al-Maqqarī · Nafḥ al-Ṭīb

نفح الطيب

خلاصة الوقائع

أحمد بن محمد المقّري التلمساني · تحقيق إحسان عباس

من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب

ابدأ القراءة

تنويهٌ وتقدير

هذا الكتاب خلاصةٌ واقعيةٌ مركَّزة لكتاب أحمد المقّري التلمساني «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب»، جُرِّدت من الشعر والرسائل والمقامات والأسجاع والاستطرادات والمكرَّرات، واقتُصر فيها على الوقائع: الأحداث، والتواريخ، والأعلام، والأماكن، والعمران، والمصنَّفات، والأرقام.

والأصل الذي عُمل عليه هو تحقيق الأستاذ إحسان عباس — وهو أوفى تحقيقات الكتاب وأدقّها، اعتمد فيه المحقّق طبعةَ ليدن (Leiden) سنة ١٨٥٥ الّتي تولّاها دوزي (Dozy) ودوجا (Dugat) وكريل (Krehl) ورايت (Wright)، وأضاف إليها سبعَ مخطوطات لم يطّلع عليها ناشرو الطبعة الأوروبية.

كلُّ الفضل في إخراج هذا النصّ على وجهه الصحيح يعود إلى المقّري ومحقّقه؛ وما هذا العمل إلا تجريدٌ للوقائع من تحقيقه، تقديرًا لجهده لا استغناءً عنه. ومَن أراد النصّ على تمامه — بشعره وبلاغته وأسانيده، وهي جمالُ الكتاب وروحه — فمرجعه الأصل، لا هذه الخلاصة.

نبذةٌ عن المؤلِّف والعمل

أحمد بن محمد المقّري التلمساني (٩٨٦–١٠٤١هـ): فقيهٌ ومؤرِّخٌ وأديب، وُلد بتلمسان، وأصل أسرته من قرية مَقَّرة. طلب العلم بفاس ومرّاكش، ولقي بها أحمدَ بابا التنبكتي وابنَ القاضي، ثم أقام بفاس نحو خمسة عشر عامًا مفتيًا وخطيبًا وإمامًا. غادر المغرب سنة ١٠٢٧هـ إلى المشرق، فحجّ خمسًا وزار المدينة سبعًا، ودرّس بالأزهر، وأملى «صحيح البخاري» بجامع دمشق. وتوفّي بالقاهرة سنة ١٠٤١هـ.

نشأ «نفح الطيب» من مجالس المقّري بدمشق سنة ١٠٣٧هـ، حين حدّث تلامذته عن لسان الدين بن الخطيب، فألحّ عليه أحمد بن شاهين أن يضع فيه كتابًا. وكان في البدء يزمع تسميته «عرف الطيب في التعريف بالوزير ابن الخطيب»، فلمّا استفاضت المادّة حتى شملت تاريخ الأندلس كلَّه وأدبَها، سمّاه «نفح الطيب». فرغ من كتابته بالقاهرة في ٢٧ رمضان سنة ١٠٣٨هـ، وظلّ يُلحق به إلى آخر ذي الحجة سنة ١٠٣٩هـ.

والكتاب قسمان، في كلِّ قسمٍ ثمانية أبواب: القسم الأول في الأندلس — أرضِها ووصفِها، وفتحِها، وجهادِ أهلها، وقرطبةَ والزهراء، ومَن رحل من أهلها إلى المشرق، ومَن وفد عليها من المشارقة، وعلومِ أهلها وآدابهم وعوائدهم، إلى سقوط غرناطة. والقسم الثاني في لسان الدين بن الخطيب (٧١٣–٧٧٦هـ) وزيرِ غرناطة وكاتبِها ومؤرِّخِها — نسبِه، ووزارتِه، ومشايخِه، ومصنَّفاته، وتلامذتِه، ونكبتِه ومقتلِه خنقًا في سجنه بفاس.

وقيمة الكتاب أنّ المقّري ألّفه في المشرق بمعزلٍ عن أمّهات المصادر الأندلسية، فنقل عن أصولٍ ضاعت بعدُ — كـ«المطمح الكبير» للفتح بن خاقان، ونسخةٍ من «المغرب» لابن سعيد أوفى ممّا بأيدينا — فصار «النفح» وثيقةً لا يُستغنى عنها في تحقيق تلك المصادر الضائعة، وموسوعةً تُغني عن عشرات الكتب في أخبار الأندلس.

منهج هذه الخلاصة

اتُّبعت فيها القواعد الآتية:

  • أُبقيت الوقائع: الأحداث والتواريخ (بالهجري، ومعه الميلادي حيث ذُكر)، والأنساب، والمناصب، والوقائع الحربية، والعمران وأبعادُه ونفقاتُه، والمصنَّفات، والعلوم، والأرقام والكمّيات.
  • حُذف الشعر كلُّه إلا أن يكون الشعر نفسه واقعةً، فيُلخَّص مضمونه نثرًا.
  • حُذفت الرسائل والمقامات والخُطب والأسجاع؛ ويُذكر بدلًا منها: مَن كتبها، وإلى مَن، وفي أيّ مناسبة، وما تضمّنته من واقعة.
  • حُذفت الأسانيد والأدعية والاستطرادات والمكرَّرات، وأُوجزت الكراماتُ والحكاياتُ الخارقة في جملةٍ واصفة، ولم تُسرَد سَرْدَ الوقائع.
  • نُسبت الأقوال إلى قائليها («ذكر ابن حيان»، «قال ابن سعيد»)، وأُثبتت ملاحظاتُ المحقّق حيث حملت تصحيحًا أو تشكيكًا في رواية.
  • وحيث ورد في الأصل تاريخٌ مستحيلٌ في سياقه، نُبِّه عليه بقوله: [كذا في الأصل]، ولم يُخمَّن له تصحيح.

وترتيب الخلاصة على ترتيب الكتاب نفسِه: قسمَيه وأبوابِه.

مقدمة المحقق (إحسان عباس)

التعريف بالمؤلف: نشأته وأسرته

أحمد بن محمد بن أحمد المقّري، أبو العباس، الملقّب شهاب الدين، وُلد سنة ٩٨٦هـ بمدينة تلمسان. وأصل أسرته من قرية مَقَّرة (بفتح الميم وتشديد القاف)، وقد بسط المقّري خبر هذه الأسرة عند حديثه عن جدّه الأعلى أحمد المقّري في المجلد الخامس من النفح. وذكر في المجلد السابع أن تلمسان مولده ومولد أبيه وجدّه وجدّ جدّه، وأنه قرأ ونشأ بها. ومن أهمّ شيوخه التلمسانيين عمّه الشيخ سعيد المقّري.

الرحلة في المغرب

ارتحل عن تلمسان إلى فاس سنة ١٠٠٩هـ وهو في حدود الرابعة والعشرين، فطلب العلم على شيوخها. ثم قدم فاسَ الفقيهُ إبراهيم بن محمد الآيسي، أحد قوّاد السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي، فأُعجب بالمقّري الشابّ واصطحبه إلى مراكش وقدّمه إلى السلطان؛ وهناك لقي ابن القاضي وأحمد بابا التنبكتي صاحب «نيل الابتهاج» وغيرهما من علماء مراكش. وكانت هذه الرحلة مادة كتابه «روضة الآس»، شرع فيه بعد عودته إلى فاس ثم إلى تلمسان ليقدّمه إلى المنصور، فمات السلطان سنة ١٠١٢هـ والمقّري ما يزال ببلده. عاد إلى تلمسان آخر سنة ١٠١٠هـ، ثم غادرها نهائيًّا إلى فاس سنة ١٠١٣هـ فأقام بها نحو خمسة عشر عامًا، واشتغل — بقوله — «بأمور الإمامة والفتوى والخطابة»، وصار من صدور علمائها، وأحرز منصب الإفتاء رسميًّا بعد وفاة شيخه محمد الهوّاري سنة ١٠٢٢هـ.

وقد عاصر بالمغرب اضطرابًا شديدًا: وفاة المنصور الذهبي وصراع أبنائه على الملك، وغزوات الإسبان والبرتغاليين. وفي سنة ١٠١٦هـ شهد عن كثب انقطاع آخر صلة للعرب ببلاد الأندلس حين تفرّقت الجالية الأندلسية تطلب مأوى في سلا وتونس وغيرهما. وبعد ثلاث سنوات (١٠١٩هـ) استولى الإسبان على مدينة العرائش بمواطأة الشيخ المأمون أحد أبناء المنصور، الذي كان لاجئًا عند صاحب إسبانيا ورهن أولاده عنده لقاء المعونة؛ فاستنكر الناس الأمر، ولجأ المأمون إلى الفقهاء يستفتيهم: أله أن يفدي أولاده بهذا الثغر؟ فهرب جماعة من المفتين واختفوا، وكان المقّري منهم.

وفي سبب خروجه من فاس نقل المحقّق عن محمد حجّي متابعًا الجنحاني أنه اتُّهم بالميل إلى قبيلة شراكة (شراقة) في فسادها أيام السلطان محمد الشيخ السعدي، لكن المصادر لا تذكر ذلك، وكل ما قاله المقّري نفسه إنه «ارتحل بنيّة الحجاز»، وأنه استأذن عبد الله بن شيخ فأذن له. ويرجّح إحسان عباس أن التهمة ليست مستبعدة، إذ بها وحدها يمكن تفسير امتناعه عن العودة إلى المغرب على شدّة حنينه إليه.

الرحلة إلى المشرق ووفاته

غادر فاس أواخر رمضان ١٠٢٧هـ، فبلغ تطوان في ذي القعدة، ثم ركب البحر إلى تونس وسوسة فالإسكندرية فالقاهرة، ثم إلى الحجاز بحرًا، فوصل مكة في ذي القعدة من العام التالي، واعتمر وانتظر الحج، ثم زار المدينة، وعاد إلى مصر في محرم ١٠٢٩هـ، وزار بيت المقدس. وحتى سنة ١٠٣٧هـ كان قد زار مكة خمس مرات والمدينة سبعًا، وأملى بها دروسًا وأملى الحديث النبوي بالمسجد النبوي، وعاد من حجّته الخامسة في صفر ١٠٣٧هـ ولازم التدريس بالأزهر.

وفي رجب ١٠٣٧هـ قصد بيت المقدس فأقام نحو خمسة وعشرين يومًا، وألقى دروسًا بالأقصى والصخرة، وزار مقام الخليل. ثم توجّه إلى دمشق في منتصف شعبان، فأنزله المغاربة في مكان لا يليق به، فأرسل إليه الأديب أحمد بن شاهين مفتاح المدرسة الجَقْمَقية فتحوّل إليها. ونقل المحقق عن المحبّي أنه أملى «صحيح البخاري» بالجامع تحت قبة النسر بعد الصبح، ثم اضطُرّ إلى الخروج إلى صحن الجامع لكثرة الناس، وأن يوم الختمة — الأربعاء ٢٧ رمضان ١٠٣٧هـ — اجتمع فيه الألوف، وامتدّ المجلس من طلوع الشمس إلى قريب الظهر، ولم يتفق لغيره من العلماء الواردين إلى دمشق مثل حظوته. وكانت إقامته بدمشق دون الأربعين يومًا.

وفي شوال من العام نفسه نزل غزة ضيفًا على الشيخ الغصين، وتوسّط لدى أمير (باشا) غزة لتلميذه عبد القادر بن الغصين، فحُبس له موضع بُني فيه مدرسة. وأورد المحقق عن عبد القادر خبرين في تواضعه وكراماته (منها صنعه الكسكس بيده لأهل غزة، وخبر ختمة قرآن عُدَّت مستغربة لقصر مدتها عند قبر ابن العربي بدمشق) دون تعليق عليها.

عاد إلى مصر، وكان قد تزوّج فيها امرأة من عائلة السادة الوفائية فرُزق منها بنتًا توفيت سنة ١٠٣٨هـ، ثم اضطُرّ إلى تطليق زوجته لسوء العشرة. ونقل عن الخفاجي أنه وجد بمصر الحسد والنفاق وكساد سوق الأدب. وبينما هو يزمع الهجرة إلى الشام وافته المنية في جمادى الآخرة سنة ١٠٤١هـ.

مؤلفاته

أثبت المحقق ثبتًا بمصنفاته، أهمّها:

  • روضة الآس العاطرة الأنفاس في ذكر من لقيته من أعلام الحضرتين مراكش وفاس — ألّفه نحو ١٠١١–١٠١٢هـ للمنصور الذهبي (طُبع بالمطبعة الملكية بالرباط ١٩٤٦ بتحقيق عبد الوهاب بن منصور).
  • أزهار الرياض في أخبار عياض — ألّفه بفاس بين ١٠١٣ و١٠٢٧هـ، طُبع منه ثلاثة أجزاء بتحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي (القاهرة ١٩٣٩–١٩٤٢).
  • إضاءة الدجنة بعقائد أهل السنة — منظومة بدأها أثناء زيارته للحجاز ودرّسها بالحرمين، وأتمّها بالقاهرة (أرّخها بحساب الجُمَّل ١٠٣٦هـ) [ورد تاريخا البدء والإتمام في الأصل «١٩٢٩» و«١٦٣٠»، وتاريخ توقيعه على النسخة «شوال سنة ١٣٧» — كذا في الأصل]، وكان سببها سؤال تلميذه عبد القادر الغصين إياه نظمًا في العقائد وهو يقرأ عليه «صغرى السنوسي» بمصر، فكان كلما قرأ درسًا نظمه. وذكر المقّري بخطّه أنه كُتب منها بمصر والشام والحجاز والمغرب «نيّف على ألف نسخة»، وأنه كتب خطّه على نحو المائتين، وأن بعض أصحابه بالصعيد كتب منها نيّفًا ومائة نسخة (طُبعت بمصر ١٣٠٤هـ بهامش شرح العقيدة السنوسية للشيخ عليش).
  • إتحاف المغرم المغرى في شرح السنوسية الصغرى (نسختان بالخزانة الملكية بالرباط، رقم ٣٥٤٤ و٥٩٢٨).
  • أعمال الذهن والفكر في المسائل المتنوعة الأجناس — أجوبة على مسائل أرسلها إليه أستاذه محمد بن أبي بكر الدلائي.
  • حاشية على شرح أم البراهين للسنوسي؛ عرف النشق من أخبار دمشق (لعله مشروع لم يتمّ)؛ شرح مقدمة ابن خلدون (ذكره حاجي خليفة ٢: ١٠٦)؛ قطف المهتصر في شرح المختصر (على حاشية مختصر خليل).
  • فتح المتعال في مدح النعال (طُبع بالهند)؛ ولاحظ الرحّالة أبو سالم العياشي أن المقّري لم يطّلع على كتاب «منتهى السول من مدح الرسول» الذي وجده بمكة، وأن غالب ما في «فتح المتعال» كلامه وكلام أهل عصره. ويلحق به النفحات العنبرية في نعل خير البرية (مخطوط الرباط ٥٦٥).
  • أراجيز ومنظومات: أزهار الكمامة في شرف العمامة (الرباط ٩٨٤د)، الدر الثمين في أسماء الهادي الأمين، نيل المرام المغتبط لطالب المخمّس الخالي الوسط (الرباط ٢٨٧٨ك)، أرجوزة في الإمامة، نظم في علم الجدول.
  • البلدة والنشأة؛ الغث والسمين والرث والثمين؛ حسن الثنا في العفو عمن جنى (طُبع بمصر في ٤٧ صفحة، دون تاريخ)؛ الأصفياء؛ الشفاء في بديع الاكتفاء؛ القواعد السرية في حل مشكلات الشجرة النعمانية؛ النمط الأكمل في ذكر المستقبل؛ شرح قصيدة «سبحان من قسم الحظوظ»؛ إتحاف أهل السيادة بضوابط حروف الزيادة (ذكرها في النفح ولعلّه لم يفردها).
  • كتاب عزم على تأليفه في تلمسان باسم «أنواء نيسان في أنباء تلمسان»، ولم يحقّقه.
  • ونُسب إليه «الجمان من مختصر أخبار الزمان»، والجنحاني يشكّ في صحة النسبة.

كتاب «نفح الطيب»: ظروف تأليفه ومنهجه

ذكر المقّري في مقدمته أن الكتاب ثمرة زيارته لدمشق: حدّث تلامذته هناك عن لسان الدين ابن الخطيب ومكانته السياسية والأدبية، فألحّ عليه أحمد الشاهيني (ابن شاهين) المدرّس بالجقمقية أن يضع فيه كتابًا، فوعده بالشروع فيه عند وصوله القاهرة. ثم تردّد لصعوبات عرضت له، وعاود ابن شاهين الإلحاح، فأعاد المقّري العمل على نسق جديد، وخصّص قسمًا من المقدمة والكتاب لذكر دمشق وأصحابه بها. وكان في البدء يزمع تسميته «عرف الطيب في التعريف بالوزير ابن الخطيب»، فلما استفاضت المادة حتى شملت تاريخ الأندلس وأدبها سمّاه «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين ابن الخطيب». وصار الكتاب قسمين — قسم في الأندلس عامة، وقسم في لسان الدين — في كل قسم ثمانية فصول (أبواب). فرغ من كتابته «عشية يوم الأحد المسفر صباحها عن ٢٧ رمضان سنة ١٠٣٨هـ بالقاهرة»، ثم ألحق فيه كثيرًا حتى آخر ذي الحجة سنة ١٠٣٩هـ.

ويرجّح إحسان عباس أن فكرة الكتاب كانت تجول في ذهنه قبل الوعد الدمشقي، لأسباب: إعجابه بلسان الدين حتى قلّده في إنشائه وحفظ كثيرًا من رسائله وشعره، وإحساسه بالغربة التي أحسّها «مثله الأعلى» حين لجأ إلى المغرب؛ وحاجته إلى التنفيس عن كربه والعودة النفسية إلى وطنه؛ وسبق مِراسه لهذا المنهج في «أزهار الرياض» عن القاضي عياض؛ وقرب عهد انفصام آخر الروابط الإسلامية بالأندلس، فصورة «المأساة» ملحّة على مخيلته (ومثاله وقفته الطويلة عند المنصور بن أبي عامر بوصفه ذروة البطولة العربية بالأندلس)؛ وإحساسه — كغيره من المغاربة — بإهمال المشارقة للتراث الأندلسي والمغربي، حتى إن لسان الدين نفسه كان محتاجًا إلى من يعرّف المشارقة به. ولهذا خصّص جزءًا كبيرًا للرحلتين: رحلة المغاربة إلى الشرق ورحلة المشارقة إلى الأندلس والمغرب، محقّقًا ما يسمّيه المحقق «نزعة مغربية» في نقل التراث المغربي والأندلسي إلى المشارقة.

مصادر النفح وتقويمه

أكبر صعوبة واجهت المقّري ندرة المصادر الأندلسية والمغربية في المشرق. ويستدلّ المحقق من نصّ الكتاب على أنه لم تكن بين يديه نسخ من «الذخيرة» ولا «المقتبس» ولا «زاد المسافر» ولا «الصلة» لابن بشكوال، ولا اطّلع على «صلة الصلة» و«الذيل والتكملة» و«الحلة السيراء» و«تحفة القادم» و«جذوة المقتبس» و«معجم أصحاب الصدفي»؛ وإذا ذكرها فإنما ينقل عنها بالواسطة. والذي ملكه: «المغرب» و«القِدح المعلّى» (أو اختصاره) لابن سعيد، و«الإحاطة» للسان الدين، و«المطمح» و«القلائد» للفتح بن خاقان، وكتاب ابن الفرضي، و«المطرب» لابن دحية، و«درر السمط»، و«التكملة» لابن الأبّار، وتاريخ ابن خلدون، و«نيل الابتهاج» لشيخه أحمد بابا؛ واستعان بما دوّنه المشارقة عن الأندلس: ابن خلّكان و«الخريدة» و«بدائع البدائه» لابن ظافر. وأعاد كذلك جملة غير قليلة من مادة كتابيه «أزهار الرياض» و«روضة الآس».

ويعترف المحقق بأن قوة ذاكرة المقّري لم تعصمه من التكرار الكثير في صفحات متقاربات، ومن اختلال بعض ما حفظه قديمًا. لكنه يقرّر له فضلًا كبيرًا: قدرته — رغم الاستطراد — على تسخير مادته لتصوير الحياة السياسية والاجتماعية والأدبية بالأندلس، وإنقاذه كثيرًا من الأخبار من الضياع. فقسم كبير من الكتاب منقول عن أصول ضاعت، ووجوده وثيقة نافعة في تحقيق ما ظهر من تلك المصادر في المائة سنة الأخيرة: فالمقارنة الأولية بين «المغرب» المنشور ونصّ النفح تدلّ على أن المقّري اعتمد نسخة أوفى بكثير مما بأيدينا، ونقله عن «المطمح الكبير» — المفقود إلى اليوم — يجعل نقوله متفرّدة. ويبقى مفقودًا: «الطالع السعيد»، و«الروض الأريض»، و«جنة الرضى»، وكتب المقّري الجدّ، و«الأزهار المنثورة». فالكتاب موسوعي يغني عن عشرات الكتب.

الطبعات ومنهج التحقيق

النفح أقدم كتاب أندلسي عرفته المطبعة العربية، وكان مصدر أكثر ما عرفه المشارقة عن الأندلس مائة عام أو أكثر، ومع ذلك لم يَنَل من عناية المحققين ما ينبغي. وخير طبعاته طبعة ليدن (Leiden) سنة ١٨٥٥ التي تولّاها دوزي (Dozy) ودوجا (Dugat) وكريل (Krehl) ورايت (Wright) اعتمادًا على النسخ الخطية في باريس ولندن وأكسفورد وغوطة (Gotha) وبرلين وكوبنهاغن وبطرسبرغ؛ ونشروا الكتاب في قسمين، كل قسم جزءان، وألحقوا بها جزءًا صغيرًا للفهارس والتصويبات. وهي لا تشمل إلا القسم الأول، لكنها دقيقة موثّقة، فاعتمدها إحسان عباس أصلًا وأشار إليها في الحواشي باسم «دوزي»، ولم يُعِد النظر في مخطوطاتها ثقةً بأمانة ناشريها.

وطُبع النفح في المشرق مرارًا، أولها طبعة بولاق سنة ١٢٧٩هـ، وهي مليئة بالخطأ خالية من الدقة العلمية؛ وآخرها طبعة المكتبة التجارية بإشراف محمد محيي الدين عبد الحميد (القاهرة ١٩٤٩)، أفادت من الطبعة الأوروبية والطبعات المشرقية فجاءت مقبولة نوعًا ما، وأشار إليها المحقق باسم «التجارية» إشارات قليلة، ولم يعدّها أصلًا لأنها لم تعتمد نسخًا خطية.

ومنهج إحسان عباس: مراجعة النفح على كل ما أمكنه من مصادره خطيةً ومطبوعة (عشرات الكتب)، ورصد نقول المقّري كشفًا عن أصول كتابه حتى حين يصمت عنها؛ والترجمة للأعلام ترجمات قصيرة أو الإحالة إلى مصادر تراجمهم؛ والاقتصاد في الشروح اللغوية لضخامة الكتاب؛ وإثبات فروق القراءات لا حيث يكون الخطأ واضحًا بل حيث تكون القراءة ذات وجه مقبول؛ وتزويد الكتاب بفهارس شاملة، وترقيم بعض الفقرات ووضع عناوين للأجزاء تيسيرًا للباحث.

المخطوطات المعتمدة

اعتمد المحقق نسخًا لم يطّلع عليها ناشرو الطبعة الأوروبية:

  • «ك»: الخزانة العامة بالرباط، رقم ٢٣٩٤ك (من المكتبة الكتانية)، ٢٨٦ ورقة، ٢١ سطرًا في الصفحة بمعدل ١١ كلمة في السطر، بخط مغربي (أندلسي) جيد كثير التشجير، وعلى هوامشها عناوين الموضوعات؛ وأول ورقتين فهرست للموضوعات. أكثر المخطوطات اتفاقًا مع الطبعات المشرقية، وتنتهي عند آخر الباب الرابع من القسم الأول.
  • «ج»: الرباط ٧٦٨ج، ٢٠٥ ورقات، ينتهي ما يخصّ النفح منها عند الورقة ١٨٣، ويليه قطعة من «أنس السمير في نقائض الفرزدق وجرير» وقطعة من «الذخيرة» فيها ترجمة ابن عمّار؛ ٣٣ سطرًا في الصفحة بخط مغربي دقيق جدًّا؛ نسخها محمد بن عمر الدعوغي بحضرة مراكش، وفرغ منها ضحى ٨ رمضان سنة ١٠٧٧هـ. قيّمة لقدمها ودقتها، وهي أقرب إلى «ق» منها إلى «ك».
  • «ط»: الرباط ٢٦٨ك، ٢٧٨ ورقة، ٢٥ سطرًا في الصفحة، بخط مغربي واضح؛ مادّتها كمادة «ك»، وهي أقرب المخطوطات إلى «ق» حتى في القراءات الخاطئة.
  • «م»: الرباط ٤٣٠ك، ٢٨٦ ورقة، ٢٤ سطرًا في الصفحة، خط مغربي واضح بقلم مستعرض قليلًا؛ تبدأ بالباب السابع من القسم الأول وتنتهي بنهايته، ويسمّيها ناسخها «الجزء الثالث». تتميز بحذف المكرّر، وبالتمهيد المسهب للأشعار، وبزيادات (خاصة في أشعار الزهد) لا ترد في غيرها؛ ويرى المحقق أن ناسخها تحكّم في النصّ بالحذف والزيادة، وأن ذلك ليس من صنع المقّري.
  • «ب»: نسخة خاصة كانت في ملك إبراهيم الكتاني فأهداها للمحقق؛ تبدأ بالباب السابع من القسم الأول، مبتورة الآخر، بقي منها ١٦٥ ورقة، ٢٩ سطرًا في الصفحة، بخط مغربي بالغ الجمال، وقد عاثت فيها الأرضة وبعض صفحاتها خالٍ من الكتابة.
  • «ص»: الرباط ٢١٦ق، أصلها من مكتبة الزاوية الناصرية، ٢٩٠ ورقة، ٣١ سطرًا في الصفحة، بخط مشرقي نسخي، والشكل فيها مقصور على الشعر؛ تسمّى «الجزء الثالث من النفح»، وتبدأ بالباب الثامن من القسم الأول حتى نهاية الباب الرابع من القسم الثاني؛ قريبة النسب من أصل «ك»، ووسط بين الطبعات المشرقية ونسخة «ق».
  • «ق»: نسخة خاصة يملكها قاسم الرجب صاحب مكتبة المثنى ببغداد، أعارها للمحقق؛ ٥١١ ورقة، كاملة تضمّ مادة النفح بقسميه، ٥١ سطرًا في الصفحة، بخط نسخ مشرقي جميل وعناوينها بالحبر الأحمر. يسهو ناسخها عند تشابه النهايات فيسقط أسطرًا كاملة، ويتفشّى فيها الخطأ الناشئ عن محاكاة صورة الكلمة في الأصل المنقول عنه؛ ومع ذلك هي من أشدّ النسخ قربًا من المتن المثبت في طبعة دوزي.

مقدمة المؤلف المقّري

ذيل مقدمة المحقِّق إحسان عباس

خُتمت مقدمة التحقيق بتاريخ: بيروت، ٢٠ شباط (فبراير) ١٩٦٨، بعد عملٍ استغرق أكثر من عامين. ووصف المحقِّق في آخرها نسخةً سمّاها «المقتطفات»، وهي أوراق كُتب عليها «قطعة من تاريخ الأندلس»، تحمل رقم ٤٢١ بالإسكوريال، في ١٤٣ صفحة، في كل صفحة ٣٠ سطرًا. أكثر مادّتها مأخوذ من «نفح الطيب»، غير أنّه لم يُفردها برمزٍ لأنّه غير واثق أنّها تمثّل جزءًا من الكتاب دون زيادات من كتب أخرى. وتضمّ أخبارًا تاريخية: ترجمة عبد الرحمن الداخل، وأخبار المنصور بن أبي عامر، والمعتمد بن عبّاد، ومطوّلات القصائد (قصيدة ابن مقانا الأشبوني، وقصائد ابن حمديس في المباني، وقصائد ابن زيدون، وسينيّة لسان الدين المفتوحة)، وقطعة كبيرة من أخبار المشرق عن الناصر بن المنصور وشعره؛ ورجّح المحقِّق أنّها «مسوّدة» أصلية لعدم ارتباط مادّتها.

وذُكر في وصف نسخةٍ أخرى أنّ ناسخها محمد الحمومي العطّار فرغ منها عشية الأربعاء ٢٣ أو ٢٤ ذي القعدة سنة ١١٣٠هـ، بمنزله بمحلّة القيمرية من دمشق الشام، برسم السيد محمد عاصم أفندي ابن السيد عبد المعطي أفندي الشهير نسبه بالفلاقسي.

وشكر إحسان عباس: إبراهيم الكتاني (أهداه النسخة «ب»)، وقاسم الرجب (نسخته «ق» كانت معتمده الأول في التحقيق)، وعبد الله الرجراجي مدير الخزانة العامة بالرباط (أذن بتصوير كل نسخ النفح الموجودة بها)، وتلميذَيه وداد القاضي ويوسف محمد عبد الله (من جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية) على مراجعة الأصول وإعداد الفهارس، وأنطوان صادر (صاحب دار صادر) ومصطفى دمشقية على رعاية الطبع وتصحيحه.

هوية المؤلف ورحلته

يُعرِّف المقّري نفسه: أحمد بن محمد بن أحمد الشهير بالمقّري، المغربي المالكي الأشعري، التلمساني المولد والمنشأ والقراءة، نزيل فاس ثم مصر القاهرة.

غادر المغرب الأقصى في أواخر رمضان سنة ١٠٢٧هـ، «تاركًا المنصب والأهل والوطن»، وعزا رحيله إلى اضطراب الأمن وفتنٍ نغّصت البلد. ركب البحر ووصف أهواله، وذكر خطر القرصنة في البحر الشامي، وخصّ مالطة (Malta) بأنّ قليلًا ممن ركب ذلك البحر أفلت من كيدها. ثم بلغ مصر.

وبعد إقامة قصيرة بمصر سافر بحرًا إلى الحجاز، فبلغ جُدّة، واعتمر في أوائل ذي القعدة سنة ١٠٢٨هـ، ثم حجّ من عامه، ونوى المجاورة فحال دونها حائل، ثم زار المدينة. وعاد إلى مصر في محرم سنة ١٠٢٩هـ، وقصد بيت المقدس في ربيع من العام نفسه، فدخل المسجد الأقصى، وسأل عن محلّ المعراج، وشاهد الموضع الذي أمّ فيه النبيُّ الرسلَ.

ويُجمل حصيلة ترحاله إلى تاريخ الكتابة (عام ١٠٣٩هـ): دخل مكة خمس مرات، ووفد على المدينة سبع مرات، وأملى بمكة دروسًا عديدة، وأملى الحديث النبوي بحضرة القبر الشريف، ثم آب إلى مصر ولازم التدريس بالأزهر. وكان عوده من الحجّة الخامسة في صفر سنة ١٠٣٧هـ؛ ثم خرج في أوائل رجب ١٠٣٧هـ عائدًا إلى بيت المقدس، فوصله في أواسط رجب وأقام نحو خمسة وعشرين يومًا، وألقى عدّة دروس بالأقصى والصخرة، وزار مقام الخليل ومزار موسى الكليم وأكثر تلك المزارات.

دمشق ومناسبة التأليف (سنة ١٠٣٧هـ)

في منتصف شعبان ١٠٣٧هـ عزم على الرحلة إلى دمشق، ودخلها في أواخر شعبان من العام نفسه. وأطنب في وصف الجامع الأموي والغوطة والصالحية وقصور المدينة، وأورد في وصفها لأبي الوحش سبع بن خلف الأسدي، ولشمس الدين الأسدي الطيبي، ولسان الدين بن الخطيب.

وكان قد لقي بمكة قبل ذلك من أعيان دمشق: الشيخ عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام عماد الدين، مفتي السلطان بتلك الأوطان على مذهب الإمام أبي حنيفة، فحدّثه عن أهل دمشق. أمّا بدمشق فأخصّ من ذكر بالفضل عليه: المولى أحمد أفندي بن شاهين.

وفي مجالس المذاكرة مع أعيان دمشق انجرّ الحديث إلى بلاد الأندلس، فصار المقّري يسرد من كلام وزيرها لسان الدين بن الخطيب السلماني نظمًا ونثرًا. فلمّا تكرّر ذلك لهج القوم به «حتى صار كأنّه كلمة إجماعهم»، فطلب منه ابن شاهين أن يتصدّى للتعريف بلسان الدين في مصنَّف يُعرب عن أحواله وأنبائه ووقائعه مع ملوك عصره وعلمائه وأدبائه، ومفاخره، وبعض نثره ونظمه ومؤلفاته الكبار، ليُشيع أغراضه في «البلاد المشرقية».

اعتذار المؤلف ثم إجابته

اعتذر المقّري بثلاث علل: قصوره عن حمل العبء؛ وعدم تيسّر الكتب المستعان بها على هذا المرام، لأنّه خلّفها بالمغرب، وأكثرها في المشرق «كعنقاء مغرب»؛ وشغل خاطره بأشجان الغربة. فأصرّ ابن شاهين ولم يقبل الأعذار، فوعده المقّري بالشروع عند وصوله إلى القاهرة. ثم ودّع الشام، وخرج معه جماعة من الأعيان إلى داريّا حيث كان موقف الوداع، ورحل إلى مصر.

وشرع بعد استقراره بمصر في التأليف، وكتب منه «نبذة»، ثم توقّف («وقف بي مركب العزم عن التمام») لأعراضٍ عرضت. فوردت عليه من ابن شاهين رسالة تستنجزه الوعد، اقتبس المقّري منها فصولًا: يعاتبه فيها على أنّه لم يُجرِ في ديباجة الكتاب ذكر ما دار بينهما بدمشق من المسامرة والمحاورة، ويرجو أن يُقرَن اسمُه باسمه في تحريره. وختمها بقصيدة من نظمه يمدح فيها «أبا العباس شيخي أحمد المقّري» ويستحثّه على إنجاز التعريف بلسان الدين. فعاد المقّري إلى العمل وعزم على التكميل، وكان قد كتب شطر الكتاب.

توسيع الموضوع وتغيير الاسم ومسألة المصادر

بعد أن كتب أنباء ابن الخطيب «حدث لي بعد ذلك عزم على زيادة ذكر الأندلس جملةً، ومن كان يعضد بها الإسلام»، وبعض مفاخرها ومآثر أهلها. ويقرّ بأنّه كان في المغرب معتنيًا بالفحص عن أنباء الأندلس وأخبار أهلها وسبقهم في العلوم وجهادهم ومحاسن بلادهم، فجمع من ذلك ذخائر كثيرة، لكنّه ترك ذلك كلَّه بالمغرب ولم يستصحب معه إلا نزرًا يسيرًا علق بحفظه وبعض أوراق — وهو اعتراف جوهري في تقدير مصادر الكتاب: عمادها الحفظ وما تيسّر بالمشرق، لا مكتبته المغربية. ويعتذر بأنّ «المرء ابن وقته وساعته»، ويستشهد بقول الإمام مالك: «كلّ كلام يؤخذ منه ويُرد إلا كلام صاحب هذا القبر».

وقد سمّاه أولًا: «عرف الطيب، في التعريف بالوزير ابن الخطيب»، ثم وسمه — حين ألحق أخبار الأندلس به — بـ«نفح الطيب، من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب». ويقول إنّه يتوهّم أنّه لم يُسبَق إلى مثله في بابه، إذ لم يقف له على نظير.

خطة الكتاب: قسمان، في كلٍّ منهما ثمانية أبواب

قسّمه قسمين، «وكلٌّ منهما مستقلٌّ بالمطلوب فيصحّ أن يسمّيا باسمين».

القسم الأول — فيما يتعلق بالأندلس:

  • وصف جزيرة الأندلس وحسن هوائها واعتدال مزاجها ووفور خيرها، وكرم نباتها، وتعداد كثير من بلدانها وكُوَرها.
  • فتحها على يد موسى بن نصير ومولاه طارق بن زياد، وما يتبع ذلك من أخبار.
  • ما كان للدين بالأندلس من العزّ، والقهر للعدو، وإعمال أهلها للجهاد في الجبال والوهاد.
  • قرطبة (Córdoba) التي كانت بها الخلافة، وجامعها الأموي، وحضرتَي الملك: الزهراء الناصرية (Madīnat al-Zahrāʾ) والزاهرة العامرية، ووصف متنزّهات تلك الأقطار ومصانعها.
  • التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى المشرق، ومدحهم دمشق، وكلام أعيانها ومخاطباتهم للمؤلف حين حلّها عام ١٠٣٧هـ.
  • ذكر بعض الوافدين على الأندلس من أهل المشرق.
  • ما وُهب أهل الأندلس من توقّد الأذهان واكتساب المعارف، وجملة من أجوبتهم الدالّة على لوذعيّتهم.
  • تغلّب العدو الكافر على الجزيرة بصرف وجوه الكيد إليها وتضريبه بين ملوكها ورؤسائها بمكره، حتى استولى عليها ومحا منها التوحيد وقرّر فيها مذهب التثليث، واستغاثة أهلها بالنظم والنثر بسائر الأقطار حين حُوصروا وقلّ حماتها وأنصارها.

ونصّ على أنّه لم يُخلِ بابًا من أبواب القسم الأول من كلام لسان الدين وإن قلّ.

القسم الثاني — في التعريف بلسان الدين بن الخطيب، وما يناسبه من أحوال العلماء الأفراد والأعلام:

  • أوّليّته وذكر أسلافه الذين ورث عنهم المجد.
  • نشأته وترقّيه ووزارته وسعادته، ثم انقلاب الدهر عليه، وما لقي من إحن الحاسد ومحن الكائد، وذكر قصوره وأمواله وسائر أحواله إلى وفاته.
  • مشايخه.
  • مخاطبات الملوك والأكابر الموجَّهة إلى حضرته، وثناء أهل عصره عليه.
  • جملة من نثره ونظمه، وبعض أزجاله وموشّحاته.
  • مصنّفاته في الفنون، وما كمل منها وما اخترمته المنيّة دون إتمامه.
  • بعض تلامذته الآخذين عنه.
  • أولاده، ووصيّته لهم الجامعة لآداب الدين والدنيا، وما يتبع ذلك من الأمداح النبوية.

صلة الكتاب بالشام — أربعة وجوه

عدّد المقّري أربعة وجوه لتعلّق كتابه بالشام:

  • أنّ الداعي إلى تأليفه أهل الشام.
  • أنّ الفاتحين للأندلس هم أهل الشام.
  • أنّ غالب أهل الأندلس من عرب الشام الذين اتخذوا الأندلس وطنًا مستأنفًا وحضرةً جديدة.
  • أنّ غرناطة (Granada) نزل بها أهل دمشق، وسمّوها باسمها لشبهها بها في القصر والنهر، والدوح والزهر، والغوطة الفيحاء.

التعريف الأوّلي بلسان الدين بن الخطيب

يقدّمه المقّري بوصفه ذا الوزارتين، وزير غرناطة، «فارس النظم والنثر في ذلك العصر» و«إمام هذه الفنون»، له اليد الطولى في العلوم على اختلاف أجناسها، أطلعته العلوم على جلائلها ودقائقها، وحيّته الحكم الرياضية، و«أرضعته الوزارة من ثديها»، وجعلته الإمارة المرجوعَ إليه في تمييز جيّد الأمور ورديئها، وتصرّف في فنون البلاغة «حالَي الولاية والعزل»، و«كان للدين لسانًا».

ويصف الظرف الذي عمل فيه: الأندلس في اختلال حالٍ وتوالي مَحْل، و«التجرّي على قتل الملوك»، وقطع الطرق، واختلاف الكلمة، والعدو ينتهز الفرصة ويسلب وينتهب، لا يبتغي إلا قطع شأفة المسلمين، وإن عقد المهادنة أحيانًا «فهو يُسِرّ حسوًا في ارتغاء». فـ«رقّع لسان الدين ثوب الأندلس ورفاه»، وأعلى علم العدل، ودفع «تنّين الفتنة»، وحضّ باللسان واليد على الجهاد حتى لاحت للنصر بوارق.

ثم انقلب الدهر: تقرّب الوشاة — وهم ممن كانوا يخدمونه — إلى سلطانه حتى فسد عليه ضميره، فأحسّ لسان الدين بالتغيّر، ففرّ في لمّةٍ من خيله إلى سلطان بني مَرين (المرينيين)، وكان إذ ذاك بتلمسان (Tlemcen) — ووصفه المقّري بأنّه «من أهل العلم والعدل والإحسان» — فاهتزّ لمقدمه ولقيه بخاصّته وخدمه وأكرم مثواه وجعله صاحب نجواه. ثم مات ذلك السلطان، فرجع لسان الدين إلى فاس (Fès). وكثرت الأهوال بعد ذلك، وتغيّرت بسببه الأحوال بين رؤساء العدوة والأندلس، فلم ينجُ من مكر الأعداء: قُتل على يد بعض أعدائه ممن كانوا يتربّصون به، وصارت أمواله وضياعه عرضةً للنهب، ودُفن بفاس. ويضيف المقّري أنّ الله «أخذ ثأره من بعض من حبك عليه المكر وأثاره، وتسبّب بهلاكه»، فمات ذلك الساعي بدائه؛ وأنّ العيون إلى وقت التأليف باكيةٌ على لسان الدين، والألسنة والأقلام بمقاماته في الإسلام حاكية.

ملاحظة على بنية المقدمة

خطبة الكتاب مسجوعة مطوّلة، تتوسّطها قصيدة كبرى مبناها على السؤال «أين…؟»: تعدّد زوال الأمم والملوك — بني أميّة، وخلفاء بني العباس، والرشيد ووزيره يحيى وابنه جعفر (البرامكة)، والأكاسرة والقياصرة، والهرمين، وغُمْدان، والخورنق والسدير، ومدائن الإسكندر — ثم تنتهي إلى أئمة الأندلس «جنة الدنيا»، ولا سيّما غرناطة التي «دُعيت دمشق» لنزول أهل الشام بها، وإلى الحمراء (Alhambra)، فإلى الوزير ابن الخطيب الذي أقام بها العدل، ثم «راعت صروف الدهر دولته»، فانتهى إلى قبرٍ بأرض فاس. فالقصيدة في حقيقتها موضوعُ الكتاب مضغوطًا: زوال الملك الأندلسي ومصرع وزيره.

وما عدا ذلك من المقدمة حنينٌ إلى الوطن، وأشعارٌ مقتبسة من شعراء المشرق والمغرب في الفراق والوداع، وأوصافٌ لمصر والنيل ودمشق والحرمين وبيت المقدس — لا وقائع فيها. وختم المقّري بالاعتذار عن القصور، وبالتصريح بأنّه لم يقصد بجمعه «رِفدًا يستهديه ولا عرضَ نائلٍ يستجديه»، بل أداء حقّ ودٍّ ووفاءً بوعد.

القسم الأول: في الأندلس — أرضها وفتحها ودولها وحضارتها ورجالها

الباب الأول: في وصف جزيرة الأندلس وحسن هوائها ووفور خيراتها (مع «حنين إلى الوطن»)

القسم الأول ثمانية أبواب، أوّلها في وصف الأندلس. ومادّته منقولة عن ابن سعيد (المغرب)، وابن حيّان (المقتبس)، وأحمد بن محمد الرازي، وأبي عبيد البكري، والشريف الإدريسي (نزهة المشتاق)، والحجاري (المسهب)، وابن غالب (فرحة الأنفس)، وابن اليسع (المعرب)، والمسعودي (مروج الذهب)، وابن حوقل (صورة الأرض)، وابن بطوطة، وابن خلدون (العبر)، ولسان الدين بن الخطيب.

التسمية والأمم الأولى

قال ابن سعيد: سُمّيت بأندلس بن طوبال بن يافث بن نوح لأنه نزلها، كما نزل أخوه سبت العدوة المقابلة فنُسبت إليه سبتة؛ وقال ابن غالب: بل هو أندلس بن يافث. وذكر الرازي وابن النظام أن أول ساكنيها بعد الطوفان قوم يُعرفون بـ«الأندلش» (يرجّح المحقّق أنهم الوندال Vandali) وبهم سُمّي المكان.

وتسلسل الأمم عندهم: أمّة «الأندلش» عمروها مائة عام وبضع عشرة سنة، ثم حبس الله عنهم المطر فهلكوا وبقيت الأرض خالية نحو مائة وبضع عشرة سنة → الأفارقة، حملهم ملك إفريقية في السفن مع قائد يُدعى أبطريقس فأرسوا بجزيرة قادس، ودار مملكتهم طالقة (من أرض إشبيلية)، وملكوا مائة وسبعة وخمسين عامًا تحت أحد عشر ملكًا → إشبان بن طيطش من عجم رومة، وباسمه سُمّيت «إشبانية» (Hispania) — وقيل اسمه أصبهان فأُحيل بلسان العجم؛ هدم طالقة ونقل رخامها وبنى إشبيلية واتخذها دار ملكه، ثم غزا إيليا (بيت المقدس) بعد سنتين من ملكه فقتل بها مائة ألف من اليهود واسترقّ مائة ألف ونقل رخامها؛ ملك عشرين سنة، وتوالى بعده خمسة وخمسون ملكًا → البشتولقات من عجم رومة وملكهم طلوبش بن بيطه زمن المسيح، ودار ملكهم ماردة (Mérida)، وعدّتهم سبعة وعشرون ملكًا → القوط (Goths)، اقتطعوا الأندلس من صاحب رومة واتخذوا طليطلة دار ملك؛ وأورد ابن حيّان خبر تنصّر ملكهم خشندش وأن الأناجيل الأربعة من جمعه وتثقيفه. وعدد ملوك القوط ستة وثلاثون، من أتاناوينوس إلى لذريق آخرهم، ومدّة ملكهم ثلاثمائة واثنتان وأربعون سنة. وقال ابن خلدون: تملّكوها لمئين من السنين قبل الإسلام بعد حروب مع اللطينيين انتهت بصلح على أن ينصرفوا إليها، وأقاموا نحو أربعمائة سنة، و«لذريق» سمةٌ لملوكهم لا اسم علم.

ونقل المقّري خبرًا في أن الخضر وقف بإشبان وهو يحرث فأخبره بالملك وأورقت عصاه اليابسة، وخبرًا آخر في أن الإسكندر حفر ما بين طنجة والأندلس وبنى رصيفين طول أحدهما اثنا عشر ميلًا وبينهما ستة أميال، ففاض الماء وأغرق مدنًا — ويسمّي أهل الجزيرتين بقيّة الرصيف «القنطرة».

الحدود والمساحة والشكل

قال المسعودي: مسيرة عمائرها ومدنها نحو شهرين، ولها نحو أربعين مدينة موصوفة. وقال ابن اليسع: طولها من أربونة (Narbonne) إلى أشبونة (Lisbon) ستون يومًا للفارس المجدّ — وانتُقد بأمرين: أن أربونة خارجة عن الأندلس، وأن الرقم إفراط؛ والصحيح عند الإدريسي والحجاري وابن سعيد أنها مسيرة شهر أو شهر ونيّف. وفي موضع من الحجاري: من الحاجز إلى أشبونة ألف ميل ونيّف. وعرضها في موسطتها عند طليطلة (Toledo) ستة عشر يومًا.

واتفقوا على أنها مثلثة الشكل: الركن الأول عند صنم قادس (Cádiz) قرب جبل الأغر (Trafalgar) حيث مخرج المتوسط من المحيط؛ والثاني في الشرق بين برشلونة (Barcelona) وطرّكونة — وقال الرازي وابن حيّان إنه في حيّز أربونة، ورجّح الإدريسي وابن سعيد أن أربونة وبرشلونة خارجتان عن الأندلس؛ والثالث عند شنت ياقوه (Santiago de Compostela) من ساحل الجلالقة، وفيه صنم مطلّ يشبه صنم قادس. والحاجز البرّي الفاصل بين الأندلس و«الأرض الكبيرة ذات الألسن الكثيرة» أربعون ميلًا (وقيل مسيرة يوم أو يومين)، وفيه جبل البرت (البرانس) و«الأبواب» التي زعموا أن ملك اليونانيين فتحها بالحديد والنار والخل، ولم يكن للأندلس قبلها طريق برّي؛ ولقلّة هذا الاتصال سُمّيت «جزيرة» وليست بجزيرة على الحقيقة.

وفي خاتمة الباب أرقام مخالفة: قال بعض المؤرخين طولها ثلاثون يومًا وعرضها تسعة، يشقّها أربعون نهرًا كبارًا، وفيها ثمانون مدينة من القواعد الكبار وأزيد من ثلاثمائة متوسطة، وقيل إن على نهر إشبيلية اثني عشر ألف قرية، ولا يسير المسافر فيها فرسخين دون ماء. وذكر «صاحب الجغرافيا» أنها أربعون يومًا طولًا في ثمانية عشر عرضًا — ونبّه المقّري على مخالفته لما سبق. وقال ابن سيده: تقع في عرض الإقليمين الخامس والسادس، وبها سبعة وثمانون جبلًا.

بحر الزقاق: عرضه عند الخضراء ثمانية عشر ميلًا (وهو ما بين جزيرة طريف وقصر مصمودة قرب سبتة)، صعب المجاز لأنه مجمع البحرين؛ ثم يتّسع البحر إلى ثمانمائة ميل وأزيد ومنتهاه مدينة صور بالشام، وفيه ثمان وعشرون جزيرة منها صقلية ومالطة.

المناخ و«الأندلسان»

قال الرازي: هي في آخر الإقليم الرابع، كريمة البقعة، غزيرة الأنهار والعيون، قليلة الهوام ذوات السموم، معتدلة الفصول، وفواكهها متصلة طول السنة لأن الساحل يبادر بباكوره والثغر والجبال تتأخر. وقسّمها الرازي وابن النظام إلى أندلس غربي تجري أوديته إلى المحيط ويُمطر بالريح الغربية، وأندلس شرقي تصبّ أوديته في البحر الرومي ويُمطر بالريح الشرقية — ومتى استحكمت إحدى الريحين أخصب أحد الشقّين وقحط الآخر. وحدّ الشرقي من جبل البشكنس هابطًا مع وادي إبره (Ebro) إلى شنتمرية، وما بين تدمير وسرقسطة. ونقل عن الإدريسي أن لا حظّ للأندلس في الإقليم الثالث: فالرابع يمرّ بقرطبة وإشبيلية ومرسية وبلنسية، والخامس بطليطلة وسرقسطة وأرغون ورومية والقسطنطينية، والسادس بالساحل الشمالي وقشتالة والبرتغال وبلاد الصقالبة والروس، والسابع في المحيط إلى أنقلطرة (England).

الخراج والجباية

كان خراج الأندلس القديم لبني أمية ثلاثمائة ألف دينار سنويًّا: ثلث للجند، وثلث للنفقات والنوائب، وثلث يُدّخر. وبلغت الجباية أيام عبد الرحمن الأوسط ألف ألف دينار في السنة بعد أن كانت لا تزيد على ستمائة ألف. وذكر ابن بشكوال أنها في مدة عبد الرحمن الناصر بلغت خمسة آلاف ألف وأربعمائة وثمانين ألف دينار، وسبعمائة وخمسة وستين ألفًا من السوق المستخلص. وذكر ابن حوقل أن دخل دار السكة وحدها مائتا ألف دينار كل سنة، وصرف الدينار سبعة عشر درهمًا. وانتهت جباية إشبيلية أيام الحكم بن هشام إلى خمسة وثلاثين ألف دينار ومائة دينار.

المعادن والعقاقير والمحاصيل

  • الطيب والعقاقير: العنبر ببحر شذونة وشنترين ويُجهَّز إلى مصر — الأوقية بالأندلس ثلاثة مثاقيل ذهبًا وتُباع بمصر بعشرة دنانير (المسعودي). عود الألنجوج بناحية دلاية؛ المحلب بجبل منت ليون (زعموا أنه لا ينبت إلا بالهند والأندلس)؛ القسط والسنبل؛ الجنطيانة تُحمل إلى الآفاق؛ المرّ بقلعة أيوب (Calatayud)؛ الكهرباء بشذونة، الدرهم منها يعدل دراهم من المجلوبة. وذكر المسعودي أن بالأندلس خمسة وعشرين صنفًا من الأفاويه، وأن أصول الطيب خمسة (المسك والكافور والعود والعنبر والزعفران) كلها من الهند إلا الزعفران والعنبر.
  • الأحجار: اللازورد بلورقة (Lorca)؛ البلور بعمل قرطبة؛ البجادي قرب أشبونة؛ الياقوت الأحمر بحصن منت ميور من كورة مالقة (دقيق لا يصلح للاستعمال)؛ المغناطيس بتدمير؛ الشاذنة بجبل قرطبة؛ حجر اليهودي بحصن البونت (أنفع شيء للحصاة)؛ المرقشيثا الذهبية بجبال أبّذة (Úbeda) وتُحمل إلى الآفاق؛ المرجان بساحل بيرة من عمل المرية (نحو ثمانين ربعًا في الشهر)؛ حصى المرية كالدرّ في رونقه.
  • المعادن: الذهب بنهر لاردة وساحل أشبونة وجهة شنت ياقوه؛ الفضة كثيرة بتدمير وجبال حمّة بجّانة وإقليم كرتش من عمل قرطبة، وببرجة ولوشة وباجة؛ القصدير بأكشونبة؛ الزئبق بجبل البرانس وجهة قرطبة، ومنه يُتجهّز إلى بلاد الإسلام والكفر؛ التوتيا الطبية بقرية بطرنة بساحل إلبيرة (أزكى توتيا وأقواها في صبغ النحاس)؛ الكحل الشبيه بالأصفهاني بطرطوشة (Tortosa)؛ الحديد بأندة؛ الرصاص ببرجة؛ الزاج بلبلة؛ والشبوب والنحاس أكثر من أن تُحصى. وذكر بعضهم أن بالأندلس المعادن السبعة المنسوبة إلى النيّرات السبعة. ومقاطع الرخام بجبل قرطبة (أبيض ناصع وخمري)، وناشرة (للعُمد)، وباغه من مملكة غرناطة (موشّى بحمرة وصفرة).
  • الزراعة والفواكه: قمح طليطلة لا يتسوّس على طول السنين، وزعفرانها يعمّ البلاد، وكذلك الصبغ السماوي. القرمز — وأجود قرمز الأرض — بنواحي إشبيلية ولبلة وشذونة وبلنسية، يُجمع من شجر البلّوط ويُحمل إلى الآفاق. الملح الأندارني بكورة سرقسطة. تين مالقة يُجلب إلى الهند والصين، والعنب يُباع بأسواقها ثمانية أرطال بدرهم صغير (ابن بطوطة)، ورمّانها المرسي الياقوتي. التفاح الجلياني بحصن جليانة من أعمال وادي آش. قصب السكر والموز في السواحل، والتمر معدوم. وذكر ابن اليسع أن القمح والشعير بشنترة (Sintra) يُحصدان بعد أربعين يومًا من زرعهما، وأن تفاحها يبلغ دور الواحدة ثلاثة أشبار، وحكى عن ثقة أن رجلًا أهدى إلى المعتمد بن عبّاد أربع تفاحات دور كل واحدة خمسة أشبار.
  • الحيوان: لا أسد ولا فيل ولا زرافة؛ ولها سبع يُعرف باللبّ (Lobo) أكبر قليلًا من الذئب. السمّور يُصاد في المحيط من جهة برطانية ويُصنع وبره بسرقسطة وقرطبة؛ ونقل عن الطبيب حامد بن سمجون أنه حيوان بحري لا يُحتاج منه إلا إلى خصاه (الجندبادستر) ومنه دواء رفيع للعلل الباردة. والقنلية (شبيه بالأرنب) يلبس أهل الأندلس من المسلمين والنصارى فراءها.

الصناعات والتجارة

بالمرية دار الصناعة: ثمانمائة نول لنسج طرز الحرير، وألف نول للحلل النفيسة والديباج، ومثلها للأسقلاطون والثياب الجرجانية والأصفهانية؛ ويُصنع بها الزجاج وآلات الحديد والنحاس؛ وبها نحو ألف حمّام وفندق، ولم يكن في الأندلس أكثر مالًا ولا أعظم متاجر من أهلها. واختصّت المرية ومالقة ومرسية بالوشي المذهّب؛ وتنتالة من عمل مرسية بالبُسُط الغالية الثمن بالمشرق؛ وغرناطة وبسطة بالثياب «الملبَّد المختَّم»؛ ومرسية بالأسرّة المرصّعة والحُصر وآلات الصُّفر والحديد. ويُصنع بالأندلس الفسيفساء و«الزليجي» (azulejo) الذي يقوم مقام الرخام الملوّن. وبمالقة الفخّار المذهب يُجلب إلى أقاصي البلاد (ابن بطوطة). والسيوف البرذليّة مشهورة بالجودة، وفولاذ إشبيلية «إليه النهاية». وأكثر متاجر إشبيلية الزيت من إقليم الشرف. وباجة تختصّ بدباغة الأديم وصناعة الكتان. وذكر الرقيق القيرواني أن الفرنجة يسبون الصقالبة ويبيعون رقيقهم بالأندلس، وأن يهود ذمّتهم يخصونهم فيُحمل خصيانهم إلى سائر البلاد، وأن قومًا من المسلمين تعلّموا الخصاء «واستحلّوا المثلة».

المدن والكور

  • قرطبة (Córdoba): «قبّة الإسلام» ومستقرّ سرير الخلافة المروانية (الحجاري)، وهي من الأندلس بمنزلة الرأس من الجسد. فاقت الأمصار بأربع: قنطرة الوادي، والجامع، والزهراء، والعلم. وذكر ابن حيّان أن الجسر الأكبر بُني على أمر عمر بن عبد العزيز. وفي مناظرة بحضرة يعقوب المنصور قال ابن رشد لابن زهر: إذا مات عالم بإشبيلية حُملت كتبه لتُباع بقرطبة، وإذا مات مطرب بقرطبة حُملت آلاته إلى إشبيلية — «وقرطبة أكثر بلاد الله كتبًا». وعامّتها موصوفة بالتشغيب والقيام على الولاة؛ قال السيد أبو يحيى أخو المنصور بعد انفصاله عن ولايتها: أهلها «مثل الجمل، إن خفّفت عنه الحمل صاح وإن أثقلته صاح».
  • إشبيلية (Sevilla): بانيها يوليش (يوليوس قيصر)، أول من سُمّي قيصر؛ ردم على النهر الأعظم وأحدق بها أسوارًا من صخر صلد وبنى قصبتين تُعرفان بالأخوين وسمّاها «رومية يوليش». نزلها جند حمص، ولواؤهم في الميمنة بعد لواء جند دمشق. المدّ يصعد في نهرها اثنين وسبعين ميلًا. وجبل الشرف تلّ من تراب أحمر طوله أربعون ميلًا وعرضه اثنا عشر، يشتمل على مائتين وعشرين قرية ملتحفة بالزيتون. ومنارة جامعها بناها يعقوب المنصور، «ليس في بلاد الإسلام أعظم بناء منها». وزيتونها يُخزن تحت الأرض أكثر من ثلاثين سنة فيخرج زيتًا أكثر مما يخرج وهو طريّ. وكان الأوّلون من ملوك الأعاجم يتداولون السكنى بين إشبيلية وقرطبة وقرمونة وطليطلة.
  • غرناطة (Granada): معناها بلغتهم «الرمّانة». تُسمّى دمشق الأندلس لأن جند دمشق نزلوا كورة إلبيرة. يشقّها نهر شنيل، ويطلّ عليها جبل شلير (Sierra Nevada) لا يفارقه الثلج صيفًا وشتاء. كانت إلبيرة هي المدينة قبلها، فلما بنى حبّوس بن ماكسن الصنهاجي مدينة غرناطة وقصبتها وأسوارها انتقل الناس إليها، وزاد في عمارتها ابنه باديس — وقصر باديس بها «ليس ببلاد الإسلام والكفر مثله»، وهو الذي أكمل ترتيب قصبة مالقة. وقراها مائتان وسبعون قرية. ومن أعمالها: لوشة (Loja، وبها معدن فضة جيّد، ومنها أصل لسان الدين بن الخطيب، وبينها وبين غرناطة مرحلة)، وباغه (يجود فيها الزعفران)، ووادي آش (Guadix)، والمنكّب. وقال ابن بطوطة: خارجها لا نظير له في الدنيا، وهو مسيرة أربعين ميلًا.
  • طليطلة (Toledo): من متوسط الأندلس، دار مملكة بني ذي النون من ملوك الطوائف مبتدأ صدر المائة الخامسة، وكانت تُسمّى مع جهاتها «الثغر الأدنى» (وسرقسطة وجهاتها «الثغر الأعلى»). قاعدة ملك القوط، مطلّة على نهر تاجه (Tajo)، وعليه قنطرة على قوس واحد طولها ثلاثمائة باع وعرضها ثمانون باعًا، خُرِّبت أيام الأمير محمد لما عصى عليه أهلها فاحتال في هدمها — ورثاها الحكيم عباس بن فرناس. ويُروى أن طارقًا وجد بها مائدة سليمان — قُوِّمت عند الوليد بن عبد الملك بمائة ألف دينار، وقيل إنها من زمرد أخضر وإنها اليوم برومة — ومائة وسبعين تاجًا من الدرّ والياقوت، وإيوانًا مملوءًا بأواني الذهب والفضة؛ ويعلّق المقّري بأن في هذه الأخبار «ما لا يكاد يصدّقه الناظر فيه».
  • المرية (Almería): على الساحل، ولها قلعة خيران — بناها عبد الرحمن الناصر، وعظمت في دولة المنصور بن أبي عامر وولّى عليها مولاه خيران فنُسبت إليه. وواديها أربعون ميلًا في مثلها بساتين. وألّف فيها أبو جعفر بن خاتمة كتاب «مزية المرية على غيرها من البلاد الأندلسية» في مجلد ضخم — قال المقّري إنه تركه مع كتبه بالمغرب.
  • سرقسطة (Zaragoza): بناها قيصر، وتفسير اسمها «قصر السيد». ونُقل عن مؤرخي المغرب أن الحيّات والعقارب تموت بها من ساعتها، وأن الطعام لا يتسوّس فيها: يوجد القمح من مائة سنة، والعنب المعلّق من ستة أعوام، والفول والحمّص من عشرين — وحُمل ذلك على «رصد أو طلّسم». بساتينها محدقة بها ثمانية أميال، وأعمالها مدن وحصون وقرى مسافة أربعين ميلًا.
  • تدمير/مرسية (Murcia): تُسمّى كورة تدمير «مصر» لأن نهرًا يسيح على أرضها في وقت مخصوص ثم ينضب فتُزرع؛ وصارت القصبة بعد تدمير مرسيةَ، وتُسمّى «البستان».
  • بلنسية (Valencia): تُعرف بمدينة التراب، تنبت الزعفران، وبها الكمثرى المسمّاة «الأرزة» في قدر حبّة العنب. ومن منازهها الرصافة ومنية ابن أبي عامر. وبقرية بطرنة من عملها كانت الوقيعة المشهورة للنصارى على المسلمين (سنة ٤٥٥ بحسب المحقّق).
  • ومنها كذلك: شريش (Jerez) وتُشتهر بالمجبّنات؛ شلب (Silves) قاعدة كورة أكشونبة، وبينها وبين قرطبة سبعة أيام، وقد أضافها بنو عبد المؤمن إلى كورة إشبيلية، ومنها ابن عمّار وابن بدرون شارح قصيدة ابن عبدون وابن السيد البطليوسي؛ باجة (Beja) وبها وُلد المعتمد بن عبّاد؛ مالقة (Málaga)؛ برجة (وبها معدن الرصاص)؛ قرمونة؛ ماردة، وفي كورتها حصن شنت أفرج المرتفع؛ وحصن شنش على مرحلة من المرية وبه التوت والحرير والقرمز.
  • الجزر: قادس (Cádiz) من أعمال إشبيلية، وبيد صنمها مفتاح، وقد هدمه ثائرٌ بها طمعًا في مالٍ تحته فلم يجد شيئًا؛ ميورقة ومنورقة (Mallorca/Menorca) وبينهما خمسون ميلًا، وكانتا زمن الطوائف تحت حكم مجاهد العامري؛ يابسة؛ شلطيش (Saltés) من كورة لبلة، وبحرها كثير السمك يُحمل مملَّحًا إلى إشبيلية.

التقسيم الإداري عن ابن سعيد — *الموسطة*: قرطبة، طليطلة، جيّان، غرناطة، المرية، مالقة؛ فمن أعمال قرطبة إستجة وبلكونة وقبرة ورندة وغافق والمدوّر وأسطبة وبيّانة واليسّانة والقصير، ومن أعمال طليطلة وادي الحجارة وقلعة رباح وطلمنكة، ومن أعمال جيّان أبّذة وبيّاسة وقسطلّة، ومن أعمال مالقة بلّش والحامة (وبها عين حارّة). *الشرق*: مرسية (ومن أعمالها أوريولة والقنت ولورقة)، وبلنسية (ومن أعمالها شاطبة — ويُعمل بها الورق الذي لا نظير له — وجزيرة شقر)، ودانية، والسهلة، والثغر الأعلى (سرقسطة أمّه، ولاردة، وقلعة رباح، وتطيلة ومدينتها طرسونة، ووشقة ومدينتها تمريط، ومدينة سالم، وقلعة أيوب، وبربطانية، وباروشة). *الغرب*: إشبيلية (ومن أعمالها شريش والخضراء ولبلة)، وماردة (ومن أعمالها بطليوس ويابرة)، وأشبونة (ومن أعمالها شنترين)، وشلب.

العجائب والآثار القديمة

أفرد ابن غالب في «فرحة الأنفس» بابًا للآثار الأولية، منها: جلب الماء المالح من البحر إلى أرحاء طرّكونة على وزن محكم حتى طحنت به؛ وجلب الماء من إقليم الأصنام إلى جزيرة قادس في جوف البحر بصخر مجوّف وقناطر على حنايا؛ و«الرصيف» الذي مدّه يوليش من رومية حتى ركزه شرقي قرطبة بباب عبد الجبار، ثم من باب القنطرة إلى شقندة فإستجة فقرمونة فالبحر، وأقام على كل ميل سارية منقوشًا عليها اسمه. وذُكر أيضًا صنم قادس (زعموا أنه كان يمنع الريح فلا تجري المراكب الكبار، فلما هُدم في أول دولة بني عبد المؤمن جرت السفن)، وقنطرة طليطلة وقنطرة السيف وقنطرة ماردة، وملعب مربيطر، وأقواس قرطاجنّة و«دواميسها» الأربعة والعشرون — وشكّك المقّري في هذا الأخير وقال: أظنّ الوصف لقرطاجنّة إفريقية لا قرطاجنّة الأندلس. ومن عجائب البناء: البلاط الأوسط من جامع أقليش (Uclés)، طول كل جائزة منه مائة وأحد عشر شبرًا. وفي إقليم طالقة وُجدت صورة جارية من مرمر معها صبيّ وكأن حيّة تريده، جُعلت في بعض الحمّامات.

وبِيلَتا طليطلة (حوضان): صنعهما عبد الرحمن الزرقال محاكاةً لطلّسم أرين بالهند، تمتلئان وتنحسران مع زيادة القمر ونقصانه بمعدل نصف سُبع في اليوم والليلة؛ فلما ملك النصارى طليطلة أمر «الفنش» بقلع إحداهما ليعلم مأتى الماء وكيفية الحركة فبطلت حركتهما، وذلك سنة ٥٢٨؛ وقيل بل أفسدهما حنين اليهودي المنجّم سنة ٥٢٧.

وأورد المقّري عجائب أخرى بلا تصديق: شجرة زيتون تُخرج الورق والنَّور والثمر في يوم واحد؛ سارية بغرب الأندلس إذا أُقيمت أمطر الله جهتهم؛ شجرتا قسطل عظيمتان في جوف كل منهما حائك ينسج الثياب؛ مغارة بكورة قبرة يقال إنها باب من أبواب الريح لا يُدرك لها قعر؛ وفأس حديد بجبل قرب قلعة ورد لا يُستطاع إخراجه.

وأمّا ما نقله ابن بشكوال عن سيف عن عثمان بن عفّان من أن «فتح القسطنطينية إنما يكون من قِبَل الأندلس»، فردّه المقّري صراحةً: «عهدة هذه الأمور على ناقلها، وأنا بريء من عهدتها … فإنها عندي لا أصل لها؛ وأيّ وقت بعث عثمان إلى الأندلس؟ مع أن فتحها بالاتفاق إنما كان زمان الوليد».

شهادة ابن حوقل وردّ ابن سعيد

وصف ابن حوقل الأندلس بعد دخولها في المائة الرابعة: جزيرة كبيرة، طولها دون الشهر في عرض نيّف وعشرين مرحلة، تغلب عليها المياه الجارية والشجر والثمر، والرخص وسعة الأحوال. ثم طعن في أهلها بـ«صغر الأحلام وضعة النفوس ونقص العقول وبعدهم من البأس والشجاعة». وردّ ابن سعيد — مع إثباته النصّ رغم ما فيه من تعصّب على بلده — بأن من دبّروها بآرائهم وحموها ببسالتهم خمسمائة سنة ونيّفًا في وجه أعدائها المتصلين بهم لا يوصفون بذلك، وأن زمن ابن حوقل هو نفسه الزمن الذي عاث فيه عبّاد الصليب في الشام والجزيرة ودخلوا حلب.

ملاحظات ابن سعيد في الدولة والخطط والعلوم

تدرّج السلطنة عنده: اضطراب الولاة في صدر الفتح لتبعيّتهم لسلاطين إفريقية → استقرار الأمر لبني أمية (ألقابهم أولًا «الأمراء أبناء الخلائف» ثم «الخلفاء أمراء المؤمنين»)، وقواعدهم إظهار الهيبة وتعظيم العلماء والانقياد للحكم الشرعي ولو توجّه على الخليفة أو ابنه → الفتنة → ملوك الطوائف الذين تلقّبوا بنعوت الخلفاء (عبّاد بن محمد بن عبّاد «المعتضد» اقتفاءً للمعتضد العباسي، وابنه محمد «المعتمد»)، وقد عيّرهم ابن رشيق القيرواني بأن ألقابهم «ألقاب مملكة في غير موضعها» → بنو حمّود من ولد إدريس، وخُطب لإدريس بن يحيى بالخلافة في مالقة → الموحّدون → ابن هود المتوكل → ابن الأحمر من حصن أرجونة، كان يكثر مغاورة العدوّ فقدّمه أهل حصنه، ثم ملك قرطبة وإشبيلية (وقتل ملكها الباجيّ) وجيّان ومالقة وغرناطة، وسُمّي أمير المسلمين.

وفي الخطط: الوزارة كانت في بني أمية مشتركة في جماعة، ويُخصّ أحدهم بالنيابة ويُسمّى الحاجب؛ ثم صار النائب يُعرف بـ«ذي الوزارتين». والكتابة ضربان: كاتب الرسائل (وأهل الأندلس شديدو الانتقاد عليه)، وكاتب الزمام — ولا يكون بالأندلس ولا بالعدوة نصرانيًّا ولا يهوديًّا البتّة. وصاحب الأشغال الخراجية أعظم من الوزير، وكثيرًا ما يُنكب ويُصادَر إن تأثّلت حالته. والقضاء أعظم الخطط، والسلطان يحضر بين يدي القاضي إن توجّه عليه حكم. وصاحب الشرطة يُعرف في ألسن العامة بـ«صاحب المدينة» و«صاحب الليل»، وله الحدّ في الزنا وشرب الخمر. والحسبة في أهل العلم: الخبز معلوم الأوزان للربع والثمن من الدرهم، وعلى اللحم ورقة بسعره، والمحتسب يدسّ صبيًّا أو جارية لاختبار الوزن، فإن تكرّرت الخيانة نُفي الجزّار من البلد بعد الضرب والتجريس. و«الدرّابون» يطوفون بالليل، وللدروب أغلاق تُغلق بعد العتمة، ولكل زقاق بائتٌ فيه بسراج وكلب وسلاح.

وفي العلوم: ليس لأهل الأندلس مدارس، بل يقرأون العلوم في المساجد بأجرة — «يقرأون لأن يعلموا لا لأن يأخذوا جاريًا». ولا مذهب لهم إلا مذهب مالك. والنحو عندهم في نهاية علوّ الطبقة، ومن لم يتمكّن منه لم يُعتدّ به في أيّ علم. أما الفلسفة والتنجيم فلهما حظّ عظيم عند الخواصّ ولا يُتظاهر بهما خوف العامة، فمن قيل إنه يقرأ الفلسفة أُطلق عليه اسم زنديق، وربما رُجم أو أُحرق قبل أن يصل أمره إلى السلطان؛ وكثيرًا ما أمر ملوكهم بإحراق كتب هذا الشأن — وبذلك تقرّب المنصور بن أبي عامر إلى قلوب العامة أول نهوضه، وإن كان مشتغلًا بها في الباطن على ما ذكره الحجاري.

وفي الزيّ: الغالب ترك العمائم، لا سيّما في الشرق؛ رأى ابن سعيد عزيز بن خطاب أكبر عالم بمرسية حاسر الرأس، وكذلك ابن هود وابن الأحمر. والغفائر تُلبس حمرًا وخضرًا، والصفراء مخصوصة باليهود، ولا سبيل ليهودي أن يتعمّم. ويتزيّا سلاطينهم وأجنادهم بزيّ النصارى المجاورين: سلاحهم كسلاحهم، وأقبيتهم من الإشكرلاط، وكذلك أعلامهم وسروجهم. ويحاربون بالتراس والرماح الطويلة، ولا يعرفون الدبابيس ولا قسيّ العرب، بل يُعدّون قسيّ الإفرنج للمحاصرات وللرجّالة.

وفي المقارنة: طاف ابن سعيد بمراكش وفاس وسلا وسبتة وبجاية وتونس والإسكندرية والقاهرة والفسطاط ودمشق وحلب، فلم يرَ ما يشبه رونق الأندلس في مياهها وأشجارها إلا فاس ودمشق، «وفي حماة مسحة أندلسية». وذكر أن أكثر مدنها مسوّرة استعدادًا للعدوّ، وفي حصونها ما يصبر على محاربته ما ينيّف على عشرين سنة، وتُخزن الغلّة في مطاميرها فيطول صبرها نحو مائة سنة. وقد ختم برجاء البقاء في إشبيلية وغرناطة ومالقة والمرية، فعلّق المقّري: «قد خاب ذلك الرجاء، وصارت تلك الأرجاء للكفر معرجًا».

وصف علي بن يوسف بن تاشفين: لمّا دخل الأندلس وأمعن النظر فيها قال: إنها تشبه عقابًا مخالبه طليطلة، وصدره قلعة رباح، ورأسه جيّان، ومنقاره غرناطة، وجناحه الأيمن باسط إلى المغرب والأيسر إلى المشرق.

كتاب المغرب لابن سعيد: قسّمه إلى «وشي الطرس في حلى جزيرة الأندلس» (أربعة كتب: حلي العرس في غرب الأندلس، الشفاه اللعس في موسطتها، كتاب الأنس في شرقها، لحظات المريب فيما حماه عبّاد الصليب)، و«الألحان المسلية في حلى جزيرة صقلية»، و«الغاية الأخيرة في حلى الأرض الكبيرة». وكتاب حلي العرس سبعة كتب على سبع ممالك: قرطبة، وإشبيلية، ومالقة، وبطليوس، وشلب، وباجة، وأشبونة. وذكر أن شرق الأندلس وغربها ووسطها متقاربة في المساحة، وليس فيها جزء يجاوز طوله عشرة أيام.

حنين إلى الوطن (باب أدبي — موجز)

مادّة أدبية في الشوق إلى الأندلس ومدنها، أعرضتُ عن نصوصها الشعرية والإنشائية. أهمّ ما فيها من وقائع:

  • رسالة أبي بحر صفوان بن إدريس إلى الأمير عبد الرحمن بن يوسف بن عبد المؤمن: مناظرة متخيَّلة تتفاخر فيها مدن الأندلس (إشبيلية/حمص، قرطبة، غرناطة، مالقة، مرسية، بلنسية، تدمير)، كلٌّ بمزاياها — وهي وثيقة في التنافس الجهوي بين الحواضر: تفخر إشبيلية بالشرف والنهر ذي المدّ والجزر، وقرطبة بالجامع والعلم، وغرناطة بمعقلها وبطاحها، ومرسية بروضها، وبلنسية برصافتها وجسرها.
  • رسالة لسان الدين بن الخطيب على لسان سلطان غرناطة إلى عالم مغربي، يفضّل فيها الرباط والجهاد بالأندلس على تكرار الحجّ، ويستدعيه إلى «حمراء غرناطة».
  • جواب أبي عمران موسى بن سعيد إلى أبي يحيى صاحب سبتة، وقد رغّبه — بعد أن استوزره مستنصر بني عبد المؤمن — في النقلة عن الأندلس إلى مرّاكش، فأبى مفارقتها.
  • مهاجاة أبي بكر المخزومي الأعمى ونزهون بنت القلاعي بحضرة الوزير أبي بكر بن سعيد بغرناطة، انتهت بأن أصلح بينهما واشترى منه عرض المدينة بعبد صغير. ووصفه لسان الدين في الإحاطة بأنه كان أعمى شديد الشرّ معروفًا بالهجاء، فإذا مدح ضعف شعره. وذكر ابن دقماق في «الدر المنضد» أنه كان حيًّا بعد سنة ٥٤٠.
  • وقصيدة «أقرطبة الغرّاء هل لي أوبة» نُسبت خطأً إلى غرناطة، ونبّه المقّري على أن الصواب أنها في قرطبة.
  • وحكاية من «قطب السرور» لابن الرقيق المغربي عن عبد الوهاب بن حسين بن جعفر الحاجب وكرمه على المغنّين الطارئين من المشرق، أوردها المقّري لأن فيها وصف الأندلس وطيبها لمشرقيّ فرحل إليها ومات بها.

الباب الثاني: فتح الأندلس على يد موسى بن نصير ومولاه طارق بن زياد

مقدمات الفتح واختلاف الروايات

سبب الفتح — كما يقدّمه المقّري — خلافٌ وقع بين لذريق (Roderic) ملك القوط وبين يليان (Julian) صاحب سبتة القائم على مجاز الزّقاق. والروايات في تفاصيل الفتح مختلفة، ويسوقها المقّري متجاورة معلنًا اختلافها، ويقول لو بسط العبارة لجاء ذلك في مجلد أو أكثر.

ذكر الحجاري وابن حيّان أن أول من دخل الأندلس للجهاد طريف البربري مولى موسى بن نصير — وإليه تُنسب جزيرة طريف (Tarifa) — غزا بمعونة يليان في مائة فارس وأربعمائة راجل، عبر في أربعة مراكب في رمضان سنة ٩١هـ، وانصرف بغنيمة جليلة. وقال الرازي إنه أبو زرعة طريف بن مالك المعافري.

وقال ابن حيّان: ولّى الوليد بن عبد الملك موسى بن نصير — مولى عمّه عبد العزيز بن مروان — إفريقية وما خلفها سنة ٨٨هـ، فقاتل البربر حتى فتح طنجة وأسلم أهلها، وجعل طارقًا على مقدّمته، واستعصت عليه سبتة بتدبير يليان. وذكر الحميدي في «جذوة المقتبس» أن موسى وليَ إفريقية والمغرب سنة ٧٧هـ (وفي الجذوة: ٧٩)، وأن ولديه عبد الله ومروان أتياه بمائتي ألف رأس من السبي، وأنه استسقى بالناس في قحط شديد ولم يدعُ للوليد في خطبته قائلًا: «هذا مقام لا يُدعى فيه لغير الله». واستعمل طارقًا على طنجة وترك عنده تسعة عشر ألفًا من البربر ونفرًا من العرب يعلّمونهم القرآن وفرائض الإسلام.

وفي نسب طارق خلاف: مولى لموسى، أو من الصَّدِف، أو بربري من نفزة، أو فارسي همذاني؛ وسمّاه ابن بشكوال «طارق بن عمرو». وفي نسب موسى خلاف كذلك: مولى لعبد العزيز بن مروان، أو لخمي، أو بكري.

وسبب انحراف يليان أن لذريق اعتدى على ابنته المبعوثة إلى بلاط طليطلة (Toledo) على عادة القوط في بنات بطارقتهم، فأخرجها أبوها بحيلة، ثم قصد موسى بإفريقية يحرّضه على الغزو ويصف خصب البلاد وضعف رجالها؛ فاشترط عليه موسى أن يبدأ هو بمكاشفة أهل ملّته، ففعل وأغار بمركبين على ساحل الجزيرة الخضراء (Algeciras) عقب سنة ٩٠هـ. وكاتب موسى الوليدَ يستأذنه، فأمره باختبار البحر بالسرايا ولا يغرّر بالمسلمين.

العبور ووقعة وادي لكّة

اختُلف في تاريخ العبور وعدده: عن ابن بشكوال أنه احتلّ الجبل المنسوب إليه (جبل طارق، ويعرفه العامة بجبل الفتح) يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة ٩٢هـ في اثني عشر ألفًا غير اثني عشر رجلًا، جلّهم بربر ولم يكن فيهم من العرب إلا يسير. وعن ابن حيّان: حطّ بالجبل يوم السبت في شعبان سنة ٩٢هـ في سبعة آلاف، في أربع سفنٍ ظلّت تختلف حتى توافى أصحابه. وعند ابن خلدون: أجاز سنة ٩٢هـ في نحو ثلثمائة من العرب وزهاء عشرة آلاف من البربر، فقسّمهم عسكرين: أحدهما معه بجبل الفتح، والآخر مع طريف بن مالك النخعي بمكان مدينة طريف.

ولما بلغ لذريقَ الخبر — وكان غازيًا بأرض بنبلونة (Pamplona) في البشكنس — أقبل في جموعه، قيل نحو مائة ألف، وقيل زهاء أربعين ألفًا (ابن خلدون)، ونزل قرطبة ببلاط لذريق ثم مضى نحو كورة شذونة. وكتب طارق إلى موسى يستمدّه، فأمدّه بخمسة آلاف كملوا بهم اثني عشر ألفًا، ومعهم يليان في رجاله يدلّهم على العورات.

وذكر ابن حيّان أن لذريق لم يكن من بيت الملك، وإنما اغتصب الملك بعد موت غيطشة (Witiza) واستصغر أولاده؛ فتآمر عليه أبناء غيطشة، وكانا على ميمنته وميسرته، وراسلوا طارقًا يشترطون الأمان وردّ ضياع أبيهم (ثلاثة آلاف ضيعة سُمّيت بعدُ «صفايا الملوك»)، فانحازوا عند اللقاء، وكان ذلك أقوى أسباب الفتح.

وفي موضع اللقاء وتاريخه اختلاف: قال ابن حيّان: بوادي لكّة (Guadalete) من كورة شذونة، لسبع خلون من ربيع الأول سنة ٩٢هـ. وقال ابن خلدون: بفحص شريش (Jerez). وقال الرازي: كانت الملاقاة يوم الأحد لليلتين بقيتا من رمضان، واتّصلت الحرب ثمانية أيام إلى الأحد لخمس خلون من شوّال. وخطب طارق في أصحابه قبل اللقاء حاضًّا على الصبر («البحر من ورائكم والعدو أمامكم»)، وأعلن أنه أول حاملٍ على لذريق بنفسه. وانهزم القوط هزيمة عظيمة، ورمى لذريق نفسه في الوادي وقد أثقلته الأسلحة فلم يوجد حيًّا ولا ميتًا؛ ووُجد فرسه الأشهب بسرجٍ من ذهب مكلّل بالياقوت والزبرجد، وأحد خفّيه من ذهب. وخمّس طارق الفيء واقتسمه على تسعة آلاف من المسلمين سوى العبيد والأتباع.

سير الجيوش وفتح المدن

فتح طارق شذونة عنوة، ثم مرّ بمورور (Morón) وقرمونة (Carmona)، وصالح أهلَ إشبيلية (Sevilla) على الجزية، ثم نازل إستجة (Écija) فكانت أشدّ حروبه، ثم فرّق جيوشه بمشورة يليان: فبعث مغيثًا الرومي مولى الوليد إلى قرطبة في سبعمائة فارس (وقيل: بل سار إليها طارق بنفسه)، وجيشًا إلى مالقة (Málaga)، وآخر إلى غرناطة مدينة إلبيرة (Elvira)، وسار هو في معظم الناس نحو جيّان (Jaén) يريد طليطلة.

وفتحت قرطبة ليلًا في مطر أخفى دقدقة الحوافر، بدلالة راعٍ على ثغرة في السور استُعين على تسنّمها بشجرة تين؛ فمُلكت عنوة، وتحصّن أميرها في كنيسة بغربيّ المدينة ثلاثة أشهر، حتى دلّ عبدٌ أسود اسمه رباح على قناة الماء فقُطعت، فأُحرق من فيها وسُمّيت «كنيسة الحرقى» (وفي رواية: ضُربت أعناقهم فعُرفت بكنيسة الأسرى). وأدرك مغيثٌ العلجَ صاحب قرطبة هاربًا قرب قرية تطليرة فأسره — ولم يُؤسر من ملوك الأندلس غيره. وجمع مغيث يهود قرطبة فضمّهم إلى المدينة، وصار ذلك سنّة متّبعة: يُضمّ يهود كل بلد مفتوح إلى القصبة مع قطعة من المسلمين لحفظه، كما صُنع بغرناطة وكورة ريّة.

أما كورة تدمير (Tudmīr / Theodemir) فقصبتها أريولة (Orihuela)، وحمى ملكها نفسه بحيلة: أمر النساء بنشر الشعور وحمل القصب على السور في زيّ المقاتلة، ثم نزل مستخفيًا كأنه رسول فصالح المسلمين على أهل بلده ثم على نفسه؛ فسلمت كورته وصارت كلها صلحًا لا عنوة.

وانتهى طارق إلى طليطلة فألفاها خالية، فضمّ إليها اليهود وخلّف بها رجالًا، ومضى إلى وادي الحجارة (Guadalajara) ثم قطع الجبل إلى «مدينة المائدة» فأحرز مائدة سليمان، ورجع سنة ٩٣هـ؛ وقيل بل اخترق جلّيقية (Galicia) حتى بلغ مدينة استرقة (Astorga).

قدوم موسى والخلاف بينه وبين طارق

لمّا بلغ موسى ما فتح طارق حسده، فدخل الأندلس في رمضان سنة ٩٣هـ في نحو ثمانية عشر ألفًا (وقال الرازي: خرج من إفريقية في رجب ٩٣هـ في عشرة آلاف، واستخلف ابنه عبد الله على إفريقية)، وتنكّب جبل طارق وعبر من الموضع المعروف بجبل موسى، قائلًا: «ما كنت لأسلك طريق طارق». ففتح شذونة، ثم قرمونة بحيلة (دخل رجال يليان في زيّ الفَلّ ففتحوا الباب ليلًا)، ثم إشبيلية بعد أشهر — وكانت دار الملك قبل القوطيين ثم حوّلوا السلطان إلى طليطلة — ثم ماردة (Mérida) فحاصرها وعمل عليها دبّابة استُشهد تحتها قوم فسُمّي الموضع «برج الشهداء»، وخدع رسل أهلها بتغيير خضاب لحيته حتى ظنّوا أنه يتصوّر كيف شاء، ففتحت له يوم الفطر سنة ٩٤هـ. ثم انتقض عجم إشبيلية فقتلوا نحو ثمانين مسلمًا، فوجّه موسى ابنه عبد العزيز فأعاد فتح إشبيلية ثم لبلة (Niebla).

والتقى موسى بطارق (بكورة طلبيرة، أو باسترقة)، فقنّعه بالسوط ووبّخه على استبداده، وطالبه بمال الفيء وذخائر الملوك واستعجله بالمائدة، فأتاه بها وقد خبّأ إحدى أرجلها، فعوّضها موسى برجلٍ من ذهب يظهر عليها التعمّل. ثم اصطلحا، وسارا إلى الثغر الأعلى ففتحا سرقسطة (Zaragoza) وأعمالها، ودوّخت السرايا بلد إفرنجة فبلغت برشلونة (Barcelona) وأربونة (Narbonne) وصخرة أبنيون (Avignon) وحصن لوذون على وادي رودنة (نهر الرون Rhône) — وذكر المحقّق أن المؤرخين يشكّون في بلوغ موسى تلك المناطق. وقُدّرت المسافة بين قرطبة وأربونة بثلاثمائة وخمسة وثلاثين فرسخًا (وقيل: ثلاثمائة وخمسين). وخرج عليهم قارله (Charles) ملك الإفرنجة فحاصرهم بأربونة أيامًا ثم رجع وبنى حصونًا على الرون. وأورد الحجاري أن قارله أشار على قومه بألّا يعترضوا العرب في إقبالهم بل يمهلوهم حتى تمتلئ أيديهم من الغنائم ويتنافسوا في الرياسة — وعلّق المقّري بأن ذلك وقع فعلًا بالفتنة بين الشاميين والبلديين والبربر والمضرية واليمانية.

الاستدعاء ونكبة موسى ومقتل عبد العزيز

بعث الوليد مغيثًا الرومي ثم أردفه بأبي نصر يأمران موسى بالقفول عن الأندلس والكفّ عن التوغّل. فاستخلف موسى ابنه عبد العزيز على إمارة الأندلس وأقرّه بإشبيلية، وركب البحر إلى المشرق في ذي الحجة سنة ٩٥هـ ومعه طارق. وكان مقام طارق بالأندلس سنةً قبل دخول موسى وسنتين وأربعة أشهر بعده. وحمل موسى ثلاثين ألف رأس من السبي والمائدة والذخائر. وكان موسى قد انتزع أسير مغيث (علج قرطبة) وضرب عنقه، فاضطغنها عليه مغيث وصار إلبًا مع طارق.

وفي دمشق تنازع موسى وطارق بين يدي الخليفة؛ فسأل الخليفة موسى عن الرجل الناقصة من المائدة، فأخرجها طارق من قبائه، فعُلم صدقه وكذب موسى. وأكثر الروايات أن الذي نكب موسى هو سليمان بن عبد الملك — ونصّ المقّري على أن ما ذكره ابن خلّكان من أن الوليد هو الذي نكبه ليس بصحيح — فعزله وحبسه وأغرمه غرمًا عظيمًا (قيل مائتي ألف، أدّى نصفها، وحملت لخمٌ عنه تسعين ألف دينار)، حتى استجار بيزيد بن المهلب فوهبه سليمان دمه دون العذاب. وقيل: ولد موسى سنة ١٩هـ، ومات فقيرًا بوادي القرى سنة ٩٧هـ يطوف على أحياء العرب يسألهم فكاك نفسه. ودسّ سليمان إلى جند الأندلس بقتل ابنه عبد العزيز، فقُتل عقب سنة ٩٥هـ بعد نحو سنتين من ولايته، وقد افتتح فيها مدائن كثيرة؛ ونُقموا عليه تزوّجه أم عاصم زوجة لذريق، وخبر الباب الصغير الذي جعله ليدخل الناس منه منحنين إيهامًا لها بالسجود. ولأولاد موسى الثلاثة سلطان: عبد العزيز بالأندلس، وعبد الملك بطنجة، وعبد الله بإفريقية (وهو فاتح ميورقة).

الغنائم والمائدة وبيت الحكمة

وُجد بطليطلة مائة وسبعون تاجًا من الذهب الأحمر مرصّعة، وألف سيف ملوكيّ، وأكيال من الدر والياقوت. وأما مائدة سليمان فقال ابن حيّان: ليست لسليمان بن داود، وإنما كان أهل الحسنة من العجم يوصون بمال للكنائس، فيصاغ منه موائد وكراسٍ تُحمل عليها الأناجيل في الأعياد، وكانت هذه أفخمها، مصوغة من خالص الذهب مرصّعة بالدر والياقوت والزمرد، توضع على مذبح كنيسة طليطلة. وقيل: من زبرجدة خضراء، ولها ثلاثمائة وخمس وستون رجلًا. ونقل عن الليث بن سعد أن الطّنافس كانت توجد منسوجة بقضبان الذهب حتى إن البربري كان يشقّها بالفأس نصفين. وأورد المقّري خبر «بيت الحكمة» بطليطلة وأقفاله الستة والعشرين وطلسم اليونان المانع للبربر، وعقّب عليه بالتشكيك، ورأى أن حكاية جلب الماء العذب من العدوة بعيدة «لأن بلاد الأندلس أكثر بلاد الله مياهًا وأنهارًا». وأورد كذلك أخبارًا في رؤيا طارق للنبي ﷺ في المركب، وفي العجوز التي وصفت له شامة كتفه، وفي إرهابه النصارى بإيهامهم أكل لحوم القتلى — وهي حكايات مروية لا وقائع.

أولاد غيطشة وسارة القوطية

قدم أولاد غيطشة على الوليد بدمشق بكتاب طارق، فأنفذ لهم عهده في ضياع والدهم: فصار لكبيرهم ألمند (Olmundo) ألف ضيعة في الغرب فسكن إشبيلية، ولأرطباش ألف ضيعة في الوسط فسكن قرطبة، ولوقلة ألف ضيعة في الشرق فسكن طليطلة. فلما هلك ألمند بسط أرطباش يده على ضياع ابنته سارة القوطية وأخويها في خلافة هشام بن عبد الملك، فأنشأت مركبًا بإشبيلية وركبت البحر إلى عسقلان ثم دمشق، فأنصفها هشام وكتب إلى حنظلة بن صفوان عامل إفريقية، وأنكحها عيسى بن مزاحم فولدت إبراهيم وإسحاق. ثم أكرمها عبد الرحمن الداخل لمعرفتها به بالشام، وزوّجها بعد موت عيسى من عمير بن سعيد. ومن أخبار أرطباش أنه وهب لميمون العابد جدّ بني حزم ضيعتين (وإليهما نُسبت قلعة حزم) وأغضب بذلك الصميل بن حاتم، ثم وهب للشاميين مائة ضيعة.

ولاة الأندلس بعد الفتح

ولي أيوب بن حبيب اللخمي (ابن أخت موسى) ستة أشهر، ثم الحرّ بن عبد الرحمن الثقفي (سنتين وثمانية أشهر)، ثم بعث عمر بن عبد العزيز السّمحَ بن مالك الخولاني على رأس المائة وأمره أن يخمّس أرض الأندلس، فخمّسها وبنى قنطرة قرطبة واستُشهد بأرض الفرنجة سنة ١٠٢هـ؛ ثم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي (تقديمًا من أهل الأندلس)، ثم عنبسة بن سحيم الكلبي (قدم صفر ١٠٣هـ، استُشهد ١٠٧هـ بعد أربع سنين وأربعة أشهر)، ثم يحيى بن سلمة الكلبي (آخر ١٠٧هـ، سنتين ونصفًا، ولم يغزُ)، ثم عثمان بن أبي نسعة الخثعمي (خمسة أشهر)، ثم حذيفة بن الأحوص القيسي (سنة ١١٠هـ)، ثم محمد بن عبد الله الأشجعي (شهرين)، ثم عبد الرحمن الغافقي ثانيةً سنة ١١٣هـ، وأصيب عسكره في رمضان سنة ١١٤هـ بموضع يُعرف ببلاط الشهداء، وكانت ولايته سنة وثمانية أشهر. ثم عبد الملك بن قطن الفهري (رمضان ١١٤هـ، سنتين، وقال الواقدي أربعًا) وغزا البشكنس سنة ١١٥هـ. ثم عقبة بن الحجاج السّلولي خمس سنين محمود السيرة، بلغ سكنى المسلمين في ولايته أربونة ورباطهم نهر رودنة؛ ثار عليه أهل الأندلس (الرازي: صفر ١٢٣هـ في خلافة هشام) وتوفي بقرقشونة (Carcassonne). ثم عاد عبد الملك بن قطن، حتى دخل بلج بن بشر القشيري بجند الشام ناجيًا من وقعة كلثوم بن عياض مع البربر بملوية، فقتل ابن قطن وهو ابن سبعين سنة، وهلك بلج من جراحه سنة ١٢٤هـ. ثم ثعلبة بن سلامة الجذامي سنتين. ثم أبو الخطّار حسام بن ضرار الكلبي (ركب البحر من تونس سنة ١٢٥هـ من قِبل حنظلة بن صفوان)، وفرّق جند الشام في البلاد لضيق قرطبة بهم: أهل دمشق بإلبيرة وسمّاها دمشق، وأهل حمص بإشبيلية، وأهل قنسرين بجيّان، وأهل الأردنّ برية ومالقة، وأهل فلسطين بشذونة، وأهل مصر بتدمير. ثم أفرط في التعصّب لليمانية فخلعه الصميل بن حاتم كبير القيسية سنة ١٢٨هـ بعد أربع سنين وتسعة أشهر. ثم ثوابة بن سلامة الجذامي (عهده من عبد الرحمن بن حبيب صاحب إفريقية منسلخ رجب ١٢٩هـ) وهلك بعد سنة. ثم بقي أهل الأندلس فوضى، فاتفق الجند على اقتسام الإمارة بين المضرية واليمانية سنةً لكل فريق، وقُدّم يوسف بن عبد الرحمن الفهري سنة ١٢٩هـ، فبيّت اليمانية بشقندة من قرى قرطبة واستلحمهم، وقُتل أبو الخطار.

وقال ابن حيّان: عدد الأمراء من طارق إلى يوسف الفهري عشرون عاملًا، ومدّتهم بالشمسي خمس وأربعون سنة وبالقمري سبع وأربعون سنة غير أشهر؛ وحسب من يوم هزيمة لذريق (الأحد لخمس خلون من شوال سنة ٩٢هـ) إلى تغلّب عبد الرحمن بن معاوية على سرير قرطبة (يوم الأضحى لعشر خلون من ذي الحجة سنة ١٣٨هـ) ستًّا وأربعين سنة وخمسة أيام.

الصحابة والتابعون والأنساب

زعم ابن حبيب أن الداخل إلى الأندلس من الصحابة رجل واحد هو المنيذر الإفريقي. ومن التابعين: موسى بن نصير، وعلي بن رباح اللخمي (ولد عام اليرموك سنة ١٥هـ)، وحيوة بن رجاء التميمي، وحنش الصنعاني (يزعم أهل سرقسطة أنه مات عندهم وقبره مشهور)، وأبو عبد الرحمن الحبلي، وحبّان بن أبي جبلة (توفي بعد ١٢٠هـ). وعددهم نحو عشرين (ابن حبيب) أو ثمانية وعشرين (ابن بشكوال) وهم أسّسوا قبلة المسجد الجامع بقرطبة.

ثم ساق المقّري أنساب من نزل الأندلس عن ابن حزم وابن غالب وابن سعيد: فمن العدنانيين قريش (ومنهم خلفاء بني أمية، وبنو حمّود من ولد إدريس، وبنو زيدون المخزوميون، والفهريون ومنهم عبد الملك بن قطن ويوسف الفهري حفيد عقبة بن نافع). والقحطانيون (اليمانية) أكثر بالأندلس والملك فيهم أرسخ: منهم المنصور بن أبي عامر من المعافر، وبنو عبّاد أصحاب إشبيلية من لخم، وبنو هود وثوابة بن سلامة من جذام، وبنو الأحمر سلاطين غرناطة من الخزرج. ونبّه على أن المنصور بن أبي عامر قطع تمييز العرب بالقبائل وخلط الأجناد تحت القوّاد فانحسمت مادة العصبية.

ثم أورد ثبت الأمراء العشرين، فخلفاء بني أمية (من عبد الرحمن الداخل إلى هشام بن الحكم الذي بنى حاجبه المنصور «الزاهرة»، ثم المهدي محمد الذي هُدمت في أيامه الزهراء والزاهرة وعاد السرير إلى قرطبة)، ثم بني حمّود العلويين، ثم بني أمية الثانية إلى المعتدّ هشام آخر خلفاء الجماعة، ثم ملوك الطوائف، فالمرابطين (يوسف بن تاشفين)، فالموحّدين، فالمتوكل ابن هود، ثم بني الأحمر. وذكر أن أبا الحزم بن جهور استبدّ بقرطبة من غير أن يتعدّى اسم الوزارة، وتوفي سنة ٤٣٥هـ فخلفه ابنه أبو الوليد.

الملحق الأدبي

خُتم المقطع بنصوص أدبية لا وقائع فيها إلا قليلًا: رسائل القاضي أبي المطرف بن عميرة المخزومي (ولد بجزائر شقر رمضان ٥٨٠هـ، توفي ٢٠ ذي الحجة ٦٥٨هـ) في رزء بلنسية وغلبة النصارى على الأندلس؛ وله تأليف في كائنة ميورقة وتغلّب الروم عليها، وردٌّ على الفخر الرازي في «المعالم»، و«التنبيهات» على «التبيان» لكمال الدين الأنصاري، واختصار تاريخ ابن صاحب الصلاة؛ وولي قضاء هيلانة وسلا ومكناسة ثم الأربس وقابس بإفريقية. ومنها رسالة كتبها عن أهل شاطبة تهنّئ ابن هود بوصول التقليد العبّاسي من بغداد بولاية الأندلس — واستدلّ بها المقّري على أن الدولة العباسية خُطب لها بالأندلس. ثم مخاطبة أنشأها لسان الدين بن الخطيب عن الغني بالله محمد بن يوسف بن نصر صاحب غرناطة إلى السلطان المنصور أحمد بن الناصر محمد بن قلاوون بمصر، تصف حال الأندلس وجهادها وضيق موضع الإسلام بها، وتسرد ملخّصًا لتاريخ الفتح. وذكر ابن حيّان أن ليحيى بن حكم الغزال أرجوزة مطوّلة في فتح الأندلس تذكر سبب الغزو ووقائعه وأسماء الأمراء.

الباب الثالث: في سرد بعض ما كان للدين بالأندلس من العز السامي العماد والقهر للعدو

يستأنف المقّري ما قطعه في الباب الثاني، فيسرد تاريخ الدولة الأموية بالأندلس من عبد الرحمن الداخل إلى انقراضها، ثم ملوك الطوائف والمرابطين والموحدين وبني الأحمر. ومعظم مادّته منقولة عن ابن خلدون وابن حيّان وابن سعيد وابن عذاري والمسعودي، ينسبها إلى أصحابها ويوازن بينها.

عبد الرحمن الداخل (١٣٨–١٧٢هـ)

قُتل مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية بالمشرق سنة ١٣٢هـ على يد عبد الله بن علي، فأفلت عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك ولحق بالمغرب، ونزل على أخواله نفزة من برابرة طرابلس، ثم بمغيلة فمليلة. بعث مولاه بدرًا إلى موالي المروانيين بالأندلس، فبثّوا له الدعوة، ووافق قدومه إحن اليمنية والمضرية، فأصفقت اليمنية على أمره ضدّ يوسف بن عبد الرحمن الفهري وصاحبه الصُّميل بن حاتم. أجاز البحر سنة ١٣٨هـ في خلافة أبي جعفر المنصور، ونزل ساحل المنكّب، وبايعه عامل كورة ريّة عيسى بن الصباح، ثم مالقة ورندة وشريش وإشبيلية. ناجز يوسفَ الحربَ بظاهر قرطبة فانكشف يوسف ولحق بغرناطة ثم صولح، فنقض العهد سنة ١٤١هـ ولحق بطليطلة في زهاء عشرين ألفًا من البربر، فقاتله عبد الملك بن عمر المرواني (الوافد من المشرق سنة ١٤٠هـ، عامل إشبيلية، وابنه عمر على مورور) فانهزم يوسف واغتاله بعض أصحابه بناحية طليطلة.

استقرّ بقرطبة فبنى المسجد الجامع والقصر وأنفق فيه ثمانين ألف دينار ومات قبل تمامه، وأدار السور بقرطبة، وقطع الدعوة العباسية من المنابر. سنة ١٤٦هـ خرج العلاء بن مغيث اليحصبي من إفريقية داعيًا للمنصور فنزل باجة، فلقيه عبد الرحمن بنواحي إشبيلية وقتله في سبعة آلاف من أصحابه، وبعث برؤوسهم مع اللواء الأسود وكتاب المنصور إلى القيروان ومكة فأُلقيت في أسواقها سرًّا؛ فسمّاه المنصور «صقر قريش». وذكر ابن خلدون أنه في شغل المسلمين به قوي أمر الجلالقة، وعمد فرويلة بن أذفونش (Fruela) إلى الثغور فملك لكّ وبرتقال وسمّورة وشلمنقة وقشتالة وشقوبية (Segovia). وخاطبه قارله ملك الإفرنج ودعاه إلى المصاهرة والسلم، فأجاب للسلم دون المصاهرة. وصفه ابن زيدون: أصهب، طويل القامة، نحيف، أعور أخشم. مولده سنة ١١٣هـ بدير حنّا من أرض دمشق (وقيل بالعلياء من تدمر)، وأمّه بربرية اسمها راح، ومات سنة ١٧٢هـ (وقيل ١٧١)، ومدّة ملكه ثلاث وثلاثون سنة وأربعة أشهر، وخلّف عشرين ولدًا (أحد عشر ذكرًا وتسع إناث).

هشام بن عبد الرحمن (١٧٢–١٨٠هـ)

ولي بعهد أبيه وهو والٍ على ماردة. جاء عن الضبّي المنجّم أنه نبّأه بمدّة ثمانية أعوام. فُتحت في أيامه أربونة (Narbonne)، واشترط على معاهدي جليقية نقل أحمال من تراب سورها إلى باب قصره بقرطبة فبنى منها المسجد الذي قدّام باب الجنان. غزواته: ألبة والقلاع سنة ١٧٥هـ (وعند ابن عذاري ١٧٦)، وبعث يوسف بن بخت إلى جليقية فهزم ملكها برمند (Vermudo)؛ وسنة ١٧٦ أغزى وزيره عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث ألبة والقلاع؛ وسنة ١٧٧ أربونة وجرندة (Gerona) وأرض برطانة؛ وسنة ١٧٨ بعث عبد الكريم بن عبد الواحد إلى ألبة، وأخاه عبد الملك إلى جليقية فبلغ استرقة (Astorga). جدّد قنطرة قرطبة التي بناها السّمح الخولاني، وأتمّ جامع قرطبة. توفي سنة ١٨٠هـ لسبع سنين وتسعة أشهر من إمارته، وعمره أربعون سنة وأربعة أشهر، ومولده شوّال ١٣٩هـ.

الحكم بن هشام (١٨٠–٢٠٦هـ)

استكثر من المماليك حتى بلغوا خمسة آلاف: ثلاثة آلاف فارس وألفا راجل، وله ألفا فرس مرتبطة على شاطئ النهر بقبليّ قصره. في فتنته مع عمّيه ملك العدوّ برشلونة سنة ١٨٥هـ. وقعة الرَّبَض: ثار به أهل العلم بقرطبة — منهم يحيى بن يحيى الليثي صاحب مالك وطالوت الفقيه — وخلعوه وبايعوا بعض قرابته، وكانوا بالربض الغربي المتصل بقصره، فغلبهم وهدم دورهم ومساجدهم، فلحقوا بفاس وبالإسكندرية، ثم ثاروا بها فزحف إليهم عبد الله بن طاهر وأجازهم إلى جزيرة أقريطش (كريت) فبقوا بها حتى ملكها الإفرنج. سنة ١٩٢هـ حاصر لذريق بن قارله ملك الفرنج طرسونة (وفي البيان: طرطوشة) فبعث الحكم ابنه عبد الرحمن فهزمه؛ وسنة ١٩٦هـ سار بنفسه إلى الفرنج ففتح الحصون؛ وسنة ٢٠٠هـ بعث ابن مغيث إلى بلاد الفرنج فلقيه أليط ملك الجلالقة، وتنازلوا على نهر ثلاث عشرة ليلة ثم قفل المسلمون. كانت المجاعة الشديدة سنة ١٩٧هـ (وعند ابن عذاري ١٩٩). قال ابن حزم في حقّه: كان من المجاهرين بالمعاصي السافكين للدماء، ولذلك قام عليه الفقهاء؛ وعِيب عليه قتل الفقيه يحيى بن مضر القيسي مع جماعة من العلماء. توفي آخر سنة ٢٠٦هـ لسبع وعشرين سنة من ولايته، ومولده ١٥٤هـ.

عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦–٢٣٨هـ)

قدم عليه زرياب المغني من العراق سنة ٢٠٦هـ فركب لتلقّيه وأورث صناعة الغناء بالأندلس. غزواته: ٢٠٨ ألبة والقلاع مع الحاجب عبد الكريم؛ ٢٢٤ عبيد الله البلنسي، وأغار لذريق ملك الجلالقة على مدينة سالم (Medinacelli) فهزمه فرتون بن موسى؛ ٢٢٦ إلى أرض الفرنجة وعلى المقدّمة موسى بن موسى عامل تطيلة (Tudela)؛ ٢٢٩ بعث ابنه محمدًا إلى بنبلونة (Pamplona) فقتل غرسية صاحبها. وفي أيامه ظهر المجوس (النورمان) فدخلوا إشبيلية سنة ٢٣٠هـ ثم شذونة ولبلة وباجة وأشبونة، فهزمتهم العساكر وأُحرقت بعض مراكبهم. سنة ٢٣١هـ حوصرت ليون ورُميت بالمجانيق وتُركت، وعجزوا عن هدم سورها لأن عرضه سبعة عشر ذراعًا فثلموا فيه ثلمة. وأغزى حاجبه عبد الكريم برشلونة وأجاز درب البرت إلى بلاد الفرنجة وحاصر جرندة. سنة ٢٢٥هـ بعث توفلس (Theophilus) ملك القسطنطينية بهدية يطلب مواصلته، فكافأه وبعث إليه يحيى الغزّال. توفي ربيع الآخر سنة ٢٣٨هـ لإحدى وثلاثين سنة من إمارته، ومولده بطليطلة شعبان ١٧٦هـ. زاد في جامع قرطبة رواقين (الشروع سنة ٢٣٤) فأتمّه ابنه محمد. قال ابن سعيد: انتهى مال الجباية في أيامه إلى ألف ألف دينار في السنة بعد أن كان لا يزيد على ستمائة ألف. وعدد ولده مائة وخمسون ذكرًا وخمسون أنثى (وعند ابن عذاري ٤٥ و٤٢).

محمد والمنذر وعبد الله (٢٣٨–٣٠٠هـ)

استمدّ أهل طليطلة المخالفون بملكَي جليقية والبشكنس فأكمن لهم محمد على وادي سليطة، وبلغت عدّة القتلى من أهل طليطلة والمشركين عشرين ألفًا. سنة ٢٤٥هـ ظهرت مراكب المجوس؛ وسنة ٢٤٧هـ أغزى بنبلونة وصاحبها غرسية بن ونقه (García) الذي كان يظاهر أردون بن أذفنش، وأسر فرتون ابن صاحبها فبقي بقرطبة عشرين سنة؛ وسنة ٢٥١هـ بعث أخاه المنذر إلى ألبة، وغزا بنفسه بلاد الجلالقة. وفي أيامه خربت ماردة وهُدمت. توفي صفر ٢٧٣هـ لخمس وثلاثين سنة، ومولده ٢٠٧هـ. ثم المنذر: سنتان إلا نصف شهر، توفي منتصف صفر ٢٧٥هـ. ثم عبد الله: قال ابن خلدون كان خراج الأندلس قبله ثلاثمائة ألف دينار (مائة للجيوش، ومائة للنوائب، ومائة ذخيرة)، فأنفق الوفر لمّا اضطربت النواحي بالثوّار وقلّ الخراج. توفي سنة ٣٠٠هـ ومدّة ملكه نحو خمس وعشرين سنة.

عبد الرحمن الناصر (٣٠٠–٣٥٠هـ)

حفيد عبد الله، ابن ابنه محمد قتيل أخيه المطرّف. وجد الأندلس مضطربة بالمتغلّبين فاستقامت له بعد نيّف وعشرين سنة. أول من تسمّى بأمير المؤمنين من أمويي الأندلس، لمّا بلغه أن مؤنس المظفّر قتل المقتدر سنة ٣١٧هـ [كذا في الأصل، ونبّه المحقق أن الصواب ٣٢٠]. غزواته: ٣٠٨ إلى جليقية وملكها أردون بن أذفونش المستنجد بالبشكنس وشانجة (Sancho) بن غرسية صاحب بنبلونة فهزمهم؛ ٣١٢ بنبلونة؛ ٣٢٢ وخشمة (Osma) وهدم برغش (Burgos)؛ وغزا طوطة (Toda) ملكة البشكنس بعد انتقاضها. وملك سبتة سنة ٣١٧هـ (وعند ابن عذاري ٣١٩) وأطاعه بنو إدريس وملوك زناتة.

غزوة الخندق: وقعت سنة ٣٢٧هـ (وفي النص «ثلاث وعشرين» ونبّه المحقق: اقرأ ٣٢٧). فصّلها المسعودي: غزا الناصر سمّورة دار الجلالقة في مائة ألف أو يزيدون، وكانت الوقعة مع رذمير (Ramiro) في شوّال ٣٢٧هـ بعد الكسوف بثلاثة أيام، فكانت للمسلمين أولًا، ثم ثاب الجلالقة فقتلوا من المسلمين بعد عبورهم الخندق خمسين ألفًا؛ وكان أميّة بن إسحاق (المخالف الناقم على الناصر) هو الذي دلّهم على عورات المسلمين ومنع رذمير من التمام عليهم. وفي رواية أخرى للمسعودي أن سمّورة عليها سبعة أسوار بينها فصلان وخنادق، افتتح منها سورين، وقُتل من المسلمين أربعون ألفًا وقيل خمسون. وبعدها قعد الناصر عن الغزو بنفسه وصار يردّد الصوائف كل سنة.

هدية ابن شهيد (٨ جمادى الأولى ٣٢٧هـ): أهداها الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد، وعدّها ابن خلدون دليلًا على ضخامة الدولة الأموية: خمسمائة ألف مثقال ذهب عين، وأربعمائة رطل تبر، وخمسة وأربعون ألف دينار من سبائك الفضة في مائتي بدرة، وعود هندي، ومائة أوقية مسك (وعند ابن الفرضي مائتان واثنتا عشرة)، وخمسمائة أوقية عنبر، وثلاثمائة أوقية كافور، وثلاثون شقّة حرير مرقوم بالذهب، وفراء الفنك الخراساني، وأربعة آلاف رطل حرير مغزول، وثلاثون بساط صوف طول كل واحد عشرون ذراعًا، وثمانمائة تجفاف، وألف ترس سلطانية، ومائة ألف سهم، وخيل وبغال، وأربعون وصيفًا وعشرون جارية، وقرية تغلّ آلاف الأمداد، ومن الصخر للبنيان ما أُنفق عليه في عام واحد ثمانون ألف دينار، وعشرون ألف عود خشب قيمتها خمسون ألف دينار. فأضعف له الناصر رزق الوزارة وبلّغه ثمانين ألف دينار، وسمّاه «ذا الوزارتين» — أول من تسمّى بها بالأندلس على مثال صاعد بن مخلد وزير بني العباس.

الوفود: سنة ٣٣٦هـ (وعند ابن حيّان: صفر ٣٣٨) وفدت رسل قسطنطين بن ليون (Constantine) ملك القسطنطينية بكتاب في رقّ مصبوغ سماويّ مكتوب بالذهب بالخط الإغريقي، وعليه طابع ذهب وزنه أربعة مثاقيل، فيه صورة المسيح وصورة الملك وولده. وفي ذلك المجلس أُرتج على أبي علي القالي صاحب «الأمالي» (وعند ابن حيّان: على محمد بن عبد البر الكسنياني الذي غُشي عليه)، فقام منذر بن سعيد البلّوطي مرتجلًا فخطب خطبته المشهورة، فولّاه الناصر القضاء ثم قضاء الجماعة بقرطبة؛ ومولده ٢٧٣هـ [وفي النص ٢٦٥ وصوّبه المحقق]، ووفاته ٣٥٥هـ، وله كتب في القرآن والسنّة والورع والرد على أهل الأهواء. ووفدت رسل ملك الصقالبة، وملك الألمان هوتو (Otto)، وملوك الإفرنجة أوقه (Hugues) وكلدة (Guido)، ورسل برشلونة وطركونة، ورسول صاحب رومة. وسنة ٣٤٤هـ طلب أردون السلم، وسنة ٣٤٥ أُدخل فرذلند قومس قشتيلة في عهده، وسنة ٣٤٧ وفدت طوطة ملكة البشكنس بنفسها مع ابنها شانجة وحفيدها غرسية تطلب النصر، فعقد الصلح وردّ غرسية إلى ملك جليقية.

توفي الناصر ثاني (أو ثالث) رمضان سنة ٣٥٠هـ. قال ابن خلدون: خلّف في بيوت الأموال خمسة آلاف ألف ألف ألف ثلاث مرات [كذا في الأصل]. وكان يقسم الجباية أثلاثًا: للجند، وللبناء، وللادّخار؛ وجباية الأندلس يومئذ من الكور والقرى خمسة آلاف ألف وأربعمائة ألف وثمانون ألف دينار، ومن السوق والمستخلص سبعمائة ألف وخمسة وستون ألف دينار. ووُجد بخطّه عدّ أيام السرور التي صفت له دون تكدير فكانت أربعة عشر يومًا في خمسين سنة وستة أشهر (أو سبعة) وثلاثة أيام من الملك.

الحكم المستنصر (٣٥٠–٣٦٦هـ)

بويع ثاني يوم وفاة أبيه بقصر الزهراء، وولّى حجابته جعفر المصحفي. أُهديت له يوم ولايته هدية فيها مائة مملوك إفرنجي على خيول كاملي الشكّة، وثلاثمائة ونيّف وعشرون درعًا، وثلاثمائة خوذة، وثلاثمائة حربة إفرنجية، ومائة ترس، وخمسة وعشرون قرنًا مذهّبة من قرون الجاموس. غزا بنفسه أول أمره بلد فرذلند بن غندشلب (Fernán González) ونازل شنت اشتبين وفتحها عنوة؛ وأغزى مولاه غالبًا بلاد جليقية، ومن أعظم فتوحه قلهرّة من بلاد البشكنس على يد غالب، وقطوبية على يد قائد وشقة. سنة ٣٥٤هـ ابتنى غالب حصن غرماج (Gormaz)، وظهرت مراكب المجوس في البحر الكبير وأفسدت بسائط أشبونة، فأمر قائد البحر عبد الرحمن بن رماحس بتعجيل حركة الأسطول.

سنة ٣٥١هـ وفد عليه أردون بن أذفونش ملك الجلالقة مستجيرًا (وصف ابن حيّان مراسم استقباله بالزهراء وصفًا مفصّلًا: تعبئة الجيوش، وسجود أردون مرارًا، وترجمة وليد بن خيزران قاضي نصارى قرطبة)، فعاقده على موالاة الإسلام ومقاطعة فرذلند، ورهن ولده غرسية. ثم بعث شانجة بن رذمير ببيعته مع قواميس جليقية وسمّورة وأساقفتهم، على شرط هدم الحصون القريبة من ثغور المسلمين. وبعث ملكا برشلونة وطركونة يطلبان تجديد الصلح بهدية: عشرون خصيًّا صقلبيًّا، وعشرون قنطارًا من صوف السمّور، وخمسة قناطير قصدير، وعشرة أدراع صقلبية، ومائتا سيف فرنجية. ووفدت أم لذريق بن بلاشك (Rodrigo Velázquez) القومس الأكبر بالغرب من جليقية فعُقد السلم لابنها.

وكان محبًّا للعلوم جمّاعًا للكتب؛ روى ابن حزم عن تليد الخصيّ صاحب خزانته أن فهارس أسماء الكتب أربع وأربعون فهرسة في كل واحدة عشرون ورقة ليس فيها إلا أسماء الدواوين؛ وقيل إن الكتب كانت أربعمائة ألف مجلد أقاموا ستة أشهر في نقلها. بعث بألف دينار عين إلى أبي الفرج الأصفهاني في كتاب «الأغاني» فبعث إليه بنسخة قبل إخراجه إلى العراق، وفعل مثل ذلك مع القاضي أبي بكر الأبهري في شرحه لمختصر ابن عبد الحكم. ولم تزل هذه الكتب بقصر قرطبة حتى بيع أكثرها في حصار البربر بأمر الحاجب واضح، ونُهب باقيها عند دخول البربر قرطبة عنوة. توفي بقصر قرطبة ثاني صفر سنة ٣٦٦هـ لست عشرة سنة من خلافته، وكان أصابه الفالج.

المنصور بن أبي عامر والدولة العامرية (٣٦٦–٣٩٩هـ)

ولي هشام المؤيد وسنّه تسع سنين (وقال ابن خلدون: قد ناهز الحلم؛ وعند ابن سعيد: ابن اثنتي عشرة سنة). قُتل ليلتئذ المغيرة أخو الحكم المرشّح للأمر، تولّى الفتك به محمد بن أبي عامر بممالأة جعفر بن عثمان المصحفي وغالب مولى الحكم صاحب مدينة سالم وخصيان القصر فائق وجؤذر. وهو محمد بن عبد الله بن أبي عامر المعافري من قرية تركش، ودخل جدّه عبد الملك الأندلس مع طارق. ارتقى بكتابته عن السيدة صبح أم المؤيد، ثم القضاء، ثم الزكاة والمواريث بإشبيلية. استعان بالمصحفي على الصقالبة (فنكبهم وأخرجهم من القصر وكانوا ثمانمائة أو يزيدون)، ثم بغالب — وتزوّج ابنته أسماء في أعظم عرس بالأندلس — على المصحفي فنكبه، ثم بجعفر بن علي بن حمدون صاحب المسيلة (ممدوح ابن هانئ) على غالب، ثم قتل جعفرًا. استدعى زناتة والبربر من العدوة فجنّدهم، وبنى مدينته «الزاهرة» ونقل إليها الخزائن، وتسمّى «الحاجب المنصور»، وحجر على هشام حتى لم يبق له من رسوم الخلافة إلا الدعاء على المنابر واسمه في السكّة والطُّرز. غزا ستًّا وخمسين غزوة (وعند ابن سعيد: نيّف وخمسون، وفي موضع: اثنتان وخمسون) لم تُنكس له فيها راية. سنة ٣٨٦هـ أوقع ابنه عبد الملك بزيري بن عطية ملك مغراوة ونزل فاسًا وملكها، فشُرّد زيري إلى تاهرت وهلك.

من عمرانه: بنى قنطرة على نهر قرطبة الأعظم، ابتدأها سنة ٣٧٨هـ وفرغ منها في النصف من سنة ٣٧٩هـ، وانتهت النفقة عليها إلى مائة ألف وأربعين ألف دينار؛ وقنطرة على نهر إستجّة (شنّيل)؛ وزاد في المسجد الجامع.

غزوة شنت ياقب (Santiago de Compostela): خرج من قرطبة يوم السبت لست بقين من جمادى الآخرة سنة ٣٨٧هـ، وهي غزوته الثامنة والأربعون. أنشأ أسطولًا بقصر أبي دانس (Alcácer do Sal) من ساحل غرب الأندلس، فعقد به جسرًا على نهر دويرة (Douro) بموضع برتقال، وقطع الجبال والأنهار حتى وصل شنت ياقب يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شعبان فوجدها خالية، فهدم مصانعها وأسوارها وكنيستها ووكّل بقبر «ياقب» (يعقوب الحواريّ) من يحفظه ويدفع الأذى عنه. وبلغت الجيوش جزيرة شنت مانكش، وهي غاية لم يبلغها مسلم قبلهم. وكسا في هذه الغزاة القوامس المعاهدين ومَن حسن غناؤه من المسلمين ألفين ومائتين وخمسًا وثمانين شقّة من الخزّ الطرازي، مع أكسية وسقلاطون وديباج وفراء.

توفي المنصور في صفر سنة ٣٩٢هـ (وفي نقل ابن خلدون: ٣٩٤، وصوّب المحقق ٣٩٢) بمدينة سالم منصرفه من غزوة ودُفن هناك، لسبع وعشرين سنة من ملكه. وكان يجمع الغبار العالق بوجهه في غزواته في صرّة عهد بتصييرها في حنوطه، واتخذ أكفانه من غزل بناته. ثم قام ابنه عبد الملك المظفّر فجرى على سنن أبيه سبع سنين وتوفي المحرّم ٣٩٩هـ (وقيل ٣٩٨).

سقوط الخلافة والفتنة البربرية

قام عبد الرحمن (شنجول) بن المنصور فطلب من هشام المؤيد أن يوليه عهده فأجابه، وكُتب العهد من إنشاء أبي حفص بن برد في ربيع الأول سنة ٣٩٨هـ (نصّه محفوظ، وفيه احتجاج بحديث «القحطاني»). فنقم عليه الأمويون والقرشيون تحويل الأمر من المضرية إلى اليمنية، فوثبوا سنة ٣٩٩هـ وقتلوا صاحب الشرطة وخلعوا المؤيد، وبايعوا محمد بن هشام بن عبد الجبار ولقّبوه المهديّ بالله، فانفضّ جمع عبد الرحمن وقُتل واحتُزّ رأسه، وذهبت دولة العامريين.

ثم لحق سليمان المستعين بجنود البربر فبايعوه، ونهض إلى طليطلة واستجاش بابن أذفونش، فهزم المهديَّ وأهل قرطبة واستُلحم منهم ما يزيد على عشرين ألفًا، ودخل قرطبة ختام المائة الرابعة. ثم استجاش المهدي بابن أذفونش ثانيةً فهزم المستعين والبربر بعقبة البقر (Vacar) ودخل قرطبة، ثم كرّ عليه البربر فهزموه. فأخرج المهدي هشامًا المؤيد وبايع له، ثم قُتل المهدي وقام واضح العامري بحجابة المؤيد. ودخل المستعين قرطبة عنوةً سنة ٤٠٣هـ وقتل هشامًا سرًّا. وتوثّبت البرابرة والعبيد على الأعمال، فافترق شمل الجماعة وصار الملك طوائف.

بنو حمّود وآخر الأمويين

أجاز عليّ بن حمّود الحسني وأخوه قاسم (من عقب إدريس) مع البربر، فملكوا قرطبة سنة ٤٠٧هـ وقتلوا المستعين ومحوا ملك بني أمية سبع سنين. قُتل عليّ بالحمّام سنة ٤٠٨هـ، فولي أخوه القاسم «المأمون»، ثم نازعه يحيى ابن أخيه (صاحب سبتة) فأجاز سنة ٤١٠هـ ونزل مالقة، وملك قرطبة سنة ٤١٢هـ ولقّب «المعتلي»، وتقلّبت الأيام بينهما، وهلك المأمون بمحبسه سنة ٤٢٧هـ. وقُتل المعتلي سنة ٤٢٩هـ بدسيسة ابن عبّاد، فولي إدريس «المتأيّد» ثم يحيى ثم الحسن المستنصر ثم إدريس «العالي» (ممدوح ابن مقانا القبذاقي بقصيدته المشهورة)، حتى تغلّب باديس بن حبّوس على مالقة سنة ٤٤٩هـ وانقرضت دولتهم.

وفي خلال ذلك عادت قرطبة إلى بني أمية: بويع المستظهر عبد الرحمن بن هشام في رمضان ٤١٤هـ، فثار عليه بعد شهرين محمد بن عبد الرحمن ولقّب المستكفي (وهو والد الأديبة ولّادة)، ثم خُلع سنة ٤١٦هـ ومات في مفرّه. ثم بايع الوزير أبو الحزم جهور بن محمد وأهل قرطبة هشامًا المعتدّ بالله سنة ٤١٨هـ، فنزل قرطبة آخر ٤٢٠، وخلعه الجند سنة ٤٢٢هـ، وفرّ إلى لاردة فهلك بها سنة ٤٢٨هـ — وانقطعت الدولة الأموية.

ملوك الطوائف والمرابطون

أشهرهم: بنو عبّاد بإشبيلية، وبنو جهور بقرطبة، وباديس بن حبّوس بغرناطة، والبرزالي بقرمونة، واليفرني برندة، وخزرون بشريش، وبنو الأفطس ببطليوس، وبنو ذي النون بطليطلة، وبنو أبي عامر ببلنسية، وبنو هود بسرقسطة، ومجاهد العامري بدانية والجزائر، وبنو رزين بالسهلة، وبنو الفهري بالبونت، وبنو صمادح بالمريّة، والموالي العامريون كخيران وزهير. وكانوا يدارون الطاغية بالجزية.

سقطت طليطلة سنة ٤٧٨هـ: خرج عنها القادر بن ذي النون لابن أذفونش على شرط أن يظاهره على أهل بلنسية. ولمّا ضايق الطاغية المسلمين في الجزية قتل المعتمدُ اليهوديَّ رسولَ الجزية، ثم أجاز البحر مستصرخًا يوسف بن تاشفين اللمتوني، فالتقوا بالطاغية في الزلاّقة فكانت الهزيمة المشهورة على النصارى؛ وذكر بعض المؤرخين أن عدد النصارى كان ثلاثمائة ألف ولم ينجُ منهم إلا القليل. وكان المعتمد أعطى يوسف الجزيرة الخضراء ليتمكّن من الجواز. ثم أجاز يوسف فخلع ملوك الطوائف واستولى على قرطبة وإشبيلية وبطليوس وغرناطة، ونقل المعتمد إلى أغمات سنة ٤٨٤هـ فمات معتقلًا سنة ٤٨٨هـ.

ومن بني هود: المقتدر، وابنه يوسف المؤتمن القائم على العلوم الرياضية وله فيها «الاستكمال» و«المناظر»؛ ثم المستعين أحمد، وعلى يده كانت وقعة وشقة (Huesca) سنة ٤٨٩هـ زحف فيها في آلاف لا تُحصى ليدفع الطاغية عنها، فلقيه الطاغية وهزمه، وهلك من المسلمين نحو عشرة آلاف؛ وقُتل المستعين شهيدًا سنة ٥٠٣هـ بظاهر سرقسطة. وأخرج الطاغية ابنه عماد الدولة من سرقسطة سنة ٥١٢هـ. ومن بني الأفطس: المظفّر صاحب التأليف «المظفّري» في نحو خمسين مجلدًا، والمتوكل قُتل على يد جيش يوسف بن تاشفين ورثاه ابن عبدون بقصيدته المشهورة.

الموحّدون: الأرك والعقاب

حارب الموحدون (عبد المؤمن بن علي وبنوه) لمتونةَ وأزالوا ملكهم بالمغرب ثم أجازوا إلى الأندلس. هزم عبد المؤمن ابنَ مردنيش وقائده ابن همشك بفحص غرناطة، واستخلص غرناطة سنة ٥٥٧هـ.

غزوة الأرك سنة ٥٩١هـ على يد يعقوب المنصور (والأرك عند المقّري: موضع بنواحي بطليوس)، تضاهي الزلاقة أو تزيد: قيل إن عدّة قتلى الفرنج مائة ألف وستة وأربعون ألفًا، والأسرى ثلاثون ألفًا، والخيام مائة ألف وستة وخمسون ألف خيمة، والبغال مائة ألف، والحمير أربعمائة ألف؛ حتى بيع الأسير بدرهم، والسيف بنصف درهم، والفرس بخمسة دراهم. ونجا الفنش إلى طليطلة فحلق رأسه ولحيته ونكس صليبه، ثم لقيه يعقوب وحاصر طليطلة بالمجانيق، فخرجت إليه والدة الأذفونش وبناته ونساؤه فرقّ لهنّ ومنّ عليهنّ بالبلد ورجع إلى قرطبة يقسم الغنائم شهرًا، ثم صالح الفنش.

وفي سنة ٥٨٧هـ أرسل صلاح الدين بن أيوب شمسَ الدين بن منقذ إلى يعقوب يستنجده بالأسطول على الفرنج بساحل البلاد المقدّسة، ولم يخاطبه بأمير المؤمنين فلم يجبه إلى طلبه؛ وعاد ابن منقذ سنة ٥٨٨هـ بغير فائدة وبهدية حقيرة، غير أن يعقوب أحسن إليه لبيته وفضله فأعطاه عن كل بيت من قصيدته (وعدّتها أربعون بيتًا) ألفًا.

وقعة العقاب: أجاز الناصر بن المنصور إلى الأندلس سنة ٦٠٩هـ بجنود لا تُحصى، حتى حكى بعض مؤرخي المغرب أنه اجتمع معه من أهل الأندلس والمغرب ستمائة ألف مقاتل، فمُحّص المسلمون بالموضع المعروف بالعقاب واستُشهد منهم عدّة. ويعدّها المقّري سببَ ضعف المغرب والأندلس معًا: خلاء قرى المغرب، وطمع العدوّ في الأندلس؛ إذ التاث أمر الموحدين بعد الناصر، وانتزى «السادة» في النواحي، وصاروا يستجيشون بالطاغية بعضهم على بعض ويسلّمون إليه حصون المسلمين.

بنو الأحمر وسقوط المدن

ثار محمد بن يوسف بن هود الجذامي بمرسية يخطب للعباسي، ثم خرج عليه محمد بن يوسف بن نصر ابن الأحمر (من أرجونة من حصون قرطبة، ينتسب إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج)، فبويع سنة ٦٢٩هـ، وأطاعته جيّان وشريش سنة ٦٣٠، ودخل إشبيلية سنة ٦٣٢، وتغلّب على غرناطة سنة ٦٣٥هـ فابتنى بها حصن الحمراء لنزوله، ثم مالقة، ثم المريّة سنة ٦٤٣، ثم لورقة سنة ٦٦٣. وكان أول أمره وصل يده بالطاغية استظهارًا. وتساقطت المدن: قرطبة سنة ٦٣٣هـ، وإشبيلية صلحًا سنة ٦٤٦هـ (وابن الأحمر مع الطاغية)، ومرسية سنة ٦٦٥هـ، ثم أُخذت من الواثق بن المتوكل سنة ٦٦٨هـ. ولم يزل الطاغية يقتطع ممالك المسلمين كورةً كورةً وثغرًا ثغرًا حتى لجأ المسلمون إلى سيف البحر ما بين رندة وإلبيرة نحو عشر مراحل طولًا ومرحلة أو دونها عرضًا. توفي الشيخ ابن الأحمر سنة ٦٧١هـ، فولي ابنه محمد الفقيه وأجاز إلى يعقوب بن عبد الحق سلطان فاس سنة ٦٧٢هـ يستصرخه، فأجازت جيوش بني مرين وتسلّموا الجزيرة الخضراء وطريف، وهُزم زعيم النصرانية دنّنه (Don Nuño).

وقعة غرناطة سنة ٧١٩هـ: ألّب ملوك النصارى على غرناطة، وجاءها الطاغية دون بطره (Don Pedro) في جيش لا يُحصى ومعه خمسة وعشرون ملكًا بعد أن استفتى البابا بطليطلة في استئصال ما بقي من المسلمين. والسلطان يومئذ أبو الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر، فندب شيخ الغزاة أبا سعيد عثمان بن أبي العلاء المريني، فخرج يوم الخميس الموفي عشرين لربيع الأول، ثم ركب يوم الأحد في خمسة آلاف من الأبطال فانهزم الفرنج أقبح هزيمة وتُبعوا ثلاثة أيام. الغنائم: ثلاثة وأربعون قنطارًا من الذهب، ومائة وأربعون قنطارًا من الفضة، وسبي كثير؛ وزادت عدّة القتلى على خمسين ألفًا، ويقال هلك مثلهم بالوادي لجهلهم بالطريق؛ وقُتل الملوك الخمسة والعشرون جميعهم، واستمرّ بيع الأسرى ستة أشهر. ولم يُقتل من المسلمين سوى ثلاثة عشر فارسًا (وقيل عشرة)، وكان عسكر الإسلام نحو ألف وخمسمائة فارس وأربعة آلاف راجل. وسُلخ دون بطره وحُشي جلده قطنًا وعُلّق على باب غرناطة سنوات. ثم عُقدت الهدنة بعد أن ملك النصارى جبل الفتح (جبل طارق).

وبقي الجبل بيد العدوّ نيّفًا وعشرين سنة، حتى ارتجعه السلطان أبو الحسن المريني بعد حصار ستة أشهر، وأنفق على بنائه وسوره وأبراجه وجامعه ودوره أحمال المال، وزاد في تحصينه ابنه أبو عنان. غير أن الطاغية هزم أبا الحسن وابن الأحمر في وقعة طريف واستولى على الجزيرة الخضراء، حتى استرجعها الغنيّ بالله محمد (وزيره لسان الدين بن الخطيب) مع جيّان وغيرها.

وختم المقّري بنقش قبر شيخ الغزاة عثمان بن أبي العلاء بن إدريس بن عبد الله بن عبد الحق: عاش ثمانيًا وثمانين سنة، واستوفى في المشهور سبعمائة واثنتين وثلاثين غزوة، وتوفي يوم الأحد الثاني من ذي الحجة سنة ٧٣٠هـ.

الباب الرابع (أ): في ذكر قرطبة وجامعها الأموي

موقعها وكورها ومسافاتها

قال ابن سعيد: مملكة قرطبة (Córdoba) في الإقليم الرابع، وفيها معدن الفضة الخالصة بقرية كرتش، ومعدن الزئبق والزنجفر ببلد بسطاسة، وأرضها كريمة النبات. وقدّمها في «المغرب» على سائر أقطار الأندلس لأن سلاطين الأندلس الأُوَل اتخذوها سريرًا للملك، ولأن بني أمية وخلفاءهم أداروا خلافتهم في ثلاثة أقطاب: قرطبة، والزهراء، والزاهرة. وأفرد لها كتاب «الحلة المذهبة في حلى ممالك قرطبة» في أحد عشر كتابًا بحسب الكور: الحلة الذهبية (الكورة القرطبية)، والدرر المصونة (بلكونة)، ومحادثة السمير (القصير)، والوشي المصوّر (المدوّر)، ونيل المراد (مراد)، والمزنة (كزنة)، والدر النافق (غافق)، والنفحة الأرجة (إستجة)، والكواكب الدرّية (الكورة القبرية)، ورقة المحبة (إستبة)، والسوسانة (اليسّانة). ثم قسّم «الحلة الذهبية» خمسة كتب: النغم المطربة (حضرة قرطبة)، والصبيحة الغرّاء (الزهراء)، والبدائع الباهرة (الزاهرة)، والوردة (شقندة)، والجرعة السيّغة (كورة وزغة).

والمسافات: بين المدوّر وقرطبة ١٦ ميلًا، وبينها وبين مراد ٢٥ ميلًا، والقصير ١٨، وإستبة ٣٦، واليسّانة ٤٠، وقبرة ٣٠، وإستجة ٣٠؛ وإلى غافق وبلكونة وبيّانة مرحلتان لكلٍّ. وكورة رندة كانت قديمًا من عمل قرطبة ثم صارت إلى إشبيلية. ونقل ابن سعيد عن رسالة الشّقندي أن العمارة اتصلت بين قرطبة والزهراء والزاهرة حتى كان يُمشى فيها عشرة أميال على ضوء السُّرج المتصلة.

الاسم والنشأة

اختُلف في ضبط اسمها: في كتاب «أجار» (وهو «نزهة المشتاق» للإدريسي المؤلَّف لروجر Roger ملك صقلية النورمندي) أنها «قرظبة» بالظاء، ومعناه «أجر ساكنها»؛ وفي «فرحة الأندلس» لابن غالب أنه اسم يوناني تأويله «القلوب المشكّكة»؛ وقال البكري إنها بالظاء في لفظ القوط؛ وقال الحجاري بإهمال الطاء وضمّها. وذكر ابن حيان والرازي والحجاري أن أكتبيان (Octavian) ثاني قياصرة الروم أمر ببناء المدن العظيمة بالأندلس، فبُنيت في مدته قرطبة وإشبيلية وماردة وسرقسطة، وكان ذلك قبل ميلاد المسيح بثمانٍ وثلاثين سنة. وانفرد الحجاري بأنه وجّه أربعة من أعيان ملوكه فبنى كلٌّ مدينةً في جهته وسمّاها باسمه. ثم تداولتها ولاة الروم ثم القوط، ولم تكن في الجاهلية سريرًا لسلطنة الأندلس بل كرسيًّا لخاصّ مملكتها، حتى افتتحها المسلمون سنة ٩٢هـ زمن الوليد بن عبد الملك (كما في «مناهج الفكر»)، فصارت قطب الخلافة المروانية وتبعتها إشبيلية وطليطلة بعد أن كان الأمر بالعكس.

أرقام العمران: الدور والسور والأرباض والأبواب

ذكر الإدريسي أن دور مدينة قرطبة ثلاثون ألف ذراع. وقال غيره: مساحتها التي دار السور عليها دون الأرباض طولًا من القبلة إلى الجوف ألف وستمائة ذراع؛ واتصلت العمارة بها أيام بني أمية ثمانية فراسخ طولًا وفرسخين عرضًا، أي أربعة وعشرون ميلًا في الطول وستة في العرض، كلها ديار وقصور ومساجد وبساتين بطول ضفة الوادي الكبير — وليس في الأندلس وادٍ يحمل اسمًا عربيًّا غيره. وقال قائل آخر: دور المسوَّر منها دون الأرباض ثلاثة وثلاثون ألف ذراع، ودور قصر إمارتها ألف ومائة ذراع. وفي موضع آخر من الكتاب: دور قرطبة أربعة عشر ميلًا وعرضها ميلان، وعلى نهرها جسران، وبها معدن الفضة ومعدن الشاذنج (حجر الدم)، وكانت تُجلب منها البغال فتُباع الواحدة بخمسمائة دينار.

ولم تزل قرطبة في الزيادة من الفتح إلى سنة ٤٠٠هـ، ثم انحطت واستولى عليها الخراب بكثرة الفتن، إلى أن أخذها النصارى في ٢٣ شوال سنة ٦٣٣هـ (وفي نسخة: ٢٢ شوال سنة ٦٢٣). وبلغت جباية قرطبة أيام ابن أبي عامر ثلاثة آلاف ألف دينار — ونبّه المقري إلى أنه ذكر في موضع آخر ما يخالف هذا الرقم. وبخارج قرطبة ثلاثة آلاف قرية، في كل واحدة منبر وفقيه «مقلِّص» (يلبس القلنسوة) إليه الفتيا، ولا يُقلَّص إلا من حفظ الموطأ، وقيل: من حفظ عشرة آلاف حديث والمدوّنة؛ وكانوا يحضرون الجمعة مع الخليفة ويطالعونه بأحوال بلدهم.

وأرباضها واحد وعشرون ربضًا، في كل ربض من المساجد والأسواق والحمامات ما يقوم بأهله: اثنان قبليّان بعدوة النهر (شقندة، ومنية عجب)، وتسعة غربية (حوانيت الريحان، والرقّاقين، ومسجد الكهف، وبلاط مغيث، ومسجد الشفاء، وحمّام الإلبيري، ومسجد المسرور، ومسجد الروضة، والسجن القديم)، وثلاثة شمالية (باب اليهود، ومسجد أم سلمة، والرصافة)، وسبعة شرقية (شبلار، وفرن برّيل، والبرج، ومنية عبد الله، ومنية المغيرة، والزاهرة، والمدينة العتيقة). ووسطها قصبة قرطبة المختصة بالسور؛ وكانت الأرباض بلا سور، فلما كانت الفتنة صُنع لها خندق دائر وحائط مانع، ذكر ابن غالب أن دوره أربعة عشر ميلًا (وفي نسخة: أربعة وعشرون). وشقندة معدودة في المدينة لأنها مدينة قديمة مسوّرة.

وعدّ ابن بشكوال أبواب قرطبة سبعة، ثم سمّى ثمانية: باب القنطرة (ويعرف بباب الوادي وباب الجزيرة الخضراء) جهة القبلة على النهر، وباب الحديد (باب سرقسطة)، وباب ابن عبد الجبار (باب طليطلة)، وباب رومية — وفيه تجتمع الرُّصُف الثلاثة الممتدة من جزيرة قادس إلى قرمونة إلى قرطبة إلى سرقسطة إلى طرّكونة إلى أربونة (Narbonne) — وباب طلبيرة (باب ليون)، وباب عامر القرشي وقدّامه المقبرة المنسوبة إليه، وباب الجوز (باب بطليوس)، وباب العطّارين (باب إشبيلية). وقال ابن حوقل: هي أعظم مدينة بالأندلس، لا شبيه لها بالمغرب في كثرة أهل وسعة محلّ وفسحة أسواق وكثرة حمامات وفنادق، ويزعم قوم من أهلها أنها كأحد جانبي بغداد؛ وهي حصينة ذات سور من حجارة؛ قال: ودُرت بها ماشيًا في قدر ساعة، وقد قطعت الشمس خمس عشرة درجة.

القصر وقصوره

قال ابن بشكوال: قصر قرطبة قصر أوّليّ تداولته الأمم، وفيه من المباني الأولية وآثار اليونانيين ثم الروم والقوط ما يعجز عنه الوصف؛ ثم أحدث فيه خلفاء بني مروان الرياض، وأجروا إليه المياه العذبة المجلوبة من جبال قرطبة على المسافات البعيدة في قنوات الرصاص، تؤدّيها صور من الذهب الإبريز والفضة الخالصة والنحاس المموّه إلى البِرَك والصهاريج في أحواض الرخام الرومية. ومن قصوره وبساتينه: الكامل، والمجدَّد، وقصر الحائر، والروضة، والزاهر، والمعشوق، والمبارك، والرشيق، وقصر السرور، والتاج، والبديع. ومن أبوابه: بابٌ عليه السطح المشرف، وعليه باب حديد فيه حِلَق «لاطون» (Laton، النحاس الأصفر) على صورة إنسان فاتح فمه، وهي حِلَق باب مدينة أربونة بأرض الإفرنج، افتتحها الأمير محمد فجلب حلقها إلى هذا الباب؛ وباب الجنان القِبْلي، وباب الوادي، وباب قورية بشماليّه، وباب الجامع الذي كان يدخل منه الخلفاء يوم الجمعة إلى المسجد الجامع على الساباط. وأبواب أخرى طُمست أيام فتنة المهدي بن عبد الجبار. وقدّام بابين منها على الرصيف المشرف على النهر مسجدان كان الأمير هشام الرضى يستعمل الحكم في المظالم فيهما.

النهر والقنطرة

نهر قرطبة (الوادي الكبير) منبعه من جهة شقورة (Segura)، يمرّ نصفه إلى مرسية مشرقًا ونصفه إلى قرطبة وإشبيلية مغربًا، وهو أصغر عند قرطبة منه عند إشبيلية. والقنطرة التي عليه من أعظم آثار الأندلس: قال ابن حيان أقواسها سبع عشرة قوسًا، وبانيها السمح بن مالك الخولاني صاحب الأندلس بأمر عمر بن عبد العزيز سنة ١٠١هـ، وشيّدها بنو أمية بعده وحسّنوها؛ وقيل كانت في المكان قنطرة من بنيان الأعاجم قبل دخول العرب بنحو مائتي سنة، سقطت حناياها وبقيت أرجلها فبنى السمح عليها. وقال صاحب «مناهج الفكر» إنها إحدى أعاجيب الدنيا، بُنيت زمن عمر بن عبد العزيز على يد عبد الرحمن بن عبيد الله الغافقي، طولها ثمانمائة ذراع، وعرضها عشرون باعًا، وارتفاعها ستون ذراعًا، وحناياها ثماني عشرة حنية، وأبراجها تسعة عشر برجًا (فيتعارض عدد الحنايا مع رواية ابن حيان).

الرصافة والمنتزهات

منية الرصافة: ابتناها عبد الرحمن بن معاوية الداخل في أول أيامه بشمال قرطبة منحرفة إلى الغرب، فاتخذ بها قصرًا وجنانًا واسعة، ونقل إليها غرائب الغروس، وأودعها ما استجلبه رسولاه يزيد وسفر من الشأم من النوى المختار والحبوب الغريبة، وسمّاها باسم رصافة جده هشام بالشأم. ومنها انتشر «الرمّان السَّفَري»: أفرد له ابن حيان فصلًا، وذكر أن سفر بن عبيد الكلاعي من جند الأردن أخذ حبّة من رمّان الرصافة المجلوب من الشام فعالج عجمه بقرية بكورة رِيّة حتى أثمر، فنُسب النوع إليه. ومن المنتزهات: الدمشق بقرطبة (قصر شيّده بنو أمية بالصفّاح والعمد، حاكوا به قصرهم بالمشرق)؛ والمنية المصحفية (لجعفر بن عثمان المصحفي حاجب الحكم المستنصر، وآلت إلى المنصور بن أبي عامر مع سائر ملكه)؛ ومنية الزبير (نسبةً إلى الزبير بن عمر الملثَّم والي قرطبة في عهد المرابطين)؛ والقصر الفارسي؛ ومرج الخزّ؛ وفحص السرادق؛ والسدّ (وهو الأرحاء). وقصر السيد أبي يحيى بن أبي يعقوب بن عبد المؤمن على متن النهر تحمله أقواس، بناه — على انحرافه عن أهل قرطبة — ليبقى له أثر يُذكر به.

أهل قرطبة وكتبهم

نقل ابن سعيد عن أبيه أن قرطبة أحسن بلاد الأندلس مبانيَ وأوسعها، ولأهلها رياسة ووقار وسِمة علم متوارثة، إلا أن عامّتها أكثر الناس تشنيعًا، ويُضرب بهم المثل في القيام على الملوك؛ وقال السيد أبو يحيى بن أبي يعقوب بن عبد المؤمن لما انفصل عن ولايتها إنهم كالجمل لا يُدرى أين رضاه من سخطه، وإن العزل عنها عنده ولاية. ومن محاسنهم ظرف اللباس والمواظبة على الصلاة وتعظيم الجامع الأعظم وكسر أواني الخمر. وهي أكثر بلاد الأندلس كتبًا وأشدّ الناس اعتناءً بخزائن الكتب، حتى صار ذلك من آلات التعيّن والرياسة، فيقتني الرئيسُ الجاهلُ خزانةً ليقال إن عنده خزانة كتب — وأورد المقري حكاية الحضرمي مع رئيس زايده في سوق كتب قرطبة على كتابٍ لا يفقه ما فيه إنما ليتجمّل به. وفي مناظرة بين أبي الوليد بن رشد وأبي بكر بن زهر بحضرة منصور بني عبد المؤمن قال ابن رشد: إذا مات عالم بإشبيلية حُملت كتبه لتباع بقرطبة، وإذا مات مطرب بقرطبة حُملت تركته لتباع بإشبيلية.

الفتنة البربرية ودولة بني حمّود بقرطبة

من أسباب سلب محاسن قرطبة عيثُ البربر بها في دخولهم مع سليمان المستعين الأموي. وعليّ بن حمّود من ولد إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (وجدّهم إدريس هرب من هارون الرشيد إلى البربر، وابنه إدريس بنى فاس)؛ ودسّ إليه هشام المؤيد وهو محبوس أن الدولة صائرة إليه وأن يأخذ بثأره. بويع بقرطبة يوم قتل سليمان المستعين، وأحسن السيرة نحو ثمانية أشهر، ثم تغيّر لما بلغه قيام المرتضى المرواني بشرق الأندلس، فأغضى للبربر وهدم المنازل ووضع المغارم؛ فقتله صبيان من صقالبة بني مروان في الحمّام غرّة ذي القعدة سنة ٤٠٨هـ؛ ومدته نحو عامين، وقيل: أحد وعشرون شهرًا وستة أيام. ومن شعرائه ابن الحنّاط القرطبي الأعمى (ت ٤٣٧هـ) وعبادة بن ماء السماء وابن درّاج القسطلّي.

وخلفه أخوه القاسم بن حمّود — أكبر منه بعشر سنين، وكان واليًا على إشبيلية — فبويع بقرطبة بعد ستة أيام من قتل أخيه، واقتنى السودان وقوّدهم فأنفت البرابرة. وفي سنة ٤٠٩هـ قام عليه المرتضى عبد الرحمن (من أعقاب الناصر)، واجتمع له أكثر ملوك الطوائف ومعه منذر التجيبي صاحب سرقسطة وخيران العامري الصقلبي صاحب المرية وجمع من الفرنج؛ ثم فسدت نيّة منذر وخيران فكاتبا ابنَ زيري الصنهاجي المتغلب على غرناطة على خذلان المرتضى، فتحارب معه وانخذل بانصراف أعلامهما، وقُتل قرب وادي آش وحُمل رأسه إلى المرية. ثم خلع يحيى بن علي بن حمّود — من سبتة، بإعانة أخيه إدريس صاحب مالقة — طاعة عمّه، فَفَرّ القاسم إلى إشبيلية في خمسة فرسان ليلة السبت ٢٨ ربيع الآخر سنة ٤١٢هـ (وفي نسخة ٤١٣)، وبويع يحيى بقرطبة مستهل جمادى الآخرة. ثم فرّ يحيى إلى مالقة، فعاد القاسم وخُطب له بقرطبة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة ٤١٣هـ. ثم وقع الخلاف بين البربر وأهل قرطبة فأخرجوا القاسم، وقاتلهم خمسين يومًا، وبنى القرطبيون أبواب مدينتهم ثم خرجوا خرجة رجل واحد فظفروا، وكان فراره يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ٤١٤هـ. وبإشبيلية كان ابنه محمد بن القاسم واليًا ومدبّره محمد بن زيري وقاضيها محمد بن عباد جدّ المعتمد، فعمل القاضي لنفسه وأغلق الأبواب واستقلّ بالأمر. ثم حاصر يحيى عمّه القاسم بشريش عشرين يومًا فقهره وحمله بقيد إلى مالقة، ثم قتله خنقًا سنة ٤٢٧هـ بعد ثلاث عشرة سنة من حبسه.

وبويع المستظهر بقرطبة نصف رمضان سنة ٤١٤هـ بعد أن كان عقد البيعة قد كُتب باسم سليمان بن المرتضى؛ ورفع أتباعًا منهم أبو عامر بن شهيد وأبو محمد ابن حزم وابن عمه عبد الوهاب بن حزم، واشتغل معهم بالأدب، وأخرج من السجن رجلًا يقال له أبو عمران على خلاف مشورة وزرائه، فسعى المخرَجون من الحبوس في خلعه مع البرابر، فقُتل في ذي القعدة من السنة نفسها بعد سبعة وأربعين يومًا من مبايعته، وعمره ثلاث وعشرون سنة. ثم آل أمر قرطبة إلى ابن جهور في صورة الوزارة، ثم إلى ابنه، ثم أخذها المعتمد بن عباد، ثم الملثّمون (المرابطون) فالموحّدون، إلى أن تسلّمها النصارى.

غزو قرطبة في عهد الغني بالله

أورد المقري رسائل للسان الدين بن الخطيب كتبها عن سلطانه أبي عبد الله محمد الغني بالله بن أبي الحجاج بن أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر، من حمراء غرناطة إلى سلطان بني مرين، يخبره فيها بغزو قرطبة: التقى الغرناطيون بحليفهم سلطان قشتالة عند قاشرة، ونزلوا على فرسخ من عدوة النهر الأعظم خارج المدينة، وملكوا بعض أسوار القنطرة العظمى، وأقاموا على حصارها خمسة أيام، فحال المطر دون الإجهاز، فانصرفوا إلى تخريب العمران وإحراق الزروع وعقر الأشجار، ثم نزلوا على حصن أندوجر (Andújar) فامتنع عليهم فاكتسحوا أحوازه. وفي رسالة ثانية: عادوا إلى قرطبة فأحرقوا زروعها من جانبي واديها، وخاضوا «الفرنتيرة» (La Frontera)، ثم عرّجوا على جيّان؛ وذكر أن ذلك العام اشتمل على أربع غزوات. وقد ألمّ لسان الدين بذكر قرطبة أيضًا في كتاب كتبه على لسان سلطانه إلى رسول الله ﷺ.

الجامع الأموي

شاع على ألسنة الناس في البلاد المشرقية أن جامع قرطبة ثلاثمائة ونحو ستين طاقًا على عدد أيام السنة، وأن الشمس تدخل كل يوم من طاق حتى يتمّ الدور ثم تعود؛ وردّ المقري ذلك بأنه لم يقف عليه في كلام مؤرخي المغرب والأندلس، ولو كان لذكروه إذ هو من أعجب ما يُسطر، وقد ذكروا ما هو دونه. وذكر صاحب «نشق الأزهار» (ابن إياس الحنفي، ت ٩٣٠هـ) أن في الجامع تنّورًا من نحاس أصفر يحمل ألف مصباح، أُحكم عمله في سبع سنين، وأن فيه ثلاثة أعمدة من رخام أحمر: على أحدها اسم محمد، وعلى الثاني صورة عصا موسى وأهل الكهف، وعلى الثالث صورة غراب نوح، خلقها الله ولم يصنعها صانع — واستبعد المقري ذلك أيضًا، لأن محقّقي مؤرخي الأندلس وثقاتهم لم يذكروه، ولأن القاضي عياضًا حكى في «الشفاء» أشياء وُجد عليها اسم النبي ﷺ ولم يذكر هذا. وقال الرازي: بقرطبة الجامع الذي ليس في بلاد الأندلس والإسلام أكبر منه، وبها القنطرة التي هي إحدى غرائب الأرض. (ولم يَرِد في هذا المقطع تفصيل بناء الجامع وتوسعاته وأبعاده وسواريه ومقصورته ومنبره ونفقاته؛ وأحال المقري على رسالة الشّقندي في الباب السابع.)

الزهراء

حكى ابن عربي في «المسامرات» أنه وقف على مدينة الزهراء بعد خرابها وصيرورتها مأوى الطير والوحش. وأورد خبرًا في سبب بنائها: أن الناصر ماتت له سرّية وتركت مالًا كثيرًا فأمر أن يُفكّ به أسرى المسلمين، فطُلب في بلاد الإفرنج أسير فلم يوجد، فسألته جاريته الزهراء أن يبني لها مدينة باسمها، فبناها تحت جبل العروس شمال قرطبة، وبينها وبين قرطبة نحو ثلاثة أميال، ونقش صورتها على الباب؛ ولما شكت سواد الجبل من ورائها أمر بقطع شجره وغرسه تينًا ولوزًا.

وأورد ابن خلكان في ترجمة المعتمد بن عباد، نقلًا عن ابن بشكوال: أن الزهراء (Madīnat al-Zahrāʾ) من عجائب أبنية الدنيا، أنشأها عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الناصر في أول سنة ٣٢٥هـ بالقرب من قرطبة، ومسافة ما بينهما أربعة أميال وثلثا ميل؛ وطولها من الشرق إلى الغرب ألفان وسبعمائة ذراع، وعرضها من القبلة إلى الجنوب ألف وخمسمائة ذراع، وعدد السواري فيها أربعة آلاف وثلاثمائة سارية، وعدد أبوابها يزيد على خمسة عشر ألف باب. وكان الناصر يقسم جباية البلاد أثلاثًا: ثلث للجند، وثلث مدّخر، وثلث يُنفقه على عمارة الزهراء؛ وكانت جباية الأندلس خمسة آلاف ألف دينار وأربعمائة وثمانين ألف دينار، ومن السوق والمستخلص سبعمائة ألف دينار وخمسة وستون ألف دينار.

وأدرج المقري استطرادًا في تعظيم شأن البناء (ونسب بيتين في ذلك إلى الناصر قالهما في الزهراء)، أورد فيه قصائد لابن حمديس الصقلي (ت ٥٢٧هـ) في دار للمعتمد وفي قصر بناه المنصور ببجاية بما فيه من برك وأشجار ذهب وفضة وأسود تقذف الماء، ولأبي الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي (وُلد بدانية سنة ٤٦٠هـ، ت ٥٢٩هـ، طبيب شاعر صاحب «الحديقة» و«الرسالة المصرية») في قصر بمصر يسمى «منزل العز» وفي الهرمين والرصد؛ ثم فصلًا في البكاء على خراب العمران نقل فيه من كلام الفتح بن خاقان وابن الأثير الجزري والشريف الرضي والبحتري وابن خفاجة — وكلها نصوص أدبية لا وقائع فيها.

الباب الرابع (ب): مدينة الزهراء والمنارة وأخبار البنيان

الزهراء: الشروع والنفقة والعمّال

نقل المقّري عن بعض من أرّخ الأندلس أنه كان يتصرّف في عمارة الزهراء (Madīnat al-Zahrāʾ) كل يوم عشرة آلاف رجل من الخدام والفعلة وألف وخمسمائة دابة؛ منهم من أجره درهم ونصف، ومنهم من له الدرهمان والثلاثة؛ ويُصرف فيها كل يوم ستة آلاف صخرة منحوتة معدَّلة سوى الآجرّ والصخر غير المعدَّل.

وذكر ابن حيّان أن الناصر عبد الرحمن ابتدأ بناءها أوّل يوم من محرم سنة ٣٢٥، وجعل طولها من الشرق إلى الغرب ألفين وسبعمائة ذراع، وتكسيرها تسعمائة ألف ذراع وتسعين ألف ذراع — وعلّق المقّري: «كذا نقله بعضهم، وللنظر فيه مجال». وكان يُثيب على كل رخامة كبيرة أو صغيرة بعشرة دنانير سوى نفقة القطع والنقل والحمل.

وروى ابن حيّان عن خطّ ابن دحون عن مسلمة بن عبد الله العريف المهندس: أن البناء بدئ أوّل سنة ٣٢٥، وأنه كان يخدم فيها كل يوم ألف وأربعمائة بغل — أربعمائة زوامل الناصر، وألف من دواب الأكرياء الراتبة، لكل بغل ثلاثة مثاقيل في الشهر (ثلاثة آلاف مثقال شهريًّا) — وأنه كان يَرِد الزهراء من الجيار والجصّ في كل ثالث يوم ألف ومائة حِمل، وأن فيها حمّامين: للقصر وللعامة.

وقدّر بعض أهل الخدمة النفقةَ بثلاثمائة ألف دينار في العام مدةَ خمسة وعشرين عامًا بقيت من دولة الناصر (توفّي سنة ٣٥٠)، فبلغ جميع الإنفاق خمسةَ عشر بيتَ مال. وقيل: بلغت النفقة مائة مديٍ من الدراهم القاسمية بكيل قرطبة، وقيل ثمانين مديًا وسبعة أقفزة. واتصل البنيان خمسًا وعشرين سنة في أيام الناصر — شطرَ خلافته — ثم خلافةَ ابنه الحكم كلَّها (خمسة عشر عامًا وأشهرًا)، فنحو أربعين سنة.

الرخام والسواري والحوض والتماثيل

جُلب الرخام الأبيض من المرية، والمجزَّع من ريّة، والورديّ والأخضر من إفريقية (إسفاقس وقرطاجنة)، وفي رواية: من قرطاجنة وإفريقية وتونس، وجالبوه عبد الله بن يونس عريف البنّائين، وحسن، وعليّ بن جعفر الإسكندراني. وقال بعض الثقات: كان يصلهم على كل رخامة صغيرة بثلاثة دنانير، وعلى كل سارية بثمانية دنانير سجلماسية؛ وكان عدد السواري المجلوبة من إفريقية ألفًا وثلاث عشرة سارية، وسائرها من مقاطع الأندلس (طرّكونة وغيرها).

وذكر ابن حيّان أن مباني قصر الزهراء اشتملت على أربعة آلاف سارية وثلاثمائة واثنتي عشرة سارية، ما بين حاملة ومحمولة، منها ما جُلب من رومة (Roma) وما أهداه صاحب القسطنطينية (Constantinopolis)، وأن مصاريع أبوابها تنيّف على خمسة عشر ألف باب، كلها ملبَّسة بالحديد والنحاس المموَّه.

والحوض المنقوش المذهَّب جلبه أحمد اليوناني من القسطنطينية مع ربيع الأسقف القادم من إيلياء؛ والحوض الصغير الأخضر المنقوش بتماثيل الإنسان من الشام، وقيل من القسطنطينية. ونصبه الناصر في بيت المنام من المجلس الشرقي المعروف بـ«المؤنس»، وجعل عليه اثني عشر تمثالًا من الذهب الأحمر مرصَّعة بالدر، عُملت بدار الصناعة بقرطبة: أسد وغزال وتمساح، ويقابلها ثعبان وعقاب وفيل، وفي المجنَّبتين حمامة وشاهين وطاووس ودجاجة وديك وحدأة ونسر — ونبّه المحقّق إلى أن المعدود ثلاثة عشر لا اثنا عشر — ويخرج الماء من أفواهها. وكان المتولّي لهذا البنيان ابنَه الحكم، لم يتّكل الناصر فيه على أمين غيره.

مجلس قصر الخلافة وبركة الزئبق

سمكُ «المجلس المسمّى بقصر الخلافة» من الذهب والرخام الغليظ الصافي، وحيطانه مثله، وفي وسطه الدرّة «اليتيمة» التي أتحف بها أليون (Leon) ملكُ القسطنطينية الناصرَ، وقرامده من الذهب والفضة. وفي وسطه صهريج عظيم مملوء بالزئبق، وفي كل جانب ثمانية أبواب على حنايا من العاج والآبنوس المرصَّع بالذهب والجواهر، قائمة على سواري الرخام الملوَّن والبلّور الصافي. وكان الناصر إذا أراد إفزاع أحد أومأ إلى أحد صقالبته فحرّك الزئبق، فيلمع في المجلس كلمعان البرق حتى يُخيَّل للحاضرين أن المحلّ طار بهم. وقيل: إن المجلس كان يدور مستقبلًا الشمس، وقيل: كان ثابتًا. ولم يُبنَ مثله «في الجاهلية ولا في الإسلام»، وإنما تهيّأ لكثرة الزئبق عندهم.

سكّان الزهراء وأرزاقها

عدد الفتيان بالزهراء ثلاثة عشر ألف فتى وسبعمائة وخمسون، ودخالتهم من اللحم كل يوم ثلاثة عشر ألف رطل (من عشرة أرطال للشخص فما دون) سوى الدجاج والحجل وصنوف الطير والحيتان؛ وعدّة النساء بقصر الزهراء — الصغار والكبار وخدم الخدمة — ستة آلاف وثلاثمائة وأربع عشرة امرأة. وقيل: الفتيان الصقالبة ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسون، وقيل سبعة وثمانون مكان الخمسين، وقال آخر: ستة آلاف صقلبي وسبعة وثمانون. والمرتَّب من الخبز لحيتان بحيرة الزهراء اثنا عشر ألف خبزة كل يوم (وفي رواية: ثمانمائة)، ويُنقع لها ستة أقفزة من الحمص الأسود كل يوم.

وكان الناصر قسم الجباية أثلاثًا: ثلث للجند، وثلث للبناء، وثلث مدَّخر؛ وجباية الأندلس يومئذ من الكور والقرى خمسة آلاف ألف وأربعمائة ألف وثمانون ألف دينار، ومن السوق والمستخلَص سبعمائة ألف وخمسة وستون ألف دينار، وأخماس الغنائم «لا يحصيها الديوان».

مسجد الزهراء وقناة الناعورة

قال ابن الفرضي وغيره: كان يعمل في جامع الزهراء كل يوم ألف نسمة من حذّاق الفعلة: ثلاثمائة بنّاء، ومائتا نجّار، وخمسمائة أجير وسائر الصنائع، فاستتمّ بنيانه في ثمانية وأربعين يومًا. جاء من خمسة أبهاء؛ طوله من القبلة إلى الجوف — حاشا المقصورة — ثلاثون ذراعًا، وعرض كل بهو من الأربعة المكتنفة اثنا عشر ذراعًا؛ وصحنه المكشوف ثلاثة وأربعون ذراعًا طولًا وواحد وأربعون عرضًا، مفروش بالرخام الخمري وفي وسطه فوّارة؛ وطول المسجد كلِّه من القبلة إلى الجوف — سوى المحراب — سبعة وتسعون ذراعًا، وعرضه تسعة وخمسون؛ وصومعته أربعون ذراعًا في الهواء، وعرضها عشرة أذرع في مثلها. ووُضع منبره البديع يوم الخميس لسبع بقين من شعبان سنة ٣٢٩، وأول جماعة صُلّيت فيه صلاة المغرب من ليلة الجمعة لثمان بقين من شعبان، وإمامها وأول خطيب به القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي عيسى.

وفي صدر تلك السنة كمل بنيان القناة التي جرى فيها الماء العذب من جبل قرطبة إلى قصر الناعورة غربيّ قرطبة، على المناهر والحنايا المعقودة، إلى بركة عظيمة عليها أسد مطليّ بذهب إبريز وعيناه جوهرتان، يجوز الماء إلى عجزه فيمجّه من فيه في البركة، فتُسقى منه جنانُ القصر ويمدّ فضلُه النهر الأعظم. مدة العمل في القناة أربعة عشر شهرًا، وانطلق الماء يوم الخميس غرّة جمادى الآخرة، وأولم الناصر بقصر الناعورة دعوةً عامّة ووصل المهندسين والقوّام بصلات جزيلة.

جامع قرطبة: الزيادات والمقاييس والنفقات

ابتدأه عبد الرحمن الداخل ولم يكمل في زمانه، فأكمله ابنه هشام، ثم توالت زيادات الخلفاء حتى كمل على يد نحو ثمانية منهم. وعن الرازي (في «المغرب»): شاطر المسلمون نصارى قرطبة كنيستهم العظمى «شنت بنجنت» عند الفتح، ثم اشترى الداخلُ شطرَهم الباقي على أن يُباح لهم بناء كنائسهم المهدومة خارج المدينة، سنة ١٦٨، وأنفق على الجامع ثمانين ألف دينار (وقيل: اشترى موضعه بمائة ألف دينار)، وكمل سنة ١٧٠. وبنى الرصافة تشبيهًا برصافة جدّه هشام بدمشق ونقل إليها غرائب الغراس من الشام. وزاد هشام الرضى فيه من خمس فيء أربونة (Narbonne)، ثم زاد عبد الرحمن الأوسط وهلك قبل تمام الزخرف فأتمّه ابنه محمد، ورمّ المنذرُ بن محمد ما وهى، ثم نقض الناصرُ الصومعةَ الأولى وبنى العظيمة.

وأنفق الحكم المستنصر في زيادته — بخطّ المستنصر نفسه كما نقل ابن بشكوال — مائتي ألف دينار وأحدًا وستين ألفًا وخمسمائة وسبعة وثلاثين دينارًا ودرهمين ونصفًا (وقيل: مائة وواحد وستون ألف دينار ونيّف، كلّه من الأخماس). وحضر الحكم مشاورة العلماء في تحريف القبلة إلى المشرق كما فعل أبوه في جامع الزهراء، فردّه الفقيه أبو إبراهيم بأن خيار الأمة صلّوا إليها منذ الفتح متأسّين بموسى بن نصير وحنش الصنعاني، فقال الحكم: «إنما مذهبنا الاتّباع».

وعن «مجموع المفترق»: طول البلاط من القبلة إلى الجوف قبل الزيادة مائتان وخمسة وعشرون ذراعًا، والعرض من الشرق إلى الغرب مائة وخمسة أذرع؛ فزاد الحكم في الطول مائة وخمسة أذرع فكمل ثلاثمائة وثلاثين، وزاد محمد بن أبي عامر بأمر هشام بن الحكم في العرض من المشرق ثمانين ذراعًا فتمّ مائتين وثلاثين. وبلاطاته أحد عشر: أوسطها ستة عشر ذراعًا، واللذان يليانه من الجهتين أربعة عشر، والستة الباقية أحد عشر لكلٍّ؛ وزاد ابن أبي عامر ثمانية عرض كل واحد عشرة أذرع، وكان العمل في زيادته سنتين ونصفًا وخدم فيه بنفسه. والصحن مائة وثمانية وعشرون ذراعًا طولًا ومائة وخمسة عرضًا، والسقائف المستديرة به عشرة أذرع، والتكسير ثلاثة وثلاثون ألف ذراع ومائة وخمسون. والأعمدة ألف ومائتان وثلاثة وتسعون عمودًا كلها رخام، وباب المقصورة ذهب، وجدار المحراب مُجرًى فيه الذهب على الفسيفساء، وثريّة المقصورة فضة محضة.

وعن ابن سعيد نقلًا عن ابن بشكوال: الطول ثلاثمائة وثلاثون ذراعًا (الصحن منها ثمانون)، والعرض مائتان وخمسون، والأبهاء (البلاطات) تسعة عشر بعد زيادة المنصور، والأبواب واحد وعشرون: تسعة غربية، وتسعة شرقية، وثلاثة شمالية، وواحد قبليّ داخل المقصورة يتصل بالساباط المفضي إلى قصر الخلافة، وكلها ملبَّسة بالنحاس الأصفر؛ والسواري ألف وأربعمائة وتسع، منها داخل المقصورة مائة وتسع عشرة. ومقصورة الحكم: طولها خمسة وسبعون ذراعًا، وعرضها اثنان وعشرون، وارتفاعها ثمانية أذرع، وكل شرفة ثلاثة أشبار، ولها ثلاثة أبواب. والمحراب: طوله ثمانية أذرع ونصف، وعرضه سبعة ونصف، وارتفاع قبوه ثلاثة عشر ذراعًا ونصف. والمنبر من الآبنوس والصندل والنبع والبقّم والشوحط، نفقته خمسة وثلاثون ألف دينار وسبعمائة وخمسة دنانير وثلاثة دراهم وثلث، ودرجه تسع، ورُكّب من ستة وثلاثين ألف وصل، كل وصل بسبعة دراهم فضة، وسُمّر بمسامير الذهب والفضة، واتصل العمل فيه تسعًا [سنين]. والثريا العظيمة دورها خمسون شبرًا، فيها ألف كأس وأربعة وثمانون.

وزاد المنصور في الجامع سنة ٣٧٧ لمّا كثر الناس وانجلبت قبائل البربر من العدوة وإفريقية، فقصد الإتقان دون الزخرفة، وأنصف أرباب الدور المشتراة للهدم — يضاعف لهم الثمن ويشتري لهم عوضًا؛ حتى امرأةٍ أبت إلا دارًا بنخلة فاشتُريت لها بنخلة. وقد عمل في هذه الزيادة أعلاجُ النصارى مصفَّدين في الحديد من أرض قشتالة (Castilla) عوضًا من رجّالة المسلمين. وسواري الجامع ألف وأربعمائة وسبع عشرة (وقيل أكثر)، والثريّات مائتان وثمانون، والكؤوس سبعة آلاف وأربعمائة وخمسة وعشرون (وقيل: عشرة آلاف وثمانمائة وخمس)، ويلزم من الكتان للفتائل في رمضان ثلاثة أرباع القنطار، ومن الزيت في السنة خمسمائة ربع (وفي رواية أخرى: ألف ربع، منها في رمضان سبعمائة وخمسون؛ وفي ثالثة: ألف وثلاثون ربعًا، منها في رمضان خمسمائة)، ويخصّ رمضان ثلاثة قناطير من الشمع، والشمعة الكبرى بجانب الإمام وزنها خمسون إلى ستين رطلًا. وخدَمة الجامع في دولة ابن أبي عامر مائة وتسعة وخمسون شخصًا (وفي مخطوط الرباط وعن ابن سعيد: ثلاثمائة). ويُوقد ليلة الختمة أربع أواقٍ من العنبر الأشهب وثماني أواقٍ من العود الرطب. والثريات داخل البلاطات مائتان وأربع وعشرون، أكبرها المعلَّقة في القبة الكبرى فيها ألف وأربعة وخمسون سراجًا، تُسقى كل ثريّا سبعة أرباع في الليلة.

وأورد المقّري وصفًا آخر مخالفًا: قرطبة خمس مدن متتابعة بينها أسوار، طولها ثلاثة أميال في عرض ميل، والجامع مائة ذراع في ثمانين، فيه ألف سارية كبيرة، ومائة وثلاث عشرة ثريّا أكبرها تحمل ألف مصباح، وعلى فرجة المحراب سبع قِسيّ، وفي عضادتيه أربعة أعمدة (اثنان أخضران واثنان لازورديان)، والمنبر أُحكم في سبع سنين بثمانية صنّاع، لكل صانع نصف مثقال محمدي في اليوم، فبلغت جملة ما صُرف عليه عشرة آلاف مثقال وخمسين مثقالًا، وأبوابه عشرون مصفَّحة بالنحاس الأندلسي، وصومعته مائة ذراع بالمكّي المعروف بالرشاشي. والقنطرة سبع عشرة قوسًا، سعة كل قوس خمسون شبرًا وبين كل قوسين خمسون. وعلّق المقّري بأن اختلاف المقاييس قد يُحمل على اختلاف الذراع، وأن العدد الأعلى للسواري شامل للصغار والكبار.

المنارة (الصومعة)

أمر الناصر بهدم الصومعة الأولى سنة ٣٤٠ [وفي نسخة: ٣٣٠] وأقام الصومعة البديعة؛ حُفر في أساسها حتى بلغ الماء في ثلاثة وأربعين يومًا، وتمّ بناؤها في ثلاثة عشر شهرًا. ولمّا كملت ركب الناصر إليها من مدينة الزهراء وصعد من أحد درجيها ونزل من الآخر وصلّى ركعتين في المقصورة. وكانت الأولى ذات مطلع واحد، فجُعل لهذه مطلعان يفصل بينهما البناء فلا يلتقي الراقون إلا بأعلاها، ومراقي كل مطلع تزيد على مائة سبعًا. ارتفاعها إلى موقف المؤذن أربعة وخمسون ذراعًا، وإلى أعلى الرمانة الأخيرة ثلاثة وسبعون ذراعًا، وعرضها في كل تربيع ثمانية عشر ذراعًا (فالجملة اثنان وسبعون)، وهي بضخام الحجارة المقطَّعة. وفي ذروتها ثلاث «شمسات» تُسمّى رمانات، على سفّود من نحاس: اثنتان ذهب إبريز والوسطى فضة، وفوقها سوسنة ذهب مسدَّسة فوقها رمانة ذهب صغيرة؛ ودور كل تفّاحة ثلاثة أشبار ونصف. وقال ابن بشكوال: «ليس في مساجد المسلمين صومعة تعدلها» — وردّ عليه ابن سعيد بأنه لم يرَ صومعتَي مرّاكش وإشبيلية اللتين بناهما المنصور من بني عبد المؤمن، وطول صومعة مرّاكش مائة وعشرة أذرع.

وفي بيت المنبر من الجامع مصحف عثمان بن عفّان الذي خطّه بيده، عليه حلية ذهب مكلَّلة بالدر والياقوت وأغشية الديباج، على كرسيّ عود بمسامير ذهب — وصار بعدُ إلى بني عبد المؤمن. وأورد المقّري عن ابن بشكوال خبرًا خرافيًّا في أن موضع الجامع كان حفرةَ قمامة أمر سليمانُ بن داود الجنَّ بردمها.

وهدم الحكم المستنصر الميضأة القديمة وبنى أربع ميضآت (كبرى للرجال وصغرى للنساء في كل جانب)، أجرى إليها الماء في قناة من سفح جبل قرطبة إلى أحواض رخام لا ينقطع جريانها ليلًا ونهارًا، واستُقطعت حياض الرخام بمقطع المنستير، ونُقلت كل واحدة على عجلة من خشب البلوط موثقة بالحديد تجرّها سبعون دابة، في مدة اثني عشر يومًا. وابتنى غربيّ الجامع دارَ الصدقة وبيوتًا للفقراء.

أرقام قرطبة العمرانية

انتهت مساجد قرطبة أيام عبد الرحمن الداخل إلى أربعمائة وتسعين مسجدًا. وقيل: شرفاتها أربعة آلاف وثلاثمائة، ودور القصر الكبير أربعمائة وثلاثون دارًا ونيّف، ودور الرعايا والسواد مائة ألف وثلاثة عشر ألف دار حاشا دور الوزراء وأكابر الناس؛ وأرباضها ثمانية وعشرون (وقيل واحد وعشرون)، ومساجدها ثلاثة آلاف وثمانمائة وسبعة وثلاثون، وحمّاماتها المبرَّزة للناس سبعمائة (وقيل ثلاثمائة). وقال ابن حيّان: المساجد عند تناهيها في مدة ابن أبي عامر ألف وستمائة مسجد، والحمّامات تسعمائة. وفي بعض التواريخ القديمة: ثلاثة آلاف وثمانمائة وسبعة وسبعون مسجدًا، وتسعمائة وأحد عشر حمّامًا، ومائة وثلاثة عشر ألف دار للرعية. وذكر أنّ ديار أهل الدولة كانت ستة آلاف وثلاثمائة دار.

وخالف صاحب «المسالك والممالك» فذكر أربعمائة وواحدًا وسبعين مسجدًا — قال المقّري: «وهو بعيد» — وذكر أن دور قرطبة في كمالها ثلاثون ألف ذراع، وأن اسمها بالقوطية معناه «القلوب المختلفة»، وأن جبايتها أيام الحكم بن هشام مائة ألف دينار وعشرة آلاف دينار وعشرون دينارًا، ومن القمح أربعة آلاف مدي وستمائة، ومن الشعير سبعة آلاف وستمائة وسبعة وأربعون مديًا. وقال بعض العلماء: أُحصيت دور قرطبة وأرباضها أيام ابن أبي عامر فكانت مائتي ألف وثلاثة آلاف دار وسبعًا وسبعين دارًا للرعية، ودور الأكابر والوزراء والكتّاب والأجناد وخاصة الملك ستون ألف دار وثلاثمائة، سوى مصاري الكراء والحمّامات والخانات، وعدد الحوانيت ثمانون ألف حانوت وأربعمائة وخمسة وخمسون؛ ولمّا كانت الفتنة على رأس المائة الرابعة غُيّرت رسوم ذلك العمران.

الناصر والقاضي منذر بن سعيد

انهمك الناصر في تنميق الزهراء حتى عطّل شهود الجمعة بالجامع ثلاث جُمع متواليات، فوعظه القاضي منذر بن سعيد بآية ﴿أتبنون بكل ريع آيةً﴾ وذمّ الإسراف في البنيان، فبكى الناصر وندم، لكنه وجد عليه فأقسم ألّا يصلّي خلفه الجمعة، فصار يصلّيها وراء أحمد بن مطرّف صاحب الصلاة بقرطبة، وأبى — حين أشار عليه ابنه الحكم — أن يعزل منذرًا لفضله وورعه. ولمّا اتخذ لسطح «القبيبة» المطلّة على الصرح الممرَّد بقصر الزهراء قراميدَ مغشاة بالذهب والفضة أنفق عليها مالًا جسيمًا، وافتخر بها على وزرائه، فدخل عليه منذر فبكى وتلا ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة﴾، فأمر الناصر بنقض ذلك السقف وإعادة قرمده ترابًا. وقحط الناس آخر مدة الناصر فخرج منذر بهم للاستسقاء بمصلّى الربض بعد صيام ثلاثة أيام، وصعد الخليفة أعلى مصانعه ليشاركهم؛ وأورد المقّري أخبارًا في خشوع الناصر يومئذ ونزول المطر. ونقل عن الحجّاري في «المسهب» أن الناصر أنشد منذرًا أبياتًا في أن هِمم الملوك تُخلَّد بألسنة البنيان (كالهرمين)، وأن منذرًا ردّ ببيتين في أن زهرة الزهراء ستذبل — وقد صدق، إذ ذبلت في الفتنة.

خراب الزهراء، ثم الزاهرة

ولي الحجابةَ عبد الرحمن بن المنصور الملقّب بشنجول (Sanchuelo)، فدسّ إلى المؤيد هشام بن الحكم حتى ولّاه عهده سنة ٣٩٨ فأطبق الناس على بغضه؛ وخرج عليه محمد بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر سنة ٣٩٩ وتلقّب بالمهدي وخلع المؤيد وحبسه، وأُسلمت الجيوش شنجول فأُسر وقُتل. قال ابن الرقيق: من نصف نهار الثلاثاء لأربع بقين من جمادى الآخرة إلى نصف نهار الأربعاء فُتحت قرطبة، وهُدمت الزهراء، وخُلع خليفة (المؤيد) ووُلّي خليفة (المهدي)، وزالت دولة بني عامر، وقُتل وزيرهم محمد بن عسقلاجة، ونُكب خلق من الوزراء — «وكان ذلك كله على يد عشرة رجال فحّامين وجزارين وزبّالين».

وذكر ابن خلدون الزهراء في مباني الناصر: بنى إلى جانب «المجلس الزاهر» قصره العظيم وسمّاه دار الروضة، وجلب الماء إلى القصور من الجبل، واستدعى عرفاء المهندسين والبنّائين من كل قطر حتى من بغداد والقسطنطينية، واتخذ منية الناعورة خارج القصور وساق لها الماء من أعلى الجبل، ثم اختطّ مدينة الزهراء كرسيًّا لملكه، واتخذ فيها محلّات للوحش وسارحًا للطيور مظلَّلًا بالشباك، ودورًا لصناعة السلاح والحلي، وأمر بعمل الظلّة على صحن جامع قرطبة وقايةً من الشمس.

وأما الزاهرة فمن مباني المنصور محمد بن أبي عامر: أمر ببنائها سنة ٣٦٨ لمّا استفحل أمره وخاف على نفسه في دخول قصر السلطان، فأقامها بطرف البلد على نهر قرطبة الأعظم، وبُني معظمها في عامين، وانتقل إليها سنة ٣٧٠ بخاصته وعامته وشحنها بأسلحته وأمواله، واتخذ فيها الدواوين والأهراء والأرحاء، وقطع ما حولها لوزرائه وكتّابه وقوّاده فابتنوا الدور والقصور، وقامت الأسواق حتى اتصلت أرباضها بأرباض قرطبة، وكتب إلى الأقطار بالأندلس والعدوة أن تُحمل إليها أموال الجبايات، وسدّ باب قصر الخليفة هشام المؤيد ورتّب عليه الحرّاس فبقي محجوبًا لا يراه خاص ولا عام، وليس له إلا الاسم في السكّة والدعوة. ومن مُنى قرطبة: منية الناعورة، ومنية العامرية، ومنية السرور، ومنية الزبير (نسبة إلى الزبير بن عمر الملثّم). وذكر بعض المؤرخين أن المنصور كان يزرع كل سنة ألف مدي من الشعير قصيلًا لدوابه الخاصة، وأن دخالته كل يوم اثنا عشر ألف رطل من اللحم حاشا الصيد والطير والحيتان، وأنه كان يصنع كل عام اثني عشر ألف ترس عامرية لقصر الزاهرة والزهراء. وأورد خبرًا في تنبّؤ المنصور بخراب الزاهرة، فخُربت بعد سقوط العامريين ونُهبت ذخائرها وبيع بعض ما نُهب منها ببغداد.

أخبار أخرى في المقطع

قصر المأمون بن ذي النون بطليطلة (Toledo): بحيرة في وسطها قبة من زجاج ملوَّن منقوش بالذهب، ينزل الماء على جوانبها بتدبير المهندسين فلا يصل الجالسَ فيها؛ سمع فيها منشدًا يعظه بقُرب الأجل، فمات بعد شهر سنة ٤٦٧ ولم يجلس فيها بعدها.

الوزير الجزيري أبو مروان عبد الملك بن إدريس الخولاني: كاتب المنصور ثم المظفّر، اتُّهم بعد قتل صهره عيسى بن القطاع فحُمل إلى طرطوشة واعتُقل في برجها وقُتل بها سنة ٣٩٤. ومن أخباره أن المنصور صنع وليمةً لتطهير ابنه عبد الرحمن في عام قحط ارتفع فيه السعر بقرطبة حتى بلغ ربعُ الدقيق دينارين وجلا الناس عن المدينة، فنزل المطر يوم الصنيع فارتجل الجزيري فيه أبياتًا.

الحاجب جعفر المصحفي: استوزره الحكم المستنصر ودبّر الأندلس، فلمّا توفّي الحكم نكبه المنصورُ بن أبي عامر وسلبه ذخائره ونقله معه في غزواته معتقلًا في المطبق حتى مات فيه.

ومن مفاخر المنصور المذكورة هنا: غزواته تنيف على الخمسين ولم تُهزم له راية قط؛ وأنه ختن مع أولاده خمسمائة صبي من أولاد أهل دولته وعددًا لا يُحصى من أولاد الضعفاء، فبلغت نفقة الإعذار خمسمائة ألف دينار؛ وأن أكثر جنده من سبيه؛ وغزوةٌ حاصره فيها الإفرنج بمدخل ضيّق بين جبلين فبنى دورًا وأقام شاتيًا ببلادهم وسدّ المدخل بجثث القتلى، حتى صالحوه على أن يحملوا غنائمه وسبيه على دوابهم، ويمدّوه بالميرة، وينحّوا جيف قتلاهم عن طريقه بأنفسهم.

وفي مسألة «عمل أهل قرطبة» حجّةً في الفقه بالمغرب: نقل المقّري خلاف ابن عرفة والباجي والطرطوشي والمازري في اشتراط الإمام على القاضي الحكمَ بمذهب معيّن، وأن جدّه أبا عبد الله المقّري التلمساني (قاضي فاس) أنكر التعويل عليه في كتابه «القواعد»، وأن أعيان فقهاء فاس ردّوا هذا المذهب في مجلس أبي يحيى الشريف التلمساني أيام السلطان أبي سعيد المريني، تمسّكًا بابن رشد والمتيطي.

ونبّه المقّري إلى اختلاف الروايات في هذه الأرقام، وعلّله بأنه «جلب كلام الناس بعباراتهم» لا بالغلط، وأن «الناقد البصير لا يخفاه مثل هذا».

الباب الرابع (ج): المنصور بن أبي عامر وأخبار الدولة

> تنبيه على مادّة المقطع: عنوان المقطع يَعِد بأخبار المنصور، لكنّ نصّه الفعليّ لا يتضمّن نشأة المنصور ولا ترقّيه ولا بناء الزاهرة ولا عدد غزواته ولا غزوة شنت ياقب ولا وفاته سنة ٣٩٢هـ ولا خبر المظفَّر و«شنجول» وفتنة البربر. هذه كلّها ليست في هذا المقطع (وموضعها مقطع آخر). الذي فيه: خاتمةُ خبر نكبة الحاجب المصحفي، ثمّ خبر المصحف العثماني القرطبيّ ومآله، ثمّ نُتَف من أخبار الزاهرة، ثمّ استيلاء المعتمد على قرطبة، ثمّ بابٌ طويل في وصف منتزهات الأندلس منقولٌ عن «قلائد العقيان» للفتح بن خاقان، ثمّ خاتمة المجلَّد الأول. وقد التزمتُ ألّا أُدخل شيئًا من خارج النصّ.

نكبة الحاجب المصحفي

جعفر بن عثمان المصحفي: الحاجب مدبِّر مملكة هشام المؤيَّد. كان محمد بن أبي عامر أوّلَ أمره في خدمته، ثم استولى على الحجابة وقبض عليه وسجنه بالمطبق في الزهراء حتى مات فيه. ينقل المقّري عن كتاب «روضة الأزهار وبهجة النفوس ونزهة الأبصار» (لم يعرف المحقِّق مؤلِّفه، والنصّ مأخوذ عن ابن حيّان في «الذخيرة») أنّ المصحفي ودّع أهله وداع الفرقة قائلًا إنّه شارك قبل أربعين سنة في سجن رجلٍ في عهد الناصر، وأنّ ذلك الرجل دعا على من شارك في أمره أن يميته الله في أضيق السجون. وكتب المصحفي إلى المنصور أبياتَ استعطاف، فأجابه المنصور بأبياتٍ نسبها المؤرِّخ إلى عبد الملك الجزيري؛ ويناقش المقّري هذه النسبة ويرى ألّا منافاة: فقد يكون المنصور أجاب بها من غير أن يكون قائلها.

وينقل عن بعض مؤرّخي المغرب (يقابله المحقِّق بابن عذاري ٢: ٣٩٩–٤٠٠) أنّ المصحفي بلغ من الجزع أن كتب إلى المنصور يسأله أن يقعد في دهليزه معلِّمًا لأولاده، فامتنع المنصور وقال: إنّ الرجل يريد أن يحطّ من قدري، لأنّ الناس طالما رأوني بدهليزه خادمًا. وكان المنصور يستصحبه في غزواته؛ ويُروى أنّه رُئي ليلةً نهى المنصور فيها الناس عن إيقاد النيران تعميةً على العدوّ، وهو ينفخ فحمًا في كانون صغير يخفيه تحت ثيابه.

ويورد المقّري بيتَي هجاءٍ سائرين (عند ابن عذاري ٢: ٤١٨) في الدولة، يُعرَّض فيهما بأنّ الخليفة صبيّ «يلعب في مكتب» وأنّ أمّه حُبلى وأنّ القاضي فاجر؛ ويفسّر أنّ المقصود هشام المؤيَّد لصغر سنّه، وأمّه صُبح البشكنسيّة التي كان الأعداء يتّهمون بها المنصور — ويردّ المقّري ذلك ويعدّه «بهتانًا وزورًا»، ويستنكر رمي القاضي بالفجور.

المصحف العثماني بقرطبة ومآله

كان بقرطبة مصحفٌ عثمانيّ متداوَل عند أهل الأندلس، بجامعها الأعظم. قال ابن بشكوال: أُخرج من قرطبة وغُرِّب عنها ليلة السبت ١١ شوّال سنة ٥٥٢هـ، في أيام عبد المؤمن بن علي وبأمره. وهو عند القائلين به أحدُ المصاحف الأربعة التي بعث بها عثمان إلى الأمصار: مكة والبصرة والكوفة والشام. وقال ابن عبد الملك: ما قيل إنّ فيه دم عثمان بعيدٌ، وإن كان أحدَها فلعلّه الشاميّ.

شهادات المعايَنة: قال أبو القاسم التجيبي السبتي إنّ الشاميّ باقٍ بمقصورة جامع بني أميّة بدمشق، عاينه سنة ٦٥٧هـ، كما عاين المكيّ بقبّة اليهوديّة (قبّة التراب). وعلّق ابن مرزوق أنّه عاينهما مع الذي بالمدينة سنة ٧٣٥هـ وقرأ فيها؛ وأنّه اختبر المصحف المدنيّ والمنقول من الأندلس فألفى خطّهما سواء؛ وأنّ ما تُوُهِّم من أنّ عثمان خطّه بيمينه غير صحيح، بل جمع عليه جماعةً من الصحابة، منهم زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص، كما هو مكتوب على ظهر المصحف المدنيّ.

وابن مرزوق هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق التلمسانيّ الأصل (ت بعد ٧٨٠هـ)، وكتابه «المسند الصحيح الحسن» في مناقب السلطان المرينيّ أبي الحسن؛ وفيه أنّ أبا الحسن كان لا يسافر إلا ومعه المصحف العثمانيّ.

مسار المصحف بعد الموحّدين: اعتنى به عبد المؤمن بن علي، وظلّ الموحّدون يحملونه في أسفارهم، إلى أن حمله السعيد عليّ بن المأمون أبي العلاء إدريس بن المنصور حين توجّه إلى تلمسان آخر سنة ٦٤٥هـ، فقُتل قريبًا من تلمسان، وقُدِّم ابنه إبراهيم ثم قُتل، ووقع النهب في الخزائن، واستولت العرب وغيرهم على معظم العسكر، ونُهب المصحف؛ ثم افتتح أبو الحسن المرينيّ تلك الخزانة أواخر رمضان ٧٣٧هـ فظفر به، وبقي عنده حتى أُصيب في وقعة طريف (يضبط المحقِّق تاريخها بسنة ٧٤١هـ، وفيها غُلب أبو الحسن)، فصار المصحف إلى بلاد البرتغال، ثم أُعملت الحيلة في استخلاصه فوصل إلى فاس سنة ٧٤٥هـ على يد أحد تجّار أزمّور، واستقرّ في الخزانة.

قصّة وصول المصحف إلى عبد المؤمن، وصنعة صِوانه

ينقل المقّري عن رحلة ابن رشيد رسالةً لأبي بحر محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسيّ: وصل المصحف إلى مرّاكش في صحبة السيّدين أبي سعيد وأبي يعقوب، أميرَي الأندلس، بعد أن كان عبد المؤمن قد همّ باجتلابه من قرطبة ثم توقّف إشفاقًا على أهلها من فراقه، فبعثوه إليه من تلقاء أنفسهم.

ثم شُرع في كسوته وتحليته، فحُشر لذلك حُذّاق الصنائع من المهندسين والصوّاغين والنظّامين والحلّائين والنقّاشين والمرصِّعين والنجّارين والزوّاقين والرسّامين والمجلِّدين وعرفاء البنّائين. وصُنع له:

  • صِوان كبير من الذهب والفضّة، أُجري فيه ألوانٌ من الزجاج الروميّ، ونُظم على صفحته وجوانبه الياقوت والدرّ والزمرّد، وله مفاصل تجتمع إليها أجزاؤه.
  • صِوان لطيف من السندس الأخضر يلازم المصحف، يُكسى فوقه بالصِّوان الأكبر.
  • محمل مغشّى بالترصيع والنقش في قطع من الآبنوس والخشب الرفيع، ومُدارٌ بصفائح الذهب، وكرسيّ مرصَّع يحمله عند الانتقال.
  • تابوت مكعَّب الشكل سامٍ في الطول، في أحد غواربه بابٌ بدفّتين. ويصف النصّ آليّةً ميكانيكيّة: إذا أُدخل المفتاح وأُديرت به اليد ترتّبت أربع حركات على حركة المفتاح وحدها — انفتاح الباب بانعطاف الدفّتين إلى الداخل، وخروج الكرسيّ بما عليه، وزحف المحمل من مؤخّر الكرسيّ إلى مقدَّمه، ثم انغلاق الباب من تلقائه؛ وإذا أُديـر المفتاح عكسًا انعكست الحركات. وأسبابُ ذلك «غائبة عن الحسّ في باطن الكرسيّ».

جامع مرّاكش وزيارة تينملّل

في خلال ذلك أُمر ببناء المسجد الجامع بحضرة مرّاكش: بُدئ ببنيانه وتأسيس قبلته في العشر الأول من ربيع الآخر سنة ٥٥٣هـ، وكمل في منتصف شعبان من العام نفسه، وصُلّي فيه الجمعةَ منتصفَ شعبان. وفيه شمسيّات زجاج وحركاتٌ للمنبر والمقصورة استُغرب تمامها في هذه المدّة القصيرة. ثم نهضوا لزيارة تينملّل (المدينة التي دُفن فيها المهديّ ابن تومرت)، فأقاموا بها بقيّة شعبان وأكثر رمضان، وحملوا معهم المصحف العزيز ومصحف المهديّ في التابوت الموصوف.

قرطبة في شعر ابن عطيّة

أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطيّة المحاربيّ (من أهل غرناطة، ت ٥٤٢هـ): لمّا أزمع الارتحال عن قرطبة قصد المسجد الجامع وأنشد بيتين يستودع الله أهلها وجامعها الأعظم العتيق. وله بيتان مشهوران مضمونهما أنّ قرطبة فاقت الأمصار بأربع: قنطرة الوادي، وجامعها، والزهراء، والعلم — والعلم أكبرها. (ذكر المقّري أنّه سبق له إنشادهما من غير نسبة.)

من أخبار الزاهرة

يورد المقّري خبرًا للوزير الكاتب أبي المغيرة عبد الوهّاب بن حزم (توفي بطليطلة سنة ٤٣٨هـ بحسب حاشية المحقِّق): نادم المنصور بن أبي عامر في منية السرور بالزاهرة، فغنّت جاريةٌ تُسمّى «أنس القلوب» شعر غزل، فعارضها أبو المغيرة بشعر، فبادر المنصور إلى حسامه وغلّظ الكلام واستنطق الجارية، فاعترفت بأنّها نظرة ولّدت في القلب فكرة؛ ثم أطرق المنصور فعفا وصفح، ووهب الجارية لأبي المغيرة. ويقرن المقّري بها حكايةً من «أمالي» أبي علي القالي عن الرشيد والمأمون وجارية.

ويترجم للرجلين من «مطمح الأنفس» للفتح: أبو المغيرة بن حزم، وخليلُه الوزير أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد الأشجعيّ (من ولد الوضّاح صاحب الضحّاك يوم المرج)، وكانا بقرطبة قرينين لا يفترقان حتى مات ابن شهيد. ومن أخبار ابن شهيد قعوده ليلة ٢٧ من رمضان بباب الصومعة من الجامع في جماعة من إخوانه.

استيلاء المعتمد بن عبّاد على قرطبة، وخراب الزهراء

من ترجمة المعتمد عند الفتح، بروايته عن الوزير أبي الحسين بن سراج: حضر مجلسًا للوزراء والكتّاب بالزهراء وقد خربت، ينتقلون من قصرٍ إلى قصر بين آثارها البالية «وعلى كلّ جدارٍ غرابٌ ناعب»، فوافاهم رسول المعتمد برقعة فيها بيتان يستدعيهم إلى قصر البستان بباب العطّارين.

ويذكر أنّ قرطبة كانت منتهى أمل المعتمد، وأنّه لم ينلها بالمنازلة بل بمداخلة أهلها ومواصلة واليها والحيل والمكائد، لاستمساك أهلها بدعوة خلفائها وأنفتهم من طموس رسوم الخلافة. فلمّا ملكها ولّى ابنه الظافر أمرَها، فأقام فيها آمرًا ناهيًا مغترًّا بأهلها، إلى أن ثار ابن عكّاشة ليلًا، فبرز الظافر منفردًا يقاتل أكثر ليله حتى صُرع، وتُرك معفَّرًا حتى مرّ بمصرعه سحرًا أحدُ أئمّة الجامع فستره برداء لم يُعرف صاحبه؛ ثم حُزّ رأسه من الغد ورُفع على سِنان رمح، فتفرّق أنصاره. وشُغل المعتمد عن رثائه بطلب ثأره ونصب الحبائل لابن عكّاشة. (وفي آخر الخبر إشارة إلى تأبين المعتمد أخويه المأمون والراضي المقتولين «في أوّل النائرة»، وهو موضعُ اضطرابٍ في تسمية القتيل.)

منية المنصور ببلنسية

في ترجمة ابن طاهر يذكر الفتح أنّه دُعي إلى منية المنصور بن أبي عامر ببلنسية، وقد وهى بناؤها، وفي وسطها مجلسٌ يخترقه جدول. وحدّثه الرئيس أبو عبد الرحمن أنّه عهدها حين فرغ من تشييدها، إذ استدعاه إليها المنصور، وبين يديه مائة غلام لا يزيد أحدهم على أربع عشرة سنة يديرون الشراب، وأنّ المنصور وهب في ذلك اليوم ما يزيد على عشرين ألفًا من الصلات، وأقطع ضياعًا.

باب منتزهات الأندلس (منقول عن «قلائد العقيان» و«بدائع البدائه»)

خصّص المقّري بقيّة المقطع لنقلٍ مطوّل من كلام أبي نصر الفتح بن عبيد الله في وصف مجالس الأنس ومتنزّهات الأندلس، مقسَّمًا على أربعٍ وعشرين قطعة مستخرجة من تراجم الأعلام. وهذه المادّة أدبيّة صرفة (نثر مسجوع وأشعار)، وأهمّ ما تُفيده من الوقائع والمواضع:

  • حَير الزجّالي خارج باب اليهود بقرطبة: صحنه مرمر أبيض، يخترقه جدول، فيه جابية قد قُرْبِصَت بالذهب واللازورد. كان متنزّه ابن شهيد، ودُفن بإزاء صاحبه أبي مروان، وأوصى بأبياتٍ تُكتب على قبره.
  • «الدمشق» بقرطبة: قصر شيّده بنو أميّة بالصفّاح والعمد، حاكوا به قصرهم بالمشرق؛ تنزّه فيه ابن عمّار وارتجل فيه شعرًا.
  • ابن زيدون: أبياته في الحنين إلى معاهد قرطبة والزهراء ومقاصيرها؛ وموشّحة لابن الوكيل بُنيت على أعجاز نونيّته.
  • بنو القبطرنة (أبو محمد وأبو بكر وأبو الحسن)، وزراء، ومنيتهم البديع التي كان يألفها المتوكّل بن الأفطس.
  • ابن حسداي (الوزير أبو الفضل) كاتب بني هود بسرقسطة: احتفال المؤتمن بإعراس المستعين بالله بابنة الوزير أبي بكر بن عبد العزيز، وقد استُدعي إليه أعيان الأندلس، وأحضر المؤتمن فيه آلات مبتدعة؛ وتولّى أبو الفضل إنشاء مخاطباته، ومنها كتابٌ إلى صاحب المظالم أبي عبد الرحمن بن طاهر. (المستعين هو أحمد بن محمد بن سليمان بن هود، وليَ سنة ٤٧٨هـ إلى ٥٠١هـ.)
  • ابن السِّيد البطليوسي، شارح «أدب الكاتب» و«سقط الزند»: حضر مجلس الناعورة بمنية طليطلة عند المأمون بن ذي النون (ورُويت عند القادر)، وفيه بِركة وأسود من صُفر تمجّ الماء؛ ثم فرّ من ابن رزين ودخل سرقسطة أيام المستعين فمدحه.
  • ابن عمّار: رائيّته المشهورة في مدح المعتضد بن عبّاد والد المعتمد، وفيها إشارةٌ إلى قتاله قومًا «لم يعتقدوا إلا اليهود وإن تسمّوا بربرًا».
  • ابن طاهر بمرسية، وابن اليسع (من بني اليسع أعيان حصن قوليّة من عمل بسطة، ولي مرسية للمعتمد فثار عليه أهلها وخلعوه).
  • المتوكّل بن الأفطس ببطليوس: قصّة الجدب واستسقائه، وسفره إلى شنترين (وُصفت بأنّها قاصية أرض الإسلام، متوعّرة المراقي، على ضفّة نهر استدار بها)، ومروره بألبش، ونزوله عند القاضي ابن مقانا.
  • المعتصم بن صمادح: مجلسه بالصمادحيّة، وخروجه إلى برجة ودلاية.
  • ابن رزين وابن لبّون (صاحب مربيطر من أعمال بلنسية) وابن رحيم وابن عبدون (نزوله بيابرة، وهي من كورة باجة) وابن مالك وابن السقّاط والقاضي ابن أضحى (وضياعه بخارج غرناطة) وابن العطّار الإشبيلي.
  • ابن خفاجة، أوحد الناس في وصف الأنهار والرياض؛ وأبياته «يا أهل أندلسٍ لله درّكم». ويورد المقّري حكاية الخليليّ حين قدم من الأندلس رسولًا إلى السلطان المرينيّ أبي عنان فارس بن أبي الحسن، فأنشد أبيات ابن خفاجة، فأنكرها السلطان لأنّها تفضّل الأندلس على الجنّة، فاحتجّ الخليليّ بأنّها موطن جهاد و«الجنّة تحت ظلال السيوف»، فاستحسن السلطان جوابه وأجزل صلته.
  • ابن سعيد (نور الدين عليّ بن سعيد العنسي): قصائده في وادي الطلح بشرف إشبيلية — وكان المعتمد بن عبّاد كثيرًا ما ينتابه مع الرُّميكيّة — وفي الحنين إلى إشبيلية، وهي «حمص الأندلس».

وبهذا تمّ المجلَّد الأول.

الباب الخامس (أ): في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق

صرّح المقّري بأنّ حصر أهل الارتحال متعذّر، فاقتصر على «لُمَع» منهم. والباب معقود أيضًا لذكر دمشق ولقائه أعيانها حين حلّها سنة ١٠٣٧هـ.

إدخال المذهب المالكي والموطّأ

زياد بن عبد الرحمن اللخمي (شَبَطُون)، ت ٢٠٤ (وقيل ١٩٣ أو ١٩٩: أوّل من أدخل مذهب مالك إلى الأندلس، وكانوا قبله يتفقّهون على مذهب الأوزاعي، وأوّل من أدخل الموطّأ كاملًا. سمعه من مالك («سماع زياد»). أراده هشام على قضاء قرطبة فهرب. ورحل في عصره للحجّ نظراؤه: فِرغُوس بن العبّاس، وعيسى بن دينار، وسعيد بن أبي هند، فلمّا رجعوا وصفوا فضل مالك، فانتشر رأيه بالأندلس.

يحيى بن يحيى الليثي، ت رجب ٢٣٤: راوي الموطّأ، أصله — كما قيل — من برابر مصمودة. روى الموطّأ بقرطبة عن زياد، ثم ارتحل وهو ابن ٢٨ سنة فسمعه من مالك إلّا أبوابًا في الاعتكاف شكّ في سماعها فأثبتها عن زياد. وسمع بمصر من الليث بن سعد، وبمكّة من سفيان بن عيينة، وتفقّه بابن وهب وابن القاسم. ورحل ثانيةً لمّا رأى ابن القاسم يدوّن سماعه، فألفى مالكًا عليلًا فحضر جنازته — وهذا (عند ابن الفرضي) يردّ حكاية «سفينة التين» الشائعة بالمغرب. اتُّهم بالتحريض في وقعة الرَّبَض ففرّ إلى طليطلة ثم استأمن. ولم يلِ القضاء قطّ. وعلّل ابن حزم انتشار المالكية بالسلطان: كما انتشر مذهب أبي حنيفة بتولية أبي يوسف القضاء، كان يحيى مكينًا عند السلطان لا يُولَّى قاضٍ بالأندلس إلّا بمشورته، ولا يشير إلّا بأصحابه.

عبد الملك بن حبيب السُّلَمي «عالم الأندلس»، ت رمضان ٢٣٨ عن ٥٣ سنة: قيل بلغت تواليفه ألفًا، أشهرها «الواضحة»، ونقل عنه ابن حجر وغيره من أهل المشرق. طعن الفتح في «المطمح» في معرفته بالحديث وأنّ أكثر رواياته بالإجازة (خبر الغِرارة)، وردّ المقّري ذلك بأنّ الإجازة مذهب مستفيض وأنّ جهابذة المحدّثين نقلوا عنه. وقول ابن لبابة المشهور: عيسى بن دينار فقيه الأندلس، وعبد الملك عالمها، ويحيى راويها.

رحّالة الحديث في القرنين الثالث والرابع

بقيّ بن مخلد: لقي ٢٨٤ شيخًا، وله خاصّة بأحمد بن حنبل. سوّار بن طارق: حجّ ودخل البصرة ولقي الأصمعي، وأدّب الحكم.

قاسم بن أصبغ البيّاني (مولده ٢٤٧): رحل ٢٧٤ مع ابن أيمن وابن عبد الأعلى؛ سمع بمكّة، ثم الكوفة وبغداد (إسماعيل القاضي، عبد الله بن أحمد بن حنبل)، ومن المبرّد وثعلب وابن قتيبة، ومصر، والقيروان (بكر بن حمّاد التاهرتي). فأدخل الأندلس تاريخ ابن أبي خيثمة وكتب ابن قتيبة. ولمّا قدم العراق ٢٧٦ وجد أبا داود قد مات قبل وصوله بيسير، فصنّف هو وابن أيمن مصنَّفين في السنن على أبواب كتابه؛ ثم اختصر كتابه في «المجتنى» — ابتدأه في محرّم ٣٢٤ باسم الحكم المستنصر، وفيه ٢٤٩٠ حديثًا مسندًا في سبعة أجزاء. وأورد المقّري مناظرته بالقيروان لبكر بن حمّاد في لفظ «مجتابي النِّمار».

قاسم بن ثابت السَّرَقُسطي (ت ٣٠٢): سمع بمصر من النسائي؛ ويقال إنّه وأباه أوّل من أدخل «كتاب العين» إلى الأندلس؛ ألّف «الدلائل» فمات قبل إكماله فأتمّه أبوه. قاسم بن محمد بن سيّار (ت ٢٧٦): لزم ابن عبد الحكم والمزني بمصر، وترك التقليد ومال إلى الشافعي. ابن حيّون (ت ٣٠٥): تردّد بالمشرق نحو ١٥ سنة، وسمع بصنعاء ومكّة وبغداد والمصّيصة والقيروان، ولم يذهب مذهب مالك. ابن فُطَيس الإلبيري (ت ٣١٩ عن ٩٠): سمع بمكّة من مائة شيخ. محمد بن قاسم بن سيّار (رحل ٢٩٤): سمع بمصر والبصرة والكوفة وبغداد ودمياط والإسكندرية والقيروان من ١٦٠ رجلًا. ابن نجيح الأعشى (رحل ١٧٩، ت ٢٢١): سمع ابن عيينة ووكيعًا ويحيى القطّان، وكان يذهب مذهب أهل العراق.

القاضي محمد بن أبي عيسى الليثي (مولده ٢٨٤، ت ٣٣٧ وقيل ٣٣٩): رحل ٣١٢، دخل مصر وحجّ وسمع بمكّة من ابن المنذر والعقيلي وابن الأعرابي. استقضاه الناصر على إلبيرة وبجّانة، ثم قضاء الجماعة بقرطبة ٣٢٦؛ وكان يخرج إلى الثغور لإصلاح ما وهى منها، فمات في حصن مجاور لطليطلة.

القاضي منذر بن سعيد البلّوطي (ولي القضاء ربيع الآخر ٣٣٩، ت ذو القعدة ٣٥٥ — ستّ عشرة سنة قضاءً): رحل حاجًّا ٣٠٨، وسمع بمكّة من محمد بن المنذر النيسابوري كتابه «الإشراف» في اختلاف العلماء، وروى بمصر «كتاب العين» عن ابن ولّاد بعد أن منعه منه أبو جعفر النحّاس (تواليفه تزيد على خمسين). كان يؤثر مذهب داود الظاهري في نفسه، فإذا جلس للحكومة قضى بمذهب مالك «وهو الذي عليه العمل بالأندلس، وحمل السلطان أهل مملكته عليه». وله «أحكام القرآن» و«الناسخ والمنسوخ». ومن مشهور أخباره امتناعه عن بيع دار أيتام أخي نجدة للناصر، وأمره بنقض الدار وبيع أنقاضها فبلغت أكثر ممّا قُوّمت به للسلطان، فأقرّ الناصر بالحقّ. دُفن بمقبرة قريش بالربض الغربي.

القرن الخامس: العراق والحرمان ومصر

أبو الوليد الباجي (سليمان بن خلف التجيبي؛ أصله من بطليوس ثم باجة قرب إشبيلية لا باجة القيروان؛ ولد ٤٠٣، ت بالمرية رجب ٤٧٤): رحل ٤٢٦، فجاور بمكّة ثلاثة أعوام ملازمًا أبا ذرّ الهروي، وحجّ أربع حجج؛ وأقام ببغداد ثلاثة أعوام يدرّس ويقرأ الحديث، فلقي أبا الطيّب الطبري وأبا إسحاق الشيرازي وابن عمروس؛ وأقام بالموصل سنة مع أبي جعفر السِّمناني يأخذ الكلام. واستأجر نفسه ببغداد لحراسة درب من الفقر. عاد بعد ١٣ سنة، فكان يخرج للإقراء وفي يده أثر المطرقة (يضرب ورق الذهب) حتى فشا علمه فمات عن مال وافر. روى عنه حافظا المغرب والمشرق: ابن عبد البرّ والخطيب البغدادي. ناظر ابن حزم بميورقة. وأثارت العامّة عليه فتنة حين قال بظاهر حديث الكتابة يوم الحديبية، فكفّره أبو بكر الصائغ، فصنّف رسالة بيّن فيها أنّ ذلك غير قادح في المعجزة. ولمّا رجع وجد ملوك الطوائف أحزابًا متفرّقة فمشى بينهم في الصلح فلم يُفِد. كتبه: «المنتقى» في شرح الموطّأ (٧ مجلدات، وأصله «الاستيفاء»)، و«إحكام الفصول»، و«التعديل والتجريح لمن خرّج عنه البخاري»، و«الإشارة» في الأصول.

أبو ذرّ الهروي (عبد بن أحمد، ت ٤٣٥ أو ٤٣٤): جاور بمكّة وصار كبير مشيخة الحرم؛ ذكر أنّه تمذهب بمالك ورأي الأشعري ببغداد بسبب تعظيم الدارقطني للباقلاني (وجعله المقّري صريحًا في أنّ الباقلاني مالكي). وأكثر نسخ البخاري الصحيحة بالمغرب إمّا من رواية الباجي عن أبي ذرّ، وإمّا من رواية أبي علي الصدفي — وهذا مفتاح دخول «الصحيح» إلى الغرب الإسلامي.

ابن حزم (ولد بقرطبة آخر رمضان ٣٨٤، ت شعبان ٤٥٦ ببادية لبلة منفيًّا): أبوه وزير المنصور بن أبي عامر؛ كان شافعيًّا ثم ظاهريًّا. قال ابنه أبو رافع الفضل: اجتمع عنده بخطّ أبيه نحو ٤٠٠ مجلّد في قريب من ٨٠ ألف ورقة. وأحرق المعتضد بن عبّاد كتبه بإشبيلية. من كتبه: «الفصل» في الملل والنحل، و«منتقى الإجماع»، و«الإمامة والخلافة».

أبو حفص الهَوْزَني: خاف من المعتضد بن عبّاد فاستأذنه في الحجّ سنة ٤٤٤، وسمع في طريقه صحيح البخاري وعنه أخذه أهل الأندلس، ثم رجع فخدم المعتضد فقتله سنة ٤٦٠؛ وابنه أبو القاسم هو الذي حرّض يوسف بن تاشفين على المعتمد فكان سببًا في زوال دولته.

الحُمَيدي (محمد بن فتّوح، ولد قبل ٤٢٠، ت ببغداد ٤٨٨): لازم ابن حزم وصار على مذهبه، ورحل ٤٤٨ فسمع بمصر ومكّة ودمشق، واستوطن بغداد وروى عن الخطيب البغدادي. وبها ألّف «جذوة المقتبس في أخبار علماء الأندلس»، وله «الجمع بين الصحيحين» و«الذهب المسبوك في وعظ الملوك». وقف كتبه على أهل العلم، ونُقل جثمانه ٤٩١ ليُدفن عند قبر بشر الحافي بمقبرة باب حرب.

أبو علي الصدفي (ابن سُكَّرة)، سرقسطي سكن مرسية: رحل أول المحرّم ٤٨١، حجّ من عامه، ولقي بمكّة الطبري والطرطوشي، ثم البصرة، ثم بغداد (دخلها ٤٨٢ وأقام خمس سنين وسمع «مسند بغداد» من ابن خيرون)، ثم دمشق ٤٨٧، ثم مصر والإسكندرية؛ ووصل الأندلس صفر ٤٩٠ فحدّث بجامع مرسية ورحل الناس إليه. فُقد في وقعة كُتَنْدة سنة ٥١٤.

أبو بكر ابن العربي المعافري (ولد شعبان ٤٦٨، ت بمَغِيلة قرب فاس ربيع الآخر ٥٤٣ ودُفن بفاس): رحل مع أبيه عند انقراض الدولة العبّادية وسنّه نحو ١٧ عامًا، في مستهلّ ربيع الأول ٤٨٥. سمع ببجاية والمهدية والإسكندرية ومصر ودمشق ومكّة، وحجّ ٤٨٩. لقي ببغداد أبا بكر الشاشي وأبا حامد الغزالي (نزل برباط أبي سعد بإزاء النظامية)، وناظر ابن عقيل الحنبلي في الرؤية، وتذاكر مع الطرطوشي بالمسجد الأقصى. ووصف في «قانون التأويل» غرقه في رحلته من إفريقية وخروجه عاريًا، ثم إيواء أمير بني كعب بن سليم له بعدما غلبه في الشطرنج. مات أبوه بالإسكندرية أول ٤٩٣ فانصرف إلى إشبيلية بعلم كثير. ولي القضاء (أوّل ولايته رجب ٥٢٨)، وبنى سور إشبيلية بالحجارة والآجرّ من ماله؛ ولمّا احتاج جانب منه إلى بناء ولم يكن مال فرض على الناس جلود ضحاياهم في عيد أضحى، فثارت العامّة ونهبت داره فخرج إلى قرطبة. وحُبس بمراكش نحو عام بعد دخول الموحّدين إشبيلية ثم سُرّح فأدركته منيّته. كتبه: «أحكام القرآن»، و«عارضة الأحوذي» شرح الترمذي، و«القبس» شرح الموطّأ، و«قانون التأويل»، و«المحصول» في الأصول، و«سراج المريدين»، و«الإنصاف في مسائل الخلاف» (٢٠ مجلّدًا)، و«ترتيب الرحلة». وشكّك المحقّق في دعوى صحبته لابن تومرت، فقد سئل ابن العربي في مجلس عبد المؤمن فقال: «لم ألقه وإنّما سمعت به».

أبو بكر الطرطوشي (محمد بن الوليد الفهري، ابن أبي رَنْدَقة؛ ولد نحو ٤٥١، ت بالإسكندرية شعبان ٥٢٠): صحب الباجي بسرقسطة، وقرأ الأدب على ابن حزم بإشبيلية، ثم رحل ٤٧٦ فدخل بغداد والبصرة وتفقّه عند الشاشي، وسكن الشام مدّة، ثم استقرّ بالإسكندرية. وعظ الأفضل بن أمير الجيوش بأنّ الملك صار إليه بموت من قبله وخارج عن يده بمثله. وبعد مقتل الأفضل أكرمه المأمون البطائحي، وله ألّف «سراج الملوك». ومن كتبه: «تحريم جبن الروم»، و«بدع الأمور ومحدثاتها»، و«شرح رسالة ابن أبي زيد».

القراءات واللغة والاستقرار في المشرق

أبو القاسم الشاطبي (القاسم بن فِيرُّه الرعيني؛ «فِيرُّه» لاتينية بمعنى الحديد؛ ولد بشاطبة آخر ٥٣٨، ت بالقاهرة جمادى الآخرة ٥٩٠، دُفن بالتربة الفاضلية بسفح المقطّم): ضرير؛ قرأ القراءات بشاطبة على النفزي، ثم ببلنسية «التيسير» من حفظه على ابن هُذيل. دخل مصر ٥٧٢ فحضر عند الحافظ السِّلَفي وابن برّي، وتصدّر للإقراء بالمدرسة الفاضلية نزيلًا عند القاضي الفاضل. وقصيدتاه «حرز الأماني» (القراءات) و«عقيلة أتراب القصائد» (الرسم) صارتا عمدة القرّاء وحفظهما خلق لا يُحصون.

ابن خَيرون (أندلسي سكن القيروان، ت ٣٠٦): أخذ القراءات بمصر ودخل العراق، ثم عاد فقدم بقراءة نافع إلى أهل إفريقية، وكان الغالب على قراءتهم حرف حمزة ولا يقرأ بنافع إلّا الخواصّ، فاجتمع إليه الناس ورحلوا إليه من الآفاق.

اللَّوْرقي (قاسم بن أحمد المرسي، ولد ٥٧٥، ت رجب ٦٦١): قرأ بمصر على أبي الجود، وبدمشق على الكندي، وسمع ببغداد من ابن الأخضر، وأخذ العربية عن أبي البقاء، ولقي الجزولي بالمغرب. أقرأ بدمشق، وشرح المفصّل في أربع مجلّدات، وشرح الجزولية والشاطبية.

أبو الخطّاب ابن دِحية (ظاهري؛ ولد ٥٤٧، ت بالقاهرة ٦٣٣): ولي قضاء دانية مرّتين، وحدّث بتونس ٥٩٥، وروى بالمغرب ومصر والشام والعراق وخراسان وأصبهان ونيسابور. صنّف «التنوير في مولد السراج المنير» عند قدومه إربل سنة ٦٠٤ لمّا رأى ملكها مظفّر الدين كوكبري معتنيًا بالمولد النبوي، فقرأه عليه فأجازه بألف دينار. استأدبه العادل لولده الكامل، فبنى له الكامل دار الحديث الكاملية بين القصرين بالقاهرة، ثم عزله ورتّب مكانه أخاه أبا عمرو عثمان (ت ٦٣٤). وابن سَراقة الشاطبي (ولد ٥٩٢، ت ٦٦٢) تولّى مشيخة دار الحديث البهائية بحلب، ثم الكاملية بالقاهرة سنة ٦٤٢.

يحيى بن سعدون الأزدي القرطبي (ولد بقرطبة ٤٨٦، ت بالموصل عيد الفطر ٥٦٧): سمع بالإسكندرية من السِّلَفي، ودخل بغداد ٥١٧ فقرأ القرآن وسمع كتاب سيبويه، ثم استوطن الموصل، وعليه قرأ بهاء الدين ابن شدّاد إحدى عشرة سنة.

الشَّرِيشي (ت ٦١٩): شرح مقامات الحريري في ثلاث نسخ — كبرى أدبية، ووسطى لغوية، وصغرى مختصرة.

أبو الصلت أميّة بن عبد العزيز الإشبيلي (ت ٥٢٠ أو ٥٢٨ بالمهدية): عمره ستون سنة: عشرون بإشبيلية، وعشرون بإفريقية عند الصنهاجيين، وعشرون بمصر محبوسًا في خزانة الكتب — وجّهه صاحب المهدية إلى ملك مصر فسُجن. أمتن علومه الفلسفة والطبّ والتلحين، وهو الذي لحّن الأغاني الإفريقية وإليها تُنسب؛ وله «الحديقة» على أسلوب يتيمة الدهر.

ومن الثانويين: ابن الفخّار القرطبي الذي جاور بالمدينة وأفتى بها (ت ٤١٧ أو ٤١٩)؛ وابن عمروس الذي سمع بالعراق من الأبهري والدارقطني (ت ٤٠٠)؛ وابن ياسر الجيّاني (ولد بجيّان ٤٩٢، ت بحلب ٥٦٣) الذي تفقّه ببخارى وسكن بلخ ثم استوطن حلب ووقف كتبه؛ واليَقُّوري (ت بمراكش ٧٠٧) الذي قدم مصر ومعه مصحف حَمْلُ بغل بعثه ملك المغرب ليوقَف بمكّة، وصنّف «إكمال الإكمال» على صحيح مسلم؛ والتجيبي الإشبيلي (ت ٥٩٦) الذي نُكب في محنة المنصور الموحّدي حين حمل الناس على ترك التقليد والعمل بالحديث؛ وابن الصفّار القرطبي (ت ٦٣٩) الأعمى المقعد، إمام الحساب، الذي بلغ بغداد على تلك الحال. وأورد المقّري في ترجمة أبي عبد الله القرشي الهاشمي من الجزيرة الخضراء (ت ببيت المقدس ٥٩٩ عن ٥٥ سنة) جملةَ كراماتٍ وأدعية وأخبارًا عن الخضر، وصرّح بأنّه إنّما قصد بذكرها البركة.

ما تكشفه الرحلات

الحجّ هو المحرّك الأول، ومنه تتفرّع رحلات السماع. والقيروان محطّة إلزامية في الطريق (سماعات قاسم بن أصبغ وابن حيّون وابن خيرون). ومصر والإسكندرية بوّابة الرواية (الليث بن سعد، ابن وهب، ابن القاسم، ابن عبد الحكم، المزني، النسائي، الخلعي، السِّلَفي). ومكّة والمدينة موضع المجاورة والإفتاء. وبغداد والبصرة والكوفة للفقه والكلام واللغة، ثم تتّسع الدائرة في القرون المتأخّرة إلى دمشق وحلب والموصل وإربل وأصبهان ونيسابور وما وراء النهر. والحصيلة مزدوجة: إدخال أمّهات الكتب إلى الأندلس (الموطّأ، كتاب العين، تاريخ ابن أبي خيثمة، كتب ابن قتيبة، صحيح البخاري)، واستقرار طائفة من الأندلسيين في المشرق مشايخَ لدور الحديث (الفاضلية والكاملية بالقاهرة، والبهائية بحلب) وشيوخًا للحرم.

ويختم المقطع برسالة كتبها لسان الدين بن الخطيب عن سلطان غرناطة من «حمراء غرناطة» إلى السلطان الحفصي بتونس، يشفع بها للخطيب أبي عبد الله ابن مرزوق ممّا نزل به من المحن؛ وذكر المقّري أنّ تونس كانت محطّ رحال الأفاضل، وبها أقام ابن خلدون مدّة ثم ارتحل منها إلى مصر.

الباب الخامس (ب): تتمة تراجم الأندلسيين الراحلين إلى المشرق

تمهيد: خبر ابن مرزوق

يفتتح المقطع بذيل رسالة شفاعة في ابن مرزوق إلى السلطان المريني أبي فارس عبد العزيز بن أبي الحسن. والواقعة: كان ابن مرزوق غالبًا على دولة السلطان أبي سالم المريني، فقتل أبا سالمٍ الوزيرُ عمر بن عبد الله الفودودي وتغلّب على الملك ونصَّب أخًا لأبي سالم معتوهًا، وسجن ابن مرزوق؛ ثم ثار أبو فارس على الوزير فقتله واستقلّ بالملك.

الحفّاظ والمقرئون

ابن الفرضي (عبد الله بن محمد الأزدي القرطبي): ولد ذا القعدة ٣٥١، رحل ٣٨٢ فحجّ وسمع، وولي قضاء بلنسية في دولة محمد المهدي المرواني. صنّف «تاريخ علماء الأندلس» — وهو الذي ذيّل عليه ابن بشكوال بـ«الصلة» — وكتابًا في المؤتلف والمختلف، وآخر في شعراء الأندلس. قتله البربر يوم فتح قرطبة، الاثنين لستّ خلون من شوال ٤٠٣، وبقي في داره ثلاثة أيام ودُفن بلا غسل ولا كفن؛ وذكر ابن حيان قصة مقتله في «المقتبس».

أبو عمرو الدّاني (عثمان بن سعيد الأموي القرطبي، عُرف بالداني لسكناه دانية): ولد ٣٧١، ابتدأ الطلب ٣٨٧، رحل ٣٩٧ فمكث بالقيروان أربعة أشهر ثم بمصر سنة، وحجّ، وعاد ذا القعدة ٣٩٩. له مائة وعشرون مصنّفًا، أشهرها «المقنع» و«التيسير»؛ ومن تلامذته أبو داود بن نجاح صاحب «التنزيل في الرسم». ت بدانية نصف شوال ٤٤٤.

ابن مفرّج القرطبي: ولد ٣١٥، رحل ٣٣٧ فطاف مكة والمدينة وصنعاء وزبيد وعدن ومصر والشام حتى بلغت شيوخه مائتين وثلاثين شيخًا؛ عاد ٣٤٥ فاتصل بالحكم المستنصر واستقضاه على إستجة ثم المرية؛ صنّف «فقه الحسن البصري» في سبع مجلدات. الوفاة رجب ٣٤٨ [ونبّه المحقق أن ابن الفرضي جعلها ٣٨٠، وهو الأقرب].

ومنهم: أبو بكر الشريشي البكري (ولد ٦٠١، درّس بالفاضلية بمصر، فشيخ الحرم بالقدس، ثم مشيخة الحديث بالرباط الناصري بدمشق، ورفض القضاء، ت ٦٨٥؛ ونبّه المقّري أنه ليس شارح المقامات)؛ ابن سعدون العبدري الميورقي، حافظ داودي سكن بغداد (ت ٥٢٤)؛ الميورقي الفقيه الظاهري، حُمل إلى علي بن يوسف بن تاشفين مع ابن العريف وابن برّجان ثم فرّ إلى بجاية؛ ابن ياسر الجيّاني، رحل مع ابن عساكر إلى بغداد ٥٢٠ واستوطن حلب فسُلّمت إليه خزانة الكتب النورية (ت ٥٦٣)؛ ابن سعادة، ولي قضاء مرسية بعد انقراض دولة الملثمين ثم قضاء شاطبة، وألّف «شجرة الوهم» (ت ٥٦٥)؛ التجيبي نزيل تلمسان، كتب عن أزيد من مائة وثلاثين شيخًا وصحب السلفي (ت ٦١٠)؛ ابن أبي الربيع الشاطبي نزيل الإسكندرية، له «زهر العريش في تحريم الحشيش» (ت ٦٧٢)؛ ابن غصن الجزيري، أقرأ بمكة والمدينة وبيت المقدس (ت ٧٢٣).

قضاة وفقهاء

القاضي محمد بن بشير المعافري: أصله من جند باجة من عرب مصر؛ ولاه الحكم بن هشام قضاء الجماعة بقرطبة بعد المصعب بن عمران، ثم صُرف وولي الفرج بن كنانة، ثم أُعيد. مضرب مثل في العدل: سجّل على الأمير الحكم في أرحاء القنطرة فابتاعها الحكم بعدُ ابتياعًا صحيحًا، وحكم على الوزير ابن فطيس، وردّ شهادة الحكم نفسه في خصومة عمّه سعيد الخير فأقرّه الحكم. ت ١٩٨ (قبل الشافعي بستّ سنين)، واستوفى ترجمته عياض في «المدارك».

العتبي (محمد بن أحمد بن عبد العزيز القرطبي): سمع من يحيى بن يحيى، ورحل فسمع من سحنون وأصبغ بن الفرج؛ جامع «المستخرجة» المعروفة بـ«العتبية» من الأسمعة عن مالك، وأكثر فيها من الشواذ حتى قال ابن وضاح: فيها خطأ كثير؛ ومع ذلك اعتمدها ابن رشد. ت ٢٥٥.

ومنهم: ابن أيمن القرطبي (رحل ٢٧٤، صنّف «السنن» وأثنى عليه ابن حزم، ت ٣٣٠)؛ الخشني محمد بن عبد السلام (رحل قبل ٢٤٠، وأدخل الأندلس علمًا كثيرًا من الحديث واللغة، وأبى القضاء، ت ٢٨٦)؛ ابن ضيفون الحدّاد (حجّ ٣٣٩، سنة ردّ القرامطة الحجر الأسود، ت ٣٩٤)؛ ابن خيرة القرطبي (هرب من بني عبد المؤمن فتنقّل من الإسكندرية إلى مصر فالصعيد فمكة فاليمن ثم الهند ومات بها ٥٥١)؛ ابن أبي الفضل المرسي (شافعي، درس بالنظامية، له تفسير «ري الظمآن»، ت ٦٥٥)؛ والقرطبي المفسّر (ابن أبي بكر بن فرح)، جمع تفسيرًا في خمسة عشر مجلدًا، و«الأسنى» في شرح الأسماء الحسنى، و«التذكرة في أمور الآخرة» (ت ٦٧١).

المتصوّفة

محيي الدين ابن عربي الحاتمي الطائي: ولد بمرسية ١٧ رمضان ٥٦٠، انتقل إلى إشبيلية ٥٦٨ فأقام بها إلى ٥٩٨، ودخل بجاية ٥٩٧، ثم رحل إلى المشرق فلم يعد؛ قدم بغداد ٦٠٨، وأقام بالحجاز وبلاد الروم، ومات بدمشق ٢٨ ربيع الآخر ٦٣٨ (وفي نسخة ٦٣٧) ودُفن بسفح قاسيون. وهو عند ابن مسدي ظاهريّ المذهب في العبادات، باطنيّ النظر في الاعتقادات. عدّ في إجازته للملك المظفر نيّفًا وأربعمائة مصنّف، منها «الفتوحات المكية» — كان يكتب كل يوم ثلاث كراريس — و«الفصوص» و«مواقع النجوم» (ألّفه بالمرية ٥٩٥)، وتفسير كبير لم يكمل. واختلف فيه العلماء: طعن فيه العز بن عبد السلام والذهبي، ودافع عنه الفيروزابادي واليافعي، وألّف السيوطي «تنبيه الغبي على تنزيه ابن عربي». وابنه سعد الدين ولد بملطية ٦١٨ ومات بدمشق ٦٥٦ — سنة دخل هولاكو بغداد وقتل المستعصم.

ابن سبعين (عبد الحق بن إبراهيم العكي المرسي، قطب الدين): ولد ٦١٤، درس العربية بالأندلس ثم انتقل إلى سبتة وانتحل التصوّف، وأجاب على فتاء سنّه «المسائل الصقلية»: مسائل حكمية وجّهها علماء الروم تبكيتًا للمسلمين. رحل فحجّ حججًا واستوطن مكة حتى تلمذ له أميرها. ألّف «بدء العارف» وهو ابن خمس عشرة سنة، وله «الدرج» و«السفر». وهو منشئ كتاب بيعة أهل مكة للسلطان الحفصي المستنصر التي سردها ابن خلدون، وفيها إشارة إلى أنه المهديّ المبشَّر به — «وذلك ما لا يخفى ما فيه» عند المقّري. وعاقه الخوف من أمير المدينة عن زيارتها فقبحت الأحدوثة عنه. ت بمكة ٩ شوال ٦٦٩.

الششتري (علي بن عبد الله النميري، من قرية ششتر بوادي آش): تلمذ لابن سبعين حتى سمّى نفسه «عبد ابن سبعين»، وانفرد بعده بالرئاسة على الفقراء المتجرّدين، وكان يتبعه في أسفاره ما ينيّف على أربعمائة فقير؛ له «العروة الوثقى»؛ ت ٦٦٨ ودُفن بدمياط. الحرالي (حرالة قرية من أعمال مرسية، ومولده بمراكش): صنّف «مفتاح اللبّ المقفل على فهم القرآن المنزل»، وصنّف في الأصلين والمنطق والطبيعيات، وكان يُقرئ «النجاة» لابن سينا فينقضه؛ ووقع بينه وبين العز بن عبد السلام خلاف انتهى بإخراجه من الشام؛ ت بحماة ٦٣٧. أبو العباس المرسي: وارث الشاذلي وخليفته، ت بالإسكندرية ٦٨٦؛ ترجمه ابن عطاء الله في «لطائف المنن».

النحاة والأطباء

ابن مالك جمال الدين محمد بن عبد الله الطائي الجيّاني: ولد بجيّان ٦٠٠ أو ٦٠١ (وقيل ٥٩٨)؛ مالكي بالمغرب شافعي بالمشرق؛ أخذ عن ثابت بن خيار، وجلس في حلقة الشلوبين نحو ثلاثة عشر يومًا، وجالس يعيش بحلب؛ استقرّ بدمشق يدرّس بالجامع والعادلية. مصنّفاته: «تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد»، و«الكافية الشافية» (ثلاثة آلاف بيت) وشرحها، و«الخلاصة» (الألفية) مختصرها، و«إكمال الإعلام بمثلث الكلام»، و«لامية الأفعال»، و«المقدمة الأسدية» (باسم ولده الأسد). حفظ يوم موته ثمانية شواهد. ت بدمشق ٦٧٢ ودُفن بسفح قاسيون. وغضّ منه أبو حيان، وردّ عليه العجيسي. وابنه بدر الدين شرح الألفية ومات ٦٨٦.

بنو زهر: عبد الملك بن محمد بن مروان بن زهر الإيادي تولّى رئاسة الطب ببغداد ثم مصر ثم القيروان، واستوطن دانية ومات بها؛ ووالده محمد بن مروان فقيه ت بطلبيرة ٤٢٢ عن ٨٦ سنة؛ وأبو العلاء زهر بن عبد الملك وزير وحكيم، مات من نغلة بين كتفيه ٥٢٥ بقرطبة، وكانت بينه وبين الفتح صاحب «القلائد» عداوة كتب فيها الفتح إلى علي بن يوسف بن تاشفين شاكيًا منه؛ وأبو بكر ابن زهر الحفيد (ولد ٥٠٧، ت ٥٩٥) كان يحفظ شعر ذي الرمة ومقدَّمًا في الموشحات، وأورد المقّري خبرًا أن يعقوب المنصور بنى له بمراكش نسخةً من داره بإشبيلية ونقل إليها أهله وولده.

ابن عبدون الجبلي العددي القرطبي: أدّب بالحساب والهندسة، رحل ٣٤٧ فدخل مصر والبصرة، ومهر في الطب ودبّر مارستان الفسطاط، وأخذ المنطق عن أبي سليمان السجستاني، ورجع ٣٦٠ فاتصل بالمستنصر وابنه المؤيد. أبو الحكم المغربي من المرية: طبيب المارستان في معسكر السلطان السلجوقي، ثم سكن دمشق يجلس في دكان بجيرون للطب ويلعب بالعود؛ له «نهج الوضاعة لأولي الخلاعة» (ت ٥٤٩). أبو حامد الغرناطي المازني: ولد ٤٧٣، دخل الإسكندرية ٥٠٨ وبغداد ٥٥٦ وخراسان، وسكن دمشق؛ صنّف «تحفة الألباب» في العجائب، وضعّفه ابن عساكر ووثّقه ابن النجار (ت ٥٦٥). والزهري الإشبيلي: قدم بغداد ٥٩٠، وصنّف «شرح الإيضاح» لأبي علي الفارسي في خمسة عشر مجلدًا، وقتله التتار شهيدًا ٦١٧. وأبو جعفر اللبلي: قرأ على الشلوبين واستوطن تونس؛ له شرح «الفصيح» لثعلب.

رحلات نادرة

أبو إسحاق الساحلي الطُّويجن: غرناطي، أبوه أمين العطارين بغرناطة، وكان هو موثّقًا بسماط شهود غرناطة، ثم رحل فحجّ ثم سار إلى بلاد السودان فاستوطنها ونال جاهًا مكينًا من سلطانها؛ ت ٧٤٧ بتنبكتو من عمالة مالي. محمد بن طاهر التدميري «الشهيد»: أقام بالحرمين ثمانية أعوام يتعيّش من النسخ، ولقي أبا بكر الأبهري بالعراق، وعاد إلى تدمير ٣٧٦/٣٧٧، وغزا مع المنصور بن أبي عامر، ثم رابط بطلبيرة واستُشهد ٣٧٩ عن ٤٢ سنة. الغزال (يحيى بن الحكم البكري الجيّاني، لُقّب لجماله؛ من القرن الثالث): قال ابن حيان في «المقتبس»: كان حكيم الأندلس وشاعرها وعرّافها، عمّر أربعًا وتسعين سنة ولحق خمسة من خلفاء بني أمية، أولهم عبد الرحمن بن معاوية وآخرهم الأمير محمد بن عبد الرحمن. [وخبر رحلته إلى بلاد المجوس، أورده ابن دحية، شكّك فيه ليفي بروفنسال.]

الباب الخامس (ج) — تتمة تراجم الأندلسيين الراحلين إلى المشرق

تتمة أخبار يحيى الغزال (يحيى بن حكم البكري الجيّاني)

شاعر أمير قرطبة عبد الرحمن بن الحكم، وسفيره. عاش أربعًا وتسعين سنة، وتوفي في حدود ٢٥٠هـ.

سفارتاه هما جوهر ترجمته. حكى أبو الخطاب ابن دحية في «المطرب» أنه أُرسل إلى بلاد المجوس (النورمان) وقد قارب الخمسين ووخطه الشيب، وأن اسم الملكة «تود» — ورأى ليفي بروفنسال أنه اختصار «تيودورا» (Theodora). وحكى ابن حيان في «المقتبس» أن عبد الرحمن بن الحكم وجّهه إلى ملك الروم، فامتنع من منادمته معتذرًا بتحريم الخمر، وأن الترجمان كان واسطة الخطاب، وأن الملكة سألته عن علّة الختان عند المسلمين فأجاب بتشبيهٍ من تشذيب الغصن. والخبران معًا يكشفان أن السفارة الأندلسية إلى الشمال والروم كانت تجري بالتراجمة، وأن الشاعر كان أداةً من أدوات السياسة.

نُفي الغزال إلى العراق بأمر عبد الرحمن لإقذاعه في هجاء علي بن نافع (زرياب)، فدخلها بعد موت أبي نواس بمدة يسيرة، ووجد أهلها يفضّلون شعر المشارقة على الأندلسيين، فاحتال عليهم بأن أنشدهم قصيدةً لنفسه على أنها لأبي نواس فاستحسنوها ثم أخجلهم. وذكر المقّري أنه رام معارضة سورة الإخلاص فأخذته هيبةٌ فأناب. ومن أخباره مناظرته وهو حَدَثٌ عبّاسَ بن ناصح الثقفي قاضي الجزيرة الخضراء في بيتٍ من شعره — وكان عباس يفد على قرطبة ويأخذ عنه أدباؤها.

وذكر عتبة التاجر أن الأمير الحكم وابنه عبد الرحمن وجّهاه إلى المشرق، وأن عبد الله بن طاهر كان أمير مصر من قِبَل المأمون، فلقيه بالعراق فاستنشده قصيدة الغزال وكتبها.

---

١٦٦ — أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد العَنْسي (ابن سعيد المغربي)

أكبر تراجم هذا المقطع وأطولها، ومنه ينبثق سائر المقطع.

نسبه وبلده: علي بن موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد… منتهيًا إلى عمّار بن ياسر؛ عَنْسيّ مَدْلَجي، من أهل قلعة يحصب (قلعة بني سعيد) من عمل غرناطة. مولده بغرناطة سنة ٦١٠هـ (وقيل يوم الثلاثاء ٢٢ رمضان ٦١٠هـ؛ وأثبت دوزي عن «الإحاطة» سنة ٦١٥هـ). ووفاته بتونس في حدود ٦٨٥هـ.

شيوخه: أخذ عن أعلام إشبيلية — أبي علي الشَّلَوْبين، وأبي الحسن الدبّاج، وابن عصفور. وزامل الشاعر إبراهيم بن سهل الإسرائيلي في الدراسة.

رحلته: ناب عن أبيه في أعمال الجزيرة الخضراء، ثم رحل. وصل الإسكندرية في ٢٧ ربيع الأول ٦٣٩هـ، وتعذّر عليه الحج سنة ٦٣٩هـ. لقي بمصر: البهاء زهيرًا، وابن مطروح، وابن يغمور، وأيدمر التركي، وجمال الدين الجزّار، وزكي الدين بن أبي الإصبع، ونجم الدين بن إسرائيل الدمشقي. ثم رحل صحبة كمال الدين بن العديم إلى حلب، فدخل على الملك الناصر صاحبها، فأخبره أنه جمع «المشرق في حلى المشرق» ومثله «المغرب في حلى المغرب»، فوعده السلطان بأن يفتح له خزائنه ويوصله إلى خزائن الموصل وبغداد — وهذه من أوضح شواهد المقطع على أن التأليف الجغرافي/الأدبي الكبير كان يحتاج رعايةً سلطانية ووصولًا إلى المكتبات. ولقّبه الناصر «البلبل». ولقي بحضرته عون الدين العجمي، والشهاب التلعفري، والتاج بن شقير، وابن نجيم الموصلي، والشرف بن سليمان الإربلي. ثم دمشق، فالموصل، فبغداد (في عقب ٦٤٨هـ في رحلته الأولى)، فالبصرة، فأرَّجان، ثم حج. وعاد إلى المغرب فنزل ساحل إقليبية من إفريقية في إحدى جماديين سنة ٦٥٢هـ، واتصل بخدمة المستنصر الحفصي. ثم رحل إلى المشرق رحلته الثانية سنة ٦٦٦هـ.

مصنَّفاته (كما تجتمع من ترجمة لسان الدين في «الإحاطة» ومن كلام المقّري):

  • «المغرب في حلى المغرب» و«المشرق في حلى المشرق» — الموضوعان الغريبان المتعدّدا الأسفار.
  • «المرقصات والمطربات»، «المقتطف من أزاهر الطرف».
  • «الطالع السعيد في تاريخ بني سعيد» — تاريخ بلده وبيته.
  • «النفحة المسكية في الرحلة المكية».
  • «عُدّة المستنجز وعِقلة المستوفز» — دوّن فيه رحلته الثانية وأخبار التتار.
  • «القِدح المعلّى في التاريخ المحلّي» (ومنه «اختصار القدح»)، و«الغرّة الطالعة في فضلاء المائة السابعة»، و«ملوك الشعر» (جمعه للملك الناصر).
  • «المَرْزَمة» — حدّث الوزير أبو بكر ابن الحكيم أنه خلّف كتابًا بهذا الاسم يشتمل على وِقْر بعيرٍ من رِزَم الكراريس.
  • وله ديوان شعرٍ متعدد الأسفار مرتَّب على حروف المعجم.

إجازته: وُجد بخطه آخر جزءٍ من «المغرب» أنه أجاز أبا الفضل أحمد ابن القاضي أبي يعقوب التيفاشي أن يروي عنه الكتاب ويرويه لمن شاء، وكذلك أجاز جمال الدين محمد بن أبي بكر بن خطلخ الفارسي الأرموي. وأثنى شرف الدين أحمد بن يوسف التيفاشي على «المغرب» شعرًا، ورواه عنه ابن العديم في تاريخ حلب. والتيفاشي (ت ٦٥١هـ) من تيفاش من قرى قفصة، سُلب ماله وكتبه في البحر، فلجأ إلى الصاحب ابن نَدَى الجزري، وألّف بمكتبته «فصل الخطاب في مدارك الحواس الخمس» في ٢٤ مجلدة (اختصره ابن منظور باسم «سرور النفس»)، وله كتابان في الجواهر.

محنته بتونس: استوزر ملك إفريقية لأشغال الموحدين أبا العلاء إدريس بن علي بن أبي العلاء بن جامع، فقرّب ابنَ سعيد وولّاه قراءة كتب المظالم بين يدي الملك بعد القبض على كاتب العسكر، فسعى الوشاة وابنُ عمّه، فأُخّر عن الكتابة وعن قراءة المظالم، فانفرد بالكتابة للوزير حتى مات الوزير فرثاه. وذكر ابن الحكيم أن المستنصر جفاه في آخر عمره لجرّاء خدمة مالية أسندها إليه، ثم عاد إليه.

---

بيت بني سعيد وكتاب «المغرب»: تأليفٌ في أربعة أجيال

يكشف المقطع أن «المغرب» لم يكن كتاب رجل، بل مشروع أسرة امتد قرنًا:

  • عبد الملك بن سعيد (وُلد ٤٩٦هـ، ت بحضرة مراكش ٥٦٢هـ): صاحب قلعة بني سعيد تحت طاعة علي بن يوسف بن تاشفين، ثم استبدّ بها سنة ٥٣٩هـ. قصده سنة ٥٣٠هـ حافظُ الأندلس أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الحجاري، فصنّف له «المُسهب في غرائب المغرب» في نحو ستة أسفار، مبتدئًا من فتح الأندلس إلى ٥٣٠هـ. ثم عزم عبد الملك على إضافة ما أغفله الحجاري. وكان وزير يحيى بن غانية الملثَّم ومدبّر دولته، فلما مات ابن غانية بغرناطة فرّ إلى قلعته وثار بها، وطلبه خليفةُ ابن غانية طلحة بن العنبر فأعجزه.
  • محمد بن عبد الملك (وُلد ٥١٤هـ، ت بغرناطة شعبان ٥٨٩هـ): وزير جليل كثير الأموال، ولي للموحدين أعمالًا بمراكش وسلا وإشبيلية وغرناطة. ذكره ابن صاحب الصلاة في «المنّ بالإمامة»، وذكره السهيلي في «الروض الأنف» حيث قال إنه عاين كتاب النبي ﷺ إلى هرقل عند أذفونش (Alfonso) مكرَّمًا مفتخَرًا به. ومدحه الرصافي (أبو عبد الله محمد بن غالب). كُتب عليه عقدٌ بأن في داره من الحلي ما لا يكون إلا في دار ملك، فأمر المنصور الموحدي بالقبض عليه وعلى ابن عمّه صاحب أعمال إفريقية أبي الحسين سنة ٥٩٣هـ، ثم رضي عنهما وأمره أن يكتب بخطه كل ما أُخذ منه فرُدّ إليه ولم يُنقَص شيء وغُرِم له ما فات.
  • موسى بن محمد، أبو عمران (وُلد ٥ رجب ٥٧٣هـ، ت بثغر الإسكندرية يوم الاثنين ٨ شوال ٦٤٠هـ): أخذ عن الحافظ أبي بكر ابن الجدّ وأبي بكر ابن زهر، وحضر حصار طليطلة (Toledo) مع منصور بني عبد المؤمن، وكتب للموحدَيْن أبي محمد عبد الواحد والمأمون، وأخيرًا عن ملك بجاية والغرب الأوسط الأمير أبي يحيى ابن ملك إفريقية. وولي الجزيرة الخضراء من قِبل ابن هود. قال ابنه: عاش سبعًا وستين سنة لم أره يومًا يخلي مطالعة كتاب أو كتابةَ ما يخلّده، حتى في أيام الأعياد. ومن أشهر أخباره أنه مشى بنفسه إلى بيت رجلٍ جاهل عنده كراريس من شعر شعراء الأندلس وأخبار رؤسائها ليستعيرها، وقال لابنه: «إني لا أمشي له، ولكن أمشي للفضلاء الذين تضمّنت الكراريس أشعارهم… فإن الأثر ينوب عن العين»، ثم قال بعد قضاء الغرض: «سُررت بهذه الفائدة أكثر من الولاية».
  • علي بن موسى — الذي أربى على الكل في إتمامه.

ومدة الكتاب: بدأ من سنة ٥٣٠هـ ومنتهاه إلى غرة سنة ٦٤١هـ. والقلعة كانت تُعرف قبلُ بـ«قلعة أسطلير»، وقال المَلّاحي في تاريخه إنها تُعرف بقلعة يحصب — نسبةً إلى قبيلٍ من اليمن نزل بها عند الفتح. وأول من دخل الأندلس من ولد عمار بن ياسر عبد الله بن سعد بن عمار — ذكره ابن حيان في «المقتبس»: كتب إليه يوسف بن عبد الرحمن الفهري أن يدافع عبد الرحمن الداخل، وكان أميرًا على اليمانية من جند دمشق، وإنما ركن إليه لِما بين بني عمار وبني أمية من الثأر بسبب قتل عمار بصفّين.

وصية أبي عمران لابنه (نظمًا ونثرًا، كتبها له عند نهوضه من الإسكندرية إلى القاهرة): وصية غربةٍ عملية — لا تجالس من فشا جهله، ولا تجادل حاسدًا، واصحب من كل صناعة ورياسة مَن يكون لك عُدّة ولا تقتصر على صاحب واحد، واجعل العقل مِحَكًّا، واقنع عند العُسر. وضرب له مثل رضا الناس غايةٌ لا تُدرك بحكاية الرجل وابنه والحمار (كلما غيّرا هيئة ركوبهما عابهم الناس).

---

ابن عمّه: الرئيس أبو عبد الله محمد بن الحسين بن سعيد

من كبار دولة إفريقية الحفصية؛ أقام لنفسه مدينة حذاء حضرة تونس واعتزل فيها بعسكر الأندلس الذي صيّره الملك المنصور إلى نظره. حظي عند أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص، فلما مات ووقعت الفتنة واستقرت الدولة لابنه المستنصر، سخط عليه وقبض على دياره وأمواله وصيّره كالمحبوس؛ فأخبره أن أباه صنع دارًا عظيمة تحت الأرض أودع فيها من المال والسلاح عُدّةً للدولة، ولم يُطلع عليها أحدًا غيره، ووصّاه ألّا يكشفها إلا بعد انقضاء الفتنة واستقرار الأمر. فبادر السلطان إليها فوجدها، وأعاد الرئيس وزيرًا. وقال المستنصر إن من واجب شكره أن يفتتح المال بأن يعوّض الرعية الذين نُهبت دورهم واحترقت في الفتنة، فأمر بالنداء فيهم، ومن حلف على شيء قبضه.

---

المستنصر الحفصي والفرنسيس

  • كتب إليه صاحب مكة البيعة، من إنشاء ابن سبعين المتصوّف — وذكر ذلك ابن خلدون في تاريخه الكبير وسرد نصّها.
  • الفرنسيس (Louis IX) الذي أُسر بمصر وجُعل في دار ابن لقمان والطواشي صبيح يحرسه، لما سُرِّح جاء من أمم النصرانية بجيشٍ قيل إنهم ألف ألف، فصرف جيوشه إلى تونس، فمات في حركته إلى تونس، وغنم المستنصر غنيمةً «ما سُمع بمثلها». وأورد المقّري قصيدة ابن مطروح المشهورة (دار ابن لقمان على حالها) دون أن يسردها. وأورد بصيغة التمريض («ويقال») خبر السيف المسموم الذي دُسّ إلى الفرنسيس فمات بسمّه بمجرد النظر إليه — وهو خبر خرافي ظاهر.
  • ومن رجال دولته: حازم (القرطاجني، صاحب المقصورة التي شرحها الشريف الغرناطي في «رفع الحجب المستورة»)، وابن الأبّار القضاعي الذي قتله المستنصر، وأبو العباس أحمد الغسّاني كاتب العلامة.

---

فوائد ابن سعيد المنقولة: مصر الفاطمية والأيوبية

نقل المقّري عن ابن سعيد (في «المحلّى بالأشعار»/«القدح المعلّى»، نقلًا عن القُرْطي محمد بن سعد أبي بكر، صاحب تاريخ مصر في أيام العاضد)، ووافقه المقريزي في الخطط:

  • الهودج بالروضة: بناه الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله (٤٩٥–٥٢٤هـ) للبدوية التي غلب عليه حبها، بجوار البستان المختار، على شط النيل بجزيرة الفسطاط. وأخبار البدوية وابن ميّاح ابن عمّها صارت «كحديث البطّال وألف ليلة وليلة» — أي أن المقّري يصنّفها في باب الأساطير. قُتل الآمر يوم الثلاثاء ٤ ذي القعدة ٥٢٤هـ وهو متوجه إلى الهودج، كمنت له عدة من النزارية على رأس الجسر من ناحية الروضة فأثخنوه، فحُمل في «العشاري» (نوع من السفن) إلى اللؤلؤة فمات بها. وخرب الهودج وجُهل مكانه.
  • مكين الدولة ابن حديد (أبو طالب أحمد بن عبد المجيد): متولّي قضاء الإسكندرية ونظرها في أيام الآمر، مدحه ظافر الحدّاد وأمية أبو الصلت. كان في بستانه جِرْن من رخام قطعة واحدة يُنحدر فيه الماء فيصير كالبِركة، فوُشِي به للبدوية فأخذه الآمر ورُكّب في الهودج. ولمّا قُلِّد حيدرة أخو الوزير المأمون بن البطائحي ولاية ثغر الإسكندرية سنة ٥١٧هـ وأُضيفت إليه الأعمال البحرية، طلب طبيبُه دهن الشمع، فأحضر ابن حديد حُقًّا مختومًا فيه منديل مذهَّب على مراقٍّ بلّور بثلاثة بيوت، على كل بيت قبة ذهب مشبَّكة مرصَّعة بياقوت وجوهر — دهن ممسَّك، ودهن بكافور، ودهن بعنبر — قيمته خمسمائة دينار. ويستخلص ابن سعيد من ذلك مقياسًا لثراء الدولة: هذا حال قاضي الإسكندرية، فما ظنّك بأعيان الدولة، فما ظنّك بالخلافة.
  • الملك العادل بن أيوب (سيف الدين أبو بكر، وُلد ٥٣٩هـ، ملك دمشق ٥٩٢هـ ومصر ٥٩٦هـ، ت ٦١٥هـ): وصفه ابن سعيد بأنه من أعظم السلاطين دهاءً وحزمًا، يُضرب به المثل في إفساد القلوب على أعدائه؛ كان صلاح الدين يأخذ برأيه، وقال لمن قدّم له كتابًا مصوَّرًا في مكايد الحروب ومنازلة المدن وهو محاصر للفرنج على عكّا: «ما نحتاج إلى هذا الكتاب ومعنا أخونا أبو بكر». وكان يصوغ الحلي الذي يصلح لنساء الفرنج ويوجّهه إليهن سرًّا ليمسك أزواجهن عن الحركة. ولما خرج ابن أخيه المعز إسماعيل بن طغتكين باليمن وخطب لنفسه بالخلافة، أفسد عليه أصحابَ دولته بالكتب السرية وحدها دون تجهيز عسكر، فقُبض عليه وقُتل وعادت البلاد للعادل. وأورد ابن سعيد نوادر ساخره خضير صاحب البستان عند الربوة بغوطة دمشق، وخبرَ خزائنه بالكرك المسمّاة «الحسرات» — خوابٍ مملوءة ذهبًا وفضة تُركت بمرأى الناس ليشتهر ذلك في الآفاق. وقال العادل عن أخبار البرامكة في «المستجاد في حكايات الأجواد»: «إنما هذا كذب مختلق من الورّاقين والمؤرخين» يقصدون به تحريك همم الملوك إلى تبذير الأموال.

دُفن العادل بـالمدرسة العادلية بدمشق، وكان أنشأها للشافعية، وبها خزانة كتب فيها تاريخ ابن عساكر؛ وذيّل هذا التاريخ واختصره أبو شامة، وقال ابن سعيد: «سمعتُ عليه منه هنالك ما تيسّر أيام إقامتي بدمشق». وأولاده ملوك البلاد في صدر المائة السابعة: الكامل والمعظم والأشرف.

  • الشهاب التلعفري (محمد بن يوسف، وُلد بالموصل ٥٩٣هـ، ت ٦٧٥هـ): شاعر نادم الملوك، وكان يُقدَّم على شعراء مجلس الملك الناصر.
  • الشهاب القوصي (إسماعيل بن حامد الأنصاري الخزرجي، ت بدمشق ٦٥٣هـ): صاحب «تاج المعاجم» — معجم في أربع مجلدات فيمن لقيه من المحدثين؛ خرّج فيه الحديث عن الحافظ السِّلَفي، وابتدأ كتابه بمحاسن العادل. ومنه نقل ابن سعيد ترجمتَي صفي الدين أحمد بن سعد المَرْذَغاني (من بيت وزارة ورئاسة بدمشق) والمنتجب أحمد بن عبد الكريم الدمشقي المعروف بـ«دفتر خوان» (ت ٦١٥هـ) — وهو الذي يقرأ الدفاتر بين أيدي الملوك، ويتولّى أمر الكتب المجلَّدة ويقرأ على السلطان فيها ليلًا أو نهارًا.

حركة الكتب وإعارتها: أنشد ابن سعيد لـأبي الحسن علي بن مروان الزناطي الكاتب أبياتًا مؤدّاها ألّا يُعار الكتاب دون رهن، وأجابه ابن الربيب بنثر. وذكر أن الزناطي كان كثير الاستعارة للكتب فإذا طُلبت منه «فكأنها ما كانت»؛ وأن ابن الربيب المؤرخ كان عنده نسخة جليلة من تاريخ عريب — وهو عريب بن سعد القرطبي، الذي لخّص تاريخ الطبري واستدرك عليه وذيّل ما حدث بعده — فامتنع من إعارتها وقال: «النسخة التي رمت إعارتها هي مؤنسي إذا أوحشني الناس، وكاتم سرّي إذا خانوني، فما أعيرها إلا بشيءٍ أعلم أنك تتأذّى بفقده».

---

وصف الفسطاط والقاهرة (من «المغرب»، قسم مصر)

أثمن ما في المقطع من المادة العمرانية والاقتصادية، ومصادرها كتاب «الكمائم» (للبيهقي)، و«نزهة المشتاق» للإدريسي (المصنَّف لملك «أجّار» = Roger)، و«صورة الأرض» لابن حوقل، ثم مشاهدة ابن سعيد نفسه.

الفسطاط: كانت مبانيها في القديم متصلة بمباني عين شمس؛ نزل عليها عمرو بن العاص وضرب فسطاطه حيث المسجد الجامع، فلما فتحها قسم المنازل على القبائل ونُسبت إليه. ثم بنى بنو طولون إلى جانبها القطائع — ميلًا في ميل لسكنى الجند، كما بنى الأغلب خارج القيروان رقّادة — وقد خربتا. وهي في الإقليم الثالث، لا ينزل فيها مطر إلا نادرًا، وترابها أسود قبيح اللون. عن ابن حوقل: مقدارها نحو فرسخ، بها قبائل وخطط للعرب كالكوفة والبصرة، أرضها سبخة، الدار تكون سبع طبقات وخمسًا وستًّا، وربما سكن الدار مائتان من الناس، ومعظم بنيانهم بالطوب، وأسفل دورهم غير مسكون، وبها مسجدان للجمعة: جامع عمرو في وسطها، وجامع ابن طولون على «الموقف». وبينها وبين القاهرة نحو ميلين.

مشاهدة ابن سعيد: عند باب زويلة جملةٌ عظيمة من الحمير المعدَّة للركوب إلى الفسطاط — «لا عهد لي بمثلها في بلد» — ويركبها الفقهاء وأصحاب البزّة، وقد أنِف من ذلك جريًا على عادة المغرب، ثم ركب فسقط في العجاج. ووصف الفسطاط: أسوار مثلّمة سوداء، شوارع غير مستقيمة، بناء من الطوب الأدكن والقصب والنخيل طبقةً فوق طبقة، تراب أسود وأزبال، أسواق ضيقة مزدحمة بالروايا على الجمال. وجامع عمرو: قديم البناء غير مزخرف، جعلته العامة معبرًا من باب إلى باب، والبيّاعون يبيعون فيه المكسّرات والكعك، والناس يأكلون فيه، والصبيان يلعبون في صحنه، والعنكبوت في زواياه، وحيطانه مكتوبة بالفحم والحمرة بخطوط قبيحة — ومع ذلك فيه من الرونق وانبساط النفس ما لا يجده في جامع إشبيلية مع زخرفته. واستحسن حِلَق المتصدّرين لإقراء القرآن والفقه والنحو في عدة أماكن منه، وسأل عن مواد أرزاقهم فأُخبر أنها من فروض الزكاة، وأن اقتضاء ذلك يصعب إلا بالجاه والتعب.

التجارة والصناعة: ما يرد على الفسطاط من متاجر البحر الإسكندراني والبحر الحجازي «فوق ما يوصف»، وبها مجمع ذلك لا بالقاهرة، ومنها يُجهَّز إلى القاهرة وسائر البلاد. وبالفسطاط مطابخ السكر والصابون، وبها المواضع التي يُصنع فيها الورق المنصوري — مخصوصة بالفسطاط دون القاهرة. والفسطاط أرخص أسعارًا لقرب النيل ورسوّ المراكب.

الروضة: أمام الفسطاط، وبها مقياس النيل، وكانت متنزَّهًا، فاختارها الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل سريرًا لسلطنته، وبنى فيها قلعة مسوَّرة بسور ساطع اللون محكم البناء عالي السَّمك — «لم تر عيني أحسن منه» — وفيها إيوان لجلوسه فيه من صحائف الذهب والرخام الآبنوسي والكافوري والمجزَّع ما يذهل الأفكار، ولا يُقدَّر ما أُنفق عليه؛ وفي داخل السور حاضر (حظيرة) حُصر فيه أصناف الوحوش يتفرّج عليها السلطان. وبها كان الهودج، والمختار بستان الإخشيد وقصره. وجسران: من الفسطاط إلى الجزيرة، ومن الجزيرة إلى بر الجيزة — ولا يجوز أحد على الأول راكبًا احترامًا لموضع السلطان.

القاهرة: بناها المعز أعظم خلفاء العبيديين، وسُمّيت القاهرة لأنها تقهر من شذّ عنها. قال ابن سعيد: «هذه المدينة اسمها أعظم منها». رأى فيها إيوانًا يقولون إنه بُني قدر إيوان كسرى الذي بالمدائن، وحيطانًا عليها طاقات من الكلس والجبس كانوا يجدّدون تبييضها كل سنة. وبين القصرين وحده هو الساحة المتّسعة للعسكر والمتفرّجين؛ وأكثر دروبها ضيقة مظلمة كثيرة التراب والأزبال، والمباني من قصب وطين قد ضيّقت مسلك الهواء والضوء. وأورد واقعة رآها: وزير الدولة في موكبه لقي عجلة بقر تحمل حجارة فسدّت الطريق بين الدكاكين، فوقف الموكب، والدخان من موضع الطباخين في وجه الوزير، «وقد كاد يهلك المشاة». ومن عيوبها أنها بعيدة عن مجرى النيل — عمدًا، لئلا يصادرها ويأكل ديارها — فيمشي من أراد الفرجة في نيلها مسافةً بعيدة إلى موضع يُعرف بـالمقس. وأحسن مواضع الفرجة بظاهرها أرض الطبّالة، ولا سيما أرض القُرط والكتان، وبركة الفيل (دائرة كالبدر، والمناظر فوقها كالنجوم، والسلطان يركب فيها بالليل وتُسرَج المناظر). والخليج بين القاهرة ومصر: ضيّق، عليه مناظر عامرة و«عالم التهكّم والطرب»، ربما وقع فيه قتل بسبب السكر فيُمنع فيه الشرب أحيانًا، ولا يجيز المحتشمون العبور به في مركب. وعلّق المقريزي على وصف ابن سعيد بقوله: «وفيه تحامل كثير» — فردّ المقّري: «من نظر بعين الإنصاف علم أن التحامل في نسبة التحامل إليه».

والقاهرة أكثر عمارة واحترامًا وحشمة، وبها أجلّ المدارس وأضخم الخانات وأعظم ديار الأمراء والطراز، لقرب قلعة الجبل منها. ولما اعتنى السلطان بقلعة الجزيرة عظمت عمارة الفسطاط، وانتقل إليها كثير من الأمراء، وبنى السلطان أمام جسر الجزيرة قيسارية عظيمة ونقل إليها من القاهرة سوق الأجناد الذي يُباع فيه الفراء والجوخ.

النقد والمعاش والملل: المعاملة بالفسطاط والقاهرة بـالدراهم السوداء، كل درهم منها ثلاثة من الدرهم الناصري، وفي المعاملة بها شدة وخسارة ومخاصمة؛ وكانت بها قديمًا الفلوس فقطعها الملك الكامل فبقيت مقطوعة. الهواء رديء لا سيما إذا هبّ المريسي من جهة القبلة، ورمد العين فيها كثير، والمعايش متعذرة، وجوامك المدارس قليلة كدرة، وأكثر من يتعيّش اليهود والنصارى في كتابة الطب والخراج؛ والنصارى يمتازون بالزنّار في أوساطهم واليهود بعمائم صفر، ويركبون البغال ويلبسون الملابس الجليّة. ويأكل أهل القاهرة البطارخ، ولا تُصنع حلاوة القمح إلا بها؛ وفيها جوارٍ طبّاخات أصل تعليمهنّ من قصور الخلفاء الفاطميين، لهن في الطبخ صنائع عجيبة.

الثمار: الرمّان والموز كثير؛ التفاح والإجاص والخوخ قليل غالٍ؛ والعنب والتين قليل غالٍ لكثرة ما يُعصر العنب في أرياف النيل، وشرابه عندهم في غاية الغلاء. والعامة تشرب المِزْر الأبيض المتّخذ من الحنطة، حتى يطلع سعر الحنطة بسببه، فينادي المنادي من قِبَل الوالي بقطعه وكسر أوانيه. ولا يُنكَر فيها إظهار أواني الخمر ولا آلات الطرب ذوات الأوتار ولا تبرّج النساء العواهر — بخلاف بلاد المغرب.

المغاربة والأسطول: سائر الفقراء لا يُتعرَّض إليهم بالقبض للأسطول إلا المغاربة، «فذلك وقفٌ عليهم لمعرفتهم بمعاناة البحر» — وقد عمّ ذلك من يعرف البحر منهم ومن لا يعرف؛ فإن كان المغربي غنيًّا طُولب بالزكاة وضيّقت عليه السُّعاة، وإن كان فقيرًا مجرَّدًا حُمل إلى السجن حتى يحين وقت الأسطول.

---

التتار وسقوط حلب (من «عُدّة المستنجز»)

في رحلته الثانية (٦٦٦هـ)، سأل ابن سعيد أول دخوله الإسكندرية عن الملك الناصر، فأُخبر بما جرى له مع التتر حتى قتلوه بعد الأمان. وذكر دخول هولاكو حلب، وأن التتر والمرتدّين ونصارى الأرمن ارتكبوا في أهلها «ما تصمّ عنه الأسماع»، وأن ممّن قُتل في تلك الكائنة البدر بن العديم وابن عمه الافتخار بن العديم.

---

أعلام ثانويون ورد ذكرهم

  • أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الحجاري: مؤلف «المُسهب في غرائب المغرب» (نحو ستة أسفار، صُنّف ٥٣٠هـ لعبد الملك بن سعيد).
  • عَريب بن سعد القرطبي: مؤرّخ ومنجّم، لخّص تاريخ الطبري وذيّله بـ«أخبار إفريقية والأندلس»، وله كتاب الأنواء (نشره دوزي باسم «التقويم القرطبي»).
  • ابن عسكر، قاضي مالقة: عالم بالتاريخ متبحّر في العلوم، وله كتاب في أنساب بني سعيد.
  • إبراهيم بن سهل الإسرائيلي: شاعر إشبيلية، صديق ابن سعيد وزميله في الدراسة.
  • أبو العباس أحمد الغسّاني: كاتب العلامة عند المستنصر الحفصي، بالغ ابن سعيد في تفضيله: «اختبرت الفضلاء من البحر المحيط إلى حضرة القاهرة فما رأيت أفضل عشرةً منه».
  • علم الدين أيدمر التركي (فخر الترك): شاعر، مدح الفسطاط، وله ديوان.
  • أبو بكر محمد بن سعيد: صاحب أعمال غرناطة في مدة الملثّمين (المرابطين).
  • الرصافي (محمد بن غالب، ت ٥٧٢هـ): شاعر الأندلس، مدح محمد بن عبد الملك بن سعيد.

كتب ذُكرت عرضًا: «سِمط الجُمان» لابن الإمام، و«الدرة الخطيرة» لابن القطّاع — استشهد بهما ابن سعيد وبكتاب الحجاري في اعتذاره عن إيراد ترجمة نفسه في كتابه؛ و«روح السحر» — رأى ابن سعيد نسخة ملوكية منه بالمغرب كُتبت للرئيس ابن سعيد.

الباب الخامس (د): تتمة تراجم الأندلسيين الراحلين إلى المشرق

فاتحة المقطع: خبر هولاكو وعين جالوت

يفتتح المقطع بذيل خبرٍ عن رجلٍ وفد على هولاكو في مروج ناحية أرمينية وأقام يشرب معه، حتى ورد نبأ وقعة عين جالوت على التتر وانتصار الملك المظفّر قطز صاحب مصر سنة ٦٥٨هـ؛ فقُتل الرجل وخُلع عظم كتفه وجُعل في أحد الأعلام، على عادة التتر في أكتاف الملوك. (وفي نسخة «ق» أن التاريخ سنة خمسمائة وثمانين، وسقط التاريخ من نسخة «ج» — اضطراب في الأصول.)

بنو سعيد: أبو القاسم عبد الرحمن وأخوه يحيى

عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن سعيد (أبو القاسم)، أديب حسيب صعب الخلق؛ وقعت بينه وبين أقاربه وحشة أوجبت خروجه إلى أقصى المشرق. وصف مسار رحلته في رسالة إليهم: بر العدوة من الغرب الأقصى، فالغرب الأوسط، فإفريقية، فالبحر إلى الإسكندرية، فالقاهرة (أنكر وهاء مبانيها مع علوّ همم أهلها، وسمّاها «أصداف فيها جواهر»)، فالنيل، فبحر جدة، فالحج والزيارة، فدمشق، فحلب، فالموصل («مدينة عليها رونق الأندلس»)، فبغداد، ثم بلاد العجم بلدًا بلدًا حتى استقرّ ببخارى للعلم، وكتب إليهم منها ومن سمرقند. قُتل ببخارى حين دخلها التتر، وهو عمّ علي بن سعيد المؤرّخ. وله أخ اسمه يحيى آثر الجنديّة، ثم صرعه في طريقه غلامٌ كان يخدمه فذبحه على نزرٍ من المال — أورد الخبر أبو الحسن علي بن سعيد معلّقًا على تقلّب الأحوال.

تراجم موجزة

  • أبو الحسن علي بن عبد الله بن يوسف ابن حمزة، الأنصاري القرطبي، المعروف بـابن العابد؛ زاهد، نزيل رباط الصاحب الصفي بن شكر (وزير الملك العادل بمصر).
  • رضي الدين الشاطبي: أبو عبد الله محمد بن علي بن يوسف الأنصاري، شاطبي الأصل، وُلد ببلنسية سنة ٦٠١هـ، ولقّبه المشارقة برضيّ الدين. قرأ ببلده على ابن صاحب الصلاة (آخر أصحاب ابن هذيل)، وسمع من الحافظ أبي الربيع ابن سالم، وبمصر من ابن المقيّر، وحدّث عن ابن المنير. روى عنه المزّي واليونيني والظاهري، وتلميذه أبو حيّان. انتهت إليه معرفة اللغة وغريبها، وله حواشٍ في مجلدات على «صحاح» الجوهري؛ ويذكر المقّري أنه رأى بخطّه كتبًا كثيرة وحواشيَ مفيدة بمصر. توفي بالقاهرة في جمادى الأولى سنة ٦٨٤هـ. ومن فوائده مناقشةٌ نقلها عن ابن خيرة الحافظ القرطبي في رواية حديث خالد بن الوليد («أعتده» أم «أعبده»)، وردَّ ابنُ خيرة على من أنكر رواية الأثبات بأن «الإحاطة ممتنعة».
  • حميد الزاهد: أبو بكر حميد (واسمه أحمد) بن عبد الله بن الحسن الأنصاري القرطبي، نزيل مالقة؛ أبوه أبو محمد القرطبي أحد الحفّاظ. مولده ٦٠٦هـ، وتوفي بمصر يوم الثلاثاء ٢٣ ربيع الأول ٦٥٢هـ، وصُلّي عليه بجامع راشدة، ودُفن بسفح المقطّم.
  • اليسع بن عيسى بن حزم الغافقي (أبو يحيى)، من أهل بلنسية وأصله من جيّان، سكن المريّة ثم مالقة، وكتب لبعض أمراء شرقي الأندلس. رحل إلى مصر سنة ٥٦٠هـ، وألّف للسلطان صلاح الدين كتاب «المعرب في أخبار محاسن أهل المغرب». توفي يوم الخميس ١٩ رجب ٥٧٥هـ.
  • محمد بن عبد الرحمن بن علي التجيبي (أبو عبد الله)، من أهل إشبيلية — وفي «التكملة» أنه من لقنت من عمل مرسية. تجوّل في الأندلس طالبًا للعلم، ثم حجّ ولقي الحافظ السِّلفي، واستوطن تلمسان وبها توفي في جمادى الأولى ٦١٠هـ؛ وله تواليف كثيرة.
  • أبو مروان محمد بن أحمد بن عبد الملك اللخمي الباجي، من أهل إشبيلية وولي القضاء بها، وأصله من باجة إفريقية. مولده ٥٦٤هـ، خرج للحج أول المحرم ٦٣٤هـ، فدخل الشام ثم توفي بمصر في ٢٨ ربيع الأول ٦٣٥هـ. (وفي «التكملة» أنه خرج من وطنه عند مقتل ابن أخيه على يد ابن الأحمر، ونزل مرسى عكا.)
  • وليد بن بكر بن مخلد العمري (أبو العباس)، من أهل سرقسطة؛ له «الوجازة في صحة القول بالإجازة»، وله رحلة لقي فيها ألف شيخ ومحدّث وفقيه. توفي بالدينور سنة ٣٩٢هـ؛ روى عنه أبو ذر الهروي وعبد الغني الحافظ.
  • عيسى بن سليمان الرعيني الرندي (أبو محمد)، وُلد في ربيع الأول ٥٨١هـ بقرية «يلمالتين» من كورة بشتغير (نقلًا عن ابن المستوفي في «تاريخ إربل»)، استوطن مالقة، ورحل إلى المشرق وحجّ ولُقّب هناك بـ«رشيد الدين»، ثم قفل إلى المغرب أواخر ٦٣١هـ، وولي الإمامة بالمسجد الجامع بمالقة، وتوفي بها في ربيع الأول ٦٣٢هـ.
  • أبو الربيع سليمان بن أحمد الينيني، أندلسي استوطن المشرق ومدح الملك الكامل.
  • أبو جعفر أحمد بن يحيى الضبّي، رحل حاجًّا فلقي ببجاية عبد الحق الإشبيلي، وبالإسكندرية أبا طاهر ابن عوف، ولقي جماعة ممن شارك السِّلفي في شيوخه. (وفي «التكملة» أنه توفي بمرسية سنة ٥٩٩ سقط عليه هدم.)

ابن جبير صاحب الرحلة

أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير الكناني، من ولد ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة؛ شاطبي الأصل بلنسي، مولده ليلة السبت ١٠ ربيع الأول ٥٤٠هـ ببلنسية (وقيل غير ذلك). سمع من أبيه بشاطبة، ومن أبي عبد الله الأصيلي وأبي الحسن ابن أبي العيش، وتقدّم في القريض والكتابة. قال لسان الدين: هو من علماء الأندلس بالفقه والحديث والمشاركة في الآداب، وله الرحلة المشهورة.

سبب رحلته كما يرويه المقّري: كان يكتب للسيّد أبي سعيد ابن عبد المؤمن صاحب غرناطة، فأكرهه على شرب سبع كؤوس، ثم ملأ له السيّد الكأس دنانيرَ سبع مرات وصبّها في حجره؛ فأضمر أن يجعل كفّارة شربه حجًّا بتلك الدنانير، وباع ملكًا له تزوّد به، وأنفق الدنانير في سبيل البر.

خرج من غرناطة أول ساعة من يوم الخميس ٨ شوال ٥٧٨هـ، ووصل الإسكندرية يوم السبت ٢٩ ذي القعدة من السنة: فكانت إقامته على متن البحر ثلاثين يومًا، ونزل البرّ في الحادي والثلاثين. ثم حجّ، وتجوّل في الشام والعراق والجزيرة. وخاطب ببغداد الصدر الخُجندي (عبد اللطيف بن محمد، صدر الدين، من أهل أصبهان، ت ٥٨٠هـ) مستجيزًا، فأجازه بما أُجيز به وما صحّ عنده.

له قصيدتان في صلاح الدين: إحداهما تشيد برفعه مَكْس الحجاز عن الحجّاج وتأمينه تلك البلاد؛ والأخرى شكوى من ابن شكر الذي كان يأخذ المكس بالحجاز، وفيها تحريض لصلاح الدين على إزالة التشيّع من المدينة. وله مقطوعات في هجاء الفلسفة والفلاسفة ومن «لا يقتدي في الدين إلا بما سنّ ابن سينا وأبو نصر [الفارابي]».

دمشق في رحلته: سمّاها «جنّة المشرق» و«خاتمة بلاد الإسلام التي استقريناها». ومن وصفه الجامع الأموي: أنه من أشهر جوامع الإسلام حسنًا وإتقان بناء، وأنه لا تنسج به العنكبوت ولا تدخله الخطاطيف. ووصف بتفصيل هندسي «المِنجانة» (الساعة المائية) عن يمين الخارج من باب جيرون: غرفةٌ ذات طاق كبير فيه طيقان من صُفْر، فُتحت فيها أبواب صغار بعدد ساعات النهار؛ فعند انقضاء كل ساعة تسقط صنجتان من صُفْر من فمَي بازين مصوَّرين على طاستين مثقوبتين فيُسمع لهما دويّ، وينغلق باب تلك الساعة بلوح من الصُّفْر، حتى تنغلق الأبواب كلها ثم تعود إلى حالها. ولها بالليل تدبير آخر: اثنتا عشرة دائرة من النحاس مخرَّمة، خلف كل واحدة زجاجة ومصباح يدور به الماء بمقدار الساعة، فتلوح دائرة محمرّة كلما انقضت ساعة؛ ووُكِّل بها متفقِّد يعيد فتح الأبواب وردّ السنج.

وسُمّيت غرناطة «دمشق الأندلس» — ونقل ابن سعيد أن ذلك لسكنى أهل دمشق الشام بها عند دخولهم الأندلس، ولشبهها بها في كثرة المياه والأشجار وإطلال جبل الثلج عليها. وفرّق ابن جبير بينهما: غرناطة في مكان مشرف وغوطتها تحتها، ودمشق في وَهْدة تنصبّ إليها الأنهار. وعقّب ابن جابر الوادي آشي بأن ابن جبير أحسن في وصفه، لكنه لم تكن له بها إقامة فلم يُعرب عن حقيقتها ولا وصف فصولها.

رفيقه في الرحلة: أبو جعفر أحمد بن الحسن بن أحمد القضاعي، أصله من أُنْدة من بلنسية؛ رحل معه فأدّيا الفريضة، وسمعا بدمشق من أبي طاهر الخشوعي، وأجاز لهما ابن أبي عصرون والقاسم بن عساكر، ودخلا بغداد وتجوّلا مدّة ثم قفلا إلى المغرب. وكان متحقّقًا بعلم الطب وله فيه تقييد مفيد؛ وكتب عن السيّد أبي سعيد ابن عبد المؤمن، وجدّه لأمّه القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية. توفي بمرّاكش سنة ٥٩٨ أو ٥٩٩هـ ولم يبلغ الخمسين.

استطراد المقّري: إقامته بدمشق سنة ١٠٣٧هـ

ينتقل المقّري من وصف ابن جبير إلى رحلته هو: دخل دمشق أواخر شعبان سنة ١٠٣٧هـ، وأقام بها إلى أوائل شوّال من السنة، ثم ارتحل إلى مصر (وذكر أبو بكر العمري أنه «أقام شهرًا أو يزيد»). وساق بابًا طويلًا من الشعر في مدح دمشق وجامعها والمفاضلة بينها وبين مصر (لأبي تمام والبحتري وابن عنين وابن نباتة والصفي الحلي وابن الفارض وابن عبد الظاهر وغيرهم)، وردَّ شعرَ من ذمّ دمشق بأنه «دعوى خالية عن الدليل». ومن الوقائع في هذا الباب: أن ابن عنين الهجّاء صاحب «مقراض الأعراض» مدح ظهير الدين طغتكين بن أيوب أخا صلاح الدين وملكَ اليمن، فأحسن إليه إحسانًا وافرًا فخرج من اليمن بمال جمّ؛ ثم أُلزم بدفع الزكاة على متاجره بمصر أيام العزيز عثمان بن صلاح الدين فهجا الديوان.

أعيان دمشق، وإجازات المقّري ومصنّفاته

أورد المقّري نصوص ما خاطبه به علماء الشام وأدباؤه شعرًا ونثرًا — وهي مجاملات ومدائح وتقاريظ لا وقائع فيها غالبًا. ومن أصحابها: عبد الرحمن العمادي الحنفي مفتي الشام؛ أحمد بن شاهين (الشاهيني) الذي أرسل إليه مفتاح المدرسة الجقمقية ليسكن قرب الجامع الأموي؛ يحيى المحاسني (ت ١٠٥٣هـ)؛ محمد بن يوسف الكريمي (ت ١٠٦٨هـ، أتقن الفارسية والتركية والموسيقى)؛ محمد بن تاج الدين المحاسني (ت ١٠٢٧هـ، سبط البوريني)؛ محمد بن علي ابن الشيخ عمر القاري؛ إبراهيم الأكرمي (ت ١٠٤٧هـ، من خدّام ضريح ابن عربي)؛ مصطفى بن محب الدين (ت ١٠٦١هـ)؛ محمد بن سعد الكلشني (ت ١٠٣٧هـ)؛ أبو بكر العمري شيخ أدباء دمشق (ت ١٠٤٨هـ). وأُرّخت الرسائل الشامية بجمادى الثانية سنة ١٠٣٨هـ (بعد عودته إلى مصر)، وتخلّلها تعزيةُ المقّري في وفاة أمّه وابنته الصغيرة. وفي هذا الموضع تنتهي نسخة «ج» من الجزء الأول من «النفح».

إجازاته بدمشق — كتبها أراجيزَ في رمضان ١٠٣٧هـ: لأحمد بن شاهين (بعد أن قرأ عليه «إضاءة الدجنّة»)، ولأبناء المفتي العمادي الثلاثة (عماد الدين وشهاب الدين وإبراهيم)، وليحيى المحاسني (وكان يقرأ عليه الحديث بالجامع الأموي)، ولمحمد الكريمي، ولمحمد المحاسني، ولمحمد بن علي القاري. وذكر أن تآليفه تزيد على الثمانية والعشرين، ومنها هنا: «فتح المتعال في مدح النعال»، و«إضاءة الدجنّة في عقائد أهل السنّة» (أرجوزة عقدية أقرأها بمصر ومكة ثم درّسها بالجامع الأموي)، وتأليف في العمامة، و«أزهار الرياض في أخبار عياض»، و«قطف المهتصر من أفنان المختصر» (حاشية على مختصر خليل)، ورسالة في الوفق المخمّس الخالي الوسط. ويروي «صحيح البخاري» عن عمّه سعيد المقّري بسلسلة تنتهي إلى ابن حجر العسقلاني عبر القلقشندي، وله طرق أخرى عبر التنسي وابن مرزوق الخطيب والنووي وابن عساكر. وكتب تقريظًا لشرح الكلشني على رسالة الشيخ أرسلان الدمشقي.

مكاتبات المغرب وأخبارُه السياسية

ورد على المقّري بمصر — في تاريخ ورود المكاتيب الشامية — كتبٌ من أعيان المغرب:

  • محمد بن يوسف المرّاكشي التاملي («معلم الملوك»)، كتب إليه من مرّاكش في عاشوراء محرّم ١٠٣٨هـ؛ أفاد أن «أزهار الرياض» انتشر بالأقطار المرّاكشية ونُسخت منه نسخ عديدة عن نسخة أحمد بن عبد العزيز بن الولي أبي عمرو، وسأل عن «قطف المهتصر» هل خرج من المبيضّة، وطلب «طبقات القراء» للحافظ الداني إذ ليست عندهم نسخة. وضمّن كتابه سؤالين فقهيين منظومين (في أمة أولدها سيّدها فعتقت ثم تزوّجها عبدُ سيّدها، وهل لابن السيّد أن يتزوّج بنتها — إذ منع السيوري ذلك، فما الفرق بينه وبين ما أجازه ابن أبي زيد)، وأرجوزةً مضمَّنةً أشطارًا من ألفية ابن مالك.
  • علي بن عبد الواحد الأنصاري (ت ١٠٥٤هـ)، من تلاميذه بالمغرب — وفيه أهمّ أخبار المقطع السياسية: أن المغرب في تفاقم أحوال وتراكم أهوال، وأن فاسًا في شرٍّ عظيم؛ وأن السلطان أبا المعالي زيدان ملك المغرب (السعدي) توفي في محرّم سنة ١٠٣٧هـ، وبويع بعده ابنه مولاي عبد الملك، فتقاتل مع أخويه الأميرين الوليد وأحمد فهزمهما. (وأفاد المحقِّق: بويع زيدان بن أحمد المنصور سنة ١٠١٢هـ، وفي عهده جلا بقيةُ من كان من العرب بالأندلس سنة ١٠١٦هـ؛ وكان عبد الملك فاسد السيرة، قتله العلوج بمرّاكش سنة ١٠٤٠هـ.) وذكر الكاتب محمد بن أبي بكر الدلائي شيخ الزاوية الدلائية ووصفه بأنه «سيد أهل المغرب اليوم» — وكان المقّري قد أقام بالزاوية ودرس الحديث عليه. وأخبر أنه جمع طلبة العلم بمدينة سلا، وأنه ألّف: «كفاية الطالب النبيل في حل ألفاظ مختصر خليل»، وشرحًا على «المنهج المنتخب» للزقاق في قواعد مالك، ومنظومةً تزيد على ألف بيت في السِّير والشمائل، وكتابًا في رجال البخاري، وخطبًا.
  • عبد الكريم بن محمد الفكون القسنطيني (ت ١٠٧٣هـ)، عالم قسنطينة ومفتيها، صاحب «محدّد السنان في نحور إخوان الدخان» — وينقطع المقطع في أثناء رسالته.

الباب الخامس (هـ) — تتمة تراجم الأندلسيين الراحلين إلى المشرق

تمام أخبار ابن جبير (ت ٦١٤هـ)

أبو الحسين ابن جبير، أصله من شاطبة، وكان أبوه أبو جعفر من كتّابها ورؤسائها (ذكره ابن اليسع في تاريخه)، ونشأ على طريقة أبيه ثم سكن غرناطة. قال صاحب «الملتمس»: لقيته وجالسته كثيرًا ورويت عنه. نال بالأدب دنيا عريضة ثم رفضها وزهد فيها.

رحلته الأولى بلغ فيها مكة في ١٢ ربيع الآخر ٥٧٩هـ، وحلّ دمشق والموصل وبغداد، وركب من عكّا إلى المغرب مع الإفرنج، فعطبت السفينة في خليج صقلّية الضيّق، وقاسى شدائد حتى وصل الأندلس سنة ٥٨١هـ. وكان قد سكن سبتة، وتوفّيت بها زوجته عاتكة (أمّ المجد) بنت الوزير أحمد بن عبد الرحمن الوقّشي يوم السبت لعشر خلون من شعبان سنة ٦٠١هـ فدفنها بها. وبعد وفاتها قام برحلته الثالثة فوصل مكة سنة ٦٠٢هـ وجاور طويلًا. حدّث بكتاب «الشفاء» عن أبي عبد الله محمد بن عيسى التميمي عن القاضي عياض، وسمع منه بمصر الحافظان أبو محمد المنذري وأبو الحسين يحيى بن علي القرشي. توفّي بالإسكندرية يوم الأربعاء ٢٧ شعبان سنة ٦١٤هـ (وقال ابن الرقيق: في السنة بعدها).

وأورد المقّري في هذا الموضع رسالةً بعث بها إلى أحد أعلام المغرب الأوسط (ابن الفكون) مؤرَّخة يوم السبت ٧ أو ٨ رجب سنة ١٠٣٨هـ، وفيها ذكر منظومته «إضاءة الدجنّة بعقائد أهل السنة» — درّسها بالحجاز والشام، وطُبعت بمصر سنة ١٣٠٤هـ. وأعلن نيّته تأليف كتاب في دمشق يسمّيه «نشق عرف دمشق» أو «مشق قلم المدح لدمشق» (ذكر المحبّي بين مؤلفاته «عرف النشق في أخبار دمشق»، ممّا يدلّ على أنه أنجزه).

وأورد قصيدة الحسن بن علي بن عمر الفكون القسنطيني، وهي رحلة جغرافية نظمًا من قسنطينة إلى مراكش تعدّد: ميلة، بجاية، الجزائر، مليانة، تنس، مازونة، وهران، تلمسان، وجدة، الرباط، فاس، مكناسة، سلا، مراكش. ونبّه المحقّق إلى وهم المقّري: العبدري لم يروِ القصيدة عن الفكون، بل قيّدها غير مرويّة حين لم يجد بقسنطينة من يرويها.

أبو عامر ابن عيشون

رحل إلى المشرق فلم يحمد رحلته وعاد على عقبه. حكى الفتح في «القلائد» أنه دخل مصر معدمًا فبات في أحد شوارعها، فدخل عليه ابن طوفان وأعلمه أن الأفضل ابن أمير الجيوش استدعاه، فصنع له قطعة غُنّيت بين يدي الأفضل، فأمر له بخمسين مثقالًا مصرية وكسوة.

أبو مروان الطُّبني (قُتل ٤٥٧هـ)

عبد الملك بن زيادة الله الطُّبني. أهل بيت اشتُهروا بالشعر، طرأوا على قرطبة قبل الفتنة. وأبوه أبو مضر زيادة الله بن علي التميمي الطُّبني أوّل من بنى شرف البيت، وكان — قال ابن حيان — نديم محمد بن أبي عامر (المنصور)، أمتع الناس حديثًا وأحذقهم بمداخلة الملوك. أما أبو مروان فمن أهل الحديث والرواية، رحل إلى المشرق وسمع من جماعة بمصر والحجاز، وقُتل بقرطبة سنة ٤٥٧هـ، واتُّهم باغتياله ابنُه.

موقف ابن بسّام من الهجاء ومقصده من «الذخيرة»

نقل المقّري من «الذخيرة» أن ابن بسّام صان كتابه عن الهجاء المقذع، وقسّم الهجاء قسمين: «هجو الأشراف» وهو توبيخ وتعريض (كقول النجاشي في بني العجلان، والحطيئة في الزبرقان — وقد درأ عمر بن الخطاب فيهما الحدّ بالشبهة)، والسبّ المُقذِع الذي أحدثه جرير وطبقته، وهو ما أعفى منه كتابه، وعاب على الثعالبي إدخاله في «اليتيمة».

ومن خطبة «الذخيرة»: أن ابن بسّام عارض بها «يتيمة الدهر» للثعالبي، غيرةً على الأفق الأندلسي من انصراف أهله إلى أخبار المشارقة؛ وأنه لم يعرض لشعر الدولة المروانية ولا المدائح العامرية لأن ابن فرج الجيّاني سبقه بكتاب «الحدائق» معارضًا «الزهرة» للأصبهاني؛ واقتصر على أهل عصره. وذكر أنه ساق طائفة من المشارقة (الشريف المرتضى، القاضي عبد الوهاب، الوزير ابن المغربي) ائتساءً بالثعالبي.

وعرَض المقّري لأبي العباس أحمد الغفجومي المعروف بالجرّاوي، هجا قومه بني غفجوم (بربر بتادلا) وبني الملجوم أصلاء فاس. وذكر أن أوراق كتب أحد بني الملجوم — من قضاة فاس — بيعت غير مجلّدة بستة آلاف دينار.

تراجم موجزة للراحلين

  • حبيب بن الوليد المعروف بدَحّون (ت بعد ٢٠٠هـ): من ذرية عبد الملك بن مروان، رحل أيام عبد الرحمن بن الحكم، وحجّ، وقفل بعلم كثير، وكانت له حلقة بجامع قرطبة وهو يلبس الوشي الشامي حتى أوصاه الأمير بتركه. ودخل دمشق وعاملها للمعتصم عمر بن فرج الرَّخَّجي، فوافق دخوله غلاءً ومجاعة، فأمر الرخّجي بإخراج الغرباء في ثلاثة أيام، فأقام دحّون منتميًا إلى دمشق موطن أسلافه فأقرّه. ابنه بشر بن حبيب (الحبيبي) من مشاهير قرطبة، وأمّه مدنية راوية عن مالك، وابنته عبدة بنت بشر لها رواية.
  • بهلول بن فتح من أهل أقليش: له رحلة حجّ فيها؛ أورد المقّري عنه خبر منام.
  • أبو الحسن ثابت بن أحمد الشاطبي: روى عن أبي زيد بن يعيش المهري، ورحل حاجًّا، وسمع منه بالإسكندرية ابن المفضّل المقدسي.
  • أبو أحمد جعفر بن لُبّ اليحصبي: سكن شاطبة وأصله من أنشيان؛ حجّ وسمع أبا طاهر ابن عوف والحافظ السِّلَفي وابن المفضّل؛ قدم تلمسان سنة ٥٨٦هـ؛ توفّي بعد ٥٩٠هـ.
  • أبو أحمد جعفر بن سِيدبونه الخزاعي العابد (ت ٦٢٤هـ): من قسطنطانية (عمل دانية)؛ أخذ القراءات عن ابن هذيل؛ حجّ؛ صار شيخ المتصوفة في وقته؛ رآه ابن الأبار ببلنسية سنة ٦١١هـ؛ توفّي منتصف ذي القعدة ٦٢٤هـ عن سنّ تقارب المائة، وظلّ الناس ينتابون قبره حتى أجلى الرومُ المسلمين عن شرق الأندلس في رمضان ٦٤٥هـ.
  • أبو جعفر النحوي: أندلسي نزل مصر، من رؤساء أهل النحو.
  • أبو الحسن جابر بن أحمد الخزرجي القرطبي: سمع من ابن عتّاب، وحجّ، وكان أديبًا ناظمًا.
  • أبو الحسن جهور بن خلف المعافري: حجّ، وسمع بالإسكندرية من السِّلَفي سنة ٥٣٩هـ.
  • أبو علي الحسن بن حفص البهراني: تجوّل بالمشرق فسمع بسرخس وهراة والأهواز وبغداد ومصر، وقدم دمشق ونيسابور.
  • أبو علي الحسن بن خلف الأموي المعروف بابن برنجال (ت نحو ٥٠٠هـ): من دانية؛ حجّ وسمع ببيت المقدس من نصر بن إبراهيم سنة ٤٦٥هـ، وبعسقلان؛ فقيه مالكي ولي الأحكام ببلده.
  • أبو علي الحسن بن إبراهيم بن تقي الجذامي المالقي: روى بقرطبة عن ابن عتّاب، وعن أبي سكّرة الصدفي بمرسية سنة ٥٠٨هـ؛ سمع مجالس السِّلَفي التي أملاها بسلماس في رجب ٥١٥هـ. ونُقل بإسناده خبر أبي ذرّ الهروي في سبب تمذهبه لمالك والأشعري (لزومه القاضي أبا بكر الباقلاني بعد أن رآه الدارقطني يكرمه).
  • أبو علي الحسن بن علي الأنصاري البطليوسي: حجّ وتجوّل؛ سمع الصحيحين، وسمع «المقامات» من الحريري ببستانه ببغداد؛ نزل مكة وجاور بها وحدّث؛ لقيه ابن عساكر وروى عنه؛ سُمع منه في صفر ٥٦٦هـ.
  • أبو علي الحسن بن محمد الأنصاري المعروف بابن الرَّهبيل (ت ٥٨٥هـ): من لَريَة (عمل بلنسية)؛ أخذ القراءات عن ابن النعمة وابن هذيل؛ لقي بالإسكندرية سنة ٥٧٢هـ السِّلَفي وابن الحضرمي؛ جاور بمكة؛ تزاحم عليه طلبة الإسكندرية لسماع «التيسير» لأبي عمرو المقرئ؛ قفل فأصابه خدر منعه التصرّف؛ توفّي غدوة الجمعة ٨ شعبان ٥٨٥هـ.
  • الحسين بن أحمد بن حيّ التجيبي القرطبي (ت ٤٥٦هـ): أخذ علم العدد والهندسة عن ابن برغوث؛ كَلِف بصناعة التعديل (الفلك)، وله زيج مختصر ذكره القاضي صاعد؛ خرج من الأندلس سنة ٤٤٢هـ بعد محن، ولحق بمصر ثم اليمن، فاتصل بأميرها وبعثه رسولًا إلى الخليفة القائم بأمر الله ببغداد؛ توفّي باليمن بعد انصرافه من بغداد سنة ٤٥٦هـ.
  • أبو يوسف حماد بن الوليد الكلاعي: أخذ بقرطبة عن القنازعي، وحدّث بالإسكندرية سنة ٤٤٧هـ بتأليفيه «شرح الاعتقاد» و«قمع الحرص وقصر الأمل والحثّ على العمل».
  • أبو القاسم خلف بن فتح الجبيري الطرطوشي: رحل ومعه ابنه أبو عبيد الله القاسم صغيرًا. وعليه نزل القاضي منذر بن سعيد بطرطوشة في ولايته قضاء الثغور الشرقية — وكانت ولايته للثغور مع الإشراف على العمال والنظر في المختلفين من بلاد الإفرنج سنة ٣٣٠هـ. وفيه خبر غضب منذر على أرجوزة ابن عبد ربه إذ جعل معاوية رابع الخلفاء ولم يذكر عليًّا.
  • أبو القاسم خلف بن محمد الغرناطي: روى بالإسكندرية عن مهدي بن يوسف الورّاق.
  • أبو القاسم خلف بن فرج القنطري (من قنطرة السيف، سكن بطليوس، يُعرف بابن الروية): حجّ، ولقي بمكة رزين بن معاوية الأندلسي فحمل عنه كتابه في تجريد الصحاح سنة ٥٠٥هـ؛ كان فقيهًا مشاورًا.
  • زرارة بن محمد الأندلسي: سمع بمصر من الحسن بن رشيق سنة ٣٦٧هـ.
  • طاهر الأندلسي المالقي: خرج من قرطبة لما دخلها البرابر عنوة سنة ٤٠٣هـ، فلم يزل بمكة إلى حدود ٤٥٠هـ، وأقرأ على مقربة من باب الصفا؛ كان من أصحاب أبي عمر الطلمنكي.
  • أبو الطاهر الأندلسي من لبلة: نزل مصر، وكانت له حلقة بجامع عمرو بن العاص؛ نحوي.
  • أبو محمد طارق بن موسى المنصفي المخزومي (ت ٥٤٩هـ): من قرية المنصف غربي بلنسية؛ رحل قبل ٥٢٠هـ وجاور بمكة، وأخذ «إحياء علوم الدين» للغزالي عن مؤلفه بواسطة الشريف عبد الباقي الزهري (شقران)؛ سمع بالإسكندرية من الطرطوشي والسِّلَفي؛ ثم رحل ثانيةً سنة ٥٤٢هـ وقد نيّف على السبعين، فأقام بمكة حتى مات سنة ٥٤٩هـ.
  • محمد بن إبراهيم بن مزين الأودي (ت ١٨٣هـ): من أكشولبة غربي الأندلس؛ ولاّه عبد الرحمن بن معاوية (الداخل) قضاءَ الجماعة بقرطبة في المحرّم سنة ١٧٠هـ، فأقام شهرًا ثم استعفى فأُعفي؛ رحل حاجًّا وسمع من مالك بن أنس.
  • أبو عبد الله محمد بن أحمد حيّاز الشاطبي (ت ١١ رجب ٧١٨هـ): قدم مصر، وعمل فهرست شيوخه على حروف المعجم.
  • القاضي أبو مروان محمد بن أحمد اللخمي الإشبيلي (ت ٦٣٥هـ) — من بني الباجي، بيت كبير كثير العلماء، أصلهم من باجة القيروان (وليس منهم أبو الوليد الباجي، فذاك من باجة الأندلس). قدم حاجًّا في البحر إلى عكّا، ودخل دمشق في ٦ رمضان ٦٣٤هـ ونزل بالمدرسة العادلية. ومنه استفاد أبو شامة معاينة قدر مُدّ النبي المتوارث في بيتهم؛ وقد ذكره ابن حزم في «المحلّى»: كاله بالقمح فوجده رطلًا ونصفًا بالفلفلي (والرطل الفلفلي ست عشرة أوقية، كل أوقية عشرة دراهم)، وبالشعير رطلًا وأوقية ونصفًا؛ قال المقّري: «وفي تقدير ابن حزم نظر». وقايس أبو شامة به المدّ الدمشقي فوجد مدّهم يسع صاعين إلا يسيرًا. توفّي بالقاهرة سنة ٦٣٥هـ بعد رجوعه من الحج. (والترجمة مكرَّرة، سبقت برقم ١٧٣.)
  • أبو العباس أحمد بن محمد الواعظ الإشبيلي ثم المصري (ت ٦٨٤هـ): واعظ أديب. وشكّ المقّري نفسه: أهو ممّن ارتحل بنفسه أم وُلد بمصر وارتحل بعض سلفه؟ (ونبّه المحقّق أنه الشاعر «زين الدين كتاكت»، وُلد بتنّيس سنة ٦٠٥هـ، فلا يصحّ عدّه في الراحلين).
  • زكي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عبد العزيز الإشبيلي المالكي (ت ٦٨٧هـ): محدّث زاهد، سمع بمصر ودمشق وحلب، وأفتى ودرّس، وهو أول من باشر مشيخة الحديث بالظاهرية بدمشق؛ توفّي عن نيّف وسبعين سنة.

بقيّ بن مخلد القرطبي (٢٠١–٢٧٦هـ)

أبو عبد الرحمن بقيّ بن مخلد، الحافظ، صاحب التفسير والمسند. أخذ عن يحيى بن يحيى الليثي ومحمد بن عيسى الأعشى، وارتحل إلى المشرق فسمع بالحجاز من مصعب الزهري وإبراهيم بن المنذر، وبمصر من يحيى بن بكير، وبدمشق من هشام بن عمّار وصفوان بن صالح، وببغداد من أحمد بن حنبل، وبالكوفة من ابن أبي شيبة وابن نمير، وبالبصرة من أصحاب حماد بن زيد. عدد شيوخه ٢٣٤ رجلًا. كان لا يقلّد بل يفتي بالأثر. وُلد في رمضان ٢٠١هـ وتوفّي في جمادى الآخرة ٢٧٦هـ.

قال ابن حزم: أقطع أنه لم يؤلَّف في الإسلام مثل تفسيره، لا تفسير الطبري ولا غيره؛ وقال إن مسنده روى فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب ونيّف، ورتّب حديث كل صحابي على أبواب الفقه، فهو مسند ومصنَّف معًا، وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله؛ وله مصنَّف في فتاوى الصحابة والتابعين أربى فيه على مصنَّفات ابن أبي شيبة وعبد الرزّاق وسعيد بن منصور.

ولمّا أدخل بقيٌّ الأندلسَ «مصنَّف ابن أبي شيبة» وقُرئ عليه، أنكر أهل الرأي ما فيه من الخلاف ومنعوه من قراءته وقام عليه العامة، فاستحضره الأمير محمد بن عبد الرحمن وتصفّح الكتاب جزءًا جزءًا، ثم أمر خازن كتبه بنسخه للخزانة، وقال لبقيّ: انشر علمك وارْوِ ما عندك، ونهاهم أن يتعرّضوا له. وأورد المقّري خبر كرامة في استجابة دعائه لامرأة أُسر ابنها عند الفرنج.

يوسف بن يحيى الأزدي المغامي (ت ٢٨٨هـ)

من أهل قرطبة وأصله من طليطلة، من ذرية أبي هريرة. سمع من يحيى بن يحيى، وروى عن عبد الملك بن حبيب مصنّفاته، وارتحل إلى مصر وسمع من يوسف بن يزيد القراطيسي، ثم عاد ثم رجع إلى مصر فأقام بها وعظم أمره بالمشرق. توفّي بالقيروان سنة ٢٨٨هـ. بيّن بمصر «الواضحة» لابن حبيب، وصنّف ردًّا على الشافعية في عشرة أجزاء، وألّف «فضائل مالك».

استطراد في التعصّب المذهبي وابن خلدون وتيمورلنك: ذكر المقّري أن القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي ألّف «النصرة لمذهب إمام دار الهجرة» في مائة جزء، فوقع بخطّه بيد بعض قضاة الشافعية بمصر فغرّقه في النيل؛ ثم أُسر ذلك القاضي مع من أُسر من العلماء بعد هزيمة السلطان فرج بن برقوق أمام تيمورلنك بالشام، فغرق في الفرات — ورأى بعضهم في ذلك جزاءً من جنس العمل.

ونجا من تلك الورطة ابن خلدون صاحب «العبر»، إذ كان من جملة القضاة الحاضرين في الهزيمة، فقدّم نفسه للكلام، وخلب تيمورلنك بلسانه؛ وجرى بينهما حوار في ذكره وذكر بختنصر في التاريخ («أفعالكما العظيمة ألحقتكما بالذكر مع ذوي المراتب الجسيمة»)، ثم استأذنه في الذهاب إلى مصر ليأتيه بكتابه فذهب ولم يعد. وأورد كذلك خبر تعنّت تيمورلنك بعلماء حلب («فمن الذي في الجنة، قتلانا أو قتلاكم؟») وجواب ابن الشحنة بحديث «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا».

بيت ابن عطية

  • أبو بكر ابن عطية (غالب بن عبد الرحمن بن عطية): حافظ، رحل إلى المشرق لأداء الفرض شابًّا فروى وقيّد ولقي العلماء، وهو أحد مشايخ القاضي عياض.
  • ابنه أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي (٤٨١–٥٤٦هـ): المفسّر، عالم بالتفسير والأحكام والحديث والفقه والنحو واللغة؛ ولي قضاء المرية في المحرّم سنة ٥٢٩هـ، وعُرف بسريّ الهمّة في اقتناء الكتب؛ روى عن أبيه وأبَوَي علي الغساني والصدفي؛ ألّف تفسيره «الوجيز» وبرنامجًا بمروياته وأسماء شيوخه. توفّي في ٢٥ رمضان ٥٤٦هـ بلورقة، وكان قد قصد ميورقة (وفي الإحاطة: مرسية) ليتولى قضاءها فصُدّ عن دخولها وصُرف إلى لورقة اعتداءً عليه.

شهاب الدين ابن فَرَح الإشبيلي (٦٢٥–٦٩٩هـ)

أحمد بن فَرَح اللخمي الإشبيلي الشافعي، الحافظ. أسره الإفرنج سنة ٦٤٦هـ ثم خلص، وقدم مصر سنة بضع وخمسين وستمائة، وتفقّه قليلًا على العزّ بن عبد السلام، وسمع بمصر ودمشق (من ابن عبد الدائم وغيره). كانت له حلقة بكرةً بالجامع الأموي، وعُرضت عليه مشيخة دار الحديث النورية فأباها. سمع عليه الذهبي وروى عنه في تصانيفه. صاحب القصيدة الغزلية في ألقاب الحديث («غرامي صحيح…») التي شرحها جماعة من أهل المشرق والمغرب. توفّي ٩ جمادى الآخرة ٦٩٩هـ بالإسهال.

  • عبد العزيز بن عبد الملك بن نصر، أبو الأصبغ الأموي: وُلد بقرطبة، سمع بمكة ودمشق ومصر، وتوفّي ببخارى سنة ٣٦٥هـ.
  • القاضي أبو البقاء خالد بن عيسى البلوي: صاحب الرحلة «تاج المفرق في تحلية علماء المشرق»؛ قال شعرًا بمصلّى تونس في عيد النحر سنة ٧٣٧هـ. اتُّهم بانتحال أسجاع العماد الأصبهاني في «البرق الشامي»، وهجاه لسان الدين ابن الخطيب بذلك، ووصفه في «خطرة الطيف» عند ذكر قنتورية (من عمل المرية) وصفًا ساخرًا («تشبّه بالمشارقة شكلًا ولسانًا»).
  • برهان الدين أبو إسحاق ابن الحاج النميري الغرناطي: له رحلة، نقل فيها عن شيخه خليل التوزري إمام المالكية بالحرم؛ وأورد فيها أدعية وأعمالًا للأمن من العدوّ («وهو مجرَّب»).

أثير الدين أبو حيّان الغرناطي (٦٥٤–٧٤٥هـ)

محمد بن يوسف بن علي النفزي الغرناطي، إمام النحاة بالديار المصرية. مولده بمطخشارش من غرناطة (لا مدينة مستقلة، كما نبّه المقّري ردًّا على الصفدي) في أخريات شوال ٦٥٤هـ. خرج من الأندلس مفتتح سنة ٦٧٩هـ، وسببُ خروجه شرٌّ وقع بينه وبين شيخه أحمد بن علي بن الطبّاع، إذ ألّف «الإلماع في إفساد إجازة ابن الطباع»، فرفع الطبّاعُ أمرَه إلى الأمير محمد بن نصر المدعو بالفقيه، فنفذ الأمر بتنكيله، فاختفى ثم أجاز البحر مختفيًا (وقال هو: لم أُقم بفاس إلا ثلاثة أيام). استوطن القاهرة بعد حجّه.

قرأ القراءات بغرناطة على عبد الحق بن علي نحوًا من عشرين ختمة، ثم على أبي جعفر الطبّاع، ثم السبع على أبي علي بن أبي الأحوص بمالقة، ثم على المريوطي بالإسكندرية، ثم على أبي الطاهر ابن المليحي بمصر. قال: سمعتُ بغرناطة ومالقة وبلّش والمرية وبجاية وتونس والإسكندرية ومصر والقاهرة ودمياط والمحلة وطهرمس والجيزة ومنية بني خصيب ودشنا وقنا وقوص وبلبيس وعيذاب وينبع ومكة وجدّة وأيلة. وعدد من سمع منهم خمسمائة، والمجيزون أكثر من ألف (وفي رواية الصفدي: نحو ٤٥٠ سمع منهم). ودرّس التفسير بالقبة المنصورية، والإقراء بالجامع الأقمر، وكان شيخ المحدّثين بالمدرسة المنصورية.

هو الذي جسّر الناس على مصنّفات ابن مالك ورغّبهم فيها وشرح غامضها، وكان لا يُقرئ أحدًا إلا في كتاب سيبويه أو «التسهيل» أو تصانيفه، وقال إنه لا يعلم راويًا لكتاب سيبويه بمصر والشام والعراق واليمن غيره. كان أوّلًا يرى رأي الظاهرية ثم تمذهب للشافعي. مدح ابن تيمية بقصيدة ثم انحرف عنه ومات على انحرافه — قيل بسبب وقوفه على «كتاب العرش» له، وقيل لأنه قال له يومًا: «كذا قال سيبويه»، فقال ابن تيمية: «يكذب سيبويه». وكان يفتخر بالبخل ويوصي بحفظ الدراهم، ويعيب على مشتري الكتب ويقول: أنا أستعير من خزائن الأوقاف.

من مصنّفاته (وهي تزيد على خمسين، بعدّ الرعيني): البحر المحيط في التفسير؛ إتحاف الأريب بما في القرآن من الغريب؛ الأسفار؛ التجريد لأحكام سيبويه؛ التذييل والتكميل في شرح التسهيل؛ التنخيل؛ التذكرة؛ المبدع في التصريف؛ الموفور؛ التقريب؛ التدريب؛ غاية الإحسان؛ النكت الحسان؛ الارتضاء في الفرق بين الضاد والظاء؛ عقد اللآلي؛ نكت الأمالي؛ وسلسلة كتب في القراءات (النافع في قراءة نافع، الأثير في قراءة ابن كثير، المورد الغمر في قراءة أبي عمرو، الروض الباسم في قراءة عاصم، المزن الهامر في قراءة ابن عامر، الرمزة في قراءة حمزة، تقريب النائي في قراءة الكسائي، غاية المطلوب في قراءة يعقوب، النيّر الجلي في قراءة زيد بن علي)؛ الوهاج في اختصار المنهاج؛ الأنوار الأجلى في اختصار المحلّى؛ الحلل الحالية في أسانيد القرآن العالية؛ الإعلام بأركان الإسلام؛ نثر الزهر ونظم الزهر؛ قطر الحَبِيّ في جواب أسئلة الذهبي؛ فهرست مسموعاتي؛ نوافث السحر في دمائث الشعر؛ تحفة النَّدُس في نحاة الأندلس؛ الأبيات الوافية في علم القافية؛ مشيخة ابن أبي المنصور. وفي اللغات: الإدراك للسان الأتراك؛ زهو الملك في نحو الترك؛ نفحة المسك في سيرة الترك؛ الأفعال في لسان الترك؛ منطق الخرس في لسان الفرس؛ (ولم يكملا) نور الغبش في لسان الحبش؛ المخبور في لسان اليخمور. ومما لم يُكمل أيضًا: مسلك الرشد في تجريد مسائل نهاية ابن رشد؛ منهج السالك على ألفية ابن مالك؛ نهاية الإغراب في التصريف والإعراب؛ خلاصة التبيان في البديع والبيان. وعاب عليه الشريف ابن راجح تضييع عمره في لسان الأتراك.

وصفه الصفدي: شيخ حسن العِمّة مليح الوجه، منوَّر الشيبة، عبارته فصيحة بلغة الأندلس، يعقد حرف القاف قريبًا من الكاف إلا في القرآن. كانت له خصوصية بالأمير سيف الدين أرغون كافل الممالك. ولمّا ماتت ابنته نُضار استأذن السلطان الملك الناصر محمدًا في دفنها بداره بالبرقية فأذن له. ونُضار: وُلدت جمادى الآخرة ٧٠٢هـ وتوفّيت جمادى الآخرة ٧٣٠هـ في حياة أبيه، حجّت وسمعت وحدّثت وخرّجت جزءًا لنفسها وكانت تُعرب جيّدًا، وأجازها أبو جعفر ابن الزبير، فألّف أبوها فيها «النُّضار في المسلاة عن نُضار» ولازم قبرها سنة.

توفّي بمنزله خارج باب البحر بالقاهرة يوم السبت بعد العصر ٢٨ صفر سنة ٧٤٥هـ، ودُفن من الغد بمقبرة الصوفية خارج باب النصر، وصُلّي عليه صلاة الغائب بالجامع الأموي بدمشق في ربيع الآخر. ورجّح المقّري رواية أهل المشرق (٧٤٥هـ) على ما شاع عند أهل المغرب (٧٤٣هـ). وأورد المقّري وصيته الجامعة، وأهمّ ما فيها: ترك الكلام في ذات الله وصفاته وأحوال الأنبياء وما جرى بين الصحابة وأئمة المذاهب وصالحي الأمة، وإعذار الناس في مباحثهم، وترك الخوض في علوم الأوائل، والإكثار من مطالعة التواريخ «فإنها تلقح عقلًا جديدًا».

من أقام بالعدوة ولم يبلغ المشرق

  • أبو الحسن حازم بن محمد القرطاجني (٦٠٨–٦٨٤هـ): نحوي ناظم ناثر؛ استقرّ بتونس ومدح المستنصر بالله الحفصي بقصيدته الطائية (وفيها تحريض على غزو الأندلس وذكرُ عبور موسى وطارق من سبتة إلى جبل الفتح)؛ له عدة تآليف؛ توفّي ليلة السبت ٢٤ رمضان ٦٨٤هـ بتونس؛ أخذ عنه ابن رشيد الفهري وأثنى عليه العبدري.
  • ابن الأبّار (٥٩٥–٦٥٨هـ): أبو عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي البلنسي، الحافظ الكاتب. كتب ببلنسية للسيّد أبي عبد الله ثم للسيّد أبي زيد ثم للأمير ابن مردنيش. ولمّا نازل الطاغيةُ بلنسيةَ بعثه الأمير زيّان بن مردنيش مع وفد أهلها إلى السلطان أبي زكريا يحيى الحفصي بالبيعة واستصراخًا لدفع العدوّ، فأنشده قصيدته السينية: «أدرك بخيلك خيل الله أندلسا». وبعد سقوط بلنسية انتقل بأهله إلى تونس، فرشّحه السلطان لكتب علامته، ثم أراد صرفها إلى أبي العباس الغسّاني لإحسانه الخطّ المشرقي المؤثَر عند السلطان، فسخط ابن الأبّار ورمى بالقلم، فأُمر بلزوم بيته؛ فاستعتب بتأليف «إعتاب الكتّاب» عدّ فيه من عوتب من الكتّاب، واستشفع بابن السلطان المستنصر، فأُعيد إلى الكتابة. ثم في عهد المستنصر قُبض عليه ورُفعت كتبه فأُلفيت بينها رقعةٌ بأبيات في ذمّ الخليفة، فأمر بامتحانه ثم بقتله، فقُتل قعصًا بالرماح وسط محرّم ٦٥٨هـ، ثم أُحرق جسده ومعه مجلدات كتبه وأوراق سماعه ودواوينه. وكان أعداؤه يلقّبونه بـ«الفار»، وجرت بينه وبين علي بن شلبون البلنسي مهاجاة. مصنّفاته: تكملة الصلة لابن بشكوال؛ قِطع الرياض (مختار الأشعار)؛ هداية المعترف في المؤتلف والمختلف؛ كتاب التاريخ (وبسببه قُتل)؛ تحفة القادم في شعراء الأندلس؛ الحلة السيراء في أشعار الأمراء؛ إعتاب الكتّاب؛ معجم أصحاب الصدفي. وكان هو وحازم القرطاجني «فرسي رهان»، غير أن ابن الأبّار أكثر رواية.

آخر التراجم في المقطع

  • الحافظ أبو المكارم جمال الدين ابن مسدّي (٥٩٨–٦٦٣هـ): محمد بن يوسف بن موسى بن مسدّي المهلَّبي الأزدي الأندلسي. طاف البلاد الإسلامية غربًا وشرقًا، وفُوّضت إليه خطابة الحرم الشريف بمكة. ترجم لمن لقي من الأعيان، وعدّتهم أربعة آلاف شيخ. له مسند غريب جمع فيه مذاهب المتقدمين والمتأخرين. كان يكتب بالقلمين المغربي والمشرقي كليهما في غاية الجودة. قُتل مسمومًا على يد حسّاده سنة ٦٦٣هـ بمكة.
  • الكاتب أبو القاسم خلف بن عبد العزيز الغافقي القبتوري: إشبيلي المولد والمنشأ، وُلد في شوال ٦١٥هـ، وقرأ على الأستاذ الدبّاج (وينقطع المقطع هنا).

الباب الخامس (و) — خاتمة تراجم الأندلسيين الراحلين إلى المشرق

خاتمة الباب الخامس: تراجم متتابعة (نحو أرقام ٢٢١–٣٠٧) لأندلسيين رحلوا إلى المشرق حاجّين أو طالبي علم، أكثرهم محدِّثون ومقرئون، وفيهم أطباء ونباتيّون ووزراء ورياضيّون. ينقل المقّري جلّها عن «تكملة» ابن الأبار و«الذيل والتكملة» لابن عبد الملك المراكشي و«الإحاطة» و«الضوء اللامع» للسخاوي.

النبات والطب

ابن الرومية (أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرّج الأموي الإشبيلي النباتي): مولده نحو ٥٦١ أو ٥٦٧، ووفاته بإشبيلية مستهلّ ربيع الآخر ٦٣٧. صنّف كتابًا في الحشائش رتّب أسماءها على حروف المعجم، ورحل فدخل حلب ودمشق (سمع من ابن الحرستاني وابن ملاعب وابن العطار) وبغداد والموصل. كان ظاهريًّا متعصّبًا لابن حزم بعد تفقّهه على المالكي ابن زرقون، فاق أهل زمانه في معرفة النبات، وقعد في دكان بإشبيلية يبيع الحشائش وينسخ؛ ومرّ به ابن هود سلطان الأندلس فسلّم فلم يرفع إليه رأسه. كتبه: «الحافل في تكملة الكامل لابن عدي» (كبير)، ومختصر «الكامل» في مجلدين، و«المعلم بما زاده البخاري على مسلم»، ومختصر كتاب الدارقطني في غريب حديث مالك، وفهرسة أفرد فيها روايته بالأندلس من روايته بالمشرق. لقيه ابن الأبار غير مرة. وسُئل عن قصب الذريرة الذي انقطع خبره فقال: هو موجود بالأهواز، ولكنهم لا يعلمون أين يطلبونه.

ابن البيطار (ضياء الدين عبد الله بن أحمد المالقي، نزيل القاهرة): أوحد زمانه في معرفة النبات؛ سافر إلى بلاد الأغارقة وأقصى بلاد الروم والمغرب وعاين منابت النبات. خدم الكامل بن العادل فجعله رئيسًا على سائر العشّابين وأصحاب البسطات بالديار المصرية، ثم خدم ابنه الصالح. توفي في شعبان ٦٤٦. مصنّفاته: «الجامع في الأدوية المفردة»، و«المغني» في الأدوية، و«الإبانة والإعلام بما في المنهاج من الخلل والأوهام»، و«الأفعال العجيبة والخواص الغريبة»، وشرح كتاب ديسقوريدس. ونقل المقّري عن ابن سعيد في «المغرب» أنه جمع في كتابه ما قدر عليه من تصانيف الأدوية المفردة ككتب الغافقي والزهراوي والشريف الإدريسي، ورتّبه على حروف المعجم.

عبد المنعم بن عمر الغسّاني الجُلْيانيّ («حكيم الزمان»)، وُلد بقرية جِليانة من أعمال غرناطة في ٧ المحرم ٥٣١، قدم القاهرة ثم سكن دمشق، ودخل بغداد ٦٠١ فنزل النظامية، وتوفي بدمشق ٦٠٢ (وذُكر له في موضع آخر ٦٠٣). طبيب حاذق، له معرفة بعلم الباطن، ومن كتبه «جامع أنماط السائل» في العروض والخطب والرسائل. حضر العسكر الناصري بظاهر عكا سنة ٥٨٦. وقال له القاضي الفاضل بحضرة صلاح الدين تصغيرًا لشأنه: كم بين جليانة وغرناطة؟ فأجاب: مثل ما بين بيسان وبيت المقدس.

أبو الحكم عبيد الله بن المظفّر الباهلي: وُلد بالمرية ٤٨٦، حج ٥١٦ و٥١٨، وأقام ببغداد يعلّم الصبيان، ثم خدم السلطان محمود بن ملكشاه سنة ٥٢١ فأنشأ لمعسكره مارستانًا يُنقل على أربعين جملًا وكان طبيبه. مات بدمشق ٥٤٩ ودُفن بباب الفراديس. عارف بالأدب والطب والهندسة، وله ديوان «نهج الوضاعة لأولي الخلاعة» ذكر فيه شعراء دمشق (كطالب الصوري وعرقلة)، ورثى فيه أنواعًا من الدواب والأثاث، وشرحه ابنه أبو المجد. وكان أعور، هجاه عرقلة.

المحدِّثون والحفّاظ والفقهاء

أبو عمر ابن عات (أحمد بن هارون النفزي الشاطبي، مولده ٥٤٢): من أكابر المحدِّثين، يسرد الأسانيد والمتون ظاهرًا؛ كان أهل شاطبة يفاخرون بـ«أبَوَي عمر»: ابن عبد البر وابن عات. له برنامجان: «النزهة في التعريف بشيوخ الوجهة» و«ريحانة التنفّس وراحة الأنفس في ذكر شيوخ الأندلس». شهد وقيعة العقاب التي أفضت إلى خراب الأندلس ففُقد فيها ولم يوجد حيًّا ولا ميتًا، يوم الاثنين منتصف صفر ٦٠٩ (قاله ابن الأبار).

أبو العباس القرطبي صاحب «المفهم في شرح مسلم»: أحمد بن عمر الأنصاري، وُلد بقرطبة ٥٧٨، انتقل إلى المشرق واستقرّ بالإسكندرية شاهدًا ومدرّسًا، واختصر الصحيحين، وله «كشف القناع عن الوجد والسماع»؛ أخذ عنه القرطبي صاحب «التذكرة»، واعتمد عليه النووي في مواضع كثيرة. توفي بالإسكندرية رابع ذي القعدة ٦٥٦ (وفي «الديباج» أنه مات ٦٢٦، ونبّه المحقق على الخلاف).

ابن الإقليشي (أحمد بن معدّ التجيبي): أصل أبيه من إقليش، وُلد ونشأ بدانية؛ أخذ العربية بـبلنسية عن البطليوسي، وسمع من ابن العربي وابن الدباغ، ولقي بالمرية ابن ورد وابن عطية وابن العريف. رحل إلى المشرق ٥٤٢، وجاور بمكة، وسمع جامع الترمذي من الكروخي ٥٤٧. له «النجم من كلام سيد العرب والعجم» (عارض به شهاب القضاعي)، و«الغرر من كلام سيد البشر»، و«ضياء الأولياء» (أسفار عدة). توفي بـقوص من صعيد مصر في عشر الخمسين وخمسمائة عن نيّف وستين سنة.

ومن الثانويين: أحمد بن تميم البهراني الإشبيلي (أصله لبلة) سمع ببغداد وخراسان وهراة ومرو ودمشق، ومات بدمشق قبل ٦٢٠ أو سنة ٦٢٥. ابن عياش الكناني المرسي (مولده ٥٥٢) رحل ٥٧٩ وحج ٥٨٠ وأقام بالحجاز والشام وقفل ٥٩٧، كفّ بصره ٦٢٨ ومات إثره. أبو جعفر الضبي اللورقي مات ٥٧٧ وقد قارب المائة. إبراهيم بن حصن الغافقي: أندلسي سكن دمشق، وولي حِسبتها سنة ٣٩٥ في أيام الحاكم العبيدي، ومات بها ذا الحجة ٤٠٤؛ كان مالكيًّا وقيل يذهب إلى الاعتزال — وعلّق المقّري: «ما سمعت بمالكيّ معتزليّ غير هذا»، ورجّح أنه تغيّر بخدمته الشيعة. أبو الطاهر إسماعيل العلوي الإشبيلي اتُّهم بالخلط في الأسانيد؛ وجد أبو الصبر في إسناده للموطأ نقص رجل فاستراب في الرواية عنه. عبد الله بن عيسى الشِّلبي (مولده بشِلب ٤٨٤): وليَ قضاء بلده نحو تسعة أعوام فاعتُقل بقصر إشبيلية لإقامته الحق، ثم سُرِّح فرحل، ولقي المازري بالمهدية ثلاث سنين، وحج ٥٢٧ و٥٢٨، ودخل العراق وخراسان، ومات بهراة ٥٥١ (وقيل ٥٤٨). نجيب الدين عبد العزيز اللخمي (مولده نحو ٥٧٧) سمع بمكة وبغداد وواسط وأصبهان وخراسان، وتوفي بالبصرة في ١٠ رمضان ٦١٧ ودُفن إلى جانب سهل التستري. أبو بكر ابن ياسر الجيّاني (مولده بجيّان ٤٩٣) سافر إلى العراق وخراسان وسكن بلخ، ولقيه ابن السمعاني بسمرقند سنة ٥٤٩ وببخارى ٥٥١. سعد الخير البلنسي: رحل حتى دخل الصين فكان يكتب «البلنسي الصيني»؛ تفقّه ببغداد على الغزالي، وسكن أصبهان ثم بغداد، وتوفي بها المحرم ٥٤١ ودُفن — بوصيّته — إلى جانب عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل. يحيى بن عبد العزيز ابن الخرّاز القرطبي سمع بمصر من المزني والربيع بن سليمان، وكان يميل في فقهه إلى مذهب الشافعي، توفي ٢٩٥. عبد الله بن حمود الزبيدي لازم السيرافي ثم أبا علي الفارسي، وجمع شرحًا لكتاب سيبويه، ومات ببغداد ٣٧٢. أبو بكر البكري الشريشي (مولده بشريش ٦٠١) تولّى مشيخة الصخرة بالقدس ثم مشيخة الرباط الناصري ومشيخة المالكية بدمشق، وعُرض عليه القضاء فلم يقبل، ومات ٢٤ رجب ٦٨٥ بسفح قاسيون. العلاء بن عبد الوهاب بن حزم المري أخرج عنه الخطيب البغدادي، ومات بالمرية ٤٥٤.

القرّاء والنحاة والأدباء

ابن الطحّان (عبد العزيز بن علي الإشبيلي المقرئ): وُلد بإشبيلية ٤٩٨، ورحل فدخل فاسًا ثم مصر والشام وحلب والعراق، ومات بحلب بعد ٥٥٩. كتبه: «نظام الأداء في الوقف والابتداء»، ومقدمة في مخارج الحروف، ومقدمة في أصول القراءات، وكتاب الدعاء. قيل: ليس بالغرب أعلم بالقراءات منه. — عبد الوهاب بن محمد القرطبي مؤلف «المفتاح في القراءات» ومقرئ أهل قرطبة: وُلد ٤٠٣ ومات ذا القعدة ٤٦١؛ قرأ على الأهوازي بالمشرق وبحرّان ومصر ومكة، وكانت الرحلة إليه في وقته. — عبد العزيز السعدي الشاطبي رتّب «غريب الحديث» لأبي عبيد على حروف المعجم، ومات بحوران رمضان ٤٦٥. — ابن خروف (علي بن محمد القيسي القرطبي، القيذافي) الشاعر: قدم مصر ثم حلب ومات بها متردّيًا في جبّ حنطة ٦٠٢ (وقيل ٦٠٣ أو ٦٠٥)؛ نُسب إليه شرح كتاب سيبويه (حمله إلى صاحب المغرب فأعطاه ألف دينار) وشرح جمل الزجاجي ورد على السهيلي — ونبّه المحقق على أن المقّري خلط بين ابن خروف النحوي الإشبيلي (ت ٦٠٩) وابن خروف الشاعر القرطبي، ووقع في هذا الخلط ابن شاكر والسيوطي أيضًا.

ابن جابر الأندلسي (شمس الدين محمد بن جابر الضرير، من المرية): رحل فدخل مصر والشام واستوطن حلب، صاحب البديعية المعروفة بـ«بديعية العميان» (الحلّة السِّيَرا)، وله شرح ألفية ابن مالك، وديوان وأمداح نبوية؛ توفي جمادى الآخرة ٧٨٠. أورد له المقّري خمسة أبيات وَرَّى فيها بعشرين كتابًا (العرائس للثعالبي، النوادر للقالي، المطالع لابن قرقول، المشارق لعياض، الذخيرة لابن بسام، الشمائل للترمذي، النكت لعبد الحق الصقلي، القلائد لابن خاقان، رصف المباني لابن عبد النور، الرسالة لابن أبي زيد، الواضحة لابن حبيب، المسالك للبكري، الجواهر لابن شاس، التهذيب، التنبيه، منتهى السؤل لابن الحاجب، المحصول للرازي، الغاية للنووي، الحاصل، المستصفى للغزالي). — ورفيقه أبو جعفر الألبيري «البصير» (وابن جابر الأعمى)، شرح بديعية رفيقه وسمّاه «طراز الحلة وشفاء الغلة»، وكان بالمدينة سنة ٧٥٥، وزار قبر قسّ بن ساعدة بجبل سِمْعان. وأورد المقّري تقاريظ العلماء لكتاب «نسيم الصبا» لابن حبيب (منها للسبكي والصفدي وابن ريّان وناصر الدين صاحب ديوان الإنشاء) — وهي إنشاء مسجوع لا واقعة فيه.

أحمد بن صابر القيسي: كاتب أبي سعيد فرج ابن السلطان الغالب بالله بن الأحمر، ظاهريّ المذهب؛ وسببُ خروجه من الأندلس أنه كان يرفع يديه في الصلاة على ما صحّ في الحديث، فتوعّده السلطان أبو عبد الله بقطع يديه، فرحل إلى مصر. — ابن عتبة الإشبيلي فارق إشبيلية حين تولاها ابن هود واضطرمت الأندلس بفتنته، ولجأ إلى مصر فشكا ضيمه بها. — أبو بكر الصدفي الإشبيلي قرأ على الشلوبين، قدم مصر فمدح فوُصل بنزر يسير فرجع، فتوفي ببرقة.

الوزراء والثوّار والقضاة

ابن الحكيم الرندي ذو الوزارتين، وزير غرناطة: رحل إلى مصر والحجاز والشام، وأخذ عن جمع من كبار المحدِّثين (أبي اليمن ابن عساكر لقيه بالحرم، والدمياطي، والشهاب ابن الخيمي، والمَلِك الأوحد يعقوب الأيوبي، وزينب بنت عبد اللطيف البغدادي)، وأخذ العربية عن ابن أبي الربيع، وأخذ ببجاية وتونس (عن ابن الغمّاز). كان في نهاية الرياسة والتحكّم في الدولة، وخدمه العلماء الأكابر كابن خميس. كتب عن سلطانه رسالة طويلة في الحضّ على الجهاد وبذل المال والبلاد لنصرة الإسلام بالجزيرة. قُتل ومُثِّل به يوم خُلع سلطانه سنة ٧٠٨، وانتُهبت أمواله وكتبه وتحفه. وذكر ابن رشيد في «ملء العيبة» أنه صحبه في المدينة سنة ٦٨٤ وكان أرمد فمشى على قدميه عند ذي الحُليفة فأحسّ بالشفاء. وخطُّه في غاية الحسن، ونثره أعلى من شعره (كما نبّه لسان الدين في «الإحاطة»).

عبد البرّ بن فرسان الغسّاني الوادي آشي (ت ٦١١): كاتب الأمير ابن غانية (أبي زكريا يحيى بن إسحاق الميورقي) الثائر على منصور بني عبد المؤمن ثم على ذريّته إلى أيام الرشيد؛ صحبه في حركاته، وكان يقاتل بنفسه، حمل في مأزق حرب فهزم العدو ولم يعد إلا آخر الليل بالأسلاب والغنيمة. وُجّه رسولًا عن ابن غانية إلى دار الخلافة ببغداد، فأُنزل أولًا في دار بسبعة دراهم في الشهر وأُجري عليه سبعة دراهم في اليوم — إذ قيل للخليفة إن مرسِله «مغربيّ ثائر على أستاذه» — فلما كلّم فضلاء بغداد اعتذروا إليه ونُقل إلى محلّ بسبعين درهمًا وأُجريت عليه سبعون في اليوم؛ فقال لابن أميره: الأولى كانت على قدر أبيك، والثانية على قدري.

طالوت بن عبد الجبار المعافري: دخل مصر وحج ولقي مالكًا، وكان ممّن خرج على الحكم بن هشام من أهل ربض شقندة يريدون خلعه وإقامة أخيه المنذر، فزحفوا إلى قصره بقرطبة فحاربهم وقتلهم؛ فاستتر طالوت عامًا عند يهودي، ثم ترامى على أبي البسّام الكاتب ليأخذ له أمانًا فوشى به. فلما وبّخه الحكم احتجّ بقول مالك: «سلطان جائر مدةً خير من فتنة ساعة»، فأمّنه الحكم وردّه إلى منزله، وغضب على أبي البسّام فعزله عن وزارته وكتب عهدًا ألّا يخدمه أبدًا.

أبو رَكْوة الوليد بن هشام، من ولد المغيرة بن عبد الرحمن الداخل: خرج من الأندلس متجرّدًا ووصل برقة بركوة لا يملك سواها فعُرف بها؛ أظهر الزهد وعلّم الصبيان، وخدع البربر، وزعم أن مسلمة بن عبد الملك بشّر بخلافته بعلم الحدثان، وأخرج لهم أرجوزة نسبها إلى مسلمة. انحرفت قُرّة عن الحاكم فمالوا إليه وحصروا معه برقة حتى فتحوها وخطبوا له بالخلافة، وكان قيامه في رجب ٣٩٧؛ فهزم عسكر باديس الصنهاجي صاحب إفريقية وعسكر الحاكم بمصر. ورغّبته بطانة الحاكم في الوصول إلى أوسيم (بالجيزة قبالة القاهرة)، فقام بمحاربته الفضل بن صالح حتى هزمه، وجيء به إلى القاهرة فطِيف به على جمل ثم قُتل صبرًا في ١٣ رجب ٣٩٩.

عبد الله بن محمد بن أبي عامر المعافري، والد المنصور ابن أبي عامر، من قرطبة وأصله من الجزيرة الخضراء: سمع من ابن لبابة وأحمد بن خالد، ورحل فأدى الفريضة، ومات منصرفه من الحج فدُفن بطرابلس المغرب (وقيل برقّادة)، في آخر خلافة عبد الرحمن الناصر.

محمد بن عبد الرحمن الخزرجي الشاطبي: رحل وحج بعد تحصيله، وله شرح على الجزولية، وبيتهم بيت قضاء متوارث؛ ولي قضاء بجاية فعارض الولاة، وكان يرى ألّا يُقدَّم من الشهود إلا القدر الكافي وأن الكثرة مفسدة، وردّ على الملك طلبه تقديم رجل بقوله: «إن شئتم قدّمتموه وأخّرتموني». ولمّا كانت واقعة بني مرين بطنجة عُرض عليه أن يتقدّم ويبايعوه فقال: والله لا أفسد ديني. (ت ٦٩١ حسب المحقق نقلًا عن «عنوان الدراية» للغبريني.)

أواخر علماء الأندلس ومنتهى الرحلة

القَلَصادي (أبو الحسن علي بن محمد القرشي البسطي): أصله من بسطة ثم استوطن غرناطة؛ «آخر من له التآليف الكثيرة من أئمة الأندلس»، وأكثر تصانيفه في الحساب والفرائض، كشرحيه على تلخيص ابن البناء والحوفي. أخذ عن ابن فتوح والسرقسطي، ومرّ بتلمسان فأخذ عن ابن مرزوق وقاسم العقباني وابن زاغو، وبتونس عن تلامذة ابن عرفة (ابن عقاب والقلشاني وحلولو)، وحجّ فأخذ بالمشرق عن ابن حجر والجلال المحلّي والتقي الشمنّي وأبي الفتح المراغي؛ وأخذ عنه السنوسي صاحب العقائد الفرائض والحساب. عاد فاستوطن غرناطة إلى أن «حلّ بوطنه ما حلّ» فتحيّل في الخلاص وارتحل، وتوفي بـباجة إفريقية منتصف ذي الحجة ٨٩١. ومن كتبه: أشرف المسالك إلى مذهب مالك، شرح مختصر خليل، شرح الرسالة، شرح التلقين، هداية الأنام، تنبيه الإنسان إلى علم الميزان، المدخل الضروري، شرح إيساغوجي، كشف الجلباب عن علم الحساب، كشف الأسرار عن علم الغبار، قانون الحساب وشرحه، شرح ابن الياسمين في الجبر والمقابلة، كليات الفرائض، غنية النحاة، تقريب المواريث، مختصر في العروض، ورحلته الشهيرة الحاوية لشيوخه بالمغرب والمشرق.

الراعي (شمس الدين محمد بن محمد بن إسماعيل الغرناطي): وُلد بغرناطة نحو ٧٨٢، وأخذ بها عن المنتوري صاحب الفهرسة الكبيرة وابن الحفّار؛ دخل القاهرة سنة ٨٢٥ فحجّ واستوطنها، وسمع من ابن الجزري وابن حجر، وأمّ بالمؤيدية، واشتهر بالعربية. مات بالصالحية يوم الثلاثاء ٢٧ ذي الحجة ٨٥٣. من تآليفه: «انتصار الفقير السالك لمذهب الإمام الكبير مالك» (أربعة كراريس)، و«النوازل النحوية»، وشرح الجرومية المسمى «عنوان الإفادة»، وشرح الألفية، وشرح القواعد، و«الفتح المنير». وحكى عن نفسه أنه أفتى صغيرًا بمسجد قيسارية غرناطة في إمام أحدث فلم يستخلف فصلّى القوم فرادى ثم استخلفوا من أتمّ بهم: «هذا إتباع بعد القطع، وهو ممتنع عند النحويين، فصلاتهم باطلة».

ابن الأزرق (أبو عبد الله محمد بن علي، قاضي الجماعة بغرناطة): آخر المترجَمين، ومن الراحلين بعد أخذ جميع بلاد الأندلس. لازم إبراهيم بن أحمد بن فتوح مفتي غرناطة. من كتبه «بدائع السلك في طبائع الملك» — لخّص فيه كلام ابن خلدون في مقدمة تاريخه مع زوائد كثيرة — و«روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام» (مجلد ضخم، وقف عليه المقّري بتلمسان)، و«شفاء الغليل في شرح مختصر خليل» (رأى المقّري منه نحو ثلاثة مجلدات بتلمسان وقدّر تمامه بعشرين مجلدًا، وتوارد في التسمية مع ابن غازي). دخل تلمسان لمّا استولى العدو على بلاد الأندلس، ثم رحل إلى مصر فـاستنهض عزائم السلطان قايتباي لاسترجاع الأندلس فلم يُجَب — قال المقّري: «فكان كمن يطلب بيض الأنوق» — ثم حجّ وعاد فجدّد الكلام في غرضه، فدفعوه عن مصر بقضاء القضاة في بيت المقدس، فتولّاه ولم تطل مدته حتى توفي به بعد سنة ٨٩٥ (والمحقق: ذو الحجة ٨٩٦). ويُختم الباب بقوله عند نزول طاغية النصارى بمرج غرناطة.

تراجم أخرى مختصرة

أحمد بن عبد السلام الغافقي الإشبيلي (المسيلي)؛ أحمد بن إبراهيم المخزومي القرطبي؛ إبراهيم بن منبّه الغافقي (المرية ثم مرسية، ولي القضاء والخطبة، أسمع صحيح البخاري ٥٥٥ عن سلطان بن إبراهيم عن كريمة المروزية)؛ ابن فورتش السرقسطي وأخوه القاضي محمد (سمعا من أبي ذر الهروي بمكة، ت نحو ٥٠٠)؛ أبو الروح عيسى النفزي التاكرنّي (وُلد ٥٩٠ بتاكرنّا من نظر قرطبة، ورد إربل ٦٢٧، ومات بأرزن من ديار بكر ٦٢٩)؛ أبو عمرو ابن غياث الشريشي (ت ٦٢٠ عن ٩٠)؛ نور الدين علي بن أحمد الحميري المالقي النحوي؛ أحمد بن مسعود الخزرجي القرطبي (إمام في التفسير والفقه والحساب والفرائض والنحو واللغة والعروض والطب، ت ٦٠١)؛ جعفر بن سيد بونه الخزاعي (لقي أبا مدين شعيبًا، ت شوال ٦٢٤ عن نيّف وثمانين)؛ محمد بن يحيى اللبسي (أخذ عن ابن حجر، وولي قضاء المالكية بحماة، ولد ٨٠٦ وتوفي ببُرسا من بلاد الروم أواخر شعبان ٨٨٤)؛ ابن العربي الإشبيلي حفيد القاضي أبي بكر (ت بالإسكندرية ٦١٧)؛ يحيى بن قاسم القرطبي الزاهد (ت ٢٧٢ أو ٢٧٨؛ وأورد له المقّري خبر «الشجرة» التي تسجد لسجوده نقلًا عن ابن الفرضي)؛ يحيى بن مجاهد الفزاري الإلبيري (ت ٣٦٦، دُفن بمقبرة الربض)؛ زكريا بن خطاب الكلبي التطيلي (رحل ٢٩٣، استقدمه الحكم المستنصر وهو وليّ عهد، وولي قضاء تطيلة)؛ سعيد بن نصر الإستجي؛ سعيد الأعناقي القرطبي (مولده ٢٣٣، ت صفر ٣٠٥)؛ عبد الرحمن الإقليشي (رحل ٣٤٩، مولده ٣٠٣)؛ عبد العزيز بن خلف المعافري (ولد ٤٤٨، قدم مصر ٥٠٢)؛ أبو الربيع القيساني الغرناطي (ولد ٥٦٤، ناب في حسبة القاهرة، ت بها ٦٣٤)؛ مالك بن مالك الجيّاني (سكن حلب)؛ منصور بن خميس اللخمي المري ومنصور بن لبّ الأنصاري (مولده ٥٧١)؛ مفرّج بن حماد المعافري (صحب ابن وضّاح، وجاور بمكة نحو عشرين سنة حتى مات بها)؛ مساعد بن أحمد الأصبحي الأوريولي (ولد صفر ٤٦٨، رحل ٤٩٤ وأدى الفريضة ٤٩٥، ت بأوريولة ٥٤٥)؛ النعمان بن النعمان الميورقي (ت ٦١٦)؛ نابت بن المفرّج الخثعمي البلنسي (تفقّه على مذهب الشافعي، ت رجب ٥٤٥ بمصر)؛ ضرغام بن عروة اللبلي؛ عبد الله بن رشيق القرطبي (أوطن القيروان واختصّ بأبي عمران الفاسي، ت بمصر ٤١٩)؛ أبو بكر اليابري (ألّف «سيف الإسلام على مذهب مالك الإمام» للأمير علي بن تميم الصنهاجي صاحب المهدية، ورحل إليها ٥١٤، ومات بمكة، وله ردّ على ابن حزم)؛ شهاب الدين ابن مهاجر الوادي آشي الحنفي (سكن طرابلس ثم حلب، لقيه الصفدي بها ٧٢٣)؛ أبو القاسم ابن أبي الوليد الباجي (سكن سرقسطة، له «العقيدة في المذاهب السديدة» و«رسالة الاستعداد للخلاص من المعاد»، ت بجدة بعد الحج ٤٩٣)؛ إبراهيم بن محمد الساحلي الغرناطي (قدم المشرق ٧٢٤ ورجع، وقيل مات بمراكش في نيّف وأربعين وسبعمائة — ونبّه المحقق أنه سبق ذكر وفاته بتنبكتو ٧٤٤)؛ أبو زكريا الطليطلي (استوطن حلب، وله ديوان أكثر فيه المديح والهجاء)؛ محمد بن علي الأنصاري الغرناطي (ت بمصر ٧٠٣ بالبيمارستان المنصوري عن نحو خمسين سنة)؛ محمد بن علي بن يحيى الغرناطي (ولد قبل ٦٩٠، ت بالمدينة ٧١٥ ودُفن بالبقيع)؛ أبو الحسن المايرقي (ت ربيع الأول ٦٥٥، دُفن بقاسيون — ونبّه المقّري إلى أن أبياتًا نُسبت إليه هي في الحقيقة لابن سعيد صاحب «المغرب»)؛ أبو مروان عبد الملك بن إبراهيم القيسي البجانسي (من قرى وادي آش، أواسط المائة السابعة، ذكره الفشتالي في «تحفة المغرب»).

الباب السادس: في ذكر بعض الوافدين على الأندلس من أهل المشرق

يفتتح المقّري الباب بأن الداخلين إلى الأندلس من المشرق «قوم كثيرون لا تُحصر الأعيان منهم»، وأنهم صنفان: من اتخذها وطنًا حتى مات بها، ومن عاد إلى المشرق بعد أن قضى بها حاجته. ورتّب الباب على تراجم مرقَّمة تبلغ ستًّا وثمانين ترجمة، تبدأ بمن يُدَّعى له صحبةٌ وتنتهي بوافدين من القرن السابع والثامن.

الصحابة والتابعون: دعوى ونقد

يورد المقّري المنيذر الإفريقي الذي قيل إنه صحابي دخل الأندلس (نقلًا عن ابن الأبار في «التكملة» عن عبد الملك بن حبيب)، ويعقّب بأن «أنكر غيرُ واحد دخولَ أحد من الصحابة الأندلس»؛ وأن البخاري ذكره في «التاريخ الكبير» بالكنية (أبو المنيذر)، ولا يُعرف له إلا حديث واحد.

ومن التابعين الداخلين: موسى بن نصير؛ وحنش الصنعاني (من صنعاء الشام لا اليمن، عند ابن عساكر)، كان مع علي بن أبي طالب، وغزا المغرب مع رويفع بن ثابت، ودخل الأندلس مع موسى، وثار مع ابن الزبير فعفا عنه عبد الملك، وكان أول من ولي عُشور إفريقية في الإسلام، وتوفي بإفريقية سنة ١٠٠هـ. وذكر ابن الفرضي أنه كان بسرقسطة وأنه أسّس جامعها وبها قبره عند باب اليهود غربي المدينة؛ وذكر ابن بشكوال أنه أخذ قِبلة جامع إلبيرة وعدّل وزن قِبلة قرطبة. أما خبر أذانه من فجّ المائدة وقوله إن الدعوة لا تنقطع من تلك البقعة، فيردّه المقّري بقوله: «وقد كشف الغيب خلاف ذلك، فلعل الرواية موضوعة أو مؤوّلة».

ومنهم علي بن رباح اللخمي (ولد سنة ١٥هـ عام اليرموك، ذهبت عينه يوم ذات السواري سنة ٣٤هـ، توفي بإفريقية سنة ١١٤هـ)؛ وعبد الله بن يزيد المعافري الحبلي (أحد من بعثهم عمر بن عبد العزيز لتفقيه أهل إفريقية، ت ١٠٠هـ)؛ وحبّان بن أبي جبلة — أحد العشرة التابعين الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز يفقّهون أهل إفريقية — غزا مع موسى بن نصير حتى انتهى إلى حصن قرقشونة (Carcassonne) فتوفي به (ت ١٢٢ أو ١٢٥هـ)، وفي سياقه أن بين قرقشونة وبرشلونة خمسة وعشرين ميلًا، وأن بها كنيسة «شنت مرية» فيها سبع سوارٍ من فضة خالصة. ومنهم المغيرة بن أبي بردة، وعياض بن عقبة الفهري، وعبد الله بن شماسة، وعبد الجبار بن أبي سلمة الزهري (حفيد عبد الرحمن بن عوف، كان على ميسرة معسكر موسى، نزل باجة ثم بطليوس).

ويردّ المقّري بشدّة خبر منصور بن حزامة، الرجل الأسود الذي طرأ من ناحية السودان سنة ٣٢٩هـ زاعمًا أنه مولى النبي وأنه شهد الجمل وصفّين، وينقل عن ابن حجر: «هذا هذيان لا أصل له»؛ وكذلك يكذّب خبر «أبي الدنيا» علي بن عثمان المعمَّر الذي قدم قرطبة على الحكم المستنصر وهو ولي عهد وكتب عنه ابن القوطية مغازي علي. ويخلص إلى أن التابعين الداخلين لم يبلغوا العدد المزعوم، «وإنما هم نحو خمسة أو أربعة».

الفاتحون والولاة الداخلون

مغيث الرومي فاتح قرطبة: صحّح الحجاري نسبه غسّانيًّا (مغيث بن الحارث بن الحويرث بن جبلة بن الأيهم)، سُبي صغيرًا فأدّبه عبد الملك بن مروان مع ابنه الوليد، ونشأ بدمشق فأفصح بالعربية. دخل مع طارق، وقدّمه لفتح قرطبة ففتحها في شوال ٩٢هـ، ثم فتح الكنيسة التي تحصّن بها ملك قرطبة بعد حصار ثلاثة أشهر في محرم ٩٣هـ، وأسر ملكها — ولم يُؤسر من ملوك الأندلس غيره. ووقع بينه وبين طارق وموسى خلافٌ على أسير قرطبة، فانتزعه موسى منه وضرب عنقه. ومن نسله بنو مغيث بقرطبة، ومنهم عبد الرحمن بن مغيث حاجب عبد الرحمن الداخل.

ثم يسرد الولاة الوافدين: أيوب بن حبيب اللخمي ابن أخت موسى (ستة أشهر، وفي أيامه نُقل السلطان من إشبيلية إلى قرطبة، وقيل بل نقله الحرّ الثقفي)؛ الحر بن عبد الرحمن الثقفي (ذو الحجة ٩٧هـ ومعه أربعمائة من وجوه إفريقية، ولايته سنتان وثمانية أشهر)؛ السمح بن مالك الخولاني (رمضان ١٠٠هـ) ولّاه عمر بن عبد العزيز وأمره أن يخمّس ما فُتح عنوة وأن يكتب إليه بصفة الأندلس وأنهارها وبحارها — وكان من رأي عمر نقل المسلمين عنها لانقطاعهم عن أهل ملّتهم — وهو باني قنطرة قرطبة بإذن عمر، واستُشهد يوم التروية سنة ١٠٢هـ في «وقعة البلاط» بأرض الفرنجة (ويرجّح المحقّق أنه بلغ ما وراء البرتات حتى شارف طولوشة (Toulouse)).

ثم عبد الرحمن الغافقي (ولايتان، استُشهد رمضان ١١٤هـ ببلاط الشهداء)، وعنبسة بن سحيم الكلبي (صفر ١٠٣ – شعبان ١٠٧هـ). وفي أيام عنبسة — كما ينقل عن ابن حيان — قام بجليقية بَلاي (Pelayo) فامتنع بالصخرة حتى لم يبق معه إلا نحو ثلاثين رجلًا وعشر نسوة يعيشون على عسل النحل، فاحتقره المسلمون، «ثم ملك بعده أذفونش (Alfonso)»؛ ويعقّب ابن سعيد بأن عقب أهل تلك الصخرة ملكوا المدن العظيمة «حتى إن حضرة قرطبة في يدهم الآن». ثم عذرة بن عبد الله الفهري (وولده هشام هو الذي استولى على طليطلة)، فيحيى بن سلمة الكلبي، فعثمان بن أبي نسعة، فحذيفة بن الأحوص، فالهيثم بن عدي، فمحمد الأشجعي.

عبد الملك بن قطن الفهري (رمضان ١١٤هـ): وصفه ابن بشكوال بأنه «ظلوم في سيرته جائر في حكومته»، غزا البشكنس؛ وفي ولايته الثانية قُتل وصُلب في ذي القعدة ١٢٣هـ بربض قرطبة وعن يمينه خنزير وعن يساره كلب، وسنّه نحو التسعين؛ فسُمّي الموضع «مصلب ابن قطن» حتى بنى فيه ابنه أمية مسجدًا. وعقبة بن الحجاج السلولي (١١٦/١١٧هـ): مُثابر على الجهاد، بلغ سُكنى المسلمين أربونة (Narbonne) وصار رباطهم على نهر رودنة (الرون)، وكان يعرض الإسلام على الأسير قبل قتله فأسلم على يده ألفا رجل؛ خُلع صفر ١٢٣هـ.

بلج بن بشر القشيري: بعد هزيمة كلثوم بن عياض أمام ميسرة البربري (وكان جيشه سبعين ألفًا)، حُوصر بلج وعمه بسبتة، فأغاثهم زياد بن عمرو اللخمي بمركبين ميرةً، فضربه ابن قطن سبعمائة سوط ثم سمل عينيه وقتله وصلبه. ثم استدعى ابنُ قطن الشاميين لقتال بربر الأندلس، فلما فرغوا خلعوه وقتلوه. والتقى بلج في اثني عشر ألفًا بجيش نحو مائة ألف بقيادة ابني ابن قطن ومعهما عبد الرحمن بن علقمة اللخمي صاحب أربونة (فارس الأندلس)، فانتصر الشاميون وقُتل أميرهم بلج في شوال ١٢٤هـ بعد أحد عشر شهرًا. ومن هنا الاصطلاح الأندلسي: الشاميون (الداخلون مع بلج) والبلديون (من كان قبله).

ثم ثعلبة بن سلامة العاملي (حاصره أهل الأندلس بماردة فهزمهم صبيحة عيدهم، وأسر ألفًا وأقبل بعشرة آلاف سبي إلى قرطبة)، ثم أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي (رجب ١٢٥هـ) الذي هاج «الفتنة العمياء» بتعصّبه لليمانية على المضرية، فخلعه الصميل بن حاتم الكلابي، وهُزم على وادي لكّة رجب ١٢٧هـ. ثم ثوابة بن سلامة الجذامي، ثم يوسف بن عبد الرحمن الفهري (ربيع الآخر ١٢٩هـ، وهو ابن سبع وخمسين سنة، حفيد عقبة بن نافع باني القيروان)، ودانت له الأندلس تسع سنين وتسعة أشهر، وفي أيامه وقعة شقندة بين اليمانية والمضرية وقتل أبي الخطار. والصميل هو ابن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن — وجدّه أحد قتلة الحسين — دخل في طالعة كلثوم، وكان «شاعرًا كثير السكر أمّيًّا لا يكتب» ومع ذلك انتهت إليه رياسة العرب بالأندلس؛ خنقه عبد الرحمن الداخل في سجن قرطبة. ومدة الولاة من الفتح (٥ شوال ٩٢هـ) إلى هزيمة يوسف (١٠ ذي الحجة ١٣٨هـ): ستٌّ وأربعون سنة وشهران وخمسة أيام.

عبد الرحمن الداخل

أطول تراجم الباب. فرّ من الشام أمام «المسوّدة»، وقُتل أخوه (ابن ثلاث عشرة سنة) على شاطئ الفرات بعد أن اغترّ بأمانهم؛ وأقام ببرقة مستخفيًا خمس سنين (ابن عبد الحكم)، واستجار ببني رستم ملوك تيهرت، ونزل عند أخواله نفزة ثم مغيلة على الساحل. وكانت الموالي المروانية بالأندلس بين الأربعمائة والخمسمائة، ورياستهم إلى أبي عثمان عبيد الله بن عثمان وعبد الله بن خالد. فأرسل مولاه بدرًا بكتابه إليهم، وحاولا استمالة الصميل فأبى (وقال: «أول سيف يُسلّ عليه سيفي»)، فأخذا في تهييج اليمانية على مضر. ونزل عبد الرحمن بساحل المنكب من كورة إلبيرة في ربيع الآخر (وقيل غرّة ربيع الأول) سنة ١٣٨هـ، ونزل قرية طُرّش (Torrox). وعُقد له اللواء بين زيتونتين بـطشانة (Tocina)، وتبرّك به هو وولده، ويذكر ابن حيان أن الوهن ما دخل ملك بني أمية إلا بعد ذهاب تلك الراية. والتقى يوسف الفهري بصحراء المصارة غربي قرطبة يوم الأضحى (١٠ ذي الحجة ١٣٨هـ) فهزمه — وكانت قد توالت قبلها مجاعة ست سنين حتى سُمّي ذلك العام «عام الخُلْف» لأن عيش الجند كان الفول الأخضر. ثم صالحه صفر ١٣٩هـ، فنكث يوسف سنة ١٤١هـ فقُتل وحُمل رأسه.

وبعد أن أوقع باليمانية إثر قتله رئيسهم أبي الصباح اليحصبي، استوحش من العرب قاطبة فانحرف إلى اتخاذ المماليك، فاشترى الموالي واستكثر من البربر والعبيد حتى اتخذ أربعين ألف رجل غلب بهم على عرب الأندلس فاستقامت مملكته. ومن ثوّاره: الداعي الفاطمي البربري بشنت مرية، والحسين بن يحيى بن سعد بن عبادة الأنصاري بسرقسطة (١٥٧هـ) ومعه سليمان بن يقظان الأعرابي، والرماحس بن عبد العزيز الكناني بالجزيرة الخضراء (١٦٣هـ)، والعلاء بن مغيث اليحصبي الذي ثار بباجة برايات سود، فقُطعت يداه ورجلاه، وأُرسل رأسه ورؤوس أصحابه — مُقرَّطةً بصكاك أسمائهم — في جُوالق مع اللواء الأسود إلى مكة أيام الموسم، فوُضع على باب سرادق أبي جعفر المنصور.

وقتل من أهل بيته الوافدين عليه: عبد السلام بن يزيد بن هشام «اليزيدي» وعبيد الله بن أبان سنة ١٦٣هـ، وابن أخيه المغيرة بن الوليد سنة ١٦٧هـ. وأمّا بدر مولاه — أول ناصريه — فسلبه ماله وسجنه ونفاه إلى أقصى الثغر حتى مات بأسوأ حال، بعد مراسلات نُقلت تواقيع الأمير عليها. حجّابه: تمام بن علقمة، فيوسف بن بخت الفارسي، فعبد الكريم بن مهران، فعبد الرحمن بن مغيث، فمنصور الخصي — وهو أول خصيّ استحجبه بنو مروان بالأندلس. ولم يكن له وزير بل «أشياخ للمشاورة». وقضاته: يحيى بن يزيد اليحصبي، فمعاوية بن صالح الحمصي، فعمر بن شراحيل، فعبد الرحمن بن طريف.

وأشاع سنة ١٦٣هـ الرحيل إلى الشام لانتزاعها من بني العباس ثم أعرض عن ذلك لثورة الأنصاري بسرقسطة. مولده سنة ١١٣هـ بالعليا من تدمر (وقيل دير حنّا من دمشق)، وتوفي لست بقين من ربيع الآخر سنة ١٧١هـ وهو ابن سبع وخمسين سنة وأربعة أشهر (وقيل اثنتين وستين)، ودُفن بالقصر من قرطبة. بلغت جنوده مائة ألف فارس، وكان يلبس البياض ويعتمّ به، ونقش خاتمه «بالله يثق عبد الرحمن وبه يعتصم». وفي بنائه جامع قرطبة أنه أنفق فيه ثمانين ألفًا. ويقيسه المؤرخون بأبي جعفر المنصور: شدّةً وضبطًا للمملكة، وأن أمّ كلٍّ منهما بربرية، وأن كلًّا منهما قتل ابن أخيه.

ومن الداخلين في أيامه: عبد الملك بن عمر بن مروان الأموي، ولّاه إشبيلية، وهو الذي ألحّ عليه حتى قطع الدعاء لأبي جعفر المنصور من الخطبة بعد أن خُطب باسمه عشرة أشهر؛ وهو الذي كسر زحف أهل غرب الأندلس على قرطبة فقُتل بين الفريقين ثلاثون ألفًا، فزوّجه الأمير ابنته من ولي عهده هشام وولّاه الوزارة. ومنهم جزيّ بن عبد العزيز أخو عمر بن عبد العزيز، وهاشم بن الحسين الحسيني العلوي الذي نزل لبلة (وذكره الحكم المستنصر في كتابه «أنساب الطالبيين والعلويين القادمين إلى المغرب»)، وعبد الله بن سعد بن عمار بن ياسر — جدّ بني سعيد أصحاب القلعة، ومنهم صاحب «المغرب».

زرياب: نقل ذوق المشرق إلى الأندلس

أبو الحسن علي بن نافع، الملقّب زرياب، مولى المهدي العباسي؛ واللقب — كما في «المقتبس» — غلب عليه لسواد لونه مع فصاحة لسانه وحلاوة شمائله، تشبيهًا بطائر أسود مُغرّد. كان تلميذًا لإسحاق الموصلي ببغداد فتلقّف أغانيه استراقًا، ثم قدّمه إسحاق للرشيد حين اقترح عليه مغنيًا غريبًا؛ فحضر بعوده الذي نحته بيده وأبى أن يستعمل عود أستاذه، ووصفه بأنه يقلّ عن عود إسحاق بثلث الوزن، وأوتاره من حرير لم يُغزل بماء ساخن، وبَمّه ومثلثه من مصران شِبل أسد ليقوى على المضارب ويصفو ترنّمه. فطرب الرشيد، فاشتدّ حسد إسحاق فخيّره بين الرحيل بمال يُجهّزه به وبين الاغتيال، فاختار الفرار «يبغي مغرب الشمس»، وأوهم إسحاقُ الرشيدَ أنه مجنون رحل مغاضبًا.

فكاتب زرياب الحكم بن هشام أمير الأندلس فأجابه، فركب بحر الزقاق إلى الجزيرة الخضراء، فبلغه موت الحكم فهمّ بالرجوع، فثناه منصور اليهودي المغني رسول الحكم ورغّبه في ابنه عبد الرحمن بن الحكم، فكتب إليه الأمير وأمر عمّاله بإكرامه، وبعث خصيًّا من أكابر خصيانه يتلقّاه بالبغال والآلات، ودخل أهله قرطبة ليلًا صيانةً للحرم. وكانت جرايته: مائتا دينار في الشهر، وعشرون دينارًا شهريًّا لكل واحد من بنيه الأربعة (عبد الرحمن وجعفر وعبيد الله ويحيى)، وثلاثة آلاف دينار معروفًا عامًّا (ألف لكل عيد، وخمسمائة لكل مهرجان ونوروز)، وثلاثمائة مُدي من الطعام (ثلثاها شعير وثلثها قمح)، وأقطعه من الدور والمستغلات والضياع ما يقوم بأربعين ألف دينار. ثم فتح له بابًا خاصًّا يستدعيه منه متى شاء.

كان يحفظ عشرة آلاف مقطوعة من الأغاني بألحانها — وهو غاية ما ذكره بطليموس واضع هذه العلوم — وكان عالمًا بالنجوم وقسمة الأقاليم السبعة واختلاف طبائعها، مع فكّه لكتاب الموسيقى.

أثره في الموسيقى: زاد في العود وترًا خامسًا أحمر متوسّطًا اختراعًا منه، إذ كان العود على أربعة أوتار قوبلت بها الطبائع الأربع (الزير أصفر = الصفراء، والمثنى أحمر = الدم، والبمّ أسود = السوداء، والمثلث أبيض = البلغم)؛ فأضاف الخامس ليقوم مقام النفس في الجسد. واخترع بالأندلس مضراب العود من قوادم النسر بدل مرهف الخشب، للطف الريشة وخفتها وسلامة الوتر. وسنّ ترتيب النوبة: يبدأ المغني بالنشيد، ثم البسيط، ويختم بالمحرّكات والأهزاج — «واستمر بالأندلس... تبعًا لمراسم زرياب». وله منهج في التلقين: إقعاد التلميذ على المِسوَرة، وشدّ عمامة على البطن لتقوية الصوت اللين، وإدخال قطعة خشب عرضها ثلاث أصابع في فم من يزمّ أسنانه، واختبار المطبوع بأن يصيح بأقوى صوته «يا حجّام» أو يمدّ «آه»، فإن سمعه صافيًا نديًّا لا غنّة فيه ولا حبسة أشار بتعليمه، وإلا أبعده.

أثره في الأزياء والزينة: كان أهل الأندلس رجالًا ونساءً يرسلون الجُمّة مفروقة وسط الجبين على الصدغين والحاجبين، فلما رأوا تحذيفه هو وولده ونسائه لشعورهم — بتقصيرها دون الجباه، وتسويتها مع الحواجب، وتدويرها إلى الآذان، وإسبالها إلى الأصداغ — «هوت إليه أفئدتهم واستحسنوه»، وهو ما عليه العمل بعده. وسنّ استعمال المُرتَك المتخذ من المرداسنج لطرد ريح الصنان، بدل ما كانت ملوك الأندلس تستعمله من ذَرور الورد وزهر الريحان، ودلّهم على تصعيده بالملح وتبييض لونه. ورتّب اللباس على الفصول: البياض من عيد العنصرة (لست بقين من يونية الشمسي) إلى أول أكتوبر — ثلاثة أشهر — ثم الملوّن بقية السنة؛ وفي الربيع جباب الخزّ والملحم والدراريع بلا بطائن؛ وفي آخر الصيف وأول الخريف المحاشي المروية والثياب المصمتة؛ ثم الأثخن، فالفراء عند اشتداد البرد.

أثره في آداب المائدة: هو أول من اجتنى بقلة الهليون المسمّاة بلسانهم «الإسفراج»، ولم يكن أهل الأندلس يعرفونها قبله. ومن الطبيخ: اللون المسمّى التفايا (مصنوع بماء الكزبرة الرطبة محلّى بالسنبوسق والكباب)، والتقلية المنسوبة إليه. وأخذ الناس عنه تفضيل آنية الزجاج الرفيع على آنية الذهب والفضة، وفرش أنطاع الأديم اللينة بدل ملاحف الكتان، وتقديم الطعام في سُفَر الأديم بدل الموائد الخشبية، لأن الوضر يزول عن الأديم بأقلّ مسحة. ويلخّص المقّري الأثر بأن ملوك الأندلس وخواصّهم اتخذوه قدوة فيما سنّه من آدابه واستحسنه من أطعمته، «فصار إلى آخر أيام أهل الأندلس منسوبًا إليه معلومًا به».

بيته: ثمانية بنين (عبد الرحمن، عبيد الله، يحيى، جعفر، محمد، قاسم، أحمد، حسن) وبنتان (علية وحمدونة)، وكلهم غنّى؛ وكان قاسم أحذقهم؛ وتزوّج الوزير هاشم بن عبد العزيز حمدونة. وأورد المقّري خبرًا في سخف ابنه عبد الرحمن إذ ذبح بازي أحد الأكابر وقدّمه له مَصوصًا فضُرب مائة سوط. وجاريته متعة أدّبها وعلّمها فأهداها إلى الأمير عبد الرحمن فحظيت عنده؛ وأخذت عنه مصابيح جارية الكاتب أبي حفص عمر بن قلهيل، وفيها شعر ابن عبد ربه صاحب «العقد الفريد». وذُكر أن أول من دخل الأندلس من المغنين علّون وزرقون أيام الحكم بن هشام، «لكن غناءهما ذهب لغلبة غناء زرياب عليه». وفي خبر عَلَّوَيْه مع المأمون بدمشق قوله: «وهذا زرياب مولاك عندهم بالأندلس يركب في أكثر من مائة مملوك، وفي ملكه ثلاثمائة ألف دينار دون الضياع». وقد ذيّل عبّاس بن فرناس على أحد أصوات زرياب ببديهة مدح. (وفي حاشية المحقق: توفي زرياب سنة ٢٣٨هـ، قبل وفاة الأمير عبد الرحمن بأربعين يومًا.)

حَمَلة اللغة والأدب

أبو علي القالي (إسماعيل بن القاسم بن عيذون، مولده بمنازجرد من ديار بكر سنة ٢٨٨ أو ٢٨٠هـ): أخذ الأدب عن ابن دريد وابن الأنباري وابن درستويه، وسافر إلى بغداد سنة ٣٠٣هـ وأقام بها إلى ٣٢٨هـ، ثم دخل قرطبة لثلاث بقين من شعبان سنة ٣٣٠هـ أيام الناصر (والمقّري يرجّح ذلك على قول من زعم أنه قدم في خلافة الحكم). أمر الناصر ابنه الحكم أن يتلقّاه في موكب، وينشط الحكمُ تأليفه بواسع العطاء. مصنفاته: «الأمالي» (طُرِّز باسم الحكم المستنصر)، و«البارع في اللغة» نحو خمسة آلاف ورقة ولم يتمّ («لم يصنَّف مثله في الإحاطة والجمع»)، و«المقصور والممدود»، و«النوادر»، و«الأفعال» (الذي فتح به هذا الباب فتلاه ابن القطاع)، و«فعلت وأفعلت»، و«مقاتل الفرسان»، و«تفسير السبع الطوال»، و«الإبل والخيل». أخذ عنه بالأندلس أبو بكر الزبيدي صاحب «مختصر العين» ومؤدّب هشام المؤيد. وتوفي بقرطبة ربيع الآخر (أو جمادى الأولى) سنة ٣٥٦هـ ودُفن ظاهرها. وفي سياق ترجمته: أن الحكم وجّه إلى أبي الفرج الأصبهاني ألف دينار على أن يوجّه له نسخة من «الأغاني».

صاعد بن الحسن البغدادي اللغوي (أصله من الموصل): قدم من مصر أيام تحكّم المنصور بن أبي عامر نحو سنة ٣٨٠هـ، «وأراد المنصور أن يُعفي به آثار أبي علي القالي، فما وجد عنده ما يرتضيه، وأعرض عنه أهل العلم وقدحوا في علمه وعقله ودينه». امتُحن في مجلس المنصور أمام الزبيدي والعاصمي وابن العريف فظهر ضعفه في النحو، وأملى كتاب «الفصوص» بجامع مدينة الزاهرة، فتتبّعه أدباء الوقت فلم يجدوا فيه كلمة صحيحة ولا خبرًا ثابتًا، فأمر المنصور بأن يُقذف في النهر (ويحكي ابن خلكان أنه أثابه عليه بخمسة آلاف دينار). لكنه كان بديهًا سريع الجواب، فأجازه المنصور على بديهة وصف الطبق بألف دينار ومائة ثوب ورتّب له ثلاثين دينارًا شهريًّا وألحقه بالندماء. ومن غرائبه أنه أهدى إلى المنصور إيَّلًا سمّاه «غرسية» تفاؤلًا، فاتفق أن أُسر غرسية ملك الروم في اليوم نفسه. خرج من الأندلس في الفتنة إلى صقلية ومات بها نحو سنة ٤١٠هـ (وقال ابن حزم: ٤١٧هـ)، واتّهمه ابن بشكوال بالكذب.

ومنهم أبو اليسر إبراهيم بن أحمد الشيباني «الرياضي» البغدادي (نزيل القيروان): لقي الجاحظ والمبرّد وثعلبًا وابن قتيبة، ومن الشعراء أبا تمام والبحتري ودعبلًا، ومن الكتّاب سعيد بن حميد وسليمان بن وهب؛ «وهو الذي أدخل إفريقية رسائل المحدثين وأشعارهم وطرائف أخبارهم»؛ كتب لبني الأغلب، وكان على بيت الحكمة أيام زيادة الله؛ ونسخ كتاب سيبويه كله بقلم واحد. من تآليفه «لقيط المرجان» (أكبر من «عيون الأخبار»)، و«سراج الهدى» في القرآن، و«المرصعة» و«المدبجة». قدم الأندلس على الأمير محمد بن عبد الرحمن، وتوفي بالقيروان سنة ٢٩٨هـ عن خمس وسبعين سنة.

ومنهم أبو الفضل محمد بن عبد الواحد الدارمي البغدادي (ولد ٣٨٨هـ): خرج من بغداد رسولًا عن الخليفة القائم بأمر الله إلى المعزّ بن باديس، ولقي أبا العلاء المعري بالمعرّة، ثم خرج من إفريقية لفتنة العرب فخيّم عند المأمون بن ذي النون بطليطلة، وتوفي بها سنة ٤٥٤ أو ٤٥٥هـ. ومنهم أبو الحسن البغدادي «الفكيك»، مدح المعتمد بن عبّاد والمقتدر بن هود وكان مشهورًا بالهجاء؛ وإبراهيم بن سليمان الشامي الذي أدرك بالمشرق أبا نواس وأبا العتاهية ودخل أخريات أيام الحكم؛ والرازي محمد بن موسى الكناني — والد أحمد صاحب التاريخ — كان يفد من المشرق تاجرًا على ملوك بني مروان، وهلك منصرفه من الوفادة على الأمير المنذر بن محمد بإلبيرة في ربيع الآخر سنة ٢٧٣هـ.

حَمَلة الحديث والقراءات والفقه

أبو الحسن علي بن محمد الأنطاكي (ولد بأنطاكية ٢٩٩هـ، ومات بقرطبة ربيع الأول ٣٧٧هـ): «نزيل الأندلس ومقرئها ومسندها»، صنّف في قراءة ورش، وقال ابن الفرضي: «أدخل الأنطاكي الأندلس علمًا جمًّا»، وكان رأسًا في القراءات لا يتقدّمه أحد في وقته.

أبو زكريا عبد الرحيم بن أحمد البخاري الحافظ (مولده ربيع الأول ٣٨٢هـ، وتوفي بالحوراء ٤٧١هـ): سمع بما وراء النهر والعراق ومصر واليمن والقيروان، ودخل الأندلس والمغرب وكتب عن شيوخها؛ حدّث عنه الحميدي وابن عتّاب وغيرهما؛ ويقول المقّري: «الذي أعتقده أنه لم يدخل الأندلس من أهل المشرق أحفظ منه للحديث». ومنهم علي بن بندار البرمكي البغدادي — من ولد خالد بن برمك — قدم الأندلس تاجرًا سنة ٣٣٧هـ، وكان تلميذًا لابن المغلس الفقيه الداودي، سمع منه «الموضح» و«المنجح» وأحكام القرآن. ومنهم ظفر البغدادي، من رؤساء الورّاقين المعروفين بالضبط وحسن الخط، استخدمه الحكم المستنصر في الوراقة لشدة اعتنائه بجمع الكتب واقتنائها.

ومن الوافدين شافعيةٌ وحنفيةٌ: سهل بن علي النيسابوري التاجر (أدرك مجلس إمام الحرمين الجويني، غرق في البحر منصرفًا من المريّة)؛ ويحيى بن عبد الرحمن القيسي الدمشقي (ولد ٥٤٨هـ، استوطن غرناطة واعظًا مذكّرًا، شافعيّ المذهب عارف بالأصول والتصوف، له «الروضة الأنيقة»، توفي بغرناطة ٦٠٨هـ)؛ وأبو الطاهر الإسكندراني (دخل مرسية تاجرًا، شافعي، تلميذ السِّلَفي)؛ وتقي الدين ابن الغرس الحنفي المصري. ومنهم إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي الذي رحل من مصر إلى الأندلس في نحو سنة ٣٦٠هـ حين ملك بنو عبيد مصر وأظهروا معتقدهم، فأنزله الحكم المستنصر، ثم أوى إلى إشبيلية، وبها درس عليه أبو عمر ابن عبد البر. وأبو المكارم هبة الله بن الحسين المصري: قدم خوفًا من صلاح الدين في قوم من شيعة العبيدي، وولي قضاء إشبيلية في آخر شعبان ٥٧٩هـ، وحضر غزوة شنترين، ثم استصحبه يعقوب المنصور في غزوة قفصة الثانية فولّاه قضاء تونس، وتوفي واليًا عليه سنة ٥٨٦هـ. وعبد الوهاب الطندتائي المصري: قدم رسولًا بزعمه من الخليفة العباسي، فسكن مرسية ودرّس بها، وخرج منها سنة ٦٤٢هـ بعد أن تملّكها النصارى صلحًا، فأُسر بناحية صقلية.

وأورد المقّري نقدًا لعدد من الوافدين المتأخرين: عبد اللطيف النرسي البغدادي (ورد غرناطة نحو ٦١٣هـ، له «الدليل في الطريق» وتأليف في إباحة السماع، ضعّفه ابن سعيد الطراز بعدما سمع منه)، وعبد الرحمن بن داود الواعظ المصري (وعظ بقرطبة وإشبيلية ومرسية وبلنسية سنة ٦٠٨هـ، وادّعى الرواية عمّن لم يلقهم، «فزهد أكثر السامعين منه»)، وإبراهيم السنهوري الدمشقي (قدم إشبيلية ٦٠٣هـ، وأثار خصومة مع ابن دحية إذ جمع من شيوخ الأندلس محضرًا يكذّب دعواه القراءة عليهم، فانتقم منه ابن دحية بمصر: ضُرب بالسياط وأُشهر على حمار وأُخرج من الديار المصرية، وأُحرق المحضر). وينقل في هذا السياق أقوال العلماء في ابن دحية — وأنه بنى له الملك الكامل دار الحديث الكاملية بين القصرين ثم عزله عنها لما انكشف تزيّده.

ومنهم تاج الدين ابن حمويه السرخسي (ولد ٥٧٢هـ): خرج سنة ٥٩٣هـ من الشام إلى بيت المقدس فمصر فالإسكندرية بحرًا إلى المغرب، ودخل مراكش أيام يعقوب المنصور الموحّدي، ودوّن ذلك في رحلة؛ من تصانيفه «عطف الذيل» في التاريخ، و«المسالك والممالك»، و«السياسة الملوكية» صنّفها للملك الكامل، وكتاب في أصول الأشياء في ثماني مجلدات. ومن أخباره عن المنصور الموحدي: أنه كان يُنسب إلى مذهب الظاهر، وأنه فرّق في عيد سنة ٥٩٤هـ ثلاثة وسبعين ألف شاة، وأنه مزّق كتاب ملك الإفرنج «الفنش» متهدِّدًا. ويردّ المقّري ما شاع من أن يعقوب المنصور تخلّى عن الملك وفرّ زاهدًا إلى المشرق ودُفن بالبقاع: «هذه مقالة عاميّة لا يثبتها علماء المغرب».

النساء القادمات من المشرق

  • عابدة المدنية: جارية سوداء من رقيق المدينة، أمّ ولد حبيب بن الوليد المرواني المعروف بدحون، تروي عن مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة؛ قال بعض الحفاظ إنها تروي عشرة آلاف حديث، وقد أُعجب بها مالكها لعلمها وفهمها.
  • فضل المدنية: نشأت وتعلّمت ببغداد ثم ازدادت طبقةً في الغناء بالمدينة، واشتُريت هناك للأمير عبد الرحمن مع صاحبتها عَلَم المدنية؛ وإليهنّ تُنسب دار المدنيات بالقصر.
  • قلم: أندلسية الأصل روميةٌ من سبي البشكنس، حُملت صبية إلى المشرق فتعلّمت الغناء بالمدينة؛ أديبة حسنة الخط، راوية للشعر حافظة للأخبار.
  • قمر: جارية إبراهيم بن حجاج اللخمي صاحب إشبيلية، جُلبت من بغداد، عارفة بصوغ الألحان، تقول الشعر.
  • العجفاء: مغنية مدنية، بعث عبد الرحمن بن معاوية فابتيعت له وحُملت إليه.

الخلاصة الحضارية

يُبرز الباب أن الوفود المشرقي كان قناة النقل الكبرى لحضارة المشرق إلى الأندلس على مراحل: تابعون حملوا الفقه والحديث في طور الفتح (وبنوا مساجدها وضبطوا قِبلاتها)، ثم جند الشام مع بلج فأدخلوا التقسيم القبلي (الشاميون/البلديون) وأسّسوا التركيب السكاني، ثم عبد الرحمن الداخل فأنشأ دولةً مروانية وجيشًا من الموالي والعبيد، ثم زرياب الذي نقل بغداد إلى قرطبة في الغناء والعود والزيّ والطهي وآداب المائدة، ثم القالي فنقل لغة العراق وأماليه، وحملة الحديث والقراءات (الأنطاكي، البخاري الحافظ) والورّاقون (ظفر البغدادي) الذين خدموا خزانة الحكم المستنصر. وبعد سقوط الخلافة صار الوافدون أشتاتًا: تجّارًا، ورسلًا، ووعّاظًا، وفارّين من الفاطميين أو من صلاح الدين، وكثيرًا ما قابلهم نقد أهل الأندلس بالتضعيف والتكذيب — كما في صاعد والنرسي والسنهوري.

ملاحظة: لا يفرد المقّري في هذا الباب تراجم لناقلي المذهب المالكي إلى الأندلس؛ وأقرب ما فيه إلى ذلك رواية عابدة المدنية عن مالك بن أنس. أما الفقه الوافد المذكور صراحةً فشافعيّ وحنفيّ وداوديّ (ظاهري).

الباب السابع (أ): في نبذة مما منّ الله به على أهل الأندلس من توقّد الأذهان

شهادات في خصال الأندلسيين وصنائعهم

افتتح المقّري الباب بنقول في فضائل أهل الأندلس. نقل عن ابن غالب في «فرحة الأنفس» أن بطليموس جعل لبلاد الأندلس ولايةَ الزهرة — ومنها حسن الهمّة في الملبس والمطعم والنظافة وحبّ اللهو والغناء — وولايةَ عطارد، ومنها حسن التدبير والحرص على طلب العلم وحبّ الحكمة والفلسفة. واعترض بعضهم عليه بأن أقاليم الأندلس هي الرابع والخامس والسادس، وكواكبها الشمس والزهرة وعطارد، فلا مدخل للمشتري والمريخ فيها.

وخلاصة وصف ابن غالب: الأندلسيون عرب في الأنساب والعزّة، هنديون في العناية بالعلوم وضبطها، بغداديون في الظرف والذكاء، يونانيون في استنباط المياه ومعاناة الغراسة واختيار أجناس الفواكه وتركيب الشجر — «فهم أحكم الناس لأسباب الفلاحة»، ومنهم ابن بصّال صاحب «كتاب الفلاحة» الذي شهدت له التجربة. وعدّ من فضائلهم اختراعهم خطًّا خاصًّا بهم بعد أن كان خطّهم مشرقيًّا، واختراعهم الموشحات التي استحسنها أهل المشرق ونزعوا منزعها. وأضاف ابن حزم في رسالته أنهم «صينيون في إتقان الصنائع العملية، تركيون في معاناة الحروب». وذكر ابن سعيد أن خطّ الأندلس الذي رآه في مصاحف ابن غطّوس بشرق الأندلس بالغُ الحسن.

ووصف ابن غالب أثرَ خروج أكثر الأندلسيين إلى العدوة في «الفتنة الأخيرة»: فأهل البادية استنبطوا المياه بالمغرب وغرسوا الأشجار وأحدثوا الأرحاء الطاحنة بالماء، وأهل الحواضر تولّوا الوزارة والكتابة والعمالة وجباية الأموال، وأهل الصنائع فاقوا أهل البلاد وأخملوا أعمالهم. وأيّده ابن سعيد بأن مراكش «بغداد المغرب»، وأن أكثر مبانيها ظهر في مدة بني عبد المؤمن الذين كانوا يجلبون لها صنّاع الأندلس، وأن تونس في زمنه — تحت سلطان إفريقية أبي زكريا يحيى بن أبي محمد بن أبي حفص — صار فيها من المباني والبساتين ما شابهت به الأندلس، وعرفاء صنّاعها من الأندلس.

ونقل عن ابن بسّام صاحب «الذخيرة» خبرَ أبي علي البغدادي (القالي) صاحب «الأمالي» الوافد على الأندلس زمن بني مروان: أنه ظنّ وهو بالقيروان أنه سيحتاج ببلاد الأندلس إلى ترجمان لبُعدها عن ينبوع العلم، ثم عجب من ذكاء أهلها، وكان يقول لهم: «إن علمي علم رواية وليس بعلم دراية». وسمّى الحجاري في «المسهب» الأندلس «عراق المغرب»، وجعل ابن خفاجة سابق شعرائها في وصف الطبيعة.

رسالة ابن حزم في فضل الأندلس

سببها أن أبا علي الحسن بن محمد بن أحمد بن الربيب التميمي القيرواني كتب إلى أبي المغيرة عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الرحمن بن حزم يعيب على أهل الأندلس تقصيرهم في تدوين أخبار علمائهم وسير ملوكهم، وأنه لم يبلغهم من تآليفهم شيء مع قرب المسافة. فأجابه أبو محمد علي بن أحمد بن حزم برسالة (سمّاها ابن خير «رسالة في فضل الأندلس وذكر رجالها»)، كتبها بطلب أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن قاسم صاحب البُنت (Puente) من أعمال بلنسية، ووجّهها إلى صديقه أبي بكر محمد بن إسحاق المهلبي لأن المخاطب الأول كان قد مات.

ومن مقدماتها التاريخية: أن صقلية فُتحت صدر أيام الأغالبة سنة ٢١٢ حين قاد إليها السفن أسد بن الفرات القاضي ومات بها؛ وأن إقريطش (كريت) فُتحت بعد سنة ٢٠٣ على يد أبي حفص عمر بن شعيب المعروف بابن الغليظ، من قرية بطروج من فحص البلّوط المجاور لقرطبة، وكان من فلّ الربضيين، وتداولها بنوه حتى غنمها أرمانوس بن قسطنطين (Romanos) ملك الروم سنة ٣٥٠ من عبد العزيز بن شعيب، وكان أكثر مفتتحيها أهل الأندلس. (وقيّد المحقق اختلاف المصادر في تاريخ فتح إقريطش.) وكتب الحافظ ابن حجر على هامش قول ابن حزم إن عليًّا سكن الكوفة خمسة أعوام: «صوابه أربعة أعوام».

قائمة مصنَّفات الأندلس عند ابن حزم، مرتّبةً على العلوم:

  • التاريخ والجغرافيا: كتب أحمد بن محمد الرازي، منها كتاب ضخم في مسالك الأندلس ومراسيها وأمهات مدنها وأجنادها الستة؛ وتواليف محمد بن يوسف الوراق (أندلسي الأصل من وادي الحجارة، نشأ بالقيروان ودُفن بقرطبة) ألّف للمستنصر ديوانًا ضخمًا في مسالك إفريقية وممالكها، وكتبًا في أخبار تيهرت ووهران وتنس وسجلماسة ونكور والبصرة.
  • الفقه المالكي: «الهداية» لعيسى بن دينار (ت ٢١٢)؛ كتاب القطني مالك بن علي (ت ٢٦٨)؛ كتب ابن مزين في تفسير الموطأ ورجاله؛ «الواضحة» (لعبد الملك بن حبيب)؛ «المستخرَجة من الأسمعة» المعروفة بـ«العتبية» ولها عند أهل إفريقية قدرٌ عالٍ؛ الكتاب الذي جمعه ابن المكوي الإشبيلي وأبو مروان المعيطي في أقاويل مالك كلها؛ «المنتخب» للقاضي محمد بن يحيى بن لبابة؛ وتآليف قاسم بن محمد صاحب الوثائق (شافعي، ت ٢٧٨).
  • التفسير والحديث: تفسير بقي بن مخلد — قطع ابن حزم بأنه لم يؤلَّف في الإسلام تفسير مثله ولا تفسير الطبري. ومصنَّف بقي الكبير مرتَّبٌ على أسماء الصحابة، روى فيه عن أكثر من ألف وثلاثمائة صاحب، ثم رتّب حديث كل صاحب على أبواب الفقه، فهو مصنَّفٌ ومسنَدٌ معًا، ولا يعلم ابن حزم هذه الرتبة لأحد قبله؛ وروى بقي عن ٢٨٤ رجلًا ليس فيهم عشرة ضعفاء، وكان لا يقلّد أحدًا، وله خاصة من أحمد بن حنبل. ومصنَّفا قاسم بن أصبغ ومحمد بن عبد الملك بن أيمن. وفي أحكام القرآن: كتاب ابن أمية الحجاري (شافعي) وكتاب القاضي منذر بن سعيد (داودي)، ولمنذر «الإبانة عن حقائق أصول الديانة».
  • ابن عبد البر (وكان حيًّا حين كتب ابن حزم، ت ٤٦٣): «التمهيد» — لا يعلم ابن حزم في الكلام على فقه الحديث مثله؛ «الاستذكار» اختصارٌ له؛ «الكافي» في الفقه المالكي في خمسة عشر كتابًا؛ كتابه في الصحابة (الاستيعاب)؛ «الاكتفاء» في قراءة نافع وأبي عمرو؛ «بهجة المجالس»؛ «جامع بيان العلم وفضله».
  • الرجال: كتاب شيخه القاضي ابن الفرضي في المؤتلف والمختلف نحو ثلاثين (سِفرًا)، لا يعلم مثله في فنّه؛ تاريخ أحمد بن سعيد (الصدفي، ت ٣٥٠) في الرجال؛ كتب محمد بن أحمد بن يحيى بن مفرّج القاضي، منها سبعة أسفار جمع فيها فقه الحسن البصري، وكتب في فقه الزهري؛ وشرح الحديث لقاسم بن ثابت السرقسطي.
  • اللغة: «البارع» لإسماعيل بن القاسم (القالي)، و«المقصور والممدود»؛ «الأفعال» لابن القوطية بزيادات ابن طريف؛ كتاب تمّام بن غالب (ابن التيّاني) في اللغة — «لم يؤلَّف مثله اختصارًا وإكثارًا وثقةَ نقل»؛ «العالم» لأحمد بن أبان بن سيد، نحو مائة سفر مرتَّب على الأجناس، بدأ بالفلك وختم بالذرّة (وكان صاحب الشرطة بقرطبة، ت ٣٨٢)؛ «النوادر» للقالي (أماليه) مبارٍ لـ«الكامل» للمبرّد؛ «الفصوص» لصاعد بن الحسن الربعي.
  • الشعر والأخبار الأدبية: «أخبار شعراء الأندلس» لعبادة بن ماء السماء؛ «الحدائق» لأبي عمر أحمد بن فرج، عارَض به «الزهرة» لابن داود — والزهرة مائة باب في كل باب مائة بيت، والحدائق مائتا باب في كل باب مائة بيت، لا يتكرر فيها اسم باب، ولم يورد فيه لغير أندلسي شيئًا؛ «التشبيهات من أشعار أهل الأندلس» لابن أبي الحسن الكاتب؛ شرح الإفليلي لشعر المتنبي.
  • الأخبار والأنساب: تواريخ الرازي في ملوك الأندلس، وكتابه في صفة قرطبة وخططها ومنازل الأعياد بها (على منزع ابن أبي طاهر في أخبار بغداد)؛ تواريخ متفرقة في أخبار عمر بن حفصون القائم برَيّة، وعبد الرحمن بن مروان الجليقي، وبني قسي والتُّجيبيين وبني الطويل بالثغر؛ كتاب إسحاق بن سلمة القيني في أخبار رية؛ «أخبار القضاة بقرطبة وسائر الأندلس» و«أخبار الفقهاء» لمحمد بن الحارث الخشني؛ «أنساب مشاهير أهل الأندلس» للرازي في خمسة أسفار؛ «الأنساب» و«فضائل بني أمية» لقاسم بن أصبغ؛ كتب جُمعت للمستنصر في أخبار شعراء الأندلس، منها «أخبار شعراء إلبيرة» في نحو عشرة أجزاء؛ «الطوالع» في الأنساب؛ «التاريخ الكبير في أخبار أهل الأندلس» لابن حيّان في نحو عشرة أسفار (وكان حيًّا لم يتجاوز الاكتهال)؛ «المآثر العامرية» لحسين بن عاصم في سيرة ابن أبي عامر؛ «طبقات الكتّاب بالأندلس» للأقشتين محمد بن عاصم، وكتاب سكن بن سعيد في ذلك؛ كتاب أحمد بن فرج في المنتزين والقائمين بالأندلس؛ «أخبار أطباء الأندلس» لسليمان بن جُلجُل.
  • الطب: كتب الوزير يحيى بن إسحاق؛ كتب أستاذه محمد بن الحسن المذحجي المعروف بابن الكتّاني؛ «التصريف» لأبي القاسم خلف بن عباس الزهراوي — وقد أدركه ابن حزم وشاهده، ويقول: «لم يؤلَّف في الطب أجمع منه ولا أحسن للقول والعمل في الطبائع»؛ كتب ابن الهيثم (عبد الرحمن بن إسحاق) في الخواص والسموم والعقاقير.
  • الفلسفة: رسائل سعيد بن فتحون السرقسطي المعروف بالحمار؛ ورسائل ابن الكتّاني.
  • العدد والهندسة والفلك: اعترف ابن حزم بأنه لم يُقسَم له في هذا العلم نفاذ، ونقل عمّن يثق به أنه لم يؤلَّف في الأزياج مثل زيج مسلمة (المجريطي، ت ٣٩٨) وزيج ابن السمح (أصبغ بن محمد، ت ٤٢٦)، وكذلك «كتاب المساحة المجهولة» لأحمد بن نصر.
  • الكلام: قلّ تصرّف الأندلسيين فيه لأن بلادهم لم تختلف فيها النِّحل، وكان فيهم قوم يذهبون إلى الاعتزال ولهم فيه تواليف: خليل بن إسحاق، ويحيى بن السمينة (ت ٣١٥)، والحاجب موسى بن حدير وأخوه الوزير صاحب المظالم أحمد — وكان داعيةً إلى الاعتزال لا يستتر بذلك. ولابن حزم في ذلك كتاب يزيد ورقه على المائتين قليلًا.

وضبط ابن حزم الأقسام السبعة التي لا يؤلّف عاقل إلا في أحدها: شيء لم يُسبق إليه يخترعه، أو ناقص يتمّه، أو مستغلق يشرحه، أو طويل يختصره دون إخلال، أو متفرق يجمعه، أو مختلط يرتّبه، أو أخطأ فيه مؤلفه يصلحه. وقاس أعلامَ الأندلس بأنداد المشرق: بقي بن مخلد بالبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي، وأحمد بن دراج القسطلي ببشار وأبي تمام والمتنبي، وابن شهيد (صديقه، وكان حيًّا لم يبلغ سنّ الاكتهال) بالجاحظ وسهل بن هارون. وشكا مرارةَ حسد الأندلسيين لعالمهم: «إن أجاد قالوا سارق مغير، وإن توسّط قالوا غثّ بارد».

ومن أخبار العلم في الرسالة: أن أبا الجيش مجاهدًا صاحب الجزائر ودانية بذل لأبي غالب تمّام بن غالب — أيام غلبته على مرسية — ألف دينار أندلسية على أن يزيد في ترجمة كتابه «مما ألّفه تمام بن غالب لأبي الجيش مجاهد»، فردّ الدنانير وأبى، وقال: «والله لو بُذلت لي الدنيا على ذلك ما فعلت ولا استجزت الكذب».

ذيل ابن سعيد على رسالة ابن حزم

استدرك ابن سعيد ما تأخّر بعد ابن حزم:

  • التفسير والقراءات: «الهداية إلى بلوغ النهاية» لمكي بن أبي طالب القرطبي في نحو عشرة أسفار، و«تفسير إعراب القرآن»؛ وعدّ ابن غالب تآليف مكي فبلغ بها ٧٧ تأليفًا، ووفاته سنة ٤٣٧؛ وتفسير ابن عطية الغرناطي (ت ٥٤٢) الذي طار في الغرب والشرق. وفي القراءات: «التبصرة» لمكي، و«التيسير» لأبي عمرو الداني.
  • الحديث: ابن القطان القرطبي الساكن بمراكش (ت ٦٢٨)، وإليه النهاية في عصره؛ وكتاب رزين بن معاوية العبدري (ت ٥٢٤) في الجمع بين الصحيحين والموطأ والسنن؛ و«الأحكام» (الكبرى والصغرى والوسطى) لعبد الحق الإشبيلي؛ و«الجمع بين الصحيحين» للحُميدي.
  • الفقه والأصول: «التهذيب» للبراذعي هو الكتاب المعتمد عند المالكية حتى بالإسكندرية (ونبّه المحقق أنه قيرواني لا سرقسطي، وأن ابن سعيد خلط بين سرقسطة وسرقوسة بصقلية)؛ و«نهاية المجتهد» لابن رشد؛ و«المنتقى» للباجي؛ و«العواصم والقواصم» لابن العربي الإشبيلي؛ و«مختصر المستصفى» لابن رشد.
  • التاريخ: «المتين» لابن حيّان في نحو ستين مجلدة (وذكر ابن حزم «المقتبس» وهو في عشر مجلدات)، وفيه أخبار عصره مما شاهده، وعنه ينقل صاحب «الذخيرة»؛ وذيّل عليه أبو الحجاج البياسي. و«المظفري» للمظفر بن الأفطس ملك بطليوس، نحو «المتين» في الكبر، على السنين. وتاريخ ابن صاحب الصلاة؛ وكتاب ابن الصيرفي الغرناطي في أخبار دولة لمتونة؛ وكتاب أبي الحسن السالمي في أخبار الفتنة الثانية بالأندلس، بدأه من سنة ٥٣٩ وبلغ به سنة ٥٤٧ مرتَّبًا على السنين؛ وتاريخ ابن بشكوال من الفتح إلى زمانه، و«الصلة» في تاريخ العلماء، وقبله «جذوة المقتبس» للحميدي، وذيّل «الصلة» ابنُ الأبّار البلنسي كاتب سلطان إفريقية؛ وكتاب أبي جعفر بن عبد الحق الخزرجي القرطبي من بدء الخليقة إلى دولة عبد المؤمن؛ و«نقط العروس» لابن حزم؛ و«التبيين في خلفاء بني أمية بالأندلس» لابن زيدون على منزع كتاب المسعودي؛ وكتابا القاضي صاعد الطليطلي: «التعريف بأخبار علماء الأمم» و«جامع أخبار الأمم»؛ و«القصد والأمم» لابن عبد البر؛ و«اختصار تاريخ الطبري» لعريب بن سعد القرطبي مع إضافة تاريخ إفريقية والأندلس؛ و«العبر» لابن أبي الفيّاض؛ و«أخبار النحويين واللغويين» للزبيدي؛ و«أخبار العلماء والشعراء» لابن الفرضي. وذكر أن يحيى بن حكم الغزال ألّف تاريخًا كلَّه منظومًا، وكذلك أبو طالب المتنبي من جزيرة شقر.
  • كتب التراجم الأدبية: «الذخيرة» لابن بسّام (شنترين)، و«القلائد» و«المطمح» (بثلاث نسخ: كبرى ووسطى وصغرى) للفتح بن خاقان (إشبيلية)، و«سمط الجمان وسقط المرجان» لأبي عمرو ابن الإمام (إستجة)، وذيّله صفوان بن إدريس المرسي بـ«زاد المسافر»، و«المسهب في فضائل المغرب» للحجاري (وادي الحجارة) — خلط فيه الجغرافيا بالتاريخ والأدب. وذيّل «المسهب» عبد الملك بن سعيد، ثم ابناه أحمد ومحمد، ثم موسى بن محمد، ثم علي بن موسى — فتناوب على الكتاب ستة أشخاص في ١١٥ سنة آخرها سنة ٦٤٥، وصار «فلك الأدب المحيط بحلى لسان العرب» الجامع لكتابَي «المشرق في حلى المشرق» و«المغرب في حلى المغرب».
  • الأدب والنحو والجغرافيا: «سراج الأدب» لابن أبي الخصال الشقوري رئيس كتّاب الأندلس؛ «واجب الأدب» لموسى بن محمد بن سعيد (والد ابن سعيد)؛ «اللآلئ» لأبي عبيد البكري على أمالي القالي؛ «الاقتضاب في شرح أدب الكتاب» وشرح «سقط الزند» لابن السيد البطليوسي؛ شروح الأعلم على المتنبي والحماسة. وفي النحو: شروح «الجمل» لابن خروف والرندي وابن عصفور الإشبيلي — وإليه انتهت علوم النحو وعليه الإحالة من المشرق والمغرب، وأتى ابن سعيد بكتابه «المقرَّب» من إفريقية؛ و«التوطئة» للشلوبين على الجزولية؛ وشرح ابن خروف على سيبويه. وفي الجغرافيا: «المسالك والممالك» و«معجم ما استعجم» لأبي عبيد البكري.
  • الموسيقى: كتاب ابن باجة الغرناطي «فيه كفاية، وهو في المغرب بمنزلة الفارابي بالمشرق»، وإليه تُنسب الألحان المطربة بالأندلس التي عليها الاعتماد؛ و«الأغاني الأندلسية» ليحيى الخذوج المرسي على منزع أغاني أبي الفرج (من أهل المائة السابعة).
  • الطب: «التيسير» و«الأغذية» لعبد الملك بن أبي العلاء بن زهر (وألّف الأغذية للخليفة عبد المؤمن بن علي)؛ وكتاب ابن الرومية الإشبيلي في الأدوية المفردة؛ وكتاب أبي محمد المالقي (ابن البيطار) الساكن بالقاهرة في المفردات، جمع فيه ما قدر عليه من تصانيف الأدوية المفردة ككتب الغافقي والزهراوي والشريف الإدريسي الصقلي، وضبطه على حروف المعجم.
  • الفلسفة: إمامها في عصر ابن سعيد أبو الوليد ابن رشد القرطبي، جحد تصانيفه لما رأى انحراف المنصور الموحدي عن هذا العلم، وسُجن بسببها؛ وقُتل ابن حبيب (القصري) على يد المأمون بن المنصور بإشبيلية بسبب هذا العلم. وعلّق ابن سعيد: «وهو علم ممقوت بالأندلس لا يستطيع صاحبه إظهاره، فلذلك تخفى تصانيفه».
  • التنجيم: لابن زيد الأسقف القرطبي تصانيف، وكان مختصًّا بالمستنصر بن الناصر، وألّف له «تفصيل الأزمان ومصالح الأبدان» في منازل القمر؛ وكان مطرّف الإشبيلي في عصر ابن سعيد يُنسب إلى الزندقة لاشتغاله بهذا الشأن فكان لا يُظهر ما يصنّف.

رسالة الشقندي في تفضيل الأندلس

سببها — كما رواه ابن سعيد عن أبيه — نزاعٌ في مجلس صاحب سبتة أبي يحيى بن أبي زكريا (صهر ناصر بني عبد المؤمن) بين أبي الوليد الشقندي وأبي يحيى بن المعلّم الطنجي في التفضيل بين البرّين (الأندلس وبرّ العدوة)، ومسّ عصبيةَ العرب والبربر، فأمر الأمير كلًّا منهما أن يعمل رسالةً في تفضيل برّه.

فاحتجّ الشقندي بخلافة القرشيين بقرطبة، وبالمنصور بن أبي عامر الذي بلغ في بلاد النصارى البحر الأخضر ولم يترك أسيرًا من المسلمين؛ ثم بملوك الطوائف — الفتيان العامريين مجاهد ومنذر وخيران، والدول العربية: بني عباد وبني صمادح وبني الأفطس وبني ذي النون وبني هود — الذين «نفقوا سوق العلوم». وأعاد قصة مجاهد وأبي غالب اللغوي. وسخر من يوسف بن تاشفين الذي لم يفهم شعر شعراء الأندلس وقال: «لا أعلم، ولكنهم يطلبون الخبز».

ثم عدّد أعلام الأندلس بأسمائهم وفنونهم: في الفقه عبد الملك بن حبيب وأبو الوليد الباجي وابن العربي وابن رشد الأكبر وابن رشد الأصغر؛ وفي الحفظ ابن حزم الذي زهد في الوزارة والمال، وأُحرقت كتبه فقال إن ما حُرق ورقٌ لا علم؛ وابن عبد البر؛ وأبو بكر بن الجد «حافظ الأندلس» في الدولة الموحدية؛ وفي اللغة ابن سِيده صاحب «المحكم» و«السماء والعالم» (وكان أعمى)؛ وفي النحو ابن السيد وابن الطراوة والشلوبين (وكان حيًّا حينئذ)؛ وفي علوم الألحان والفلسفة ابن باجة؛ وفي النجوم والفلسفة والهندسة المقتدرُ بن هود صاحب سرقسطة؛ وفي الطب ابن طفيل صاحب «حي بن يقظان» وبنو زهر ثلاثةً على نسق: أبو العلاء ثم ابنه عبد الملك ثم ابنه أبو بكر؛ وفي التاريخ ابن حيان صاحب «المتين» و«المقتبس»؛ وفي الأدب ابن عبد ربه صاحب «العقد»؛ وابن بسّام صاحب «الذخيرة»؛ وفي بلاغة النثر الفتحُ بن عبيد الله وابن أبي الخصال وأبو الحسن سهل بن مالك؛ ومن الملوك الشعراء المعتمد بن عباد وابنه الراضي، والمظفر بن الأفطس ملك بطليوس الذي ألّف في فنون الآداب كتابًا في نحو مائة مجلدة ولم تشغله الحروب عنه؛ ومن الوزراء ابن عمار وابن زيدون؛ ومن الشعراء ابن وهبون وابن دراج القسطلي (قال فيه الثعالبي: «هو بالصقع الأندلسي كالمتنبي بصقع الشام») وابن خفاجة والرصافي وابن الزقاق والأعمى التطيلي وابن هانئ الإلبيري وابن بقي؛ ومن الشواعر ولّادة المروانية وزينب بنت زياد الوادي آشية ونزهون القلاعية وحفصة بنت الحاج. وفي الفروسية: الأمير أبو عبد الله بن مردنيش، والقائد أبو عبد الله بن قادس الذي بلغ رعبه بين النصارى أن يقول أحدهم لفرسه إذا لم يشرب: «أرأيت ابن قادس في الماء؟».

أوصاف المدن في رسالة الشقندي

  • إشبيلية: أكبر مدن الأندلس؛ اعتدال الهواء وحسن المباني؛ نهرها الأعظم يصعد المدّ فيه اثنين وسبعين ميلًا ثم يحسر، وضفتاه متصلتان بالمنازه والبساتين والكروم؛ يُسفَّر زيتُ زيتونها حتى يبلغ الإسكندرية؛ الشرف (الأَلْخَرَف) وجبال الرحمة وتينها القوطي والشعري اللذان لا مثيل لهما؛ ولم يستطع الولاة المتديّنون قطعَ ما فيها من شرب الخمر وآلات الطرب. وعدّ من آلات الطرب بها: الخيال والكريج والعود والروطة والرباب والقانون والمؤنس والكثيرة والفنار والزلامي والشقرة والنورة (مزماران أحدهما غليظ الصوت والآخر رقيقه) والبوق — قال: «وليس في برّ العدوة من هذا شيء إلا ما جُلب إليه من الأندلس، وحسبهم الدفّ ودبدبة السودان».
  • قرطبة: كرسي المملكة ومركز العلم؛ بها كان يحيى بن يحيى راوية مالك وعبد الملك بن حبيب؛ كان ملوكها لا يقدّمون وزيرًا ولا مشاورًا ما لم يكن عالمًا، ولا يقدّمون أحدًا للفتوى أو الشهادة حتى يطول اختباره وتُعقد له مجالس المذاكرة، ويكون ذا مالٍ خوفًا من أن يميل به الفقر إلى الطمع؛ وعلامة أهل الفتوى والشهادة بين الناس: القلنسوة والرداء. وأورد خبرًا في أن الحكم الربضي أراد تقديم فقيه شديد الفقر للشهادة فردّه العلماء، فأشار عليه ابنه عبد الرحمن أن يُغنيه من مال نفسه، فسأل عبد الملك بن حبيب عن القدر الذي يؤهّله فذكر له عددًا فأمر له به وأعطاه مركوبًا من إسطبله. [والخبر مضطرب زمنيًّا في نسبة يحيى بن يحيى وعبد الملك بن حبيب إلى مجلس الحكم الأول.] وذكر أن أهل قرطبة كانوا لا يولّون حاكمًا إلا بشرط ألّا يعدل في الحكم عن مذهب ابن القاسم. وأن الحكم المستنصر لما كره له العلماء شربَ الخمر همّ بقطع شجر العنب من الأندلس، فقيل له إنها تُعصر من سواها فأمسك.

ومن عمرانها: يقال إن العمارة اتصلت في قرطبة والزاهرة والزهراء حتى كان يُمشى فيها لضوء السُّرُج المتصلة عشرة أميال؛ وثريّات جامعها الأعظم من نواقيس النصارى، وزيادة ابن أبي عامر في بنائه من تراب نقله النصارى على رؤوسهم مما هُدم من كنائس بلادهم؛ وقنطرتها العظمى؛ وأرحاء واديها يقال إنها تنيف على خمسة آلاف حجر؛ وكنبانيتها وقمحها؛ وجبال الورد الذي بلغ الربع منه مرات ربعَ درهم. وعرض المنصور بن أبي عامر خيله ورجله بظاهر قرطبة حين تمّ له ملك البرّين، فنيّف الفرسان على مائتي ألف والرجّالة على ستمائة ألف (رقمٌ مبالَغٌ فيه ظاهرًا).

  • جيّان: أكثر بلاد الأندلس زرعًا وأعظمها منعة؛ تُسمّى «جيّان الحرير» لكثرة عناية باديتها وحاضرتها بدود الحرير؛ وببيّاسة من أعمالها زعفرانٌ يُسفَّر برًّا وبحرًا؛ وبأُبَّدة كروم كاد العنب فيها لا يُباع كثرةً، وبها راقصات مشهورات باللعب بالسيوف و«الدكّ».
  • غرناطة: «دمشق بلاد الأندلس»، لها القصبة المنيعة ذات الأسوار الشامخة، والنهر يتوزع على ديارها وحمّاماتها وأسواقها وأرحائها الداخلة والخارجة وبساتينها؛ ومنها الشواعر نزهون وزينب بنت زياد وحفصة بنت الحاج.
  • مالقة: اسمها في القديم رَيّة، وإليه يُنسب «التين الرَّيّي» الذي أُخبر الشقندي أنه يُباع ببغداد على جهة الاستطراف، ويُسفَّر في المراكب البحرية؛ ومن سهيل إلى بلّش مسيرة ثلاثة أيام كلها شجر تين؛ وسار المثل بـ«الشراب المالقي»؛ وفيها تُنسج الحُلل الموشّية ذات الصور العجيبة برسم الخلفاء، وتجاوز أثمانها الآلاف؛ وساحلها محطّ تجارة مراكب المسلمين والنصارى.
  • المرية: بها الحصى الملوّن الذي يجعله رؤساء مراكش في البرابيد، والرخام الصقيل الملوكي؛ وواديها وادي بجّانة؛ وفيها كان القائد ابن ميمون الذي قهر النصارى في البحر؛ وكانت محطّ مراكب النصارى ومجتمع ديوانهم، ومنها تُسفَّر بضائعهم لسائر البلاد — وقُصد بضبط ذلك بها حصرُ ما يجتمع في أعشارهم؛ وهي مصنعٌ للحلل الموشّية النفيسة.
  • مرسية: حاضرة شرق الأندلس؛ واديها قسيم وادي إشبيلية، وكلاهما ينبع من شَقُورة؛ عليه النواعير؛ وهي ثالثة المرية ومالقة في صنعة الوشي، واختصت بـ«البُسُط التنتلية» التي تُسفَّر لبلاد المشرق، وبالحصر التي تُغلَّف بها الحيطان؛ ويُجهَّز منها شُوَر العروس كاملًا.
  • بلنسية: تُعرف بـ«مطيّب الأندلس» لكثرة بساتينها؛ ورصافتها؛ والبحيرة المشهورة؛ ومنها النسيج البلنسي الذي يُسفَّر لأقطار المغرب.
  • جزيرة ميورقة: من أخصب البلاد، أكثرها زرعًا وماشية، مستغنية عن غيرها على انقطاعها، يصل فاضل خيرها إلى غيرها.

ترجمة الشقندي: أبو الوليد إسماعيل بن محمد، نسبته إلى شَقُنْدة، قرية مطلّة على نهر قرطبة من جهة الجنوب. كان جامعًا لفنون العلوم الحديثة والقديمة، وعُني بمجلس المنصور الموحدي، ووَلِي قضاء بيّاسة وقضاء لورقة، ومات بإشبيلية سنة ٦٢٩.

انتقال الأندلس من مذهب الأوزاعي إلى مذهب مالك

ذكر المقّري أن أهل الأندلس كانوا في القديم على مذهب الأوزاعي وأهل الشام منذ أول الفتح، وأنه في دولة الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل — ثالث ولاة الأندلس من الأمويين — انتقلت الفتوى إلى رأي مالك وأهل المدينة، فانتشر مذهبه بقرطبة والأندلس بل والمغرب، «وذلك برأي الحكم واختياره». واختُلف في السبب: فذهب الجمهور إلى أن سببه رحلة علماء الأندلس إلى المدينة ووصفُهم عند رجوعهم فضلَ مالك وسعة علمه؛ وقيل إن مالكًا سأل بعض الأندلسيين عن سيرة ملك الأندلس فأعجبته — لأن سيرة بني العباس حينئذ لم تكن مرضية بما صنعه أبو جعفر المنصور بالعلويين بالمدينة — فقال: «نسأل الله أن يزيّن حرمنا بملككم»، فنُميت المسألةُ إلى ملك الأندلس فحمل الناس على مذهبه.

أخبار في العلماء وعوائدهم

  • مسألة جوائز السلطان: نقل المقّري عن القرطبي صاحب «التذكرة» في كتابه «قمع الحرص بالزهد والقناعة» أن ابن عبد البر بلغه وهو بشاطبة أن أقوامًا عابوه بأكل طعام السلطان وقبول جوائزه، فاحتجّ بسلف قبلوا الجوائز (زيد بن ثابت، ابن عمر، الشعبي، الزهري، مالك، أبو يوسف، الشافعي، سفيان الثوري)، ولم يتورّع منها من التابعين إلا سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين، ومعهما أحمد بن حنبل من بعدُ. وذكر أن أحمد بن خالد فقيه الأندلس ألّف في ذلك كتابًا حمله على وضعه طعنُ أهل بلده عليه في قبوله جوائز عبد الرحمن الناصر، إذ نقله الناصر إلى المدينة بقرطبة وأسكنه دارًا من دور الجامع قربه وأجرى عليه الرزق من الطعام والإدام والناضّ.
  • الوزير أبو محمد عبد الرحمن بن مالك المعافري: من كبار وزراء الأندلس، ذاكرٌ للفقه والحديث، شاعر وكاتب. من آثاره: الحمّام بجوفيّ الجامع الأعظم من غرناطة؛ وزاد في سقف الجامع من صحنه، وعوّض من أرجل قسيّه أعمدةَ الرخام، وجلب الرؤوس (التيجان) والموائد من قرطبة، وفرش صحنه بكذّان الصخر. ووجّهه أميره علي بن يوسف بن تاشفين إلى طرطوشة برسم بنائها، فاستعمل في العمل ضعفاءَ أهل البيوتات من أهلها أمناءَ ووسّع أرزاقهم، ووصل من عجز عن استعماله من ماله. مات بغرناطة سنة ٥١٨.
  • ابن مجبر (أبو بكر يحيى بن عبد الجليل بن مجبر الفهري): شاعر المغرب في وقته، شعره أكثر من ٩٤٠٠ بيت؛ اتصل بابن مردنيش ثم بالموحدين؛ روى عنه أبو علي الشلوبين؛ توفي بمراكش سنة ٥٨٨ وعمره ٥٣ سنة. ومن أخباره أن يعقوب المنصور الموحدي — أيام إمرته — وقف على قبر ابن حزم بأَوْنَبَة من أرض شلب فقال: «كل العلماء عيال على ابن حزم».
  • مقصورة جامع مراكش: أحدث المنصور الموحدي مقصورةً في جامعه المتصل بقصره بمراكش، موضوعة على حركات هندسية ترتفع لخروجه وتنخفض لدخوله؛ وأنشد الشعراء فيها، وتفرّد ابن مجبر بوصف حالها فطرب المنصور. وقال المقّري: «وقد بطلت حركات هذه المقصورة الآن، وبقيت آثارها حسبما شاهدته سنة عشر وألف» (١٠١٠هـ).
  • ابن العريف (أحمد بن محمد بن موسى بن عطاء الله الصنهاجي)، صاحب «محاسن المجالس»، شيخ المتصوفة بالمرية؛ أحضره علي بن يوسف بن تاشفين إلى مراكش هو وابن برجان فتوفيا بها سنة ٥٣٧ (أو ٥٣٦). وذكر المقّري أنه زار قبره بمراكش سنة ١٠١٠هـ، وأنه يُتبرّك به ويُستسقى به الغيث.
  • وأورد المقّري خبرًا في أن عباس بن ناصح الشاعر لما توجّه من قرطبة إلى بغداد ولقي أبا نواس، طلب منه أبو نواس أن يُنشده لأبي الأجرب ولبكر الكناني — وهما شاعران أندلسيان. وأنشد ابن سعيد عن أبيه للحافظ أبي طاهر السِّلَفي بيتين يجعل فيهما أذربيجان في الشرق كالأندلس في الغرب في العلم والأدب.

أخبار المجالس والبديهة (موجَزًا)

خُتم القسم بسلسلة طويلة من حكايات الارتجال والبديهة، معظمها منقول عن «بدائع البدائه» لابن ظافر الأزدي وعن ابن بسّام والحميدي والفتح، وتُلقي ضوءًا على مجالس الملوك: مجلس المظفّر بن المنصور بن أبي عامر بقرطبة مع ابن شهيد؛ ومجلس المنصور بن أبي عامر حيث كان صاعد اللغوي صاحب «الفصوص» يمدح العراق فكتب إليه الوزير عبد الملك بن شهيد أبياتًا مفاخِرةً بخمر الأندلس، وحيث رقص الوزير ابن شهيد وهو منقرِس متوكئًا؛ ومجالس المعتمد بن عبّاد (وفيها أُجيز البطليوسي المعروف بالنحلي، وأُمر لابن وهبون بمائتي دينار ثم بألفَي دينار)؛ ومجلس المعتصم بن صمادح بالمرية وفيه وصيفةٌ مهدوية تلعب «الدكّ» ولاعبٌ مصري ساحر وصفهما ابن الحداد؛ وعرض الحاجب المنذر بن يحيى التجيبي صاحب سرقسطة لجنده؛ وركوب المستعين بن هود صاحب سرقسطة نهرَها لتفقّد معاقله ومعه الوزير أبو الفضل بن حسداي؛ ومجلس الأمير محمد بن عبد الرحمن الأموي مع نديمه عبد الله بن عاصم صاحب الشرطة بقرطبة. وأدرج المقّري كذلك حكايات ابن ظافر عن نفسه في خدمة الملك العادل بالإسكندرية سنة ٦٠١–٦٠٢ والملك الأشرف بالرُّها سنة ٦٠٣، وحكايات ابن قلاقس الإسكندري — وهي مشرقية استطرد إليها ثم قال: «وقد آن وقت الرجعة إلى كلام الأندلسيين».

الباب السابع (ب) — تتمة أخبار الأندلسيين: علومهم وأعلامهم وعوائدهم

ابن زيدون وأخبار الكتّاب الوزراء

صدر المقطع في نظم ذي الوزارتين أبي الوليد ابن زيدون. ومن وقائعه: لمّا ورد إشبيلية نزل بدار الوزير الكاتب ذي الوزارتين أبي عامر ابن مسلمة وهو يبني مجلسًا، فقال فيه أبياتًا كُتبت في المجلس ومدح فيها المعتضد بالله ابن عبّاد؛ وجرت بينه وبين ابن مسلمة معاتبة منظومة؛ وخدم أبا القاسم الظافر المؤيَّد بالله، وأمره السلطان أن يعارض قطعًا كانت تُغنّى واستُحسنت ألحانها.

وأورد المقّري نونيّته إلى ولّادة («أضحى التنائي بديلًا من تدانينا») بتمامها، معلّلًا بأنّ كثيرًا من الناس لا يعرف جملتها ويظنّ أنّ ما في «قلائد العقيان» هو جميعها، وأنها — مع شهرتها بالمشرق والمغرب — قلّ من أورد جميعها. ووقف بالمغرب على «تسديس» لها لبعض علماء المغرب، وأحال على موشّحة ابن الوكيل التي وطّأ فيها بهذه النونية (في الباب الرابع).

وقائع ونكبات

  • أبو محمد ابن السيد البطليوسي، الحافظ صاحب «شرح أدب الكاتب»: أولع بأولاد ابن الحاج صاحب قرطبة الثلاثة (رحمون وعزّون وحسّون)، ثم خاف على نفسه فخرج من قرطبة.
  • ابن عبد ربه صاحب «العقد» وأبو محمد يحيى القلفاط: فسد ما بينهما فتهاجيا؛ كان القلفاط يلقّبه «طلّاس» ويسمّي كتاب «العقد» «حبل الثوم». وعاش ابن عبد ربه ٨٢ سنة.
  • أبو جعفر أحمد بن طلحة، وزير كاتب من جزيرة شُقر (من عمل بلنسية): كتب عن ولاة بني عبد المؤمن، ثم استكتبه ابن هود لمّا تغلّب على الأندلس واستوزره أحيانًا. كان شديد التهوّر مشهورًا بالمجون؛ هرب بغلام (علج) إلى سبتة فأحسن إليه القائم بها أبو العباس اليَنَشتي، ثم هجاه؛ وحُفظت عنه أبيات في زندقة وانتهاك رمضان، فأرسل إليه من قتله سنة ٦٣١، وأظهر أنه يُرضي العامة بقتله. وعلّق المقّري: «وحاكي الكفر ليس بكافر».
  • ابن غالب الداني: أمر المستنصر الموحدي بضربه ألف سوط وصلبه، فضُرب بإشبيلية خمسمائة فمات، ثم ضُربت بقية الألف حتى تناثر لحمه، ثم صُلب؛ ورثاه ابنه أبو الربيع.
  • الباجي: قام بإشبيلية وخلع طاعة ابن هود، وأبدل الشعار الأسود العبّاسي في البنود؛ فقال أبو محمد عبد الحق الزهري القرطبي في ذلك.
  • ابن الأبّار القضاعي: كاتب مشهور، كتب عن ولاة بلنسية، وورد رسولًا حين أخذ النصارى بمخنق تلك الجهات، وأنشد سينيّته «أدرك بخيلك خيل الله أندلسا»، فعارضها جمع من الشعراء وأُغري الناس بحفظها؛ ثم قلصت عنه النعمة فارتحل إلى بجاية واشتغل بالتصنيف (نقلًا عن «القدح المعلّى» لابن سعيد).
  • أبو بكر يحيى اليكّي: أفرط في هجاء أهل فاس، فتعسّفوا عليه وساعدهم واليهم مظفّر الخصيّ من قِبَل أمير المسلمين علي بن يوسف، والقائد عبد الله بن خيار الجيّاني؛ فدُبِّرت عليه دعوى دَين شهد بها فقيه يُعرف بالزناتي وشيخ يُكنى أبا الحسين، فسُجن، فهجاهم.
  • عبد الملك بن غصن: استولى على وزارة ابن عبيدة، وهجا ابن ذي النون، فلمّا تمكّن منه المأمون سجنه؛ فكاتب ابن هود فتحيّل حتى خلّصه بشفاعته، ثم خلع عليه ثوب وزارته.
  • أبو عامر ابن شهيد: رثى القاضي ابن ذكوان؛ ونُكب أيام العَلويّين فاعتُقل وأُذهب ماله؛ ولزمته آخر عمره علّة سنين حتى حُمل في المحفّة، وآخر شعره قصيدة يودّع فيها ابن حزم.

الملوك والوزراء: أخبار العدل والوفاء

  • المعتصم بن صمادح صاحب المريّة: لمّا بنى قصوره المعروفة بـ«الصمادحيّة» غُصبت جنّة زعم صاحبها الصالح أنها لأيتام من أقاربه؛ فألقى إليه رسالة في أنبوب قصبة مشمَّع طافت في الساقية، فبكى المعتصم وردّ القطعة عليهم واحتمل تعويرها لمنظر الصمادحيّة، قائلًا: «إنّ عيبها في عين الخالق أقبح من عيبها في عين المخلوق»؛ ثم لم يزل وزيره ابن أرقم يلاطف الشيخ والأيتام حتى باعوها عن رضًى بعد مدة طويلة.
  • والسميسر الشاعر: مدح بعض رؤساء المريّة فلم يُجزه، فلمّا صنع الرجل دعوةً للمعتصم وقف له السميسر في الطريق فأنشده بيتين، فقال المعتصم: «صدق والله»، ورجع من الطريق وفسد على الرجل ما عمله. وأورد المقّري نظيرها المشرقيّ (عبّاد بن الحريش مع أبي دلف العجلي بأصبهان).
  • بنو صمادح بعد المعتصم: ركب البحرَ وليُّ عهده الواثق عز الدولة أبو محمد عبد الله وفارق الملك كما أوصاه أبوه؛ لقيه ابن اللبّانة ببجاية خاملًا، ووصفه بحفظ فنون الأدب والتواريخ. وقال الشقندي في «الطُّرَف» إنّ عز الدولة أشعر من أبيه. وأخوه رفيع الدولة الحاجب أبو زكريا يحيى بن المعتصم (كانت به علّة الحصى)، وأخوهما أبو جعفر ابن المعتصم، وأختهم أمّ الكرم.
  • المنصور بن أبي عامر والشاعر أبو عمر يوسف الرمادي: سأله المنصور: كيف ترى حالك معي؟ فقال: «فوق قدري ودون قدرك»، فأطرق المنصور. فاغتنم حاسدٌ الفرصةَ وثلب الشعراء، فردّ عليه المنصور ردًّا مطوّلًا في فضلهم — وأنّ صحبتهم والإحسان إليهم هو ما خلّد ذكر الممدوحين ودثر ذكر من لم يصحبهم — ونهى جلساءه عن الكلام في أوليائه، وأمر للرمادي بمال وخلع وموضع يتعيّش منه، متمثّلًا بخبر النعمان بن المنذر والنابغة.
  • من أخبار الوفاء: الوزير الوليد بن عبد الرحمن بن غانم وحده اعتذر عن الوزير هاشم بن عبد العزيز حين أُسر ونسبه السلطان محمد بن عبد الرحمن الأموي إلى الطيش والعجلة، فأعجب الأميرَ كلامُه وسعى في تخليصه.
  • المروانيّون بعد زوال الدولة: أيوب بن سليمان السهيلي المرواني في مجلس ابن باجة مع ابن جودي. وبكّار المرواني بأشبونة: زاهد يقتات من صيد شبكته وغزل زوجته وابنته، خرج غازيًا فقُتل شهيدًا. والقائد سعيد بن المنذر «رأس بني مروان» كلّم الناصر في محمد بن أيوب المرواني فأجرى له رزقًا. والمطرّف بن عمر المرواني مدح المظفّر بن المنصور بن أبي عامر، وجرت بينه وبين ابن دراج القسطلّي (شاعر الأندلس في زمانه) مناقشة نقدية. وكاتب الأمير هشام بن عبد الرحمن أخاه عبد الله «البلنسي» حين فرّ، فأجابه معتذرًا عن فراره، وحاوره وزيره أحمد بن شعيب البلنسي.
  • العالي إدريس الحمّودي لمّا عاد إلى ملكه بمالقة وبّخ قاضيها أبا علي ابن حسّون على مبايعة عدوّه، فاحتجّ القاضي بأنّ الملك نفسه ترك ملكه لعدوّه ضرورةً.

العلوم وعلوم الأوائل

عبّاس بن فرناس، «حكيم الأندلس»: أوّل من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة، وأوّل من فكّ بها كتاب العروض للخليل، وأوّل من فكّ الموسيقى، وصنع الآلة المعروفة بـ«المنقانة» (المنجانة، آلة معرفة الأوقات) على غير رسم ومثال. واحتال في تطيير جثمانه فكسا نفسه الريش ومدّ له جناحين وطار في الجوّ مسافة بعيدة، لكنه لم يُحسن الاحتيال في وقوعه فتأذّى في مؤخّره، إذ لم يدرِ أنّ الطائر إنما يقع على زِمِكّاه، ولم يعمل لنفسه ذنبًا؛ وهجاه مؤمن بن سعيد. وصنع في بيته هيئة السماء يُخيَّل للناظر فيها النجوم والغيوم والبروق والرعود.

وأوّل من اشتهر بالأندلس بعلوم الأوائل والحساب والنجوم أبو عبيدة مسلم بن أحمد المعروف بصاحب القِبْلة (لأنه كان يُشرّق في صلاته)؛ عالم بحركات الكواكب وأحكامها، صاحب فقه وحديث، دخل المشرق وسمع بمكة من علي بن عبد العزيز وبمصر من المُزَني. (والمقّري في هذا الفصل يعتمد على «طبقات الأمم» لصاعد.) ومن أعلام الفصل:

  • يحيى بن يحيى ابن السمينة القرطبي: بصير بالحساب والنجوم والنحو واللغة والعروض ومعاني الشعر والفقه والحديث والأخبار والجدل؛ دخل المشرق، وقيل كان معتزلي المذهب.
  • أبو القاسم أصبغ بن السمح: بارع في النجوم والهندسة والطب؛ له «المدخل إلى الهندسة في تفسير إقليدس»، وكتاب كبير في الهندسة، وكتابان في الأسطرلاب، وزيج على مذاهب الهند المعروف بالسند هند.
  • أبو القاسم ابن الصفّار: عالم بالهندسة والعدد والنجوم؛ له زيج مختصر على مذاهب السند هند، وكتاب في عمل الأسطرلاب.
  • أبو الحسن الزهراوي: عالم بالعدد والطب والهندسة؛ له كتاب شريف في المعاملات على طريق البرهان.
  • أبو الحكم عمر الكرماني القرطبي: راسخ في العدد والهندسة، دخل المشرق واشتغل بحرّان، وهو أوّل من أدخل رسائل إخوان الصفا إلى الأندلس.
  • أبو مسلم ابن خلدون من أشراف إشبيلية: متصرّف في الفلسفة والهندسة والنجوم والطب؛ وتلميذه ابن برغوث (الرياضيات)، وتلميذه أبو الحسن مختار الرعيني (الهندسة والنجوم)، وعبد الله بن أحمد السرقسطي (الهندسة والعدد والنجوم)، ومحمد بن الليث (العدد والهندسة وحركات الكواكب)، وابن حيّ القرطبي (الهندسة والنجوم) الذي خرج عن الأندلس سنة ٤٤٢ ولحق بمصر ثم اليمن واتصل بأميرها الصليحي القائم بدعوة المستنصر العبيدي، فبعثه رسولًا إلى بغداد إلى القائم بأمر الله، وتوفي باليمن بعد انصرافه، وابن الوقشي الطليطلي (الهندسة والمنطق والزيجات).
  • الحافظ أبو الوليد هشام الوقّشي: من أعلم الناس بالهندسة وآراء الحكماء والنحو واللغة ومعاني الأشعار والعروض وصناعة الكتابة والفقه والشروط والفرائض.
  • الوزير أبو المطرّف عبد الرحمن بن مهنّد [كذا في الأصل؛ صوّبه المحقّق عن ابن أبي أصيبعة]، مصنّف «الأدوية المفردة»: عانى بنفسه جميع ما في كتابه من الأدوية المفردة وعرف ترتيب قواها ودرجاتها. ومذهبه في العلاج: لا يتداوى بالأدوية ما أمكن بالأغذية، وإذا اضطُرّ إلى الأدوية لم يتداوَ بالمركّبة ما وجد سبيلًا إلى المفردة، وإذا اضطُرّ إلى المركّب اقتصر على أقلّ ما يمكن؛ وله غرائب مشهورة في إبراء الأمراض الصعبة بأيسر علاج.
  • ابن البيطار (عبد الله بن أحمد المالقي، الملقّب بضياء الدين): له عدة مصنّفات في الحشائش لم يُسبق إليها؛ توفي بدمشق سنة ٦٤٦، أكل عقارًا قاتلًا فمات من ساعته.
  • محمد بن خلف بن موسى البيري: متكلّم على رأي الأشعرية، ذاكر لكتب الأصول في الاعتقاد، مشارك في الأدب، مقدَّم في الطب؛ ومدح إمام الحرمين.
  • ابن باجة (أبو بكر ابن الصائغ): دخل جامع غرناطة فاستهزأ به طلبة نحوٍ، فقال: أحمل اثني عشر ألف دينار (أخرج اثنتي عشرة ياقوتة كلّ واحدة بألف دينار)، وأُحسن اثني عشر علمًا أدناها علم العربية الذي تبحثون فيه. نقل المقّري الحكاية من خطّ أبي حيّان النحوي.

الحفظ والكتب والمكتبات

  • أبو المتوكّل الهيثم بن أحمد بن أبي غالب، حافظ إشبيلية بل الأندلس في عصره: أعجوبة دهره في رواية الأشعار والأخبار؛ اختبروه ليلة فاختاروا قافية القاف، فأنشد من أول الليل إلى الفجر ولم يفارقها. وقارب حفظًا نصف ديوان ذي الرُّمّة إملاءً. وقال ابن سعيد: رأيته يُملي على طالب شعرًا، وعلى ثانٍ موشّحة، وعلى ثالث زجلًا، كلّ ذلك ارتجالًا. ولمّا أخذ الحصار بمخنق إشبيلية في مدة الباجي خرج فلم يُعرف له خبر.
  • ابن سِيده (أبو الحسن علي بن أحمد)، صاحب «المحكم»: أعمى ابن أعمى؛ قرأ على أبي عمر الطلمنكي بمرسية «الغريب المصنَّف» من أوّله إلى آخره عن ظهر قلب؛ توفي سنة ٤٥٨ وعمره نحو الستين.
  • المظفّر بن الأفطس صاحب بطليوس: قال ابن حيّان (ونقله ابن الأبّار): كثير الأدب، جمّ المعرفة، محبّ لأهل العلم، جمّاعة للكتب، ذو خزانة عظيمة، لم يكن في ملوك الأندلس من يفوقه أدبًا ومعرفة. وقال ابن بسّام: له «التذكرة» المشتهرة أيضًا باسم «الكتاب المظفّري» في خمسين مجلدًا، يشتمل على المغازي والسير والأمثال والأخبار وجميع ما يختصّ به علم الأدب. توفي سنة ٤٦٠، وكان يُحضر العلماء للمذاكرة فيفيد ويستفيد.
  • من التآليف الكبار: كتاب «السماء والعالم» لأحمد بن أبان صاحب شرطة قرطبة، في مائة مجلد؛ قال المقّري: رأيت بعضه بفاس. توفي ابن أبان سنة ٣٨٢.
  • أبو أيوب سليمان بن محمد بن بطّال البطليوسي المعروف بالملتمس: صاحب كتاب «الأحكام فيما لا يستغني عنه الحكّام».
  • أبو زكريا يحيى بن صفوان بن إدريس: صاحب «العجالة» و«زاد المسافر».
  • ابن غالب: صاحب «فرحة الأنفس في فضلاء العصر من الأندلس».
  • أبو الحجاج يوسف بن محمد البياسي: الفقيه المؤرّخ الأديب المصنِّف، حافظ لنكت الأندلسيين ومؤرّخهم؛ لقيه ابن سعيد بتونس بعد إيابه من المشرق.
  • أبو الصلت أميّة بن عبد العزيز: من كبراء أدباء الأندلس العلماء الحكماء (ترجمه المقّري في الباب الخامس في المرتحلين إلى المشرق)؛ له قصيدة في الأسطرلاب قال المقّري إنها أحسن ما سمع فيه، وأمر أن يُكتب على قبره أبيات. وكان بمصر (بركة الحبش) وبالمهدية مع الحسن بن علي بن تميم بن المعزّ بن باديس.
  • ابن جبير صاحب الرحلة: نقل صاحب «الملتمس» خبره في المروءة؛ صاهر قاضي غرناطة أبا محمد عبد المنعم بن الفرس، فلم يوفَّق بينه وبين الزوجة، فسعى القاضي في التفريق كما سعى في الجمع، ثم جاءه بمحفظة فيها مائة دينار مؤمنيّة تعويضًا عمّا خسره، فأبى ابن جبير قبولها.

الموشحات والزجل

  • أبو عبد الله ابن الحاج المعروف بمَدْغَليس، صاحب الموشّحات: كان مشهورًا بالانطباع والصنعة في الأزجال، وهو «خليفة ابن قزمان» في زمانه. وكان أهل الأندلس يقولون: ابن قزمان في الزجّالين بمنزلة المتنبي في الشعراء، ومَدْغَليس بمنزلة أبي تمام — بالنظر إلى الانطباع والصناعة؛ فابن قزمان ملتفت إلى المعنى، ومدغليس ملتفت إلى اللفظ. وكان مدغليس أديبًا معربًا بكلامه مثل ابن قزمان، لكنه لمّا رأى نفسه في الزجل أنجب اقتصر عليه.
  • الأعمى التطيلي (أبو جعفر ابن هريرة) وابن بقيّ: التقيا في الحمّام فتعاطيا العمل فيه ارتجالًا، وذكر ابن بسّام وابن ظافر القطع المتنازعة النسبة بينهما.
  • تُذكر الأغراض الثلاثة (القصيدة، الموشّحة، الزجل) متجاورةً بوصفها صنائع متوازية: دخل شاعرٌ على الفقيه سعيد بن أضحى — من أعيان غرناطة — فمدحه بقصيدة ثم بموشّحة ثم بزجل، فلم يُعطه شيئًا. وكذلك خبر الهيثم بن أحمد المتقدّم (يُملي شعرًا وموشّحًا وزجلًا معًا).
  • وذكر المقّري موشّحة ابن الوكيل المبنيّة على نونية ابن زيدون.

عوائد الأندلسيين وظرفهم

قال المقّري: «ولأهل الأندلس دعابة وحلاوة في محاوراتهم، وأجوبة بديهية مُسكتة، والظرف فيهم والأدب كالغريزة، حتى في صبيانهم ويهودهم، فضلًا عن علمائهم وأكابرهم». ومن نوادر الفصل:

  • القاضي أبو الحسن مختار الرعيني، عالم المريّة: استدعاه زهير ملك المريّة من مجلس حكمه واستعجله، فطلب عصًا وشمّر ثيابه وقال: ظننتك عزلتني عن القضاء ووليّتني الشرطة — فضحك زهير ولم يعد إلى استعجاله. وله بيتان في ذمّ الحمّام لأنه يسوّي بين العالم والجاهل.
  • أبو عبد الله محمد بن الفرّاء الضرير: إمام النحو واللغة في زمانه، خطيب شاعر، كان يعلّم بالمريّة القرآن والنحو واللغة، من فضلاء المائة السادسة؛ ذكره ابن غالب في «فرحة الأنفس» وصفوان في «زاد المسافر». وقبِل قاضي المريّة شهادته بعد أن اختبره في الحمّام بتمييز سَطْل باللمس.
  • وجدُّه القاضي أبو عبد الله ابن الفرّاء، المشهور بالصلاح والزهد: لمّا كتب أمير المسلمين يوسف بن تاشفين إلى أهل المريّة يطلب المعونة (وأفتى الباجي وقضاة العدوة والأندلس وفقهاؤها بجوازها قياسًا على اقتضاء عمر بن الخطاب لها)، أجابه بكتابه المشهور: إنّ عمر لم يقتضِها حتى دخل مسجد رسول الله وحلف أنه ليس عنده درهم واحد في بيت مال المسلمين — فادخل أنت الجامع بحضرة أهل العلم واحلف أنه ليس عندك ولا في بيت المال درهم، وحينئذ تستوجب ذلك.
  • الزهري خطيب إشبيلية (وكان أعرج): نوادر في المماحكة بالوادي وعلى المنبر.
  • أحمد بن برد الأندلسي قال في النرجس، وهو البهار عند الأندلسيين، ويسمّى العبهر.
  • من طعامهم: التفايا، لون من الطعام يُعمل بالكزبرة (ولذلك يخضرّ)؛ وذُكر في مقابله «المثلّث» بالزعفران. وأورد المقّري قصيدة مجونية منسوبة لابن الأزرق فيها تعداد لأطعمة الوطن (الكسكسو، الثريد، الإسفنج، العصيدة، البِلْياط بالزيت، الأرزّ باللبن، الرقاق، الجبن) — وهي مصدر لأسماء المطبوخات الأندلسية والمغربية.
  • المريّة وإشبيلية: هجا السميسر — شاعر المريّة — بلده بأنه لا يُمار (لا يُمتار) إلا بريح، إشارةً إلى أنّ مرافقها مجلوبة وأنّ الميرة تأتيها في البحر من برّ العدوة. وفي المقابل وُصفت إشبيلية بأنّ وجهها النهر العذب وقفاها جبال الرحمة بأشجار التين والعنب؛ ومن متنزّهاتها العروس وشنتبوس.
  • ومن الاستطرادات المشرقية: حمّام الملك شرف الدين هارون ببغداد (أنابيب فضة مذهّبة، أحواض رخام، خلوة مصقولة الجدران كالمرآة)، ودار أبي القاسم علي بن أفلح البغدادي الملقّب «جمال الملك» كاتب المسترشد بالله: أعطاه الخليفة أربع ديار بدرب الشاكرية، فاشترى ما جاورها وهدم الكلّ وبنى داره الكبيرة بإعانة الخليفة، وكان فيما أُطلق له مائتا ألف آجُرّة، وفي الدار حمّام بأنبوب إن فُرك يمينًا خرج ماء حارّ وإن فُرك شمالًا خرج ماء بارد.

أعلام ثانويون وردت أخبارهم

  • ابن الزقّاق: نال ثلاثمائة دينار على قصيدة في أبي بكر ابن عبد العزيز صاحب بلنسية، فوضعها في حجر أبيه الفقير في حانوته وقال: اشترِ بها زيتًا (وكان أبوه يلومه على إنفاق الزيت في السهر بالأدب).
  • عبد المجيد بن عبدون الوزير: أنزله المتوكّل بن الأفطس دارًا قديمة السقف فهطل عليه المطر منها، فضمّن لاميّة امرئ القيس؛ وقيل إنه «أبو عُذرة» تضمينها، فأولع الناس بعده بذلك.
  • أبو الفضل ابن حسداي: كان يهوديًّا فأسلم، ويقال إنه من ولد موسى عليه السلام.
  • ابن خفاجة: صحب عبد الجليل بن وهبون شاعر المعتمد سنة ٤٨٣ وقد تمنّع أبو جعفر ابن رشيق ببعض حصون مرسية وشرع في النفاق فقطع السبيل وأخاف الطريق؛ وخرج بشاطبة إلى باب السمّارين سنة ٤٨٠.
  • النحلي أبو الوليد وابن اللبّانة وابن عبد البرّ الشنتريني: تبارَوا بأمر المتوكّل بن الأفطس في وصف فرسه الأدهم الأغرّ المحجَّل ذي النقط الستّ البيض في كفله.
  • وممّن وردت أخبارهم: أبو عامر السالمي (وزير كاتب)، وابن الحنّاط المكفوف، والسميسر (أبو القاسم خلف بن فرج) شاعر المريّة، وابن رزين، وسلطان بلنسية عبد الملك بن مروان بن عبد العزيز، وابن صارة وابن القبطرنة، وأبو الوليد ابن الجنّان الشاطبي، وأحمد بن عبد الرحمن بن الصقر الخزرجي قاضي إشبيلية، وأبو أميّة ابن عفير قاضي إشبيلية (مشهور بالارتجال وهو يفصل بين الغرماء)، وأبو عبد الله بن عسكر الغسّاني قاضي مالقة، وأبو محمد عبد الله الوحيدي قاضي مالقة، وابن الطراوة نحوي المريّة، وابن وَرْد صاحب التآليف في علوم القرآن والحديث، وابن الفرّاء الأخفش بن ميمون (من حصن القبذاق من أعمال قلعة بني سعيد، تأدّب بقرطبة ثم لزم مدح الوزير اليهودي بغرناطة، وهاجاه المنفتل شاعر إلبيرة)، ومحمد بن مسعود الغسّاني البجّاني (وفد على المنصور بن أبي عامر فاتُّهم برَهَق في دينه فسُجن في المطبق مع الطليق القرشي).

الباب السابع (ج) — أعلام الأندلس وأخبارهم ومصنَّفاتهم

هذا المقطع في جملته مختارات شعرية متتابعة لشعراء الأندلس مرتَّبة على الأعلام والبلدان (مالقة، المرية، بطليوس، إشبيلية، وادي الحجارة، وادي آش، غرناطة)، تتخللها وقائع وتراجم وأخبار عوائد. حُذف الشعر والنثر الفنيّ، وأُبقيت الوقائع والأعلام والمصنَّفات، مع تنبيهات المقّري ومحقِّقه.

مالقة والمرية: قضاة ووزراء وشعراء

لمّا تألّب بنو حسون على القاضي الوحيدي بمالقة، قام في نصرته العالم الأصولي أبو عبد الله ابن الفخار (ويُعرف بابن نصف الربض)، فطلع إلى حضرة الإمامة مراكش، وخطب في مجلس أمير المسلمين ابن تاشفين شاكيًا نقض بني حسون لأحكام قاضيه، فأعقبت خطبته نصر الوحيدي.

أبو الفضل ابن شرف: الحكيم الفيلسوف جعفر بن محمد بن شرف الجذامي، ابن أديب إفريقية أبي عبد الله بن شرف؛ ولد ببرجة، وقيل دخل الأندلس مع أبيه وهو ابن سبع سنين. قصر أمداحه على المعتصم بن صمادح صاحب المرية، وكان يفد عليه في الأعياد وأوقات الفتوحات. وفد عليه مرة يشكو عاملًا نازعه في قرية يحرث فيها فيها نحو خمسين بيتًا، فسوّغه المعتصم القريةَ كلها لبيت واحد أعجبه، ووقّع له بها وعزل عنها نظر كل والٍ. وله ابن فيلسوف شاعر: أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل.

ابن أخت غانم: العالم اللغوي أبو عبد الله محمد بن معمر، من أعيان مالقة، متفنن في علوم شتى والغالب عليه اللغة؛ رحل من مالقة إلى المرية فحلّ عند المعتصم بن صمادح. ذكره ابن اليسع في «معربه» وقال إنه حدّثه بداره وهو ابن مائة سنة، وأخذ عنه عام ٥٢٤هـ. له «شرح كتاب النبات» لأبي حنيفة الدينوري في ستين مجلدًا. وخاله الإمام غانم المخزومي، وهو من رجال «الذخيرة»، دخل على ابن حبوس صاحب غرناطة.

أبو محمد ابن عبدون قرأ في أول شبابه على أبي الوليد ابن ضابط النحوي المالقي. ووفد أبو علي الحسن بن كسرين (ابن كسرى) المالقي على ملك إشبيلية السيد أبي إسحاق إبراهيم بن أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن.

الإمام السهيلي: أبو القاسم (ويكنى أبا زيد)، صاحب «الروض الأنف»، ضرير، سكن إشبيلية مدة، ولازم القاضي أبا بكر ابن العربي وابن الطراوة وعنه أخذ لسان العرب. أغار العدو على بلده سهيل فخرّبه وقتل أهله وأقاربه وهو غائب، فعاد فوقف على أطلاله. توفي بمراكش سنة ٥٨٣هـ، ويقول المقّري إنه زار قبره بها مرارًا سنة ١٠١٠هـ.

سرقسطة وشرق الأندلس

الوزير الكاتب أبو الفضل ابن حسداي السرقسطي (يهودي أسلم، ومن رجال «الذخيرة»): عشق جارية، فزفّها إليه صاحبه، فتجافى عن وصلها أنفةً من أن يُظنّ أن إسلامه كان من أجلها. وكان في مجلس المقتدر بن هود حين عيّره الوزير أبو الفضل ابن الدباغ بالتوراة فأفحمه، وضحك المقتدر.

وكتب علي بن خير التطيلي إلى ابن عبد الصمد السرقسطي رسالةً يستدعيه إلى مجلس أنس، فاعتذر بمرض. (نبّه المحقق أن ابن بسام في «الذخيرة» ينسب الاستدعاء إلى «بعض أدباء الثغر» لا إلى التطيلي.)

وذكر ابن غالب في «فرحة الأنفس» أن الوزير أبا عثمان ابن شنتفير وأبا عامر ابن غندشلب وفدا رسولَين على المعتمد بن عباد عن إقبال الدولة بن مجاهد (دانية) والمعتصم بن صمادح (المرية) والمقتدر بن هود (سرقسطة) لإصلاح ما بين المعتمد وابن ذي النون؛ وكان المعتمد لا يُظهر شرب الراح منذ ولي الملك، فتحامى الرسل الشراب، ثم استخلاه أبو عامر بالنظم فنادمه سرًّا. ويسجّل الخبر لفظًا أندلسيًّا: «الهزيب» أي الرقيب.

وكان ديوان محمد بن هانئ يُقرأ في مجلس ملك السهلة أبي مروان ابن رزين ذي الرياستين، ووزيره الكاتب أبو بكر ابن سدراي، ذكره الحجاري في «المسهب». واعتلّ ابن ذي الوزارتين أبو عامر ابن الفرج وزير المأمون بن ذي النون فوُصف له التداوي بالخمر العتيق.

خلف بن فرج السميسر هجا المعتصم بن صمادح، ثم زعم أن ابن بلقين صاحب غرناطة (الذي هجا بناءه لقلعته بغرناطة، وشبّهه بدودة الحرير تبني على نفسها) هو الذي دسّ عليه ليقتله المعتصم فيدرك ثأره، فخيّره المعتصم بين الإحسان والإجارة فأمّنه.

أبو عبد الله محمد بن عبادة الوشّاح أنشد المعتصم بن صمادح، فأمر ابنه الواثق يحيى وليَّ العهد باصطناعه، فأقام نديمًا لولي العهد. وأبو جعفر ابن الخراز البطرني (من بطرنة من قرى بلنسية) أجازه المعتصم جائزتين؛ وهو — كما في حاشية المحقق — الذي عارض رسالة ابن غرسية في الشعوبية برسالة تناظرها.

الحجّام والحسباء ووادي الحجارة

أبو تمام غالب بن رباح الحجّام: رُبّي في قلعة رباح غربي طليطلة، ولا يُعلم له أب، وتعلّم الحجامة فأتقنها، ثم تعلّق بالأدب حتى صار آية فيه؛ وله وصف ثريّا الجامع وأشعار في الحكمة والهجاء، وسخر منه أبو حاتم الحجاري لركوبه فرسًا هزيلة عرجاء.

ولمّا مدح الحسيب أبو محمد القاسم بن مسعدة الأوسي أميرَ المؤمنين عبد المؤمن، كتب وزيرُ عبد المؤمن اسمَه في جملة الشعراء، فضرب عبد المؤمن على اسمه وقال: يُكتب في جملة الحسباء لا الشعراء، لأن جدّه كان ملك وادي الحجارة؛ وأجزل صلته وأقطعه ضيعة يحرث بها.

وأبو جعفر أحمد بن عائش من أعيان وادي الحجارة في زمن المأمون بن ذي النون ملك طليطلة؛ قتله ابن مسعدة الثائر بوادي الحجارة، وقال له عند قتله: «على لسانك قتلناك».

وأبو مروان عبد الملك بن غصن: أحد الأعلام في الآداب والتاريخ والتأليف؛ نقم عليه المأمون بن ذي النون لصحبته رئيس بلده ابن عبيدة فنكبه وحبسه، فألّف للمأمون من سجنه رسالة «السجن والمسجون والحزن والمحزون» ورسالة «العشر كلمات». وقال عنه الحميدي في «الجذوة»: شاعر أديب، دخل المشرق، وحجّ، ورجع.

إشبيلية: كتب ومناصب وتعليم

أبو محمد ابن خيرة الإشبيلي، صاحب كتاب «الريحان والريعان» ويُعرف بابن المواعيني، مدح السيد أبا حفص ملك إشبيلية ابن عبد المؤمن.

الوزير أبو الوليد إسماعيل بن حبيب الملقّب بحبيب: كان ينظم وينثر وهو ابن سبع عشرة سنة، وصقله أستاذه أبو جعفر ابن الأبار؛ له كتاب «البديع في فصل الربيع» جمع فيه أشعار أهل الأندلس خاصةً؛ استوزره قاضي إشبيلية عبّاد جدّ المعتمد وهو دون العشرين، وتوفي وهو ابن اثنتين وعشرين سنة.

بنو زهر: محمد بن مروان بن زهر منشأ الدولة العبادية؛ ضاقت به الدولة فأُخرج عن بلده واستُصفيت أمواله فلحق بشرق الأندلس وأقام به بقية عمره. وابنه الوزير أبو مروان عبد الملك مال إلى التعاليم من الطب وغيره، ورحل إلى المشرق لأداء الفريضة. وابنه أبو العلاء زهر بن عبد الملك نشأ بشرق الأندلس ومال إلى «علم الأبدان»، وخرج في غزاة أمير المسلمين يوسف بن تاشفين مع ملوك الطوائف، فاستماله المعتمد بن عباد وردّ عليه أملاكه، ثم لم يستقر بإشبيلية إلا بعد خلع المعتمد، وحلّ عند يوسف بن تاشفين محلًّا رفيعًا. وكان بينه وبين الإمام أبي بكر ابن باجة عداوة شديدة بسبب المشاركة (في الطب والفلسفة)، تراميا فيها بالشعر: هجاه ابن باجة بأنه وملك الموت سواء، فرماه أبو العلاء بالزندقة وتوعّده بالصلب، ونسب المقّري إلى مالك بن وهب أنه كان عاضدًا لابن باجة. وحفيده أبو بكر محمد بن عبد الملك بن زهر: وزير إشبيلية وطبيبها، توفي سنة ٥٩٥هـ، وأمر أن يُكتب على قبره أبيات تشير إلى مداواته الناس. وله موشحات مشهورة. وابن عمّه أبو بكر ابن زهر الأصغر خاطب المأمون بن المنصور صاحب المغرب.

مالك بن وهب الإشبيلي: من أهل الفلسفة، وسمّاه صاحب «المسهب» فيلسوف المغرب، ظاهر الزهد والورع؛ استدعاه أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين من إشبيلية إلى مراكش وجعله جليسه، وأمره بمناظرة محمد بن تومرت الملقّب بالمهدي منشئ دولة بني عبد المؤمن.

أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الإشبيلي إمام اللغة: أصلح كتاب «العين» للخليل وقد كان مختلّ القواعد، وله كتاب في النحو اسمه «الواضح»؛ وصيّره الحكم المستنصر مؤدّبًا لولده هشام المؤيد؛ وهو في المغرب بمنزلة ابن دريد في المشرق.

أبو الحسن علي بن جابر الدبّاج الإشبيلي: إمام في فنون العربية، اشتُهر بإقراء كتب الآداب كـ«الكامل» للمبرد و«نوادر» القالي؛ ورضي به أهل إشبيلية إمامًا في جامع العدبس.

أبو عمرو عثمان بن علي بن عثمان ابن الإمام الإشبيلي، صاحب «سمط الجمان»: جمع في صدر دولة بني عبد المؤمن شملَ فضلاء المائة السابعة إلى مبلغ سنّه.

أبو بكر أحمد بن محمد الأبيض الإشبيلي: شاعر وشّاح؛ عجز عن مسألة لغوية بمحضر من الناس فأقسم أن يقيّد رجليه بقيد حديد حتى يحفظ «الغريب المصنَّف»، ودخلت عليه أمه وهو في القيد فراعها. هجا الزبير أمير قرطبة بمجونه في الصلاة والشراب، فأحضره الزبير فقرّعه فزاده جرأةً، فأمر بقتله. وهجا كذلك رجلًا كان يحدّث نفسه بالخلافة محذّرًا إياه من الصلب.

وأبو الحسن علي بن رجاء كان صاحب دار السكة والأحباس بقرطبة. وابن السيد البطليوسي النحوي أُولع بأولاد ابن الحاج صاحب قرطبة الثلاثة (حسّون وعزّون ورحمون) وقال فيهم شعرًا، ثم خاف على نفسه فخرج من قرطبة (قال المقّري: رأيته بخط بعض المؤرخين). ونبّه المحقق أن البيتين لأبي الحسن البطليوسي ابن القبطورنة لا لابن السيد.

بطليوس وبنو الأفطس

أبو أيوب سليمان بن محمد بن بطال البطليوسي، عالمها في المذهب المالكي: له «شرح البخاري» — وأكثر ابن حجر النقل عنه في «فتح الباري» — وكتاب «الأحكام».

أبو إسحاق إبراهيم بن قاسم الأعلم البطليوسي: أديب نحوي مؤرخ، بلغت تواليفه نحو خمسين، وهو شيخ أبي الحسن ابن سعيد صاحب «المغرب»، وقد ضجر من الإقامة بإشبيلية أيام فتنة الباجي.

وأبو الأصبغ عبد العزيز البطليوسي الملقّب بالقلندر: أديب طبيب، أُخذ سكرانَ فدرأ عنه القاضي الحدّ. وابن جاخ الصبّاغ البطليوسي: لا يقرأ ولا يكتب (ونبّه المحقق أن أبياته المشهورة هي لعلي بن إسماعيل الأشبوني وادّعاها لنفسه). والكميت البطليوسي (الكميت بن الحسن) من شعراء عماد الدولة ابن هود بسرقسطة.

وكان للمتوكل بن الأفطس صاحب بطليوس مضحك يُسمّى «الخطارة»، وقُتل المتوكل بعدُ. ويشرح المقّري اللفظ: الخطارة صنف من الدواليب الخفاف يستقي به أهل الأندلس، وهو كثير على وادي إشبيلية، وأكثر ما يباكرون العمل به في السحر.

وأبو محمد عبد المجيد بن عبدون الفهري اليابري، أديب الأندلس وحافظها ومن رجال «الذخيرة» و«القلائد»، خاطب المتوكل بأبيات مضمَّنة حين أنزله دارًا وكفت عليه بالمطر.

استطراد المقّري في حروف الزيادة

بمناسبة بيت ابن عبدون الجامع لحروف الزيادة («أمان وتسهيل»)، ذكر المقّري أنه جمع فيها نحو مائة ضابط، وسرد منها ما عدّه بنفسه: مائة وأربعة وثلاثين تركيبًا (من «سألتمونيها» و«أهوى تلمسانا» — وقد نظمها بيتًا — و«هويت السمان» إلخ)، وقال إن ابن خروف جمع اثنين وعشرين تركيبًا، وإن أحسن ما نُظم فيها بيت ابن عبدون ثم بيت ابن مالك. وذكر أنه قدّر رسالة في الموضوع سماها «إتحاف أهل السيادة بضوابط حروف الزيادة».

كتّاب ونحاة وأخبار متفرقة

أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني صاحب «الذخيرة»: نظمه دون نثره؛ تأخرت وفاته إلى سنة ٥٤٢هـ، وهو منسوب إلى شنترين من الكور الغربية البحرية من أعمال بطليوس. وأبو القاسم ابن الأبرش النحوي (خلف بن يوسف بن فرتون، ت ٥٣٢هـ).

أبو علي عمر الشلوبين إمام النحاة بالأندلس: منسوب إلى حصن شلوبينة على ساحل غرناطة، له «التوطئة» و«شرح الجزولية»؛ كانت في لسانه لكنة يردّ بها السين والصاد ثاءً، فلما أراد مأمون بني عبد المؤمن التوجه إلى مرسية — وقد ثار بها ابن هود — دعا له الشلوبين فقال: «ثلمك الله ونثرك» يريد «سلمك الله ونصرك»، فعاد المأمون وقد ثُلم عسكره ونُثر.

ابن خفاجة: صنوبريّ الأندلس، ويسميه أهل الأندلس «الجنّان»، مغرًى بوصف الأنهار والأزهار؛ ولد سنة ٤٥٠هـ وتوفي سنة ٥٣٣ أو ٥٣٥هـ. وابن أخته أبو الحسن ابن الزقّاق شاعر.

أبو المطرف ابن عميرة المخزومي، الكاتب القاضي، اسمه أحمد، من جزيرة شقر من كورة بلنسية: رفع شعرًا إلى زيان بن مردنيش ملك شرق الأندلس في يوم قصّ فيه مزيِّنٌ شعرَ الملك، فخرجت صلة المزيّن ولم تخرج صلته، فقال في ذلك بيتين على التورية بـ«قصّ الشعر».

أبو جعفر ابن البني نُفي من ميورقة، فأقلع في البحر ثلاثة أميال فردّته ريح، ولم يجرؤ أحد من إخوانه على لقائه. (وينبّه المحقق أنه غير أبي جعفر أحمد بن عبد الولي الذي أحرقه الكنبيطور (El Cid) ببلنسية، وأن ابن الأبار نبّه على الخلط بينهما في «التكملة».)

وحاتم بن حاتم بن سعيد العنسي، صاحب سيف وقلم، توفي بغرناطة سنة ٥٩٣هـ. والقاضي أبو جعفر ابن برطال (أحمد بن محمد الأموي) كان قاضي غرناطة وإمام مسجدها الأعظم إلى سنة ٧٤١هـ، وتوفي بمالقة سنة ٧٥٠هـ (حاشية المحقق عن «الإحاطة»).

وأبو بكر محمد بن نصر الأوسي الكاتب كان مختصًّا بوزير عبد المؤمن أبي جعفر ابن عطية؛ افتتح فيه قصيدة بمطلع يشبّهه بجعفر البرمكي، فتغيّر وجه ابن عطية تطيّرًا لأن آخر أمر جعفر كان الصلب — ثم قُتل ابن عطية بعد ذلك فعلًا.

وأبو عبد الله ابن الحداد الوادي آشي، شاعر الأندلس ومن رجال «الذخيرة»: له في العروض تأليف مزج فيه بين الأنحاء الموسيقية والآراء الخليلية، وردّ فيه على السرقسطي المنبوز بالحمار. مدح المعتصم بن صمادح، واعتُرض عليه بأنه همز في قصيدته ما لا يُهمز فردّ. ثم اكتنفته السعايات ففرّ من المرية وحُبس أخوه بها، فشفع له شعره عند المعتصم فأمر بإطلاق أخيه ولحاقه به؛ ثم هجا المعتصم فأبعده، ففرّ عن بلده.

واقعة أبي الحسن ابن نزار مع ابن مردنيش

لمّا انتثر ملك لمتونة (المرابطين) وتفرّق ملك الأندلس بين رؤساء البلاد، كان الأمير أبو الحسن ابن نزار من جملتهم لأصالته في وادي آش، فحسده أهل بلده وقصدوا تأخيره، فخطبوا في بلدهم لمحمد بن مردنيش ملك شرق الأندلس، ووجّه لهم عماله وأوصاهم بإخراج ابن نزار من غيله؛ ورفعوا إلى ابن مردنيش أشعارًا لابن نزار يستشعر فيها استحقاقه الملك، فأمر بحمله مقيَّدًا إلى مرسية أسيرًا وسجنه. فمكث في السجن مدة، ثم احتال بأن وضع موشحة ولقّنها جاريةً محسنةً للغناء أهداها إلى ابن مردنيش، وأوصاها أن تغنّيه بها في أطرب ساعة، ففعلت، فطرب وسأل عن قائلها، فأمر في الحين بحلّ قيده وخلع عليه، وأذن له بالرجوع إلى بلده، وجدّد له الإحسان، وأمر عماله أن يشاركوه في التدبير ويستأذنوه في الصغير والكبير.

مجالس غرناطة ووصف آلات الماء

في جنة بزاوية غرناطة اجتمع أبو الحسن ابن نزار وأبو جعفر ابن سعيد والكتندي، وفيها صهريج ماء أحدق به شجر النارنج والليمون، وعليه أنبوب ماء تتحرك به صورة جارية راقصة بسيوف، وطيفور رخام يصنع في أنبوبة الماء صورة خباء؛ فاقتسموا وصف الأشياء الثلاثة: أبو جعفر الراقصة، وابن نزار خباء الماء، والكتندي الصهريج. وشكّك أبو عمرو ابن سعيد في رواية أن أبيات ابن نزار قيلت ارتجالًا بحضرة ابن مردنيش.

واجتمع بغرناطة محمد بن غالب الرصافي — «ابن رومي الأندلس» — والكتندي وغيرهما، وكان الرصافي قد أظهر الزهد وترك الخلاعة، فخرجوا إلى منتزهَي غرناطة: «نجد» و«حور مؤمّل»، وكتبوا إلى أبي جعفر ابن سعيد يستدعونه، فأجابهم ودعاهم إلى حديقته التي فيها قبة تُدعى «الكمامة»، ولم يزالوا بالرصافي حتى شرب.

وأورد المقّري خبرًا لابن ظافر (من «بدائع البدائه») في مجلس على بساتين النيل بمصر عند بئر عليها دولابان، اتفق فيه ابن ظافر والقاضي أبو الحسن علي بن المؤيد على معنى واحد في وصف الدولاب من غير تواطؤ.

عوائد وملاحظات

  • أهل الأندلس يلبسون البياض في المآتم والحزن، بخلاف أهل المشرق الذين يلبسون فيه السواد.
  • خميس أبريل عادة إشبيلية في أكل «المجبّنات» (حاشية المحقق) — وقد خرج الأستاذ ابن جابر الدبّاج بطلبته للنزهة بخارج إشبيلية وأُحضرت المجبّنات.
  • الخطارة: دولاب خفيف للسقي، شائع على وادي إشبيلية.
  • «الهزيب»: الرقيب في كلام أهل الأندلس.
  • نبّه المقّري أن الأبيات «غصبوا الصباح فقسّموه خدودًا…» لأهل الأندلس لا لابن دريد كما ذكر بعضهم، وأن صاحبها أندلسي كما في «المغرب» لابن سعيد؛ وهي — كما يظهر لاحقًا في المقطع — لأبي عبد الله محمد بن البين البطليوسي.
  • شكّ المقّري في أن قطعتَي «ابن خروف» اللتين أوردهما لابن خروف الأندلسي، ورجّح أن تكونا للمشرقي (والمحقق يصوّب: هو قرطبيّ الأصل استقرّ بحلب).
  • من مجّان غرناطة أبو محمد عبد المولى بن محمد بن علي اللوشي، أنشد أبياتًا في التحلل من الزهد، فناقشه أبو عمران موسى بن سعيد في فساد اعتقادها، فاحتجّ بأنه «قول لا فعل»؛ وأورد ابن سعيد الخبر معتذرًا بأن «حاكي الكفر ليس بكافر». وقد كتب عبد المولى شفاعةً هجائية لرجل رذل، فانتقم منه الرجل بأن زوّر كتابًا على لسان زوجة له في بلدة أخرى، فأفضى الأمر إلى طلاق زوجته.

الباب السابع (د) — خاتمة الباب السابع

شعراء وأخبار من إشبيلية وما إليها

ابن الصابوني: أبو بكر محمد بن أحمد بن الصابوني، شاعر إشبيلية ووشّاحها في عصره، ابن الفقيه أبي العباس أحمد. أظهره «المأمون» من بني عبد المؤمن ومدحه بقصائد. كان يُلقَّب بالحمار، وهجاه ابن عتبة الطبيب بذلك. أنشد بين يدي المعتضد بن عبّاد ملك إشبيلية وقد نُثرت أمامه دنانير سُكَّت باسمه، فأمر له بجملة منها وأمره بتبديل بيتٍ عابه. رحل إلى تونس ثم إلى القاهرة والإسكندرية فلم يُلتفت إليه، فمات كمدًا عند إيابه إلى الإسكندرية سنة ٦٣٦، ولم يُعرف له بمصر قدر. وأورد المقّري خبرًا في مشادّته بالسكين في مجلسٍ بإشبيلية.

ابن أبي الخصال: من شقورة، اجتاز صبيًّا بأُبَّذة طالبًا للأدب، فأضافه القاضي ابن مالك، وأجاز له قسيمًا فتُفرِّس فيه النبوغ في البيان. وحدّث أبو عبد الله ابن زرقون عن تهاجي ابنَي أبي بكر ابن المنخّل وأبي بكر الملّاح، وهما شِلْبيّان.

أهل الذمّة من نصارى الأندلس ويهودها

ابن المرعزّي النصراني الإشبيلي: أهدى كلبة صيدٍ إلى المعتمد بن عبّاد ومدحه.

الشعراء اليهود:

  • نسيم الإسرائيلي: شاعر ووشّاح من أهل إشبيلية، ذكره الحجّاري في «المسهب».
  • إبراهيم بن سهل الإسرائيلي: شاعر إشبيلية ووشّاحها، قرأ على أبي علي الشلوبين وابن الباجّ. أظهر الإسلام، واختُلف في صحة إسلامه باطنًا: نقل ابن رشيد الفهري الخلاف في رحلته «ملء العيبة فيما جُمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة»، وكتب ابن مرزوق على الهامش أن أشياخه صحّحوا موته على الإسلام؛ ونقل الراعي عن أبي الحسن علي بن سمعة الأندلسي قوله: «شيئان لا يصحّان: إسلام إبراهيم بن سهل، وتوبة الزمخشري من الاعتزال»، ثم رجّح الراعي صحة إسلامه. غرق في البحر سنة ٦٤٩ وسنّه نحو الأربعين (قاله أبو حيّان). له ديوان كبير مشهور بالمغرب، ومن أشهر موشحاته «ليل الهوى يقظان». ونظمه في التوجيه باصطلاح النحاة استدلّ به المقّري على أن يهود الأندلس كانوا يشتغلون بعلم العربية، إذ قال تلك الأبيات قبل إسلامه.
  • إبراهيم بن الفخّار اليهودي: تمكّن عند الأذفونش (Alfonso) ملك طليطلة (Toledo)، فصيّره سفيرًا بينه وبين ملوك المغرب؛ كان عارفًا بالمنطق والشعر، ومدح الأذفونش. أنشده ابن سعيد.
  • إلياس بن المدوَّر اليهودي: طبيب رَنْدي من شعراء المائة السادسة، جرت بينه وبين طبيبٍ آخر محاسدة.
  • بسّام بن شمعون اليهودي الوَشْقي: كتب إليه أيوب بن سليمان المرواني (من ذرّية عبد العزيز أخي عبد الملك بن مروان، من أهل المائة السادسة) رسالةً يستدعيه فيها في يوم مطير.
  • قَسْمونة بنت إسماعيل اليهودي: شاعرة بالأندلس، أدّبها أبوها الشاعر، وكانت تُتِمّ ما يصنعه من الموشح؛ ونظمت في تأخّر تزويجها فنظر أبوها في أمره.

أعلام وكُتّاب ووزراء

أبو عبد الله محمد بن رشيق القلعي الغرناطي: سُجن بدار الأشراف بإشبيلية وقد بقي عليه من مال السلطان اثنا عشر ألف دينار أنفقها في لذّاته؛ زاره أبو عمران ابن سعيد فوجده ضاحكًا غير مهتمّ. وأبو عيسى لُبّ بن عبد الوارث القلعي النحوي اللغوي: أورد الحجاري خبره مع أحد تلاميذه من أبناء الأعيان.

أبو يحيى ابن الرميمي: لمّا خلع أهل المريّة طاعة عبد المؤمن وقتلوا نائبه ابن مخلوف، قدّموه عليهم؛ ثم فرّ إلى فاس فأقام في غرفة يعيش من النسخ. وأصل بني الرميمي من بني أمية ملوك الأندلس، ونسبتهم إلى «رميمة» قرية من أعمال قرطبة.

أبو جعفر أحمد بن عبّاس: الوزير الكاتب، وزير زهير الصقلبي ملك المريّة. قال ابن حيّان: بذّ الناس في وقته بأربعة: المال، والبخل، والعُجب، والكتابة. بلغت دفاتره أربعمائة ألف مجلّد سوى المخرومة التي لم يُوقف على عددها، وبلغ ماله خمسمائة ألف مثقال جعفريّة سوى غيره. وكان مقتله بيد باديس بن حبّوس ملك غرناطة.

الأعمى التطيلي: شاعر مشهور، عيّره الصبيان فكان ذلك سببَ انتقاله من مُرسية. (رجّح المحقّق أنه التطيلي الأصغر أبو إسحاق إبراهيم بن محمد، أو أن المقّري وهم فيه.)

أبو جعفر أحمد بن الخيّال الاستجي: كاتب ابن الأحمر. وعبد الملك بن سعيد الخازن. ومجلس القاضي ابن حمدين بقرطبة جمع الشعراء، وفيهم هلال البيّاني شاعر غرناطة ومحمد الاستجي الملقّب بزحكون شاعر إستجة، وجرت بينهما مساجلة في النقط.

مقدّم بن المعافى: رثى سعيد بن جودي وقد كان ضربه، واعتذر بأن أدبه نفعه؛ وأبى أن يهجو مؤمن بن سعيد.

محمد بن سعيد الزجّالي: كاتب لُقِّب بـ«الأصمعي» لذكائه وحفظه؛ حكى ابن حيّان أنه وحده حفظ صدر بيتٍ تمثّل الأمير عبد الرحمن بعجزه حين عثرت به دابته، فأدناه الأمير («الزم السرادق»)، ويُفهم من «المقتبس» أنه استوزره. وله خبر التعريض بالبربر مع الوزير عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني وشكواه إلى الحاجب عيسى بن شهيد. وأعقب ابنًا اسمه حامد.

تراجم منقولة عن «المطمح» للفتح بن خاقان

  • الوزير أبو عبد الله ابن عبد العزيز: وزير المنصور صاحب بلنسية (المنصور الصغير)؛ خلَفه ابنه أبو بكر الذي استوزره المأمون بن ذي النون واستبدّ بالتدبير، ثم صار الأمر إلى ابنَي أبي بكر فعجزا، فغلب عليهما القادر بن ذي النون فانجلوا.
  • الوزير أبو الفرج: كان له ابن مكبود، وطلب له خمرًا قديمة من الوزير حَكَم؛ أدبرت أيامه فجال في الآفاق، وآواه الوزير الحكيم أبو محمد المصري.
  • الوزير أبو عامر ابن مسلمة: له كتاب «حديقة الارتياح في وصف حقيقة الراح»؛ اختصّ بالمعتضد [بن عبّاد] فاغتاله المعتضد — قيل إنه زلّت به قدمه فسقط في البحيرة، ولم يُعلم به إلا بعدما طفا.
  • الوزير الكاتب أبو حفص أحمد بن برد: من كتّاب الدولة العامرية؛ له «رسالة السيف والقلم»، وهو أول من قال بالفرق بينهما.
  • الوزير الكاتب أبو جعفر ابن اللمّائي: كاتب علي بن حمّود العلوي، كان يرتجل بين يديه ولا يروي.
  • الوزير حسّان بن مالك بن أبي عبدة: من بيتٍ دخل مع عبد الرحمن الداخل؛ صنع على مثال كتاب ابن السري كتابًا سمّاه «ربيعة وعقيل» وأتى به في جمعة واحدة، فسُرَّ به المنصور. استوزره المستظهر عبد الرحمن بن هشام أيام الفتنة فتثاقل عن الحضور. رثاه ابن شهيد.
  • الوزير الفقيه أبو أيوب ابن أبي أمية: دُعي للقضاء فأبى؛ نزل منية صهره الوزير أبي مروان ابن الدبّ بعدوة إشبيلية المطلّة على النهر. وصنع له ولد ابن عبد الغفور رسالة سمّاها «الساجعة» حذا فيها حذو أبي العلاء المعري في «الصاهل والشاحج».
  • الوزير أبو القاسم ابن عبد الغفور: صاحب «إحكام صنعة الكلام».
  • أبو الوليد ابن حزم (الوزير) — وله نظم في الزهد عند بلوغه الثالثة والستين.
  • ابن أبي زَمَنِين: الفقيه أبو عبد الله محمد، زاهد متبتّل، له تواليف في الوعظ والزهد وأخبار الصالحين.
  • ابن حزم (أبو محمد، الحافظ): مدحه خلف بن هرون. قال الفتح: أقام بوطنه ولم يرحل إلى المشرق، وناظر أهل فاس، وخلع الوزارة وتجرّد للعلم. من تآليفه: «الإيصال إلى فهم كتاب الخصال»، «الإحكام لأصول الأحكام»، «الفصل في الأهواء والملل والنحل»، «مراتب العلوم».
  • ابن مسرّة: كان على طريقٍ من الزهد والعبادة، لكن نُسبت إليه مقالات ردية واستنباطات مردية، فتُتُبِّعت مصنَّفاته بالحرق وغدت مهجورة محجورة على التالين.
  • الفقيه أبو عبد الله الخُشني: دعاه الأمير محمد إلى القضاء فأبى، وقد كان الأمير أمر الوزراء بإجباره أو حمل السيف، فلمّا بلغه اعتذاره أعفاه. غلب عليه علم النسب واللغة والأدب ورواية الحديث، وكان مأمونًا ثقة، وله رحلة دخل فيها العراق. ونبّه المقّري إلى اضطراب الفتح في نسبة الأبيات، فمرّة ينسبها إلى هذا ومرّة إلى ذاك.

نوادر وأخبار متفرقة

ابن أبي حلّى: علي بن أبي حلّى المكناسي أبو الحسن، شيخ مليح الحديث، حافظ للمسائل الفقهية، قائم على المدوّنة؛ كثير الحكايات، حتى جمع الطلبة من نوادره جزءًا سمّوه «السالك والمحلّى في أخبار ابن أبي حلّى»، وفيه ما افتعلوه عليه. توفي سنة ٤٠٦، قاله لسان الدين في «الإحاطة».

جواب المرواني لنزار العبيدي صاحب مصر لمّا كتب إليه يسبّه: «إنك عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لأجبناك»، فأفحمه. (ونُسب مثله لاحقًا في مكاتبة العزيز صاحب مصر.)

حريز بن عكّاشة: من ذرية عكّاشة بن محصن، أمير قلعة رباح (Calatrava) غربي طليطلة. لمّا نزل بساحته الأذفونش (Alfonso) وبدأ بخراب الضياع وقطع الشجر، كتب إليه فكفّ، ثم اجتمع به بعد أن ارتهن عدةً من ملوك الروم، فركز رمحه بالمدينة البيضاء وتحدّى أبطالهم أن يقتلعه أحد فعجزوا واقتلعه هو. وكان له كاتب عبد الحميد بن لاطون شديد التغفّل، كتب إلى المأمون بن ذي النون كتابًا مهوِّلًا في حصنٍ دخله النصارى، فضحك المأمون وردّ ساخرًا واصفًا الحصن بأنه صخرة لا ماء بها ولا مرعى، حرّاسه لا يتجاوزون الخمسين، باعه أحدهم بعشرين دينارًا؛ فأجابه حريز مدافعًا عن كاتبه بأنهم «أحلاس ثغور، وكتّاب كتائب لا سطور».

يحيى بن يطفت من بني يفرن: غلام بسرقسطة نشأ عند المقتدر بن هود، فرُقّي إلى الوزارة والقيادة، ثم قُتل في جيشٍ قدّمه عليه.

عبد البرّ بن فرسان: رحل من وادي آش إلى علي الميورقي صاحب فتنة إفريقية، ثم ولي أخوه يحيى الإمارة بعده فأسند إليه أموره. وخدم الميورقيَّ في ثورته على بني عبد المؤمن جماعةٌ من أعيان الأندلس، منهم مالك بن محمد بن سعيد العنسي الذي كتب عنه رسائله.

ابن مردنيش: الأمير أبو عبد الله، ملك شرق الأندلس، من أبطال عصره، كان يشقّ المواكب ويدفع في صفوف النصارى.

أيوب بن مطروح: ثار في المائة الخامسة في الفتنة على عبد الله بن بلقين بن حبّوس ملك غرناطة، ووقع فيما بثّه يوسف بن تاشفين من الحبائل، فخُلع عن إمارته، فمات أنفةً وكمدًا.

ابن زيدون: توفيت ابنته، فوقف للناس عند انصرافهم من الجنازة يتشكّر لهم، فلم يُعِد عبارةً قالها لأحد. وعلّق الصفدي على ذلك بأنه أشقّ ممّا يُحكى عن واصل بن عطاء من تجنّب حرف الراء للثغته، لأن واصلًا كان يعدل إلى المرادفات، أما ابن زيدون فاحتاج إلى ألف عبارة في الشكر. وفي «الوافي»: مَن لبس البياض، وتختّم بالعقيق، وقرأ لأبي عمرو، وتفقّه للشافعي، وروى شعر ابن زيدون فقد استكمل الظرف؛ وكان يُسمّى بحتري المغرب.

أبو العرب الصقلّي عند المعتمد بن عبّاد: أُدخلت على المعتمد دنانير السكّة فأمر له بخريطتين، وبين يديه تصاوير عنبر منها صورة جمل مرصّع بنفيس الدرّ، فتلطّف في طلبه فوهبه له.

الحجّاري: سأل عمّه أبا محمد عبد الله بن إبراهيم عن أجواد عصره، فذكر الوزير أبا بكر ابن عبد العزيز. وحكى العمّ أنه قصد المعتمد بن عبّاد وهو مع أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في غزوته المشهورة للنصارى، فأجازه بما عاش من فائدته، فانصرف به إلى المريّة واتّجر بها لكونها ميناءً لمراكب التجار من مسلم وكافر. ثم زار المعتمد في سجنه بأغمات وكتب على حائط سجنه بيتًا، فوُجد تحته جواب، فقال المعتمد: «صدق المجاوب، وأنا الجاني على نفسه». وللحجّاري كتاب في البديع سمّاه «الحديقة».

بنو مروان (أمراء بني أمية شعراءَ)

  • محمد بن هشام المرواني: صاحب كتاب «أخبار الشعراء»، كان في مدة الناصر، فأراده الناصر على تأديب ولده فاستعفى، معلِّلًا بأن التأديب لا يكون إلا بالشدّة وهو يكره أن يعامل بها أولاد الخليفة.
  • أحمد بن هشام أخوه: كان سببُ اجتهاده كلمةَ القائد أحمد بن أبي عبدة فيه وهو غلام: «أيّ سيفٍ لو كانت عليه حلية!».
  • المنذر بن عبد الرحمن الأوسط: كان سيّئ الخلق مصغيًا للوشاة، فأسكنه أبوه بناءً بجبلٍ منقطع عن العمران ومنع عنه الزوّار تأديبًا، حتى استعطفه بكتاب، ثم وعظه أبوه بطول التغاضي والإغضاء عند الاقتدار. ومن كرمه أنه قُوِّمت له جارية مغنّية اسمها طرب بخمسمائة دينار، فدفع لمُهديها ألف دينار.
  • إخوته: المطرف، وهشام، ويعقوب (وصفه صاحب «الحلة» بأنه أديب شاعر جواد)، ومحمد، وأبان بن عبد الرحمن الأوسط.
  • أولاد الأمير محمد بن عبد الرحمن: القاسم، والمطرف (يُعرف بابن غزلان نسبةً إلى أمه، وكانت مغنّية عوّادة أديبة)، ومسلمة، وعثمان. ونبّه ابن الأبّار إلى أن ابن حيّان غلط في نسبة بيتين إلى القاسم، وإنما هما لعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي.
  • عبد الله بن الناصر المسمّى الزاهد: تبادل الهدايا والشعر مع سعيد بن فرج؛ ثم بايع قومًا على قتل أبيه الناصر وأخيه الحكم المستنصر وليّ العهد، فأُخذ يوم عيد الأضحى سنة ٣٣٩ فذُبح بين يدي أبيه.
  • أبو الأصبغ عبد العزيز بن الناصر: بعث لوح ابنه (ابن سبع سنين) إلى أخيه الحكم المستنصر؛ كان مغرمًا بالخمر والغناء، فقطع الخمر وأبى ترك الغناء.
  • محمد بن عبد الملك بن الناصر: قال الحجاري إنه أشعر ولد الناصر ممن لم يلِ الملك؛ وله المكاتبة مع العزيز صاحب مصر. وفي وصفه الصنوبر إشارة إلى أن بعض سيوف الأندلس محفور صدر الرئاس فيها على صورة قشور الصنوبر.
  • مروان بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن الناصر — «الشريف الطليق»: شُبِّه في بني أمية بابن المعتز في بني العباس. قتل أباه لمّا وجده مع جارية كان يهواها، فسجنه المنصور بن أبي عامر مدة، ثم أطلقه — ذكر المقّري أن سبب الإطلاق منامٌ رآه المنصور — فعُرف بـ«الطليق».
  • سليمان بن المرتضى بن محمد بن عبد الملك بن الناصر: يلقّب الغزال لجماله، مولع بالفكاهة، يلازم خدمته المضحك المشهور بـالزرافة.
  • سعيد بن محمد المرواني (الملقّب بالبَلِينة، أي الحوت): هجره المنصور بن أبي عامر فاستعطفه بأبيات فعانقه وعفا عنه وخلع عليه. وقاسم بن محمد المرواني استعطفه من سجنه.
  • الأصمّ المرواني: مدح أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي بجبل الفتح (جبل طارق) بقصيدة عارض بها بائية أبي تمّام.
  • آخرون: أحمد بن سليمان (نظم في نصرة ابن حزم لمّا عاداه علماء عصره)، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن الناصر (رثى أبا مروان ابن سراج ووصفه بإبانة الحديث النبوي ورياضة صعب النحو)، وعبيد الله بن محمد المهدي المعروف بالأقرع (مع الوزير ابن عطّاف الذي ضنّ عليه بالجواب، ثم مات الوزير فتزوّج كاتبُه زوجته وسكن داره).

المصنَّفات والبلاغة والبديهة

«شذور الذهب»: قال المقّري لو لم يكن للأندلسيين غيره لكفاهم دليلًا على البلاغة. مؤلّفه علي بن موسى بن علي بن محمد بن خلف، أبو الحسن الأنصاري الجيّاني، نزيل فاس وخطيبها؛ لم ينظم أحدٌ في الكيمياء مثل نظمه، وقيل فيه: «إن لم يعلّمك صناعة الذهب علّمك الأدب»، و«شاعر الحكماء وحكيم الشعراء». توفي سنة ٥٩٣.

التشبيه: أورد ابن حزم في «طوق الحمامة» أبياتًا فيها خمسة تشبيهات مقابلة لخمسة، وقال إنه لا يُقدر على أكثر منها لضيق الأعاريض؛ وعارضه أبو عامر ابن مسلمة ببيت الوأواء الدمشقي، وذكر بيت ابن برّون الأكشوني في فرسٍ وردٍ أغرّ محجّل، وعدّه ستة على ستة؛ وانتقد ابن الجلّاب كلام أبي عامر. وأورد المقّري سلسلة تشبيهاتٍ في الأنهار والدواليب والأزهار والفواكه لـابن صارة، وابن مرج الكحل (محمد بن إدريس، ت ٦٣٤ بجزيرة شقر)، وسهل بن مالك، وصفوان بن إدريس، وابن وضّاح، والوزير ابن عمّار، وابن سعد الخير، وابن أبي الخصال، والخفاجي، وحازم، وابن نزار الوادي آشي، وابن الأبّار الذي رفع أبياتًا في السوسن إلى الأمير أبي يحيى زكرياء.

من «بدائع البدائه» لعلي بن ظافر (نقلًا عنه):

  • عبد الجليل بن وهبون المرسي صنع نزهة بوادي إشبيلية، فأجاز أبو تمام غالب بن رباح قسيم ابن حمديس الصقلي في تغضّن الماء.
  • المعتمد بن عبّاد في نزهةٍ بظاهر إشبيلية أجازه ابن جاخ الصبّاغ فأمر له بجائزة سنية؛ وسبب اشتهار ابن جاخ أن الوزير ابن عمّار اختبر بديهته في حانوت صباغته. ولابن عمّار مثلها مع يحيى القصّاب السرقسطي.
  • المتوكل بن الأفطس صاحب بطليوس أُرتج عليه في قسيم، فأجازه وزيره عبد المجيد بن عبدون صاحب الرائية «الدهر يفجع بعد العين بالأثر»؛ وذكر ابن بسّام أن القسيم الأول لأبي الوليد ابن ضابط وأن ابن عبدون أجازه ارتجالًا وهو ابن ثلاث عشرة سنة.
  • أبو عامر ابن شهيد: لما قدم زهير الصقلبي من المريّة إلى قرطبة، وجّه وزيره ابن عبّاس إلى جماعة منهم ابن برد وأبو بكر المرواني وابن الحنّاط والطبني؛ فأجاز ابن شهيد القسيم ثم هجا أبا جعفر لمّا لم يرضَ ببديهته.
  • ابن اللبّانة الداني في كتابه «سقيط الدرر ولقيط الزهر»: صنع المعتمد بن عبّاد قسيمًا في القبة المعروفة بسعد السعود فوق المجلس المعروف بالزاهي [بإشبيلية]، فعجز الحاضرون وأجازه ابنه عبد الله الرشيد.
  • من «المقتبس في تاريخ الأندلس» [لابن حيّان]: الأمير عبد الرحمن وجاريته طروب أمّ ولده عبد الله وأعظم حظاياه، ونديمه عبد الله بن الشمر؛ وخبر إجازة الزجّالي الذي حمله استحسانه على أن استوزره (ونبّه المحقق إلى أن المقتبس يفيد أن الأمير تمثّل بالبيت ونسي تمامه فأتمّه الزجالي من حفظه).
  • ذكر ابن بسّام أن المعتمد أمر بصياغة غزال وهلال من ذهب وزنهما سبعمائة مثقال، فأهدى الغزال إلى السيدة ابنة مجاهد والهلال إلى ابنه الرشيد، وأجاز قسيمه أبو القاسم ابن مرزقان.
  • زرياب غنّى بين يدي الأمير عبد الرحمن بن الحكم بيتَي أبي العتاهية، فاستدعى ما يصلهما، فصنع عبيد الله بن فرناس بيتًا بديهًا فأُجيز.
  • ابن حمديس الصقلي أقام بإشبيلية مهملًا حتى استدعاه المعتمد ليلًا، فأجاز قسيمه في كور الزجاج المشتعل، فأمر له بجائزة سنية وألزمه خدمته.
  • العالي بالله الإدريسي بمالقة: أجاز الفقيه غانم بن الوليد المالقي بديهًا بيتًا لابن المعتز.

التتمة (أ) — تتمة الباب السابع: أخبار الأدباء والشعراء ونوادرهم

المقطع في جملته مختارات شعرية وأخبار أدبية (تتمة الباب السابع بعد ختام المجلد الثالث)، ينقل فيها المقّري عن «المطمح» للفتح بن خاقان، و«جذوة المقتبس» للحُميدي، و«المغرب» و«القدح» لابن سعيد، و«التكملة» و«تحفة القادم» لابن الأبّار، و«المسهب» للحجاري، و«فرحة الأنفس»، و«الذخيرة»، و«القلائد». وفيما يلي وقائعه ومعلوماته مجرَّدةً من الشعر.

مجالس الخلفاء وأخبار اللغويين

أورد صاحب «فرحة الأنفس في أخبار أهل الأندلس» خبر مجلس عبد الرحمن الناصر مع الشاعر أبي القاسم لُبّ ووزيره عبد الملك بن جهور في مهاجاة مرتجلة، وفيه أن الناصر نطق بالعامية («قولو» بدل «قُلْه») مسترسلًا غير متحفظ.

أبو بكر محمد بن الحسن الزُّبيدي النحوي، وكان صاحب الشرطة، عاتب الوزير جعفر بن عثمان المصحفي في كتابته «فاضت نفسه» بالضاد، وتراسلا في المسألة؛ وذكر المقّري أن ابن السكّيت أجاز الوجهين. واستأذن الزُّبيدي الحكم المستنصر في العودة إلى أهله بإشبيلية فلم يأذن له.

كان أبو محمد (والد القاضي يونس بن عبد الله بن مغيث) قد اعتذر عن مصاحبة الحكم المستنصر في غزو الروم، فاشترط عليه الحكم أن يؤلف كتابًا في أشعار الخلفاء بالمشرق والأندلس على مثال كتاب الصولي في أشعار خلفاء بني العباس، فأتمّه في أقل من شهر بدار المُلك المطلّة على النهر، ومات والمستنصر في غزاته. ونبّه المحقِّق إلى أن قول الأصول «وتوفي المستنصر إذ ذاك» خطأ، لأن المستنصر توفي سنة ٣٦٦هـ.

القاضي يونس بن عبد الله بن مغيث: قاضي الجماعة بقرطبة، زاهد ناسك، له في التصوف والزهد كتاب «المنقطعين إلى الله» وكتاب «المجتهدين».

تراجم ووفيات

  • ابن القوطية: أبو بكر، صاحب «الأفعال» في اللغة والغريب.
  • ابن سِيدَه: أبو الحسن علي بن أحمد، صاحب «المحكم»، انقطع إلى المُوفَّق صاحب دانية، فلما مات خاف من ابنه إقبال الدولة ففرّ إلى بعض الأعمال المجاورة وكتب إليه مستعطفًا.
  • ابن عبد البَرّ: أبو عمر يوسف بن عبد الله، الحافظ، إمام الأندلس؛ دخل إشبيلية فلم يلق فيها مَبَرّة فارتحل عنها.
  • أبو بكر ابن أبي الدوس: من أحسن الناس خطًّا، اقتصر بالإقراء على الأمراء، كثير التنقّل، استقر آخر عمره بأغمات وبها مات.
  • أبو الفضل ابن الأعلم (جعفر): كان قاضي شنتمرية، وجدّه الأستاذ الأعلم أبو الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى الشنتمري، إمام نحاة زمانه وشارح «الأشعار الستة».
  • الرمادي: أبو عمر يوسف بن هارون الكندي، قرطبي، أخذ الأدب عن شيخه أبي بكر يحيى بن هذيل الكفيف؛ قال ابن حيّان: توفي سنة ٤٠٣هـ. سجنه الخليفة دهرًا (وذُكر سجنه بالزهراء) لأشعار شاعت عنه في دولة الخلافة وأهلها، وأدرك الفتنة فلحقته فاقة أهلكته. وأخذ عنه أبو عمر ابن عبد البر قطعة من شعره. وكان يقال في زمانه: «فُتح الشعر بكِندة وخُتم في كِندة» يعنون امرأ القيس والمتنبي ويوسف بن هارون.
  • محمد بن هانئ الأندلسي: أبو القاسم؛ ذكر صاحب «المطمح» أنه نُفي من الأندلس لسلوكه مسلك المعرّي وتجرّده من التديّن وغلوّه، فخرج مضطرًّا حتى وصل الزاب واتصل بجعفر بن علي، وأفرط في مدحه، ومدح كذلك يحيى بن علي بن رمّان والمعزّ الفاطمي، وله وصف للأسطول.
  • أبو عمر أحمد بن فرج الجَيّاني: صاحب كتاب «الحدائق»؛ صدرٌ في الدولة؛ اعتقله الخليفة في مكان أخيه فلم يُعفَ عنه حتى مات معتقلًا، وله في السجن أشعار كثيرة أنشد ابن حزم بعضها.
  • ابن الحدّاد: أبو عبد الله محمد، شاعر المعتصم بن صمادح بالمرية، ولم ينتجع غير معن وصمادح؛ له قصيدته «عج بالحمى» وقد أغار عليها ابن اللبّانة بحضرة المعتصم فارتجل ابن الحداد ما يفضحه؛ وله «حديقة الحقيقة».
  • ابن قزمان: أبو بكر؛ قال ابن عبد الملك: أديب بارع مبرّز في نظم الزجل؛ وقال لسان الدين: بلغ في الطريقة الزجلية مبلغًا حجره الله عن سواه. ونبّه المحقِّق إلى أن الأصح وصفه بصاحب الأزجال لا الموشحات. واشتمل عليه المتوكل على الله فرقّاه إلى المجالس والخطط.
  • أبو عمرو يزيد بن عبد الله بن أبي خالد اللخمي الإشبيلي الكاتب: قال فيه ابن الأبّار في «تحفة القادم» إنه من صدور أدباء إشبيلية، وإليه يُنسب المعقل المعروف بـ«حجر أبي خالد»؛ توفي بإشبيلية سنة ٦١٢هـ، وله شعر في فتح المهدية سنة ٦٠٢هـ.
  • السُّميسر: أبو القاسم، كثير الهجاء، له كتاب سمّاه «شفاء الأمراض في أخذ الأعراض».
  • أبو الحسين علي بن الحمارة الغرناطي: برع في الألحان وعلمها، وكان يقطع العود بيده ثم يصنع منه عودًا للغناء وينظم الشعر ويلحّنه؛ وسمّاه بعض العلماء «آخر فلاسفة الأندلس».
  • أبو الوليد هشام الوقشي: من تآليفه «نكت الكامل للمبرد».

وقائع وحوادث مؤرَّخة

  • إحراق القنبيطور (السِّيد/El Cid) لأبي جعفر ابن عبد الولي البلنسي حين تغلّب بالروم على بلنسية؛ قال ابن الأبّار: سنة ٤٨٨هـ، وقيل سنة ٤٩٠هـ. وذُكر كذلك أن أبا أحمد والد أبي محمد ابن جَحّاف المعافري البلنسي هو «المحرَّق ببلنسية».
  • اجتماع أدباء بمدينة سبتة سنة ٥٨١هـ، منهم أبو الحسن سهل بن مالك والمَهْر ابن الفرس، وتذاكروا محبوبًا لهم بالجزيرة الخضراء.
  • أخذ يوسف بن تاشفين غرناطة سنة ٤٨٣هـ: ورد الخبر ومجلسُ الرشيد بن المعتمد قائم، فتفجّع، وذكر ابن اللبّانة أن الغناء تتابع فيه بما تُطُيِّر منه.
  • موت المعتضد بن عبّاد: استحضر مغنيًا (السوسي) ليتفاءل بأول ما يبدأ به، فكان الشعر مشؤومًا، فمات بعد خمسة أيام.
  • سقوط المعتمد وسجنه بأغمات: كان معه ابن اللبّانة، فبعث إليه ولده شرف الدولة بعشرين مثقالًا مرابطية وثوبين غير مخيطين فامتنع عن قبولها. ورأى ابن اللبّانة ولدًا آخر للمعتمد كان يُلقّب أيام سلطانهم بـ«فخر الدولة» وقد جلس في السوق يتعلم الصياغة وينفخ الفحم بقصبة الصائغ، فرثى حاله.
  • زيارة قبر المعتمد: زاره لسان الدين بن الخطيب بأغمات سنة ٧٦١هـ في رحلة إلى الجهات المراكشية باعثها لقاء الصالحين ومشاهدة الآثار؛ ووصفه في نَشَزٍ من الأرض قد حفّت به سِدْرة، وإلى جانبه قبر اعتماد حظيّته مولاة رُميك. وذكر المقّري أنه هو نفسه زار القبر بأغمات سنة ١٠١٠هـ ورأى مثل ما ذكره لسان الدين.
  • ثورة أبي عبد الله الجزيري على بني عبد المؤمن: لما غيّروا رسم مهديهم وصيّروا الخلافة ملكًا وتوسّعوا في الرفاهية وأهملوا حق الرعية، تستّر ونظم في ذلك؛ فشاع سرّه في مدة الناصر فطُلب ففرّ متنقّلًا مع أصحابه حتى حصل في حصن قولية من عمل مدينة بسطة؛ وبينما هم في جامعها يأكلون البطيخ ويرمون قشره في صحن الجامع أنكر عليهم رجل من العامة، فاستهزأوا به، فاجتمع جمعٌ وحُملوا إلى الوالي فقُتلوا جميعًا؛ وأمر الناصر أن تُرفع عن جميع أرض قولية تكاليف السلطان.
  • مطر أحمر بإشبيلية: هطلت سحابة بقطر أحمر يوم السبت ١٣ صفر سنة ٥٦٤هـ، فقال فيها أبو الأصبغ ابن رشيد الإشبيلي.
  • بيعة الحرم للمستنصر صاحب تونس: أشار ابن الأبّار في مدحه إلى أن أهل مكة خطبوا للمستنصر بعرفة وكتبوا له بيعةً من إنشاء ابن سبعين المتصوّف، وقد أورد ابن خلدون نصّ البيعة في ترجمة المستنصر.
  • عبد الملك الجزيري الكاتب: عتب عليه المنصور بن أبي عامر فسجنه بالزاهرة ثم صفح عنه فأعاده إلى حاله.
  • غرق أحد الهَوْزَنيّين في نهر طلبيرة عند فتحها، رثاه أبو القاسم ابن العطار الإشبيلي.
  • مجاهد صاحب دانية كتب إلى المنصور بن أبي عامر الأصغر ملك بلنسية رقعةً لم يضمّنها غير بيت الحُطيئة تعريضًا بالقعود، فأخرجت المنصور عن طوره، فأجابه عنه وزيره أبو عامر ابن التاكرني.
  • بنو ذي النون نفَوا أرقم من نسبهم لأنه ابن أمة واقعها أبو الظافر في سكره؛ ولما ولي يحيى مال عليه بالأذية ففرّ عن مملكتهم.
  • وفاة والد ابن زيدون (أبي بكر): توفي في ضيعة له ونُقل تابوته إلى قرطبة فدُفن في الربض سنة ٤٠٥هـ، وذُكر أن مولده سنة ٣٠٤هـ [كذا في الأصل].

مسائل علمية ونحوية

سأل المعتمد بن عبّاد الأستاذ الأعلم أبا الحجاج يوسف بن سليمان الشنتمري عن ضبط لفظ «المُسْهَب/المُسْهِب» (وهو عنوان كتاب الحجاري)، فأجاب بأن المُسْهَب بالفتح هو المكثر في غير صواب، والمُسْهِب بالكسر هو البليغ المكثر من الصواب، ونقل عن أبي علي البغدادي وأبي عبيدة والأصمعي والخليل، ثم نظم السؤال والجواب. وأرّخ الأعلم إملاءه: يوم الثلاثاء لثمانٍ خلون من صفر سنة ٤٧٦هـ.

وسُئل الأعلم أيضًا عن المسألة الزنبورية بين سيبويه والكسائي (أو الفرّاء) بحضرة الرشيد أو يحيى بن خالد البرمكي، فأطال في تخطئة الكوفيين في نصب الخبر بعد «إذا» الفجائية وتصويب رفع سيبويه. وأورد في نسب سيبويه: فارسيّ مولى لبني الحارث بن كعب (من مذحج)، اسمه عمرو بن عثمان بن قنبر، وكنيته أبو بشر، و«سيبويه» بالفارسية رائحة التفاح (وقيل: «سي» ثلاثون و«بويه» رائحة). وسبب تحوّله من الحديث إلى النحو ملاحنة جرت له مع حمّاد بن سلمة (في «رَعَفَ» وفي رفع «ليس أبو الدرداء»)، فلزم الخليل. وقدم البصرة من البَيْضاء من قرى شيراز من عمل فارس. ووفد على البرامكة فأوصلوه إلى الرشيد لمناظرة الكسائي، فلما ظُهر عليه بشهادة الأعراب أمر له الرشيد بعشرة آلاف درهم، فانصرف إلى الأهواز ولم يعرّج على البصرة، وأقام بها إلى أن مات كمدًا (وقيل: ذَرِبت معدته)؛ وقال الكسائي لما بلغه موته: أخاف أن أكون شاركت في دمه.

وذكر ابن مسدي أن ابن المُناصف النحوي أملى عليهم بدانية على قول سيبويه «هذا باب ما الكلم من العربية» عشرين كرّاسًا، بسط القول فيها في مائة وثلاثين وجهًا؛ ساقه المقّري دليلًا على تبحّر أهل الأندلس. ونقل أيضًا مناظرة أبي بكر ابن حبيش وأبي زكريا اليفرني في استعمال «ماذا» للتكثير لا للاستفهام، واستشهاد ابن حبيش بالقرآن وصحيح البخاري وشعر أمية بن أبي الصلت.

العمران والصنائع والعلوم

  • صومعة إشبيلية (المئذنة العظيمة): لما أراد منصور بني عبد المؤمن بناءها أحضر العرفاء والصنّاع من مظانّهم، وسأل شيخًا عارفًا بالبناء عن تقدير النفقة عليها، فأجابه بجواب سُوقيّ أضحك المنصور.
  • قصر بسلا: بناه الفقيه أبو العباس ابن القاسم (من بني عشرة أعيان سلا) وشيّده، فوصفته الشعراء، وارتجل فيه الوزير أبو عامر ابن الحمارة بيتين شهيرين (نُسبا في موضع آخر إلى ابن الحمارة الغرناطي عند فراغ ابن عشرة من بناء قصره).
  • الصنم الذي بشاطبة: وصفه أبو عامر البرياني بأنه «بقية من بقايا الروم» أبدى بناتها من علمهم حكمًا.
  • محمد بن أحمد بن أبي بكر القرموطي المرسي: من أعرف أهل الأندلس بالعلوم القديمة — المنطق والهندسة والعدد والموسيقى والطب — فيلسوفًا طبيبًا ماهرًا، يُقرئ الأمم بألسنتهم. ولما تغلّب طاغية الروم على مُرسية عرف له حقه وبنى له مدرسة يُقرئ فيها المسلمين والنصارى واليهود، وعرض عليه التنصّر وأغراه، فأبى وقال لأصحابه: عمري كله أعبد إلهًا واحدًا وقد عجزت عمّا يجب له، فكيف لو عبدت ثلاثة.
  • ابن باجة: أورد المقّري أن ابن معيوب — من خدّام أبي العلاء ابن زهر — يزعم الناس أنه سمّ ابن باجة في باذنجان لعداوته لابن زهر.
  • لباس البياض في الحداد: نصّ المقّري على أن لبس الأبيض عند المصيبة عادة أهل الأندلس، واستشهد بشعر الحُصري وابن شاطر السرقسطي.
  • يوم النيروز: من عادة الأكابر أن يصنعوا فيه مدائن من العجين لها صور مستحسنة؛ وصف أبو عمران موسى الطرياني إحداها فأُعطيها.

نوادر وأخبار متفرّقة

  • الحجاري صاحب «المسهب» (أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الصنهاجي): سبب اتصاله بعبد الملك بن سعيد — جدّ علي بن موسى صاحب «المغرب» — أنه وفد على قلعته من شلب في زيّ بداوة فازدراه البوّابون، فكتب رقعة أوصلها إليه فأُذن له، ثم أنشد قصيدته من رأسه بلا ورقة فأكرمه وقرّبه.
  • البازي الأشهب: سارق مشهور في زمن المعتمد، مسلَّط على أهل البادية؛ بلغ من حيلته أنه سرق وهو مصلوب على ممرّ أهل البادية، إذ خدع بدويًّا فأنزله في بئر بزعم مائة دينار، فقطعت زوجته الحبل ومضت هي وبناته بحمل بغله. فأحضره ابن عبّاد وعاهده على التوبة وأجرى عليه رزقًا وقدّمه على رجال أنجاد، فصار من حرّاس أحواز المدينة.
  • المعتمد وابن عمّار طرقا ليلًا باب شيخ متهكّم فشتم المعتمد وهو لا يعرفه («مصفوع ألف صفعة»)، فضحك حتى سقط، ووجّه إليه من الغد ألف درهم «حقّ الألف صفعة».
  • المأمون بن ذي النون شرب مع ابن أرفع رأسه الطليطلي وحفلٍ من رؤساء ندمائه (ابن لبّون وابن سفيان وابن الفرج وابن مثنى)، فجرت مذاكرة في ملوك الطوائف، فارتجل ابن أرفع رأسه مدحه فأمر له بإحسان جزيل. وله مع الوقشي نادرة «آذان القاضي» و«عيون البقر» في الحلوى والفاكهة.
  • أبو جعفر الوقشي الوزير: كان تيّاهًا معجبًا بنفسه، وعاتبه صاحب جيّان ابن همشك في كثرة عجبه.
  • الجرّاوي وصفوان بن إدريس التجيبي: خبر توارد الخواطر في وصف السوسنة الصفراء بحانوت ورّاق بتونس، ومعهما ابن مُجَبَّر.
  • الكسّاد (أحمد المقّريني): شاعر وشّاح زجّال إشبيلي، لُقّب بالكسّاد لبيت له؛ قال في موسى بن عبد الصمد، وسيم إشبيلية الذي تغزّل فيه شعراؤها ومنهم ابن سهل الإسرائيلي، ورثاه.
  • أبو الحسن ابن زنون كان أسيرًا ببلاد الروم بقيجاطة (من أعمال جيّان)، ووقع بيده كتاب «التحف والطرف» لابن عفيون، فعارض قطعةً فيه، وذكر أن الفكاك وصل إليه عند فراغه من كتابتها فحُلّت قيوده وأُخرج إلى بلاد المسلمين.
  • ابن الأبّار: أشار إلى تأليفه «هداية المعتسف في المؤتلف والمختلف» في التفرقة بين المتشابهين من الأسماء، وصحّح نسبة بيتين نسبهما صاحب «القلائد» خطأ. وذكر المقّري أن ترجمة ابن الأبّار الواسعة في كتابه «أزهار الرياض».
  • وردت في المقطع أوصاف مطوَّلة للأسطول والسفن، نظمها جماعة: ابن هانئ، وابن الحدّاد (في أسطول المعتصم بن صمادح)، وابن حريق، وعلي بن محمد الإيادي التونسي (في أسطول الإمام محمد، وفيها ذكر الشراع والنار المقذوفة)، والقسطلي (في أسطول أنشأه المنصور بن أبي عامر)، وابن خفاجة، وعبد الجليل بن وهبون، والأعمى التطيلي، وابن الأبّار.

التتمة (ب): مناظرات النحاة، ونساء الأندلس، وبنو عبّاد

خصومات نحوية ومصنَّفات

انتهى المقّري من الاستشهاد على استعمال «ماذا» بمعنى الخبر والتكثير، وذكر أنّ هذه الكلمة جرت بسببها مناظرة بسبتة بين الأستاذ النحويّ المشهور أبي الحسين ابن أبي الربيع وبين مالك بن المرحَّل، حتى ألّف مالك كتاب «الرمي بالحصى والضرب بالعصى»، ونبّه المقّري على أنّ فيه «هنات لا ينبغي لعاقل أن يذكرها». ونقل عن الأستاذ ابن غازي أنّ ابن أبي الربيع تطفَّل على ابن المرحَّل في الشعر كما تطفَّل ابن المرحَّل عليه في النحو.

ترجمة اليفرني النحوي: أبو زكريا يحيى بن علي بن سلطان اليفرني، الفقيه النحويّ الأديب، وُلد سنة ٦٤١، وبرع في العربية، ولُقّب في المشرق بـ«جبل النحو». كان يرى نفسه مجتهدًا، ومن آرائه الشاذّة: منع نكاح الكتابيات (خلافًا لمالك، ووفاقًا لأحمد بن حنبل)، وأنّ الطلاق لا يكون إلا مرتين — مرة للاستبراء ومرة للانفصال — ولا يقول بالثلاث، وهو خلاف الإجماع كما نبّه المقّري؛ وله تأويل في «إنّ هذان لساحران» ردّه خطُّ المصحف. توفي سنة ٧٠٠.

نقد كتاب «المُقرَّب»: لمّا ألّف ابن عصفور كتابه «المقرَّب» في النحو انتقده جماعة، منهم ابن الصائغ، وابن هشام الجزيري (وله عليه «المنهج المُعرَب في الردّ على المُقرَّب»، ووصفه المقّري بالتخليط والتعسّف)، وابن الحاج، وأبو الحسن حازم القرطاجني الخزرجي (وسمّى ردّه «شدّ الزيار على جحفلة الحمار»)، وابن مؤمن القابسي، وبهاء الدين ابن النحّاس.

أخبار متفرّقة عن أدباء الأندلس

  • الوزير أبو بكر ابن الملح كاتَبَ ابنه الشابّ عاتبًا عليه فسوقه.
  • يحيى السرقسطي: أديب ترك الشعر واحترف الجزارة (القصابة)، فأمر الحاجب ابن هود أبا الفضل ابن حسداي أن يوبّخه، فتراسلا شعرًا.
  • أبو الحسن ابن الحدّاد: قال في امرأة باعت الدفاتر (الكتب) — «فنحن في زمن الضياع» — إشارةً إلى كساد الكتب.
  • أبو زكريا ابن مطروح من أهل مدينة باغة: قال شعرًا في عزل والٍ غير مرضيّ نزل المطر عقب عزله.
  • اجتمع أبو الوليد الوقّشي وأبو مروان عبد الملك بن سراج القرطبي — «فريدا عصرهما حفظًا» — في مسجد، فتساءلا في رواية بيت وفي لغز اسم «أحمد» في بيت شعر، وأقيمت الصلاة أثناء ذلك.
  • الوزير أبو الحسن ابن أضحى (القاضي): نقل الفتح في «القلائد» خبر امتناعه عن الشفاعة في ردّ مطلَّقةٍ بتّةً إلى مطلِّقها؛ وعدّها المقّري من «حكايات عدل قضاة الأندلس».
  • ذُكر من الشعراء: صالح بن شريف الرندي، وأبو جعفر ابن صفوان المالقي، ومحمد بن إدريس القضاعي الأصطبوني، ومحمد التطيلي الهذلي من أعيان غرناطة (ترجمته في «المغرب» و«برنامج الرعيني»)، وأبو الحجاج يوسف الفهري من دانية، وأبو جعفر البُغيّل من شعراء المرية وكتّابها، وأبو جعفر أحمد بن أيوب اللمائي المالقي، وأبو جعفر أحمد بن طلحة من جزيرة شُقر، وأبو جعفر الغسّاني من أهل وادي آش (استوطن غرناطة ومات بالمرية، وكتب على حمالة قِراب لموطأ الإمام مالك)، وأبو بكر يحيى بن بقي، والمتوكل بن الأفطس صاحب بطليوس، وابن خلصة الضرير، وابن اللبانة، وابن الزقّاق، والرصافي، وابن حمديس الصقلي.
  • الرصافي: كان يميل في شبيبته إلى بعض الطلبة، وخرج الطلبة في نزهةٍ بالوادي بمالقة في زورق، فعصفت الريح الغربية وهاج البحر ونزل المطر فتفرّقوا؛ فارتجل بيتين قيل إنهما أول شعره، فقال أستاذه: «إنك ستكون شاعر زمانك».
  • كتب بعض الأدباء إلى ابن حزم الأندلسي مسألةً فقهية نظمًا، فأجابه ابن حزم نظمًا.

نساء أهل الأندلس

عقد المقّري فصلًا في نساء الأندلس «اللاتي لهنّ اليد الطولى في البلاغة»، ليبيّن أنّ البراعة فيهم كالغريزة حتى في النساء والصبيان:

  • أمّ السعد بنت عصام الحميري (تُعرف بسَعدونة)، من أهل قرطبة، لها رواية عن أبيها وجدّها، ترجمها ابن الأبّار في «التكملة»؛ وذكر ابن عبد الملك أنها توفيت بمالقة سنة ٦٤٠ أو نحوها.
  • حسّانة التميمية بنت أبي المخشى الشاعر (وأبوها عاصم بن زيد، من قدماء شعراء الأندلس، قطع لسانه هشام بن عبد الرحمن الداخل). كتبت إلى الحكم [بن هشام] قصيدةً وهي بكر، فأمر لها بمرتَّب، وكتب إلى عامله على إلبيرة فجهّزها. ثم وفدت على ابنه عبد الرحمن شاكيةً من عامل إلبيرة جابر بن لبيد الذي نقض توقيع الحكم بتحرير أملاكها، فأنشدته، فقبّل خطّ أبيه ووضعه على عينيه وعزل ابن لبيد ووقّع لها بمثل توقيع أبيه وأجازها.
  • أمّ العلاء بنت يوسف الحجّارية (نسبةً إلى وادي الحجارة)، من أهل المائة الخامسة، ذكرها صاحب «المغرب».
  • أَمَة العزيز الحسينية، أنشدها ابن دحية في «المطرب»؛ ونبّه محقِّق النصّ أنّ البيتين يُنسبان لغيرها.
  • أمّ الكرام بنت المعتصم بن صمادح ملك المرية: كانت تنظم الشعر، وعشقت فتىً من دانية يُعرف بالسمّار، وعملت فيه الموشّحات.
  • الغسّانية البجّانية (بجّانة كورة عظيمة تُشتهر بإقليم المرية)، من أهل المائة الرابعة، ومدحت خيران العامري.
  • العروضية مولاة أبي المطرف عبد الرحمن بن غلبون الكاتب: سكنت بلنسية، أخذت عن مولاها النحو واللغة ففاقته، وبرعت في العروض، وكانت تحفظ «الكامل» للمبرّد و«النوادر» للقالي وتشرحهما؛ قرأ عليها أبو داود سليمان بن نجاح الكتابين وأخذ عنها العروض. توفيت بدانية في حدود سنة ٤٥٠.
  • حفصة بنت الحاج الركونية، شاعرة غرناطة: ارتجلت بين يدي عبد المؤمن بن علي أبياتًا تطلب فيها منشورًا يخطّ فيه العلامة الموحّدية «الحمد لله وحده» (وهي علامة السلطان في رأس المنشور عند الموحّدين). تولّع بها السيد أبو سعيد ابن عبد المؤمن ملك غرناطة، فتغيّر بسببها على أبي جعفر ابن سعيد حتى قتله. وأوردت الأخبار مراسلاتها مع أبي جعفر ومع «الكتندي» الشاعر.
  • ولّادة بنت المستكفي بالله محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر: كان أبوها قد بويع بقرطبة لمّا خُلع المستظهر، ووصفه المقّري بأنه «كان جاهلًا ساقطًا». كان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وكانت لها صنعة في الغناء، وكتبت على طرازَي ثوبها بيتين في الاعتداد بنفسها. تعلّق بها ابن زيدون وهجَتْه بمقطّعات لاذعة (ولقّبته «المسدّس»)، وزاحمه فيها الوزير أبو عامر ابن عبدوس — وفيه كتب ابن زيدون الرسالة المشهورة التي شرحها من أدباء المشارقة الجمالُ ابن نُباتة والصفدي وغيرهما. وكتب ابن زيدون قصيدته «إني ذكرتُك بالزهراء مشتاقًا» بعد فراره إلى الزهراء، ونونيّته «بنتم وبنّا». قال ابن بشكوال في «الصلة»: عمّرت طويلًا، ولم تتزوج قطّ، وماتت لليلتين خلتا من صفر سنة ٤٨٠، وقيل ٤٨٤.
  • اعتماد الرُّمَيْكية، جارية المعتمد بن عبّاد وأمّ أولاده: خبر إجازتها شطر المعتمد على النهر («صنع الريح من الماء زرد») حين عجز ابن عمّار، فتزوّجها، وولدت له الملوك من بنيه. وذكر المقّري رواية أخرى تنسب الشطر لأحد الأدباء.

وذكر استطرادًا سلمى بنت القراطيسي من أهل بغداد، المشهورة بالجمال، أرسل إليها المقتفي أمير المؤمنين مالًا جزيلًا بعد أن تحقّق من جمالها وعفافها.

استطرادان موحّديّان

  • قفل السلطان الناصر (ابن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن) من إفريقية سنة ٦٠٣ بعد فتح المهدية، فهنّأته الشعراء، واجتمع أبو عبد الله ابن مرج الكحل بالشعراء والكتّاب فأنشدهم.
  • نقلًا عن كتاب «روح الشعر» لأبي عبد الله محمد بن الجلاب الفهري: لمّا قفل يعقوب المنصور من غزوة الأراك (الأراكة) يوم الأربعاء تاسع شعبان سنة ٥٩١، ورد عليه الشعراء من كل قطر، فكثروا حتى لم يُنشد كلٌّ قصيدته، بل البيتين أو الثلاثة؛ وأمر لواحدٍ منهم بألفَي دينار ولم يصل أحدًا غيره، وقال: «منع الجميع أرضى للجميع».

أبو جعفر ابن سعيد ومَن حوله

هو أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد العنسي. لمّا استبدّ والده عبد الملك بأمر القلعة حين ثار أهل الأندلس على الملثّمين (المرابطين) بسبب صولة بني عبد المؤمن، اتخذه وزيرًا واستنابه، فاستعفى فلم يُعفَه. ولمّا رجع ثوّار الأندلس إلى عبد المؤمن وبايعه عبد الملك بن سعيد، طلب السيد أبو سعيد ابن عبد المؤمن — والي غرناطة — كاتبًا من أهلها فاستكتبه. ثم وشى به بعض أصحابه بأبياتٍ قالها في الصيد يتبرّم فيها من الخدمة، فعُزل «أسوأ عزل»؛ ثم بلغ السيدَ قولُه في حقّه ما يعيب سواده، فأسرّها، حتى فرّ عبد الرحمن بن عبد الملك بن سعيد إلى محمد بن مردنيش ملك شرق الأندلس، فاتّخذ ذلك سببًا فقتل أبا جعفر صبرًا بمالقة. وكان أبوه عبد الملك قد سجنه عبد المؤمن ثم أطلقه بعد أبياتٍ نظمها ابنه. وذكر المقّري وفادة فضلاء الأندلس على عبد المؤمن بجبل الفتح (جبل طارق).

اللصّ: أبو العباس أحمد بن سيد الإشبيلي، نحويّ مبرِّز في الشعر، شيخ ابن دحية، ختم كتاب سيبويه مرّتين على النحوي أبي القاسم ابن الرماك، ولُقّب «اللصّ» لإغارته على أشعار الناس. اجتمع بأبي جعفر ابن سعيد بجبل الفتح، وتعارضا مقطّعاتٍ في نزهة نهر إشبيلية عند طريانة (مقابلة إشبيلية) ومنارة شنتبوس.

أخيل بن إدريس الرندي: مدح عبد المؤمن بجبل الفتح، وانتقد أبو جعفر ابن سعيد مطلعه. أبو الحكم ابن هردوس: كاتب عثمان بن عبد المؤمن ملك غرناطة، توفي سنة ٥٧٣ أو قبلها.

بنو عبّاد

النسب والنشأة: بنو عبّاد من لخم، وجدّهم المنذر بن ماء السماء. أوّلهم القاضي أبو القاسم محمد بن عبّاد (واسم أبيه إسماعيل)، أخذ الرئاسة بإشبيلية ولم يتسمَّ بسمة الملك مع نفوذه. ثم ابنه المعتضد أبو عمرو عبّاد: قال الفتح إنّ في باب داره حديقةً «لا تُثمر إلا رؤوسًا»، ووصفه بالبطش والدهاء؛ وله شعر في حصول رندة في ملكه. ثم المعتمد على الله أبو القاسم محمد، أقام في الملك ثلاثًا وعشرين سنة. وذكر ابن اللبّانة أنّ الدولة العبّادية أشبه شيء بالعبّاسية ببغداد سعةَ مكارم، ولذلك ألّف فيها كتابًا مستقلًّا سمّاه «الاعتماد في أخبار بني عبّاد»، وردّ المقّري على قول ابن رشيق [«مما يزهّدني في أرض أندلس / أسماءُ معتضدٍ فيها ومعتمدِ»].

سقوط الدولة: قال ابن اللبّانة: لم يزل المعتمد بخير إلى سنة ٤٧٥، حين وصل اليهودي ابن شاليب لقبض الجزية المعلومة مع قومٍ من رؤساء النصارى، فردّ المال مستقلًّا إياه وتوعّد بأخذ «أجفان البلاد»، فأمر المعتمد بسجن النصارى وصلب اليهودي، فتوعّده النصراني بجيوشٍ حتى بحر الزقاق. وكان يوسف بن تاشفين حينئذٍ محاصرًا سبتة، فجاز إليه المعتمد فوعده بالنصر، فحثّ ملوك الأندلس على الجهاد، فكانت غزوة الزلّاقة. ثم عاد ابن تاشفين إلى المغرب، ثم جاز فطلب من المعتمد الجزيرة الخضراء وفيها ابنه يزيد، فاعتذر، فإذا مائة شراع قد أطلّت على الجزيرة فأخلاها ابنه. ثم شرع ابن تاشفين في خلع ملوك الأندلس، وأرسل إلى كل مملكة جماعةً تحاصرها، وحاصر إشبيلية. وذكر المقّري أنّ الناس قد ملّوا الدولة العبّادية وسئموها، لا سيما مع ما ظهر من تهتّك ابن عبّاد في الشرب والملاهي. ودخل العسكر من باب الفرج، فقاتل المعتمد بنفسه وقتل طبّالًا بضربةٍ قسمَته نصفين، ووجد ابنه مالكًا مقتولًا عند باب الصبّاغين، ثم طلب الأمان، وأُعدّت له مراكب فاجتاز إلى طنجة، ومنها إلى أغمات. ولقيه بطنجة الشاعر الحصري الذي كان ألّف له كتاب «المستحسن من الأشعار»، فأمره أن يرفع البساط ويأخذ ما تحته من مالٍ قائلًا: «فوالله ما أملك غيره».

بأغمات: طلب المعتمد من حوّاء بنت تاشفين خباءً عارية فاعتذرت، فقال في ذلك أبياتًا. ثم ثار ابنه عبد الجبار: أُخذ بمالقة رجلٌ يُعرف بابن خلف فسُجن مع أصحابٍ له، فنقبوا السجن وقصدوا حصن منت ميور ليلًا وأخرجوا قائدها ولم يضرّوه؛ فطلع عليهم عبد الجبار بن المعتمد فولّوه أنفسهم (وظنّ الناس أنه الراضي). ثم انكسر مركبٌ يُعرف بمركب ابن الزرقاء بمرسى الشجرة قريبًا من الحصن فأخذوا بنوده وطبوله وطعامه فاتّسعت حالهم، ثم خاطبه أهل الجزيرة وأهل أركش فدخلها سنة ٤٤٨ [كذا في الأصل]. فلمّا بلغ الخبر ابن تاشفين أمر بتثقيف المعتمد في الحديد. وحاصر الأمير سير بن أبي بكر عبدَ الجبار حتى رماه أحد الرماة بسهم فقتله، فدُفن إلى جانب سريره، وسقط أهله ومَن معه بالجوع. وبقي المعتمد مأسورًا بأغمات إلى سنة ٤٨٦، ثم فُكّت قيوده، وتوفي سنة ٤٨٨. ونودي في جنازته: «الصلاة على الغريب» بعد اتساع ملكه وحكمه على إشبيلية وقرطبة والزهراء. وقام على قبره يوم عيد شاعرُه أبو بحر ابن عبد الصمد فأنشد قصيدته «ملكَ الملوكِ أسامعٌ فأنادي»، فبكى الناس وأقاموا أكثر نهارهم مطيفين بالقبر. وزار لسان الدين ابن الخطيب قبره بأغمات وأنشد عليه. وذكر المقّري أنه هو نفسه زار قبر المعتمد والرُّميكية حين كان بمراكش عام ألف وعشرة، وقد خفي عليه موضعه حتى دلّه عليه شيخ طاعن في السنّ.

أبناؤه: المأمون (قتلته لمتونة بقرطبة)، والرشيد عبيد الله، والراضي أبو خالد يزيد — ولّاه أبوه الجزيرة الخضراء وضمّ إليها رندة، وحُوصر برندة، ثم نزل على عهدٍ وموثق فغُدر به وقُتل — والمعتدّ، والمؤتمن. ورثاهما المعتمد بقصيدة. وأوردَ الفتحُ مخاطباتٍ شعرية بين المعتمد والراضي: عاتبه المعتمد على تقاعسه عن الخروج لقتال العدوّ عند لورقة وتظاهره بالمرض، وسخر منه بأنّ «الملك في طيّ الدفاتر»، فأجابه الراضي معتذرًا ومقرًّا بأنّ الملك «بين الأسنّة والبواتر»، وذكّره بضبطه الجزيرة حين نزلت بها العساكر، فقرّبه وصفح عنه.

مجالس المعتمد وشعراؤه: قتل وزيره ابن عمّار بالطبرزين ففلق رأسه بسبب لاميّته التي عرّض فيها بالرُّميكية. ومن شعرائه: ابن اللبّانة (أبو بكر الداني) — ومن كتبه «السلوك في وعظ الملوك» / «نظم السلوك في مواعظ الملوك» — قدم ميورقة آخر شعبان سنة ٤٨٩ ومدح ملكها مبشّر بن سليمان؛ وابن حمديس الصقلي (عبد الجبار)، وقد استُدعي فأجاز مقطوعةً في كِير الزجاج فأُجيز وأُلزم الخدمة؛ وابن وهبون المرسي (عبد الجليل)، وله وصف فيل من الفضة كان في قصر المعتمد على شاطئ بركةٍ يقذف الماء؛ وأبو العرب الصقلي، أُهدي له تمثال جمل من عنبر (وقيل من بلور بعينَي ياقوت محلّى بالدرّ) بيع بـخمسمائة مثقال؛ وابن جاخ الذي جعله المعتضد رئيسًا للشعراء بعد أن استخفّ به الشعراء؛ والوزير ابن الملح الذي وصف الشمعتين وأنبوب الفيل.

وناقش المعتمد جلساءه في بيت المتنبي «أزورهم وسواد الليل يشفع لي»، فزعم أنّ فيه نقدًا خفيًّا: أنّ الليل لا يطابقه إلا النهار لأنّ الليل كلّي والصبح جزئي؛ وردّ الصفدي ذلك ورجّح صواب المتنبي، ووافقه البدر البشتكي جزئيًّا في أنّ النقد على المطابقة لا على المعنى.

ابن زيدون عند بني عبّاد: لمّا مات المعتضد واستقلّ المعتمد بالملك رثى ذو الوزارتين ابن زيدون المعتضدَ ومدح المعتمد بقصيدة طويلة؛ وله قصيدة يشوّق المعتمد إلى قصوره ببلاده ومنها قصرا المبارك والثريّا؛ وتراسلا بالألغاز المعمّاة (لغز أسماء الطيور) ففكّه المعتمد وجاوبه نظمًا.

تراجم منقولة عن «المطمح» للفتح

  • أبو جعفر ابن البنّي: أديب شاعر، رماه الفتح بالمجون وقلّة الدين؛ نفاه ناصر الدولة من ميورقة، فأقلع إلى المشرق، فلمّا صار على ثلاثة مجارٍ من ميورقة ردّته الريح، فأراد ناصر الدولة قتله ثم صفح عنه.
  • أبو الحسن ابن لبال: شاعر مدّاح، استنجد الأمير أبا إسحاق ابن أمير المسلمين، وأثمرت قطعتُه إنجاز الموعود لجملة الشعراء؛ وله شعر في القائد أبي عمرو عثمان بن يحيى بن إبراهيم والي ثغر الأشبونة.
  • أبو بكر عبد المعطي: من بيت شعرٍ ونباهة، كان مرتسمًا في عسكر قرطبة، وخرج إلى إقليش، وودّعه أبو الحسين ابن سراج بفحص سرادق؛ واجتمع بأدباء قرطبة بربض الزجّالي، وحضر مجلسًا في دار ابن الأعلم فيه أبناء القبطرنة آل إلى تجريد سيف فسُكّن.
  • أبو بكر يحيى بن بقي القرطبي: صاحب الموشّحات البديعة، مدح يحيى بن علي بن القاسم الذي انتشله من الفاقة، وذكره العماد في «الخريدة».

وأورد المقّري عرَضًا شعرًا لأبي عبد الله الحوضي التلمساني في مدح سلطان تلمسان أبي عبد الله الزيّاني، وجواب القاضي أبي الفضل قاسم العقباني التلمساني عن سؤال منظوم.

التتمة (ج): تتمة أخبار المعتمد ونساء الأندلس، ثم الباب الثامن في تغلّب النصارى على الجزيرة

تتمة أخبار المعتمد بن عبّاد والرميكية

عاد المقّري إلى ترجمة اعتماد الرميكية، جارية المعتمد بن عبّاد وأمّ أولاده النجباء (منهم الرشيد). نقل عن ابن سعيد أنها لم تكن تعرف الغناء، وإنما اشتهرت بالجمال وحلاوة النادرة، وأن ولّادة بنت المستكفي بالله محمد بن عبد الرحمن أمير قرطبة كانت أبدع منها ملحًا وأجلّ منصبًا، وأن أخبار ابن زيدون معها مشهورة. وأورد قصة «ولا يوم الطين»: اشتهت الرميكية المشي في الطين، فأمر المعتمد فسُحقت أطياب وذُرّت في ساحة القصر ونُصبت الغرابيل وصُبّ عليها ماء الورد حتى صارت كالطين فخاضتها مع جواريها؛ ثم عيّرها المعتمد بذلك حين أقسمت أنها لم ترَ منه خيرًا قط.

ونقل عن الفتح بن خاقان في «القلائد» أخبار المعتمد بعد نكبته: نُقل من بلاده وحُمل في السفين إلى العدوة، وأنه رثى في أول عيد أدركه بأغمات بناته اللاتي رآهنّ في الأطمار حافيات يغزلن للناس. وأورد الحجاري في «المسهب» أن يوسف بن تاشفين أهدى إلى المعتمد جارية مغنّية من العدوة، فغنّت بأبيات فهم منها تعريضًا بساداتها، فرماها في نهر إشبيلية فهلكت — وعدّ المقّري ذلك إرهاصًا بزوال ملكه على أيدي الملثّمين. ووصف الفتح حصار المعتمد ودخول المرابطين عليه، وأنه خرج بنفسه حاسرًا من درعه فقتل اثنين من الداخلين. ومن مواضع أنسه: القصر الزاهي على النهر، ودار المزينية، والبحيرة الكبرى. وذكر أنه وصل الشاعر أبا الحسن بن اليسع بخمسمائة دينار وولّاه لَوْرَقة. ونقل عن ابن الأبار في «الحلّة السيراء» أن الله جعل لأخباره رقّة في القلوب، وأن خبره وخبر الرميكية متداولان بالمغرب إلى عصر المقّري.

نساء الأندلس (تتمة تراجم)

  • العَبّادية: جارية المعتضد عبّاد والد المعتمد، أهداها إليه مجاهد العامري صاحب دانية؛ كاتبة شاعرة عالمة باللغة، أغربت على علماء إشبيلية بمعرفة «المُوسِعة» و«النُّونة» و«الفَحصة».
  • بُثينة بنت المعتمد وأمّها الرميكية: سُبيت حين أُحيط بأبيها ونُهب قصره، فاشتراها تاجر من أهل إشبيلية على أنها جارية سرّيّة ووهبها لابنه؛ فامتنعت وأظهرت نسبها واشترطت عقد النكاح برضا أبيها، وكتبت إليه بأغمات شعرًا تخبره بحالها، فأشهد على نفسه بعقد نكاحها من الفتى المذكور.
  • حفصة بنت حمدون من وادي الحجارة، من أهل المائة الرابعة؛ قال ابن الأبار: أديبة عالمة شاعرة، وذكرها ابن فرج صاحب «الحدائق».
  • زينب المُرِيّة، وغاية المُنى جارية أندلسية متأدّبة قدمت على المعتصم بن صُمادح فامتُحنت بالإجازة (وفي رواية ابن الأبار عن ابن حبيش أن الذي امتحنها الأستاذ الكفيف ابن الفرّاء الخطيب، ثم اشتراها ابن صمادح).
  • حمدة (حمدونة) بنت زياد المؤدِّب من وادي آش، «خنساء المغرب»؛ أختها زينب؛ روى عنها أبو القاسم ابن البرّاق. نُوزع في نسبة أبياتها: قيل هي لمهجة الغرناطية، وقيل الأبيات «وقانا لفحة الرمضاء وادٍ» للمنازي المشرقي؛ ونصر الرُّعيني نسبتها إلى حمدة محتجًّا بأن مؤرّخي الأندلس أثبتوها لها قبل وجود المنازي، ونقل ابن العديم في «تاريخ حلب» خبر عرض المنازي الأبيات على أبي العلاء المعرّي. وذكر ابن سعيد أن نساء غرناطة المشهورات بالحسب يُقال لهنّ «العربيات» لمحافظتهنّ على المعاني العربية.
  • عائشة بنت أحمد القرطبية: قال ابن حيّان في «المقتبس» لم يكن في زمانها من حرائر الأندلس من يعدلها علمًا وأدبًا وفصاحة؛ كانت تمدح ملوك الأندلس، وحسنة الخط تكتب المصاحف، وماتت عذراء سنة ٤٠٠هـ. ودخلت على المظفّر ابن المنصور بن أبي عامر فارتجلت تهنئه بولده.
  • مريم بنت أبي يعقوب الأنصاري: أصلها من شِلْب وسكنت إشبيلية، كانت تعلّم النساء الأدب، وعمّرت طويلًا (بلغت سبعًا وسبعين سنة)، واشتهرت بعد الأربعمائة؛ ذكرها ابن دحية في «المطرب» (ونبّه المحقّق إلى وهم المقّري، فترجمتها في «الصلة»)، وراسلت المهدي حين بعث إليها بدنانير.
  • أسماء العامرية من إشبيلية: كتبت إلى عبد المؤمن بن علي تنتسب إلى بني عامر وتسأله رفع «الإنزال» عن دارها والاعتقال عن مالها.
  • أمّ الهناء بنت القاضي أبي محمد عبد الحق بن عطية: سمعت من أبيها، ولها تأليف في القبور؛ ولي أبوها قضاء المرية.
  • مهجة القرطبية صاحبة ولّادة ولازمت تأديبها، ثم وقع بينهما ما اقتضى هجاءها.
  • هند جارية أبي محمد عبد الله بن مسلمة الشاطبي، أديبة شاعرة عوّادة، راسلها أبو عامر ابن يَنَّق.
  • الشِّلبية (لم يقف ابن الأبار على اسمها): كتبت إلى السلطان يعقوب المنصور تتظلّم من ولاة شِلْب وصاحب خراجها، وأُلقيت رقعتها يوم الجمعة على مصلّاه، فبحث عن القصة ووقف على حقيقتها وأمر لها بصلة.
  • زوجة قاضي لوشة: فاقت العلماء في معرفة الأحكام والنوازل، وكان زوجها يستشيرها في نوازل مجلس القضاء؛ وحُكيت المداعبة في ذلك عن لسان الدين بن الخطيب.
  • نَزهون الغرناطية (بنت القُلَيعي): من أهل المائة الخامسة، ذكرها الحجاري في «المسهب»؛ راسلها الوزير أبو بكر بن سعيد، وهاجاها المخزومي الأعمى وكانت تقرأ عليه.

ابن قُزمان: ذكر ابن سعيد وصوله إلى غرناطة واجتماعه بنزهون بقرية الزاوية خارجها، وأنه كان يلبس غفارة صفراء على زيّ الفقهاء، وأنهم دفعوه في البِركة فخرج مبلولًا؛ فأُمر بتجريد ثيابه وخُلع عليه، ولم ينتقل عن غرناطة إلا بعد إحسان جزيل. وحُكيت عنه (أو عن غيره) نادرة الحَوَل مع الماجنة التي أرَتْه الصائغ بسوق الصاغة بإشبيلية طالبةً صورة الشيطان فصًّا لخاتمها.

مقطّعات وأخبار متفرقة

سرد المقّري بعد ذلك مقطّعات لجملة من شعراء الأندلس وأدبائها ذكرًا لا لواقعة: ابن الزقّاق، وابن خفاجة، وابن صارة الشنتريني، وأبي القاسم ابن العطّار، وابن خاتمة، وابن جُزَيّ، والسلطان أبي الحجاج النصري (ارتجل بظاهر جبل الفتح سنة ٨١٥هـ [كذا في الأصل])، وابن عبدون، وابن المناصف قاضي بلنسية ومرسية، والوزير ابن عمّار، وأبي الوليد الوقشي قاضي طليطلة، وابن الصفّار من بيت القضاء والعلم بقرطبة، وحسّان المصيصي كاتب ابن عبّاد.

ومن الأخبار العلمية: ذكر ابن خليل السكوني في فهرسته أنه شاهد بجامع العَدَبَّس بإشبيلية رَبْعة مصحف في أسفار بخطّ يقارب الكوفي، وأخبره الأستاذ أبو الحسن ابن الطفيل بن عظيمة أنه خطّ ابن مُقْلة، ثم قاسوا حروفه بالضابط فوجدوا الألفات على قدر واحد وكذا اللامات والكافات والواوات. وذكر المقّري أنه رأى بالمدينة المنوّرة مصحفًا بخطّ ياقوت المستعصمي من الأوقاف الرستمية.

باب الحِكَم والمواعظ — أعلام وتراجم

في هذا الباب أورد المقّري قطعًا زهدية لجماعة، وأفاد فيها بتراجم موجزة:

  • ابن الأبّار القضاعي البلنسي (محمد بن عبد الله، الكاتب الشهيد): مولده آخر ربيع ٥٩٥هـ ببلنسية، وتوفي بتونس ضحوة الثلاثاء لعشرين خلون من محرم ٦٥٨هـ. نقل الغبريني في «عنوان الدراية» أن قصيدته السينية التي رفعها إلى الأمير أبي زكريا الحفصي يستنجده لنصرة الأندلس تكفيه، وأن من تآليفه «معادن اللُّجين في مراثي الحسين».
  • أبو إسحاق الإلبيري الزاهد الغرناطي: لما استوزر باديس صاحب غرناطة اليهودي المعروف بابن نَغْدَلة (النغريلة)، نظم قصيدته النونية المشهورة يُغري صنهاجة باليهود، فثارت صنهاجة عليهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وفيهم الوزير المذكور. ونبّه المقّري إلى أن عادة أهل الأندلس أن الوزير هو الكاتب.
  • ابن حَطّوط الله (أبو محمد عبد الله بن سليمان الأنصاري الحارثي): فقيه أصولي، درس «كتاب سيبويه» و«مستصفى» الغزالي، وسمع على ابن بشكوال وأكثر عن ابن حبيش وابن الفخّار والسهيلي، وقرأ أكثر من ستين تأليفًا منها الصحيحان؛ ولي قضاء إشبيلية وقرطبة ومرسية وسبتة وسلا وميورقة؛ مولده محرم ٥٤١هـ، ومات بغرناطة ثاني ربيع الأول ٦١٢هـ، ونُقل في تابوته إلى مالقة فدُفن بها (عن «الإحاطة»).
  • ابن الغمّاز البلنسي (أبو العباس أحمد) نزيل تونس/إفريقية: أنشد لنفسه في اليوم الذي مات فيه، ليلة عاشوراء ٦٩٣هـ.
  • ابن الحاج البكري الغرناطي (أبو عبد الله): توفي ٧١٥هـ، وروى عنه الكاتب الرئيس أبو الحسن ابن الجيّاب.
  • ابن صَقْر الغرناطي (أحمد بن عبد الرحمن الأنصاري): أصله من سرقسطة، وُلد بالمرية ٤٩٢هـ وتوفي بمراكش ٥٦٩هـ.
  • ابن الصائغ القرشي الأموي (محمد بن عبد الله): توفي بالقاهرة في الطاعون العام سنة ٧٤٩هـ.
  • مالك بن جبير: توفي بأُرْيولة ٥٦١هـ.
  • سلام بن عبد الله الباهلي الإشبيلي: صاحب كتاب «الذخائر والأعلاق في أدب النفوس ومكارم الأخلاق»، وله خطب ومقامات سبع، توفي بشِلْب ٥٤٤هـ؛ وكان أبوه من وزراء المعتمد بن عبّاد.
  • الحميدي صاحب «الجمع بين الصحيحين»: انتصر لأصحاب الحديث بقصيدة ردّ بها على من طعن فيهم وفي ابن معين.
  • عبد المنعم بن عمر الغسّاني من جليّانة (من عمل وادي آش): رحل وحجّ ونزل القاهرة المعزّية، وكان من السيّاحين؛ له «جامع أنماط الوسائل في القريض والخطب والرسائل».
  • ابن حبيش (محمد بن الحسن بن يوسف اللخمي): لقيه ابن رشيد بتونس مريضًا من وثء في رجله، وجمع له أبو العباس الأشعري فهرسة، فكتب في صدرها يتبرّأ من أهلية الإجازة.
  • الخطيب ابن صالح الكناني الشاطبي نزيل بجاية، مولده ٦١٤هـ؛ وابن العريف دفين مراكش (زار المقّري قبره سنة ١٠١٠هـ)؛ وابن مغاور الذي أمر أن تُكتب أبياته على قبره؛ وابن مجبر الفهري، والأعمى التطيلي، والزبيدي اللغوي، وابن هرون القرطبي، وابن خميس الجزائري، وابن الطراوة النحوي المالقي، وأبي الربيع الكلاعي حافظ الأندلس ومحدّثها.

وخُتم الباب بذكر أن نسخة «م» تنتهي عند هذا الموضع.

الباب الثامن: تغلّب العدو على الجزيرة

ظهور بلاي (Pelayo) وخلفائه

أول من جمع فَلّ النصارى بالأندلس علج من أهل أشتوريش (Asturias) يقال له بلاي، كان رهينة، فهرب من قرطبة أيام الحُرّ بن عبد الرحمن الثقفي ثاني أمراء العرب بالأندلس، في السنة السادسة من الفتح، سنة ٩٨هـ؛ فثار النصارى معه على نائب الحرّ فطردوه وملكوا البلاد. وبلغ عدد من ملك منهم إلى آخر أيام الناصر لدين الله اثنين وعشرين ملكًا.

وقال عيسى بن أحمد الرازي: كان ذلك في أيام عنبسة بن سُحيم الكلبي؛ وكان المسلمون قد بلغوا أُريولة من أرض الفرنجة وافتتحوا بلبونة من جليقية، ولم يبقَ إلا الصخرة (Covadonga) لاذ بها بلاي في ثلاثمائة رجل، فقاتلهم المسلمون حتى مات أصحابه جوعًا وبقي في ثلاثين رجلًا وعشر نسوة لا طعام لهم إلا العسل يشتارونه من خروق الصخرة، فاحتقرهم المسلمون وقالوا: «ثلاثون علجًا ما عسى أن يجيء منهم». هلك بلاي سنة ١٣٣هـ بعد ملك تسع عشرة سنة، وملك ابنه فافلة (Fafila) سنتين، ثم ملك أذفونش بن بيطر (Alfonso b. Pedro) جدّ بني أذفونش، وكان قد تزوّج ابنة بلاي (أرمنسندا).

ونقل عن المسعودي (بعد ذكر غزوة سَمُّورة أيام الناصر) أن أربونة (Narbonne) خرجت عن أيدي المسلمين سنة ٣٣٠هـ مع غيرها من المدن والحصون، وأن ثغر المسلمين في سنة ٣٣٦هـ صار طرطوشة، ثم لاردة (Lérida) شمالًا على بحر الروم.

الاستيلاء على طليطلة

أول ما استُرد من مدن الأندلس العظيمة طليطلة (Toledo) من يد القادر بالله بن المأمون يحيى بن ذي النون، سنة ٤٧٥هـ في رواية، وفي أخرى: أخذها الأذفونش بعد حصار سبع سنين في منتصف محرم ٤٧٨هـ. وقال ابن خلّكان: أُخذت يوم الثلاثاء مستهلّ صفر ٤٧٨هـ. وقال ابن غلقمة: يوم الأربعاء لعشر خلون من محرم ٤٧٨هـ، وكانت وقعة الزلّاقة في السنة التي بعدها. وقال عبد الله بن فرج اليحصبي (ابن العسّال) في ذلك أبياته المشهورة «يا أهل أندلس حثّوا مطيّكم» يصف انسلال ثوب الجزيرة من الوسط.

وصف طليطلة: مدينة حصينة قديمة من بناء العمالقة، على ضفة النهر الكبير، لها قصبة حصينة، وقنطرة واحدة عجيبة البنيان على قوس واحد، ومع آخر النهر ناعورة ارتفاعها في الجو تسعون ذراعًا تصعد الماء إلى أعلى القنطرة فيجري على ظهرها ويدخل المدينة؛ وهي دار مملكة الروم، وبها كان البيت المغلق الذي فتحه لذريق. وحكى ابن بدرون في شرح العبدونية أن المأمون بن ذي النون بنى بطليطلة قصرًا أنفق فيه مالًا كثيرًا، وصنع فيه بحيرة وبنى في وسطها قبة، وسِيق الماء إلى رأس القبة بتدبير المهندسين فكان ينزل من أعلاها محيطًا بها، والمأمون قاعد فيها لا يمسّه الماء.

وقعة الزلّاقة (٤٧٩هـ)

نقل المقّري خبرها عن «الروض المعطار» للحميري وابن الأثير وابن خلّكان:

التمهيد: لما ملك يوسف بن تاشفين اللمتوني المغرب، وبنى مدينتي تلمسان ومراكش الجديدة، وأطاعته البربر، تاقت نفسه إلى العبور إلى الأندلس وأخذ في إنشاء المراكب؛ فكاتبه ملوك الطوائف يستعفونه، وكان مفزعهم في ذلك إلى المعتمد بن عبّاد لأنه أشجعهم وأكبرهم مملكة. وكان يوسف لا يعرف اللسان العربي، وله كاتب يعرف اللغتين العربية والمرابطية، فترجم له الكتاب وأجابهم بالإبقاء على ما في أيديهم من الملك.

سبب الحرب: كان المعتمد يؤدّي الضريبة إلى الأذفونش (Alfonso VI) كل سنة، فلما ملك الأذفونش طليطلة قوي شأنه، ولم يقبل الضريبة، وطلب تسليم الحصون المنيعة وإبقاء السهل للمسلمين. وذكر ابن الأثير أن رسول الأذفونش جاء في نحو خمسمائة فارس، ففرّقهم المعتمد على قوّاده وأمر بقتلهم، وصفع الرسول حتى خرجت عيناه، ولم يسلم إلا ثلاثة نفر. وذكر الحميري رواية أخرى: أن الأذفونش طلب أن تدخل امرأته الحامل (القمجيطة) جامع قرطبة لتلد فيه لمكان كنيسة معظّمة عندهم في الجانب الغربي منه بُني عليها الجامع، وأن تنزل بـمدينة الزهراء غربي قرطبة؛ وكان سفيره في ذلك يهوديًّا وزيرًا له، فأغلظ في القول، فضربه ابن عبّاد بمحبرة كانت بين يديه فأنزل دماغه في حلقه، وأمر به فصُلب منكوسًا بقرطبة، ثم استفتى الفقهاء، فبادر الفقيه محمد بن الطلّاع بالرخصة في ذلك لتعدّي الرسول حدود الرسالة، وقال: إنما بادرت بالفتوى خوفًا أن يتكاسل الرجل عمّا عزم عليه من منابذة العدو.

واستطرد المقّري هنا إلى الزهراء: أنشأها الناصر لدين الله وأغرب في حسنها، وجلب إليها الرخام الملوّن والمرمر الصافي والحوض المشهور، وكان يثيب على السارية بكذا وكذا غير الثمن وأجرة الحمل، وأنفق فيها الأموال العظيمة وباشر الصنّاع بنفسه حتى تخلّف عن حضور الجمعة ثلاث مرات متواليات، فعرّض به الخطيب الفقيه الزاهد منذر بن سعيد البلوطي ووبّخه على رؤوس الملأ.

ثم زحف الأذفونش بجيشين إلى إشبيلية، فعاث أحدهما على كورة باجة ولبلة، واجتمعا بضفة النهر الأعظم قبالة قصر ابن عبّاد؛ وكتب إلى ابن عبّاد يطلب منه مروحة يطرد بها الذباب، فوقّع له ابن عبّاد بخط يده: «سأنظر لك في مراوح من الجلود اللمطية تروح منك لا تروح عليك». ولمّا عذله ملوك الطوائف على استدعاء ابن تاشفين قال كلمته السائرة: «رعي الجمال خير من رعي الخنازير»، وقال: إن استندت إلى ابن تاشفين أرضيت الله، وإن استندت إلى الأذفونش أسخطته.

السفارة: أرسل المعتمد إلى يوسف وفدًا يضمّ قاضي الجماعة بقرطبة أبا بكر عبيد الله بن أدهم، وقاضيَي بطليوس وغرناطة (بعث بهما المتوكل عمر بن محمد بن الأفطس وعبد الله بن حبّوس/بلكّين الصنهاجي)، ووزيره أبا بكر ابن زيدون لإبرام العقود السلطانية. ووجّه ابن عبّاد أسطولًا من إشبيلية نحو صاحب سبتة. ثم عبر يوسف البحر إلى الجزيرة الخضراء ففُتحت له، وأمدّه أهلها بالأقوات وأقاموا له سوقًا.

المعركة: التقى يوسف والمعتمد منفردَين فتصافحا وتعانقا. واجتمعت الجيوش بـبطليوس (Badajoz)، وخرج إليها صاحبها المتوكل بن الأفطس بالضيافات. وقدّم يوسف كتابًا يدعو الأذفونش إلى إحدى الثلاث (الإسلام أو الجزية أو الحرب)؛ فأجابه الأذفونش بكتاب غليظ كتبه له بعض أدباء المسلمين، فأمر يوسف كاتبه أبا بكر ابن القصيرة أن يجيب، ثم استطال الجواب فأمر أن يُكتب في ظهر كتاب الأذفونش: «الذي يكون ستراه». وذكر ابن خلّكان أن يوسف أعبر الجِمال فأغصّت الجزيرة برغائها، ولم يكن أهل الجزيرة ولا خيلهم رأوا جملًا قط، فكانت خيل الفرنج تجمح منها.

خدع الأذفونش المسلمين فراسل المعتمد أن يكون اللقاء يوم السبت (بين الجمعة عيد المسلمين والأحد عيد النصارى)، وقصد الفتك يوم الجمعة، فتنبّه المعتمد وأعلم يوسف. وكانت الوقعة سحر يوم الجمعة، منتصف رجب (وفي كتاب المعتمد: الموفي عشرين من رجب) سنة ٤٧٩هـ. حمل الأذفونش على محلّة ابن عبّاد بمعظم جنده، فأُثخن المعتمد بالجراح: ضُربة فلقت هامته حتى وصلت إلى صدغه، وجُرحت يمنى يده، وطُعن في أحد جانبيه، وعُقرت تحته ثلاثة أفراس، وانكشف بعض أصحابه وفيهم ابنه عبد الله. ثم وافاه داود بن عائشة أحد قوّاد ابن تاشفين، ثم أقبل يوسف بطبوله، وأمر كتيبة بإحراق محلّة النصارى. وترجّل من حَشَم يوسف السودان زهاء أربعة آلاف بدَرَق اللَّمْط وسيوف الهند ومزاريق الران، فطعنوا الخيل؛ ولحق الأذفونش أسودُ نفدت مزاريقه فقبض على عنانه وانتضى خنجرًا فأثبته في فخذه فهتك حلق درعه ونفذ من فخذه، وبقي الأذفونش يخمع بها بقيّة عمره.

النتائج: انهزم النصارى ولجأ الأذفونش إلى تلّ في نحو خمسمائة فارس كلّهم مكلوم، ثم انساب ليلًا وأفلت. واستولى المسلمون على آلات محلّتهم وسلاحهم؛ وأمر ابن عبّاد بضمّ رؤوس القتلى فاجتمع منها تلّ عظيم، وعمل المسلمون من الرؤوس صوامع (مآذن) أذّنوا عليها. واستُشهد جماعة من الفضلاء منهم الفقيه الناسك أبو العباس أحمد بن رُميلة القرطبي (صاحب الرؤيا التي بُشّر فيها بالفتح والشهادة)، وقاضي مراكش أبو مروان عبد الملك المصمودي. وأقامت العساكر بالموضع أربعة أيام حتى جُمعت الغنائم، فعفّ يوسف عنها وآثر بها ملوك الأندلس، وقال إن مقصده الجهاد. وكتب المعتمد إلى ابنه بإشبيلية كتاب الفتح. ولما رجع الأذفونش إلى بلاده وفقد أبطاله لم يأكل ولم يشرب حتى هلك همًّا (كذا في مساق الروض)، ولم يخلّف إلا بنتًا واحدة جعل الأمر إليها فتحصّنت بطليطلة. وأقام يوسف بظاهر إشبيلية ثلاثة أيام ثم عاد إلى المغرب لأخبار وردت عليه.

خلع ملوك الطوائف

ترك يوسف الأمير سِير بن أبي بكر مع جيش برسم غزو الفرنج، فتوغّل في بلاد الأذفونش وفتح الحصون وأرسل ما حصّله إلى يوسف، وكتب يشكو أن الجيوش بالثغور في أضيق العيش وملوك الأندلس في أرغده؛ فأمره يوسف بحملهم على الرحيل إلى العدوة ومحاصرة من أبى، وأن يبدأ بمن والى الثغور ويؤخّر المعتمد. وذكر ابن خلدون أن علماء الأندلس أفتوا ابن تاشفين بجواز خلع المعتمد وغيره من ملوك الطوائف وقتالهم إن امتنعوا. فكان ترتيب الخلع:

  • بنو هود بحصن رُوطة (Rueda) — قلعة منيعة ماؤها ينبع من أعلاها وفيها من الأقوات ما لا تفنيه الأزمان؛ عجز عنها سير بالحصار، فجنّد أجنادًا على زيّ الفرنج فنزل إليهم أهل القلعة ومعهم صاحبها فقُبض عليه وسُلّم الحصن حيلةً.
  • بنو ضاهر بشرق الأندلس، أسلموا البلاد ولحقوا بالعدوة.
  • بنو صُمادح بالمرية: حوصروا حتى مات ابن صمادح غبنًا، وأُخذت القلعة والمرية وأعمالها.
  • بنو الأفطس ببطليوس: أُخذ المتوكل عمر بن محمد واستُولي على أعماله وماله.
  • المعتمد بن عبّاد: عُرضت عليه النقلة إلى العدوة فلم يجب بنفي ولا إثبات، فنازل سير إشبيلية وحاصره شهرًا، ودخل البلد قهرًا واستخرجه من قصره، فحُمل هو وجميع أهله وولده إلى العدوة فأُنزل بأغمات وأقام بها إلى أن مات.

كذلك دخل يوسف غرناطة بعد ناحية منها، فخرج إليه صاحبها عبد الله بن بُلُكّين فسلّم عليه ثم غدر به يوسف ودخل البلد وأخرجه، ووجد في قصره من الذخائر والأموال ما لا يُحصى.

رأي يوسف في ترف المعتمد: لما نزل يوسف بإشبيلية أمعن النظر فيها؛ وهي على نهر عظيم تجري فيه السفن بالبضائع جالبةً من المغرب وحاملةً إليه، وفي غربيّها رستاق عظيم مسيرة عشرين فرسخًا يشتمل على آلاف من الضياع كلها تين وعنب وزيتون، وهو المسمّى شَرَف إشبيلية، وتمتاز به بلاد المغرب. وأنكر يوسف إسراف المعتمد وقال: هذه الأموال الكثيرة لا بد أن يكون لها أرباب، ولا يمكن أخذ هذا القدر منهم على وجه العدل، فأخذُه بالظلم وإخراجه في هذه الترهات من أفحش الاستهتار. وأورد المقّري خبر رجل من رعية المعتمد أشار عليه بأن يقبض على يوسف ويعتقله في قصره حتى يأمر عساكره بالرجوع ويحلف ألّا يعود إلى الجزيرة، فاستصوب المعتمد الرأي، فردّه أحد ندمائه بقوله: «ضَيمٌ مع وفاء خير من حزم مع جفاء»، واتصل الخبر بيوسف فأصبح غاديًا. ونقل عن ابن القطّاع في «لمح المُلح» وابن بسّام في «الذخيرة» ثناءهما على المعتمد وأنه كانت حضرته موسم الشعراء.

دولة الموحّدين

مات يوسف بن تاشفين سنة ٥٠٠هـ، فقام ابنه علي بن يوسف، ثم ثار محمد بن تومرت الملقّب بالمهدي مؤسِّس دولة الموحّدين، فلم يملك مراكش لكنه ملك بلادًا كثيرة، واستخلف عبد المؤمن بن علي الذي استولى على مملكة اللمتونيين، وجاز إلى الأندلس، وأخرج الإفرنج من مهدية إفريقية، وتسمّى بأمير المسلمين.

  • سنة ٥٤٥هـ: سار الأذفونش صاحب طليطلة وبلاد الجلالقة إلى قرطبة في أربعين ألف فارس فحاصرها وأهلها في غلاء شديد، فجهّز عبد المؤمن جيشًا في اثني عشر ألف فارس بقيادة يحيى بن ميمون، فرحل الأذفونش عنها؛ وكان بقرطبة القائد أبو الغمر السائب فسلّمها.
  • السنة التالية: دخل جيش عبد المؤمن الأندلس في عشرين ألفًا عليهم الهِنتاتي، فدخل صاحب غرناطة ميمون وابن همشك في طاعة الموحّدين، وقصدوا ابن مَرْدَنيش ملك شرق الأندلس، فاستنجد بصاحب برشلونة فتجهّز إليه في عشرة آلاف من الإفرنج، فرجع جيش الموحدين، ونازل المرية وهي بأيدي الروم ثم رجع لاشتداد الغلاء. ثم سار عبد المؤمن إلى المهدية فملكها وملك إفريقية (ذكر المقّري سنة ٥٧٤، ونبّه المحقق إلى أن «المعجب» جعلها ٥٤٣).
  • يوسف بن عبد المؤمن: دخل الأندلس سنة ٥٦٦هـ ومعه مائة ألف فارس من الموحّدين والعرب، فنزل بإشبيلية؛ فمرض ابن مردنيش ومات (وقيل سُمّ)، فدخل أولاده وأهله في طاعته فصاهرهم. ثم صارت سراياه تغير إلى باب طليطلة. وجاز إلى الأندلس سنة ٥٨٠هـ وحاصر مدينة شترين (Santarém) شهرًا، فمرض ومات في السنة نفسها (وقيل أصابه سهم)، وحُمل في تابوت إلى إشبيلية.
  • يعقوب المنصور: أظهر أبّهة ملك الموحّدين ورفع راية الجهاد وأقام الحدود. سنة ٥٨٦هـ بلغه أن الإفرنج ملكوا شِلْب (Silves) فتوجّه إليها وأخذها، وفتح جيشه أربع مدن كانت بأيدي الإفرنج، وهادن صاحب طليطلة خمس سنين. ولما انقضت الهدنة عاث الإفرنج، فجاز سنة ٥٩١هـ، وكان المصاف شمالي قرطبة قرب قلعة رباح (Calatrava) يوم الخميس تاسع شعبان ٥٩١هـ، وهي وقعة الأرك (Alarcos): جعل المنصور تحت الأعلام السلطانية الشيخَ أبا يحيى بن أبي حفص (عمّ السلطان أبي زكريا الحفصي)، فقصد الإفرنج الأعلام ظنًّا أن السلطان تحتها، ثم أشرف عليهم يعقوب فهزمهم وهرب الأذفونش في طائفة يسيرة. وحصل لبيت المال من دروع الإفرنج ستون ألفًا، ولم يُحصَ عدد الدوابّ؛ ولم يُسمع بعد الزلّاقة بمثلها. ثم أخذ قلعة رباح، وحاصر طليطلة وقطع أشجارها وأخذ من أعمالها حصونًا. وعاد سنة ٥٩٣هـ إلى بلاد الفرنج، فطلبوا الصلح فأجابهم لما بلغه من ثورة الميُورقي بإفريقية مع قراقوش. وتوفي سنة ٥٩٥هـ؛ وأبطل المقّري (نقلًا عن الشريف الغرناطي) ما يُقال إنه تخلّى عن الملك وساح ودُفن بالبقاع، وعدّه من هذيان العامة، وإن حكى ابن خلّكان بعضه.
  • محمد الناصر ووقعة العِقاب: جمع جمعًا اشتمل — فيما حكى صاحب «الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية» — على ستمائة ألف مقاتل، فكانت عليه وقعة العِقاب (Las Navas de Tolosa) سنة ٦٠٩هـ، ولم ينجُ من الستمائة ألف غير عدد يسير لم يبلغ الألف فيما قيل. وعلّل المقّري الهزيمة بسوء التدبير: استخفّ الناصر ووزيره برجال الأندلس العارفين بقتال الإفرنج فشنق بعضهم فسدت النيّات. وسمّاها «الطامّة» على الأندلس والمغرب جميعًا، ولم تقم للمسلمين بعدها قائمة.
  • نهاية الموحّدين: مات الناصر ٦٢٠هـ، فولي ابنه يوسف المستنصر وكان مولعًا بالراحة فضعفت الدولة، وتوفي ٦٢٠هـ [كذا في الأصل]. ثم عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن فلم يحسن التدبير، فخُلع وخُنق بمراكش. وثار العادل بن المنصور بالأندلس، فانهزم أمام الإفرنج هزيمة شنعاء، وترك بإشبيلية أخاه أبا العَلاء إدريس، ثم قُبض عليه بمراكش. وقُدّم يحيى بن الناصر صغير السن، فادّعى أبو العلاء إدريس الخلافة بإشبيلية وبايعه أهل الأندلس ثم أهل مراكش. وثار عليه بالأندلس الأمير المتوكل محمد بن يوسف الجذامي (ابن هود) ودعا إلى بني العبّاس فمال الناس إليه، فخرج أبو العلاء عن الأندلس وترك ما وراء البحر لابن هود، وصفا له المغرب، ومات ٦٣٠هـ. ثم الرشيد٦٤٠هـ)، ثم أخوه السعيد (قُتل على حصن بينه وبين تلمسان ٦٤٦هـ)، ثم المرتضى عمر بن إبراهيم، ودخل عليه الواثق المعروف بأبي دبّوس سنة ٦٦٥هـ فقُبض المرتضى وقُتل، ثم قتل بنو مرين الواثقَ سنة ٦٦٨هـ، وبه انقرضت دولة بني عبد المؤمن، فاستولى بنو مرين على المغرب.

ابن هود وابن الأحمر

ملك المتوكل بن هود معظم الأندلس، ثم كثرت عليه الخوارج، وقتله غدرًا وزيره ابن الرُّمَيْمي بالمرية، فاغتنم الإفرنج افتراق الكلمة واستولوا على كثير مما بقي. ثم آل الأمر إلى بني الأحمر، وخطب بعض أهل الأندلس لأبي زكريا الحفصي صاحب إفريقية.

الدولة المرينية

استفحل ملك يعقوب بن عبد الحق صاحب المغرب وحضرة فاس، فجاز إلى الأندلس وهزم الإفرنج، وفتك بملك من النصارى يقال له «ذوننه»، وقيل قتل من جيشه أربعين ألفًا؛ وكان له من بلاد الأندلس رندة والجزيرة الخضراء وطريف وجبل طارق. وخلفه ابنه يوسف بن يعقوب ففرّ إليه الأذفونش ملك النصارى لائذًا وقبّل يده ورهن عنده تاجه فأعانه على استرجاع ملكه. ولم يزل ملوك بني مرين يعينون أهل الأندلس بالمال والرجال، وتركوا بالأندلس حصة من أقاربهم غزاةً عليهم رئيس من بيت الملك يسمّونه شيخ الغزاة مقيمًا عند ابن الأحمر بغرناطة.

السلطان أبو الحسن المريني: أمر بإنشاء الأساطيل الكثيرة برسم الجهاد بالأندلس، فاستولى الإفرنج على كثير من تلك المراكب بعد أخذهم الجزيرة الخضراء، وقد منعوه العبور من سبتة. وأفصح عن ذلك كتابه إلى السلطان الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر والشام، وكُتب من فاس يوم الخميس ٢٦ صفر ٧٤٥هـ، ووصل مصر في النصف من شعبان ٧٤٥هـ. ومما تضمّنه من الوقائع (دون نصّه المسجوع):

  • التعزية في وفاة الملك الناصر محمد بن قلاوون والتهنئة بولاية ابنه.
  • استصراخ أهل الأندلس وسلطانها، وإجماع النصارى على خراب أوطانها.
  • سدّ العدو مجاز العبور بأجفانه، ومحاولة إمداد الأندلس على الخطر، حتى تلف من أساطيله سبع وستون قطعة غزوية.
  • بعث أحد أولاده إلى العدوة.
  • حصار الجزيرة الخضراء: ثلاثة أعوام ونصف في البحر، ونحو عامين في البر، حتى فنيت الأقوات ولم يبقَ لأهلها قوت نصف شهر، وبها من الخلق ما يربي على عشرة آلاف دون الحرم والولد؛ فكتب سلطان الأندلس يستأذن في الصلح، فأُذن له، فتمّ الصلح إلى عشر سنين، وخرج من بها من الفرسان والأهل ولم يُرزأوا مالًا ولا عدّة، ووصلوا إلى أبي الحسن فأجزل لهم العطاء (خيل تزيد على الألف عتاقها، وخلع تربي على عشرة آلاف).
  • فتح جبل طارق (جبل الفتح) من أيدي الكفر في مقابل ضياع الجزيرة، والإنفاق على بنائه وتحصينه.
  • شأن المصحفين الموقوفين على الحرمين وتفقّد أوقافهما، وقد بعث بذلك كاتبه أبا المجد ابن أبي مدين.

الجواب من إنشاء خليل الصفدي شارح لامية العجم، في سادس رمضان ٧٤٥هـ، بقلم الثلث في قطع النصف؛ تضمّن التعزية والتهنئة، وإقرار الأوقاف، والاعتذار عن العجز عن نجدة المغرب لبُعد الشقّة، وتيسير سبيل الحجّاج المغاربة. وقرأ الصفدي الكتابين وأجاز روايتهما في مجلس واحد بالجامع الأموي بدمشق في ذي القعدة ٧٥٦هـ للشيخ عز الدين أبي يعلى حمزة وللقاضي قطب الدين موسى بن أحمد ابن شيخ السلامية.

مصاحف أبي الحسن وهداياه: كتب بخطه ثلاثة مصاحف أرسلها إلى المساجد الثلاثة التي تُشدّ إليها الرحال، وأوقف عليها أوقافًا جليلة (منها أملاك شامية)، وكتب توقيعَ سلطان مصر بذلك ابن نُباتة المصري. وقال المقّري إنه رأى أحدها، وهو الذي ببيت المقدس، وربعته في غاية الصنع.

ونقل عن ابن مرزوق في «المسند الصحيح الحسن» تفصيل الهدية المرسلة مع الرَّبعة إلى الملك الناصر بن قلاوون: ٨٢٥ ياقوتة، و١٢٨ زمرّدة، و١٢٨ زَبَرْجَدة، و٣٦٤ من الجوهر الملوكي، و٨٠٠ من المحرّرات المختّمة، و٤٠٠٠ درقة لَمْط منها مائتان بنُهود ذهب وثمانية عشر بنهود فضة، وخِباء قبة كبيرة من مائة بنيقة لها أربعة أبواب، وقبة أخرى من ست وثلاثين بنيقة عمودها عاج وأبنوس، و٣٤ بازًا، و٣٣٥ من عتاق الخيل العراب، و١٢٠ بغلًا، و٧٠٠ جمل، مع أعطية نقدية (منها ١٦٥٠٠ دينار لشراء رِباع). وذكر أنه أهدى كذلك لصاحب الأندلس، ولملوك النصارى، ولسلاطين السودان كصاحب مالي، ولصاحب إفريقية، ولصاحب تلمسان.

ونقل عن المقريزي في «السلوك»: في ٢٢ رمضان ٧٣٨هـ قدمت «الحُرّة» (أخت أبي الحسن) تريد الحج ومعها هدية نزل لحملها ثلاثون قطارًا من بغال النقل سوى الجمال، فيها ٤٠٠ فرس (مائة حِجْرة ومائة فحل) و٢٠٠ بغل بسروج ولُجُم مسقّطة بالذهب والفضة، و٤٢ رأسًا سروجها وركبها ذهب، و٣٢ بازًا، و١٠٠ كساء؛ قُدّرت قيمتها بما يزيد على مائة ألف دينار، ففرّقها السلطان على الأمراء واختصّ بالجواهر واللؤلؤ. ورُتّب لها كل يوم ثلاثون رأسًا من الغنم، ونصف إردبّ أرز، وقنطار حبّ رمّان، وربع قنطار سكر، وثماني فانوسيات شمع، وحُمل إليها ٤٥٠٠٠ درهم نفقةً و٦٠٠٠٠ درهم أجرة حمل، وخُلع على من قدم معها ٢٢٠ خلعة. وفي ٧٤٥هـ قدمت الحرّة ثانيةً بكتاب أبي الحسن يطلب دعاء الخطباء بالنصر، وذكر المقريزي أن الفرنج عمروا مائتي شِيني، وأوقعوا بالمسلمين على غِرّة فقُتل ولد أبي الحسن، وملكوا الجزيرة الخضراء وأسروا وسبوا، ثم مضوا إلى غرناطة ونصبوا عليها مائة منجنيق حتى صالحهم أهلها على قطيعة، وتهادنوا عشر سنين.

وذكر ابن مرزوق أن أبا الحسن ارتجع جبل الفتح بعد أن أنفق عليه الأموال وصرف إليه الجنود ونازلته جيوشه مع ولده، ثم أنفق على بنائه أحمال المال، وبنى حصنه وأبراجه وسوره وجامعه ودوره ومخازنه، ثم نازله العدو برًّا وبحرًا فصبر المسلمون، ثم رأى أن يحصّن سفح الجبل بسور يحيط به من جميع جهاته فأحاط بمجموعه «إحاطة الهالة بالهلال». وذكر كتاب «نزهة الأنام» أن أبا الحسن أقام في الملك عشر سنين وسبعة أيام ثم صُرف بولده أبي عِنان بعد حروب.

رسائل لسان الدين بن الخطيب

ختم المقّري المقطع بإيراد رسالتين من إنشاء لسان الدين بن الخطيب على لسان سلطان غرناطة، كُتبتا من الحمراء بغرناطة إلى سلطان بني مرين بفاس، في استنهاض عزمه لنصرة الأندلس وإمداد جبل الفتح (جبل طارق). وما تضمّنتاه من وقائع: انقطاع إرفاد الإسلام عن الأندلس منذ أعوام، وضياع الأمور واختلال الثغور وتشذّب الحامية وخلوّ المخازن بالجبل حتى صار «شبحًا ماثلًا وطللًا بائدًا»؛ واتهام «المتغلّب» (الوزير) بأنه لم يصرف إلى الجبل شيئًا من الأموال المفروضة والطعام، وأنه أنفق مجباه في بناء قصر بمَنْت ميُّور من جباله جُلب إليه الزَّلِّيج، فلما تمّ هُجر فصار «ممتنع البوم وحظّ الخراب». وذكر أن صاحب قشتالة لما عاد إلى ملكه لم يرضَ عن كدح غرناطة في نصره، فإمّا أن يهيج فيطالب مستكثرًا بالأمم، وإما أن يهادن المسلمين ريثما يعقد الصلح مع سائر ملل النصرانية ثم يتفرّغ لهم. واستشهد بأن السلطان أبا الحسن فتح جبل الفتح وهو منازل أخاه بسجلماسة، وأمدّه ابنه أبو عنان وهو بمراكش — أي أن الفتن الداخلية لا تُسقط واجب الجهاد. ورجّح المقّري أن الرسالة الأولى موجّهة إلى السلطان أبي فارس عبد العزيز بن أبي الحسن المريني، وأن «المتغلّب» هو الوزير عمر بن عبد الله الذي ظفر به أبو فارس واستقلّ بالملك بعد محو أثره.

التتمة (د): آخر الأندلس وسقوط غرناطة

رسائل لسان الدين ابن الخطيب إلى ملوك المغرب

رسائل من إنشاء لسان الدين على لسان سلاطين غرناطة إلى المرينيين بفاس. منها رسالة على لسان يوسف بن نصر (أبي الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج بن نصر): العدو توقّف عن الغزو، وبعض كبراء النصارى عرضوا السلم، فوجّهت غرناطة من يسبر الأمر ويفاوض في هدنةٍ تُحصَّل بها الأقوات؛ ثم بلغها أن المرينيين صرفوا حركتهم إلى مراكش وسوّفوا بوعد النصرة، فبعثت تتطارح عليهم ألّا يتركوا الأندلس. ورسالةٌ في الاعتذار عن فرار الأمير أبي الفضل المريني الذي كان معتقلًا بغرناطة، تحيّل «الطاغية» في إخراجه ليطلب الملك بالمغرب وأمدّه بالمال والعدّة، ثم اعترضه الأسطول الغرناطي فأُمسك. وعلّق المقّري بأن ملك النصارى كان يدسّ لأقارب الملوك القيامَ على صاحب الأمر ويَعِدهم بالمال، «قصدُه توهين المسلمين ونسخ الدول بعضها ببعض».

ومنها رسالة الغني بالله محمد إلى أبي عنان يُعلمه بمقتل أبيه أبي الحجاج يوسف: طُعن وهو ساجدٌ بعد الركعة الثانية من صلاة العيد على يد رجلٍ مجهولٍ «غير معروف ولا منسوب» تخلّل الصفوف، فلم يُجب عند الاستفهام فمُزّق وأُحرق؛ ومات السلطان بالقصر، فبويع ابنه محمد في المشهد نفسه دون خلاف، وخوطب صاحب قشتالة في وصل السلم؛ والسفير في القضية هو لسان الدين نفسه («وزير أمرنا وكاتب سرّنا»). وكان أبو عنان شديد العناية بالأندلس وبجبل الفتح، حتى أمّر عليه ابنه أبا بكر السعيد الذي ولي الملك بعده. وبقية الرسائل في ضيق حال الأندلس وحاجتها إلى «بر العدوة». وحكَم المقّري بأن سلاطين الأندلس المتأخرين آثروا مهادنة النصارى إذ لم يقدروا على مقاومتهم.

سقوط الحواضر: تواريخ ووقائع

طليطلة (Toledo): خرج ابن ذي النون وبيده الإسطرلاب يتخيّر ساعة الرحيل، وحُوّل الجامع كنيسةً في ربيع الأول ٤٩٦هـ؛ وأعدّ ملك النصارى ناقوسًا مرصّعًا وقال: لا ألبس التاج حتى نأخذ قرطبتهم.

وقعة بَطَرْنة (Paterna) ٤٥٦هـ: أظهر الفرنج الندم على منازلة بلنسية وكمنوا لأهلها، فخرجوا في ثياب الزينة ومعهم أميرهم عبد العزيز بن أبي عامر، فاستُؤصلوا قتلًا وأسرًا ونجا الأمير بنفسه.

بربشتر (Barbastro) ٤٥٦هـ — عن ابن حيّان: نازلها «جيش الأردمانيين» (النورمان) أربعين يومًا وقصّر يوسف بن سليمان بن هود في حمايتها؛ دخلوا المدينة الأولى في خمسة آلاف مدرَّع؛ ثم انهارت قناة الماء بصخرة فانقطع الماء، فطلب أهلها الأمان فغُدر بهم. قُدّر القتلى والسبي بمائة ألف نفس، وقيل خمسين ألفًا؛ وأصاب أحد مقدَّمي العدو نحو ألف وخمسمائة جارية بكر وخمسمائة جمل من الأمتعة؛ واقتسم الإفرنج الدور بأهلها. وقال ابن حيّان: كانت بربشتر بيد المسلمين ثلاثمائة وثلاثًا وستين سنة منذ الفتح، وبلغ نعيُها قرطبةَ صدرَ رمضان فزلزل أرض الأندلس؛ وذمّ الأمراء والفقهاء وقال: هما الملح، «بصلاحهم يصلحون وبفسادهم يفسدون». واسترجعها أحمد المقتدر بن هود بمدد حليفه عبّاد عقب جمادى الأولى ٤٥٧هـ: استُشهد نحو خمسين من المسلمين، وقُتل من الكفار نحو ألف فارس وخمسة آلاف راجل.

سرقسطة: الأربعاء ٤ رمضان ٥١٢هـ. تطيلة وطرسونة ٥٢٤هـ (عن ابن اليسع). وقعة كتندة (قتندة) ٥١٤هـ: هزيمة على المسلمين وعليهم إبراهيم بن يوسف بن تاشفين، فُقد فيها أبو علي الصدفي وابن الفراء، وحضرها القاضي أبو بكر ابن العربي. لوشة ٦٢٢هـ مع البياسي في فتنته مع العادل، ثم رُدّت.

بلنسية والقنبيطور (El Cid): صيّرها القاضي ابن جحّاف ليوسف بن تاشفين وقتل القادر بن ذي النون؛ ثم دخلها «ردريق» وأحرق ابن جحّاف بالنار لمّا وجد عنده ذخيرة القادر بعد أن أقسم أنها ليست لديه. كان الاستيلاء سنة ٤٨٨هـ، وجزم ابن الأبار بأن الحصار تمّ في عشرين شهرًا ودخلها صلحًا، وقال غيره: عنوةً. ثم فتحها مزدلي ليوسف بن تاشفين ٤٩٥هـ، وتداولها الملثمون فبنو غانية فابن عياض (٥٣٩هـ) فابن مردنيش فالموحدون فزيّان بن مردنيش. وفي آخرها استغاث زيّان بأبي زكريا الحفصي صاحب إفريقية، وأوفد إليه كاتبه ابن الأبار القضاعي (صاحب «التكملة» و«إعتاب الكتّاب») بقصيدته السينية «أدرك بخيلك خيل الله أندلسا»، فشحن السلطان الأساطيل بالمال والأقوات فوجدهم في هوّة الحصار. سقطت بلنسية صلحًا الثلاثاء ١٧ صفر ٦٣٦هـ، ورجع ابن الأبار بأهله إلى تونس.

المرية (Almería): دخلها العدو عنوةً الجمعة ١٧ جمادى الأولى ٥٤٢هـ، وأُحصي من سُبي من أبكارها فكان أربعة عشر ألفًا. استُشهد فيها الرشاطي: أبو محمد عبد الله بن علي اللخمي المريّي، وُلد ٤٦٦هـ بأوريوالة من أعمال مرسية، صاحب «اقتباس الأنوار» في أنساب الصحابة ورواة الآثار على أسلوب «أنساب» السمعاني. ثم استنقذها الموحدون، وتوالى عليها الولاة إلى ابن الرميمي الذي قتله ابن هود، ثم صارت لابن الأحمر. وماردة أُخذت من محمد بن هود سنة ٦٢٦هـ، وبينها وبين قرطبة خمسة أيام؛ وحضرتها المستجدّة بطليوس، وملَكها المظفر بن الأفطس صاحب «التذكرة المظفرية» في خمسين مجلدًا.

ميورقة (Mallorca): أُخذت الاثنين ١٤ صفر ٦٢٧هـ (ابن الأبار). وعن ابن عميرة المخزومي في «تاريخ ميورقة»: أميرها محمد بن علي بن موسى وليها ٦٠٦هـ، فأغار على مراكب الروم ٦٢٣هـ فاستفزّهم؛ فجمع ملكهم (من ذرية أذفونش) عشرين ألفًا برًّا وستة عشر ألفًا بحرًا؛ وحشد الوالي نيّفًا على ألفَي فارس وثمانية عشر ألف راجل، ثم ضرب أعناق أربعة من كبراء المصر فنقم عليه أبو حفص ابن سيري. عُدّ أسطول العدو مائة وخمسين قلعًا، ووقع المصاف ١٨ شوال فانهزم المسلمون؛ ثم أُخذت المدينة وقُتل منها أربعة وعشرون ألفًا، ومات الوالي تحت العذاب؛ واعتصم ابن سيري بالجبل في ستة عشر ألف مقاتل حتى قُتل في ١٠ ربيع الآخر ٦٢٨هـ. أما منورقة فتولّاها أبو عثمان سعيد بن حكم القرشي، فصالح النصارى على ضريبة معلومة واشترط ألّا يدخل جزيرته نصراني، ثم أُخذت بعد مدة.

بقية القواعد: جزيرة شقر صلحًا آخر ٦٣٩هـ؛ شاطبة وشرق الأندلس وإجلاء المسلمين منها رمضان ٦٤٥هـ؛ قرطبة الأحد ٢٣ شوال ٦٣٦هـ؛ مرسية صلحًا، سلّمها أحمد بن محمد بن هود ولد واليها؛ إشبيلية حوصرت ٦٤٥هـ وملكها صاحب قشتالة صلحًا الاثنين ٥ شعبان ٦٤٦هـ بعد منازلةٍ حولًا كاملًا وخمسة أشهر. وقعة أنيشة الخميس ٢٠ ذي الحجة ٦٣٤هـ: قُتل فيها الحافظ أبو الربيع الكلاعي (ابن سالم) متقدّمًا أمام الصفوف، ورثاه تلميذه ابن الأبار؛ ومن كتبه «مصباح الظُّلم» و«الاكتفاء في مغازي رسول الله والخلفاء الثلاثة».

وأثبت المقّري رسالتين متبادلتين بين ابن الأبار وابن عميرة في رثاء بلنسية وشرق الأندلس، وفصولًا من كتاب ابن الأبار «درر السمط في خبر السِّبط».

غرناطة النصرية إلى السقوط

نقل المقّري عن ابن عاصم وصفَ خزانة الدار النصرية (ياقوت وزمرد وفيروزج، ودروع وسيوف وقسيّ، وأوانٍ نحاسية ودمشقية وصينية) وأنها التهبتها الفتنة. ولمّا أُخذت القواعد انحاز المسلمون إلى غرناطة والمرية ومالقة، وملَك الباقيَ بنو الأحمر. وفي المائة الثامنة نازل الإفرنج غرناطة بخمسة وثلاثين ألف فارس ونحو مائة ألف راجل، وقد بعث أهلها إلى المرينيين ثلاثةَ مشايخ فلم يوافق سلطان المغرب، وانكسر النصارى.

عهد أبي الحسن علي بن سعد: اجتمعت عليه الكلمة بعد فتنة أخيه «الزغل» بمالقة، وافتتح أماكن؛ وعرض جيوشه خارج الحمراء من ١٩ ذي الحجة ٨٨٢هـ إلى ٢٢ محرم من السنة التالية، فجاء سيلُ وادي حدرة فاحتمل ما على حافتيه من حوانيت ودور ومعاصر وفنادق وأسواق وقناطر وبلغ رحبة الجامع الأعظم. ثم استرسل في اللذات وأضاع الأجناد وقتل كبار القواد وكثرت المغارم. الحامة: أخذها النصارى غدرًا آخر أيام الصلح على يد صاحب قادس سنة ٨٨٧هـ في عشرة آلاف، وفشل المسلمون في استردادها.

الفتنة الأهلية: لأبي الحسن ولدان من بنت عمه — محمد ويوسف — واصطفى عليها رومية («ثريا»)، فانقسمت الدولة؛ وفرّ الأميران في ٢٧ جمادى الأولى ٨٨٧هـ إلى وادي آش، فبايعتهما وادي آش والمرية وبسطة وغرناطة، وهرب أبوهما إلى مالقة. وفي صفر ٨٨٨هـ خرج رؤساء النصارى في نحو ثمانية آلاف إلى قرى مالقة وبلش فكُسروا: قُتل نحو ثلاثة آلاف وأُسر نحو ألفين، منهم نحو ثلاثين من الأكابر. ثم أُسر السلطان أبو عبد الله قرب لشانة وحُمل إلى صاحب قشتالة، فصار أداةً بيده: أُطلق ووُعد بالمال والرجال وأُشيع أنه «صاحب صلح»، فقام له ربض البيازين، ووقعت فتنة عظيمة في غرناطة (ثالث ربيع الأول ٨٩١هـ).

سقوط المدن تباعًا: ذكوان ورندة ٨٩٠هـ؛ لوشة — بلد سلف لسان الدين — بالأمان في ٢٦ جمادى الأولى ٨٩١هـ؛ ثم إلبيرة والمتلين وقلنبيرة ومنتفريد والصخرة، وشُحنت بالخيل لمحاصرة غرناطة. بلش: نزل عليها صاحب قشتالة ربيع الثاني ٨٩٢هـ برًّا وبحرًا، وانكسر جيش الزغل قبل الالتحام لمّا بلغه أن غرناطة بايعت صاحب البيازين، فخرج أهلها بالأمان ١٠ جمادى الأولى. مالقة: حوصرت برًّا وبحرًا بالمدافع والخنادق والأجفان حتى أكل أهلها المواشي والخيل والحمير، واستنجدوا بالعدوتين فلم يُغَثوا، فسلّموا على أمانٍ نُقض بهم فأُخذوا أسرى، أواخر شعبان ٨٩٢هـ. بسطة: حوصرت من رجب ٨٩٤هـ، وأخفى أهلها ضعفهم بإظهار الطعام في الأسواق («والحربُ خدعة»)، فتعاقدوا على صلحٍ شمل بسطة ووادي آش والمرية والمنكب والبشرات، ودخل النصارى قلعتها الجمعة ١٠ محرم ٨٩٥هـ. ونزل الزغل للنصارى ومكّنهم من قلعة وادي آش أوائل صفر ٨٩٥هـ، ثم جاز إلى وهران فتلمسان، وبها نسله «يُعرفون ببني سلطان الأندلس».

حصار غرناطة والتسليم: خرج العدو إلى مرجها في رجب ٨٩٥هـ فأفسد الزرع، وقاومه أهلها وفتح سلطانها حصونًا في البشرات وأندرش وهمدان. ثم في ٢٢ جمادى الآخرة ٨٩٦هـ عاد إلى المرج فبنى معسكرًا بالسور والحفير وأقام؛ ودام القتال سبعة أشهر، حتى نزل الثلج على جبل شلير فانقطعت المرافق من البشرات، واشتد الجوع والغلاء أول ٨٩٧هـ. فاتفق الرأي على «أخفّ الضررين»، وقيل إن رؤساء الأجناد سبقوا بالكلام مع النصارى وامتُنّ عليهم بمالٍ جزيل. عُقدت الوثائق على سبعةٍ وستين شرطًا، وأُخذ نحو خمسمائة من الأعيان رهنًا خوف الغدر، ودخل النصارى الحمراء في ٢ ربيع الأول ٨٩٧هـ. ومن الشروط: تأمين الصغير والكبير في النفس والأهل والمال؛ بقاء الناس في دورهم وعقارهم؛ إقامة الشريعة ولا يُحكم عليهم إلا بها؛ بقاء المساجد والأوقاف؛ ألّا يدخل نصراني دار مسلم ولا يطّلع عليها ولا يدخل مسجدًا؛ ألّا يُولّى على المسلمين إلا مسلم أو يهودي؛ فكاك جميع الأسرى؛ ومن أراد الجواز إلى العدوة لا يُمنع ويُنقل في مراكب السلطان بالكراء مدةً معيّنة ثم بعُشر ماله؛ ألّا يؤخذ أحد بذنب غيره؛ ألّا يُكره من أسلم على الرجوع للنصرانية، ومن تنصّر يُوقف أيامًا ويحضره حاكمٌ مسلم وآخر نصراني؛ ألّا يُعاقَب من قتل نصرانيًا أيام الحرب؛ ألّا يُكلَّف المسلم بضيافة الجند؛ ألّا يُزاد على المغارم المعتادة وتُرفع المحدثة؛ ألّا يُلزم المسلم بعلامة كاليهود وأهل الدجن؛ ألّا يُمنع مؤذن ولا مصلٍّ ولا صائم ويُعاقَب من يسخر منهم؛ وأن يوافق «صاحب رومة» (البابا) ويضع خطّ يده.

بعد التسليم: جُعل بالحمراء قائدٌ وبالبلد حكّام، وأُمر السلطان بسكنى البشرات وأندرش، ثم احتيل في تجويزه إلى العدوة؛ فنزل مليلة واستوطن فاس، وبنى بها قصورًا على طريقة بنيان الأندلس («رأيتها ودخلتها» — المقّري)، ومات بفاس سنة ٩٤٠هـ ودُفن بإزاء المصلّى خارج باب الشريعة، وخلّف ولدين: يوسف وأحمد؛ وعهد المقّري بذريته بفاس سنة ١٠٢٧هـ يأخذون من أوقاف الفقراء ويُعدّون من الشحّاذين. وهو أبو عبد الله محمد بن أبي الحسن بن سعد بن علي بن يوسف بن محمد الغني بالله… بن نصر بن قيس الأنصاري الخزرجي — «الذي انقرضت بدولته مملكة الإسلام بالأندلس».

نقض الشروط والتنصير والطرد

نكث النصارى العهد ونقضوا الشروط «عروة عروة»، حتى حُمل المسلمون على التنصّر سنة ٩٠٤هـ: أمر القسيسون كلَّ من أسلم من النصارى بالرجوع قهرًا، ثم طالبوا المسلم بالتنصّر بحجّة أن جدّه كان نصرانيًا؛ فقام أهل البيازين على الحكّام وقتلوهم، فصدر الحكم بأن من قام على حاكم فليس إلا الموت إلا أن يتنصّر. فتنصّروا بادية وحاضرة؛ ومن امتنع (كأهل بلفيق وأندرش) استُؤصل قتلًا وسبيًا، إلا جبل بللنقة فقاوموا وقتلوا مقتلةً عظيمة مات فيها صاحب قرطبة، وخرجوا بالأمان إلى فاس دون ذخائرهم. ثم شُدّد على من يصلّي في خفية حتى أُحرق منهم كثير، ومُنعوا من حمل السكين الصغيرة. وانتهى الأمر بإخراجهم أعوامَ ١٠١٧هـ: ألوف إلى فاس، وألوف إلى تلمسان من وهران، وجمهورهم إلى تونس؛ فنُهبوا في طرق تلمسان وفاس، وسلم أكثر من قصد تونس فعمّروا قراها الخالية؛ وسكن آخرون تطاوين وسلا ومتيجة الجزائر، فحصّنوا قلعة سلا وبنوا بها القصور والحمّامات، ولهم في الجهاد البحري ما هو مشهور؛ ووصل جماعة إلى القسطنطينية ومصر والشام.

رسالة المخلوع إلى الشيخ الوطاسي

أثبت المقّري رسالة المخلوع إلى سلطان فاس الشيخ الوطاسي، من إنشاء أبي عبد الله محمد بن عبد الله العربي العقيلي، وسمّاها «الروض العاطر الأنفاس في التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس». مضمونها: استجارةٌ بالمرينيين، ودفعُ ما رُمي به السلطان من موالاة النصارى والطعن في إسلامه، واحتجاجٌ بالقدر وبأنّ بغداد نفسها دخلها التتار عنوةً، وتصريحٌ بأن صاحب قشتالة عرض عليه مواضع معتبرة وأمانًا بخطّ يده فأبى الإقامة بين ظهراني الكفر، وأنه وصلته كتبٌ من المشرق تستدعيه فاختار المرينيين امتثالًا لوصاة أسلافه. وترجم المقّري لكاتبها نقلًا عن الوادي آشي.

القسم الثاني: لسان الدين بن الخطيب

الباب الأول: في أولية لسان الدين بن الخطيب

خطة القسم الثاني

ختم المقّري المجلد الرابع (وهو آخر القسم الأول) ثم افتتح القسم الثاني، وموضوعه التعريف بلسان الدين بن الخطيب وأخباره، وما يناسبها من أحوال العلماء والأعلام الذين يجرّهم الاستطراد. وجعله في ثمانية أبواب. والباب الأول في أولية لسان الدين وذكر أسلافه.

النسب وأصل الأسرة

نقل المقّري نسبه أولًا عن الأمير إسماعيل بن يوسف بن السلطان محمد بن الأحمر، نزيل فاس، في كتابه «فرائد الجمان» (ويُعرف أيضًا بـ«نثير فرائد الجمان»): ذو الوزارتين الفقيه الكاتب أبو عبد الله محمد، ابن الرئيس الفقيه الكاتب المنتزي ببلده لوشة عبد الله، ابن الفقيه الكاتب القائد سعيد بن عبد الله، ابن الفقيه الخطيب سعيد، السلماني اللوشي المعروف بابن الخطيب.

وقال ابن خلدون في تاريخه الكبير: أصل الرجل من لوشة (Loja)، على مرحلة من غرناطة (Granada) إلى الشمال من البسيط المسمّى بالمرج، وعلى وادي شنيل (Genil) المخترق ذلك البسيط من الجنوب إلى الشمال؛ كان لسلفه بها سلك معدود في وزرائها، وانتقل أبوه عبد الله إلى غرناطة فاستُخدم لملوك بني الأحمر واستُعمل على مخازن الطعام.

وذكر غيره أن بيتهم يُعرف قديمًا بـبني الوزير وحديثًا بـبني الخطيب، وأن سعيدًا الجدَّ الأعلى أولُ من تلقّب بالخطيب.

ونبّه المقّري إلى أن أكثر ما ذكره هؤلاء مأخوذ من تعريف لسان الدين بنفسه في آخر كتابه «الإحاطة»، فرأى أن يلخّص كلامه هو، إذ «صاحب البيت أدرى بالذي فيه». ونصّ لسان الدين على نسبه: محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن علي بن أحمد السلماني، قرطبيّ الأصل، ثم طليطليّ، ثم لوشيّ، ثم غرناطيّ، يكنّى أبا عبد الله، ويُلقَّب باللقب المشرقيّ لسان الدين.

السلماني: نسبة إلى سلمان — حيٍّ من مراد من عرب اليمن القحطانيين، دخل الأندلس منهم جماعة من الشام. ونقل عن ابن الأثير أن الصحيح إسكان اللام، وأن المحدِّثين يفتحونها. وهو مشهور إلى زمن المقّري بالمغرب بـ«ابن الخطيب السلماني»، وقد خاطبه بذلك شيخُه رئيس الكتّاب أبو الحسن بن الجيّاب حين حلّ مالقة.

هجرة الأسرة: من قرطبة إلى طليطلة إلى لوشة

قال لسان الدين: انتقل سلفه مع أعلام الجالية القرطبية — كيحيى بن يحيى الليثي وأمثاله — عند وقعة الربض إلى طليطلة (Toledo)، ثم عادوا يحومون على وطنهم قبل استيلاء الطاغية (النصارى) على طليطلة، فاستقرّ منهم بالموسطة الأندلسية جملةٌ من النبهاء، منهم عبد الرحمن قاضي كورة باغه، وسعيدٌ المستوطِن بلوشة وخطيبُها، وسكن بعضهم منتقرير.

وقعة الربض: أوردها المقّري ملخَّصة، وعزاها إلى ابن حيّان في «المقتبس في تاريخ الأندلس»، وإلى ابن الفرضي وابن خلدون: ثار أهل ربض قرطبة على الأمير الحكم الأموي، وفيهم علماء أكابر كيحيى بن يحيى الليثي صاحب مالك، فكانت النصرة للحكم، فقَتَل وأجلى من بقي إلى البلاد، وصار بعضهم إلى جزيرة إقريطش (Crete).

السلف الأدنى

سعيد (الجد الأعلى): أهل علم وخير. أوقف الوزيرُ أبو الحكم بن محمد المنتقريري لسانَ الدين على جدار برجٍ في بعض ربى أملاكهم بلوشة، على الطريق المارّة من غرناطة إلى إشبيلية (Sevilla)، وأخبره أن جدّه كان يُذيع بذلك المكان فصولًا من العلم ويجهر بتلاوة القرآن حتى تستوقفه الرفاق. وأُصيب في أهله وحرمه حين تغلّب العدو على بلده عنوة. ووقف لسان الدين على مكتوبات من المتوكل على الله محمد بن يوسف بن هود أمير المسلمين بالأندلس في إعانته والشفاعة له إلى ملكة قشتالة (Castilla) زوج سلطانها.

ثم ولده عبد الله، ثم ولده سعيد (الجد الأقرب): كان صدرًا خيّرًا ذا خطٍّ وتلاوة وفقه وحساب وأدب. نافس جيرته بني الطنجالي الهاشميين، وتحوّل إلى غرناطة حين شعر بعزمهم على الثورة (التي خُضدت شوكتها واستُؤصلت). وصاهر بغرناطة أعيان بني أضحى بن عبد اللطيف الهمداني، أشراف جند حِمص الداخلين إلى الجزيرة في طليعة بلج بن بشر القشيري. ولحقه من منافسيه اعتقالٌ ثم أعتبه السلطان وولّاه الأعمال النبيهة والخطط الرفيعة. وعزم السلطان أن يقعده أستاذًا لولده فأنِفت أم الولد إشفاقًا من فظاظته. ثم صاهر القوّاد من بني الجعدالة على أم أبي لسان الدين، ومتّ إلى زوج السلطان ببنوّة الخؤولة. توفي في ربيع الآخر سنة ٦٨٣هـ، صهرته الشمس وهو مستسقٍ في بعض سنيّ المحل.

الوالد: عبد الله بن سعيد

عبد الله بن سعيد السلماني، أبو محمد: غرناطيّ الولادة والاستيطان، لوشيّ الأصل، طليطليّ قرطبيّ. مولده بغرناطة في جمادى الأولى سنة ٦٧٢هـ. نشأ في ترف ففاته حظٌّ من الاجتهاد، ومع ذلك قرأ على الخطيب أبي الحسن البلوطي، والمقرئ أبي عبد الله بن مسمغور، وأبي جعفر بن الزبير (وكان يفضّله)، وأجازته طائفة من أهل المشرق. عالمٌ بالأدب والطبّ. انتقل إلى لوشة بلد سلفه مخصوصًا بلقب الوزارة، فلما قصدها السلطان أبو الوليد متخطيًا إلى حضرة غرناطة طالبًا الملك، عضد أمرَه وأدخله بلده، ولما تمّ له الأمر صحب ركابه إلى دار ملكه مستأثِرًا بشِقص عريض من الدنيا. وشعرُه في كتابَي «التاج المحلّى» و«الإحاطة». وله أرجوزةٌ يفخر فيها بأن الطب والشعر والكتابة سمات بيتهم، وثلاثتها مبلِّغة مراتب، أعلاها الحجابة.

مقتله: فُقد في «الكائنة العظمى» بطريف يوم الاثنين ٧ جمادى الأولى سنة ٧٤١هـ، ثابت الجأش. وفُقد معه في اليوم نفسه أخو لسان الدين؛ روى لسان الدين عن خطيب جامع غرناطة أبي عبد الله اللوشي أن فرس أخيه كبا وقد غشيه العدو، فأراد اللوشي إردافه، فانحدر إليه الوالد وصرفه قائلًا: «أنا أولى به»، فكان آخر العهد بهما. ورثاهما لسان الدين بقصيدة، ورثاهما شيخُه أبو زكريا بن هذيل، وعزّاه فيهما أبو محمد عبد الله الأزدي (لم أنقل الشعر).

واقعة طريف (٧٤١هـ)

أفرد لها المقّري خبرًا موجزًا: أجاز سلطانُ فاس أمير المسلمين أبو الحسن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المريني البحرَ إلى الأندلس للجهاد، وجرّ من الجيوش الإسلامية نحو ستين ألفًا، ووافاه أهل الأندلس وسلطانهم ابن الأحمر بأجنادهم. فانكسرت تلك الجموع، ورجع أبو الحسن مفلولًا ناجيًا بنفسه، وقُتل جمع من المسلمين ولمّة وافرة من الأعلام، وأُسر ابنُ السلطان وحريمه وخدمه، ونُهبت ذخائره، وثبتت قدم العدو حينئذ ببلد طريف (Tarifa)، واشرأبّ لأخذ ما بقي من الجزيرة. وأحال المقّري في تفصيلها على ابن خلدون في «العبر وديوان المبتدأ والخبر» (المجلد الثامن).

ترجمة أبي بكر بن عاصم — «ابن الخطيب الثاني»

استطرد المقّري إلى محمد بن محمد بن محمد بن عاصم الأندلسي الغرناطي، أبو بكر، قاضي الجماعة بغرناطة، صاحب «تحفة الحكام» في علم القضاء، لأن ولده الوزير الكاتب أبا يحيى بن عاصم وصفه على منوال وصف لسان الدين لأبيه، ولأن أهل الأندلس يسمّونه «ابن الخطيب الثاني». مولده الخميس ١٢ جمادى الأولى سنة ٧٦٠هـ، ووفاته بين العصر والمغرب يوم الخميس ١١ شوال سنة ٨٢٩هـ. كان يقوم على النحو والقراءات، ويشارك في المنطق وأصول الفقه والعدد والفرائض والأحكام، ويتقن صنائع عملية كتفسير الكتب وتنزيل الذهب.

مصنّفاته كما سردها ابنه:

  • «تحفة الحكام» (أرجوزة)
  • «مهيع الوصول في علم الأصول» (أرجوزة في أصول الفقه)
  • «مرتقى الوصول للأصول» (أرجوزة صغرى)
  • «نيل المنى في اختصار الموافقات» (أرجوزة)
  • «إيضاح المعاني في القراءات الثماني» (قصيدة)
  • «الأمل المرقوب في قراءة يعقوب» (قصيدة)
  • «كنز المفاوض في علم الفرائض» (قصيدة)
  • «الموجز في النحو» (أرجوزة حاذى بها رجز ابن مالك)
  • «الحدائق» في الآداب والحكايات

وذُكرت له أيضًا كتب: «الدر النفيس»، و«الياقوت الثمين»، و«الروض الأنف»، و«الزهر النضير». وأشار المحقّق إلى أن ابنه أبا يحيى تولّى قضاء غرناطة سنة ٨٨٨هـ [كذا في الأصل]، وله شرح على «تحفة» أبيه، و«جنة الرضى»، و«الروض الأريض».

النونيات المستطرَدة (حُذف الشعر)

جرّ ذكرُ نسبة «سلمان» إلى سلسلة قصائد نونية:

  • نونية عبد العزيز الفشتالي (كاتب أسرار الدولة المنصورية، ترجم له المقّري في «روضة الآس»): مدح النبيّ ثم تخلّص إلى مدح السلطان المنصور بالله أبي العباس أحمد الحسني صاحب المغرب، وفيها بيت يفاخر بأن «بيت سلمان» نافس بيتَه في الولاء، يعني به بيت لسان الدين، مع تورية بسلمان الفارسي. وقال المقّري إنه أوردها لحنينه إلى عهده بالمغرب في حضرة المنصور.
  • نونية أبي الفتح محمد بن عبد السلام المغربي التونسي، نزيل دمشق، أنشأها بدمشق سنة ٩٥١هـ: يبكي فيها تونس ودولة بني حفص ملوكها وما كان لها من جيوش وعلماء وأدباء، ثم ما نزل بها من الخراب وتشتّت أهلها — وهي شهادة على سقوط تونس ووقع ذلك في المشرق.
  • نونية لسان الدين في مدح السلطان أبي سالم المريني بفتح تلمسان، ومعها رسالة نثرية قدّمها بين يديها. والواقعة: كان لسان الدين بشالة سلا (في منفاه بالمغرب) حين ورد عليه كتاب السلطان أبي سالم بفتح تلمسان يوم الخميس ١٧ شعبان سنة ٧٦١هـ، فكتب إليه تهنئة من عند ضريح السلطان أبي الحسن المريني بشالة، يشكر له شفاعته في إنقاذه ونجاته، ويهنئه باسترداد تلمسان من بني زيّان، ويذكر أن الفتح فتَح باب الحج وكان مسدودًا، وأن عدوّه شرد فانضاف إلى عرب الصحراء. والقصيدة والرسالة معًا وثيقة على صلة لسان الدين بدولة بني مرين في غربته وعلى اعتماده عليهم.
  • نونية الفقيه عمر صاحب الأزجال، وطّأ لها بنثر وجعل الجميع مقامة ساسانية سمّاها «تسريح النصال إلى مقاتل الفصال»: موضوعها الكدية وطريقة بني ساسان بأسلوب المجون، وفيها تلميحات تاريخية (الفتح بن خاقان، الصابي، عبد الحميد، أبو مسلم، يوم الغبيط، حرب الأمين وطاهر، مقتل أبي يوسف المريني بتلمسان بيد عبده، يزدجرد، لذريق ويليان)، واستجازة صاحبه بجملة كتب: «بدء العارف» لابن سبعين، وفصل ابن رضوان، وكتب ابن أحلى، و«ديوان الصبابة» لابن حجلة التلمساني، و«شمس المعارف» للبوني، و«المصباح»، و«كشف الدك» لابن شهيد، وأزجال مدغليس وابن قزمان، و«حي بن يقظان». واعتذر المقّري بأن قصده التلميحات لا المجون.
  • نونية ابن زمرك: قصيدة ميلادية (في المولد النبوي) أنشدها سلطانَ الأندلس سنة ٧٦٥هـ. وعلّق المقّري: ابن زمرك من تلامذة لسان الدين ومن خدّامه، ثم كان أحد الساعين في قتله، وذمّه وهجاه بعد أن كان يشكره، وتولّى الوزارة عوضًا عنه، ثم آل أمره هو أيضًا إلى القتل.

لوشة وترجمة ابن مرج الكحل

قال لسان الدين في «الإحاطة» إن لوشة «بنت الحضرة» (أي بنت غرناطة)، وقال ذلك في ترجمة ابن مرج الكحل، فنقل المقّري الترجمة بتمامها:

محمد بن إدريس بن علي بن إبراهيم بن القاسم، أبو عبد الله، المعروف بابن مرج الكحل: من أهل جزيرة شقر، وأصله من بلنسية (Valencia) بحسب حاشية علي بن لسان الدين. شاعر مفلق رقيق الغزل، مبتذل اللباس على هيئة أهل البادية، ويقال إنه كان أمّيًا. روى عنه أبو جعفر بن عثمان الوارد، وأبو الربيع بن سالم، وابن الأبّار، وابن عسكر، وابن أبي البقاء، وابن برطله، وأبو الحسن الرعيني. أشهر شعره الرائية «عرج بمنعرج الكثيب الأعفر»، قالها في عشية بنهر الغنداق خارج لوشة (وقيل: الغنداق من أحواز برجة). وجرت بينه وبين أبي بكر بن جهور مساجلة في «مرجه الأحمر»، أجاب فيها بأن حمرة أرضه من دماء الروم التي سالت بسيوف آبائه. توفي ببلده يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة ٦٣٤هـ ودُفن في اليوم بعده.

وقارن المقّري رائيتَه برائية شمس الدين الكوفي الواعظ في الربيع، ورجّح أن رائية ابن مرج الكحل أعذب. وأشار إلى تضمين ابن مرج الكحل بيتَ الرصافي البلنسي («فوددت يا موسى لو أنك يوشع»).

ترجمة صفوان بن إدريس

جرّها ذكرُ مراسلة ابن مرج الكحل له. نقلها المقّري ملخَّصة عن «الإحاطة»:

صفوان بن إدريس بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عيسى بن إدريس، التجيبي المرسي، أبو بحر: أديب حافظ سريع البديهة، تساوى حظه في النظم والنثر. مولده سنة ٥٦٠هـ أو ٥٦١هـ (ابن سعيد: ٥٦٠ أو التي بعدها؛ ابن الأبّار: ٥٦١). روى عن أبيه وخاله، وعن ابن عم أبيه القاضي أبي القاسم بن إدريس، وأبي بكر بن مغاور، وأبي رجال بن غلبون، وأبي العباس بن مضاء (سمع عليه صحيح مسلم)، وأبي القاسم بن حبيش، وابن حوط الله، وأبي الوليد بن رشد؛ وأجاز له ابن بشكوال. وروى عنه أبو إسحاق اليابري، وأبو الربيع بن سالم، وابن أبي البقاء، وابن عيشون.

مصنّفاته: «زاد المسافر»، و«الرحلة»، و«العجالة» (سفران يتضمنان نظمه ونثره). وديوان شعره مشهور بالمغرب. وانفرد بتأبين الحسين وبكاء أهل البيت حتى اشتهر بذلك.

ومن نثره الذي أورده المقّري: رسالة «طراد الجياد في الميدان وتنازع اللدات والأخدان في تقديم مرسية على غيرها من البلدان» — في تفضيل مرسية (Murcia) ووصف متنزهاتها (الزنقات، الجرف الأعلى، الخليج، الرملة البيضاء)؛ وخطبة نكاح؛ ورسالة عتاب؛ ورسالة تهنئة إلى قاضي الجماعة أبي القاسم بن بقي بولاية القضاء، تضمّنت شروط خطة القضاء الواجبة (بسط الكنف، رفع الجنف، المساواة بين الخصوم، تقديم ابن السبيل والغريب).

وأورد المقّري خبرًا عن رحلته إلى مرّاكش (Marrakesh) في تجهيز ابنة له بلغت التزويج: قصد دار الإمارة مادحًا فلم يظفر بشيء، فلما عدل إلى مدح النبي وأهل البيت وُجِّه إليه وأُدخل على الخليفة فقضى حاجته وزاده، وأخبره أن ذلك لرؤيا رآها — أورده المقّري على وجه الحكاية.

وفاته: بمرسية ليلة الاثنين ١٦ شوال سنة ٥٩٨هـ، وهو دون الأربعين، وصلّى عليه أبوه.

وختم بذكر ناهض بن محمد الأندلسي الوادي آشي ومرثيته في الحسين، وتوفي بوادي آش (Guadix) سنة ٦١٥هـ.

الباب الثاني: في نشأته وترقّيه ووزارته ثم قلْب الدهر له ظهر المجنّ

المولد والنشأة والشيوخ

مولد الوزير لسان الدين ابن الخطيب — كما في «الإحاطة» — في الخامس والعشرين من رجب سنة ٧١٣هـ. وذكر الأمير الوليد ابن الأحمر أنه قرأ القرآن على المكتِّب أبي عبد الله ابن عبد المولى العوّاد، ثم على أستاذ الجماعة أبي الحسن القيجاطي (وعليه قرأ العربية، وهو أول من انتفع به)، وقرأ على الخطيب أبي القاسم ابن جُزَيّ، ولازم العربية والفقه والتفسير على أبي عبد الله ابن الفخّار البِيري شيخ النحويين لعهده، وقرأ على قاضي الجماعة أبي عبد الله ابن بكر، وتأدّب بالرئيس أبي الحسن ابن الجيّاب، وأخذ الطبّ والتعاليم وصناعة التعديل عن الإمام أبي زكريا يحيى بن هُذَيل ولازمه.

وذكر ابن خلدون أن أباه عبد الله انتقل من لَوْشة (Loja) إلى غرناطة، واستُخدم لملوك بني الأحمر واستُعمل على مخازن الطعام؛ وأن لسان الدين أخذ عن ابن هذيل العلوم الفلسفية وبرز في الطب، ثم امتدح السلطان أبا الحجاج فرقّاه إلى ديوان الكُتّاب مرؤوسًا بابن الجيّاب. وسقطت من نسخة المقّري — كما نبّه المحقق — جملةٌ تفيد وفاة ابن الجيّاب بالطاعون الجارف سنة ٧٤٩هـ، وعندها ولّى أبو الحجاج لسانَ الدين رياسة الكتاب مثنّاةً بالوزارة.

كان مبتلًى بداء الأرق لا ينام من الليل إلا اليسير، وأكثرُ تآليفه مكتوبٌ بالليل؛ ولذا لُقّب «ذو العمرين». وقد شكا ذلك في كتابه الطبي «الوصول لحفظ الصحة في الفصول». وسمع المقّري بالمغرب من يقول: «لسان الدين ذو الوزارتين، وذو العمرين، وذو الميتين، وذو القبرين» — والأخيران إشارة إلى إحراق جثته بعد دفنها.

دولة أبي الحجاج يوسف ومقتله

عرّف لسان الدين في «الإحاطة» بسلطانه: يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر، الأنصاري الخزرجي، أبو الحجاج، أمير المسلمين بالأندلس؛ تولّى الملك بعد أخيه بوادي السقّائين من ظاهر الجزيرة الخضراء (Algeciras) ضحوة الأربعاء ١٣ ذي الحجة ٧٣٣هـ، وأمّه أم ولد. وقال في سنّه يومئذ: «خمسة عشر يومًا وثمانية أشهر» [كذا في الأصل]. وله ثلاثة أولاد: محمد (وليَ بعده)، وإسماعيل، وقيس شقيق إسماعيل. ووزَر له لسان الدين بعد شيخه ابن الجيّاب، وتولّى كتابة السر مضافةً إلى الوزارة في أخريات شوال ٧٤٩هـ.

وفي عيد الفطر سنة ٧٥٥هـ هجم على أبي الحجاج رجل «من عداد الممرورين» وهو في الركعة الأخيرة من صلاة العيد فطعنه بخنجر؛ فمات لوقته، وقُتل قاتله لحينه وأُحرق بالنار، ودُفن السلطان عشية اليوم في مقبرة قصره ضجيعَ والده، وولي الأمر ابنه محمد (الغني بالله)، ورثاه لسان الدين بميمية طويلة. وقد سفَر لسان الدين إلى السلطان أبي عنان المريني معزّيًا بأبيه أبي الحسن، ثم مستمدًّا على الطاغية، وأنشده قائمًا قبل أن يسلّم عليه فأُجيب إلى جميع طلبات الوفد؛ قال أبو القاسم الشريف وكان في الوفد: «لم نسمع بسفير قضى سفارته قبل أن يسلّم على السلطان إلا هذا».

فتنة إسماعيل وأبي سعيد وخلع الغني بالله (٧٦٠هـ)

قام بأمر الغني بالله مولى أبيه الحاجب رضوان، وكان لسان الدين رديفًا له في الاستبداد بالدولة. ودامت الدولة خمس سنين. ثم دبّرت أمُّ إسماعيل — المعتقل في قصر بجوار دار أخيه — الثورةَ بواسطة صهره الرئيس محمد بن إسماعيل بن الرئيس أبي سعيد (ابن عمّ السلطان)، فتألّف نحو مائة رجل تسوّروا القلعة من ثُلمة، ونزلوا إلى الحمراء سَحَر ليلة الثامنة والعشرين من رمضان ٧٦٠هـ (وجعلها ابن خلدون ليلة السابعة والعشرين، وعلّق المقّري: «والخطب سهل»)، فاقتحموا دار الحاجب رضوان وقتلوه بين أهله وولده وانتهبوا داره، ثم أخرجوا إسماعيل وبايعوه وقرعوا الطبول. وكان السلطان محمد يبيت بجنة العريف (Generalife) لصق داره، فمُنع من دخول القلعة ورُشق بالسهام، فركب فرسًا وصبّح مدينة وادي آش (Guadix)، فالتفّ به أهلها وامتنعوا معه؛ وجدّد المتغلّب عقد السلم مع طاغية قشتالة (Castilla) لاشتغاله بفتنة «البرجلونيين» (أراغون/برشلونة). ثم خلع الرئيسُ إسماعيلَ بعد أشهر من بيعته واستقلّ بالأمر، وقتله هو وأخاه قيسًا (وفيهما قال لسان الدين بيتي التورية بـ«دم الأخوين»). واعتُقل لسان الدين وضُيّق عليه، واستُؤصلت نعمته وبِيعت أملاكه — وسمّاها هو «نكبة مصحفية» مطلوبها الذات وسببها المال.

اللجوء إلى فاس (٧٦١–٧٦٣هـ)

امتعض السلطان أبو سالم المريني لمهلك رضوان وخلع السلطان، فأوفد أبا القاسم الشريف التلمساني لاستقدام المخلوع، وحمّله الشفاعة في إطلاق ابن الخطيب فأُطلق. وانصرف الغني بالله من وادي آش ثاني يوم النحر (وقال ابن خلدون: في ذي القعدة، ورجّح المقّري أنه غلط ناسخ)، وأجاز من مربلة (Marbella)، ووصل فاس في السادس من محرم ٧٦١هـ، فركب أبو سالم للقائه، وأنشده لسان الدين في المحفل قصيدته الرائية «سلا هل لديها من مخبرة ذكر» يستصرخه لسلطانه. وذُكر أن أحد الحاضرين غضّ منه بأنه لم يذكر بني مرين، فارتجل تسعة عشر بيتًا في مدحهم — وعدّه المقّري أبلغ مما وقع لأبي تمام في سينيته.

فُرشت للغني بالله القصور ورُتّبت الجرايات، وحُفظ له رسم سلطانه إلا الآلة أدبًا مع السلطان. وأُرغد عيش ابن الخطيب في الجراية والإقطاع، ثم استأذن في التجوال بجهات مراكش (Marrakesh)، ووقف في مقبرة الملوك بشالة (Chellah) بسلا على قبر السلطان أبي الحسن وأنشد رائية يرثيه ويستجير به في استرجاع ضياعه بغرناطة، فكتب أبو سالم إلى أهل الأندلس بالشفاعة فشُفّع. واستقرّ لسان الدين بسلا منتبذًا عن سلطانه، وبنى بها زاوية ومدرسة وتربة.

وفي صبيحة السبت ١٧ شوال ٧٦٢هـ انصرف الغني بالله إلى الأندلس وقد ألحّ صاحب قشتالة في طلبه، وأُلبس خلعة الملك؛ فنزل رندة (Ronda) وقام بوزارته أبو الحسن علي بن يوسف ابن كُماشة الحضرمي وبكتابته ابن زَمْرَك. وذكر ابن خلدون أنه هو الذي حمل الوزير المريني عمر بن عبد الله على ردّ رندة إلى المخلوع، ثم غزا منها مالقة (Málaga) فملكها، ثم استولى على غرناطة في جمادى سنة ٧٦٣هـ. وقتل طاغيةُ قشتالة الرئيسَ المنتزي حين هرب إليه، وفاءً بعهده مع المخلوع، وبعث برؤوس أصحابه فنُصبت.

عودة ابن الخطيب واستبداده بالدولة

استقدم الغني بالله لسانَ الدين من سلا فردّه إلى وزارته وفوّض إليه. فغار ابن الخطيب من عثمان بن يحيى بن عمر شيخ الغزاة، وحذّر السلطان من «الأعياص»، فنُكب عثمان وأبوه وإخوته في رمضان ٧٦٤هـ وأُودعوا المطبق ثم غُرِّبوا، «وخلا لابن الخطيب الجو». ثم قدم الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن المريني ووزيره مسعود بن ماساي إلى الأندلس سنة ٧٦٧هـ، فجُعل عبد الرحمن شيخًا على الغزاة بعد وفاة علي بن بدر الدين؛ فلما استبدّ السلطان عبد العزيز المريني بملكه أغرى ابنُ الخطيب سلطانَه بالقبض عليهما فاعتُقلا، مقابل عهدٍ بخطّ عبد العزيز يضمن له المكان في دولته.

الفرار إلى المغرب وتهمة الزندقة

لما استحكمت السعايات عليه استأذن في تفقّد الثغور، فمال إلى جبل الفتح (Gibraltar) وأجاز إلى سبتة (Ceuta)، وقدم على السلطان عبد العزيز بتلمسان (Tlemcen) سنة ٧٧٣هـ (وفي موضع آخر من ابن خلدون: ٧٧٢هـ)، فأُكرم، وأُرسل الكاتب أبو يحيى ابن أبي مدين سفيرًا فجاء بأهله وولده. ثم شاعت على ألسنة أعدائه كلماتٌ نُسبت إلى الزندقة، فرُفعت إلى قاضي الحضرة أبي الحسن ابن الحسن النُّباهي، فاسترعاها وسجّل عليه بالزندقة، وبعث بالسجلات إلى عبد العزيز يطلب إمضاء حكم الله فيه، فأبى وقال: «هلا انتقمتم منه وهو عندكم وأنتم عالمون بما كان عليه؛ وأما أنا فلا يخلص إليه أحد ما كان في جواري». ولمّا هلك عبد العزيز سنة ٧٧٤هـ سار في ركاب الوزير أبي بكر ابن غازي (ابن الكاس) القائم بالدولة إلى فاس، فاستكثر من شراء الضياع وبناء المساكن واغتراس الجنان. وبعث ابن الأحمر إلى عبد العزيز ثم إلى ابن غازي بهدية «لم يُسمع بمثلها» يطلب تسليم وزيره، فأبيا.

حرب المغرب ومقتله (٧٧٥–٧٧٦هـ)

أطلق ابن الأحمر عبد الرحمن بن أبي يفلوسن وأركبه الأسطول إلى جبل الفتح، وحاصر الجبلَ بنفسه. وداخل محمدَ بن عثمان والي سبتة في البيعة لأبي العباس أحمد بن أبي سالم (المعتقل بطنجة) بدلًا من الصبي السعيد بن أبي فارس الذي بايعه ابن غازي بتلمسان، واشترط: النزول له عن جبل الفتح، وإرسال جميع أبناء الملوك المرينيين إليه، وتسليم ابن الخطيب متى قدروا عليه. فتمّت البيعة، وسلّم أهل الجبل، ودخله ابن الأحمر و«محا دولة بني مرين مما وراء البحر»، وأمدّ أبا العباس بنحو ستمائة من رجال الأندلس الناشبة وعسكرٍ من الغزاة ومالٍ.

هُزم أبو بكر ابن غازي عند زرهون، ثم اجتمع الحلفاء بوادي النجا وارتحلوا إلى كُدية العرائس في ذي القعدة ٧٧٥هـ، وضربوا على البلد الجديد (فاس الجديد) سياجًا بالبناء للحصار، وهدموا ضياع ابن الخطيب بفاس وعاثوا فيها. وفي فاتح ٧٧٦هـ استسلم أبو بكر وبايع، ودخل أبو العباس البلدَ الجديد في السابع من محرم، وارتحل عبد الرحمن إلى مراكش فاستولى عليها.

وكان ابن الخطيب قد أوى مع ابن غازي إلى البلد الجديد خوفًا على نفسه. فلما استولى أبو العباس أغراه سليمان بن داود بن أعراب كبير بني عسكر — وكان عدوًّا لابن الخطيب لصدّه إياه عن مشيخة الغزاة بالأندلس محتجًّا بأنها لأعياص بني عبد الحق — بالقبض عليه، فسُجن وطُيّر الخبر إلى ابن الأحمر، فبعث كاتبَه ووزيره بعده أبا عبد الله ابن زَمْرَك. وأُحضر ابن الخطيب بالمَشْوَر في مجلس الخاصة، وعُرضت عليه كلمات وقعت له في كتابه «في المحبة»، فوُبّخ ونُكّل وامتُحن بالعذاب بمشهد الملأ، ثم رُدّ إلى محبسه، واشتُووِر في قتله بمقتضى المقالات المسجّلة، وأفتى بعض الفقهاء؛ فدسّ سليمان بن داود أوغادًا طرقوا السجن ليلًا فقتلوه خنقًا في محبسه. وأُخرج شِلوه من الغد فدُفن بمقبرة باب المحروق، ثم أُصبح على سافة قبره طريحًا وقد جُمعت له أعواد وأُضرمت عليه نار، فاحترق شعره واسودّ بشره، فأُعيد إلى حفرته. «وعجب الناس من هذه الشنعاء التي جاء بها سليمان».

وأثبت ابن خلدون أنه نظم في سجنه أبياته «بعدنا وإن جاورتنا البيوت»؛ وقال ابن حجر في «أنباء الغُمر» إن الصحيح ما ذكره صديقه ابن خلدون: أنه نظمها في السجن لا عند تقديمه للقتل. وحكى ابن حجر أن ملك الإفرنج قرأ رسالةً لابن الخطيب فقال: «مثل هذا كان ينبغي أن لا يُقتل»، ثم بكى حتى بلّ ثيابه.

أعداؤه: النُّباهي وابن زَمْرَك

نُسب لسان الدين إلى الزندقة والحلول والاتحاد ومذاهب الفلاسفة وتنقّص النبي؛ ورجّح المقّري براءته. وكان المتولّي كِبر محنته تلميذَه ابن زمرك — ووقف المقّري على خطّ ابن لسان الدين (ولده علي) بأنه تسبّب في قتل أبيه — والقاضيَ أبا الحسن ابن الحسن النُّباهي، مع أن لسان الدين هو الذي أنشأ ظهير توليته قضاء الجماعة بغرناطة (مؤرَّخ في ٣ محرم ٧٦٤هـ) ثم ظهير إضافة خطابة الجامع الأعظم إليه، وأنشأ كذلك ظهير تولية ابن زمرك كتابة السر. ثم أقذع في هجاء النُّباهي في «الكتيبة الكامنة»، وألّف فيه «خلع الرسن في وصف القاضي أبي الحسن».

وأورد المقّري كتابًا مطوّلًا وقف عليه بفاس، كتبه النُّباهي إلى لسان الدين بعد تحوّله عن الأندلس، مؤرَّخًا بأخريات جمادى الأولى ٧٧٣هـ، يعنّفه فيه على: شراء الضياع وتشييد البناء بالمغرب، والغيبة المحرّمة في كتبه التاريخية، وإنكار نفع الرُّقية، وأخذه عن شيخه ابن هذيل «منكر علم الجزئيات»، وما نُقل عنه في جناب النبي، وغدره بسلطانه وفراره من جهة الجبل، والزيادة في المغرم، وتسمية داره الجديدة «دار السلامة» وقد مات فيها ابنه سعيد عند دخولها؛ ويذكّره بقضايا وليَها: مسألة ابن الزبير المقتول على الزندقة، ومسألة ابن أبي العيش المثقَّف في السجن على آرائه، وقضية دم. ويذكر أن ابن الجيّاب نبذ مصاهرته لما علم من نشأته.

كتبه ورسائله ووقائع أخرى

  • «الإحاطة»، و«اللمحة البدرية في الدولة النصرية»، و«الكتيبة الكامنة في أبناء المائة الثامنة»، و«نفاضة الجراب»، و«الوصول لحفظ الصحة في الفصول»، و«خلع الرسن في التعريف بأحوال ابن الحسن».
  • «أعمال الأعلام بمن بويع من ملوك الإسلام قبل الاحتلام»: ألّفه بعد وفاة عبد العزيز لتثبيت بيعة الصبي السعيد ودولة الوزير ابن غازي، ردًّا على منكري بيعة الصغير من أهل الأندلس.
  • «المباخر الطيبية في المفاخر الخطيبية»: ألّفه للسلطان عبد العزيز في نباهة سلفه، ردًّا على القادحين في نسبه.
  • رسالة على لسان الغني بالله إلى سلطان مصر والشام والحرمين المنصور بن أحمد بن الناصر بن قلاوون يقصّ فيها خبر الخلع واللجوء والعود؛ وأخرى في الكائنة نفسها إلى كبير الموحّدين أبي محمد عبد الله بن تافراكين.
  • رسالة إلى الخطيب ابن مرزوق ينصحه بترك خدمة الملوك ووصفِ مصائر خدّام الدول — علّق ابن مرزوق بخطّه على هامشها أن جميع ما خاطبه به تحلّى به هو وابتُلي بما منه حذّر، «فكأنه خاطب نفسه وأنذرها بما وقع له»، وصدّق ولدُه عليّ ذلك بخطّه. وعتابٌ إلى قاضي مكناسة الزيتون ابن أبي رمّانة لتأخّره عن لقائه.
  • هجاء مقذع لوزيرَي دولة إسماعيل: إبراهيم بن أبي الفتح «الأصلع الغوي» وابن عمه محمد بن إبراهيم «العقرب الردي»؛ قُبض عليهما في العشر الأول من رمضان ٧٦١هـ، وسِيقا إلى ساحل المُنَكَّب (Almuñécar)، وأُركبا سفينةً حربية توريةً بقصد الإسكندرية، فقُذف بهما في اللجّة فغرقا.
  • حكاية قدوم اليهودي الحكيم ابن زرزار رسولًا عن ملك قشتالة («دن بطره») إلى غرناطة بكتاب من الطالب المريني محمد بن أبي عبد الرحمن، وجوابُ لسان الدين مذكّرًا بأن جدّ هذا الملك هو الذي قبّل يد أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق بصخرة عبّاد من أحواز رندة.

وأورد المقّري لابن زمرك قصائد يهنّئ فيها الغنيَّ بالله بـ«الفتح المغربي» على يد أبي العباس ويشمت بابن الخطيب وبحاميه الوزير ابن الكاس («جرّعت نجل الكاس كأسًا مرة»)، منها عيدية، وأخرى قالها صدر سنة ٧٨٩هـ عند نهوض سلطانه لتجديد الدولة الأحمدية بعد خلع أبي العباس. وذكر أن ابن زمرك قُتل بالسيف جهارًا مع أولاده وخدمه بمرأى من أهله — بخلاف لسان الدين الذي قُتل غيلةً بليل.

ملاحظات المقّري وتصحيحاته

زار المقّري قبر لسان الدين مرارًا بفاس فوق باب المدينة المسمّى قديمًا باب الشريعة والمعروف اليوم بباب المحروق، وشاهد موضع الدفن منخفضًا عن الأرض. وردّ زعم عوامّ فاس أن الباب سُمّي بذلك لإحراق لسان الدين به، وقال: إنما سُمّي باب المحروق في دولة الموحدين قبل أن يوجد لسان الدين ولا أبوه، بسبب ثائرٍ ثار على الدولة فأُمسك وأُحرق هناك.

ونفى صحة نسبة البيتين الشائعين («قف كي ترى مغرب شمس الضحى … بين صلاة العصر والمغرب») إلى لسان الدين أو قولهما فيه، محتجًّا بأنه لم يُقتل بين العصر والمغرب بل في جوف الليل، وبأنه رأى بخط الشيخ الأغصاوي نفيَ ذلك، ووجد في كتاب إسماعيل بن الأحمر روايتهما في أميرٍ («كان مليك العصر في المغرب»).

وساق المقّري استطرادات في الاعتبار بزوال الدول (فصلًا من «النبراس في تاريخ بني العباس» لابن دِحية، ومراثيَ ونتفًا من وعظ ابن الجوزي). ومن وقائعها: نكبة الوزير أبي جعفر ابن عطية القضاعي — أصله من طرطوشة ثم دانية، كاتبِ علي بن يوسف بن تاشفين وابنيه تاشفين وإسحاق، ثم وزيرِ عبد المؤمن بن علي — سعى به خلفُه عبد السلام الكومي حتى سُجن مع أخيه عطية وقُتلا قرب تاقمرت، ولم تنفعه استعطافاته؛ وقال عبد المؤمن حين امتحن الشعراء بهجائه: «ذهب ابن عطية وذهب الأدب معه». ودخل السلطان أبو الحسن المريني سجلماسة عنوةً على أخيه أبي علي عمر سنة ٧٣٤هـ، وجاء به في الكَبْل إلى فاس، ثم قتله بالفصد والخنق في ربيع الأول من السنة، وكان القبض عليه في محرم. وذكر المقّري أن جدّه قاضي القضاة أبا عبد الله المقّري التلمساني كان أحد أشياخ لسان الدين.

الباب الثالث (أ): في ذكر مشايخ لسان الدين

تمهيد: ابن عطية الموحّدي

يُختم الفصل السابق بذكر أبي جعفر ابن عطية، كاتب الموحّدين ووزيرهم، وبرسالته التي كتبها عن أبي حفص من وادي ماسة يُبشِّر بهزيمة الثائر الماسي — وهو محمد بن عبد الله بن هود المتلقّب بالهادي، ظهر برباط ماسة بالسوس وكثر أتباعه، وقضى عليه أبو حفص عمر إينتي سنة ٥٤١هـ. وبهذه الرسالة نال ابن عطية الوزارة. ويقارن المقّري بين مصيره ومصير لسان الدين: كلاهما وزير ذاق الذلّ بعد العزّ.

الشريف أبو القاسم الحسني السبتي (ت ٧٦١هـ)

أوّل مشايخ لسان الدين وأشهرهم: أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد الحسني السبتي، المعروف بالشريف الغرناطي، قاضي الجماعة بغرناطة ورئيس العلوم اللسانية بالأندلس. مولده سنة ٦٩٧هـ. مصنّفاته: شرح «الخزرجية» (قصيدة في العروض) وسمّاه «رياضة الأبيّ»، وقد افترع مشكلاتها بعد أن عجز الناس عن فكّها؛ وشرح مقصورة حازم القرطاجني — التي مدح بها الحفصيَّ المنتصرَ بالله أبا عبد الله محمد — وسمّاه «رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة» في مجلّدين كبيرين، رآه المقّري بالمغرب واستفاد منه؛ وله ديوان شعر سمّاه «جهد المقلّ». كان إمامًا في الحديث والفقه والنحو والبيان. أخذ عنه — غير لسان الدين — العلّامة الأصولي أبو إسحاق الشاطبي، والوزير الكاتب أبو عبد الله ابن زمرك (الذي رثاه عند قبره بقصيدة مشهورة). وذكر ابن الخطيب القسمطيني (ت ٨١٠هـ) وفاته في «وفياته» سنة ٧٦١هـ وقال إنه أُجيز منه إجازة عامة، و«لم يكن أحد بعده مثله بالأندلس». ونبّه المقّري إلى أن لسان الدين ذكر في «الإحاطة» أن وفاته سنة ٧٦٠هـ، وأشار إلى الخلاف.

ابناه: أبو المعالي، قاضي الجماعة بغرناطة، وكانت أمّه حسينية فكان شريفًا من الجهتين؛ ترك الوظائف وتجرّد للعبادة ولبس المرقّعة، ثم عاد إلى القضاء وعُزل عن سخط. وأبو العباس أحمد، قاضٍ بشرقي الأندلس. وأورد المقّري عن كتاب الراعي «الفتح المنير» خبرًا صوفيًّا في «قنديل» أبي المعالي المفقود، وقع بزاوية المحروق بظاهر غرناطة، وشيخ فقرائها يومئذ أبو جعفر أحمد المحدود.

ابن جابر الوادي آشي (ت ٧٧٩هـ)

شمس الدين أبو عبد الله محمد بن جابر الوادي آشي، وُلد بتونس، ابن المحدّث معين الدين جابر بن محمد القيسي؛ شيخ رحّال متقن. عاشره ابن مرزوق سفرًا وحضرًا، وقرأ عليه بالقاهرة وفاس وظاهر قسنطينة وبجاية وظاهر المهدية وتلمسان: «الموطأ» برواية يحيى، و«الشفاء» لعياض، وأحاديث عوالي من تخريج الدمياطي. وفي سنده للموطّأ غريبتان: ليس فيه إجازة، وشيوخه كلّهم قرطبيون. أخذ القراءات عن ابن الزيات، وكتب بخطّه كثيرًا، وله معرفة بالحديث والنحو واللغة والشعر. مولده «سنة ٦٧» [كذا في الأصل، ناقص]، وتوفي بتونس سنة ٧٧٩هـ.

المقّري الجَدّ: الأصل والتجارة الصحراوية

أكبر مشايخ ابن الخطيب — وجدُّ مؤلِّف «نفح الطيب» — هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر القرشي المقّري، قاضي الجماعة بفاس، تلمساني المولد. نسبته إلى مقرة، قرية من قرى الزاب بإفريقية، انتقل منها جدّه إلى تلمسان صحبة شيخه أبي مدين. أوّل من استقرّ بتلمسان من سلفه: عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي المقّري، صاحب أبي مدين.

ووصف المقّري الجدّ (وينقله لسان الدين في «الإحاطة») شبكةَ تجارة أسرته عبر الصحراء: عقد خمسةُ إخوة شركةً على السواء في كل ما ملكوا؛ أبو بكر ومحمد بتلمسان، عبد الرحمن بسجلماسة، عبد الواحد وعلي بإيوالاتن (والاتة). كان التلمساني يبعث السلع، ويبعث الصحراوي الجلد والعاج والجوز والتِّبْر، والسجلماسي «كلسان الميزان» يُعرّفهما بالخسران والرجحان وأخبار التجار والبلدان. ومهّدوا طريق الصحراء بحفر الآبار وتأمين التجار، واتخذوا طبلًا للرحيل ورايةً للمسير، فاتّسعت أموالهم. ولما افتتح التكرور كورةَ إيوالاتن أُصيبت أموالهم؛ ثم أكرمهم ملكها ومكّنهم من التجارة في بلاده. ثم أنفق الأبناء ولم يُثمّروا، وتوالت الفتن وجور السلاطين، فلم يبقَ للجدّ من ذلك إلا «خزانة كبيرة من الكتب» تفرّغ بها للطلب. ومولده بتلمسان أيام أبي حمو موسى بن عثمان بن يغمراسن بن زيان، وقد امتنع من ذكر سنّه.

في قرشيّته خلاف: صرّح بها ابن خلدون وابن الأحمر في «نثير الجمان» وابن غازي وأحمد زرّوق والونشريسي ولسان الدين؛ وكتب بعض المغاربة على هامش «الإحاطة» أنها وهم، فردّ عليه أبو الفضل ابن الإمام التلمساني بأنها صحيحة وأن المنافسة البلدية هي الحاملة على إنكارها. وألّف ابن مرزوق فيه كتابًا: «النور البدري في التعريف بالفقيه المقّري».

القضاء بفاس والسفارة إلى غرناطة

وصفه لسان الدين في «الإحاطة» بالقيام التامّ على العربية والفقه والتفسير، وحفظ الحديث والتاريخ والآداب، والمشاركة في الأصلين والجدل والمنطق، والكلام في طريقة الصوفية والتدوين فيها؛ شرّق وحجّ ورحل. خرج من تلمسان صحبة ركاب السلطان المريني أبي عنان سنة ٧٤٩هـ إلى فاس، فولّاه قضاء الجماعة بفاس.

ثم أُخّر عن القضاء واستُعمل في الرسالة إلى الأندلس، فوصل غرناطة أوائل جمادى الآخرة سنة ٧٥٧هـ. فلما قضى غرض سفارته واحتلّ مالقة في منصرفه، بدا له نبذُ الخدمة والتجرّدُ للعبادة، فتقاعد بمالقة ثم لحق بغرناطة وتذمّم بمسجدها. فغضب أبو عنان وأنكر إبطال عمل الرسالة، وتجهّزت جملةٌ من خدّامه للتضييق عليه. فصدرت شفاعة من سلطان غرناطة، وكتب لسان الدين في ذلك مخاطبتين سلطانيتين (نصّهما في «كناسة الدكان بعد انتقال السكان» وفي «الريحانة»)، مضمونهما: طلب الإذن له في التخلّي، وبيان أنه سكن بعض أماكن المدرسة بغرناطة مستور المنتمى، مختلطًا باللفيف، لا يظهر إلا لصلاة. وقد أعانه في الشفاعة قاضي الجماعة أبو القاسم الشريف والخطيب أبو البركات ابن الحاج. وتاريخ الكتاب: ٢١ جمادى الآخرة ٧٥٧هـ. وعلّق المقّري: «هذه آفة مخالطة الملوك».

شيوخ المقّري الجدّ (من جزئه «نظم اللآلي في سلوك الأمالي»)

عدّ نحو سبعة وستين شيخًا؛ أبرزهم:

  • ابنا الإمام: أبو زيد عبد الرحمن وأبو موسى عيسى، ابنا محمد بن عبد الله ابن الإمام، من برشك؛ رحلا شابّين إلى تونس فأخذا عن ابن جماعة وابن العطار واليفرني، وأدركا المرجاني؛ ووردا تلمسان في أول المائة الثامنة وأبو يعقوب المريني محاصر لها. ثم رحلا إلى المشرق في حدود سنة ٧٢٠هـ، فلقيا علاء الدين القونوي وجلال الدين القزويني صاحب «البيان»، وسمعا «صحيح البخاري» على الحجّار، وناظرا تقيَّ الدين ابن تيمية وظهرا عليه، وكان ذلك من أسباب محنته. حظِيا عند أبي حمو ثم ابنه أبي تاشفين ثم أبي الحسن المريني. توفي أبو زيد في العشر الأوسط من رمضان سنة ٧٤١هـ، بعد وقعة طريف بأشهر؛ وبقي أبو موسى إلى ما بعد الطاعون العام.
  • أبو موسى عمران بن موسى المشدالي: حافظ بجاية ومدرّسها ومفتيها؛ فرّ من حصار بجاية إلى الجزائر، فاستقدمه أبو تاشفين، فدرّس بتلمسان الحديث والفقه والأصلين والنحو والمنطق والجدل والفرائض.
  • أبو إسحاق إبراهيم بن حكم السلوي: ورد تلمسان بعد سنة ٧٢٠هـ، وقُتل يوم دخولها على بني عبد الواد في ٢٨ رمضان ٧٣٧هـ.
  • أبو محمد عبد الله بن عبد الواحد المجاصي: خطيب جامع القصر الجديد، محدّث مُجوِّد، يُعرف بـ«البكّاء» و«الخاشع»؛ توفي في العشر الأخير من ربيع الأول ٧٤١هـ.
  • أبو علي الحسن بن يوسف الحسيني السبتي: شريف رحّال معمَّر، أدرك ابن أبي الربيع وأبا القاسم العزفي وابن الشاط، ولقي بالمشرق ابن دقيق العيد؛ استوطن تلمسان ومات بها سنة ٧٥٣ أو ٧٥٤هـ.
  • ابن هدية القرشي (أبو عبد الله محمد بن منصور)، من ولد عقبة بن نافع الفهري: قاضي جماعة تلمسان وكاتبها وخطيبها؛ توفي في أواسط سنة ٧٣٥هـ (وقيل ٧٣٦)، وشهد جنازته السلطان أبو تاشفين، وولّى ابنه أبا علي منصورًا مكانه.
  • ابن عبد النور الندرومي: قاضي الجماعة بعد ابن أبي عمرو، رحل شرقًا ولقي القزويني؛ توفي بتونس في الوباء العام حدود سنة ٧٥٠هـ.
  • ابن النجّار (أبو عبد الله محمد بن يحيى): إمام التعاليم والنجامة والتوقيت — سمّاه ابن خلدون «شيخ التعاليم»؛ له مباحث في مواقيت الصلاة والشفق؛ توفي بتونس أيام الوباء العام.
  • ابن مزاحم المكناسي (أبو الحسن علي بن أبي بكر ابن سبع): مقرئ راوية، جمع عليه المقّري السبعَ وقرأ البخاري والشاطبيتين؛ توفي بفاس في الوباء العام. وفي سنده نادرة: سمع البخاري من الحجّار سنة ٧٣٠هـ، وكان الحجّار سمعه من ابن الزبيدي سنة ٦٣٠هـ — أي بفارق مائة سنة، «لا يُعرف له نظير في الإسلام» إلا سماع البغوي.
  • عبد المهيمن الحضرمي السبتي: إمام المحدّثين والنحاة بالمغرب، وكاتب الخلافة المرينية (لعثمان بن يعقوب ولأبي الحسن) وصاحب علامته؛ توفي بتونس في الوباء العام.
  • الآبلي (أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبدري التلمساني، نسبةً إلى آبلة/Ávila): «عالم الدنيا»، وشيخ ابن خلدون؛ سمع من جدّه لأمّه ابن غلبون المرسي، وأخذ عن التنسي وابني الإمام، ورحل آخر المائة السابعة إلى مصر والشام والحجاز والعراق، ثم فرّ من أبي حمو إلى المغرب فأدرك ابن البنّاء. ومن أقواله: «ما في الأمّة المحمدية أشعر من ابن الفارض»؛ و«إنما أفسد العلمَ كثرةُ التواليف، وإنما أذهبه بنيانُ المدارس» — لأن التأليف نسخ الرحلة التي هي أصل جمع العلم، فصار يُشترى أكبر ديوان بأبخس ثمن، ولأن المدارس تجذب الطلبة إلى الجرايات فتُصرف عن أهل العلم حقيقةً.
  • ابن شاطر الجمحي المراكشي (ت ٧٥٧هـ): «نادرة» زمانه، صاحب الآبلي وأبي زيد الهزميري وابن البنّاء؛ كان معتقَدًا عند الناس، وكان أبو عنان يعظّمه ويصله، ويدخل عليه القصر. أعطاه أبو عنان ألف دينار ليحجّ بها ففرّقها بتلمسان على المتفرّجين، وقال للسلطان: «إذا جهلتَ أصلَ المال فانظر مصارفه».
  • بقيّة المشيخة: من العلماء والصلحاء بتلمسان، ومنهم أبو عثمان سعيد الخيّاط (ت ٧٢٩هـ) صاحب سند المصافحة، وابنا الشيخ ابن مرزوق العجيسي — وقد ألبسه أحدهما خرقة التصوف، بسند عن بلال بن عبد الله الحبشي خادم أبي مدين (وُلد بلال سنة ٥٥٩هـ، وخدم أبا مدين نحو خمس عشرة سنة إلى وفاته سنة ٥٩٠هـ، وعاش بعده أكثر من مائة سنة).

الرحلة

لقي ببجاية: ابن المسفر الباهلي (ت ٧٤٣هـ)، وقاضيها ابن الشيخ أبي يوسف الزواوي، وأبا علي حسين بن حسين إمام المعقولات بعد ناصر الدين، وخطيبها أحمد بن عمران. وبتونس: قاضي الجماعة ابن عبد السلام، وابن هارون شارح ابن الحاجب، وابن الجيّاب الكاتب، وأبا الحسن المنتصر وارث طريقة المرجاني، والزبيدي. وبفاس: اليزناسي، وعبد المؤمن الجاناتي، وأبا زرهون القيرواني، ومصباح اليالصوني «حافظ وقته»، وابن عفّان الجزولي. وبتازى: ابن عطية والمجاصي والجيّار. ثم بلغ أغمات وسبتة. ثم رحل إلى الحجاز، فلقي بمصر أثير الدين أبا حيّان الغرناطي وابن عدلان وابن اللبّان والمنوفي فقيه المالكية؛ وبمكة خليلًا التوزري؛ وبالمدينة عبد الوهاب الجبرتي؛ وبدمشق ابنَ قيّم الجوزية صاحب ابن تيمية وصدرَ الدين الغماري؛ وببيت المقدس ابن مثبت والقاضي شمس الدين بن سالم. ثم رجع إلى المغرب فدخل سجلماسة ودرعة، ثم قطع إلى الأندلس: الجبل (جبل طارق) وأصطبونة (Estepona) ومربلة (Marbella) ومالقة وبلش (Vélez) والحامة (Alhama)، وانتهت به الرحلة إلى غرناطة.

شهادات ووفاة

نقل المقّري عن ابن خلدون في «التعريف» أنه وصفه بـ«كبير علماء المغرب»، وأنه سأله عن القاهرة فقال: «من لم يرها لم يعرف عزّ الإسلام». (وفي السياق نفسه: أبو القاسم البرجي، قاضي عسكر فاس، سُفِّر عن أبي عنان إلى ملوك مصر سنة ٧٥٥هـ.) وقال الونشريسي: توفي يوم الأربعاء ٢٩ جمادى الأولى سنة ٧٥٩هـ بفاس، إثر قدومه من الأندلس في غرض الرسالة، ثم نُقل إلى تلمسان مسقط رأسه ودُفن في البستان الملاصق لقبلي داره بباب الصرف.

ومن أخبار صرامته: كان لا يقوم لنقيب الشرفاء بفاس مع قيام السلطان وأهل المجلس، وقال له: «أما شرفي فمحقَّق بالعلم، وأما شرفك فمظنون». ولما قرأ «صحيح مسلم» بحضرة أبي عنان وبلغ أحاديث «الأئمة من قريش» قال: «القرشيّ اليوم مظنون»، فبعث إليه السلطان بألف دينار. وسُئل عن سوء بخت المسلمين في ملوكهم فأجاب بأن الملك ليس في شريعتنا — إنما جُعلت لهذه الأمة خلافة، وأول من حوّل الخلافة ملكًا معاوية.

مصنّفاته

«القواعد» (اشتمل على ألف ومائتي قاعدة؛ قال الونشريسي: لم يُسبق إلى مثله، ولم يرَ المقّري منه بمصر إلا نسخةً من أوقاف رواق المغاربة بالأزهر)؛ «الطرف والتحف»؛ اختصار «المحصّل» (لم يكمله)؛ شرح «جمل» الخونجي (لم يكمله)؛ «عمل من طبّ لمن حبّ» (أربعة أنواع: أحاديث حِكَمية، وكلّيات فقهية، وقواعد وأصول، واصطلاحات)؛ «المحاضرات»؛ «شرح لغة قصائد المغربي الخطيب»؛ «مقالة في الطلعة المملكة»؛ شرح «التسهيل»؛ «النظائر»؛ «المحرّك لدعاوى الشرّ من أبي عنان»؛ «إقامة المريد»؛ «رحلة المتبتّل»؛ حاشية على مختصر ابن الحاجب الفقهي؛ وفي التصوف «الحقائق والرقائق» (شرحه أحمد زرّوق). وفرغ من «المحاضرات» في آخر يوم من شعبان سنة ٧٥٧هـ.

من «المحاضرات»: واقعة المرأة الرندية

أورد الجدّ خبرًا يكشف عن نزعته العقلية: وردت على تلمسان في العشرة الخامسة من المائة الثامنة امرأةٌ من رندة لا تأكل ولا تشرب ولا تتغوّط ولا تحيض، فأنكر أمرها الفقيه أبو موسى ابن الإمام. فبُثّت إليها ثقات النساء فكشفن عنها فلم يقفن على غير ما ذُكر. وجعلها السلطان في موضع بقصره وحفظها بالعدول أربعين يومًا. فأشار المقّري الجدّ بأن يُزاد في عدد العدول، ويُجمع إليهم الأطباء ومن يخوض في المعقولات من علماء الملل، مسلمين وغيرهم، وأن يُستدام رصدها سنةً كاملة — لاحتمال أن يغلب عليها طبعٌ في فصل دون فصل — ثم يُكتب ذلك في العقود ويُشاع؛ لأنه في رأيه يهدم «حكم الطبيعة» ويثبت أن الاقترانات بالعادة لا باللزوم. فلم يستجب أحد. وذكر أن امرأة أخرى كانت كذلك، وأن عائشة بنت أبي يحيى اختبرت عائشة الجزيرية أربعين يومًا. وعقّب بأن الوباء العام كذلك ممّا يُوشك أن يُنسى ويُكذَّب المحدِّث به إذا انقضى عصره.

صورة الحياة العلمية

يكشف المقطع عن شبكة علمية متّصلة بين غرناطة وفاس وتلمسان وبجاية وتونس والقاهرة ودمشق والحجاز: الرحلة في طلب الإسناد، والمصافحة والخرقة الصوفية بسندٍ متّصل إلى أبي مدين، والمناظرة في مجالس السلاطين (أبو تاشفين، أبو الحسن، أبو عنان) في الفقه والأصول والمنطق والنحو. وسجّل الشاطبي في «الإنشادات والإفادات» مجلسًا بالمسجد الجامع بغرناطة في أواخر ربيع الأول سنة ٧٥٧هـ جمع: القاضي المقّري، والقاضي أبا القاسم الشريف، والأستاذ أبا سعيد ابن لبّ، وأبا عبد الله البلنسي، وذا الوزارتين ابن الخطيب، وجماعة من الطلبة — وهو أوضح مشهد في المقطع للحياة العلمية بغرناطة. ويتكرّر في تراجم هذه الطبقة ذكر الوباء العام (الطاعون الأسود، حدود ٧٥٠هـ) سببًا لموت أكثرهم بتونس وفاس. ومن أخبار الدولة: قال أبو عنان إن جدّه أبا يوسف يعقوب بن عبد الحق كان يقول: «الولايات ست: ثلاث وقفتُها على اختياري: الحجابة والقصبة والشرطة؛ وثلاث موكولة إليكم: القضاء والإمامة والحسبة». وأبو يعقوب يوسف بن يعقوب بن عبد الحق توفي محاصِرًا لتلمسان في ذي القعدة سنة ٧٠٦هـ، وكان ابتداء حصاره إياها سنة ٦٩٨هـ.

الباب الثالث (ب): تتمة مشايخ لسان الدين بن الخطيب

المقّري الجدّ وتلاميذه

يختم المقّري ما اقتطفه من «الحقائق والرقائق» لجدّه أبي عبد الله محمد المقّري التلمساني، وهو مبنيّ على فقراتٍ موسومة بـ«حقيقة» و«رقيقة» في التصوّف، ثم يورد نظمه، ومنه تكملةٌ لتائية ابن الفارض سمّاها «لمحة العارض»، ردّ بها مائة وسبعة وسبعين بيتًا زعم أن الدهر أسقطها. ومن مصنّفاته «القواعد». وعرّف به ابن مرزوق الحفيد في «النور البدري في التعريف بالفقيه المقّري». أخذ عنه: لسان الدين ابن الخطيب، وابن زمرك، والقيجاطي، والقاضي الرحّال محمد بن سعيد الصنهاجي الزموري المعروف بنقشابو، وابن خلدون، وأبو إسحاق الشاطبي، وعبد الله ابن جزي، وابن عبّاد الرندي.

ابن عبّاد الرندي (٧٣٣–٧٩٢هـ)

محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن عبّاد، النفزي نسبًا، الرندي بلدًا. وُلد برندة سنة ٧٣٣هـ وحفظ القرآن ابن سبع سنين. أخذ عن أبيه الخطيب إبراهيم؛ وبتلمسان وفاس عن الشريف التلمساني والمقّري الجدّ والآبلي؛ ثم لزم بسلا الشيخ أحمد بن عاشر سنين. تولّى الإمامة والخطابة بجامع القرويين بفاس نحو خمس عشرة سنة؛ لم يتزوّج ولم يملك أمة. مصنّفاته: «الرسائل الكبرى» و«الصغرى»، وشرح «الحكم» لابن عطاء الله، ونظمُها في ثمانمائة بيت رجز، وديوان خطب تُقرأ منه كراسة المولد بين يدي السلاطين. واختُلف في وفاته: قال السرّاج يوم الجمعة ثالث رجب ٧٩٢هـ، وقال أحمد زرّوق رابع رجب ٧٧٢هـ؛ دُفن بكدية البراطل داخل باب الفتوح، وحضر جنازته السلطان أبو العباس أحمد ابن أبي سالم. وسكن المقّري «دار الشيخ ابن عبّاد» حين ولي خطابة القرويين خمس سنين وأشهرًا.

مشايخه بمكناسة (لقيهم سنة ٧٦١هـ)

  • عبد الحق بن سعيد، قاضي مكناسة، قائمٌ على مختصر ابن الحاجب قرأه على ابني الإمام عالِمَي تلمسان؛ ألّف «الخادمة على الرسالة الحاكمة» على فتوى ابن العربي، وأجاز لسان الدين.
  • يونس بن عطية الونشريسي: ولي القضاء بقصر كتامة. وابن أبي عفيف: متصدّر لإقراء «الشفاء»، أخذ الأصول عن الصبّاغ والآبلي. وأبو علي عمر بن عثمان الونشريسي: أستاذ في العربية (ت بفاس ٨١٠هـ في قول المحقق). وابن أبي رمانة، قاضي مكناس.
  • أبو جعفر أحمد بن محمد الأوسي الخبّاز: عدلٌ أخباريّ، ألّف «المنهل المورود في شرح المقصد المحمود» شرحًا لوثائق الجزيري في ثلاث مجلدات.
  • أبو علي الحسن بن عثمان بن عطية التجاني الونشريسي: مولده نحو ٧٢٤هـ، فرضيّ حاسب، له أرجوزة في الفرائض وشرحها، أخذ عن أبي البركات البلفيقي. قصر السلطان أبو عنان شهود مكناسة على عشرة وأدرجه فيهم، فشغّب شيوخ العدول لحداثة سنّه، فرفع إليه أرجوزةً محتجًّا بأن سنّه قارب الأربعين، فأمر بإقراره.
  • أحمد ابن عاشر السلاوي (ت ٧٦٥هـ): الوليّ المشهور، لقيه لسان الدين بسلا على تعذّرٍ لشدّة نفوره من أصحاب الرياسة. قبره على ساحل المحيط خارج سلا مزارٌ تُشدّ إليه الرحال.

ابن الفخّار البيري (ت ٧٥٤هـ)

محمد بن علي الفخّار البيري، شيخ النحاة بالأندلس وأستاذ الجماعة بغرناطة؛ لازمه لسان الدين في العربية والفقه والتفسير، وأخذ عنه الشاطبي وابن زمرك. توفي بنصّ المقّري ليلة الاثنين ١٢ رجب ٧٥٤هـ (وذكر المحقق عن مصادر أخرى سنة ٧٢٣، والخبران متعارضان). ورثاه على قبره أبو محمد عبد الله بن حذلم، كاتب علامة السلطان عبد الرحمن المريني.

ابن خميس التلمساني (ت ٧٠٨هـ)

محمد بن عمر بن محمد الحجري الرعيني، من تلمسان؛ شاعرٌ فحل قائم على العربية والأصلين. حُكيت له بسبتة واقعةٌ أعجزته فيها عشر مسائل صرفية ألقاها عليه أصغر الطلبة فانصرف مغضبًا إلى غرناطة، واعتذر عنه ابن مرزوق في «تمهيد المسالك». قدم المرية سنة ٧٠٦هـ فنزل في كنف القائد ابن كماشة من خدّام الوزير ابن الحكيم، ومدح الوزير، وأقرأ العربية بغرناطة، ومال بأخرة إلى التصوّف. قُتل ضحوة يوم الفطر مستهلّ شوّال ٧٠٨هـ بغرناطة وهو ابن نيّف وستين سنة، في اليوم الذي قُتل فيه مخدومه ابن الحكيم. جمع شعره القاضي محمد بن إبراهيم الحضرمي في «الدر النفيس في شعر ابن خميس»، وقصائده مشحونة بالحنين إلى تلمسان وذكر حصار يعقوب بن عبد الحق لها، وبمدح بني العزفي أصحاب سبتة.

أساتذته بغرناطة

ابن العوّاد (ابن عبد الولي): علّمه القرآن على مقرأ أبي عمرو، ثم نقله إلى أبي الحسن علي القيجاطي أستاذ الجماعة، فقرأ عليه القرآن والعربية، وهو أول من انتفع به. ومنهم ابن بيبش، له نظمٌ وألغاز.

ابن بكر قاضي الجماعة: محمد بن يحيى بن محمد بن بكر الأشعري المالقي، من ذرية أبي موسى الأشعري؛ مبرِّز في الحديث والأنساب والعربية والفرائض. ولي القضاء بمالقة ثم بغرناطة سنة ٧٣٧هـ، فزيّف من الشهود ما يزيد على سبعين فاستهدف لعداوةٍ شديدة. قُتل في وقعة طريف ضحى الاثنين ٧ جمادى الأولى ٧٤١هـ.

التسولي والطنجالي

إبراهيم بن عبد الرحمن التسولي (أبو سالم، ابن أبي يحيى) من أهل تازى: قيّمٌ على «التهذيب» و«رسالة ابن أبي زيد» وله عليهما تقييدان وشرحٌ للرسالة وتقييدٌ على «المدونة»؛ درّس بمدرسة عدوة الأندلس بفاس، ولازم أبا الحسن الصغير. استعمله السلطان في السفارة — وعلّق لسان الدين بأن من خدم الملوك يبوء بالصفقة الخاسرة. فُلج بأخرة فلزم منزله بفاس، وتوفي بعد سنة ٧٤٨هـ (وقيل ٧٤٩).

الطنجالي الهاشمي (محمد بن أحمد): خطيبٌ ثم قاضٍ ببلده؛ ولما وقع الوباء العظيم فزع الناس إليه بأموالهم وعهود صدقاتهم، فاجتمع في يده من المال والحلي ما تضيق عنه بيوت أموال الملك، فصرفه في وجوهه ولم يتلبّس منه بشيء، ثم استعفى.

ابن مرزوق الخطيب (٧١١–٧٨١هـ)

محمد بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق العجيسي التلمساني، الملقّب شمس الدين. مولده بتلمسان سنة ٧١١هـ عند لسان الدين و٧١٠هـ عند ابن خلدون؛ سلفه نزلاء الشيخ أبي مدين بالعبّاد ومتوارثو تربته. رحل مع أبيه إلى المشرق سنة ٧١٣هـ فحجّ وجاور وأخذ عن نحو مائتين وخمسين شيخًا بالحرمين ومصر والشام والإسكندرية وتونس وبجاية وتلمسان، وسردهم في فهرسته «عجالة المستوفز المستجاز». رجع إلى المغرب نحو ٧٣٣هـ فولّاه السلطان أبو الحسن المريني خطابة مسجد العبّاد مكان عمّه، وجعله إمام جمعته وخطيب منبره وأمين رسالته. حضر معه وقعة طريف، ثم استُعمل سفيرًا إلى الأندلس وإلى ملك قشتالة لتقرير الصلح واستنقاذ ولد السلطان المأسور يوم طريف. استقرّ بالأندلس مفلتًا من النكبة سنة ٧٥٢هـ، فقلّده أبو الحجاج خطابة مسجد الحمراء في ٦ صفر ٧٥٣هـ، ثم صُرف سنة ٧٥٤هـ فلحق ببلاط أبي عنان. سجنه أمراء بني زيان بتلمسان (عثمان بن يحيى وأبو ثابت) في مطبقٍ عميق؛ ثم سجنه أبو عنان سنة ٧٥٨هـ إثر سفارته إلى تونس لخطبة ابنة السلطان أبي يحيى فرُدّت الخطبة. ولما ملك أبو سالم صار زمام الأمور بيده؛ فلما وثب عمر بن عبد الله بالسلطان آخر سنة ٧٦٢هـ حُبس ونُهبت أمواله واصطُفيت أمهات أولاده، ثم أُطلق. ركب البحر من ساحل باديس وسط رجب ٧٦٤هـ، وبلغ تونس ٧٦٥هـ فولي خطابة جامع ملكها وتدريس مدرسة الشمّاعين، ثم رحل ٧٧٣هـ إلى مصر، فأكرمه السلطان الأشرف شعبان ودرّس بالشيخونية والصرغتمشية والنجمية. توفي بالقاهرة ربيع الأول ٧٨١هـ ودُفن بين ابن القاسم وأشهب. تآليفه: شرح «العمدة» في خمسة أسفار، وشرح «الشفاء» (لم يكمل)، وشرح «الأحكام الصغرى» لعبد الحق، و«إزالة الحاجب لفروع ابن الحاجب»، وديوان خطب. وقد علّق بخطّه على «الإحاطة» نافيًا بعض ما ذكره لسان الدين عن محنته، واحتجّ بأنه خطب على ثمانية وأربعين منبرًا شرقًا وغربًا وأندلسًا.

ابن مرزوق الحفيد والكفيف

الحفيد: محمد بن أحمد بن محمد بن مرزوق، مولده ٢٤ ربيع الأول ٧٦٦هـ، وأمّه عائشة بنت القاضي أحمد المديوني. أخذ عن الشريف عبد الله التلمساني، وسعيد العقباني، وإبراهيم المصمودي (أفرد ترجمته بتأليف)، وابن عرفة بتونس، والمكودي بفاس، وبمصر عن البلقيني والعراقي وابن الملقّن وصاحب «القاموس» وابن خلدون. حجّ سنة ٧٩٠هـ رفيقًا لابن عرفة، ثم سنة ٨١٩هـ. أخذ عنه الثعالبي والقلصادي والتنسي وابنه الكفيف. توفي بمصر يوم الخميس ١٤ شعبان ٨٤٢هـ. مصنّفاته: ثلاثة شروح على البردة (أكبرها «إظهار صدق المودة»)، و«الغاية القراطيسية» شرح الشقراطيسية، ورجز «الروضة» في علوم الحديث ومختصره «الحديقة»، و«المقنع الشافي» في الميقات (١٧٠٠ بيت)، و«نهاية الأمل» شرح جمل الخونجي، و«النصح الخالص» ردًّا على العقباني في مسألة الفقراء الصوفية، و«أنوار الدراري في مكررات البخاري»؛ ولم يكمل شروحه على البخاري والتهذيب ومختصر خليل.

الكفيف: محمد بن محمد بن أحمد بن مرزوق، جدّ أمّ جدّ المقّري. مولده غرة ذي القعدة ٨٢٤هـ؛ أخذ عن أبيه الحفيد والعقباني والثعالبي، وعن ابن حجر العسقلاني مكاتبةً؛ وأخذ عنه السنوسي صاحب العقائد، والونشريسي صاحب «المعيار»، وابن غازي بالإجازة. توفي سنة ٩٠١هـ بتلمسان.

ابن الجيّاب (٦٧٣–٧٤٩هـ)

علي بن محمد بن سليمان الأنصاري الغرناطي، رئيس الكتّاب وشيخ لسان الدين وسلفه في العلامة والوزارة؛ أخذ عن أبي جعفر ابن الزبير. وُلد بغرناطة جمادى الأولى ٦٧٣هـ، وتوفي ليلة الأربعاء ٢٣ شوال ٧٤٩هـ. دوّن لسان الدين شعره، واقتنص من نثره جزءًا سمّاه «تافه من حجم ونقطة من يمّ». نظمه: معشّرات نبوية، وقصائد في التصوّف ومدح بني نصر (منها وصف مصنعٍ سلطانيّ لأبي الحجاج)، ورثاءٌ لولده أبي القاسم، وألغازٌ كثيرة. ورثاه لسان الدين بقصيدةٍ أنشدها على قبره خامس يوم دفنه، وأنشد في تأبينه ابنُ جزي وأبو بكر القرشي وابن الحكم؛ ونبّه لسان الدين على أن هذا التأبين غريبٌ لم يسبق له عهدٌ بحضرة غرناطة لكونها دار مُلك، والتجلّة في مثله مقصورة على أولي الأمر.

الباب الثالث (ج): خاتمة مشايخ لسان الدين

باب تراجم لأشياخ لسان الدين ابن الخطيب، ينقل فيه المقّري أكثرَ موادّه من «الإحاطة» و«الكتيبة الكامنة» لابن الخطيب، ومن «نثير الجمان» لابن الأحمر، ومن ابن قنفذ القسنطيني وابن حجر. وقد رقّم المقّري أشياخه، فبلغ في هذا المقطع الرقم ٢٨، ثم ختم بثبت شيوخ لسان الدين كما في «الإحاطة».

أبو الحسن ابن الجيّاب (رئيس الكتّاب بغرناطة)

شاعرٌ كاتب مُحكِمٌ للإلغاز والتصحيف — قال المقّري: لم يرَ أحدًا أحكم الإلغاز مثله. كتب النقشَ الشعري على باب المدرسة العلمية بغرناطة التي بناها السلطان يوسف. ومن نثره الرسمي — وهو أهمّ ما فيه من الوقائع — كتابٌ كتبه عن سلطان غرناطة إلى السلطان أبي سعيد المريني صاحب فاس: يُعلمه أنّ ملك قشتالة دسّ من يفاوض في هدنة؛ وأنّ الخديم «نقروز» ورد إشبيلية فأُخذ معه أمرُ الصلح؛ وأنّ الشروط المعروضة هي صلحُ والده على الدار النصرية دون زيادة، ولا تعرّضَ لاسترجاع المعاقل التي صارت بيد النصارى، وأن يكون العقد على الجزيرة الخضراء ورندة وغيرهما؛ وأنّ ملك قشتالة أعطى مهادنةً مدّة شهر فبرير ريثما يُستطلع رأي فاس؛ ويعتذر بحاجة البلاد إلى الهدنة لما لقيته من جهد الحرب والقحط والجدب. وله أيضًا رسالةُ عزاءٍ عن غرناطة في وفاة السلطان أبي الحسن المريني موجَّهة إلى وليّ عهده الذي تقلّد الملك بعده. وحكم المقّري: «نظمه إلى طبقة من نثره… لا يتكلّف نظمًا ولا نثرًا».

واستطرد إلى ترجمة ابن أبي المجد: عبد الله البرّ بن علي بن سليمان الرعيني، من أرجدونة من كورة رِيَّة، خطيبٌ وقاضٍ ببلده ووزير، قرأ على أبي جعفر ابن الزبير وابن فضيلة المعافري وابن رشد، توفي ليلة النصف من شعبان ٧٣٩هـ.

٢٠ — أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي

صاحب القلم الأعلى والعلامة بالمغرب، نحويٌّ لغويٌّ محدّث. نشأ بسبتة، ونسبه يرتفع إلى العلاء بن الحضرمي، وأصل سلفه من اليمن، ارتحل جدّهم الأعلى عبدون إلى المغرب فنزل سبتة. شيوخه: ابن أبي الربيع النحوي، وابن الشاط، وابن مسعود، وزاد ابن قنفذ: ابن الغمّاز وابن صالح الكناني. توفي والده غرّة صفر ٧١٢هـ. ومولده بسبتة سنة ٧٧٦ [كذا في الأصل، وهو متعذّر مع تاريخ وفاته]، وتوفي بتونس في ١٢ شوال ٧٤٩هـ في الطاعون، وكانت جنازته مشهودة.

أخباره: سبّه السلطان أبو الحسن المريني بمجلس كتّابه، فكسر القلم وقال: «هذا هو الجامع بيني وبينك»، ثم ندم السلطان وأحسن إليه. وسُئل عن ثنائه على بني العزفي مع قولٍ إنهم لا يحبّون أهل البيت فقال: «أحبّهم حبّ التشرّع لا حبّ التشيّع» — ويُعلّق المقّري بأنّ أهل الدولة العزفية الأولى هم الذين أحدثوا بالمغرب تعظيم ليلة المولد النبوي. وله تشبيه سِجِلْماسة الشهير (رؤوس النخل كفواتح السور في آخر مصحف)، قاله حين ظفر أبو الحسن المريني بأخيه أبي علي عمر بسجلماسة واستمطر أفكار الكتّاب في تشبيه النخل.

تصحيحان للمقّري: بيتان مشهوران منسوبان لعبد المهيمن («يُجفى الفقير…») هما في الحقيقة لأبي المتوكل الهيثم بن أحمد السكوني الإشبيلي، إذ مات الهيثم قبل مولد عبد المهيمن، فنسبتهما إليه وهم. وأمّا بيتا أبي حيّان في مدحه فتاريخ مرور أبي حيان بالمغرب سابقٌ لظهوره؛ فإمّا أن يكون المقصود جدَّه، وإمّا أن يكون أبو حيّان كتب بهما من مصر بعد ظهوره (وقد طالت حياة أبي حيّان حتى أجاز ولدَي ابن الخطيب).

ألّف ابن مرزوق فهرسته المشهورة باسم ولد ولده. وابنه أبو سعيد محمد: أبى أن يُرسَم في جملة كتّاب أبي عنان قائلاً «لا أكون تحت حكم غيري» لأنّ أباه كان رئيس الكتّاب، فارتحل من فاس إلى سبتة وتوفي بها ٧٨٧هـ؛ روى عن أبيه وعن الحجّار (كتب له سنة ٧٢٤) وابن جابر الوادي آشي وابن رشيد. وابنه عبد المهيمن (كجدّه) صار صاحب القلم الأعلى.

٢١ — أبو البركات ابن الحاج البلفيقي

قاضي الجماعة: محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد ابن الحاج البلفيقي. جدّه الوليّ أبو إسحاق ابن الحاج البلفيقي، قبره بمرّاكش (زاره المقّري)؛ ومن مآثره أنه بنى ثمانية عشر جُبًّا ونحو عشرين مسجدًا وأكثر سور حصن بلفيق من ماله، وكان يواصل أربعين يومًا، وله في «مزية المرية» ذكر كراماته، ونصٌّ في تعريف الصوفي. وحُكي عنه أنه قال: «اجتمع لنا في الله أربعون ألف صاحب».

أخبار أبي البركات: أُولع بالبناء وحفر الآبار حتى نظم في ذلك؛ ونظم بغارٍ ببعض جبال المرية يوم عرفة سنة ٧٥٠هـ أبياتًا يُنكر فيها زعم وجود «الأبدال» في الجبال، قائلاً إنه لم يلقَ فيها غير الأفاعي والعقارب والسباع. طلّق زوجه الحرّة عائشة بنت الوزير أبي عبد الله محمد الكتاني ثم المغيلي بوثيقة كتبها بخطه، مؤرَّخة الثلاثاء أول ربيع الثاني ٧٥١هـ. قرأ على ابن رشيد (شرحه لقوافي حازم)، وحضر ببجاية مجلس ناصر الدين المشدالي فناظر الطلبة في تفضيل الملائكة على الأنبياء وأفحمهم. لمّا عزم على الرحلة إلى المشرق كتب إليه ابن خاتمة أبياتًا يستبقيه، فحلف ألّا يرحل من إقليم فيه من يقول مثلها. جُمع شعره في «العذب والأجاج من كلام أبي البركات ابن الحاج»، واستخرج منه أبو القاسم «اللؤلؤ والمرجان». ومن تواليفه: كتابٌ في أخبار سلفه وكرامات جدّه، و«المؤتمن على أنباء أبناء الزمن» (وصفه المقّري بأنه مفيد جدًّا). وهو من ذرية العباس بن مرداس السلمي. توفي في شوال ٧٧١هـ.

٢٢ — أبو زكريا يحيى بن هذيل التجيبي

الحكيم التعاليمي، «أعجوبة زمانه في الاطلاع على علوم الأوائل»: رتّب التعاليم وأتقن الهيئة وأسّس قواعد البراهين، مع الطبّ والمشاركة في العلوم. ديوانه «السليمانيات والعزفيات». مدح السلطان أبا الوليد ابن نصر (إسماعيل بن فرج) عند قدومه من فتح حصن أشكر — من عمل بسطة، سنة ٧٢٤هـ. وله شعر قاله وهو معتقل، وقصيدة طويلة في وصف ديك أُهدي إليه. قال لسان الدين: فُلِج، فلزم منزلي (منزل ابن الخطيب)، وكانت زوجته توفيت، فأوصى أن يُدفن حذاءها؛ مات في ٢٥ ذي القعدة ٧٥٣هـ ودُفن بحذاء زوجته كما عهد.

٢٣ — أبو بكر ابن الحكيم الرندي — ووالده ذو الوزارتين

الشيخ: أبو بكر محمد بن ذي الوزارتين أبي عبد الله ابن الحكيم الرندي، كاتب أديب متفنّن. واستطرد المقّري إلى ترجمة والده ذي الوزارتين أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى اللخمي الرندي: أصل سلفه من أعيان إشبيلية، ثم انتقلوا إلى رندة في دولة بني عبّاد؛ وجدّ والده يحيى هو المعروف بـ«الحكيم» لطبّه. مولده برندة سنة ٦٦٠هـ. رحل إلى الحجاز أول عام ٦٨٣هـ على فتاء سنّه، فحجّ وزار وتجوّل في المشرق منتجعًا عوالي الرواية، وأقام بمكة من رمضان إلى انقضاء الموسم، ثم المدينة، ثم مع الركب الشامي إلى دمشق، ثم قفل إلى المغرب، واحتلّ رندة أواخر ٦٨٥هـ؛ ورفيقه في الرحلة أبو عبد الله ابن رشيد الفهري. ولمّا أوقع السلطان ببني حبيب «الوقيعة البرمكية» ووَرَدَ رندة، هنّأه ابن الحكيم بقصيدة فاستدعاه، فوفد على الحضرة آخر ٦٨٦هـ، ورقّاه إلى كتابة الإنشاء. فلمّا توفي ثاني ملوك بني نصر وتقلّد الملك أبو عبد الله (المخلوع) جمع له بين الوزارة والكتابة، ولقّبه ذا الوزارتين وأعطاه العلامة، وأشرك معه في الوزارة أبا سلطان عبد العزيز بن سلطان الداني ثم أفرده بها بعد وفاته.

قُتل بحضرة غرناطة غدوة يوم الفطر، مستهلّ شوال ٧٠٨هـ، وذلك عند خلع سلطانه وخلافة أخيه أبي الجيوش مكانه؛ استولت الغوغاء على منازله فضاع مالٌ لا يُحصى وعروض «لا يُعلم لها قيمة» من الكتب والذخيرة والفرش والآنية والسلاح، ومُثِّل بجثته وطِيف بشِلْوه، فضاع ولم يُقبر. كان مفرطًا في اقتناء الكتب حتى ضاقت دُوره عن خزائنها؛ قال لسان الدين في «عائد الصلة»: «برمكيّ المائدة»، أحيا معالم الأدب ولم تشغله السياسة عن المطالعة والسماع. رثاه ابن شبرين بقصيدة طويلة، ومدحه عبد المهيمن الحضرمي وابن الجياب.

٢٤ — أبو الحسن علي القيجاطي

علي بن عمر بن إبراهيم بن عبد الله الكناني القيجاطي. ورد على غرناطة مستدعىً عام ٧١٢هـ، وقعد بمسجدها الأعظم يُقرئ القراءات والفقه والعربية والأدب، وولي الخطابة، وناب عن بعض القضاة بالحضرة. وهو أول أستاذ قرأ عليه لسان الدين القرآن والعربية والأدب. مولده ٦٥٠هـ، وتوفي بغرناطة ضحى السبت ٢٧ ذي الحجة ٧٣٠هـ، وحضره السلطان فمن دونه.

٢٥ — أبو سعيد فرج بن لُبّ

فرج بن قاسم بن أحمد بن لُبّ التغلبي، غرناطي. إليه انتهت رياسة الفتوى بالأندلس، ومدار الشورى. أقرأ بالمدرسة النصرية في ٢٨ رجب ٧٥٤هـ، وولي خطابة الجامع الأعظم بغرناطة. قرأ على القيجاطي بالسبع ولازمه، والعربية على ابن الفخّار، وأخذ عن ابن جابر الوادي آشي وابن الزيات وابن أبي العاصي وابن سلمون والطنجالي. مولده ٧٠١هـ، وتوفي ليلة السبت ١٧ ذي الحجة ٧٨٢هـ (كذا عند تلميذه المنتوري؛ وقال ابن حجر: ٧٨٣هـ، ورجّح المقّري رواية التلميذ). تواليفه: شرح جمل الزجّاجي، شرح تصريف التسهيل، «ينبوع عين الثرّة في تفريع مسألة الإمامة بالأجرة»، وفتاوى مدوّنة (جمعها ابن طركاط الأندلسي)، وكتابةٌ في مسألة الأدعية إثر الصلوات ردّ عليها تلميذه أبو يحيى ابن عاصم انتصارًا للشاطبي. من تلاميذه: الشاطبي، وابن علّاق، وأبو محمد ابن جزي، وابن زمرك، ثم ابن عاصم (الأخوان) وابن سراج والمنتوري. قال المواق: «شيخ الشيوخ… الذي نحن على فتاويه في الحلال والحرام». ونبّه المقّري إلى أن ابن الخطيب أثنى عليه في «الإحاطة» وغمزه في «الكتيبة».

٢٦ — أبو القاسم ابن جُزَيّ وبنوه

محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن يوسف بن جزي الكلبي، غرناطي؛ أصل سلفه من وَلْبة من حصن البراجلة، نزلها أولهم عند الفتح صحبة قريبهم أبي الخطّار حسام بن ضرار الكلبي، ولجدّهم يحيى رياسةٌ عند خلع دولة المرابطين. تقدّم خطيبًا بالمسجد الأعظم بغرناطة على حداثة سنّه. قرأ على أبي جعفر ابن الزبير وابن الكمّاد وابن رشيد والحضرمي وابن أبي الأحوص وابن برطال وأبي عامر ابن ربيع الأشعري والطنجالي وابن الشاط.

تواليفه: وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم؛ الأنوار السنية في الكلمات السنية؛ الدعوات والأذكار المخرجة من صحيح الأخبار؛ القوانين الفقهية وتلخيص مذهب المالكية والتنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبلية؛ تقريب الوصول إلى علم الأصول؛ النور المبين في قواعد عقائد الدين؛ المختصر البارع في قراءة نافع؛ أصول القرّاء الستة غير نافع؛ الفوائد العامة في لحن العامة؛ وفهرسة كبيرة.

مولده الخميس ٩ ربيع الثاني ٦٩٣هـ، وفُقِد وهو يحرّض الناس يوم كائنة طَريف (وقعة طريف) ضحوة الاثنين ٩ جمادى الأولى ٧٤١هـ — أي استُشهد في المعركة.

وبنوه ثلاثة: أبو بكر أحمد — كتب في الكتابة السلطانية أول دولة أبي الحجاج ابن نصر، وولي القضاء ببرجة وأندرش ثم وادي آش، ثم قاضي الجماعة بغرناطة في ٨ شوال ٧٦٠هـ ثم صُرف، ثم ولي الأستاذية والخطابة عوضًا عن ابن لُبّ سنة ٧٨٢هـ فبقي ثلاثة أعوام، وتوفي نحو آخر ٧٨٥هـ؛ له تقييد على «القوانين الفقهية» لأبيه، ورجز في الفرائض، وقصيدة بديعة صدّر فيها أعجاز معلّقة امرئ القيس في مدح النبي. وأبو عبد الله محمد — الكاتب المجيد، مولده شوال ٧٢١هـ؛ كتب بغرناطة للسلطان أبي الحجاج يوسف ثم امتحنه السلطان فضربه بالسياط ظلمًا (كما في بعض المقيَّدات)، فقوَّض الرحال إلى العدوة وكتب لأبي عنان بالحضرة المرينية؛ توفي بفاس الجديدة (البيضاء) قرب مغرب الثلاثاء ٢٩ شوال ٧٥٧هـ — وهو ما رجّحه المقّري — ودُفن الأربعاء وراء الحائط الشرقي من جامعها (وقيل ٧٥٨هـ). ومن شعره قصيدة في مدح أبي الحجاج حذف منها الراء المهملة، وقصيدة في أبي عنان، وبيتان في السلطان أبي عنان وهو يشاهد من برجٍ حربًا بين ثور وأسد، وأبيات على الزاوية التي أنشأها أبو عنان سنة ٧٥٤هـ على يد خديمه محمد بن جدّار، ورسالةٌ كاملة مُورّى فيها بأسماء الكتب رُفعت لأبي عنان تهنئةً ببُرء ولي عهده أبي زيان محمد من مرض. وأبو محمد عبد الله — قاضٍ، رئيس العلوم اللسانية، أقرأ بغرناطة ثم ولي القضاء؛ أخذ عن أبيه وأبي البركات البلفيقي والشريف السبتي وابن لُبّ وابن بيبش، وأجازه ابن الجيّاب وابن سلمون وابن شبرين وأبو حيّان والمقّري (الجدّ) والحضرمي؛ أخذ عنه البقني شارح البردة وابن عاصم، وبالإجازة ابن مرزوق الحفيد.

(واستطرد المقّري إلى نظائر التصدير والتورية: قصيدة حازم القرطاجني المصدَّرة بأعجاز «قفا نبك»، وجيميّة ابن قلاقس، وتوريات ابن خاتمة والأرجاني وابن الخطيب بأسماء الكتب. وذكر عرضًا ابن لؤلؤة: محمد بن علي بن يوسف السكوني، خطيب حصن قُمارش، توفي بالطاعون سنة ٧٥٠هـ.)

٢٧ — أبو بكر ابن شبرين

قاضٍ أديب، من مشيخة لسان الدين، استوفى ترجمته في «الإحاطة». رثى ذا الوزارتين ابن الحكيم بقصيدة لاميّة طويلة، تحسّر فيها على أنه لم يُدفن ولم يُصلَّ عليه. وكتب علي بن الخطيب (ابن لسان الدين) على هامشها: «شكر الله وفاءك يا ابن شبرين… لا كما فعل ابن زمرك في ابن الخطيب مخدومه» — تعريضٌ بغدر ابن زمرك بأستاذه.

٢٨ — أبو عثمان سعد بن أحمد بن لُيون التجيبي

من أعيان المرية (كان مجلسه بقصبة المرية). أشهر مُختصِر في زمانه؛ حتى قيل في رجلٍ طُوال: «لو رآه ابن ليون لاختصره». تواليفه: اختصار «بهجة المجالس» لابن عبد البر؛ اختصار «المرتبة العليا» لابن راشد القفصي؛ كتاب في الهندسة؛ كتاب في الفلاحة؛ «كمال الحافظ وجمال اللافظ في الحكم والوصايا والمواعظ»؛ «نفح السحر في اختصار روح الشحر وروح الشعر» لابن الجلّاب الفهري؛ «أنداء الديم في الوصايا والمواعظ والحكم» (فرغ منه نصف شعبان ٧٣١هـ)؛ «الأبيات المهذَّبة في المعاني المقرَّبة»؛ «نصائح الأحباب وصحائح الآداب» وفيه مائتا قطعة من شعره في النصائح. وتواليفه تزيد على المائة فيما يُذكر، وقف المقّري منها بالمغرب على أكثر من عشرين. ومحتوى نظمه كله حِكَمٌ وأمثال في الحضّ على العلم والدرس، والصمت، والقناعة، والتغافل، والتحذير من الحسد والرياسة والغربة وصحبة الأدنياء — وأورد المقّري منها مقطوعاتٍ كثيرة. وكان يُنشد في مجلسه لابن العريف صاحب «محاسن المجالس»، وللحلّاج، ولابن خفاجة، ولابن عبد ربه صاحب «العقد»، وللمصحفي، ولابن شهيد، ولصفوان بن إدريس، ولصالح بن شريف، ومن «حديقة» ابن يربوع.

ثبت شيوخ لسان الدين (من «الإحاطة»)

ختم المقّري الباب بنقل ما قاله ابن الخطيب بنفسه: قرأ القرآن أولًا على الأستاذ أبي عبد الله ابن عبد الولي العوّاد (تكتيبًا ثم حفظًا ثم تجويدًا على مقروءات أبي عمرو)، ثم نقله إلى أبي الحسن علي القيجاطي فقرأ عليه القرآن والعربية، «وهو أول من انتفعتُ به»، ثم قرأ على أبي القاسم ابن جُزَيّ، ولازم قراءة العربية والفقه والتفسير.

الباب الرابع (أ): في مخاطبات الملوك والأكابر الموجَّهة إلى حضرته

جمع المقّري ما خاطب به الملوكُ والأعيانُ لسانَ الدين ابن الخطيب، نقلًا عن «الإحاطة» و«نفاضة الجراب» وغيرهما. وقيمة النصوص تاريخية لا أدبية: فهي تكشف شبكة العلاقات بين غرناطة وفاس وتلمسان والمشرق، ومكانة ابن الخطيب في العدوتين.

الظهير المريني (٧٦٣هـ)

ظهير من السلطان المريني أبي زيّان محمد ابن الأمير أبي عبد الرحمن ابن السلطان أبي الحسن، مؤرَّخ ١٠ ربيع الآخر ٧٦٣هـ: يجدّد للسان الدين وولده ٥٠٠ دينار من الفضة العشرية شهريًّا من مَجبى مدينة سلا، ويرفع الاعتراض بباب سلا عمّا يُجلب من أدم وأقوات، ويعفي ما يستفيده خدّامه من أعناب وقطن وكتّان وفاكهة وخضر من المغرم والوظيف، ويحرّر ما يحرثه بتالمغت من كل ضريبة. وعلّق المقّري على العلامة السلطانية: تُكتب بقلم غليظ؛ ونقل عن ابن الأحمر («مستودع العلامة») أنّ «كُتب في التاريخ» بخطّ السلطان، و«وكُتب في التاريخ» بخطّ صاحب العلامة.

وفي ترجمة أبي زيّان: فرّ إلى أرض النصارى بالأندلس (وصل رمضان ٧٥٠هـ) ثم لحق بصاحب قشتالة؛ ولمّا ثار الوزير عمر بن عبد الله بن علي الياباني على أبي سالم واستدعاه، توسّط السلطان النصري أبو عبد الله ابن نصر لدى ملك النصارى في إطلاقه، فدخل فاس الاثنين ٢٢ صفر ٧٦٣هـ، وانصرف الأمير عبد الحليم إلى سجلماسة فتملّكها. ووفد لسان الدين عليه من سلا فعاد ببرّ. وبخطّ ابن مرزوق: اغتيل أبو زيّان نحو ٧٦٦هـ بيد وزيره عمر — أرداه في بئر برياض الغزلان وأشاع أنه أفرط في السُّكر — وبايع لعمّه عبد العزيز ابن أبي الحسن، فقتل عبدُ العزيز عمرَ غيلةً، وجمع المغرب إلى تلمسان، ومات نحو ٧٧٤هـ، فوليَ ابنه ثم عُزل بابن عمّه العبّاس ابن أبي سالم، وله الملك سنة ٧٧٧هـ. (وفي حاشية المحقق: بويع أبو زيّان ١١ صفر ٧٦٣، وقُتل غرقًا ٢٢ ذي الحجة ٧٦٧ وسنّه ٢٨.) وردّ عليُّ بن لسان الدين بخطّه على ابن مرزوق مدافعًا عن الوزير عمر.

مراسلة أبي سالم المريني (٧٦١هـ) — واقعة اللجوء إلى شالة

كتب لسان الدين إلى السلطان أبي سالم إبراهيم المستعين بالله ابن أبي الحسن في ١١ رجب ٧٦١هـ من رباط شالة بسلا، مدفن سلاطين بني مرين ومنهم أبو الحسن — وكان قد لجأ إلى المغرب في نكبته وعاد من مراكش فاستقرّ هناك. بنى الرسالة على الاستجارة بضريح أبي الحسن، وصاغها «جوابًا» يبلّغه عن الميت يوصي ابنه باستخدامه هو وولده، وذكّر بأنّ أبا الحسن كان يتبنّى السلطان أبا الحجاج ويمدّه بالمال والجند؛ وطلب كتاب شفاعة إلى سلطان الأندلس في ردّ ما صودر من ماله. فأجابه أبو سالم من منزله بضفّة وادي ملوية في ٢٤ رجب ٧٦١هـ معلنًا إنفاذ رسولين: أبي البقاء ابن تاسكورت وأبي زكريا ابن فرقاجة، لقضاء غرضه. وعلى قول لسان الدين إنّ الأندلس إن أُهملت «استولت عليه يد عدوّه» علّق المؤرّخ ابن الحدّاد الوادي آشي نزيل تلمسان: كذلك وقع، وكان الاستيلاء على غرناطة في محرم ٨٩٧هـ.

ومن «الإحاطة» خبر مقتل أبي سالم: ثار عليه وزيره عمر ليلة ٢٠ ذي القعدة ٧٦٢هـ بالبلد الجديد من فاس ودعا لبيعة أخيه المعتوه، ففرّ فأُدرك وقُتل بظاهر البلد في اليوم التالي ودُفن بالقلعة (وقال ابن الأحمر: ٢١ ذي القعدة ٧٦٢). وكان يصف لسان الدين بـ«مقرَّبي وجليسي»، وشفع له عند أهل الأندلس.

مكانته بين المشرق والمغرب

وصفه الأمير النصري المؤرّخ أبو الوليد إسماعيل ابن الأحمر بـ«كاتب الأرض» و«نفيس العدوتين ورئيس الدولتين»، وعاتبه على هجائه ابنَ عمّه سلطان الأندلس ثم صفح. وكان لسان الدين يبعث كلّ تأليف له إلى الشريف التلمساني ليكتب عليه بخطّه، وكان أبو سعيد ابن لبّ شيخ علماء الأندلس يكاتب الشريفَ في مشكلاته. وفي المشرق: قاضي القضاة برهان الدين الباعوني الدمشقي (إبراهيم بن أحمد، ت ٨٧٠هـ) كثير الثناء عليه، تلقّى أخباره عن ابن خلدون، وكتب على بعض تآليفه «هذا بليغ إلى الغاية»؛ وانتقد بعضُ أكابر المشرق إطنابَه فردّ المقّري. وأورد عن ابن عاصم خبر استئذانه السلطانَ الغنيَّ بالله في إعذار ولده أبي الحجاج وقول السلطان «ونعم الوكيل» — وعقّب المقّري بأنّ قتل لسان الدين لم يكن إلا بتسبّب هذا السلطان نفسه.

مراسلات الأعيان

كتب ابن خاتمة المرّي إليه بعد رجوعه من العدوة يستبقيه بالأندلس ويحذّره الرحيل، مقرّرًا أنّ الأندلس لا يُعتاض عنها إلا بمكة أو يثرب، فأجابه مظهرًا الزهد وعزم الحجّ (وله رسالة بتاريخ ١٠ ربيع الأول ٧٤٨هـ). ولقيه أحمد بن صفوان المالقي عند قدومه مالقة آيبًا من السفارة إلى ملك المغرب؛ وكان لسان الدين جمع ديوانه وسمّاه «الدرر الفاخرة واللجج الزاخرة» أيام مقامه بمالقة صحبة الركاب السلطاني في إصراخ الجزيرة الخضراء عام ٧٤٤هـ، وكتب له ابن صفوان إجازة له ولولده عبد الله في ٦ ربيع الآخر ٧٤٤هـ. ومن المخاطِبين: أبو جعفر العذري السبتي؛ وابن نفيس (اشترى منه دارًا وأهداه فرسًا)؛ وأبو القاسم ابن رضوان (جوابه ختام ذي الحجة ٧٦١هـ)؛ وابن الجنّان المكناسي صاحب «المنهل المورود في شرح المقصد المحمود» في ثلاث مجلدات وقد أجازه به؛ وابن الجيّاب رئيس كتّاب الأندلس الذي أورث لسانَ الدين رتبته؛ وأبو يحيى البلوي المرّي (هنّأه بإعذار ولديه منتصف شعبان ٧٤٩هـ). وخاطبه ابن مرزوق التلمساني بمنزل الشاطبي على مرحلة من فاس حين قدِم في غرض الرسالة، مادحًا السلطان أبا عنان؛ وجواب لسان الدين مؤرّخ ليلة الأحد ٢٧ ذي القعدة ٧٥٥هـ. واستشفعه القاضي أبو القاسم البرجي الغرناطي في معسر؛ وفي «الإحاطة» أنه صنّاع اليد يُحكم عمل الآلات العلمية ويجيد تسفير الكتب، رحل إلى العدوة فاتصل بأبي عنان، ثم وليَ قضاء حضرة الملك واستمرّ في عهد أبي سالم، واستُعمل في السفارة إلى ملك مصر وملك قشتالة، وأنشد قصيدته الميلادية في مولد النبيّ بباب ملك المغرب؛ وقيّد أبو زيد ابن خلدون — صاحب قلم الإنشاء بالحضرة المرينية — شيئًا من شعره بخطّه. ومنهم ابن سلبطور الهاشمي المرّي: وزير متجنّد درِب على ركوب البحر وقيادة الأساطيل، أتلف ماله ولحق بالعدوة فهلك بها.

ابن زمرك

أورد قصيدته الأولى في مدح لسان الدين، وفيها إقرارٌ بأنّ عزّه إنما كان بجاهه؛ وعقّب المقّري بأنّه انقلب عليه وحرّك دواعي قتله. وبخطّ علي بن لسان الدين على هامش «الإحاطة» شتائم له: إنه ابن حدّاد بالبيّازين، وإنّ أباه استعمله في الكتابة السلطانية «وهو كان السبب في قتل أبي».

استطراد في نقوش المباني (عصر المقّري)

أبيات منقوشة بدار بمكناسة، وأخرى على مجرى الماء بمدرسة تلمسان التي بناها ابن تاشفين الزياني، ثم قصائد الوزير عبد العزيز الفشتالي المكتوبة على مباني السلطان السعدي المنصور أبي العباس الشريف الحسني بمراكش: قصر البديع، والقبة الخمسينية (خمسون ذراعًا)، والأستار المذهبة المسمّاة «الحائطي» تستر نواحي القبة الأربع، والمصرية المطلّة على الرياض فوق القبة الخضراء، وإنشاؤها جمادى الأولى ٩٩٥هـ. ونقل رسالة من الفشتالي إليه هو من مراكش إلى فاس في ٢٠ محرم ١٠٢٧هـ حين عزم على الرحلة إلى الحجاز. وبلغته وفاة الفشتالي وهو بمصر بعد ١٠٣٠هـ، وقال: كان سلطان المغرب يقول «إنّ الفشتالي نفتخر به على ملوك الأرض ونباري به لسان الدين ابن الخطيب». وأحال على كتابه «روضة الآس العاطر الأنفاس في ذكر من لقيته من أعلام مراكش وفاس».

الباب الرابع (ب): تتمة المخاطبات

مقطع أدبيّ صرف: مخاطبات (مرقّمة ٢٣–٥٠) وُجِّهت إلى لسان الدين ابن الخطيب أو صدرت عنه، ينقلها المقّري عن «الإحاطة» و«التاج المحلّى» و«الإكليل». وفيما يلي وقائعها دون نصوصها.

وافدون ومترجَمون

ابن راجح: محمد بن علي بن راجح التونسي، قدم الأندلس ٧٥٠هـ فارًّا من نكبة السلطان أبي الحسن المريني، فآواه سلطان غرناطة؛ وصفه لسان الدين بالأبّهة والإفراط في المديح والقيام على تاريخ بلده. مات الخميس ٣ شعبان ٧٦٥هـ قرابة السبعين، ودُفن بروضة لسان الدين بباب إلبيرة. ونقل المقّري عن البدر البشتكي — في مختصره لـ«الإحاطة» المسمّى «مركز الإحاطة» — حكمًا قاسيًا على ردّ ابن راجح الشعري.

ابن اليتيم: محمد بن علي العبدري المالقي، عمل بـتعليم الصبيان ثم صار خطيب المسجد الأعلى بمالقة. كتب إليه لسان الدين رسالة مداعبة تسخر من حِرفة المعلّمين (ملمّحًا إلى ذمّ الجاحظ لهم)، تصوّر المعلّم أميرًا في مكتبه بين الخصوم والرشوة — وثيقة عن حياة الكتاتيب.

الكرسوطي: محمد بن عبد الرحمن الفاسي نزيل مالقة، فقيه محدّث متكلم، مولده بفاس ٦٩٠هـ. مصنّفاته: «الغرر في تكميل الطرر»، «الدرر في اختصار الطرر»، تقييدان على «الرسالة»، تلخيص «التهذيب» لابن بشير، تقييد على «مختصر الطليطلي»، وتقييد على «قواعد» عياض برسم ولد لسان الدين.

أبو عمرو بن الزبير (ابن الأستاذ أبي جعفر شيخ أبي حيان): خاطبه عند إيابه من العدوة في غرض الرسالة (سفارة)؛ افتقر بمالقة ومات ٩ المحرم ٧٦٥هـ. ابن الأكحل: خاطبه بين يدي نكبته مستجيرًا لنفسه وأولاده. ابن عبد الملك المراكشي (ابن قاضي القضاة المؤرِّخ): صودر نُشْب أسرته بعد وفاة أبيه فأقلّ بمالقة؛ مات ذا القعدة ٧٤٣هـ. الأزدي من بلش (Vélez): خاطبه لما ولي خطة الإنشاء أواخر ٧٤٩هـ، ونظم بأمر السلطان أبي عبد الله سادس ملوك بني نصر بديهةً في وصف جبل شلير (Sierra Nevada) متردّيًا بالثلج. أبو سلطان ابن يشت: كاتب سلطاني سفر في «بعض الأغراض الغربية»، يستشفع بلسان الدين لإعادته إلى الكتابة. ابن البناء الوادي آشي: مدحه لما تقلّد الكتابة العليا وأهدى إليه قباقب خشب جوز؛ مات قبل نجاح سعيه. المنتشاقري: أبو الحجاج يوسف الجذامي، قاضي رندة؛ لقيه لسان الدين بالمحلّة من جبل الفتح في سفرة جهادية؛ له نحو خمسة عشر مصنَّفًا منها «النفحات الرندية» (ديوانه) و«ملاذ المستعين» و«أرج الأرجاء»، وكان حيًّا حين ألّف لسان الدين «الإحاطة».

طاعون ٧٥٠–٧٥١هـ أهلك جماعة من مخاطِبيه: ابن اليتيم، وأبا بكر بن عبد الملك بغرناطة، والأزدي ببلش، وابن البربري المالقي، والحرالي قاضي انتقيرة (Antequera)، وابن البناء (٧٥١هـ ودونه الثلاثون).

ما تكشفه المخاطبات عن السياسة

  • غرناطة وفاس: عاتب لسان الدين أبا القاسم بن رضوان النجاري — المالقي الأصل، صاحب القلم الأعلى بالمغرب ومؤلف «الشهب اللامعة في السياسة النافعة» — لأن أجوبة ديوان فاس قصّرت في حقّ سلطان غرناطة، فاعتذر بأن الاختصار لا يشين: مشادّة بروتوكولية بين ديوانَي إنشاء. ولابن رضوان أبيات بأمر أبي عنان، وأخرى نُقشت على قبة رياض الغزلان في عهد الخلافة المستعينية (أبي سالم).
  • غرناطة وتونس: أجاب لسان الدين رسالةً من سلطان تونس الحفصي أبي إسحاق بن أبي يحيى أبي بكر، مخاطبًا إياه بـ«أمير المؤمنين الخليفة الإمام»، ومقرًّا باستلام هدايا فيها خيل ورقيق وفتيان — وثيقة على تبادل الهدايا واعتراف الباب النصري بالخلافة الحفصية.
  • المنفى: كتب النباهي إلى لسان الدين من سبتة وهو بسلا، يصف تفاقم الحوادث وفراره عابرًا البحر «كسير الجناح» (زمن خروج محمد الخامس ووزيره إلى العدوة). ويعلّق المقّري بأن النباهي نفسه انقلب بعدُ عليه وسافر إلى العدوة في ضرره، وأن لسان الدين ردّ عليه بكتاب «خلع الرسن». والنباهي: علي بن عبد الله الجذامي المالقي، ولي قضاء ملتماس ثم بلش ثم النظر بمالقة.
  • الوشاية في البلاط: تبادل لسان الدين وشيخه الرئيس ابن الجياب قصيدتَي عتاب بعد سعي واشٍ بينهما؛ وابن الجياب حينئذ جاوز السبعين.
  • قاعدة الحكم النصرية: نقل المقّري عن «الروض الأريض» لابن عاصم أن الغني بالله محمد بن يوسف الخزرجي أفادته نكبته ونفيه إلى الدار البيضاء بإيالة بني مرين حنكةً، وأن قوام سياسته حفظ العوائد؛ وساق حكاية أن ابن زمرك استأذن لسان الدين في مسائل فأمضاها إلا واحدة تنقض عادة مستمرة، وقال: «ما استقمنا في هذه الدار إلا بحفظ العوائد»؛ ولما اضطربت الدولة عُدل عن تلك القواعد فنشأت مفاسد تعذّر دفعها.

ابن عاصم: «ابن الخطيب الثاني»

أبو يحيى محمد بن محمد بن عاصم القيسي الغرناطي، الوزير الكاتب، سمّاه الأندلسيون ابن الخطيب الثاني. أخذ عن قاضي الجماعة أبي القاسم بن سراج والمنتوري والبياني، وولي القضاء سنة ٨٣٨هـ. مصنّفاته: شرح تحفة والده، «جنة الرضى»، و«الروض الأريض في تراجم ذوي السيوف والأقلام والقريض» كأنه ذيل على «الإحاطة». وله رسالة إلى الكاتب ابن طركاط في العدل والقضاء مؤرّخة أوائل ذي الحجة ٨٤٥هـ، وأبيات اعتذر بها لشيخه ابن سراج زمن فتنة عن إفشاء سرّ سلطاني. ونقل المقّري ظهيرًا أصدره أمير المسلمين محمد الغالب بالله بتقديمه للنظر المطلق في أمور القضاة وكتّابهم وشيوخ العلم وخطباء المنابر وحملة الأقلام بالحضرة وجميع البلاد النصرية، وفيه أن أباه كان مشرف ذلك الديوان، وأن سابقَيه إلى هذه الرياسة ابن الجياب وابن الخطيب. وأورد قصيدة لابن الأزرق في مدحه، وشكّ في قائلها: أهو قاضي الجماعة محمد بن الأزرق أم ابن الأزرق الثاني.

متفرقات

شاعر ذُكر في مستهلّ المقطع ناب في القيادة البحرية عن خاله القائد أبي علي الرنداحي، وولي أسطول المنكب (Almuñécar)، ومات بمراكش ٧٥٥هـ. وسعيد الغرناطي الغساني (مولده ٦٩٩هـ) استعار كتابًا من لسان الدين فردّه بأبيات يشكو فساد النسخة وتحريف نُسّاخها. وكتب إبراهيم بن أحمد الباعوني الدمشقي على ظهر نسخة من «ريحانة الكتاب» ثناءً على لسان الدين مع شكوى من «غلاقة خطّه»؛ وعلّق المقّري بأن المراد صعوبة الخط المغربي على أهل المشرق، لا رداءة خطّه.

الباب الخامس (أ): في إيراد جملة من نثره ونظمه

موقع الباب ومصادره

يصرّح المقّري بأن هذا الباب «هو المقصود بتأليف هذا الكتاب، وغيره كالتبع له». ويقول إن كتب لسان الدين صارت في المغرب «قبلة أرباب الإنشاء»، وأخصّها ريحانة الكُتّاب ونُجعة المنتاب، المقصور على الإنشاء، الجامع للسلطانيات ومخاطبات ملوك الأندلس لأهل المشرق والمغرب — ويعتذر بأنه ترك نسخته منه بالمغرب فجمع الفصول من مقيّداته. ومواده منقولة من: الإحاطة، واللمحة البدرية (تاريخ بني نصر)، ونفاضة الجراب، والكتيبة الكامنة، والتاج المحلّى، والإكليل الزاهر، وأعمال الأعلام، وروضة التعريف، ومثلى الطريقة في ذمّ الوثيقة. وينبّه المحقّق أن نسخة «ص» تنتهي هنا بخاتمة الجزء الثالث.

تصنيف مادّته

  • سلطانيات ورسائل ديوانية: كتاب على لسان سلطانه إلى الأمير يلبغا الخاصكي مدبّر دولة المماليك (قُتل ٧٦٨هـ)، مؤرَّخ من «حمراء غرناطة دار ملك الأندلس»، غرضه تجديد المراسلة مع القاهرة؛ وصداق أمره السلطان بإنشائه لكبير الشرفاء بفاس، تضمّن أوّليّتهم واستيطانهم المدينة.
  • استنفار: خطبة «استدعاء إمداد وحضّ على الجهاد» يستصرخ فيها أهل العدوة لنجدة مسلمي الأندلس وقد «زحفت أحزاب الطواغيت» عليهم.
  • تهانٍ: بتقلّد ابن أبي مدين خطّة الأشغال بالمغرب؛ وبردّ الاعتبار إلى قاضي الجماعة بعد نكبة سببها «غلط الخدام واشتراك الأسماء»؛ وبعرس محمد بن نوّار من بنت مزوار الدار السلطانية؛ وتهنئة السلطان أبي عبد الله ابن نصر (محمد الخامس في منفاه المغربي) بوصول ولده من الأندلس.
  • إخوانيات ومداعبات: إلى أبي القاسم بن رضوان في مرضه أيام «الانزعاج عن الأندلس إلى الإيالة المرينية»؛ وإلى المحتسب أبي عبد الله الشديد بمالقة؛ وإلى شيخه ابن مرزوق حين كانت أزمّة المغرب بيده أيام أبي سالم؛ ورسالة ماجنة صريحة إلى ابن خلدون عند ابتنائه بجارية رومية اسمها هند — أوضح دليل على أنه لم يتحرّج من فنّ المجون في خاصّ مراسلاته.
  • مقامات ورحلات: مقامة في وصف الأندلس والعدوة (فُقدت نسختها ولم يبقَ إلا وصف سبتة: أسوارها، ميناؤها، أسطولها، خزانة كتبها، أسواق الحيتان، قوافل العصير والحرير والكتان، مع فقرها من الحبوب ورخص مساكنها)؛ ووصف مكناسة الزيتون بالنثر المرسل في *نفاضة الجراب* وبالسجع في المقامة: ثلاث مدارس بخزائن كتب وجرايات على العلماء، زاويتان قديمة وجديدة، وجبل زرهون. ويعقّب المقّري بأنه دخلها مرارًا فوجدها خرابًا عاثت في ضواحيها الأعراب.
  • تحلية الأعلام: نحو ثلاثين ترجمة مسجوعة من *الإكليل* و*التاج* و*الكتيبة*، على طريقة الفتح بن خاقان وابن بسّام. أما الموشحات والأزجال المذكورة في العنوان فلم يرد منها شيء في هذا المقطع.

الوقائع التاريخية

ترجمة ابن خلدون من الإحاطة: أصله من إشبيلية، انتقل سلفه إلى تونس؛ مولده بتونس رمضان ٧٣٢هـ؛ شيوخه ابن برّال والزوّاوي وابن جابر الوادي آشي وابن عبد السلام والسطي، ولزم الآبلي؛ أقام رسم العلامة بالنيابة عام ٧٥٣هـ؛ استعمله أبو عنان فارس على الكتابة أوائل ٧٥٦هـ ثم سُجن؛ وقلّده أبو سالم ديوان الإنشاء؛ ثم ساءت حاله مع الوزير عمر بن عبد الله فانفصل عن الباب المريني، ووصل الأندلس أول ربيع الأول ٧٦٤هـ فأركب له السلطان خاصّته، ثم استُعمل في السفارة إلى ملك قشتالة. ومصنّفاته المذكورة: شرح البردة، تلخيص كتب ابن رشد، تقييد في المنطق، تلخيص محصَّل الرازي، كتاب في الحساب. ويقول المقّري إنه رأى كتاب العبر بفاس بخطّ مؤلفه في ثماني مجلدات كبار؛ وينقل عن إبراهيم الباعوني أن ابن خلدون ولي قضاء المالكية بمصر، وخرج إلى الشام سنة ٨٠٣هـ مع الناصر فرج بن برقوق في فتنة تيمورلنك فأكرمه تيمور وأعاده، وتوفي بالقاهرة ٨٠٧هـ.

نكبة أبي الحسن المريني: ملك المغرب بأسره وبعض الأندلس وامتدّ ملكه إلى طرابلس الغرب؛ هُزم قرب القيروان أمام أعراب إفريقية بعد غدر بني عبد الواد؛ ركب البحر في أسطول نحو ستمائة سفينة فغرقت جميعًا ونجا على لوح، وهلك نحو أربعمائة عالم، منهم السطي شارح الحوفي وابن الصباغ (غرق بساحل تدلس)؛ ثم لجأ إلى جبل هنتاتة قرب مراكش فحاصره ابنه أبو عنان حتى مات، ونُقل إلى شالة بسلا. وأورد المقّري خبرًا خرافيًّا أن رجلًا معروفًا بإصابة العين أُغري بالأسطول فأغرقه. وسيرته في المسند الصحيح الحسن لابن مرزوق.

عامر بن محمد الهنتاتي: آوى أبا الحسن ولم يُخفر ذمّته، وزاره لسان الدين في جبله؛ ثم خرج على السلطان عبد العزيز بالمعتمد على الله أبي الفضل محمد ابن أخيه، فحاصره عبد العزيز وقتله. ومن الوقائع أيضًا: هدية ملك السودان إلى سلطان المغرب وفيها زرافة؛ وبناء المشور بفاس، وصفه ابن خلدون في قصيدة ليلة المولد عام ٧٦٤هـ (وأخرى عام ٧٦٢هـ)؛ وأحمد بن علي الملياني صاحب علامة ملك المغرب دسّ كتابًا إلى مراكش بضرب رقاب أشياخها ثأرًا لعمّه ثم فرّ إلى تلمسان وهي محاصَرة ثم لحق بالأندلس.

تصحيح: يقول المقّري إن لسان الدين وهم في شهر وفاة ابن الصباغ العقيلي (مولده ٧٠٦هـ)؛ والصواب أنه توفي يوم الأحد ثامن شوّال. ومن الوفيات: ابن غفرون الكلبي (ذو الحجة ٧٤٤هـ)، وابن فضيلة المعافري المُرّي (آخر رمضان ٧٤٩هـ).

ما يكشفه عن مذهبه وعن الدولة النصرية

القصيدة السينية الموجَّهة إلى سلطان تلمسان أبي حمّو موسى بن يوسف بن يغمراسن بن زيان: يقول التنسي إن لسان الدين نظمها «عندما أحسّ بتغيّر سلطانه عليه، فجعلها مقدّمة بين يدي نجواه لتمهّد له مثواه إذا ألجأه الأمر إلى المفرّ، فلم تساعده الأيام» — أي إنها تدبير ملجأ سياسي مسبق. وتُثني على أبي حمّو بإمداد ثغر الأندلس بالسبائك الفضية وسفن الحبوب، وبإصلاح السكّة وضرب الفلوس.

صورة الدولة النصرية: بلد محصور، «توافر العدو على حصره ودار به دور السوار على خصره»، ونسبة عدده إلى عدوّه «نسبة الشعرة من جلد الناقة»؛ ووزيرها يجمع بين السيف والقلم: بعوث تُجهَّز، وثغور تُسدّ، وجيوش تُعرض، وسفارات تُنفَّذ. ويصف لسان الدين نفسه في الإحاطة بأن الملك «أقامني صنمًا يُعتمد وخيالًا إليه يُستند».

مذهبه في الكتابة: سجع متوازن قصير الفواصل، كثيف التضمين القرآني، مع تنويع مقصود بين المسجَّع (المقامة) والمرسل الجزل (نفاضة الجراب) — يصرّح بعكس الطريقتين عمدًا. وله مشروع تاريخي لم يتم: كتاب مطوَّل سمّاه *بضاعة المهوّلين في أساطير الأولين*.

مثلى الطريقة في ذمّ الوثيقة: كرّاسة في سبعة أبواب، سببها امتناع موثّق بمدينة سلا عن أكل طعامه؛ يرى فيها أن الموثّقين يجب أن يرتزقوا من بيت المال والأوقاف كأئمة المساجد، ويستشهد بأن أعيان الأندلس (بني الجدّ بإشبيلية وبني الخليل) كانوا يشهدون بلا أجر، ويقول إن أمرها أصلح بسجلماسة وتونس. وكتب أحمد الونشريسي على ظهر النسخة تقريظًا مضادًّا يلوم لسان الدين على إفناء عمره في التماس مساوئ طائفة.

روضة التعريف بالحب الشريف: أُنشئت بأمر السلطان أبي عبد الله بن أبي الحجاج بن أبي الوليد بعد ورود *ديوان الصبابة* لابن أبي حجلة إلى الأندلس؛ بناها على استعارة ممتدّة (أرض وشجرة وأغصان وأفنان وأوراق وزهرات، وجناها الولاية)، وأثبت لها برنامجًا تفصيليًّا؛ وينتقد فيها من سبقه في المحبة (رسالة ابن واصل، وكتاب ابن الدبّاغ القيرواني، وكتاب ابن خلصون وهو «أعدلها»). ويكشف الكتاب عن نزوعه الصوفي الفلسفي ومقصده نقل الحب من الجسماني إلى الإلهي — وهو المذهب نفسه الذي سيُتَّخذ ذريعةً لاتهامه بالزندقة.

الباب الخامس (ب): تتمة نثر لسان الدين ونظمه

مقطع أدبيّ صرف مادّته رسائل لسان الدين بن الخطيب وظهائره ومواعظه؛ وفيما يلي وقائعه.

«روضة التعريف بالحب الشريف»

نقل المقّري خاتمته وفصولًا منه. يذكر لسان الدين أن مدّة تأليفه لم تجاوز شهرين، كُتبت ليلًا بين مشاغل «مداراة عدوٍّ قد تكالب على الإسلام». وصنّف فيه طوائف المتصوّفة والفلاسفة، وردّ على الغلاة الباطنية، وسمّى منهم ابن قسي (صاحب «خلع النعلين»، وثورة المريدين بشلب) وابن برجّان (غرّبه علي بن يوسف اللمتوني، وتوفي بمراكش سنة ٥٣٧هـ). وعدّ من اشتهر بالحكمة: من المشارقة أبو الفرج بن الطيّب، والكندي، وحنين بن إسحاق، وثابت بن قرة؛ ومن الأندلسيين محمد بن مسعدة السرقسطي، وأحمد بن طاهر الطرطوشي، ويحيى بن عمران القرطبي، وطفيل بن عاصم، وكليب بن همام البياسي، والحسن بن حرب الداني، وابن مسرّة، ومسلمة المجريطي، وابن باجة، وابن طفيل، وابن رشد — ونبّه المحقّق إلى أن أكثر المتقدّمين منهم مجهولون. ونقل عن أبي الفرج بن الطيّب البغدادي (شارح أرسطو وجالينوس، أستاذ ابن بطلان، ت ٤٣٥هـ) من كتابه في السياسة.

رسالة التمحيص إلى ابن تافراجين

كتب عن سلطانه الغني بالله محمد الخامس إلى ابن تافراجين شيخ الموحّدين بتونس، يقصّ عليه محنته: خروج محمد بن إسماعيل عليه واستيلاؤه على قصر الملك، ولجوء السلطان إلى وادي آش ثم الجبل، ثم إجازته البحر إلى المغرب، ومظاهرة السلطان المريني أبي سالم له وتسخير أساطيله؛ ثم عودته وفتح مالقة وتوالي البيعات. وفرّ الخائن إلى سلطان قشتالة بغير عهد، فقبض عليه وعلى شيعته وقتلهم وبعث برؤوسهم إلى غرناطة فنُصبت على «مسور الغدر». كُتبت من الحمراء بغرناطة. وذكر أنه إنما خاطب ابن تافراجين لأن الخليفة الحفصي أبا إسحاق كان في تلك المدة مقيمًا بغير حضرة تونس.

سجلّ الغزوات في «الرسالة إلى الرسول»

أنشأ رسالتين إلى النبي ﷺ: إحداهما عن يوسف بن إسماعيل (يوسف الأول)، والثانية عن محمد الغني بالله — وهي سجلّ حربي يعدّد فتوح غرناطة بعد استرجاع الملك:

  • برغه (Burgo، بين مالقة ورندة).
  • حصن آشر (Iznájar) واقتحام قصبته.
  • إطريرة (Utrera) على نحو ٣٩ كم جنوب شرقي إشبيلية: نزل أهلها على حكم السيف «آلافًا»، وسُبيت النساء والولدان، ثم شُنّت الغارة على إشبيلية.
  • جيّان (Jaén): هُدم سورها، وكُسرت الصلبان، وأُهبطت النواقيس، وعُقرت أشجارها.
  • أُبّدةbeda): دخلت لأول وهلة.
  • قرطبة: حوصرت وأُحرق خارجها ولم تُفتح.
  • حصنا قنبيل والحائر، ثم حصن روطة (Rute) نزل أهله على العهد.
  • الجزيرة الخضراء: يذكر أنها صابرت الحصار نحو ثلاثين شهرًا قبل سقوطها بيد النصارى؛ ثم اقتُحمت مدينة إلبنة التابعة لها، ثم المدينة الكبرى فخرج أهلها بالأمان، وطُهّر المسجد وأُعيد المنبر وفُكّت قيود أسرى المسلمين.

وأضاف أنه استُرجعت أربعة بلاد من ملك الروم بالملاطفة لا بالحرب، وأنه وجّه إلى المدينة النبوية عرضًا من النواقيس المأخوذة، وأتلف ما عجزت الأيدي عن نقله.

ظهائر وولايات

  • ظهير بتولية الأمير أبي الحجاج يوسف بن محمد الخامس مشيخة الغزاة على الكتيبة الأولى (أشياخ أولاد يعقوب وقبائل بني مرين)، وأُقطع «القرية المنسوبة إلى عرب عنان» محرَّرة من كل وظيفة.
  • ظهير مماثل لأخيه الأصغر الأمير أبي النصر سعد على الكتيبة الثانية. وفي الظهيرين نسب بني نصر (محمد بن أبي الحجاج بن أبي الوليد بن فرج بن نصر) وادّعاء النسب الأنصاري الخزرجي إلى سعد بن عبادة.
  • ظهير لفقيه مفتِّش: يجمع الناس في المساجد، ويكشف سِيَر القوّاد والحكّام، ويرفع المظالم، ويجمع الصدقة المفروضة لبناء حصن بجبل فاره، ويأخذهم بتعليم القرآن للصبيان وبالزكاة (وجُعل الخَرص شرعيًّا ذلك العام)، ويتتبّع أهل البدع والإباحة والمتلبّسين بالتصوّف زورًا.

مراسلات المنفى

كتب من سلا ومن المغرب: إلى السلطان المريني أبي زيّان مهنّئًا ومستنجدًا، وذكر أنه منذ سنتين ملتحف بقبور ملوك بني مرين مستجيرًا. وإلى يحيى بن رحّو شيخ بني مرين (وهو يحيى بن عمر بن رحّو، ولّاه يوسف بن إسماعيل مشيخة الغزاة سنة ٧٤١هـ، وبقي حتى قبض عليه السلطان النصري وسجنه سنة ٧٦٤هـ). وإلى شيخه ابن مرزوق التلمساني رسائل شفاعة، ثم رسالة سرّية بعد أن صار خطيب السلطان بتونس يحذّره من مغبّة الجاه والحسد، وينصحه بالانتقال إلى تلمسان، ويشير إلى قدوم رسول «الطاغية»، ويطلب إحراق الرسالة. وفيها يذكر مصادرة أملاكه بالأندلس: رباع وشجر ومكيلات وموزونات وخزانة كتبه بجملتها وفيها الأمهات الكبار.

وخاطب أبا زيد بن خلدون بعد رحيله من بحر المرية واستقراره ببسكرة عند رئيسها أبي العباس بن مُزني (الرسالة في «التعريف»)، وأخاه أبا زكريا يحيى بن خلدون حين تقلّد الكتابة عن أبي حمّو موسى سلطان تلمسان الزياني. وكتب إلى أبي القاسم بن رضوان صاحب العلامة؛ وإلى شيخ العرب مبارك بن إبراهيم (وفيها أن والده عُيّن للقاء خال السلطان حين قدم رسولًا إلى الأندلس)؛ وإلى عامر بن محمد الهنتاني معزّيًا في أخيه عبد العزيز الذي آواه في غربته ودُفن في بيته؛ وإلى الوزير المتغلّب على ملك المغرب («عمر») مهنّئًا بنجاته من محاولة اغتيال وبمسالمة عقدها؛ وإلى كاتب سلطان تلمسان محمد بن يوسف القيسي الثغري؛ وإلى تربة السلطان أبي الحسن المريني مسلّمًا عليها بعد وفاته.

مرآة الأمراء

نصّ «في السياسة» على لسان حكيم فارسي مجهول أُحضر ليلًا إلى هارون الرشيد، فأملى نظامًا في تدبير الرعية، وشروط الوزير، وسياسة الجند والعمّال (النهي عن تضمين العامل مال عمله، وعن جمع الأعمال له، وعن إطالة مدة الولاية)، وتفريق الأولاد في البلدان، والخدم والحرم، وحفظ المال («المال المصون أمنع الحصون»)، ومكانة العلماء، وعمارة البلدان، والاستعداد زمن الهدنة. ثم غنّى فأنام القوم وانصرف، فأمر الرشيد بتخليد حكمه.

المفاخرة والوصف

في رسالة عزاء إلى ملك المغرب عدّد الأمويين والعباسيين، وعارضه المقّري بنصٍّ من إنشائه عدّد فيه بني عبيد وبني بويه وبني سلجوق وبني سامان وبني أيوب والجراكسة؛ ثم عبد الرحمن الداخل، والناصر وزهراءه، والحكم، والمؤيد، والمنصور بن أبي عامر والمظفّر، وبني حمّود، وبني جهور، وبني باديس، وبني عبّاد، وبني ذي النون، وبني صُمادح بالمرية، وبني الأفطس، وبني هود، ولمتونة، والموحّدين، وبني الأحمر (وتفويضهم الأمر لابن الحكيم ولسان الدين)، وبني مرين، وبني زيّان، والحفصيين (المستنصر وأبي فارس). وختم بوصف لسان الدين فاس — «عرين أسود بني مرين»، مع ذمّ أهلها بترك قِرى الضيف — ومراكش «مسكن الناصر والمنصور».

الباب الخامس (ج): خاتمة نثره ونظمه + تتمة

خاتمة نثر لسان الدين

وصفُ ابن الخطيب لمدينة بسطة (Baza) من كتابه «المشاهدات»، ومعالمها: مسجد الجنة، وباب المسك، وباب الفرج؛ ومعه وصفٌ لها من رحلة أبي الحسن القلصادي (علي بن محمد القرشي البسطي، نزيل غرناطة، «آخر من له التواليف الكثيرة من أئمة الأندلس»، ت ٨٩١هـ). وختم نثره برسالة كتبها ابن الخطيب على لسان جدّة السلطان من الحمراء إلى حفيدها الغائب، جوابًا عن كتابه — شاهدٌ على أنه كان يكتب عن نساء البيت النصري.

شعر لسان الدين (من «الإحاطة»)

مصادر شعره: «الإحاطة»، و«أبيات الأبيات»، و«الصَّيِّب والجهام» (ديوانه، أشار إليه ابنه علي بن الخطيب). أهم الوقائع المؤرَّخة فيه:

  • قصيدة نبوية أنشدها لسلطان المغرب ليلة المولد سنة ٧٦٣هـ.
  • قصيدة في السلطان المريني أبي عنان فارس تسرد نسبه (فارس عن علي عن عثمان عن يعقوب)، وتستنهضه لجهاد الأندلس واسترجاع ما غصبه العدو، وتشير إلى تنكيله ببني زيان.
  • قصيدة في إعذار (ختان) ولد السلطان: تصف الحلبة، والطلبة المنصوبة في الهواء يرميها الفرسان، والثيران التي أُرسلت عليها الكلاب الرومية؛ وسمّاها «آخر النظم في الأغراض السلطانية».
  • لاميته «المنح الغريب في الفتح القريب»: نظمها بسلا حين انفصل السلطان (محمد الغني بالله) طالبًا حقه بالأندلس، ووجّهها إليه إلى رندة قبل الفتح، ثم أنشدها بعده. ويُروى أن السلطان أمر بكتابتها على قصور الحمراء، وأنها ظلّت مكتوبة بها إلى عهد المقّري بعد استيلاء النصارى.
  • أبيات كُتبت على المدرسة التي بناها أبو الحجاج يوسف بن نصر بغرناطة، وأخرى على سكين أضاحيه، ورثاء له.
  • وداع أبي مالك عبد الواحد بن زكريا اللحياني ابن سلطان إفريقية؛ وتوفي أبو مالك ببلاد الجريد سنة ٧٥٠هـ.
  • لزومية وجّهها آخر سنة ٧٧٤هـ إلى أبي حمو موسى سلطان تلمسان، وأخرى يشكره على إعانته أهل الأندلس.
  • من رحلته المغربية و«نفاضة الجراب»: زيارته قبر المعتمد بن عبّاد بأغمات سنة ٧٦١هـ (وإلى جنبه قبر «اعتماد» الرميكية)؛ ووقوفه على خراب مراكش معتبرًا؛ ودخوله أنفا (الدار البيضاء) ومروره بدار واليها «عبّو» من بني الترجمان؛ ونزوله بيعقوب بن أبي خدو قرب آسفي.
  • مخاطباته: شيوخه ابن الجيّاب، وأبو البركات ابن الحاج، وابن مرزوق الخطيب؛ ووُلاة كمحمد بن حسون بن أبي العلاء، وعثمان بن يحيى بن روح، والسعيد أبي بكر ابن أبي عنان. وبيتان عند خروج ابن الأحمر من فاس إلى الأندلس يورّي فيهما بـ«البيضاء» (فاس الجديدة) و«الحمراء» (غرناطة). ويذكر المقّري أن ابن زمرك كان يومئذ من أتباعه. ومن مفرداته: «المنجانة» اسم الساعة عند المغاربة.

الولي أحمد بن عاشر

أحمد بن عمر بن محمد بن عاشر الأندلسي، نزيل سلا، زاهد منقطع. قصده السلطان أبو عنان سنة ٧٥٧هـ فوقف ببابه فلم يأذن له، وعاود مرارًا فلم يصل إليه. لقيه ابن قنفذ القسنطيني بسلا سنة ٧٦٣هـ وذكر أن قوته من نسخ «العمدة» في الحديث وأن طريقه اتّباع «إحياء علوم الدين». توفي سنة ٧٦٥هـ؛ وزار المقّري قبره بسلا عام ١٠٠٩هـ. من المنتفعين به ابن عبّاد الرندي شارح الحكم. وأورد المقّري له كرامات لا يُبنى عليها خبر.

التتمة: الموشح والزجل (نقلًا عن مقدمة ابن خلدون)

مخترع الموشح: مقدَّم بن معافى القبري، من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني؛ أخذه عنه ابن عبد ربه. ثم برع عبادة القزاز شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المرية، وتلاه ابن أرفع رأسه شاعر المأمون بن ذي النون صاحب طليطلة. وفي دولة الملثّمين: الأعمى التطيلي، ويحيى بن بقي، وأبو بكر الأبيض، وابن باجة صاحب التلاحين (وحكاية مجلس ابن تيفلويت صاحب سرقسطة). وفي صدر دولة الموحدين: ابن أبي الفضل بن شرف، وابن هردوس (ت بمراكش ٥٧٢هـ)، وابن مؤهّل، والزويلي؛ ثم ابن زهر، وابن حزمون بمرسية، وسهل بن مالك بغرناطة، وابن الفضل وابن الصابوني بإشبيلية، وابن خلف الجزائري وابن خزر البجائي بالعدوة، وابن سهل شاعر إشبيلية وسبتة صاحب «هل درى ظبي الحمى» التي عارضها ابن الخطيب بـ«جادك الغيث». ومن المشارقة ابن سناء الملك المصري.

الزجل: أول من أبدع فيه أبو بكر بن قزمان القرطبي، لعهد الملثمين؛ وقال ابن سعيد إنه رأى أزجاله ببغداد أكثر مما رآها بحواضر المغرب. ثم مدغليس (أحمد بن الحاج، من دولة بني عبد المؤمن)، وابن جحدر الإشبيلي (ت ٦٣٨هـ) الذي فضل الزجّالين بزجله في فتح ميورقة، وتلميذه البعبع.

ابن باجة والفتح بن خاقان

ابن باجة = أبو بكر ابن الصائغ التجيبي السرقسطي، «آخر فلاسفة الإسلام بجزيرة الأندلس» (بعبارة لسان الدين). وزَر لأبي بكر بن إبراهيم بن تاشفين حين ولي الثغر والشرق؛ ثم اعتُقل عند عماد الدولة بن هود وهمّ بقتله؛ ثم اعتقله إبراهيم بن يوسف بن تاشفين بشاطبة. سقطت سرقسطة بيد العدو سنة ٥١٢هـ. توفي مسمومًا في باذنجان بفاس في رمضان سنة ٥٢٣هـ (وقيل ٥٢٥). وذكر ركن الدين بيبرس المنصوري (ت ٧٢٥هـ) في «زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة» أنه وزر لأبي بكر الصحراوي صاحب سرقسطة، ثم ليحيى بن يوسف بن تاشفين عشرين سنة بالمغرب، فحسده الأطباء والكتّاب فسمّوه. وشكّك المقّري في نسبة حكاية خسوف القمر إليه، ورجّح — عن «الإحاطة» — نسبتها إلى ابن الحدّاد الوادي آشي (شاعر عالم بالتعاليم والموسيقى وفكّ المعمّى، سكن المرية ومدح بني صمادح، وله تصنيف في العروض يمزج بين الألحان الموسيقية والآراء الخليلية).

الفتح بن محمد بن عبيد الله القيسي، أبو نصر ابن خاقان، من قرى يحصب. سبب عداوته لابن باجة إزراؤه به في مجلسه؛ فثلبه في آخر ترجمة من «قلائد العقيان». حدّه القاضي عياض في الخمر ثم بعث إليه بثمانية دنانير وعمامة. قُتل ذبحًا في فندق بمراكش: ليلة الأحد لثمان بقين من محرم ٥٢٩هـ (الإحاطة)، أو ليلة عيد الفطر ٥٢٨هـ (ابن الأبّار)، أو ٥٣٥هـ (حكاه ابن خلكان)؛ ودُفن بباب الدبّاغين. وقيل: كان قتله بإشارة أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، أخي إبراهيم الذي أُلّفت القلائد برسمه. مصنفاته: قلائد العقيان، مطمح الأنفس (نسختان عند المغاربة، وثلاث عند ابن خلكان)، راية المحاسن، مجموع في ترسيله، وتأليف في ترجمة ابن السيد البطليوسي. وقارنه ابن سعيد بابن بسّام صاحب «الذخيرة»: ابن بسّام أكثر تقييدًا وعلمًا، والفتح أقدر على البلاغة بلا تكلّف. وضعّفه ابن الأبّار في «معجم أصحاب الصدفي».

من تراجم «المطمح» التي ساقها المقّري لغرابة الكتاب بالمشرق: الزبيدي (إمام اللغة، صاحب مختصر العين ولحن العامة وطبقات النحويين والواضح، استدعاه الحكم المستنصر)؛ عز الدولة أبو مروان بن المعتصم بن صمادح (وجّهه أبوه سفيرًا فاعتُقل بغرناطة ثم هرب بحرًا إلى المرية) وأخوه رفيع الدولة؛ الوزير أبو الوليد ابن حزم؛ أبو بكر الغسّاني صاحب تفسير القرآن؛ أبو عامر ابن عقّال الذي كتب عن الأمير إبراهيم فصلًا يصف إجازة أمير المسلمين البحر سنة ٥١٥هـ في الساعة الثانية من يوم الجمعة من مرسى جزيرة طريف؛ عبد الملك بن زيادة الله الطبني (رحل إلى المشرق وأقام بقرطبة ثم اغتيل في فراشه)؛ ابن عبد ربه صاحب «العقد»؛ أبو الحسن البرقي البلنسي (ورد إشبيلية ٤٩٩هـ). وخطبة «المطمح الصغير» تقسمه ثلاثة أقسام: الوزراء والكتّاب، والعلماء والقضاة، والأدباء؛ وقد ندبه إليه الوزير أبو العاصي حكم بن الوليد. ومن رسائله كتابٌ إلى أبي بكر بن علي بن يوسف بن تاشفين عند ولايته إشبيلية (ولي ٥١٨هـ وعُزل ٥٢٢هـ).

المولد النبوي والمنجانة بتلمسان

نقل المقّري عن التنسي التلمساني، في «راح الأرواح» و«نظم الدر والعقيان في شرف بني زيان»، وصف احتفال السلطان أبي حمو موسى الزياني بليلة المولد بمشور تلمسان كل سنة من دولته: مدعاة عامة وخاصة، ونمارق وزرابي، وشمع كالأسطوانات، ومباخر، وترتيب الناس على مراتبهم، وإنشاد المسمعين الأمداح والمكفّرات. وبقرب السلطان خزانة «المنجانة» — ساعة آليّة ذات تماثيل من اللُّجَين، بصدرها أبواب بعدد ساعات الليل الزمانية، وفوقها قمر يسير على خط الاستواء يسامت باب كل ساعة، فينقضّ عقابان يُلقي كلٌّ صنجة صُفْر في طست فترنّ، وينهش أرقمٌ أحد فرخي طائر فيصفر أبوه، ثم يُفتح باب الساعة وتبرز جارية بيدها رقعة فيها اسم الساعة منظومًا. وكان أبو زكريا يحيى بن خلدون — أخو ولي الدين ابن خلدون صاحب التاريخ — ينظم المقطوعات على لسان جارية المنجانة؛ ونظم قصيدة في مولد عام ٧٧٨هـ يمدح أبا حمو وابنه أبا تاشفين، ويعزو بني زيان إلى بني القاسم. ويذكر المقّري أن الاحتفال بالمولد كان دأب ملوك المغرب والأندلس في ذلك العصر وما قبله.

الموشح في العصر السعدي

«جيش التوشيح» لابن الخطيب، وذيّل عليه عبد العزيز بن محمد الفشتالي — وزير القلم بالمغرب، ووصفه المقّري بـ«الوزير الكبير الشهيد» — بكتاب «مدد الجيش»، وضمّنه من موشحات أهل عصره وموشحات السلطان أحمد المنصور السعدي ما يزيد على ثلاثمائة موشّح. والمنصور (أبو العباس أحمد بن محمد الشيخ المهدي) هو المنتصر على البرتغاليين في وادي المخازن سنة ٩٨٦هـ، وفاتح السودان، المتوفى ١٠١٢هـ؛ لقيه المقّري وأخذ عنه أيام كونه بإيالته. ومن أخباره: مصانعه الثلاثة البديع والمسرّة والمشتهى؛ و«المنصورية» نوعُ لباس بالمغرب استخرجه ونُسب إليه؛ وبراعته في التعمية (ألغاز في أسماء: نسيم — حظيّته — وغزال وسلاف وآمنة، مع شروح بخطه في الإسقاط والانتقاد والعمل الحسابي). ووفد على حضرته أبو الفضل ابن محمد العقّاد المكي، وإمام الدين الخليلي المقدسي، وشريفٌ مدني. وألّف الفشتالي في دولته «مناهل الصفا في فضائل الشرفا» في ثماني مجلدات، وألّف كاتب أسراره محمد بن عيسى «الممدود والمقصور من سنا السلطان المنصور»؛ وللمقّري «روضة الآس العاطرة الأنفاس في ذكر من لقيته من أعلام مراكش وفاس».

وختم الباب بموشحات مشرقية: لعثمان البلطي (ت ٥٩٩هـ) في مدح القاضي الفاضل، وللشهاب العزازي معارضًا أحمد بن حسن الموصلي، ولابن نباتة الفارقي في مدح جلال الدين الخطيب.

الباب السادس: في مصنَّفات لسان الدين بن الخطيب

قال المقّري: «تصانيف لسان الدين التي علمتُ نحو الستين»، وذكر أنه وقف بالمغرب على كثير منها. ومدار الباب على نصٍّ نقله المقّري بحروفه من «تعريف ابن الخطيب بنفسه» في آخر كتاب الإحاطة، ثم استدرك عليه المقّري ما تأخّر تأريخه عن الإحاطة أو أُشير إليه فيها مجملًا، مستعينًا بما سرده الأمير أبو الوليد إسماعيل بن الأحمر في كتابه «نثير فرائد الجمان فيمن نظمني وإيّاه الزمان».

أولًا: التاريخ والتراجم

  • الإحاطة بما تيسّر من تاريخ غرناطة — في تسعة أسفار (كذا في تعريفه بنفسه)، أكبر كتبه وأشهرها.
  • طرفة العصر في دولة بني نصر — في ثلاثة أسفار.
  • اللمحة البدرية في الدولة النصرية.
  • أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام، وما يجرّ ذلك من شجون الكلام.
  • عائد الصلة — وصل به «صلة» الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير، في سفرين.
  • رقم الحلل في نظم الدول — أرجوزة في تاريخ الدول، قال المقّري إنه كان يحفظ أكثرها بالمغرب ثم نسيها؛ فيها أبيات في الوليد بن يزيد، وفي انقراض دولة بني أميّة، وفي الأمين، وفي المعتصم وتألّفه الأتراك. وله شرحٌ لكتاب نفسه رقم الحلل.
  • الكتيبة الكامنة في أدباء (وفي موضع آخر: شعراء) المائة الثامنة — تراجم معاصريه.
  • معيار الأخبار.
  • المباخر الطيبية في المفاخر الخطيبية.

ثانيًا: الطب

  • اليوسفي في صناعة الطب — في سفرين كبيرين، وصفه بأنه «كتاب ممتع».
  • عمل من طبّ لمن حبّ — قال إن منزلته في الصناعة الطبية بمنزلة مختصر ابن الحاجب في الفقه، «لا نظير له».
  • المسائل الطبية — في مجلد.
  • الكلام على الطاعون المعاصر — رسالته في وباء الطاعون الذي عاصره.
  • الأرجوزة المسمّاة بالمعلومة — معارضة للمقدمة المسمّاة «بالمجهولة»، في العلاج من الرأس إلى القدم؛ قال إنها إذا أضيفت إلى أرجوزة الرئيس أبي علي (ابن سينا) «كملت بها الصناعة كمالًا لا يشينه نقص».
  • المعتمدة في الأغذية المفردة — أرجوزة.
  • رجز في عمل الترياق الفاروقي.
  • رسالة تكوّن الجنين.
  • الوصول لحفظ الصحة في الفصول — في حفظ الصحة بحسب فصول السنة.

ثالثًا: التصوّف والعقائد

  • روضة التعريف بالحب الشريف — أشهر كتبه في التصوّف، خصّه ابن الأحمر بالذكر. عارض به «ديوان الصبابة» لابن أبي حجلة صاحب «السكردان»، وتكلّم فيه على طريقة أهل الوحدة المطلقة؛ وبذلك «سجّل عليه أعداؤه في نكبته الآخرة التي ذهبت فيها نفسه، ونسبوه إلى مذهب الحلول». وجعله شجرةً ذات أفنان وعمود وقشر وعود وأوراق، وصورة طائر فوقها؛ قال المقّري: «لم أرَ في فنّه مثله».
  • استنزال اللطف الموجود في سرّ الوجود.
  • الرد على أهل الإباحة.
  • سدّ الذريعة في تفضيل الشريعة.
  • تقرير الشبه وتحرير الشبه.
  • حمل الجمهور على السَّنن المشهور.
  • الزبدة المخوضة.
  • الإشارة، وقطع السلوك (ذكرهما في جملة ما «يشذّ عن الوصف»).

رابعًا: الأدب والشعر والإنشاء

  • ريحانة الكتّاب ونجعة المنتاب — في عدة مجلدات، جماع إنشائه: مخاطبات الملوك على اختلاف أجناسهم حتى ملوك النصارى، وأحوال الكبراء، وخطب بعض كتبه في صدره، وبعض مقاماته وتحليته لأهل عصره في آخره؛ قال المقّري: «كتاب مفرد في بابه». وهو المقصود بقوله في الإحاطة: «والنثر في غرض السلطانيات كثير».
  • التاج المحلّى في مساجلة القدح المعلّى، ويتبعه الإكليل الزاهر فيما فضل عند نظم التاج من الجواهر.
  • النقاية بعد الكفاية — على نحو «القلائد» و«المطمح» لأبي نصر الفتح بن محمد (ابن خاقان).
  • ديوان شعره في سفرين، سمّاه: الصيّب والجهام والماضي والكهام.
  • جيش التوشيح — في سفرين (في الموشحات).
  • تخليص الذهب في اختيار عيون الكتب الأدبية الثلاثة.
  • السحر والشعر.
  • أبيات الأبيات — مختاراته من مطالع شعره.
  • فتات الخوان ولقط الصوان — سفر يتضمن المقطوعات فقط.
  • كناسة الدكان بعد انتقال السكان.
  • الدرر الفاخرة واللجج الزاخرة — جمع فيه نظم ابن صفوان.
  • تدوين شعر شيخه ابن الجيّاب، وجمع نثره وسمّاه تافهٌ من جَمٍّ ونقطةٌ من يَمّ.
  • مفاضلة مالقة وسلا (موازنة بين المدينتين).
  • خلع الرسن في أمر القاضي ابن الحسن.

خامسًا: السياسة والوزارة

  • بستان الدول — «موضوع غريب ما سُمع بمثله، قلّ أن شذّ عنه فنّ من الفنون»؛ بُني على «شجرات عشر» (سرد منها تسعًا): شجرة السلطان، ثم الوزارة، ثم الكتابة، ثم القضاء والصلاة، ثم الشرطة والحسبة، ثم العمل، ثم الجهاد (وهي فرعان: أسطول وخيول)، ثم شجرة ما يضطرّ باب الملك إليه من الأطباء والمنجّمين والبيازرة والبياطرة والفلاحين والندماء والشطرنجيين والشعراء والمغنّين، ثم شجرة الرعايا. وتقسيمه راجع إلى شُعبٍ وأصول وجراثيم وعُمُد وقشر ولحاء وغصون وأوراق وزهرات مثمرة وغير مثمرة، مكتوبٌ على كل جزء بالصبغ اسم الفن المراد به، وبرنامجه صورة بستان. كمل منه نحو ثلاثين سفرًا، ثم قطعه عنه «الحادث على الدولة» (أي نكبته).
  • كتاب الوزارة.
  • مقامة السياسة، وأرجوزة في السياسة المدنية.
  • الغيرة على أهل الحيرة.
  • مثلى الطريقة في ذمّ الوثيقة.

سادسًا: الرحلة

  • نفاضة الجراب في علالة الاغتراب — ألّفه «من بعد الانتقال من الأندلس وما وقع من كياد الدولة»، في أربعة أسفار، وصفه بأنه «موضوع جليل».
  • خطرة الطيف، ورحلة الشتاء والصيف — أوردهما بنصّهما في «ريحانة الكتّاب» وجعلهما من جملة ما اشتملت عليه.

سابعًا: الفقه والأصول

  • الحلل المرقومة في اللمع المنظومة — ألفية من ألف بيت في أصول الفقه، شرحها قاضي القضاة وليّ الدين أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون صاحب التاريخ المشهور.

ثامنًا: فنون شتّى

  • البيزرة (في مجلد)، والبيطرة (في مجلد جامع لمحاسن الخيل)، وكتب في الموسيقى. ولم يُذكر في هذا الباب مصنَّفٌ له في الفلك؛ وإنما وردت الإشارة إلى المنجّمين ضمن شجرات «بستان الدول».

أخبار كتاب الإحاطة ونسخه

قال المقّري: الإحاطة «الطائر الصيت بالمشرق والمغرب، والمشارقة أشدّ إعجابًا به من المغاربة»، مع قلّة نسخه بالمشرق. اختصره الأديب البدر البشتكي (محمد بن إبراهيم الأنصاري، دمشقي الأصل، ت ٨٣٠هـ بالقاهرة) وسمّاه «مركز الإحاطة في أدباء غرناطة»، فرغ منه في مستهلّ صفر ٧٩٣هـ؛ جعله في مجلدين بخطه، كل أربعة أجزاء من الأصل في مجلد، فنقص من الأصل ثلاثة أرباع أو نحوها؛ رأى المقّري المجلد الأخير منه بمصر.

ووقف سلطان الأندلس (أبو عبد الله محمد الغالب بالله) نسخة من الإحاطة على المدرسة اليوسفية بغرناطة، وكتب حجّة الوقفية بخطه قاضي الجماعة الوزير أبو يحيى ابن عاصم؛ والنسخة في اثني عشر سفرًا متفقة الخط، وتاريخ الحجة رجب سنة ٨٢٩هـ (نقلها عن ظهر النسخة ابن الحداد الوادي آشي نزيل تلمسان).

وأرسل ابن الخطيب في حياته نسخةً إلى مصر ووقفها بـخانقاه سعيد السعداء؛ رأى المقّري منها المجلد الرابع. ونصّ وقفيتها: وقفَها عنه وكيله أبو عمرو ابن عبد الله بن الحاج الأندلسي بمقتضى تفويض ثابت عند قاضي القضاة بالإسكندرية كمال الدين محمد بن الربعي المالكي مؤرخ ٣ ذي الحجة ٧٦٧هـ؛ والكتاب فيها ثمانية أجزاء؛ وقفًا شرعيًّا على جميع المسلمين قراءةً ونسخًا ومطالعة، والنظر فيه للشيخ شهاب الدين أحمد بن أبي حجلة ثم لناظر أوقاف الخانقاه؛ والإشهاد في ٢٢ المحرم ٧٦٨هـ. وعلى ظهر أول ورقة منها خطوط علماء: المقريزي (انتقى منه في ربيع ٨٠٨هـ)، والسيوطي (طالعه على طبقات النحاة واللغويين سنة ٨٦٨هـ)، ومحمد القوصوني (٩٥٤هـ)، وعلي الحموي الحنفي، ومحمد البكري الصديقي؛ وبهوامشها كتابة ابن دقماق والحافظ ابن حجر، ومن المغاربة ابنُ المؤلف علي ابن الخطيب، وابن مرزوق، وأبو الفضل ابن الإمام التلمساني، والنحوي الراعي، ويحيى العجيسي شارح الألفية.

سبب تأليف الإحاطة برواية ابن الأحمر: وفد الكاتب ابن جُزَيّ على أبي عنان بالمغرب في حدود ٧٥٣هـ وبرع في تاريخٍ جمعه؛ فلما مات أبو الحجاج في غرّة شوّال ٧٥٥هـ عُيّن ابنُ الخطيب لتعريف صاحب المغرب بالكائنة، فوقف على تاريخ ابن جُزَيّ فحمله النظر فيه على جمع «الإحاطة». ولمّا وجد الحاجب رضوان قد استولى على الحجابة انتبذ عنها وأخذ في التأليف، مستدعيًا تصحيح الموالد والوفيات والأسماء؛ وتولّى نقلَ مبيضاته الشيخُ أبو عبد الله الشريشي، فانختم أولًا على ست مجلدات؛ فلما عاد ابن الخطيب إلى الأندلس بعودة الغني بالله إلى ملكه سنة ٧٦٣هـ تلاحقت فروعه بأصوله، ووُضعت بخانقاه سعيد السعداء نسخته المتمّمة من اثني عشر سفرًا. وعلّق المقّري متشككًا: المكتوب في الوقفية ثمانية مجلدات لا اثنا عشر، «فلعلّ ذلك الاختلاف بسبب الكِبَر والصِّغَر».

ابن الحاج النميري

أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النميري، المعروف بابن الحاج الغرناطي: وُلد بغرناطة سنة ٧١٣هـ، وارتسم في كتّاب الإنشاء سنة ٧٣٤هـ، ورحل إلى المشرق فحجّ ولقي الذهبي والبِرْزالي والمِزّي ودوّن رحلته. خدم بعض ملوك إفريقية، وكتب ببجاية، ثم خدم أبا الحسن المريني، ثم أبا عنان، ثم لحق بالأندلس وولي القضاء بقرب الحضرة؛ أُسر بعد قتال عام ٧٦٨هـ ثم فُكّ. أخذ عنه أبو بكر ابن عاصم صاحب «التحفة». مصنّفاته: إيقاظ الكرام بأخبار المنام، وجزء في بيان الاسم الأعظم، ونزهة الحدق في ذكر الفرق، واللباس والصحبة في جمع طرق المتصوفة، وجزء في الفرائض، والفصول المقتضبة في الأحكام المنتخبة، ورجز في الجدل، ورجز في الحجب والسلاح، ومثالث القوانين في التورية والاستخدام والتضمين.

تلمسان وأخبار المقّري نفسه

أورد المقّري قصائد في مدح تلمسان وفاس للثغري كاتب سلطان تلمسان أبي حمّو موسى بن يوسف الزياني، ولمنديل ابن الإمام، وللتلالسي، ولابن خميس، ولابن الخطيب. ونقل عن يحيى بن خلدون في «بغية الرواد في أخبار بني عبد الواد وأيام أبي حمّو» اشتقاقَ اسم تلمسان من البربرية: «تلم» أي تجمع و«سن» أي اثنين — الصحراء والتل (عن الآبلي)؛ ووصف خصب فحصها حتى «انتهت في الزوج الواحد منها إلى أربعمائة مدّ كبير». وذكر المقّري أنه نوى تأليف كتاب في تلمسان يسمّيه «أنواء نيسان في أنباء تلمسان» وكتب بعضه ثم حالت دونه الأقدار. وأورد ترجمته الذاتية: وُلد بتلمسان هو وأبوه وجده وجدّ جده؛ ارتحل إلى فاس سنة ١٠٠٩هـ، ورجع آخر ١٠١٠هـ، وعاود فاس سنة ١٠١٣هـ، وارتحل إلى المشرق أواخر رمضان ١٠٢٧هـ، ودخل مصر في رجب ١٠٢٨هـ، والشام في شعبان ١٠٣٧هـ، وعاد إلى مصر أواخر شوّال من العام، وشرع في تأليف «نفح الطيب» في ذي القعدة من العام نفسه.

أبو مدين شعيب

ختم الباب بترجمة وليّ تلمسان أبي مدين شعيب بن الحسين الأندلسي: قرأ بفاس على ابن حرزهم وابن غالب، وشيخه أبو يعزى، ولقي عبد القادر الكيلاني فألبسه خرقة الصوفية، واستوطن بجاية. وشى به بعض علماء الظاهر عند السلطان يعقوب المنصور بأن له شبهًا بالإمام المهدي وأتباعه كثيرون، فاستُدعي إليه فمات في الطريق بوادي يسر سنة ٥٩٤هـ، ودُفن بالعبّاد بتلمسان. وأورد المقّري كراماتٍ منسوبة إليه لا تُساق مساق الوقائع. وأفرد ترجمته ابن الخطيب القسمطيني بتأليف سمّاه «أنس الفقير»، وأطال فيها التادلي في «التشوّف لرجال التصوّف»، وذكره ابن التلمساني في «النجم الثاقب فيما لأولياء الله من المناقب». وصرّح المقّري بأنه ذكره «للتبرّك به، ولكونه شيخ جدّي».

الباب السابع: في ذكر تلامذته

استفتح المقّري الباب بحكم عام: أن تلامذة لسان الدين ابن الخطيب كثيرون، «إلا أنه لم يُرزق السعادة في كثير منهم، بل بارزوه بالعداوة واجتهدوا في إيصال المكروه إليه». والمقطع في جملته ترجمةٌ مطوَّلة لابن زمرك تستغرق أكثر من تسعة أعشاره، ثم خمس تراجم قصار. ولم يَرِد ذكر ابن خلدون في هذا الباب البتة.

١. ابن زمرك (الوزير الكاتب أبو عبد الله محمد بن يوسف الصريحي)

نسبه ونشأته وشيوخه

محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف الصريحي، أصله من شرقي الأندلس، وسكن سلفه ربض البيازين من غرناطة، وبه وُلد ونشأ. مولده ١٤ شوال ٧٣٣هـ. قرأ العربية على أبي عبد الله ابن الفخّار، ثم على القاضي الشريف أبي القاسم محمد بن أحمد الحسني؛ والفقه والعربية على المفتي أبي سعيد ابن لُب؛ وأخذ الرواية عن الخطيب المحدّث أبي عبد الله ابن مرزوق (الوافد على أبي الحجاج بالأندلس عام ٧٥٣هـ)؛ ولقي القاضي الحافظ أبا عبد الله المقّري لمّا قدم الأندلس؛ وقرأ الأصول الفقهية على أبي علي منصور الزواوي؛ وروى عن القاضي أبي البركات ابن الحاج، والمحدث أبي الحسين ابن التلمساني، والخطيب أبي عبد الله ابن اللوشي، والمقرئ أبي عبد الله ابن بيبش العبدري. وقرأ العلوم العقلية بفاس على الشريف أبي عبد الله العلّوني التلمساني. وصحب الصوفية، ولزم شيخ الفرق الصوفية أبا جعفر ابن الزيات وأخاه أبا مهدي. وأخذ الأدب عن ابن الخطيب نفسه في أول طلبه — قال ابن الأحمر: «ولكن لم يُحمد بينهما المآل».

مناصبه وخدمته للدولة النصرية

ترقّى بالمغرب إلى الكتابة عن ولد السلطان أبي سالم إبراهيم بن أبي الحسن، ثم عن السلطان أبي سالم نفسه. ولمّا نُكب سلطان الأندلس (الغني بالله) واستقر بالمغرب، انقطع إليه، وعاد في ركابه إلى استرجاع ملكه، فخصّه بكتابة السرّ، ووَرِث مرتبة ابن الخطيب من بعده. وخصّه الغني بالله بكتابة السر عام ٧٧٣هـ، واستعمله بعد أعوام في السفارة بينه وبين ملوك عصره؛ ووفَد رسولًا على ملك المغرب عبد العزيز.

ووقف ابن الأحمر على رقعة بخطه يعدّد فيها خدمته: خدم الغني بالله سبعًا وثلاثين سنة (ثلاثًا بالمغرب وباقيها بالأندلس)، وأنشده ستًّا وستين قصيدة في ستة وستين عيدًا، وأن كل ما في منازل السلطان — القصر والرياض والدشار والسبيكة، وما على القباب والطاقات والطُّرَز — من نظمٍ فهو له، وأنه كان يؤاكل السلطان وابنه أبا الحجاج، وأنه فُوِّض إليه عقد الصلح بين ملوك العدوتين، وعقَد صلح النصارى تسع مرات. وعلّق ابن الأحمر: «صدق في جميع ما ذكره، والعقود بذلك شاهدة له».

أثره ومحنته ومقتله

يشير النصّ إلى أن سفارته كانت «أعظم أسباب» فتنةٍ هاجت. ولمّا كبر عرضت له تقلّبات، فقعد بجامع مالقة ثم بمسجد الحمراء يُلقي على الكرسي فنونًا من العلوم، وكان التفسير أغلب عليه. ثم سُجن بقصبة المرية عند وفاة الغني بالله (غرة صفر ٧٩٣هـ) — لأسباب أرجعها ابن الأحمر إلى شراسة لسانه واغتراره بمكانه وتضريبه بين خدام السلطان — ثم أُطلق وأُعيد إلى الحضرة في أول رمضان ٧٩٤هـ. وبعد وفاة السلطان (الوالد) وقيام محمد مقامه، قُدِّم للكتابة الفقيه ابن عاصم نحو عام، ثم أُعيد ابن زمرك إلى خطته. ثم ساءت أحواله، ورتّب على المشتغلين بالجباية تُهم اختلاس الأموال فلم يظفر بطائل، وأوقع بأقوام أبرياء.

ثم قُتل في جوف داره ليلًا، والمصحف بين يديه، بأمر صاحب الأمر («على يد مخدومه» — زعموا)، وقُتل معه ابناه ومن وُجد من خدمه، بمرأى من أهله وبناته. ويفهم المقّري من كلام ابن الأحمر أن ذلك كان بعد عام ٧٩٥هـ، وقال: «ولم أقف من أمره على غير ما تقدم». وعلّق: إن ابن زمرك سعى في قتل لسان الدين مع إحسانه إليه، «فقد جوزي من جنس عمله»، بل كانت قِتلته أفظع، لأن ابن الخطيب خُنق بمفرده.

موقف آل ابن الخطيب منه

نقل المقّري تعليقات بخط أبي الحسن علي بن لسان الدين على هوامش ترجمة ابن زمرك في «الإحاطة»، كتبها بالقاهرة، وهي في غاية القدح: يزعم فيها أن ابن زمرك «ابن حدّاد بالبيازين»، وأنه قتل أباه ضربًا، وأن والده هو الذي رفع قدره واستعمله في الكتابة السلطانية، وأنه «كان السبب في قتل أبي مصنّف هذا الكتاب»، وأن لسان الدين كان ينظم له أكثر قصائده (لا سيّما النسيب في الأمداح السلطانية)، وأنه سرق طردية إبراهيم بن خفاجة معانيَ وألفاظًا. وعقّب المقّري متحفظًا: «وقد نسبه إلى ما لا يليق، فالله أعلم بحقيقة الأمر»، ورجّح أن نظم لسان الدين له إن صح فإنما كان في ابتداء أمره، «وإلا فقد جاء ابن زمرك في آخر أيام لسان الدين وبعد موته بالبدائع التي لا تُنكر».

مصادر ترجمته ومناسبات شعره

اعتمد المقّري على «الإحاطة»، وعلى مجلد ضخم رآه بالمغرب لابن السلطان ابن الأحمر جمع فيه شعر ابن زمرك وموشحاته وعرّف به، سمّاه «البقية والمدرك من شعر ابن زمرك». وأشار ابن الأحمر إلى أنه، بعد الفتنة، عطف على أبناء ابن زمرك وأطلق لهم ما نُهب، وجمع ما تفرّق من شعره. ومن مناسبات شعره التي تحمل وقائع: قصيدة في وفد الأحابيش الذي قدم على السلطان أبي سالم بهدية من ملك السودان فيها زرافة، فأمر الكتّاب بالنظم فيها؛ وقصائد في إعذار (ختان) أولاد الغني بالله سنة ٧٦٤هـ، وأخرى في إعذار الأميرين سعد ونصر، وثالثة تصف دار الملك، ورابعة قيلت عند عودة السلطان من سبتة «لمّا عادت إلى ملكه»؛ ومولديّة سنة ٧٦٧هـ وصف في آخرها المشور الأسنى؛ وقصيدة عند وصول القائد خالد من تلمسان بالهدية؛ وأخرى في افتتاح مراكش؛ وتهنئة السلطان موسى بن أبي عنان لمّا وجّه إليه الغني بالله أمّه وعياله عند تملّكه المغرب؛ وقصيدة في مدح كتاب «الشفاء» للقاضي عياض طلبها منه ابن مرزوق حين شرع في شرحه. وذكر بنو الغني بالله الخمسة: أبو الحجاج (يوسف)، وسعد، ونصر، ومحمد.

ونقل المقّري عن «الإشارات والإفادات» للشاطبي أن ابن زمرك أفاده عقب عودته من رحلة العدوة ثلاث فوائد في علم البيان: فقه اللغة (مواقع الألفاظ، كقولهم «أصفر فاقع» و«أحمر قانٍ» ولا يُعكس)، وتحرّي الألفاظ بين الغرابة والابتذال، واجتناب كل صيغة تُخرج الذهن عن أصل المعنى؛ وأخبره أن كتّاب المغرب يحافظون على طريقة العرب ويذمّون طريقة المولّدين.

استطراد: الولي أبو العباس السبتي

استطرد المقّري إلى ترجمة أبي العباس أحمد بن جعفر السبتي الخزرجي، لأن الغني بالله كتب وهو مخلوع بفاس إلى ضريحه بمراكش (والرسالة من إنشاء لسان الدين على لسانه). وُلد بسبتة عام ٥٢٤هـ وتوفي بمراكش سنة ٦٠١هـ، ودُفن خارجها بباب تاغزوت. تفقّه على أبي عبد الله الفخّار تلميذ القاضي عياض، وكان مذهبه الحضّ على الصدقة («انفعال العالم عن الجود»)، وكان في أول أمره يسكن الفندق ويعلّم الحساب والنحو بأجرة يُنفقها على الطلبة الغرباء. وأورد المقّري عنه أخبار كرامات كثيرة (استجابة المطر، وإخبار بالغيب، وقصة الألف دينار) لا تُساق مساق الوقائع. والواقعة المادية المهمّة فيها: أن خدّام الروضة ترافعوا إلى قاضي مراكش في أمر ما يُوضع على القبر من صدقات، فذكروا أن دخل اليوم الواحد يبلغ ثمانمائة مثقال ذهبًا عينًا، وربما بلغ ألف دينار فما فوقها، يُفرَّق آخر النهار على المحاويج الحافّين بالروضة. وشهد ابن الخطيب أنه زار القبر وجرّب المنقول عنه.

سائر التلامذة

  • ٢. ابن المهنّا: الطبيب العالم، شارح «ألفية ابن سينا» (أرجوزته في الطب)، وشرحه من أبدع الشروح؛ نقل عن لسان الدين كثيرًا واعتمد عليه في أمور الطب. قال المقّري: هو من الكتب المشهورة بالمغرب، ولم يره بالديار المشرقية.
  • ٣. القاضي أبو بكر ابن جُزَيّ الكلبي: الأديب الكاتب العلامة، ابن الشيخ أبي القاسم ابن جزي (شيخ لسان الدين)؛ وبيت بني جزي بيت كبير مشهور بالمغرب والأندلس. روى عن لسان الدين جميع تواليفه مع أنه مقاربه في السن. وذكر المقّري قاعدةً استنبطها من «الإحاطة»: أن ابن الخطيب إذا قال «صاحبنا» فلا يطلقها غالبًا إلا على تلامذته.
  • ٤. أبو عبد الله الشريشي: مؤدّب أولاد الملوك ومعلّمهم القرآن والسنّة. وهو الذي تولّى أولًا نقل «الإحاطة» من مبيّضتها وأحكم النسخة، فكانت في ستة مجلدات؛ ألقى إليه لسان الدين بالمبيّضات ثقةً به، لاشتغاله بأمور المملكة.
  • ٥. القاضي الكاتب أبو محمد عطية بن يحيى بن عبد الله بن طلحة بن أحمد بن عبد الرحمن بن غالب بن عطية المحاربي: مولده بوادي آش آخر عام ٧٠٩هـ؛ ولي الخطابة والإمامة بها عام ٧٣٨هـ، ثم القضاء بها وبأعمالها عام ٧٤٣هـ، ثم انتقل إلى الحضرة (غرناطة) آخر رجب عام ٧٥٦هـ، فعمل في الكتابة السلطانية وكان يعين لسان الدين. ووصفه ابن الخطيب في «الإحاطة» بأصالة البيت وبراعة الخط، ثم قدح فيه أشدّ القدح لأنه — عند الحادثة على الدولة وإزعاجها من الأندلس — لصق بـ«الدائل الفاسق» (السلطان النصري الذي فرّ منه لسان الدين إلى المغرب)، فكان «آلة انتقامه»، فسُفكت الدماء وهُتكت الأستار. ثم تبرأ منه مصطنعه، ولحقته مطالبة مالية لقي لأجلها ضغطًا، وهو — وقت التصنيف — بحال خزي. واستزاده لسان الدين من نظمه فبعث إليه بقصيدة، وحكم عليه بأن «ليس لهذا الرجل انتحال لغير الشعر والكتابة».
  • ٦. الكاتب أحمد بن سليمان بن فَرْكون: اختصّ بلسان الدين وانفرد بانتساخ تواليفه. أثنى عليه ابن الخطيب في «الإحاطة» («شعلة من شعل الذكاء»)، ثم أنحى عليه بالذم الشديد في «الكتيبة الكامنة» («كفاك الله شر من أحسنت إليه») — لأنه كان من الزمرة التي تغيّرت على لسان الدين. ورأى الوادي آشي بخط ابن الخطيب في طرّة اسمه: «يسقط هذا الساقط من الديوان». ومن نظمه بيتان في هجاء غلامٍ لابن زمرك الوزير بعد ابن الخطيب.

الباب الثامن (أ): في ذكر أولاده ومعاصريه

تمهيد

يفتتح المقطع بترجيح المقّري أن لسان الدين إنّما أمر بإسقاط ترجمة أحد تلامذته من «الإحاطة» لما اتُّهم به من معنى بيتين له. وعلّق المحقّق بأن هذا الترجيح يؤكّد أن المقّري لم يطّلع على «الكتيبة الكامنة»، ولم يعرف سبب تغيّر لسان الدين على ذلك التلميذ.

أولاد لسان الدين

أولاده ثلاثة: عبد الله، ومحمد، وعلي؛ وكلّهم حدّث عن أبيه وعن ابن الجيّاب. ونقل المقّري عن ابن خلدون أن أولاد لسان الدين كانوا من ندماء السلطان وأهل خلوته، وأن عليًّا كان «خالصة السلطان».

محمد: نال حظّه من التصوّف، ولم يكن له إلى خدمة الملوك تشوّف. واعتذر المقّري عن قلّة خبره بأنه ترك بالمغرب الكتب التي هي مظانّ ذلك.

عبد الله: كتب بالعدوتين لملوك الحضرتين، وتولّى القيادة والكتابة بالأندلس أيام كان أبوه مدبّر الدولة. قال المقّري: «ولا أعلم الآن ما آل إليه أمره بعد وفاة أبيه». ولخّص المقّري ترجمته من «الإحاطة»: عبد الله بن محمد بن علي بن سعيد بن الخطيب التلمساني، حسن الشكل، جيّد الفهم، منقبض عن الناس قليل البشاشة، حسن الخط، وسط النظم؛ كتب عن الأمراء بالمغرب وأنشدهم واقتضى صكوكهم بالإقطاعات، ثم لمّا كانت الفتنة كتب عن سلطان وطنه معزَّز الخطّة بالقيادة. قرأ على قاضي الجماعة الخطيب أبي القاسم الحسني، والخطيب أبي سعيد فرج بن لُبّ التغلبي، واستظهر بعض المبادئ في العربية، واستُجيز له من أهل المشرق والمغرب. ومولده بغرناطة يوم السبت سابع عشر صفر عام ٧٤٣هـ. ومن نظمه قصيدة في مولد سنة ٧٦٤هـ، وقصيدة يمدح بها السلطان أبا عبد الله محمد بن يوسف بن نصر أنشأها من مدينة فاس، وأخرى في إعذار ابن السلطان، وثالثة أنشدها السلطان ليلة المولد عام ٧٦٥هـ.

ومن خطاب لسان الدين لولده عبد الله في «نفاضة الجراب» ما يكشف واقعة: أنشده أبياتًا يعزّيه فيها عمّا فُقد لهم بغرناطة من أثاثٍ ومنزلٍ وعقار (أي مصادرة أملاكهم بعد خروجهم)، ويحضّه على الاحتساب؛ وأنشده أخرى حين انصرف عنه عبد الله إلى مدينة فاس لإقامة رسمه من الخدمة، وذكر أن انصرافه «وقوع قرحة على قرح». وكان لعبد الله جراية ووظيفة بالباب السلطاني (المريني) يتردّد منها لزيارة أبيه.

علي (أبو الحسن): «شاعر البيت بعد أبيه»، وكان مصاحبًا للسلطان أحمد المريني المستنصر بالله ابن السلطان أبي سالم ابن السلطان أبي الحسن المريني، وجرت بينهما مطارحة شعرية في بستان بفاس. ثم رحل إلى مصر، قال المقّري: «ولم يحضرني الآن من أحواله بعد دخوله مصر ما أعوّل عليه» — فالمقّري لا يذكر شيئًا عن مقتله ولا عن آخرته. ووقف بالقاهرة على نسخة «الإحاطة» التي وجّهها أبوه إلى مصر ووقفها بخانقاه سعيد السعداء، فكتب على حواشيها تعليقات مفيدة: تكميلًا لما أغفله أبوه، أو إخبارًا عمّا شاهده هو، أو رواية عن المترجَم به، أو جوابًا عن أبيه فيما انتُقد عليه.

وذكر بعض الحفّاظ أن عليًّا روى عن أبيه وابن الجيّاب وابن مرزوق، وأخذ أيضًا عن الشريف القاضي أبي علي الحسن بن يوسف الحسني السبتي نزيل تلمسان، وقاضي الجماعة بفاس أبي عبد الله محمد المقّري التلمساني، وابن شبرين الإشبيلي ثم السبتي نزيل غرناطة، والقاضي أبي البركات البلفيقي، وأبي جعفر ابن صفوان القيسي صاحب القلم الأعلى، وابن خاتمة، وأبي القاسم محمد الغسّاني الرحبي نزيل فاس.

حواشي علي على «الإحاطة»: خبر ابن جابر الأعمى

ساق المقّري نصّ ترجمة «الإحاطة» لـشمس الدين محمد بن أحمد بن علي الهوّاري، أبي عبد الله، المعروف بابن جابر، من أهل المرية: كفيف البصر، شارح ألفية ابن مالك، وصاحب البديعية الشهيرة بـ«الأعمى والبصير». رحل إلى المشرق مصاحبًا لأبي جعفر الإلبيري، «فكان وظيفة الكفيف النظم، ووظيفة البصير الكتب»، وختم لسان الدين بقوله: «وانقطع الآن خبرهما». فكتب علي على الحاشية أن أباه قصّر في حقّهما، وأنهما «الآن بإلبيرة من حلب تحت إنعام ولطف». وكتب الشيخ ابن مرزوق على الترجمة أن المصنّف لم يُنصف الرجل، فردّ عليه علي بحدّة: «لم ينصف المترجَم به المؤلف، ولولا أنهما بالحياة ما صدر منكم التنبيه… والحقد على الأموات شأن المغاربة». وعقّب المقّري بأن لسان الدين لم يستوفِ حقّ ابن جابر ورفيقه، مع أنه أطال فيمن دونهما، وعلّل غربتهما بالمغرب بأنهما ارتحلا قبل أن يشتهرا، وكان خبرهما في المشرق أشهر.

ونقل المقّري عن رحلة ابن بطوطة أن ابن جابر قصد سلطان ماردين (ابن الملك الصالح ابن الملك المنصور) مادحًا فأعطاه عشرين ألف درهم.

وأشهر ما لابن جابر قصيدته في التورية بأسماء سور القرآن؛ وكثير من الناس ينسبها إلى القاضي أبي الفضل عياض، وكان المقّري ممّن يعتقد صحة النسبة حتى وقف على شرح البديعية لرفيقه أبي جعفر فإذا هي منسوبة لابن جابر. وعارضها القلقشندي وغيره. وأورد المقّري خطبة على المنوال نفسه تُنسب لعياض وارتاب في نسبتها إليه، وأخرى رآها بتلمسان بخطّ عمّه سعيد بن أحمد المقّري، من إنشاء أبي المجد عبد المنعم الهاشمي الطنجالي.

وأبو جعفر الإلبيري رفيقه (شارح بديعيته) جاور بالمدينة ووصف وادي العقيق وما بقي من آثار قصوره؛ وكان قد وقف بغرناطة على كتاب «الفوائد» لابن مالك (غير «تسهيل الفوائد»)، ثم بحث عنه في المشرق فلم يجده حتى سنة ٧٦٠هـ فوجده بحلب. وله أبيات في الحنين إلى الحمراء والسبيكة، وذكر «جور الوداع»: موضع بظاهر غرناطة جرت العادة أن يُودَّع المسافر عنده. واستطرد المقّري إلى الكفعمي (إبراهيم بن علي، نسبة إلى كفر عيما من قرى صفد) وله خطبة وقصيدة على المنوال نفسه، وشرح بديعيته «نور حدقة البديع ونور حديقة الربيع»؛ قال المحقّق: إمامي المذهب، من كتبه «جنة الأمان الواقية» (المصباح) و«البلد الأمين» و«الدرع الحصين»، توفي سنة ٩٠٥هـ.

ابن زمرك

لم يعقد له المقّري ترجمة في هذا الموضع؛ وإنما أورد مقطوعة موشّحة خاطب بها ابن زمرك شيخه ومخدومه الوزير لسان الدين، جوابًا عن رسالة خاطب بها لسان الدين أولاده — ونصّ المقّري على أن ذلك كان «قبل أن يظلم الجوّ بينه وبينه»، إشارة إلى ما آل إليه أمرهما من العداوة.

مما كتبه ابن لسان الدين على لسان السلطان

أورد المقّري وثيقتين إنشائيتين لابنه (على لسان السلطان الغني بالله محمد الخامس)، تكشفان وقائع:

  • رسالة وعظية عامة إلى أهل حضرة غرناطة وربضها، كُتبت من محروسة الحمراء: تحضّهم على الصلاة والزكاة وتعليم القرآن، وتحذّرهم من البطر بالرخاء، وتنبّه إلى أن المسلمين في العدوة قد شُغلوا بفتنة قومهم، وأن غرناطة «بلد محصور» اكتنفه البحر وسور بابه بيد العدو. وفيها إنكار على «الملبّسة بأهل التصوّف» وتأويلهم المعاد والجنة والنار. وأهمّ ما فيها: دعوة أهل غرناطة إلى إنشاء بيمارستان يؤوي المرضى المطّرحين والضعفاء المغتربين والمجانين، وقول السلطان إنهم فُضِّلوا على أهل مصر وبغداد بالرباط والجهاد فلا أقلّ من مساواتهم في هذا المبنى، وإنه لولا اهتمامه بمرتزقة الديوان وإعداد مال الجباية للمجاهدين لسبقهم إليه، ووعده بتعيين الأوقاف التي تجري عليه. وفيها كذلك ذكر ورود مخاطبات من بني مرين بعزمهم على النفير والامتعاض لحقّ الجوار وحركة سلطانهم، وذكرُ استسقاءٍ بعد إمساك المطر وقلّة من خرج إليه.
  • كتاب أمان عام: أعلن فيه السلطان تأمين النفوس وحقن الدماء، ورفع المطالبات والتبعات، والعفو عن كل رهن تبعة أو طريد تهمة أو منبوز بريبة في الطاعة، «حكمًا عامًّا وعفوًا تامًّا»؛ وذلك بعد ما تخرّبت الثغور وفسدت الأمور بالفتنة المتقدّمة. وأعلن شروعه في تعيين نوّاب من أهل العلم والعدالة للتطوّف في البلاد الأندلسية ومباشرة الأمور، يرفعون إليه المصالح وحاجات الثغور وما يقع من مظالم.

وصية لسان الدين لأولاده

ساق المقّري نصّ الوصية التي أوصى بها لسان الدين أولاده الثلاثة (وقارنها المحقّق بما في «أزهار الرياض»). كتبها بعد أن علاه المشيب، وصدّرها بأنه «رهين فوات وفي برزخ أموات». مضمونها: العقيدة والتمسّك بالكتاب والسنّة وتوقير الصحابة وترك العصبية بينهم؛ ثم أركان العمل: الصلاة والطهارة والزكاة وصيام رمضان والحج مع الاستطاعة، ويلحق بها الجهاد إن كانت قوّة. ثم باب العلم: يوصيهم بتقديم تجويد القرآن، ثم حفظ الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه، ثم أصول الفقه، ثم مسائل المذهب وطرق النظر. ويحذّرهم تحذيرًا شديدًا من «العلوم القديمة» (الفلسفة) قائلًا إن أكثرها «لا يفيد إلا تشكيكًا ورأيًا ركيكًا»، وإنها لا تُثمر إلا الاحتقار وخمول الأقدار، ويستشهد بـابن رشد الذي «عادت عليه بالسخطة الشنيعة وهو إمام الشريعة»؛ ولا يستثني من العلوم العقلية إلا الحساب والمساحة وما يعود بجدوى الفلاحة والعلاج (الطب).

ثم ينهاهم عن الكذب والخيانة والظلم والزنا والخمر والربا والنميمة والحسد والغيبة والرشا والقمار وشهادة الزور، ويشدّد: «والله الله أن تعينوا في سفك الدماء ولو بالإشارة أو بالكلام أو ما يرجع إلى وظيفة الأقلام». ومن أنفس ما فيها من الشهادة على حال غرناطة: من رُزق منكم مالًا «بهذا الوطن القلق المهاد الذي لا يصلح لغير الجهاد» فلا يستهلكه أجمع في العقار، فيصبح عرضة للافتقار ومعوَّقًا عن الانتقال إن تغلّب العدوّ على بلده. وينهاهم عن طلب الولايات رغبةً واستجلابًا، «فالولايات فتنة ومحنة… وتوقُّع عزل». وختمها: «والدكم محمد بن عبد الله بن الخطيب». وذكر المقّري أن شيخ شيوخه القاضي عبد الواحد — ابنَ صاحب «المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى إفريقية والأندلس والمغرب» في ستّ مجلدات (الونشريسي) — كان كثيرًا ما يُدخل من هذه الوصية في خطبه.

ثم أورد المقّري — تتميمًا — وصية للكاتب أبي عبد الله محمد ابن الجنّان المرسي، كتبها في رسالة عن ابن هود ملك الأندلس (المتوكل على الله محمد بن يوسف بن هود) إلى أخيه، وينقطع المقطع في أوّلها.

تنبيه

لا يتضمّن هذا المقطع تراجم ابن مرزوق ولا ابن خلدون وأخيه يحيى ولا ابن الأحمر ولا ترجمةً مستقلة لابن زمرك؛ وإنما وردت أسماؤهم عَرَضًا فقط، وتراجمهم في تتمّة الباب الثامن.

الباب الثامن (ب) + خاتمة الكتاب

> تنبيه على مضمون المقطع: لا يشتمل هذا المقطع على نكبة لسان الدين ابن الخطيب ولا على مقتله ولا على ابن زمرك وسليمان بن داود (فذلك في مقطع سابق). مادّته: منشور سلطاني من مرسية سنة ٦٣٤هـ، ثم ترجمة الكاتب ابن الجنّان المرسي ونماذج من نثره، ثم بابٌ ضخم في المدائح النبوية (تخاميس ومسدّسات وقصائد أندلسية ومغربية)، ثم خاتمة المقّري لكتابه، ثم خاتمة الناسخ.

منشور من مرسية سنة ٦٣٤هـ

يفتتح المقطع برسالة رسمية طويلة صدرت «من حضرتنا بمرسية»، مكتوبة باسم الخلافة العبّاسية («الإمام المنتصر بالله أبي جعفر المنصور أمير المؤمنين»)، ومؤرَّخة في ٢٤ جمادى الأولى سنة ٦٣٤هـ. وهي عهدٌ عام موجَّه إلى الولاة والعمّال في الجهات، مضمونه واقعيّ لا أدبيّ فحسب: تحذير من الاستهانة بالدماء وحصر إباحتها في ثلاث (كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل النفس)، ونزع النظر في الدماء من ولاة الجهاد وقصره على القاعدة الشرعية بمحضر القاضي والشهود؛ وانتقاء الولاة والقضاة على الديانة والنزاهة لا بالشفاعات؛ وشكوى من فشوّ شهادة الزور في ذلك الزمان وأمرٌ للقضاة بألّا يقبلوا إلا معروفًا بالعدالة؛ ومراقبة العمّال في بيت المال؛ ومنع أخذ أحد بجريرة غيره؛ وعمارة المساجد وتعليم الصبيان القرآن. ويصرّح المُصدِر بأنه «عثر لبعض قوّاد الجهات وحكامها على أمور» من التعدّي على الأموال والدماء فأزالها. وأمر بأن يُقرأ الكتاب على الناس.

ترجمة ابن الجنّان

أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد الأنصاري ابن الجنّان، من أهل مرسية (Murcia)؛ محدِّث راوية ضابط، كاتب بليغ، شاعر، رائق الخط. استكتبه بعض أمراء الأندلس فتبرّم بذلك. وكان مفرط القِصَر حتى يُحسَب من ورائه طفلًا ابن ثماني سنين. خرج من مرسية سنة ٦٤٠هـ حين تمكّن العدوّ منها، فاستقرّ بأربولة، ثم استدعاه إلى سبتة (Ceuta) رئيسُها أبو علي ابن خلاص، فوفد عليه وحظي عنده، ثم توجّه إلى إفريقية فاستقرّ ببجاية (Bougie) ومات بها في عشر الخمسين وستمائة (نقلًا عن «الإحاطة»). شيوخه: أبو بكر ابن خطّاب، وأبو الحسن سهل بن مالك، وابن قطرال، وأبو الربيع ابن سالم، وأبو عيسى ابن أبي السداد، وأبو علي الشلوبين. له نظم كثير في الزهد والمدائح النبوية والمواعظ.

وأثبت المحقِّق أن ضبط اسمه بالنون «الجنّان» لا «الجيّان»، اعتمادًا على «الذيل والتكملة» لابن عبد الملك (وهو الأصل الذي ينقل عنه لسان الدين في «الإحاطة»). وأفاد صاحب «عنوان الدراية» أنه كان في الكتابة من نظراء أبي المطرف ابن عميرة المخزومي، وكثيرًا ما تراسلا. وأورد المقّري رسالة ابن عميرة إليه المشهورة (مطلعها «تحييك الأقلام تحية كسرى») وجواب ابن الجنّان عنها — وهي مساجلة أدبية مبناها على اللعب بحرفَي الحاء والجيم، لا واقعة فيها. ومن نثره: خطب، وفصول في شرف النبي ﷺ، ورسالة كتبها «من الأندلس إلى سيد الكونين» يستشفع بها ويشكو بُعد الدار عن الحجاز.

وترجم أيضًا لـ إدريس بن محمد بن موسى الأنصاري القرطبي، أقرأ العربية والآداب بقرطبة (Córdoba) إلى أن تملّكها الروم فخرج إلى سبتة وأقرأ بها، توفي آخر سنة ٦٤٧هـ؛ وقد قرّظ ابنُ الجنّان قصيدته النبوية.

باب المدائح النبوية

يشغل معظم المقطع تجميعٌ للمدائح النبوية على وزن وروي واحد («صلّوا عليه وسلّموا تسليما»)، أورده المقّري تبرّكًا وختامًا. أبرز أصحابها:

  • ابن الجنّان: تخميسه المشهور، وقصيدته الأصل غير مخمّسة. وذكر المقّري أنه كان كثيرًا ما ينشد هذه القصيدة بالمغرب في مجالس التدريس، ويقدّم عليها قصيدة ميلادية لبعض المغاربة؛ وأنه نظم بنفسه تخميسًا على منوالها عند ختم درس «الشفا» للقاضي عياض.
  • إبراهيم بن سهل الإسرائيلي الإشبيلي: نُسبت إليه مخمّسة قيل إنها من قوله لمّا أظهر الإسلام؛ ونبّه المحقّق إلى أنها لا توجد في ديوانه ولم تُنسب إليه إلا في «النفح».
  • مالك بن المرحل المالقي ثم السبتي: قصيدة مرتّبة على حروف المعجم.
  • أبو العباس أحمد بن محمد بن العباس المغربي، نقلها المقّري من المجلد الخامس والعشرين من «منتهى السول في مدح الرسول» للحسن بن عبد الرحمن بن عذرة المغربي الأنصاري. (وعلّق المحقّق: زعم العيّاشي في رحلته أن المقّري لم يطّلع على «منتهى السول»، والمقّري هنا يصرّح باطّلاعه على جزئه الخامس والعشرين، فيُحمل كلام العيّاشي على جزء بعينه.)
  • أبو العباس أحمد بن القاسم الإشبيلي المعروف بابن القصير، وجمال الدين بن جلال الدين الجوزي.
  • علاء الدين محمد بن عفيف الدين الإيجي الحسني الصفوي الزينبي: تسديسان ملتزمان الحرف في أول الأشطار وآخرها. واعترف المقّري بما فيهما من التكلّف، واعتذر بثلاثة أوجه: صلاح ناظمهما، وأنهما في مدح النبي ﷺ، وأنه قصد استقصاء ما وقف عليه في هذا البحر والروي. (وعلّق المحقّق بأن هذا النمط خارج على طبيعة اللغة.)
  • أبو عبد الله محمد بن العطار الجزائري (من جزائر بني مزغنّة، أي مدينة الجزائر): من كتابه «نظم الدرر في مدح سيد البشر»؛ وأثبت المقّري خاتمة الكتاب: فُرغ منه ضحوة الجمعة ٢ شعبان سنة ٦٩٦هـ بمدينة الجزائر من أرض متيجة، ما عدا أربع قصائد سابقة أُودعت فيه. وعلى ظهره سماعٌ بخط الأقشهري يذكر قراءته الكتاب على مؤلفه بموضع الحكم بمدينة الجزائر أواخر سنة ٧٠٧هـ، وسماع القاضي شمس الدين ابن عبد المنعم الشيبي وولده وغيرهم عليه. وميّز المقّري بينه وبين ابن العطار المشرقي (شهاب الدين الدنيسري، معاصر ابن حجّة الحموي، صاحب «عنوان السعادة»).
  • ومقطوعات لـ ابن العريف من «مطالع الأنوار ومنابع الأسرار»، وأبي زيد الفازازي، وأبي اليمن ابن عساكر، وأبي القاسم سعد بن محمد، وأبي عبد الله ابن عمران، وأبي الحجاج يوسف بن موسى المنتشاقري الأندلسي (قصيدة على حروف المعجم، قال المقّري إنه لم يجد فيها حرف الواو فأكملها بنفسه على منوالها).

وذكر المقّري أنه كان نوى تأليف كتاب مستقل في هذا الباب يسمّيه «روضة التعليم في ذكر الصلاة والتسليم».

خاتمة المقّري

ختم بقوله إنه أورد هذه المدائح رجاء أن تكون مكفِّرة لما ارتكبه في الكتاب «على وجه الفخر والشهرة من الهزل واللغو»، وأنه إنما جرى في ذلك «على نهج أهل الأدب» كالحافظ ابن حجر وغيره ممن ألّف في الأدب وجمعه.

ثم قال باسمه: أحمد بن محمد المقّري المالكي، إن هذا آخر ما سمح به خاطره، وإنه وضع الكتاب «والقلب حليف شجن وغربة، والفكر أليف حزن وكربة». ووصف عمله بأنه جمع فيه ما يندر جمعه في غيره، وأنه مُعين لصاحب الشعر ولمن يعاني الإنشاء والنثر، وفيه من حكايات الأولياء والعلماء ومن الوعظ والاعتبار، وأنه «لم يُرَ مثله في فنه فيما علمت» — ثم استدرك أنه لا يقولها تزكيةً لنفسه. وعدّ من شرفه أنه ختمه بالأمداح النبوية.

تاريخ الفراغ: عشية يوم الأحد ٢٧ رمضان سنة ١٠٣٨هـ، بالقاهرة. ثم ألحق فيه كثيرًا في السنة التي بعدها، فتمّ جميعه في آخر ذي الحجة سنة ١٠٣٩هـ.

خاتمة النسخة «ق»

نسخها أحمد بن محمد الحمّودي العطّار، وفرغ منها عشية الأربعاء ٢٣ أو ٢٤ ذي القعدة سنة ١١٣٠هـ، بمنزله بمحلة القيمرية من دمشق الشام، برسم السيد محمد عاصم أفندي ابن السيد عبد المعطي أفندي الشهير نسبه بالفلاقنسي؛ وأتبعها قصيدة في تقريظ الكتاب مؤرِّخة بحساب الجُمّل سنة ١١٣٠. وبهذا تمّ المجلد السابع والكتاب، ويليه المجلد الثامن في الفهارس العامة.