George Sarton · A History of Science

تاريخ العلم

خلاصة الوقائع

جورج سارتون · George Sarton

من العلم القديم حتى نهاية العصر الهلِّنستي — المجلدان الأول والثاني

ابدأ القراءة

تنويهٌ وتقدير

هذا الكتاب خلاصةٌ واقعيةٌ موجزةٌ لعمل جورج سارتون «تاريخ العلم» في ترجمته العربية، جُرِّدت من الحواشي والتعليقات والاستطرادات والتكرار لتقتصر على الوقائع: مَن، ومتى، وماذا اكتُشِف أو أُلِّف.

صدرت الترجمة العربية الأصلية عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة سنة ٢٠١٠، وأنجزها فريقٌ من العلماء الأفاضل:

محمد خلف الله، ومصطفى الأمير، وطه الباقر، ومحمد عبد الهادي أبو ريده، ومحمد سليم سالم، ورشيد الناضوري، وأحمد فؤاد الأهواني.

بإشراف: إبراهيم بيومي مدكور، وقسطنطين زريق، ومحمد كامل حسين، ومحمد مصطفى زيادة.

كل الفضل في نقل هذا العمل إلى العربية يعود إلى هؤلاء المترجمين والمشرفين؛ وما هذا الكتاب إلا تلخيصٌ للوقائع من ترجمتهم، تقديرًا لجهدهم وتيسيرًا للقارئ.

نبذةٌ عن المؤلِّف والعمل

جورج ألفرد ليون سارتون (George Alfred Leon Sarton، ١٨٨٤١٩٥٦): مؤرِّخ علمٍ بلجيكيٌّ أمريكيّ، يُعَدّ مؤسِّس تاريخ العلم تخصُّصًا أكاديميًّا، وأستاذًا بجامعة هارفارد، ومؤسِّس مجلتَي Isis ‏(١٩١٢)‏ وOsiris ‏(١٩٣٦)‏.

خطَّط سارتون لتاريخٍ للعلم في أربعة أقسام (القديم، والوسيط، والحديث)، لكنه لم يُتمّ إلا القسم القديم، الصادر في مجلدين إنجليزيين: المجلد الأول «العلم القديم حتى العصر الذهبي لليونان» ‏(١٩٥٢)‏، والمجلد الثاني «العلم والثقافة الهلِّنستيان في القرون الثلاثة الأخيرة قبل الميلاد» ‏(١٩٥٩، نُشر بعد وفاته)‏. وقد قُسِّم كلُّ مجلدٍ في الترجمة العربية إلى ثلاثة أجزاء، فصارت ستة أجزاء.

أطروحته المركزية أنّ «المعجزة اليونانية» في العلم لم تكن قفزةً من فراغ، بل نهضت على تراثٍ علميٍّ أقدم في مصر وبلاد ما بين النهرين.

الفصل الأول: من فجر العلم إلى فيثاغورس

يقوم هذا الجزء على أطروحة سارتون المركزية: أنّ العلم اليوناني كان «إحياءً أكثر منه اختراعًا»، إذ سبقته آلافُ السنين من الجهود العلمية في مصر وبلاد ما بين النهرين، فبنى اليونان على أصول شرقية سابقة؛ والعلم تراكمي ظاهرة اجتماعية لا سلسلة عباقرة منفصلين، وكتابةُ تاريخه القديم تظلّ ناقصة ما لم تجمع بين العلم الشرقي من جهة والتمحيص العقلي اليوناني من جهة أخرى.

علوم ما قبل التاريخ

بلغت معارف الإنسان قبل التاريخ من السعة والتنوّع حدًّا كبيرًا في بعض أنحاء الأرض، وكانت بذور العلوم البحتة قائمة فيها؛ فهي «علم ضئيل غير كامل لكنه قابل للكمال»، دافعه الأكبر الرغبة في الاستطلاع (أمّ العلم)، تمييزًا لها عن الحاجة (أمّ الاختراع والصناعة).

الحساب ونشأة العدد

نشأ الحساب من ضرورة إحصاء الأعداد الكبيرة (كإحصاء راجا لومبوك رعاياه بالإبر)، ثم من فكرة القاعدة العددية: الخمسية شائعة بين قبائل أمريكية، والعشرية أشيع لتطابقها مع أصابع اليدين والقدمين، والعشرينية تجمع اليدين والقدمين. تلاها العدّ بالحصى — وهو أصل كلمات calculi / calculus / calculation اللاتينية — والعقد في الخيوط والعلامات المحفورة، ثم فكرة التناسب (rhythm) والمثال المستمدّة من الزخرفة والفن، ونشأة وحدات القياس من جسم الإنسان: الذراع (cubit، من اللاتينية cubitum)، والقدم (foot)، والشبر.

اتّخذ سارتون الصين نموذجًا لموقف عددي لم يتجاوز مستوى ما قبل التاريخ رغم قِدَمه. فالثنائية الصينية تقوم على قطبين: «يانج» (Yang) (الذكر، الموجب، المضيء، الحار — السماء، الشمس، الصخر، الخير) و«يِن» (Yin) (الأنثى، السالب، المظلم، البارد — الأرض، القمر، الماء، الشر). يُمثَّل يانج بخط متصل ويِن بخط متقطع، وبجمع ثلاثة خطوط تتكوّن الأشكال الثمانية «باكوا» (Pa-kua) المنسوبة إلى المؤسس الأسطوري وأول إمبراطور «فوهي» (Fu-hsi) ‏(حكم 2953–2838 ق.م)‏. وبأخذ الخطوط ستة ستة تتكوّن أربعة وستون شكلًا سداسيًّا (hexagrams)؛ وهو ضربٌ لا واعٍ من التحليل التجميعي (combinatorial analysis). وتُكوَّن الدورة الستينية بضمّ الفروع الأرضية الاثني عشر إلى الجذوع السماوية العشرة ‏(12 = 6×2، 10 = 5×2، والمضاعف المشترك الأصغر = 60‏)‏، وتُنسب إلى إمبراطور أسطوري آخر هو «هوانج تي» (Huang-ti) ‏(حكم 2698–2598 ق.م)‏، واستُعملت أولًا للساعات والأيام ثم للسنوات في زمن أسرة «هان» (Han). وقد أحصى مايرز (W. F. Mayers) نحو 317 مجموعة عددية صينية مبنية على أسسٍ شتّى ‏(2، 3، 4، 5… حتى 100‏)‏.

الفلك

من المستحيل أن يلاحظ عقلٌ مفكّر النجومَ ليلة بعد ليلة دون أن تثير فيه أسئلة علمية؛ فلاحظ رعاةُ البلاد الحارة تغيّرَ طول السنة لمواضع الشروق والغروب، وأوجهَ القمر وحركته النظامية بين النجوم، وظهورَ الأبراج واختفاءها الموسمي، وحركاتِ الكواكب (كوكب الصباح وكوكب المساء). فصنعوا تقاويم تنبّؤية أساسها الدائرة القمرية أو الشمسية أو مزيجٌ منهما. ومن أعمق مكتشفاتهم فكرة الزاوية، وهي اختراع هندسي وفلكي بالغ الأهمية إذ أدركوا أنّ المسافات الفلكية ذات زوايا لا خطوط مستقيمة.

الانتشار والتلاقي

في تفسير أصل الاختراعات مذهبان: الانتشار (diffusion) الذي يرى أنّ كل اختراع اهتُدي إليه في موطن واحد ثم انتشر — ومثّله جرافتون إليوت سمِث (Grafton Elliot Smith) وبري (W. J. Perry، 1871–1937) اللذان جعلا مصر مهد الحضارة كلها؛ والتلاقي/التطور بالتلاقي (convergence) الذي يرى أنّ التشابه بين الحضارات ينشأ غالبًا عن اختراعات مستقلة، لأنّ البشر جنسٌ واحد يواجه المعضلات نفسها بالأدوات نفسها فيصل إلى حلول متشابهة. ومن أمثلته الاختراع المستقل للنظام العشري في أماكن متباعدة. أما القبول الحضاري فعملية تمازج وامتصاص وخلقٍ من جديد لا مجرد تقليد سلبي. وقد تمّت الحضارات العظيمة في الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد.

استُكمل عصرُ ما قبل التاريخ بمعارف الطب البدائية، وبانتقال الإنسان من السلاح الحجري إلى المعدني، مع تداخلٍ بين العلم والسحر والدين.

مصر

تجمّعت المعالم الحضارية الكبرى في وديان الأنهار العظمى شمالي خط الاستواء: النيل، والفرات، ودجلة، والسند، والغانج، والهوانج هو، واليانجتسي، وربما المينام والميكونج ‏(أقصرها المينام 750 ميلًا، وأطولها النيل واليانجتسي 3473 و3200 ميلًا)‏. فالأنهار تحمل الرجال والسلع والأفكار وتتيح التجمّع البشري الكبير. وكانت الحضارتان الأقرب إلى البحر المتوسط حضارةَ مصر وحضارةَ بلاد ما بين النهرين. والنيل وحده يجري شمالًا فيصبّ في المتوسط، ومع ذلك نشأت مصر بعيدًا عن البحر «واحةً نهرية طويلة وسط الصحراء»، إذ أخصب فيضانُه السنويُّ الوادي الضيق.

تنتمي مصر التاريخية إلى العصر الحجري المتأخر، وتقدّم أهلها في الزراعة (الشعير، والحنطة، والكتّان)، وكان لهم تقويم. وأقدم عصورها الدولة القديمة ‏(الأسر 1–6، نحو 3400–2475 ق.م)‏، ونصفها الثاني هو عهد الأهرام ‏(الأسر 3–6، 2980–2475 ق.م)‏. ثم قامت الدولة الوسطى ‏(الأسرتان 11–12، 2160–1788 ق.م)‏، والدولة الحديثة ‏(الأسر 18–20، 1580–1090 ق.م)‏ التي سيطرت فيها مصر على إمبراطورية عالمية.

اختراع الكتابة

أعظم أعمال المصريين الحضارية اختراعُ الكتابة، وقد اخترعوها مستقلين وإن سبقهم إليها ربما السومريون أو الصينيون. مرّت بمراحل: صور تمثيلية (pictographs)، فصور مرتبطة بكلمات منطوقة، فاستعمالها في كتابة الكلمات ذوات الأصوات الواحدة (مبدأ الأحجية الصوتية/rebus‏)‏، فالدلالة على الحروف الصامتة حتى صار لديهم في الدولة القديمة أربع وعشرون علامة هجائية. لكنهم لم يخترعوا الأبجدية بحقّ إذ ظلّوا يستعملون معها الرموز الهيروغليفية المعقّدة، ونوعين من العلامات: الصوتية والمخصِّصة (determinatives) الدالة على الفصيلة المعنوية. وبلغ الاختراع كماله على أيدي الفينيقيين الذين ابتدعوا أول أبجدية سامية (سواكن فقط)، ثم أكمله الإغريق بإضافة الحروف المتحركة (vowels).

يدلّ على أصل اللغة المصرية الإفريقي (الحامي) أنّ كلمات الأعداد 1، 2، 3، 4، 5، 10 إفريقية، بينما كلمات 6، 7، 8، 9 سامية — ما يؤكد أنّ القاعدة العددية الأولى عند المصريين كانت خمسة، ثم أخذوا العشرية عن الساميين عند اتصالهم بهم. وأثّرت الحضارة المصرية في الشعوب السامية وفي أسلوب التوراة العبرية، وبلغت مصرُ عالمَ المتوسط عبر كريت (Crete) وغيرها. وفي جدل مقارنة الكتابتين المصرية والصينية، زعم دي جوين (Joseph de Guignes، 1721–1800) سنة 1759 أنّ الرموز الصينية مصرية الأصل وأنّ الصين «مستعمرة مصرية»؛ وحاول صمويل بِرْش (Samuel Birch، 1813–1885) — مؤلف أول معجم مصري مرتّب أبجديًّا (1867) — دراسة الهيروغليفية من الزاوية الصينية.

ورق البردي والكتابة

أكمل المصريون قيمة الكتابة باختراع ورق البردي (papyrus) من نبات Cyperus papyrus في مستنقعات الدلتا؛ يُقطع لبّه شرائح تُوضع متعارضة طبقتين أو ثلاثًا ثم تُبلّل وتُضغط وتُصقل، ويُكتب عليه بفرشاة من نبات juncus maritimus وبألوان مختلفة من الحبر. ومن البردي جاءت كلمة Paper، ومن ميناء بيبلوس (جبيل) الفينيقي جاءت byblion / biblion ثم Bible. ولُصقت الصفحات في دَرْج (لفافة، volumen ومنها volume‏)‏ يتراوح عرضه من ثلاثة أقدام إلى 18 قدمًا؛ وأطول بردية معروفة بردية هاريس رقم 1 ‏(133 قدمًا)‏. وقد جاء اختراع البردي مع جوّ مصر الجاف فحُفظ التراث الأدبي القديم. تأخّر الرقّ (parchment) المنسوب إلى بَرغامون في القرن الثاني ق.م، والورق الصيني في القرن الثاني م، عن البردي بأكثر من سبعة وعشرين قرنًا، وظلّ البردي مستعملًا حتى القرن الحادي عشر الميلادي. وتطوّرت الخطوط المصرية من الهيروغليفية إلى الهيراطيقية (hieratic) نحو 1900 ق.م، ثم الديموطيقية (demotic) نحو 400 ق.م (hieros = مقدّس، glyphein = ينقش؛ hieratic = كهنوتي، demotic = شعبي).

الفلك

تصوّر المصريون السماء محاطة بجسم الإلهة نوت (Nut) يرفعها الإله شو (Shu)، فأدركوا مجموعات سماوية شاسعة، أطولها مجموعة «الرجل» تستغرق عبورها لخط الزوال ست ساعات. وقسّموا شريطًا على طول خط الاستواء إلى ستة وثلاثين قسمًا هي الديكانات (Decans)، يُرصد ظهور كلٍّ منها كل عشرة أيام. وتوقّف رخاؤهم على الفيضان السنوي المقترن بشروق الشِّعرى اليمانية (Sothis/Sirius). وانتقلوا مبكرًا من التقويم القمري إلى تقويم شمسي: 12 شهرًا، كل شهر ثلاثة ديكانات ‏(36 ديكانًا)‏، مع خمسة أيام أعياد = 365 يومًا، تبدأ السنة أول شهر توت. ولأنّ سنة الشِّعرى 365¼ يومًا، يتأخر رأس السنة الفلكية يومًا كل أربع سنين، ولا يعود انطباقُهما إلا كل 1460 عامًا (4×365) — وهي الدورة السوثية؛ صحّحها كارل شوخ (Karl Schoch) إلى نحو 1456 عامًا. وتغطي أربعُ دورات تاريخَ مصر ‏(رأس السنة يتحرك بين 16 و19 يولية عبرها: 4229–4226 ق.م، 2773–2770، 1317–1314، 140–143 م)‏. ورجّح بِرِستد (Breasted) أنّ أقدم تاريخ محدَّد في العالم هو 4241 ق.م، ويجعله شوخ 4229–4226. وأدخل يوليوس قيصر السنةَ السوثية (اليوليانية) في تقويم روما سنة 45 ق.م بمعاونة الفلكي سوسيجينيس (Sosigenes). وبرزت قدرة المصريين في جداول عبور النجوم وأدواتهم (المزاول الشمسية، العصا الفرجونية).

العمارة والهندسة

أقدم هرم الهرم المدرّج بسقّارة للملك زوسر (Zoser) (الأسرة الثالثة، القرن الثلاثون ق.م، ارتفاعه نحو مئتي قدم). ثم الهرم الأكبر (خوفو Khufu، الأسرة الرابعة)، أضخم ما شيّده الإنسان، طول كل جانب نحو 755 قدمًا وارتفاعه الكامل 480 قدمًا، حُشد لبنائه نحو 30 ألف رجل. وبلغت دقّة القطع حدًّا مذهلًا: بيّن بِتري (Flinders Petrie) أنّ متوسط الخطأ في طول جوانب هرم خوفو نصف بوصة فقط، والخطأ في التربيع دقيقة و12 ثانية؛ وفي توابيت سنوسرت الثاني (Senusret II) بلغ الخطأ 0.004 بوصة. وتنمّ 56 دعامة ‏(متوسط وزن الواحدة 54 طنًّا)‏ فوق مقبرة الهرم الأكبر عن معرفة بهندسة قياس الأحجام الوصفية (Stereotomy).

قُطعت المسلات (Obelisks) الجرانيتية من محاجر أسوان، وبها مسلة متروكة لصدع في صخرها ‏(ارتفاعها 137 قدمًا ووزنها 1168 طنًّا)‏. وشرح إنجلباك (Engelbach) طريقة استخراجها ونقلها. ومن أشهر مهندسيها سنموت (Senenmut) رئيس مهندسي الملكة حتشبسوت ‏(1495–1475 ق.م)‏ ومربّي ابنتها نفرورع، وباني معبد الدير البحري؛ وبِكِنخِنسو (Bekenkhonsu) مهندس المسلة التي نُقلت إلى باريس، ولعله مخترع فكرة التحديب (entasis) التي ذكرها فيتروفيوس (Vitruvius). ونُقلت مسلات كثيرة إلى روما (الرومان أول الناقلين) ثم القسطنطينية وباريس ولندن ونيويورك. وأكبر مسلة قائمة اليوم (روما، أمام سان جيوفاني باللاتيران) بدأها تحتمس الثالث ‏(1501–1448 ق.م)‏ وأكملها تحتمس الرابع ‏(1420–1411 ق.م)‏، نُقلت إلى الإسكندرية سنة 330 م بأمر قسطنطين الأكبر، ثم إلى روما سنة 337، وأقامها دومنيكو فونتانا (Domenico Fontana) سنة 1587. ونقل فونتانا مسلة الفاتيكان (التي جلبها كاليجولا من هليوبوليس) بأمر البابا سكستوس الخامس سنة 1586. ونُقلت مسلة الأقصر إلى باريس 1836 على يد المهندس ليبا (Lebas). أما مسلتا لندن ونيويورك فأقامهما تحتمس الثالث بهليوبوليس، ونقلهما الرومان نحو 22 ق.م إلى الإسكندرية حيث رآهما عبد اللطيف البغدادي في القرن الثالث عشر وبيير بيلون (Pierre Belon، 1517–1564) في القرن السادس عشر؛ نُقلت إحداهما إلى ضفة التيمز سنة 1878، والأخرى إلى سنترال بارك بنيويورك سنة 1881 على يد الضابط هنري جورنج (Henry H. Gorringe، 1841–1885). وأوزان المسلات المشار إليها (اللاتيران، الفاتيكان، باريس، نيويورك، لندن): 455، 331، 227، 193، 187 طنًّا.

الرياضيات

يسجّل صولجانا نارمر (Narmer) ‏(نحو 3400 ق.م)‏ الاستيلاء على 120 ألف أسير و400 ألف ثور و1,422,000 من الماعز، بنظام أعداد قريب من الروماني مع رموز عشرية حتى المليون. ولا نصوص رياضية قبل الأسرة الثانية عشرة. جمع أرشيبالد (R. C. Archibald) نحو 36 وثيقة رياضية مصرية ‏(3500 ق.م – 1000 م)‏، أهمها بردية جولينشِف (Golenishchev) بموسكو (الأقدم، تصوّر عادات الأسرة الثانية عشرة) وبردية رايند (Rhind) بلندن ‏(عصر الهكسوس، عن أصل من الأسرة الثانية عشرة، بالمتحف البريطاني برقمي 10057 و10058‏)‏. فذروة العلم المصري (القرن العشرين إلى السابع عشر ق.م) سبقت ذروة نفوذه السياسي.

كتب بردية رايند الكاتب أحموسا (Ahmes) نقلًا عن أصل أقدم، وترجمها بيت (T. E. Peet) وتشيس (A. B. Chace). واقتصر المصريون على كسور الوحدة (بسطها واحد) واستثنوا ⅔ و¾. وتبدأ البردية بجدول لتحليل الكسور 2/‏(2ن+1‏)‏ إلى مجموع كسور وحدة ‏(مثل 2/5 = 1/3 + 1/15، و2/99 = 1/66 + 1/198‏)‏. وتليه أربعون مسألة (قسمة، كسور، معادلات من الدرجة الأولى، قسمة مكيال «الحكات»، وتوزيع أرغفة في متوالية حسابية)، ثم مسائل المساحات والأحجام. وتؤدّي مسألة برلين رقم 6619 ‏(الأسرة 12‏)‏ إلى معادلتين س² + ص² = 100 و ص = ¾ س، حلّها س = 8، ص = 6 — وهي أعداد نظرية فيثاغورس. وفي المسألة 40 يوزَّع مئة رغيف على خمسة رجال في متوالية حسابية. وعرفوا مساحة المثلث (نصف القاعدة × الضلع، صحيحة في المتساوي الأضلاع)، وقاربوا مساحة الدائرة بنسبة تقريبية 3.16 بدل 3.14 (π). ولا دليل على أنهم عرفوا نظرية فيثاغورس برهانًا. وأشار ديموقريطس الأبديري (Democritus of Abdera) إلى المسّاحين المصريين «باسطي الحبل» (harpedonaptai) الذين رسموا الزوايا القائمة بحبل مقسّم بعقد نسبتها 3:4:5؛ ويرى سارتون عملهم فلكيًّا أكثر منه رياضيًّا (تعيين محور المعبد على خط الزوال بمراقبة النجم القطبي وخيط الشاقول). وأعظم ما بلغته الهندسة المصرية حسابُ حجم الهرم المربّع المقطوع الرأس (frustum) في بردية جولينشِف بصيغة تعادل: ح = ‏(ع/3‏)‏(أ² + أب + ب²).

الصناعات والتعدين

بلغت صناعة الزجاج مبلغًا كبيرًا منذ الأسرة الثامنة عشرة ‏(نحو 1580 ق.م)‏ وأتقنت نحو 1465؛ وتركيبه خليط مصهور من السليكا (الرمل) والنطرون (الصودا، بدليل بقايا مصانع وادي النطرون) مع نسبة بوتاس، ولوّنوه بإضافة معادن، واستوردوا الكوبالت من فارس والقوقاز للأزرق الداكن. أما الزجاج المنفوخ فلم يُعرف إلا في العصر الروماني. ونعرف المنسوجات الكتّانية بالغة الدقة من نماذج الأسرة الحادية عشرة ‏(2160–2000 ق.م)‏ ورسوم الأسرة الثانية عشرة.

كان اكتشاف النحاس بالمصادفة (خام سيناء، أو استعمال النساء الملاخيت (Malachite) منذ عصر البداري (Badari) لتكحيل العيون فتحوّل في النار خرزةَ نحاس). ثم اخترع المصريون البرونز (Bronze) بخلط النحاس بالقصدير ‏(2–16٪ قديمًا)‏، وهو خطوة لا تقلّ أهمية عن اكتشاف النحاس نفسه لأنه أقوى وأصلب وأدنى في درجة الانصهار. واستُورد القصدير من جزر المتوسط ومن بيبلوس وربما أواسط أوروبا. واستُغلّت مناجم سيناء في عهد سنوسرت الأول ‏(1980–1935 ق.م)‏ ثم أمنمحات الثالث ‏(1849–1801 ق.م)‏ الذي حفر آبار سرابيط الخادم. ودخلت صناعة الحديد (الأصعب) مصر متأخرة (نقراطيس، القرن السادس ق.م)، مع آلات حديدية لينة نحو 1200 ق.م، واستُعملت أنابيب النفخ منذ الأسرة الخامسة والمنافيخ منذ الثامنة عشرة.

الطب

مارس المصريون الطب منذ ما قبل التاريخ، ومنه الختان المصوَّر في مقابر نحو 4000 ق.م. وأقدم طبيب معروف بالاسم إيمحتب (Imhotep)، وزير الملك زوسر (القرن الثلاثون ق.م)، عالِمٌ فلكي وطبيب ومهندس، صار في العصور التالية إلهًا للطب — نظيرَ أسكليبيوس (Asclepius) عند اليونان — ويقع منتصفَ المسافة الزمنية بيننا وبين هيبوكراتيس. وبلغ الطبُّ حدَّ التخصص: طبيب أسنان (2900–2750) عالَج خُرّاجًا تحت الضرس، والطبيب «إري» (الأسرة السادسة) طبيبُ عيون وباطني بالقصر بلقب «العارف بالإفرازات الباطنية». والبرديات الطبية سبع ‏(2000–1090 ق.م)‏، أقدمها كاهون (Kahun) وجاردنر (Gardiner) ‏(نحو 2000 ق.م، أمراض النساء والأطفال والماشية)‏، وأهمها إيبرز (Ebers) وسميث (Smith). تحوي البرديات مجتمعةً 3746 سطرًا. وبردية إيبرز ‏(20.23 مترًا، 108 أعمدة)‏ فيها 877 وصفة، منها 12 فقط بالرُّقى، فهي أقدم كتاب طبي مدوَّن. وبردية سميث الجراحية أقصر وأقدم محتوى، قسمها الرئيسي بحث في الجراحة ‏(17 عمودًا، 377 سطرًا)‏ مرتَّب تشريحيًّا من الرأس إلى القدم في 48 حالة، بناءُ كلٍّ منها خمسة عناصر: عنوان، فحص، تشخيص، علاج، تعليقات. وينتهي التشخيص بأحد ثلاثة أحكام: «مرض سأعالجه»، «مرض سأكافحه»، «مرض لا يُعالَج»؛ وفي 14 حالة يضيف التشخيص نتيجة استنتاجية جديدة — يعدّها سارتون أقدم أمثلة الملاحظة والاستنتاج (الطريقة الاستقرائية) في تاريخ الفكر. وأدرك مؤلفها أهمية النبض وصلته بالقلب، ووجودَ الأغشية السحائية، وأنّ المخ مركز رقابة الجسم (وصف تلافيفه بتموّجات النحاس المنصهر واليافوخ بمقدّم رأس الطفل) — قبل هيبوكراتيس بألفَي سنة على الأقل، وإن ظلّت معرفته بالجهاز الدموي مشوّشة إذ لم يعرف الدورة الدموية أحدٌ قبل هارفي (Harvey)، ولم يولّد التحنيطُ علمًا تشريحيًّا منهجيًّا.

ويرى سارتون أنّ ما بلغه المصريون علمٌ بحقّ (لا مجرد تطبيق تجريبي)، فجداول رايند أسلافُ الجداول الرياضية الحديثة، وتبويبُ سميث منهجٌ علمي؛ نقلًا عن برستد أنّ مؤلف الكتاب الأصلي وشارحه أولُ المعروفين من العلماء الطبيعيين. ثم خبت الروح العلمية في مصر قبل منتصف الألف الثانية باجتماع الرجعية السياسية والرجعية الدينية، وأكملت أممٌ أخرى المسيرة.

الفن والأدب وفجر الضمير

كان كثير من الفن المصري (حتى من الدولة القديمة) فيّاض الحيوية، من الآثار الضخمة إلى التماثيل الفردية: التمثال النصفي للأمير عنخ-حا-إف (الأسرة الرابعة، بوسطن)، وشيخ البلد (الخامسة، القاهرة)، والكاتب الجالس (الخامسة، اللوفر)، ورأس الملكة نفرتيتي (الثامنة عشرة، برلين). وتصف نقوش المقابر الحياة اليومية بتفصيل يفوق ما نعرفه عن عصر هوميروس. والأدب المصري أصيل زاخر، وصلنا ناقصًا، ومنه نصوص الأهرام، و«كتاب الموتى»، وقصة سنوحي (Sinuhe)، ومجموعات الحكم التعليمية (نموذج «regimina principum» الوسيط)، سبقت الآدابَ اليونانية والعبرانية بألفَي سنة.

تطلّب نشوء العلم مبكرًا في مصر مركزية سياسية واستقرارًا؛ فقد قامت وحدة سياسية نحو 4000 ق.م بين مملكتين — الوجه البحري (الدلتا) والوجه القبلي (الصعيد) الممتد من منف إلى الشلال الأول (أسوان) — وحّدهما الملك مينا (Menes) بالتاج المزدوج «سيد القطرين». وامتدّت الأسر الست والعشرون ‏(3400–525 ق.م)‏ نحو 2875 عامًا. ومنذ الدولة القديمة عرف المصريون مسألة الحق والباطل؛ يشهد به أمثال بتاح-حتب (Ptahhotep) (الأسرة الخامسة) الداعية إلى التواضع العلمي، ونصّ مسرحية منف اللاهوتية، وأسطورة أوزيريس (Osiris)، وفكرة الأخوّة الإنسانية في أقوال الإله رَع، وميزان أوزيريس في كتاب الموتى (يزن فيه أنوبيس (Anubis) القلبَ في محكمة أوزيريس، والكفة الأخرى فيها إلهة الحق معات/ماعت (Maat)، وحورس (Horus) يقود المتوفّى). وبلغ الاختمار الديني ذروته مع إخناتون (Akhenaten) ‏(نحو 1375–1350 ق.م)‏ الذي دعا إلى توحيد عبادة قرص الشمس آتون (Aten)، ونظّم حماسته في أناشيد يعدّها برستد أقدمَ أنشودة توحيدية ‏(تُقارَن بالمزمور 104‏)‏، ونقل عاصمته من طيبة إلى تل العمارنة (Amarna) حيث وُجدت مراسلاته السياسية بالخط المسماري. استندت الإمبراطورية إلى ثلاث دعائم — الملك ورجال الدين والجيش — فسبق إصلاحُه نظيره الأوروبي بتسعة وعشرين قرنًا، لكنّ رجال الدين أعادوا الأساطير بعد وفاته، وهجر خليفتُه وزوجُ ابنته توت عنخ آمون (Tutankhamun) تل العمارنة إلى طيبة. وقد كُشفت مقبرته السليمة على يد كارنارفون وهوارد كارتر سنة 1922.

بلاد ما بين النهرين

بين نهرين (دجلة والفرات) وبحرين (الخليج الفارسي والمتوسط)، يقع الهلال الخصيب (Fertile Crescent) — مصطلح صاغه بريستد (Breasted) — رقعةً شبه دائرية تصل المتوسط بالخليج. وأقدم آثار الحضارة جاءت من سومر (Sumer) قرب رأس الخليج. لغةُ السومريين ليست سامية ولا آرية (بل إلصاقية agglutinative)، ويُرجَّح أصلهم إلى هضبة عيلام (Elam). أنجزوا ردمَ الأهوار، والري بالقنوات، وزراعة الشعير والقمح، واستئناس الماشية، وجرّ العربات ذوات العجلات، والبناء بآجُر الطين المجفّف بالشمس (اللبِن، لندرة الحجر). ونظّموا أساطيرهم نحو 2000 ق.م، وفيها خبر طوفان وملوكٌ قبله عمّروا آلاف السنين.

أثبتت تنقيبات وولي (Charles Leonard Woolley) في أور (Ur) حقيقةَ الحضارة السومرية؛ ومن مدنها كيش، والوركاء (Uruk)، ونِفَّر (Nippur)، ولارسة، وأريدو، ولجش (Lagash)، وأوما، وتلّو. ثم أنشأ الساميون حضارتهم في أكاد (Akkad) وأخضع الأكاديون بقيادة سرجون (Sargon) ‏(2637–2582 ق.م)‏ بلادَ سومر في مملكة «سومر وأكاد»، لكنّ الحضارة السومرية ظلّت الغالبة. ثم سيطر حمورابي (Hammurabi، 1728–1686 ق.م) — سادس ملوك الدولة الأمورية — على البلاد وجعل عاصمته بابل (Babylon)؛ عصره العصر الذهبي، نعرفه من قانونه ومن نحو خمس وخمسين رسالة له، واستُعملت الأكادية (البابلية) السامية مع الاحتفاظ بالسومرية لغةً مقدسة. ثم سقط سلطانه بأيدي غزاة شرقيين، وتوطّدت الإمبراطورية الآشورية في القرن السابع (فحلّ اسم آشور محل بابل، وسُمّي دارسو المنطقة علماء الآشوريات).

اتّصل ملوك الرافدين بالجيران الشماليين: الحوريون (Hurrians) من ناحية بحيرة وان، كوّنوا مع الحيثيين دولة ميتاني (Mitanni) (عاصمتها بوغاز كوى، وملوكها من أصل هندي-إيراني، آلهتهم إندرا ومِترا وفارونا)؛ والحيثيون (Hittites) أصحاب العربات الحربية التي تجرها الخيل. واحتفظت حضارة الرافدين بطابعها السومري نحو ثلاثة آلاف عام. وأثبتت ألواح تل العمارنة (المكتشفة في مصر، بالمسماري والبابلية) أنّ البابلية صارت لغة الدبلوماسية الدولية نحو منتصف الألف الثاني.

الكتابة المسمارية ودور السجلات

كُتبت لغات الرافدين جميعًا بخط واحد هو المسماري (Cuneiform) الذي اخترعه السومريون، وهو نتيجة حتمية لاختيار الطين مادةً للكتابة (يُنقش بقلم قصب على الطين اللين ثم يُجفَّف)، فاقتصر على نحو 350 علامة مقطعية ولم يبلغ المرحلة الهجائية. وظلّ سائدًا نحو ثلاثة آلاف عام، واستُعمل للعيلاميين والحيثيين والحوريين والفينيقيين. ومن أمثلة انتشاره: أطول ألواح تل العمارنة رسالةٌ من تشراتا (Tushratta) ملك ميتاني إلى الفرعون أمنحوتب الثالث ‏(1411–1375 ق.م)‏، ومعاهدةٌ بين ملك حيثي والفرعون رمسيس الثاني ‏(1292–1225 ق.م)‏، ومقالةٌ حيثية في تربية الخيل. وبفضل نقش بهستون (Behistun) الأخميني (ثلاث لغات بخط واحد) حُلّت رموزُ المسماري على يد راولنسون (Henry Rawlinson) سنة 1847.

لأنّ الطين لا يطاوع النص الطويل، دُوّن على ألواح منفصلة مرقّمة بنظام catchwords؛ ولمّا أخفق السومريون في اختراع «الكتاب» (كما اخترع المصريون الدَّرج)، أنشأوا دور السجلات والمكتبات: خزانة نِفَّر (Nippur) الضخمة (مركز عبادة الإله إنليل (Enlil))، والمدارس التي تُدرَّس فيها القواعد السومرية. ومنها نشأ علم اللغة والنحو (لحفظ اللغة وتقييسها)، وقوائمُ الكلمات المصنَّفة أصلُ المعاجم؛ وأقدمها في الوركاء قبل 3000 ق.م. ويقرّر سارتون أنّ علم اللغة من أقدم العلوم لأنّ أيّ تأليف علمي لا ينتشر بغير وسيلة لغوية دقيقة.

يفضّل سارتون تسمية «العلم البابلي» لأنّ معظم المعلومات من ألواح بابلية، مع التذكير بالأصل السومري. وينبّه إلى الخطأ في تصوّر العلم الإغريقي جزيرةً معزولة؛ فالنشاط العلمي الرافديني سابقٌ لبدايته وممتدّ بعده.

الرياضيات

عدد الألواح الرياضية المحلولة نحو ستين، مع نحو مئتي لوح جداول (ثلثاها من العهد السلوقي المتأخر). بدأ النظام العددي خليطًا من العشرية والستينية (sexagesimal)، أدركوا فيه أنّ الأساس الستيني أصلح (1، 10، 60، 600، 3600…) لكثرة عوامله (2، 3، 4، 5، 6، 10…). ولم يكن سوى علامتين (الواحد ▽ والعشرة ◄) تُستعملان أيضًا لأسّ الرقم 60؛ وأدركوا مبدأ القيمة الموضعية (place value)، لكن بلا صفر حتى العهد السلوقي (فكان غياب المرتبة يُترك فراغًا مصدرَ لبس، يزيله السياق). وأنشأوا جداول للتربيع والتكعيب والجذور والمعكوسات (reciprocals) التي حلّت محلّ الكسور ‏(فالقسمة على 3 تُستبدَل بالضرب في معكوسه 20‏)‏، ووسّعوها حتى مرتبة 1960. ومن أعدادهم الخاص 60⁴ = 12,960,000 وهو ما سمّاه أفلاطون «الرقم الهندسي» والسنة الأفلاطونية العظمى ‏(36,000 سنة)‏. وأوجدوا طريقة ستينية كاملة قبل 2000 ق.م لم يُعرف نظير توسيعها العشري في أوروبا إلا مع سيمون ستيفن (Simon Stevin) سنة 1585، ولم يُطبَّق النظام المتري إلا زمن الثورة الفرنسية (1795). واعتبروا السنة 360 يومًا وقسّموا اليوم إلى 12 ساعة متساوية (كلٌّ = «جِش» Gesh‏)‏، والدائرة إلى 360°، وما زلنا على تقسيمهم. ومنابع رياضياتهم ثلاثة: الحساب، والمقاييس، والفلك.

وفي الجبر: حلّ لوح اللوفر (AO 6770) ‏(نحو 2000 ق.م)‏ مسألةَ فائدة مركّبة صيغتها (1.12)^س = 2 بنتيجة صحيحة نحو 3.48 سنة. وعرفوا معادلات الدرجة الأولى والثانية وبعض الثالثة، واستدلّ نويجباور (Neugebauer) على اختزالها إلى صور قياسية، وعرفوا مطابقات مثل ‏(1+ب)‏² وقيمًا تقريبية للجذور، وإن لم يعرفوا الأعداد السالبة (لم تدخل العقول الغربية إلا زمن ليوناردو الپيزي/فيبوناتشي (Fibonacci) في القرن الثالث عشر). وفي الهندسة ‏(2200–2000 ق.م)‏ عرفوا مساحات المستطيلات والمثلثات، وبعضَ نظرية فيثاغورس، وأنّ الزاوية في نصف الدائرة قائمة، وحجومَ متوازيات المستطيلات والأسطوانة والمخروط المقطوع والهرم المقطوع (بحلٍّ خالفَ المصري قليلًا، وبحثه هيرون (Heron) بعد نحو ألفي عام)، وجعلوا النسبة الثابتة π = 3.14 ‏(أدقّ من المصري 3.16‏)‏. ثم نُسي الجبر البابلي وعاد عند أرشميدس (Archimedes) وهيرون وديوفنطوس (Diophantus)، ثم بعثه المتكلمون بالعربية (واسم Algebra عربي). ومخلّفات الرافدين الثلاث الكبرى: فكرة المرتبة في العدد، وتوسيع المقياس العددي، واستعمال أساس واحد للأعداد والمقاييس معًا.

الفلك

الكشوف الفلكية البابلية أقلّ قيمة من الرياضية، مع خلطٍ بين الفلك البابلي القديم والكلداني السلوقي المتأخر. استعمل الملك الآشوري توكلتي نِنورتا الأول ‏(1260–1232 ق.م)‏ نوعًا من المرقب النجمي، وعرفوا المزولة الشمسية والساعات المائية (clepsydra). وبنوا الأبراج المدرَّجة (الزقورات) من الآجُر لأغراض دينية، أقدمها في نِفَّر لعبادة إنليل (ومنها برج بابل التوراتي)، أتاحت للكهنة رصد السماء. واستند تقويمهم إلى القمر ‏(شهور 29 و30 يومًا؛ 12 شهرًا = 354 يومًا، 13 شهرًا = 384 يومًا)‏، فأضافوا شهرًا ثالث عشر كبيسًا كل ثماني سنوات (بأمر حمورابي في إحدى رسائله)؛ وصار تقويمهم نموذجًا لليهودي والإغريقي والروماني قبل اليولياني. أما الأسبوع فمتأخر: علّقوا أهمية على الأيام السابع والرابع عشر والحادي والعشرين والثامن والعشرين، لكن أسبوعهم لم يكن مستمرًّا؛ واكتمل الأسبوع المتوالي بأسمائه النجمية في القرون الأخيرة قبل الميلاد بالجمع بين السبت اليهودي والساعات المصرية والتنجيم الكلداني. وأهمّ أرصادهم أرصادُ الزهرة (Venus): جاءتنا أزياج من عصر أمّي-صادوقا (Ammi-saduqa) ‏(عاشر ملوك الأسرة الأمورية، 1921–1901 ق.م)‏، عرفوا فيها مدةَ اقتران الزهرة = 584 يومًا وعودةَ دورتها خمس مرات، وعطارد (Mercury) بخطأ لا يتجاوز خمسة أيام، ورصدوا الكواكب في منطقة البروج (ecliptic). فهم المؤسسون للفلك العلمي، والنتائج المتأخرة للكلدانيين والإغريق قامت على أساسهم. وارتبط الفلك بـالتنجيم والعرافة، المستمَدّة من الكبد أكثر منها من النجوم.

الصناعة والاقتصاد

عُرفت الحضارة السومرية في العصر النحاسي ثم البرونز (خلط النحاس بالرصاص والإثمد والصفيح)، وظلّ الحديد نادرًا في عصر حمورابي؛ وعُثر في قصر سرجون الثاني ‏(721–705 ق.م)‏ بـخُرْسِباد (Khorsabad) على نحو 160,000 كجم من الحديد. وأتقن الصاغة الذهب والفضة واللازورد (lapis lazuli) والعاج. وأعظم جهودهم الهندسية شبكةُ القنوات للري والنقل (يشهد لها رسائل حمورابي)، ولرفع الماء استعملوا الشادوف (shaduf). ومع اتساع تجارتهم لم يخترعوا العملة النقدية (استعملوا قطع المعادن الثمينة مقايضةً)، ولم تُضرَب عملة إلا في القرن السابع ق.م في آشور أو ليديا (Lydia) فأخذها الإغريق وحسّنوها. وبرعوا في الأوزان والمقاييس على أشكال الأسود والبطّ ‏(أقدمها على هيئة بطة باسم الملك نبو-شوم-ليبِر 1074–1039 ق.م وأرِيبا-مردوخ 802–763‏)‏. وزاولوا «الصناعات الكيميائية» (الفخار والتزجيج والزجاج وطلاء المعادن والأدهان والأصباغ والأدوية والصابون والعطور والجعة)، وأقدم نص معروف في وصفات التزجيج يرجع إلى عصر الملك جولكيشار (Gulkishar) (1690–1636 ق.م، سادس ملوك الإقليم البحري Sealand)، محفوظ بالمتحف البريطاني، صاغه مؤلفه بلغة لغزية رائدًا لأهل السيمياء (alchemy)، بأوزان بالشيقل (shekel) والمَنا (mina = 10 شيقلات).

الجغرافية والتاريخ الطبيعي

جاء من الرافدين وثائقُ جغرافية تاريخية وإدارية (قوائم أقاليم كثبَت فتوح سرجون، ومراشد سفر). وحاول بعضهم وصف الكون (الكوسموغرافيا): تصوّروا الأرض قُفّة مقلوبة طافية على الأوقيانوس، سبع طبقات، مقسمة أربعةَ قطاعات: عيلام جنوبًا، أكّاد شمالًا، سوبارتو (Subartu) شرقًا، أمورو (Amurru، سورية) غربًا؛ وللأرواح عالم سفلي (نظير «طوآت Duat» المصرية و«شيئول Sheol» اليهودية و«هيديز Hades» اليونانية). ورسموا خرائط دقيقة: خريطة مدينة نِفَّر، وخريطة الدنيا (سهل دائري محاط بالخليج الفارسي وبابل في وسطه).

ودلّت الوثائق على معرفة النبات والحيوان: فحص الأب شايل (Scheil) ألواحًا من زمن سِمسو-إيلونا (Samsu-iluna) ‏(1912–1901 ق.م، آخر ملوك لارسة)‏ تذكر نحو 30 نوع سمك في سوق لارسة، وألواحًا تذكر نحو 250 نباتًا (بينها القاسيا والهندباء والكمّون والكركم والزوفا والمُرّ والناردين). وقُسّمت الحيوانات إلى أسماك وذوات مفاصل (Articulata) وأفاعٍ وطيور وذوات أربع، والنبات إلى أشجار وبقول وبهار وعقاقير وحبوب. وعرف البابليون الأوائل تلقيح النخيل (يشهد له نحت آشوري من القرن التاسع ق.م، والمعرفة أقدم)، إذ أدركوا ضرورة الجمع بين أزهار الأشجار الذكور والإناث لضمان الثمر — مثال على أن التطبيق ‏(نحو 2000 ق.م)‏ سبق النظرية ‏(التي لم تُوضع إلا سنة 1694‏)‏. ثم أعقبت الدولةَ الأمورية دولةُ الإقليم البحري ‏(نحو 368 عامًا)‏، فالدولة الكشّية (Kassite) ‏(نحو 1746–1171 ق.م، ذات صلة بميتاني)‏ التي كثُرت في عهدها الخيل حتى صُدِّرت إلى مصر مقابل ذهب النوبة. ومن أعجب الوثائق رسالةُ كِخُّلي (Kikkuli) الحيثية في تربية الخيل ‏(نحو 1360 ق.م، بالمسماري لكن بالحيثية، مع مصطلحات هندية-آرية)‏، تصف تدريب الخيل يومًا فيومًا ستة أشهر — قبل أقدم الرسائل اليونانية بسبعة عشر قرنًا.

قانون حمورابي

اكتشفت بعثةُ جاك دي مورجان (Jacques de Morgan) الفرنسية (1901–1902) في قلعة سوسة (Susa) نصبَ حمورابي: قطعة ديوريت (diorite) أسود ارتفاعها 2.45 مترًا (باللوفر)، في أعلاها نقشٌ لإله الشمس شمش (Shamash) يمنح القانون للملك. أُقيم أولًا في سِبّار (Sippar) ثم غنمه العيلاميون، ولعلّه شُتْرُك-نَخُنْتِ (Shutruk-Nakhunte) ‏(1200–1100 ق.م)‏. وهو أقدم القوانين التي وصلت في صورة كاملة تقريبًا، يحتوي 282 مادة بين مقدمة ابتهالية وخاتمة يؤكد فيها الملك أنه لم يخترع جديدًا بل كان حاميًا للتقاليد. أبوابه ستة: الأموال المنقولة، وملكية الأراضي، والتجارة، والأسرة، والأضرار، والعمل؛ مشتقٌّ جزئيًّا من العرف السومري، قنّن على منواله الحيثيون ‏(القرن 14–13 ق.م)‏ والآشوريون والعبرانيون. قاسٍ صارم، لا سيما مبدأ القصاص lex talionis ‏(قارن سفر الخروج 21:24‏)‏.

الطب البابلي والعرافة

البحث فيه أصعب من المصري، إذ معظم وثائقه متأخرة ‏(خزانة آشور بانيبال، 688–626 ق.م بالمتحف البريطاني)‏، وإن كان أصلها سومريًّا أقدمَ من المصري. ظلّت السومرية لغةَ النخبة، والتعليم شفهيًّا، والألواح خلاصات؛ أشهرها لوح القسطنطينية في لدغة العقارب. وأعظم وثيقة طبية موادُّ الجراحة في قانون حمورابي (215–225): يأخذ الجراح عشرة شيقلات على إنقاذ نبيل، وخمسة للعامّي، وشيقلين للعبد، وتُقطع يده إن أتلف عين نبيل (مع أحكام للطب البيطري). والطب «ثيوقراطي»؛ فالمرض دلالة سخط الآلهة (أو الشياطين أو العين الشريرة)، والطبيب بمثابة كاهن. أشهر ملوك ما قبل الطوفان إنمِدورانكي (Enmeduranki) «اكتشف أصول الكهانة»، واضطر أوركاجينا (Urukagina) ملك لجش (القرن الثامن والعشرون ق.م) إلى معاقبة العرّافين. وتنوّعت العرافة: سكب الزيت على الماء (Lecanomancy)، وطير الطيور، والأحلام، والمواليد المشوّهة، لكنّ الغالبة فحص الكبد (Hepatoscopy) — والكبد أهمّ الأعضاء الستة (الطحال، المعدة، الكليتان، القلب، الرئتان، الكبد) بوصفه «عضو الحياة» — قسّمه العرّافون خمسة فصوص، ونُشر نحو 640 نصًّا فيه سنة 1938، مع نماذج طينية للكبد (بالمتحف البريطاني، وبوغازكوي بالحيثية والأكادية) ونموذجٍ برونزي أتروسكي من بياتشنزا (Piacenza) — دليلٌ على أنّ الأتروسكيين حملوا العرافةَ إلى الرومان (والخرافة أسهل انتقالًا من المعرفة). وميّز الآشوريون (وأهمهم كامبل طومسون Campbell Thompson، 1876–1941‏)‏ أمراضًا كثيرة، وأدركوا انتشار الحميات.

الدراسات الإنسانية للحضارة الرافدية

سيطرت الحضارة السومرية على الشرق الأدنى نحو 3500–2000 ق.م، وهي (برأي كرامر Kramer‏)‏ مهدُ أقدم أدب مدوَّن. والأدب البابلي السامي — ملحمة الخليقة (إينوما إيليش) وملحمة جلجامش (Gilgamesh) — أحدثُ من السومري ومقتبسٌ منه. وسبق الأدبُ السومري المدوَّن ‏(نحو 2000 ق.م)‏ التوراةَ والإلياذةَ والريج فيدا (Rig Veda) والأفستا (Avesta) بأكثر من ألف عام، ووصل بنقشه الأصلي بلا تنقيح. كشفت بعثةُ جامعة بنسلفانيا إلى نِفَّر (1889–1900) نحو 50,000 لوح، منها نحو 3000 بالسومرية. وابتكر السومريون فكرة مرور الإنسان في «عصر ذهبي» ثم هبوطه (عكس فكرة التقدّم Progress التي لم تنتصر إلا في القرن التاسع عشر)، في أساطير فردوسٍ فيه أرض شوبر (الخير) وسومر (اللسان الواحد) وأوري ومارتو، «يمجّد الكونُ إنليل بلسان واحد». ولوحان (باللوفر وفيلادلفيا) بهما فهارس مكتبات ‏(87 عنوانًا أدبيًّا)‏. وعرفوا آلات موسيقية كثيرة، والأختام الأسطوانية (cylinder seals) المنقوشة في اللازورد واليَشْب والعقيق (منها خاتم طبيب اسمه أور-لوكال-أدنا باللوفر)، والنحتَ الباقي: نصب النسور (Stele of the Vultures) للملك إناتُم (Eannatum) صاحب لجش (أصل شعارات النسور)، ونصب نرام-سين (Naram-Sin) حفيد سرجون، وتماثيل جوديا (Gudea)، ووعاء إنتِمِنا (Entemena) الفضي، وخوذة ذهب مِس-كلام-دُج (Mes-kalam-dug). ومساهماتها الباقية: الكسور الستينية، وتقسيم الساعة والدرجات، والنظام العددي بمضاعفاته، والطريقة الموضعية، والأزياج الفلكية، وأصول الجبر ورسم الخرائط والكيمياء.

المرحلة الآشورية

نشأت الحضارة الآشورية في حوض دجلة الأعلى مدينةً بمدينة آشور منذ نحو 2600 ق.م، مدينةً لنماذج سومرية وبابلية وحيثية وحورية لكنها دونها. أول حكام الإمبراطورية آشور ناصربال الثاني ‏(884–859 ق.م)‏ (عاصمته نمرود/كلخ Calah‏)‏، ثم شامو-رامات/سميراميس (Semiramis) (810–806)، فـسرجون الثاني (722–705) (عاصمته دور شاروكين/خورساباد)، فـسنحاريب (Sennacherib) ‏(705–681، دمّر بابل 689‏)‏، فـآشور بانيبال (Ashurbanipal/Sardanapalus) (668–625) حامي الفنون. أشار كلوديوس رِتش (Claudius Rich) سنة 1807 إلى النحت الآشوري، وبدأت حفائر خورساباد سنة 1843 على يد بوتا (Paul-Émile Botta) ثم لايارد (Austen Henry Layard). وتصوّر النقوش الغائرة مناظرَ التلقيح الصناعي للنخيل (زمن آشور ناصربال) — مثالٌ آخر على معرفة تطبيقية سبقت النظرية (شرحها رودلف كامريوس Camerarius سنة 1694‏)‏. وتطوّر الفن ثلاثة قرون عبر شلمنصر الثالث (859–824) وتجلات بلیزر الثالث (745–727) حتى مناظر صيد الأسود الخالدة في قصر آشور بانيبال.

وكانت مكتبة آشور بانيبال (قويونجك/نينوى) العمودَ الفقري للعلم الآشوري؛ تدلّ ألواحها على أنّ الآشوريين قدّروا القيمة العلمية للنصوص السومرية فجمعوها وترجموها، حتى صحّ أن تُسمّى نينوى «الأكاديمية السومرية»، فعلماء السومريات المحدثون «تلامذة» علماء اللغة الآشورية في القرن السابع ق.م (يشهد لذلك رسالةُ آشور بانيبال إلى شادونو في جمع الألواح). ونشر كامبل طومسون نصوصًا في السحر والطب والنبات والكيمياء، لكن يتعذّر تحديد إضافةٍ آشورية أصيلة. وسمّى سارتون هذا الطورَ «المرحلة الآشورية (intermezzo)» لأنّ معرفته لم تؤثّر في العلم الهليني إلا في نواحيه العامة، ولا دليل على أنّ مؤلفًا يونانيًّا واحدًا قرأ المسماري.

آخرُ الأسر البابلية الأسرة الكلدانية ‏(625–538 ق.م)‏، أسّسها نبوبولسر (Nabopolassar) الذي هدم — بالتحالف مع سياكزارس (Cyaxares) الميدي — نينوى سنة 612؛ وبنى نبوخذ نصّر الثاني (Nebuchadnezzar II، 605–561) بابلَ وحطّم بيت المقدس سنة 586. ثم استولى قورش (Cyrus) على بابل سنة 538، وظلّت قرنين تحت الفرس؛ وفيها عاش الفلكيان نبوريماني (Naburimannu) ‏(نحو 491 ق.م)‏ وكيدينو (Kidinnu) ‏(نحو 379‏)‏. فتح الإسكندر بابل سنة 332 ومات فيها 323، ثم حكم السلوقيون (Seleucids). وينبّه سارتون إلى الخلط في نسبة نتائج سلوقية هلينستية إلى «البابليين»؛ فأهميةُ اكتشافٍ نحو 2000 ق.م تختلف عن اكتشافٍ نحو 200 ق.م.

وتُميَّز ثلاث وحدات علمية: العلم البابلي (قبل الألف الأول، سابق للعصور اليونانية)، والعلم الآشوري (القرن السابع، معاصر لفجر العلم اليوناني المستقلّ عنه)، والعلم الكلداني (Chaldean) (هلينستي سلوقي، متأخر عن اليوناني لكنه أثّر في العلم الروماني والوسيط).

حوض بحر إيجة والحضارة الإيجية

ازدهرت الحضارة الإيجية في كريت (Crete) وقبرص (Cyprus) وشبه الجزيرة اليونانية وشمال غرب الأناضول (طروادة/Troy‏)‏. فالبحر الإيجي بحيرة مرصّعة بالجزر، وشبه جزيرة اليونان «أرض بحرية»، مناخُها شرق-متوسطي وحاصلاتها القمح والشعير والعنب والتين والزيتون؛ فالطرق البحرية أيسر من البرية. وتوافُر الخصائص الجغرافية ضروري لا كافٍ لتفسير العبقرية اليونانية، وقد سبقتها مرحلة إيجية طويلة. وأراضي الإيجه جسرٌ بين آسيا وأوروبا وأفريقيا؛ قال أرسطو إنّ الجنس الهليني وسطٌ في طبعه لتوسّطه.

يرجع فضلُ إعادة اكتشاف الحضارة الإيجية إلى هينريخ شليمان (Heinrich Schliemann، 1822–1890) الذي حفر موكناي/ميسينا (Mycenae) سنة 1876 وحصار لك (Hisarlik) قرب طروادة سنة 1878، وواصله دوربفلد (Wilhelm Dörpfeld، 1853–1940). ثم بدأ آرثر إيفانس (Arthur Evans، 1851–1941) حفائر كريت سنة 1893 ونشر «قصر مينوس» (The Palace of Minos)، فتبيّن أنّ كريت مهدُ الحضارة الإيجية. صار أهلُها سادةَ البحر أول من فعل في المتوسط؛ رمزُهم الملك مينوس (Minos) الذي — بشهادة توسيديدس (Thucydides) — أنشأ أول أسطول وطهّر البحر من القرصنة ‏(سيطرة قائمة نحو 1700–1400 ق.م، وبدايتها قبل 2100‏)‏. قُسّمت أزمنة حضارتهم (بمنهج تحليل الفخار) ثلاثةَ عصور: المينوي القديم والوسيط والمتأخر، وعصرها الذهبي يقابل جزءًا من الأسرة المصرية الثامنة عشرة ‏(1580–1350 ق.م)‏. وكتابتُهم لا تزال مستعصية على الفكّ. ومن إنجازاتهم القصورُ الفخمة، وهندسة صحية متقدمة (أنابيب المياه والصرف، وحمّامات قصر كنوسوس Knossos‏)‏، ومقابر خلية النحل (tholos)، وتماثيل صغيرة نادرة الجمال (آلهة الثعبان Snake Goddess بأشمولين)، ورسوم جدارية واقعية.

ورث الحضارةَ الكريتية قومٌ أقلّ رقيًّا هم الموكيون/الميسينيون (Mycenaeans) ‏(نحو 1500–1200 ق.م)‏، ثم انغمرت الحضارة بغزوات الدوريين (Dorians) من الشمال، وحلّ محلّ العصر البرونزي عصرُ الحديد العنيف؛ و«المرحلة الغامضة/المظلمة» هي مدة هذا الانقلاب حول سنة 1000 ق.م. والحيثيون مخترعو صناعة الحديد نحو منتصف الألف الثاني، ومنهم بلغت بلادَ الشام ومصر ومقدونيا، وبفضل أسلحتهم فرض الدوريون سيادتهم. ومصادر معرفتنا بالإيجيين: الآثار، والوثائق المصرية والحيثية والبابلية، وأشعار هوميروس، ولمحاتٌ عند توسيديدس وهيرودوت (Herodotus) وفرجيل (Virgil) وسترابون (Strabo) وبلوتارك (Plutarch) وباوزانياس (Pausanias). وحسابُ المينويين — بلا فكّ رموزٍ — كان مصريًّا عشريًّا (وقفت رموزهم عند العشرة آلاف)، وطرافته نظامُ النسب المئوية (أعداد يكون مجموعها مائة).

الفينيقيون والأبجدية

بعد انتهاء السيطرة المينوية نازع اليونانيين على وراثتها الفينيقيون (Phoenicians) — أمة سامية استقرت على شاطئ الشام، لغتها أقرب إلى العبرية، ولعلّ الهكسوس (Hyksos) منهم. خضعوا للمصريين حين غزا أحمس الأول ‏(1580–1557 ق.م)‏ بلادهم، ثم أعاد رمسيس الثاني فتح فينيقيا حتى بيروت (نقوش نهر الكلب)، واستقلّوا في عهد رمسيس الثالث ‏(1198–1167 ق.م)‏ حتى الفتح الآشوري ‏(نحو 876 ق.م)‏. صاروا سادة التجارة في المتوسط بعد أفول كريت ‏(نحو القرن 12‏)‏، وأنشأوا مصانع (محطات تجارية)، أكبر موانئهم صور (Tyre)، وأشهر مستعمراتهم قرطاجة (Carthage) (القرن التاسع ق.م). وبلغ استعمارهم إسبانيا فالأطلسي وراء أعمدة هرقل. صدّروا الزجاج والفخار والنحاس القبرصي والمنسوجات، واختصّوا بصبغ الأرجوان (الموركس Murex‏)‏، لكنهم كانوا وسطاء ناقلين لا مبتكرين في الغالب.

وأعظم آثارهم في الإنسانية اختراع حروف الكتابة (الأبجدية) — ثمرةَ دورهم الوسيط — إذ استعملوا العلامات الصوتية وحدها. تمّ الاختراع الآسيوي قبل 1000 ق.م ‏(وربما نحو 1500‏)‏، وحروف الفينيقيين إن لم تكن الأولى فهي التي انتصرت وبقيت في معظم كتابات اليوم. وهي ساكنة (consonantal) لا علامة فيها للحركات القصيرة (فالحرف b يقابل ba, bi, bu…)، ولا يزال هذا النوع مستعملًا في العبرية والعربية؛ وأصلحه اليونانيون بإضافة رموز الحركات القصيرة. واكتشف كلود شيفر (Claude Schaeffer) في رأس شمرا (Ras Shamra) كتابةً أبجدية أوجرية (Ugaritic) ربما أقدم من الفينيقية، وترتيبُها الأبجدي واحد بقي نحو ثلاثة آلاف سنة (نُقل حرف الألف إلى آخر الأبجدية أيام شيشرون Cicero‏)‏. ومع شيوع الكتابة ظلّت الأمية سائدة والتقاليد الشفوية قوية؛ ولهذا شنّع سقراط (Socrates) على فن الكتابة في محاورة «فيدروس»، ولاحظ ماكس مولر (Max Müller) أنّ أحدًا من كتّاب اليونان لم يُفصح عن إعجاب بالحروف. وقد انتقلت كلمات فينيقية/سامية إلى اليونانية، أهمها byblos/biblos (ومنها Bible‏)‏.

استمرّت المؤثرات الشرقية — أكثرها المصرية والرافدينية-الفينيقية قبل هوميروس — لكنها توقّفت دون بلوغ ثمراتها، وتُذكّر بها رواسبُ في اللغات. وانتقلت التقاليد المصرية أثناء «المرحلة المظلمة» على أيدي الإيجيين والفينيقيين واليونانيين، وتجدّدت على أيدي كبار الكتّاب: هيرودوت فـأفلاطون (Plato) وأرسطو وثيوفراستوس (Theophrastus) ونيرخوس (Nearchus)، فـديودور (Diodorus) وسترابون وبطليموس (Ptolemy) وبليني (Pliny). وتوطّدت الصلات بين اليونانيين والمصريين أيام الأسرة السادسة والعشرين (أسرة صا الحجر/Saïte، 663–525 ق.م) والحكم الفارسي (525–331) ثم فتح الإسكندر.

فجر الثقافة اليونانية: هوميروس وهسيودوس

أوّل ما خلّفه العصر الإيجي المتأخر ملحمةٌ طويلة باليونانية هي الإلياذة. تطوّرت القصائد شفويًّا على أيدي الشعراء المتجولين والمنشدين (aoidoi/rhapsodoi) الذين كانوا في الأغلب حافظين مؤدّين لا مبتكرين. وهوميروس (Homer) الاسمُ المصطلح على أنجحهم، ورث أكثر مما ابتكر، ولعلّه كان «ناشرًا عبقريًّا» صقل ما وصله فجعله وحدةً واحدة تفسّر وحدةَ الإلياذة (وقد أيّد ميلمان باري Milman Parry المتوفى 1935 هذا بجمعه ملاحم شفوية حية في يوغوسلافيا). ووحدةُ الإلياذة تستحيل بغير مؤلف واحد. تُؤرَّخ حربُ طروادة نحو 1280 ‏(وبعضهم 1180‏)‏ ق.م، واكتملت الإلياذة نحو منتصف القرن التاسع ق.م. وإشارةُ الكتابة الوحيدة فيها قصةُ بلّيروفون (Bellerophon) و«العلامات القاتلة» (كتابة كالمينوية). ولم تتوافر مواد الكتابة الطويلة إلا حين صار البردي ميسورًا زمنَ الأسرة السادسة والعشرين ‏(بسماتيك الأول، 663–609 ق.م)‏.

ظهرت بعد الإلياذة بنحو قرن الأوديسة (Odyssey) (يقترح سارتون تسمية مؤلفيهما «هوميروس الأول» و«هوميروس الثاني»). الإلياذة قصة حروب، والأوديسة قصة سلام وأولُ رواية في الأدب؛ وبرهانُ التأخر أنّ الإلياذة تذكر البرونز 14 مرة والحديد نادرًا، والأوديسة تذكره أربعًا مع الحديد لكل مرة. ذاع اسم هوميروس نحو 540 ق.م (قال أكسينوفانيس/زينوفان Xenophanes: «تعلّم الناس جميعًا من هوميروس»)، وحفظه الهوميريون (Homēridai)، وحقّق بيسِستراتوس (Pisistratus) نصّه، ثم صحّحه علماءُ الإسكندرية (زينودوتس Zenodotus فـأرستوفانيس البيزنطي فـأرستارخوس). وكرّمه أفلاطون («أعظم الشعراء وأول كتّاب المآسي») وإن أخرجه من مدينته الفاضلة. علّم هوميروس اللغة اليونانية (فأشعاره «إنجيل الشعب اليوناني» الخالي من الطِّيَرة والسحر، ما يبرّر أنّ هذا الشاعر الأيوني أبو العلماء الأيونيين)، والتاريخ (سجّل الأصول المينوية والموقينية)، والجغرافيا (بفضل البحّارة عُرفت معالمُ المتوسط والبحر الأسود وشاطئ الأطلسي، ومنها أوقيانوس Oceanus النهر المحيط بالأرض، وقصةُ السفينة أرجو Argo بقيادة ياسون Jason طلبًا لـالجزّة الذهبية في كولخيس، والرياح الأربع بورياس ونوتوس وزفيروس)، والطب (جراحة الحروب، ودهن الأجسام بالزيت، ونحو 150 كلمة تشريحية، والشراب المهدّئ «نيبنثس» nēpenthes الذي أخذته هيلانة Helen من امرأة مصرية)، والحِرف (حدادون وفخّارون ونجّارون). وانتقل التراث الهوميري إلى الغرب بعد القرن الرابع عشر (عبر السريان والعرب وصلت علوم اليونان)، ثم صدرت الطبعةُ الأولى (princeps) على يد ديمتْريوس خلقونديليس (Demetrius Chalcondyles) في فلورنسا 1488؛ ومنه استلهم فينِلون (Fénelon) قصته التعليمية «مغامرات تليماك» (1699). ونُقلت الإلياذة إلى العربية حديثًا على يد سليمان البستاني ‏(القاهرة 1904‏)‏.

نبّه سارتون — نقلًا عن آل شادويك (Chadwick) في «نموّ الأدب» — إلى أنّ الأدب القديم شمل التعليمَ والأمثال والكهانة، إجابةً عن أسئلة تولّد الأساطير والكونيّات وكذلك العلوم؛ فتاريخُ العلوم في الأكثر تاريخُ الأجوبة المتلاحقة عنها. وهسيودوس (Hesiod) (نحو نهاية القرن الثامن ق.م) أوضحُ شخصيةً من هوميروس، أول شاعر يوناني استعمل ضمير المتكلم؛ من كومي (Kyme) الأيولية، استقرّ في أسكرا (Ascra) ببيوتيا، واشتغل بالزراعة مع أخيه برسيس (Perses)، ومات قتيلًا في أوينوى بلوكريس. قصيدتاه: «الأعمال والأيام» (Works and Days، 828 بيتًا) و«أصل الآلهة» (Theogony، 1022 بيتًا). تنقسم الأولى أربعة أقسام (عظةٌ لأخيه، وقواعدُ زراعية وملاحية، ومبادئُ أخلاقية، وتقويمُ الأيام)، وفيها قصة باندورا (Pandora) وحكايةُ الصقر والبلبل والعصور الخمسة (الذهب، الفضة، البرونز، عصر الأبطال الميسينيين، ثم عصر الحديد الحاضر)، وتوقيتُ الحصاد بطلوع الثريا (Pleiades). وكان مقبولًا حتى 1951 أنّها أول تقويم زراعي شعري، حتى كشف كرامر (Kramer) في نِفَّر لوحًا سومريًّا ‏(نحو 1700 ق.م)‏ في 108 أسطر عن أعمال المزارع، فسبق الفلاحُ السومري هسيودوس بنحو ألف سنة. وله قصيدة مفقودة في الفلك (Astronomia) تصف المجموعات النجمية. وتُنسب «أصل الآلهة» أحيانًا إلى «هسيودوس الثاني»؛ وميدانُها متصل بـعلم الكون (cosmology)، وفيها إحساسٌ بالزمن (نقش إيزيس بصا الحجر: «أنا كل شيء كان وكل شيء يوجد ولم يكشف عني بشرٌ قط»). وأسلوبه أقلّ من هوميروس لكنه شرح قانون العدالة والعمل الشريف فبقي حيًّا. وأول من طُبع نصُّه اليوناني على يد بونوس أكّورسيوس (Bonus Accursius) في ميلانو نحو 1480. وتضخّمت حول هوميروس الأساطير (زعم هيليودوروس الحمصي أنه وُلد في طيبة المصرية ابنًا للإله هيرميس)، وبلغ الجدل ذروته في «مقدمة لدراسة هوميروس» (Prolegomena) لـفريدريك أوجست وولف (Friedrich August Wolf) سنة 1795، وفي كتاب صمويل بتلر (Samuel Butler) «مؤلِّفة الأوديسة» (1897) الزاعم أنّ امرأة كتبتها.

العلم الأيوني في القرن السادس

كان العصر الهوميري أدبيًّا لا علميًّا، تمهيدًا لعصر العلم الذي وُلد ونما في نحو ثلاثة قرون (من السادس إلى الرابع). وُلد العلم اليوناني في أيونية (Ionia) — والأيونيون في جملتهم مهاجرون من كريت — لسببين اجتماعيين: أنّ المستعمرين جماعة ممتازة صنعت بيئتها بحرّية نسبية (كـالآباء الحجّاج في نيو إنجلاند)، وأنّ الشاطئ الأناضولي كان ملتقى الأفكار والثقافات ونهاياتِ الطرق البحرية والبرية، فتساءل أذكياؤهم عن صحة الحلول التقليدية، وأثبتوا عبقريتهم في ميدان جديد هو «الفلسفة الطبيعية»/الفيسيولوجيا (physiologia). وبلغ نجاحهم أن استعمل «البرابرة» لفظةَ «أيوني» لكل اليونانيين.

عاش في الجوار — القرنين السابع والسادس — أنبياءُ العهد القديم (عاموس، وهوشع، وميخا، وأشعيا، وحزقيال، وإرميا…)، وزرادشت (Zoroaster) في إيران، وبوذا (Buddha) وماهافيرا (Mahavira) في الهند، ولاوتسو (Lao Tzu) وكونفوشيوس (Confucius) في الصين — موافقاتٌ زمنية مذهلة، وإن كان اتصالُ الأيونيين بهم ضئيلًا. وكانت ملطية (Miletus) — استعمرها الكريتيون — أغنى موانئ أيونية وأسواقها، ذاتَ أربعة مرافئ، تصلها السفن من رودس وفينيقية ومصر وخيوس ولسبوس، وتجارتها زيت الزيتون والصوف والفخار، ولها مستعمرات على البحر الأسود ومرمرة ونقراطيس (Naucratis) في دلتا النيل. وخضعت للفرس بعد فتح ليديا (عاصمتها ساردیس، آخر ملوكها كرويسوس/قارون Croesus‏)‏ على يد قورش ‏(546 ق.م)‏، ثم دُمّرت سنة 494 وحُرّرت سنة 479 بعد وقعة ميكال (Mycale).

بدأت روايات العلم الأيوني أسطورية، أشهرها الحكماء السبعة (hoi hepta sophoi): طاليس الملطي (Thales)، وكليوبولس الرودسي، وبياس من بريين (Bias)، وبيتاقوس من ميتيلين (Pittacus)، وسولون الأثيني (Solon)، وبریاندروس طاغية كورنثة (Periander)، وخيلون الإسبرطي (Chilon) — تختلف القائمة، لكن أربعة تُذكر باستمرار (طاليس وبياس وبيتاقوس وسولون). ونُسبت إليهم حِكمٌ سائرة: «اعرف نفسك» (طاليس)، «خير الأمور الوسط» (سولون)، «انتهز الفرصة» (بيتاقوس).

طاليس الملطي

طاليس ‏(نحو 624 – 548/545 ق.م)‏ أول الفلاسفة «الفيسيولوجيين»، ويُقال من أصل فينيقي. رجلٌ عملي نصح المدن الأيونية بالاتحاد وتكوين مجلس في تيوس (Teos)، ورحل إلى مصر فجلب معرفة الفلك والهندسة. تُنسب إليه أسطورةُ التنبؤ بكسوف الشمس ‏(28 مايو 585 ق.م)‏ الذي أوقف حرب الليديين والفرس، وسوّى بينهم سينيس الفينيقي ونبينيتوس البابلي؛ ويرى سارتون أنه لم يكن بمقدوره التنبؤ به، إذ لا يُحتمل أنّ البابليين اكتشفوا دورة الساروس (Saros) ‏(223 شهرًا اقترانيًّا، نحو 18 سنة و11 يومًا)‏ قبل القرن الخامس أو الرابع. وكان طاليس أول الرياضيين والفلكيين اليونانيين؛ تُنسب إليه ست قضايا هندسية: القطر يقسم الدائرة نصفين متساويين، وتساوي زاويتي المثلث المتساوي الساقين، وتساوي الزاويتين المتقابلتين بالرأس، والزاوية في نصف الدائرة قائمة، وتناسب أضلاع المثلثات المتشابهة، وتطابق المثلثين بزاويتين وضلع. وهو أول من تصوّر الحاجة إلى القضايا الهندسية وأدرك أنّ المناهج أثمن من الحلول الفردية. وقال إنّ «في المغناطيس نفسًا لأنه يحرك الحديد» فيصحّ عدّه مؤسس المغناطيسية. وأراد تفسير العالم فقرّر أنّ الماء هو المادة الأولى (لأنه المادة الوحيدة المعروفة في حالاتها الثلاث، وشرطُ الحياة) — وهو تصوّر يشبه اعتقاد البابليين أنّ الماء المبدأ الأول. وتروي أسطورةٌ (عن أرسطو) أنه احتكر معاصر الزيتون في خيوس وملطية فاغتنى، ليُثبت أنّ الفلاسفة يقدرون على الغنى لو شاؤوا.

أنكسمندروس الملطي

أنكسمندروس بن براكسياديس ‏(610–545 ق.م)‏، تلميذ طاليس وصاحبه، كتب «في الطبيعة»أول بحث في الفلسفة الطبيعية في تاريخ الفكر. أفضلُ أعماله في الفلك بآلة المزولة (gnomon) لتحديد أطوال السنة واليوم والجهات والانقلابين والاعتدالين وطول الفصول. واكتشف ميل فلك البروج (ecliptic) ‏(يقول بليني إنه اكتشفه في الأولمبياد الثامن والخمسين، 548–545 ق.م)‏، ووضع أول خريطة للعالم يحيط بها الأوقيانوس. وصحّح فكرة طاليس بأن جعل المادة الأولى تجريدًا عقليًّا سمّاه اللامحدود (أبيرون apeiron‏)‏ في حركة دائرية أزلية، بلا نهاية في الزمان ولا حدّ في المكان. وله نظرية في التطور العضوي: خُلقت الحيوانات الأولى في الماء ثم لاءمت نفسها لليابسة، والإنسان تطوّر عن غيره لطول حضانته — فهو رائد بعيد لداروين ولابلاس معًا.

أنكسمنيز الملطي

أنكسمنيز بن أيوستراتوس ‏(ظهر نحو 528–525 ق.م)‏ أعاد المذهب الطبيعي فاختار الهواء أصلًا لكل شيء (محسوس، وشرطُ الحياة، «وليست النفس إلا هواء»)، يتخذ صوره بـالتكاثف والتخلخل المرتبطين بالحرارة. وأدخل فكرة العالم الصغير (microcosm) في مقابل العالم الكبير (macrocosm) التي أثّرت في الفلسفة الوسيطة. وكان أول من فكّر في أنّ النجوم موضوعة في فلك يدور (متصلة به كالمسامير، والكواكب معلّقة بحرية)، ورفض فكرة مرورها تحت الأرض. وفُضّلت آراؤه على سلفه فعُدّت ذروةَ التفكير الملطي.

كليوستراتوس وزينوفان

كليوستراتوس التنيدي (Cleostratus of Tenedos) ‏(نحو 520 ق.م)‏ أدرك صور البروج (وبخاصة الحمل والقوس)، وقسّمها اثنتي عشرة مسافة متساوية، ووصفها في قصيدة مفقودة. ويُنسب إليه كشفُ الدورة الفلكية ذات الثماني سنوات الجامعة للأيام والشهور والسنين: 365 يومًا × 8 = 2922 يومًا = 99 شهرًا (كانت معروفة للبابليين). وزينوفان القولوفوني (Xenophanes of Colophon) ‏(نحو 570–470 ق.م)‏، هجر قولوفون بعد فتح قورش وتجوّل نحو 67 عامًا واستقرّ في إيليا (Elea) بلوكانيا (مهد المدرسة الإيلية). أغربُ آرائه نوعٌ من التوحيد/وحدة الوجود (ربما مصري الأصل): «إله واحد أعظم بين الآلهة والبشر». ووصفٌ منسوب إليه للأصداف والحفريات في محاجر سراقوسة وباروس ومالطة يجعله أول جيولوجي وأول عالم بالحفريات، وإن كانت أصالة النص بعيدة عن الثقة.

المرحلة المصرية: نخاو

لإتمام صورة الفكر الجغرافي الملطي، يرجع سارتون إلى مصر: سقطت الأسرة الحبشية سنة 663 ق.م على يد آشور بانيبال، فأعاد بسماتيك الأول الوحدةَ بجنود مرتزقة يونانيين وكاريين، وأسّس الأسرة السادسة والعشرين (الصائية) ونهضتَها الكلاسيكية ‏(نحو 138 سنة، انتهت بفتح قمبيز نحو 525 ق.م)‏. خلَفه ابنه نخاو (Necho) سنة 609، فانتصر على يوشيا (Josiah) ملك يهوذا في مجدو (Megiddo) ثم انهزم عند قرقميش (Carchemish) أمام نبوخذنصر. ويُنسب إليه عملان جغرافيان: تكملة حفر قناة تصل النيل بالبحر الأحمر ‏(سبق حفرها زمن الدولة الوسطى، هلك في حفرها 120,000 مصري، وأكملها دارا لاحقًا)‏، والدوران حول أفريقيا بسفن فينيقية أبحرت من البحر الأحمر جنوبًا ثم غربًا وعادت عبر أعمدة هرقل في نحو ثلاث سنين — تؤيّد صدقَها تفصيلةُ هيرودوت أنّ الشمس كانت عن يمينهم عند تجاوز خط الاستواء. ودرس سولون شرائع نخاو. وآخر ملوك الأسرة أحمس الثاني ‏(أماسيس، 569–525 ق.م)‏ الذي بلغ نفوذ اليونان في عهده حدَّ إعادة تخطيط نقراطيس (معبدها «هلينيون»)، وحالف الطاغية بوليكراطيس الساموسي؛ لكنّ التأثير المصري لم يضرب في الأعماق لعُسر الديموطيقية.

هيكاتايوس أبو الجغرافيا

هيكاتايوس الملطي (Hecataeus) ‏(وُلد منتصف القرن السادس، مات نحو 475 ق.م)‏ نصح قومه بتجنّب الثورة الأيونية، وترحّل حتى بلغ طيبة المصرية. له كتابان مفقودان: الأنساب (Genealogies) و«وصف الأرض» (Periēgēsis)، بقي منهما نحو 380 قطعة. استهلّ كتابه بروح نقدية: «دوّنت هذه الأمور لأنها تبدو لي حقيقية، أما أقاويل اليونان فكثيرة وهي تخيّلات». جمع أوسعَ المعلومات الجغرافية البشرية ونظّمها، وقسّم كتابه قسمين — أوروبا وآسيا (وتشمل ليبيا) — على أرض مسطّحة مستديرة محاطة بالأوقيانوس. ولعلّه أضاف إلى خريطة أنكسمندروس (يشير هيرودوت إلى «خرائط كثيرة»، ونقل أرسطاجوراس (Aristagoras) إلى إسبرطة لوحًا برونزيًّا محفورًا عليه خريطة الأرض). وفي سبب فيضان النيل آراءٌ (رأي طاليس: الرياح الموسمية؛ رأي هيكاتايوس: اتصال النهر بالأوقيانوس؛ رأي أنكساجوراس (Anaxagoras): ذوبان جليد جبال ليبيا — وهو الأقرب). فهو أحد مؤسّسي علم الجغرافيا رغم ضعف ناحيته النظرية.

الفنّيّون والمهندسون

معظم معرفتنا بتكنولوجيا القرن السادس أسطورية ومصرية الأصل. أناخارسيس السكيذي (Anacharsis) أميرٌ وفد إلى أثينا نحو 594 ق.م، صديق سولون، عُدّ أحد الحكماء السبعة، نُسبت إليه المرساة ذات الذراعين والمنفاخ وعجلة الخزّاف (وهي أقدم منه). وجلوكوس الخيوسي (Glaucus of Chios) يُنسب إليه لحام الحديد (وأتقن المصريون لحام الذهب أوائل الأسرة الأولى). وتيودوروس الساموسي (Theodorus) ‏(ازدهر 550–530‏)‏ نقل صناعة سبك البرونز من مصر، ويُنسب إليه ميزان الماء والزاوية والمخرطة، ولعلّ آلته هي «الديابيتيس» (diabetes) (مثلث بشاقول، عن أصل مصري). ومركز عبادة أرطميس (Artemis) بـإفيسوس (Ephesus) أُقيم له معبد ضخم، ساعد فيه تيودوروس وخرسيفرون الكنوسوسي (Chersiphron) وابنه ميتاجينس (Metagenes). ويذكر هيرودوت أعظمَ ثلاثة أعمال ساموسية: نفقَ يوبالينوس بن نوستروفوس الميجاري (Eupalinos) ‏(أيام بوليقراطيس 530–522، طوله نحو 1000م، اكتُشف سنة 1882‏)‏ — ويوبالينوس أول مهندس معروف في التاريخ (يقارَن بنفق سلوام/Siloam الأقدم بقرنين زمنَ حزقيا Hezekiah، وحُلّت مشكلة قياس المساقط نظريًّا لأول مرة في «الديوبترا» لهيرون)؛ ورصيفًا بحريًّا؛ ومعبدًا بناه رويكوس (Rhoecus). وماندروكليس الساموسي (Mandrocles) أول مهندس قناطر ‏(نحو 514‏)‏ بنى قنطرة البوسفور لـدارا الأول ‏(521–485 ق.م)‏.

ميلاد التأريخ

يُطلق على قدموس الملطي (Cadmus of Miletus) أنه أول مؤرخ يوناني ‏(نحو 540 ق.م)‏، كتب تاريخ تأسيس ملطية وأيونية في أربعة أجزاء مفقودة؛ وتبعه إيوجيون الساموسي (Eugeon) بحوليات ساموس ‏(نحو 510‏)‏. فأيونية مهدُ التاريخ الإنساني كما هي مهد التاريخ الطبيعي.

الأساس الديني

لم تكن لليونان كتب مقدسة ولا عقائد محدودة، وأقربُ شيء إليها القصائد الهومرية (مدوّنات أدبية لا كتب مقدسة). عاشت نزعتان: الشعرية/الأسطورية (عميقة الجذور) والعقلية (أقلّ انتشارًا). وانجذب اليونان إلى الآلهة الأجنبية (إيزيس وأوزيريس من مصر، وماجنا ماتر الفرجية، وعشتار/أفروديتي الفينيقية، وأرطميس/ديانا الآسيوية)، وإلى السحر وعبادة الطبيعة والحيوان (بومة أثينا، صقر زيوس، ثعابين أسكليبيوس). ومراكزهم الدينية ديديما (Didyma) وإفيسوس وديلوس (Delos) («سرّة العالم»). وأقاموا الألعاب/الأعياد: البناثيناي بأثينا، وأوليمبيا (Olympia) منذ 776، وبيثيا (Pythia) منذ 586، وإثميا منذ 582، ونيميا منذ 573 — واشتملت على مباريات ودراما (قطع ديونيسوس Dionysus، مهد الدراما). والوحي (Oracles): زيوس في دودونا (Dodona) وأبولون في دلفي (Delphi) عبر بيثيا. وأعظمُ الطقوس أثرًا الأسرار (Mysteries): الأورفيكية، وأسرار كابيري (Kabeiroi) بساموثراس، والتسموفوريا، وأشهرُها الأليوسينية (Eleusinia) المتصلة بـديمتر (Demeter) وبرسيفوني (Persephone) وتربتوليموس (Triptolemus)، جلبها الحكيم أبيمنيدس الكريتي (Epimenides) نحو 596. فاليونانيون أميلُ إلى الخرافات الشعرية منهم إلى العلم الإلهي، ومع ذلك خلقوا الأدواتِ المنطقية التي احتاجتها الأديانُ الكتابية الثلاث (اليهودية والمسيحية والإسلام).

فيثاغورس والفيثاغوريون

سار الدين والعلم في القرن السادس متوازيين متداخلين، وكثيرًا ما عاشا في عقل المفكر الواحد. وتمّ الازدهار الديني في الجزء الغربي من العالم اليوناني؛ فحين دفع الخطرُ الفارسي بعض اليونانيين الشرقيين نحو الغرب، هاجر منهم زينوفان والأشهرُ فيثاغورس (Pythagoras). مصادرُ سيرته متأخرة محرّفة (ديوجينيس اللائرتي (Diogenes Laertius)، وفرفريوس (Porphyry)، ويامبليخوس (Iamblichus))، ومنها قصةُ عبده زالموكسيس (Zalmoxis). والمقبول أنّ فيثاغورس بن منيسارخوس (Mnesarchus) وُلد في ساموس وازدهر أيام بوليقراطيس، ورحل هربًا من طغيانه؛ ورواية يامبليخوس أنه زار ملطية (فعرفه طاليس)، ثم فينيقيا، ثم مكث في مصر اثني عشر عامًا، وفي بابل اثني عشر عامًا، ثم أسّس مدرسته في كروتون (Croton) وقضى أواخر عمره في ميتابونتيوم (Metapontum) — قصةٌ تدل على أصول مصرية وبابلية في فلسفته.

كانت الفيثاغورية «طريقة حياة» وأخوّةً دينية (سمحت للنساء بالالتحاق)، قائمةً على الزهد والمحرّمات (اللحم والبقل والخمر والصوف) وتناسخ الأرواح، ومستوَيَيْن من الأتباع: «المستمعون» (acusmaticoi) عامّةٌ، و«المتعمّقون» (mathematicoi) أصحابُ لبّ المذهب مع الصمت والسرية. وأُضيفت أفكار سياسية جرّت الاضطهاد ‏(ذُبح بعضهم نحو 450 ق.م)‏، فرُفع المؤسِّس إلى مرتبة القديسين.

الحساب

شهد أرسطو بأنّ فيثاغورس اشتغل أولًا بالرياضيات ثم بالأعمال العجيبة التي مارسها فيريسيدس (Pherecydes). تأمّل الأعداد الزوجية والفردية، وحسبَ بالحصى: الأعداد المثلثية (1، 3، 6، 10…) بصيغة مجموع أول ن من الأعداد = ½ ن‏(ن+1‏)‏، والتتراكتيس (tetractys) ‏(العدد المثلثي الرابع = 10‏)‏ الذي حلف به الفيثاغوريون، والأعداد المربعة بقاعدة الـ«gnomon»: إضافة عدد فردي إلى مربع تعطي مربعًا (ع² + ‏(2ع+1‏‏)‏ = ‏(ع+1‏)‏²، ومجموع الأعداد الفردية 1+3+…+‏(2ع−1‏)‏ = ع²). ولم يستعمل الأعداد الحرفية ‏(التي جاءت لاحقًا في الترقيم اليوناني الأبجدي: 27 رمزًا في ثلاث مجموعات، مع إضافة الديجاما/ستيجما = 6، والكوبا = 90، والسامبي = 900‏)‏ بل رموز العدّ العشرية. وحسابُه الفيثاغوري أساسُ نظرية الأعداد (theory of numbers) الحديثة لا فنّ العدّ؛ ونشأ بطريقة تجريبية لا تجارية. أما «جدول الضرب الفيثاغوري» فليس من اختراعه (أول مثال في Arithmetica لبويثيوس Boethius أوائل القرن السادس، طُبع 1488‏)‏، والأرقام الهندية (العربية) لم تُعرف في الغرب قبل القرن الثاني عشر أو الثالث عشر.

الهندسة

تُنسب إليه أو إلى مدرسته: أنّ مجموع زوايا المثلث = قائمتان (بمعرفة تساوي الزوايا المتبادلة بين متوازيين)، وتعميمُه على المضلّعات (مجموع الزوايا الداخلية لمضلّع ذي س ضلعًا = ‏(2س−4‏)‏ قائمة، والخارجية = 4 قوائم مطلقًا)، والتبليط (لا يغطّي المستوى دون فراغ إلا المثلث المتساوي الأضلاع والمربع والمسدّس). وأشهرُها نظرية فيثاغورس: مربع الوتر = مجموع مربعي الضلعين، بـبرهان بالمساحات؛ ولعلّه أول من برهنها (لا أول من عرفها، إذ سبق المصريون والبابليون)، ويُروى أنه ضحّى بثور احتفالًا. ومارس الجبر الهندسي (المساحات المتساوية، والحلّ الهندسي للمعادلات التربيعية). واستعمل الفيثاغوريون النجمة الخماسية (pentagram) رمزَ تعارف سمّوه «الصحة» (hygieia) بحروفها على رؤوسها الخمسة — لعلّه أقدم تطبيق للحروف على شكل هندسي. وعرفوا بعضَ المجسّمات المنتظمة (المكعب، ورباعي الوجوه، والثماني، ثم العشروني، والاثني عشري) وإن قسّموا الدائرة إلى خمسة تجريبيًّا.

الفلك

الأرجح أنّ فكرة كروية الأرض ترجع إلى أيام فيثاغورس (بدلائل انحناء سطح البحر، والظلّ المستدير في الخسوف، وحجّة الكمال/الجمال). ومحورُ فلكه: الأجرام السماوية كروية تتحرّك في مدارات مستديرة، والأرض ثابتة في مركز الكون، وحركةُ الأفلاك منتظمة. ولم يقنع بالوصف (كالبابليين) بل أراد تفسير الظواهر: فلا يمكن أن تكون الكواكب (planetes = «الهائمة») ضالّةً، بل لها حركات دائرية منتظمة يمكن ردُّها إليها — ومن هذا الاعتقاد نشأ علم الفلك اليوناني كله. وأنشأ ضربًا من الثنائية يميّز بين عالم السماء الأزلي الكامل (حركاته دائرية) وعالم ما تحت فلك القمر (ta hypo selenen) المتغيّر الفاسد — ثنائيةٌ أثّرت في التفكير العلمي حتى جاليليو وبعده، ومنها جاءت الديانةُ النجمية (لبّ التنجيم).

الموسيقى والطب

اكتشف فيثاغورس أنّ الأوتار التي تتناسب أطوالها كنِسَب 1 : 3/2 : 4/3 : 2 ‏(الأعداد 6 : 8 : 9 : 12‏)‏ تُحدث أصواتًا مؤتلفة، وأنّ الفواصل الموسيقية (الثمانية diapason، والخامسة diapente، والرابعة diatessaron‏)‏ هي نِسَبُ هذه الأعداد؛ فهداه ذلك إلى الوسط الرياضي والوسط التوافقي (الهارموني)، وامتدّت فكرة التناسق إلى الفلك («موسيقى الأفلاك»). وفي الطب: ألقمايون الكروتوني (Alcmaeon of Croton) (تلميذ فيثاغورس أو متأثّر به) صاحبُ رسالة «في الطبيعة»، بحث أعضاء الحسّ وبخاصة البصر، ولعلّه أول من حاول إجراء عملية جراحية في العين، وزعم أنّ المخ مركز الإحساس (لا القلب) تصله بأعضاء الحسّ منافذ (poroi) إذا قُطعت حدث العمى — بذورُ علم النفس التجريبي؛ وعرّف الصحة بتوازن قوى البدن (isonomia) والمرضَ بـتسلّط (monarchia) إحداها. وديموقيدس بن قليفون (Democedes of Croton) طبيبٌ خدم بوليقراطيس ثم عاش في بلاط دارا بسوسة، إذ شفى كاحل دارا وورمَ ثدي زوجته أتوسّا (Atossa)، وتزوّج ابنة البطل الرياضي ميلون. ويتضمّن الكتاب المنسوب لأبقراط «في الأسابيع» (Peri hebdomadon) ملاحظاتٍ عن أهمية العدد سبعة (نصٌّ لا يتأخر عن القرن السادس، ربما أيوني، وصلنا بترجمة عربية من عمل حنين بن إسحاق).

الأعداد والحكمة

جمعت اكتشافاتُ فيثاغورس بين يدينا سيطرة التصوّرات العددية، فردّ على الأيونيين (الذين افترضوا مادة واحدة) وعلى أنكسمندروس (الذي افترض اللامتعيّن) بقوله: الأعداد جوهر الأشياء؛ فكرةٌ فتحت بابين — خيرٍ (دراسة الطبيعة كمّيًّا) وشرٍّ (التصوّف العددي والتنجيم). وكان — على الأرجح — أول من دمج بين طلب المعرفة وبين التطهير والخلاص، فاستخدم الموسيقى في تطهير الأنفس، وعدّ طلب المعرفة الخالصة أعظم تطهير والحياة النظرية/التأملية أسمى الحياة. وبذلك كان فيثاغورس مؤسِّس العلم ومؤسِّس الدين في وقت نفسه، وأولَ من قرّر قيمة العلم بغضّ النظر عن نفعه، وجمعَ بين حبّ العلم والقداسة.

الفصل الثاني: العصر الذهبي — القرن الخامس قبل الميلاد

النزاع بين اليونان وفارس ومجد أثينا

بعد أن غطّت الفصول السابقة قروناً وبلداناً عديدة، تضيق العدسة التاريخية هنا لتنحصر في قرنين وفي منطقة أتيكا (Attica) الصغيرة، وبالأخص مدينتها أثينا. كانت أثينا من آخر ممالك المدن ظهوراً في التاريخ اليوناني، لكنها صعدت في نحو قرن ونيّف حتى تزعّمت العالم الهليني في نزاعه مع الفرس، وصار اسمها يكاد يرادف اسم اليونان.

في نهاية القرن السادس كانت إمبراطورية الفرس الأخمينيين تسيطر على غرب آسية كلها (عدا شبه الجزيرة العربية) ومصر أيضاً؛ وقد جمع الفرس بين تجارة القوافل والتجارة البحرية الفينيقية (حلفائهم)، وانتشرت نقودهم الذهبية «الداريّة» (daric، نسبةً إلى داريوس Darius) حول المتوسط. اشتدّ الضغط الفارسي على المستعمرات الأيونية، فاندلعت الثورة الأيونية سنة 499 ق.م؛ أحرق اليونان ساردس (Sardis) عاصمة ليديا (Lydia) ثم عوقبوا، واحتلّ الفرس ميليتس (Miletus) سنة 494، ثم اجتاحوا كيوس (Chios) وتينيدوس (Tenedos) ولسبوس (Lesbos) سنة 493. أدرك ثيمستوكليس (Themistocles، نحو 514–460‏) الخطر فأقنع الأثينيين ببناء أسطول دائم وإنشاء دار للصناعة البحرية في ميناء بيرايوس (Piraeus).

توالت المعارك الكبرى: ماراثون (Marathon، 490‏) حيث كُسر جيش داريوس؛ ترموبيلاي (Thermopylae، 480‏) حيث قضى ليونيداس (Leonidas) ورجاله الإسبرطيون الثلاثمائة؛ سلاميس (Salamis، 480‏) حيث كسر الأسطول اليوناني الأسطول الفارسي على مرأى من أكسرسيس/خشايارشا (Xerxes)؛ ثم غزو أتيكا ونهب أثينا وإحراق الأكروبول (Acropolis)؛ فمعركتا بلاتيا (Plataea، 479‏) وميكال (Mycale) البحرية قرب ساموس (Samos) اللتان أمّنتا استقلال اليونان. رأى سارتون في هذا النزاع صراعاً بين الحكم المطلق الآسيوي والديمقراطية اليونانية أكثر منه صراعاً بين قارتين، إذ الفينيقيون ساميون والفرس آريون والإمبراطورية خليط أجناس.

برزت أثينا زعيمةً، لا لتميّز عرقي بل — في رأي سارتون — لتطعيم العنصر الأتيكي القديم بذكاء الأيونيين المتدفّقين عليها؛ وموقعها الملائم للتجارة، ولغتها التي اكتسبت صفة عالمية. صارت إلهتها بالاس أثينا (Pallas Athene) رمز الهيلينية، وإن ازدهرت مراكز أخرى في طيبة (Thebes) وكورنثة (Corinth) وسيكيون (Sicyon) وميجارة (Megara) ومقدونية وبرقة (Cyrenaica) وإيطاليا وصقلية.

السلم النسبي والعصبة الأيونية

بلغت أثينا أوجها في الخمسين سنة بين سلاميس (480) والحروب البيلوبونيزية (431)، وهي «عصرها الذهبي الأول». تحوّلت العصبة الأيونية بالتدريج إلى الإمبراطورية الأثينية البحرية، وسيطرت شخصية بريكليس (Pericles، 499–429) على ثلاثين سنة منها حتى سُمّيت أحياناً «عصر بريكليس». كان مركز العصبة وخزانتها أولاً في جزيرة ديلوس (Delos) المقدّسة، أقدس مواضع عبادة أبولو (Apollo)، حيث تُقام الألعاب الديلوسية؛ ثم نُقلت الخزانة إلى أثينا. وكانت ديلوس أيضاً أعظم سوق للنخاسة، وعوقبت بشدّة سنة 84 ق.م إبّان حرب ميثريداتيس (Mithridates). مركزٌ آخر للوحدة اليونانية هو دلفي (Delphi) في فوكيس (Phocis) على منحدر بارناسوس (Parnassus)، «سرّة الأرض» (omphalos)، حيث تنطق النبيّة بيثيا (Pythia) بالتكهّنات عند الشقّ (chasma) المنبعث منه البخار، وتُقام الألعاب البيثية (Pythian). لكن هذه الوحدة كانت مصطنعة، دامت بدوام الخطر الفارسي، فلما زال عاد حسد المنافسين (خاصة إسبرطة) وأفضى إلى الحرب الأهلية.

الشعر الغنائي

كان الشعر الغنائي أقدم مظاهر عظمة أثينا، ظهر قبل الحروب الفارسية، ولم يكن منفصلاً عن الموسيقى؛ أنواعه ترانيم دينية وأناشيد نصر ومدائح ومراثٍ. أبرز شعرائه ثلاثة: سيمونيدس (Simonides، 556–467) من كيوس (Ceos)، صاحب مرثية شهداء ترموبيلاي، الذي مات في سيراكوز وأكرمه الملك هييرون (Hieron) في صقلية؛ وابن أخيه باخيليديس (Bacchylides) الذي لم يُعرف من شعره إلا القليل حتى اكتُشفت 19 قصيدة في بردية فصار لدينا نحو 1400 بيت؛ وبندار (Pindar، 518–438) شاعر طيبة، أعظم الشعراء الغنائيين التسعة عند كوينتليان ورمز الشعر الغنائي في العصر الذهبي، اشتهر بأغاني النصر (ومنها نشيد الرياضي أرستومينيس Aristomenes الفائز 446‏)‏. ورتّب المصنّفون التاريخيون الغنائيين التسعة: أرخيلوخوس الباروسي (Archilochus، 720–676)، وألكمان (Alcman)، والشاعرة سافو (Sappho) من لسبوس، وإيبيكوس الريجيومي (Ibycus)، وأناكريون التيوسي (Anacreon، 563–478)، وبندار، وباخيليديس، وفيليتاس الكوسي (Philetas)، وكاليماخوس القوريني (Callimachus).

الفنون والمسرح

مُوّل الفن الأثيني بتبرعات الحلفاء وبعائد مناجم الفضة في لوريون (Laurion)؛ فبفضل بريكليس ومساعده النحّات فيدياس (Phidias، نحو 490 – توفي سجيناً 432‏) — صانع تمثال زيوس في أولمبيا (Olympia) من الذهب والعاج — قامت زخارف الأكروبول والبارثينون (Parthenon) الذي أُنشئ بين 447 و434 باقتران ثلاثة أسماء: بريكليس المفكّر، وإكتينوس (Ictinos) البنّاء، وفيدياس النحّات. وتطوّر النحت منذ أجيلاداس الأرجوسي (Ageladas of Argos) الذي تخرّج عليه فيدياس وميرون (Myron) وبوليكليتوس (Polycleitos). وفي الرسم برز بوليجنوتوس (Polygnotos) التاسوسي (Thasos)، صاحب جداريات ليسكه (lesche) بدلفي.

أما المأساة (التراجيديا) فكان مخترعها المأثور ثيسبيس (Thespis) الإيكاري (Icaria، نحو 560–535‏)؛ وهي شعر غنائي في شكل مسرحي مقرون بالأسرار الدينية. رواتها الثلاثة المتّصلون بسلاميس هم: أخيلوس/إسخيلوس (Aeschylus) المولود في إليوسيس (Eleusis) نحو 525، محارب ماراثون وسلاميس، صاحب «الفرس» (472)، بقيت له 7 روايات من نحو 80–90، مات في جيلا (Gela) بصقلية 456؛ وسوفوكليس (Sophocles، 495–406) الذي وضع نحو 130 مسرحية لم يبقَ منها إلا سبع (أقدمها «أنتيجون» Antigone، 442‏)‏، وأدخل الممثل الثالث وزاد الجوقة إلى 15 واستعمل المناظر المرسومة (Scenographia)، ورمز الاعتدال (sophrosyne) الأثيني؛ ويوريبيديس (Euripides، 480–406) الأكثر إنسانية وواقعية، أول من امتلك مكتبة خاصة، المتأثّر بهيراكليتوس وأناكساجوراس، صديق هيرودوت وسقراط، بقيت له نحو 18–19 رواية، مات في مقدونيا ضيفاً على أرخيلاوس (Archelaos). أما الملهاة (الكوميديا) فصدرت من أعياد ديونيسيوس (Dionysus) الريفية، ومثّلها الوحيد الباقي أرستوفانيس (Aristophanes، 448–386) من «الملهاة القديمة»، كتب 44 رواية بقيت منها 11، أول نموذج للناقد الهزلي، وسلف إرازموس (Erasmus) وموليير (Molière) وفولتير (Voltaire).

لكنّ القرن الخامس كان في ذاته مأساة: فقد دمّرت الحروب البيلوبونيزية (431–404) العالم اليوناني وانتهت بفوز إسبرطة، وأُضيف إليها طاعون أثينا (430–429/425). وبعد استسلام أثينا 404 هُدمت أسوار بيرايوس والأسوار الطويلة وقام حكم «طغاة الثلاثين»، ثم عادت أثينا فازدهرت زعامةً روحية ذات صبغة كونية سادها فكر أفلاطون وأرسطو، وتجسّد الفرق بين العصرين في التباين بين فيدياس وسوفوكليس من جهة وأسكوباس (Scopas) وبراكسيتيليس (Praxiteles) من جهة أخرى.

تاريخ الفلسفة والعلم حتى وفاة سقراط

إلى جانب الشعراء والفنانين ظهرت فئة «الفيسيولوجيين» (دارسي الطبيعة) أو الفلاسفة، اعتزلوا الجمهور لفهم طبيعة الأشياء، فعُدّوا أحياناً أعداء الشعب. آراؤهم مفقودة لم تصلنا إلا شذرات عبر مؤرّخي العقائد. يقتصر الفصل على اثني عشر رجلاً، منهم أربعة أيونيون. علماً بأن مصادرنا صعبة، وأنهم توزّعوا جغرافياً على أربع مناطق.

هيراكليتوس وأناكساجوراس

هيراكليتوس الأفسوسي (Heraclitus of Ephesus) ازدهر أوائل القرن، ألّف كتاب «حول الكل» (Peri tu pantos) وأودعه هيكل أرتميس (Artemis)، ودُعي «المظلم» (ho Scoteinos) لغموضه؛ رفض دعوة داريوس إلى بلاطه. عنده أن الجوهر الأول للكون هو النار، وأن «كل شيء يتحوّل» (Panta rhei)، وأن ثمة انسجاماً خفياً بين الأضداد. رجل حزين متشائم، ومن قوله: «ينبغي أن يقاتل الناس من أجل القوانين كما يقاتلون من أجل جدران المدينة».

أناكساجوراس القلازوميني (Anaxagoras of Clazomenae) آخر الفلاسفة الأيونيين وأقربهم للعلماء؛ ألّف «في الطبيعة» (Peri physeos)، وكان أول فيلسوف أيوني يرحل إلى أثينا، وصديق بريكليس ومعلّم يوريبيديس، ودُعي «العقل» (Nus) لأنه أول من قال إن العقل الخالص هو منظّم الكون. رأى أن الكون امتزاج (symmisgesthai) وانفصال (diacrinesthai) لبذور (spermata) لا تحصى، أضفى عليها العقل النظام بحركة الالتفاف (Perichoresis). معرفته الفلكية رجعية، لكنه فسّر الكسوف والخسوف بالاعتراض، وحدّد موضع البُطينات الجانبية في الدماغ، ووضع كتاباً في فن المشاهد المسرحية فكان من واضعي علم المنظور. عزا فيضان النيل إلى ذوبان الثلوج (رفضه هيرودوت، وأيّده لاحقاً أرسطو وإراتوستنيس Eratosthenes‏)‏. اتُّهم بالإلحاد نحو 432 (وربما كان الاتهام موجّهاً حقيقةً إلى بريكليس)، فكان أول من عوقب في التاريخ من جراء تفكيره الحر، ونُفي إلى لامبساكوس (Lampsacus) حيث مات نحو 428.

المدرسة الأيلية

نشأت في إيليا (Elea) بجنوب إيطاليا، حيث ربما أيقظ أكسينوفانيس الكولوفوني (Xenophanes) الروح الفلسفية. بارمينيدس (Parmenides) أحد آباء الميتافيزيقا، أقام الفلسفة الواحدية (monism): «ما هو» (to eon) يملأ المكان كله، والعدم مستحيل، والكون كرويّ أزلي ساكن لا يتغيّر — نقيض هيراكليتوس. تلميذه زينون الأيلي (Zeno of Elea) أكمل برهانه بقياس الخُلف (reductio ad absurdum) فدعاه أرسطو مكتشف الجدل. وميليسوس الساموسي (Melissus of Samos) أميرال الأسطول الساموسي، آخر تلاميذ المدرسة، ناوأ بريكليس. زار بارمينيدس أثينا نحو 440 وتحدّث إلى سقراط الحدث.

أنبادوكليس والذرّيون

أنبادوكليس الأجريجنتي (Empedocles of Agrigentum) لم يكن فيلسوفاً فقط بل شاعراً وعرّافاً وطبيباً ومصلحاً اجتماعياً؛ من أكراجاس (Acragas) بصقلية. ألّف الأغاني التطهيرية (Catharmoi) وثلاثة كتب «في الطبيعة» وقصيدة طبية (Iatricos). وضع نظرية العناصر الأربعة (rhizomata) — النار والهواء والماء والتراب — تحرّكها قوّتا الحب (philotes) والغلبة (neicos)، وسيطرت النظرية على الفكر الغربي حتى القرن الثامن عشر. برهن بتجربة الكلبسيدرا (Clepsydra) على أن الهواء جسم، وقال بإشعاعات (aporroai) في الرؤية، وبأن للنور سرعة محدودة (أثبته رومر Rømer سنة 1676‏)‏، واكتشف صماخ الأذن، واقترب من فكرة الدورة الدموية. وفي الطب رأى أن الصحة توازن والمرض اختلال. طمست الأساطير موته (قيل ألقى نفسه في بركان إتنا Etna‏)‏، والأرجح أنه مات في البيلوبونيز نحو 435–430 برفقة تلميذه بوسانياس (Pausanias).

الذرّيون — يُجمع القدماء (أرسطو وثيوفراستوس Theophrastus‏)‏ على أن لوكيبوس (Leucippus) مخترع النظرية الذرية، وأصله مجهول (ميليتس أرجح)، تتلمذ على زينون، وله «نظام الكون العظيم» (Megas diacosmos)، ومن قوله: «لا يحدث شيء عبثاً؛ كل شيء عن سبب وضرورة». وسّعها تلميذه ديموقريطوس الأبديري (Democritus of Abdera، نحو 460–370‏) المولود في أبديرا (Abdera) بتراقيا. أمضى خمس سنوات في مصر وبلغ مروي (Meroë)، وزار بابل (أول فيلسوف يوناني يصلها) وفارس ولعله الهند. وضع العالم من الملأ (pleres) والخلاء (cenon)، والملأ ينقسم إلى ذرّات (atomon) غير متناهية أزلية تختلف شكلاً وترتيباً ووضعاً، فالتغيّر نتيجة اجتماعها وافتراقها — إقرارٌ بمبدأ بقاء المادة. النفس (psyche) عنده جسمانية من أخفّ الذرّات؛ وثمة ذرّات ألطف يدعوها «أيدولا» (eidola). كوّن نظرية دقيقة في المعرفة تميّز الخاصيات الأولية عن «الاصطلاحات» الحسية. وله مجموعة حِكَم أخلاقية (gnomai) أرقى من عصره، أول من حاول تفسيراً علمياً للإلهام والعبقرية. ثار جدل حول أصل مذهبه (يوناني أم هندي أم فينيقي)، لكن سارتون يردّه إلى معلّمه لوكيبوس، ويحذّر من الخلط بينه وبين ذرّة دالتون (John Dalton)؛ وقد أحياه أبيقور (Epicurus) وروّجه لوكريتيوس (Lucretius).

السوفسطائيون

مع الحيرة الفكرية في النصف الثاني من القرن نشأت طبقة السوفسطائيين (sophistes) معلّمي النحو والبيان والفصاحة. أشهرهم ثلاثة: بروتاجوراس الأبديري (Protagoras، نحو 485‏) أول من دُعي سوفسطائياً، جمع عشرة أضعاف مال فيدياس، صاحب القول «الإنسان معيار كل شيء» وقوله المتشكّك في الآلهة؛ اتُّهم بالكفر سنة 411 وأُحرقت كتبه (أول حادثة حرق كتب في التاريخ) وهلك غرقاً في هربه؛ وهو أول من نبّه إلى قواعد النحو اليوناني. وجورجياس الليونتيني (Gorgias، نحو 485‏) من صقلية، تلميذ أنبادوكليس، خطيب ومنطقي عاش نحو مئة عام، أُوفد سفيراً إلى أثينا 427، غرضه الفصاحة لا الاقتناع. وأنتيفون الرامنوسي (Antiphon، نحو 480‏) الخطيب، معلّم ثوكيديدس، وصلت من خطبه خمس عشرة، اشترك في حكومة الأربعمائة (411) وأُعدم؛ وألّف «فن تفادي الكآبة» (Techne alypias) أول كتب «التعازي».

سقراط

سقراط الأثيني (Socrates، 470–399) ابن النحّات سوفرونيسكوس (Sophroniscus) والقابلة فاينَريت (Phaenarete)، شارك في القتال جندياً، دميم المظهر أفطس الأنف، متقشّف، زوجه أكسانتيب (Xanthippe) شكسة، رُزق ثلاثة صبيان. لم يترك مؤلَّفاً، ومعرفتنا به من تلميذيه أفلاطون (Plato) وأكسينوفون (Xenophon)؛ ففي «مذكرات أكسينوفون» (Memorabilia) يظهر منصرفاً عن «طبيعة الكون» إلى الشؤون البشرية والأخلاقية: ما البِرّ والعدل والحكمة والشجاعة؟ ومنهجه: الاستقراء (epagoge) وفن التوليد (maieutice) (ذِكرى مهنة أمه)، فيستخلص بأسئلته إقرار الناس بأخطائهم؛ وهو أول علماء المعاني، يرى أن الفضيلة معرفة يمكن تعليمها، وأكبرها الاعتدال، وأن فكرة الله عنده تقترب من العناية (pronoia). حُوكم بتهمة أثارها أنيتوس (Anytus)، فكان دفاعه (Apology) آية من السخرية، وأُدين بأكثرية 30 صوتاً من 501؛ أُجّل تنفيذه شهراً لعودة السفن المقدسة من ديلوس، فحاوره أصدقاؤه في «كريتون» (Crito، في الواجب) و«فيدون» (Phaedo، في النفس)، ورفض الهرب لأن واجب المواطن طاعة القوانين. شرب الشوكران (Conium maculatum) بهدوء (وصف أفلاطون له نموذج طبي كلاسيكي دقيق يتّفق مع أثر الكونيين coniine‏)‏، وكانت آخر كلماته الوصية بردّ دَين ديك لأسكليبيوس (Asclepius). أسّس خمسة من تلاميذه مدارس فلسفية: فيدون الأليسي، وإقليدس الميجاري، وأنتستانيس (Antisthenes) مؤسس المدرسة الكلبية (Cynic)، وأريستيبوس البرقاوي مؤسس المدرسة القورينائية، وأفلاطون. أرسى سقراط أربع دعائم للعلم: التحديد والتصنيف، والجدل المنطقي، والشعور بالواجب، والشك المنهجي. ويوازن سارتون حكمته اليونانية بحكمة الشرق في كتاب أيوب (المكتوب في القرن الخامس أو الرابع)، الذي عالج مشكلة الشر والعناية (Theodicy)، وعدّه تنيسون (Tennyson) أعظم شعر في التاريخ.

الرياضة والفلك والتكنولوجيا في القرن الخامس

الرياضيات

قامت الرياضيات اليونانية على إهمال الحساب البسيط والعمق النادر في التفكير. أثار زينون الأيلي بحججه الأربع ضد الحركة مشكلتَي الاتصال وقابلية الانقسام: القسمة الثنائية (Dichotomy)، وأخيل (Achilles) والسلحفاة، والسهم (Arrow)، والملعب (Stadium). وديموقريطوس له خمس رسائل رياضية عند ديوجينيس اللائرتي (Diogenes Laertius)، وأدرك تماس الدائرة والمماس في نقطة واحدة، وكشف أن حجم المخروط ثلث الأسطوانة والهرم ثلث المنشور (دون برهان، برهنه لاحقاً يودوكسوس Eudoxus بطريقة الاستقصاء).

أبقراط الخيوسي (Hippocrates of Chios) أعظم رياضيي القرن (لا يُخلط بأبقراط الكوسي الطبيب)، من خيوس (Chios)، فقد ماله فتفرّغ للرياضة وكان أول من علّمها بأجر. شغلت الأثينيين ثلاث مسائل: تربيع الدائرة، وتثليث الزاوية، ومضاعفة المكعّب (المسألة الديلية) — وكلها غير قابلة للحل بالمسطرة والبِركار إلا تقريباً. قاده تربيع الدائرة إلى كشف هلاليات (lunes) قابلة للتربيع، ورسالته فيها هي الشذرة الوحيدة من الرياضيات ما قبل الإسكندرية التي وصلت كاملة؛ وردّ مضاعفة المكعّب إلى إيجاد وسطين متناسبين. وكان أول من استعمل حروف الهجاء في وصف الأشكال، وأول رواد إقليدس في بناء «الأصول» (Elements)، وابتكر طريقة الرد (Apagoge)، فاستحقّ لقب «أبي الهندسة». وأينوبيديس الخيوسي (Oenopides of Chios) حلّ مسألتي إقامة العمود ونقل الزاوية لأسباب فلكية. وهيبياس الإيليسي (Hippias of Elis، نحو 460‏) سوفسطائي جوّال، ابتكر منحنى التربيع (Quadratrix/Tetragonizusa)، أول منحنٍ من مرتبة عليا لتثليث الزاوية، استعمله لاحقاً دينوستراتوس (Dinostratus) لتربيع الدائرة. وثيودوروس القوريني (Theodorus of Cyrene، نحو 470‏) أستاذ أفلاطون في الرياضة، أثبت لامنطقية الجذور التربيعية للأعداد 3، 5، 7 حتى 17.

أما اللامنطقية (irrationality) فيُنسب اكتشافها للفيثاغوريين الأولين، وكانت مفاجأة رهيبة؛ فالعدد اللامنطقي (alogos) لا يُقدّر بدلالة أعداد أخرى، وقد اكتُشف هندسياً في قطر مربّع الوحدة (√2). يُنسب الكشف إلى هيبّاسوس الميتابونتي (Hippasos of Metapontum) الذي قيل إنه طُرد من المدرسة لإذاعته السرّ، وميّز الوسط التوافقي؛ ورأى كورت فون فريتز (Kurt von Fritz) أن عنايته بالمخمّس النجمي (شعار الفيثاغوريين) هدته إلى فكرة اللاقياس. برهن لامنطقية √2 يقوم على دليل الخُلف. وعالج أنتيفون السوفسطائي تربيع الدائرة برسم مضلّعات داخلية متزايدة الأضلاع تستنفد مساحتها تدريجياً، وأضاف بريسون الهيراكلي (Bryson of Heraclea) مضلّعات خارجية محيطة، فعرّف مساحة الدائرة بحدّين — بديهة أدّت إلى طريقة الاستنفاد ثم إلى حساب التكامل، وطبّقها أرشيميدس (Archimedes) فتوصّل إلى أن π بين ‏3 10/71 و‏3 1/7. وكان هؤلاء الرياضيون موزّعين في أرجاء بلاد اليونان، لا في أثينا وحدها.

الفلك

كانت المدرسة الفيثاغورية أعظم المدارس الفلكية؛ وهي أول من سمّى العالم «كوسموس» (Cosmos) وقال باستدارة الأرض. بارمينيدس أول من قسّم الأرض الكروية إلى خمس مناطق، وتصوّر الكون سلسلة كرات (Stephanai) متّحدة المركز والأرض ساكنة في مركزها. وفيلولاوس الكروتوني (Philolaos of Croton) أول شارح للفلك الفيثاغوري ومثّل مرحلة أعقد: أخرج الأرض من المركز ووضع فيه النار المركزية، وجعل يدور حولها عشرة أجسام أولها الأرض المقابلة (Antichthon)، فأصبحت الأرض سيّارة تدور حول المركز وعلى محورها. وقد حسّن هيكيتاس السيراكوزي (Hicetas) النظام فجعل الأرض في المركز تدور على محورها وحدها (بشهادة شيشرون Cicero عن ثيوفراستوس)، وأكّد إكفانتوس السيراكوزي (Ecphantus) دوران الأرض اليومي على محورها. وقال لوكيبوس وديموقريطوس بلا نهائية الأكوان واختلاف أحجامها، لكن ديموقريطوس لم يعتقد كروية الأرض بل جعلها مسطّحة، وأبدل التقسيم البابلي الثلاثي للكرة السماوية (طرق آنو Anu وإنليل Enlil وإيا Ea‏)‏ بتقسيم ثنائي إلى نصفين شمالي وجنوبي، ووضع الزُّهرة بين القمر والشمس.

وأنجز أينوبيديس اكتشافين: ميل فلك البروج (obliquity of the ecliptic) — عرف إقليدس قيمته 24° والحقيقية 23°27′ — والسنة العظيمة (Megas-eniautos) ومدّتها 59 عاماً؛ وقدّر طول السنة بـ‏365 22/59 يوماً، ونُشر إصلاحه على لوحة برونزية في أولمبيا سنة 456. وسبق كليوستراتوس التنيدي (Cleostratus of Tenedos) بدورة السنوات الثماني (Octaeteris). ثم أجرى ميتون ويوكتيمون (Meton and Euctemon) أول ملاحظات صحيحة للانقلابين الشمسيين بأثينا سنة 432، وأدخلا الدورة الميتونية (Metonic cycle) ومدّتها 19 سنة = 235 شهراً قمرياً ‏(طول السنة نحو ‏365 5/19 يوماً، أدقّ من سابقيه)‏.

التكنولوجيا والهندسة

من أبرز الأعمال الهندسية قناة عبر شبه جزيرة آثوس (Athos) بأمر أكسرسيس (485–465)، طول برزخها 2500 ياردة، أشرف عليها بوباريس (Bubares) وأرتاخايس (Artax/Artaios) الفارسي الفارع الطول. ومارس أجاتارخوس الساموسي (Agatharchus of Samos، وُلد نحو 490‏) فن المنظور فعلاً في مناظر مسرحية لإسخيلوس، وكتب مذكّرة فنية (Hypomnemata). وكان هيبوداموس الميليتي (Hippodamus of Miletus) أول مهندس تخطيط مدن، خطّط بيرايوس والمستعمرة توري (Thurii، 444‏) ورودس (Rhodes، 408‏)، وعُني بالجانب الخُلقي فوضع مدينة مثالية من 10,000 مواطن مقسّمين ثلاثة أقسام، انتقده أرسطو بوصفه فيثاغورياً حالماً، وكان سلف باتريك جيديس (Patrick Geddes). أما مناجم الفضة في لوريون جنوبي أتيكا فكانت ملك الدولة، تُعدّن الجالينا (Galena) الفضية بسخرة العبيد؛ خصّص ثيمستوكليس دخلها للأسطول فكان نصر سلاميس، ثم مكّنت بريكليس من بناء البارثينون — فمجد أثينا لم يقم على العبقرية وحدها بل على التعدين والعبودية أيضاً.

الجغرافيون والمؤرخون

الرحلات البحرية الأربع

يقتصر «الجغرافيون» على أربعة قادة حملات بحرية مكتشفين. أرسل داريوس سكيلاكس الكاريندي (Scylax of Caryanda) ليبحر من نهر السند/الهندوس عبر البحر العربي حتى البحر الأحمر — وهو أول ملاّح حُفظ اسمه (وكتاب «رحلة سكيلاكس» المتداول من تأليف متأخر منتحل). وحكم أكسرسيس على الأخميني ساتاسبيس (Sataspes) بالطواف حول ليبيا (إفريقيا) عقاباً، فبلغ أعمدة هرقل ثم عاد عاجزاً، فأُعدم. وأرسلت قرطاجة حملتين: قاد هَنّون (Hanno) أسطولاً من نحو ستين سفينة وثلاثين ألفاً بغرض الاستعمار، بلغ ساحل إفريقيا الغربي نحو 2600 ميل (وذكر «الغوريلا» gorilla‏)‏، ونُقشت رحلته في معبد ملقارت (Melqart)؛ وقاد هِمِلكون (Himilco) حملةً نحو الساحل الأوروبي فبلغ جزر الأويسترمنيدس (Oestrymnides) وربما بريطانيا لتجارة القصدير، وذكر منطقة رياح ساكنة ظُنّت بحر السرجاسو (Sargasso Sea). توقّف هذا الاستعمار بفناء قرطاجة سنة 146 ق.م. ومن أهمّ الحوادث الجغرافية أيضاً قيادة أكسينوفون لعشرة آلاف مرتزق يوناني من أعالي دجلة إلى طرابيزون (Trapezus) سنة 401، وكتابه «الصعود» (Anabasis).

هيرودوت

شهد النصف الثاني من القرن مولد علم التدوين التاريخي. هيرودوت الهاليكارناسي (Herodotus of Halicarnassus، نحو 484 – نحو 426‏) من كاريا (Caria)، تجوّل واسعاً (مصر حتى أسوان، بابل، سكيتيا Scythia‏)‏ واستقرّ في توري، ودعاه شيشرون «أبا التاريخ» (Pater Historiae). قُسّم تاريخه إلى تسعة كتب بأسماء ربّات الشعر (Muses)، غايته وصف الصراع بين آسيا واليونان. اعتمد على السماع ومشاهداته، ناقداً حيناً وسريع التصديق حيناً، وأول من جعل النثر اليوناني جميلاً كالشعر؛ فلسفته «تغيّر الحظّ» والعناية الإلهية كسوفوكليس ويوريبيديس. وصفه لمصر (التي سمّاها «هبة النيل» doron tou potamou‏)‏ هو الوصف اليوناني الوحيد الباقي؛ ولاحظ الرواسب والأصداف المتحجّرة والزلازل (مضيق تِمبِه Tempe‏)‏. لم يكن رياضياً ولا فلكياً، وأخطأ في مجرى الدانوب والنيل (خلطه بالنيجر Niger‏)‏، لكنه أول مصنّف في الجغرافيا البشرية، وأول من ذكر القطن، ووصف الطريق الملكي الفارسي بين ساردس وسوسة (Susa). ومفخرته الكبرى وصف الشعوب فهو «أبو علم خصائص الشعوب (الإثنولوجيا)»؛ وخير مثال وصفه للسكيتيين (أول إشارة للحشيش/القنب Cannabis‏)‏ وسكنى البحيرات (lake dwellings). وقد صدّقت الحفريات الحديثة كثيراً مما رواه، حتى قيل «إن هيرودوت يزداد كسباً يوماً بعد يوم».

ثوكيديدس

ثوكيديدس بن أولوروس (Thucydides، نحو 460 – نحو 400‏) أثيني، أُصيب بالطاعون، وكان ذا ثراء من مناجم تراقيا، عُيّن قائداً (strategos) 424 ثم نُفي عشرين عاماً بعد عجزه عن إنقاذ أمفيبوليس (Amphipolis)، فتفرّغ للتأليف. كتب «الحرب البيلوبونيزية» في ثمانية كتب، متتبّعاً الأحداث بترتيبها الزمني (ميّز الفصل المعتدل Theros من الرديء Cheimon‏)‏، متجنّباً الخرافات، فكان أول مؤرّخ علمي في العالم وأول رائعة في النثر الأتيكي. اعتمد على تجربته والوثائق (معاهدة نيكياس Nicias المقتبسة بحذافيرها، وأيّدها اكتشاف نقشها سنة 1877‏)‏. صوّر بريكليس وكليون (Cleon) وألكيبياديس (Alcibiades) بحياد، وخطاب بريكليس الجنائزي من أنبل الأحاديث (يوازنه سارتون بخطاب لينكون في جتسبرغ). قارن بين طبعَي الأثينيين والإسبرطيين، وكان «عصرياً» كأبقراط، مستنداً إلى الشواهد الأثرية (قبور ديلوس الكارية) حتى سُمّي «أبا علم الآثار»، صاحب فكرة تطوّرية لا دائرية.

أما طاعون أثينا (430–429) فأورده ثوكيديدس في أول وصف مفصّل لوباء في الأدب العالمي: بدأ (كما قيل) في إثيوبيا ثم مصر، وأصاب بيرايوس أولاً، ووصفه سريرياً بمراحله وأعراضه وأزمته في اليوم السابع أو التاسع وآثاره في الناجين (فقد الأصابع والبصر والذاكرة)، وشدّته التي تفوق الطبيعة (نفور الجوارح من الجثث). اختلف في تشخيصه (جدري؟ تيفوس؟)، ورجّح شروزبري (Shrewsbury) أنه الحصبة (Measles). وقد أعاد لوكريتيوس هذا الوصف في ختام «طبيعة الأشياء» (De Rerum Natura). ويحوي المصنّف إشارات إلى الإشارات الضوئية وإلى ثلاثة كسوفات/خسوفات فعلية ‏(3 أغسطس 431، و21 مارس 424، و27 أغسطس 413‏)‏ تؤكّد أمانته. وفي الموازنة بينهما: هيرودوت وليد الحروب الفارسية، رحّالة قاصّ، مصنّفه أعظم أثر علمي في العصر الذهبي (إن تُركت الرياضة والطب)؛ وثوكيديدس وليد البيلوبونيز، رجل علم صارم، مصنّفه أهمّ أثر في علم التاريخ.

كتيسياس

كتيسياس الكنيدوسي (Ctesias of Cnidus) مؤرّخ ثالث أقلّ شأناً، طبيب في البلاط الفارسي لدى داريوس الثاني (424–404) وأرتاكسركسيس الثاني منيمون (Artaxerxes II Mnemon، 404–358)، حماه باريساتيس (Parysatis)، وشهد معركة كوناكسا (Cunaxa، 401‏). ألّف «الفارسي» (Persica) في ثلاثة وعشرين كتاباً و«الهندي» (Indica)، حفظ خلاصاتها فوتيوس القسطنطيني (Photius) في «المكتبة» (Bibliotheca). رواياته مزيج من الخرافة، حتى دعاه سارتون «أبا الحكايات التاريخية» لا التاريخ؛ افتقاره للتمحيص يُبرزه نقش بهستون (Behistun، نحو 516 ق.م) الثلاثي اللغة الذي زعم كتيسياس أنه للملكة الأسطورية سميراميس (Semiramis). ومع ذلك حفظ فوائد (كالقار والنفط في بابل، وفصلٍ طبي عن عقّار خطر في مجموعة أوريباسيوس Oribasius يدلّ على تطوّر الصيدلة في كنيدوس)، وكان أوسع قراءةً من هيرودوت، وربما أثّر في حملات الإسكندر الآسيوية.

الطب اليوناني وطابعه الأبقراطي

بلغ الطب أوجه على يد المصريين في القرن السابع عشر ق.م، ثم توصّل اليونان منذ هوميروس بجهدهم الخاص إلى مستوى أرفع مع نهاية القرن الخامس («الانقلاب الأبقراطي»). ذكرت الإلياذة طبيبين ماهرين هما بوداليريوس (Podaleirios) ومخايون (Machaon) ابنا أسكليبيوس (Asclepius) ابن أبولو. نشأ الطب أولاً في المعابد عبر طقس الحضانة الروحية (Incubation) — مقرّه الرئيسي إبيداوروس (Epidauros، نحو 500 ق.م) ثم كنيدوس وكوس ورودس وقورينة — وفيه عنصر علمي كامن في الإيحاء. وجمع جامعو الأعشاب (rhizotomoi) معارف العقاقير خلطوها بالخرافة. وجاءت المؤثرات الفلسفية من أربع مناطق: جنوب إيطاليا (ألكمايون الكروتوني Alcmaion الذي أدرك أن الدماغ مركز الحواس والعافية توازن؛ وديموسيدس Democedes؛ وفيلولاوس)؛ وصقلية (أنبادوكليس وأتباعه آكرون الأجريجنتي Acron وفيلستيون اللوكري Philistion‏)‏؛ وأيونيا (أنكسيمنيس Anaximenes، وأناكساجوراس، وهيراكليتوس، وديوجينس الأبولوني Diogenes of Apollonia‏)‏؛ وتراقيا (ديموقريطوس، وهيروديكوس السلمبري Herodicus معلّم أبقراط).

مدرستا كنيدوس وكوس

المدرستان في مقاطعة كاريا. مارست كنيدوس (Cnidus) الطب الخاص (تشخيص الأمراض المفردة)، فأسرفت في التصنيف (سبعة أنواع لأمراض المرارة، اثنا عشر للمثانة)؛ ومن أطبائها كتيسياس، ويوريفون الكنيدي (Euryphon) مؤلف «الأقوال الكنيدية» (Cnidiai Gnomai) المفقودة، وخريسيبوس (Chrysippos). أما كوس (Cos) فمارست الطب العام، وصارت أعظم مدرسة طبية في التاريخ القديم حتى تعادل «الطب الكوسي» و«الطب الأبقراطي».

أبقراط الكوسي (Hippocrates of Cos، نحو 460 – نحو 375‏) تعلّم على والده هيراكليدس (Heraclides) وهيروديكوس، وساح واسعاً، واستشاره برديكاس الثاني (Perdicas II) ملك مقدونيا وأرتاكسركسيس الثاني، ومات في لاريسا عن نحو 82–85 سنة. أكّد وجوده أفلاطون (في «بروتاجوراس» و«فيدروس») وأرسطو (في «السياسة»). ينتمي لأسرة أطباء أسكليبيين، وابناه تسالوس (Thessalos) ودراكون (Dracon) وصهره بوليبوس (Polybos).

المذهب الأبقراطي

كان التشريح بدائياً، فعوّضوه بنظام لوظائف الأعضاء. تدرّجت النظرية من فكرة السوائل، إلى نظرية العناصر الأربعة (أنبادوكليس)، فـنظرية الطبائع الأربع (اليبوسة والرطوبة والحرارة والبرودة)، فـنظرية الأخلاط الأربعة (البلغم والدم والمرارة السوداء والصفراء، أول شرح لها في «طبيعة الإنسان» المنسوبة لبوليبوس)، فـنظرية الأمزجة الأربعة التي شرحها جالينوس (Galen) واستمرت حتى القرن التاسع عشر. وميّزوا التكهّن (Prognosis) عن التشخيص، فعُنوا بمراحل المرض: الحضانة، ثم «النضج المرضي» (Pepsis)، فالأزمة (Crisis) في الأيام الحرجة (crisimos hemera). وعرفوا الحمّيات (وأغلبها ملارية، شرحه جونز W.H. Jones‏)‏ وذات الجنب والسل والرمد، دون الجدري والحصبة والزُّهري (الوافد من أمريكا أواخر القرن الخامس)؛ وقصّروا في وصف النبض (درسه لاحقاً أيجيميوس Aigimios وبروكساجوراس Praxagoras ثم هيروفيلوس Herophilos وجالينوس).

وكان العلاج أقرب إلى تنظيم الغذاء منه إلى العقاقير، قائماً على «قوة الطبيعة الشفائية» (vis medicatrix naturae)، بالمُسهِلات والفصد (venesection) وماء الشعير (ptisan/tisane) وشراب العسل. ورسالة «الأهوية والمياه والأماكن» (Peri aeron hydaton topon) أول رسالة في علم المناخ الطبي وعلم الأجناس. والطب الأبقراطي أول طب علمي، عمادُه الصدق (سجّل أبقراط اثنتين وأربعين حالة في «الأوبئة» انتهت خمس وعشرون بالوفاة). وأدرك أبقراط الطب الروحاني (صلة الجسد بالنفس، بشهادة محاورة «خارميدس» Charmides عن أطباء تراقيا الزلوكيسيين Zalmoxis). ومن علاماته السريرية الوجوه الأبقراطية (facies Hippocratica) والأصابع الأبقراطية، ووصف في حالة زوجة دِلَرسِيس تنفّساً يُعرف اليوم بتنفّس تشيني–ستوكس (Cheyne–Stokes، 1818‏). لم يُستأنف تدوين الحالات الإكلينيكية إلا مع الرازي ثم أنطونيو بنيفيني (Antonio Benivieni، ت 1502‏). وأحيا المبدأَ الأبقراطي محقّقون كأينوس فوس (Anuce Foes) وفان درلندن (Van der Linden) وأطباء كتوماس سيدنهام (Thomas Sydenham). وكان الأطباء الأسكليبيون (Asclepiadi) أشبه بنقابة مهنية محصورة في منطقة صغيرة كجزيرة كوس.

مجموع المصنّفات الأبقراطية

معرفتنا بالنصوص من طبعة إميل ليتريه (Émile Littré) ‏(10 مجلدات، 1839–1861‏)‏، ومختارات جونز (W.H.S. Jones) وويثنجتون (Withington). لا يوجد «قانون» أبقراطي محدّد، بل مؤلفات كثيرة متباينة النسبة، المسألة أقرب إلى معضلة مؤلف الإلياذة. كانت المجموعة في الأصل مكتبة كوس، دوّن أكثرها على أدراج (volumina) سريعة التلف، وكلها باللهجة الأيونية. صنّفها سارتون في نحو ثلاثين مصنّفاً موزّعة على المؤلفات الطبية والجراحية والفلسفية والحِكَم وواجبات المهنة والرسائل:

الطبية الرئيسية: «المرض المقدس» (الصرع، De morbo sacro‏)‏ الذي يردّ التعليل للدماغ (عن ديوجينس الأبولوني وألكمايون)؛ «الإنذار المرضي» (Prognostic)؛ «التدبير الصحي في الأمراض الحادة» (Regimen in acute diseases، ناقداً الكنيديين)؛ «المقدمات التمهيدية الثاني» (Prorrhetic II)؛ و«الأوبئة» (Epidemics) الأول والثالث من روائع المؤلفات (نحو 567 قصة سريرية بينها حالات سيلينوس Silenus وكليناكتيدس وزوجة درومياديس وفايتوسا Phaitusa‏)‏، والكتب الأخرى (2، 4–7) أقلّ أصالة (نسبها القدماء لتسالوس)، أرّخها دايشجريبر (Deichgräber) بين 410 و360.

الجراحية: «الجروح في الرأس» (De capitis vulneribus، ونظرية الكسر بالصدمة المعاكسة contrecoup‏)‏؛ «عيادة الطبيب» (De officina medici)؛ و«الكسور» و«المفاصل» (من مفاخر الطب الأبقراطي، شرحهما أبولونيوس الكِتيوني Apollonius of Citium بأشكال جراحية).

الفلسفية: «الطب القديم» (De prisca medicina) المعترض على خلط الفلسفة بالطب والداعي للمنهج التجريبي، الناقد لنظرية الطبائع الأربع ومؤكّد وجود قوى (dynameis) أخرى لا حصر لها؛ و«الفن الطبي» (De arte)؛ و«طبيعة الإنسان» (وحده يعالج الأخلاط جدياً)؛ و«الأخلاط» (أشدّها تشويشاً)؛ و«الأهوية والمياه والأماكن»؛ و«الغذاء» (De alimento، هيراقليطي الطابع)؛ و«استخدام السوائل»؛ و«التدبير» (Regimen/De victu) الملحق به «الأحلام» (De insomniis) أول دراسة علمية لتفسير الأحلام جدّ فرويد Freud الأعلى»)؛ و«النسمات» (De flatibus، يردّ الأمراض للهواء).

الحِكَم: «المقدمات التمهيدية الأول»؛ و«الحِكَم» (Aphorismi) أشهر الكتب كلها (412 حكمة، مطلعه «الحياة قصيرة والفنّ طويل»، شرحه ابن ميمون Maimonides‏)‏؛ و«التكهنات الكوسية» (Coan prenotions)؛ و«التسنين» (De dentitione) أقدم بحث في طب الأطفال.

واجبات المهنة: «القَسَم» (Oath) وثيقته الأساسية (ميثاق syngraphe يقيّد المتدرّبين)؛ و«القانون» (Lex)؛ و«الطبيب» (De medico)؛ و«اللياقة» (Decorum، «الطبيب المحبّ للحكمة شبيه بالآلهة»)؛ و«الوصايا» (Precepts)؛ ثم الرسائل المنحولة (30).

انتقل هذا التراث لغوياً من اليونانية إلى السريانية فالعربية فاللاتينية فالعبرية، ودينياً من الوثنية فالإسلام فالمسيحية فاليهودية. شرحه جالينوس ‏(نحو 17 مصنّفاً)‏، ثم ترجمه إلى السريانية والعربية سرجيوس الراسعيني (Sergios of Resaina) وحنين بن إسحاق، وشرحه ابن رضوان المصري وابن أبي صادق الفارسي وابن ميمون وابن النفيس، وتُرجم إلى العبرية (ابن طيبون، ناتان ها-معاتي Nathan ha-Me'ati، شمطوب الطرطوشي) واللاتينية (بورجونديو البيزي Burgundio، ومدرستا مونبلييه وبولونيا، وأوجوبنزي Ugo Benzi‏)‏، حتى أول طبعتيه الحقيقيتين: اللاتينية لفابيوس كالفوس (Fabius Calvus، روما 1525‏) واليونانية الألدينية ‏(البندقية 1526‏)‏.

كوس من الناحية الأثرية

تحكّمت شخصية أبقراط في تطوّر الطب اليوناني واتصلت بجزيرة كوس (Kos)، وإن مارس أطباؤها عملهم في نواحٍ بعيدة (تساليا ومقدونيا وتراقيا). كانت كوس غنية بالعنب والحرير والزجاج البركاني، ملتقى طرق أيوني الثقافة رغم الغزو الدوري (Dorians) القادم من كريت الذي أدخل عبادات أسكليبيوس. صارت جزءاً من ولاية فارسية في عهد داريوس، ثم دخلت حلف أثينا بعد ميكال (479)، وشاركت في الحملة الصقلية (اشترك فيها تسالوس)، ودمّرها زلزال. وافق أوج مدرسة أبقراط نصف القرن بين ميكال والحرب البيلوبونيزية. وهيكل أسكليبيوس (Asclepieion) خارج المدينة على ثلاث شرفات جبلية ‏(اكتشفه المعهد الأثري الألماني 1898‏)‏، كثُرت فيه النذور الطبية (votive offerings)، ونصوص الشفاء من نقوش أبيدوروس (قصص كليو Cleo ورجل تورون والإصبع المشفيّ). ورمزا أسكليبيوس العصا والأفعى الملتفّة (لا الكادوسيوس Caduceus شعار هرمس Hermes‏)‏. تهدّم الهيكل بزلزال سنة 554. ويشير أبناء كوس إلى شجرة عتيقة في السوق يُدّعى أن أبقراط علّم تحتها، وإلى جزيرة صغيرة كتب في خلواتها؛ فطلاب الطب أوفر حظاً من طلاب الشعر إذ يتصوّرون معلّمهم بخلاف استحالة تصوّر ظروف هوميروس.

الفصل الثالث: العصر الذهبي — القرن الرابع قبل الميلاد

في مطلع القرن الرابع قبل الميلاد بلغ العلم اليوناني عصره الذهبي وسط محيط سياسي مضطرب. فقد انتهت الحروب البيلوبونيزية بتسليم أثينا وانتصار إسبرطة ‏(٤٠٤ ق.م)‏، لكنّ سيادة إسبرطة لم تدُم إلا نيّفًا وثلاثين عامًا ‏(٤٠٤–٣٧١)‏؛ قاد المعارضة الطيبيّون بزعامة إيبامينونداس (Epaminondas) الذي أنشأ حلف أركاديا ‏(٣٧٠)‏ ومات ظافرًا في معركة مانتينيا ‏(٣٦٢)‏. خُرّبت مزارع أتيكا (Attica) وظهرت طبقة من كبار الملّاك وأصحاب المصارف، ومن أشهرهم العبد المُعتَق باسيون (Pasion) الذي صار أوفر أهل عصره ثراءً ونال المواطَنة الأثينية، ومات ٣٧٠ فأشرف على أعماله عتيقُه فورميون (Phormion). ازدهرت في هذا الجو الأسرارُ الخفية، لا سيما أسرار إليوسيس (Eleusis) والأورفية (Orphism)، ولم تتحقق الوحدة القومية التي دعا إليها إيزوكراتيس الأثيني (Isocrates، ٤٣٦٣٣٨). وفي فنّ النحت مثّل سكوباس (Scopas، نشط ٣٩٤–٣٥١) الفردية والانفعال، وبراكستيليس (Praxiteles، وُلد نحو ٣٩٠) الجمالَ الكامل في تمثاله «أفروديت كنيدوس».

أفلاطون والأكاديمية

حياته

وُلد أفلاطون (Plato) في أثينا ٤٢٨ ق.م من أسرتين أرستقراطيتين؛ أبوه أريستون (Ariston) وأمه بريكتيوني (Perictione). التقى سقراط نحو العشرين وظلّ من تلاميذه ثماني سنوات، وبعد مقتل أستاذه ‏(٣٩٩)‏ لجأ إلى ميجارا (Megara) حيث كان إقليدس الميجاري (Euclid of Megara) قد أنشأ مدرسته. تنقّل بين ٣٩٨ و٣٨٦ في اليونان ومصر وإيطاليا وصقلية، وفي ٣٨٧ رحّب به في سيراكوز الطاغيةُ ديونيسيوس الأكبر (Dionysios، نحو ٤٣٠–٣٦٧)، وعقد صداقة مع ديون (Dion) ومع أرخيتاس (Archytas) من تارنت. عاد نحو الأربعين فأسّس الأكاديمية، وزار سيراكوز مرتين بين ٣٦٧ و٣٦١، وتوفي بأثينا ٣٤٧ عن الحادية والثمانين.

الأكاديمية

اختار أفلاطون التدريس في مكان معيّن — خلافًا لسقراط — فأقام مدرسته على نهر كيفيسوس (Cephissos) قرب باب أثينا الغربي «ديبيلون»، في أرض كانت ملك البطل الأسطوري أكاديموس (Academos)، ومنه اسم «الأكاديمية» الذي دخل جميع اللغات الأوروبية. جدّة الأكاديمية في نوع تعليمها: لم تُعْنَ بالقراءة والحساب بل بأصول المعرفة والتربية والأخلاق والسياسة لتُخرِّج فلاسفة ورجال سياسة، فكانت أول معهد للتعليم العالي، مستقلًّا عن الحكومة، لا يمنح درجات ولا يمتحن. عاشت «الأكاديمية القديمة» نحو قرن، وتعاقب على رئاستها بعد أفلاطون ابنُ أخته سبيسيبوس (Speusippos)، ثم كسينوكراتيس (Xenocrates، ٣٣٩٣١٥)، ثم بوليمون (Polemon)، ثم كراتيس (Crates، نحو ٢٧٠)؛ ومن مدرّسيها فيليب الأوبوسي (Philip of Opus) ويودكسوس الكنيدي (Eudoxos) وكرانتور (Crantor) من سولي — أول من شرح مؤلفات أفلاطون. ثم جاءت «الأكاديمية الوسطى» الشكّية بزعامة أركيسلاوس البيطاني (Arcesilaos، نحو ٣١٥–٢٤١)، فكارنيادس التوريني (Carneades، ٢١٣١٢٩) مؤسس «الأكاديمية الثالثة» الذي أُرسل سفيرًا إلى روما فطرده مجلس الشيوخ بتحريض كاتو (Cato)، فالرابعة على يد فيلون (Philon of Larissa)، فالخامسة الجديدة على يد أنتيوخوس العسقلاني (Antiochos of Ascalon، مات ٦٨ ق.م) الذي حاول التوفيق بين أفلاطون وأرسطو والرواقية. وصلت تعاليمها إلى روما عبر شيشرون (Cicero) وفارّو (Varro). قطع سُلّا (Sulla) أشجارها عند حصار أثينا ‏(٨٦ ق.م)‏، وعادت شهرتها في القرن الخامس الميلادي مركزًا للأفلاطونية الحديثة، لا سيما مع بروكلوس (Proclos، مات ٤٨٥) ثم دمشقيوس الدمشقي (Damascios، رئيسها نحو ٥١٠–٥٢٩). أغلق جستنيان (Justinian) أبوابها ٥٢٩ م بوصفها مدرسة وثنية، فلجأ بعض معلميها إلى بلاط كسرى أنوشروان ‏(٥٣١–٥٧٩)‏ ونزلوا بجنديسابور (Jundishapur)، ومنهم سيمبليكيوس القيليقي (Simplicios)، فحملوا بذور العلم اليوناني الذي نما بعد قرون في رعاية المسلمين؛ فأغلق جستنيان بابًا وفتح كسرى بابًا، وواصل العلم مسيره من أثينا إلى بغداد.

تأثيرات شرقية ونظرية المُثُل

تأثّر أفلاطون بالشرق تأثّرًا سطحيًّا غير متصل: زار مصر (تظهر في محاورة «تيماوس» مقولة الكاهن المصري لسولون في سايس: «يا معشر اليونان لا تزالون أطفالًا»)، وأشار إلى قوانين الآشوريين، وترجع أسطورة «إر» (Er) في «الجمهورية» إلى أصل كلداني إيراني، ولم يرد اسم زرادشت (Zoroaster) عنده إلا مرة واحدة. أما جوهر فلسفته فنظرية المُثُل (Ideas / Forms): الموجودات المحسوسة مظاهرُ زائلة، والمعرفة الحقيقية تقتضي وجود المُثُل — صور خالدة مفارقة للمادة لا تقبل الفساد؛ فالفرس المثالي كامل أزلي لا يُدرَك بالحس، ونموذج لكل الأفراس. وأعلى المُثُل مثالُ الخير الذي يشبه الله. عرض هذه النظرية في «فيدون» (Phaidon، خلود النفس) و«المأدبة» (Symposium، على لسان ديوتيما Diotima من مانتينيا في وصف الجمال الأسمى). ونسب أرسطو في «ما بعد الطبيعة» إلى أفلاطون فكرتين لا توجدان في محاوراته: توسّط المُثُل بين الصور والأشياء، وأن المُثُل أعداد. صارت النظرية مصدر «الواقعية المنطقية» في العصر الوسيط (بوئتيوس Boethius، القديس أنسِلم St. Anselm‏)‏ في مقابل الاسمية (nominalism) عند روسيلين (Roscelin) ووليام أوكام (William Occam). ونقدها سارتون بأنها تسير من الكلّي إلى الجزئي — طريقة عقيمة غير عملية — بخلاف الطريقة الاسمية (via moderna) التي مهّدت للعلم الحديث.

كتب أفلاطون

تضمّ مجموعتُه «دفاع سقراط» (Apology) ونحو ٢٥–٢٨ محاورة و١٣ رسالة (لعلّ السابعة وحدها صحيحة). رُتّبت زمنيًّا في أربع مجموعات: المحاورات السقراطية (يوثيفرون، خرميدس، لاخيس، ليسيس، كريتون، الدفاع)؛ ثم المحاورات الناقدة للسفسطة (بروتاجوراس، جورجياس، فيدروس، مينون، السيمبوزيوم، الجمهورية، فيدون، كراتيلوس)؛ ثم المجموعة الثالثة (بارمنيدس، فيليبوس، تأيتيتوس، السوفسطائي، السياسي)؛ ثم مؤلفات الشيخوخة (تيماوس، والقوانين — آخر مؤلفاته وأطولها). ومن أشهر طبعاته: الترجمة اللاتينية لمارسيليو فيتشينو (Marsilio Ficino، فلورنسا ١٤٨٣–٨٤)، وأول مخطوط يوناني مطبوع في مطبعة ألداين (Aldine، البندقية ١٥١٣)، وطبعة هنري إستيان/ستيفانوس (Henri Estienne / Stephanus، باريس ١٥٧٨) التي صار ترقيمها مرجعيًّا، ثم طبعة جون بيرنت (Burnet، أكسفورد ١٨٩٩–١٩٠٦)، وترجمة بنيامين جوويت (Benjamin Jowett) الإنجليزية ‏(١٨٧١)‏. وُضعت مؤلفاته كلها — عدا «الدفاع» — في صورة حوار، وسقراط شخصيتها الرئيسة (عدا «القوانين»)، يمثّل في المتأخرة «سقراط الأفلاطوني» المثالي. وأسلوب أفلاطون كمالُ النثر الأثيني في العصر الذهبي.

فلسفة أفلاطون السياسية

كان تعليمه موقوفًا في الأكاديمية على المسائل السياسية والأخلاقية، وعالج السياسة خاصةً في ثلاثة مؤلفات: «الجمهورية» (كتبها في منتصف عمره وفيها مثله الأعلى)، و«السياسي» (Statesman)، و«القوانين» (Laws، أوسع كتبه، كيّف فيه أحلامه لتلائم الضعف الإنساني، فسُمّي أفلاطون «مؤسس فقه القانون»). شكّلت عقلَه الحربُ البيلوبونيزية واضمحلالُ الديمقراطية وحكمُ الطغاة الثلاثين ‏(٤٠٤–٤٠٣)‏ وإعدامُ سقراط ‏(٣٩٩)‏، فأُعجب بإسبرطة وكريت وابتدع مدينة فاضلة (utopia) ملاذًا من الفوضى. سكان الجمهورية ثلاث طبقات — الحكّام، والجنود/الحُرّاس، وباقي الشعب (ثمانون بالمائة على الأقل) — تقابل النفوس الثلاث الناطقة والغضبية والشهوانية. وتُفرَض على الطبقتين العليين الشيوعيةُ في الملكية والنساء والأطفال؛ وأفلاطون أقدم باحث في تحسين النسل (Eugenics). محور «الجمهورية» التربيةُ السياسية بهدفَيها المزدوجَين: الرياضة البدنية والموسيقى (بمعناها الواسع = الإنسانيات)، على أن تخضع الآداب للرقابة حتى يُستبعَد هومر (Homer) نفسه. صنّف الحكم في المدن الموجودة إلى ست صور (المونارخية المستبدة، المونارخية الدستورية، الأوليجاركية، الديمقراطية، الفوضوية، الطغيان) في دورة متعاقبة، فكان أول عالم اجتماع وأقدم باحث في تاريخ الدستور. وعقيدته الأساسية سيادةُ الدولة المطلقة، والفردُ نسخة ناقصة منها. عالج المشاكل السياسية معالجة هندسية لا حسابية (فهو أقدم سلف للمناطقة الرمزيين)، ولم يترك في الجمهورية مجالًا للحرية (الحرية إنكار للفضيلة)، بل أباح «الأكاذيب النبيلة» (noble lies) و«حشو الدماغ» (الدعاية). عرض له سارتون — مستندًا إلى كارل بوبر (Karl Popper) في «المجتمع المفتوح وأعداؤه» — بنقد لاذع: طرح أفلاطون سؤال السياسة الخاطئ «من يحكم الدولة؟» بدل «كيف نمنع الحكّام الأشرار من إحداث الأخطار؟». وأقام في دولته ديانةً يُكرَه المواطنون على اعتناقها؛ وافتقر إلى النزعة الإنسانية فمقتَ الفردية، وعرّف العدالة (عنوان «الجمهورية» الثاني) بأنها مصلحة الدولة. ورأى بوبر أن أفلاطون خان أستاذه سقراط ومبادئه الديمقراطية، وأن أنتستنيس (Antisthenes) — لا أفلاطون — خليفةُ سقراط الجليل الأمين.

محاورة «تيماوس»

«تيماوس» (Timaeus) أعظم آثار أفلاطون العلمية، لا يعالج العلم بمعناه الضيّق بل باعتباره بحثًا في الكون؛ وطريقته فيه التأمّل لا التجريب، فهو فيلسوف ميتافيزيقي لا رجل علم. المتكلّم فيها تيماوس اللوكريتي (Timaeus of Locri)، وأجزاؤها ثلاثة: مقدمة تتضمّن أسطورة أطلنطس (Atlantis)، وعلم الوجود (صنع النفس الكلية ونظرية العناصر والهيولى)، وعلم وظائف الأعضاء. صانع العالم «الديميورجوس» (Demiurgos) ليس خالقًا بل مُنظِّمًا يشبه العقل عند أنكساجوراس (Anaxagoras)؛ والعالم كائن حيّ فريد، تقابل نفسُه نفسَ الإنسان (العالم الأكبر Macrocosm والعالم الأصغر Microcosm، فكرة سبق إليها ديموقريطوس Democritus). الكواكب والنجوم أعظم مجلى للمُثُل ويمكن عدّها آلهة، وتعود نفوس الموتى إلى نجومها؛ ومنها أخذ الناس المذهبَ التنجيمي (Astrology) البابلي، وإن بقي تنجيم أفلاطون روحانيًّا. تتكرر أنغام الكون بعد فترة هي «السنة الكبرى» (Great Year، ٣٦٠٠٠ عام). والكون مركّب من أربعة عناصر (الأرض والماء والهواء والنار) تُعزى إلى الأجسام الصلبة المنتظمة (المجسّمات الأفلاطونية). وفي سيراكوز قابل أفلاطون فيليستيون اللوكري (Philistion of Locri)، عالمَ التشريح الممتاز الذي اعتبر القلب منظّم الحياة، واكتشف أن بُطينَي القلب يموتان قبل أذينيه (نعلم اليوم أن الأذينة اليمنى آخر ما يموت، ultimum moriens‏)‏، وأن صمام الشريان الرئوي أضعف من صمام الأورطى (لأن ضغط الدورة الرئوية ثلث الجهازية). وقسّم أفلاطون الأمراض ثلاث مجموعات، أرجع الثالثة إلى الأخلاط (النفس والبلغم والصفراء، شبيهةً بـ«تريدوشا» في الأيورفيدا). وقد اعتُبرت «تيماوس» ألوف السنين أوجَ الحكمة الأفلاطونية وأُخذت أخطاؤها «تحت ستار العلم»؛ نقلها خالكيديوس (Chalcidius، ق٤) إلى اللاتينية فظلّت النصَّ الأفلاطوني الوحيد للغرب اللاتيني ثمانية قرون، وشرحها كرانتور وبوسيدونيوس وجالينوس (Galen)؛ ونقلها إلى العربية يحيى بن البطريق ثم حنين بن إسحاق وحبيش بن الحسن، وخلط المسعودي في «التنبيه» بين جزئها الطبي والمحاورة نفسها. وبلغ الغلوّ في تأويلها أن زعم المنطقي البولندي لوتسلافسكي (Lutosławski) أن أفلاطون سبق ليونهوك (Leeuwenhoek) ولافوازييه (Lavoisier).

الحبّ الأفلاطوني وخاتمة

رأى أفلاطون أن الرغبة الجنسية أدنى صور الميل إلى الخلود، وفكّر في الزواج على نحو مربّي الماشية؛ و«الحبّ الأفلاطوني» في «السيمبوزيوم» معناه الرغبة في الاتحاد بالجمال والصداقة الروحية المجرّدة عن الجسد. ورأى سارتون أن أفلاطون لم يتزوج قط وكان «ممن يبغضون المرأة». وخلاصة الفصل أنه كان شاعرًا وفيلسوفًا وفنانًا بارعًا في النثر اليوناني، لكنه «لم يكن عالمًا»؛ وتاريخ الأفلاطونية سلسلة من الغموض وسوء الفهم. وأوائل من انتقدوه بشجاعة تشارلز كروفورد (Charles Crawford، ١٧٧٣) وجورج جروت (G. Grote، ١٧٩٤١٨٧١)، ثم وارنر فايت (Warner Fite، ١٩٣٤) وفارنجتون (Farrington، ١٩٤٠) وبوبر ‏(١٩٤٥)‏. وختامه المأثور: «إني أحبّ أفلاطون، ولكن الحقّ أحبّ إليّ منه».

الرياضة والفلك في عصر أفلاطون

كان الفيلسوف الميتافيزيقي يرى المعرفة تهبط من السماء، ورجلُ العلم يبدأ بالمألوف صاعدًا؛ وأفلاطون من الأولين، صبغ فلسفته بالرياضيات الفيثاغورية المستمدة من تيودوروس القيرواني (Theodorus of Cyrene) وأرخيتاس. جعل الرياضة أعلى الفنون ووسيلةً لسموّ النفس، وعلى باب الأكاديمية: «من لم يكن رياضيًّا فلا يدخلنّ هاهنا»، و«الله دأبه أن يهندس». نظرية المُثُل واضحة في الرياضيات (الدائرة المثالية التي لا تبلغها أي دائرة مرسومة)، لكن إضافاته كانت فلسفية لا كشفًا لنظريات جديدة. ولعلّه أوّل من أدرك الحاجة إلى إكمال «التحليل الهندسي» (الذي يرجّح أن مخترعه أبقراط الخيوسي Hippocrates of Chios‏)‏ بـ«التركيب». وتنبّه إلى صلة الرياضيات بالموسيقى والفلك (فكرة التوافق في السموات)، فتصوّر رباعيةً رياضية (الحساب والهندسة وقياس الحجوم والفلك) هي أصل «الرباعية» (Quadrivium) في القرون الوسطى، وإن كانت أقدم منه وترجع إلى الفيثاغوريين. أما «عدد أفلاطون» (Nuptial Number) في «الجمهورية» فأثار تعليقات لا حصر لها؛ استُخرج منه ٢١٦ ‏(= ٣³+٤³+٥³)‏ و١٢٬٩٦٠٬٠٠٠ ‏(= ٦٠⁴)‏، وأصلهما بابلي ستّيني (ذكر بيروسوس Berossus أن ٣٦٠٠٠ سنة مدة الدور البابلي). فأفلاطون رياضيّ هاوٍ بارع لم يكشف جديدًا لكنه «لم يخلق رياضيًّا، بل خلق رياضيين».

الرياضيّون

تياتيتوس (Theaetetus، ٤١٥٣٦٩)، تلميذ سقراط وتيودوروس، جُرح قرب كورنثة ومات بالدوسنطاريا. أرسى أساس نظرية الكميات الصمّ (Irrationals) وأنواعها (المتوسط Medial وذو الحدّين والـApotome‏)‏ في الكتاب العاشر من «الأصول»، وأدرك أن المجسّمات المنتظمة خمسة فقط (أساس الكتاب الثالث عشر)، ونقل ذلك إلى صديقه أفلاطون الذي ربط المجسّماتِ الخمسة بالعناصر (المكعب للأرض، الهرم للنار، ثماني الأوجه للهواء، عشريني الأوجه للماء، واثنا عشري الأوجه Dodecahedron عدلٌ للكون). وقد عُرفت المجسّمات قبله (هيباسوس الميتابونتي Hippasus‏)‏. وبرهن إقليدس على قصرها على خمسة ‏(أوجهها ٤ و٦ و٨ و١٢ و٢٠)‏، وكشف لويس بوانسو (Louis Poinsot، ١٨١٠) أربعة كثيرات سطوح نجمية، وبرهن أوجستين كوشى (Augustin Cauchy، ١٨١٣) أنها كلها تسعة، وبسّطه جوزيف برتراند (Joseph Bertrand).

ليوداماس الثاسوسي ونيوكليدس وتلميذه ليون (Leodamas, Neoclides, Leon)، مهّدوا للهندسة؛ ووضع ليون كتاب «الأصول».

أرخيتاس التارنتي (Archytas of Tarentum)، الفيثاغوري العظيم في الرياضة والفلسفة والسياسة والقيادة، أنقذ حياة أفلاطون. نُسب إليه تبويب الموضوعات الرياضية، وحلّ معضلة تضعيف المكعب (Delian Problem) بتقاطع ثلاثة أسطح دورانية — أول استعمال لمنحنٍ ثنائي الانحناء (Space Curve)؛ واخترع نموذج طائر آلي («الحمامة الخشبية») والخشخيشة. وهو أصل انحدر منه أرشميدس السيراكوزي (Archimedes).

يودكسوس الكنيدي (Eudoxus، نحو ٤٠٨–٣٥٥)، أعظم رياضيّي عصره وفلكيّيه حتى صحّ أن يُسمّى العصر «عصر يودكسوس». أخذ الهندسة عن أرخيتاس والطبّ عن فيليستيون، وتلمذ لأفلاطون، وزار مصر ‏(١٦ شهرًا)‏ فوضع «Octaeteris»، ثم أسّس مدرسة في سيزيكوس (Cyzicus). تقوم شهرته الرياضية على ثلاثة أسس: نظريته العامة في التناسب (بعد اكتشاف الكميات الصمّ، في الكتابين الخامس والسادس من إقليدس)، والقسمة الذهبية (Golden Section، سمّاها لوقا باتشيولي Luca Pacioli سنة ١٥٠٩ «القسمة المقدسة»)، وطريقة الاستنفاد (Method of Exhaustion) التي جعلته من أقدم روّاد حساب التكامل (برهن بها على أن نسبة الدائرتين كنسبة مربعَي قطريهما، وعلى حجوم الأهرام والمخروطات التي كشفها ديموقريطوس).

الفلك

مهّد للفلك البابليون: كشف الفلكي كيدينو (Kidinnu، نحو ٣٧٩ ق.م) تبكيرَ الاعتدالين (Precession)، ثم اكتشفه هيبارخوس (Hipparchus، ق٢ ق.م) بمقارنة أرصاده بأرصاد أريستيلوس وتيموخاريس، فقدّره نحو درجة في القرن ‏(والصحيح ٥٠٫٢٦ ثانية سنويًّا)‏. وأخذ به نابوريانوس (Naburimannu) وكيدينو. لكن أكثر من جاء بعد بطليموس (Ptolemy) تناسى التبكير، وطرح ثيون السكندري (Theon) نظرية الاهتزاز/الترجّح (Trepidation) الخاطئة التي قبِلها أريابهاتا (Aryabhata) وثابت بن قرة والزرقالي والبتروجي، بينما ردّها الفرغاني والبتّاني والصوفي وابن يونس؛ وقبِلها فيرنر (Werner، ١٥٢٢) وكوبرنيكوس ‏(١٥٤٣)‏، ولم يتّضح الأمر إلا في «Principia» لنيوتن ‏(١٦٨٧)‏. ومن الرواد الأوائل فيلولاوس (Philolaus) وهيكيتاس (Hicetas) وإكفانتوس (Ecphantus) القائلون بأن الأرض كوكب يدور حول محوره ولا يلزم أن يكون في المركز. أما مُنشئ الفلك العلمي فيودكسوس: بنى مرصدًا بين هليوبوليس وكركيسورا وآخر في كنيدوس (رصد منه سهيل Canopus‏)‏، وابتكر نظرية الكرات المتحدة المركز (Homocentric Spheres) لـ«الإبقاء على الظواهر» (Saving the Phenomena)، مفسّرًا حركة الكواكب التراجعية (سمّاها «قيد الفرس» Hippopede‏)‏ بتركيب حركات دائرية؛ احتاج إلى ٢٧ كرة على الأقل. وله كتابا «المرآة» (Enoptron) و«الظواهر» (Phainomena) الذي صار مصدر قصيدة أراتوس السولي (Aratus of Soli). وهو مؤسس الفلك العلمي وأحد عظماء الفلكيين. أما آراء أفلاطون الفلكية في «تيماوس» و«الجمهورية» فغير علمية فيثاغورية عتيقة؛ رتّب أبعاد الكواكب من متواليتين، ونبذ فكرة موسيقى الأفلاك (Harmony of the Spheres)؛ وقال أرسطو إنه اعتقد بدوران الأرض حول محورها، وقال ثيوفراستوس (Theophrastus) إنه ندم في شيخوخته على اعتباره الأرض مركزًا للعالم. وأما محاورة «الإبنومس» (Epinomis، ذيل القوانين) فكتبها أو نشرها فيليب الأوبوسي (صاحب أبعاد الكواكب والجداول الفلكية parapegma‏)‏، وهي — كما قال فرانز كومونت (Franz Cumont) — أول إنجيل باليونانية للديانة النجمية (Astral Religion) البابلية، تدعو إلى عبادة الأجرام السماوية دينًا للدولة وتجعل الحكمة تأمّلَ الأعداد السماوية. وأثر ذلك باقٍ في أسماء أيام الأسبوع ذات الأصل النجمي.

كسينوفون

كسينوفون بن جريلوس (Xenophon، نحو ٤٣٠ ق.م – منتصف القرن الرابع)، من أبرز تلاميذ سقراط، بلغ النثر الأتّيكي على يده ذروته. انضمّ ٤٠١ إلى مرتزقة الإغريق في حملة قورش الأصغر (Cyrus the Younger) على أخيه الملك أرتخشرشا (Artaxerxes)؛ فلما قُتل قورش في كوناكسا (Cunaxa) انتُخب كسينوفون قائدًا وقاد «العشرة آلاف» إلى طرابزون (Trebizond). نُفي من أثينا لانضمامه إلى إسبرطة، وصادق ملكها أجيسيلاس (Agesilaos، ٣٩٩٣٦٠)، ونزل ضيعةً في سكيلوس (Scillus) قرب أوليمبيا نحو عشرين سنة كتب فيها معظم كتبه. مؤلفاته غزيرة: في الصيد (Cynegeticos)، وفي ركوب الخيل، وفي الفروسية (Hipparchicos)؛ و«زحف الجيوش» (Anabasis) أعظمها — أول تاريخ حربي من نوعه وصفٌ لمرتفعات أرمينيا وأهل كاليبس (Chalybes)؛ و«تربية قورش» (Cyropaedia) سيرة قصصية لقورش الأكبر، أول قصة تاريخية وأصل كتب تثقيف الأمراء (Regimina principum)؛ ثم المجموعة السقراطية: «المذكرات» (Memorabilia)، و«الدفاع» (Apologia)، و«المأدبة» (Symposion)، و«تدبير المنزل» (Oeconomicos)؛ و«هلينيكا» (Hellenica) التي تابع فيها ثوسيديدس (Thucydides) حتى مانتينيا ‏(٣٦٢)‏؛ و«أجيسلاوس»، و«سياسة اللقدمونيين»، و«هيرون» (Hieron)، و«في الموارد» (Peri poron). ومع أفلاطون تشابهت عناوينهما، لكن كسينوفون سيدُ ريفٍ محافظ جنديّ وفلّاح، وأفلاطون مفكّر متكبر معلّم؛ «أفلاطون أعزب مصرّ، وكسينوفون زوج وأب»، وبقي وفيًّا لسقراط. جعل التربية عناصرَ ثلاثة: المواهب الطبيعية (physis) والتعلّم (mathesis) والرياضة (ascesis)، وواجب المعلم تقويةُ خُلق الطالب لا زيادة معلوماته. ومن أعجب أقسام «المذكرات» حواره مع أرستيبوس (Aristippus) في إخضاع الجمال للوظيفة، وتطبيقه على توجيه البيوت شمسيًّا. وأثبت (عرَضًا في تهكّمه) وجود منصب «طبيب المدينة» في أثينا آنذاك. لُقّب نثرُه «بنحلة أتّيكا»، ووصفه كوينتليان (Quintilian) بـ«البهجة الخالصة»؛ ودرس الإسكندر (Alexander) الشابّ كتبه عن آسيا، وتُرجمت على أيدي الهلنستيين الأوائل (بوجيو Poggio، ليونارد بروني Leonardo Bruni، فرنشسكو فيليلفو Filelfo)؛ «وحقّق هذا المعلم خيرًا أكثر وشرًا أقل مما فعل أفلاطون».

أرسطو والإسكندر واللوقيون

مقدونيا والإسكندر

اختلف عصر أرسطو عن عصر أفلاطون: صار المسرح مقدونيًّا. أنشأ فيليب الثاني المقدوني (Philip II، ٣٥٩٣٣٦) جيشًا محترفًا نظامُه «الفيلق المقدوني» (phalanx)، وانقسم رأي الإغريق حيال أطماعه بين حزب المتعاونين بزعامة إيزوكراتيس، والحزب المناوئ بزعامة ديموستين (Demosthenes، ٣٨٥٣٢٢) صاحب «الخطب الفيليبية». حسم فيليب الأمر في خيرونيا (Chaeronea، ٣٣٨ ق.م) — خاتمة استقلال اليونان — فمات إيزوكراتيس بعدها بأيام وانتحر ديموستين ٣٢٢. اغتيل فيليب ٣٣٦ فخلفه ابنه الإسكندر الأكبر (Alexander the Great، ٣٥٦٣٢٣) من أوليمبياس (Olympias) أميرة إبيروس. تعلّم الإسكندر على أرسطو ثلاث سنوات، ثم فتح آسيا في حملات علمية منظّمة: انتصر على نهر جرانيكوس (Granicus، ٣٣٤)، وفي إسوس (Issus، ٣٣٣) على داريوس الثالث، ثم في أربيلا (Arbela، ٣٣١)، واستولى على بابل وسوس وباساجردا وبرسيبوليس وأكباتانا، وبلغ الهند والمحيط الهندي (حيث دهش اليونانيون للمدّ والجزر)، وعاد إلى بابل ٣٢٣ فمات بالحمى بعد عشر سنوات. أدرك الإسكندر — ما لم يدركه أفلاطون وأرسطو اللذان عدّا البرابرة عبيدًا بالطبيعة — إمكانَ الوئام والإخاء بين البشر (ابتهل في أوبيس Opis أن يعيش المقدونيون والفرس شركاء)، فسبق الكلبيين والرواقيين والمسيحيين إلى الفكرة. صحبه علماء كثيرون، وانتشرت الحضارة الهلنستية شرقًا (بوادر فن التصوير البوذي في جندهارا Gandhara‏)‏. وبعد موته تطاحن قوّاده، فقامت نحو ٢٧٥ ق.م ثلاث أُسر: أنتيجونوس (مقدونيا واليونان)، وسلوقس (آسيا الغربية)، وبطلميوس (مصر وسوريا الجنوبية)؛ ثم أُدمجت مقدونيا في روما ‏(سقطت ١٦٧، ولاية رومانية ١٤٦ ق.م)‏.

حياة أرسطو

وُلد أرسطو (Aristotle) سنة ٣٨٤ ق.م بمدينة أسطاغيرا (Stagira) في خالكيديكي (Chalcidice) الأيونية الثقافة؛ أمه فايستس (Phaestis)، وأبوه نيقوماخوس (Nicomachus) طبيبُ أمينتاس ملك مقدونيا، فنشأ بين ثلاث ثقافات أيونية ومقدونية وطبية. أوفده أبوه ٣٦٧ إلى أثينا فالتحق بالأكاديمية عشرين عامًا، ولقّبه أفلاطون «القارئ» و«العقل» (nous)؛ ثم تزايدت تحفّظاته حتى انسحب. بعد موت أفلاطون رأس الأكاديميةَ سبيسيبوس، فترك أرسطو وصديقُه كسينوكراتيس أثينا إلى هرمياس (Hermias) حاكم أتارنيوس (Atarneus)، وأنشأوا فرعًا للأكاديمية في أسوس (Assos، ٣٤٧٣٤٤)؛ لحق بهما كالستينيس (Callisthenes) وثيوفراستوس، وتزوّج أرسطو بيثياس (Pythias) ابنة أخ هرمياس. صُلب هرمياس في سوسا ٣٤٤، فخلّده أرسطو بنشيد للفضيلة. ثم علّم الإسكندر في بلا (Pella، ٣٤٣٣٤٠). تزوّج ثانيةً هربوليس (Herpyllis) فأنجبت ابنه نيقوماخوس (المُهدى إليه كتابُ الأخلاق). عاد إلى أثينا ٣٣٥، وبعد موت الإسكندر ٣٢٣ اتُّهم بالإلحاد، ففرّ إلى خالكيس حيث مات ٣٢٢ (سنة انتحار ديموستين نفسها). وتبيّن من وصيته أنه كان ربّ أسرة كريمًا حسن العشرة.

المؤلفات

تنقسم مؤلفاته ثلاثة أقسام: مؤلفات أفلاطونية أولى ضائعة، ومصنفات اللوقيون، وبحوث تعليمه. من القسم الأول — الذي بقي عليه شطرُ شهرته أجيالًا — محاورات على غرار أفلاطون: «يوديموس» (Eudemus، عن خلود الروح)، و«جريللوس» (Gryllus)، و«العدالة»، و«البروتربتكوس» (Protrepticus، الحضّ على الفلسفة) الذي ترجمه شيشرون بعنوان «هورتنسيوس» وأثّر في أوغسطين (Augustine)، و«في الفلسفة» (Peri Philosophias) الذي ألمّ فيه بفكرة الجوهر الخامس (الأثير) وألوهية الكواكب. أما القسم الثالث فوصل كاملًا بعد رحلة عجيبة: آلت أوراقه إلى ثيوفراستوس فأوصى بها لنيليوس (Neleus)، وبيع بعضها لبطلميوس الثاني فيلادلفوس (Ptolemy II) وأُخفي الباقي في مخبأ، ثم اشتراه أبليكون التيوسي (Apellicon of Teos)، ونهبه سُلّا إلى روما حيث فهرسه تيرانيون (Tyrannion)، ونشره أخيرًا أندرونيكوس الرودسي (Andronicus of Rhodes) نحو ٧٠ ق.م — النسخة الجوهرية لكل ما تلاها. مؤلفاته موسوعة ضخمة، رُتّبت بترقيم طبعة بكر (Bekker، ١٨٣١): الأورجانون (Organon)، والطبيعة والسماء والكون والفساد، والآثار العلوية والنفس، وتاريخ الحيوان وأعضائه وتكوينه، والمعضلات، والميتافيزيقا، والأخلاق النيقوماخية والأوديمية، والسياسة والاقتصاد، والخطابة والشعر. و«دستور الآثينيين» — الاستثناء من القسم الثاني — نتيجةُ مقارنته ١٥٨ دستورًا، اكتُشف على بردية ونشره كنيون (Kenyon). ومن المحتمل أن أرسطو لم يكتب بنفسه إلا قليلًا، فأكثرها من مذكرات محاضراته أو مذكرات مستمعيه. أما أسلوبه فعلميّ يُخضع اللفظ للمعنى، وقد اتُّهم زورًا بأنه لا أسلوب له؛ ولغته اصطلاحية استحدث فيها مصطلحات لا يزال كثير منها مستعملًا. ومن أشهر طبعاته: الطبعة اليونانية الأولى لألدوس مانوكيوس (Aldus Manutius، البندقية ١٤٩٥–١٤٩٨)، وطبعة بال لإرازموس (Erasmus) وجرينايوس (Grynaeus، ١٥٣١)، وطبعة سيلبورج (Sylburg)، وطبعة بكر البرلينية، وترجمة روس (W. D. Ross) الإنجليزية، وفهرس بونيتز (Bonitz) «Index Aristotelicus». وشرحه شرّاح كثيرون أعظمهم الإسكندر الأفروديسي (Alexander of Aphrodisias، ق٣) ويوحنا فيلوبونوس (John Philoponus، ق٦)، وانتقل تراثه عبر الكندي والفارابي وابن رشد (Averroës) إلى القديس توما الأكويني (Thomas Aquinas)؛ «وبدأ تاريخ العلم الحديث بالثورة على أرسطو».

فلسفة أرسطو

تركّزت ثقافة أرسطو في النواحي الطبية (أبوه من رابطة أسكليبيوس Asclepiads‏)‏، فاستوعب النظرية التجريبية؛ وأساس فلسفته النظرية الغائية (Teleology): «الصورة» هدفٌ كامن في الشيء يجذبه إلى الكمال؛ فخلافًا لأفلاطون الذي قرن التغيّر بالفساد، رأى أرسطو التغيّرَ حركةً إلى الكمال، وسلّم بالتطور بفعل قوى الشيء الداخلية بعللٍ غائية. وكان جامعًا موسوعيًّا صنّف العلوم إلى نظرية (رياضيات وطبيعيات وميتافيزيقا) وإنتاجية وعملية (أخلاق وسياسة)، معتمدًا الوصفَ الكامل والاستقراء. ومنطقُه، الأورجانون، من أعظم مؤلفاته وأبقاها فضلًا: ابتكر علم المنطق في ستة مباحث (المقولات، العبارة، التحليلات الأولى والثانية، الجدل، تفنيد السفسطة)، عارضًا المقولات العشر والقياس (Syllogism) والبرهان والاستقراء والمغالطات؛ فصار «أستاذ العلوم جميعًا» في نظر العصور الوسطى.

الرياضة والفلك والطبيعة عند أرسطو

كان أرسطو دربًا بالرياضيات وإن لم يكن محترفًا كيودكسوس أو مينايخموس (Menaichmos) أو ثيوديوس (Theudios)؛ وهو أحد أعظم الرياضيين بين الفلاسفة (لم يفقه إلا ديكارت ولايبنتز). ميّز البديهيات المشتركة (قانون اطّراح الوسط وقانون التناقض) من المسلّمات الخاصة، وأعظمُ خدمته بحثُه في الاتصال واللانهاية (اللانهاية توجد بالقوة لا بالفعل) — أساسُ علم التكامل الذي كشفه فرما (Fermat) وواليس (Wallis) ولايبنتز وبارو (Barrow) ونيوتن. ومن رياضيّي الأكاديمية سبيسيبوس (الأعداد الفيثاغورية) وكسينوكراتيس (التحليل التوافيقي) ومينايخموس (كاشف القطوع المخروطية Conic sections في حلّه تضعيفَ المكعب؛ ومقولته للإسكندر: «لا يوجد في الهندسة إلا طريق واحد يسلكه الناس جميعًا») وأخوه دينوستراتوس (Deinostratos، المنحنى التربيعي quadratrix الذي اخترعه هبياس الأيلي Hippias) وثيوديوس (رتّب «الأصول» قبل إقليدس) ويوديموس الرودسي (Eudemus of Rhodes، أول مؤرّخ للعلوم) وأريستايوس الكبير (Aristaios، القطوع المخروطية والمجسّمات). وفي الفلك برز هيراكليدس البونتي (Herakleides، نحو ٣٨٨–٣١٠) الذي رأى أن الأرض تدور حول محورها، وأن الزهرة وعطارد يدوران حول الشمس — مجموعة أرضية-شمسية توفّق بين بطليموس وكوبرنيكوس، فعُدّ أول ممهّد للفلك الكوبرنيكي؛ وكالّيبوس الكيزيكي (Callippos، تلميذ يودكسوس) الذي أضاف سبع كرات فصارت ٣٣، وأصلح التقويم ‏(الدورة الميتونية والدورة ذات ٧٦ سنة)‏. وأرسطو آمن بنظرية الكرات المتحدة المركز، لكنه حوّلها إلى ميكانيكا مادية فأضاف كرات معوّضة حتى بلغت ٥٥. رأى العالمَ كرويًّا محدودًا واحدًا لا خلاء وراءه، مركزُه الأرض، وفيه محرّك لا يتحرّك؛ والأجرام تحت فلك القمر من العناصر الأربعة حركتُها مستقيمة، والعلوية من الأثير حركتها دائرية. وبرهن على كروية الأرض (استدارة ظلّها في الخسوف، وتغيّر منظر النجوم)، وقدّر محيطها ٤٠٠٬٠٠٠ غلوة (Stades)، وهو أقدم تقدير — بالغٌ فيه، لكن منه نجمت محاولة كولمبس ‏(١٤٩٢)‏. واستمدّ الفلكيون الأرصاد من مصر وبابل. وفي الطبيعيات ركّز أرسطو على الحركة (المكانية، والكون والفساد، والتغيّر، والزيادة والنقصان)، وردّ الذرّية والقول بالفراغ؛ وميكانيكاه ديناميكية (السرعة تتناسب طردًا مع القوة وعكسًا مع المقاومة)، وبطلانُ رأيه في الفراغ كان شرطًا لكشف جاليليو (Galileo) ونيوتن قوانينَ الحركة الصحيحة. وأخطأ إذ عدّ المذنّبات والمجرّة ظواهر جوية تحت فلك القمر (فنّدهما تيخو براهي Tycho Brahe سنة ١٥٨٨ وكبلر Kepler‏)‏. وعالج البصريات (مادية الضوء وقوس قزح) والكيمياء (الكتاب الرابع من «الأرصاد الجوية» لعله أول كتاب مدرسي في الكيمياء، مستبقًا فكرة التفاعل)؛ وظلّ مذهبه الطبيعي سائدًا حتى القرن السادس عشر حين جهر راموس (Ramus) ببطلانه، وجاء جاسندي (Gassendi) وديكارت (Descartes) فبنيا بناءً جديدًا. وخاتمة العصر الذهبي الفلكي أوتوليكوس البيتاني (Autolycos of Pitane، أستاذ أركيسلاوس)، صاحبُ أقدم كتب يونانية كاملة وصلتنا في هندسة الكرة («في الكرات المتحركة» و«في الطلوع والغروب»)، أُدمجا في «الفلك الأصغر» ونُقلا إلى العربية في «كتاب المتوسطات».

الموسيقى

أريستوكسينوس التارنتي (Aristoxenos، صاحب أرسطو)، أعظم أصحاب النظريات الموسيقية، بلغت مؤلفاته ٤٥٣ كتابًا، وبقي منها «أصول التوافق» (Harmonics). عالجت الموسيقى عنده رياضيًّا، فعيّن المسافات الموسيقية نظريًّا منطلقًا من المسافات الفيثاغورية، ونظر في الأثلاث والأرباع (نصف النغمة = «الباقي» Leimma‏)‏. وقد أخطأ أرسطو — كأرخيتاس — إذ ظنّ سرعة الصوت تزيد بدرجته (صحّحه لورد رايلي Lord Rayleigh سنة ١٨٧٣). وبفضل أريستوكسينوس وفيثاغورس صارت الموسيقى علمًا رياضيًّا في الرباعية.

العلوم الطبيعية والطب في عصر أرسطو

الجغرافيا

كان أرسطو جغرافيًّا مبالغًا في تقدير حجم الأرض، مستمِدًّا من سكيلاكس الكارياندي (Scylax of Caryanda)؛ وترجع فكرة الأقاليم الخمسة إلى بارمنيدس (Parmenides)، ونقّحها أرسطو، ثم صار إراتوستينيس البرقاوي (Eratosthenes) مؤسسَ الجغرافيا الرياضية. وأعظم الملاحين بيثاس المسيلي (Pytheas of Massilia)، معاصر أرسطو الشابّ، عيّن خطَّ عرض مرسيليا بالمزولة (gnomon)، وربط المدّ بالقمر، وبلغ بريطانيا (وصف جزيرة إكتيس Ictis ومناجم القصدير)، وأقصى الشمال «ثولي» (Thule)، ووصف الجليد اللين وصفًا أيّده فريدجوف نانسن (Fridtjof Nansen). ونيارخوس الكريتي (Nearchos of Crete) قاد أسطول الإسكندر من نهر هيداسبيس إلى سوس ‏(٣٢٧)‏، وبقي وصفه في «Indica» لأريان (Arrian). ودكايارخوس المسيني (Dikaiarchos)، تلميذ أرسطو، مؤرّخ وجغرافي، صاحب «حياة هيلاس» ورسالة في قياس ارتفاع الجبال (أدرك أنها ضئيلة إلى جانب حجم الأرض)، أثّر في إراتوستينيس وسترابون (Strabo).

علم الحيوان والأحياء

لم يُقدَّر أرسطو في الأحياء إلا في القرن التاسع عشر؛ عرف مجالات التشريح المقارن والفسيولوجيا وعلم الأجنّة وطبائع الحيوان والتوزيع الجغرافي. متونُه الكبرى: «تاريخ الحيوان» (Historia animalium)، و«أعضاء الحيوان» (De partibus animalium، أول رسالة في فسيولوجيا الحيوان، ميّزت الأنسجة الستة: الدم والدهن والنخاع والمخّ واللحم والعظم)، و«حركة الحيوان» و«مشيه»، و«توالد الحيوان» (De generatione animalium)، و«النفس» (De anima). وضع «سلّم الترقّي» (سلسلة الكائنات) من الجماد إلى النبات إلى الحيوان إلى الإنسان في تدرّج متصل، أعجب به علماء الإسلام، دون أن يعني التطور. اهتدى إلى نحو ٥٤٠ نوعًا، وقسّم الحيوان قسمين: الدمويات (الفقاريات) واللادمويات (اللافقاريات)، مؤسِّسًا التقسيم على التشريح؛ وفطن إلى الطبيعة الثديية للقيطسيّات (Cetacea) — نظرة نسيها الناس حتى بعثها بيير بيلون (Pierre Belon، ١٥٥١). ومن أخطائه الجسيمة أن القلب مقرّ العقل وأن وظيفة المخ تبريده. مليء «تاريخ الحيوان» بطبائع الحيوان (السمك الرعّاد Torpedo، وسمك القرموط الذي أيّد وصفَه لويس أجاسيز Agassiz فسمّاه Parasilurus Aristotelis، والنحل والعسل). أما علم الأجنّة فأعلى إنجازاته: أشاد به جورج هنري لويس (George Henry Lewes، ١٨٦٤) ورفع «De generatione animalium» فوق كتاب هارفي (Harvey، ١٦٥١)؛ أدخل المقارنة، وميّز الأحياء البيوض والبيوض الولود والولود، ورجّح التكوّن اللاحق (epigenesis) على الخلق السابق (preformation)، واستبق نظرية التلخيص (recapitulation) والتدرّج المحوري، ونسب للمشيمة والحبل السرّي وظائفهما. وأخطأ إذ ظنّ أن الذكر لا يمدّ الأنثى بمادة ملموسة (لجهله الحيوانات المنوية، صحّحه جوهانس ميلر Johannes Müller‏)‏، وفي رأس الدودة الشريطية والخصية. ودلّت على عبقريته أربع حالات: تفريخ الطير (رأى «نقطة الدم» تنبض)، والقرش ذي المشيمة (Selache، كشف سرَّها فون كوليكر Kölliker سنة ١٨٤٧)، والسمك الأنبوبي (رعاية الذكر، أتمّه جون ولكوت Walcott ١٧٨٤ ووليم يارل Yarrell‏)‏، وذراع رأس القدميّات الملقِّح (hectocotylus). وعالج التوزيعَ الجغرافي وهجرةَ الحيوان (الكراكي والبجع والأسماك والطيور)، وعلمَ البيئة (Ecology). وشهد له داروين (Darwin) في خطابه إلى وليم أوجل (William Ogle، ٢٢ فبراير ١٨٨٢): إن لينيوس (Linnaeus) وكوفييه (Cuvier) — على تقديره لهما — أشبه بالطلبة إذا قِيسا إلى أرسطو؛ فإن كان أبقراط أبا الطب فأرسطو أبو علم الأحياء.

علم النبات

جمع «أصحاب الجذور» (Rhizotomoi، العشّابون) معلومات كثيرة عن النبات والعقاقير والسموم، وذُكر في مؤلفات أبقراط نحو ٣٠٠ نبات. ودُرِّست المسائل النباتية في الأكاديمية واللوقيون، لكن مؤلفات أرسطو النباتية ضاعت (وكتاب «De plantis» منحول يُنسب إلى نقولا الدمشقي Nicolaus Damascenus، نقله إسحاق بن حنين ثم ألفرد سارشل Alfred of Sareshel‏)‏. ومال أرسطو إلى الحيوان فتخلّى عن النبات لتلميذه.

ثيوفراستوس

ثيوفراستوس بن ميلانتاس (Theophrastus of Eresus)، وُلد في أريسوس بلسبوس نحو ٣٧٢ ق.م ومات نحو ٢٨٨، خلف أرسطو (يكبره باثنتي عشرة سنة فقط) في اللوقيون خمسًا وثلاثين سنة، فكان مؤسسه الثاني، واجتمع له نحو ألفي طالب. نسب إليه ديوجينس اللائرتي (Diogenes Laërtius) ٢٢٧ رسالة. أشهر مؤلفاته الأدبية «الطبائع» (Characters، سنة ٣١٩)، ثلاثون مقالًا في العيوب الخلقية، طرازٌ أدبيّ خلقه، ترجمه لابرويير (Jean de La Bruyère، ١٦٨٨) وأضاف إليه صوره الخاصة. وأسلوبه العلمي بسيط يُقدّم الحقيقة على الجمال. اعتمد عليه أراتوس السولي في «معالم الجو» (De signis)، ورأى أن مقرّ العقل المخّ لا القلب (خلافًا لأرسطو). وهو أبو علم النبات، صاحب أقدم كتابين كاملين في بابه: «تاريخ النباتات» (وصفيّ، تسعة أبواب) و«علل النباتات» (فسيولوجي، ستة أبواب)، تكلّم فيهما على نحو ٥٥٠ نوعًا، وميّز ذا الفلقة من ذي الفلقتين (أكمله مالبيجي Malpighi في القرن السابع عشر)، ووصف التلقيح الجنسي في النخل والجميز خيرًا من هيرودوت (Herodotus)، والنباتات الهندية والطفيليات. ولخّص «جرين» (Green) إنجازاته في سبعة عشر بندًا (تسمية أعضاء النبات، وفلسفة الزهرة المنسوبة لاحقًا إلى لينيوس وجوته، وتقسيم النبات إلى شجرة وجُنبة وعشب، والتمييز بين النسيج البرنشيمي والبروزنشيمي). وظلّ مرجعًا حتى عصر النهضة، ثم جاء بعده نيكاندروس (Nikandros) وكراتيفاس (Krateuas) وديوسكوريدس (Dioscorides) والرومان (كاتو، فارّو، كولوميلا، بليني Plinius‏)‏. وهو أيضًا أقدم عالِم معادن: كتابه «في الأحجار» (De Lapidibus) أقدم رسالة في صفة الأحجار، وصف خواص الرخام والكهرمان والجمشت والزمرد واللازورد واليَشْب والعقيق والملكيت وحجر المغناطيس والحماهان، وأصاب في أن اللؤلؤ من الصدف والعاج المتحجر؛ وكان مصدرًا للباب السابع والثلاثين من «تاريخ بليني الطبيعي» (والعلم الروماني نسل ضعيف للهيليني). أما الجيولوجيا فسبق فيها كسينوفانيس الكولوفوني (Xenophanes) بمعرفة المتحجرات، وأرجع هيرودوت تكوين مصر إلى غرين النيل؛ وفسّر أرسطو الزلازل والبراكين بنار ورياح في جوف الأرض، فكانت هذه المحاولات بدء علم الزلازل.

الطب: المدرسة الدوجماتية

لم يصر أرسطو طبيبًا رغم أصله، وأخطأ في تشريح الإنسان (ثلاث فجوات في القلب، ثمانية أضلاع)، لكنه أثّر في ظهور «المدرسة الدوجماتية». أثبت فيرنر يايجر (Werner Jaeger) أن مؤسسها ديوكليس الكاريستي (Diokles of Karystos) كان معاصرًا لأرسطو يصغره، تكوّنت نظرياته في اللوقيون، وسمّاه الأثينيون «أبقراط الثاني»؛ أول طبيب يكتب باللهجة الأتّيكية، جمع بين فسيولوجيا مدرسة صقلية (فيلستيون اللوقري) ومأثورات مدرسة كوس (Kos)، ووضع كتبًا في التشريح والنبات الطبي وأمراض النساء. وخليفته پراكساجوراس (Praxagoras) أول من فرّق بين الأوردة والشرايين ودرس النبض، ومن تلاميذه فيلوتيموس (Philotimos) ومنيسيثيوس الأثيني (Mnesitheos)، ثم هيروفيلوس (Herophilos). فأقام الدوجماتيون أحد الجسور بين كوس والإسكندرية. وختم سارتون بمينون (Menon)، تلميذِ أرسطو صاحبِ موجز تاريخ الطب («مينونيا») الذي حُفظ في بردية المتحف البريطاني (Anonymus Londiensis) نشرها كينيون (Kenyon).

الدراسات الإنسانية الأرسطية وفن التأريخ

الأيكولوجيا والأخلاق

أدخل أرسطو البحوثَ البيئية (Ecology) في العلم، بمثال «البِنّا» (Pinna) ووصيّها السرطان، وتكاثر الفئران المفاجئ (تمهيدٌ لمشكلة ذبذبة السكان التي لم تُكشف إلا مع ألفريد لوتكا Alfred Lotka وفيتو فولترّا Volterra بين ١٩٢٥ و١٩٣٥، بفكرة النظام البيئي ecosystem‏)‏. وأرسطو الواضع الأول لعلم الأخلاق، له فيه أربعة مؤلفات: «الأخلاق النيقوماخية» (Nicomachean Ethics، أصحّها نسبةً، عشر مقالات)، و«الأخلاق الأوديمية» (لعلها لأوديموس الرودسي)، و«الأخلاق الكبرى» (Magna Moralia)، ورسالة في الفضائل. غرضه تحديدُ الخير الإنساني الأعلى والسعادة الحقّة، وقسّم الفضائل أخلاقية وعقلية (أعلى الخير حياةُ التأمل)، ورأى الفضيلة عادةً تُكتسب لا فطرةً موروثة (خلافًا لأفلاطون)، ووازن بين العقل والوجدان.

السياسة

الانتقال من الأخلاق إلى السياسة طبيعيّ. كتاب «الاقتصاد» المنسوب منحول في ثلاثة أبواب. وأساس تفكيره السياسي بيولوجي: درس نحو مائتي دستور (وصلنا دستور أثينا وحده) دراسةً مقارنة كما فعل هربرت سبنسر (Herbert Spencer) في القرن التاسع عشر. كتاب «السياسة» ثماني مقالات: تعريف الدولة («الإنسان بطبعه كائن اجتماعي»)، والمواطن وتصنيف النظم، والمدينة الفاضلة، و«التاريخ الطبيعي للثورات» (سببها انعدام المساواة، وعلاجها بالاعتدال والتعاطف). عيوبه ترجع إلى صغر الدولة اليونانية؛ وأسوأ ما يؤخذ عليه اعتبارُه الرقّ طبيعيًّا وتبريرُه «حرب المستعمرات» (وقد رأى الرقَّ معقولًا حتى القديسُ توما الأكويني). آراؤه في التجارة أقلّ سذاجة، ولم يكن عالمًا اقتصاديًّا (لم يعالج الربا). نقد الديمقراطية والاشتراكية، واختار جمهوريةً معتدلة تستمد فضائلها من فضائل الأُسر. ترجم ويلم الموربكي (Willem of Moerbeke) الكتابَ للقديس توما ‏(١٢٦٠)‏، ولا نزال نواجه المشاكل التي واجهها.

الخطابة والشعر

أرسطو أستاذ الدراسات الإنسانية أيضًا: كتاب «الخطابة» (Rhetoric) ثلاث مقالات — تعريفها وأنواعها الثلاثة (السياسية والقضائية والتعليمية)، وتحليل العواطف («رسالة في علم النفس العملي» أثّرت في القرون الوسطى واستعمال الأمثال)، والأسلوب واللغة. وأكثر الكتّاب إشارةً عنده هومر ويوريبيديس وسوفوكليس. و«الخطابة إلى الإسكندر» (Rhetorica ad Alexandrum) المنسوبة، رأى إراسموس إهداءها مزوَّرًا، ويُنسب الكتاب أحيانًا إلى أناكسيمينيس اللامبساكي (Anaximenes of Lampsacus). أما «صناعة الشعر» (Poetics) فكتاب صغير ناقص لم تصلنا منه إلا مقالة (ضاع قسم الكوميديا)؛ عرّف الشعر بأنه «أدب الخيال»، وأنواع المحاكاة (الملحمة والمأساة والملهاة والدثرامب)، وفرّق بين المؤرخ (يصف ما حدث) والشاعر (يصف ما يُحتمل حدوثه) فجعل «الشعر أدنى إلى الفلسفة وأعظم خطرًا من التاريخ لأن قضاياه كلّية». وعرّف المأساة بأنها محاكاة عمل جدّي تُحدث تطهير النفس (catharsis) من الإشفاق والخوف، وأشار إلى وحدة الفعل والقصة والزمن دون المكان ‏(ونظرية الوحدات الثلاث محدثة عند كورني وراسين وبوالو، لم تظهر إلا سنة ١٦٣٦)‏. لم يكتب أرسطو الشعرَ للشعراء بل للنقّاد والعلماء؛ ففعل نقيضَ أفلاطون الذي أخرج الشعراء من مدينته، فصار عدوًّا لكارهي العلم ومعبودًا لمحبّي الحقيقة الواقعية.

فن التأريخ

افتتح ديودورس الصقلي (Diodorus Siculus) في «المكتبة التاريخية» ‏(نحو ٣٠ ق.م)‏ بمدح المؤرخين الذين وضعوا «تاريخًا عامًّا». بلغت الجهود التي بدأت في عصر أرسطو ذروتها مع بوليبيوس (Polybius، ق٢ ق.م)، بعد هكاتايوس (Hecataeus) وهيرودوت وثوكيديدس وكسينوفون. وإيزوكراتيس ‏(٤٣٦–٣٣٨)‏ أحد الخطباء العشرة، صبّ اللغة في قالب الكمال، وانتحر بعد خيرونيا؛ له تلميذان مؤرخان: إفوروس الكيمي (Ephoros of Cyme، نحو ٤٠٥–٣٣٠) صاحب أول «تاريخ مقارن» (ثلاثون مجلدًا، حاول تجنّب الأساطير وتعليل الحوادث بالبيئة الجغرافية)، وثيوبومبوس الخيوسي (Theopompos، وُلد ٣٨٠) صاحب «المجموعة الفيليبية» (Philippica، ثمانية وخمسون مجلدًا) و«هلينيكا»، الذي رأى أن العوامل الرئيسة في التاريخ أفكارُ العظماء من الرجال، فسبق سالوستيوس (Sallust) وتاكيتوس (Tacitus) في التاريخ النفسي؛ وكان ساخرًا محبًّا للأساطير، لم يمدح من الفلاسفة إلا أنتستنيس. وكان المؤرخون المثاليون — أوديموس وثيوفراستوس ومينون — من أوائل مؤرخي العلم يدافعون عن المعقول ضد الخرافة.

نظريات أخرى في الحياة والمعرفة: الحديقة والرواق

في نهاية العصر القديم ظلّ مفكرون غير مقتنعين بثمرات الأكاديمية واللوقيون، يثيرون الأسئلة الكبرى عن أصل العالم والمعرفة والفضيلة، في أربع مدارس.

الكلبيون

مدرسة أقدم من أرسطو تُردّ أصولها إلى سقراط. مؤسسها أنتستنيس (Antisthenes) — من تلاميذ سقراط، أمه من تراقيا، علّم في مدرسة كينوسارجيس (Cynosarges) — غلا في العيش على أبسط صورة، ومن اسم «كلب» (cyon) اشتُقّ اسم المذهب. أشهر تلاميذه ديوجنيس السينوبي (Diogenes of Sinope، نحو ٤٠٠–٣٢٥) الذي بلغ غلوّه في الزهد مضربَ المثل (وقصة لقائه الإسكندر أسطورية)، وكراتيس (Crates، ٣٦٥٢٨٥) الذي زهد في ثروته وتزوّج تلميذته هيبارخيا (Hipparchia)، وأونيسيكريتوس (Onesicritus) ملّاح الإسكندر. ولم يكونوا مدرسة فلسفية بالمعنى الحقيقي، بل حالٌ نفسية تشبه الزهّاد في كل البلاد.

المتشككون

بيرون الإيلي (Pyrrho of Elis، نحو ٣٦٠–٢٧٠)، رسّامٌ صحب الإسكندر إلى آسيا، شكّ في إمكان المعرفة نفسها لتناقض الإدراكات؛ قاعدته «يجوز أن يكون كذا»، وهذا التوقّف عن الحكم (epochē) يورث السكينة (ataraxia) والتحرّر من العاطفة (apatheia). خلّده تلميذه تيمون الفليوسي (Timon of Phlius، نحو ٣٢٠–٢٣٠)، وأثّر في أركيسلاوس وكارنيادس وأينيسيديموس وسكستوس أمبيريكوس (Sextus Empiricus). وعبّر عن مذهبه بعبارتَي «ماذا أعرف؟» و«لا أدري».

اليوهيميرية

يوهيميروس المسيني (Euhemerus of Messina)، في بلاط كساندروس (Cassandros)، زعم أنه بلغ جزيرة بانخايا (Panchaia) فوجد نقوشًا مقدسة، وكتب «التاريخ المقدس» (Hiera anagraphé) مؤكدًا أن الآلهة كانوا في الأصل ملوكًا وأبطالًا تألّهوا بعد موتهم (كأمحوتب Imhotep وأسكليبيوس Asclepius‏)‏. ودعت المدرسة القوريناوية (Cyrenaic) — التي أسّسها أريستبوس (Aristippus) وواصلتها ابنتُه أريتي (Arete) — إلى نقد رجال الدين ومذهب اللذة. وأُعيد بيان مذهب يوهيميروس على يد إينوس (Ennius) وديودورس الصقلي، وانتفع به النصارى الأوائل ضد الوثنية.

حديقة أبيقورس

أبيقورس (Epicurus، ٣٤١٢٧٠)، من أسرة أثينية هاجرت إلى ساموس، تلقّى الفلسفة، وتلمذ لنوسيفانيس (Nausiphanes) شارحِ ديموقريطوس، واستقرّ في ميتيليني ‏(٣١١)‏ فلامبساكوس، ثم انتقل بمدرسته إلى أثينا ٣٠٧ حيث اشترى بيتًا وحديقة في ميليتا (Melita)، فسُمّي أتباعه «حديقة أبيقورس». ضمّت جماعته رجالًا ونساءً وأرقّاء في حياة أخوية بسيطة، ومنهم مترودوروس (Metrodoros) وهرمارخوس (Hermarchus) الذي خلفه. كتبه كثيرة (نحو ثلاثمائة) ضاع معظمها، وبقيت رسائله (إلى هيرودوت وپيتوكليس ومينويكيوس) في نقل ديوجنيس اللائرتي؛ وخير مرجع لمذهبه «في طبيعة الأشياء» (De rerum natura) للوكريتيوس (Lucretius). طبيعياته النظرية الذرية عن لوكيبوس (Leucippus) وديموقريطوس، لكنه عدّلها بتعديلين أبعداه عن الحتمية: العنصر الذي لا يمكن وصفه في النفس، والانحراف الذرّي (clinamen) الذي يترك مجالًا للحرية. واللذة عنده الخير الوحيد، لكنها تحرُّرٌ من الألم (ataraxia) لا لذّة حسية؛ فكان أخلاقيًّا قبل كل شيء، ونصح تلاميذه بالانسحاب من الحياة. وأعظم أركان فلسفته مناهضةُ الخرافات — خلافًا لأفلاطون المستعدّ لاستغلال جهل العامة — فكان خصمًا لرجال الدين لا للدين، وأنكر العناية الإلهية وأثبت وجودَ الآلهة (الدليل عليها خيرية الإنسان)، وأول من نادى بالخطر الاجتماعي للخرافة. لم يكن عدوًّا للعلم لكن عنايته بالأخلاق أكبر، فاحتقر المنطق والرياضيات وتأليه الكواكب، ولم يُعجَب بأرسطو. وأُحيي المذهب الذرّي في العالم النصراني على يد جاسندي ‏(١٥٩٢–١٦٦٥)‏ وروبرت بويل (Boyle) ثم جون دالتون (Dalton) في القرن التاسع عشر (وأنكره ماخ Mach ودوهم Duhem وأوستفالد Ostwald‏)‏. ومات أبيقورس عن اثنتين وسبعين سنة من حصاة في الكلية، وكتب في يومه الأخير إلى صديقه أيدومينيوس (Idomeneus) خطابًا يفيض لطفًا يوصيه برعاية أبناء مترودوروس. وصار وصف الإنسان بأنه «أبيقوري» (apikoros) سُبّةً في العبرية إلى اليوم.

الرواقية

زينون الكتيوني (Zeno of Cition)، ولد في كيتيون بقبرص (ولعله فينيقي الأصل)، انكسرت به المركب قرب بيرايوس فقرأ «مذكرات» كسينوفون في دكان وراق فصار تلميذًا لكراتيس الكلبي؛ فاختلطت الرواقية بالمذهب الكلبي (المتصل بسقراط عبر أنتستنيس). تتلمذ أيضًا لكسينوكراتيس وبوليمون وستيلبون وديودورس، ومال إلى هيراكليتس (Heraclitus). علّم في «الرواق ذي الرسوم» (Stoa Poikilê، المزيّن برسوم بوليجنوتوس Polygnotus)، فسُمّي أصحابه الرواقيين. قسّم الفلسفة ثلاثة: الطبيعيات أساسًا، والمنطق أداةً، والأخلاق غايةً. والمنطق الرواقي عمّق المسائل النحوية (فعلم النحو اليوناني من وضعهم، أكمله خريسيبوس Chrysippus‏)‏؛ ونظرية معرفتهم مبتكرة (انطباعات الحسّ). وطبيعياتهم مادية بوحدة وجود (pantheism)، نبذوا الذرّية وقالوا بالعناصر الأربعة والاحتراق الكوني (ekpyrosis)، والعالم مادة وعقل مظهران لحقيقة واحدة، فالإله قوة سارية؛ فهم أقلّ مادية من الأبيقوريين وأقلّ منهم عقلانية. وذروتهم الأخلاق: الفضيلة الخير الوحيد، تكفي ذاتها (autarkeia) وتُورث عدمَ التأثّر (apatheia)، لكن مع شجاعة وإقبال على السياسة. وأجملُ ما فيهم شعورُهم بالإخاء بين أهل العالم كله، فكانوا أول ممثّلي فكرة الوطن العالمي (cosmopolitanism)، ومصدرًا للقانون الروماني (jus gentium). لكن سوء حظهم أنهم قبلوا الخيالات الفيثاغورية والأفلاطونية والتنجيم، فكانت أخلاقهم مجرّدة باردة، آخرَ معاقل الوثنية أمام النصرانية. تعاقب على المدرسة زينون، فكليانتيس (Cleanthes، ٢٦٤٢٣٢)، فخريسيبوس («لولاه لما كانت رواقية»)، فزينون الطرسوسي، فديوجينيس البابلي ‏(حمل المذهب إلى روما ١٥٦–١٥٥)‏، فأنتياتروس، فبنايتيوس الرودسي (Panaetius) الذي أدخل صفوةَ الرومان في المذهب؛ ومن تلاميذه بوسيدونيوس (Posidonius) الذي استمع إليه شيشرون في رودس. ووُلدت الرواقية في آسيا وكمُلت في أثينا ونضجت في روما، ومثّلها متأخرًا سينيكا القرطبي (Seneca) وإبيكتيتوس (Epictetos) وماركوس أوريليوس (Marcus Aurelius) الذي أنشأ في أثينا سنة ١٧٦ م أربعة كراسٍ للمدارس الأربع (الرواقية والأبيقورية والأكاديمية والمشّائية).

نهاية عصر

هكذا عاش أفلاطون وأرسطو وأبيقورس وزينون حتى آخر أيام الوثنية، ثم دُسّوا في التراب قرونًا بعد انتصار المسيحية، ولكنهم لا يزالون أحياء حياة قوية جدًّا إلى اليوم. وقد صار العلم في هذا العصر من السَّعة والتعقيد ما جعل من الضروري أن يُكتب في تاريخه، وأخذ العلماء يتساءلون عن أصلهم ومصيرهم؛ وبينما صرنا نفهم أمور العلم والصناعة أكثر مما كانت تُفهم، ما زلنا حيارى إزاء مسائل السياسة والاقتصاد منذ ثلاثة وعشرين قرنًا. لكنّ الأسئلة العلمية التي أثارها أرسطو وثيوفراستوس ومن قبلهما أفلاطون لا تزال تشغل عقول العلماء وتمدّها بالخصب إلى يومنا.

الفصل الرابع: العلم الهلِّنستي — القرن الثالث قبل الميلاد

يفتتح هذا المجلد الثاني عصرًا جديدًا في تاريخ العلم: العلوم والثقافة الهلِّنستية في القرون الثلاثة الأخيرة قبل الميلاد، وفي القلب منها القرن الثالث ق.م بوصفه عصرها الذهبي. عُنون المجلد بـ«الهلِّنستية» رغم تناوله ثقافات روما ومصر وآسيا الغربية، لأن المثل اليونانية كانت الغالبة في كل مكان، حتى الأدب اللاتيني استمدّ قوامه من النماذج اليونانية. وظل العصر الروماني ثم البيزنطي ‏(بعد نحو ٣٢٥م)‏ «يونانيًّا» في تاريخ العلم إلى حدٍّ بعيد، إذ بقيت اليونانية اللغة الثقافية العليا.

نهضة عصر الإسكندر وتفكّك إمبراطوريته

يقف العصر على عتبة تحوّل هائل رمزه شخصيتان: الإسكندر الأكبر (Alexander the Great) الذي مات في بابل سنة ٣٢٣ ق.م ولم يتجاوز الثالثة والثلاثين، وأرسطو (Aristotle) الذي مات في العام التالي عن اثنتين وستين. بدأ تدهور بلاد اليونان مع الغزو المقدوني: انتصر فيليب الثاني (Philip II) في وقعة خيرونيا (Chaeronea) سنة ٣٣٨ ق.م، ثم اغتيل بعد عامين فاعتلى ابنه الإسكندر ‏(المولود نحو ٣٥٦)‏ العرش، وفتح جزءًا كبيرًا من العالم المعروف بين ٣٣٤ و٣٢٣ ق.م. بدأت وفاته العصر الهلِّنستي الذي امتدّ نحو ثلاثة قرون من ~٣٣٠ ق.م حتى تأسيس أغسطس (Augustus) الإمبراطورية الرومانية سنة ٣٠ ق.م. حمل الإسكندر الثقافة اليونانية إلى قلب آسيا، وحلم بوحدة الفكر ومزج الأجناس: تزوّج الأميرة الباكتيرية روكسانا (Roxana) سنة ٣٢٧، وفي سوسة (Susa) زوّج نحو ثمانين من قادته بزوجات آسيويات؛ لكن أثر هذه الزيجات ظل محدودًا، فقاومت الثقافات المحلية التيار اليوناني، ورأى سارتون أن الشرق والغرب «تلاقيا ولم يفترقا» بعد.

مات الإسكندر دون وريث قادر، فأعطى بأنفاسه الأخيرة خاتمه لقائده بيرديكاس (Perdiccas)، ونشبت حروب خلفاء الإسكندر (Diadochi) نحو ٣٢٣–٢٧٥ ق.م، فانقسمت الإمبراطورية ثلاثة أقسام صارت ممالك: مقدونيا وبلاد اليونان تحت الأنتيجونيين (Antigonids)، وغرب آسيا تحت السلوكيين (Seleucids)، ومصر تحت البطالمة (Ptolemies). بدأ الرومان التدخّل في شئونها منذ ٢١٢ ق.م، حتى صاروا وريث برجامة سنة ١٣٠ ق.م.

التأثيرات الإيرانية والهندية

نبّه سارتون إلى ردّ الفعل الشرقي المضادّ: احترم السلوكيون المعارف والطقوس البابلية، وبقيت الثقافات القديمة حيّة. كانت التأثيرات الإيرانية كبيرة عبر التجار الفرس في ميليتوس (Miletus) ومدن الاتحاد الأيوني؛ شرح كتسياس الكنيدي (Ctesias of Cnidus) الثقافة الإيرانية في «عن تاريخ الفرس» (Persica)، وألّف كسينوفون (Xenophon) ‏(نحو ٤٣٠–٣٥٥)‏ «تربية قورش» (Cyropaedia) عن الملك قورش (Cyrus). أما العلاقات اليونانية–الهندية فأعقد، بدأت عبر المستعمرات الأيونية؛ سجّل هيرودوت (Herodotus) زراعة الهنود القطنَ، وكتب كتسياس «عن الهند» (Indica). حين بلغ الإسكندر نهر السند اتّسعت الاتصالات، وكوّن المغامر الهندي شاندراغوبتا موريا (Chandragupta Maurya / Sandrokottos) الإمبراطورية الموريّة (Maurya) التي دامت من ٣٢٢ إلى ١٨٥ ق.م وعاصمتها باتاليبوترا (Pataliputra / باتنا). غزا سليوكوس نيكاتور (Seleucus I Nicator) ‏(٣١٢–٢٨٠)‏ أرضه سنة ٣٠٥ لكنه تنازل له عن البنجاب (Punjab) وجبال هندوكوش مقابل خمسمائة فيل حرب، وأرسل إليه ميجاسثنيس (Megasthenes) سفيرًا سنة ٣٠٢، فنشر «إنديكا» (فُقدت وبقيت شذراتها). ومن أشهر الملوك اليونانيين في الهند مناندروس (Menander / ميليندا) ملك كابل والبنجاب ‏(حكم نحو ١٥٠–١٤٣)‏، بطل الرسالة البوذية «أسئلة ميليندا» (Milindapañha)، حوار بينه والراهب ناجاسينا (Nāgasena) في مدينة ساجالا (Sagala). وبعث بطلميوس الثاني رسولًا إلى الهند لجلب الفيلة، وفي موقعة رفح (Raphia) سنة ٢١٧ التقت لأول مرة الأفيال الهندية والأفريقية.

في تبادل الآراء العلمية كان انتشار العلم المجرّد أبطأ من انتشار المعرفة الخاطئة كالتنجيم. استوعبت العقول اليونانية أحسن ما قدّمته مصر وبابل لكنها لم تُضِف إليه كثيرًا قبل الميلاد؛ ولم تنتقل المعارف الفلكية البابلية السلوكية غربًا ‏(لم تُحلّ رموز الألواح المسمارية إلا منذ ١٨٨١)‏، وإن أفاد منها هيبارخوس (Hipparchus) لاحقًا. أما الفلكي سيلوكوس البابلي (Seleucus of Seleucia) فكان استثناءً إذ شرح مركزية الشمس في بابل. وخلص سارتون إلى قول طارن (Tarn): «إن آسيا عرفت أنها تستطيع أن تفوق اليونانيين في شئون الروح».

مصر البطلمية

عقب وفاة الإسكندر صار بطلميوس بن لاجوس (Ptolemy son of Lagus)، صديق طفولته وأحد كبار قادته وكاتب مذكرات كانت مصدرًا رئيسيًّا لـأريانوس (Arrian)، واليًا على مصر، ثم اتخذ لقب الملكية سنة ٣٠٦ ق.م فصار بطلميوس الأول سوتر (Ptolemy I Soter = «المنقذ») مؤسس الأسرة ‏(حكم حتى ٢٨٥)‏. خلفه ابنه بطلميوس الثاني فيلادلفوس (Ptolemy II Philadelphus) ‏(٢٨٥–٢٤٧)‏، المولود في كوس (Cos)، الذي وسّع العلاقات حتى الهند والحبشة. وبلغت الأسرة أوجها مع بطلميوس الثالث يوئرجيتيس (Ptolemy III Euergetes = «الخيّر») ‏(٢٤٧–٢٢٢)‏، ثم بدأ التدهور مع بطلميوس الرابع فيلوباتر (Ptolemy IV Philopator) ‏(٢٢٢–٢٠٥)‏. بلغ عدد ملوك البطالمة خمسة عشر ملكًا، آخرهم شهرة الملكة كليوباترا (Cleopatra) التي خافها الرومان كما لم يخافوا أحدًا منذ هانيبال (Hannibal)؛ طمحت أن تكون إمبراطورة العالم الروماني، فلجأت بعد مقتل حبيبها يوليوس قيصر (Julius Caesar) سنة ٤٤ إلى أنطونيوس (Mark Antony)، لكن موقعة أكتيوم (Actium) سنة ٣١ أنهت أحلامها، فانتحرت في العام التالي، وقُتل آخر البطالمة قيصرون (Caesarion) ابنها من قيصر سنة ٣٠ ق.م بأمر أوكتافيوس، فصارت مصر ولاية رومانية.

لم تتغيّر مصر جغرافيًّا («منحة النيل») ولا سياسيًّا كثيرًا، سوى أن سادتها صاروا مقدونيين ويونانيين. سبق اليونانيين حضورٌ منذ بسّاماتيك الأول (Psamtik I) رأس الأسرة الصاوية، وتركّزوا في عهد أحمس الثاني / أماسيس (Amasis II) بمدينة نوقراطيس (Naucratis). تحت البطالمة صار اليونانيون سادة، والملك مقدَّسًا مؤلَّهًا يملك كل شيء؛ اتّسمت الإدارة بالكفاية (ضبط فيضان النيل، تنظيم العملة والبنوك، إدخال الجمل ونظام البريد الفارسي)، لكنهم أهملوا التعدين، وذهبت الأرباح لجيب الملك بينما بقي الفلاحون على الكفاف. ضمّت الإمبراطورية في أوجها مصر وليبيا وأجزاءً من إثيوبيا والعرب وفينيقيا وجنوب سوريا وقبرص وجزر السكلاديز (Cyclades)، وتعدّدت عناصرها (مصريون، مقدونيون ويونانيون، يهود كثيرون، سوريون وعرب وفرس وبكتريون وهنود وأفارقة).

الدين والتوفيق بين العقائد

فقدت الأساطير اليونانية القديمة مكانتها منذ أرسطو وأبيقور (Epicurus)، وحلّت محلها جزئيًّا ديانة النجوم، وأقبل اليونانيون على الآلهة الشرقية: الأمّ العظمى (Cybele) الفريجية، ومِثراس (Mithras)، وإيزيس (Isis) وأوزيريس (Osiris). ظهرت عملية التوفيق بوضوح منذ سنة ٣٣١ ق.م حين زار الإسكندر معبد آمون (Amun) بواحة سيوة (Siwa)، فأعلن الكاهن أنه ابن زيوس آمون؛ فادّعى البطالمة الألوهية، وتبنّوا الزواج الملكي بين الإخوة (تزوّج فيلادلفوس شقيقته أرسينوي الثانية Arsinoe II‏)‏. وتركّز اهتمامهم على الإله سارابيس (Serapis) — عبادة هلِّنستية جمعت أوزيريس والعجل المقدّس أبيس (Apis) في معبد السارابيون (Serapeum) بـممفيس (سقّارة)؛ يُنسب فضلها (نقلًا عن بلوتارك Plutarch‏)‏ إلى مانيتون (Manetho) كاهن هليوبوليس، وتيموثيوس (Timotheus) كاهن ديمتير (Demeter)، وديمتريوس الغاليري (Demetrius of Phalerum). أهم معابد سارابيس سارابيون الإسكندرية على الرَّبوة التي يقوم عليها «عمود بومبي»، وقد هُدم مع انتصار المسيحية سنة ٣٩١م على يد الأسقف ثيوفيلوس (Theophilus).

الإسكندرية: نشأتها ومينائها ومنارتها

أسّس الإسكندر مدنًا كثيرة حملت اسمه (نحو سبع عشرة، أشهرها في آسيا مثل الإسكندرية القُصوى Eschate فيما وراء جاكسارتيس)، لكن الإسكندرية المصرية ‏(المؤسَّسة سنة ٣٣٢ ق.م)‏ تبوّأت المكانة الكبرى، وظلّت أعظم مواني شرق المتوسط. لم يُعطِ الإسكندر إلا تعليمات عامة ثم غادر، فالمؤسّس الحقيقي بطلميوس سوتر الذي اتّخذها عاصمة، ونقل إليها جثمان الإسكندر فبنى له ضريح سيما/سوما (Sema). كانت أول مدينة عالمية مخطَّطة على أسس شرحها هيبوداموس الميليطي (Hippodamus of Miletus)، عهد الإسكندر بتخطيطها إلى دينوكراتيس الرودسي (Deinocrates of Rhodes) أعظم معماري عصره (مصمّم معبد أرتيميس الجديد بإفسوس). بُنيت بين البحر وبحيرة مريوط (Lake Mareotis) على نمط رقعة الشطرنج، بطريقين متعامدين (أطولهما الكانوبي)، وأقسام خمسة سُمّيت بحروف الأبجدية اليونانية الأولى؛ شغل الحيّ الملكي بروخيون (Brucheion) ربعها، وفيه القصور والمدافن والموسيون والمكتبة، وعلى تلٍّ جنوبي غربي السارابيون. امتاز موقعها بخلوّه من الطمي ومن حمّى الملاريا.

تُواجه المدينة جزيرة فاروس (Pharos) (المذكورة في «الأوديسة» لـهومر Homer‏)‏، وصلها جسر الهبتاستاديون (Heptastadion) طوله سبعة ستاديوم ‏(= ١٤١٤ ياردة)‏، فجعل لها ميناءين: الميناء الكبير شرقًا ويونوستوس (Eunostos) غربًا. وعلى الجزيرة بُنيت المنارة (Pharos) زمن فيلادلفوس نحو ٢٧٠ ق.م بيد المعماري سوستراتوس الكنيدي (Sostratus of Cnidus)؛ وصفها العالم الأندلسي يوسف بن الشيخ البلوي (Ibn al-Shaykh al-Balawi) ‏(١١٣٢–١٢٠٧)‏ حين زارها سنة ١١٦٥ في كتابه «ألف باء»: قامت على قاعدة صخرية ارتفاعها ~٧ أمتار، وبُنيت من ثلاثة طوابق ‏(الأسفل مربّع ارتفاعه ٧١ مترًا بـ٥٠ منفذًا، والأوسط مثمّن، والأعلى مستدير)‏، بطريق حلزوني وسلّمين، وارتفاعها الكلّي نحو ١٢٠–١٤٠ مترًا؛ عُدّت إحدى عجائب الدنيا السبع، ودُمّرت بزلزال في القرن الثالث عشر. كانت المنارة إعلانًا عن رخاء الإسكندرية التجاري (احتكارات ملكية، مصرف مركزي، سلع من رودس وثاسوس وكنيدوس)، والإسكندرية «الكعبة التي يحجّ إليها كل محبّ للمعرفة».

عجائب الدنيا السبع

أول مقال في هذا الشأن يُعزى إلى فيلون البيزنطي (Philo of Byzantium) (والأرجح أن كاتب المقال عاش في القرن الرابع/الخامس الميلادي). والعجائب: الحدائق المعلّقة في بابل وأسوارها (نُسبتا إلى نبوخذ نصّر Nebuchadnezzar ٦٠٥٥٦١)؛ الأهرام (أضخمها لـخوفو Khufu في القرن ٢٩ ق.م، وهو العجيبة الباقية الوحيدة)؛ تمثال زيوس في أولمبيا نحته فيدياس (Phidias) ‏(~٤٩٠–٤٣٢)‏؛ تمثال رودس / كولوسوس (Colossus of Rhodes) صنعه خاريس اللِّندوسي (Chares of Lindos) تلميذ ليسيبوس نحو ٢٩٠ ‏(طوله ~٤٢ مترًا، استغرق اثني عشر عامًا وثلاثمائة تالنت، هدمه زلزال نحو ٢٢٤)‏؛ معبد أرتيميس بإفسوس (Ephesus)؛ ضريح موسولوس بهاليكارناسوس (Mausoleum at Halicarnassus) الذي شيّدته زوجته أرتميزيا (Artemisia) بعد وفاته سنة ٣٥٣ (ومنه لفظ Mausoleum‏)‏.

الموسِيون (معهد العلوم)

كان البطالمة يونانيين بحقّ، أدركوا أن الثراء المادي يصبح عديم القيمة دون ازدهار في العلوم والفنون، فاستدعوا الفلاسفة والرياضيين والأطباء والشعراء. فأنشأ بطلميوس الأول الموسِيون (Museion) — «دار آل الموساي (Muses)» بنات زيوس ومنيموسوني (Mnemosyne) التسع (منهنّ كاليو Clio للتاريخ ويورانيا Urania للفلك). كان جزءًا من القصور الملكية، به رواق مسقوف وقاعة طعام مشتركة، على رأسه كاهن يعيّنه الملك، وضمّ آلات فلكية (مرصدًا) وقاعة تشريح وحدائق للحيوان والنبات والمكتبة؛ أشبه بمعهد بحث علمي منه بجامعة، بلا امتحانات ولا درجات. ازدهر بجهود فيلادلفوس الذي بدأ العمل «من لا شيء» سنة ٢٨٥، وشاركه رجلان: ديمتريوس الفاليري المولود في فاليرون نحو ٣٤٥ ‏(كاتب وسياسي أثيني لجأ إلى الإسكندرية، أول مدير للمكتبة، نُفي بعد اعتلاء فيلادلفوس ومات نحو ٢٨٣)‏، وسترّاتون اللامبساكي (Straton of Lampsacus) تلميذ ثيوفراستوس (Theophrastus)، الذي استُدعي معلّمًا لفيلادلفوس نحو ٣٠٠. لقّبه ديوجينيس لائرتيوس (Diogenes Laertius) بـ«العالِم الطبيعي»؛ فهو الذي أضفى على المعهد صبغته العلمية ووجّهه نحو البحث التجريبي والابتعاد عن الفلسفة الميتافيزيقية، معارضًا المذهب الذرّي والأبيقورية. ظل الموسيون قائمًا طوال العصر الهلِّنستي، وكان آخر من لمع فيه الرياضي ثيون (Theon) وابنته هيباتيا (Hypatia) التي اغتالها غوغاء المسيحيين سنة ٤١٥م، فكانت نهاية المؤسسة بعد نحو سبعة قرون؛ وكان إنجازها الأكبر تنظيم البحث الجماعي لأول مرة دون توجيه سياسي أو ديني، هدفه الوحيد الحقيقة.

إقليدس السكندري و«الأصول»

إقليدس (Euclid) (النصف الأول من القرن الثالث ق.م) من أقدم رجال العلم وأعظمهم؛ لا نعرف إلا اسمه وعمله الرئيسي «الأصول» (Elements)، وارتبط بالإسكندرية بشبه تأكيد بعد تلقّيه تدريبه الرياضي في الأكاديمية. تنسب إليه قصتان: قوله للملك سوتر «لا يوجد طريق مَلَكي إلى الهندسة»، وأمره بإعطاء أُبولٍ (obol) لطالبٍ سأل عن نفع ما يتعلّم. قرينة تأريخه أن بابوس (Pappus) ذكر أن أبولونيوس البرجي تعلّم على تلاميذه.

«الأصول» أقدم وأوسع كتاب هندسي وصلنا كاملًا، في ثلاثة عشر كتابًا: الكتب ١–٦ هندسة مستوية (الأول أساسي، الثاني «الجبر الهندسي»، الثالث الدائرة، الخامس نظرية النِّسب المستمدّة من يودوكسوس Eudoxus‏)‏؛ ٧–١٠ الحساب ونظرية الأعداد (والعاشر أعظمها، في الكميات غير المنطقة)؛ ١١–١٣ الهندسة الفراغية (الثاني عشر بطريقة الاستنفاد Exhaustion، والثالث عشر في المجسّمات الأفلاطونية). أُلحق به كتابان في المجسّمات: الرابع عشر لـهبسكليس السكندري (Hypsicles) (مطلع القرن الثاني ق.م)، والخامس عشر لتلميذ إيزيدورس المِليطي (Isidorus of Miletus). تجنّب سارتون خطأين: عدّه «أبا الهندسة» (فأصولها أقدم منه بألف سنة، وسبقه أبقراط الخيوسي Hippocrates of Chios وليون Leon وثيوديوس المجنيسي Theudius of Magnesia)، وعدّه مجرّد جامع؛ فالترتيب والبناء يرجعان إليه، «فاخترع أثرًا لا يقلّ روعةً عن البارثنون (Parthenon)».

المسلَّمة الخامسة والهندسات اللاإقليدية

أعظم ما أنتجه إقليدس المسلَّمة الخامسة (مسلَّمة التوازي)، وأروعُ ما فيه بصيرتُه العلمية في إدراك حاجتها إلى برهان. حاول البرهنة عليها كثيرون: بطلميوس (Ptolemy) وبروكلوس (Proclus) وليڤي بن جرسون (Levi ben Gerson) وجون واليس (John Wallis) ‏(١٦١٦–١٧٠٣)‏ وساكيري (Saccheri) ‏(١٦٦٧–١٧٣٣)‏ ولامبرت (Lambert) ‏(١٧٢٨–١٧٧٧)‏ ولجندر (Legendre) ‏(١٧٥٢–١٨٣٣)‏، فلم ينجحوا إلا بإدخال مسلَّمة معادِلة (كصيغة بلايفير Playfair‏)‏. ثم كانت النتيجة الكبرى: خلق الهندسات اللاإقليدية على يد لوباتشفسكي (Lobachevsky) ‏(١٧٩٣–١٨٥٦)‏ وبولياي (Bolyai) ‏(١٨٠٢–١٨٦٠)‏ وريمان (Riemann) ‏(١٨٢٦–١٨٦٦)‏ الذي ألغى التوازي، ثم أوضح كلاين (Klein) ‏(١٨٤٩–١٩٢٥)‏ العلاقة بينها فسمّى هندسة إقليدس «المكافئة» بين الناقصة (ريمان) والزائدة (لوباتشفسكي). وكان إقليدس بذلك الجدّ البعيد لـهلبرت (Hilbert) ‏(١٨٦٢–١٩٤٣)‏ والسلف الروحي للوباتشفسكي.

في الجبر مثّل حاصل الضرب مستطيلًا وبرهن المتطابقات هندسيًّا؛ وفي المجلد العاشر عالج الكميات غير المنطقة (irrationals) فقسّمها ٢٥ نوعًا (بانيًا على الفيثاغوريين وتياتيتوس Theaetetus وهباسوس Hippasus وتيودوروس البرقاوي Theodorus‏)‏. وفي نظرية الأعداد ‏(الكتب ٧–٩)‏ برهن نظرية الأعداد التامّة الزوجية وأثبت أن عدد الأعداد الأولية لا نهائي. تُرجم «الأصول» إلى السريانية ثم العربية على يد الحجّاج بن يوسف بن مطر للرشيد والمأمون، وعنى به الكندي والنيريزي وثابت بن قرة وإسحاق بن حنين ونصير الدين الطوسي ‏(طُبعت العربية في روما ١٥٩٤)‏؛ ونقله إلى اللاتينية عن العربية أديلارد الباثي (Adelard of Bath) وجيرارد الكريموني (Gerard of Cremona)، وأحياه ليوناردو الپيزي / فيبوناتشي (Fibonacci)؛ ووضع نسخته اليونانية المعيارية هايبرج (Heiberg) والإنجليزية هيث (Heath). وظلّ الكتاب المدرسي الوحيد النافع في مبادئ الهندسة اثنين وعشرين قرنًا.

علم الفلك: أريستارخوس وأراتوس

عمل الفلكيان أريستيللوس (Aristyllus) وتيموخارس (Timocharis) (النصف الأول من القرن الثالث) نحو ٢٩٥–٢٨٣ في الإسكندرية بأجهزة بسيطة (المزاول والشاخص جنومون، والكرة ذات الحَلَق)؛ وأفاد هيبارخوس من قياساتهما فعرف مبادرة الاعتدالين (precession) ‏(قدّرها نحو ٤٦″ في السنة، والحقيقة ~٥٠″.٤)‏.

أما أريستارخوس الساموسي (Aristarchus of Samos) ‏(المولود نحو ٣١٠ ق.م، تلميذ سترّاتون)‏ فأعظمهم شأنًا؛ التاريخ الثابت الوحيد في حياته رصده الانقلاب الصيفي سنة ٢٨١–٢٨٠. وضع رسالة «عن أحجام الشمس والقمر وأبعادها» على النمط الإقليدي، تبدأ بستة افتراضات ‏(منها أن القمر يستمدّ نوره من الشمس، وأن البعد الزاوي بينهما عند التربيع ٨٧° — والحقيقي ٨٩°٥٠′)‏؛ فجاءت نتائجه بعيدة ‏(نسبة بُعد الشمس إلى بُعد القمر ١٩ مرة، والحقيقة نحو ٤٠٠)‏ بسبب أرصاده الفجّة لا منهجه، وهي بكورة لعلم حساب المثلثات. وأعظم إنجازه الفرضية الشمسية-المركزية: نقلها عنه أرشميدس في «حاسب الرمل» ‏(نحو ٢٢٦)‏، إذ افترض أن الشمس والنجوم ثابتة، وأن الأرض تدور حولها وحول محورها، وأن كرة الثوابت من الاتساع بحيث يمثّل مدار الأرض نقطةً منها (لانعدام زاوية اختلاف المنظر parallax‏)‏. فكان «كوبرنيكوس القدماء» قبل كوبرنيكوس (Copernicus, 1543) بثمانية عشر قرنًا. تمييزًا عنه، مثّل هيراكليدس البونتي (Heraclides of Pontus) نظامًا مختلطًا (دوران الزهرة وعطارد حول الشمس وحدهما) فكان «تيخو براهي القدماء». اخترع أريستارخوس مزولة نصف كروية اسمها سكافيه (scaphé). أيّد النظامَ الشمسي سيلوكوس البابلي، لكن رفَضَه هيبارخوس فأيّده بطلميوس، فتوقّف تطوّره حتى كبلر (Kepler, 1609).

أراتوس السولي (Aratus of Soli) شاعر تعليمي لا فلكي؛ وُلد في سولي (Soli) بقيليقية نحو ٣١٥، تلميذ الرواقي زينون الكيتوني (Zeno of Citium)، دُعي إلى بلاط أنتيجونوس جوناتاس (Antigonus Gonatas) بـبيلّا (Pella) فنظم قصيدته «الظواهر» (Phaenomena) ‏(نحو ٢٧٥؛ ٧٣٠ بيتًا، مادّتها من يودكسوس الكنيدي)‏ في وصف الكوكبات، وقصيدة «ديوسيميا» (Diosemeia) في التنبّؤ بالطقس ‏(٤٢٢ بيتًا، من ثيوفراستوس)‏. تفتتح الأولى بعبارة «دعنا نبدأ من زيوس»، وفيها نزعة سامية، واقتبس القدّيس بولس خاتمتها في «أعمال الرسل». تناولها بالنقد هيبارخوس في أثره الوحيد الباقي، وترجمها إلى اللاتينية جِرمانيكوس قيصر وشيشرون (Cicero)، وتأثّر بها فرجيل (Virgil) في «جيورجيكا».

أرشميدس وأبولونيوس

لم تكن مصر المركز الوحيد؛ فحيثما نشأت مستعمرة يونانية أمكن التقدّم، وأبرز مثاله أرشميدس السيراكوزي (Archimedes of Syracuse). كانت قرطاجة (Carthage) (أسّسها الصوريون ٨١٤، ملكتها ديدو Dido‏)‏ وسيراقوسة (Syracuse) ‏(أُسّست ٧٣٤)‏ في طليعة صراع المتوسط؛ ونشبت الحروب البونية: الأولى ‏(٢٦٤–٢٤١)‏ فقد فيها القرطاجيون صقلية، والثانية ‏(٢١٨–٢٠١)‏ استقطع فيها الرومان سيراقوسة سنة ٢١٢. وكانت سيراقوسة موطن الفلكيّين هيكيتاس (Hicetas) وإكفانتوس (Ecphantus) والشاعر ثيوكريتوس.

أرشميدس

قُتل أرشميدس عند نهب سيراقوسة ٢١٢ ق.م ‏(يُقال عن ٧٥ عامًا، فمولده نحو ٢٨٧)‏، وأبوه الفلكي فيدياس (Pheidias)، وصديق الملك هيرون الثاني (Hieron II). أمضى وقتًا بالإسكندرية حيث عرف كونون الساموسي (Conon) وإراتوستنيس. اشتهر بالأقاصيص عن آلاته الحربية والمرايا الحارقة، لكنه كان أولًا وقبل كل شيء رياضيًّا، بل أعظم رياضيي الماضي، ولم يقدّر مخترعاته العملية (شهادة بلوتارك). وصل إلينا اثنا عشر مصنّفًا: «الكرة والأسطوانة» ‏(برهن أن مساحة سطح الكرة ٤ط نق² وحجمها ⁴⁄₃ط نق³، ورسم الشكل على قبره)‏؛ «قياس الدائرة» (حصر قيمة ط (π) بين ٣ ¹⁰⁄₇₁ و٣ ¹⁄₇ بمقارنة مضلّعين ذوَي ٩٦ ضلعًا)؛ «الحلزونات» («حلزون أرشميدس»)؛ «تربيع القطع المكافئ»؛ «أشباه المخروط وأشباه الكرات»؛ و«الأستوماخيون» (Stomachion) في الألغاز الهندسية. استخدم طرقًا تعادل التكامل (integration)، فكان كأنه مخترع الهندسة التحليلية وحساب التكامل استباقًا.

في «حاسب الرمل» (Sand-Reckoner) (المُهدى إلى الملك جيلون Gelon‏)‏ ابتكر نظام الرُتب والفترات لتسمية الأعداد الهائلة، فبلغ أن عدد حبات الرمل التي تملأ الكون أصغر من ~١٠⁶³؛ وفي «مسألة الماشية» (المُهداة لإراتوستنيس) بلغ التحليل غير المعيّن حدًّا تكون فيه إحدى الكميات ذات ٢٠٦٥٠٠ رقم. وأعجب سارتون ببحوثه في الميكانيكا أكثر من هندسته، إذ أنشأ الاستاتيكا والهيدروستاتيكا؛ في «توازن المستويات» برهن قانون الرافعة ومراكز الثقل، وفي «الأجسام الطافية» أرسى قاعدة أرشميدس المشهورة (وقصة «Eureka» ومسألة تاج هيرون). وقولته «أعطني نقطة ارتكاز وأنا أحرّك العالم» أثبتها بتحريك سفينة كاملة بـبكرة مركّبة. وظل كتابه «الطريقة» (The Method) — الذي يكشف كيف اهتدى إلى كشوفه لا كيف برهنها فقط — مجهولًا حتى كشفه هايبرج في القسطنطينية سنة ١٩٠٦؛ قارنه سارتون بكتاب كلود برنار (Claude Bernard) «مقدمة في الطب التجريبي». وله في الفلك «عمل الكرة» (وصف آلة كوكبية تنبئ بالكسوف)، وفي البصريات كتاب المرايا. لم يجاره في الميكانيكا أحد حتى سيمون ستيفن (Stevin) وجاليليو (Galileo) بعده بثمانية عشر قرنًا. نُقلت أعماله في النهضة البيزنطية، وترجمها قسطا بن لوقا وثابت بن قرة جزئيًّا، وويليم الموربيكي (William of Moerbeke) عن اليونانية ‏(فيتربو ١٢٦٩)‏.

أما كونون الساموسي (النصف الثاني من القرن الثالث، مات شابًّا) فدرس تقاطع القطوع المخروطية (وعليه بُني جزءٌ من الكتاب الرابع لأبولونيوس)، وسمّى الكوكبة «ذوائب برنيكة» (Coma Berenices) تيمّنًا بالملكة برينيكا (Berenice) زوجة يوئرجيتيس، فخلّدها الشاعر كليماخوس (Callimachus) والشاعر اللاتيني كاتولوس (Catullus).

أبولونيوس البرجي

أبولونيوس البرجي (Apollonius of Perga) (النصف الثاني من القرن الثالث، وُلد في برجة Perga نحو ٢٦٢، مات نحو ١٩٠) أصغر من أرشميدس بنحو ٢٥ سنة، اتّجهت عبقريته إلى هندسة الأشكال والأوضاع (نظرية القطوع المخروطية) لا القياس. درس بالإسكندرية وزار برجامة (Pergamum). أهدى كتب «القطوع المخروطية» (Conics) الأولى إلى يوديموس البرجي (Eudemus) والباقي إلى الملك أتالوس الأول (Attalus I)؛ وهو في ثمانية مجلدات. وأعظم فضله أنه استخرج الأنواع الثلاثة من مخروط واحد، وسمّاها الأسماء المألوفة: القطع الناقص (ellipse) والمكافئ (parabola) والزائد (hyperbola). أدرك النهايات الصغرى والعظمى (أحسن ما أنتج) ومراكز الانحناء والأقطار المترافقة، لكنه لم يتكلم عن الدليل (directrix) ولم يفطن إلى بؤرة القطع المكافئ. وفي الفلك عمّم نظرية الدوائر الفوقية (epicycles) والبعد عن المركز (eccentric) لتعليل حركات الكواكب، فمهّد مع هيبارخوس وبطلميوس لتأليف «المجسطي» (Almagest)؛ فإن كان أريستارخوس كوبرنيكوس القدماء، فأبولونيوس سلف تيخو براهي. صار «القطوع المخروطية» معيارًا كما كانت «الأصول»؛ حُفظت كتبه ١–٤ باليونانية، وترجم هلال الحمصي (al-Himsi) الكتب ١–٤ وثابت بن قرة الكتب ٥–٧ (والثامن مفقود)، وعلّق عليه إبراهيم بن سنان والكوهي وأبو الفتح الأصفهاني؛ ونشر إدموند هالي (Halley) طبعته الجامعة ‏(أكسفورد ١٧١٠)‏. لم تُستغَلّ إضافاته الرئيسية إلا بعد ثمانية عشر قرنًا بواسطة كبلر.

إراتوستنيس البرقاوي: الجغرافيا والتاريخ

إراتوستنيس بن أجلاوس (Eratosthenes of Cyrene) ‏(نحو ٢٧٣–١٩٢)‏ مختلف عن معاصريه: جغرافيٌّ أولًا، عالِمٌ بأبعاد الأرض، وأديب وفقيه لغة محيط بأشتات المعرفة. وُلد في برقة (Cyrene) (إحدى مدن بنتابوليس الخمس، وموطن المدرسة القورينية Cyrenaic التي أسّسها أريستيبوس Aristippus)، تعلّم في أثينا على أركيسيلاوس البيتاني (Arcesilaus)، ثم دعاه يوئرجيتيس نحو ٢٤٤ إلى الإسكندرية فصار مؤدّبًا لولي العهد وكبير أمناء المكتبة. لُقّب «بيتا» (Beta) (صاحب المرتبة الثانية، تلميحًا حاسدًا) و«بنتاثلوس» (Pentathlos) (بطل الميادين الخمسة)، لكنه احتلّ المرتبة الأولى في الجغرافيا وعلم المساحة.

أعظم أعماله وضع أسس الجغرافيا الرياضية للأرض الكروية. قاس محيط الأرض بحساب المسافة بين مكانين على خط زوال واحد: وجد أنه لا ظلّ في أسوان (Syene) يوم الانقلاب الصيفي (فهي على مدار السرطان)، والفرق العرضي بينها والإسكندرية ٧°١٢′ ‏(١/٥٠ من الدائرة)‏ والمسافة خمسة آلاف ستاديون، فبلغ المحيط بعد قياسات عديدة ٢٥٢٠٠٠ ستاديون ≈ ٣٩٦٩٠ كيلومترًا، بخطأ لا يتجاوز ١٪ عن الواقع ‏(٤٠١٢٠ كم)‏. وعظمة العمل في الطريقة لا في وحدة القياس. في «المذكرات الجغرافية» (Geographica) ‏(ثلاثة أجزاء: تاريخ الجغرافيا، والجغرافيا الرياضية والمناطق المناخية بميل شمس ٢٤°، ورسم الخرائط)‏ رفض تقسيم العالم إلى قارات وقسّمه بخطين متعامدين يتقاطعان في رودس، وحدّد أشكال البلدان بعلامات سمّاها «سفراجيس» (sphragides). وفي الفلك قدّر بُعد القمر بـ٧٨٠ ألف ستاديون والشمس بـ٨٠٤ ملايين. استشاره يوئرجيتيس سنة ٢٣٨ ق.م في إصلاح التقويم، فصدر قرار كانوب (Decree of Canopus) المدوَّن بثلاث لغات. وفي الرياضيات اخترع «مصفاة إراتوستنيس» (Sieve) لاستخراج الأعداد الأولية، وأداة «الميسولابيون» (Mesolabe) لحلّ مشكلة تضعيف المكعّب (الديلوسية)، وكتب «بلاتونيكوس». وكان أول من أطلق على نفسه لقب «فيلولوجوس» (philologos)، ودرس الكوميديا الأتيكية القديمة وهومير.

بوصفه مؤرخًا، حاول إراتوستنيس استحداث تأريخ زمني (كرونولوجيا) موحّد يبدأ من حرب طروادة، فكتب «الكرونوغرافيا» و«الأولمبيونيكاي»، مستكملًا محاولة تيمايوس (Timaeus) في اتخاذ الألعاب الأولمبية مرجعًا دوليًّا. أُقيمت الألعاب في أوليبيا كل أربع سنوات، وعُدّت الأولى ‏(٧٧٦–٧٧٣ ق.م)‏ التي فاز فيها كوروبيوس من إليس (Coroebus)؛ أحياها الإمبراطور هادريان (Hadrian) ثم أُلغيت سنة ٣٩٣م بأمر ثيودوسيوس الكبير. ثم حلّ التأريخ الروماني ‏(تأسيس روما ٧٥٣ ق.م)‏ محلّها، ولم يُستعمل التأريخ الميلادي إلا نحو ٥٢٥م على يد ديونيسيوس الصغير (Dionysius Exiguus). ومن نقوش تلك الحقبة حجر باروس المرمري (Marmor Parium) المكتشَف في باروس، يؤرّخ الأحداث الأثينية من ١٥٨٢ إلى ٢٦٤ ق.م، نشره جون سلدن (John Selden) سنة ١٦٢٨.

الفيزياء والتكنولوجيا في القرن الثالث

كان إقليدس فيزيقيًّا ومؤسّسًا لعلم البصريات الهندسية؛ له «البصريات» (Optica) الأصيل، و«المرايا» (Catoptrica) (يبدأ بالنظرية الفيثاغورية أن أشعة البصر تخرج من العين، ويضع قوانين الانعكاس)، ونُسبت إليه مؤلفات في الموسيقى القانوني» Sectio Canonis) والميكانيكا. أما التكنولوجيا فأصعب تأريخًا لأن المخترعين نادرًا ما يصفون اختراعاتهم. أبرز منشآت العصر منارة فاروس، ثم حفر قناة بين المتوسط والبحر الأحمر (مشروع قديم أنجزه فيلادلفوس)، وطريق قفط (Coptos) إلى ميناء برنيكا (Berenice) على البحر الأحمر.

اقتنى بطلميوس الرابع فيلوباتر مراكب مشهورة وصفها أثينيوس (Athenaeus) عن كاليكسينوس الرودسي (Callixenus): «الأربعينية» (the Forty) بطول ٢٨٠ قدمًا عمل عليها أكثر من أربعة آلاف مجدّف و٢٨٥٠ بحّارًا، أُنزلت للماء بطريقة فينيقية عبر قضبان انزلاق؛ و«حاملة القمرة» (Thalamegos) الزورق النهري الفخم ‏(٣٠٠ قدم)‏ بصالات ومعابد لأفروديت وديونيسيوس. وبنى هيرون الثاني ملك سيراكوز، بمعاونة أرشميدس والمعماري أرخياس الكورنثي (Archias of Corinth)، سفينة عملاقة سُمّيت «سيراكوزيا» (Syracusia) ثم «ألكسندريس» حين أهداها إلى بطلميوس؛ جُهّزت بمكتبة وحدائق ومعبد وحمّامات وثمانية أبراج قذف ومنجنيق يقذف حجرًا وزنه ١٨٠ رطلًا، ونزح ماءها بلولب أرشميدس، وأنزلها أرشميدس وحده بـأسطوانة اللف (windlass).

في الغرب الروماني، أبرز المنشآت قنوات المياه (الأكوادكت): أكوا أبيا (Aqua Appia) أقدمها (٣١٢ ق.م، بناها أبيوس كلوديوس Appius Claudius الذي أنشأ طريق أبيا Via Appia)، ثم أنيو فيتوس (Anio Vetus) (٢٧٢، بناها كوريوس دنتاتوس Curius Dentatus، طوله ٤٣ ميلًا)؛ وميناء تاراكو (Tarraco) في إسبانيا. لم يبتكر الرومان تكنولوجيا جديدة، بل كانت أهمية منشآتهم إداريةً تُجسّد نموّ النظام الروماني.

التشريح في القرن الثالث

كان عصر الإسكندرية بداية التشريح النظامي، أتاح فيه حرية غير عادية من التعصّب الديني. برز عبقريّان لا يُقارَن بهما إلا عصرا جالينوس (Galen) وفيزاليوس (Vesalius). هيروفيلوس الخالكيدوني (Herophilus of Chalcedon) (المولود أواخر القرن الرابع، تلميذ براكساجوراس الكوسي Praxagoras‏)‏ مؤسّس التشريح النظامي وأول من مارس تشريح الإنسان (بشهادة جالينوس)؛ اضطُرّ لتسمية كل عضو يكتشفه، فوصف الدماغ وميّز المخ (cerebrum) من المخيخ (cerebellum) والسحايا (meninges)، والأعصاب من الأوتار، وأعصاب الإبصار والرتينة (retina)، والاثنا عشري (duodenum) والكبد والبنكرياس؛ وفرّق الشرايين من الأوردة، ورفض خطأ أرسطو فأحيا رأي ألكمايون (Alcmaeon) بأن الدماغ مقرّ الذكاء. أما إيرازيستراتوس اليوليسي (Erasistratus of Iulis/Ceos) (نحو ٣٠٤، من كيوس Ceos، تلميذ مترودوروس وخريسيبوس الكنيدي) فـمؤسّس علم الفسيولوجيا (وكذلك التشريح المقارن والمرضي)؛ اعتمد النظرية الذرّية ومبدأ «الطبيعة تكره الفراغ»، ولو لم يظنّ الشرايين مملوءة بالهواء لاكتشف الدورة الدموية؛ أصاب في وصف لسان المزمار (epiglottis) والصمّام ثلاثي الشُّرَف (tricuspid)، وفرّق الأعصاب الحركية من الحسّية، وأجرى تجارب على الأحياء. وتردّد خبر — استنادًا إلى نصّ سلسوس (Celsus) — أن العالِمَين شرّحا أحياء من المجرمين بإذن الملوك، وهي تهمة لم تثبت (لصمت جالينوس عنها). آخر أعلام المدرسة معاصرهما الأصغر يوديموس السكندري (Eudemus of Alexandria) الذي درس الجهاز العصبي وعلم الجنين؛ فتسلسلت تقاليد التشريح: أرسطو ← ديوكليس (Diocles) ← براكساجوراس ← هيروفيلوس ← إيرازيستراتوس ← يوديموس.

الطب في القرن الثالث

كان المشرّحون أطباء مدرَّبين. أدخل براكساجوراس فحص النبض (pulse)، وحسّنه هيروفيلوس بـساعة مائية (clepsydra)، وأدخل أدوية جديدة ولجأ إلى فصد الدم. ونبذ إيرازيستراتوس نظرية الأخلاط (humors)، وفرّق التدبير الصحي من المداواة، معليًا التغذية والرياضة، مخترعًا القسطرة السجميّة. وكتب أبولودوروس (Apollodorus) السكندري عن السموم والترياقات، فكان مصدر نيكاندروس القولوفوني (Nicander of Colophon) ‏(نحو ٢٧٧، كاهن أبولون)‏ في قصيدتيه «الترياقات» (Theriaca) ‏(٩٥٨ شطرة)‏ و«العقاقير المضادّة للسموم» (Alexipharmaca) ‏(٦٣٠ شطرة، فيها وصف حسن لـالتسمّم بالرصاص)‏، وهو أول من أشار إلى قيمة العلق الماصّة (leeches). وفيلينوس القوسي (Philinus of Cos) تلميذ هيروفيلوس أسّس مدرسة الطب التجريبي (Empiricist) برفضه التشخيص بالنبض. وأندرياس (Andreas) طبيب بطلميوس الرابع قُتل سنة ٢١٧ قبيل موقعة رفح، وله كتاب أدوية اسمه «نارثكس» (Narthex). وفي روما، أول طبيب يوناني معروف أرخاجاثوس (Archagathus) الذي فتح عيادته سنة ٢١٩ ق.م ونال المواطنة الرومانية، لكنه اتُّهم بالزندقة لإيمانه بالمداواة أكثر من حماية الآلهة — تهمة تكرّرت كلما اعتمدت المداواة على العلم.

المكتبة

كانت المكتبة قسمًا ضروريًّا من الموسيون في حي البروخيون. مكتبة الإسكندرية أشهر مكتبات العالم القديم لا أقدمها؛ سبقتها مجموعات البردي المصرية والألواح المسمارية (مكتبة آشور بانيبال Ashurbanipal بنينوى). جمع ديمتريوس الفاليري نواتها، وأمر بتأسيسها بطلميوس الأول وأكملها الثاني. وأمناؤها الثمانية: زينودوتوس الأفسي (Zenodotus of Ephesus) ‏(~٢٨٤–٢٦٠)‏، ثم كاليماخوس البرقاوي (Callimachus) ‏(٢٦٠–٢٤٠)‏، ثم أبولونيوس الرودسي (Apollonius of Rhodes) ‏(٢٤٠–٢٣٥)‏، ثم إراتوستنيس ‏(٢٣٥–١٩٥)‏، ثم أريستوفانيس البيزنطي (Aristophanes of Byzantium) ‏(١٩٥–١٨٠)‏، ثم أبولونيوس إيدوجرافوس (Eidographos)، ثم أريستارخوس الساموثراقي (Aristarchus of Samothrace) ‏(١٦٠–١٤٥)‏. نمت المكتبة بسرعة، فأُنشئ لها ملحق في السارابيون أُعطي نحو ٤٢٨٠٠ لفافة، وصادر بطلميوس الثالث كتب المسافرين لنسخها والاحتفاظ بالأصول (كما احتفظ بأصول أيسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس الأثينية وضحّى بتأمينها). قُدّر محتواها بين ٤٠٠٠٠٠ و٧٠٠٠٠٠ لفافة، وإن اختلف المعنى (مؤلفات أم لفائف).

لم يكن أمناؤها أمناء بالمعنى الحديث بل علماء فقه لغة؛ واجهوا مشكلة تصنيف لفائف البردي وفهرستها وتحقيق متونها. كان زينودوتوس أول أمين فعلي، أنتج المراجعة الأولى للإلياذة والأوديسا وقسّم كلًّا منهما ٢٤ فصلًا، وعاونه إسكندر الأيتولي (Alexander Aetolus) وليكوفرون الخالكيسي (Lycophron). وصنّف كاليماخوس فهرسه «بيناكيس» (Pinakes) في ١٢٠ لفافة موزّعة ثمانية أقسام، وهو أشبه بـ«تاريخ الأدب اليوناني»، فلُقّب «المفهرس الأول» (قارنه سارتون بـ«الفهرست» لابن النديم). وإراتوستنيس كان المصنِّف الأول للكتب العلمية. وأريستوفانيس البيزنطي من أعظم فقهاء اللغة القدامى، أدخل قواعد نقد المتون وعلامات الترقيم (متقدّمًا على عصره). وأريستارخوس الساموثراقي (من جزيرة ساموثريك، مسقط تمثال النصر Nike‏)‏ وضع نحو ٨٠٠ لفافة نقدية وميّز ثمانية من أنواع الكلم؛ اضطُرّ للرحيل عن الإسكندرية سنة ١٤٥ فمات في قبرص. وتوازى في العصر الإسكندري تطوّرُ علم النحو (تحليل اللغة) مع علم التشريح (تحليل الجسم).

في صناعة البردي: الوحدة الورقة تُلصق (kollema) لتكوين لفافة ‏(طولها المصري قد يبلغ ١٣٣ قدمًا، واليونانية أقصر)‏؛ الكتابة على الوجه (recto)، والورقة الأخيرة بروتوكولون (protokollon) ومنها «بروتوكول». كان البردي غاليًا (استُعمل الشقاف ostraca‏)‏، احتكارًا حكوميًّا، وحلّ محله الرقّ (parchment) حين حرّم بطلميوس أبيفانس تصدير البردي. وُلد علم البردي (Papyrology) سنة ١٨٩٥–٩٦ (في سنة اكتشاف أشعة رونتجن)، وأغنى مواقعه أوكسيرنخوس (Oxyrhynchus). أما نهاية المكتبة فبعد أريستارخوس دخلت سباتًا عميقًا؛ أحرق يوليوس قيصر سنة ٤٨ ق.م جزءًا كان قد حُمل إلى الميناء، فعوّض أنطونيوس كليوباترا سنة ٤١ ق.م بنحو ٢٠٠٠٠٠ مؤلَّف من مكتبة برجامة؛ ثم كان أعظم أعدائها المسيحيون، فهُدم السارابيون بأمر ثيوفيلوس نحو ٣٩١–٤١٦م. ودحض سارتون قصة تدمير المسلمين للمكتبة عند فتح الإسكندرية ٦٤٠/٦٤٥ ونسبتها إلى عمر بن الخطاب، لأنه لم تكن فيها مؤلفات كثيرة وقتذاك، ولأن المسيحيين المتعصّبين سبق أن دمّروها.

الفلسفة والدين في القرن الثالث

ظلّت أثينا مركز الفلسفة رغم اضمحلالها السياسي. المدارس الأربع الكبرى: الأكاديمية والليقيوم والحديقة (الأبيقورية) والرواق، ومعها الكلبيون والشكّاك. في الأكاديمية خلف أفلاطون سبوسيبوس (Speusippus) ثم كسينوكراتيس (Xenocrates) ثم بوليمون (Polemon) ثم كراتيس (Crates)، ثم وجّهها أركيسيلاوس البيتاني وجهة الأكاديمية الجديدة الشكّية، فخلفه لاكيدس القوراني (Lacydes). ونشأت مدارس إقليمية: ميجارا (Megarian) (أسّسها إقليدس الميجاري Euclid of Megara ثم ستلبون Stilpo‏)‏، وإريتريا (مِنيديموس Menedemus‏)‏، والقورينية (أريستيبوس وابنته أريتيه Arete وثيودوروس الملحد وهيجيسياس وأنيقيريس). أما الليقيوم (المشّائية) فأشرف عليه بعد أرسطو ثيوفراستوس ٣٨ سنة، ثم سترّاتون ثم ليكون الطرواسي (Lyco) ثم أريستون الأيولي (Ariston).

كانت الرواقية (Stoicism) أهمّ المدارس وأبعدها أثرًا، أرفعَ المذاهب الأخلاقية القديمة، دعت إلى الفضيلة والواجب والقدر والاكتفاء بالذات (autarkeia) والسكينة (ataraxia)؛ لكنها اهتمّت بالعلم قليلًا وناصرت التنجيم. أسّسها زينون الكِتْيوني ‏(الفينيقي الأصل، حتى ٢٦٤)‏، وخلفه كليانتيس الأسّوسي (Cleanthes) ‏(٢٦٤–٢٣٢، صاحب «أنشودة إلى زيوس»)‏ ثم كريسيبوس الصولي (Chrysippus) ‏(٢٣٢–٢٠٧)‏ أعظم منظّريها («لولا كريسيبوس ما كان هناك رواق»). أما الكلبيون (Cynics) فأولهم أنتيسثينيس (Antisthenes) وأشهرهم ديوجينيس السينوبي (Diogenes) الذي تحدّى الإسكندر، ومنهم كراتيس الطيبي؛ والشكّاك (Skeptics) أولهم بيرون (Pyrrho) ‏(نحو ٣٦٠–٢٧٠)‏ وتلميذه تيمون الفليوسي (Timon). أكبر الرعاة الملوك أنتيجونوس جوناتاس ملك مقدونيا، ويومينيس الأول ملك برجامة.

في الدين، سادت تيخي (Tyche = الحظّ) وفكرة المقادير (Moirai) الثلاث (كلوتو، لاخيزيس، أتروبوس)، وشاع التنجيم (Astrology) الوافد من بابل ومصر (منازل البروج، الدِّيكانات decans، الكواكب السبعة، والمطابقة بين الكون الأكبر والأصغر وقداسة العدد سبعة). أقدم نصوصه منسوب إلى هرمس تريس ماجستوس (Hermes Trismegistus)، وناقله الأكبر بيروسوس (Berossus) الذي أسّس مدرسة تنجيم في كوس؛ وناقش أبولونيوس المِيندوسي وأبيجينيس البيزنطي طبيعة المذنّبات (وتنبّأ سنكا Seneca بمن يكتشف مداراتها). امتاز التنجيم البطلميوسي بخلوّه من الاهتمام بالحياة بعد الموت. وقُبِل عند الأبيقوريين أن أخلاقهم كانت أعلى من الرواقيين، وأنهم رفضوا الخرافات والتنجيم.

أما الأديان الشرقية فازداد استشراقها: ديونيسيوس (Dionysus) بصورته الفريجية سابازيوس (Sabazius)، والثالوث المصري سارابيس وإيزيس وحوروس — وكانت إيزيس أعظمها، مهّدت طقوسُها السبيل إلى طقوس مريم العذراء. وبقي دين بني إسرائيل شرقيًّا عصيًّا على الاستيعاب اليوناني؛ هاجر يهود كثيرون إلى مصر بعد السبي البابلي ‏(٥٩٧ و٥٨٦)‏، وانقسموا فريقين: مائل إلى الهلِّنية (نسي العبرية، وانعكس فكره في «الجامعة» و«حكمة بن سيرا») ومتمسّك بالتقاليد يتكلم الآرامية (فاحتاج إلى الترجم/التفسير الكلداني targum‏)‏؛ ولم يتمّ تحقيق النص العبري إلا في القرن الثاني الميلادي على يد جماعة الكاتبين (Sopherim) والماسورتيّين (Masoretes).

المعرفة بالتاريخ في القرن الثالث

كان أعظم بطل العصر الإسكندر الأكبر، فأحاط نفسه بأدباء ومؤرخين. أرّخ لحملته نحو خمسين مؤرخًا (جميعهم مفقود): كليتارخوس (Cleitarchus)، وبطلميوس لاجوس، وأريستوبولوس (Aristobulus)، وكاليسثينيس (Callisthenes) ابن أخت أرسطو ‏(أُعدم ٣٢٧)‏، ونيارخوس الكريتي (Nearchus)، وأونيسيكريتوس. والمؤلَّف التاريخي الرئيسي الباقي كتاب أريانوس النيقوميدي (Arrian) المعتمد على مذكرات بطلميوس، وإلى جانبه ديودور الصقلي (Diodorus Siculus) وكوينتوس كورتيوس (Quintus Curtius) وجوستينوس (Justin) وبلوتارك. ونشأت «أسطورة الإسكندر» في أكثر من ثمانين رواية بأربع وعشرين لغة.

من مؤرخي القرن: كراتيروس الأصغر (Craterus) (جمع قوانين الأثينيين)، وفيلوخوروس الأثيني (Philochorus) (صاحب «آتثيس Atthis»، أُعدم نحو ٢٦١)، وهيرونيموس الكاردي (Hieronymus of Cardia) أعظم مؤرخي عصره ‏(كتب تاريخ خلفاء الإسكندر ٣٢٣–٢٧٥، اعتمد عليه ديودور وبلوتارك وأريانوس)‏، ودوريس الساموسي (Duris)، ومينيبوس الجداري (Menippus of Gadara) صاحب «الهجاء المينبي». ومهّدوا للمؤرخ بوليبيوس (Polybius). أما أول المؤرخين الرومان فـك. فابيوس بكتور (Fabius Pictor) ول. كِنكيوس اليمينوس (Cincius Alimentus)، كتبا تاريخ روما باليونانية من وصول أينياس (Aeneas) حتى الحرب البونية الثانية، في زمن صعود روما إبان حروب بيروس (Pyrrhus) والحروب البونية التي حسمتها معركة زاما (Zama) سنة ٢٠٢ بانتصار سكيبيو أفريكانوس على هانيبال.

اللغة والفنون والآداب

كان القرن الثالث عصرًا ذهبيًّا لفقه اللغة اليونانية (Philology)، وثيق الصلة بنشأة المكتبات، وقد سبق ذكر أعلامه (زينودوتوس، كاليماخوس، أريستوفانيس البيزنطي). ولم تُطفئ النهضة السكندرية نشاط المسرح الأثيني، فظهرت «الملهاة الجديدة» (New Comedy) على يد فيليمون (Philemon) ‏(وُلد ٣٦١ بسولي، كتب ٩٧ ملهاة)‏ وميناندروس الأثيني (Menander) ‏(٣٤٢–٢٩١، تلميذ ثيوفراستوس وأبيقور)‏، أعظمهما، الذي لم تصلنا له مسرحية كاملة (أحسن شذراته من «الفلاح Georgos») بل وصل بترجمات بلاوتوس (Plautus) وتيرنتيوس (Terence)؛ قُورن بـموليير (Molière)، وصارت أبياته أمثالًا.

ومن شعراء العصر: أسكليبياديس الساموسي (Asclepiades) (الإبيجرامات)، وفيلتاس الكوسي (Philitas of Cos) معلّم فيلادلفوس ومؤسّس مدرسة الشعر السكندري، وليكوفرون صاحب قصيدة «ألكسندرا» (Alexandra) الغامضة، وهيروداس (Herodas) صاحب الميميّات (Mimes) ‏(اكتُشفت بردية أعماله ١٨٩٠)‏، وكاليماخوس الشاعر العالِم صاحب «أيتيا / الأصول» (Aetia) و«خصلة شعر برينيكا» (التي أخذها تنيسون Tennyson‏)‏، وتيمون الفليوني، وبوفوريون الخالكيسي (Euphorion) أمين مكتبة أنطاكية، وريانوس الكريتي (Rhianus) صاحب ملحمة «مسينياس»، وكركيداس الميجالوبولي (Cercidas) الكلبي.

بلغ الشهرة والأصالة شاعران: أبولونيوس الرودسي بملحمته «أرجونوتيكا» (Argonautica) (رحلة السفينة أرجو Argo بقيادة ياسون Jason لطلب الفروة الذهبية بمعاونة ميديا Medea‏)‏، وقد خاصم أستاذه كاليماخوس أشهرَ خصام أدبي في العصر؛ والكتاب الثالث فيها أول قصة حب مفصّلة أثّرت في الآداب الأوروبية. وثيوكريتوس السيراكوزي (Theocritus) ‏(نحو ٣١٠–٢٥٠)‏ أعظم شعراء العصر الهلِّنستي، مبتكر الشعر الرعوي (Bucolic) — «شاعر الشمس المشرقة» — تلاه موسخوس (Moschus) وبيون الأزميري (Bion)؛ وقصائده خالدة لأن الشعر لا يتقادم كما يتقادم العلم المصطنع.

في النحت، شجّع البطالمة الفن اليوناني. أعظم أساتذته ليسيبوس السيكيوني (Lysippus of Sicyon) مثّال الإسكندر ‏(نحو ١٥٠٠ قطعة، أرسى قاعدة أنحف للجسم، ومنه ربما نقوش «تابوت الإسكندر»)‏، وتلميذه خاريس اللِّندوسي صاحب كولوسوس رودس؛ وأخو ليسيبوس ليسيستراتوس (Lysistratus) أول من صنع قوالب الجبس من الوجوه. وازدهرت مدرسة برجامة برعاية أتالوس الأول بعد هزيمته الجالاتيين، وفنانها أنتيجونوس الكاريستوسي (Antigonus of Carystus) وسوسوس (Sosus) الفسيفسائي. ومن أروع تحف العصر تمثال النصر الساموتراقي (Winged Victory / Nike of Samothrace) ‏(اكتُشف ١٨٦٣، من روائع اللوفر)‏، وسيدة إيلخي (Lady of Elche) الإسبانية، وتماثيل تناجرا (Tanagra) الفخارية الصغيرة (بتأثير براكستيليس Praxiteles‏)‏. أما فن الرسم فاندثرت آثاره؛ أعظم مصوّريه أبلليس الكلوفوني (Apelles of Colophon) مصوّر بلاط الإسكندر، وأشهر لوحاته «أفروديتي الصاعدة من الموج» (Aphrodite Anadyomene)، وله «لا يمرّ يوم دون عمل»؛ ومعاصروه بامفيلوس (Pamphilus) وباوسياس (Pausias) (بالتصوير بالشمع encaustic‏)‏ وبروتوجينيس (Protogenes) وأنتيفيلوس (Antiphilus)، وكان سيكيون (Sicyon) مدرسة للفن. وفي روما أقدم رسّام فابيوس بكتور زخرف معبد سالوس (Salus) سنة ٣٠٢. وارتقى فن نقش الأحجار الكريمة على يد بيرجوتيليس (Pyrgoteles) الذي انفرد بنقش خواتم الإسكندر وأختامه.

الاستشراق في القرن الثالث

من أعجب أجزاء العلم الهلِّنستي دراسةُ البلاد والثقافات الشرقية، وتنقسم خمسة أقسام: الهند ومصر وبابل وفينيقية وفلسطين.

في الهند، بنى نيارخوس (Nearchus) أسطولًا على نهر هيداسبيس (Hydaspes) سنة ٣٢٦، وأبحر إلى الخليج الفارسي في رحلة استغرقت خمسة أشهر، حفظ خلاصتها أريانوس؛ ثم كان ميجاسثنيس المصدر اليوناني الرئيسي عن الهند القديمة بكتابه «إنديكا» (وصف الطريق الملكي ونُصُب الأميال). خلف شاندراغوبتا ابنُه بندوسارا (Bindusara) ثم حفيده أشوكا (Asoka) ‏(حكم من ٢٧٣، تُوّج ٢٦٩)‏، الذي بعد فتحه الدامي لـكالنجا (Kalinga) سنة ٢٦١ تحوّل إلى البوذية وجعلها ديانة دولية، فسُمّي «قسطنطين البوذية». نقوشه ‏(الإيديكتات، بين ٢٦١ و٢٤٢، بالخطّين البراهمي والخاروشطي)‏ أدقّ سلسلة من نوعها؛ ذكر فيها ملوك «يافانا (Yavana)» اليونانيين المعاصرين (أنطيوخس الثاني، وبطلميوس الثاني، وأنتيجونوس جوناتاس، وماجاس Magas، والإسكندر ملك أبيروس)، ودعا إلى اللاعنف (Ahimsa) والتسامح بين الطوائف والعلاج الطبي للإنسان والحيوان (جدل حول تأسيسه أول المستشفيات). أرسل بعثات بوذية أشهرها إلى سيلان بقيادة ابنه مهندا (Mahinda) نحو ٢٤٧، وجمع المجمع البوذي الثالث سنة ٢٤٠ في باتاليبوترا. مات نحو ٢٣٢ فتفكّكت الأسرة الموريّة ‏(سقط آخر ملوكها ١٨٥)‏. وقد وزّر شاندراغوبتا كوتيليا (Kautilya) صاحب رسالة «أرثاشاسترا» (Arthasastra) المكيافيلية.

في مصر، كتب هيكاتايوس التيوسي (Hecataeus) وصفًا رومانتيكيًّا جعل اليونانيين يألفون أن وادي النيل مهد المدنية، ثم تناوله مانيتون (Manetho) — مصريٌّ من سبينيتوس (سمنود) تشرّب الروح اليونانية وصار كاهنًا في هليوبوليس — في كتابه «أيجيبتياكا» (Aigyptiaca) ‏(تاريخ مصر من البداية إلى ٣٢٣، فُقد وبقي مختصره)‏، الذي وضع التقسيم المألوف لأُسَر مصر (القديمة والوسطى والحديثة والمتأخرة)، مستقيًا من سجلات المعابد؛ وأفاد اليهود من تاريخه، وأول من نسب البَرَص لمصر واليهود (منتقدًا من يوسيفوس Josephos‏)‏. ومن وثائق العصر تقويم سايس (Calendar of Saïs) المكتشَف على بردية بـالحبة سنة ١٩٠٢، كتبه أحد أتباع يودكسوس نحو ٣٠٠ ق.م، يبيّن السنة المصرية الجوّالة ‏(٣٦٥ يومًا)‏ ومشارق النجوم ومراحل النيل.

في بابل، كان بيروسوس (Berossus) كاهن مردوك (Marduk) ‏(نبغ في عهد أنطيوخوس الأول سوتر ٢٨١–٢٦٢)‏، وضع كتاب «بابليكا» (Babylonica) في ثلاثة أقسام (من الخليقة عبر الطوفان وعهد نابوناصر Nabonassar — ملك بابل ٧٤٧ — إلى الإسكندر، بجملة نحو ٤٦٨٠٠٠ سنة)، فكان الوسيلة الرئيسية لانتقال التنجيم الكلداني إلى العالم الهلِّنستي، وانتصر علماء الآشوريات على علماء المصريات في التعمّق في الماضي. وفي فينيقية، كتب مينالدروس الأفسوسي (Menander of Ephesus) تاريخًا لمدينة صور (Tyre) (مفقود إلا شذرات عند يوسيفوس)، ذكر فيه حيرم (Hiram) معاصر سليمان.

أما بنو إسرائيل فأبرز إنجاز استشراق العصر الترجمة السبعينية للتوراة (Septuagint)، أُنجزت في مصر بعد أن بدأها الموسيون وفيلادلفوس (كان القرن الثالث قد شهد نشر أسفار عزرا ونحميا والأيام والأمثال). تقول الرواية (المعروفة من خطاب أرِستياس Aristeas‏)‏ إن ديمتريوس الفاليري اقترح على بطلميوس الثاني ترجمة الأسفار الخمسة (Pentateuch)، فأقرّها الحبر إليعازر (Eleazar) وبعث اثنين وسبعين عالِمًا نزلوا فاروس فأنجزوا الترجمة في اثنين وسبعين يومًا (ومن ثمّ اسمها). كُتب أول شطرها بيونانية يهودية ركيكة، وأقدم مخطوطاتها اليونانية أسبق من العبرية، وصارت نصًّا مقدسًا لدى المسيحيين، فنشأ مأثوران للعهد القديم: مسيحي مبني عليها وعلى الفولجاتا (Vulgate) للقديس جيروم (Jerome)، ويهودي مبني على النص العبري المنسَّق. وبذلك يكون في أعناقنا لمصر الهلِّنستية دَينٌ كبير: أول نشرة للأسفار الخمسة في جميع اللغات.

الفصل الخامس: العلم الهلِّنستي — القرنان الأخيران قبل الميلاد

يمتد العصر الهلِّيني نحو ثلاثة قرون، من وفاة الإسكندر الأكبر ‏(نحو 323 ق.م)‏ إلى تأسيس الإمبراطورية الرومانية ‏(نحو 30 ق.م)‏؛ وهذا الفصل مكرَّس لقرنيه الأخيرين، أي طور «انحطاط الهلِّينِستية وسقوطها». كان أهل العلم فيه يونانيين أو مُتهلينين، ودنياهم «العالم المعروف» (Oecumene) موحّدة ثقافياً، لغتها المفضّلة اللهجة اليونانية العامة (Koine)، ومبادئها الفكرية «وحدة البشر» (Homonoia) الإسكندرية و«المشاركة الاجتماعية» (Koinonia) الرواقية، على أن الحروب والثورات لم تتوقف.

البيئة الاجتماعية

العالم الهلِّيني ومراكزه

ظل التهلين مظهرياً في الأقاليم الشرقية، وأخذت القسمة القديمة بين «يونان» و«برابرة» تفقد قيمتها. كورنث ازدهرت حتى 146 ق.م. وظلّت الإسكندرية أعظم مراكز الثقافة الهلِّينِستية وأغناها تجارياً، بلغ سكانها زمن أغسطس نحو المليون، واختلط فيها اليونان والمصريون واليهود؛ آخر ملوكها كليوباترا السابعة (Cleopatra VII، ت 30 ق.م) خاتمة أسرة البطالمة. ومن الجزر الثقافية: ديلوس (Delos) التي أعلنتها روما ميناءً حرّاً سنة 167 إضراراً برودس ثم نُهبت (88، 69‏) قبل أن يطهّر بومبي (Pompey) البحر من القراصنة سنة 67؛ وقبرص التي صارت ولاية رومانية سنة 58؛ ورودس (Rhodes) الدولة البحرية المستقلة، صاحبة «قانون الملاحة الرودسي» الذي غدا أساس قوانين الملاحة الوسيطة.

مملكة سليوكيا (Seleucid) شملت سورية وما بين النهرين؛ استولى أنطيوكس الثالث الكبير (Antiochus III، 223–187) على أرمينية ثم هزمته روما في ثرموبيلاي (196) ومغنيسيا (Magnesia) فأُجبر على صلح أبامية (Apamea) 188؛ وحاول أنطيوكس الرابع إبيفانِس (Antiochus IV Epiphanes، 175–164) فرض الهلِّينِستية على اليهود فأثار ثورة المكابيين (168)، فنال اليهود حرية دينهم سنة 164 واستقلالهم السياسي سنة 142؛ ثم صارت المملكة ولاية رومانية سنة 64. عواصمها ومدنها: أنطاكية على العاصي ‏(ضمّها بومبي سنة 64‏)‏، وأفاميا (Apamea) القلعة العسكرية، وسِمِرنة/أزمير (Smyrna).

بلغت مملكة برجامة (Pergamum) الأتالية ذروتها بـأتالوس الأول سوتِر (Attalus I Soter، 241–197) ويومينيس الثاني (Eumenes II، 197–159)؛ شُيّدت على تلّ وعْر عند ملتقى ثلاثة أنهار، وفيها المذبح الكبير الذي يمثّل صراع الآلهة والمردة، ومكتبة هي ثاني أعظم مكتبات العالم القديم. وأوصى أتالوس الثالث (Attalus III، 138–133) — المولع بدراسة الأعشاب والسموم — بمملكته لروما فصارت ولاية «آسيا» سنة 133. وفي أفسس (Ephesus) قام معبد آرتِمِس (Artemis) الذي أُحرِق ليلة مولد الإسكندر (356) وأعيد بناؤه، وظلّت المدينة كبرى ولاية آسيا حتى خرّبها القوط سنة 262 ب.م. أما في الغرب فسقطت سيراكوز (Syracuse) للرومان سنة 212 مقترناً بمقتل أرشميدس (Archimedes)، وهُدمت قرطاجة (Carthage) سنة 146 ولم يبقَ من تراثها إلا مؤلَّف ماجو (Mago) الزراعي.

نمو روما، قيصر وأغسطس

أبرز خصائص الحقبة نمو روما المطّرد؛ تأسّست بتقويمها الذاتي سنة 753 ق.م، وتورّطت في الشؤون الهلِّينِستية نحو سنة 212. خاضت الحروب القرطاجية ‏(البونية: 264–241، 218–201، 149–146‏)‏ والمقدونية والسورية، وحرب الغال (58–51) وغزو بريطانيا (54)، وشهدت إصلاحات الأخوين جراكوس (Gracchi، 133–121) وحروب العبيد والحرب الاجتماعية (91–88) والحرب الأهلية (88–82، انتهت بدكتاتورية سُلّا Sulla) وثورة سبارتاكوس (73–71). هزم فلامنينوس (Flamininus) المقدونيين في سينوسِفاليا (Cynoscephalae، 197‏) ونادى بحرية اليونان سنة 196، وانتصر أميليوس باولوس (Aemilius Paullus) على برسيوس (Perseus) في بيدنا (Pydna، 168‏) فصارت مقدونيا أول ولاية هلِّينِستية سنة 148. وفي «العام الذهبي» 146 هُدمت قرطاجة (على يد سكيبيو إميليانوس Scipio Aemilianus‏)‏ وكورنث (على يد موميوس Mummius‏)‏. ثم توالت الولايات: آسيا (133)، فريجيا (116)، مع صعود مثرِداتيس السادس يوباتِر (Mithridates VI Eupator) ملك البنطس الذي دبّر سنة 88 مذبحة عامة للرومان ‏(نحو 10000 نسمة)‏ في آسيا الصغرى؛ فقهره بومبي وأنهى حكم السليوكيين، وصارت بنطس وبِثينية وسورية ولايات سنة 64، وكريت 66، وقبرص 58، ومصر 30، وجلاتيا 25.

يرمز للفترة ثلاثة أعلام: بومبي الكبير (Pompey the Great) قاهر مثرِداتيس ومحطّم القراصنة، هزمه قيصر في فرسالوس (Pharsalus، 48‏) وقُتل بمصر؛ ويوليوس قيصر (Julius Caesar) العبقري العسكري والأديب الذي انتصر على فرناكيس (Pharnaces) في زيلا (Zela، 47‏) برسالته «أتيت، رأيت، قهرت» (Veni, vidi, vici)، وعلى بقايا جيش بومبي في ثابسوس (Thapsus، 46‏)، ثم دبّر بروتوس (Brutus) وكاسيوس (Cassius) اغتياله في منتصف آذار 44؛ وأكتافيانوس (Octavianus)، ابن أخت قيصر، الذي كوّن مع أنطونيوس (Marcus Antonius) وليبيدوس (Lepidus) الحلف الثلاثي الثاني (43) — اغتيل فيه شيشرون (Cicero) يوم 7 ديسمبر 43 — وهزم كاسيوس وبروتوس في فيليبّي (Philippi، 42‏). تحالف أنطونيوس مع كليوباترا (لقيها في طرسوس Tarsus سنة 41، تزوّجها سنة 36‏)‏، فهزمهما أكتافيوس في معركة أكتيوم (Actium) البحرية سنة 31، وانتحرا سنة 30، وصار أكتافيوس سيد العالم. أعاد «الجمهورية» شكلياً وأُغلق معبد جانوس سنة 29، ودُعي أغسطس (Augustus) سنة 27 ق.م إمبراطوراً مطلق السلطان، فالكاهن الأعظم (Pontifex Maximus) سنة 13، و«أبا الوطن» سنة 2 ق.م، وتوفي سنة 14 ب.م بنولا. من وثائقه الباقية «وصيته السياسية» (Res Gestae) المنقوشة على معبده في أنقرة (Monumentum Ancyranum).

المكتبات والمحفوظات

وُجدت مكتبة خاصة شبه عامة في كل مدينة كبرى: مكتبة أنطاكية التي أسّسها أنطيوكس الأكبر نحو 221 تحت إشراف الشاعر يوفريون الخالكيسي (Euphorion of Chalcis)؛ ومكتبة برجامة التي قيل إنها بلغت نحو 200,000 مجلّد أهداها أنطونيوس (بزعمهم) إلى كليوباترا نحو سنة 34. وحين أراد يومينيس إغراء أريستوفانيس البيزنطي (Aristophanes of Byzantium) خازن مكتبة الإسكندرية، أمر بطلميوس بمنع تصدير البردي، فطوّر البرجاميون استعمال الجلد، ومنه اسم «الرِّق» (parchment) المأخوذ من اسم برجامة؛ ولم يشِع التحوّل من البردي إلى الرِّق ومن الدرج إلى السِّفر (Codex) إلا في الأزمنة المسيحية. أما مكتبات روما فأولها الهامة مكتبة لوكولّوس (Lucius Licinius Lucullus، نحو 117–56‏)، وأول مكتبة عامة أقامها جايوس أسينيوس بوليو (Gaius Asinius Pollio) في «قاعة الحرية» سنة 37، ثم أسّس أغسطس مكتبتين ‏(إحداهما على الكابيتول سنة 28‏)‏ أشرف عليهما س. يوليوس هيجينوس (Gaius Julius Hyginus)؛ وكان سُلّا قد جلب إلى روما بقايا مكتبة أرسطو سنة 84. ومن المكتبة انحدرت فكرة المتحف (Museum) أي «معبد ربّات الفنون». وإلى جانب المكتبات كانت المحفوظات الوثائقية، والنشرة اليومية الرسمية «الأعمال اليومية» (Acta Diurna) الصادرة منذ قنصلية قيصر الأولى ‏(59 ق.م)‏ والمشتملة على المواليد والوفيات والأخبار المالية والمحاكمات ومقتطفات من مجلس الشيوخ (Acta Senatus)، وكانت أهم الأنباء تُكتب على لوحات إعلان (alba) بالأسود وعناوينها بالأحمر (rubricae).

الدين في القرنين الأخيرين

كانت الحالة الدينية صراعاً مثلّث الوجوه: الديانة اليونانية الخالصة، والديانات الشرقية، والديانة اليهودية. قامت الديانة اليونانية على الميثولوجيا القديمة وديانات الأسرار (mysteries)، وأُضيفت إليها آلهة شرقية مثل إيزيس وأوزيريس وسيرابيس (Serapis) وميثرا (Mithra) والأم العظمى سيبيله (Cybele)؛ وظلّ إسكلابيوس (Asklepios) إله الشفاء حيّاً. أعاد بطلميوس الرابع فيلوباتر (221–205) تنظيم أسرار ديونيسوس (Dionysos)، وأُلغيت الباخوسيات في روما نحو 186، بينما احتفظت الأعياد الأليوسينية (Eleusinian) بشعبيتها. ودفع اليأس عامة الناس إلى الآلهة الشرقية والسحر والعلوم الخفية.

اليهود وأدبهم

احتفظ كثير من اليهود بعقيدتهم رغم اتخاذهم اليونانية بدل الآرامية، وكان لـالترجمة السبعينية (Septuagint) أثر بعيد. تعدّد الأدب العبري في القرنين الأخيرين، ومنه أسفار الشعر والحكمة: المزامير (Psalms)، والأمثال (Proverbs)، وصلاة منسّى، والأسفار الحكمية الثلاثة الهلِّينِستية: الجامعة (Ecclesiastes/قوهلت) — الذي يرى جانتز (Gandz) أن «قوهلت» فيه رئيس معلّمين لا ملك، وفيه أقوال إبيقورية الروح — ويشوع بن سيراخ (Ecclesiasticus/Ben Sira) المؤلَّف نحو 180 والمترجَم نحو 132، المتضمّن إشارات إلى نظرية الأضداد عند إمبيدوكليس (Empedokles) وإلى نظرية أرسطو في القلب، وحكمة سليمان (Wisdom of Solomon) ذي الإشارة إلى العناصر الأربعة. وأهمّ سفر تاريخي دانيال، المؤلَّف زمن أنطيوكس الرابع (172–164)، وإليه أُضيفت في السبعينية أقسام ثلاثة: تسبحة الغلمان الثلاثة، وقصة سوسنة (Susanna)، وقصة بال (Bel) والتنّين، أعاد ترجمتها ثيودوتيون (Theodotion) من أفسس. ومن الأبوكريفا: طوبيا (Tobit)، ويهوديت (Judith)، وأستير (Esther) (وعيد الفوريم Purim‏)‏، وأسفار عزرا (Ezra)، وأسفار المكابيين (Maccabees) الخمسة ‏(أوّلها وحده وثيقة تاريخية صحيحة، يعالج 175–132 ق.م بتقويم سليوقي يبدأ 311 ق.م)‏، وأسفار اليوبيل وأخنوخ (Enoch) ووصايا الآباء الاثني عشر وصعود موسى. وضُبط النص العبري ببطء حتى تكوّن النصّ الماسوري (Masora)، عملت فيه مدرستان: طبرية (Tiberias) برئاسة ابن أشير (Ben Asher)، وبابل برئاسة ابن نفتالي.

أدراج البحر الميت واليهود واليونانيون

في ربيع 1947 اكتُشفت أدراج البحر الميت العبرية في كهوف قرب خربة قمران (Qumran)؛ ونُسبت إلى جماعة الأسينيين (Essenes)، فرقة يهودية شيوعية زاهدة أسّست ديراً نحو 136–106 ق.م ظلّت فيه حتى 68 ب.م، وأدراجها حلقة وصل بين العهدين القديم والجديد. وكانت الجاليات اليهودية كبيرة (أكبرها الإسكندرية)، أكثرها يتكلم اليونانية ويسمّي إلهه Theos Hypsistos. يقول تارن (Tarn) إن الهلينية وقعت «بين المطرقة والسندان»: سيف روما وحضارتا مصر وبابل. وحين كرّس أنطيوكس الرابع هيكل سليمان لزيوس سنة 167 (ورئيس الكهنة ياسون ممّن مالوا إلى الهلينية)، قامت ثورة المكابيين، فأُعيد التكريس ليهوه سنة 164، ونال اليهود الاستقلال سنة 142، وزال السليوكيون بموت أنطيوكس سنة 129. تلا ذلك حكم يوحنا هيركانوس (John Hyrcanus) حتى 104، ثم تدخّل بومبي سنة 63، فولّى الرومان هيرودس الكبير (Herod the Great، 37 ق.م – 4 ب.م)، ثم صارت اليهودية إيالة رومانية بعد نحو سنة 6 ب.م. أما فكرة أن الحكمة اليونانية مقتبسة من مصادر يهودية — التي روّجها أريستوبولوس (Aristobulus) ثم اليوناني الإسكندر البحّاثة (Alexander Polyhistor) — فيردّها سارتون؛ فسابقو اليونان كانوا المصريين القدماء والبابليين لا اليهود، وإنما ضخّم التاريخَ اليهودي دعاةُ المسيحية أمثال يوستين الشهيد (Justin Martyr).

العبادات القومية

من العبادات ما يؤدّي إلى الانعزال، مثل عبادة الإله المدينيّ، وأخطرها عبادة الحاكم التي بدأها الإسكندر، فأُلِّه البطالمة (أوّل من تلقّب «الإله المتجلّي/Epiphanes» بطلميوس الخامس) وأُلِّه يومينيس الثاني حيّاً، ولُقّب بعض السليوكيين والبطالمة «Theos». وانتقلت البدعة إلى روما: خوطب قيصر مخاطبة الآلهة، وعُدّ أغسطس إلهاً وأُدمجت عبادته بعبادة الإلهة روما (Roma). وصارت هذه العبادات واجبات وطنية، فكان امتناع اليهود عنها سبب اضطهادهم — لأسباب سياسية لا دينية.

الفلسفة في القرنين الأخيرين

قامت المدارس في أثينا والإسكندرية وبرجامة ورودس وروما، وظلّت المدارس الأثينية الأربع مزدهرة: الأكاديمية (أفلاطون)، والليقيوم (أرسطو، المشّاؤون)، والرواق/الستوا (زينون، الرواقيون)، والحديقة (أبيقور). من رؤساء الأكاديمية كارنيادس القيريني (Carneades of Cyrene) مؤسّس الأكاديمية الثالثة، أحد وفد الفلاسفة الثلاثة إلى روما (156–155) مع كريتولاوس (Critolaus) المشّائي وديوجينيس البابلي (Diogenes of Babylon) الرواقي، وقد نُدّد بالكهانة والتنجيم؛ ثم فيلون اللاريسي (الأكاديمية الرابعة) وأنطيوكس العسقلاني (Antiochus of Ascalon) (الخامسة). ومن الليقيوم أندرونيكوس الرودسي (Andronicus of Rhodes) الذي حرّر مؤلفات أرسطو نحو 70 ق.م. ومن الرواق: زينون الطرسوسي وأنتيباتروس الطرسوسي وبانايتيوس الرودسي (Panaetius). ومن الحديقة زينون الصيداوي (Zeno of Sidon) الذي دعاه شيشرون «أمير الأبيقوريين».

نمو الرواقية وبوسيدونيوس

صارت الرواقية أنفذ المدارس لأنها «فلسفة خبرة الناس»؛ أرسى قضاياها زينون الكيتيوني وكليانثيس الأسوسي (Cleanthes of Assos)، وأكمل بناءها خريسبوس السولي (Chrysippus of Soli)، وزاد في انتشارها أريستون الحيوسي (Ariston of Chios) وسفايروس البوريستيني (Sphaerus)؛ ومبدؤها أن يعيش المرء في انسجام مع الطبيعة والعقل. جلب كراتيس (Crates) — مدير مكتبة برجامة — مبادئها إلى روما سنة 168، وبلغها الذروة بانايتيوس الرودسي ‏(نحو 185–109‏)‏ صاحب رسالة «في الواجب» (التي انعكست في «De officiis» لشيشرون) وصديق سكيبيو أميليانوس والمؤرّخ بوليبيوس (Polybius)؛ فراجت الرواقية «الأوسطى» على يده وتلميذه بوسيدونيوس. أما بوسيدونيوس الأفامي (Posidonius of Apamea، نحو 135–51‏) فوُلد بأفاميا واستقرّ برودس؛ رجل موسوعي مزج الروحانية بالعلم، سمّاه سارتون «أرسطو الهلِّينِستي»، وأهميته في نقله العلم اليوناني إلى العالم الروماني عبر رودس والإسكندرية.

شيشرون

ماركوس توليوس شيشرون (Marcus Tullius Cicero) وُلد بأربينوم سنة 106 ق.م، وتتلمذ على فيدروس الأبيقوري وفيلون الأكاديمي وديودوتس (Diodotus) الرواقي؛ محامٍ عظيم وأعظم خطيب روماني، استمع في أثينا ورودس إلى أنطيوكس وزينون الصيداوي وبوسيدونيوس. فلسفته انتقائية تعرض خير الفلسفة اليونانية وتنبذ الشعوذة، مقتبسة من أفلاطون وأرسطو وكارنيادس وبانايتيوس؛ اغتيل في 7 ديسمبر 43 بفورميا فقُطع رأسه ويده. بدأ التأليف الفلسفي بعد الخمسين إثر وفاة ابنته توليا (Tullia)، فأنجز في نحو 33 شهراً أعماله: «في الجمهورية» (De re publica، وفيه «حلم سكيبيو» Somnium Scipionis)، و«في القوانين» (De legibus)، و«في الواجبات» (De officiis)، و«في الشيخوخة» (De senectute)، و«في الصداقة» (De amicitia)، و«في المجد» (De gloria)، و«في العزاء»، و«الأكاديميات» (Academica)، و«في غايات الأخيار والأشرار» (De finibus)، و«المناقشات التوسكولانية» (Tusculanae disputationes)، و«المناقضات» (Paradoxa)، و«هورتانسيوس» (Hortensius)، و«تيمايوس» (Timaeus)، و«في طبيعة الآلهة» (De natura deorum)، و«في الكهانة» (De divinatione)، و«في القَدَر» (De fato).

لوكريتيوس و«في طبيعة الأشياء»

تيتوس لوكريتيوس كاروس (Titus Lucretius Carus، 99–55 ق.م) أفضل مثال على كاتب اشتهر بمؤلَّف واحد هو قصيدة «في طبيعة الأشياء» (De rerum natura) في 7415 بيتاً من البحر السداسي، وهي ملحمة من ملاحم الفلسفة العلمية، مُهداة إلى الشريف ميميوس (Memmius). القصيدة انتصار للفلسفة الأبيقورية ولا سيّما الطبيعيات الذرية؛ كان لوكريتيوس ملمّاً بمؤلفات ميترودوروس اللامبساكي (Metrodorus) وفيلوديموس الجدري (Philodemus of Gadara)، وأثنى على إنبادوقليس وألمح إلى أناكساجوراس (Anaxagoras). تقع في ستة كتب: الأول في المبادئ الذرية (بقاء المادة، الذرات atomos والخلاء، لا تناهي الكون)؛ والثاني في الحركة الذرية و«انحرافها» (clinamen) الذي يفتح باب المصادفة؛ والثالث في النفس المادية المائتة والقضاء على الخوف من الموت (نفي التناسخ)؛ والرابع في التمثيلات (Simulacra) والإحساس، وردّ المذهب الغائي الأرسطي (العضو يخلق المنفعة لا العكس)؛ والخامس ‏(أطولها، 1457 بيتاً)‏ في نشأة العالم والحضارة، وفيه نظام العصور الثلاثة (الحجارة فالنحاس فالحديد: Lapides, aes, ferrum‏)‏ الذي سبق طومسن (Thomsen، 1836‏) بنحو تسعة عشر قرناً؛ والسادس في الآثار العلوية والأمراض، وينتهي بوصف طاعون أثينا المستمدّ من ثوكيديدس (Thucydides).

القصيدة رؤيا شعرية عن الكون؛ لوكريتيوس أبيقوري متحمّس، لكنه ألمّ بمذاهب أخرى، ولمعت له بصائر عصرية بالمصادفة (صلابة الماس من تماسك ذراتها، امتزاج ضربَي البذور في الجنين). كان خصماً للخرافات مناوئاً للدين، لم يُنكر الآلهة لكنه اعتبرها لا تأبه للعالم؛ أخلاقه أبيقورية (السعادة اتزان داخلي، والقناعة غنى)، وطريقها دراسة العلم الطبيعي؛ لكن آفة الأبيقورية اعتزالها السياسة، في مقابل الرواقية التي أصرّت على الواجبات المدنية. سار لوكريتيوس في ركاب إنيوس (Ennius)، وأثّر في فرجيل وهوراس وأوفيد. وامتدّ تراثه اللاحق في التقليد الأبيقوري المحض عند جاسِنْدي (Gassendi)، وردّ عليه الكردينال دي بولينياك (Melchior de Polignac) بقصيدة «ضد لوكريتيوس» (Anti-Lucretius). وقد ساعد لوكريتيوس وشيشرون معاً — وإن لم يكن أيّهما عالِماً — على إنقاذ التراث اليوناني العلمي والفلسفي والدفاع عن حرية الضمير والعقل في وجه اللاعقلية النامية.

الرياضة في القرنين الأخيرين

بدت الرياضة في حضيض إذا قُورنت بعصر إقليدس وأرشميدس وأبولونيوس الذهبي. هيبسكليس السكندري (Hypsicles، النصف الأول من القرن الثاني ق.م) ألمع الأسماء الهندسية آنذاك؛ ألّف «الكتاب الرابع عشر» المُلحق بـ«الأصول» لإقليدس في المجسّمات المتعددة الأوجه (اثنا عشر وعشرون وجهاً)، ناسباً الفضل إلى أريستايوس الكبير (Aristaios) وأبولونيوس، وأعطى تعريفاً عاماً للأعداد المضلّعية (المثلثية والمربّعية والخماسية والسداسية). وثمة زمرة من خمسة رياضيين (نحو القرن الثاني): زينودوروس (Zenodoros) صاحب مسائل الأقصى «isoperimetric» (الدائرة أكبر مساحة من أيّ مضلّع بنفس المحيط، والكرة أكبر المجسّمات المتساوية السطح)؛ وبرسيوس (Perseus) صاحب «منحنيات المراسي» (Spiric curves)؛ ونيقوميديس (Nicomedes) مبتكر «منحنى الصدفة» (Conchoid) الذي استخدمه في تثليث الزاوية وإيجاد وسطين متناسبين؛ وديونيسودوروس (Dionysodoros)؛ وديوكليس (Diocles) مبتكر منحنى «اللبلاب» (Cissoid) الذي استخدمه في تضعيف المكعّب، وصاحب «في المرايا المحرقة». وظلّت المعضلات الكلاسيكية الثلاث (تربيع الدائرة، تثليث الزاوية، تضعيف المكعّب) تشغلهم.

هيبارخوس مؤسّس المثلثات

هيبارخوس النيقي (Hipparchus of Nicaea) من أعظم فلكيي العصور، عاش في النصف الثاني من القرن الثاني ق.م، ويُعدّ مؤسّس علم المثلثات (trigonometry) الذي نشأ تابعاً للفلك. في المثلثات الكروية افترض القدماء أن النجوم على سطح كرة واحدة، فتؤلّف الأقواس مثلثاً كروياً بستّة عناصر. أدرك هيبارخوس إمكان تبسيط المسائل باستبدال الأوتار (chords) بالأقواس، فوضع فروضاً تربط الأوتار وجمع جداول للأوتار. وُلد بنيقية، ومكث برودس (128–127)؛ مؤلفاته مفقودة عدا «شرح» على «ظواهر» يودوكسوس (Eudoxus) وأراتوس (Aratus)، ومعرفتنا به من سترابون (Strabo) ومن بطلميوس (Ptolemy) في «المجسطي» (Almagest). قسّم الدائرة إلى 360 درجة والقطر إلى 120 جزءاً، وقدّر أطوال الأوتار ‏(وتر الستين = نصف القطر = 60 جزءاً، ووتر التسعين ≈ 84، ووتر 120° ≈ 103‏)‏ بما يُدعى «نظرية بطلميوس»، وحوّل ذلك لاحقاً إلى جداول الجيوب. وأدرك أن طريقتَي أفلاك التدوير (epicycles) والمدارات المختلفة المركز (eccentrics) متساويتان هندسياً، وعُني بالتحليل التوافيقي وبمسائل جبرية.

استمرّ التقليد الهندسي القديم على يد ثيودوسيوس البِثيني (Theodosius of Bithynia، النصف الأول من القرن الأول ق.م)، صاحب كتاب «الكُرَويات» (Sphaerica) — أقدم كتاب من نوعه، مكمّل لـ«الأصول» بأسلوب إقليدسي — الذي حاول هندسياً ما أنجزه هيبارخوس بالمثلثات؛ ومقالته الفلكية «في المساكن» و«في الأيام والليالي»، وقد نُقلت «الكُرَويات» إلى العربية على يد ثابت بن قرّة وقسطا بن لوقا ونقّحها نصير الدين الطوسي ومحيي الدين المغربي. ومن الفلاسفة الرياضيين: زينون الصيداوي الذي ناقش مسلّمات إقليدس فردّ عليه بوسيدونيوس؛ وجمينوس الرودسي (Geminus، نحو 70 ق.م) تلميذ بوسيدونيوس، صاحب «مقدّمة في الرياضة» الذي قسّم الرياضة البحتة إلى حساب وهندسة والتطبيقية إلى عمليات حسابية وقياسات وموسيقى وبصريات وميكانيكا وفلك، واعتمده النيريزي والفارابي؛ وديديموس (Didymus) الأديب المُسرف صاحب مقالة في قياس الخشب. وتشهد البردية الرياضية اليونانية بفيينا ‏(رقم 19996، النصف الثاني من القرن الأول ق.م)‏ على معرفة الهندسة في مصر خِتام العصر الهلِّيني: 37 مسألة في أحجام الأجسام الصلبة، تمزج هندسة راقية بالفرض البابلي القديم الذي يقدّر النسبة التقريبية (π) بالعدد 3، مع استعمال الكسور الأحادية المصرية (رغم أن أرشميدس كان قد حصر π بين 3 10⁄71 و3 1⁄7‏)‏.

علم الفلك في القرنين الأخيرين

مهّد سارتون لهيبارخوس بذكر سليوكس البابلي (Seleucus) من النصف الأول من القرن الثاني ق.م، ربما من سلوكيا على دجلة (Seleucia)؛ آخر مدافع صريح عن مركزية الشمس قبل كوبرنيكوس، إذ جاء بعد أريستارخوس الساموسي بقرن وصرّح بصحّة دوران الأرض جزماً لا افتراضاً. اهتمّ بالمدّ والجزر، ولاحظ في البحر الأحمر تباينات دورية عزاها إلى منازل القمر — استنتاج خاطئ يدلّ على أصالة ذهنه؛ وكان بوسيدونيوس أوّل من فسّر المدّ والجزر بالجذب المشترك للشمس والقمر.

إنجازات هيبارخوس الفلكية

يُعرف فلك هيبارخوس معرفة غير مباشرة من «المجسطي». استخدم الكرة السماوية (celestial globe) والعضادة المحسّنة (dioptra) والمسطرة الموازية (parallactic instrument) والربع الجداري (mural quadrant) والأسطرلاب (astrolabon). رفض بحصافته مركزية الشمس، فصار مسؤولاً عن صياغة «النظام البطلمي»؛ ومنبع المعضلات التحيّزات الفيثاغورية التي فرضت الحركات الدائرية ولم يُنحِّها إلا كبلر سنة 1609. أجلّ مآثره كشفُ تبادر الاعتدالين (Precession): تتزحزح نقطتا الاعتدال بالتقهقر نحو 50 ثانية قوسية في العام ‏(والحقيقي نحو 50.2″)‏، وتنقص الزاوية بين الدائرتين نحو 0.48″ سنوياً، فتتمّ الدورة في نحو 26000 عام. توصّل إلى ذلك بمقارنة أرصاده بأرصاد تيموخاريس السكندري (Timocharis): كان طول السماك الأعزل (Spica) ‎8°‎ سنة 283 وصار ‎6°‎ سنة 129. ورفض بعضهم استمرار التبادر بنظرية «التذبذب» (trepidation)، ولم يحسم الأمر إلا تيخو براهي (Tycho Brahe) سنة 1576، ثم فسّره نيوتن بالجاذبية سنة 1687 وأويلر لاحقاً. ومكّنته معرفة التبادر من التمييز بين السنة النجمية والشمسية، فقدّر السنة الشمسية بـ365 يوماً و5 ساعات و55 دقيقة و12 ثانية، والشهر القمري الوسطي بـ29 يوماً و12 ساعة و44 دقيقة (بدقة تعتمد على الأرصاد البابلية القديمة). وأصلح تقديرات أبعاد الشمس والقمر وأحجامهما (وإن ظلّت بعيدة عن الصواب)، وصنّف فهرساً للنجوم يزيد على 850 نجماً بإحداثيين ودرجة لمعان ‏(وسّعه بطلميوس إلى 1028‏)‏، ربما حفزه ظهور نجم جديد في العقرب سنة 134 (سجّله الصينيون). ونظرياته عن حركتَي القمر والكواكب مستمدة جزئياً من الأرصاد البابلية (الكلدانية)، وقد أثبت الأب كوجلر (Kugler) انطباق تعييناته لأطوال الشهر على الألواح الكلدانية.

سيطر هيبارخوس على الحقبة، لكن نشط فلكيون آخرون بخاصة في الإسكندرية ورودس: هيبسكليس ‏(أوّل يوناني قسّم البروج إلى 360 درجة، مميّزاً الدرجة الفضائية من الزمنية)‏؛ وأريانوس (Arrianos) «عالم الجو»؛ والبردية اليودوكسية ‏(تعالج الفلك والتقويم، تنطبق على 193–190 ق.م)‏؛ وثيودوسيوس؛ وبوسيدونيوس الذي قاس محيط الأرض (240000 أو 180000 استاديا برواية سترابون)؛ وكليوميديس (Cleomedes) صاحب «في نظرية الحركة الدائرية» وملاحظات في انكسار الضوء الجوي؛ وجمينوس؛ ويشهد النقش الكسكنتي (Keskinto) برودس ‏(150–50 ق.م)‏ على مكانة الجزيرة. وردّ كسينارخوس السليوكي (Xenarchus) — صديق أغسطس — القول بوجود العنصر الخامس (الأثير)، منتقداً مبادئ أرسطو في الفلك.

طلبة الفلك اللاتين

بدأ في هذا العصر أدب فلكي باللاتينية معنيّ بنشر المعرفة لا بالبحث؛ من كتّابه الستة: لوكريتيوس ‏(ت 55‏)‏، ونجديوس فيجولوس (Nigidius Figulus) ‏(ت 44‏)‏ قطب «مدرسة فيثاغورية» جديدة بروما، أوّل من أعطى الكوكبات أسماء لاتينية، مزج في «في الآلهة» (De diis) التنجيم الرواقي بالزرادشتي وبحث «حريق العالم» (ekpyrosis) و«الخلق المتجدد» (palingenesis)، وكان منجّماً كبيراً؛ وشيشرون ‏(ت 43‏)‏ المعجب بعلمه لكن الرافض للتنجيم في «في العرافة»؛ وفارو (Varro) ‏(ت 27‏)‏؛ وفرجيل (Virgil) ‏(ت 19‏)‏؛ وهجينوس (Hyginus) ‏(ت نحو 10 ب.م)‏. وكانت قصيدة أراتوس (بترجمة شيشرون، وترجمة أخرى لـجرمانيكوس Germanicus‏)‏ مصدرهم الرئيس.

العلم في العصر الروماني

فارو والفنون الحرّة والتنجيم

ماركوس تيرنتيوس فارو (Marcus Terentius Varro، 116–27 ق.م) — الذي دعاه كوينتيليان «أغزر الرومان علماً» — تتلمذ على الرواقي أيليوس ستايلو ثم على أنطيوكس العسقلاني، وخدم بومبي، وعفا عنه قيصر مرتين وأسند إليه تنظيم مكتبته، فبدأت حياته العلمية الحقّة بعد الثالثة والسبعين. أشهر آثاره موسوعة «الرياضات العقلية» (Disciplinarum libri IX) — أقدم موسوعة لاتينية — في تسعة كتب: النحو والمنطق والبلاغة (الثلاثية Trivium‏)‏، والهندسة والحساب والتنجيم والموسيقى (الرباعية Quadrivium‏)‏، ثم الطب وفن العمارة؛ وهي أساس الفنون الحرّة السبعة التي تعود إلى عصر أرخيتاس التارنتي (Archytas). صار فارو متصوّفاً حريصاً على التنجيم تحت تأثير فيجولوس، كتب «في مبادئ الأعداد» و«الأسابيع» (Hebdomades) ولعاً بالعدد سبعة، وعُدّ مع لوكريتيوس وشيشرون وفرجيل من أوائل ناقلي العلوم اليونانية إلى اللاتينية.

انبعث التنجيم من فارس وبابل ودُمِج بالفيثاغورية والأفلاطونية؛ ونشأ التنجيم «العلمي» حين رُئي أن مصير الإنسان يُستنتج من طالعه. أقدم الطوالع (horoscopes) المعروفة من أوروك ‏(410 و263 ق.م)‏، لكن الفن تطوّر في مصر إبّان العصر الهلِّيني (وأشهر أثر تنجيمي الاسم المزدوج نكبسو–بيتوسيريس Nechepso–Petosiris‏)‏. راج التنجيم في العصر الأغسطي بتأييد الرواقية والحلولية، وأيّده أعظم الفلكيين: هيبارخوس (تنعكس آراؤه في «كتاب الأربعة/Tetrabiblos» لبطلميوس) وبوسيدونيوس؛ فكاد نجاحه تاماً، وقاومه أفراد شجعان مثل شيشرون — وهنا كان غير المختص على صواب والمختص على ضلال. ومن الناحية التشريعية ميّز مجلس الشيوخ النجامة النظرية من العملية، فأصدر مرسوم طرد المنجّمين سنة 139 ق.م، وأصدر أغسطس مرسوماً إمبراطورياً سنة 11 ب.م يحظر الاستشارات الخطرة.

التقويم والساعات والأسبوع

كان أقدم تقويم روماني قمرياً ثم صار قمرياً–شمسياً؛ أصدر القاضي فلافيوس (Cn. Flavius) سنة 303 ق.م قائمة الأيام المباركة والمشؤومة (dies fasti/nefasti) وسنة مدنية من 355 يوماً تُكبَس كل عامين. لم يكن الرومان أهل فلك؛ أُقيمت أوّل مِزْوَلة بالفوروم سنة 263 ق.م (جاءت من كاتانا)، وأوّل مِزْوَلة مضبوطة سنة 146 بأمر ماركيوس فيليبوس (Marcius Philippus)، وتولّى الكهنة الإضافات بموجب قانون أكيليا (Lex Acilia) 191. أما المصريون فآثروا التقويم الشمسي ‏(12 شهراً × 30 + 5 أيام = 365 يوماً)‏، وأصدر مجلس الكهنة مرسوم كانوبوس (Canopus) 238 ق.م زمن بطلميوس يوئرجيتيس بإضافة يوم كل أربع سنوات. وبعد فرسالوس ومقامه في مصر، استعان يوليوس قيصر بالفلكي سوسيجينيس السكندري (Sosigenes)، فأعلن بعد ثابسوس (46) إصلاح التقويم: كبس عام 46 («عام البلبلة») إلى 445 يوماً، وبدأ التقويم اليوليوسي أوّل يناير 45 ق.م بسنة 365 يوماً تُكبَس كل أربع سنوات بيوم (bissextum). سُمّي شهرا Quinctilis وSextilis لاحقاً Julius وAugustus، ونُقل رأس السنة إلى أوّل يناير سنة 153 ق.م، ومُيّزت الأيام الرئيسة (الكالندا Calendae، والنونا Nonae، والأيدوس Idus‏)‏ بالعدّ القهقري. طول السنة اليوليوسية 365.25 يوماً، يزيد على الحقيقية 11 دقيقة و14 ثانية، فتراكم فرقٌ صحّحه البابا جريجوري الثالث عشر (Gregory XIII) في 4 أكتوبر 1582. وقد أرّخ الرومان بأسماء القناصل أو من تأسيس روما ‏(حقّقه فارو بـ753 ق.م)‏، وأوّل من اقترح التأريخ بـ«سنة الرب» (Anno Domini) ديونيسيوس إكسيجوس (Dionysius Exiguus). ووضع قيصر كتاباً «في النجوم» (De astris) يشبه روزنامة المزارع؛ وقد ذكّر شكسبير بنبوءة العرّاف قبل مقتله في 15 مارس 44.

من أنظمة التأريخ الهلِّينِستية دورات الألعاب الأربع (أوليمبيا (Olympia) كل أربعة أعوام، وبيثيا (Pythia) وإثميا (Isthmia) ونيميا (Nemea))، وأشهرها النظام السليوقي (Seleucid era) المبدوء بدخول سليوكس نيكاتور (Seleucus Nicator) بابل ‏(312/311 ق.م)‏، الذي اقتبسه الفرثيون والعرب باسم «تاريخ ذي القرنين»؛ والتأريخ اليهودي المبدوء نظرياً بـ3761 ق.م.

أما الأسبوع فأصله الطبيعي أوجه القمر الأربعة؛ فكّر البابليون واليهود بأسبوع من سبعة أيام (والسابع يوم الراحة/السبت)، بينما استعمل المصريون الديكاد (decan) من عشرة أيام، والرومان أسبوعاً من ثمانية أيام (nundinae) آخره يوم السوق. وقد وَرِثنا عن المصريين قسمة اليوم إلى 24 ساعة، وعن السومريين فكرة الساعات المتساوية ‏(قسموا اليوم إلى 12 «ساعة» و360 «جِشّا»)‏؛ فقسّم هيبارخوس اليوم إلى 24 ساعة اعتدالية، بينما احتفظت العامة بالساعات الموسمية غير المتساوية. وخصّص الفلكيون كل ساعة لإله من آلهة الكواكب السبعة (زحل، المشتري، المريخ، الشمس، الزهرة، عطارد، القمر)، وسُمّي كل يوم باسم إله ساعته الأولى، فنشأ الأسبوع الكوكبي (التنجيمي) بترتيبه المعروف؛ تقبّله العالم الروماني نحو ختام القرن الأول ق.م دون سلطة تفرضه، لتوافق البواعث الفلكية والدينية والحيوية. ولا تزال أسماء الأيام تحمل الطابع التنجيمي (وبعضها من آلهة جرمانية: Tiw, Woden, Thor, Frig‏)‏، إلا أن الكنيسة الأرثوذكسية تجنّبته فسمّت الأيام بالأرقام (Cyriacè, deutera…) ويوم الاستعداد (Parasceve).

الفلك المصري والبابلي–الكلداني

من آثار الفلك المصري بروج دَنْدَرة (Dendera/Tentyra): نقش دائري لجميع الكوكبات على سقف معبد حاتور (Hathor)، كشف عنه الجنرال ديزيه (Desaix) سنة 1798، ورجّح دوما (Daumas) تاريخه بنحو 100 إلى 20 ق.م. أما الرياضيات والفلك البابليان (السومريان) فأقدم من اليوناني بنحو ألف عام، وترشّحت معارفهما إلى اليونان منذ عهد فيثاغورس وبسرعة بعد الإسكندر — وأفضل دليل رياضي بقاء الكسور الستّينية، وأفضل دليل فلكي كشف هيبارخوس التبادر على أساس الأرصاد البابلية.

نمّى الكهنة الكلدان في معابد ما بين النهرين، إبّان اشتغال هيبارخوس، طريقة تجريبية حسابية (لا هندسية) لتدوين مواقع القمر والكواكب والتنبّؤ بها، بعناية بجداول القمر. نشر نويجيباور (Neugebauer) نحو 300 نصّ مسماري من أوروك/الوَركاء (Uruk) ومن بابل، معظمها من العهد السليوقي، بنظامين حسابيين: النظام أ (سرعتان ثابتتان للشمس) والنظام ب (سرعة متغيّرة تدريجياً، أدقّ). كان «كلداني» تعبيراً عن بابلي متأخّر، وجهودهم مطبوعة بالأصالة كالفلك الصيني وفلك المايا. وقد ابتكروا حساب الطوالع، وحقّق الأب كوجلر ألواحاً تبيّن مواقيت دخول الكواكب البروج. ومن الناحية النظرية خلق اليونان علم التنجيم كما خلقوا علم الفلك، ونهض بطلميوس على كتفَي هيبارخوس فكتب «المجسطي» و«التِترابيبلوس» («إنجيل الفلك وإنجيل التنجيم»). وظلّت إنجازات الكلدان الأجلّ مجهولة حتى سنة 1881 حين كشفها ثلاثة يسوعيين: إبينج (Epping) وشتراسماير (Strassmaier) وكوجلر (Kugler)؛ وقد صارت اللفظة اليونانية «Chaldaios» تعني «منجّماً».

الفيزياء والتكنولوجيا في القرنين الأخيرين

يتمحور تاريخهما حول كتيسيبيوس (Ctesibios) وفيلون (Philon) (أُرجئ هيرون لعصر لاحق). كان كتيسيبيوس الإسكندري حلّاقاً ومهندساً، تُعرف اختراعاته من فتروفيوس أساساً، وأهمّها ثلاثة: المضخة الضاغطة (بأجزائها الثلاثة: الأسطوانة والكبّاس والصمّام)، والأرغن المائي (hydraulis) الذي طبّق مبدأ المضخة على الموسيقى، والساعة المائية التي ابتكر فيها ضبط سرعة التفريغ لتبقى ثابتة بإبقاء ارتفاع الماء ثابتاً وصنع الفوهة من الذهب أو الصخر الصلب.

فيلون البيزنطي آخر الميكانيكيين الهلِّينِستيين المعروفين، مكث بالإسكندرية ورودس مهندساً حربياً؛ ألّف «الرسالة الميكانيكية» (Mechanicē syntaxis) في ثمانية أقسام (أو تسعة) لم يبقَ منها إلا الثلث، منها Belopoiica (بناء آلات القذف) وPneumatica المحفوظة بنصّها العربي (نشره كارا دوفو). في هذا القسم يبرهن فيلون على أن الهواء جسم مادي يملأ الفضاء وأن الفراغ لا يكون، بتجاربَ (كتجربة القبس داخل وعاء مقفل يسحب الماء إليه)، فبلغ أبعد ما أمكن قبل توريتشيللي (Torricelli، 1643‏) ولافوازييه (Lavoisier، 1772‏)؛ ووصف السيفون والنوافير وأجهزة ثبات المنسوب، ومحبرة ذات ثمانية أضلاع على قاعدة مِفصلية (gimbals) سبق بها كاردانو (Cardano) بثمانية عشر قرناً؛ واستمرّ تراثه على يد هيرون ثم عبر العرب.

فتروفيوس (Vitruvius) صاحب أهمّ كتاب تقني باللاتينية، «في الفن المعماري» (De Architectura) في عشرة كتب، مُهدىً إلى أكتافيانوس قبيل سنة 27 ق.م. يتناول مبادئ العمارة وتاريخها والمواد، والمعابد والمباني العامة والمنازل والزخرفة وشبكات المياه والساعات والميكانيكا؛ وفيه بحث التماثل (symmetry) وتضخيم أوسط العمود (entasis) والتربة البركانية البوزيولانا (Pozzolana) التي تُصنع منها الخرسانة، وتفسير الصوت بأنه تموّجات هوائية، والأوعية الصوتية (echeia)، ونوع خاص من الساعة الشمسية (analemma)، والتحذير من التسمّم بالرصاص، والتمييز بين مبدأ الآلية ومبدأ العضوية. أسلوبه ضعيف لكنه عرّف قرّاء اللاتينية بالاختراعات اليونانية، ومصادره غالباً شفهية عملية (وبعضها عن فارو)؛ استشهد به بليني وفرونتينوس، ودرسه إينهارد (Einhard) في العصر الكارولنجي، وأثار الاهتمام به في عصر النهضة (حيث نزل عن سدّته مؤلَّف «في البناء» De re aedificatoria لـليون باتيستا ألبرتي Alberti، وكرّس مجده بالاديو Palladio‏)‏.

ومن الفيزيائيين والتقنيين الآخرين: ديوكليس (المرايا المحرقة)، وكاتو الرقيب (Cato) (أوّل تركيبة للمونة، وأوّل وصف لـالحمّام المائي bain-marie‏)‏، وأثينايوس (Athenaios) (الآلات الحربية)، وكاربوس الإنطاكي (Carpus) (ميزان البنّائين «chorobates»)، وثيودوروس الساموسي (Theodorus) (آلة التسوية diabetes/libella‏)‏، وبوسيدونيوس وتلميذاه كليوميديس (الانكسار الجوي) وأسكليبيودوتوس (Asclepiodotus) (رسالة في الحركات الحربية).

الأشغال العامة والهندسة

كانت برجامة خير نموذج للمدينة اليونانية، بشبكة مياهها المتقنة المجرورة من جبل مادراس (Madaras) حتى القلعة ‏(332 متراً)‏، بضغط داخلي بلغ 16–20 جواً. أما الرومان فكانوا عظام البنّائين للطرق والقنوات والجسور والمرافئ. من قنواتهم المائية (aqueducts): آبيا (Aqua Appia، 312‏) وأنيو فيتوس (272)، ثم مارسيا (Aqua Marcia، 144–140) أوّل قناة معلّقة ‏(طولها 59 ميلاً)‏، وتيبولا (125)، ثم أصلح أجريبا القديمة وبنى يوليا (Aqua Julia، 33‏) وفيرجو (Aqua Virgo، 19‏)، وبنى أغسطس ألسيتينا. وجُفّفت مستنقعات بونتينو (Pontine) نحو 160 ق.م. ومن الجسور: بون دو جار (Pont du Gard، 18 ق.م) ضمن شبكة مياه نيم (Nîmes)، وجسر أميليوس (Pons Aemilius، 179/142‏) أوّل جسر حجري بروما، وفابريكيوس وكستيوس، وجسر قيصر الخشبي على الراين ‏(55 ق.م)‏ الذي وصفه في «الحرب الجالية» (أُنجز في عشرة أيام). وحفر ماريوس (Marius) قناة فوسا مارياﻧا (Fossa Mariana) في دلتا الرون. ومن المرافئ: ميناء يوليوس (Portus Julius، 36 ق.م) الذي أنشأه أجريبا في باياي (Baiae)، وأوستيا (Ostia)، وقيصرية (Caesarea) التي أنشأها هيرودس ‏(22–9 ق.م)‏.

في «السهول المشتعلة» (Phlegraean Fields) غرب نابلي — حيث أنشأ اليونان مستعمرتهم كوماي (Cumae) نحو 750 ق.م — تجتمع الظواهر البركانية (السولفاتارا، بحيرة أفيرنوس Avernus‏)‏ وبدائع الهندسة الرومانية. فيها قامت عرّافة كوماي كاهنة أبولّون التي نُسبت إليها الكتب السِبِيلّية (Sibylline) التي حفظها الكهنة وفُقدت في حريق معبد جوبيتر سنة 83 ق.م ثم جُمعت من جديد، وقلّدها فرجيل في «البُقولة الرابعة». وحفر المهندس كوكيوس (Cocceius) أنفاقاً بديعة (مثل Crypta neapolitana‏)‏. وماركوس فيسانيوس أجريبا (Marcus Vipsanius Agrippa، 63–12 ق.م) من أكبر شخصيات عصر أغسطس ورفيق أوكتافيانوس؛ أحرز الانتصارات البحرية في ميلاي (Mylae) ونولوخوس (Naulochus، 36‏) ثم أكتيوم (31)، وأنشأ منافع عامة كثيرة: القنوات والمجاري والطرق والأنفاق وحمّامات أجريبا والبانثيون (Pantheon، 27 ق.م) المستدير المقبّب وبون دو جار؛ ولعلّ الفضل الحقيقي لمساعديه (كوكيوس أوكتوس، وفاليريوس الأوستي، وفتروفيوس).

التعدين وعلم المعادن

كانت المملكة السليوقية أوّل دولة متمدّنة تسدّ حاجاتها المعدنية، لكن نفقات النقل جعلت الاستيراد أرخص أحياناً (كاستيراد القصدير tin من بوهيميا). حقّق الرومان اكتفاءً معدنياً شبه تام، بل صدّروا الذهب إلى الهند والفضة والنحاس إلى الجرمان، ومنع مجلس الشيوخ تصدير الذهب ثم الحديد خشية تسليح البرابرة، واستوردوا مواد راقية مثل «الحديد الحريري (Seric Iron)» من الهند. كان التعدين الصناعة الرئيسة وأشدّها قسوة، عقوبةً للعبيد والمجرمين والأسرى (وأسوأها مناجم الذهب في النوبة)؛ وهو منافٍ للنظام الاجتماعي بخلاف الزراعة (husbandry) ذات الصفة الأسرية. أخذ الرومان أساليبهم من المصريين واليونانيين والأتروسكيين، وطوّروا الغسل والحفر والإنارة والتهوية والصهر بأدوات حديدية أفضل. لم يتأكد معرفتهم الحديد المصبوب (عُرف في الصين)، أما الصلب فمعروف من قرون (وأجوده يُعزى إلى ماء بحيرة كومو Como‏)‏، وألمّوا بطرائق تنقية الذهب والفضة (طريقة تشبه طريقة باتينسون Pattinson لفصل الفضة عن الرصاص). وذروة التعدين الروماني في أواخر الجمهورية وأوائل الإمبراطورية، وإن تعذّر تأريخه الدقيق.

التاريخ الطبيعي والزراعة

الزراعة القرطاجية والنبات الهلِّينِستي

من التراث القرطاجي رسالة ماجو (Mago) — دعاه كولوميلا (Columella) «أبا الزراعة» — في ثمانية وعشرين كتاباً بالفينيقية، أمر مجلس الشيوخ بترجمتها إلى اللاتينية بعد دمار قرطاجة (146)، ثم عرّبها/هلينها كاسيوس ديونيسيوس الأوتيكي (Cassius Dionysius) إلى اليونانية سنة 88 في عشرين كتاباً، واختصرها ديوفانيس (Diophanes) البِثيني. وعلماء النبات الهلِّينِستيون الأربعة كلهم آسيويون: أتالوس الثالث فيلوماتور المولع بالسموم، ومثرِداتيس السادس يوباتور، وطبيبه كراتيفاس (Krateuas) — «أبو التوضيح النباتي» صاحب «الجذور» (Rhizotomikon) المزيّن بالرسوم — ونيقولاوس الدمشقي (Nicolaus of Damascus) المنسوب إليه «النبات» (De Plantis). ونشأت المعرفة الحيوانية من الصيد وحدائق الحيوان (كحديقة بطلميوس الثاني الحافلة بالأسود والفهود والزرافة ووحيد القرن).

الكتّاب الزراعيون الرومان

كاتو الرقيب (Cato the Censor، 234–149 ق.م) — الرقيب سنة 184، الكاره للترف واليونانيين، صاحب شعار «يجب أن تُدمَّر قرطاجة» (Carthago delenda est) — ألّف «الزراعة» (De Re Rustica) أقدم رسالة نثرية لاتينية، مجموعة نصائح ووصفات في 162 فصلاً، غرضها اقتصادي (فالفلاحون أشجع الجنود)، أطول فصولها في الكرنب الفيثاغوري (Brassica Pythagorea)؛ فيه واجبات السيد والعبيد (وسجنهم تحت الأرض Ergastulum‏)‏ وعقود التأجير، بأسلوب فلّاح قحّ يقابل «الاقتصاد» (Oikonomikos) الأنيق لـإكسينوفون (Xenophon) (وقد قارنه بلوتارك Plutarch بأريستيدس العادل). وجاء فارو بعده بكتابه «الزراعة» (De Re Rustica) في ثلاثة كتب على هيئة محاورة، أفضل رومانية وأغزر تعليماً يونانياً؛ يستفتحه بتضرّع للآلهة الاثنتي عشرة الزراعية، ويعالج شؤون المزرعة والماشية والدواجن ومرابي الأسماك والفئران، وفيه أوّل رسالة لاتينية عن النحل. وكايوس يوليوس هجينوس (C. Julius Hyginus) مدير المكتبة البلاتينية ومعلّم فرجيل، كتب في الزراعة والنحل (فُقدا).

أما فرجيل (Virgil، 70–19 ق.م) فرائد التاريخ الطبيعي شعراً؛ بدأ بـالبوكوليكا (Bucolica/Eclogues) مقلّداً ثيوكريتوس السيراكوزي (Theocritus) ومبدعاً «الأركاديا المثالية» ‏(أشهرها المحاورة الرابعة سنة 40 ق.م التي رأى بعضهم فيها تنبؤاً بالمسيحية)‏، ثم الجيورجيكا (Georgica) التي اقترحها ميسيناس (Maecenas) في أربعة كتب ‏(نحو 2188 بيتاً)‏: الزراعة عموماً، فالأشجار والكروم والزيتون، فتربية الماشية، فتربية النحل (أحسن مقدمة لها ظلّت سبعة عشر قرناً). درس هزيود وأرسطو وثيوفراستوس وأراتوس ونيكاندروس وكاتو وفارو، ونهل من خبرته الريفية؛ والجيورجيكا أعظم ملحمة تعليمية شعرية، جمعت الجدّ والحسّ والعملية والشاعرية، وإن أعوزته المصطلحات العلمية أحياناً.

الطب في القرنين الأخيرين

كثر الأطباء دون أن يكون بينهم عظيم؛ وأوائل أطباء روما من أصل يوناني يكتبون باليونانية. مؤسّس المدرسة التجريبية/العملية (Empirical school) — ردّاً على المدرسة النظرية — ربما سيرابيون الإسكندري (Serapion، نحو 200 ق.م) الذي أقام الطب على ثلاث قوائم: الخبرة والتجربة، والحالات الإكلينيكية، والقياس (analogy)؛ لكنه تمادى حتى جرّب أدوية سخيفة. ومن التجريبيين بعده: جلوكياس التارنتي (Glaucias) (تعليقات أبقراطية، ورباط الرأس)، وأبولونيوس الأنطاكي، وبطليموس البرقاوي، وهيراكليدس التارنتي (Heraclides) — أعظم التجريبيين، أجرى تجارب على الأفيون (opium) ونُسبت إليه أقدم رسالة بيطرية — وأبولونيوس الكتيوني (Apollonius of Citium) أعظم جرّاحيهم، صاحب تعليق على «في المفاصل» لأبقراط يتناول خلع المفصل الورقي، ويسبقه الجرّاح هيجتور (Hicetor/Hegetor) بأول وصف للرباط المبروم.

ونشأ طبّ السموم والترياق عند الطغاة الشرقيين خوف الاغتيال: بحث أتالوس الثالث النباتات السامة، وواصل مثرِداتيس السادس التجارب فحاول إحداث مناعة ضد السموم بالجرعات المتدرّجة (mithridatism) ووضع ترياقاً (theriac) باسمه (حلّ محلّه لاحقاً ترياق أندروماخوس Andromachus زمن نيرون). ومن الأطباء الحقيقيين ديمتريوس الأبامي (Demetrius of Apamea) المعنيّ بالتوليد وأمراض النساء، الذي ميّز بين الالتهاب الرئوي (pneumonia) وذات الجنب (pleurisy). وأشهرهم أسكلبياديس البِثيني (Asclepiades of Bithynia)، المولود ببروصة نحو 124 ق.م، أوّل طبيب يوناني بارز يزاول المهنة بروما ‏(نحو 91 ق.م)‏ وسابق المدرسة النظامية (Methodic school)؛ أدخل الآراء الذرية في الطب (فالمرض اضطراب في الحركة الذرية والبرء استعادة توازنها)، وانتقد نظرية الرطوبات (humoral theory)، ونصح بـالموسيقى في علاج المرضى بعقولهم وبـالتدليك (massage) والمشي؛ وتلا نهجَه تلميذه تميزون اللاذقي (Themison of Laodicea) زعيم المدرسة النظامية.

الفصل السادس: أواخر العصر الهلِّنستي — الجغرافيا والتاريخ والأدب

يختم هذا الجزء الأخير من «تاريخ العلم» لسارتون العلمَ والحضارة الهلِّنستية في القرون الثلاثة الأخيرة قبل الميلاد بمعالجة الجغرافيا والتاريخ والأدب وفقه اللغة والفن والاستشراق، ثم خاتمةٍ تجمع حصيلة العصر. وفيه ملمح لافت: بينما كُتبت مؤلفات العمارة والزراعة باللاتينية، ظلّ معظم الجغرافيا يُكتب باليونانية حتى نهاية العصر حين ظهرت جغرافيا لاتينية خالصة زمن قيصر وأغسطس.

علم الجغرافيا في القرنين الأخيرين

الجغرافيون اليونان

رائدا الميدان كراتيس المالوسي (Crates of Mallos) في القرن الثاني ق.م وسترابون (Strabo) في الأول. كراتيس من مالوس بقيليقية (Cilicia)، رأس مدرسة فقه اللغة ومدير المكتبة في برجامة (Pergamon)، وخصمُ علماء الإسكندرية. أُرسل سنة 168 ق.م مندوبًا إلى روما من الملك يومينيس الثاني (Eumenes II)، ويُقال إن زيارته أثّرت في نموّ المكتبات العامة الرومانية. أهم إنجازه صناعة كرة أرضية (globe) — أول محاولة معروفة — رأى سترابون ألا يقلّ قطرها عن عشرة أقدام؛ وأحيا نظرية الفيثاغوريين في وجود أربع كتل أرضية يفصلها محيطان.

بوليمون الرحالة (Polemon of Ilion) من طروادة، طوّف بلاد اليونان وجمع النقوش في معابد دِلْفي وإسبرطة وأثينا، ويُعدّ من رواد الإرشاد السياحي وأوّل ناسخ للنقوش (Epigrapher)؛ لم تصلنا إلا شذراته. أجاثرخيديس الكنيدي (Agatharchides of Cnidus) فيلسوف مشّائي بلغ أوجه بالإسكندرية، كتب في جغرافيا آسيا (عشرة كتب) وأوروبا ‏(49 كتابًا)‏، وأشهرها «عن البحر الأحمر» عن إثيوبيا وبلاد العرب، وأرجع فيضان النيل الصيفي إلى أمطار إثيوبيا الشتوية.

هيبارخوس النيقي (Hipparchus of Nicaea) في النصف الثاني من القرن الثاني، فلكيٌّ أرسى الأساس الرياضي للجغرافيا؛ هاجم إراتوستنيس (Eratosthenes) لكنه قبِل نتائجه في حجم الأرض. قاس خطوط العرض بنسبة أقصر النهار إلى أطوله، وأوّل من قسّم المعمورة مناطقَ على دائرة كبرى من 360 درجة، واقترح تحديد خطوط الطول برصد الكسوف من أماكن متفرقة — طريقة ممتازة تجاوزت إمكانات عصره. أرتيميدوروس الأفسوسي (Artemidorus of Ephesus) ‏(نحو 104–100 ق.م)‏ سافر حتى إسبانيا وكتب بالإسكندرية، معتمدًا على أجاثرخيديس شرقًا وعلى ميجاسثنيس في الهند، ورفض خطوط الطول والعرض لصالح المسافات، فجاءت مقاييسه غير دقيقة.

قصّة يودكسوس الكيزيكي (Eudoxus of Cyzicus) رواها سترابون: أبحر بأمر بطلميوس الثامن يورجيتيس (Ptolemy VIII Euergetes) إلى الهند، ثم حاول الدوران حول أفريقيا من قادس (Cadiz) ففُقد. الأهم اكتشاف الرياح الموسمية (Monsoon) التي تُيسّر الملاحة من باب المندب إلى بحر العرب، ويُنسب عادةً إلى هيبالوس (Hippalus)؛ ولم تنتظم الرحلات المباشرة عبر المحيط الهندي قبل سنة 40–50م. وفي سنة 78 ق.م بسط البطالمة سلطانهم على باب المندب فزادت تجارة جنوب الهند (كالفلفل)، وسعت كليوباترا السابعة ‏(ت 30 ق.م)‏ للتحكم في المحيط الهندي.

كان كبار جغرافيي القرن الأول ثلاثة: بوسيدونيوس وسترابون وإزيدوروس. بوسيدونيوس الأفامي (Posidonius of Apamea) موسوعيٌّ نُعت بـ«أرسطو العصر الهلِّنستي»، أعاد القول بمحيط واحد، وأقام شهرًا في قادس يدرس المدّ والجزر فأرجعه إلى الشمس والقمر، ودرس الزلازل والبراكين والمناجم. حاول تحسين تقدير إراتوستنيس لحجم الأرض فأنقص محيطها خطأً إلى 180 ألف فرسخ، وهو خطأ ورثه سترابون وبطلميوس ثم روجر بيكون (Roger Bacon) وبيير دايي ‏(1410م)‏، ومنه جاء تفاؤل كولومبوس بقرب آسيا.

سترابون

هو «الجغرافي» بحق. وُلد نحو 64 ق.م في أماسيا (Amasia) ببنطس من أسرة خدمت ملوكه، وتعلّم في نيسا ثم قصد روما سنة 44 ق.م، وتتلمذ على النحوي الجغرافي تيرانيون (Tyrannion) والفيلسوف كسينارخوس (Xenarchus)، وصار رواقيًّا بصحبة بوسيدونيوس. رحل من أرمينيا إلى إيطاليا ومصر (صعد النيل حتى أطراف إثيوبيا)، وأقام بمصر من 25 ق.م مستفيدًا من مكتبة الإسكندرية، وعاش في عصر أغسطس وأوائل تيبيريوس، ومات نحو 21م.

مؤلفه الباقي «الجغرافيا» (Geographica) في سبعة عشر كتابًا: مقدمة رياضية تُصرّ على محيط واحد وإمكان الإبحار من إسبانيا إلى الهند، ثم إسبانيا وجاليا وبريطانيا وإيطاليا وأوروبا الشرقية واليونان والجزر والبحر الأسود وآسيا الصغرى والهند وفارس وبلاد ما بين النهرين والعرب وإثيوبيا ومصر. كان تعليمه أدبيًّا فأهمل الجغرافيا الرياضية واعتنى بالناس والتاريخ والآثار، ومال سياسيًّا إلى روما التي رأى أن عصر أغسطس جلب سلامها. وصف حقائق طبيعية بروح ناقدة: فسّر تكوّن الجبال بحركات الضغط، والبراكين بالرياح الحبيسة معتبرًا إياها «صمامات أمن»، ونظرية تبادل مواقع البرّ والبحر (بدليل الأصداف المتحجرة)، وسجّل صناعة الملح والزجاج والمزلق (diolkos) بكورنتة والقناة القديمة بين النيل والأحمر.

من مفارقات كتابه أن القدماء أهملوه رغم قيمته الإدارية؛ لم يعرفه بطلميوس ولا بليني، والوحيد الذي عرفه المؤرّخ يوسيفوس (Josephus)؛ ولغياب ترجمة عربية بقي مجهولًا عند المسلمين. اكتُشف في العصر البيزنطي على يد ستيفانوس البيزنطي ‏(ق6‏)‏، وأقدم مخطوطاته الباريزي رقم 1397. بدأ طبعُه بترجمة جوارينو الفيروني (Guarino da Verona) اللاتينية ‏(روما، سوينهيم وبانارتز، 1469‏)‏، ثم النص اليوناني على يد ألدوس مانوتيوس (Aldus Manutius) ‏(البندقية 1516‏)‏، فطبعة كسيلاندر (Xylander) ‏(بال 1570‏)‏، فطبعة كازوبون (Casaubon) ‏(جنيف 1587‏)‏، ونصّ أدمانتيوس كورايس (Korais) اليوناني ‏(باريس 1815–1819‏)‏ مع ترجمة فرنسية بأمر نابليون، وأحسنها طبعة مينيكه (Meineke) ‏(لايبزيغ 1852–1853‏)‏، ثم سلسلة لوب بإتمام جونز (H. L. Jones) (1917–1932). ونختم القسم اليوناني بـإزيدوروس الخاراكسي (Isidore of Charax)، معاصر سترابون، صاحب «محطات السفر في بارثيا» الذي يصف طريق القوافل من أنطاكية إلى الهند.

الجغرافيا اللاتينية

تبدأ المؤلفات اللاتينية آخر العصر بشخص كبير هو يوليوس قيصر (Julius Caesar)، صاحب «التعليقات» (Commentarii) ‏(نحو 52–50 ق.م)‏ ذات المعلومات الجغرافية القليلة المأخوذة عن إراتوستنيس وبوليبيوس وبوسيدونيوس ومن أهل البلاد والأسرى. فتح جاليا (Gaul) ‏(58–50 ق.م)‏ بأقاليمها — الأكويتانية واللجدونية (حول ليون) والبلجيكية بعد ما كان الرومان قد استعمروا جاليا الناربونية — فقدّم أول معلومات وفيرة عن أنهارها (الجارون والسين واللوار) وجبالها وقبائلها، وأول ما عُرف من جغرافيا الأجناس. وفي غزو بريطانيا ‏(55 و54 ق.م)‏ وصف شكلها المثلث وقدّر حجمها، وذكر هيبرنيا (أيرلندا) وجزيرة مان (Mona)؛ وبقيت معرفته ببلاد الجرمان غامضة. غايته لم تكن المعرفة الجغرافية الدقيقة.

أمر قيصر سنة 44 ق.م بعمل مسح عام للدولة (survey) حال دون إتمامه مقتلُه في الخامس عشر من مارس؛ ونفّذه على أربعة اتجاهات مسّاحون يونانيون (زينودوكسوس شرقًا، وثيودوتوس شمالًا، وبوليكليتوس جنوبًا) في نحو اثنتين وثلاثين سنة، وعُرض على مجلس الشيوخ سنة 12 ق.م. دروسوس (Drusus) والي جاليا ‏(13 ق.م)‏ أجرى إحصاءً وبنى في ليون هيكلًا لروما وأغسطس، وغزا جرمانيا حتى نهر الألب حيث مات سنة 9 ق.م، وحفر قناة (Fossa Drusiana) تصل الراين بالمحيط. وأتمّ المسح ماركس فيبسانيوس أجريبا (Agrippa، 63–12 ق.م)، ومنه رُسمت خريطة العالم للإمبراطورية عُلّقت في رواق أوكتافيا بروما. وصارت المراشد الجغرافية نوعين: وصفية (أقدمها الرحلة الأنطونينية) ومصوَّرة (أقدمها جدول بيوتنجر / Tabula Peutingeriana‏)‏، كلاهما من القرن الثالث؛ وأشار إليها فيجيتيوس (Vegetius) في «فن الحرب».

الملك جوبا الثاني (Juba II) ‏(ت نحو 20م)‏ ابن جوبا الأول ملك نوميديا الذي انتحر بزاما سنة 46 ق.م؛ نشأ جوبا الثاني بروما عالمًا ومواطنًا رومانيًّا، وأعاده أغسطس ملكًا على موريتانيا سنة 25 ق.م، وتزوّج كليوباترا سيليني ابنة أنطونيوس، ثم جلافيرا ابنة أرخيلاوس ملك كبادوكيا. كتب باليونانية (وكله مفقود) في تاريخ روما وليبيا والعرب وأشور، ووصف نبات يوفوربيا تكريمًا لطبيبه يوفوربوس، وبحث في جزائر الخالدات (الكناري) والنيجر، وأخطأ في منبع النيل كما أخطأ لوكريتيوس (Lucretius). ثم هيجينوس (Hyginus) ‏(ت نحو 10م)‏، عتيق أغسطس ومدير المكتبة البلاتينية، عمل على تحويل الجغرافيا وجهةَ الجغرافيا التاريخية، إذ لم يكن للأماكن عند القدماء معنًى إلا بعلاقتها بالإنسان السياسي والجندي والشاعر.

المؤرخون في القرنين الأخيرين

المؤرخون اليونان

يتصدّرهم بوليبيوس (Polybius)، بلا نزاع أعظم مؤرخي القرن الثاني بعد هيرودوت وثوكيديدس. وُلد نحو 207 ق.م في ميجالوبوليس (Megalopolis) بأركاديا، ابنُ ليكورتاس خليفةِ فيلوبويمين (Philopoemen) في رئاسة الحلف الآخي (Achaean League). بعد هزيمة برسيوس (Perseus) أمام إيميليوس باولوس (Aemilius Paulus) في بيدنا (Pydna) سنة 168، سِيق بوليبيوس رهينةً إلى روما، فنزل في بيت سكيبيو إيميليانوس (Scipio Aemilianus) وتزعّم الحلقة السيبيونية التي ضمّت لوكيليوس وتيرنتيوس وشيشرون وبناتيوس (Panaetius). حضر فتح قرطاجة سنة 146 ثم أعان في تنظيم اليونان، ومات نحو 125 ق.م سقوطًا عن جواده. مصنّفه «التاريخ» (Historiai) في أربعين جزءًا يصف الغزو الروماني ‏(220–168، أو حتى 146‏)‏، لم يبقَ كاملًا إلا خمسته الأولى. غرضه تعليم السياسة العملية، وأكّد وصف البيئة الطبيعية، وحاول تفسير التطور بنظرية الدورات (anacyclosis). عُني بنشره قسطنطين السابع البرفروجيني ‏(ق10‏)‏، وترجمه لاتينيًّا ليوناردو بروني الأريزي ثم نقولا بيروتي ‏(طُبع روما 1472‏)‏، وأتمّ طبعاته هلتش وبتنر-وبست ودندروف، وترجمه إنجليزيًّا شوكبرج ثم باتون (لوب).

أثّر بوليبيوس في خلفائه، ومعظمهم لا يُعرف إلا شذرات جمعها مولر وياكوبي. منهم أبولودورس الأثيني (Apollodorus of Athens) تلميذُ أريستارخوس الساموتراكي، أهدى أتالوس الثاني (Attalus II) تاريخًا شعريًّا (Chronica) من سقوط طروادة إلى 144، وأعظم أعماله «تاريخ الآلهة» في 24 جزءًا؛ ويُحذَّر من الخلط بينه وبين صاحب «مكتبة أبولودورس» المتأخرة. وبوسيدونيوس بدأ سنة 74 تاريخًا يصل تاريخ بوليبيوس (144–82)، ودرّس في رودس حيث سمع إليه بومبي وشيشرون. وكاستور الرودسي (Castor of Rhodes) ألّف تاريخًا (Chronica) بجداول زمنية من بيلوس ونينوس حتى 61، وصلت إلى يوسيبيوس ومؤرخي الوسيط.

ديودور الصقلي (Diodorus Siculus) وُلد في أجريون بصقلية نحو 85 ق.م، صاحب «المكتبة التاريخية» في أربعين كتابًا لتاريخ العالم من البدء إلى غزو قيصر لجاليا (58)، بقي منها خمسة عشر كتابًا؛ ضعيف الفكر خالٍ من النقد لكنه حفظ وقائع كثيرة ‏(طبعة هنري إتيين، جنيف 1559‏)‏. نيكولاوس الدمشقي (Nicolaus of Damascus) وُلد بدمشق سنة 64 ق.م، صار أمين سرّ ووزير هيرود العظيم (Herod the Great)، وألّف تاريخًا عامًّا في 144 كتابًا (أضخم تاريخ قديم)، اعتمد عليه يوسيفوس، وكتب سيرة أغسطس وتصنيفًا لعادات بضع وخمسين أمة. ديونيسيوس الهاليكارناسي (Dionysius of Halicarnassus) وفد على روما ودرّس اليونانية ونقدها، وألّف «التاريخ الروماني القديم» ‏(أتمّه 8 ق.م)‏ في عشرين كتابًا حتى الحرب البونية الأولى بأسلوب خطابي ‏(طبعة روبير إتيين، باريس 1546–1547‏)‏. أما سترابون — رابع مؤرخي ما قبل الميلاد — فمذكراته التاريخية (Historica Hypomnēmata) في 47 كتابًا مفقودة، وكان في منزلة بوليبيوس عبقريةً واستقلالًا.

المؤرخون اللاتين

أوّل من كتب التاريخ باللاتينية، وكلهم من أبناء إيطاليا. سبقهم فابيوس بكتور وكنكيوس أليمانتوس بحوليات يونانية. إنيوس (Ennius، 239–169 ق.م) «أبو الشعر الروماني» ويصلح أبًا للتاريخ الروماني، كتب «الحوليات» (Annales) شعرًا من إينياس حتى نحو 181 ق.م. كاتو الرقيب (Cato the Censor، نحو 234–149 ق.م) أول من كتب التاريخ بالنثر اللاتيني في «الأصول» (Origines) — من تأسيس روما ‏(753 ق.م)‏ إلى وفاته، بلغت سبعة كتب، بتصوّر سياسي لتفسير قيام روما؛ وهو مثيرُ الحرب البونية الثالثة، شغل مناصب كثيرة وعاش خمسًا وثمانين سنة.

ثم قيصر أعظم منه مؤرخًا، صاحب «التعليقات»: «حرب الغال» (De bello Gallico) في سبعة كتب ‏(58–52 ق.م)‏ و«الحرب الأهلية» (De bello civili) ‏(49–45 ق.م)‏، بأسلوب بسيط واضح جعلها روائع الأدب التاريخي (أضاف إليها كتابًا ثامنًا أولوس هرتيوس، وله عبارة «Veni, vidi, vici»). وفارّو (Marcus Terentius Varro، 116–27 ق.م) عاش تسعين عامًا، أراد بكتبه بيان أصول المؤسسات، وأعلاها «آثار الأشياء الإنسانية والإلهية» في 41 كتابًا ‏(سنة 47 ق.م)‏: الآثار الدنيوية ‏(25 كتابًا في الناس والأماكن والأزمنة والأشياء)‏ والمقدسة ‏(16 كتابًا في الكهنة والأماكن والأوقات والأشياء والآلهة)‏. ميّز ثلاثة أنواع من الدين (الشعراء والدولة والفلاسفة) مؤثِرًا الأخير؛ وأثنى عليه شيشرون؛ وهو أشبه بمثقف موسوعي منه بمؤرخ.

سالوست (Sallust، 86–34 ق.م) أصغر مؤرخي الجمهورية، من أميترنوم، وزيرُ مالية عيّنه قيصر، اتخذ ثوكيديدس وكاتو نموذجين. كتب «التواريخ» ‏(78–66 ق.م)‏، و«حرب كاتيلينا» و«الحرب اليوغرطية» ‏(112–105 ضد يوغرطا ملك نوميديا)‏؛ مولع بالإيجاز حتى صارت جمله هجائية، وكتاباته أول نماذج التحليل السياسي. ليڤي (Livy، 59 ق.م – 17م) أشهر المؤرخين اللاتين، من بادوا، رعاه أغسطس، وألّف «تاريخ روما منذ التأسيس» (Ab urbe condita) في نحو 142 جزءًا لم يبقَ منها إلا 35 ‏(اكتُشفت بردية بأوكسرنخس سنة 1903 فيها الأجزاء 48–55‏)‏؛ تصوّره خطابي أدبي لتبرير عظمة روما، أُعجب به دانتي وعلماء النهضة (طبعات جرونوفيوس ومادفيج وفايسنبورن وفوستر في لوب).

الأدب

الآداب اليونانية

سُمّي الأدب في اليونانية (ta grammata) وفي اللاتينية (litterae) ودراستُه إنسانيات (humanitas). والملمح المذهل: بينما تنحطّ الآداب اليونانية، ينشأ الأدب اللاتيني بقوة الشباب. شعراء القرنين الأخيرين صغار قياسًا إلى ثيوكريتوس، وأغلبهم من أتباع مدرسة الإسكندرية في أسوأ صورها. أبرزهم ميلياجروس الجدري (Meleager of Gadara، نحو 140–70 ق.م) من جدر، صاحب أول أنطولوجيا (Anthologia) حقيقية سمّاها «التاج» (Stephanos) جمع فيها نحو أربعين شاعرًا، وهي نموذج مجموعتَي قسطنطين كيفالوس ‏(نحو 917‏)‏ وماكسيموس بلانوديس ‏(نحو 1301‏)‏. وفيلوديموس الجدري (Philodemus) الأبيقوري معاصر شيشرون، وأرخياس الأنطاكي (Archias) وكيل شيشرون، وبارثينيوس النيقي (Parthenius) الذي يُقال إنه علّم فرجيل اليونانية وترك قصص حب نثرًا لكورنيليوس جالوس. وأُدمج شعر الثلاثة في الطبعة الثانية من «التاج» التي أشرف عليها فيليبوس السالونيكي ‏(نحو 40م)‏.

أما صغار كتّاب النثر فأكثرهم فلاسفة ورجال علم. برز مدرّسو الخطابة في رودس، رجلان اسمُ كلٍّ أبولّونيوس من ألاباندا، لُقّب أكبرهما مالاكوس والأصغر مولون (Molon) الذي سمع إليه شيشرون وقيصر، ومنهج رودس وسطٌ بين الأسلوب الآسيوي والأتّيكي. ومن الأبيقوريين فايدروس رئيس مدرستهم بروما وأستاذ شيشرون. وفي كنف روما درّس فيلون اللاريسي (Philo of Larissa) بعد حصار سُلّا (Sulla) أثينا (87–86)، وجلب أبيليكون التيوسي (Apellicon) مكتبة أرسطو التي رتّبها تيرانيون وأخرج طبعتها الأولى أندرونيكوس الرودسي (Andronicus of Rhodes)، وجمع أينيسيديموس (Aenesidemus) دراسات بيرون (Pyrrho) الشكّية. وكان أبولّودوروس البرجامي معلّم أوكتافيوس صغيرًا. وأعظم ميزة هؤلاء أنهم حملوا اللغة والفكر اليونانيين إلى الطبقة العليا الرومانية.

الأدب اللاتيني ونشأته

المدهش تأخّره: مات إنيوس سنة 169 ق.م بعد هوميروس بنحو سبعة قرون. أول شعرائه ليڤيوس أندرونيكوس (Livius Andronicus) يوناني أُسر بتارنت سنة 272، ترجم أوديسا هوميروس شعرًا لاتينيًّا. ثم أنيوس نايفيوس (Naevius، نحو 270–201 ق.م) مبتدع القصص الوطنية (Fabula praetexta)، مات منفيًّا بأوتيكا لجرأته على السلطات. وإنيوس من روديا بكالابريا، ترجم قصص يوريبيدس ونظم حوليات روما، وكتب قصيدتين فلسفيتين «إبيخارموس» (يختصر فيثاغورس) و«يوهيمروس» (تعليل عقلي للأساطير، نموذجٌ للوكريتيوس وفرجيل). وبلاوتوس (Plautus، نحو 254–184‏) من سارسينا اقتبس كوميدياته من الكوميديا الحديثة اليونانية، لا سيّما ميناندر (Menander).

العصر الذهبي للأدب اللاتيني: من ترنتيوس إلى هوراس

ترنتيوس (Terence، نحو 195–159 ق.م) كوميديٌّ ليبيّ الأصل نُقل عبدًا فأُعتق، نقل مسرحياته عن ميناندر لكن بجرأة أكبر مستمدًّا من عدة مسرحيات في كل عمل، رقيق إنساني (بيته المشهور: «إني إنسان، ولا أظن شيئًا يخصّ الإنسان غريبًا عني»)، أثّر لاحقًا في كونجريف وجولدوني. وكاتو الرقيب يُعدّ مؤسّس النثر اللاتيني، رومانيٌّ خالص عادى الترف اليوناني رغم ثقافته اليونانية، وأهمّ تراثه كتابه «في الزراعة» (De agricultura) الركيك أدبيًّا؛ ونُسبت إليه خطأً المقطوعات الأخلاقية (Distichs of Cato) المدرسية التي أخرج منها فرانكلين طبعة إنجليزية. أخرج القرن الأول من الأدب اللاتيني ‏(250–150 ق.م)‏ ستة كتّاب: ليڤيوس أندرونيكوس ونايفيوس وإنيوس وبلاوتوس وترنتيوس وكاتو، ثلاثة منهم يونانيو الأصل.

جاء بعده عصر سكيبيو إميليانوس ‏(185–129 ق.م)‏ الذي بذر أصول العصر الذهبي، وضمّت ندوته بانايتيوس وبوليبيوس وترنتيوس ولوكيليوس، ونُقلت في رئاسته مكتبة برسيوس إلى روما. لوكيليوس (Lucilius، نحو 180–102 ق.م) من سويسا أورونكا، رائد الهجاء اللاتيني، ترك نحو ثلاثين كتابًا بقي منها نحو 1500 بيت، سبق هوراس وجوفينال. ومعاصران نقيضان: لوكريتيوس المستلهِم من أبيقور ‏(توفي 55 ق.م)‏، وكاتوللوس (Catullus، نحو 84–54 ق.م) من ڤيرونا، حاذى النماذج الهلنستية وتبنّى مذهب «الفن للفن»، أفضل ممثل للأدب السكندري بروما مع «الكتّاب الجدد» (neoteroi)، خانته خليلته ليسبيا، وصلنا نحو 113 من قصائده، وأثّر في بترارك ورونسار.

شيشرون (Cicero، 106–43 ق.م) ابتدع أحسن نثر لاتيني؛ وصلنا منه أكثر من مئة خطبة و931 رسالة أشرف على نشرها أتيكوس وتيرو، وهي مرآة المجتمع الروماني بين 68 و43 ق.م. رواقيٌّ في أخلاقه، قتله أنطونيوس بعد الفيليبيات (Philippics) في فورمياي سنة 43. له ثلاثة أساليب: البسيط في الكتب، والمتشابك في الخطب، وأسلوب الرسائل الأرشق ‏(طبعات جينسون بالبندقية 1470، واكتشف كولوتشو سالوتاتي مخطوطات رسائله)‏. وقيصر كاتب فريد، مالٌ إلى الأسلوب الأتّيكي، أشبه بـفردريك الأكبر ونابليون. وفارّو العلّامة الموسوعي عاش حتى مطلع عصر أغسطس ‏(لقّبه الشيوخ «أغسطس» سنة 27 ق.م، وفيها مات)‏؛ رُوي أنه وضع 490 كتابًا لم يصلنا منها إلا كتابا الزراعة واللغة اللاتينية، ومن مؤلفاته المفقودة «الهجائيات المينيبية» و«الصور» (Hebdomades) ذات السبعمئة صورة و«الدراسات» (Disciplinae) في الفنون الحرة؛ عظّمه القديس أغسطين لاحقًا. وسالوست وليڤي مبدعان في النثر: الأول محاكٍ لأسلوب ثوكيديدس، والثاني خطابيٌّ نثرُه أبلغ نثرٍ بعد شيشرون، أُعجب به دانتي وعلماء النهضة.

شعراء عصر أغسطس

راعي الأدب مايكيناس (Maecenas) إتروسكيُّ الأصل ‏(وُلد نحو 68 ق.م، ت 8 ق.م)‏، مستشار أغسطس في الآداب وصديق هوراس وفرجيل وبروبيرتيوس، حتى صار اسمه علمًا على راعي العلوم الإنسانية. وفرجيل (Virgil، 70–19 ق.م) أعظم شعراء روما، وُلد قرب مانتوا (Mantua) لأب مزارع، درس بكريمونا وميلان وروما، وتأثّر بشعراء الإسكندرية وكاتوللوس ولوكريتيوس؛ صادر أوكتافيانوس مزرعة أبيه سنة 42 فمُنح ضيعة في نولا. كتب الرعويات (Bucolica) (42–37) والزراعيات (Georgics) (36–29)، وأنفق إحدى عشرة سنة في الإينادة (Aeneid): قصة أينياس الطروادي في اثني عشر كتابًا، ملحمةٌ قومية تعلّل مجد روما وتصله بمجد أغسطس، مفعمة بالورع الديني وحبّ الطبيعة والإنسان. مرض في ميجارا ومات في برنديزي سنة 19 ق.م، وأمر بإبادة الإينادة فمنع أغسطس ذلك وأمر ڤاريوس روفوس وبلوتيوس توكا بنشرها. شُرح شعره على يد دوناتوس (Donatus) وسيرڤيوس (Servius)، واعتُبر مبشّرًا بالمسيح لرعويته الرابعة، وتحوّل في الوسيط إلى شخصية أسطورية ساحرة، واستُخدم شعره للعرافة (Sortes Vergilianae). وصلتنا مؤلفاته بأكثر من أي مؤلف قديم؛ جمعها سوينهيم وبانارتز في طبعة أولى ‏(روما 1469‏)‏، وبلغت طبعات القرن الخامس عشر 91 طبعة، وترجم الإينادة إنجليزيًّا كاكستون (Caxton) ‏(لندن 1490‏)‏.

هوراس (Horace، 65–8 ق.م) الشاعر الغنائي والناقد، وُلد في ڤينوسيا لأب رقيق مُحرَّر، تعلّم بروما وأثينا، خدم في جيش بروتوس المهزوم في فيلبي (Philippi) سنة 42، ثم فاز بصداقة فرجيل ومايكيناس ومزرعته المحبوبة في تيبور (Tivoli)، وصار بعد فرجيل الشاعر القومي. أعماله: الإيبود (Epodes) ‏(17 قصيدة)‏ والهجائيات (Satires) والأناشيد (Odes) (نحو 103، ومنها زعمه أنه شيّد أثرًا أبقى من البرنز monumentum aere perennius‏)‏ والرسائل (Epistulae) وقصيدتاه المستقلتان «نشيد الجيل» (Carmen saeculare) و«فن الشعر» (Ars poetica)؛ انتقلت وجهته من الأبيقورية إلى الرواقية. وأصغر منهما ثلاثة: تيبولوس (Tibullus، نحو 54 – 18 ق.م) وبروبيرتيوس (Propertius) من أومبريا، ثم آخر الكبار أوفيد (Ovid، 43 ق.م – 17 أو 18م) من سولمو، الذي أعاد خصائص مدرسة الإسكندرية. نُفي نحو 8م إلى توميس (Tomis / كونستانتزا) على البحر الأسود ومات هناك. أعماله: الغراميات (Amores) والبطلات (Heroides) وفن الحب (Ars amandi) والمسخ (Metamorphoses) — خمسة عشر كتابًا في الأساطير، أضخم أعماله وأوسعها أثرًا في النهضة — والتقاويم (Fasti) ورسائل الأحزان (Tristia) ورسائل من البحر الأسود (Epistulae ex Ponto). ترجم بلانوديس «المسخ» يونانيًّا وشُرح مسيحيًّا في Ovide Moralisé، وألهم بويّاردو وأريوستو، وساعد على نشر اللامعقول وتعطيل تقدّم العلم.

فقه اللغة في القرنين الأخيرين

فقه اللغة اليونانية

امتاز اليونان بلغةٍ جميلة استُعملت بأقلّ وعيٍ بالنحو، بخلاف الهنود الذين سبقوا العالم في دراسة الأصوات (phonetics) على يد ياسكا وبانيني. أقلق هدوءَ اليونان أهلُ المنطق من بروتاجوراس إلى أرسطو وزينون، وقاد منطق الرواقيين (خريسيبوس، ديوجينس البابلي) إلى النحو؛ وأرسل ديوجينس سنة 156 ق.م في وفد أثيني حاملًا بذور النحو إلى روما. وأثمرت المنافسة بين مدرستي الإسكندرية وبرجامة نشاطًا فيلولوجيًّا: أريستوفانيس البيزنطي (Aristophanes of Byzantium) ‏(ت 180 ق.م)‏ أعدّ طبعات هوميروس وجمع بندار وابتدع النبرات والترقيم (accents & punctuation)؛ وأريستارخوس الساموتراكي (Aristarchus، نحو 220–145 ق.م) أول من وضع الشروح النقدية وميّز ثمانية أجزاء من الكلام؛ وكراتيس المالوسي قارن اليونانية باللاتينية ويُقال إنه أول من ألّف في النحو اليوناني. لكن أقدم كتاب نحو وصلنا هو «فن النحو» (Technē grammatikē) لـديونيسيوس ثراكس (Dionysius Thrax) تلميذِ أريستارخوس ‏(وُلد نحو 166 ق.م)‏، بقي نموذجًا لتعليم النحو نحو ألفي عام في اليونانية واللاتينية وسائر اللغات، وأدّى للنحو ما أدّاه إقليدس للهندسة.

وأهمل تاريخُ النحو ديمتريوس السكيبسي وأبولّودوروس الأثيني لعملهما الأقرب إلى الآثار. وزاد الوعيُ اللغوي بكثرة اللغات: زعم إنيوس أن له ثلاثة أرواح لأنه يتحدث اليونانية والأوسكية واللاتينية، وميثريداتيس الأكبر عرف نحو خمس وعشرين لغة (بشهادة بليني) حتى صار اسمه علمًا على اللغوي (كما أطلقه كونراد جيسنر على بحثه)، وفي ديسكوريّاس (Dioscurias) بكولخيس عمل نحو مئة وثلاثين مترجمًا. وبرز في عصر أغسطس نحويّان: ديونيسيوس الهاليكارناسي الناقد الأدبي، وديديموس (Didymus) الملقّب «ذو الأمعاء البرونزية» (Chalkenteros) لجدّه، وقف جهوده على نشر هوميروس وثوكيديدس والخطباء. أما اليهود المنتشرون فبين الاندماج في اليونانية والدفاع عن ديانتهم — أشعل تهويدُ أنطيوخس الرابع إبيفانيس الثورة المكابية سنة 168 — أنتجوا أدبًا يونانيًّا (فيلون الأكبر، ثيودوتوس، حزقيل صاحب تراجيدية الخروج) إلى جانب الترجمة السبعينية (Septuagint).

فقه اللغة اللاتينية

كان الرومان بطيئين في تطبيق قواعد ديونيسيوس ثراكس، ومصطلحاتهم النحوية ترجمةٌ (خاطئة أحيانًا) عن اليونانية. نشأت اللاتينية لهجةً لإقليم لاتيوم الصغير واتّسعت تدريجيًّا لغةَ إدارة عالمية أسرع من اليونانية وإن كانت أقصر عمرًا. أوائل النحاة: لوكيوس أيليوس ستيلو (Aelius Stilo) أول باحث لاتيني يفعل فعل نحاة الإسكندرية، أستاذ فارّو وشيشرون؛ وتيرو مخترع الاختزال اللاتيني (notae Tironianae)؛ وذروتها «في اللغة اللاتينية» (De lingua Latina) لـفارّو في خمسة وعشرين كتابًا ‏(لم يبقَ إلا خمسة منها، أُهديت لشيشرون سنة 43 ق.م)‏، أدرك فيه أن قواعد الاستعمال متحرّكة (Consuetudo dicendi est in motu). ثم فيروس فلاكوس (Verrius Flaccus) مربّي أحفاد أغسطس، صاحب أقدم معجم موسوعي «في معاني الألفاظ» (De verborum significatu) المحفوظ في مختصر بومبيوس فيستوس وباولوس دياكونوس.

وضعُ النحو عملٌ علميّ حقيقي لا يقلّ عن الكشف عن التركيب التشريحي؛ فالنحو تشريح للغة، وتقدّم العلم يتضمّن تحليلها وتحديدها، وأبناء بيئة واحدة هم إقليدس وهيروفيلوس وكراتيس وهيبارخوس وديونيسيوس ثراكس اتّجه حبّ استطلاعهم وجهات شتّى. ولم يستنبط يهوديٌّ نحوًا عبريًّا إلا متأخرًا تحت تأثير العرب على يد سعديا جاؤون ‏(ق10‏)‏.

الفن في القرنين الأخيرين

النحت الهلنستي

تقسيم الفن زمنيًّا تحكّمٌ مصطنَع؛ نشأت مراكز كثيرة أهمها برجامة ورودس وأثينا والإسكندرية وسيكيون. أسخى رعاته يومينيس الثاني ملك برجامة ‏(197–159 ق.م)‏ وأنطيوخس الرابع إبيفانيس ملك سوريا ‏(175–164 ق.م)‏. أعظم آثار برجامة مذبح زيوس العظيم (Great Altar of Pergamon) الذي قرّره أتالوس الأول وأتمّه يومينيس، ارتفاعه نحو 40 قدمًا وأفاريزه نحو 350 قدمًا تمثّل معارك الآلهة والعمالقة (نُقل إلى متحف برلين). ومن «مدرسة برجامة» الجالي المحتضر (Dying Gaul) والجالي المنتحر (Ludovisi Gaul). وكوّن باحثو مكتبتها سجلًّا لأشهر عشرة نحّاتين أثينيين من كالون إلى لسيبوس (Lysippus) معاصر الإسكندر.

في بلاط أنطاكية كلّف أنطيوخس الرابع بويثوس الخلقدوني (Boethus) (أشهر أعماله «الولد والإوزّة»). وداموفون المسيني (Damophon) أصلح تمثال فيدياس لزيوس بأوليمبيا ونحت المجموعة الضخمة بمعبد ديميتر ودسبينا قرب ليكوسورا التي وصفها بوزانياس (Pausanias). وحافظ نحّاتو رودس على العظمة: فيليسكوس صاحب الميوز التسع، والأخوان أبولونيوس وتاوريسكوس اللذان يُنسب إليهما «ثور فارنيزي» (Farnese Bull) بالأسلوب الباروكي الذي بلغ قمّته في لاوكون. ومن القطع البارزة «تأليه هوميروس» لـأرخيلاوس البريني.

تُقابل اللوحات البارزة (relief) في النحت ما تراه الصور الملوّنة المفقودة، وأقدم أنواعها «الهيرما» (Herma). ومشكلة التماثيل النصفية أن نسبتها إلى المشاهير (هوميروس وأرسطو وأفلاطون) رموزٌ غالبًا لا حقائق. أكثر التماثيل طلبًا أفروديتي (Aphrodite)، وأشهرها أفروديتي الكنيدوسية لـبراكسيتيليس (Praxiteles) (نموذجها فرِيني) وأفروديتي الكوسية لـأبلّيس؛ وأشهرها اليوم تمثال برقة (Cyrene) وفينوس ميلو (Venus de Milo) ‏(اللوفر 1820‏)‏. وفي النصف الأخير من القرن الثاني ازدهر بأثينا أبولّونيوس بن نسطور (صاحب بلفدير النصفي والملاكم) وجليكون (هرقل فارنيزي). وختام الفن الهلنستي تمثالان ضخمان: «النيل» (Nile) بالفاتيكان، و«لاوكون» (Laocoön) من صنع الرودسيين أجيسندروس وبوليدوروس وأثينودوروس ‏(نحو 50 ق.م)‏، اكتُشف سنة 1506 فأعجب ميخائيل أنجلو والجريكو والشعراء. لكن براعة التغلّب على الصعوبات ليست مقياسًا فنيًّا؛ والفرق بين الأصالة والمهارة الآلية كالفرق بين الحكمة والعلم. والتماثيل الثلاثة المفضّلة (فينوس ميلو، الانتصار الساموتراقي / Nike of Samothrace المكتشف 1913، أفروديتي برقة) ترجع إلى العصر الفضّي لا الذهبي.

النحت الروماني

دخل الفن الهلنستي روما بالغزو والسلب، على مراحل: نهبُ ماركلوس سيراكوز ‏(212 ق.م، حيث قُتل أرشميدس)‏، وفابيوس كونكتاتور تارنت (209)، وفلامينينوس إرتريا (198)، ونقلُ إيميليوس باولوس مكتبة برسيوس (168)، ونهبُ موميوس (Mummius) كورنتة (146)، وسُلّا أثينا (86)، وأطماع فريس (Verres) حاكم صقلية الذي حاكمه شيشرون، ونهبُ كاسيوس رودس (43) الذي قضى على مدرستها. واستقرّ فنانون يونانيون بروما: بوليكليس وابناه، وأركيسيلاوس صانع «فينوس الأم» (Venus Genetrix) لقيصر، وباستيليس (Pasiteles) الإيطالي صاحب آخر مصنَّف فني قديم بيد فنان محترف.

لا حدّ قاطعًا بين النحتين اليوناني والروماني قبل عصر أغسطس؛ وصارت روما أكبر سوق للفن اليوناني. وظهر طرازان معماريان: البازيليكا (Basilica) — أولها بازيليكا بوركيا لكاتو ‏(184 ق.م)‏ — وقوس النصر الذي بلغ 88 قوسًا. وأحسن مثل للنحت الروماني الخالص مذبح السلام (Ara Pacis) الذي دُشّن سنة 9 ق.م تذكارًا لسلام أغسطس، مصوَّرًا عليه موكب الأسرة الإمبراطورية. وصُنعت في القرن الثالث تماثيل تنجرا (Tanagra) الفخارية الصغيرة، واستعمل الرومان الفخّار للتزيين مستعيرين الفكرة من الإتروسك حتى قلّ في العصر الأوغسطي لصالح الرخام.

التصوير والمجوهرات المنحوتة

معرفتنا بالتصوير الهلنستي والروماني ناقصة، وأطيبها من صور بومبي وهركولانيوم (Pompeii & Herculaneum) ‏(دُمّرتا سنة 79م)‏. ومن الرسامين القليلين أيايا الكيزيكية (Iaia) ‏(نحو 100 ق.م)‏ التي فاق أجرُها الرجال، وتيموماخوس البيزنطي زمن قيصر، ولوديوس (Ludius) الأوغسطي مبتكرُ الرسم على الحوائط. أما نحت الأحجار الثمينة «الكاميو» (Cameo) فجاء من اليونان، وكان ميثريداتيس من أعظم جامعيها، وأول من جمعها بروما أميليوس سكاوروس، وأولع بها قيصر. وكان أعظم حفّار العصر الأوغسطي ديسكوريديس (Dioscurides) صانعَ خاتم أغسطس الثالث، وله «الكاميو الكبير» (Grand Camée de France) الذي يمجّد جرمانيكوس.

الاستشراق في القرنين الأخيرين

كان العالم الهلنستي نصف شرقي الصبغة، وكانت الإمبراطورية البارثية (Parthian Empire) منذ أواسط القرن الثالث ق.م الأرض الفاصلة بين الشرق والغرب. أسّسها الأخوان الاسكيذيّان أرساكيس وتيريداتيس (Arsaces & Tiridates)، وصار أرساكيس نحو 250 ق.م أول ملك مستقل عاصمتُه هيكاتومبيليس («مائة باب»)، مؤسِّسًا السلالة الأرساكية التي عمّرت نحو خمسة قرون ‏(نحو ثلاثين ملكًا حتى 226م حين هزمهم أردشير الساساني)‏. امتدت من الفرات إلى السند، وغلبتهم في الخيّالة و«الرمية البارثية». أوقفهم تيجرانيس (Tigranes) الأرميني نحو 88 ق.م، وهُزم الرومان في كراي (Carrhae) سنة 53 ق.م حيث فقد كراسوس (Crassus) جيشه وحياته، ثم أعاد أغسطس السلام نحو 20 ق.م. وبخلاف السلوقيين اليونان كان الأرساكيون آسيويين، فكانت إمبراطوريتهم حاجزًا مشبكًا يمنع تبادل الصبغتين لكنه يمرّر الحرير والخوخ والمشمش غربًا.

ظلّت الإسكندرية مركز تجارة الشرق، والتجارة العربية تأتي عبر البحر الأحمر (ازدهار البتراء / Petra‏)‏. ومصدر الحديد إقليم خاليبيس جنوب شرق البحر الأسود، ونوعٌ أجود من الصين عبر الصغد (Soghdiana). وسافر المستكشف الصيني تشانج تشين (Zhang Qian) غربًا حتى بلخ (النصف الثاني من القرن الثاني ق.م)، وقبل 115 نشأ تعامل منتظم بين الصين والغرب، وربما لم يُطرَق «طريق الحرير» (Silk Road) قبل ذلك. وانتشرت الميثراسية (Mithraism)، وأحسن الآثار البارثية قطعُ النقود. وتسوق الرياح الموسمية السفن من ساحل ملبار إلى العرب والصومال، ووُجدت نقود رومانية كثيرة بالهند لكن أكثرها بعد الميلاد.

نحن مدينون للملك بطلميوس الخامس إبيفانيس (Ptolemy V Epiphanes، 210–180) بـحجر رشيد: مرسوم كهنة منفيس سنة 196 المنقوش بثلاث كتابات — الهيروغليفية والديموطيقية واليونانية. ظلّ مجهولًا ألفي عام حتى اكتشفه الفرنسيون في رشيد (Rosetta) سنة 1799، وسُلّم للإنجليز سنة 1801، وفكّ رموزه شامبليون (Champollion) سنة 1822، فكان مفتاح علم الآثار المصرية. وميثريداتيس السادس الأكبر (Mithridates VI) فارسيُّ الأصل يوناني الثقافة عرف لغات شرقية كثيرة، وهو مستشرق حقيقي ربما أول من وصلنا اسمه، أرهب الرومان قبل انتحاره سنة 63 ق.م. وأسهم في المعرفة بالشرق الإسكندر بولوهيستور (Alexander Polyhistor) الملطي، وديودور الصقلي (بذكره جزيرة بانكايا)، وجوبا الثاني، ونيكولاوس الدمشقي، وسترابون الآسيوي الاهتمام؛ حتى صارت الإنسانية الأوغسطية شرقية الصبغة إلى حدّ كبير.

الخاتمة

يوازي هذا العصر الهلنستي في مدّته المدةَ بين نزول المهاجرين الأوائل على شواطئ أمريكا ‏(سفينة مايفلور، 1620‏)‏ والحاضر، وقد بلغ فيه العلمُ قمّته. نُظّم البحث في معهد الإسكندرية (Museum)، وجُمعت أدوات المعرفة في مكتبات الإسكندرية وبرجامة وروما.

• الفلسفة: سادت الرواقية (كليانتيس، خريسيبوس، ديوجينيس البابلي، بانيتيوس، بوسيدونيوس)، والأكاديمية الجديدة (كارنيادس، شيشرون)، والأبيقورية (لوكريتيوس)، واستمرّ اللِّقيوم (سترانون اللامبساكي)، وأعدّ أندرونيكوس الرودسي أول طبعة علمية لأرسطو.

• الرياضيات: عصرٌ ذهبيٌّ لم يتكرر حتى القرن السابع عشر، ضمّ إقليدس وأرشميدس وإراتوستنيس وأبولّونيوس البرجي وكونون وهيبسيكليس وهيبارخوس وثيودوسيوس وجينوس.

• الفلك: أنجزه اليونان والكلدانيون، ومن أبرزهم أريستارخوس وسلوكوس البابلي وكليوميديس، وأعظمهم بل أحد عظماء العصور كلها هيبارخوس.

• الفيزياء والهندسة: سترانون وأريستارخوس (الضوئيات) وأرشميدس وكتيسيبيوس وفيلون البيزنطي؛ وبنى سوسترانوس منارة الإسكندرية (فاروس) إحدى عجائب الدنيا، وكتب فتروفيوس أهمّ بحث معماري.

• الزراعة والطب: كاتو وماجو القرطاجي وفارّو وفرجيل؛ والتشريح على يد هيروفيلوس وإيراسيستراتوس.

• الجغرافيا والتاريخ: إراتوستنيس وكراتيس وهيبارخوس وبوسيدونيوس وإزيدوروس، وأدقّها وصف سترابون؛ ومؤرخو اليونان بوليبيوس وبوسيدونيوس، ومؤرخو اللاتين قيصر وسالوست وليڤي، وإطار التاريخ الروماني الأسطوري من إينادة فرجيل.

• اللغة: اختُرعت الأجرومية اليونانية (زينودوتوس، أريستوفانيس البيزنطي، أريستارخوس، كراتيس، ديونيسيوس ثراكس، ديونيسيوس الهاليكارناسي)، وتطورت اللاتينية على يد فارّو وفيروس فلاكوس؛ وأهمّ أعمال الأدب الديني العالمي الترجمة السبعينية.

سجلٌّ رائع في غناه، يبدو أروع إذا ذُكرت نكبات العصر وحروبه المتصلة. وتغيّر النزاع الديني جوهريًّا، إذ تصارعت ثلاثة أنواع من الدين الجماهيري: الوثنية اليونانية القديمة، واليهودية، والطقوس الشرقية السرية (مِثراس، كيبيلا وأتيس، إيزيس وأوزيريس). ثم بدأت مرحلة جديدة كليًّا بظهور سرّ عيسى المسيح وانتصاره التدريجي الذي ميّز حقبة جديدة تمامًا.