Read in English · اقرأ بالإنجليزية →
حسين الخالدي · مقالات  —  مقالة

السلطان والملكة: حين تحالفت إنجلترا البروتستانتية مع العالم الإسلامي

قراءة في كتاب "The Sultan and the Queen" لجيري بروتون

إليزابيث الأولىأحمد المنصورعطيل
غلاف كتاب «السلطان والملكة» لجيري بروتون، وعليه صورتا سلطان عثماني والملكة إليزابيث
غلافُ الطبعة الأمريكية من الكتاب (Viking, 2016). وصدر في بريطانيا بعنوان This Orient Isle. (صورةُ الغلاف من الناشر، أُوردت للتعريف بالكتاب المُراجَع)
صورة زيتية للملكة إليزابيث الأولى وخلفها مشاهد بحرية من معركة الأرمادا
الملكة إليزابيث الأولى — «صورة الأرمادا»، نحو 1588، لرسّامٍ مجهول. (وُبِرن آبي — ويكيميديا كومنز، ملكية عامة)

نحمل في أذهاننا صورة جاهزة عن العلاقة بين أوروبا والعالم الإسلامي في القرون الماضية: صراع حضارات متصل، وجبهتان متقابلتان لا يعبر بينهما إلا السيف. يأتي كتاب المؤرخ البريطاني جيري بروتون ليهدم هذه الصورة بوثائق ورسائل وسجلات تجارية تروي قصة مدهشة: في النصف الثاني من القرن السادس عشر، وجدت إنجلترا البروتستانتية بقيادة الملكة إليزابيث الأولى نفسها معزولة في أوروبا الكاثوليكية، فمدّت يدها — عن حاجة لا عن رومانسية — إلى الدولة العثمانية والمغرب السعدي وبلاد فارس، ونشأت بين لندن وإسطنبول ومراكش شبكة من الدبلوماسية والتجارة والتأثير الثقافي تكشف أن المصالح كثيرًا ما سبقت العقائد، وأن "الحدود" بين الحضارات أكثر مسامية مما تخبرنا به الروايات الكبرى. من هذه الأطروحة المركزية تتفرع فصول الكتاب.

أولًا: السياسة — العزلة تصنع التحالفات

نقطة التحول التي يبني عليها بروتون سرده هي عام 1570، حين أصدر البابا بيوس الخامس قرارًا بحرمان إليزابيث كنسيًا وإحلال دم "الملكة الهرطوقية"، فوجدت إنجلترا نفسها فجأة خارج البيت الأوروبي الكاثوليكي، وإسبانيا الفيليبية تتربص بها. المنطق السياسي بعد ذلك بسيط: عدو عدوي صديقي. فالدولة العثمانية في عهد مراد الثالث كانت الخصم الأكبر لإسبانيا في المتوسط، والمغرب في عهد أحمد المنصور الذهبي كان قد حطّم للتو الطموح الإيبيري في معركة وادي المخازن (1578).

منمنمة عثمانية تصوّر السلطان مراد الثالث وحاشيته في استقبال سفارة أجنبية
السلطان مراد الثالث وحاشيتُه في استقبال سفارةٍ أجنبية — منمنمةٌ عثمانية من «شهنشاهنامه»، 1592 (مكتبة طوبقابي سراي، B.200). والسفارةُ المصوَّرة هنا فارسيةٌ لا إنجليزية. (ويكيميديا كومنز، ملكية عامة)

ويعرض الكتاب أمثلة حية لهذه الدبلوماسية: رسائل متبادلة بين إليزابيث ومراد الثالث تتقصّد لغة لاهوتية لافتة، إذ تقدّم إليزابيث نفسها بوصفها عدوّة "عبادة الأصنام" — في إشارة إلى الأيقونات والتماثيل الكاثوليكية — لتنسج خيط قربى عقدي بين البروتستانتية والإسلام في وجه روما. بل تجاوزت العلاقة الرسائل إلى الهدايا: تبادلت إليزابيث الهدايا مع السلطانة صفية، ذات النفوذ الكبير في القصر العثماني، وأرسلت إلى إسطنبول عربة ملكية فاخرة، ثم أُرسل لاحقًا أرغن ميكانيكي عجيب صنعه توماس دالام وأبهر البلاط العثماني عام 1599. أما المنصور الذهبي فذهب أبعد من الجميع: اقترح على إليزابيث مشروع تحالف عسكري مشترك ضد إسبانيا، وصلت طموحاته في بعض المراسلات إلى تصور غزو مشترك للعالم الجديد نفسه. لم يتحقق المشروع، لكن مجرد طرحه يقلب خريطة "الأحلاف الطبيعية" التي نظنها ثابتة عبر التاريخ.

ثانيًا: التجارة — المصالح قبل العقائد

خلف الدبلوماسية كان يقف محرك أصدق: التجارة. يوثّق بروتون كيف حصل الإنجليز عام 1580 على امتيازات تجارية عثمانية، وكيف تأسست شركة تركيا ثم شركة المشرق (Levant Company) لتنظيم تجارة الأقمشة الإنجليزية مقابل الحرير والتوابل والقطن، وشركة البربرية للتجارة مع المغرب في السكر والملح الصخري (مادة البارود). ووصل أول سفير إنجليزي دائم، وليم هاربورن، إلى إسطنبول ليصبح عين إليزابيث وأذنها في قلب العالم الإسلامي.

وأكثر تفاصيل هذا الفصل إثارة — وفضائحية في نظر أوروبا الكاثوليكية آنذاك — أن الإنجليز باعوا للعثمانيين القصدير والرصاص اللازمين لصناعة المدافع، وكان بعض هذا المعدن منزوعًا من أجراس الكنائس والأديرة التي جرّدها الإصلاح البروتستانتي في إنجلترا. معدن الكنائس الكاثوليكية المفككة يتحول إلى مدافع عثمانية تواجه إسبانيا الكاثوليكية: يصعب أن نجد صورة أبلغ من هذه عن انتصار المصلحة على الشعارات. والدرس الذي يستخلصه القارئ هنا يتجاوز القرن السادس عشر: حين تُغلق الأبواب في وجه أمة، فإنها تفتح أسواقًا وطرقًا جديدة، والاقتصاد قادر على تجاوز الحواجز العقدية التي تبدو في الخطاب المعلن غير قابلة للاختراق.

ثالثًا: الثقافة — "الآخر" يصعد إلى المسرح

لم يبقَ هذا الانفتاح حبيس الموانئ وقاعات السفارات، بل تسرّب إلى المخيلة الإنجليزية نفسها. يرصد الكتاب موجة من المسرحيات في لندن الإليزابيثية تدور حول شخصيات "الترك" و"المور"، من تيمورلنك عند كريستوفر مارلو إلى أمير المغرب في "تاجر البندقية"، وصولًا إلى ذروة هذا الحضور: عطيل، "مور البندقية" الذي جعله شكسبير بطلًا مأساويًا نبيلًا لا مجرد "آخر" غريب. ويربط بروتون ربطًا مقنعًا بين هذه الأعمال والحدث الدبلوماسي الذي شغل لندن عام 1600: وصول سفارة مغربية يقودها عبد الواحد بن مسعود، الذي أقام في المدينة أشهرًا وتُركت لنا صورته الشخصية المرسومة — وجه عربي وقور يحدّق فينا من قلب لندن الإليزابيثية — ويرجّح كثيرون أن حضوره ترك أثره في تصوّر شكسبير لعطيل بعد سنوات قليلة.

صورة زيتية لعبد الواحد بن مسعود، سفير المغرب إلى بلاط إليزابيث، بعمامة ورداء وسيف
عبد الواحد بن مسعود بن محمد عنون، سفيرُ أحمد المنصور إلى بلاط إليزابيث، نحو 1600 — أقدمُ صورةٍ زيتيةٍ باقيةٍ لمسلمٍ رُسمت في إنجلترا. (جامعة برمنغهام — ويكيميديا كومنز، ملكية عامة)

المسرح هنا مرآة مزدوجة: فيه انبهار بالثراء والقوة العثمانية والمغربية، وفيه قلق من هذا "الآخر" القريب المتغلغل في الأسواق والموانئ. وهذه الازدواجية نفسها — الإعجاب والريبة معًا — هي التي تسم نظرة الثقافات بعضها إلى بعض في كل عصر، ونحن نعرفها اليوم في نظرتنا إلى الغرب كما عرفها الإنجليز في نظرتهم إلى المشرق.

خاتمة: نهاية لحظة وبقاء درس

بموت إليزابيث عام 1603 انطوت هذه اللحظة الاستثنائية؛ فقد أسرع خليفتها جيمس الأول إلى الصلح مع إسبانيا، وخفتت الحرارة في العلاقة مع إسطنبول ومراكش، وأعادت السرديات اللاحقة كتابة التاريخ وكأن هذا التقارب لم يكن. لكن الدرس الذي يريد بروتون تثبيته باقٍ: العلاقات بين الحضارات لم تكن يومًا خط مواجهة واحدًا، بل شبكة معقدة من الحاجة والمصلحة والفضول والخوف والإعجاب. والسرديات الكبرى — "صراع الحضارات" وأشباهها — ليست وصفًا بريئًا للتاريخ بقدر ما هي اختيار لما نتذكره منه وما ننساه. من قرأ هذا الكتاب لم يعد قادرًا على النظر إلى العلاقة بين الشرق والغرب بوصفها عداءً أزليًا؛ فقد رأى بعينيه ملكة بروتستانتية تراسل سلطانًا عثمانيًا بلغة الودّ، وسفيرًا مغربيًا يمشي في شوارع لندن، ومعدن الأجراس يتحول إلى مدافع — ورأى قبل ذلك كله أن التاريخ، حين نقرأه من وثائقه لا من شعاراته، أرحب وأغرب وأكثر إنسانية مما نظن.

مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)

رُوجعت وقائعُ هذه المقالة — التواريخُ والأسماءُ والشركاتُ والمسرحياتُ — على كتاب بروتون نفسِه وعلى مصادرَ مستقلّةٍ عنه. والنتيجةُ منشورةٌ كما خرجت، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقها: اقرأ تدقيق المدقّق المحايد ←

© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.