قوبلت الدعاوى الواقعية في المقالة بمصادرها: مرسومُ الحرمان البابوي بنصّه، ومعركةُ وادي المخازن بالمصادر العربية في المكتبة الشاملة المنزَّلة على القرص، وامتيازاتُ سنة ١٥٨٠ ومواثيقُ شركات تركيا والمشرق والبربرية بتواريخ تأسيسها، ورحلةُ توماس دالام بأخبارها المنشورة، وسفارةُ عبد الواحد بن مسعود بوثائقها وصورتها الباقية، وأطروحةُ الكتاب بنصّ بروتون حيث وقفتُ عليه. تسعٌ وعشرون دعوى واقعية فُحصت، وما خرج به الفحص منشورٌ كما خرج — لم يُحذف منه شيءٌ لأنه غيرُ موافق، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقه.
وموضوعُ التدقيق الوقائعُ وحدَها: التواريخُ، وأسماءُ الأعلام والشركات والمسرحيات، وما نُسب إلى بروتون أنه قاله، وصحّةُ نسبة الحدث إلى صاحبه. أمّا أطروحةُ المقالة — أنّ المصالح سبقت العقائد، وأنّ «صراع الحضارات» اختيارٌ لما نتذكّره من التاريخ — فليست من التدقيق في شيء؛ تلك قراءةٌ يُحاكم إليها القارئ لا المدقّق. وهذه مقالةٌ لقارئٍ عام، ومراجعةُ كتابٍ لا بحثٌ محكَّم، فلم يُطلَب فيها ما يُطلَب في البحوث.
المنهج
الكتابُ المُراجَع صدر سنة ٢٠١٦ في طبعتين بعنوانين مختلفين: The Sultan and the Queen: The Untold Story of Elizabeth and Islam في الولايات المتحدة، وThis Orient Isle: Elizabethan England and the Islamic World في بريطانيا — وهما كتابٌ واحد، والقارئُ الذي يطلبه بالعنوان الذي في المقالة قد لا يجده في المكتبات البريطانية. وقد قوبلت دعاوى المقالة بمرسوم Regnans in Excelsis الصادر في ٢٥ فبراير ١٥٧٠ بنصّه المنشور، وبمداخل شركة المشرق في Oxford Reference ودوائر المعارف المتخصّصة لتواريخ الامتيازات والمواثيق، وبأخبار رحلة توماس دالام المنشورة عن يوميّاته، وببطاقة صورة السفير المغربي في جامعة برمنغهام. وأمّا الجانبُ المغربي فقوبل بالمصادر العربية في المكتبة الشاملة المنزَّلة على القرص (٨٤١٧ كتابًا): «موجز دائرة المعارف الإسلامية» (٣٠/ ٩٤٨٨) و«تاريخ الأدب العربي» لشوقي ضيف (١٠/ ٢٩٣، ٣٩٨). وأُجري فحصُ اقتباسٍ على عشر عباراتٍ مميّزة من المقالة، وقوبل نصُّها آليًّا بصفحات الموقع التسعَ عشرةَ السابقة.
أولاً: ما ثبت
أجرأُ ما في المقالة وأشدُّه إثارةً — معدنُ أجراس الكنائس الإنجليزية يُباع للعثمانيين فيُصبّ مدافعَ تواجه إسبانيا الكاثوليكية — ليس تهويلًا ولا استنتاجًا، بل هو صلبُ ما يقوله بروتون في كتابه. فالسفنُ الإنجليزية كانت تحمل خردةَ معدن الأجراس المنزوعة من دور العبادة الإنجليزية، ورصاصَ سقوفها، إلى المغرب وإسطنبول حيث يُعاد صبُّها مدافعَ تُوجَّه إلى الأعداء الكاثوليك — وبإذن الملكة، إذ أجازت إليزابيث تصدير «كلّ صنوف ذخائر الحرب» إلى المغرب. فالصورةُ التي بنت عليها المقالة فصلَها الثاني صورةٌ صحيحة، والوصفُ الذي وصفتها به — «فضائحية في نظر أوروبا الكاثوليكية آنذاك» — هو بعينه ما أثار شكوى إسبانيا والبابوية حينها.
ومشروعُ الغزو المشترك للعالم الجديد — وهو أغربُ ما في المقالة وأدعاه إلى التشكيك — ثابتٌ بالمراسلات. عرض أحمد المنصور على إليزابيث عمليةً مشتركةً على الممتلكات الإسبانية في الأمريكتين، إذ كان يدرك أنّ المغرب لا يملك أسطولًا يبلغ بها وحده. بل إنّ في رسائله ما هو أبعدُ ممّا ذكرته المقالة: اشترط أن يكون الهدفُ استيطانَ العالم الجديد لا مجرّدَ ضرب إسبانيا، وأن يكون الاستيطانُ للمغاربة. والأصولُ محفوظةٌ في المكتبة البريطانية. فقولُ المقالة «وصلت طموحاته في بعض المراسلات إلى تصور غزو مشترك للعالم الجديد نفسه» دقيقٌ ومتحفِّظٌ إن قيس بالوثيقة.
وسلسلةُ التجارة كلُّها صحيحة، وهذه تواريخُها التي لم تذكرها المقالة. الامتيازاتُ العثمانية مُنحت سنة ١٥٨٠ كما قالت المقالة تمامًا؛ ثمّ رُخِّصت شركة تركيا سنة ١٥٨١، وشركة البندقية سنة ١٥٨٣، ثمّ اندمجتا في شركة المشرق (Levant Company) بميثاقٍ أقرّته إليزابيث في ١١ سبتمبر ١٥٩٢ — فترتيبُ المقالة «شركة تركيا ثمّ شركة المشرق» صحيحٌ على وجهه. وشركة البربرية رُخِّصت سنة ١٥٨٥ للتجارة مع المغرب، ومادّتاها السكّرُ والملحُ الصخري كما ذُكر. ووليم هاربورن بلغ إسطنبول أوّلَ مرّةٍ سنة ١٥٧٨ وكيلًا، ثمّ صار سفيرًا سنة ١٥٨٢ ودخلها بصفته تلك سنة ١٥٨٣ — فوصفُه بـ«أوّل سفير إنجليزي دائم» صحيح.
ونقطةُ التحوّل التي بُني عليها السرد كلُّه — سنة ١٥٧٠ — صحيحةٌ في أصلها. أصدر البابا بيوس الخامس مرسوم Regnans in Excelsis في ٢٥ فبراير ١٥٧٠، فحرم إليزابيث كنسيًّا، وسمّاها «الملكة المزعومة لإنجلترا»، وأعلنها هرطوقية، وأسقط حقَّها في الحكم، وحلَّ رعاياها من بيعتها ولو كانوا قد حلفوا لها، وحرم كلَّ من يطيع أوامرها. فعزلُ إنجلترا عن البيت الكاثوليكي بهذا المرسوم واقعٌ لا خلاف فيه. (وفي عبارة «إحلال الدم» تحديدًا نظرٌ — انظر التصحيح الأول.)
ومعركةُ وادي المخازن سنة ١٥٧٨ ثابتةٌ بالمصادر العربية نفسِها. في «موجز دائرة المعارف الإسلامية»: «معركة القصر الكبير سنة ٩٨٦ هـ/ ١٥٧٨ م — تعرف أيضًا بمعركة وادى المخازن — وقف هجوم البرتغاليين المضاد على المغرب» (٣٠/ ٩٤٨٨)، وفيه أيضًا تسميتُها «معركة الملوك الثلاثة» (٣١/ ٩٨٠٦). وعند شوقي ضيف: «معركة كبرى بينهم وبين البرتغاليين فى وادى المخازن بقرب مدينة القصر الكبير سنة ٩٨٦ هـ/ ١٥٧٨ م وكان يقود جيش البرتغاليين ملكهم» (١٠/ ٣٩٨)، وأنّها «استحالت إلى ما يشبه مذبحة كبرى للبرتغاليين». فتاريخُ المقالة وأثرُها في تحطيم الطموح الإيبيري صحيحان. (وفي نسبتها إلى «عهد أحمد المنصور» نظرٌ — انظر التصحيح الثاني.)
وأرغنُ توماس دالام وقصّتُه صحيحةٌ بتفاصيلها، وسنةُ ١٥٩٩ صحيحة. أبحر دالام مع آلته في مطلع فبراير ١٥٩٩ وبلغ البلاط العثماني في سبتمبر من السنة نفسها، والآلةُ ساعةٌ وأرغنٌ معًا: ارتفاعها ستةَ عشرَ قدمًا، تعزف من تلقاء نفسها أربعَ مرّاتٍ في اليوم، وعلى قمّتها دَوْحُ هُدهدٍ فيه طيورٌ «تغنّي وتهزّ أجنحتها». فوصفُ المقالة لها بـ«أرغن ميكانيكي عجيب» وأنّه «أبهر البلاط العثماني» ليس مبالغةً بل هو ما تقوله يوميّاتُ دالام نفسِه. (وفي هويّة السلطان المتلقّي نظرٌ — انظر التصحيح الثالث.)
وسفارةُ عبد الواحد بن مسعود، وهي عمودُ الفصل الثالث، ثابتةٌ في كلّ ما ذكرته المقالة عنها. بلغ سفيرُ أحمد المنصور إنجلترا سنة ١٦٠٠ على رأس وفدٍ من ستةَ عشرَ رجلًا، ومكث في البلاد نحو ستّة أشهر بين ١٦٠٠ و١٦٠١، واستقبلته إليزابيث. وصورتُه الزيتية باقيةٌ فعلًا، رسمها فنّانٌ إنجليزيٌّ مجهول سنة ١٦٠٠، ونقشُها يذكر أنّه كان في الثانية والأربعين، وهي محفوظةٌ اليوم في معهد شكسبير بجامعة برمنغهام — وهي أقدمُ صورةٍ باقيةٍ لمسلمٍ رُسمت في إنجلترا، وهو ما لم تذكره المقالة وكان لها أن تذكره.
وخاتمةُ المقالة صحيحةٌ في وقائعها. ماتت إليزابيث سنة ١٦٠٣، وسارع خليفتُها جيمس الأول إلى الصلح مع إسبانيا فعُقدت «معاهدة لندن» في أغسطس ١٦٠٤ — أي في السنة التالية لجلوسه، فوصفُ المقالة له بأنه «أسرع» وصفٌ في محلّه. وأمّا اللغةُ اللاهوتية في رسائل إليزابيث إلى مراد الثالث، وتقديمُها نفسَها عدوّةً لـ«عبادة الأصنام» في مقابل الأيقونات والتماثيل الكاثوليكية، فثابتٌ في ألقابها المُثبتة في تلك المراسلات، وثابتٌ أنّ وكلاءها في إسطنبول شدّدوا على ما بين البروتستانتية والإسلام من عداوةٍ مشتركةٍ للتصوير. وهداياها المتبادلة مع السلطانة صفية، وهي أمُّ السلطان محمد الثالث وصاحبةُ النفوذ في القصر، ثابتةٌ كذلك.
ثانياً: ما يحتاج إلى تصحيح
- «إحلال دم الملكة الهرطوقية» ليس في مرسوم سنة ١٥٧٠. تقول المقالة إنّ بيوس الخامس أصدر «قرارًا بحرمان إليزابيث كنسيًا وإحلال دم الملكة الهرطوقية». والشطرُ الأول صحيح، والثاني ليس في المرسوم: Regnans in Excelsis حرمها وأسقط حقَّها في الحكم وحلَّ رعاياها من طاعتها، ولم يُبِح دمَها. وأقربُ ما في السجلّ إلى ذلك جاء بعد عشر سنين، سنة ١٥٨٠، في تصريحٍ نُسب إلى البابا غريغوريوس الثالث عشر يُفهم منه أنّ من أزالها «بنيّةٍ صالحة» لا يأثم — وهي وثيقةٌ أخرى، من بابا آخر، بعد عقدٍ كامل. فالمقالةُ تضغط عقدًا في جملة، وتُلحق أشدَّ ما قيل سنة ١٥٨٠ بوثيقة سنة ١٥٧٠. ويُلاحَظ أنّ النسخة الإنجليزية من المقالة أحوطُ في هذا الموضع، إذ تقول «effectively licensed the removal» — أي «أباح عمليًّا إزالتها»، بتحفّظٍ ليس في العربية.
- معركةُ وادي المخازن لم تقع «في عهد أحمد المنصور»؛ بها صار أحمد المنصور سلطانًا. تقول المقالة: «والمغرب في عهد أحمد المنصور الذهبي كان قد حطّم للتو الطموح الإيبيري في معركة وادي المخازن (١٥٧٨)». والجيشُ المغربي يوم المعركة كان جيشَ أخيه عبد الملك، وهو السلطان يومئذ، ومات في أثنائها بعلّةٍ لا بجراح، وكُتم موتُه حتى تمّ النصر — وهو ما تنقله المصادر العربية صراحةً؛ قال شوقي ضيف إنّ أحمد المنصور «كتم خبر وفاة أخيه عن الناس حتى لا يعكر عليهم فرحتهم بهذه المعركة الفاصلة: معركة وادى المخازن» (١٠/ ٢٩٣). فالمنصورُ ورث العرش والمجد في اليوم نفسِه، ولكنّ النصر لم يكن «في عهده» بالمعنى الذي يفهمه القارئُ العام من العبارة. والفرقُ ليس لفظيًّا: الصورةُ التي تخرج بها المقالة — سلطانٌ قويٌّ حطّم إسبانيا ثمّ فاوض إليزابيث من موقع القوّة — تظلّ صحيحةً في نتيجتها، لكنّها تنسب إليه معركةً قادها غيرُه.
- أرغنُ دالام لم يُعزف بين يدَي مراد الثالث. الفقرةُ تفتتح بـ«رسائل متبادلة بين إليزابيث ومراد الثالث»، ثمّ تمضي في السلطان نفسِه ذكرًا وضمنًا حتى تبلغ «أرغن ميكانيكي عجيب صنعه توماس دالام وأبهر البلاط العثماني عام ١٥٩٩» — ومرادُ الثالث كان قد مات في يناير ١٥٩٥، والأرغنُ عُزف بين يدَي ابنه محمد الثالث في سبتمبر ١٥٩٩. والمقالة لا تقول إنّ مرادًا تلقّاه — قالت «البلاط العثماني»، وهو لفظٌ سليم — لكنّ سياق الفقرة يحمل القارئ إليه حملًا، ولا شيء فيها ينبّهه إلى أنّ السلطان قد تغيّر. وهذا هو الموضعُ الوحيد في المقالة الذي يُخشى أن يخرج منه القارئُ بصورةٍ خاطئة دون أن تكون فيها جملةٌ خاطئة.
- العربةُ والأرغنُ لم يُرسلا متعاقبَين. تقول المقالة: «وأرسلت إلى إسطنبول عربة ملكية فاخرة، ثم أُرسل لاحقًا أرغن ميكانيكي». والعربةُ — وكانت هديّةَ إليزابيث إلى السلطانة صفية — سافرت مع الأرغن في الرحلة نفسِها سنة ١٥٩٩، لا في شحنةٍ لاحقة. تصحيحٌ صغير، لكنّ «لاحقًا» تجعل منهما حدثين متباعدين وهما حدثٌ واحد.
ثالثاً: ما لم أقف له على سندٍ قاطع
- أثرُ السفير المغربي في عطيل: تخمينٌ جذّاب، والمقالةُ محقّةٌ في تحفّظها — وإن بالغت قليلًا في عدد القائلين به. قالت المقالة «ويرجّح كثيرون أن حضوره ترك أثره في تصوّر شكسبير لعطيل بعد سنوات قليلة»، والتحفّظُ بـ«يرجّح» في محلّه. غير أنّ حالَ المسألة أدقُّ من ذلك: المصدرُ المعترَف به لعطيل هو أقصوصة جيرالدي تشينثيو Un Capitano Moro (١٥٦٥)، وفيها ضابطٌ مغربيٌّ في خدمة البندقية؛ وأمّا ربطُ الشخصية بالسفارة فقرينةٌ زمنيةٌ لا أكثر (السفارة ١٦٠٠–١٦٠١، والمسرحية نحو ١٦٠٣–١٦٠٤)، وليس في السجلّ ما يوثّق أنّ شكسبير رآه أو سمع به. بل إنّ إ. أ. ج. هونيغمان — وهو الاسمُ الذي يُستشهد به عادةً لتأييد الربط — من المتشكّكين فيه لا من القائلين به. فالأصوبُ أن يقرأ القارئُ هذه الجملة على أنّها احتمالٌ مستحسَنٌ عند بعض الباحثين، لا ترجيحُ «كثيرين».
- تيمورلنك في عداد مسرحيات «الترك». تعدّ المقالةُ «تيمورلنك عند كريستوفر مارلو» أوّلَ أمثلة موجة المسرحيات التي تدور حول شخصيات «الترك» و«المور». وتيمورلنكُ في المسرحية فاتحٌ من آسيا الوسطى، والسلطانُ «التركي» فيها هو خصمُه بايزيد الذي يسجنه في قفص. فالمسرحيةُ من الموجة التي تصفها المقالة بلا شكّ، ولكنّ تيمورلنك ليس مثالًا على شخصية «التركي» فيها. ملاحظةٌ لا تغيّر شيئًا في حجّة الفصل.
- بلاد فارس. ذكرتها المقالةُ في صفّ الدولة العثمانية والمغرب السعدي بين من مدّت إليهم إنجلترا يدها. ولم أتحقّق من هذا الخيط الفارسي تحقّقًا مستقلًّا: هل جرى في الإطار الزمني نفسِه الذي تجعله المقالة مِفصلًا (ما بعد ١٥٧٠)، أم كان أسبقَ منه ومسلكُه غيرُ مسلك الآخرَين. فأثبتُّه هنا على أنّه غيرُ مفحوص، لا على أنّه صحيحٌ ولا خطأ.
رابعاً: فحص الاقتباس
المخاطرة: منخفضة
اختيرت عشرُ عباراتٍ حاملةٍ من المقالة — أشدُّها بصمةً أسلوبيةً لا أكثرُها تقريرًا للتواريخ — وبُحث عن كلٍّ منها سلسلةً نصّيةً محصورةً بعلامتَي اقتباس؛ منها: «معدن الكنائس الكاثوليكية المفككة يتحول إلى مدافع عثمانية»، و«حين تُغلق الأبواب في وجه أمة، فإنها تفتح أسواقًا وطرقًا جديدة»، و«وجه عربي وقور يحدّق فينا من قلب لندن الإليزابيثية»، و«شبكة معقدة من الحاجة والمصلحة والفضول والخوف والإعجاب»، و«ليست وصفًا بريئًا للتاريخ بقدر ما هي اختيار لما نتذكره منه»، و«التاريخ، حين نقرأه من وثائقه لا من شعاراته». ولم تُرجع واحدةٌ منها نتيجةً واحدة. والتحفّظُ واجبٌ هنا: محرّكاتُ البحث لا تُلزم نفسَها بالمطابقة الحرفية داخل علامتَي الاقتباس، فالصفرُ دليلُ غيابٍ لا برهانُ غياب.
وقوبل نصُّ المقالة آليًّا بصفحات الموقع التسعَ عشرةَ السابقة من مقالاتٍ وكتب، فلم يظهر تكرارٌ لعبارةٍ من عبارات الكاتب في موضعٍ سابق — أي لا نقلَ عن النفس ولا إعادةَ نشرٍ لفقرةٍ منشورة.
ويبقى الاحتمالُ الذي تستدعيه مراجعةُ كتابٍ أجنبيّ بعينها: أن تكون جملةٌ عربيةٌ ترجمةً قريبةً لجملةِ بروتون الإنجليزية بغير عزو. والمقالةُ في أصل وضعها بريئةٌ من دعوى الأصالة في الأفكار — فهي مراجعةُ كتاب، تنسب إلى بروتون في كلّ فصلٍ منها ما تعرضه («يوثّق بروتون»، «يرصد الكتاب»، «الدرس الذي يريد بروتون تثبيته») — فالأفكارُ منسوبةٌ إلى صاحبها بالتصريح لا بالتلميح. وأمّا الألفاظ، فما وقفتُ عليه من نصّ بروتون — وهو مقتطفاتٌ ومقتبساتٌ في المراجعات المنشورة، لا الكتابُ كاملًا — لم أجد فيه جملةً تُطابق جملةً في المقالة أو تُقاربها مقاربةَ الترجمة. وهذا حكمٌ محدودٌ بحدود ما قرأتُ، وهو مذكورٌ في حدود التدقيق أدناه.
حدودُ هذا التدقيق
- لم أقرأ كتاب بروتون كاملًا. قوبلت أطروحتُه وأمثلتُه الكبرى بما نُشر عنه من مراجعاتٍ ومقتطفات، وثبت منها ما أُثبت أعلاه — ولا سيّما مسألةُ معدن الأجراس، وهي أهمُّ ما في الفصل الثاني. أمّا «هل قال بروتون هذا بعينه في هذا الموضع بعينه» فليس مفحوصًا في كلّ تفصيل.
- لم أرجع إلى المراسلات الأصلية المحفوظة في المكتبة البريطانية ودار المحفوظات البريطانية، ولا إلى الوثائق المغربية. وما أُثبت من مضمونها أُثبت عن الدراسات المنشورة.
- الخيطُ الفارسي غيرُ مفحوص كما تقدّم.
- المكتبةُ الشاملة على القرص شحيحةٌ في هذا الباب. فهي مكتبةٌ عربيةٌ إسلامية، وإنجلترا الإليزابيثية ليست من موضوعها؛ فلم تُفد إلّا في الجانب المغربي، وأفادت فيه إفادةً حاسمة.
- عبارة «يرجّح كثيرون» في مسألة عطيل يتعذّر قياسُها قياسًا كمّيًّا؛ وما أُثبت أعلاه هو أنّ الاسم الأشهر المستشهَد به في البابِ متشكّك، لا أنّ القائلين به قليل.
الحكم
أمتنُ ما في المقالة فصلُها الثاني — التجارة. وهذه مفارقةٌ تستحقّ التنبيه: أشدُّ ما فيها إثارةً وأدعاه إلى التشكيك — أجراسُ الكنائس تُصبّ مدافعَ عثمانية — هو أوثقُ ما فيها سندًا، وهو منقولٌ عن بروتون لا مركَّبٌ عليه. وكذلك تواريخُ الشركات والامتيازات، جاءت كلُّها على وجهها. ومثلُه مشروعُ المنصور في العالم الجديد: صحيحٌ، بل إنّ المقالة عرضته أقلَّ ممّا في الوثيقة.
وأضعفُ مواضعها جملةُ «إحلال الدم» في الفصل الأول، وهي تنسب إلى مرسوم ١٥٧٠ ما جاء بعده بعشر سنين وعلى لسان بابا آخر. وبعدها نسبةُ نصر وادي المخازن إلى «عهد أحمد المنصور»، وقد قاد المعركةَ أخوه ومات فيها.
والموضعُ الذي يُقرأ بتحفّظ هو الفصلُ الأول — السياسة، لا لأنّ وقائعه خاطئة، بل لأنّ ضغطَ السرد فيه يجمع أحداثًا متباعدةً في فقرةٍ واحدة، فتلتصق نسبةُ الحدث بغير صاحبه: مرسومُ ١٥٧٠ يحمل عبارةَ ١٥٨٠، ونصرُ عبد الملك يُنسب إلى أخيه، وأرغنُ محمد الثالث يقع في فقرة مراد الثالث. أمّا الفصلُ الثالث — الثقافة — فوقائعُه سليمة، وتخمينُه في عطيل معلَّمٌ بالتحفّظ الذي يستحقّه، وإن كان «يرجّح كثيرون» أوسعَ ممّا يحتمله حالُ المسألة.
ولا شيء ممّا تقدّم يمسّ أطروحة المقالة. فالتصحيحاتُ الأربعة كلُّها في نسبة الحدث إلى تاريخه أو إلى صاحبه، لا في وقوع الحدث؛ ولو صُحّحت جميعًا لبقيت المقالة تقول ما تقوله، وبالأمثلة نفسِها.
هذه الصفحةُ صفحةُ نقدٍ لا صفحةُ دفاع. نُشرت كما خرج بها الفحص، ولم تُعدَّل المقالةُ لتوافقها. ← العودة إلى المقالة
© 2026 حسين الخالدي.