Read in English · اقرأ بالإنجليزية →
حسين الخالدي · مقالات  —  مقالة

الاستشفاء بالقراءة

ماذا يقول العلم عن أثر الكتب في نفوسنا؟

الجاحظ ودكان الورّاق«مكان شفاء النفس»العلاج بالقراءة

ليلة في دكان ورّاق

في سوق بالبصرة، قبل اثني عشر قرنًا. كان صاحب دكان الكتب يغلق بابه حين وقف أمامه رجل غريب. لا يريد شراء كتاب؛ بل يريد استئجار الدكان كله حتى الصباح. سيدفع الأجرة كاملة مقابل شيء واحد: أن يُترك وحيدًا بين الرفوف يقرأ.

الرجل هو الجاحظ (توفي 255هـ). يذكر ياقوت الحموي في «معجم الأدباء» أنه كان يستأجر دكاكين الورّاقين ويبيت فيها يقرأ. كان شغفه أكبر من مكتبته، وجيبه في شبابه أصغر من شغفه.

كبر الجاحظ، وأقعده الشلل النصفي، فلزم بيته. وبقي معه رفيق واحد: الكتاب. في مقدمة «كتاب الحيوان» كتب عن هذا الرفيق كلمات ما زلنا نردّدها إلى اليوم: الجليس الذي لا يجاملك، والصديق الذي لا يملّ منك.

هل بالغ الجاحظ في مدح الكتب كما يفعل العاشق أحيانًا؟ أم أنه لمس شيئًا احتاج الطب إلى اثني عشر قرنًا كي يقيسه؟ أميل إلى الاحتمال الثاني. للقراءة أثر علاجي يمكن قياسه، لكنها، مثل أي دواء، ليست صالحة لكل حال: لها دواعي استعمال، وجرعة، وشروط جودة. ولها أيضًا سوق من الادعاءات المبالغ فيها.

صفحةُ عنوانٍ من مخطوطٍ عربيّ، كُتبت بخطٍّ مذهَّبٍ كبير داخل إطار، وزُيّنت أرضيتُها بزخارفَ حمراءَ وزرقاءَ دقيقة
صفحةُ عنوانٍ مذهَّبة من مخطوط «المحاسن والأضداد» المنسوب إلى الجاحظ — نسخةٌ من القرن الثامن عشر الميلادي، ناسخُها غيرُ معروف. وليست من «كتاب الحيوان» ولا من زمن الجاحظ؛ فما وصلنا من نسخ كتبه متأخّرٌ عنه بقرون. ويكيميديا كومنز — مُلكيةٌ عامة.

صيدلية النفس

فوق باب المكتبة الملحقة بمعبد رمسيس الثاني في واسِت (Waset)، كُتبت قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام عبارة تُعد أقدم شعار مكتبة وصلنا: «مكان شفاء النفس». نقلها المؤرخ اليوناني ديودور الصقلي (Diodorus Siculus) عن هيكاتايوس (Hecataeus) الذي زار مصر في القرن الرابع قبل الميلاد. وأعجبت الأوروبيين لاحقًا، فنقشوها على مكتبة دير سانت غالن في سويسرا، واتخذتها جامعة أوبسالا السويدية شعارًا لمكتبتها منذ عام 1710م.

أما المصطلح الحديث فوُلد في سبتمبر 1916م، حين نشر الكاتب الأمريكي صمويل كروثرز (Samuel Crothers) مقالًا في مجلة «ذي أتلانتيك» (The Atlantic) بعنوان «عيادة أدبية»، تخيّل فيه طبيبًا يصف الكتب لمرضاه كما تُوصف الأدوية، وصاغ فيه كلمة «العلاج بالقراءة» (Bibliotherapy). ولم تكن الفكرة مزحة؛ فقبله بمئة عام أوصى بنجامين راش (Benjamin Rush)، أحد مؤسسي الطب النفسي الأمريكي، بأن تضم كل مستشفى مكتبة صغيرة لمرضاها. وفي الحربين العالميتين أُنشئت مكتبات داخل المستشفيات العسكرية، وقُدمت الكتب للجنود العائدين من الجبهة ضمن خطة التعافي.

حين دخل الكتاب عيادة الطبيب

قبل عرض الأدلة، يجدر بنا أن نحدد ما الذي تختبره الدراسات أصلًا. التجارب السريرية لا تراقب شخصًا يقرأ رواية في وقت فراغه، بل تختبر «العلاج المعرفي بالقراءة»: كتابًا منظمًا قائمًا على مبادئ العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy)، يعمل المريض معه على أفكاره فصلًا بعد فصل، مع متابعة خفيفة من معالج.

النتائج قوية. في عام 1997م جمع الباحث الهولندي بيم كويبرس (Pim Cuijpers) الدراسات المنشورة عن العلاج بالقراءة في الاكتئاب، فوجد حجم أثر (Effect Size) يبلغ 0.82، وهو رقم كبير في علم النفس، لدى مرضى الاكتئاب الخفيف والمتوسط. وفي عام 2006م ظهر أثر مشابه (0.84) في اضطرابات القلق. أما النتيجة الأهم فجاءت عام 2010م: حين قورنت «المساعدة الذاتية الموجّهة» — وأساسها كتاب علاجي — بجلسات العلاج النفسي وجهًا لوجه، لم يظهر فرق ذو دلالة إحصائية بين الطريقتين.

أشهر كتب هذا المجال «الشعور الجيد» (Feeling Good) للطبيب النفسي ديفيد بيرنز (David Burns). خضع الكتاب لتجارب سريرية أظهرت انخفاضًا واضحًا في درجات الاكتئاب لدى من قرؤوه بطريقة منظمة، واستمر التحسن بعد ثلاث سنوات. وفي بريطانيا تحولت الفكرة إلى سياسة صحية: منذ عام 2013م يستطيع الطبيب العام أن يكتب في الوصفة اسم كتاب معتمد ضمن برنامج «كتب بوصفة طبية» (Reading Well: Books on Prescription)، يستعيره المريض من المكتبة العامة مجانًا. استُعيرت كتب البرنامج أكثر من أربعة ملايين مرة.

ملاحظة مهمة : معظم التجارب أُجريت على حالات خفيفة ومتوسطة، ولا يصح تعميمها على الاكتئاب الشديد ولا اعتبارها بديلًا عن الطبيب. والكتاب بلا متابعة أضعف أثرًا؛ في إحدى تجارب الرعاية الأولية لم يتفوق وصف كتاب بيرنز وحده على الرعاية المعتادة. وعند الأطفال والمراهقين الأدلة هشة: تحليل شامل عام 2018م وجد أثرًا في اكتئاب المراهقين، لكن لا أثر يُعتد به في قلق الأطفال، وحين استُبعدت الدراسات الصغيرة اختفى الأثر كله تقريبًا.

ورقةُ مخطوطٍ عربيّ عليها تصويرةٌ مقسَّمةٌ إلى طبقتين: في أعلاها رفٌّ عليه جِرارُ صيدلةٍ متجاورة، وفي أسفلها رجلان يُحرِّكان قِدرًا على النار
تحضيرُ الدواء من العسل — ورقةٌ من ترجمةٍ عربيةٍ لكتاب «خواصّ العقاقير» (De Materia Medica) لديوسقوريدس، نسخها عبد الله بن العباس بن الفضل سنةَ ٦٢١هـ/ ١٢٢٤م: رفُّ الجِرار في أعلاها، وتركيبُ الدواء في أسفلها. متحف المتروبوليتان للفنون — CC0.

وقفة مع رقم مشهور

لا يكاد يخلو مقال عن فوائد القراءة من هذه المعلومة: «أثبتت دراسة في جامعة سسكس أن ست دقائق من القراءة تخفض التوتر بنسبة 68٪، متفوقة على الموسيقى والمشي وشرب الشاي». رقم أنيق وسهل الحفظ؛ ولعل هذا هو سر انتشاره.

لكن اسأل سؤال المحدّثين: من حدّثك بهذا؟ الأصل دراسة تجارية أجراها عالم النفس ديفيد لويس (David Lewis) عام 2009م لصالح شركة شوكولاتة، لم تُنشر في أي مجلة محكّمة، ولا نعرف عدد المشاركين فيها ولا منهجها. كل ما لدينا خبر صحفي في جريدة «التلغراف». والمفارقة أن الفكرة نفسها — أن القراءة تهدئ وتقطع اجترار الهموم — لها أدلة جيدة من طرق أخرى. الحقيقة لم تكن محتاجة إلى رقم بلا مصدر.

الرواية وقلوب الآخرين

في أكتوبر 2013م نشرت مجلة «ساينس» (Science) دراسة أثارت ضجة. وجد ديفيد كيد وإيمانويلي كاستانو (Kidd & Castano) أن من قرأ مقاطع من روايات أدبية رفيعة تحسّن أداؤه فورًا في اختبارات «نظرية العقل» (Theory of Mind) — قدرتنا على قراءة مشاعر الآخرين ونواياهم — مقارنة بمن قرأ روايات تسلية أو نصوصًا غير قصصية. احتفلت الصحف: الرواية تصنع التعاطف.

ثم جاءت الخطوة المعتادة في العلم: إعادة التجربة. في عام 2016م أعادت فرق مستقلة الاختبار على عينات أكبر، فلم تجد الأثر نفسه. ردّ الباحثان، وتوالت المحاولات؛ نجحت بعضها وأخفقت أخرى. وحين جُمعت النتائج في تحليل شامل عام 2018م، بدت الخلاصة أكثر تواضعًا: قراءة القصص تحسّن الإدراك الاجتماعي فعلًا، لكن الأثر صغير (نحو 0.15)، ولا تصنعه جلسة واحدة؛ الأرجح أنه يتراكم مع سنوات القراءة.

يدعم هذا خط بحثي آخر لريموند مار وكيث أوتلي (Mar & Oatley): قرّاء القصص على مدى العمر يسجلون درجات أعلى في مقاييس التعاطف. تفسيرهما أن القصة محاكاة للحياة الاجتماعية؛ مختبر آمن نتدرب فيه على فهم البشر دون أن ندفع ثمن الأخطاء. حتى تصوير الدماغ أظهر أن قراءة القصص تنشّط الشبكات العصبية نفسها التي نستخدمها حين نفكر في عقول الآخرين. ويسمي الباحثون هذا الانغماس «الانتقال السردي» (Narrative Transportation): الحكاية تخطف الانتباه من الهموم، وتحمل القارئ إلى عالم آخر يعود منه وقد تغيّر فيه شيء.

يبقى الإنصاف: الأثر صغير، والقارئ ليس بالضرورة أرحم من غيره. ومن يقرأ كثيرًا لكنه لا ينتقي إلا ما يوافق قناعاته قد يزداد قالبه الذهني صلابة — فصّلت في هذا في مقال «ولا يزالون مختلفين».

فصل في العمر والذاكرة

في عام 2016م تابع باحثون من جامعة ييل (Yale) عيّنة من 3635 أمريكيًا فوق الخمسين مدة اثني عشر عامًا. النتيجة: قرّاء الكتب — الكتب تحديدًا، لا الصحف والمجلات — كان احتمال وفاتهم خلال المتابعة أقل بنحو 20٪، حتى بعد ضبط العمر والتعليم والثروة والحالة الصحية.

تناقلت الصحف الخبر تحت عنوان «القراءة تطيل العمر 23 شهرًا». والدقة تستدعي توضيحين: الرقم مأخوذ من الحسابات قبل ضبط الفروق بين المجموعتين، وبعد الضبط يتقلص الفارق إلى نحو أربعة أشهر. ثم إن الدراسة رصدية تُظهر ارتباطًا لا سببية؛ ربما الأصحاء يقرؤون أكثر، لا أن القراءة أطالت أعمارهم.

الدليل الأمتن جاء من مشروع «راش للذاكرة والشيخوخة» في شيكاغو. تابع الباحثون 294 مسنًّا حتى وفاتهم، ثم فحصوا أدمغتهم تشريحيًا. من داوموا على القراءة والكتابة كان تدهورهم المعرفي أبطأ، حتى بعد احتساب ما وُجد فعليًا في أدمغتهم من آفات ألزهايمر. والتفسير ما يسميه الباحثون «الاحتياطي المعرفي» (Cognitive Reserve): القراءة تبني شبكة أوسع من الوصلات العصبية، فيتحمل الدماغ قدرًا أكبر من المرض قبل ظهور الأعراض. مثل قلب رياضي يتحمل من ضيق الشرايين ما لا يتحمله قلب خامل.

القراءة الجماعية… والقراءة قبل النوم

للقراءة وجه اجتماعي أيضًا. في ليفربول تدير مؤسسة «القارئ» (The Reader) منذ عشرين عامًا مئات حلقات «القراءة المشتركة»: نص أدبي يُقرأ بصوت مسموع في مجموعة صغيرة، ثم يتحاور حوله الحاضرون. تشير تقارير جامعة ليفربول إلى تحسن المزاج وتراجع الشعور بالوحدة عند المداومين، ومنهم مرضى الألم المزمن والخرف — مع تحفظ: معظم هذه الأدلة تقييمات خدمة لا تجارب محكمة. والفكرة قابلة للتطبيق في أي بيت: جلسة قراءة أسبوعية مع العائلة أو الأصدقاء، نص واحد وحوار حوله.

أما القراءة قبل النوم فحسمتها تجربة نشرتها مجلة «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» (PNAS) عام 2015م: القراءة من شاشة مضيئة قبل النوم تؤخر إفراز الميلاتونين، وتزيح الساعة البيولوجية، وتقلل النوم العميق. القراءة من كتاب ورقي لا تفعل شيئًا من ذلك. فإن كنت تقرأ قبل النوم، فاجعلها ورقًا لا شاشة.

لوحةٌ زيتيةٌ داكنة تُصوِّر امرأةً جالسةً إلى منضدة تقرأ في كتابٍ مفتوح، يضيئه مصباحٌ ذو حاجبٍ ورقيٍّ وشمعتان
امرأةٌ تقرأ على ضوء مصباحٍ ذي حاجبٍ ورقيّ — لهنري روبرت مورلاند، سنةَ ١٧٦٦م. كتابٌ ورقيٌّ وضوءٌ خافتٌ قبل النوم: الحالُ التي لم تُزِحْ فيها تجربةُ ٢٠١٥ الساعةَ البيولوجية. تيت، عبر ويكيميديا كومنز — مُلكيةٌ عامة.

ميزان الوحي

من القرآن الكريم

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82]

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

هنا يلزم ضبط الميزان من الجهتين. لا يصح أن نقول: العلم الحديث «يثبت» شفاء القرآن عبر تجارب العلاج بالقراءة؛ فهذا خلط بين بابين. شفاء القرآن خبر وحي يُصدَّق ابتداءً، وموضوعه أعمق من درجات مقياس نفسي: شفاء ما في الصدور من الشك وأمراض القلوب، ولا يحتاج إلى «حجم أثر» يدعمه. ولا يصح في المقابل أن نقول: لا علاقة بين البابين. فتاريخنا الطبي جمع بينهما عمليًا: نصّت وثيقة وقف البيمارستان المنصوري في القاهرة (افتُتح عام 684هـ / 1285م) على تعيين قرّاء يرتّلون القرآن في قاعة المرضى، إلى جانب الأطباء والأدوية والغذاء. فهم أطباء تلك الحضارة أن المريض نفس وجسد، وأن للكلمة المتلوّة مكانًا في خطة العلاج دون أن تكون بديلًا عن الدواء. القراءة العلاجية من باب الأخذ بالأسباب، وشفاء القرآن باب أوسع؛ ومن جمع بينهما دون خلط أصاب.

وصفة أخيرة

لو جاز لي أن أكتب القراءة في دفتر الوصفات، لكتبتها هكذا:

سراج الورّاق

تروي كتب الأدب أن الجاحظ مات تحت كتبه: سقطت عليه مجلدات كان قد رصّها حوله، وقد جاوز التسعين. نهاية تليق به لو صحّت؛ لكنها رواية شائعة لم تثبت بسند يُعتمد. يكفينا الثابت: شيخ أقعده المرض، وبقيت الكتب رفيقه حتى آخر يوم.

سبق الجاحظ بحدسه ما احتاج العلم اثني عشر قرنًا لقياسه: الكتاب يؤنس الوحدة، ويصرف الهم، ويصقل فهمنا للآخرين، ويحمي العقل من الصدأ. لا بالسحر ولا بأرقام برّاقة، بل بأثر متواضع ينمو مع المداومة. ولو شئنا لعلّقنا فوق دكان الورّاق في البصرة العبارة التي علّقها القدماء فوق مكتبتهم: هنا مكان شفاء النفس.

للاستزادة

مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)

دُقِّقت وقائعُ هذه المقالة تدقيقًا مستقلًّا — التواريخُ والأرقامُ والدراساتُ المذكورة فيها. والنتيجةُ منشورةٌ كما خرجت، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقها: اقرأ تدقيق المدقّق المحايد ←

© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.