قوبلت الدعاوى الواقعية في المقالة بالمصادر: ما ثبت منها، وما يحتاج إلى تصحيح، وما تعذّر التحقق منه. والنتيجة منشورةٌ كما خرجت، ولم تُعدَّل المقالة على ضوئها.
وموضوعُ التدقيق الوقائعُ وحدَها: التواريخُ، والنصوصُ المنقولة، والأسماءُ، والإحالات. أمّا أطروحةُ المقالة وطريقةُ عرضها فليستا منه في شيء.
المنهج
قوبل نصُّ ابن خلدون بمتن «المقدمة» المنشور في هذا الموقع عن مدوّنة OpenITI. وأمّا «مقنعة السائل» فقوبلت فقرتاها بما تنقله المصادر العربية وبالترجمة المعتمدة عند مايكل دولز — لا بطبعةٍ محقَّقة ولا بمخطوط الإسكوريال (رقم ١٧٨٥)، والتفصيل في حدود التدقيق أدناه. ونقوشُ الحمراء رُوجعت على بويرتا بيلتشيث وفرنانديث بويرتاس وراميريث ديل ريو ونشرات هيئة الحمراء؛ والوفاةُ والقبر على «نفح الطيب» للمقّري و«شذرات الذهب» لابن العماد. ثم أُجري فحصُ اقتباسٍ على تسع عباراتٍ مميّزة من المقالة.
أولاً: ما ثبت
نصُّ ابن خلدون، حرفياً في «المقدمة»: «وإذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث» — وسياقُه انتقاضُ العمران كما قالت المقالة.
عنوانُ الرسالة «مقنعة السائل عن المرض الهائل»، والفقرةُ الكبرى في العدوى — بجملتها المشهورة «وهذه موادُّ البرهان» — ومنها القُرطُ الذي أتلف مَن علّقه، وهو منصوصٌ في الموضع لا مُقحَمٌ عليه.
الرسائلُ الأندلسية الثلاث: ابنُ خاتمة («تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد»)، والشَّقوري («تحقيق النبأ عن أمر الوباء»)، وابنُ الخطيب.
المولدُ بلوشة سنة ٧١٣هـ/١٣١٣م، والوزارةُ العظمى لمحمد الخامس الغني بالله، و«الإحاطة»، ونسبةُ موشّح «جادك الغيث» إليه — وهي نسبةٌ لا خلاف فيها (وإن كانت الألحانُ المغنّاة اليوم متأخّرةً عنه).
أبياتُه عند مدخل قاعة السفراء: قصيدتان في طاقتَي قوس المدخل (las tacas)، حقّقهما فرنانديث بويرتاس وبويرتا بيلتشيث عن ديوانه — وسائرُ قصائد المحور لابن زمرك.
الوفاةُ: ربيعُ سنة ٧٧٦هـ/١٣٧٤م، خنقاً في سجنه، بمن دسّهم الوزير سليمان بن داود؛ ثم نبشُ الجثة في الغد وإضرامُ النار حولها حتى احترق الشعر واسودّت البشرة، ثم إعادتُها.
لقبا «ذي الميتتين» و«ذي القبرين» — ينقلهما المقّري: «لسان الدين ذو الوزارتين، وذو العمرين، وذو الميتتين، وذو القبرين» («شذرات الذهب»). على أنهما نقلٌ متأخّرٌ عن ألسنة المغاربة، لا لقبان رسميّان كـ«ذي الوزارتين».
أنّ باب المحروق لم يُسمَّ به — والمقّري نفسُه يقولها ويردُّ ما شاع بفاس: «ويزعم الجُلّ من عوامّ فاس أن الباب المذكور إنما سُمّي بباب المحروق لأجل ما وقع من حرق لسان الدين... وليس كذلك، وإنما سُمّي باب المحروق في دولة الموحدين قبل أن يوجد لسان الدين ولا أبوه».
ثانياً: ما يحتاج إلى تصحيح
- «قبل قرنٍ ونصف من مولده» — الصوابُ نحو مئةٍ وعشر سنين. فالباب سُمّي بذلك سنة ٦٠٠هـ/١٢٠٣–١٢٠٤م، حين أُحرقت جثةُ الثائر العُبيدي وعُلّق رأسُه عليه في دولة الموحدين، وابنُ الخطيب وُلد سنة ١٣١٣م: فالمدّة ١٠٩ سنوات. والقرنُ ونصفُه يرجع بنا إلى نحو ١١٦٣م، قبل أن يُبنى البابُ على هيئته تلك. وإن أُريد رقمٌ أكبر فهو صحيحٌ من جهةٍ أخرى: من الإحراق الأول إلى إحراقه هو ١٧٠ سنة.
- «وهو في الثالثة والستين» — أتمَّ اثنتين وستين سنةً قمرية. وُلد في رجب ٧١٣هـ وقُتل في ربيع ٧٧٦هـ، وربيعٌ قبل رجب، فلم يبلغ ذكرى مولده بعدُ: فهو في الثالثة والستين لا ابنُ الثالثة والستين. وبالحساب الشمسيّ ستون سنة.
- قصيدةُ قاعة الأختين الممحوّة — لم أجد لها سنداً. فبويرتا بيلتشيث وهيئةُ الحمراء ينسبان قصائدَ قصر الأسود كلَّها إلى ابن زمرك، وقصيدةُ الأختين (أربعةٌ وعشرون بيتاً) مقتطعةٌ من قصيدته الأمّ في ختان ابن محمد الخامس — فليس ثمّة فراغٌ يقتضي قصيدةً ممحوّةً تحتها. ولم أقف على الرواية إلا في صفحة محاضرةٍ مفقودةٍ من الشبكة ومدوّنةٍ لا إسنادَ فيها. وفيها نواةُ صدقٍ غيرُ هذه: كثيرٌ من قصائد ابن الخطيب في الحمراء ضاع فعلاً ولم يبقَ إلا في ديوانه — لكنه بِلى الدهر، لا محوٌ سياسيٌّ موثَّق.
- لفظُ النقل من «مقنعة السائل». الروايةُ: «وسلامةُ من لا يخالطه» — لا «يباشره»، وقد وافقت المقالةُ بين الفعلين. وسقط من النقل الثاني قيدٌ له معنى: «يتصل بالروح بدءاً بواسطة الهواء».
- وصفُ المقّري للقبر منقولٌ بالمعنى. ولفظُه: «شاهدتُ موضع دفنه غير مستوٍ مع الأرض، بل ينزل إليه بانحدار كثير».
- «أسرةٌ عريقة قدمت من اليمن أيام الفتح» — نسبٌ مُدَّعىً لا نسبٌ ثابت. والروايةُ التقليدية نفسُها لا تجعلها هجرةً واحدة، بل: يمنٌ ثم قرطبة، ثم طليطلة بعد وقعة الربض، ثم لوشة بعد قرون.
- الفصلُ التامّ بين العدوى وبين مقتله أوسعُ ممّا تحتمله المصادر. فالمقالة تقول إنه دفع الثمن «لسببٍ آخر»؛ ودولز يرى أنّ تصريحه بالعدوى كان على الأرجح من جملة ما تعلّق به خصومُه في تهمة الزندقة. فالتهمةُ سياسيّةٌ في أصلها، ومادّتُها كتاباتُه الخارجةُ عن المألوف — ومنها، فيما يُرجَّح، هذه.
- تفصيلان أصغر. ابنُ زمرك شارك في السعاية والوفد، لكنه لم يترأس محاكمة فاس ولم يباشر القتل: الحكمُ بالزندقة يقوده النُّباهي قاضي الجماعة، والقتلُ لسليمان بن داود. وموتُ راعيه المريني (أبي فارس عبد العزيز) لم يكشفه فوراً، فقد ظلّ الوزيرُ أبو بكر بن غازي يمنعه ويردّ طلبات التسليم، حتى استولى أبو العباس أحمد على فاس سنة ٧٧٦هـ — وهنالك سقط.
ثالثاً: فحص الاقتباس
سُلّطت تسعُ عباراتٍ من المقالة على الشبكة، فلم تُطابِق واحدةٌ منها شيئاً منشوراً: «إبستمولوجيا العدوى» و«أنطولوجيا الجراثيم»، و«أثبت أن المرض ينتقل، دون أن يعرف ما الذي ينتقل»، و«كأن الباب كان ينتظر، طوال تلك القرون، محروقه الأشهر»، وسواها. فالنثرُ التحليليّ والبلاغيّ أصيلٌ كلُّه، ولا أثرَ لنقلٍ عن منشور.
غير أنّ فقرةَ «النهاية» تُعيد صياغةَ مقالة ويكيبيديا العربية جملةً جملة: الترتيبُ نفسُه، والمفرداتُ النادرةُ نفسُها — «دسّ عليه»، «طرقوا سجنه»، «خنقاً»، «في الغد»، «أُضرمت حولها النار»، «احترق شعر الرأس»، «اسودّت البشرة» — وفيها «أحد أبواب فاس القديمة» بحروفها. والمضمونُ ثابتٌ في «نفح الطيب» كما تقدّم، فليست المسألةُ في صحّته؛ وإنما الأولى أن يُنقل الخبرُ عن أصله — المقّري، ومقدّمةُ محمد عبد الله عنان لـ«الإحاطة» — لا عن الموسوعة الناقلة عنهما.
رابعاً: حدودُ هذا التدقيق
لم تُقابَل «مقنعة السائل» بطبعةٍ محقَّقة ولا بمخطوط الإسكوريال (رقم ١٧٨٥)، وإنما بما تنقله المصادرُ العربية والدراساتُ الحديثة — فنقلُها متعاضدٌ من وجوهٍ مستقلّة، لكنه غيرُ مُقابَلٍ بأصل. وكذلك «نفح الطيب»: نُقل عن نشرةٍ إلكترونيةٍ غير محقَّقة، ولم يُضبط موضعُه من طبعة إحسان عباس. ونقشُ الضريح («هذا ضريح العلامة لسان الدين ابن الخطيب») لم يُتحقَّق من لفظه بمصدرٍ علميٍّ ولا بصورة، والبناءُ نفسُه حديثٌ أُقيم بعد الاستقلال، لا قديم.
قوبلت وقائعُ المقالة بمتن «المقدمة» في مدوّنة OpenITI، وبـ«نفح الطيب» و«شذرات الذهب»، وبدراسات مايكل دولز وبويرتا بيلتشيث وفرنانديث بويرتاس وراميريث ديل ريو ونشرات هيئة الحمراء؛ ونُشرت النتيجةُ من غير تعديلٍ على المقالة. ← العودة إلى المقالة