حدودُ الموضوع. التدقيقُ للوقائع وحدها: التواريخُ والأسماءُ والأسانيدُ ونسبةُ الأقوال إلى قائليها، وهل تقول الدراساتُ المذكورةُ ما نُسب إليها. أمّا أطروحةُ المقالة — أنّ الطرفةَ حجبت الخبر — فليست موضوعَ التدقيق، ولم أعرض لها بنقدٍ ولا تأييد.
ولم يُحذف من النتيجة شيء، ولم تُعدَّل المقالةُ لتوافقَ ما فيها. ما تقرؤه هنا خرج كما هو، بما فيه ما لا يسرُّ.
المنهج
قوبلت المقالةُ على «المقتبس» لابن حيان في موضع الخبر (حوادث سنة ٢٢٥)، وعلى «المطرب» لابن دحية، و«البيان المغرب» لابن عذاري، و«نفح الطيب» للمقّري، و«المغرب» لابن سعيد، و«تاريخ الرسل والملوك» للطبري، و«البلدان» لابن الفقيه، وكتبِ الجرح والتعديل في ابن دحية، و«الأعلام» للزركلي. والبحثُ في نسخةٍ محليّةٍ من المكتبة الشاملة فيها ٨٤١٧ كتابًا، فما لم يظهر فيها قلتُ إنه لم يظهر، لا إنه معدوم.
وأمّا الدراساتُ الحديثةُ فقُرئت في أصولها لا في ملخّصاتها: بحثُ ليفي-بروفنسال الفرنسيُّ سنة ١٩٣٧ في «بيزنطيون»، وكتابُ آلن سنة ١٩٦٠، ومقالُ بونس-سانث في «ساغا-بوك»، وفصلُ كريستيس، ومقالُ كاردوسو، وفصلُ هيرمس، وكتابُ سينيس كودونيير. ومُسحت إحدى عشرة جملةً من جمل المقالة الحاملة بحثًا عن تطابقٍ حرفيّ.
أولاً: ما ثبت
أجرأُ ما في المقالة هو أثبتُ ما فيها. والخبرُ كلُّه عند ابن حيان في «المقتبس» تحت حوادث سنة ٢٢٥، في بابٍ عنوانه «خبر مراسلة ملك الروم الأكبر للأمير عبد الرحمن»:
أنّ إمبراطور الروم عرض على أمير قرطبة أن يستعيد خلافة أجداده. وهو في المتن صريحًا، في رواية الحسن بن محمد: الكتابُ جاء «مبتدئًا يخطب وصلته… ويذكر له حقَّه في الخلافة المغتصَبة من أهل بيته هناك، ويحرّكه لمطالبتها». فوصفُ المقالة للطلب الثالث بأنه «الغريب» في محلِّه، واللفظُ أصرحُ مما احتاطت به.
أنها أوّلُ مرّة يعرض فيها إمبراطور روميّ مثلَ هذا على أمراء الأندلس. «وكان توفلش هذا أوّلَ من مدَّ ذلك الحبلَ من ملوك الطاغية بينهم وبين ملوك الأندلس، واستجاز فيه خطةَ الابتداء التي يلوذ منها الجبابرة». وتنبيهٌ واحد: هذا كلامُ عيسى الرازي ينقله ابن حيان، لا كلامُ ابن حيان عن نفسه. فالصواب «سجّله ابن حيان» لا «نصَّ عليه».
جوابُ الأمير في الخلافة. نقلته المقالة بالمعنى، والأصلُ قريبٌ منه: «وما حضر من وقت رجوع دولتنا، وأزف من خبر ارتفاع سلطاننا، فإنّا نرجو في ذلك عادةَ الله عندنا، ونتنجّز موعودَه إيّانا». والحلفُ مؤجَّلٌ لا مقبول: «وإنِ الله بحوله وقوته… ردَّ إلينا سلطاننا بالمشرق… نظرنا في ذلك بما فيه صلاحٌ لنا ولك».
قُرطيوس، وثيوفيلوس، وسنة ٢٢٥. «قلب الأميرُ عبدُالرحمن بن الحكم قرطيوسَ الرومي الترجمانَ رسولَ ملكِ الروم الأكبر توفلش، صاحبِ القسطنطينية، الواردَ كان عليه بهديته وكتابه». وقولُ المقالة إنه «كان يتقن العربية» مأخوذٌ من وصفه بالترجمان، وهو استنتاجٌ صحيح لا نصٌّ مستقل.
أنّ الرحلة كلَّها وقعت في سنةٍ واحدة. «وكان انصرافهما من هنالك في سنة خمس وعشرين ومائتين» — فالذهابُ والإقامةُ والإيابُ في حَولٍ واحد، كما قالت المقالة.
أنّ أبا تمام ذكر الإمبراطور باسمه «توفلس». واللفظُ في البائية كما أثبتته المقالة تمامًا: «لمّا رأى الحربَ رأيَ العينِ توفلسٌ… والحربُ مشتقّةُ المعنى من الحَرَبِ» — عند الآمدي في «الموازنة» ٣/٣٥٦، والمسعودي في «التنبيه والإشراف» ص١٤٥، وياقوت ٦/٢٥١٦، والبكري ١/١٤٤. وزيادةٌ تنفع المقالة: الربطُ بالقصيدة صنيعُ ابن حيان نفسِه، فقد عرّف الإمبراطور بأنه «الذي ذكره حبيب بن أوس الطائي في شعره في فتح عمورية». فليست الإحالةُ استنتاجًا حديثًا.
جيّان، وبكر بن وائل. عنوانُ الباب عند ابن حيان «ذكر الغزال الجياني»، وفيه «هو أبو زكرياء يحيى بن حكم البكري، ينتمي إلى بكر بن وائل»، ومن شعره: «وها أنا من أبناء بكر بن وائل… وما نفعتني قطُّ بكرُ بن وائل».
«جاء الغزالُ بحسنه وجماله». الخبرُ عند ابن عذاري، «البيان المغرب» ٢/٩٣، في أخبار عبد الرحمن الأوسط، وقراءةُ المقالة للبيتين هي الصحيحة (والمطبوع يحرّفهما). والمقالةُ تنبّه إلى أنّ للردّ تتمة، وهو كذلك: الجوابُ مطلعُ قصيدةٍ لا بيتٌ مفرد. ويبقى تفصيلٌ لم تذكره: بين الشطرين وزيرٌ قال للغزال: «أجز!».
أنّ ابن دحية تُكلّم فيه. بل الأمرُ أشدُّ مما قالت المقالة. الذهبي في «الميزان» ٣/١٨٦: «متهم في نقله»، وفي نسبه الكلبي «فهذا نسب باطل». وابن واصل: «كان متهمًا بالمجازفة في النقل». وابن نقطة: «كان يدّعي أشياءَ لا حقيقةَ لها». والضياء المقدسي: «إنّ مشايخ المغرب كتبوا له جرحَه وتضعيفَه». فالتُّهمةُ مجازفةٌ في النقل ودعوى ما لا حقيقة له، لا «تساهلٌ» فحسب. (وابن خلكان وحده يترجم له بلا جرح.)
عمارة بن حمزة والمشاهد المرعبة. عند ابن الفقيه، «البلدان» ص١٨٣–١٨٥، وفيه الأسدان والسيفان، والتصريحُ الذي بنَت عليه المقالة: «أما الأسدان والسيفان فإنهما حيلةٌ نحتال بها لمن ورد علينا من رسل الملوك لنروّعهم بذلك». تصحيحان: المشهدُ الثالث ليس دخانًا بل ضوءان ملوّنان من ياقوتةٍ وزمرّدة، وقد فسّرهما الملك بإظهار الغنى لا بالترويع؛ والمنصورُ لا يُسمّى إلا في آخر الخبر.
أنّ النزاع على المراسم واقعةٌ متكرّرة لا اختراعَ قصّاص. وهي أمتنُ حلقةٍ في حِجاج المقالة، وقد ثبتت من طريقين مستقلَّين عن الغزال جميعًا.
وزيادةٌ تشدُّ أطروحة المقالة لم تذكرها: علّق محمود علي مكي على خبر الباب بأنّ ابن دحية يروي الحيلة نفسها محلولةً بغير هذا الحلّ، وفي بلاط المجوس لا الروم، وأنّ «انفرد ابن حيان بذكر هذا الخبر، إذ لم يرد في المطرب ولا في النفح». فتشابهُ الحكايتين الذي رجّحت المقالة أنه صناعةٌ أدبية، ملحوظٌ عند المحقِّق أيضًا.
أنّ ميخائيل كان يوم السفارة رضيعًا. مولدُه في التاسع أو العاشر من يناير سنة ٨٤٠م (سيريل مانغو، Dumbarton Oaks Papers ٢١ لسنة ١٩٦٧، ص٢٥٣). فظهورُه في الرواية رجلًا يخاطِب ويُخاطَب خللٌ زمنيٌّ قاطع، كما قالت المقالة تمامًا.
سنة ٢٢٥ = ٨٤٠م. والسنةُ الهجريةُ تقع على سنتين ميلاديتين، فما يُرى في المراجع من «٨٣٩ أو ٨٤٠» ليس خلافًا علميًّا بل أثرُ التقويمين. وسنةُ ٢٢٥ هي التاريخُ الوحيدُ الثابت للسفارة (سينيس كودونيير ٢٠١٤، ص٣١٧).
غارةُ المجوس سنة ٨٤٤، وخلافةُ الناصر سنة ٩٢٩. النزولُ على لشبونة ثم قادس ثم إشبيلية ثابت، والخطبةُ للناصر بالخلافة في مستهلّ ذي الحجة سنة ٣١٦ (منتصف يناير ٩٢٩م). والفرقُ بين ٨٤٠ و٩٢٩ تسعٌ وثمانون سنة، كما حسبت المقالة.
أنّ المشكّكين في سفارة المجوس هم الأكثر. بل أكثرُ مما أظهرت المقالة: ليفي-بروفنسال، ثم هويسي ميراندا، ثم بونس-سانث، ثم برايس، ثم كريستيس. وفي المقابل آلن والحجّي وحدهما، وهما لا يتفقان حتى على أيِّ ملكٍ قصده.
ثانياً: ما يستحقّ تنبيه القارئ
ثمانيةُ مواضع. وأكثرُها لا يمسّ عمودَ المقالة، لكنّ ثلاثةً منها تُغيّر ما يخرج به القارئ:
«حكيم الأندلس» ليست للغزال. قالت المقالة إنّ ابن حيان وصف الغزال بها. والذي في المصادر أنّ ابن حيان وصف بها عباس بن فرناس: «ذكر ابن حيان أنه نجم في عصر الحكم الربضي، ووصفه بأنه حكيم الأندلس الزائد على جماعتهم» (ابن سعيد، «المغرب» ١/٣٣٣). وفي ٨٤١٧ كتابًا لا يلتقي هذا اللقبُ بالغزال مرّةً واحدة. والذي يُنقل عنه هو «حكيم المغرب وشاعرها وعرّافها» عن «نفح الطيب». والتنبيهُ لازمٌ لأنّ اللقب لقبُ رجلٍ آخر مشهور.
زرياب والشطرنج، وأبياتُ ابن الأخ. لم أقف على سندٍ وسيطٍ لواحدٍ منهما. لفظُ «شطرنج» يعود صفرًا في «المقتبس» و«المطرب» و«نفح الطيب» و«البيان المغرب» و«المغرب» و«الجذوة». وقوائمُ ما أدخله زرياب إلى الأندلس — وهي عند المقّري ناقلًا عن «المقتبس» نفسه — فيها الوترُ الخامسُ في العود، وريشةُ النسر، وتقويمُ اللباس، والهليون، ولا شطرنجَ فيها. والمصدرُ الوحيدُ في المكتبة كلِّها هو «موجز دائرة المعارف الإسلامية» ٢٤/٧٥٩٥، وهو عملٌ من القرن العشرين، وفيه «حتى لقد نهى قريبًا له» — لا «ابنَ أخيه». والثابتُ الوسيطُ في الرجلين غيرُ هذا: أنّ الغزال هجا زريابًا هجاءً مقذعًا فنُفي من الأندلس («المطرب»).
«أما الدراسات الأوربية فتقدّر مولده بنحو عام ٧٩٠ ميلادية». لم أجد هذا التقدير عند أحدٍ منهم. آلن لا يذكر سنةَ ميلادٍ أصلًا، وقولُه إنه «قارب الخمسين» نقلٌ للفظ ابن دحية لا تقديرٌ مستقل؛ وبونس-سانث لا تبحث المسألة؛ وكريستيس تفترض شيخًا لا كهلًا؛ والأكاديميةُ الملكيةُ الإسبانيةُ للتاريخ تُبقي ١٥٦هـ/٧٧٢م. فالمقالةُ تُقيم خلافًا بين «المصادر العربية» و«الدراسات الأوربية» لا وجودَ له. والتوتّرُ حقيقيٌّ لكنّه داخلَ التراث العربي نفسِه: «وقد قارب الخمسين» عند ابن دحية، في مقابل أربعٍ وتسعين سنة عند المقّري. وهذا هو الخلافُ الذي كان يستحقّ العرض.
الرواياتُ الثلاث راويان اثنان. الحسنُ بن محمد بن مفرّج القبّشي له الخبرُ القصير وحده. وأمّا الباب المنخفض ووصف الملكة فهما في رواية عيسى الرازي نفسِه، لا في روايةٍ ثالثةٍ قائمةٍ على الشعر. وقولُ المقالة إنّ الرازي يذكره «منجّمًا لا سفيرًا» لا يستقيم: الرازي يجمع الوصفين في سياقٍ واحد — «الشيخين المنجّمين» ثم «وقرن برسوله رسولين اختارهما من رجال مملكته». فالمقابلةُ التي بنتها المقالةُ بين الوصفين تذوب عند قراءة النصّ.
«أنتم أقدر منّا على ضبط القرصنة… لأن السفن عندكم ولا نملكها». بحثتُ جوابَ الأمير كلَّه عن «مراكب» و«سفن» و«أسطول» فلم أجد شيئًا. وحجّتُه في النصّ حجّةُ ولايةٍ وقُربٍ وتعجيزٍ للروم: «وليسوا في بلدنا ولا برتبتنا فنغير عليهم… ولم نكن نحسبك تعجز عنهم، ولا تضعف عن نكايتهم». وأمّا «لم يكن للأندلس أسطول» فمسألةٌ متنازَعٌ فيها: عند ابن الأثير ٦/٩٤ أنّ «مراكبَ لعبد الرحمن» وصلت إشبيلية أثناء غارة ٨٤٤، وهل كانت حملاتُ ما قبلها حملاتِ دولةٍ أم قرصنةَ أفرادٍ خلافٌ لم أستطع حسمه.
البروسكينيسيس. وصفُ الطقس صحيح. لكنّ المقالة تجعله مشكلةً عقديةً اصطدم بها الغزال، والراجحُ في الدراسات أنّ سفراء المسلمين كانوا يُعفَون منه بالمعاملة بالمثل — وهي ملاحظةُ كاردوسو نفسِها، نقلًا عن كنيدي. فأشدُّ صور المقالة إثارةً هي أضعفُها سندًا. ويبقى النزاعُ على المراسم ثابتًا من خبرَي عمارة بن حمزة ونصر بن الأزهر، وهو ما تحتاجه المقالة فعلًا.
أقوى حجّتين في المقالة ليستا لها. لا-زمنيةُ ميخائيل، وأنّ سانتياغو لم تكن مقصدًا سنة ٨٤٥ — كلتاهما عند ليفي-بروفنسال سنة ١٩٣٧، وقد ساقتهما المقالة إثباتًا من عندها. وصورةُ حجّة سانتياغو التي استعملتها المقالة (أنّ المدينة لم تكن ذاتَ شأنٍ يومئذٍ) هي صياغةُ كريستيس، وهي غيرُ حجّة ليفي-بروفنسال (أنّ كومبوستيلا لا موضعَ لها أصلًا في طريقٍ من القسطنطينية). ونسبةُ كلٍّ منهما إلى صاحبها تزيد المقالةَ قوّةً ولا تنقصها.
ثلاثةُ مواضع في وصف الباحثين. (أ) هيرمس في الجهة المقابلة: هو يدافع عن تاريخية سفارة المجوس ويصف المشكّكين بأنهم hypercritical، والمقالةُ تُدرجه في مراجعها دون أن تستعمله. (ب) ملاحظةُ كاردوسو مبالَغٌ فيها من ثلاثة أوجه: الإشارةُ ليست في شعر الغزال، ولا مصدرُها «المطرب»، وكاردوسو نفسُها تصفها بأنها تخمين. (ج) مشابهاتُ ليفي-بروفنسال الثلاث في نصّه الفرنسي هي: حيلةُ السفير للتملّص من المراسم، وأبياتُ العاصفة في طريق الذهاب، وفضولُ الملكة ولطفُها — وليس فيها «الشعر في حضرة الملك».
وأمورٌ أصغر لا تستحقّ رقمًا: الطلبُ الثاني في الكتاب لم يكن كفَّ البحّارة عمومًا بل أمرَ أبي حفص البلوطي وجاليةِ الأندلس الذين غلبوا على كريت؛ ولفظُ القبّشي «عقدُ الصداقة» لا «عهد مودّة»؛ وابنُ حيان يكتب «يحيى المنيقلة» لا «صاحب المنيقلة»؛ و«أربعٌ وتسعون سنة وخمسةُ أمراء» قولُ معاوية بن هشام الشبينسي ينقله ابن حيان لا قولُ ابن حيان؛ وعمّوريةُ نُهبت وخُرِّبت ولم تُمحَ من الوجود؛ والزركليُّ يجعل ١٥٦هـ = ٧٧٣م؛ و«الغزّال» بالتشديد ليست استثناءً حديثًا بل خلافٌ قديم، فالشمنيُّ يخفّف و«مجمع بحار الأنوار» يذكر الوجهين؛ واسمُ الباحثة سارا لا سارة؛ وبناءُ دار الصناعة بعد ٨٤٤ عند ابن القوطية وحده، وابنُ عذاري والنويريُّ ساكتان عنه.
ثالثاً: ما لم أقف له على سند، ولم أستطع نفيه
موضعان أتركهما كما هما، ولا أردُّهما إلى إثباتٍ ولا إلى نفي:
أبياتُ الغزال في الشطرنج. لم تظهر في المكتبة كلِّها. وديوانُه ليس فيها، وقد ذكر ابنُ بشكوال في «الصلة» أنّ ديوانًا له جُمع ورُتِّب على الحروف. فإن كانت الأبياتُ في مكان، فهناك.
هل كانت حملاتُ الأندلس البحرية قبل ٨٤٤ حملاتِ دولةٍ أم قرصنةَ أفراد؟ دراساتٌ عربيةٌ حديثةٌ تنسب حملة ٢١٤هـ إلى الأمير نفسِه على شرط ابن الأثير وابن عذاري، ودراساتٌ غربيةٌ تجعل أوّلَ عملٍ بحريٍّ للدولة سنة ٨٤٨. ولم أستطع الترجيح.
رابعاً: فحص الاقتباس
لا اقتباسَ حرفيًّا في المقالة، لا من عربيٍّ ولا من أجنبيّ. مُسحت إحدى عشرة جملةً من جملها الحاملة بحثًا عن تطابقٍ نصّيّ، فلم تُرجع واحدةٌ منها نتيجةً واحدة — على أنّ محرّكات البحث لا تلتزم التطابقَ الحرفيّ، فالصفرُ قرينةُ غياب لا برهانُ عدم. وقوبلت المقالةُ على اثنتين وثلاثين مقالةً للكاتب نفسِه، فكان التداخلُ عند خمس كلماتٍ متتالية صفرًا. وإحالاتُه إلى مقالتيه «السلطان والملكة» و«الدليل الغائب» مصرَّحٌ بها وبألفاظٍ أخرى. وقوبلت على ويكيبيديا العربية و«المعرفة» فلم يظهر تركيبٌ مشترك، والصيغةُ التي تتشابه فيها المقدّماتُ صيغةٌ كلاسيكيةٌ ثابتةٌ عند المقّري.
والذي ظهر شيءٌ آخر، وهو مسألةُ عزوٍ لا مسألةُ انتحال. ستةُ مواضع في المقالة تسير مع مقالة Wikipedia الإنجليزية «Al-Ghazal» في مضمونها وترتيبها، وهي غيرُ مذكورةٍ في «للاستزادة»: وصفُ ابن حيان له بـ«حكيم الأندلس»، وتقديرُ المولد بنحو ٧٩٠، وعرضُ الروايات الثلاث بترتيبها، و«الباب المنخفض» مع لا-زمنية ميخائيل، وابنُ الأخ والشطرنجُ وزريابُ في جملةٍ واحدة، وسانتياغو «موضعٌ لا شأن له سنة ٨٤٥» مع تنصّر الإسكندنافيين «بعد أكثر من قرن». وقائمةُ المراجع الأجنبيةِ في «للاستزادة» هي قائمةُ تلك المقالة بأرقام صفحاتها، ومنها هيرمس الذي لا تستعمله المقالةُ في موضع.
والقرينةُ الفاصلة خطأٌ مشترك. «حكيم الأندلس» منسوبةً إلى ابن حيان في الغزال خطأٌ تفرّدت به تلك الصفحة، وقد تحقّقتُ منه في المصادر فإذا اللقبُ لعباس بن فرناس. والخطأُ المميَّزُ لا ينتقل إلا بالنقل. ومثلُه «سارة» في اسم الباحثة، وهو خطأُ تلك الصفحة أيضًا.
وهذا كلُّه لا يمسّ أصلَ المقالة. فعمودُها الذي ليس في تلك الصفحة ولا في غيرها: الطلباتُ الثلاثةُ بنصّها، وجوابُ الأمير، وخبرا عمارةَ بن حمزة ونصرِ بن الأزهر شاهدَين مستقلَّين على النزاع في المراسم، وبائيةُ أبي تمام، وخلافةُ سنة ٩٢٩ جوابًا متأخّرًا للعرض، والوقفةُ على فضل الإسناد. هذه المقالةُ في بنائها وحجاجها عملُ صاحبها. والذي يلزم إصلاحُه هو العزوُ: أن يُذكر ما أُخذ عمّن أُخذ عنه، وأن تُقرأ الكتبُ التي تُذكر في قائمة المراجع.
الحكم في هذا الباب: لا انتحالَ نصّيًّا — والدرجةُ فيه منخفضة. وأمّا سلامةُ العزو فدرجتُها متوسطة، ويصلحها ذكرُ المصدر الوسيط وتصحيحُ ما ورثته المقالةُ عنه.
حدودُ هذا التدقيق
لم أقف على مطبوعِ «المقتبس» في موضع الخبر: القطعةُ المتاحةُ حرًّا تبدأ من سنة ٢٣٢هـ، فاعتمدتُ على طبقةِ تعرّفٍ ضوئيٍّ لطبعة مكي. والألفاظُ متّسقةٌ فيما بينها، لكنّ من أراد الاقتباس الحرفيّ فليقابلها على المطبوع. و«نفح الطيب» و«المطرب» مفهرسان في نسختي بلا صفحاتٍ مطبوعة، فأحلتُ إليهما بالباب لا بالرقم. ومجلّدُ «بيزنطيون» ١٢ لم أصل إلى صوره، إنما إلى نصِّ بحثه الفرنسيِّ عبر البحث الداخلي، فحُروفُه الفرنسيةُ مستعادةٌ إلى رسمها القياسي. وكتابُ سينيس كودونيير لم أطّلع منه إلا على مقتطفات، وفصلُ هيرمس لم أطّلع على صفحاته. و«بغية الملتمس» و«الحلة السيراء» و«تكملة الصلة» وابنُ القوطية وديوانُ الغزال ليست في المكتبة، فبحثي في تلقيب الرجل وفي أبيات الشطرنج غيرُ مستوعِب.
الحكم
تاريخُ المقالة سليم، ونقلُها عن الدراسات هو موضعُ الضعف. الخبرُ الذي تدور عليه — أنّ إمبراطور الروم عرض على أمير قرطبة حلفًا وخلافةً فردّهما — ثابتٌ بنصّه، وأجرأُ عبارةٍ فيها هي أوثقُها سندًا. وحجاجُها في ردّ سفارة المجوس متينٌ ويوافق جمهورَ الباحثين. ووقوفُها عند اختلاف الروايات عند مؤرّخٍ واحدٍ وقوفٌ في محلّه.
والقسمان اللذان يُقرآن بتحفّظ هما «من هو يحيى الغزال؟» و«هل كان هناك باب منخفض؟». ففي الأوّل لقبٌ لغير صاحبه، وخبرُ شطرنجٍ لا سندَ له، وخلافٌ أوربيٌّ لا وجودَ له. وفي الثاني أنّ الانحناء ربما لم يكن يُطلب من سفراء المسلمين أصلًا، وهو ما يسحب من المشهد بعضَ حدّته. أمّا «بعض تفاصيل السفارة» فيُقرأ مع تصحيح نسبة الروايات إلى رواتها.
وموضعان تُنصَف فيهما المقالة. «توفلس» في بائية أبي تمام لفظُ الأصل لا تحريفَ فيه، وقد سبق ابنُ حيان إلى الربط بين الإمبراطور والقصيدة. ونقدُها لابن دحية أرفقُ مما تحتمله كتبُ الرجال: قالت «رُمي بالتساهل»، والذي فيها «متهم في نقله» و«المجازفة في النقل» و«يدّعي أشياء لا حقيقة لها».
نُشر هذا التدقيقُ كما خرج، ولم تُعدَّل المقالةُ لتوافقه. → العودة إلى المقالة