما تقول في جبل الفتح (344).
قال فاتحة الكتاب من مصحف ذلك الإقليم، ولطيفه السميع العليم، وقصص المهارق، وأفق البارق، ومتحف هذا الوطن المباين للأرض المفارق.
مأهل العقيق وبارق، ومحط طارقها بالفتح طارق، إرم البلاد التي لم يخلق مثله فيها، وذا المناقب التي لا تحصرها الألسنة ولا توفيها حجزه البحر حتى لم يبق إلا خصر، فلا يناله من غير تلك الفرصة ضيق ولا حصر. وأطل بأعلاه قصر، وأظله فتح من الله ونصر، ساوق سوره البحر فأعياه، قد تهلل بالكلس محياه، واستقبل الثغر الغريب فحياه، وأطرد صنع الله فيه من عدو يكفيه، ولطف يخفيه، وداء عضال يشفيه، فهو خلوة العباد ومقام العاكف والباد، ومسلحة من وراءه من العباد، وشقة القلوب المسلمة والأكباد. هواؤه صحيح، وثراه بالخزين شحيح، وتجر الرباط فيه ربيح،
وحماه للمال والحريم غير مبيح، ووصفه الحسن لا يشان بتقبيح، إلا أنه والله يقيه مما يتقيه، بعيد الأقطار، ممار بالقطار (345) كثير الرياح والأمطار، مكتنف بالرمل المخلف، والجوار المتلف، قليل المرافق معدوم المشاكل والمرافق، هزل الكراع لعدم الازدراع، حاسر الذراع للقراع، مرتزق من ظل الشراع، كورة دبر (346) ومعتكف أزل وصبر، وساكنه حي في قبر.
هو الباب إن كان التزاور واللقيا %~% وغوث وغيث للصريخ وللسقيا
فإن تطرق الأيام فيه بحادث %~% وأعزز به قلنا السلام على الدنيا
قلت فأسطبونة (347) قال ذهب رسمها، وبقي اسمها، وكانت مظنة النعم الغزيرة، قبل حادث الجزيرة.
قلت فمربلة (348)، قال بلد التأذين على السردين، ومحل الدعاء والتامين، لمطعم الحوت (349) السمين. وحدقاتها مغرس العنب العديم القرين، إلى قبة أرين. قلت إن مرساها غير أمين، وعقارها غير ثمين، ومعقلها تركبه الأرض عن شمال ويمين.
قلت فسهيل (350)، قال حصن حصين، يضيق عن مثله هند وصين،
ويقضي بفضله كل ذي عقل رصين، سبب عزه متين، ومادة قوته شعير وتين قد علم أهله مشربهم، وأمنوا مهربهم، وأسهلت بين يديه قراه، مائلة بحيث تراه، وجاد بالسمك واديه، وبالحب ثراه، وعرف شأنه بأرض النوب، ومنه يظهر سهيل من كواكب الجنوب، إلا أن سواحله بل (351) الغارة البحرية، ومهبط السرية غير السرية، الخليقة بالحذر الحرية، ومسرح السائمة الأميرية، وخدامها كما علمت أولئك هم شر البرية.
قلت فمدينة مالقة (352)، فقال: وما أقول في الدرة الوسيطة، وفردوس
هذه البسيطة، أشهد لو كانت سورة لقرنت بها حذقة (353) الإطعام، أو يوما لكانت عيدا في الأيام تبعث لها بالسلام مدينة السلام، وتلقى لها يد الاستسلام، محاسن بلاد الإسلام. أي دار، وقطب مدار، وهالة إبدار، وكنز تحت جدار، قصبتها مضاعفة الأسوار، مصاحبة السنين محالفة للأدوار، قد برزت في أكمل الأوضاع وأجمل الأطوار، كرسي ملك عتيق ومدرج مسك فتيق، وإيوان أكاسره، ومرقب عقاب كاسره، ومجلى فاتنة خاسره، وصفقة غير خاسره، فحماها منيع حريز، وديوانها ذهب إبريز، ومذهب فخارها له على الأماكن تبريز، إلى مدينة تبريز، وحلل ديباجها البدائع ذات تطريز. اضطبنت دار الأسطول، وساوقت البحر بالطول، وأسندت إلى جبل الرحمة ظهرها، واستقبلت ملعبها ونهرها، ونشقت وردها الأرج وزهرها، وعرفت قدرها، فأعلت مهرها، وفتحت جفنها على الجفن غير الغضيض، والعالم الثاني ما بين الأوج إلى الحضيض. دار العجائب المصنوعة، والفواكه غير المقطوعة ولا الممنوعة، حيث الأواني تلقي لها يد الغلب، صنائع حلب، والحلل التي تلح صنعاء فيها بالطلب، وتدعو إلى الجلب، إلى الدست الرهيف ذي الورق الهيف. وكفى برمانها حقاق ياقوت، وأمير قوت، وزائرا غير ممقوت. إلى المؤاساة، وتعدد الأساة، وإطعام الجائع والمساهمة في الفجائع، وأي خلق أسرى من استخلاص الأسرى، تبرز منهم المخدرة حسري، سامحة بسواريها ولو كانا سواري كسرى، إلى المقبرة التي تسرح بها العين، ويستهان في ترويض روضاتها العين. إلى غللها (354) المحكمة البنيان، الماثلة كنجوم السماء للعيان، وافتراض سكناها أو أن العصير على الأعيان، ووفور أولي المعارف والأديان.
وأحسن الشعر مما أنت قائله %~% بيت يقال إذا أنشدته صدقا
وعلى ذلك فطينها يشقى به قطينها، وأزبالها تحيى بها سبالها، وسروبها يستمل منها مشروبها. فسحنها (355) متغيرة، وكواكب أذهانها النيرة متحيرة، وأقطارها جد شاسعة، وأزقتها حرجة غير واسعة، وآبارها تفسدها أزفارها وطعامها لا يقبل الاختزان، ولا يحفظ الوزان، وفقيرها لا يفارق الأحزان، غير القسط أصواتها، وأرحيتها تطرقها النوائب، وتصيب أهدافها السهام الصوائب، وتعد لها الجنائب (356)، وتستخدم فيها الصبا والجنائب (357) وديارها الآهلة قد صم بالنزائل صداها، وأضحت بلاقع بما كسبت يداها، وعين أعيانها أثر، ورسم مجادتها قد دثر، والدهر لا يقول لعا لمن عثر، ولا ينظم شملا اذا انتثر. وكيف لا يتعلق الذام ببلد يكثر به الجذام، محلة بلواه آهله، والنفوس بمعرة عدواه جاهله.
ثم تبسم عند انشراح صدر، وذكر قصة الزبرقان بن بدر: (358)
تقول هذا مجاج النحل تمدحه %~% وإن ذممت فقل قيء الزنابير
مدح وذم وعين الشيء واحدة %~% إن البيان يري الظلماء في النور
فبليش (359) قال حادها المطر الصيب، فنعم البلد الطيب، حلى ونحر وبر ولوز وتين، وسبب من الأمن متين، وبلد أمين، وعقار ثمين، وفواكه عن شمال ويمين، وفلاحة مدعى انجابها لا يمين، إلا أن التشاجر بها أنمى
( F. Simonet: Deacripcion del reino de Granada p. p. 39, 111 )
من الشجر، والقلوب أقسى من الحجر، ونفوس أهلها بينة الحسد والضجر وشأنها غيبة ونميمة، وخبيث مائها على ما سوغ الله من آلائها تميمة.
قلت فقمارش (360)، قال مودع الوفر، ومحط السفر، ومزاحم الفرقد والغفر، حيث الماء المعين، والقوت المعين، لا يخامر قلب الثائر به خطرة وجله، إلا من أجله، طالما فزعت إليه نفوس الملوك الأخائر بالذخائر، وشقت عليه أكياس المرائر في الضرائر وبه الأعناب التي راق بها الجناب، والزياتين واللوز والتين، والحرث الذي له التمكين، والمكان المكين، إلا أنه عدم سهله، وعظم جهله، فلا يصلح فيه إلا أهله.
قلت فالمنكب (361)، قال مرفأ السفن ومحطها، ومنزل عباد المسيح ومختطها. بلدة معقلها منيع، وبردها صنيع، ومحاسنها غير ذات تقنيع.
القصر المفتح الطيقان، المحكم الاتقان، والمسجد المشرف المكان، والأثر المنبئ عن كان وكان، كأنه مبرد واقف، أو عمود في يد مثاقف، قد أخذ من الدهر الأمان، تشبه بصرح هامان، وأرهفت جوانبه بالصخر المنحوت، وكاد أن يصل ما بين الحوت والحوت (362) غصت بقصب السكر أرضها، واستوعب فيها طولها وعرضها زبيبها فائق، وجنابها رائق.
وقد مت إليها جبل الشوار (363) بنسب الجوار، منشأ الأسطول، فوعدها
غير ممطول، وأمده لا يحتاج إلى الطول. إلا أن أسمها مظنة طيرة تستنف (364)، فالتنكيب عنها يؤتنف، وطريقها يمنع شر سلوكها، من تردد ملوكها وهواؤها فاسد، ووباؤها مستأسد، وجارها حاسد. فإذا التهبت السماء، وتغيرت بالسمائم المسميات والأسماء، فأهلها من أجداث بيوتهم يخرجون، وإلى جبالها يعرجون، والودك (365) إليها مجلوب، والقمح بين أهلها مقلوب، والصبر إن لم يبعثه البحر مغلوب، والحرباء بعرائها مصلوب، والحر بدم الغريب مطلوب.
قلت فشلوبانية (366)، قال أختها الصغرى، ولدتها التي يشغل بها المسافر ويغرى، حصانة معقل، ومرقب متوقل، وغاية طائر، وممتنع ثائر، ومتنزه زائر. تركب بدنها الجداول المرفوعة، وتخترق جهاتها المذانب المفردة والمشفوعة. ففي المصيف تلعب بالمعقل الحصيف، وفي الخريف، تسفر عن الخصب والريف. وحوت هذه السواحل أغزر من رمله، تغدو القوافل إلى البلاد تحمله. إلى الخضر الباكرة، والنعم الحامدة للرب الشاكرة.
وكفى بمترايل (367) من بسيطها محلة مشهورة، وعقيلة مبهورة، ووداعة في السهل غير مبهورة. جامعها حافل، وفي حلة الحسن رافل، إلا أن أرضها مستخلص السلطان بين الأوطان، ورعيتها عديمة الأعيان، مروعة على الأحيان. وتختص شلوبانية بمزية البنيان، لكنها غاب الحميات، غير أمينة على الاقتيات، ولا وسيمة الفتيان والفتيات.
قلت فبرجة (368) قال تصحيف وتحريف، وتغيير في تعريف. ما هي إلا بهجة ناظر، وشرك خاطر، ونسيجه عارض ماطر، ودارين
كأن تريكة من ماء مزن %~% وداري الذكي من المدام
(369) نفس عاطر.
عقارها ثمين، وحرمها أمين، وحسنها باد وكمين. عقود أعنابها قد قرطت آذان الميس (370) والحور (371)، وعقائل أدواحها مبتسمة عن ثغور النور، وبسيطها متواضع عن النجد، مرتفع عن الغور. وعينها سلسالة، وسنابك المذانب منها مسالة، تحمل إلى كل جهة رسالة. ودورها في العراء مبثوثة، وركائب النواسم بينها محثوثة. لا تشكو بضيق الجوار، واستكشاف العوار، وتزاحم الزوار. مياه وظلال، وسحر حلال، وخلق دمث كثراها، ومحاسن متعددة كقراها، ولطافة كنواسمها عند مسراها، وأعيان ووجوه نجل العيون بيض الوجوه. غلتهم الحرير، ومجادتهم غنية عن التقرير، إلا أن متبوأها بسيط مطروق، وقاعدتها فروق، ووتدها مفروق، ومعقلها خرب، كأنه أحدب جرب، إن لم ينقل إليه الماء، برح به الظماء، ولله در صاحبنا إذ يقول:
يا بسيطا بمعاني برجة %~% أصبح الحسن به مشتهرا
لا تحرك بفخار مقولا %~% فلقد ألقمت منها حجرا
والبر بها نزر الوجود، واللحم تلوه وهما طيبتا الوجود، والحرف بها ذاوية العود، والمسلك إليها بعيد الصعود.
قلت فدلاية (372)، قال خير رعاية وولاية، حرير ترفع عن الثمن،
كأن تريكة من ماء مزن %~% وداري الذكي من المدام
وملح يستفاد على الزمن، ومسرح معروف، وأرض ينبت بها جبن وخروف، إلا أنها لسرايا العدو البحري مجر العوالي، ومحل الفتكات على التوالي.
فطريقها هوى ومشاهد، والعارف في مثلها زاهد.
قلت فمدينة المرية (373) قال المرية، هنية مرية، بحرية برية، أصلية سرية، معقل الشموخ والإباية، ومعدن المال وعنصر الجباية، وحبوة (374) الأسطول غير المعلل بالنصر ولا الممطول، ومحط التجار، وكرم النجار، ورعى الجار. ما شئت من أخلاق معسولة، وسيوف من الجفون السود مسلولة، وتكك محلولة، وحضارة تعبق طيبا، ووجوه لا تعرف تقطيبا، ولم تزل مع الظرف دار نساك، وخلوة اعتكاف وإمساك. أرغم أهلها أنف الصليب لما عجم منها بالعود الصليب، وأنف لامها وألفها حكم التغليب، فأنقلب منها آيسا (375) عند التقليب:
( M. Asin Palacios: Contribucion a la toponimia arabe de Espana p 401 )
Albornoz: La Espana Mushlmana p, 863- 293 de la Corona de Aragon, l, P. P. 534- 734, Zaragoza 8861 )Gimenez Soler: El sitio de Almeria( 9031 (P. 103- 203, Levi Provencal: Un Zagal hispanique sur l'expedition aragonaise de 9031 Contre Almeria.) Al Andalus, Vol. VI, fasc. 2, 1491 (
يسائل عن أهل المرية سائل %~% وكيف ثبات القوم والروع باسر
قطا دارج في الرمل في يوم لذة %~% ولهو ويوم الروع فتخ (376) كواسر
بحرها مرفأ السفن الكبار، وكرسيها هو العزيز عند الاعتبار، وقصبتها سلوة الحزين، ومودع الخزين، وفلك المنتزين. وهي محل الحلل المجدية والأردية المشفوعة الأردية، ولواديها المزية على الأودية. حجة الناظر المفتون، المكسو الخصور والمتون، بالأعناب والزيتون. بلد الكتان والرخام، والذمم الضخام، وحمتها (377) بديعة الوصف، محكمة الرصف مقصودة للعلاج والقصف. حرها شديد، وذكرها طويل مديد، وأثرها على البلاد جديد إلا أن مغارمها ثقيلة، وصفحة جوها في المحول صقيلة، وسماؤها بخيلة، وبروقها لا تصدق منها مخلية، وبلالة النطية منزورة العطية، وسعرها ليس من الأسعار غير الوطية، ومعشوق البر (378) بها قليل الوصال، وحمل البحر صعب العضال، وهي متوقعة إلا أن يقي الله طلوع النضال، وعادة المصال.
قلت فطبرنش (379) من شرقيها، قال حاضرة البلاد المشرقية، وثنية البارقة الأفقية، ما شئت من تنجيد بيت، وعصر وزيت، وإحياء أنس ميت، وحمام طيب، وشعب تنثر فيه دنانير أبي الطيب (380)، إلا أنها محيلة الغيوث، عادية الليوث، متحزبة الأحزاب، شريفة الأعزاب. ولو شكر الغيث شعيرها، أخصبت البلاد عيرها.
قلت فبيره (381)، قال بلدة صافية الجو، رحيبة الدو (382)، يسرح بها
البعير، ويجم بها الشعير، ويقصدها من مرسية وأحوازها العير. فساكنها بين تجر وابتغاء أجر، وواديها نيلي الفيوض (383) والمدود، مصري التخوم والحدود، إن بلغ إلى الحد المحدود، فليس رزقه بالمحصور ولا بالمعدود، إلا أنها قليلة المطر، مقيمة على الخطر، مثلومة الأعراض والأسوار، مهطعة لداعي البوار. حليفة الحسن المغلوب، معللة بالماء المجلوب، آخذة بأكظام القلوب، خاملة الدور، قليلة الوجوه والصدور، كثيرة المشاجرة والشرور برها أنزر من برها في المعتمر والبور، وزهد أهلها في الصلاة شائع في الجمهور، وسوء ملكة (384) الأسرى من الذائع بها والمشهور.
ما قام خيرك يا زمان بشره %~% أولى لنا ما قل منك وما كفا
قلت فمجاقر (385)، قال حصن جديد، وخير مديد، وبحر ما على إفادته مزيد، وخصب ثابت ويزيد. ساكنه قد قضى الحج أكثره، وظهر عين الخير فيه وأكثره، إلا أنه لا تلفى به للماء بلالة (386)، ولا تستشف للجود علاله (387).
قلت فقنتورية (388)، قال يسار يمينها، وغبار كمينها، ومعمول يمينها، يجود بها الجبن والعسل، ومن دونها الأسل، وأما الخبز فلا تسل، وإن كانت أحسن شكلا فأقل شربا وأكلا، وأجفا أهلا، وأشد جهلا، وأعدم علا ونهلا. وأهلها شرار، أضلعهم بالظلماء حرار، لا تلفى بها نغبة (389) ماء، ولا يعدم مشقة ظلماء، ولا تتوج أفقها إلا في الندرة قزعة سماء.
قلت فبرشانة (390)، قال حصن مانع، وجناب يانع أهلها أولوا عداوة،
لأخلاق البداوة، وعلى وجوههم نضرة وفي أيديهم نداوة، يداوون بالسلافة (391) علل الجلافة، ويؤثرون علل التخلف على لذة الخلافة، فأصبح ربعهم ظرفا قد ملئ ظرفا. فللمجون به بسوق، وللفسوق ألف سوق، تشمر به الأذيال عن سوق، وهي تبين بعض بيان عن أعيان، وعلى وجوه نسوانها طلاقة، وفي ألسنتهن ذلاقة، ولهن بالسفارة عن الفقراء علاقة، إلا أن جفنها ليس بذي سور يقيه، مما يتقيه، ووغدها يتكلم بملء فيه، وحليمها يشقى بالسفيه ومحياها تكمن حية الجور فيه.
قلت فأورية (392)، قال بلدة الجبن والعسل، والهواء الذي يذهب بالكسل، وأما عن الماء البرود فلا تسل. أدامه الصيد الذي لا يتعذر وقوته الشعير الذي يبذر، إلا أنه بادي الوحشة والانقطاع، والإجابة لداعي المخالفة والاهطاع (393)، وحسن الجناب، عرى من ثمرات النخيل والأعناب حقيق لمعرة العدو والاجتناب.
قلت فبليش (394)، قال ثغر قصي، على الأمن عصي، ويتيم ليس عليه غير العدو وصي. ماؤه معين، وحوره عين، وخلوته على النسك وسواه تعين. وبه الحمام، والنطف الجمام. ولأهله بالصيادة اهتمام، وعسله إذا اصطفت العسول إمام. إلا أنها بلدة منقطعة بائنة، وبأحواز العدو كائنة، ولحدود لورقة (395) فتحها الله مشاهدة معاينه، وبرها الزهيد القليل، يتحف به العليل، وسبيل الأمن إليها غير سبيل، ومرعاها لسوء الجوار وبيل.
قلت فمدينة بسطة (396)، قال وما بسطة بلد خصيب، ومدينة لها من اسمها نصيب، دوحها متدل، وطيب هوائها غير متبدل وناهيك من بلد اختص أهله بالمران في معالجة الزعفران، وامتازوا به عن غيرهم من الجيران. عمت أرضها السقيا فلا تخلف، وشملتها البركة تختص من يشاء الله ويزلف. يتخلل مدينتها الجدول المتدافع، والناقع للعلل النافع. ثياب أهلها بالعبير تتأرج، وحورها تتجلى وتتبرج، وولدانها في شط أنهارها المتعددة تتفرج. ولها الفحص الذي يسافر فيه الطرف سعيا، ولا تعدم السائمة به ريا ولا رعيا.
ولله در القائل:
في بلدة عودت نفسي بها %~% إذ في اسمها طه وياسين
ألجأني الدهر إلى عالم %~% يؤخذ منه العلم والدين
إلا أن تربتها تفضح البناء، وإن صحبه الاعتناء، فأسوارها تسجد عند الإقامة وخندقها لاكسارها (397) تلقامه (398) فهي لذلك خير دار مقامه.
ورياحها عاصفة ورعودها قاصفة، وحاميتها تنظر إلى الهياج، من خلف سياج، فالعدو فيها شديد الفتكات، معمل الحركات، وساكنها دائم الشكات، وحدها فليل وعزيزها لتوقع المكروه ذليل.
قلت فأشكر (399)، قال نعم البسيط المديد، والرزق الجديد، والسعي العديد، والصيد القديد. تركب الجداول فحصها، ويأبى الكمال نقصها، ويلازم ظل الخصب شخصها. مسرح البهائم، ومعدن الرعي الدائم، إلا أن معقلها لا يمنع، ومكانها يحوم عليه الحادث الأشنع، ونفوس أهلها مستسلمة لما الله يصنع.
قلت فأندرش (400)، قال عنصر جباية، ووطن به أولو إباية، حريرها ذهب، وتربها تبر ملتهب، وماؤها سلسل، وهواؤها لا يلفى معه كسل، إلا أنها ضيقة الأحواز والجهات، كثيرة المعابر والفوهات، عديمة الفرح والمتنزهات، ثقيلة المغارم، مستباحة المحارم، أعرابها أولوا استطالة، وأبناء مترفيها كثير البطالة، فلا يعدم الزرع عدوانا، ولا يفقد عير الشر نزوانا، وطريقها غير سوي، وساكنها ضعيف يشكو من قوي.
قلت فشبالش (401)، قال معدن حرير خلصت سبائكه، وأثرى بزازه وحائكه، وتهدلت حجاله وتمهدت أرائكه، وجباية سهل اقتضاؤها وحمت بيضاؤها، إلا أنه وطن عدم إدامه، وبيت ظهر اهتدامه، وفقدت به حيل التعيش وأسبابه، ومحل لا يقيم به إلا أربابه.
قلت فمدينة وادي آش (402)، قال مدينة الوطن، ومناخ من عبر أو قطن، للناس ما ظهر ولله ما بطن. وضع سديد، وبأس شديد، ومعدن حديد، ومحل عدة وعديد، وبلد لا يعتل فيه إلا النسيم، ومرأى يخجل منه الصباح الوسيم. كثيرة الجداول والمذانب، مخضرة الجوانب. إلى الفواكه الكثيرة والكروم الأثيرة، والسقي الذي يسد الخلة، ويضاعف الغلة، وسندها معدن الحديد والحرير، ومعقلها أهل للتاج والسرير. وهي دار أحساب، وإرث واكتساب، وأدب وحساب. وماؤها مجاج الجليد، وهواؤها يذكي طبع البليد، إلا أن ضعيفها يضيق عليه المعاش، وناقهها يتعذر عليه الانتعاش، وشيخها يخطو على قصبة الارتعاش، فهي ذات برد، وعكس وطرد، ما شئت من لحي راعد، ومقرور على الجمر قاعد، ونفس صاعد،
وفتنة يعد بها واعد، وشرور تسل الخناجر، وفاجر يسطو بفاجر، وكلف بهاجر واغتمام تبلغ به القلوب الحناجر، وزمهرير تجمد له المياه في شهر ناجر (403). وعلى ذلك فدرتها أسمع للحالب، ونشيدها أقرب للطالب، ومحاسنها أغلب والحكم للغالب.
قلت ففنيانة (404)، قال مدينة، وللخير خدينة (405). ما شئت من ظبي غرير، وعضب طرير، وغلة حرير، وماء نمير، ودوام للتخزين وتعمير. إلا أن بردها كثير، وودقها (406) نثير، وشرارها لهم في الخيار تأثير.
قلت فمدينة غرناطة (407)، قال حضرة سنية، والشمس بها عن مدح المادح غنية. كبرت عن قيل وقال، وجلت عن وامق (408) وقال (409)، وقيدت العقل بعاقل، وأمنت حال حسنها من انتقال. لو خيرت في حسن الوضع لما زادت وصفا، ولا أحكمت رصفا، ولا أخرجت أرضها ريحانا ولا عصفا (410)، ولا أخذت بأشتات المذاهب، وأصناف المواهب جدا ولا قصفا. كرسيها ظاهر الأشراف، مطل على الأطراف، وديوانها مكتوب بآيات الأنفال والأعراف، وهواؤها صاف، وللأنفاس مصاف. حجبت الجنوب عنها الجبال، فأمنت الوباء والوبال، وأصبح ساكنها غير مبال، وفي جنة من النبال، وانفسحت للشمال، واستوفت الشروط على الكمال، وانحدر منها مجاج الجليد على الرمال، وانبسط بين المرج الذي نضرة النعيم لا تفارقه، ومداري النسيم تفلى بها مفارقه. ريع من واديه بثعبان مبين، إن لدغ تلول شطه تلها للجبين، وولد (411) حيات المذانب تأتي عن الشمال واليمين، منها
اللبات (412) سلوكا تأثر من الحصباء بكل در ثمين، وترك الأرض مخصرة تغير من خضراء السماء ضرة، والأزهار مفترة، والحياة الدنيا بزخرفها مغترة
أي واد أفاض من عرفات %~% فوق حمرائها أتم إفاضه
ثم لما أستقر بالسهل يجري %~% شق منها بحلة فضفاضه
كلما انساب كان عضبا صقيلا %~% وإذا ما استدار كان مفاضه
فتعددت القرى والجنات، وحفت بالأمات (413) منها البنات، ورف النبات وتدبجت الجنبات، وتقلدت اللبات، وطابت بالنواسم المهبات، ودارت بالأسوار دور السوار، المنى والمستخلصات، ونصبت لعرائس الروض المنصات، وقعد سلطان الربيع لعرض القصات، وخطب بلبل الدوح فوجب الإنصات، وتموجت الأعناب، واستبحر بكل عذب منها الجناب. وزينت السماء الدنيا من الأبراج العديدة بأبراج ذوات دقائق وأدراج، وتنفست الرياح عن أراج، أذكرت الجنة كل آمل ما عند الله وراج. وتبرجت بحمرائها القصور مبتسمة عن بيض الشرفات، سافرة عن صفحات القبات المزخرفات، تقذف بالأنهار من بعد المرتقى فيوض بحورها الزرق، وتناغي أذكار المآذن بأسحارها نغمات الورق (414)، وكم أطلعت من أقمار وأهله، وربت من ملوك جله، إلى التمدين المحيط الاستدارة، الصادر عن الأحكام والإدارة، ذي المحاسن المعارة، المعجزة لسان الكناية والاستعارة، حيث المساجد العتيقة القديمة، والميازب (415) الحافظة للري المديمة، والجسور العريضة، والعوائد المقدرة بنفائس الأذواق، والوجوه الزهر والبشرات الرقاق، والزي الذي فاق زي الآفاق، وملأ قلوب المؤمنين بالإشفاق:
بلدة جللها الله سناء وسنا %~% وأجر السعد من حل لديها رسنا
قد أجنت سكرا جما ورزقا حسنا %~% أعجزت من منتهى الفخر السعيد لسنا
يروقك في أطرافها حسن الصور وجمالها، وطرف الصنائع وكمالها، والفعلة وأعمالها، حتى الأطلال وانهمالها، والسؤال وأسمالها:
كل عليه من المحاسن لمحة %~% في كل طور للوجود تطورا
كالروض يعجب في ابتداء نباته %~% وإذا استجم به النبات ونورا
وإذا الجمال المطلق استشهدته %~% ألغيت ما انتحل الخيال وزورا
ثم قال أي آمن عري من مخافه، وأي حصافة لا تقابلها سخافة، ولكل شيء آفة. لكنها والله بردها يطفئ حر الحياة، ويمنع الشفاه عن رد التحيات، وأسعارها يشعر معيارها بالترهات، وعدوها يعاطى كؤوس الحرب بهاك وهات. إلى السكك التي بان خمولها، ولم يقبل الموضوع محمولها، والكرب الذي يجده الإنسان فيها، صادف إضاقة أو ترفيها، والمكوس التي تطرد البركة وتنفيها. إلى سوء الجوار وجفاء الزوار، ونزالة الديار، وغلاء (416) الخشب والجيار (417) وكساد المعائش عند الاضطرار، وإهانة المقابر
( J. F. Kirk: Prescott s Ferdinand and Isabella p. 562.
وهي دار القرار، وقصر الاعمار، واستحلال الغيبة في الأسمار، واحتقار أولي الفضل والوقار، والتنافس في العقار، والشح بالدرهم والدينار، واليم والنار. ثم قال اللهم غفرا، وإن لم نقل كفرا، إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ولله در أبي العتاهية حيث يقول:
أصبحت الدنيا لنا فتنة %~% والحمد لله على ذالكا
اجتمع الناس على ذمها %~% وما نرى منهم لها تاركا
قلت فالحمة (418)، قال أجل، الصحة والحجل (419)، والصيد وإن كان المعتبر الأجل، وتورد الخدود وإن لم يطرقها الخجل، والحصانة عند الهرب من الرهب، والبر كأنه قطع الذهب. والحامة التي حوضها يفهق بالنعيم، مبذولة للخامل والزعيم، تمت ثنيتها بالنسب إلى ثنية النعيم، قد ملأها الله اعتدالا، فلا تجد الخلق اعتياضا عنه ولا استبدالا. وأنبط صخرتها الصماء عذبا زلالا، قد اعتزل الكدر اعتزالا، لكن مزارعها لا ترويها الجداول ولا ينجدها إلا الجود المزاول، فإن أخصب العام أعيا (420) الطعام، وإن أخلف الإنعام، هلكت الناس والأنعام. والفواكه يطرف بها الجلب، وتزر عليها العلب، وعصيرها (421) لا يليق بالأكل ولا يصلح للحلب، وبردها شديد وإن لم يقض المنقلب.
قلت فصالحة (422)، قال لولا أنها مناخ لم تذكر، فليس مما يذم ولا مما يشكر، وإن كان ماؤها فضيا، ووجه جوها وضيا، وعصيرها مرضيا، ورزقها أرضيا، وفضلها ذاتيا لا عرضيا، فهي مهب نسف، ودار خسف وأهلها بهم، ليس لأحد منهم فهم.
قلت فاليرة (423) ومنتفريد، قال بلد ارتقاق، بإجماع واتفاق، معدن البر الزكي، والصيد الذكي، وهد (و) شاهق (424).، ومصرخ ناهق، ومعدن بر فائق، إن لم يعق من عدو القلعة عائق.
قلت فلوشة (425)،، قال مرأى بهيج، ومنظر يروق ويهيج، ونهر سيال وغصن مياد ميال، وجنات وعيون، ولذات لا تمطل بها ديون، وجداول تنضخ بها الجوانح، ومحاسن يشغل بها عن وكره السانح، ونعم يذكر بها المانع المانح. ما شئت من رحا يدور ونطف (426) تشفى بها الصدور، وصيد ووقود، وأعناب كما (427) زانت اللبات عقود، وأرانب تحسبهم أيقاظا وهم رقود، إلى معدن الملح ومعاصر الزيت، والخضر المتكلفة بخصب البيت، والمرافق التي لا تحصر إلا بعد الكيت، والخارج الذي عضد مسحة الملاحة، بجدوى الفلاحة، إلا أن داخلها حرج الأزقة، وأحوال أهلها مائلة إلى
الرقة. وأزقتها قذرة، وأسباب التطوف (428) بها متعذرة ومنازلها لنزائل الجند نازلة، وعيون العدو لثغرها الشنيب مغازلة.
قلت فأرجذونة (429)، قال شر دار، وطلل لم يبق منه غير جدار، ومصام يرجع البصر عنه وهو حاسر، وعورة ساكنها لعدم الماء مستأسر (430) وقومها ذو بطر وأشر، وشيوخها تيوس في مسالخ بشر، طعام من يقوت منهم أو يعول التيوس والوعول، وحرثها مغل، وخلقها حسد وغل.
قلت فأنتقيرة (431)، قال محل الحرث والأنعام، ومبذر الطعام، والمرأة التي يتجلى بها وجه العام. الرحب والسهل، والنبات الطفل، والهشيم الكهل، والوطن والأهل، ساحت الجداول في فحصها الأفيح وسالت، وانثابت حيات المذانب (432) في سقيها الرحب الجوانب وانسالت، لا تشكو من نبو ساحة، ولا تسفر إلا عن ملاحة، ولا تضاهي في جدوى فلاحة وعظم ملاحه. إلا أنها جرداء الخارج، بل مارد ومارج وشدة فرجها فارج، لا تضبطها المسلحة للاتساع، والدرع الوساع. قليلة الفواكه، عديمة الملاطف والمفاكه. أهلها أولوا شرور وغرور، وسلاح مشهور، وقاهر ومقهور، لا تقبل غريبا، ولا تعدم مع العدو تثريبا.
قلت فذكوان (433)، قال روض وغدير، وفواكه جلت عن التقدير
وخورنق وسدير (434)، ومائدة، لا تفوتها فائدة، دارت على الطحن أحجارها، والتفت أشجارها، وطاب هواؤها، وخفق بالمحاسن لواؤها، إلا أنها ضالة ساقطة، وحبة ترتقب لاقطه، لا تدفع عن قرطها وسوارها بأسوارها، ولا تمنع نزع صدارها بجدارها، قضت بغلة أعيانها، حداثة بنيانها.
قلت فقرطمة (435)، قال الكرك الذي يؤمن عليه الدرك، وإن عظم المعترك. جوها صاف، في مشتى ومصطاف، وتربها للبر مصاف، وعصيرها بالكثرة ذو اتصاف. إلا أن الماء بمعقلها مخزون، وعتادها موزون، وأهلها في الشدائد لا يجزون، أيديهم بالبخل مغلولة، وسيوف تشاجرهم مسلولة.
قلت فرندة (436)، قال أم جهات وحصون، وشجرة ذات غصون، وجناب خصيب. وحمى مصون، بلد زرع وضرع، واصل وفرع، مخازنها بالبر مالية، وأقواتها جديدة وبالية، ونعمها بجوار الجبل متوالية. وهي بلد أعيان وصدور (437)، وشموس وبدور، ودور أي دور، وماء واديها يتوصل إليه في جدور محكم مقدور، وفي أهلها فضاضة (438) وغضاضة، ما في الكلف بها حضاضة. يلبس نساؤها الموق (439)، على الأملد المرموق، ويسفرن عن الخد المعشوق (440)، وينعشن قلب المشوق، بالطيب المنشوق، إلا أن
العدو طوى ذيل بردها، وغصب بنياتها (441)، وكيف السبيل إلى ردها، وأضاق خارجها وخفض معارجها، وأعلى طائرها ودارجها.
فلما بلغ هذا الحد قال هل اكتفيت؟ فقد شرحت صدرك وشفيت، وبما طلبت مني وقد وفيت، يا بني كأني بالصباح السافر، وادهم الظلام النافر، قد أجفل أمام مقنبه الوافر، وترك من الهلال نعل الحافر، ونفسي مطيتي، وقد بلغت الليلة طيتي، وأجزلت عطيتي، فلنجم بالحمض، ونلم بالغمض، وأنا بعد نزيلك إن سرني جزيلك، وعديلك إن ضحك إلي منديلك، وسميرك إن رواني نميرك، فبادرت البدرة ففضضتها، والصرة فاقتضضتها، والعيبة فنفضتها، والمعادن فأفضتها. فقال بوركت من مواس، وأنشد قول أبي نواس:
ما من يد من الناس واحدة %~% كيد أبو العباس أولاها
نام الثقات على مضاجعهم %~% وسرى إلى نفسي فأحياها
ثم قال، نم في أمان، من خطوب الزمان، وقم في ضمان من وقاية الرحمان فلعمري وما عمري علي بهين، ولا الحلف على بمتعين، لو كان الجود ثمرا لكنت لبابه، أو عمرا لكنت شبابه، أو منزلا لكنت بابه. فما هو إلا أن كحلت جفني بميل الرقاد، وقدت طرفه سلس المقاد، وقام قيم الخان إلى عادة الافتقاد، وبادر سراجه بالإيقاد؛ ونظرت إلى مضجع الشيخ ليس فيه إلا زئبر أطماره، وروث حماره، فخرجت لإيثاره، مقتفيا لآثاره، فكأن الفلك لفه في مداره، أو خسفت الأرض به وبداره. وسرت وفي قلبي لبينه وذهاب أثره، وعينه حرقه، وقلت متأسيا لكل اجتماع من خليلين فرقه.
المجلس الثاني
قال المخبر، فلما اندمل جرح الفراق بعد طول، وزمان ممطول، ومحا
رسم التذكر تكرر فصول، ونصول خضاب نصول. بينا أنا ذات يوم في بعض أسواق الغبار، أسرح طرف الاعتبار، في أمم تنسل من كل حدب، وتنتدب من كل منتدى ومنتدب، ما بين مشتمل للصماء يلويها، ولائث للعمامة لا يسويها، ومتلفظ بالشهادة وهو لا ينويها، وصاعد من غور، ومتظلم من جور، وممسك بذنب عير أو روق ثور، يموجون، ومن الأجداث يخرجون، كأنهم النمل نشرها وقد برزت للشمس من مطر الأمس يشيرون بأجنحة الأكسية، ويتساقطون على ثماد القلب وأسآر (442) الأحسية، وقد اصطف ذابحو الجزور، وبائعوا اللبوب (443) والبزور (444)، ولصق بالأملياء حللة العقد وشهدة الزور، ونظرت في ذلك المجتمع، الهائل المرأى والمستمع، إلى درسة غي، وطهارة كي، ورقاة جنون، بضروب من القول وفنون، وفيهم كهل قد استظل بقيطون (445)، وسل سيف لاطون (446)، وتحدى برقية لديغ ومداواة مبطون. قد اشتمل بسمل غفاره، وبين يديه غبار في جلد فاره، وطحن من إطعام كفارة، وأمامه تلميذ قد شمر الأكمام، والتفت الخلف والأمام، وصرف لوحي لحظة الاهتمام، وهو يأسو ويجرح، ويتكلم بلسان القوم ثم يشرح، ويقيد من حضره بقيد العزيمة فلا يبرح، ويقول أيها البهم السارح، والحزب المسرور بما لديه الفارح، والسرب الذي تقتاته لولاة البغي الجوارح، صرفتم غروب اعتنائكم لمآرب نسائكم وأبنائكم، وذهلتم عمن حل بفنائكم، وجعلتم تطمعون وتجمعون، إنما يستجيب الذين يسمعون، من وقعت علي منكم عينه، فقد رأى فاتح أقفال
( Dozy: Supplement aux Dictonnaires Arabes II P. 873 )
الأسرار، ومثبت الفرار ومصمت أولئك الصرار، ومغور مياه الآبار بيسير الغبار، ومخرج الإضمار في المضمار، ومذهب المس وطارد العمار (447). أنا قاطع الدماء إذا نزفت، وكاشف الغماء إذا ما انكشفت أهنأ الإبل فلا تجرب، واخط حول الحمى فلا تدنو السباع ولا تقرب، وادخن بها فلا تتسلل الحية ولا تدب العقرب. إن نعيت الشمس لوقت محدود طمس فيها نورها، وأن وعدت الأرض بري محمود فار تنورها، وإن كتبت لعقد النكاح انحلت، وإن عقلت خطى الضالة وقفت حيث حلت وإن زجرت الجنون تركت وخلت، وإن استثرت الدفائن ألقت الأرض ما فيها وتخلت. أنا جردت البيضة الشعراء، وزوجت الفتى الشرقي من الجارية العذراء. أنا صافحت الملك، ورصدت الفلك، ومزجت بسر الحكمة الضياء والحلك، فاحتقرت الملك وما ملك.
دعوت علم الطباع فأطاع، وقطعت شكوك الهيئة بالشكل القطاع، وقلت بالقدر وبالاستطباع، وسبقت في صناعة البرهان يوم الرهان، ورضت صعاب الرياضيات حتى ذل قيادها، وسهل انقيادها، وعدلت الكواكب واختبرت القلوب البابانية والمناكب، وبشرت عند رجوع خنسها (448) بالغيوث السواكب. ووقفت بالامتحان، على صناعة الألحان، وقرأت ما بعد الطبيعة، وناظرت قسيس البيعة (449)، وأعملت في الاصول، مرهفة النصول،
وأحكمت أمزجة الطباع وطبائع الفصول، وامتزت بالبروع في الفروع، وقمت في العهد الحديث بالحديث، وحزت في علم اللسان درجة الإحسان. وحققت قسمة الفروض، وعدلت الشعر بميزان العروض، ونظمت ونثرت وأكثرت فما عثرت، وعبرت حلم النوم، ولبست الخرقة بشرط القوم، ولزمت خلوة الذكر ومعتكف الصوم، وأما معرفتي بالأخبار، وذرع الأرض بالأشبار، ما بين جليقية إلى الأنبار، وأوصاف المدن الكبار، فقد ثبت بالاختبار، قال فأثار قديمي وأذكرني بنديمي، فقلت الله أكبر، أوضح الخبر المخبر، فخضت إليه من بيني وبينه وهم بحر زاخر، وأول ليس له آخر، وبهم يسخر منه الساخر، ما بين كبش مجتر وعجل ناخر، وقلت أيها الحبر، ضالتي قريب أمدها، معروف معتمدها، وعلى ذلك فالشكر ممنوح، والرفد طوفان نوح، فألن العريكة، وسلم النطع والأريكة.
وقال أجل واعرض، وأنزل السؤال وافرض. فقلت بي إلى تعرف البلدان جنوح وجنون، والجنون فنون، وقد ظفرت قبلك بنقاب، وعود احتقاب، وسارب أنقاب، حصل به من طلبي الشكر، وبك يتم الشطر، ويعظم الخطر. فقال الناس متهم ومنجد، وخاذل وممجد، ولا تجود يد إلا بما تجد، والله المرشد، وجعل ينشد:
( Lopez de Ayala: Cronicas de los Reyes de Castilla I PP. 384- 394 )
( Los Documentos arabes diplomaticos del archivo de la Corona )de Aragon. Publicados y traducidos al castellano por M, Alarcon y R. G. de Linares p. p. 114- 514.
إذا المشكلات تصدين لي %~% كشفت غوامضها بالنظر
ولست بإمعة في الرجال %~% أسائل هذا وذا ما الخبر
ولكنني ذرب (450) الأصغرين %~% أبين مع ما مضى وما غبر
ثم قال هات، أمن عقدك الشبهات، قلت ما تقول في بادس (451)، قال بدأت بحمدلة الرقعة، وبركة البقعة، ومدفن الولي، ومظهر النور الجلي والنحر غير العاطل ولا الخلي من الحلي، بلد السراوة والشجاعة، والإيثار على فرض المجاعة، والنفوس الأوابة إلى الله الرجاعة، حيث البر والحوت، والخشب الذي ينشأ منه كل منحوت، والبأس والإقدام، والفاكهة الطيبة والإدام، ورب الجبال، وفضل للمدافعة لصهب السبال، إلا أنها موحشة الخارج، وعرة المعارج، مجاورة غمارة بالمارد والمارج. فهم ذوو دبيب في مدارج تلك الغرابيب، وكيدهم ببركة الشيخ في تتبيب.
قلت فمدينة سبتة (452)، قال عروس المجلى، وثنية الصباح الأجلى،
I E Levi- Provencal: Une description de Ceuta musulmana
تبرجت تبرج العقيلة، ونظرت وجهها من البحر في المرآة الصقلية، واختص ميزان حسناتها بالأعمال الثقيلة. وإذا قامت بيض أسوارها، مقام سوارها وكان جبل بنيونش (453) شمامة أزهارها، والمنارة منارة شوارها، كيف لا ترغب النفوس في جوارها، وتخيم الخواطر بين أنجادها وأغوارها إلى المينا الفلكية، والمراسي الفلكية، والركية الزكية، غير المنزورة ولا البكية. ذات الوقود الجزل المعد للأزل، والقصور المقصورة على الجد والهزل، والوجوه الزهر السحن (454)، المضنون بها عن المحن. دار الناشبة، والحامية المضرمة للحرب المناشبة، والأسطول المرهوب، المحذور الألهوب، والسلاح المكتوب المحسوب، والأثر المعروف المنسوب. كرسي الأمراء والأشراف، والوسيطة لخامس أقاليم البسيطة، فلاحظ لها في الانحراف. بصرة علوم اللسان، وصنعاء الحلل الحسان، وثمرة امتثال، قوله تعالى: @QUR@07 إن الله يأمر بالعدل والإحسان، الأمينة على الاختزان، القويمة المكيال والميزان، محشر أنواع
au XV siecle, Hesperis. tome XII fase II( 1391 )p. 541- 771
Levi Provencal: Las Ciudades y las Insituciones Urbanas del Occidente Musulman en la Edad Media. P, 54( Tetuan 1691 )
الحيتان، ومحط قوافل العصير والحرير والكتان، وكفاها السكنى ببنيونش في فصول الزمان، ووجود المساكن النبيهة بأرخص الأثمان، والمدفن المرحوم غير المزحوم، وخزانة كتب العلوم، والآثار المنبئة عن أصالة الحلوم. إلا أنها فاغرة أفواه الجنوب للغيث المصبوب، عرضة للرياح ذات الهبوب، عديمة الحرث فقيرة من الحبوب، ثغر تنبو فيه المضاجع بالجنوب. وناهيك بحسنة تعد من الذنوب فأحوال أهلها دقيقة، وتكلفهم ظاهر مهما عرضت وليمة أو عقيقة، واقتصادهم لا تلتبس منه طريقة، وأنساب نفقاتهم في تقدير الأرزاق عريقة، فهم يمصون البلالة مص المحاجم، ويجعلون الخبز في الولائم بعدد الجماجم، وفتنتهم ببلدهم فتنة الواجم بالبشير الهاجم، وراعي الجديب بالمطر الساجم، فلا يفضلون على مدينتهم مدينة، الشك عندي في مكة والمدينة.
قلت فطنجة (455)، المدينة العادية، والبقعة التي ليست بالخبيثة ولا بالردية إليها بالأندلس كانت نسبة المغاربة، والكتائب المحاربة، والرفق السائحة في الأرض الضاربة. سورها ليس بمثلوم، وساكنها غير ملوم، وفضلها معلوم، ودارها ليست بدار لؤم. ميدان أفراس كبير، ومعدن هند وذكير، مثلث بين المنار والقالة (456)، وحكماها في التفضيل فأشكل الحكم وتعذرت المقالة، ولم يصح البيع ولا وجبت الإقالة. هذي سماء بروج، وهذي أزمار مروج، وكلاهما مركب سرور وسروج، ومتمتع فروج، ومطعم قديد ومروج. ديارها نبيهة، وأحوالها بأحوال جارتها شبيهة، لكن رملها يحشو العين بالذرور عند المرور، ويدخل الدور، ويفسد القدور ورياحها لا تسكن إلا في الندور، وظلمة جوها متسببة عما وراءها من مغرب الشموس والبدور. وعين برقانها، أعذب عيونها، مشهور بتوليد الهوج، قران عند
الناس غير ذي عوج، ويذكر أن سليمان اختصها بسجن مردة الجن فيعثر بها على أوان ملئت ريحا تثير تبريحا، ويسندون لذلك أفكارا صريحا.
قلت فقصر كتامة (457)، قال مغرد عندليب، وعنصر بر وحليب، ومرعى سائمة، ومسرح بهيمة في الجميم (458) هائمة، ومسقط مزنة (459) غادية، وديمة (460) دائمة. وبه التفاح النفاح، ترتاح إلى شميمه الأرواح، والفواكه قد ثقلت بها الأدواح، يقذف بها المساء والصباح، ويتفنن فيه الحرام والمباح، والسمك كما جردت الصفاح إذا استبحر الكفاح. وطريقه مسلك القافلة، وببابه السوق الحافلة، وينسل إليها من غمارة (461) قرود وفهود، وأمة صالح وهود، ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود. إلا أنه قور قد تهدم، ودار الندوة لأم ملدم، ومنتزي لهائج المرار وثائر الدم. جثم الهواء الخبيث في بطيحته وربض، وانبسط وما أنقبض، وجهز ليله عسكر البعوض الهاجم، دربة بمص المحاجم. وأما وحله فلا يعبر ولا يسبر، وإن أسهبت العبارة فالأمر أكبر.
قلت فأصيلا (462)، قال كثيرة المرافق، رافعة في الخصب اللواء الخافق، العصير الأثير، والحوت الكثير، واللبن الغزير، والإدام الذي يرمى به من حكم عليه بالتعزير، والسفن المترددة وفيها الملف والأبازير. إلا أن حصنها من المنعة بري، وساكنها بربري، وجارها من غمارة جري.
( Allouche: La Revolte des Banu AsKilula contre le sultan Muhammad II, Hesperis, tome xxv, fasc. I) 8391 )P. 2 note 2 (
قلت فمدينة سلا (463)، قال العقيلة المفضلة، والبطيحة المخضلة، والقاعدة المؤصلة، والسورة المفصلة، ذات الوسامة والنضارة، والجامعة بين البداوة والحضارة. معدن القطن والكتان، والمدرسة والمارستان، والزاوية كأنها البستان والوادي المتعدد الأجفان، والقطر الآمن عند الرجفان، والعصير العظيم الشان، والأسواق الممتازة حتى برقيق الحبشان. اكتنفها المسرح والخصب الذي لا يبرح، والبحر الذي يأسو ويجرح، وشقها الوادي يتمم محاسنها ويشرح. وقابلها الرباط (464) الذي ظهر به من المنصور الاغتباط، حيث القصبة والساباط (465) ووقع منه بنظرة الاعتباط، فاتسع الخرق وعظم الاشتطاط، وبعد الكمال يكون الانحطاط.
إلى شالة (466) مرعى الذمم ونتيجة الهمم، ومشمخ الأنوف ذوات الشمم، وعنوان بر الديم، حيث الحسنات المكتتبة، والأوقاف المرتبة، والقباب كالأزهار مجودة بذكر الله أناء الليل وأطراف النهار، وطلل حسان المثل في الاشتهار (467). وهي على الجملة من غيرها أوفق، ومغارمها لاحترام الملوك الكرام أرفق، ومقبرتها المنضدة عجب في الانتظام، معدودة في المدافن العظام، وتتأتى بها للعبادة الخلوة، وتوجد عندها للهموم السلوة، كما قال ابن الخطيب:
وصلت حثيث السير فيمن فلا الفلافلا خاطري لما نأى وانجلى انجلى
ولا نسخت كربي بقلبي سلوة %~% فلما سرى فيه نسيم سلا سلا
وكفى بالشابل رزقا طريا، وسمكا بالتفضيل حريا، يبرز عدد قطر الديم، ويباع ببخس القيم، ويعم حتى المجاشر (468) النائية والخيم. إلا أن ماءها لا يروى به وارد، لا كريم ولا بارد، وأليفها شارد، والخزين بها فاسد، وبعوضها مستأسد، راضع غير مفطوم، واسم للخد والخرطوم بذيالك الخرطوم، خالع للعذار غير مخطوم. تصغي لرنته الآذان، ويفتك بوكز السنان، كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان، وديارها في الماء دار عثمان، وطواحنها غالية الأثمان، وكثبانها العفر تلوث بيض الثياب، طي العياب. وعابر واديها إلى مأرب أكيد في تنكيد، إلى غلبة الإمساك وخوض النساك، وكثرة أرباب الخطط، والإغياء في الشطط، تذود عن جناته للأسد جنان فلا يلتذ بقطف العنقود منها بنان، وفي أهلها خفة، وميزانها لا تعتدل منه كفة.
قلت فأنفا (469)، قال جون (470) الحط والإقلاع، ومجلب السلاع، تهدي إليها السفن شارعة، وتبتدرها مسارعة، تصارف برها الذهبي بالذهب الإبريز، وتراوح برها وتغاديه بالتبريز.
يكثر الطير حيث ينتثر الحب (م) وتغشى منازل الكرماء
وخارجها يفضل كل خارج، وقانصها يجمع بين طائر ودراج، وفواكهها طيبة، وأمطار عصيرها صيبة. وكيلها وافر، وسعرها عن وجه الرخاء سافر، وميرتها لا ينقطع لها خف ولا حافر، لكن ماءها وهواءها عديما
( Juan Leon africano: Descripcion de africa p 701- 801 )
الصحة، والعرب عليها في الفتن ملحة، والأمراض بها تعيث وتعبث، والخزين بها لا يلبث.
قلت فأزمور (471)، قال جار واد وريف، وعروس ربيع وخريف، وذو وضع شريف، أطلت على واديه المنازه والمراقب، كأنها النجوم الثواقب، وجلت من خصبه المناقب، وضمن المرافق نهره المجاور وبحره المصاقب. بلد يخزن الأقوات، ويملأ اللهوات، باطنة الخير، وإدامة اللحم والطير، وساكنه رفيه، ولباسه يتحد فيه، ومسكنه نبيه، وحوته الشابل ليس له شبيه. لكن أهله إنما حرثهم وحصادهم اقتصادهم فلا يعرفون ارضاخا، ولا وردا نضاخا، يترامون على حبة الخردل بالجندل، ويتضاربون على الأثمان الزيوف بالسيوف. بربري لسانهم كثير حسانهم، قليل إحسانهم، يكثر بينهم بالعرض الافتخار، ويعدم ببلدهم الماء والملح والفخار.
قلت فتيط (472)، قال معدن تقصير، وبلد بين بحري ماء وعصير ورباط للأولياء به سرور واغتباط. ومساجدها تضيق عنه المدائن منارا عاليا، وبقلادة الإحكام حاليا؛ إلا أن خارجها لا يروق عين المقيم والمسافر، ولا يشوق بحسن سافر، ومؤمنه يشقى بصداع كافر، وحماه عدو كل خف وحافر، فلو لا ساكنه لم ينبس يوم فخر، ولم ينم إلا إلى صخر.
قلت فرباط آسفي (473) قال لطف خفي، وجناب حفي، ووعد وفي،
ودين ظاهره مالكي، وباطنه حنفي. الدماثة والجمال، والصبر والاحتمال، والزهد والمال، والسذاجة والجلال. قليلة الأحزان، صابرة على الاختزان، وافية المكيال والميزان، رافعة اللواء، بصحة الهواء. بلد موصوف، برفيع ثياب الصوف، وبه تربة الشيخ أبي محمد صالح، وهو خاتمة المراحل، لمسورات ذلك الساحل. لكن ماءه قليل، وعزيره لعادية من يواليه من الأعراب ذليل.
قلت فمدينة مراكش (474)، قال فتنفس الصعداء، وأسمع البعداء، وقال درج الحلي، وبرج النير الجلي، وتربة الولي، وحضرة الملك الأولي، وصرح الناصر الولي. ذات المقاصير والقصور، وغابة الأسد الهصور وسدة الناصر والمنصور. بعدت من المركز دارتها، وجرت على قطب السياسة إدارتها، وسحرت العيون شارتها، وتعبد الإباءة إشارتها، وخاضت البحر الخضم نذارتها وبشارتها. اقتعدت البسيط المديد، واستظهرت بتشييد الأسوار وأبراج الحديد، وبكى الجبل من خشيتها بعيون العيون، فسالت المذانب كصفاح القيون، وقيدت طرف الناظر المفتون، أدواح الشجر بها وغابات الزيتون.
فما شئت من انفساح السكك، وسبوغ الشكك، وانحلال التكك، وامتداد الباع في ميدان الانطباع، وتجويد فنون المجون بالمد والإشباع. زيتها الزمن يعصر، وخيرها يمد ولا يقصر، وفواكهها لا تحصى ولا تحصر. فإذا
تناصف الحر والبرد، وتبسم الزهر وخجل الورد، وكسا غدرانها الحائرة الحلق السرد، قلت انجز للمتقين من الجنة الوعد، وساعد العسد، وما قلت إلا بالذي علمت سعد. ومنارها العلم في الفلاة، ومنزلته في المآذن منزلة والي الولاة، إلا أن هواءها محكم في الجباه والجنوب، يحمي عليها بكير الجنوب، وحمياها كلفة بالجسوم، طالبة ديونها بالرسوم، وعقاربها كثيرة الدبيب، منغصة مضاجعة الحبيب. وخرابها موحش هائل، وبعد الأقطار عن كثير من الأوطار بها حائل، وعدوها ينتهب في الفتن أقواتها، وجرذان المقابر تأكل أمواتها. وكانت أولى المنازل بالإغياء (475) لو أنها اليوم معدودة في الأحياء.
قلت فأغمات (476)، قال بلدة لحسنها الاشتهار، وجنة تجري من تحتها الأنهار، وشمامة تتضوع منها الأزهار، متعددة البساتين، طامية بحار الزياتين، كثيرة الفواكه والعنب والتين. خارجها فسيح، والمذانب فيه تسيح، وهواؤها صحيح، وقبولها بالغريب شحيح، وماؤها نمير، وماء وردها ممد للبلاد وممير. إلا أن أهلها يوصفون بنوك وذهول، بين شبان وكهول، وخرابها يهول، وعدوها تضيق لكثرته السهول، وأموالها لعدم المنعة في غير ضمان، ونفوسها لا تعرف طعم أمان.
قلت فمدينة مكناسة (477)، قال مدينة أصيلة، وشعب المحاسن وفصيلة،
Monographie de Mequinez, Journal Asiatique 5581, I, p. 101- 741 )
فضلها الله ورعاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها. فجانبها مريع، وخيرها سريع، ووضعها له في فقه الفضائل تفريع. عدل فيها الزمان، وانسدل الأمان، وفاقت الفواكه فواكهها ولا سيما الرمان، وحفظ أقوالها الاختزان، ولطفت فيها الأواني والكيزان، واعتدل للجسوم الوزان، ودنا من الحضرة جوارها، فكثر قصادها من الفضلاء وزوارها. وبها المدارس والفقهاء، ولقصبتها الأبهة والبهاء، والمقاصير والأبهاء. إلا أن طينها ضحضاح، لذي الظرف فيه افتضاح، وأزقتها لا يفارقها القذر، وأسواقها يكثر بها الهذر، وعقاربها لا تبقي ولا تذر، ومقبرتها لا يحتج عن إهمالها ولا يعتذر.
قلت فمدينة فاس (478)، فقال رعى الله قطرا تربه ينبت الغنى، وآفاقه
ظل على الدين ممدود، نعم العرين لأسود بني مرين، ودار العبادة التي يشهد بها مطرح الجنة ومسجد الصابرين، وأم القرى، ومأم السرى، وموقد نار الوغى ونار القرى، ومقر العز الذي لا يهضم وكرسي الخلافة الأعظم، والجرية التي شقها ثعبان الوادي فما ارتاعت، والأبية التي ما أذعنت أذعانها للأيالة المرينية ولا أطاعت. أي كلف وكلف، ومتفق ومختلف، ومحاباة وذلف، وقضيم وعلف، وخلف عن سلف، إنما الدنيا أبو دلف. سألت عن العالم الثاني، ومحراب السبع المثاني، ومعنى المغاني، ومرقص النادب والغاني، وإرم المباني، ومصلى القاصي والداني، هي الحشر الأول، والقطب الذي عليه المعول، والكتاب الذي لا يتأول، بل المدارك والمدارس، والمشايخ والفهارس، وديوان الراجل والفارس، والباب الجامع من موطأ المرافق، ولواء الملك الخافق، وتنور الماء الدافق، ومحشر المؤمن والمنافق، وسوق الكاسد والنافق، حيث البنى التي تنظر إليها عطارد فاستجفاها، وخاف عليها الوجود أن يصيبها بعينه الحسود فسترها بالغور (479) وأخفاها.
والأسواق التي ثمرات كل شيء إليها جبيت، والموارد التي اختصت بالخصر وحبيت، والمنازه المخطوبة، وصفاح الخلج المشطوبة، والغدر التي منها أبو طوبة.
بلد أعارته الحمامة طوقها %~% وكساه ريش جناحه الطاؤوس
فكأنما الأنهار فيه مدامة %~% وكأن ساحات الديار كؤوس
اجتمع بها ما أولده سام وحام، وعظم الالتئام والالتحام، فلا يعدم في مسالكها زحام. فأحجارها طاحنة، ومخابزها شاحنة، وألسنتها باللغات المختلفة لاحنة، ومكاتبها مائجة، ورحابها متمائجة، وأوقافها جارية، والهمم فيها إلى الحسنات وأضدادها متبارية. بلد نكاح وأكل، وضرب وركل وامتياز
Levi Provencal: La Fonclation de Fes( Paris 9391 )
من النساء بحسن زي وشكل، يتنبه بها الباه (480)، وتتل الجباه، وتوجد للأزواج الأشباه، إلى وفور النشب وكثرة الخشب، ووجود الرقيق وطيب الدقيق، وإمكان الإدام، وتعدد الخدام، وعمران المساجد والجوامع وإدامة ذكر الله في المآذن والصوامع.
وأما مدينة الملك (481) فبيضاء كالصباح، أفق للغرر الصباح، يحتقر لإيوانها إيوان كسرى، وترجع العين حسرى، ومقاعد الحرس، وملاعب الليث المفترس، ومنابت الدوح المغترس، ومدرس من درس أو درس، ومجالس الحكم الفصل وسقائف الترس والنصل، وأهداف الناشبة أولى الخصل، وأوا وين الكتاب، وخزائن محمولات الأقتاب، وكراسي الحجاب، وعنصر الأمر العجاب. إلى الناعورة (482) التي مثلت من الفلك الدوار مثالا، وأوحى الماء إلى كل سماء منها أمرها فأبدت امتثالا، ومجت العذب البرود سلسالا، وألفت أكوابها الترفه والترف فإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى.
وقوراء من قوس الغمام ابتغوا لها مثالا أداروها عليه بلا شك
فبين الثريا والثرى سد جرمها %~% وللفلك الدوار قد أصبحت تحكي
تصوغ لجين النهر في الروض دائما %~% دراهم نور قد خلصن من السبك
وترسل من شهبانها ذا ذؤابة %~% فتنفي استراق السمع من حوزة الملك
تذكرت العهد الذي اخترعت به %~% وحنت فما تنفك ساجعة تبكي
ثم قال، إلا أن حر هذه المدينة مذيب، وساكنها ذيب (483) ومسالكها
وعرة، وظهائرها متسعرة، وطينها هائل، وزحامها حرب وائل، إن نشد الجفاء ناشد، فهي ضالته المنشودة، أو حشد أصنافه حاشد، فهي كتيبته المحشودة. إلى بعد الأقطار، وعياث الميازب أوقات الأمطار، والاشتراك في المساكن والديار، على الموافقة والاختيار، وتجهم الوجوه للغريب، ذي الطرف المريب، وغفلة الأملس عن الجريب ودبيب العقارب، أرسالا كالقطا (484) القارب (485)، وأهلها يرون لأنفسهم مزية الفضل، ويدينون في مكافأة الصنائع البالغة بالعضل (486). يلقى الرجل أبا مثواه فلا يدعوه إلى بيته، ولا يسمح له ببقله ولا بزيته، فلا يطرق الضيف حماهم، ولا يعرف اسمهم ولا مسماهم، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وقليل ما هم.
ومقبرتهم غير نابهة، وأجدائها غير متشابهة، مشربة حيوان، ومشبعة جرذان، غير وان.
قلت فما تقول في آقر سلوين، قال واد عجيب، وبلد لداع الإيناع مجيب، مخضر الوهاد والمتون، كثير شجر الجوز والزيتون، كنفته الجبال الشم، وحنا عليه الطود كما تحنو على ولدها الأم، فهواؤها ملائم، والعنب على الفصول دائم، إلا أن الشمس لا تطرقه بنوال، ولا ترمقه إلا وقت زوال، قد باء بالحظ الموكوس، وانكمش تحت إبط الظل المنكوس، فجوه عديم الطلاوة، وعنبه للبرد قليل الحلاوة.
قلت فسجلماسة (487)، فقال تلك كورة وقاعدة مذكورة، ومدينة محمودة مشكورة. كانت ذات تقديم، ودار ملك قديم، وبلد تبر وأديم، ومنمي تجر ومكسب عديم. معدن التمر، بحكمة صاحب الخلق والأمر، تتعدد أنواعه فتعيي الحساب، وتجم بها فوائده فتحسب الاقتناء والاكتساب.
قد استدار بها لحلق السور الأمر العجاب، والقطر الذي يحار في ساحته النجاب، فضرب منه على عذارها الحجاب، باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب. يحيط بها مرحلة راكب، ويصيرها سماء مخضرة ذات كواكب. فمنازلها لا تنال بهوان، وفدنها ودمنها تحت صوان، ونخلها تظل من خلف الجدار، وتتبوأ الإيمان والدار، وحللها مبثوثة بين الدمن، وضياعها تتملك على مر الزمن، وسوائمها آلفة للسمن، موجودة بنزر الثمن، وفواكهها حميمة، ونعمتها عميقة، وسورها حصين مشيد، وجسرها يعجز عن مثله معتصم ورشيد، وسقيها يخص دار الملك بحط معلوم، ويرجع إلى وال يكف كل ظلوم. وهي أم البلدان، المجاورة لخدود السودان فتقصدها بالتبر القوافل، وتهدي إلى محاربها النوافل. والرفاهية بها فاشية، والنشا في الحلية ناشية، لكنها معركة غبار، وقتيل عقربها جبار (488)، ولباسها خامل، والجفاء بها شامل، والجو يسفر عن الوجه القطوب، والمطر معدود من الخطوب، لبناء جدرانها بالطوب، والقرع بؤوس أهلها عابث، والعمش في جفونهم لابث، والخصا يصيبهم، ويتوفر منه نصيبهم.
قلت فتازا (489)، قال بلد امتناع، وكشف قناع، ومحل ريع وإيناع، ووطن طاب ماؤه، وصح هواؤه، وبان شرافه واعتلاؤه، وجلت فيه مواهب الله وآلاؤه. عصيره مثل، وأمر الخصب به ممتثل، وفواكهه لا تحصى، يمار بها البلد الأقصى، وحبوبه تدوم على الخزن، وفخاره آية في لطافة الجرم وخفة الوزن، إلا أن ريحه عاصف، وبرده لا يصفه واصف، وأهله في وبال، من معرة أهل الجبال، وليوثه مفترسة، وأخلاق أهله شرسة.
قلت فغساسة (490)، قال فريسة وأكيلة، وحشف وسوء كيلة، إلا أنها مرسى مطروق، بكل ما يروق، ومرفأ جارية بحرية، ومحط جباية تجرية.
ثم لما وصل إلى هذا الحد، نظر إلى حاج السوق قد أفاض، ومزاده أعمل فيه الانفاض، وعلو الأصوات به قد صار إلى الانخفاض. فقال وجب اعتناء بالرحيل واهتمام، وكل شيء إلى تمام. ومددت يدي إلى الوعاء فخرقته، وإلى العين فأرقته، وقلت له لأحكمنك من كرام بني الأصفر، في العدد الأوفر، مائلة في اللباس المزعفر. فلما خضب كفيه بحنائها، وحصلت النفس على استغنائها، استدناني، وشبك بنانه ببناني، وقال لا حبط عملك، ولا خاب أملك، ولا عدم المرعى الخصيب هملك، فلنعم مغلي البضائع، وحافظ الفضل الضائع، ومقتني الفوائد، ومعود العوائد. وستثبت مخيلته، فإذا الشيخ وتلميذه، وحماره ونبيذه، وقد تنكر بالخضاب المموه، والزي المنوه وعاث بخد الغلام الشعر المشوه. فقلت، هيه أبت المعارف أن تتنكر، والصباح أن يجحد أو ينكر، كيف الحال بعدي، وما اعتذاراك عن إخلاف وعدي، فقال:
خذ من زمانك ما تيسر %~% واترك بجهدك ما تعسر
ولرب مجمل حالة %~% ترضى به ما لم يفسر
والدهر ليس بدائم %~% لابد أن سيسوء إن سر
واكتم حديثك جاهدا %~% شمت المحدث أو تحسر
والناس آنية الزجاج إذا عثرت به تكسر
لا تعدم التقوى فمن %~% عدم التقي في الناس أعسر
وإذا امرؤ خسر الإله %~% فليس خلق منه أخسر
ثم ضرب جنب الحمار، واختلط في الغمار، وتركني أتقرى الآثار، وكل نظم فإلى انتثار.
الرسالة الرابعة رحلة لسان الدين بن الخطيب في بلاد المغرب عن كتاب نفاضة الجراب في علالة الاغتراب
[لوحة رقم 2] بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد وآله ...
فصل في ذكر جبل هنتاته (491)
( Pierre de Cenival: Les Emirs de Hintata Rois de Marrakeeh, Hesperis 7391 t. XXIV p. 542. )
وعملنا على الصعود إلى الجبل المطل عليها، والجارح المرفرف على دراجها مقتصرين على حدود هنتاته، عنصر الدعوة، وأولياء الدولة المرينية، وحلفاء الطاعة المخصوصين برعي الجوار، والاستماتة من دون الحرمة، وشد عروة الوفاء، وسد الخلة واستحقاق الشفوف (492) على غيرهم والمزية، إذ كان ذلك أقوى بواعث الوجهة، وأخلص مقاصد الرحلة.
وقدمت بين يدي وصولي إلى مراكش، المخاطبة إلى عميد تلك البقعة، وشاه تلك الرقعة، صدر هذه الحدود القصوى، المتميز بالرجاحة والرأي والسياسة، المتفق فيه إفاضة العدل، وكف اليد، والتجافي عن مال الجباية، والمستأثر بحمد الجمهور من الرعية، وحب أولي العفاف والخيرية، إلى النبل الذي لا يطيش نبله، والإدراك الذي لا يفل حده، والدهاء الذي لا يسير غوره، والمعروف الذي لا يتجاوز محال الضرورة حكمته، عامر بن محمد علي (493) الهنتاتي، بما نصه (494):
geografique d'apres Leon I'Africain( Alger 6091 ).
( Levi Provencal: Decoments Inedits D, Histoire Almohade p. 26 Note 4 )
تقول لي الأظعان والشوق في الحشا %~% له الحكم بمضي بين ناه وآمر
إذا جبل التوحيد أصبحت فارعا %~% فخيم قرير (495) العين في دار عامر
وزر تربها المعصوم (496) إن مزارها %~% هو الحج يمضي (497) نحوه كل ضامر
ستلقى بمثوى عامر بن محمد %~% ثغور الأماني من ثنايا البشائر
ولله ما تبلوه من سعد وجهة %~% ولله ما تلقاه من يمن طائر
وتستعمل الأمثال في الدهر منكما %~% بخير مزور أو بأغبط زائر
لم يكن همي، أبقاك الله، مع فراغ البال، وإسعاف الآمال، ومساعدة الأيام والليال، إذ الشمل جميع، والزمن كله ربيع، والدهر مطيع سميع، إلا زيارتك في جبلك الذي يعصم من الطوفان، ويواصل أمنه بين النوم والأجفان، وأن أرى الأفق الذي طلعت منه الهداية، وكانت إليه العودة ومنه البداية. فلما حم الواقع (وعجز عن خرق الدولة الأندلسية الراقع) (498) وأصبحت ديار الأندلس وهي البلاقع، وحسنت من استدعائك إياي المواقع، قوي العزم وإن لم يكن ضعيفا، وعرضت على نفسي السفر بسببك فألفيته خفيفا، والتمست الإذن حتى لا ترى في قبلة السداد تحريفا، واستقبلتك بصدر مشروح، وزند العزم (499) مقدوح، والله يحقق السول، ويسهل بمثوى الأمائل المثول، ويهيئ من قبيل (500) هنتاته القبول بفضله.
فأكرم الوفادة، وأطرأ (501) بين يدي الإمارة، وأستدعى من محل سكناه بمراكش إلى دار الكرامة، وشرك في الطعام نبهاء الدولة وعلية الخاصة.
وأطرف من استجلاء منزله بقرة العين، انفساخ خطة، والتفاف شجرة، وجرية ماء واستبحار بركة. واستكثر من كل طرفة، ونقل من جلسة إلى
جلسة، وحرص على تتميم البر بكل حيلة.
وفي يوم الاثنين المتصل بيوم القدوم، توجهنا إلى الجبل في كنف أصحابه تحت إغراء بره، وفي مركب قرة عينه، فخرجنا نستقبل بين يديه السهل، ونساير الجهة، ونشاهد الآثار، ونتخطى المعاهد، وننشق (3 و) النسيم البليل القريب العهد بمادة الثلج وعنصر البرد، ولما بلغنا درج الجبل، وانتحينا طريقه من السفح، وهي تركب ضفة الوادي الملتف بعادي شجر الجور والطرفاء وشجر الخلاف والدردار، وأمعنا (و) (502) كابدنا عنتا في اقتحام الوادي ذي الجرية الكثيرة الصبب، المسوقة المد، العظيمة التيار، المجهولة المخاض، ونقتحم منه أزرق شفافا عن الحصباء، كثير الجلبات، أملس الصفاح، لذاع البرد، عبرناه نحوا من ثلاثين مرة في أماكن يتخللها الدوح، ويعظم الريع، وتخصر الحرباء، وتسمو عن جانبها الجبال الشم، والشعبات التي تزل بها العصم، وتفضي دروبه إلى أقوار (503) فسيحة وأجواء رحيبة، يكتنفها العمران، ويموج بها السنبل.
ولما كدنا أن نختم عدد نوب المجاز، ونأتي على عنته، تلقتنا الخيل راكضة أمام اليعسوب المتبوع عبد العزيز بن محمد الهنتاني، صنوه وحافظ سيقته، وقسيمته في قعساء عزته، الحسن الوجه، الراجح الوقار، النبيه المركب، الملوكي البزه، الظاهر الحياء المحكم الوخط إيثارا للحشمة واستكثارا من مواد التجلة على الفتاء والجدة. فرحب وأسهل، وارتاح واغتبط، وألطف وقدم، وصعدنا الجبل إلى حلة سكناه، المستندة إلى سفح الطود، وقد هيأ ببعض السهل الموطأ للاعتمار بين يدينا من المضارب كل سامي العماد، بعيد الطنب، سوي القامة، مقدر التفاصيل، بديع النقش والصنعة، ظاهر الجدة، مصون عن البذلة، يظلل من مراتب الوطاء الرفيع، ولحف الحرر (3 ط) ومساند الوشي، وانطاع مزعفر الجلد ما تضيق عنه القصور المحجبة والأبهاء المنضدة. ولم يكد يقر القرار، ولا تنزع الخفاف، حتى غمر
( Dozy: Supplement aux Dictionnaires Arabes. II p. 714 a )
من الطعام البحر، وطما الموج، ووقع البهت، وأمل الطحو (504)، ما بين قصاع الشيزي أفعمها الثرد، وهيل بها السمن، وتراكبت عليها لسمان الحملان الأعجاز، وأخونة تنوء بالعصبة أولي القوة، غاصة من الآنية بالمذهب والمحكم، مهدية كل مختلف الشكل، لذيذ الطعم، مهان فيه عزيز التابل، محترم عنده سيدة الأحامرة الثلاثة (505)، إلى السمك الرضراض والدجاج فاضل أصناف الطيار، ثم تتلوها صحون نحاسية تشتمل على الطعام خاص من الطير والكباب واللقالق (506)، يقع منها بعد الفراغ إلمام ذلك الرئيس في نفر من خاصته مما يدل على اختصاص ذلك بنفسه. ويتلو ذلك من أصناف الحلواء بين مستبطن للباب البر، ومعالج بالقلو، وأطباق مدخر الفاكهة وأوعية العود المحكم الخلق، المشتملة على مجاج الشهد. وقد قام السماط من خدام وأساودة أخذتهم الآداب وهذبتهم الدربة، فخفت منهم الحركة، وسكنت الأصوات، وانشمرت الأذيال، وقد اعتم من الآنية النحاسية للوضوء والوقود كل ثمين القيمة، فاضل أجناسه في الطيب والأحكام والفخامة.
ولم يكد يفرغ من الأكل إلا وقد جن الليل، وتلاحق من الطعام السيل، مربيا على ما تقدم بالروية وانفساح زمان الاحتفال، وتفنن أصناف الحلواء، وتعدى (4 و) عسليها إلى السكر، وكان السمر والمجالسة في كنف لألاء الشموع الضحاكة فوق المنصات النحاسية، والأنوار اللاطونية (507).
فاستعيد الكثير من تاريخ القطر وسيره، وخبر لجأ السلطان المقدس أمير المسلمين أبي الحسن (508) إلى قنتة، والتحرم بمنيع وعز جواره على تقية هيض
جناحه، وتبرى أثيره عميد العساكر منه، وإطراق العيون عند نجدته، وتصاميم المسامع عند هاء استغاثته، وقد خذل النصير، وزلت الأقدام وساءت الظنون، وما كان من إجابة هذا الندب عبد العزيز لندائه، والتبجح بمنعة جبله، ووفور عدته، وأصيل وفائه واستصحابه إلى مقر أهله ومفزع ولده، ودفاعه بنفسه وقبيله ورضاه بتغير ما تناله الأيدي بالسهل من نعمته، فعادت قاعا صفصفا بمرآي من عينه، فعاثت فيها السنة النار بأرض البوار عن طيب من نفسه حتى لكادت الكرة أن تتاح، والدولة أن تتداول، والملك أن يثب، والعثرة أن يقال لها لعا. ولو لا طارق الأجل الذي فصل الخطة، وأصمت الدعوة، ورفع المنازعة. فتوفاه الله بين السحر والنحر، والأنف والعين، وأستأمن من بعده لمن كان خلص إليه من خدامه، وانحدر طوعا بين يدي سريره، وأبقى محل وفاته مرفها عن الابتذال بالسكنى، مفترشا الحصباء مقصودا بالابتهال والدعاء، فتخلفها أي منقبة شماء، ومأثرة بلغت ذوائبها أعنان السماء، ويدا على (4 ط) الخلق بيضاء.
ومن الغد كان التوجه إلى ذلك المحل المبارك، فاقتحمنا وعرا نزل فيه الذر (509)، ولا يسلكه مع الحلم الطيف. وتسنمنا شعابا تعجز عنها العصم،
( Un nouveau texte d histoire merinide: le musnand d Ibn Marzuk. Hesperis V 5291 )
وتجاوزنا مهاوي مدت فيها أسراط من الخشب ترتفع عند الضرورة الفادحة، فتنقطع عمن وراءها الآمال، إلى أن أفضينا ولم نكد إلى المحل المقصود وهي دار قوراء نبهة البنية بالنسبة إلى جنسها (510) ... ساذجة بادية ملطخة الجدرات بالطين الأحمر، متقابلة الأشكال بيوتها، لاطية السقف غير مهذبة الخشب، بأعلاها غرف من جنسها، يدور بداخلها برطال (511) مستعل على أرجل متخذة من اللبن، والحجر ملبس بالطين، والبيت حيث متوفى السلطان مفترش بالحصباء، قد ترك فيه دائرة كالقصعة تباشر الثرى، وتمكن من تربته من يقصد شفاء المرضى، وكحل العيون المرهى، إذ كان (رحمه الله) آخر ملوك العدل نشأة، لم تعرف الخبائث، ولا آثرت الملاذ مغنيا في بر والديه مصرفا في انتساخ الذكر الحكيم يمنى يديه، محافظا على الصلاة قيوما عليها بالليل، كثير الصدقة والصوم، مجالسا للعلماء، مستكشفا أحوال الرعايا، حانيا على الضعفاء، معملا في سبيل الله بيض الظبا (512)، صابرا على اللأواء، محتسبا في البلوى، مستشعرا شعار التقوى، ألحقه الله بالرفيق الأعلى. وبإزائه مصراع باب غسلت عليه جثته الزكية، لا تتمالك العين أن تنتثر سلوك دموعها، ولا القلوب أن تأخذ الحسرة بكظمها، لما عض ذلك الملك الحلاحل (513) من الخطب الذي عوضه من نضرة النعيم، ووجوه الغرانقة (514) الغر، والتوكؤ على النمارق المصفوفة، والزرابي المبثوثة، في المتبوأ الكريم، واستثقال طلعة البدر، واستجفاء هبة النسيم بقنن الجبال الغبر، وسكنى المحال الخشن، ومفارقة الأهل والولد عند فراق الروح للجسد. جعلنا الله من الدنيا على حذر وتوق، وكتبنا ممن قدر قدره ولم يأمن مكره. فقعدنا
وقرأنا وأفضنا في الترحم ودعونا.
وكان الانصراف بعد أن ألممنا في تلك المحلة بمسجد إمامهم (515) المهدي ودار سكناه، وأثر مدرسته وسجنه، كل ذلك من الخمول واللطو واستهجان الآلة على حال شبيهة بمباني الدبر (516)، وقرى النمل، وأعشاش الخشاش (517) من الطير. فعجبنا من مفتاح تلك الدوبرة المهتضمة، كيف تملك من القصور العظيمة ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة؛ ولمنبر ذلك المسجد كيف أخذ على كونه قمئ الجلسة، مصاحبا لبعض القشر، بريا من الصنعة بأزمة المنابر المتخذة من الألوة (518) والصندل المقاصري في لونيه، والأبنوس الحبشي، وأنياب الفيول، وأرعاها بعصياه، واستاقها بين يدي طاعته كالذود الشائل والسائمة الواردة ما بين قرطبة واشبيلية وغرناطة وإفريقية (519) والمغرب، سنة الله في إدالة الدول، وتعقيب النحل، ألم تر [إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده].
( Pierre de Cenival: Les emirs des Hintata Rois de Marrakech- )Hesperis t. XXIV, 7391 (.
وانحدرنا عن ذلك المرفق فأسهلنا ببطن الوادي، وأرحنا بجلسة موطأة معدة لاستجمام السلطان (رحمه الله)، قد ظللتها الأشجار، تجري تحتها عين خرارة كأعظم الأنهار فوق حصى كدر النحور، القريبة العهد بلجج البحور، أو كثنايا (520) الحور. تركت في تلك الجلسة أثقاب وخروت (521) تفضي إليه، تجعل الجعائل (522) على إمساك اليد بها برهة معتبرة، يفتضح متعاطي ذلك لخصرها (523)، وما يؤثر البرد الشديد في حس عصبها. وجلب إلى ذلك المكان من الطعام والفاكهة والشهد ما يحار فيه الوصف.
ثم انتقلنا إلى محل النزول، ومثوى الكرامة من المضارب، ودعينا إلى الدور حيث سكنى أولئك الأشراف، يغمرنا بكل دار منها من الأطعمة ما يحار فيه الفكر ولا تنال منه إلا العين. وتشاهد من أجناس الفرش المرفوعة والمراتب المقدرة، والستر الديباجية المسدولة على الأرائك الممهدة، والسيوف المعلقة، تتخللها العدة من أصونة مدمج (524) القرآن وصحيح الحديث ساكنة منها في جفون (525) منقوشة محلاة بالإبريز، مقلدة بمحامل الحرير النسيج.
وعند الانصراف إلى المضارب، أقبلت التحف والهدايا من المقربات الكاملة تختال في الحلية، والكسا الرفيعة طي الأوعية الرقيمة، فعجز الشكر وبان التقصير.
ثم غمر الطعام وتخلف الشيخ عن المجالسة والمؤاكلة معتذرا عنه بألم مانع نغص لدينا النعيم، وكدر (6 و) الشرب (526) تطيرا من وداعنا إياه حلس فراش أو رهين شكاية. ثم (إنه حدسنا أنه ألم الحسباء) (527) وتذكرنا قول الأول:
إذا غدا الطيب يجري في مفارقهم %~% راحوا كأنهم مرضى من الكرم
فحقت الظنة، وصدقت المخيلة.
ومن الغد كان الانصراف، فشيع وأبعد، وتألم للمفارقة وتوجع، كثر الله مثله، وكافأ قوله وفعله، وأورث عز تلك البقعة عقبه.
ولم أبرح يوم زيارة محل وفاة السلطان أمير المسلمين أن قلت (528):
يا حسنها من أربع وديار %~% أضحت لباغي الأمن دار قرار
وجبال عز لا تذل أنوفها %~% إلا لعز الواحد القهار
ومقر توحيد وأس خلافة %~% آثارها تنبي عن الأخبار
ما كنت أحسب أن أنهار الندى %~% تجري بها في جملة الأنهار
ما كنت أحسب أن أنوار الحجى %~% تلتاح في قنن وفي أحجار
محت جوانبها البرود وإن تكن %~% شبت بها الأعداء جذوة نار
هدت بناها في سبيل وفائها %~% فكأنها صرعى بغير عقار
لما توعدها على المجد العدا %~% رضيت بعيث النار لا بالعار
عمرت بحلة عامر وأعزها %~% عبد العزيز بمرهف بتار
فرسا رهان أحرزا قصب الندى %~% والبأس في طلق وفي مضمار
ورثا عن الندب الكريم (529) أبيهما %~% محض الوفاء ورفعة المقدار
وكذا الفروع تطول وهي شبيهة %~% بالأصل في ورق وفي إثمار
أزرت وجوه الصيد من هنتاته %~% في جوها بمطالع الأقمار
لله أي قبيلة تركت لها النظ %~% راء دعوى الفخر يوم فخار
نصرت أمير المسلمين وملكه %~% قد أسلمته عزائم الأنصار
آوت (530) عليا عند ما ذهب الردى %~% والروع بالأسماع والأبصار
وتخاذل الجيش اللهام وأصبح ال %~% أبطال بين تقاعد وفرار
كفرت صنائعه فيمم دارها %~% مستظهرا منها بعز جوار
وأقام بين ظهورها لا يتقي %~% وقع الردى وقد ارتمى بشرار
فكأنها الأنصار لما آنست (531) %~% فيما تقدم غربة المختار
لما غدا لحظا وهم أجفانه %~% نابت شفارهم عن الأشفار (532)
حتى دعاه الله بين بيوتهم %~% فأجاب متمثلا لأمر البارى
لو كان يمنع من قضاء الله ما %~% خلصت إليه نوافذ الأقدار
قد كان يأمل أن يكافئ بعض ما %~% أولوه لولا قاطع الأعمار
ما كان يقنعه لو امتد المدى %~% إلا القيام بحقها من دار
فيعيد ذاك الماء ذائب فضة %~% ويعيد ذاك الترب ذوب نضار
حتى تفوز على النوى أوطانها %~% من ملكه بجلائل الأوطار
حتى يلوح على وجوه وجوههم %~% أثر الرعاية (533) ساطع الأنوار
ويسوغ الأمل القصي كرامها %~% من غير ما ثنيا ولا استقصار
ما كان يرضي الشمس أو بدر الدجى %~% عن درهم فيه ولا دينار
أو أن يتوج أو يقلد هامها %~% ونحورها بإهالة ودواري
حق على المولى ابنه إيثار ما %~% بذلوه من نصر ومن إيثار
فلمثلها ذخر الجزاء ومثله %~% من لا يضيع صنائع الأحرار
وهو الذي يقضي الديون ومثله (534) %~% يرضيه في علن وفي أسرار
حتى تحج محلة رفعوا بها %~% علم الوفاء لأعين النظار
فيصير منها البيت بيتا ثانيا %~% للطائفين إليه أي بدار
تغنى قلوب القوم عن هدي به %~% ودموعهم تكفي لرمي جمار
حييت من دار تكفل سعيها ال %~% (م) محمود بالزلفى وعقبى الدار
وضعت عليك من الإله عناية %~% ماكر ليل فيك إثر نهار
فلا تسل عن حسن موقعه لديه، وسرور نفسه به. وفي الحين طير به
إلى أخيه كبيره (535) وهو على سمو قدره وعلو ذروته، أشد الناس إيجابا لحقه، وانخفاضا لبأوه، وتطامنا بمجلسه، يقرضه وزان الأب في إلانة القول، وانكسار الطرف تتميما لوظائف المجد، وإقامة لسوق الحرية. فأورى عند لقائنا إياه زنده، وعقب الصلة الجزيلة عذره، وبلغ قصبات السبق فضله.
وانحدرنا من الغد إلى مدينة أغمات وريكة (536) عن درج نزلنا لجراه عن الظهر. وقدنا الدواب قودا، فجازت ناحية عن صراط بعد سياط ومياط. واجتزنا على ديار هنتاته بذلك السفح على حدود أضدادهم الوريكيين، وقد أسهلوا وانبسطوا، ومثلت لهم الديار الحمر، تحف بها البساتين الخضر، تخترقها المذانب (537) الزرق. وأرحنا ن تلك الجهة بالمسجد البديع الحافل البنية، السامي المئذنة (538)، المقام لصق دار موسى بن علي الهنتاتي، البادي طللها، المنبئة عن أخبارها آثارها، توسعه ما شاء من ثناء ورحمة.
ثم أتينا مدينة أغمات في بسيط سهل موطأ لا نشز فيه ينال جميعه السقي الرغد، وتركبه الخلجان وقد تموج به العشب، وعافته الأيدي وغلت أيدي فلاحه الفتنة. وهذه المدينة قد اختطت في الفضاء الأفيح، فبلغت الغاية من رحب الساحة وانفساح القورة، مثلت قصبتها منها قبله، وسورها محمر الترب، سجح الجلدة، مندمل الخندق، يخترقها واديان اثنان من ذوب الثلج وسور الجبل، قامت بضفتيها الأرحاء واردة وصادرة، مرفوعة
( J. Leon Africano Descripcion de Africa p. 37 ).
الأسداء، منيعة البناء. يمر أحدهما بشرقي المسجد الجامع طامي العباب محكم الجسور، نظيف الحافة، نزهة للأبصار وعبرة لأعين النظار. ومسجدها المذكور عتيق عادي كبير الساحة، رحيب الكنف متجدد الألقاب.
ومئذنته (539) لا نظير لها في معمور الأرض. أسسها أولوهم مربعة الشكل وما زالوا يبخسون الذرع، ويجحدون العرض، حتى صارت مجسما كاد يجتمع في زاوية المخروط. وأدير عليه فارز من الخشب يطيف بناء (540) لاط، وقد أطل سامي جامورها (541) فوقه، فقبحت حتى ملحت واستحقت الشهرة والغرابة.
وأهل هذه البلدة ينسب إليهم نوك (542) وغفلة علتها، إن صدقت الأخبار، سلامة وسذاجة، فتعمر بملحهم الأسمار، وتتجمل بنوادر حكاياتهم الأخبار. فمنها أن ملك المغرب لما عجب من هذه المئذنة، استأذنوه في نقلها إلى بلده على سبيل الهدية، يجعلونها تحفة قدومه، وطرفة وفادته.
وبإزائها المسجد، بينه وبين النهر المار بإزائه قبة عظيمة القبو، فخمة البنية، ترقص فيها فوارة خرقاء في خصة من الحجر الأدكن مشطوفة الباطن رحيبة القطر، قد تثلمت بعض حافاتها لمماسة الأيدي، ومباشرة أجرام الخزف والفخار عند الاغتراف بما ينبئ عن قديم عهد وطول مدة.
وللسلطان بهذه المدينة دور حافلة تدل على همم ومعالي أمم، واحتفال عوالم درجوا وأمم، قد ركلها العفا وجذب معاطفها الخراب. فما شئت من خشب منقوشة وأطم (543) مرقومة.
وبداخل هذه المدينة بساتين وجنات، ولم يبلغ الخراب من مدينة ما بلغ من هذه الأيم (544) المهتضمة، فتشعثت محاسنها، وأخلقت ملابسها وأوحش عمرانها لتتابع الفتن وعيث الشرار لا تعبدهم الطاعة ولا ترعهم الشريعة.
أنقذ الله من لهاة التبار (545) فريستها واستدرك بمدافعته مسكنها.
وأطرفني الخطيب بها بأخبار من اعتقل فيها من مخلوع ملوك الأندلس وأمراء طوائفها كالمعتمد بن عباد، وأبي محمد عبد الله بن بلقين بن باديس (546) أمير وطننا غرناطة. ووقفني على تاريخ صدر عنه أيام اعتقاله، يشرح الحادثة على ملكه في أسلوب بليغ ختمه بمقطوعات من شعره تشهد بفضله (547).
وزرت بخارجها قبر المعتمد على الله أبي القاسم بن عباد، أمير حمص (548) وقرطبة والجزيرة وما إلى ذلك الصقع الغربي (رحمه الله)، وهو بالمقبرة القبلية عن يسار الخارج من البلد، قد توقل (549) نشرا غير سام وإلى
Levi Provencal: Les Memoires de Abd Allah, dernier roi Ziride de Grenade Al Andalus Vol. )III 5391, Vol IV 6391- 9391 (
جانبه قبر الحرة حظيته وسكن نفسه اعتماد إشراكا لا سمها في حروف لقبه، المنسوبة إلى رميك مولاها، المتولعة بشأنه معها أخبار القصاص وحكايات الأسمار إلى أجداث من ولدهما. فترحمنا عليه وأنشدته (550)
قد زرت قبرك عن طوع بأغمات %~% رأيت ذلك من أولى المهمات
لم لا أزورك يا أندى الملوك يدا %~% ويا سراج الليالي المدلهمات
وأنت مولى (551) تخطى الدهر مصرعه %~% إلى حياتي أجادت (552) فيه أبياتي
أناف قبرك في هضب يميزه %~% فتنتحيه حفيات التحيات
كرمت حيا وميتا واشتهرت علا %~% فأنت سلطان أحياء وأموات
ما رئي مثلك في ماض ومعتقد (553) %~% في أن لا يرى الدهر في حال ولا آت
وزرت أجداثا لأولياء وصالحين ختمتها بقبر الولي المتبرك بن أبي عبد الله محمد الهزميري (554).
وكان الانصراف عنها من الغد، وماشينا أدواح الزيتون والأشجار، تساوقها جريات الأنهار، تتخللها أطلال الحلل والديار نيفا على شطر البريد لا تنال صفح ثراه الشمس ولا ترتاده الحرباء، تتجاوب أصوات الحمام المطوق فوق غصونه. وقد اقتطعت ذلك الجناب الخصيب أيدي الوحشة، وأخيفت من حلل غابة السابلة، وسكن ربوعه الآهلة البوم، فيالها من مدينة
Levi Provencal; Le Musnad d'Ibn Marzuk Hesperis 5291 t. V farc. I p. 64 et notes 3, 4
( Levi Provencal; )Historiens de Chorfa, p. 322 et note 3 Paris 2291
غزر ماؤها وصح هواؤها، وأينعت أرحاؤها، وضفى عليها من المحاسن رداؤها.
وانتهبنا السهل انتهابا، فدخلنا المدينة في متمكن الضحى، وألفينا محلة ولد السلطان مولانا قد استعجل الأمر استقدامها، فخيمت على فرسخين، فشرعنا في الأياب، وانتحينا طريق الساحل لنستدرك بمدينة آسفي (555) زيارة من بها من أولياء الله الصالحين وعباده المقربين.
وكل أخ مفارقه أخوه %~% لعمر أبيك إلا الفرقدان (556)
قلت نعم والفرقدان، سبحان من استأثر بالبقاء لا إله إلا هو.
ولقيت بهذه المدينة جملة من أولي الدين والدنيا، فمن أهل الدنيا الشيخ الجليل كبير القطر، ومفرغ الرأي ومسيطر خاصة الإمارة، متصرف وجوه الوجوه أبو ثابت عامر بن محمد، وأخوه (557) هضبة الوقار، ونير الأفق، وزهرة روض ذلك الحزن (558)، ويأقوتة ذلك الجبل، وقد مر من التعريف بهما ما يغني عن الإعادة. ومنهم نائب الملك وحافظ الرسم وجار القصر الشيخ الفقيه علي بن العباس بن موسى بن أبي حمو (559)، المعتام لكفالة أولياء العهد، المستظهر بأمانته وصدقه على حفظ الأقطار المستباح الحمى في سبيل الوفاء، أجمل الشيوخ وجنة، وأسناهم شيبة، وأحسنهم صورة، إلى الخلق السهل واللسان البليل الإطراء والبر، والذرع الفسيح، والمخاطبة المفضلة
( J. Barges; Histore de Beni Zeiyan, Rois de Tlemecen-
Ouvrage traduite de l, arabe, Paris 2581 ); J. l, Histoire des Beni Zeiyan Rois de Tlemecen, ouvrage du Barges: Complement de
بفرائد التسويد، تكررت على المدى زيارته، وانصرفت شطر الوجهة عنايته، واسترخصت في استجلاب القصور والمعاهد هشته، وخفت إليها على الكبر والرقبة حركته.
ثم جمعت بين الغرة العتيقة والمهندة المحلاة والصامت الدثر هديته، عن خصاصة متقرره، وحال رقيقه لقصور دخله عن خرجه، وما جره كف يده، ووازع عفته، وجناه الوفاء من نكبته. أصلح الله حاله، وزاده من جميل نظر الملك ما يقيم أوده.
ومنهم والي الوطن، ومؤمن السبل، وجماعة مال الجباية، الشيخ الرئيس الفقيه أبو عبد الله بن حسون بن أبي العلي وقد مر بعض ذكره (560). وهو فريد العصر بل الدهر في الخلال المبرة والخصال الحرة، من مذكر بالبرامكة، مغبر في وجوه سباقهم انتهازا لفرص المكارم، وسالكا في هوى المآثر، ما شئت من مغل لبضائع الحمد، منتقب بورد الخجلة، مرسل أعنة الاعتذار في أعقاب ملوكي العطية، يهب الكتائب غانمات، والمهى مستردفات، والجياد عرابا، يقوم على الأصلين والنطق، وهما الفنان المهذبان للعقل، المستدعيان لكثير من المواد، يعترف له بالتقدم في ذلك مشارك في غيره، حسن الصورة، مهيب جزل وقور حاسر عن الاطلاع والكفاية. لم يبلغ عندي في البر مداه، ولا بلغ جناح شكر ندى كنداه. ولقد أقسم بالغموس بعد أن بان رزحه من وظائفه الباهظة (561)، وقعود زمنه عن أمله، وقصور وجده عن مرمى همه أن لو ألفى سعته التي تعودها، لنقدني ثمن ما غصبته بالأندلس عن يد (562)، إبلاغا في المكارمة ونزغا إلى هدف الحرية، واسترقاقا
لرقبة السؤدد، حفظ الله نعمته، وحاط حظوته، ورد عنه النوائب صاغرة، والحوادث ناكصة. وكثيرا ما خاطبته بعد وداعه من محال كرامته بالطريق من عمالته الفسيحة الخطة، وقد الزم من نبلاء لخدامه من تمم الوظائف وكمل المآرب بمثل قولي:
يا خاتم الفضل أو يا حاتم الزمن %~% ومشتري الحمد بالغالي من الثمن
ومرسل المثل الجاري بكل علا %~% فوق البسيطة من شام إلى يمن
يا من إذا ما حكاه الجلة افتضحوا %~% إذ التورم ممتاز من السمن
يا من تلقيت منه الخلق في رجل %~% وقدت نافرة الأيام في رسن
لله ماذا رأت عيني وقد لمحت %~% ذاك الكمال وماذا قلدت أذني
دع ذكر قيصر أو كسرى وما جمحت %~% به الحكاية عن سيف بن ذي يزن
ما الفخر إلا لملك أنت تخدمه %~% فحل (563) منه محل الروح في البدن
إن لم يفز منه بالغايات مثلك أو %~% تعلو الكواكب في آفاقه فمن؟
تبأى العلا منك يوم الفخر بابن أب جم السيادة عف السر والعلن
ماضي العزيمة ميمون نقيبته %~% جار من البر والتقوى على سنن
إلى مضاء كنصل السيف يعضده %~% رأي يفرق بين الماء واللبن
أفادني زمني لقياك معتذرا %~% عما جناه فلا أدعو على زمني
من بعد لقياك لا آسى على وطر %~% مهما تعذر أو أبكى على وطن
عقدت صفقة ودي فيك رابحة %~% إن حالت الحال لا تخشى من الغبن
فالبس نسيجة ما قدمت معلمة %~% من صنعة اليمن تنسى صنعة اليمن
من زار ربعك لم تبرح جوارحه %~% تروى أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلة %~% والقلب عن جابر والأذن عن حسن
ومنهم صاحب الأشغال (564) ملك الحضرة الشيخ الفقيه الموصوف بالسلامة والعفة، الكاسع إلى صف الانقباض، المتحيز إلى فئة العافية، المعفي
اليد عن غمسها في كيل (565) الجباية، أبو الحسين بن الرئيس الصدر، مؤمل الدول الأولى المخصوص باليد الطولى، أبي محمد عبد الله بن أبي مدين (566).
جالسته فرأيت ذكائه متوارثا في حجر تغافل، وسذاجة تشف عن ظرف، وخاطبني صحبة برنكانه (567) بما نصه:
أيا سيدا حاز سبق العلا %~% بفضل النهى والسجايا الحسان
ويا نخبة الوقت والمقتدى %~% به في فنون علوم اللسان
ويا أوحد العصر في نثره %~% وفي نظم شعر كنظم الجمان
بنان تريك بخط اليراع %~% بمهرقها سحر علم البيان
لقد حزت في العلم أعلامه %~% بحفظ النصوص وفهم المعان
وحزت ذرى كل شأو رفيع فلا تسألن عن فل أو فلان
وفقت ابن أوس (568) بنظم بديع %~% كما فقت نثرا بديع الزمان
أنار بك القطر لما قدمت %~% وظرف الزمان وظرف المكان
وأنست منا نفوسا لها %~% بقربك ما تشتهي من أمان
( ISmail Ibn Al Ahmar: Rawdat An- Nisrin, p. 17 et note 3, edition et traduction par Gh. Bouali Georges Marcais, Paris 7191 )
( Levi Provencal; Un Noveau Texte D'Histoire Merenide ..., Hesperis 5291 Tome V p. 03 )
تقبل هدية من لم يزل %~% يحبك بالسمع قبل العيان
فلما رأى شخصكم زاده %~% ولوعا بكم حسن تلك المعان
سلام زكي كعرف زكي %~% يخصكم ما بدا النيران
ومن أهل العلم والدين الشيخ الفقيه القاضي أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله الهرغي (569) الزقندري، وزقندر معدن الفضة ببعض تلك الجهات ولذلك ما قلت أداعبه:
سألتك عبد الله إيضاح مشكل %~% وأنت لكشف المعضلات بمرصد
زقندر قالوا عنه معدن فضة %~% فما باله أبداك ندرة عسجد
فاضل متفنن حسن الهيئة، راجح الوزان كثير الوقار بعيد عن الدخلة، متساوي الظاهر والطوية، مطرح للهوادة، ما شئت من رجل غزير الحفظ، جيد المعرفة، مضطلع بفنون، سديد النظر، جم المشاركة في حديث ورواية وتاريخ وخبر وكلام وفقه ونظم ونثر، إلى فضل المجالسة وحسن العشرة والغفلة عن نصيب النفس والاحتطاب في حبل الرفق، وإقطاع، غبيط السذاجة وفضل الفكاهة، والجهر بالتلاوة في سبيل الورد المترتب ناشئة الليل ومبادئ الأسحار. رحل وحج ولقي كثيرا من الفضلاء، وأخذ عن عدد كثير من أهل المغرب دراية ورواية. فمن المراكشيين: أبو العباس الغفائري، وأبو الحجاج الدغوي، وأبو القاسم بن معنصر (570)، وأبو القاسم بن القشاش، وأبو عبد الله بن مسعود (571). ومن أهل أغمات: أبو يحيى الجزولي من حفاظ المذهب. ومن الفاسيين: أبو محمد عبد العزيز
القروي (572)، والقاضي أبو عبد الله بن عبد الرزاق (573). ومن أهل تازا (574): أبو محمد الرجالي. ومن التلمسانيين: الشيخ الفقيه النظار أبو موسى بن الإمام (575) والقاضي أبو العباس المديوني، والشيخ المحقق نسيج وحده في العقليات أبو عبد الله الآبلي (576). ومن التونسيين: أبو عبد الله بن دمعون، وابن هارون (577) وابن عبد السلام (578)، والرواية الرحال أبو عبد الله بن جابر (579) ومن أهل الإسكندرية: أبو العباس بن فتوح، وجمال
الدين بن سلامه القضاعي، والعدل أبو الحسن بن الفرات، والمشايخ الأربعة محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله (580)، وإسماعيل الضرير، وأبو الحسن الإقبالي، وجمال الدين بن عبد الرزاق الربعي وناصر الدين بن المنير (581).
ومن أهل مصر: قاضي المالكية تقي الدين الإحساني، وأبو الحسن المارديني، وعز الدين بن جماعة (582)، وجمال الدين الدلاصي، وأبو حامد السبوكي.
ومن أهل دمشق: شهاب الدين بن فضل الله (583) كاتب الإنشاء،
( III- IV La Syrie a l, epoque de Mamlouks P. )
وشمس الدين بن نباته (584)، وأبو الخير الحريري، وشمس الدين السلاوي آخر أصحاب ابن عبد الكريم، وتقي الدين بن عبد الكافي، والعلامة الأديب أبو الفضل بن صرايا. ومن الصالحية: عز الدين المقدسي، والمسند عبد الرحيم التنوخي. ومن أهل مكة: شمس الدين النوفري، وإمام الموسم خليل بن محمد. ومن أهل المدينة: عفيف الدين المطري من ذرية سعد بن عبادة.
ولي قضاء مراكش (585) في منتصف رمضان عام ستين بعد ولايته أغمات وسبتة. ومولده بمراكش في سابع عشر ربيع الأول عام خمسة وسبعمائة.
وابتدأ لهذا العهد تخريج الأحاديث التي أشار إليها الترمذي.
وأنشدني من نظمه ولها حكاية تدل على ظرفه وحسن عهده:
ولما تجاوزنا زلولا وشنة %~% وطاشت حلوم لم تكن قبل طائشة
تيقنت أن لا منزلا بعد سبتة %~% يسر وأن لا إلف من بعد عائشة
توجه مؤانسا لي متحفيا إلى جبل هنتاته، فأمتع ما شاء حفظه الله وأحسن مجازاته.
ومنهم الشيخ العدل القاضي برباط آسفي عبد الرحمن بن علي بن أبي العيش القيسي المعروف بطالب عافية، من الصدور الجلة وأعلام الطلبة بتلك البلدة فضلا وعدالة وتفننا ومشاركة، يخوض في كل فن، ويلقي دلوه إلى كل حوض، أصيل الحفظ جيد البحث، بعيد عن السآمة، لا يمر له وقت
ضياعا إلا عن مذاكرة في فن أو إجراء طرفة، غير مبال بتهويم نوم، وهجوم هاجرة، أو مخالطة كد، لي حسن العشرة ودماثة الخلق، وإيثار التخلي والعزلة والحوم على السلوك والتجريد. شارك القاضي أبا محمد في كثير ممن ذكر أخذه عنه من أعلام بلده.
ومنهم الأستاذ المتفنن النظار أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الفخار (586) أستاذ المدرسة العظمى من أهل العلم والفضل والمشاركة والتفنن، يقرى بها علم اللسان والأصلين والفروع، فيمتع ويحسب على طرش كدر (رحمه الله) الانتفاع به ونغص الأنس بمجلسه نفعه الله (587)، (588).
وانتابني من الظرفاء والأدباء الشيخ الفقيه المكتب أبو عبد الله محمد بن القاسم بن عمر بن عبد الله الصيرفي، من أهل النبل والظرف على خلق زعموا غير سبط (589). كتب عن الأمراء بمراكش، وأبي العباس بن حسين الغفائري، والخطيب المحدث أبي عبد الله بن رشيد (590). والقاضي أبي الحجاج الطرطوشي، والمقرئ أبي الحسن بن برني، وأبي العباس الفرقسي وأبي العباس بن برني، وأبي العباس بن القراق، وأنشدني من شعره:
من لم يفدك بنفعه أو جاهه %~% فلأنما اصتصنعته مخدوما
فلتخدم الله الذي من أمه %~% بضمير صدق يلف منه رحيما
ومن نثر قوله: وأما الكتابة فلفظ نحلة حذفت تاؤه (591)، ومعقل خذلة شرع من غير محله إيتاؤه، وهي خطة استغنى الناس بذيانها (592) عن سحبانها (593) وعن ملاك أزمة آدابها بجهلة طلابها، فمن راشها معهم من ذوي المروءات والهمم من سائر الأمم، فقد ارتكب الصعاب وثوا مقعدا من المذلة والهون أنى شاء من سائر الأبواب، فهو ينشد سائليه عن حاله بلسان عذر كليل، وقلب عليل، معتذرا في الضرائر بما قد قيل:
ألا قاتل الله الضرار فإنها (594) %~% تعلم خير الناس شر الطبائع
وتحمل ذا الطبع الشريف تكرما %~% على ذلة في عيشه وتصانع
وكان السفر من مراكش يوم الأحد الثالث والعشرين من جمادى الآخرة وقصدنا باب الرخا من أبوابها غلسا لنصابح تربة الشيخ، قصد التزود ببركتها، فتعذر فتح الباب وطال به الوقوف وأعيى علاجه، فانصرفنا عنه وفي أنفس بعض المشيعين حزازة من ذلك، فأنشدت منهم الشيخ القاضي أبا محمد الزقندري بديهة:
يا محلا لخلتي وانتحاءي %~% لم يبح لي الخروج باب الرخاء
دل أن الرخاء مغتبط بي %~% فبحق تبجحي وانتخاء
فحفظ واستطرف، وتحول المحزون إلى ضده والله الموفق للأقوال والأعمال بفضله.
وحثثنا السير على تفية (595) ارتحال الجيش وتوقع الفساد في السبل، صحبة لمة من أشياخ وراء سكان الصقع، واستقبلنا حي بني الحارث من عرب العمود، جذوة شرار الشرار أولي الحرابة والخرابة. فنزلنا بمحلة من
حلل رعاء البهم وقد أوقع في طريقنا يومئذ بمحروبين حار أحدهما ونجا ثانيه برأس طمرة ولجام.
ورحلنا من الغد في قفر تندر ببعض مهامه به أبيات نابية للمسمين.
وبتنا بحلة من حلل بني جابر أولي إبل وشاء. ورحلنا من الغد فتجاوزنا غولا (596) وتخطينا مظنة اعتراض، ومسبعة فساق في حد بين بلاد بني الحارث وبني وراء، يولي كل منهم خطة الملام جاره عند أعداء الرفق المصابة، وإصراخ السلطان لندائهم.
ودخلنا بلاد بني ماقر، فكان المبيت بسورها تحت خصب وأمنه ومنها صرفنا من صحب من أشياخ تلك الأرض عن شكر وإطراء، وإن كنا في مظنة الروع، نرى منهم اخزرار عيون ومخايل فتنة.
ومن الغد سلكنا وطن بني ماقر وهو كثير العمران، متعدد الديار والأشجار سقيه من نطاف عذبه تختزن بها بركات الأمطار فيقع بها أمنهم والاجتزاء إلى زمن المطر. وبها كثير من الصالحين وأولي الخير وأرباب التلاوة، وربما ألفي بها ضدهم، ولله در القائل:
الناس كالأرض ومنها هم %~% من خشن فيها ومن لين
مرو (597) تشكى الرجل منه الأذى %~% وإثمد يجعل في الأعين
ووردنا مدينة آسفى وقد تمكن النهار، فلقينا موكب أرباب الخطط بارين معدين. ولما شارفنا، ركب إلينا صردوكها أحمد بن يوسف حفيد الولي أبي محمد صالح، القائم في ظل صيته، وأثير الناس من أجله، رجل أدم اللون، قد تعجل الوخط منه، ذقن كث ذو تيقور (598)، جالس السلطان،
وقاد ركب الحجاز، وجر ببلده دنيا عريضة، واقتعد غارب غنى جم، يفد على باب السلطان في سبيل دالة بقديمه، ويقفل إلى وطنه مجدد الصكوك مستجاد الخلعة. خاطبته بين يدي قدومي بقولي:
يا حفيد الولي يا وارث الفخر %~% الذي نال في مقام وحال
لك يا أحمد بن يوسف جبنا %~% كل قفر يعيي أكف الرجال (599)
أبقاك الله مثابة انتفاع ونورا بأعلى يفاع (600)، ومتضعا على علو ارتفاع، ترى الوتر في إشفاع، وتقابل الوهم بطراد من الحقيقة ودفاع. إن حثت على لقاء الأعلام شهرتهم فلك الشهرة، وأنت العلم والشهاب الذي تجلى به الظلم. ورباط جدك بالمغرب الركن المستلم، فإلى أين يذهب عن جنابك الذاهب، وقد وضحت المذاهب، والله المانع والواهب. وإني من لدن اجتليت غرتك التي تلوح عليها سيما الولاية إرثا واكتسابا وانتماء إلى جناب الله وانتسابا جزاء من ربك عطاء حسابا؛ أؤمل التوسل والتقرب وأخطب منك الأنس الذي أنسى به التغرب إلى أن تهيأ بفضل الله وتيسر، وتبين مجمل الشوق وتفسر، وشتان ما بين من أثرى وأعسر، فأنا الآن والحمد لله قد حططت بمثوى الولاية رحلي، وعثرت بأزهار أسرار الأبرار نحلي، وأخذت من الدهر ذحلي، وحللت من رباط الشيخ أبي محمد بالحرم الأمين، وظفرت من ود حافده بالذخر الثمين فيا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين. عرفتك أبقاك الله بقصدي وحركة رصدي لتعلم أن هذه الوجهة لقاؤك أقوى دواعيها، وأنجح مساعيها، وبركة الشيخ نفع الله به تلاحظها وتراعيها، فما استبعد المرام من قصد الكرام، وما فقد الإيناس من أمل الناس، وتنخل الأفراد، وتخطى الأجناس، وترك للنص القياس، وتملك المنن لما أحرز الرياس، وسيدي بعد وما يظهر له من تأنيس غربة وإزاحة كربة، ورعي وسيلة وقربة، وإتحاف باجتلاء حمى مرور وتربة، والله
عز وجل يبقيه مقصودا على بعد المكان، مرجحا في الفضل طرف الإمكان مطمئن القلب بذكر الله رطب اللسان، مدرجا في الوصول لسنام الإسلام والإيمان والإحسان.
واضطبن (601) من ابن عمه الخطيب بالبلدة، شاحبا صامتا مهمهما بذكر، منتبذا عند الأكل (15 و) إشعارا بالإمساك، أومأ (602) مع ذلك، زعموا، إلى دنيا عريضة كابن عمه وشح مطاع، فرحب الكل وأطرأ اللقاء.
وجئنا إلى رباط الشيخ أبي محمد وهو من المشاهد الحافلة والمآلف الجامعة.
فضاؤه رحب مرصوف بحجر الكذان يدور به، سقيف نظيف ذو أبواب تفضي إلى زوايا ومدافن، وبطوله عن يمين الوالج مسجد الصلاة وتربة الشيخ في بيت عمد سمكه لانفساح عرضه بقايم من الخشب، وقبر الشيخ قبليه عن يمين الداخل إليه، قد اتخذ له حوض من الخشب من الرفيع أكسبته الأيام دهمه، فتخاله منحوتا من الألوة قد املست من الاستلام حافته، وسوي من نظيف الرمل سبخه (603)، وبإزائه قبور شبيهة به في الشكل لولده وحفدته، تتخللها الحصر النظيفة، فقضي الغرض من القراءة والدعاء، وحضر الفقهاء والطلبة والصوفية وقد استعرضهم أبو العباس طائفتين ورتبهم للسلام علينا غابطا إياهم مطريا مؤنسا، فدعوا وأجملوا، وعرض علينا طعام الشيخ أبي محمد (رحمه الله)، وقرى ضيفه الجاري عليه من بيت المال لنظر حافده المذكور محكما في قله وكثره، فجلب خوان بهي اشتمل قوره على كل غضارة أثيرة لا تتخلف عن طعام ولا شراب.
وانصرفنا إلى المحل المعين للنزول. وهذا البلد فسيح طيب الهواء كريم التربة خصيب الجنابن وأهله أولو خيرية وجنوح إلى الصلاح، وهو لبنة التمام للمسورات بالمغرب، ليس وراءها مدينة جامعة، ولا محلة مسورة،
ودونه أمم تتصل بالسوس الأقصى (604) إلى تخوم الحبشة من وراء الصحراء.
ومن ساعة إلمامنا انزوى عنا الشيخ أبو العباس صردوك، للهوه، واشتغل زعموا بعقد نكاح على بكر يلاعبها وتلاعبه، لم يقسم الله للضيف من مأدبتها بحظ، وشح بإيناسه وتردده، فحدسنا أن ذلك إبقاء على نفسه لما تكشف المجالسة من حال يمد لها أبو حنيفة رجله. وهممت أثناء طريقي أن أخاطبه بسعوط افتتحته بأبيات مطلعها:
إذا لم تهذبك الأبوة والحج %~% فأنت على فوت الجنى ثمر فج
ثم تصدقت على حلم الشيخ بجهله، وحرمت صيد آبده في حرم محله، أصلحنا الله وإياه.
وصلينا بمسجدها الجامع وهو مبنى عتيق، ومجمع فسيح متعدد الزيارات والصحون والتعاريج، سبق منه ما بين يدي المحراب بعض على أيدي قوم من الصالحين، رفعوا به عمدا تناهز الأربعين، بادية ضخمة خشنة على سبيل من الجفاء والسذاجة يباشرها شقف لاطئ من غير نقش ولا إحكام علتها خشب بالية، وقضب ناخرة، بما يدل على قدم العهد، وينبئ على اجتناب فضول العمل. فلم تمتد إلى تغييرها يد، ودارت بها الزيادة النبيهة والبلاطات من جهاته. وبصحن هذا المسجد جباب للماء ينتابها الناس لسقيهم ووضوئهم فيحسبهم (605). ويقابل القبلة من جوفي الصحن زاوية بها فقراء يدعون ذكرا لله، فيعاطون مقام التوكل، فلا يغب عنهم التفقد.
وبهذه البلدة، المدرسة والمارستان، وعليها مسحة من قبول الله.
وهواؤها أطيب أهوية البلدان، يستدعي الدثار في القيظ لبرده ولطيف مسراه وتردد بها إلي صاحب السوق ومقيم رسم المارستان، الشيخ الحاج أبو الضياء منير بن أحمد محمد بن منير الهاشمي الجزيري، من أهل الظرف والخيرية والتمسك بأذيال أهداب الطلب. وحسن الخط جميل العشرة، خفيف في سبيل المشاركة. نشأ بالخضراء (606)، وحضر حصارها، وحج وخدم الصاحب بدمشق فأحظاه. أنشدني من شعره يخاطب السلطان عند قدومه من الحج قوله:
قدموا عليك عقيب حط حمول %~% زوار خير منبئ ورسول
شعثا على حب التحية ترتمي %~% بهم لبابك في ذرى وسهول
ليكون خاتمة الكمال ومسكه %~% تقبيل كفك في بساط قبول
من قصيدة جارية على هذا الأسلوب. مولده بالخضراء عام خمسة وسبعمائة.
وكان الرحيل يوم السبت الخامس والعشرين من الشهر المذكور إلى منزل ينسب لأبي خدو فيه رجل من بني المنسوب إليه اسمه يعقوب، طرف في الجود زعموا جر بذلك المرزأة إلى عتاده. فألطف وأجزل ورتب الحرسة وآنس في الليل وطلبني بتذكرة تثبت عندي معرفته في الأتي، فكتبت له (607):
نزلنا على يعقوب نجل أبي خدو %~% فعرفنا الفضل الذي ماله حد
وقابلنا بالبشر واحتفل القرى %~% فلم يبق لحم لم ننله ولا زبد
يحق علينا أن نقوم بحقه %~% ويلقاه منا البر والشكر والحمد
قيل لبشار بن برد، بينما أنت تقول:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية %~% هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
ثم تقول:
ربابة ربة البيت %~% تصب الخل في الزيت
لها سبع دجاجات %~% وديك حسن الصوت
فقال، قلت ذلك أخاطب امرأة من البادية في خيمة قرتني بدجاجة وبيض كانت لديها أحسن من: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.
ثم سافرنا منه إلى سور موسى من مجامع دكاله (608)، وهو حلق ذو شرفات وأبراج، بادي الانثلام والتشعيث غير حرز الغلق لجهل هذه الأمة المصحرة بالتحصين، وهو بعض ما يلجأ إليه أهل هذا الوطن المتكاثف العمارة، الجم الماشية، المنبث الحلل، الغاص على انفساح مداه بالراغية والثاغية والصاهلة والناهقة، البالغ عدد أزواجه لإثارة الأرض ومعالجة الحرث، ثلاثة آلاف زوج من أزواج الثيران تثير أرضه وتعالج حرثه، يتحرم به عند الغارة الشعواء المصمئلة (609) يطرقهم بها عدوهم من بني الحارث وأحلافهم من سكان السهل والجبل فيسد عندها. وعلى ذلك فهم لحم على وضم (610) ولقمة بين لحيين (611)، وبخارجه سوق جامعة يحشر إليها الناس ضحى، ويتقاطرون من كل مرمى يمثلون في صعيد واحد، قد خيمت تجارهم وضللوا، ولا ينفض الجمع إلا مع انقضاء بياض يوم.
وقد كان رفع إلى السلطان المغري بالبناء وتخليد الآثار أبي عنان (612)
( Levi Provencal: Documents Inedits D Histoire Almohade Paris 2891 )
(رحمه الله)، خبر ما عليه الناس من إخافة عدوهم، واهتضام عرصتهم (613) واستهداف عقوتهم (614)، فأمر بارتياد محل لتأسيس مدينة، فاختير على غلوات منهم، محل أرضه صخر منطبق على تراب يتأتى فيه اتخاذ الخندق غير مثلوم الشفا، بعيد المهوى، يبني السور بما يخرج منه من الثرى ويصون الأطباق المعدة للاختزان عن أضرار السماء، ويكون سطح الأرض على خمس قامات من منبع الماء (615). فشرع في البناء واستبعد الفضاء، ومثلت الأبواب العديدة، والأبراج المشيدة. وعاق عن إتمامها هجوم حمامه وانصرام أيامه، فرغب أهله في التنبيه على تكميل نقيصته واجتياز حسنته.
وتلقانا مشرف المجبي بها الشيخ الفقير الخير أبو عبد الله اللجائي (616)، قريع الأمانة والفضل، العف اليد، الحصور عن مساس الجباية، المتصل الاستعمال باستصحاب الحال الرقيقة، وسقوط التهمة من أهل الطلب والسذاجة وحسن العهد وكرم العشرة، الجواد على كونه منينا (617) ما، عدم العتاد في حال الكبرة. تلقانا في جملة من أتباع الخدمة، ثم تلاهم مركب القاضي والعدول، وقاضيها الحاج أبو عبد الله محمد بن سعيد بن عثمان بن سعيد الصنهاجي الزموري (618)، رجل مختصر البنية والثواب قد طرقه الوخط على حداثة، يحفظ غثاء من منقول كتب التفسير وغيرها، ذاكر لمسائل متعددة، مسترسل اللسان في أسلوب يفضحه الإعراب عادة لا جهلا بقانون
النحو. شموس (619) عند المذاكرة في المسائل العلمية، أطرف بحديث رحلته، ولمل نزلنا خنس، فلم نسمع له ذكرا إلى أن شيعنا من الغد، فسعطته بخردل العتب ديدنى في مقصري هذا الصنف القمن (620) بفعل الأغنياء في البر المستحق لولا رؤية الفضل لنفسه بمزية الفضل، فزلة العالم معروفة بعدم الإقالة، فاستعتب واعترف، وسألته الإجازة فيما يحمله، واكتتاب شيء من منظومه الكثير، وقد سمى موضوعات ذكرها من تأليفه فوعد بذلك مطيرا به إلى محل، المبيت ليلتئذ. وتلاحق بي رسوله بنزر يتضمن ذكر أشباح أكثرهم غير مسمى، وجلب شيئا من حاله حتى عن القابلة التي التقطته ورؤيتها إياه على هيئة عن المكلف (621) المخاطب (622) بوظائف الشريعة من سجود ورفع يد إلى السماء، إلى أمثال هذا. فخاطبته وأعدت الرسول إليه بقوله:
أليس قليل نظرة إن نظرتها إليك %~% وكلا ليس منك قليل (623)
وصلت أيها الفاضل رقعتك التي تضمنت الفوائد، وصلتك التي استصحبت العائد، وشاهد فضلك الذي بين تصريفه الأصلي والزايد، متفننة في ضروب لا تجنح شمسها لغروب، هزت ألحانها مني عطفى طروب، واستقر قراها بين يدي أكول لملثها وشروب. فلله ما تضمنت من فوائد رحلة حجازية لبست من حسن الحجى زيه، وذكر أعلام وأركان استلام إلا أنها كانت كليلة الوصل ما عابها إلا القصر، فلوددت أن لو أمدها بسواده مني القلب أو البصر. بخس وزنها الاختصار لا بل الاقتصار، وافتقرت إلى شرح يقع به على متعاصي معانيها الانتصار، ووعد المجلس القاضوي باكتتاب شيء من منظومه بعد اعترافه بأنه كثير ومهاد وثير فما كان إلا
الوعد، والإخلاف من بعد:
يا لواة الدين عن ميسرة %~% والضنينات وما كن لئاما
والظن بسيدي أنه دعا عند شربه من بئر الحرم، بأن ترفع عنه مؤنة الكرم، فأجيبت الدعوة كما ورد، واستقام العمل واطرد، فكان اللقاء على مسافة قصيرة، وملاحظة البر بمقلة غير بصيرة، والزيارة مزورة، وأظنه لاحظ بيت شاعر المعرة:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم والعذب يهجر للإفراط في الخصر
والقرى قد كفي القاضي والحمد لله مؤنته الثقيلة، ولم يحوج إلى تشويش العقل واستخدام العقيلة، وهذا القسم غير معدود ولا تقع المشاحة إلا في مودود. وهم بتحفة شعره ثم قال بالبداء وناداه الإنجاز فصم عن النداء فاطرد باب الشح حسا ومعنى، وموحدا ومثنى حتى كأن دكالة، شرابة لسرو القضاة أكاله، وبيدها لتحجير أيديهم وكاله، وهذه الحركة كانت لمحبة حركة الفتح، ووجهة المد والمنح، فلو لم يقع فيها بخله تميمه، للقعتها (624) العين وعسر الهين، والقاضي أعزه الله كمال، وعيب الكمال لا ينكر، والغالب الفضل، وغير الغالب لا يذكر، وهو على التافه يشكر.
داعبته حفظه الله مداعبة من يعتقد خلاف مقاله، ويرجج القناطر المقنطرة بمثقاله، ولا يقول في حال سروه (625) بانتقاله، ومع اليوم غد، ولكل شىء أمد، ويرجى أن يمتع الله منه بوقت يقع فيه استدراك، ويرتفع باختصاص النزول لديه اشتراك إن شاء الله.
وكان المبيت بحصن أسايس (626) من حصون دكالة شأنه شأن ما قبله بطلل، دار عادية ملوكية الوضع، تنسب لأحد أشياخ الوطن ممن غمس يده من الجباية في الدم والفرث تدل على انسحاب دنيا كانت سحابة صيف،
والله يتجاوز عما جرت من نكير، فهو الذي يؤاخذ بما كسبت الأيدي ويعفو عن كثير.
ورحلنا من الغد في سهل اقتحمنا به حدود الصناهجة (627) وبتنا بموضع يعرف باسكاون بإزاء رجل منتم للصوفية أعجم اللسان، قام بالنزول على خصاصة واضطرار، فأنبنا له واحتسبنا كدحه.
وعدنا من الغد إلى أزمور (628)، فرأينا صدق المثل في قولهم العود أحمد، فتلقينا بها أصناف الفضلاء مصحرين، ولوظائف البر متممين وقاهم الله معرات السنين، وكرم وجوههم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه في يوم العرض والدين.
وبرز إلينا الحسن بن يحيى بن حسون، فتى الفتيان بالمغرب، وغاية السرو، وآية المروءة، والمثل البعيد في الإيثار على الخصاصة، ومخجل الضيف، وريحانة التلطف، فأربى الخبر (629) على الخبر والحمد لله.
وكان السفر عن تشييع تتعلق بالأهداب أظفاره، وفضل عم الخافقين اعتذاره وأوجب ذلك ما خاطبتهم به:
إحسانكم يا بني يحيى بن حسون %~% أزرى على كل منثور وموزون
قد جددت زينة الدنيا برامكة %~% منكم مكارمها لم ترض بالدون
أبناء يحيى وقتهم كلما ولدوا %~% عناية الله من موسى وهارون
بالأحسن الندب زاد الله بيتكم %~% حسنا فأهلا بطلق الوجه ميمون
ما زال يكلف بالعليا ويمحضها %~% هوى يعود على الأموال بالهون
ما زلت أسمع عنكم كل مكرمة %~% والآن كم بين معلوم ومظنون
أثرت بكم كف أزمور دياركم %~% فأي در بصون المجد مكنون
أبقاكم الله في سعد عقائله %~% تبدي لكم غرر الأبكار والعون (630)
وردني لبلادي شاكرا لكم %~% بأمر ربي بين الكاف والنون (631)
إلى مدينة آنفا (632)، واستدرك استدعاءنا منهم إلى كل احتفاء واحتفال، أفاضل ذهبوا من البر كل مذهب كالقاضي بها الشيخ الفقيه الحاج البادي القشف والسذاجة، أبي بكر عثمان بن صالح المسراتي المراكشي النشأة. قرأ بمراكش على أبي الحسن المرسي وأبي عبد الله العبدري، وبحاحه (633)، على أبي زكريا يحيى بن سعيد، وأبي زيد بن عبد الله وأخيه أبي بكر.
وبأغمات (634): على أبي العباس المعروف بأيزم. وحج سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، وولي القضاء بقصر كتامة (635)، وحصن القاهرة (636) وأزمور وآنفا. وأقرأ بمدرستها كتاب أبي عمرو بن الحاجب (637). مولده في حدود
( J. Leon Africano; Descripcion de Africa p. 701- 801 )
Allouche La Revolte des Banu )Askilula contre le sultan Muhammad II. Hesperis, tone XXV, 8391, fasc. I, p. 2 Note 2 (
عشرة وسبعمائة. والعدل السري أبي العباس أحمد بن شرف بن علي السلي من أهل تامسنا (638)، نبيه المسكن، فعم الخوان، منجب غلان. والعدل الفاضل أبي العباس أحمد بن أبي بكر بن موسى البرغواطي خير منقبض متحل بسكينه. والشيخ الخطيب الخير أبو الحسن علي بن أبي حدوا (639) الأصيل البيت النابه الأبوة المحمول عليه في سبيل بغي زعموا. والنجباء السراة أولاد الفقيه القاضي الرائق الخط، الجماعة للدفاتر، الموسوم بالرجاحة أبي علي عمر بن محمد الزناتي، كافأ الله ما بذلوا من رغبة، وخطوا من إلمام.
ثم كان الارتحال إلى التربة المولوية المحترمة بشالة، فألقيت بها البرك وحططت الرحل وفصلت الخطة.
تمت