بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله تاريخ الزواوة نحمدك اللهم أنت المبدئ المعيد، بيدك القديم والجديد، تحيي من تشاء وتميت من تريد، سبحانك أنت الإله القدير وأنت الولي الحميد، ونصلي ونسلم على النبي العربي، وعلى آله وصحبه العاملين بالقدر المادي والأدبي. وبعد فقد جرى ذكر التاريخ وما فائدته، فظنه قوم أنه خبر يروى تخشى آفته، وقال آخرون أنه أسطورة الأباطيل تحظر عقيدته، وقال رجل أنه خير العبر، إذ هو ديوان المبتدأ والخبر فظهر لي أن أعزز هذا القول الثالث آخذا من الآية: {إذ أرسلنا إليهم اثنتي فعززنا بثالث} أجل لما فيه من العبرة، وأخذا الحديث «قاضيان في النار وقاض في الجنة» والله نزل أحسن الحديث هذا ولما جعلني الله شريف النسب، من بني هاشم وبني عبد المطلب، وكان مولدي بالزواوة، ومنشأي ومرباي في تلك القرى ذوات الزوايا، وكادت شهرة تلك القبائل الصنهاجية تكون طامسة لأعلام مجهولة، الأسباب كثيرة، وقضايا منها ما هي مقبولة، ومنها ما هي مزورة ومردودة تحرك لي الساكن، واستنجدني (1) الظاعن والقاطن (2) فأردت أن أضع كتابا صغير الحجم، كثبر العلم، كنموذج من تاريخ الزواوة مقتصرا على تبيين نسبهم، وذكر شيء من فضائلهم، وما قيل فيهم، ومحا كان لأوائلهم، ليكون النشء الجديد على بصيرة من سلفهم ليعلموا ما كان من أمرهم، وليقتدوا بكل فعل مجيد، وينبذوا كل ما هو غير سديد، لعلهم يأخذون ببعض القديم وبعض الجديد، وألتزم الأحماض فيه لتنشيط قارئيه، لأنفخ فيهم روحا قوية، وأبعث منهم ذوي همم عليه، وأهدي إليهم هذا الكتاب المستطاب فإن فعلوا فذاك الصواب، وإلا فما علي من حساب وإنما أنا كما قيل: تذكرت قومي خاليا فبجهم ... بشجو مثلي بالبكاء جدير فعزيت نفسي وهي نفس إذا جرى ... لها ذكر قومي لها أنة وزفير لعل زمانا جرى يوما عليهم ... لهم بالذي تهوى النفوس يدور فيفرح محزون وينعم بائس ... ويطلق من ضيق الوثاق أسير رويدك إن اليوم يتبعه الغد ... وإن حروف الدائرات تدور (1) وجعلته على فصول سبعة عدد قل في الرفود ذوي الشأن العظيم، أصحاب الكهف والرقيم، الفصل الأول في فضل التاريخ. الفصل الثاني في نسب الزواوة، الفصل الثالث في محامدهم وخصائصهم. الفصل الرابع في زواياهم وعلماتمهم وخدمتهم العربية. الفصل الخامس في بعض عاداتهم. الفصل السادس في الإصلاح المطلوب. الفصل السابع في لائحة نظام التعليم المقترح وبيان طرائق التعليم.
فضل علم التاريخ
إن فضل علم التاريخ لا ينكر وفوائده تذكر فتشكر، وقد نوه به جمع المؤرخين في كتبهم، ولم أرد استيعاب ذلك لشهرته، وعلي أن قصدي الاختصار، والإتيان بكلام جديد، لعلي بذلك أفيد وإلا فشيخ التاريخ ابن خلدون رحمه الله قد أتى في خطبته في الموضوع بما هو كفاية لمن يريد أن يكتفي، وإنما رأيت كلامه وكلام غيره من السادة المؤرخين قد لا يفي بمقصودنا بسبب الحوادث التي لم تحدث لهم وذلك معنى قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تحدثون ويحدث لكم. وكذلك قول من قالوا بلزوم الاجتهاد في كل عصر وفي كل قطر. وعلى هذا فالذي حدث لنا والذي نجتهد فيه رد أقوال جمهور من أهل وطننا هذا ممن يظن منهم أنهم من أهل المعرفة فقهاء وطلبة العلم بأن علم التاريخ غير مطلوب وأنه قصص وأساطير الأولين كما قد أشرنا في الخطبة وأنه سهل ليس بأن يدرس إلى غير ذلك مما قالوا ولقد قالوا مثل ما قيل الأولون ما ذكر في القرآن وكفى هذا ردا عليهم ولكن لابد من زيادة بيان للاقتناع والارتداع فنقول: المرأة تلد الرجل طفلا والتاريخ يجعله رجلا أن فضل علم التاريخ لا يحصر فيحد، ومنافعه لا تستقرأ فتعد، وإنما هي بالإجمال تميز الفضيلة من الرذيلة، والمحمدة من المذمة، والشجاعة من الجبانة، والشهامة من السفاهة، والنجابة من الدناءة، والكرامة من اللأمة، والرفعة من الحطة، والنباهة من البلاهة، والعبرة من العظمة، بل الحياة من الممات، إلى غير ذلك من المحاسن والأضداد، مما عليه تقام القصور وتشاد، ونقدم طوائف وتؤخر أخرى وتذاد، إذ به تحي الأجناس أو تموت الماس، إذ هو للعقلاء معيار وقياس، وللسخفاء ممات وإفلاس، ومع أنه علم طبيعي في الخليفة والأجيال، تتشبث به السوقة والأقيال ذلك بأنهم ذوو المقاصد والآمال، والرغبة والرهبة فيما هنالك من الأعمال، والتشوق إلى ذكر غريزي المنوال، عزيز النوال، ليستفيد العارف ويفيد، ويقتدي بكل فعل حميد، وينبذ كل شائن حصيد، ويتخذ المنقى بين قديم وجديد، وأيد هذا كله الكتاب والسنة، وقال جل شأنه في غير ما آية: {لقد كان في قصصهم عبرة} وقال: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين} وقال: {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين} وقال إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسير الآية: {نحن نقص عليك} أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا يا رسول الله حدثنا فأنزل الله عز وجل أحسن الحديث ثم ملوا ملة أخرى فقالوا يا رسول الله حدثنا فوق الحديث ودون القرآن يعنون القصص فانزل الله: {الر * تلك آيات الكتاب المبين}. قلت وهذا صريح في أن علم التاريخ علم جليل القدر والفائدة، عظيم النفع والعائدة، وهو مطلوب، ويفيد هذا النقل أن ليس علم فوقه سوى القرآن وعلى أن القرآن نفسه تاريخ وعبر، وديوان المبدأ والخبر، ليتذكر أولو الألباب وقال تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب}. {ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}. وأن مواعظ القرآن وعبره لا تعادلها مواعظ أخرى وعبرها فلذا قال صاحب بانت سعاد يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم: مهلا هداك الذي أعطاك نافلة ال ... قرآن فيها مواعيظ وتفصيل وبالجملة إن نكراننا علم التاريخ لإحدى الكبر في هذا العصر، نذيرا للبشر، لمن شاء أن يتقدم أو يتأخر، إذ من الفطرة السليمة التشوق وحب الإطلاع إلى بدء الخليقة وإلى انتهائها، وفي ذلك يقول أصدق القائلين: {قل سيروا في الأرض وانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة أن الله على كل شيء قدير يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون} وقال جل شأنه: {وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء} وفي الحديث «كان الله ولا شيء غيره» وقال الطبري في تفسير هذه الآية: (حدثتا خلاد بن أسلم قال أخرنا النظر بن شميل قال أخبرنا المسعودي قال أخبرنا جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن ابن حصين وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرجوا من عنده وجاء قوم آخرون فدخلوا عليه فقالوا جئنا نسلم على رسول الله ونتفقه في الدين ونسأله عن بدء هذا الأمر قال فاقبلوا البشرى إذ لم يقبلها أولئك الذين خرجوا قالوا قبلنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان الله ولا شيء غيره وكان عرشه على الماء» وكتب في "الذكر قبل كل شيء ثم خلق سبع سماوات ثم أتاني آت فقال تلك ناقتك قد ذهبت فخرجت ينتقطع دونها السراب فوددت أني تركتها له". إن علم التاريخ يزيد في العقل والإيمان ويزيد في العلم والعمل ويورث الشهامة والشجاعة إذ تنير قضايا ثائرة الحماس في الغيورين، ويحرك ما سكن في الخاملين ويحمل ذوى الهمم العالية على المطالبة بمجد الأولين والحاضرين، ويثبت الأقدام عند الدفاع ويعير ما كان للأسلاف مما شاع وذاع، ويستجد المجدد ذا الشرف في الأمم، ويوقظ النائمين وينبه الغافلين، ذلك بأنهم إذا ذكروا بشرهم وكرمهم تنافوا فيه، وإذا عبر أحدهم بمذمة نعروا عليه، وقد اعتبره المتأخرون حياة الأمم أو موتها مثل اللغة يقولون لا حياة لأمة ماتت لغتها وكذلك لا حياة لأمة مات تاريخها ومن منافع علم التاريخ من لوازم علم الحديث ومعياره لمعرفة رجاله الأثبات والثقات لكيلا يدخل الحديث الزور والتوليج ومعرفة الناسخ والمنسوخ وهذا ركن مهم في الأصول وتأسيس الأحكام الشرعية وكذلك معرفة الأنساب للحديث (تعلموا من أنسابكم ما تصلوا به أرحامكم) وكذلك معرفة الوقايع والأيام وإن جهل النسب خسارة كبرى، وجهل الوقائع مذمة عظمى، وبالأخص نسب الشرفاء وسببهم الذي لا ينقطع فكيف والحالة هذه لا يعتني بالتاريخ؟ وهو إذا تعالت الفنون كان أعلى من المريخ، .. وقد عرف فضل التاريخ الإفرنج ودرسوا ما فيه، واستخرجوا كنوزه ومعانيه، ودونوا محامده ومساويه، وبينوا أصوله وقواعده، وحققوا فروعه ومذاهبه، وقسموه إلى أقسام، منه خاص وعام، ومعروف ومجهول، ومنبوذ ومعقول، فمنه طبعي ومنه جغرافي إلى غير ذلك مما تدبروا وتبصروا منه فأفادهم إرشادا وأدبا، وصار عندهم فرضا لا ندابا، ونجد أعلم علمائنا إذا تناظر مع أي علم من علماء أوروبا في شؤون التاريخ والعمران وبدء الخليقة أو طبيعة الحيوان والبلدان إما يخبط خبط عشواء أو لا يدري ما يقول فيضحي أحصر من بأقل، أمام سحبان وائل، هذا ما يقال للذي يزدري علم التاريخ إن كانت له غيرة وحمية وإن الذي لا يبالي بما قيل فيه، فهو إما جهول أو سفيه، وسيان عنده، الحياتان الطيبة والخبيثة، وفي مثل هذا يقال ليس بحي فيرجى، ولا بميت فيرثى، إذ التاريخ كرامة ولا يأبى الكرامة إلا لئيم، ولا يغفل عن أصله إلا زنيم، ولقد أحيا التاريخ عدة أمم من أوروبا في هذه الحرب وقبلها فأحيا بولونيا وبولاندة وأوكرانيا وغيليسيا والسرب قبل واليونان والبلغار وكانت هذه كلها تحت الدولة التركية أكثر من مئة سنة وأحيا أرمينية وأحيا الحجاز المقدس وسورية والعراق ومصر المباركة وأزيدك أن بسبب مجد أمة صغيرة وتاريخها قامت هذه الحرب على ساق وهي أمة السرب قام شاب من شبانها انفعل لها فصوب مسدسا له نحو أمير من أمراء النمسا وزوجته فقتلهما انتقاما لجنسه واسم هذا الشاب الذي جر هذه الحرب العظمى التي لم يشهد التاريخ مثلها "جافر يو اير بنسيب" وأنه لجدير أن يضرب به المثل في الشئوم فيقال: "أشأم من جافر يو" كما قيل أشأم من البسوس في المثل العربي. ترى قائدا من قواد الحرب أو شاعرا أو شريف قوم في إلقاء خطبة وجيزة يذكر مجد القوم وتاريخهم أو واقعة من وقائعهم الشهيرة فيحرك فيهم ما سكن فتأخذهم النخوة والمعرة فيستميتون بحماس فيندفعون إلى ساحة الوغى بلا أدنى مبالاة بالممات، أو يجعل قيمة الحياة، ذكر المؤرخين أن نحوا من ثمانين عظيما من عظماء بني أمية بمد سقوط دولتهم كانوا في مجلس أبي العباس السفاح أول خليفة من بني العباس فكان قد ثم الصلح فقدم الشاعر مولى أبي العباس المسمى سيف فاستأذن فأذن له ودخل متلثما فشال اللثام وأنشأ يقول: أصبح الملك ثابت الأساس ... بالبها ليل من بني العباس بالصدور القدمين قديما ... والرؤس القماقم الرؤاس إلى آخر القصيدة التي منها: واذكرن مصرع الحسن وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس فلما انتهى تغير لون الخليفة أبى العباس وامتقع فتذكر الوقائع التي أشار إليها الشاعر وذكره فيها وهي موت بل قتل الحسين وزيد وحمزة من بني هاشم رضي الله عنهم فأمر الخليفة بقتل أولئك العظماء الحاضرين من بني أمية شر قتلة وأكلوا طعاما وشربوا ماء عليهم هنيئا مريئا وربما سمعوا أنين من بقي منه رمق الحياة ولم يشفقوا بل قالوا ما أكلنا طعاما أهنأ ولا أمرأ من هذا، وأمثال ذلك كثيرة في عبر التاريخ وبالجملة ليس من شأن العقلاء العارفين ولا من شأن ذوي الهمم الغيورين كيف لا يعتبر المسلم التاريخ إذ كان أوائله غير مسلمين وكانوا وثنيين أو مجوسين لا شريعة يعملون بها ولا حكمة يهتدون بنورها وكانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم الله منها بإرسال رسول الله فهداهم على يده وأحدث انقلابا عظيما في العالم عموما وفي العرب خصوصا وأسس شريعة غراء في جبهة الدهر، وتاريخا يعد قمرا منيرا بين النجوم الزاهرة، ثم كيف يغفل المسلم عن درس التاريخ وفيه سيرة نبي خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم. كيف كان وأصحابه الذين فتحوا العالم في مدة ربع قرن ألا تكون لنا عبرة في استعراض تلك الوقائع والحوادث التي نحلى بها جيد الزمان والتي ارتفعت بها أمم وسقطت أمم على توالي الحدثان {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر}.
نسب الزواوة
اختلف المؤرخون في نسب الزواوة، والزواوة قبائل كثيرة مشهورة، ومواطنهم ومساكنهم بشمال إفريقية يجعلهم البحر الأبيض المتوسط الممتد من خليج مدينة الجزائر إلى بجاية إحدى عواصمهم وإلى جيجل نصف دائرة فهؤلاء هم المعروفون والمشهورون بالزواوة، وهذا الخلاف في نسبهم هو الذي لفتتا إلى الاعتبار والبحث والتنقيب هل هم عرب أو بربر؟ فأدانا البحث الطويل الذي استغرق بضعة عشر عاما، والعمل ليالي وأياما، إلى نتائج مرضية، تعرضها على العلماء وأولى الأبصار، لا ليقال بل للاعتبار، وليس الغرض من ذلك إلا بيان الحقائق للأنام، ودفع الخرافات والأوهام، التي استولى كثيرها على عقول الجهال والعوام، إلا فكما قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير} وعليه فنقول: من المسلم أن المؤرخين المسلمين فريقان أهل المشرق وأهل المغرب فالمشهورون والمعروفون من الفريقين هم الطبري والمسعودي وابن إسحاق وابن الكلبي والواقدي وابن الأثير وابن كثير وابن عبد البر وابن الخطيب والمقري صاحب نفح الطيب وابن هشام وابن عبد ربه وابن خلدون وغيرهم ممن طالعت كتبهم ممن تقدموا على ابن خلدون أو تأخروا مثل المسالك والممالك وهذا أشهر ومن المتقدمين والمعرب عن سيرة ملوك المغرب والقرطاس وزهرة الشيارخ والممتع ونزهة المشتاق والجمان في أخبار الزمان والروض المعطر والاستقصا لأخبار المغرب الأقصى وغيرهم، والمعتبرون في الأنساب من هؤلاء أشار إليهم ابن خلدون فقال: والذين ذهبوا بفضل الشهرة والأمانة المعتبرة واستفرغوا دواوين من قبلهم في صحفهم المتأخرة هم قليلون لا يكادون يتجاوزون عدد الأوائل ولا حركات العوامل، مثل ابن إسحاق والطبري وابن الكلبي ومحمد ابن عمر الواقدي وسيف ابن عمر الأسدي والمسعودي أقول بسبب قصدي الاختصار والإفادة، لا الإطناب والخصام واللجاجة، وكان شيخ التاريخ عموما وتاريخ المغرب والبربر خصوصا الداركة النقاد النسابة ابن خلدون من المتأخرين بالنسبة إلى المؤرخين والنسابين الذين ذكروا الزواوة وبسب أنه رحمه الله مغربي أندلسي الأصل بل يمني حضرمي ثم أندلسي وولد بتونس ونشأ فيها وكان في بجاية عاصمة الزواوة وتلمسان وفاس وبالخصوص أنه كان حاجبا للسلطان أبي عنان في أواسط القرن الثامن ومعنى هذه الخطة مثل (سكرتير جنرال) اليوم أي كاتم أسرار وصاحب الإمضاء وتولى ذات مرة رياسة بعثة من السلطان إلى شيخ الزواوة لمسائل سياسية وكان أحد كبار شيوخه الذين أخذ عنهم زواويا فقال في ذلك ما لفظه: ومنهم - يعني شيوخه - الشيخ أبو العباس أحمد الزواوي إمام المغرب قرأت عليه القرآن العظيم بالجمع الكبير بين القراءات السبع عن طريق أبي عمرو الداني أه وبهذه الأسباب كلها اعتمده في نسب الزواوة أكثر من غيره وأنه أعرف بهم وأحق بالشهادة عليهم مع أدلة أخرى وبراهين قاطعة والله أعلم. قال رحمه الله عند كلامه على البربر: وأما شعوب هذا الجبل - يعني البربر - فإن علماء النسب متفقون على أنهم يجمعهم جذمان عظيمان وهما برنس ومادغس ويلقب مادغس الأبتر فلذلك يقال لشعوبه البتر ويقال لشعوب برنس البرانس وهما معا إبنا (بر) وبين النسابين خلاف هل هما لأب واحد فذكر ابن حزم عن أيوب ابن أبي يزيد صاحب الحمار أنهما لأب واحد على ما حدثه عنه يوسف الوراق إلى أن ذكر - أعني ابن خلدون - القبيلتين العظيمتين " كتامة وصنهاجة" هل هما من البربر أو لا فقال ما نصه: إن كتامة وصنهاجة ليسوا من البربر وأنهما من شعوب اليمن تركهما أفريفش بن صيفي بإفريقية مع من أنزل بها من الحامية لهذه جماع مذاهب أهل التحقيق في شأنهم انتهى كلامه قلت سيأتي من كلامه أن الزواوة من بطون كتامة كما تقدم قريبا أنهم من شعوب اليمن وشعوب اليمن من العرب العرباء القحطانيين الحميريين وأولاد يعرب من قحطان من المحقق أن العرب قسمان العرب والعرباء والعرب المستعربة والعرب المستعربة هم أولاد عدنان الذين صاهرهم إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام فعدنان الذي هو آخر من يجب معرفتهم من نسب النبي صلى الله عليه وسلم وهو عدنان - حفيد إسماعيل عليه السلام ومن أولاده معد ونزار ومضر ومنهم فهر الذي لقب بقريش وعلى هذا الحكم الصحيح يبنى أن كل مستعربي عربي وعلى أن القحطانيين أعرق في العربية من العدنانيين وأن فضل العدنانيين بالنبوة وبولايتهم الكعبة البيت الحرام ولكن ولاية الكعبة كانت قبل للقحطانيين إذ كان القحطانيون في شمال جزيرة العرب ولهم دولة هناك قبل العدنانيين ثمانمائة سنة قل ميلاد عيسى عليه السلام ومن المؤرخين وأصحاب السير من جعلوا العرب كلهم من ولد إسماعيل عليه السلام وفي الروض الأنف للعلامة السهيلي: أما قحطان فاسمه مهزم فيما ذكر ابن ماكولا وكانوا أربعة إخوة فيما روي عن ابن منبه قحطان وقحط ومقحط وفلغ. وقحطان أول من قيل فيه أبيت اللعن وأول من قيل فيه عم صباحا واختلف فيه فقيل هو ابن عابر أبي شالح وقيل هو ابن عبد الله أخو هود وقيل هو هود نفسه فهو على هذا القول من إرم بن سام، ومن جعل العرب كلهم من إسماعيل قالوا فيه هو ابن تيمن بن قيذر بن إسماعيل ويقال هو ابن الهميسع بن يمن ويمن هذا سميت به اليمن في قول وقيل بل سميت بذلك لأنها عن يمين الكعبة، وتفيسر الهميسع الصراع وقال بن هشام يمن هو يعرب بن قحطان سمي بذلك لأن هودا عليه السلام قال له أنت أيمن أولادي نقيبة في خبر ذكره قال وهو أول من قال القريض والرجز وهو الذي أجلى بني حام إلى بلاد المغرب بعد أن كانوا يأخذون الجزية من ولد قوط بن يافث قال وهي أول جزية وخراج أخذه في بني آدم وقد احتجز لذا القول أعني أن قحطان من ولد إسماعيل عليه السلام بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا» قال هذا القول لقوم من أسلم بن أقصى وأسلم من خزاعة وهو بنو حارثة بن شلبة بن عمر بن عامر وهم من سبأ بن شحب ابن يعرب بن قحطان اه كلام السهيلي ثم قال ابن خلدون في الزواوة من لفظه "الإلمام ذكر الزواوة من بطون كتامة هذا البطن من أكبر بطون البربر ومواطنهم كما ترى مختلفة من بجاية إلى تدلس (كذا) في جبال شاهقة وأوعار متسنمة ولهم بطون وشعوب كثيرة ومواطنهم متصلة بمواطن كتامة هؤلاء وأكثر الناس جاهلون بنسبهم وعامة بسابة البربر على أنهم من بني سمكان بن يحيى بن ضريس وأنهم إخوة زواغة والمحققون من النسابة مثل ابن حزم وأنظاره إنما يعدونهم من بطون كتامة وهو الأصوب والموطن أوضح، ثم قال رحمه الله عن كتامة ما نصه: "الخبر عن كتامة وبطون البرانس وما كان لهم من العز والظهور على القبائل وكيف تناولوا الملك من أيدي الأغالبة ودعوة الشيعة هذا القبيل من قبائل البربر بالمغرب وأشدهم بأسا وقوة وأطولهم باعا في الملك وهم عند نسابة البربر من ولد كتام بن يونس ويقال كتم ونسابة العرب يهولون أنهم من حمير وذكر ذلك ابن الكلبي والطبري وأن أقريقش بن صيفي من ملوك التابعة وهو الذي افتتح إفريقية وبه سميت وقتل ملكها وسمي البربر بهذا الاسم كما ذكرناه فقال: وقام في البربر من حمير صنهاجة وكتامة فهم فيهم إلى اليوم انتهى يعني كلام ابن الكلبي والطبري وتشعبوا في الغرب وانبثوا في نواحيه إلا أن جمهورهم كانوا لأول الملة بعد هيج الردة وطبخة تلك الفتن موطنين بأرياف قسطينة إلى تخوم بجاية غربا إلى جبل أوراس من ناحية القبلة وكانت تلك المواطن وبلاد مذكورة أكثرها لهم وبين ديارهم ومجالات تقلبهم مقل "ايكجان وسطيف وباغاية ونقاوس وبلزمة وتيكست وميلة وقسنطينة وسكيكدة والقل وجيجل من حدود جبل أوراس إلى سيف البحر ما بين بجاية وبونة" وهنا ذكر ابن خلدون بطونا كثيرة من كتامة فقال إنها ملأت ما بين المغرب الأقصى وطرابلس الغرب إلى غير ذلك قلت وكذا قال الأستاذ المرحوم الشيخ طاهر الجزائري الدمشقي وهو واسع الإطلاع له في الفن طول الباع بحاثة كبير محقق ولما قال لي ذلك فات يوم ونحن بمصر سنة 1915 للميلاد أن الزواوة هم ما بين طرابلس الغرب وقصر وكتامة بالمغرب الأقصى فعارضته في ذلك بناء على ما لدينا من القبائل المشهورة بالزواوة فأجاب أن لا وإنما العرب لما احتلوا إفريقية اختلطوا بهم والحال أنهم عرب الأصل من اليمن عن شعوب حمير ولغة حمير غير لغة مضر. ثم قال ابن خلدون: وعد ابن حزم منهم - يعني البربر - الذين من كتامة الزواوة بجميع بطونهم وهو الحق على ما تقدم وكان من هذه البطون بالمغرب الأقصى كثير منتبذون عن مواطنهم وهم بها إلى اليوم ولم يزالوا بهذه المواطن على هذه الحالة من لدن ظهور الملة وملك المغرب إلى دولة الأغالبة ولم تكن الدولة تسومهم بهضيمة ولا تنالهم بعسف لاعتزازهم عليها بكثرة جموعهم إلى أن قل: ولما صار لهم - يعني كتامة وصنهاجة الملك بالمغرب زحفوا إلى الشرق فملكوا الإسكندرية ومصر والشام واختطوا للقاهرة أعظم الأمصار بمصر وارتحل المعز رابع حلفائهم فنزلها وارتحل معه كتامة على قبائلهم واستفحلت الدولة هنالك إلى أن قال: وكانت لهم - يعني الزواوة - في الدولة صنهاجة مقامات مذكورة في السلم والحرب وقال في موضع آخر من تاريخه ما حاصله أنه إذا تنازعت قوتان بالمغرب أمرا من الأمور فالأغلية والفوز لجانب الزواوة والنصر حليفهم والإقدام دينهم والثبات شأنهم اه ما أردنا من كلام ابن خلدون خلاصة كلام المؤرخين في الزواوة فالقول تعليقا عليه: مما يثبت أن الزواوة من قبائل حمير اليمانية أشياء كثيرة منها بعض الأسماء والأعلام اليمانية القديمة باقية إلى الآن مستعملة عند الزواوة فمن ذلك ما وقفت عليه في كتب الرحلة الحجازية وهو أمر عجيب جدا إذ أعطى حقه من التأمل وهو قضية غريبة لا يدركها إلا الذي يتكلم لغة الزواوة وإليك ذلك بالحرف وهذا السد هو ما يسمونه بسد العرم وأول من بناه "آيث عمرو" (1) ملك سبأ اه فإن لفظة آيث عمرو قد أدهشتني عند الوقوف عليها وعلى أن المؤلف المصري العربي تقلها علميا فقط وأن سبأ هي آخر حمير كما يأتي، ومن ذلك ما يقرب من هذا مما وقفت عليه في تفسير الفخر الرازي عند قوله تعالى: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر} فاستطرد المؤلف إلى الجغرافيا ليصف خليج فارس فقال ما لفظه "خليج بحر أرض فارس ويسمى الخليج الفارسي وهو بحر البصرة وفارس الذي على شرقيه "تيزي أومقران" ومعنى لفظتي تزي أومقران" يفهمها من يحسن الزواوة وغيره يظنهما علما مزجيا أو مركبا فقط ومعنى تزي بكسر المثناة فوق هضبة أو أكمة ومعنى أمقران الكبير وتعريها "الهضبة الكبيرة" والشيء الذي يعتبر ويؤيد هذا أيضا أن الحميريين من اليمانيين احتلوا تلك الجهة من الخليج الفارسي كذا في الرحلة الحجازية التي صاحبها مطلع ومحقق عن محققي المتأخرين وكذا ابن هشام صاحب السيرة النبوية ذكر أن الحميريين غزوا البحرين ونزلوا بالخليج الفارس ثم انظر هل هذا قبل سيل العرم أو بعده أما نزوحهم إلى مغربنا هذا فكما تقدم أنهم قدموا مع أفريقش بن صيفي وأنهم مشهورون أولو قوة وألو بأس شديد وذكر صاحب الرحلة الحجازية استخبار عمرانهم وقوتهم ومصانعهم وبالأخص السد الذي بنوه وبلغ طوله ثمانمائة ذراع وعرضه مائة وخمسون ذراعا لا محالة وقد أشار إلى ذلك القرآن وبه كفاية وقال تعالى: {لقد كان لسبأ في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل يجازى إلا الكفور وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين فقالوا ربما باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق} صدق الله العظيم. وقد صاروا أحاديث وبالأخص عند المؤرخين وقد كثر كلامهم عنهم وفيهم قال جل ذكره: {وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد}، قلت وقد ورد الثناء على حمير وسبأ وتبع وفي تيسير الوصول إلى معرفة حديث الرسول ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (إن رجلا من قيس قال يا رسول الله ألعن حميرا فأعرض عنه فأعاد عليه فقال صلى الله عليه وسلم: «رحم الله حميرا أفواههم سلام وأيديهم طعام وهم أهل أمن وإيمان» أخرجه الترميذي وأما تبع فقيل أنه نبي وفي الروض الأنف للسهيلى روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تسبوا تبعا فإنه كان مؤمنا» وقيل التبابعة هم ملوك حمير ومأرب اسم ملك سبأ وأن أفريقش الذي نزل إفريقية وسميت باسمه وكان قدومه افريقية بكتامة وصنهاجة وهو أحد ملوك حمير ثم أن مما يؤيد أن البربر من حمير مشابهة الخطين الحميري والبربري مشابهة كبيرة ورأيت في المجلة الآسيوية منذ أعوام أن علماء الأثر اكتشفوا أي وجدوا الخط الحميري في قرية من قرى افريقية منقوشا على حجر. ومنها ما ذكر ابن عبد ربه في أنساب اليمن فقال قحطان ابن عابر وعابر هو هود النبي عليه السلام بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام فالقحطانيون إذن أبناء هود والعدنانيون أبناء إسماعيل عليهما السلام فولد يعرب ابن قحطان يشحب وولد يشحب سبأ وولد سبأ حميرا وكهلان فإن القبائل قد تفرفت منهما وولد حمير كثيرا فمن أولاده ملك والهميسع وزيد واوسا وعرين ووائل ودرمى وكهلان وعمير كرب ومشروح ومرة رهط معد يكرب بن النعمان القيل (الملك) الذي كان بحضرموت وقال - أعني ابن عبد ربه - عن التبابعة تبع الأصغر أسعد أبو كرب واسمه تبان بن ملكيكرب وهو تبع الأكبر ابن قيس بن بن زيد بن عمر ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار وتبع بن الراكش بن قيس بن صيفي وملكيكرب تبع الأكبر يكني أبا مالك وله يقول الأعشى: وخان الزمان أبا مالك ... وأي امرئ لم يخنه الزمان ومن الشواهد أيضا أن الحميريين قدموا المغرب ما عثرت عليه من شعر أحد أبناء ملكيكرب يذكر المنازل وتفرق قومه فقال: وقد فارقت منا ملوك بلادها ... فساروا بأرض ذات مبدى ومحضر وقد نزلت منا خزاعة منزلا ... كريما لدي البيت العتيق المستر وفي يثرب منا قبائل إن دعوا ... أتوا سربا من دارعين وحمير هم طردوا عنها اليهود فأصبحوا ... على معزل منها بساحة خيبر وغسان حي عزهم في سيوفهم ... كرام المساعي قد حووا أرض قيصر وقد نزلت منا قضاعة منزلا ... بعيدا فأمست في بلاد السنوبر وكلب لها ما بين رمله عالج ... إلى الحرة الرجلا من أرض تدمر ولخم فكانت بالعراق ملوكها ... وقد طرحت عدنان في كل مطحر وحلت جذام حيث حلت وشاركت ... هنالك لخما في العلى والتجبر وأزد لها البحران والسيف كله ... وأرض عمان بعد أرض المشقر ومنا بأرض المغرب جند تعلقوا ... إلى بربر حتى أتوا أرض بربر ومن ذلك أيضا أن كلمة (ذو) التي هي من مستعملات ملوك بطون الحميرية المسماة الذوون فيقولون ذو وانكلاع الذي هو يزيد بن النعمان وذو الكلاع الأكبر حتى عرفوا بالأذواء موجودة. ومثل هذه الكلمة والقاعدة في قبائل الزواوة "أيث" بمعنى ذوي فيقولون للجذم أو للسلطان أو القبيلة آيث يحي، آيث ياني، آيث وسيف، آيث ذار، آيث يثورغ، آيث صدقاء، آيث يراتن، آيث فرواسن، آيث خليلي، آيث بوشعايب، آيث يجر، آيث جناد، آيث غبري، آيث فليق، آيث وجنون، آيث عمر، آيث وغيس، آيث يعلى، آيث مليكش، بوعكاش، آيث منصور، آيث منجلات وهلم جرا. وقال ابن عبد ربه ومن بني صيفي بن سبأ بلقيس وهي بلقمة ابنة آل فرخ بن ذي جدن لحرث بن قيس بن سبأ الأصغر ومنهم حمير التبابعة وهم تسعة وفي الروض الأنف: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تسبوا تبعا فإنه كان مؤمنا» ثم قال أعني صاحب الروض الأنف السهيلي لا ندري أي التبابعة أراد في حديث معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا أسعد الحميري فإنه أول من كسى الكعبة» وهذا أصح من الأول هو قال الطبري عند قوله تعالى {كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع} عن ابن عباس أنه سأل عبد الله بن سلام عن تبع ما كان فقال أن تبعا كان رجلا من العرب وأنه ظهر على الناس فاختار فتية من الأحبار فاستبطنهم واستدخلهم حتى أخذ منهم وبايعهم وأن قومه استكبروا ذلك وقالوا قد ترك دينكم وبايع الفتية فلما فشا ذلك قال للفتيه فقال الفتية بيننا وبينهم النار تحرق الكاذب وينجو منها الصادق ففعلوا فعلق الفتية مصاحفهم في أعناقهم ثم غدوا إلى النار فلما ذهبوا إلى أن يدخلوها سفعت النار في وجوهم فنكصوا عنها فقال لهم تبع لتدخلونها فلما دخلوها أفرجت عنهم حتى قطعوها وأنه قال لقومه ادخلوها فلما ذهبوا يدخلونها سفعت النار وجوههم فنكصوا عنها قال لهم تبع لتدخلنها فلما دخلوها أفرجت عنهم حتى إذا توسطوا أحاطت بهم وأحرقتهم فأسلم تبع وكان تبع رجلا صالحا اه وذكر أيضا في الطبري أن رجلا سأل عبد الله بن عمرو بن العاص: هل صحيح ما تزعم حمير أن تبعا منهم قال نعم والذي نفسي بيده إنه في العرب كالأنف بين العينين وقد كان منهم سبعون ملك (1) اه وفي قبائل الزواوة وفي القاموس صنهاجة قوم بالمغرب من ولد صنهاجة الحميري وحاصل الأمر أن غالب الأقوال المتقدمة تثبت أن كتامة وصنهاجة من حمير وحمير ابن سبأ لأول بن يشجب بن يعرب بن قحطان وأن حميرا كثيرة الولد والنسل وفي السند الفريد: فولد حمير بن سبأ مالكا والهميسع وزيدا وأوسا وعرينا ووائلا ودرمى وكهلان وعميكرب ومسروحا ومرة رهط معد يكرب بن
النعمان القبلي - الملك - الذي كان بحضرموت وثبت أن الزواوة من كتامة وصنهاجة كما تقدم بإجماع المؤرخين تقريبا ثم إذا أضفنا إلى ذلك حكم الاستعراب الذي لا ينخرم ولا ينهدم لما ثبت أن العدنانيين مستعربون لأنهم من ولد إسماعيل فعرب فالنبي صلى الله عليه وسلم إذن من العرب المستعربة لأنه من ولد إسماعيل بن إبراهيم وبه تم الشرف للعدنانيين والقحطانيون أعرق في العربية من العدنانيين وهم بنوا هود عليه السلام كما تقدم وأن حكم الاستعراب ينسحب على المتدين بالإسلام والمتخذ للقرآن وللعربية لسانا وسميا في معاملاته ومكاتباته ودراسته فالزواوة إذن عرب مستعربة وعرب عاربة بأصلهم المتقدم ثم إن كثيرا من الأخلاق والعادات والطباع في البربر متماثلة ومتمازجة بطبائع العرب كاتخاذ البيوت من الشعر والوبر والطين والحجر والظعن والإقامة، وكسب الشاء، وحلق الرأس، والشجاعة، والكرم، والقرى، والانتجاع والارتياد، وركوب الخيل، وكسب النعم، الإبل والبقر، والغنم، إلى غير ذلك مما لا يكاد يستقرأ وكلها أحكام الاستعراب والله يحكم لا معقب لحكمه وهو جل شأنه سريع الحساب.
محامد الزواوة وخصائصهم
وأعني بالزواوة في هذا الباب المشهورين الآن بمذا الاسم قبائل الزواوة لا جملة قبائل كتامة وصنهاجة على طريقة الأصل الجغرافي كما تقدم أنهم منبثون من طرابلس الغرب شمالا وجنوبا إلى المغرب الأقصى الذين منهم الشاوية والزناتة والملثمون وقبائل الحضرة فأقول: محامد الزواوة جمعهم أشتات محاسن العرب والعجم والبربر فتجدهم عربا في الشجاعة والكرم وشدة الأنفة والغيرة وإباية الضيم وحماية الجار والذمار والمحافظة على الأعراض والنزوع إلى الحرية إلى غير ذلك مما يلزم الفخر العربي كما ورد في الحديث «إذا سألتم الحوائج فاسألوا العرب فإنها تعطي ثلاث خصال كرم أحسابها واستحياء بعضها من بعض والمواساة لله» مع الأوصاف والعادات المتقدمة في آخر الفصل الذي قيل هذا. ونجدهم مثل العجم في الشؤون الاجتماعية والمدنية من الصنائع والحرف وسائر الأعمال كالزراعة والتجارة والكد والجد من أعمال اليد وبالأخص النظام والثبات في القتال صفا فهم في ذلك كله كما يصدق عليهم الحديث الوارد في العجم روي في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه (تلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الجمعة فلما بلغ {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} قال له رجل يا رسول الله من هؤلاء الذين لما يلحقوا بنا فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان رضي الله عنه فقال «والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء» وفي أخرى «فارس» وعنه أيضا - أبي هريرة رضي الله عنه قال ذكرت الأعاجم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم «لأنا بهم أو ببعضهم أوثق مني بكم أو ببعضكم» رواه الترمذي وعن المستورد القرشي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «تقوم الساعة والروم أكثر الناس» قال عمرو بن العاص أبصر ما تقول قال أقول (سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن قلت ذلك أن فيهم لخصالا أربعة إنهم لأحكم الناس عند فتنة وأسرعهم إفاقة عند مصيبة وأوشكهم كرة بعد فرة وأجبرهم لمسكين ويتيم وضعيف وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك» رواه مسلم. قلت أود أن يعلم هذا الحديث ناس من العرب عرفتهم هنا بالجزائر وطننا هذا وفي الشام وفي مصر كثيروا الاستخفاف بالعجم من الروم والإفرنج وفارس والبربر ولا يرون لهم فضلا فأصمهم الله وأعمى أبصارهم الجهل والتعصب ولكم خاصمتهم وجادلتهم وجدلتهم فتمادوا في العناد والمماراة واحتججت عليهم بما لابن خلدون فأذوه وهو ميت فدافعت لهم لو كان ابن خلدون حيا ما تجاسرتم على مناظرته وما أحسن ما حكي عن ابن مالك صاحب الألفية فإنه لما قال أن ألفيته أفضل من ألفية ابن معطى الزواوي فقال: "فائقة منها بألف بيت" توقف في هذا المصراع ولم يفتح عليه فرأى رجلا في المنام توسم منه العلم فقال له أنه أخذ في نظم ألفيته في النحو خير ألفية ابن معطى إلا أنه توقف في المصراع الأول من رجزه ذلك فسأله الرجل كيف توقفت فقال قلت: "فائقة منها بألف بيت" فقال له الرجل افتح عليك وقل "والحي قد يغلب ألف ميت" (1) أقول هذا ما أقول لجموع المغرورين وأمر بهم مر الكرام باللغو فإنهم لا قيمة لهم للجدال ولا للهجو ومن يضلل الله فلا هادي له ونذرهم في طغيانهم يعمهون وإنما يغيظنا أنهم يضلون الأمة العربية بإيهامهم أنهم غيورون على العرب يدافعون عنهم فينفعونهم وهم يضرونهم ذلك بأن طمس الحقائق من أكبر الغرور وأضره وفي مثل ذلك قال القائل: هل تطمسون من الماء نجومها ... بأكفكم أو تسترون هلالها أو تبعدون مقالة عن ربكم ... جبريل بلغها النبي فقالها شهدت من الأنفال آخر آية ... بتراثكم فأردتم إبطالها وتجدهم مثل البربر في شدة الحياء والمحافظة على العرض والصبر على الشدائد واحتمال المكاره والكد والجد في سبيل الأسرة (العائلة) والحياة الأهلية والجماعية والعصبية وذلك أن للبربر خصائل تذكر فتشكر فشيخ التاريخ العلامة ابن خلدون أبصر بهم لأنه تقلب في مواطنهم وتولى وظائف دولهم ونقب في بلادهم وضرب في عرضها وطولها كما تقدم فقال محامدهم: وأما تخلفهم بفضائل الإنسانية وتنافسهم في الخلال الحميدة وما جبلوا عليه مرفاة الشرف والرفعة بين الأمم ومدعاة المدح والثناء من الخلق من عز الجوار وحماية النزيل ورعي الذمة والوسائل والوفاء بالقول والعهد والصبر على المكاره والثبات في الشدائد وحسن الملكة والإغضاء عن العيون والتجافي عن الانتقام ورحمة المسكين وبر الكبير وتوقير الدين وحمل الكل وكسب المعدوم وقرى الضيف والإعانة على النواب وعلو الهمة وإباية للضيم ومشاقة الدول ومقارعة الخطوب وغلاب الملوك وبيع النفوس من الله في نصر دينه فلهم في ذلك آثار ينقلها الخلف عن السلف لو كانت مسطورة لحفظ منها ما يكون أسوة لمتبعيه من الأمم أو حسبك ما اكتسبوا من حميدها واتصفوا به من شريفها أن قادتهم إلى مراقي العز وأوفت بهم على ثنايا الملك حق علت على الأيدي أيديهم ومضت في الخلق بالبسط والقبض أحكامهم وكان مشاهيرهم بذلك من أهل الطبقة الأولى بلكين بن زيري الصنهاجي عامل افريقية للعبيديين ومحمد بن خزر والخير ابنه وعروبة بن يوسف الكتامي القائم بدعوة عبيد الله الشيعي ويوسف بن تاشفين ملك لمتونة بالمغرب وعبد المؤمن بن علي شيخ الموحدين وصاحب الإمام المهدي إلى آخر ما عبر وخبر رحمه الله. ومن محامد الزواوة الإذعان للشرائع المنزلة والقوانين الوضعية والامتثال لأوامر الله من الأحكام الفقهية والانقياد إلى التحاكم إذا قال أحدهم لأحد تعال إلى النبي يعني إلى شريعة النبي ينقاد حالا ولا يتخلف ولا يستخف وإنما ولاتهم في العهد الأخير أضلوهم وأفسدوا آدابهم وملكاتهم وأساءوا التصرف فيهم فتبعة ذلك عليهم وذلك بأن من محاسنهم أيضا الانقياد للعلماء والشرفاء والمرابطين والصلحاء ويحترمونهم ويخدمونهم خدمة خالصة ويلتزمون لهم بالعطايا من أرزاقهم وأموالهم عن طيب نفس رجاء رضائهم وبركاتهم وإن الزوايا الكثيرة في بلادهم قيامها وقوامها منهم يخدم ملتهم وتخصيصات من أموالهم ولولا فساد التصرف وسوء الإدارة من أولياء الأمور لأنتج ذلك رجالا في كل فن ولكن مصيبة سوء الإدارة وفساد التربية والتعليم التي أصابت العالم الإسلامي لم تخطئهم .. قف وتأمل وإن غالب الدول الني قامت دعواتها بأفريقية لم تك لتفوز لولا تعضيد الزواوة لها كما تقدم. وأما خدمتهم للشرفاء وآل البيت فحدث ولا حرج قال العلامة ابن خلدون بايع البربر إدريس الأصغر حملا بم رضيعا ثم فصيلا إلى أن شب فبايعوه بمدية (وليلى) وفي الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى أن إدريس وفدت عليه قبائل الزواوة والزواغة لينصروه اه قلت أن دولة الفاطميين التي قام بدعوتها من تقدم ذكرهم فاندفعت بجحافلها لم تقف دون الإسكندرية ومصر والشام بل وصلوا الموصل وتعدوا إلى اليمن أصلهم الأول، فكان ذلك بالقبيلتين العظيمتين كتامة وصنهاجة خدمة للفاطميين أولاد فاطمة رضي الله عنهما ابنة محمد صلى الله عليه وسلم ففي ذلك السبيل اندفعوا سكارى وما هم بسكارى. وأن الفتح الأول لأندلس كان بأحد عشر ألف من البربر بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير ولقد أنقذوا عرب الأندلس مرارا فاحتلوه بأميرهم أمير المسلمين يوسف بن تاشفين الذي أجمع المؤرخون على فضله والإعجاب به حتى أن الإمام الغزالي تمنى الاجتماع به وجهز للسفر إليه. ومن أدلة شجاعتهم وخصائصهم في ذلك ما حكي المؤرخون بإسهاب وإطناب ثم أن الواقعة الأخيرة المشومة الملقبة بواقعة العقبان لم ينج منها بربري واحد شهدها وهلك معهم من إخوانهم عرب افريقية جمع كثير وكانت تلك المصيبة بخيانة عرب الأندلس ونذالتهم بسبب الحضارة الفاسدة وقد قال المؤرخون في تلك الواقعة ما إذا ذكر سكب الدمع وانهمر وعلى أن عدد من استشهدوا بلغ ستمائه ألف أو يزيدون ففد وقع أجرهم على الله بسب الخيانة وأن الله لا يهدي كيد الخائنين. (فابكهم ما استطعت إن قليلا ... في عظيم من المصاب البكاء) ومن محامد الزواوة الصراحة وحسن العهد إذا قالوا أو بايعوا أو عاهدوا وفوا فلا خيانة ولا غدر ولا خداع فكأن كل فرد منهم لقن: (عروضي إذا جار الزمان ألجتها ... ولكن عرضي لا يباح وبي روح) ولا يبالون بالقتل في سبيل ما تولوا من الأمور وترى كل واحد منهم يقول لسان حاله: وإنا قوم لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول ومن محامد الزواوة إطعام البائس الفقير بقواعد ونظامات خاصة عجيبة بحيث لا يبيت الإنسان الأجنبي عندهم بلا شيء وعنايتهم بالأجنبي أكثر أيا كان وصرفهم في ذلك منتظم لم يكن عند أمة من الأمم وينزلون الضيوف منازلهم على طريق السنة. ومن محامدهم التحكيم ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضى به الحكم بل يسلمون تسليما. ومن محامدهم حسن ترتيب الكلام عند الخصام دعوى وجوابا وإن كانوا كثيرين في القضية فلا يتكلم إلا اثنان واحد لكل فريق وليس فيهم شيء من عيب أعراب افريقية الذين يتكلمون وفي الخصام كلهم دفعة واحدة فيكثر الوغى حتى لا يكاد الحكم يفقه شيئا حسبما شهدنا ذلك في المحاكم الشرعية إذ كنا في العدالة وهناك انتهينا إلى هذه لخصلة ذلك بأن الشيء يعرف بضده. ومن محامدهم الاجتماع والجماعة وذلك الأمر المدني العظيم الشأن سواء كان الاجتماع للصلاة أم لشؤونهم الدنيوية والحال أن من أسرار الاجتماع للصلاة قضاء مصالح أخرى اجتماعية وترى أهل القرية مجتمعين كلما عرض لهم شأن ما ولهم في ذلك قوانين وضعية شرعية وعرفية لا يتهاون بها إذ يلزم لذلك ما يلزم من الجزاء الوفاق. ومن محامدهم بل غرائزهم الروح العسكرية والخدمة الجندية وتاريخهم في ذلك لا يستوفي وبما تقدم من الإشارة كفاية وبقي ذلك فيهم إلى اليوم مع ضعفهم إلى درجة الاضمحلال وقد اعترفت لهم فرنسا بذلك الفضل مثلما اعترفت لهم جميع الدول المتقدمة ومنذ التاريخ القديم العام وقد أسمت فرانسا فريقا من جندها الشهير بالبسالة والإقدام باسم الجند الزواوي "زواف" بتحريف قليل تخليدا لهذه المنقبة ولم تغمضها وقد اشتهروا في القرن (11 و 12) هجري في تونس وكان ذلك أول إشهارهم مع وقائعهم في ثورتهم الأخيرة في سنة (1871 فتم عليهم الدست). ومن محامدهم كثرة التناسل وحب الولد والشغف بذلك والعناية به إلى درجة يقلدون المرأة التي أذكرت نوعا على الحلي خاصا بالجبهة وما هو إلا وساما قديما موروثا غير محدث ولما حدثت بهذا الأمر العلامة الشيخ طاهر الزواوي الدمشقي تعجب كثيرا وأعجب به فكان يعض الفضلاء المصريين وقد يتزوجون ويطلقون لمجرد الولد والعقب ويحزنون أشد الحزن للذي لا عقب له. ومن محامدهم العناية التامة بصلة الرحم والقرابة والنسب والصهر وذوي الأرحام ويعتبرون الملائق النسبة والصداقة بأقل مناسة ومشابهة ويراعون الوداد وقد كانوا لا يؤذون قط من ذاقوا طعامه. ويخشون العقاب الإلهي إن خان ذلك أو غدر والمعنى ينتظرون له ذلك وهي خصلة محمودة وأن أحدهم إذا كانت والدته من قوم يعدهم كلهم أخواله فتحترمهم ويكرمهم أيما إكرام ويدعوهم أخوالي. وبالجملة محامدهم هم لا تعد وتحصى في مختصر كهذا وإن ساعدنا الدهر ووجدنا المعين والناصر طولناه وأما خصائصهم فكثيرة أيضا فمنها عدم نجاح تكون جمع أو جنس أو مذهب ديني أو غير ديني مع جمعهم وجنسهم وليس ذلك لاضظهاد كما قد يتبادر بل بطبيعة حالهم من كثرة جموعهم وغلبة محيطهم وقد خطر ببالي الآن أنهم إنما سموا الزواوة لكثرة جموعهم إذ معنى زوى الشيء جمعه فهو زاو وأزوى جاء ومعه غيره ومن أجل ذلك يندغم فيهم من يساكنهم أو يجاورهم والمحيط غلاب بطبيعته لا يظلمه ولا يتعديه المقصودة سر الله في الوجود، ولهذا لا تجد في الزواوة يهوديا ولا نصرانيا ولا مذهبا غير مذهب مالك ولا قراءة غير قراءة ورش وقد كانوا في العقيدة سلفيين ثم شيعيين ثم أشعريين ومنها عدم نجاح مدية عظيمة بقربهم وأخرى من بينهم بأن تكون تلك المدينة ذات قصور كبيرة وذلك لاستغنائهم عنها بدورهم وقراهم المتوسطة الكثيرة بلا تطاول في البنيان ومنها ظهورهم واشتهارهم في كل بلدة يحتلونها قديما وحديثا أما في القديم أعني منذ نزوحهم من اليمن كما تقدم فكانوا على جانب عظيم من القوة وكثرة الجموع ولكن الشهرة العظيمة حازوها في الإسلام وكان لهم الحظ الوافر في فتح الأندلس ووقائع ذلك الرجل العظيم يوسف بن تاشفين إذ عبر بهم مرارا إلى الأندلس وهم الذين نصروا إدريس الأكبر والأصغر وبهم قام أبو عبد الله الشيعي وبجموعهم احتل جوهر القائد الفاطمي مصر والإسكندرية وتأسست هنالك الفاطميين كما تقدم واشتهروا في العهد الأخير في تونس والشام واعتبروا في الشام بالمغاربة وأظن أن ذلك بدهاء المرحوم الأمير عبد القادر ذلك الرجل العظيم الذي يعرف كيف يؤكل الكل الكتف فجمعهم باسم المغاربة أشمل وأعم من اسم الزواوة ولو لم تكن نسبة غير الزواوة في الشام واحدا في المائة وقد اعتز بهم الأمير كما اعتز بهم قبله أبو عبد الله الشيعي والمعز لدين الله ومولاه القائد جوهر فبهم دافع الأمير عيد القادر سنة 1860 عن قناصل الدول ونصارى الشام حتى اغتر بعض الجهال والعوام من أهالي الشام وسلت لهم أنفسهم أن يقوموا بمذبحة لا محل لها ولا مسوغ سوى وساوس الشيطان فعارض في ذلك الأمير أن خشي هو نفسه على نفسه ولكن جموع الزواوة تجمهروا حوله فأطاعوه وتسلحوا إلى أن انجلت الواقعة فسلم الأمير ومن معه من قناصل الدول والمسيحيين ثم إن فرانسا التفتت إلى الأمير (1) أنظر (صحيفة 159). فجازته خير جزاء فتحسنت حالته ماديا وأدبيا وصار ذا مال وبين وملك قصورا وقرى وأنجاله من بعده كذلك لهم العناية والجاه إلى فرانسا وإلى تركية ولا ينكر ولا يماري إن أولاد الأمير إنما كان عزهم وجاههم وقهرهم لكثير من البيوت والعصبيات بالزواوة الذين بدمشق وما حوله لأنهم اشتهروا هنالك باسم المغاربة والشجاعة والغلبة فإذا ركبوا الملاقاة من يناوئهم لا يقف أمامهم ولا يثبت ثم إن الزواوة لجهلهم السياسة ومسالكها ولكونهم مثل العرب البدو قليلي التربية والتعليم في هذا العهد الأخير لم يحصلوا على شيء يذكر فيشكر بالرغم من وجود جملة من شرفائهم وأعيانهم. مثل (الشيخ المهدي وابن عمنا الشيخ المبارك والشيخ ابن أعراب) (1) الذين تقدمت لهم الشهرة في الزواوة وكذلك في الشام بصفة الصلاح والعلم والطريقة. وقد نبغ في هذا العهد الأخير من رجال الزواوة بالشام وبغيرها من مدن سورية عدد غير قليل فمن أحفاد السادة المشايخ المشار إليهم أنفا يليق بنا أن نذكر: العالم الفاضل التقي السيد الشيخ صالح المبارك نجلي المرحوم الأستاذ الكبير العلامة الشيخ الطيب المبارك وابن عمنا المرحوم العالم العلامة والحبر الفهامة والسيد الشيخ محمد المبارك وابنه المحب السيد الشيخ عبد القادر الكاتب الأديب الشاعر من أحفاد سيدي الشيخ المبارك قدس سره والسيد الشيخ صالح بن أعراب وأنجاله النجباء خاصة منهم الأستاذ الفاضل الواقف على عدة لغات والمؤلف بها وبغيرها من العلوم العصرية السيد محمد سعيد الطيب بن أعراب من أحفاد سيدي الشيخ ابن أعراب قدس سره. والشيخ محمد مزيان من أحفاد سيدي الشيخ المهدي قدس سره. ومن سادة الزواوة وعلمائها بالشام المرحوم العالم العلامة الحكيم الأستاذ الكبير السيد الشيخ طاهر السمعوني الجزائري وسليم بك بن أخ الأستاذ المشار إليه العالم العصري الفاضل والذي كان بلغ رتبة قائم أركان حرب في الجندية التركية والمرحوم العلامة الفقيه الأستاذ الأوحد للناشئة الزواوة في دمشق سيدي الشيخ محمد سعيد شريف الينيوي وابن عمه العالم الرياضي الشهير السيد أحمد جودت الينيوي والعالم الفاضل الورع السيد الشيخ شريف العقوبي والعالم العلامة التقي الأستاذ السيد الحاج أحمد الشريف المقيم بقرية الرملة وابن أخيه العالم الفاضل الطيب السيد صالح الشريف القاطن بمدينة يافا والدراكة الكاتب علي بك ابن الحافظ التقي السيد الحاج شريف وخيري بك ابن السيد علي أبي حسين من شرفاء بهلول وهو رتبة المدعي العمومي والسيد إبراهيم خالد المستنطق وعمر بك فرحات وأخوه الدكتور حسن بك فرحات، والدكتور طاهر بك قاسم ومتعهد الإنشاءات الأميرية الشهير الحاج مزيان أيراثني وغيرهم من يطول ذكرهم ممن نبغوا في الصنائع والتجارة الخ. ومنها عدم تزوج الزواوة بالأجنبيات إلا نادرا إذ أن عنايتهم الشديدة في الزواج بالأصل والجاه العظيمين مع عادات لهم فصار ذلك غير ممكن لهم من الأجنبي ومنها عدم تزوجهم بالإماء السود تحشيا من تسويد نسلهم وتغييره وهذه خاصة عظيمة تذكر لهم فتشكر وقد خالفوا إخوانهم العرب فيها. نعم قد يوجد العبيد في بعض قرى الزواوة إلا أنهم لا يناكحون. ومنها الحياء الشديد وله قواعد عندهم محمودة تنطبق على المروءة والإنسانية الكاملة وبالأخص فيما بين أعضاء الأسرة والأقارب ذوي الأرحام فلا تسمع لهم كلمة فحش أو بذاءة ترى عورة من عوراتهم وذلك محظور عندهم بشدة وعناية تأمين وبالأخص في محضر النساء حتى أنه قد يكون دم المتفحش هدرا فإنهم يقتلون من ذلك وهو من القواعد المتعارفة عندهم وإن أحدهم إذا كانت معه امرأة يكون محترما هو والمرأة ولا يؤذى ولا يسمع ما يكره و (... كلمة غير واضحة في النسخة) الغناء، فالذي تعدى وفعل ذلك المحظور في عرفهم فدمه هدر وهذا من المدنية الراقية بمكان والسبب أن الغناء عندهم مستقبح لما فيه من أقوال الغزل والتشبيب وذكر النساء والعشق والوصال إلى غير ذلك مما يحرك النفوس إلى الشهوات ويسوقها إلى أسواق الشبهات وهم في مثل هذا مخالفون للعرب على خط مستقيم وقد ذم أبو حامد الغزالي الأدب العربي في هذا المقصد لما فيه من بواعث الفسق للشبان وفساد أدب النفس بأدب الدرس المختلط بما يذكرنا من الفحش والتفاحش. ومن القرى في الزواوة من يمنعون المغنيين من الغناء ولو في الوليمة بسبب ما ذكر. لم أدر أن والدي رحمه الله ضربني غير مرة واحدة وأنا يافع لأنه سمعني أغني مع الولدان، وأن الصبي إذا تلفظ بكلمة فحش يضرب عنها وكذلك الخدم وجميع الصغار، ويستحيون من كثرة الأكل ولهم في ذلك آداب وقواعد في مواضع فإنهم إذا رأوا أن الطعام قليل فلا يأكلون إلا قليلا. وإن كبرائهم وشرفائهم وأهل العلم منهم لا يأكلون في الأسواق ولا في الشوارع طبق القاعدة الإسلامية وأنها من لوازم العدالة والمروءة ومنها شدة التحفظ من العار أن يصاب به الرجل أو امرأة والتشديد الزائد فوق التصور في أمر العهر فإن الزناة عندهم يقتلون ولا يحاكمون ولا يشهد أنس ولا جان أنه يوجد في أرض الزواوة قديما أو حديثا ابن مجهول الأب وذلك أن المرأة إذا وقع ونزل حملت من زنى فإنها لا تبقي بقيد الحياة إلى الوضع بل تقتل من أهلها وذريتها لأنها حملت لهم العار أو تنتحر هي بالتسمم فهي كما في المثل بيدها لا بيد عمرو وفي المعنى شدة الحياء والحياء من الإيمان قال فيهم الشاعر: قوم لهم شرف العلى س حمير ... وإذا انتهوا صنهاجة فهم هموا لما حووا إحراز كل فضيلة ... غلب الحياء عليهم فتلثموا وعن ذكر الملثمين نقول: أنهم صنهاجيون وأنهم كانوا مضرب الأمثال في الشجاعة والإقدام وأنجبوا رجالا عظماء مثل يوسف بن تاشفين رحمه الله فإند ملأ ذكره الأسماع، وصار تعظيمه والإعجاب به كلمة إجماع، بين المؤرخين المشارقة والمغاربة وكتبوا تاريخه بحبر الحبور، والأجدر أن يكتب بسطور النور على نحور الحور وقد كان سلطان العدوتين في المغربين وتلقب بأمر المسلمين، وكفى أن حجة الإسلام أبا حامد الغزالي تمنى الاجتماع به كما تقدم. ومنها الفوز في الوقائع فهم في ذلك إما الأمنية أو المنية دون القضية التي يطلبونها ولا يفرون من الزحف وأن الفرار عندهم عار (العار أكبر من النار). ومنها أنهم لم تستول عليهم دولة من الدول قبل فرانسا فهذا فخر عظيم لهم كما قال الموسيو جول كامبون الوالي العام كان بالجرائر في خطبة له ألقاها على الزواوة في بلدة الأربعا بني يراثن في منة 1891 بأن لم تضع دولة قدمها على تلك الجبال الشم آخر ما قال، قلت لا بد من غالب ومغلوب وأن لكل شيء حدا ونهاية ثم أن الدولة الحالية التي استولت عليهم تحبهم وتميل بالعطف عليهم وتود أن يتمدنوا تمدنا عصريا وكثرت لهم من المدارس الابتدائية في غالب القرى وصار النشء الجديد يحسن التكلم باللسان الفرنساوي ويقرؤون ويكتبون ويزاولون كثيرا من الأفعال في المكاتب وسائر الأعمال ولكن ضعفهم المادي وشدة تمسكهم بعاداتهم وعرفهم القديم وما توارثوه من ذلكم ومن الديانة ومن الخلاف في الدين والأخلاق والمتقدمة ويزاد على ذلك سوء الظن المتحكم بينهم وبين المستعمرين والمتصرفين وبعض الأحكام في ذلك مثل الأحكام الأهلية التي اضطرت إليها الهيئة الحاكمة - كل ذلك يوسع خرق الراقع بالرغم من أن الحرب العمومية الأخيرة أثبتت لهم الإخلاص والوفاء وكلا الفريقين معذور ونرجو دائما التوفيق وحسن التفاهم، وعندي أنه لا يكون ذلك إلا بكثرة المدارس العربية الصالحة للتفاهم فإن العربي المسلم لا يصلحه إلا العربية الصحيحة ومكارم أخلاقها المرضية وآدابها الجمة ودليلي على هذا اسقرائي ما تيسر من المتعلمين تعلما فرنسويا بدون عربية فإنهم فريقان ففريق عدو ولدود لأهله وللحكومة والأمة المستعمرة ذلك بأنه لم يبق في حالة أهله ولم يبلغ إلى حالة معلميه وأسخطه الجميع وأسخطهم بسبب معاملات لا تخفى على المتأمل ومما يسخطه بكثير أنه متحير في جميع أقواله وأفعاله التي يتعذر عليه سلوك مسالكها أفيبقى مهانا ومعتزلا طول عمره الهيئتين الاجتماعيتين؟ وقد جربتهم أنهم إذا تلي عليهم كتاب عربي فصيح بليغ رشيق العبارة جيد المعنى يأسف أشد الأسف على ما فاته، وفريق راض ظاهرا ساخط باطنا لأنه لا يرضى بالإمتيازات والتصرفات لا (
......
) * ويراه غبنا وخلاف الإنصاف ولا يكاد يدرك أن توزيع الأعمال في المجتمع الدولي لا بد له من التفاوت على حسب الأهلية وصلاحية مع شرطية التجنس المعروف قديما وحديثا ليس عند فرانسا فقط بل في الإسلام كان ذلك عندهم كذلك. وخير من هذين الفريقين عندي فريق ثالث وهو وسط وخير الأمور أوسطها كذا في الحديث وهذا الفريق هم المتعلمون التعلم العربي الواسع الصحيح وآدابه الكاملة كما تقدم فإن أدب هؤلاء إذا تنوروا كما ينبغي يرضى المجتمع الأمة الحاكمة وحكومتها والأمة المحكومة وذلك أن الأهالي يتنورون بالعلوم العقلية والشرعية الصحيحة السليمة المنقاة من التعصبات القديمة المدسوسة والخرافات المحشوة مثل إبادة المختلف في الدين واعتباره عدوا كما يزعم الأوروبيون أن ذلك من الدين كلا بل هو من التعليم الفاسد المستحكم في الفريقين المسلمين والمسيحيين في الحروب الصليبية وتلاشت الآن وبقي الخلاف محصورا في دائرة أخرى اقتصادية - تنازع البقاء - وقد أدرك الناس شرقا وغربا أن أمور الدين محترمة بفضل عقلاء من أوروبا وأمريكا وإنما بقي أمر الاستخفاف بالعربي المسلم لمرضه الاجتماعي وسوء إدارته وتربيته وأنا ذلك العربي المسلم إلا أني قلت وما زلت ولن أزال أقول لا يبرئنا من هذا المرض غير التعليم الصحيح العربي الإسلامي وإلا فنبقى كلا على أوروبا فلا هي ترتاح ولا نحن نشقى والله ولي التوفيق. ومن الشواهد على تفوق الزواوي في أشغاله وأعماله قديما وحديثا ما وقفت عليه في جريدة (السعادة) التي تطبع في الغرب الأقصى ترجم فيها فصل عن بعض كتاب فرانسا في هذه الحرب التي جعلت فرانسا بابل الألسن والأمم فقالت تلك الجريدة في عددها الصادر 16 فبراير سنة 1918: ويروى عن أحد كتاب فرانسا المشهورين في الكتابة وهو الموسيو جيثو أنه قال بأن صرف الرماة المغاربة والجزائريين والتونسيين الأشهر الطويلة بين الجنود الفرنساوية في ميدان القتال سوف يبدل أخلاق أولئك الرجال ويولد فيهم روح الهمة والنشاط فإذا ما رجعوا إلى بلادهم كانوا كمن حنكتهم التجارب وألفوا المتاعب وتذليل الصعاب كذلك العامل الذي صرف في مزاولة الأعمال بفرانسا مدة ستة أشهر على الأقل وذاق لذة الربح وتعود العمل لا يرجع إلى حياة الكسل التي كان ألفها بين الدواوير حيث كان يلتف بأطمار الحائك البالية مدخنا الكيف - الحشيش - متوكلا والقمل يرعى تحت إبطه وقد خمل وبهل وكاد أن يكون قعيدة رحل وقد تعود العامل في فرانسا الحياة المنتظمة أي الأشغال مدة معلومة من الساعات والراحة كذلك مدة معلومة وإيلاف النظام يهذب الخلق ويقوم اعوجاجه، وقد ولد العمل في نفس العامل الإفريقي حب الربح فتراه حين يقبض أجرته منبسطا منشرحا يمتاز الزواوة - تأمل - والمغربي عن غيره اه بالحرف.
زوايا الزواوة وعلماؤهم
زوايا الزواوة كثيرة مشهورة ومعناها قديما وحديثا المدارس والمساجد وبعبارة أهل العصر الجامعات والكليات ومعنى الزاوية لغة هو جامعة جهة من جهات الدار فالمفهوم إذن من الزاوية موافق للفظ ثم مما يذكر بكل فخر أن تأسيس هذه الزوايا مع قدمها الذي يرجع إلى عصر لا مدنية فيه كما يقولون كان من الخواص والشرفاء والمرابطين الصلحاء اختيارا لا دخل للحكومات المتعاقبات عليها إلى اليوم ويا حبذا الأمر لو عزز بحسن الإدارة والحال أن نظم تأسيسها حسن جدا وإنما قصر النظر والتدبير أضاعا النتائج المرجوة وذلك أن الزاوية تعتبر مسجدا ومدرسة لله مجانا من حيث هي مسجد وأن المساجد لله باجرة طفيفة من حيث هي مدرسة للقرآن وطلبة العلم ولها دخل وخرج للنفقة والقيام بشؤون الطلبة والشيوخ والمدرسين ومن قواعد الانتساب إليها والسكنى بها أن يدفع الطالب قدرا صغيرا من الدراهم ثم هو لا يدفع شيئا بعد ذلك إلا تطوعا ولو مكث فيها مدة عمره كله وأما غير طلبة العلم من المسافرين والزائرين والمصلين فلا يدفعون شيئا (
......
) * وإن الزائرين والمسافرين يأكلون ويشربون مجانا وليس ذلك للمصلين من الأهالي المقيمين إلا الفقراء منهم وبعض السخفاء الطفيليين ولكل زاوية أهلها يتصرفون فيها حسب أصول تأسيسها خلفا عن خلف فالزوايا على هذا المعنى نظمية اجتماعية مدنية لو لم يعوزها حسن الإدارة والإصلاح الذي يقتضيه الحال والطبع إذ لا فرق بين هذه الزوايا ومؤسسات الجمعيات والشركات العلمية الخيرية المقامة بأوربا وأمريكا بأموال أولي البر من الوصايا والأوقاف ونحو ذلك فزوايا الزواوة كذلك دخلها من أولي البر والصلاح الملتزمين بعطايا من أرزاقهم وكسبهم للمؤسس الصالح المرجوة بركته ومن هذه الحيثية تعذر على الحكومات التداخل في شأنها والحق كذلك لأن الأعمال الخيرية كهذه لا ينبغي بل لا يمكن التداخل فيها (
....
) لكيلا يسخط الرأي العام في أمر معتقد صلاحا دينيا فإن المتبرعين إنما تبرعوا خدمة للعلم والصلاح الموصلين إلى رضاء الله وإن لم يفعلوا يخشوا سخط الله وبهذا المعنى يوجد الفرق بينهم وبين أولي البر من أوروبا وأمريكا فيقال مع الفارق بينهما عموم وخصوص منهجي فتنفرد جمعيات أوروبا وأمريكا بقصد التعليم على وجه خاص وتنفرد زوايا الزواوة بقصد خدمة العلم وإرضاءا لله فهذه القاعدة المتضمنة للعقيدة أمتن وقد يقال أن بينهما عموما وخصوصا بإطلاق وإنما امتازت مدارس أوروبا وأمريكا بحسن الإدارة وسداد الرأي والنظر وعدم الجمود وبالجملة إن للزواوة والبربر في هذا الشأن فضل السبق يذكر فيشكر ولمثل هذا أسهب العلامة ابن خلدون رحمه الله واسترسل في الثناء على البربر كما تقدم وهو ممن ضربوا في أرضهم ومواطنهم وأحق بالشهادة عليهم كما قدمنا وليس ابن خلدون بالمؤرخ الذي يجازف بالقول كيف وقد سبق له أنه انتقد المؤرخين في المعنى. ثم أن خدمة الزواوة للعربية بناءا على أنهم عجم بسبب الوطن واللسان البربرين فإنهم إذا قرنوا بغيرهم من الأمم الإسلامية يعادلهم (
......
) * كما ذكرت في رسالتي الفرق بين المشارقة والمغاربة (1) (...) وبهذه الزوايا كثر علماء الزواوة قديما وتخرج منها فطاحل إذ ذكروا يفخر ويرفع رأسه شرفا وتيها وكذلك بطبيعة الخال يقتضي أن يكثئر علماء الزواوة لموقعهم الجغرافي فإن إحدى عواصمهم "بجاية" وكانت حاضرة وميناء من موانئ الحرب للأساطيل الأندلسية وكانت قرى الزواوة إذ ذاك لا تعد ولا تحصى ويبلغ عدد جموعهم الملايين. هذا وكان من المناسب رسم خريطة بلاد الزواوة الجغرافية هنا وذكر القرى والقبائل بأسمائها وترجمة جمهور من علمائهم وأسماء الزوايا التي ينتسبون إليها من أين مهب صباهم ومدب صباهم ولم يخف ذلك كله علي وإنما تعذر. وكذلك ذكر أيامهم ووقائعهم وذكر ذوي البيوتات العظام، والأعيان الكرم، وما قيل في ذلك كله الإلمام بلسانهم الذي قد كلفني الأستاذ المرحوم الشيخ طاهر السمعوني أبو عيسى ثم الدمشقي الشامي الشهير أن أجمل له بعض القواعد للخطاب وبعض الأصول، كان هو وابن عمنا المرحوم الشيخ محمد المبارك الزواوي الدمشقي قد عزما على ذلك فتوقفا ولما لم تسعن مخالفته كتبت عدة مقالات في الموضوع في المجلة السلفية بمصر ولكني رأيت أن ذلك كله أمر ثنوي مهم لا محالة إلا أن ما أنا بصدده من العناية بالنسب والتاريخ والإصلاح أهم وأكد خصوصا أنه من أغرب الغرائب لم يتقدم شيء من ذلك سوى تراجم علمائنا المتفرقة في الكتب وفي كتاب عنوان الدراية للغبريني في علماء بحاية والمراد بهم علماء الزواوة جملة وافرة وساعد ذلك أي تراجم العلماء فهو مطوي وليس بصواب وتقدم ذكر أسفنا على إهمال المتأخرين أمر التاريخ ولكن الزواوة لم يكتب شيء عن تاريخهم بالخصوص أظن أنه باعتبارهم من العرب فتابع لتاريخ العرب وباعتبارهم من البربر كذلك وكيفما كان الحال فلابد من تخصيصهم بتاريخ لشهرتهم ومقتضى الحال لذلك لما هنالك من المصالح وعلى الأخص بإن نسبهم الواجب لمطاعن وجهت من الجهال إليهم وقذف في حسبهم والغض من كرامتهم في عصرنا هذا. هذا وإن استخف بذلك أعني التاريخ والمتفدمين فنحن أكبرناه وإن الأزمان مختلفة والأحوال متباينة، وأن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، والناقد بصير، وعلى هذا فلا يورد علي أن هذه الصحف القليلة وإن هي محكرمة فلا تعد تاريخا فإن قبل بذلك قلت إن العبرة في المعنى والإفادة والخدمة الجليلة فإن مصنف الأجرومية لمحمد بن داود الصنهاجي أخ الزواوة وصغير الحجم، لكن لم يؤلف مثله في النحو كذلك مقدمة السنوسي في التوحيد، وبالخصوص أن كتابي هذا أول كتاب في الموضوع على ما أظن وأما الجمع واللم والحشو فغير خاف عني ولا حاجة لي به، ولا للناس فيه فائدة، كيف وقد سبرت غور الأمس واليوم، وعلمت من ذلك ما يستحق السوم، وكذلك الزواوة المخاطبين بهذا يعلمون المطلوب والمرغوب من هذا التاريخ أن النسب والفضائل والخصائل والمحامد وغير ذلك مما يقتدى به، وينشط ذوي الهمم إلى الإتيان بمثله، ويبعث ذا العزائم على التحلي بجليه، ويرشد أولي الأمر إلى التنافس في خلاله، وبالتالي هدم الاستسلام لبعض الخرافات والأوهام، ونحو ذلك مما يحاجون به من الجهال والحساد والطعن في النسب وفي الدين وفي المروءة وسائر الأعمال التي يغضون بها كرامتهم وقد سمعنا بأذننا هذه أن الزواوة رومان وأبناء طالوت وجالوت إلى غير ذلك من القذائف السامة، والغارات الخانقة، والنيران السائلة، التي يرميها إليهم أجلاف من أعراب الوطن، وسخفاء العقول من حضر المدن، الذين لم يعمل فيهم القرآن ولا السلطان، وقال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وأن عقولهم محجورة ومحجوبة عن فهم سورة الحجرات وفي قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقر، فأبوا إلا أن دعوة الجاهلية الخبيثة كما في صحيح البخاري «دعوها فإنها خبيثة» ورأينا بأعيننا هذه أعينا تزدري الزواوة ولا تبالى ولو تلونا عليهم {ولا أقول للذين تزدري أعينهم لن يؤتيهم الله خيرا وإذا مروا بمم يتغامزون}، ونحو ذلك من التصريح والتلويح والتعريض كقول العامة في القطر النبي عربي ولم يدر الجهول أنه آذى النبي والإسلام بقوله ذلك تعريضا وتعنيفا فإن السامع الجاهل مثله يقول له إذا كان النبي للعرب فقط وإليهم بعث بالخصوص فلا يلزمنا الإيمان به ولا العمل بشريعته وأهل العلم منا يقولون لهؤلاء الأرذال المجادلين بالباطل إن هذه الدعوى التي تدعونها من الخصوصية والأفضلية ليست من الإسلام في شيء إنما هو من دعوى اليهود في اليهودية وذلك أن غير اليهودي إذا تهود لا تكون له درجة اليهودي في الأفضلية بلغ ما بلغ والإسلام نادى بالمساواة والإخاء والحرية التامات وأن درجة بلال الحبشي البربري وسلمان الفارسي وصهيب قد لا يبلغها كثير من قريش وقال صلى الله عليه وسلم «سلمان منا» وقال: «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» (1) وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم في العجم وقال في الروم: «والروم ذات قرون كلما هلك قرن خلفه قرن، وهم أهل صخر وبحر هيهات آخر الدهر» من حديث طويل والمعنى أن الروم رجال عظام ولكن العرب العوام بل وغير العوام مغرورون ومخدوعون كما قدمنا هذا الكلام حين ذكرنا العجم وحقه أن يراجع ويحرر بماء العسجد وإني أقول ما قال ابن عباس رضي الله عنه لرجل شتمه: أتشتمني وفي ثلاث خصال أني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأحبه ولعلي لا أقاضي إليه أبدا وإني لأسمع بالغيث يصيب البلاد من بلاد المسلمين فأفرح به وما لي بها من سائمة ولا راعية وإني لآتي على آية من كتاب الله تعالى فوددت أن المسلمين كلهم يعلمون منها مثل ما أعلم اه هذا ما نقول للذين يقولون أقوالا ولا يعرفوها وإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا. وفي كتب التاريخ والرحلات والتراجم ألوف من علماء الزواوة أرى جمعهم على حدة وفي الديباج لإبن فرحون ونيل الابتهاج وعنوان الدراية وابن خلكان والسخاوي عدد معتبر ومنهم من تولى القضاء والتدريس في مصر والشام مثل عيسى أبي الروح الزواوي الحميري المنكلاتي وقد أشار هو رحمه الله إلى أن الزواوة من حمير لأنه الب كذلك كما في الديحاج ونص ذلك: عيسى أبو الروح ابن مسعود بن المنصور بن يحي بن يونس بن يانيو (1) بن عبد الله بن أبي حاج المنكلاتي الحميري الزواوي وقدم الإسكندرية وتفقه بها ثم رحل إلى قابس فأقام بها مدة يسيرة ثم رحل إلى القاهرة فأقام بما يشغل الناس بالعلوم بالجامع الأزهر وسمع كتب الحديث الستة وحدث عن شرف الدين الدمياطي وولي نيابة القضاء بدمشق نحو سنتين ثم رجع إلى الديار المصرية فولي نيابة القضاء بما عن قاضي القضاة زين الدين مخلوف المالكي ثم من بعده عن قاضي القضاة زين الدين المخوفي المالكي، ولي تدريس المالكية بمصر بزاوية المالكية وترك ولاية الحكم أقبل على الاشتغال والتصنيف فشرح صحيح مسلم في إثني عشر مجلدا وسماه - إكمال الأعمال - ثم إن صاحب الديباج قال إن قبيلة آيت منكلات قبيلة من العرب قلت إن آيت مكلات في وسط القبائل التي تقدم ذكرها وقلنا أنها من الأذواء الحميرية ثم إن الزواوة علماءهم وعاميتهم لا يعلمون الفرق بين آيت منكلات وغيرهم من القبائل، كلها متجاورات وحالها واحد وما ذكره ابن فرحون هو من قبيل ما حررنا في نسب الزواوة وكذلك عيسى أبو الروح في انتسابه إلى حمير بقوله الحميري. وممن تولوا القضاء والتدريس بالشام ومصر العلامة ابن معطي الزواوي صاحب الألفية ومن النوابغ العظام جماعة من قبيلة (إمشدالن) مثل عمران وناصر الدين وأما محمد بن محمد بن قاسم فقد أعجب به جلال الدين السيوطي فقال فيه ما لفظه: هو محمد بن محمد بن محمد بن أبي القاسم ولد بعد عشرين وثمانمائة واشتعل في الفنون على والده ومشايخ بلده في أنواع العلوم العقلية والنقلية واتسعت مداركه وبرز على أقرانه بل وعلى مشائخه وشاع ذكره وملأ الأسماع، وصار كلمة إجماع، وكان أعجوبة الزمان في الحفظ والذكاء والفهم ولوقد الذهن ... إلخ، قلت إذا كان جلال الدين السيوطي الذي قال عن نفسه: لا أعلم أحدا على وجه الأرض أعلم مني في العربية والحديث إلا أن يكون قطبا أو غوثا والخضر. يقول بهذا الإعجاب في شاب من شبان الزواوة فما ظننا بغيره ولهذا اقتصرنا على هذا في هذا الباب وبه كفاية لذوي الألباب.
بعض عادات الزواوة
يحار العاقل في أمر العادات عند الأمم عموما وعند المسلمين خصوصا واشتكى من ذلك أولو العلم من جميع الأمم والنحل: ذلك بأن من العادات ما لا يوافق الشرائع السماوية ومنها ما لا يوافق الذوق السليم كثقب الأنف وجعل الخرص فيه وتسويد الأسان والشفتين بالوسام وجعل الرجلين في قالب خاص لتبقيا صغيرتين وهلم جرا مما لا يستقصى (1) ومنها ما ليس بلازم، ومنها ما هو مستحسن غير لازم، ومنها ما هو مستحسن ولازم، والناس أعلق من العلق بالعادات وقد جاء الإسلام العزيز بالضرب عن المخالف من العادات وإقرار الموافق فترك الناس بعض ذلك حينا من الدهر فرجعوا إليها بل أحدثوا زيادة بزيادة الأيام بالرغم من مناداة الفحول من العلماء والمصلحين بإنكار ذلك. هذا ولابد من ذكره ما يتيسر من العادات المستحسنة والمستهجنة في الزواوة فقول: من العادات المستحسنة في الزواوة إنقياد الخصم والرضا بالتحكيم إلى أي حكم تم الرضا بما حكم به له أو عليه ثم لا يجد في نفسه حرجا مما قضى به الحكم ويسلمه تسليما. ومنها عدم التحكيم فيما تعلق بالعرض والشرف وليس في ذلك عندهم سوى القتل والانتقام لشرفه كلفه ذلك ما كلفه وإنه العار عندهم أن يقع التحكيم في ذلك وهو خلاف الشرع أحسنوا في الأولى وأساءوا في الثانية. ومنها اتخاذ كل قرية ذات جماعة صغيرة أو كبيرة إماما ومعلما ولكن لا يتمعلم سوى أبناء الشرفاء والمرابطين وكذلك في زواياهم المتقدم ذكرها إلى هذا العهد وهي عادة فاسدة مضرة في الهيئة الاجتماعية لو انتبهوا، ذلك بأن جهل الجهلاء مثل مرض المعدي خصوصا أن الأكثرية لغير المتعلمين ومنهم يتألف المحيط وبالطبع إن التأثير للمحيط والأغلبية وكأنهم أخذوها عن أوروبا القديمة فإن العلم محتكر عندهم للرهبان والملوك وأبناء الملوك ولكن أوروبا قد انتبهوا فضربوا عنها وهذا هو الفرق بيننا وبين أوروبا فإنهم ينتبهون ويرجعون أما نحن فمتمادون في سبات عميق فلا انتباه ولا رجوع {بل قالوا إنا وجدنا
....
} الآية. ولكن لم يبلغنا أنها احتكارية أوهناك أدنى مانع غير العادة وكيفما كان الحال فهي ذميمة يجب الإقلاع عنها شرعا وطبعا إذ طلب العلم فريضة على كل مسلم كما في الحديث الشريف وكما قالوا أن الإنفاق في كل شيء يستلزم النقصان إلا في العلم فإنه يستلزم الزيادة. ومنها عدم حجاب من غير نساء المرابطين والشرفاء وأخيرا نساء العلماء فقط ولكن مسألة الحجاب عندنا معشر المسلمين قد لا يفصل فيها غير عمر بن الخطاب رضي الله عنه والقرآن ينزل فيقول عمر ما قال في الخمر اللهم زدتا بيانا وافيا ذلك بأنا لم نفهم الحجاب المذكور في القرآن إلى الآن ففريق يقول بحبس المرأة في بيت مظلم وغلق الباب عليها وأخذ المفتاح في جيبه وأن لا ترى ولا ترى ولا تخاطب ولا تخاطب وأنها وصوتها ولباسها وعجرها وبجرها عورة وهذا حكم الغيرة لا الشريعة ولا الطبيعة لأنه مناف للصحة والمصلحة الحيوية والطبيعة العمرانية فالحجاب مثل هذا إيذان بالجمود والفناء والتعطيل وقد كان من نيتي وطبيعتي قبل أن أعرف الفرق بين الأمس واليوم، وقبل أن أرشد وأحسن العوم، وقبل أن تضطرني طبيعة الحياة بل القضاء والقدر، إلى الضرب في الأرض وأنا تارة مخير وتارة مسير، وقلت لبعض العارفين في الموضوع ذات يوم أي ابن العم والله إني لأود أن تكون والدتي العزيزة الشريفة المسلمة وأختي الشقيقة المسلمة وامرأتي وابنتي إما فوق هذا السماء أو تحت هذه الأرض وأن لا تذكر قط، فضلا عن أن تنظر، ولكني عبثا حاولت، وطبيعة حارت، وسنة كونية خالفت، أقرأت القرآن ووجدت فيه أن ابنتي شعيب ذهبتا في رعي الغنم وفي الماء واجتمع موسى بهما وتزوج إحداهما وأنه لما جاء بزوجته قاصدا مصر طلب نارا ليوقدها لها لعلها تصطلي فذهل عنها بما لقي من الأقدار الإلهية ورجعت زوجته مع الرعاة من أهل مدين فاتل الآية {فلما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ...} إلخ الآيات. وتذكر أن محمد صلى الله عليه وسلم لما عزم على المهر صحبة أزواجه كلهن أو بعضهن حسب مقتضيات الأحوال وقد آذوه في سيدة نسائه عائشة رضي الله عنها بالكذب والبهتان إلى أن أنزل الله في القضية القرآن بالبراءة فاتل {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسوه شرا لكم بل م خير لكم ...} إلخ الآية وضربت في الأرض بناته فزيب خرجت من مكة في طلب أبيها بالمدينة وتناولها زوجها وذوو زوجها بالخصام والشجار فأسقطوها من على الجمل فأجهضت حتى كان لها ذلك سبب الهلاك بعد أعوام قليلة وهاجرت ابنته رقية مع زوجها عثمان إلى الحبش وكان العامة من الحبش يتعرضون لها ويقولون بعضهم لبعض تعالوا تروا ابنة النبي العربي ما أجملها إلى أن اشتكت إلى الحكومة الحبشية النصرانية وتذكر قضية أبينا إبراهيم عليه السلام مع فرعونه الذي عزم على أن يجبره ليعطي له زوجته سارة لأنه ذكرها له أنها أخته والقضية مشهورة في كتب السير والتاريخ ولكن إخواننا المسلمون أبووا الإخاء ذكرت أولا وتمنيت ثانيا وهو محال عند العارفين فإن الله تعالى لم يرد أن يجري ذلك بل أراد أن يجري الحق والدفاع عنه ونتبع نحن ذلك ولا يتبع هو جل شأنه ما نريد من الأهواء اقرأ {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض} وبالجملة فقد حررت ما تيسر في الموضوع في كتابي "مرآة المرأة المسلمة" وأزيد هنا أني لم أنكر الحجاب وإنما أردت الحجاب الشرعي بأن تختلط ولا تختلي امرأة أجنبية بأجنبي وأن يغلب الحجاب المعنوي على المادي أولى وأصوب وأسهل وأفيد وأن تحسن التربية والتعليم ببيان الفضيلة والرذيلة ونحو ذلك من الأخلاق الحسنة والعقائد الصحيحة. ومنها احترام المرأة والعناية الشديدة عندهم بعدم مخاطبتها أو أحرى إذايتها وعدم ذكرها باسمها لأهلها أو زوجها. ومنها تخلف المرأة في المشي إذا كانت مع الرجال وكذلك في الركوب وفي الصلاة وهذا موافق للشرع وللذوق ولكن تخلفها في الأكل والشرب طبيعة خلاف الشرع وخلاف المدنية. ومنها تشغيل النساء في أعمال خارج البيت عدى الشرفاء والعلماء وقضية تشغيل النساء في الأمم وعند العرب بالخصوص فيها تفصيل أظن أنه يوافق الشرع العزيز على العادات التي لا حرمة فيها ويباح ما تضطر إليه الحياة كسقي الماء والاحتطاب والبيع والشراء وغير ذلك. ومنها صعوبة الطلاق بما يشبه امتلاك المرأة وقد لا يفيد الخلع ولا الجبر ولا التحكيم وقد قدمنا أن التحكيم الذي هو عندهم مقبول لآدنى شيء إلا فيما يخص بالعرض وفي هذه من المنكر والقسوة ما يسخط الله ورسوله فلله در القائل: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم بل وصف الله تعالى قلوب صنف من عباده بقوله وهو أصدق القائلين: {ثم قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منها الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله}. والحال أنه ليس من الشهامة إمساك المرأة جبرا يحبها وهي تبغضه ولا من الكرامة إذايتها، فسحقا وتعسا لرجل لا تحبه امرأته وهو ممسك لها، لبئس الحياة حياته. ومنها عدم توريث قبائل تيزي وزو النساء بخلاف قسم بجاية وسبب عدم توريث في القسم الأول أنه على ما حدثني والدي رحمه الله طارئ بعد وباء أوائل القرن السابع هلك فيه الكثير من العلماء فاتفقوا على أن يتولى العاصب إرث المخلف ويلتزم بالقيام بحقوق النساء وحمايتهن والنفقة عليهن ولو لم يترك لهن وليهن شيئا بدعوى أنه له الحق التداخل لما عسى أن يصيبه من المعسرة إلى غير ذلك من الأسباب ووجده مكتوبا أي هذا الاتفاق في دفتر لما كان شيخا في قرية - تافة نيث يحي - وذكر هذا الأمر الشيخ الحسين الورتلاني الشهير بالصلاح أنه حدث في القرن الثامن فقط وهذا يؤيد ما رويته عن الوالد قلت وكيفما كان لا يجوز مخالفة ركن عظيم في الشريعة كهذا لأنه بمقتضى الآية ويظهر لي أخيرا أنهم يعملون ذلك محافظة على تقسيم التركة وتبديد الثروة وكذلك يحكى عن الإنجليز ونقول لهم: (أنتم أعلم أم الله). ومنها عدم تحاكم الزوجين إلى القاضي ولا إلى العالم يحكمون العرف في شأن الزوجية والعرف عندهم غير محدود وأكثر القبائل كما قدمنا قلما أن يتساهل في أخذ الخلع ولو بأضعاف ما بذل من الصداق ويعطلها مدة الحياة ولا يجبر في أمثال هذه فإذا أجرم قتله لأنه يرى ذلك اعتداءا على حقه وعرضه ولا يقبل عقله أن الشريعة هي التي أجبرته لما رسخ في ذهنه أن امرأته خلص ملكه لا يشاركه فيها أحد من العالمين فالذي يطلقها عليه شاركه فيها وهذا من التعاليم الموارثة ونشأ عن قلة الإرشاد والوعظ ولم نجد من المتأخرين من يقوم بتدريس علم الأخلاق ويحسن تقويم المعوج منها فإن سادتنا المتصوفة مكتفون بأن من أخذ طريقتهم لا تتعدى عليه النار ويكتفون عن جبال كهذه وكذلك يفدوهم بذكر لا إله إلا الله سبعين ألف مرة وبصلاة آخر الجمعة من رمضان وجهلوا أن القيم على الكبيرة لا يفيده ما ذكر إن لم يتب ويقلع على أن لا يعود وأن الإيمان والإسلام أقوال وأعمال. وفسر الإيمان بالتصديق ... والنطق فيه الخلف بالتحقيق وقيل شرط كالعمل وقيل بل ... شطر والإسلام الشرعي بالعمل وقولنا القاضي نيابة عن الشريعة إلخ ما تقدم ذكرنا أن نقول أن القضاء ركن عظيم في الشريعة الإسلامية ولكنه مصاب برجال حولوه لا يستحقون ولاية الكنس والرش للشوارع ولا وقادين في الحمامات ولا بوابين للحانات كما يعلم هذا الخاص والعام والمصاب العظيم في الأمر العظيم لذا القضاء خطة عظيمة تستلزم التبحر في العلوم الشرعية والعدالة التامة بلا أدنى فسق ليكون نقيا وزاهدا فإن نص خليل في مذهبنا المالكي على حرمة تولية الجاهل وطالب دنيا فإذا بأكثرهم ممن عرفناهم أفسق من قردة فلا صلاة ولا زكاة ولا حج ولا عفة فإن بعضهم ينشد لسان حاله: (وكنت امرء من جند إبليس فارتقى ... بي الدهر حتى صار إبليس من جندي فلو مات قبلي كنت أحسن بعده ... طرائق فسق ليس يحسنها بعدي) ومن عادات الزواوة عدم مصاهرة الشرفاء والمرابطين لغيرهم نعم إن الكفاءة معتبرة في الإسلام ولكن من الزوج أن تكون كفؤا للمرأة لا العكس والزواوة عمموا وهذا تشديد لا يليق. ومنها أنهم إذا اقتتلوا أو تشاجروا فإن الشريف أو العالم الصالح يكون في الحياد التام ويدخل بين صفوف المتقاتلين للصلح ويدفع ذلك باليد وذا باليد ولا يجدون في أنفسهم شيئا ولا يؤذونه ولا يعارضونه وقد رأيت والدي رحمه الله في قرية صوامع في بني بوشعايب في وسط معمعة في سعة 1869م وأنا ابن أربع سنين داخلا علينا وهو رحمه الله ملطخ بالدماء وأنا وأختي وأخته عمتي ووالدتي نبكي فأهدأ من روعنا وقال لا تبكوا مرة أخرى إذا رأيتموني بين المقتتلين فإنهم لا يؤذونني لأني داخل مصلحا لا مقاتلا وما يصيبني من الدم إنما هو لتناولي الجرحى ودفع الأقوياء عن الضعفاء إلخ. قلت أن عادة كهذه من المدنية بمكان ويجدر أن تسطر بماء الذهب فإن جمعية الصليب الأحمر التي أسستها دول أوروبا منذ أمد غير بعيد لم تكن بهذه المثابة في هذه الحرب الأخيرة وكذلك قداسة البابا لم يحترمه المقتتلون هذا الاحترام في هذه الحرب بل كادوا يتهمونه بالانحياز والميل إلى فريق دون فريق والحال أن مقامه عندهم مقام العصمة. ومنها أن الشرفاء والصلحاء في الزواوة يفصلون في الدماء ويحكمون في قضاياها ولا إعادة فيها ويعتبرون ذلك حكما ربانيا حتى إذا خالفهم أحد فدعوتهم عليه أو له مقبولة وهكذا شأن الزواوة في الانقياد للشرفاء والصلحاء والعلماء وتقدم أنهم انقادوا لدعوة الإدريسيين والفاطميين الشيعيين فهذه العادة التي قبلها وغيرهما من امتثالهم يحق أن تكون من المعلقات التي يفتخر بها الخلف بالسلف لو يعتني القوم بهذه المحامد ويتنافسون في خلالها ويطرحون الخلال الشائنة. ومنها عف اللحية وينكرون أشد الإنكار حلقها ويضربون المثل في المغالطة فيقولون في المخدوع حلقوا له لحيته والمعنى أنه مغفل ولكن منذ مدة يسيرة سرت إليهم عادة حلق اللحية التي عمت الآن العالم الإسلامي وهي مخالفة للقواعد العربية من أخلاقهم وللسنة النبوية وعمل السلف الصالح وقال النسابة ابن الكلبي كان للعرب خاصة عشر خلال لم تكن في أمة من الأمم خمس منها في الرأس وخمس في الجسد فأما التي في الرأس فالفرق والسواك والمضمضة والإستنشاق وقص الشارب دون اللحية وأما التي في الجسد فتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء
.....
ومنها تركهم الأظافر ليتخامشوا بها وهي عادة شنيعة تشوه الوجه المتحرم الذي ورد النهي عن ضربه لأن الله تعالى خلق آدم على صورته ولكن عامة الأمم تضرب للوجه ولم يتق أحد الوجه حتى الوالدان فإنهما يضربان أولادهم للوجه ويلطمانهم ويا حبذا لو وضعت قوانين لهذا الأمر. ومن عادة بعض مرابطين الزواوة تذكير المرأة بلبس البرنوس حين السفر القصير سترة ونعيمة وهي عادة قبيحة مذمومة ورد النهي في ذلك ولعن الله المتشيهين والمتشبهات وأنه من مصادمة الطبيعة وسنن الكون كما قدمنا وأن كان قد يجوز التنكر وقد يضطر إليه في بعض الأحيان لأسباب ولكن إذا زال السبب زالت العلة وارتفعت والسب ما يلزم من عدمه العدم ومن وجوده الوجود لذاته. والخلاصة أن العادات كثيرة غالبها كما تقدم من المستحسنة والمستهجنة وإنما يلزم أن تعرض كلها على ميزانية الشريعة فما صادقت عليها الشريعة يقرر وما لا فلا. وإن الله لهادي الذين أمنوا إلى صراط مستقيم.
الإصلاح المطلوب
أكتفي في هذا الباب بما حررته في كتابي "الإصلاح" حين كلامي على زوايا الجزائر عموما وعلى زوايا الزواوة خصوصا فأورده بتمامه وهو: الزوايا في بلادنا الجزائر عبارة جوامع ومقامات يجتمع فيها الناس للصلاة والبيات والقرأة وهذا مراد مؤسستها وتوجد في قرى الشرفاء والمرابطين وأهل الصلاح المتدينين من العرب والبربر فلنعم المبدأ ولنعم الغاية وهي - الزوايا - كثيرة في بلاد الزواوة حتى قيل أنهم لقبوا الزواوة لكثرة زواياهم وهي منقبة تذكر فتشكر وعلى ذلك أثنى العلامة ابن خلدون حين كلامه على البربر كما تقدم وقصدنا الآن أن نقول أن تلك الزوايا لطول الأمد عليها وقدم عهد تأسيسها وعدم تعهدها بالإصلاح تكاد تكون عقيمة إذ لم يحسن شيء منها منذ تأسيسها الذي يرجع إلى القرون الأولى والحال أن الضرورة تقتضي بالتجدد والإصلاح على حسب الزمان والمكان وكذلك لابد من التبصر والتدبر في مقاصد المؤسسين رحمهم الله لا لنتخذهم أولياء وشفعاء وتطوف بقبابهم ونستلم أحجارهم ونتظر تصرفهم فينا ونسند إليهم ما يصيبنا بسبب تقصيرنا ونقسم بهم وعليهم وحتى ما يصيبهم هم أنفسهم في مقاماتهم وقببهم ذلك إذا تهدمت وتخربت أو أصيب أولادهم فنقول أن الشيخ الولي رحمه الله هو الذي شاء ذلك ولو لم يشأ ما وقع وهذا كفر صراح وضلال واضح وهو مما يسخط ذلك الولي الصالح المؤسس ويتبرأ من أعمالنا إذا قال له الله يوم القيامة: ءأنت قلت للناس اتخذوني متصرفا وأن جميع ما يصيبكم وما يصيبني أنا نفسي ولو لم أشأ ما وقع فيقول {سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب} إني أسست زاوية ومسجدا للصلاة والاجتماع والتعليم وليتبصر العباد سبيل الرشاد. قلت إن مراد المؤسسين لا يخفى إنه اجتماعي ديني علمي فالاجتماع للصلوات المفروضة وللنظر في شؤون جماعتهم من فصل القضايا والإصلاح بين الناس والتعاون في القرى عند اللزوم والدفاع والهجوم إلى غير ذلك من التضامن الاجتماعي الطبيعي في كل زمان ومكان وقد اتخذ ذلك نصارى أوروبا فحرمناه نحن لأنه من فعال النصارى، والدين جاء للنظر في شؤونه من دراسة العلوم الشرعية، تفسير، حديث، فقه، علم الكلام، وما به يتوصل إليها من العلوم العربية آلات تلك العلوم وكون المؤسسين خصصوا القرآن فقط بناءا على أن المبادئ بالترتيب الطبيعي فالصبي قليل الفهم والإدراك كثير الحفظ فأسسوا له لمبادئ تعليمه قراءة القرآن أو أن ذلك هو حد المقدور عليه ثم يتدرج إلى طلب العلوم الشرعية فالعقلية إلخ ... إذ القرآن يستلزم العلوم كلها وبالأخص العلوم العربية لغة نحوا وصرفا ومعاني وبيانا وخطا وإنشاء وشعرا وقوافي وقد نظمها بعضهم
.....
نحو وصرف عروض بعده لغة ... ثم (اشتقاق) * وقرض الشعر إنشاء كذا المعاني بيان الخط قافية ... تاريخ هذا لعلم (العرب) * إحصاء ولابأس أن نضرب لذلك مثلا فمن يقرأ القرآن الكريم ويحفظه كمن بملك عقارا (
......
) * وهو فقير لا يملك آلة ولا له هندسة يستخرج بها (
......
) * فإنه أعلم بذلك يلزمه السعي في طلب الآلات والمهندسين والعمال وإلا فهو خاسر والمعنى واضح وربما كان هذا مراد مؤسسي الزوايا رحمهم الله وهو من باب الدخول في الأمور بالرفق والتدرج المحمودين لا لنحمد على حفظ القرآن لنتغنى به وليقال فلان حافظ القرآن ولنعم الأمر ولكن ما فائدته وما أغنى عنا؟ كما في مصر والشام لهذا العهد فإن بعض الأعيان وذوي البيوتات العظيمة يرتبون قراءة في أيام معلومات في بيوتهم غالبا أو في القبور فيحظر القارئ ويشرع في قراءة القرآن ولكن سر القراءة مجهول لم يعرف أو عرف ولم يعمل به فلذلك ترى القارئ مدخلا إلى بيت أو زاوية من زوايا الدار لا في بيت الاستقبال بل في دهليز أو بيت وضيع حقير أو زاوية نسج فوقها العنكبوت قاعدا وحده فيقرأ ويغني ثم يخرج وقصد القارئ واضح هو أخذ أجرته وأما قصد صاحب الدار وربتها فهو إما للبركة ولكن لا بركة مع الإهانة لكتاب الله العزيز إذ لو كان داخلا على رب الدار وربتها طبال وغناء أو فونوغراف أو البيانو لرحبوا به ولجعلوه في (
......
) * وفي أعلى مكان منضد ولو كان رب الدار وربتها يعملان على علم وعلى سنة وعلى شريعة لعملا ذلك اقتداء (
......
) * من قوله تعالى مخاطبا نساء النبي صلى الله عليه وسلم وربات بيته {... واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} ويا حبذا لو تقرأ محثل هذه السورة في البيوت على النساء ولكن أين الرجال من فهمها فكيف بالنساء، وإما ليقال أنهم رتبوا قراءة في بيوتهم ليحفظهم الله من الشيطان الرجيم والشيطان عامل فيهم بواسطة الجهل ما يروى غلته في بني آدم عدوه الأصلي القديم في عالم الغيب. نحد في عدة من الزوايا بالزواوة عشرات بل مئات من قراء القرآن ولهم نفقة جارية من مؤسسي الزوايا ومن العادات المستحسنة من تخصيص الزراع جزءا معلوما للزاوية جازاهم الله خير الجزاء ولكن للجهل ولسوء الإدارة لم تحصل الأمة على نتيجة مطلوبة إذ لم يتخرج لنا من تلك الزوايا في هذا العهد الأخير واحد في المائة (100/ 1) بل ولا في الألف إذا سألناه عن القرآن ما هو؟ ومن أين هو؟ ومن جاء به؟ ولأي شيء جاء به؟ وما فائدته؟ وما حكمه؟ وما المراد بحفظه؟ وما الحكم في حفظه؟ وإلى متى يتمادى في حفظه؟ وإذا لم يحفظه فما عليه؟ وما يلزم طلب علوم وفنون آخر؟ وهل بلغه أن قواعد الإسلام الخمس تطالبه بإحكامها عند بلوغه طلبا جازما وإلا فهو مسؤول مثلما تطالبه الحكومة بالعسكرية لخدمة وطنه والدفاع عنه ولا يبقى مهملا وكذلك الشريعة الإيلامية تطالبه وأنه مكلف أيضا للعمل طبق الأحكام الخمسة: - الفرض - الندب - الكراهة - الحرام - الإباحة. ثم إن المفهوم والملكات والمواهب الإلهية تختلف باختلاف أصناف الناس فمنهم حافظ فيتمادى في الحفظ ومنهم فاهم فيتمادى في الفهم ومنهم كاتب فيتمادى في الكتابة ومنهم حاسب فيتعاطى الحساب ومنهم نحوي ومنهم فقيه ومنهم محدث ومنهم .. ومنهم. فيجب إذن أن يصرف كل ذي ملكة إلى ملكته وكل ذي فن إلى فنه ولو لم نبتل بسوء الإدارة والغفلة البالغة حتى البلاهة. نعم إن المؤسس لم يسعه الحال لهذا التصرف إذ ليس من اللازم أن يكون الشيء كاملا في ابتدائه وهذا ليس من طبيعة البشر والارتقاء وسنن الكون إنما هو أمر الله تعالى الذي يقول لشيء كن فيكون وأما أمور العباد وسائر المخلوقات فعلى سنة التدريج وكذا لفهم عمل المؤسسين في الزوايا ثم ما يمنعنا نحن بعدهم أن نرفع القواعد والبنيان الذي ابتدأوه وما يمنعنا أن نؤسس نقابة ومديرية ومفتشية ويجعلوا التعليم أقساما ويعينوا فنونا تدرس حسب أسنان الطلبة والأهلية التي فيهم والاستعداد الفطري في كل واحد منهم ويحددوا مدة للخروج من المدرسة - الزاوية - أم هم مستغنون عن وجود العلماء وتخريجهم من زوايا بلاهم بلادهم ولا حاجة لهم إلى فقهاء ومحدثين ونحاة ومتكلمين وبيانيين ومنطقيين وكتاب ومنشئين وحملة أقلام وجغرافيين ومؤرخين وسواس واقتصاديين وإداريين وفنيين ومهندسين وصناع وتجار ومزارعين وكيمياويين إلى غير ذلك مما هو من لوازم المدارس والزوايا وإلا فما معناها؟ الإصلاح والأخذ بالجديد ضروري وطبيعي في حياة الإنسان تتجدد لوازمه تجدد الأيام، وتحدث له أساب بحدوث العوام، مثل إن يغسل الإنسان وجهه كل يوم ويقلم ظفره كل جمعة وكذلك يحلق شعره وينصف عمله ويصلح شأنه ويذبح شاة الأضحية كل عام وهلم جرا. وإن الزوايا مدارس ومساجد كما قدمنا تخرج منها رجال قراءة وعلماء وأئمة مرشدين ومصلحون كما أشرنا غير ما مرة وعلى الخصوص العظماء من العلماء كما سبق فإن لنا بهم فخرا وهداية ونقول أنهم أوائلنا وأبائنا تركوا لنا ذكرا جميلا، ومقاما جليلا، ومن يأتي في المستقبل (
......
) * فلا يجمل بنا أن يسجل علينا التاريخ بأنا حد مانع وحجز حاجز بين الأوائل والأواخر وأننا أضعنا ميراث من قبلنا وأهملناه وأنه لمن السفه في التصرف ولمن القصور والسقوط وخلاف المرجو والمنتظر فلا يجدر بنا أن نكون أفراد من يتمثلون بقول المعري: وإني وإن كنت الأخير في زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل والخل أن ذلك جائز شرعا وعقلا ولا يكون هذا إلا بالإصلاح اللازم والسير مع السائرين حذو النعل النعل كمن في القافلة وإلا فنحن منقطعون مضمحلون ونجد الخاص والعام منا لاهجا بهذا التخلف والاضمحلال منذرا بالفناء فعلام ذا القنوط المنهي عنه؟ نحن مكلفون، مسؤولون، إما مأجورون وإما مأزورون ولا ينفعنا أن نكذب على أنفسنا وأو على الله أنا عاجزون بل إنا مقصرون ما دام لنا العقل والتصرف في شؤوننا الخاصة المعروفة بالحرية الشخصية فلم لا نتناول إذا مصالح إصلاحية عصرية وأن نجعل يدا في القديم الصالح ويدا في الجديد كذلك؟ والإسلام العزيز نفسه جاء بهذا المعنى ففد ثبت أنه أقر فقط على أشياء قديمة مستحسنة كالحج والطواف مثلا فقد أصلحهما فقط وكسر الأصنام ونهى عن أشياء يفعلونها نذرا كالطواف عراة حتى النساء لما في ذلك من المنكر وفساد الأخلاق ومعرة ومن الشواهد على ذلك قول ضباعة من بني سلمة: اليوم يبدوا بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله أجثم مثل القصب باد ظله ... كان حمى خيبر لا تمله فأصلح الإسلام خطايا من هذه وأثبت الحج الصحيح وإنما كلف العرب ذلك الضلال الولاة المتصرفون في بيت الله الزاوية العامة والقدوة التامة للمسلمين أفلا نستنبط من هذه وذكر صاحب الروض الأنف أن هذه المرأة مشهورة بالمعاني وذات القدر والجمال وخطبها النبي صلى الله عليه وسلم ولما بلغه ما قالت تركها وماتت أسى وحزنا على ذلك ومثل هذه من الخلاق والعادات التي أصلحها الإسلام كثيرة والإسلام العزيز جاء بالإصلاح العام في الدنيا كلها، وفي الأمم جميعها، وكان صلى الله عليه وسلم يستحسن كل نافع وينكر كل ضار ويتخذ كل حكمة وهو ينبوع الحكم ولا يأنف مما لم يعرف أو من جديد أشير به عليه من أمور الدنيا وقد أشار عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه يوم الخندق بحفر الخندق فقال له يا رسول الله إنا إذا حوصرنا خندقا فاستحسن ذلك صلى الله عليه وسلم فحفر بيده الكريمة وكسر الحجر بالمعول ولم يقل هذا عمل فارس عبدة النار وكذلك أشير عليه صلى الله عليه وسلم ليتخذ خاتما ولم يقل هذا عمل العجم كما ابتلينا نحن في هذا العصر في خصوص هذا القطر السيئ الحظ كلما أخذ أحد بعمل ما إصلاحي ضروري وكان ذلك العمل تعاطاه اليهود والنصارى نقموا منه وتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم والحال أنا نرى الأعمال الجليلة الصالحة النافعة كلها اتخذها جيراننا اليهود والنصارى فعلى هذا لا يبقى لنا إلا أن نشد الوثاق على أيدينا ونتهم عقولنا ونعقل أرجلنا فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ويا للغفلة والغرور عجبا ثم عجبا بمن يبلغ به الجهل والغرور والعمى أو التعصب الممقوت إلى هذا الحد وينكر فنونا ومعارف وعلوما ونظامات في المدارس وسائر الأعمال في جميع الإدارات وتراتيب في الأمور الاجتماعية يراها الأعمى ويسمع بما الأصم ويحس بها الجماد فلا أقسم برب المشارق والمغارب أنه لو كان صلى الله عليه وسلم حيا لأشار علينا بكثير من تلك الأشغال والمصالح النافعة في جميع الشؤون الاجتماعية لما تمخضت بها أوروبا ومخض رجالها فأخرجوها من العدم إلى الوجود وخصوما نظام المدارس والأسلحة والأدوات والآلات والتجارة والصناعة والزراعة وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم يستعرض الشبان ويجيز ويترك فاستعرض ذات يوم شابين فأجاز أحدهما وترك الآخر فقال الصبي بل الشاب الذي تركه لم لم تقبلني يا رسول الله؟ أتأذن لي أن أصارع صاحبي الذي أجزته؟ فأذن له صلى الله عليه وسلم فصارعه فصرعه فأجازه وثبت أنه ألزم الأسارى تعليم أبناء المسلمين القراءة والكتابة إذ لا يعقل أن يروج شيء في عصر فيستحسن ويؤخذ به كالسلاح مثلا والمراكب البرية والبحرية والميكانيك في الفابريكات والمعامل فيتعاطى ذلك أقوام ويحرمه أقوام فإن ذلك يؤدي لتخلفهم وفنائهم لو لم نتخذ كل من فرنسا وانجلترا بجميع ما أخذت به ألمانيا من ضروب فنون السلاح والنظام والطيران وسائر المخترعات كاتخاذهم مثلا المضادة للغازات السامة وللتوربيل وللمدافع الرشاشة التي قابلوها بالتانكس التي لا تعمل فيه المدافع وهي دابة دبابة تخوض غمار المعامع ولا يصدها شيء واشتكى منها الجند الألماني الذي كاد أن يقف دون مرامه وقل كذا الطيران وفي الأيام الأخيرة من الحرب أسقط الجندان الفرنساوي والإنجليزي ثمانين طيارة من طيارات الألمان في ميادين القتال بفرنسا فقلت لصاحبي الشيخ خالد النقشبندي الدمشقي ونحن بمصر نقهر جيش ألمانيا عن قريب لأنها تعجز عن خلف هذا العدد الذي يدل على تفوق فرنسا وإنجلترا وأمريكا فما لبثنا غير أيام حتى طلبت ألمانيا الهدنة المنعقدة في (سبا) فكثر إعجابي باسم (سبا) المشابه تماما لسبأ اليمانية التي جاءت فيها الآية بخبر عجيب أيضا في قضية ملكة اليمن بلقيس فقال تعالى حكاية عن الهدهد {وجئتك من سبأ بنبأ يقين} فقلت لشيخ خالد لعمرك أن هذا الخبر يقين على انتهاء الحرب لأنا ننتظر ذلك جميعا لنجتمع بأهلينا المعتقلين في بر الترك وهذا معنى قولهم التاريخ يعيد نفسه وقولهم ما أشبه الليلة بالبارحة فاعتبروا يا أولي الأبصار وبالجملة من لا يأخذ بالإصلاح والجديد فهو مسؤول لدى الله ورسوله عن نفسه وجنسه ووطنه ودينه خائن في ذلك كله، وباء بإثمه هذا وأرى إيراد فصل كتبه في الإصلاح محبنا العلامة الشيخ عبد القادر المغربي الطرابلسي الذي كان يحرر بجريدة المؤيد الشهيرة وهو ممن إذا عبر حبر، وإذا أنشأ وشى وهو هذا نصه:
الإصلاح الإسلامي
الباعث عليه - المطلب به - فهرست أركانه - فلنا في مقال سابق أن هذا الإصلاح الذي سماه المرحوم جمال الدين حركة دينية لا يمس جوهر الدين ونصوصه السماوية وإنما يتناول تمييز التقاليد التي اقتبسناها عن الأمم الأخرى بواسطة الاختلاط بهم بواسطة أفراد من علمائهم دخلوا ديننا وحملوا إلينا مزاعم من دينهم، ثم تمييز الآراء الاجتهادية أصبحت على طول الزمان كأنها أقوال الشارع نفسه بحيث أصبحت لا تجوز مصادرتها ولا التردد في قبولها، نميز كل هذا عن نصوص الدين الأصلية ونحدد مقاصده السامية ونقف على أسراره العلمية ونسعى في إيجاد طرائق تعليمية تقرب الدين للأفهام ونسهل تحصيله ونشره بين الأنام، إهمال المسلمين للإصلاح أن غدروا فيه فيما مضى من الزمن فإنم لا يغدرون فيه اليوم وقد أصبحت المادة المعنوية بيد الشعوب الأوروبية وصار لهم بهاتين القوتين حق الإشراف والوصاية على الحالة الاجتماعية العامة في العلم الإنساني ومهما حكموا بأن الشريعة وكذلك التعليم يتنافى والمدنية أو لا ينطبق على مصالح البشر كان قولهم المسموع ورأيهم المتبوع فإذا لم نثبت بأن ديننا يواخي المدنية ويلائم المصالح البشرية كنا مسيئين إليه وإلى أنفسنا فتتلاشى قوميتنا (1) وينهار بنا عزنا، إن عقلاء الإفرنج لكثرة ما خالطونا عن طريق قراءة أخبارنا واستعمار بلادنا والسياحة والتجارة بيننا - أصبحوا يعدون لنا من المذام والمساوئ الدينية والأدبية والاجتماعية ما لا يخطر لنا ببال وقد يتفق أحيانا أن يعجب بعض أولائك العقلاء بما تضمنته قرءاننا من الحكم الرائعة والآداب الناصعة والقواعد الجامعة فيجهر في محافل قومه بأن الإسلام من خير أديان البرية دينا وأنه ملائم لمصالح البشر وليس في أصوله ما يتنافي المدنية الصحيحة ثم يستنتج من ذلك كله أن المسلمين خير الأمم دينا وأدبا وفضيلة ونظاما اجتماعيا حتى إذا ساقته المقادير أو أحب الاستطلاع إلى بلادنا وأشرف من كتب على نوع حكوماتنا ومحاكمنا وأطوار خاصتنا وعامتنا وأحوال عائلاتنا (2) ومجتمعنا وسائر ضروب أشغالنا ومعاملاتنا. رجع القهقرى عن رأيه وندم على ما كان من التسرع في حكمه وعاد إلى قومه يئسا وعن مدحه الإسلام والمسلمين ساكتا وقد قال المرحوم جمال الدين مرة: إن عقلاء الإفرنج يتدبرون آداب القرآن وتعاليمه العالية ويحكمون بأنه خير قانون للإصلاح في شؤون البشر ويهمون أن يسلموا ثم ينظرون من خلال القرآن وتعاليمه العالية إلى الأمم الإسلامية السائمة في أسيا وإفريقية يرونها من أحط الأمم شأنا وأشدها ابتعادا عن روح الدين والمدنية وممارسة الفضيلة فينفرون من الإسلام وينظرون إلى القرآن كالمرتابين فيه وفي صلاحيته لأن يكون سلما ترتقي عليه الأمم إلى معارج المدنية والعمران وبعد أن رأوا ما رأوا من حالة أتباعه وهكذا
يدعوهم القرآن إلى الإسلام وينهاهم المسلمون عنه ثم قال جمال الدين فالواجب علينا قبل كل شيء أن نثبت للأوروبيين أننا غير مسلمين وبهذه الصورة يمكن أن نجلبهم إلى الإسلام ونحسن اعتقادهم فيه ولو اقتصر الأمر على هذا لهان ولكن قد نبت من المسلمين وفي بلاد المسلمين طائفة عظيمة من الشبان تعلموا العلوم العصرية وتثقفوا بآداب الإفرنج ودرسوا قوانين الاجتماع الحديث وعرفوا بسبب ذلك من أطوار البشر وطبائع العمران ما لم يعرفه سواهم وقد أخذوا يقارنون بين ما يعرفون وبين ما ورثوه عن أسلافهم فنكروا أشياء كثيرة مما يعده المسلمون دينا ولما لم يجدوا أحدا يزيل شكوكهم ويزيح عنهم ما خاطرهم من الريب فيما إذا كان الدين الإسلامي يصلح للبشر أو لا يصلح؟ وجود هذه الطائفة المتنورة في بلاد المسلمين من أقوى البواعث على الإصلاح الديني ووجوب السعي إليه من بابه وأن لم نفعل اختل نظامنا ودخل الفشل والعدو بين صفوفنا يحاول قوم من الجامدين أن يأخذوا أولئك المتنورين بالتقليد الأعمى وأن يحملوهم على الإذعان والتصديق بمجرد نقل النصوص وسرد أقوال المتفقهين ولكن محاولة هذا منهم مقاومة للطبيعة وهو أمر مستحيل، عقل حر في نفسه، حر في حكومته، حر في عصره حر في الوسط الذي يعيش فيه تكلفه أن يقلد غيره تقليدا أعمى اللهم إن هذا تكليف ما يطاق، تكليف لم يرضه الله تعالى للمشركين في أزمنة انغماسهم في الجهالات وظهور الخوارق والمعجزات أتراه يرضاه للمتنورين في أزمنة الاكتشافات والاختراعات وأتينا العلم على المشاهدات والمجربات - للتباطئ في الإصلاح وإبقاء ما كان على ما كان حمل أناسا من هذه الطائفة المتنورة على نبذ الدين باطنا واكتفوا من إسلاميتهم بالرسوم الظاهرة فتراهم يشهدون احتفالات الأعياد والمواسم ويمشي بعضهم في الجنائز وإلى مقابر المسلمين وإذا دعي إلى عقد نكاح استمع خطبة الشيخ بأدب واحتشام وغير ذلك مما من شأنه أن يساعد على الامتزاج بأهله ومواطنيه ويجعل عيشه معهم طيبا هادئا ومنهم جماعة يعتقدون الإسلام لكنه لا يعرفه جمهور المسلمين ولا يعترفون بصحته وأساس اعتقاد هؤلاء الإذعان لكلام الله وحده وإذا احتج أحد بكلام غيره عرضوه على عقولهم ومصالح البشر ونواميس الاجتماع فإذا وافقها قبلوه وإلا رفضوه فالعملة عندهم البرهان لا قال فلان وروى فلان ومن عجيب أطوار أفراد هذه الطبقة أن ترى الواحد منهم لا يصلي ولا يصوم والصلاة والصوم من أركان الإسلام الخمسة كما لا يخفى لكنك تراه كبير النفس قوي العزيمة ثابت الجأش كثير الأدب لا يكذب ولا يغش ولا يداهن ولا يتملق ولا يخضع ولا يشكو ولا يطمع وهو شديد الغيرة على الإسلام مجتهد في خدمته عامل على رفع شأنه بكل قوته إذا سمع طعنا فيه أو افتراء عليه قامت قيامته فيكتب ويخطب في الرد على الطاعنين وتسفيه آرائهم ويأخذ في تعداد مناقب الإسلام ومزاياه الجمة التي يفضل بها سائر الأديان ثم أنا نقارن بين هذا المسلم ومسلم آخر من الطبقة الجامدة فنراه يصلي ويصوم ويقف على الضريح خاشعا ضارعا ويتأدب مع القرآن فيدعي أن عقله عاجز عن فهم أسراره والنطق بعجائبه فهو من أجل ذلك يتكل على ما حققه "الشرنبلالية" "الولواجية" و"الانغروبة" و"العالمكيرية"، وليس هذا وحده بل ترى خلافه أمشاجا من الكذب والصدق والنفاق والإخلاص والتواضع والكبر والغش والخداع إلى غير ذلك مما هم في جانب والإسلام في جانب ثم ترى هذا المسلم يعيب المسلم الأول ويحتقره ويفسقه إن لم يكفره فكيف نحكم إذا فاضلنا بينهما ولا يلزم إلا الإصلاح لأن كليهما في خطأ من جهة وعلى صواب من جهة فلا نغفل هذا الخرق ولا نتهاون في ترقيعه أظن أنه قد اقتنعنا معشر المسلمين بوجوب الإصلاح فلا نجمد إلى حد أن نعطل أحكام العقل ولا نتساهل إلى درجة نتهاون معها بحدود الشرع بل نعتقد ونعمل بكل ما شرعه الله لنا بطريقة النقل الصحيح ثم نتساءل عمن يتصدى لهذا الإصلاح وممن ننتظر القيام بأعبائه؟ كنا أوجزنا في مقالنا السابق وأشرنا إلى أن الإصلاح الديني م وظيفة من وظائف علماء المسلمين وأنهم إن لم يقوموا به لم يقم غيرهم به وإن هم شغلوا عنه كان سواهم عنه أشغل. وقد يقولون إن كان لابد من هذا الإصلاح فينبغي أن يكون المطالبون به هم الحكام والرؤساء والعظماء والأغنياء. أما علماء الدين فمعظمهم قد شغلهم أمر دنياهم عن النظر في أمره وإن فرغوا فليس معهم مال ليساعدهم ولا لهم عصبة تعضدهم بمثل هذا الكلام يحاول العلماء زحزحة عبء العمل عن عواتقهم وإلقائه على عاتق غيرهم ومن الغريب أن يوجد قوم من الشبان المتحمسين يذهبون إلى أن الإصلاح الإسلامي لا يتأتى للمصلحين ما لم يقوموا بتأليف جمعيات ثورية تسعى في قلب المجتمع الإسلامي رأسا على عقب ثم يعودون فينشؤونه خلقا جديدا ومن لطف الله إن كان هذا الرأي قاصرا ومقصورا على ذوي الأمزجة العصبية الشاذة وهم قليلون في شبابنا المتنورين وهذا ما جعلني أرتاب في السيد جمال الدين منذ قال لي لابد في الوصول إلى الإصلاح من حركة دينية فحسبته من أولئك النفر القائلين بلزوم تأليف الجمعيات الثورية حتى فسر لي الحركة الدينية بالإصلاح الإسلامي الذي أبنا فيه وشرحنا قوادمه وخوافيه. إصلاحنا المنشود ليس بدعا من كل إصلاح ديني أو اجتماعي قامت به جماعات البشر وحصل في أزمنة التاريخ القديم والحديث فهذه الإصلاحات إنما يقوم بها أولئك الذين لم تلههم مناصب الجاه ولا مظاهر العظمة عن النظر فيما حل بقومهم من البؤس والشقاء والبحث عن أسبابه ووسائل النجاة منه أمثال هؤلاء وهم المرجوون للبحث في الإصلاح لا أولئك الرؤساء والعظماء الذين يشعرون بالحاجة إليه وقد يأنفون من الاشتغال به بل ربما قاوموه أشد مقاومة لأنه قلما يخلو من تحطيم امتيازا تهم وزحزحتهم عن مستوى عظمتهم وهكذا كان شأن الرؤساء في كل انقلاب ديني وقد عاتب القرآن النبي صلى الله عليه وسلم في جملة آيات على عنايته بأمر كبراء العرب وانتظاره انتشار الإسلام بواسطة إيمانهم وكان صلى الله عليه وسلم حريصا على دعوتهم وإقامة البرهان لهم وكان اشتغاله بهم يدعوه أحيانا للإعراض عن المستضعفين والتولي بوجهه الشريف عنهم ظنا منه أن هؤلاء تبع لأولئك الرؤساء وأن الرؤساء متى أمنوا آمن معهم المستضعفون. (تنقص ص 82 من النسخة التي بين أيدينا وتبدأ الصفحة 83 الآتي): فرديا وإنما يكون جماعيا فيجتمع المجتهدون ويقررون الحكم بالأكثرية. الخامس - أن ننظر إلى جميع المذاهب على السواء فلا نفرق بين الأئمة ولا نلتزم لقول إمام بعينه وإنما يأخذ أهل كل عصر من مذهب كل إمام ما يناسب مصلحتهم. السادس - أن يكون مدار الأحكام الشرعية والمعاملات القضائية المصلحة فهي المحكمة في كل محكمة والمسؤولة في كل مسألة. السابع - أن لا نحدث في الدين حدثا ولا نبتدع شيئا كبيرا بداعي أن له في السنة أصلا صغيرا وإنما نقف عند حد ما ورد عن الشارع وثبت في السنة بقدره. الثامن - أن نميز العقائد الدينية عن التقاليد التي مرجعها النقل الأحادي أو الرأي الاجتهادي أو مجرد الشيوع بين الأشياخ فلا نكلف أنفسنا عقائد لم يكلفنا إياها الشرع ولا نكفر مؤمنا إلا إذا أنكر عقيدة ثابتة لا تقليدا مرويا. التاسع - أن لا نعتمد في تصحيح الحديث على صحة روايته ومسنده وحدها بل ننظر في متن الحديث ومدلوله ومضمونه فإن وافق أصول الدين وآي القرآن قبل وإلا رد مهما كان أمر سنده وروايته. العاشر - أن لا يجري قياس واستنباط في العقائد والعبادات والشعائر بل نعتمد فيهما ظاهر النص وإنما القياس في المعاملات الفقهية وكل ما يتعلق بالقضاء ويختلف باختلاف الزمان والمكان ويسمى اليوم الحقوق المدنية. الحادي عشر - أن نرفع من شأن العمل قليلا فلا نزعم أن المسلم ينجو بمجرد أقوال رددها وتقاليد يبطنها وحركات يأتي بها المسلم بل المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. بفعل وعمل الأعمال التي حث عليها الإسلام وتخلق بالأخلاق التي أمر بها وإلا كان الدين دعاوي فارغة وألفاظا مهملة أو يقال كان الدين عبثا أو الوحي سدى. الثاني عشر - أن نرفع أيضا من شأن الأسباب قليلا ونعتبرها مظاهر لإرادة الله تعالى وقدرته فلا نهملها إلى حد أن نقول أن السم لا دخل له في الموت للذي تناوله فمات به وإن هذا التناول لو لم يتناوله لمات حتما وإلا تعطلت الحدود وشك في حكمة المعبود. الثالث عشر - أن يترك الفقهاء كثيرا من النظريات والمسائل إلى أرباب الاختصاص في علومها فلا يكون الفقيه طبيبا أو مهندسا أو كيمياويا وقائد حرب إلخ ... وإنما يبحث فيما يعلم ويدع ما لا يعلم هذا ما خطر لي جمعه من كليات الإصلاح وقواعده الأساسية وقد أتذكر في وقت آخر أو يتذكر غيري ما ذكرت فالحق به إن شاء الله اه من جريدة المؤيد بتاريخ 24 ذي القعدة الحرام سنة 1327م.
اللائحة نظام التعليم وبيان طرقه
من القضايا المسلمة أن التعليم من جملة الصنائع والمعارف، وأن الصنائع والمعارف تختلف، في الإجادة والإتقان، حسبما نرى بأعيننا، وندرك بعقولنا، وليس خطي هذا خط غيري، ولا إنشائي هذا كإنشاء غيري، إذ قد يوجد من هو أكثر مني وأفضل، ويوجد من هو أدنى وأقل، ذلك أن المواهب المدنية مختلفة، والمدارك الإنسائية متباينة، وإن للتربية والتعليم لتأثيرا على حسب المنشأ والمحيط، ومن المحال أن يخرج عن ذلك أحد غير الأنبياء المختارين والمعصومين ومعنى المنشأ والمحيط الجماعة والجمهور والقبيل الذي يقوم فيه الإنسان وهو معنى الحضارة والعمران والحضارة والعمران على حسب الأمم والأمم على حسب سادتها وقادتها فيرجع الأمر إلى تأثير التربية والتعليم ويؤيد هذا كله الحديث "كل مولود يولد على فطرة الإسلام فأبواه يهودانه وينصرانه" ثم أن لكثرة الأمة وقوتها تأثيرا في الأحوال وهو معنى الحديث أيضا "تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" ومعنى هذا التمهيد لنثبت مصلحة الإجادة والإتقان الذين بارك فيهما النبي صلى الله عليه وسلم بدعائه: «بارك الله فيمن عمل شيئا وأتقنه» وإذا أثبت لزوم الصنعة والإجادة والإتقان وقيل ذلك لزوم الابتداء ولزوم الابتداء هو لزوم التعليم وهذه الأشياء كلها تستلزم الإصلاح أي قابلة للزيادة والنقصان على حسب مهارة المعلمين وفوق كل ذي علم عليم. إشكال أوردته على جملة من الطلبة والمعلمين والمتعلمين منذ ثمانية عشر عاما وهو ما لنا نرى التلاميذ الذين يتعلمون في المدارس الإفرنجية يخرجون في مدة اثنتي عشرة سنة يحسنون فنون منها الخط والكتابة والإنشاء والحساب والجغرافيا وتاريخ أوروبا ومعرفة رجالهم العظماء ويتقنون لسانا غير لسانهم ولغة غير لغتهم ونحوا غير نحوهم وصرفا غير صرفهم وفقها غير فقههم وأدبا غير أدبهم وغير ذلك من العلوم النافعة ونرى الذين يتعلمون في مدارسنا - زوايانا - يمضون أكثر من اثنتي عشرة سنة ولا يحسنون فنا واحدا من الفنون المذكورة في لسانهم ويا ترى ما السبب في ذلك؟ وما هذا العكس والنحس في التعليم الإسلامي؟ فوجم الإخوان وربما حسبني بعضهم شديد الجسارة غير هياب قليل الأدب لأقابل بين التعليمين وأقارن بينهما وأصرح بهذا كله بصورة استفهام إنكاري فأحببت: إن ذلك واضح له سبب وإذا تبين السبب زال العجب فالسبب الوحيد في ذلك حسن التعليم والإجادة في صناعته والأخذ بطرقه المفيدة النافعة وللتعاليم أبواب ثلاثة وهي بيوت الله يقول {واتوا البيوت من أبوابها} ذكر لي إنسان أنه حضر ثمانية عشر مرة دراسة المقدمة الأجرومية الشهيرة وما فهم منها شيئا ثم حضرها عن طالب علم آخر مرة واحدة وما غاب عنه شيء من محتوياتها فاستفاد في نصف شهر ما لم يستفده في أعوام وهذا من حسن الصناعة والإجادة لا البركة فقط فإن الإفرنج كثيروا التحول والانتقال من صالح في الأفعال إلى أصلح ولا يضيعون فرصة بدت، ولا مصلحة ظهرت، وبذلك نراهم يدركون عدة فنون ومعارف في مدة اثنتي عشرة سنة مثل أن يدرك العربي المسلم - لو أصلحنا مدارسا وزوايانا - حفظ القرآن وتفسير الحديث والأصلين النحو والصرف والمعاني والبيان والمنطق والفقه والفرائض والحساب والجبر والمقابلة والهندسة وعلم الكلام والتاريخ والجغرافيا والكتابة والإنشاء والهيئة والفلك ومسك الدفاتر والاقتصاد السياسي والاقتصاد الإداري والطب والحكمة في المدة المذكورة اثنتي عشرة سنة وقد كان المتقدمون في الصدر الأول كما ذكرنا ثم اقتضى سوء الحال جحود أبائنا وتقهقرهم فما يمنع أن نرجع نحن ونتدارك ما كان لأوائلنا أرى وأنا زاولت التعليم مدة وتعاطيته بإخلاص ولي على ذلك شهادة مرضية وكان الأستاذ المرحوم خلقة الحفاظ ببلادنا الزواوة الشيخ محمد سعيد يقول مشافهة وفي ظهر الغيب من تعلم عندك سنة خير ممن يتعلم عندك غيرك عشرة أعوام وأود أن أجعلك مديرا عاما للتعليم العام في بلاد الجزائر كلها بالإصلاح.
طرق التعليم
التعليم الابتدائي أرى وأنا زاولت التعليم مدة وتعاطيته بإخلاص ولي على ذلك شهادة مرضية وكان الأستاذ المرحوم خلقة الحفاظ ببلادنا الزواوة الشيخ محمد سعيد يقول مشافهة وفي ظهر الغيب من تعلم عندك سنة خير ممن يتعلم عند غيرك عشرة أعوام وأود أن أجعلك مديرا عاما للتعليم العام في بلاد الجزائر كلها - أرى أن يجعل الأولاد المتعلمون طبقات على حسب الأسنان ثم على حسب الاستعداد والإدراك أي قسما قسما ويكون تعلم الصغار من سبعة أعوام إلى اثني عشرة سنة مقتصرا على قراءة القرآن بإملاء وكتابة على قاعدتنا في الألواح من خشب أو قصدير أو (أوردواز) العناية بالحفظ وصناعته لأنه معراج وسلم إلى الأدب واللغة العربية فيتمادون إلى حد البلوغ مع قواعد عربية وسائل صرفية إلى دراسة الفقه والتوحيد والتفسير والتاريخ العام وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والجغرافيا والإنشاء والحساب والفرائض والمعاني والبيان والمنطق إلى أن يبلغوا ثمانية عشر عاما من أعمارهم فيريدون سنة أو سنتين في الأصول والعلوم العالية ودراسة السياسة العامة الدولية فيمتحنون أثناء تلك المدة ويتخرج منهم أفراد يتولون الوظائف التعليمية وغيرها (
......
) * مثل الزكاة تؤخذ من أغنيائهم فترجع على فقرائهم وهذا معنى التضامن الاجتماعي في العلوم السياسية. وأما الذين لم يحققوا ملكة في العلوم المذكورة فإنهم لا يحرمون أدب النفس وجزء من أدب الدرس مثل القراءة والكتابة فليستعين بذلك على صناعته وأرى أن يجعلوا قسما في التعليم للتجارة وأنها فن يدرس وأنه لمن أحسن الفنون لما فيه من تعليم حسن الخلق ومكارم الأخلاق وحسن المعاملة والرفق واللين المحمودين والاقتصاد والجغرافيا والحساب وغير ذلك مما هو من لوازم التجارة كمعرفة القوانين الوضعية وكلها مفيدة.
الكتب التي يدرسونها
الكتب التي يدرسونها أكثرها موجود وإذا احتيج إلى كتاب يؤلف باقتراح أما القرآن الكريم والذكر الحكيم فتكون قراءته برواية ورش على أسلوب شرعي يلقى كما عند المتقدمين فيلقن التلميذ تلقينا بينا ويقرأ بلحن عربي بقدر الإمكان (
......
) *. وأما الخط - فيؤخذ من دفاتر مرسومة لذلك ومن معلمين خصوصيين ويحدد على قواعد يصطلح عليها. وأما العربية - جمل من النحو والصرف فتؤخذ من الأجرومية والأزهرية والشذور والألفية (أمهات الأبواب منها إجمالا وتلخيصا وشرحا وافيا بينا مقنعا) وتطلع شراحها لا حواشيها ويطالعها المدرسون لا الطلبة ثم تلقى على الطلبة المسائل المحررة فيحفظونها ويكتبونها. وأما الصرف - فلامية الأفعال جوف الفرا يطلع شراحها المدرسون ويلخصون مسائلها ويحررونها فيلقونها على الطلبة إملاء ودراسة ويكلفونهم حفظها ويطالبونهم بمسائل منها عند الامتحان الذي يعز فيه المرء أو يهان. وأما الفقه - فيما أن المذهب مذهب مالك فيأخذون أولا في دراسة رسالة ابن أبي زيد سلما إلى المختصر المشهور والموطأ بشراح معتبرة لا الحواش وتحرر المسائل في جميع الأبواب وتلقى على الطلبة كما تقدم وبداية المجتهد ونهاية المقتصد. وأما الأصول - فجمع الجوامع بالاختصار على نحو ما قدمنا يتعب المدرسون قبل الطلبة فيحررون المسائل ويلقونها على الطلبة فيكتبونها ويسألون عنها يوم الامتحان. وأما الحديث - فيأخذ في مصطلحاته ثم كتبه المعتبرة كالموطأ فإنه أصبح كتاب بمد كتاب الله كذا قال جميع الأئمة فلله در مالك ونحن قد أهملنا دراسة هذا الكتاب. وأما التوحيد - فيكتفى فيه بكتاب الإرشاد لإمام الحرمين ثم السنوسية المرضة ولكن باعتدال وعدم تشديد النكير ولعن المخالف والأولى السكوت عنه ومن يشتم الناس يشتم ولعل لذلك سمي التوحيد علم الكلام. وأما التفسير - فيدرس على طريقة تفسير ابن عطية والطبري ملخصا ما قيل في تفسير الآية من أقواله هو لا مما جمع. وأما التاريخ - فسيرة النبي صلى الله عليه وسلم لابن هشام والروض الأنف عليها وابن خلدون وابن الأثير وغيرهم من التواريخ العامة والخاصة واستيعاب الحوادث. وأما الجغرافيا - فيدرس معجم البلدان لياقوت الحموي وكتب جديدة ألفت في الموضوع كثيرة ومفيدة والخرائط المرسومة لجميع البلدان والممالك والدول. وأما الإنشاء - فمجموع مقالات الكتاب العظماء ومن القدما وأهل العصر فينتخب ذلك ويلقن الطلبة ويلقى عليهم ويطلب منهم النسج على منوالها وفي صبح الأعشى ما يرد الأعمى بصيرا وكذلك مقدمة ابن خلدون ومقالات ابن الخطيب وابن زيدون الأندلسيين وعبد الحميد الكانت (هكذا في النسخة والمقصود الكاتب) ورسائل الخلفاء ونهج البلاغة وأساس البلاغة وفي العقد الفريد والأغاني ما يغني عن عناء الأدب المدرسي وفي أحياء علوم الدين للغزالي ما يغني من عناء أدب النفس. وأما الفرائض - والحساب فالرحبية والدرة البيضاء وما ألف في الحواضر كمصر والشام لهذا العهد ثم مختصر خليل بشرح دريدر وتدريب المبتدئ للشيخ عليش. وأما المعاني والبيان - فيقتصر على متن التلخيص وشراحه والسمرقندية في الاستعارة. وأما المنطق - فيكتفى باليساعوجي فالسلم. وأما السياسة - فمقدمة ابن خلدون يصدق عليها المثل السائر كل الصيد في جوف الفرا.
الإدارة والتفتيش للزوايا
الإدارة أول خطوة المسيرة في الإصلاح وأم المسألة وأصلها إذ معنى الإدارة السياسية الرشيدة وحسن التدبير وهذا الأمر ليس باليسير بل هو الأصل والإكسير لطرق التعليم كما ذكرنا وكذلك التفتيش وهذان الأمران يؤخذان من العارفين الذين ينصحون وقد ترجم الخليفة المأمون عن اليونان علوما منها الإدارة وقد بلغ الإفرنج في هذا الزمان من حسن الإدارة ما به كفاية لمن يريد أن يكتفي وهذا آخر ما تيسر في وضع هذا الكتاب الذي يتقدم مثله في الموضوع وخدمت به الطائفة والأمة خدمة لم يخدمها أحد منذ قرون وإخواني الطلبة وأولوا العلم يدركون ذلك في صريح الكلام لا في غضون، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وأنا اسغفر الله من سهو حصل، أو خطأ أو خطل، ولا حول إلا بالله العلي العظيم. ووافق الفراغ منه عشية يوم الأربعاء 19 ذي القعدة الحرام عام سبعة وثلاثين وثلاثمائة وألف. (وفي هذه الصفحة رقم 93 من النسخة المطبوعة التي بين أيدينا يعود شيخنا أبو يعلى الزواوي ويسجل هوامش أو يتدارك القضايا) - الفقرة التابعة لنومرو (1) من الصفحة الخامسة والعشرين - وتفسير العلامة أبي حيان الأندلسي الجياني المسمى البحر المحيط ما لفظه وقال أبو الريحان البيروني المنجم صاحب الكتاب (الآثار الباقية عن القرون الخالية) .. أبو بكر سمي ابن عمير بن أفريقش الحميري (يعني ذو القرنين) بلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها وهو الذي افتخر به أحد الشعراء من حمير حيث قال: قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا علا في الأرض غير مبعد بلغ المشارق والمغارب (
......
) * ... أسباب ملك من كريم سيد قال أبو الريحان ويشبه أن يكون هذا القول أقرب لأن الأذواء كانوا من اليمن وهم الذين لا تخلوا أسماؤهم من ذي كذي المنار وذي نواس اه والشعر الذي أنشده نسب أيضا إلى تبع الحميري وهو قد كان ذو القرنين جدي مسلما" وعن علي وابن العباس أن اسمه عبد الله بن الضحاك إلى أخره في التفسير البحر المحيط.
تتمة أجواد ونجباء الزواوة الوارد ذكرهم
في الصحيفة 112 محمد علي وأحمد، سعيد بن محمد علي عربي قشطرني (من بني عيسى)، السيد أحمد بن السيد حسن (ناث يعقوب)، السيد أحمد يونس بن السيد محمد مزيان (من بني إيرثن)، السيد أحمد عبد المؤمن مقدم الطريقة الشاذلية من (بني عيسى)، السيد سليم الهادي المستنطق، السيد إبراهيم اليحياوي، السيد سليم الحنفي، السيد علي اليعقوبي، حسين بن محمد سعيد فرحات، السيد محمد أمسون (من قرية امسونن) المشهورين بحمل السلاح والعمل به عند الاقتضاء، السيد عبد الغني (ناث عقيل)، السيد أحمد أبو حمو، السيد أحمد العربي، السيد الشيخ أحمد الزروق، سيد محمود الزروق (من بني إيراثن)، الحاج سعيد حموش، السيد محمد محمود (من بني يحيى)، السيد الهاشمي وأخوه السيد الشريف (من بني إراثن)، الشيخ أحمد رمضان، الشيخ إبراهيم عبد المؤمن، السيد عمر الطيب، السيد عمر بن محمد دحمان، السيد محمد مزيان (من بني واجون)، السيد طاهر مراو، السيد أحمد بن محمد مراو الشيخ طاهر السكلاوي، السيد أحمد منصور، السيد عبد الرحمان منصور، السيد عمر منصور،؟ السيد حسين منصور (من بني إيراثن)، السيد جعفر والسيد إبراهيم ابنا الشيخ الطيب المبارك، أحمد الخضير، الحاج سعيد العربي، أحمد جمعة، سعيد جارم، صالح بن رزقي فراوسن، الحاج إبراهيم (من بني ساريج)، السيد أحمد خالد، السيد سعيد خالد، السيد محمد بن الشيخ موسى، السيد الطيب أبو مهدي وابناه السيد محفوظ والسيد حسن، السيد بلقاسم بن محمد الفوضيل (من بين يتسورغ)، أحمد قاسم بن قاسي، السيد محمد بن عمر القواص، السيد محمود الينيوي، السيد مصطفى الينيوي، السيد رشيد الهادي، السيد سعيد الهادي، السيد صالح الهادي خليفة وابنه السيد حسن الهادي، السيد محمد بن السيد أحمد المولود، السيد توفيق، السيد حسين ابنا السيد علي الشرفاوي، السيد عبده بن السيد علي طه لفقي وابنه السيد طه، السيد على القاضي، السيد حسن اليعقوبي، السيد مصطفى بن السيد أحمد الطرابيشي، السيد رزقي بن عبد الله ساريج، السيد سعيد عذني، الشيخ عبده بن علي عمر، السيد عبد الله والسيد حسن ابنا الحاج عمر الشريف (من يافا)، السيد حسن بن الحاج أحمد (من الرملة)، السيد سليم، السيد عبده ابنا السيد عمر (
......
) * محمد مزيان وأكلي أبو جمعة، السيد عبده بن محمد صالح يرقدار بشير بن محمد علي عربي قشطري، توفيق بن الشيخ العربي، محمد فرحات، محمد اعراب، الحاج فرحات بن عمر، محمد سعيد بن علي، وأحمد رضا الشائع، السيد محمد بن محمد الشرفاوي، السيد محمد بن شريف تقزوين، عبد العزيز بن السيد محي الدين اليعقوبي، السيد إسماعيل اليعقوبي، السيد كامل بن السيد الهاشمي (من بني ايراثن)، السيد عبد الله، السيد مصطفى والسيد مسلم ابنا السيد عبد الرحمان منصور (من بين ايراثن)، السيد علي الطالب، السيد إبراهيم بن السيد صالح الهادي خليفة، السيد كامل بن السيد رشيد الهادي، السيد إبراهيم السمعوني والسيد أحمد عيض والسيد صالح الحاج أحمد، السيد أحمد مزيان، السيد محمد صالح (من ديشوم)، السيد مصطفى الدلسي، محمد عرب (من صفد)، السيد سليم الصالح، السيد أحمد الشريف، السيد عمر بن الشيخ من (
......
) *، السيد محمد عمر (من ماروس)، السيد الحاج شريف الزموري (من معذر). سنذكر فيما بعد إتماما للفائدة أسماء الرجال الذين دافعوا مع المرحوم الأمير عبد القادر عن قناصل الدول ورعياهم وحموا دماءهم أثناء حادثة الستين في دمشق الشام وهم: الحاج سيد العربي، السيد عبد الرحمان الواثقي وابنه أحمد وابن أخيه علي بن محمد، السيد محمد الطاهر، السيد محمد السعيد بن الطيب، السيد أحمد بن الشيخ، السيد العربي بن يحي وابنه محمد مزيان، السيد محمد بن الحاج علي وأخوه السيد محمد، والسيد سعيد، السيد بن زروق أخوه السيد زروق، السيد شريف، السيد الطاهر بن أحمد السكلاوي، الحاج الحسين، السيد محمد بن الحاج بن محمد الشريف، أحمد ادريوش، السيد محفوظ بن محمد وابناه محمد وأحمد، السيد الهادي بن محمد وأخوه الصادق، السيد السعيد بن الشيخ وابنه السيد علي، السيد محمد مزيان بن عمر وابنه السيد محمد، السيد مزيان لونيس، السيد علي بن محمد واكنون، محمد بن الجودي، السيد أحمد بن الدلسي، السيد السعيد المقدم، السيد الخضير بن محمد واعمر، السيد محمد النافع، عمران بن محمد، محمد واحمد، أحمد واعمر، السيد محمد سعيد السكلاوي، السيد محمد الطاهر بن السيد الطيب السكلاوي، السيد الشريف محي الدين، السيد منصور بن محي الدين، علي سالم بن محمد وأخواه أحمد بن سالم وعمر بن سالم، ابن الحاج مختار، أب جمعة عاشور وأخوه سعيد عاشور، السيد محمد مزيان ايسغي، السيد أحمد المولود وأبنائه السيد العربي والسيد السعيد والسيد عمر، السيد محفوظ الفضيل وابنه محمد، السيد محمد زرقي، الحاج عمر بن سعيد، قاسم بن سليمان، نذير بن يونس، السيد محمد السعيد بن قاسم، السيد الحاج أحمد بن سعيد، والسيد الحاج جمانة وابنه السيد سعيد منصور، السيد الحاج السعيد واكنون، الحاج محمد الحداد، السيد محمد صالح بن شريف، السيد علي بن لونيس، السيد عمر بن أحمد، علي بن احمد الشريف، السيد سالم الميصر، السيد إبراهيم ينيوي، السيد أحمد كمون، السيد علي بن محي الدين، سعيد مصباح، السيد الحنفي، السيد سالم الهادي، السيد الوناس بن يوسف، السيد محمد مزيان الوريغي، عبد الله العربي، محمد مزيان بن مالك وابنه علي، إبراهيم بن محمد مزيان حموش، محمد سالم ادريرش، السيد أحمد قاسم الوريغي، السيد علي بن قاسم الوريغي، السيد محمد يحلم، السيد حسن بن يحلم، السيد شريف بن محمد، السيد محمد الصالح افليق، السيد أحمد القشطوني وابناه السيد السعيد والسيد عمر، السيد الربيع لفقي، السيد محمد الربيع وابنه السيد الصديق، السيد السعيد، السيد أحمد بنوجلميم، السيد عمر بن الشريظ، محمد سعيد مصباح، علي فرحات وأبنائه أحمد ومحمد وموحند، قاسم وعلي ومحمد أبناء علي أحمد، إبراهيم بن محمود نذير، السيد محمد بن محمد المحجوب، إخوة السيد محمد المحجوب، السيد الطاهر فرحون السيد طاهر بن مراو، عمر أزواو، سعيد بن لونيس، السيد أحمد بن علي وكنون، السيد علي بن مسعود، محمد بن عمر، الجميع من الزواوة.
تقريظ الكتاب
جرت عادة الكتاب والمؤرخين المتقدمين رحمهم الله أن يعرضوا ما كتبوا أو ألفوا على إخوانهم الكتاب العلماء أصحاب الفن لما عسى أن يظهر لهم في ذلك ويشهدوا على ما هنالك ويسمون ذلك تقريظا وأكثر المتأخرون في ذلك وبالغوا نظما ونثرا موافقين ومصادقين على ما يعرض عليهم صوابا أو خطأ والحق أن معنى التقريظ في اللغة كذلك أي مدح الكتاب أو المؤلف كيفما كان وفي القاموس "التقريظ" مدح الإنسان وهو حي بحق أو باطل
....
ويظهر لي أن التقريظ إذا كان بسؤال وبطلب كما تقدم فهو باطل أما إذا كان بغير طلب وكان الحامل عليه الاستحسان فهو صواب والحال أن الكتاب استطاب سواء هو مقروظ أو غير مقروظ إذ من المأكول ما هو أفضل القروظ كاقتطاف القطائف فالحكم إذا للذوق السليم والعقل الحكيم حسن الكتاب إذا قرظ نفسه بنفسه وتجلت الحقائق التي ... تنقص الصفحة 100 من النسخة المطبوعة التى بين أيدينا المنيف ثم إنني تتبعت تلك الصحف السبع وتدبرتها حرفا حرفا وراجعتها مرارا بلا خفا إن تنفست الصعداء وعلمت أن القول قول الفصل وما هو بالهزل وأقسمت برب السماء والأرض أنه لحق مثل ما أنكم تنطقون، وإن فريقا منكم ليكتمون الحق وهم يعلمون لله دركم من إحاطتكم علما بتلك الجمل التاريخية المفيدة أن في ذلك لعبرة. وقال في رسالة ثالثة جوابا عن تعزية: وبعد قعد ورد علي مكتوبكم الأخير وفيه من الموعظة الحسنة والذكرى النافعة ما به كفاية والله ثم والله ما وعظني أحد اتعظت لوعظه ولا ذكرني أحد فذكرت لذكراه مثلما حصل لي من كتابكم هذا الذي قام لدي مقام شخصكم فكأنكم شافهتموني بما احتوى عليه من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي أعيتنا عند تدبرها دامعة، وقلوبنا خاشعة وبقضاء ربها راضية وإلى حكمه راجعة فوعظت فكنت من الواعظين وذكرت فكنت من المذكرين فجزاكم الله عنا أحسن الجزاء ... إلخ. وكاتبني الشيخ طاهر الزواوي ثم الدمشقي الشهير بالجزائري جوابا عن رسالة لي إليه في شأن الزواوة وخصائصهم قبل اجتماعنا إذ هو بمصر وأنا بالشام فقال: أحيي فيك نزعة إصلاحية ونهضة زواوية وقد أثبت لي كتابك هذا ما بلغني عنك من غير واحد ثم اعلم أن تاريخ الزواوة تاريخ مجيد وتراجم علمائهم أشهر من أن تذكر وأكثر من تحصر وإنما يلزم أن تحرر لنا رسالة في لسانهم قل الشروع في تاريخهم - وتقدم ذكر هذا المعنى - وفي الديباج المذهب في أعيان المذهب وتاريخ ابن خلكان والسخاوي وغيرها من الكتب جملة من علماء الزواوة فراجعها ... إلخ. ولما اجتمعت به بمصر وسكنا معا مدة خمسة أعوام تقريبا كلفني بتحرير مقالات كثيرة وبتأليف في النحو وآخر في إلزام الشبان الأصحاب التدين وألح علي في إثبات مذكراتي ونظراتي في السياسة وكان معجبا بها شهادة الإخوان الشاميين والمصريين الذين هم بقيد الحياة وكان يرسل إلي شبانا من تلاميذه وخواصه لتلقي المواعظ والإرشادات إلى غير ذلك من ظنه الكمال وهو الكامل وكان يعجب باستدلالي بالقرآن وتطبيقاتي الدينية واعتباراتي إياها ومما يعجبه بالزيادة ويضحك له حتى تظهر نواجذه قولي: "إن الناس كفروا بألمانيا على أن الباء سببية (1) وكان يتألم من سماع انتصارات ألمانيا لشدتها في إرهاق الحد المضر وبالجملة لذا تذكرته ونحن بمصر وتذكرت ابن زكري المرحوم الشيخ محمد المجيد ونحن بالجزائر أتمثل: وكنا كندمحاي جذعية حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تعرفنا كأنني ومالكا ... لطول اجتماعنا لم نبت ليلة معا وكاتبني المحب الفاضل المقري الحافظ الشيخ السيد ايجر بما نصه: "وما أهديتموه إلينا من جواهر آدابكم استودعناه الحافظة واستنارت به البصيرة فيجدر بنا أن نجعل رسائلك البليغة الولائم لأنها تفوق لدينا الأعياد والمواسم ولعلك لتفضل علينا بمزية أخرى هي أن تتحفنا بتاريخ مبدأ تعلمك وذكر الكتب التي أورثتك حسن الملكة
....
إلخ" وبالله التوفيق إلى أقوم طريق وهو سبحانه الولي الحقيق.