حسين الخالدي · مقالات  —  مقالة

الطاعون الأسود وابن الخطيب

برهانُ الحسّ على العدوى، وسيرةُ رجلٍ قتله التعصّب

تاريخ الطبالأوبئةالأندلس

في سنة 749هـ/1348م، دهم الطاعون الأسود بلاد الأندلس والمغرب كما دهم نصفَ الكرة الأرضية، فأباد خلقاً لا يُحصى. لم يكن مجرد وباءٍ عابر، بل حدثاً كونياً هزّ يقين الناس بالعالم؛ حتى إن شاهد ذلك القرن، ابن خلدون، رأى أن العمران كاد ينطوي وأن الدنيا كأنها "نشأةٌ مستأنَفة". وفي خضمّ هذا الفزع، انبرى أطباء الأندلس يكتبون في الوباء، فظهرت ثلاث رسائل أندلسية شهيرة: لابن خاتمة، وللشَّقوري، ولوزير غرناطة الأول لسان الدين ابن الخطيب في رسالته «مُقنعة السائل عن المرض الهائل».

وهنا برزت معضلةٌ لم تكن طبية فحسب، بل دينية بامتياز: هل ينتقل المرض بالعدوى؟

في الحديث الصحيح: «لا عَدوى ولا طِيَرة». وقد فهم منه كثيرٌ من فقهاء ذلك العصر نفيَ العدوى من أصلها، ورأوا أن ردّ المرض إلى المخالطة والانتقال طعنٌ في التوكّل، وأن الأمر كلّه بيد الله وحده، لا لثوبٍ ولا لمخالطٍ فيه أثر. فامتنع بعضهم عن الاحتراز، بل عدّ الفرار من الوباء نوعاً من سوء الأدب مع القَدَر.

في هذا الجوّ الفكري المشحون، اتّخذ ابن الخطيب موقفاً يحتاج إلى جرأةٍ لا نقدّرها اليوم حقّ قدرها. لم يُنكر الحديث ولم يصطدم بالنصّ، لكنه فعل شيئاً أدقّ: فصل بين النصّ الشرعي وبين تأويلٍ فقهيّ سائدٍ له، ثم قدّم شهادة الحسّ دليلاً قائماً بذاته. كتب في رسالته موجّهاً اللوم لمن نفى العدوى:

من «مقنعة السائل عن المرض الهائل»

«فإن قِيل: كيف نُسلّم دعوى العدوى، وقد ورد الشرعُ بنفي ذلك؟ قلنا: وقد ثبت وجود العدوى بالتجربة والاستقراء والحسّ والمشاهدة والأخبار المتواترة، وهذه موادُّ البرهان. وغيرُ خفيٍّ عمن نظر في هذا الأمر أو أدركه هلاكُ من يُباشر هذا المرض غالباً، وسلامةُ من لا يُباشره. كذلك وقوع المرض في الدار والمحلّة لثوبٍ أو آنية، حتى أن القُرط أتلف من علّق بأُذنه، وأباد البيتَ بأسْره.»

تأمّل بنية الحجّة: إنها استقراءٌ من الوقائع لا استنباطٌ من المسلّمات. من خالط المرضى هلك، ومن اعتزلهم سلِم؛ والمرض ينتقل عبر الثياب والأواني، بل عبر قُرطٍ يُعلَّق في أذن. النتيجة الحتمية: ثمّة ناقلٌ ماديّ يسري بين الأجساد والأشياء. ولم يكن ابن الخطيب وحده؛ فمعاصره ابن خاتمة سجّل ملاحظاتٍ قريبةً من هذا في الطاعون نفسه، حتى صار الغرب الإسلامي في تلك اللحظة منارةً في التفكير الوبائي.

ويُغري هذا النصّ بأن نقول: ها هنا أول برهانٍ على العدوى قبل نظرية الجراثيم (germ theory) بخمسة قرون. والعبارة صحيحةٌ إن ضُبطت، مضلّلةٌ إن أُطلقت. فابن الخطيب لم يكن يملك أيّ تصوّرٍ للكائنات الدقيقة، ولا كان في وسع أحدٍ أن يتصوّرها يومئذ. بقيت آليّته التعليلية أسيرةَ الإطار الخِلطي–المياسمي السائد: مرضٌ "سُمّي المادة، يتصل بالروح بواسطة الهواء، ويسري في العروق فيفسد الدم". أي أنه أثبت أن المرض ينتقل، دون أن يعرف ما الذي ينتقل. فإسهامه ينتمي إلى إبستمولوجيا العدوى — كيف نعرف أنها معدية؟ — لا إلى أنطولوجيا الجراثيم. وليست عظمته في "سبقٍ" علميّ نتباهى به، بل في جرأته المنهجية: أن يُعلي شهادة الحسّ والاستقراء على سلطان العادة والتأويل، في زمنٍ كان الثمن فيه باهظاً. وسنرى أنه دفع الثمن فعلاً — وإن لسببٍ آخر.

من هذا الرجل؟

بعد كل هذا، يحقّ للقارئ أن يسأل: من هذا الرجل الذي يجادل السلطة الفقهية بأدوات الطبيب؟

هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله السَّلْماني، المولود في مدينة لوشة غربَ غرناطة سنة 713هـ/1313م، من أسرةٍ عريقة قدمت من اليمن أيام الفتح. نشأ في بيت عِلمٍ وإنشاء، ودرس اللغة والفقه والفلسفة والطبّ. وارتقى في دولة بني الأحمر النصرية حتى صار وزيرها الأول في عهد السلطان محمد الخامس الغني بالله.

ولأنه جمع بين وزارة القلم ووزارة السيف — تدبيرِ الدولة نهاراً والتأليفِ ليلاً — لُقّب بـذي الوِزارَتَين؛ ولغزارة إنتاجه حتى بدا وكأنه عاش عُمرَين، لُقّب بـذي العُمرَين. وهذه الموسوعية ليست شذوذاً في سيرته، بل هي القاعدة في حضارةٍ لم تعرف التخصّص الضيّق الذي نعبده اليوم؛ فالعالِم فيها شاعرٌ ومؤرخٌ وفقيهٌ وطبيبٌ في آنٍ واحد، كما كان ابن سينا وابن رشد، وكما كان ابن خلدون — صديقُه الذي سيؤرّخ لموته لاحقاً.

خلّف ابن الخطيب تراثاً هائلاً، على رأسه موسوعته التاريخية «الإحاطة في أخبار غرناطة»، وهي من أنفس ما كُتب عن الأندلس. لكنّ اسمه بقي حيّاً في الأذهان بشيءٍ أرقّ من التاريخ: الموشّحات الأندلسية. فموشّحه «جادَك الغيثُ إذا الغيثُ هَمى / يا زمانَ الوصلِ بالأندلسِ» ما يزال يُغنّى إلى اليوم في مجالس الطرب الأندلسي عبر المغرب العربي، بعد سبعة قرون على قائله. بل كان ابن الخطيب أحد ثلاثة شعراء خُلّدت أبياتُهم نقشاً على جدران قصر الحمراء — هو، وأستاذُه ابن الجيّاب، وتلميذُه ابن زمرك — وما تزال أبياتٌ موثَّقةٌ له عند مدخل قاعة السفراء (قاعة كوماريس). تخيّل: الرجل الذي حاجَجَ في الطاعون بمنطق الطبيب، هو نفسه من صاغ أعذبَ حنينٍ أندلسيّ إلى زمن الوصل.

النهاية وذو المِيتتَين

ثم جاءت النهاية التي أضافت إليه لقبَيه الأخيرَين. حسده منافسوه، وأمرُّهم تلميذُه ووريثُه في الوزارة ابن زمرك، فألّبوا عليه السلطان، ولفّقوا له تُهم الزندقة والإلحاد، مستندين إلى عباراتٍ صوفية في كتابه روضة التعريف بالحب الشريف. فرّ من الأندلس سنة 773هـ إلى بلاد المغرب لائذاً بسلطانٍ مرينيّ أكرمه، لكن موت راعيه تركه مكشوفاً لأعدائه. عُقدت له بفاس محاكمةٌ أشرف عليها خصمُه، فسُجن. وفي ليلةٍ من ربيع سنة 776هـ/1374م، دسّ عليه الوزير سليمان بن داود جماعةً طرقوا سجنه فخنقوه، وهو في الثالثة والستين.

ولم يكفِهم القتل. أُخرجت جثته في الغد فدُفنت عند باب المحروق — أحد أبواب فاس القديمة — ثم نُبشت في اليوم التالي وأُضرمت حولها النار حتى احترق شعر الرأس واسودّت البشرة، ثم أُعيدت إلى حفرتها. من هذا المشهد الشنيع اكتسب لقبَيه الأخيرَين: ذو المِيتتَين وذو القبرَين.

وثمة تفصيلٌ يكاد يفوق المأساة نفسها. بعد فرار ابن الخطيب من غرناطة، مُحيت إحدى قصائده المنقوشة في قاعة الأختين بقصر الحمراء، وكُتبت مكانها قصيدةٌ لابن زمرك — تلميذِه وقاتِله — هي التي يقرأها زوّار القصر إلى اليوم. فصار الرجل الذي دبّر خنقه يُلقَّب "شاعر الحمراء" بلا منازع، تتحلّق كلماتُه حول نافورة الأسود وأجمل قِبابها، منقوشةً فوق كلمات أستاذه الممحوّة. هكذا انتصر القاتل مرّتين: مرّةً على جسد صاحبه، ومرّةً على أثره في الحجر.

نقوش قاعة الأختين بقصر الحمراء
نقوشٌ من قاعة الأختين بقصر الحمراء، حيث حلّت قصيدة ابن زمرك محلّ قصيدة أستاذه ابن الخطيب الممحوّة. (المصدر: ويكيميديا كومنز — Jbribeiro1، رخصة CC BY-SA 3.0)

وما يزال ضريحه قائماً إلى اليوم في المقبرة المجاورة لباب المحروق بفاس، في بناءٍ صغيرٍ نُقشت عليه عبارة: "هذا ضريح العلامة لسان الدين ابن الخطيب". وقد زاره المؤرخ المقّري بعد قرون فوصف موضع دفنه بأنه غير مستوٍ مع الأرض، بل ينحدر انحداراً كثيراً — كأن الأرض نفسها لم تُسوِّ حسابها معه بعد.

ومن سخرية القدر أن يستقرّ في هذا المكان بالذات: فـ"باب المحروق" لم يُسمَّ كذلك نسبةً إليه، بل لأن جثة ثائرٍ أُحرقت عنده قبل قرنٍ ونصف من مولده، وكانت رؤوس المُعدَمين تُعلَّق فوقه. كأن الباب كان ينتظر، طوال تلك القرون، محروقَه الأشهر.

خاتمة

ثمة مفارقةٌ تُغلق الدائرة. الرجل الذي أثبت العدوى بالبرهان، وأعلى شهادة الحسّ على التأويلات المتوارثة، قتلته تأويلاتٌ متعصّبة، ثم أُحرقت جثّته كما أُحرقت كتبه. مات بمنطقٍ نقيضٍ للمنطق الذي عاش به.

فقد كانت في زمانه عدوى أخرى، أشدّ فتكاً من الطاعون، اسمها التعصّب — ولها هي أيضاً نواقلُها التي تسري في الدُّور والمجالس، وتُبيد البيتَ بأسْره. وهي العدوى التي لم يكتب فيها أحدٌ، إلى اليوم، "مقنعةً للسائل".

باب المحروق بمدينة فاس
باب المحروق، أحد مداخل فاس القديمة؛ في مقبرته المجاورة يرقد لسان الدين ابن الخطيب منذ أكثر من ستة قرون. (المصدر: ويكيميديا كومنز)

مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)

قوبلت وقائعُ هذه المقالة بالمصادر — متنُ «المقدمة»، و«نفح الطيب»، ودراساتُ نقوش الحمراء — مع فحصٍ للاقتباس. والنتيجةُ منشورةٌ كما خرجت، ولم تُعدَّل المقالة على ضوئها: اقرأ تدقيق المدقّق المحايد ←

© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.