→ العودة إلى المقالة
حسين الخالدي · مقالات  —  تدقيق

مدقّقٌ محايد

تدقيقُ وقائع سلسلة «كان الناس أمة واحدة» — المقالات الست الأخيرة

Neutral Fact Checkerتدقيق وقائعفحص اقتباس

قوبلت الدعاوى الواقعية في المقالات الست الأخيرة بمصادرها: سيرةُ الجوزجاني لابن سينا في «عيون الأنباء» و«إخبار العلماء»، ونصوصُ الغزالي وابن رشد بمواضعها، وكلامُ ابن تيمية وابن القيم والسيوطي والبقاعي في ابن عربي، ومتونُ ديكارت وباسكال وكانط وهيغل ونيتشه وهايدغر وسارتر بألسنتها الأصلية. وما خرج به الفحص منشورٌ كما خرج — لم يُحذف منه شيءٌ لأنه غيرُ موافق، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقه.

وموضوعُ التدقيق الوقائعُ وحدَها: التواريخُ، وأسماءُ الكتب والأعلام، وما نُسب إلى المصادر أنها قالته، وصحّةُ الإحالات. أمّا أطروحةُ السلسلة — قراءةُ المذاهب على ميزان الوحي — فليست من التدقيق في شيء؛ تلك قراءةٌ يُحاكم إليها القارئ لا المدقّق. وهذه مقالاتٌ لقارئٍ عام، لا بحثٌ محكَّم، فلم يُطلَب فيها ما يُطلَب في البحوث.

المنهج

فُحصت المقالات الست في ستة مسارات متوازية — مسارٌ لكل عنقودٍ من الأعلام — ومسارٌ سابعٌ لفحص الاقتباس. وقُدِّمت المكتبةُ الشاملة المنزَّلة على جهاز المؤلف (٨٤١٧ كتابًا) على الشبكة في كل ما يمكن أن يُوجد فيها، فمنها جاءت نصوصُ ابن أبي أصيبعة والقفطي والذهبي وابن خلكان وابن تيمية وابن القيم والقشيري والبقاعي وحاجي خليفة والسبكي. وما لم يكن في المكتبة قُصد في مظانّه المنشورة، وصُرِّح بذلك في موضعه من «حدود هذا التدقيق». والنصوصُ الأوروبية قوبلت بألسنتها: الألمانية لكانط وهيغل وهاينه ونيتشه وهايدغر، والفرنسية لديكارت وباسكال وسارتر، واللاتينية حيث لزم. وفُحصت اثنتا عشرة عبارةً من عبارات المؤلف بحثًا عن أصلٍ منقول.

أولاً: ما ثبت

ويُبدأ بأقواها، وهو موضعٌ توقّعتُ فيه أن أجد شرحًا متأخرًا فوجدتُ حسابَ الغزالي بنفسه:

ثابت

قسمةُ العشرين مسألة إلى سبع عشرة بدعةً وثلاثٍ كفرًا حسابُ الغزالي نفسِه، بنصّه. «المنقذ من الضلال» ص١٤٤: «ولكن مجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين أصلاً، يجب تكفيرهم في ثلاثة منها، وتبديعهم في سبعة عشر. ولإبطال مذهبهم في هذه المسائل العشرين صنفنا كتاب التهافت». والثلاثُ التي عيّنها المقال — قدمُ العالم، ونفيُ علم الله بالجزئيات، وإنكارُ حشر الأجساد — هي الثلاثُ بعينها في ص١٤٤–١٤٨، ولم يخالف المقالُ إلا في الترتيب. ويؤيّده «كشف الظنون» ٣/٦٧–٦٨ بسرد المسائل العشرين.

ثابت

وقصةُ الدراهم الثلاثة في سيرة ابن سينا بخطّه هو. أربعون قراءةً لكتاب ما بعد الطبيعة، ثم الدلّال: «اشترِ مني هذا فإنه رخيص أبيعكه بثلاث دراهم… فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة» (عيون الأنباء ص٤٣٨).

ثابت

ومشهدُ الحقن أدقُّ في المصدر ممّا في المقال. المقالُ يقول «مرارًا في اليوم الواحد»، والنصّ يعيّن: «حقن نفسه في يوم واحد ثمان كرات فتقرح بعض أمعائه وظهر به سحج» (عيون الأنباء ص٤٤٤). وصحبةُ الجوزجاني له خمسًا وعشرين سنة ثابتةٌ بنصّها (ص٤٤٢).

ثابت

ونصّ ابن تيمية يشهد لتعليل المقال، لا لأصل الدعوى فحسب. قال المقال إنهم جعلوا علمه بالجزئيات «على نحو كلي» صيانةً لعلمه — بزعمهم — عن التغير، وهو نصُّ «درء تعارض العقل والنقل» ٩/٣٩٨: «وهؤلاء فروا من وقوع التغير في علمه».

ثابت

وتفريقُ ابن تيمية بين أئمة الصوفية الأُوَل وأصحاب المقالة ثابتٌ بلفظه (مجموع الفتاوى ١٣/١٨٨)، وفيه تسميةُ الفضيل وإبراهيم بن أدهم والداراني والسري والجنيد. ومن تمام الإنصاف أنه قال «ابن عربي أقربهم إلى الإسلام»، وختم: «والله تعالى أعلم بما مات الرجل عليه».

ثابت

وشذرةُ نيتشه محقّقةٌ عبارةً عبارة. «العلم المرح» §١٢٥: الفانوس «في ساعات الصباح المشرقة» (وهو ضحى النهار في المقال)، والجريُ إلى السوق، وضحكُ من لا يؤمنون، و«مات الله… ونحن الذين قتلناه»، و«من أين نستمد الضياء بعد أن أطفأنا الشمس؟»، و«ألسنا نهوي في كل الجهات؟»، و«جئت قبل الأوان». كلُّ عنصرٍ استعمله المقال في النصّ.

ثابت

وكلمةُ هايدغر الأخيرة ثابتةٌ بشرطها الذي ذكره المقال. «Nur noch ein Gott kann uns retten» — حوار «دير شبيغل» في ٢٣ سبتمبر ١٩٦٦م، أُعطي بشرط ألّا يُنشر إلا بعد موته، فنُشر في ٣١ مايو ١٩٧٦م بعد وفاته بخمسة أيام.

ثابت

وجملةُ دوستويفسكي — وهي مزلقةُ أكثر من كتب فيها — منسوبةٌ في المقال على الوجه الصحيح. نصُّ سارتر: «كتب دوستويفسكي: « Si Dieu n'existait pas, tout serait permis ». وذلك هو منطلق الوجودية». والمقالُ ينسبها إلى محاضرة سارتر بوصفها دعوى سارتر، وهو الصواب. وممّا يُعلم أنّ الجملة لا ترد في «الإخوة كارامازوف» بهذه الصيغة ولا قريبًا منها — والمقالُ لم يدّعِ ذلك.

ثابت

ومقتبساتُ كانط وهيغل كلُّها في مواضعها. «سباتي الدوغمائي» في مقدمة «المبادئ الأولية» (أكاديمية ٤/٢٦٠)، و«الوجود ليس محمولًا واقعيًّا» والثالرات المئة في «نقد العقل الخالص» A598–599/B626–627، و«كان لا بد أن أرفع دعوى العلم لأفسح المكان للإيمان» في مقدمة الطبعة الثانية B xxx، والنقيضةُ الأولى A426/B454، وقولُ هيغل في هيراقليطس: «es ist kein Satz des Heraklit, den ich nicht in meine Logik aufgenommen»، وبومةُ منيرفا في مقدمة «فلسفة الحق». وترجمةُ المقال لـunterbrach بـ«قطع» أدقُّ من «أيقظ» الشائعة.

ثابت

وتحفّظاتُ المؤلف نفسِه مضبوطةٌ في مواضعها، وثلاثةٌ منها ينبغي ألّا تُقوَّى: «شبه فلسفةٍ رسمية» في هيغل وبروسيا — فتهمةُ «فيلسوف الدولة» بدأت عند هايم سنة ١٨٥٧م وقد نقضها الباحثون؛ و«ما معناه» في كلمة هيراقليطس — لأنها من محاضراتٍ حرّرها تلاميذُه بعد موته؛ و«قلّما استعملها بلفظها» في ثلاثية هيغل — بل المحقّقون أشدُّ: لا ترد في مجلداته العشرين مرةً واحدة، والصيغةُ لفشته شاعت عند شاليبويس. وكذلك «شارك» في غبار العدسات عند سبينوزا: فالمرضُ سابقٌ للصنعة بسنين، فـ«شارك» هو اللفظ الصحيح تمامًا.

ثانياً: ما يحتاج إلى تصحيح

١

وقفةُ المصدر في وفاة ابن سينا تقول عكسَ ما تصنع. تقول: «فأثبتنا المشهد برواية أقدم المصادر وأقربها إليه» — والمشهدُ الذي أثبتته من أحدثها. فالاغتسالُ والتوبة والصدقة وردُّ المظالم وعتقُ الغلمان والختمةُ كل ثلاثة أيام كلُّها من ابن خلكان (ت٦٨١)، لا من الجوزجاني. ورواية الجوزجاني عند القفطي وابن أبي أصيبعة — وهما أقدمُ من نقلها — تنتهي عند: «وبقي على هذا أيامًا ثم انتقل إلى جوار ربه» (عيون الأنباء ص٤٤٤). والذهبيُّ يفصل الروايتين بنفسه: «انتهى قول أبي عُبَيْدقال ابن خِلِّكان: ثمّ اغتسل وتاب وتصدّق…» (تاريخ الإسلام ٢٩/٢٢٨). وتصحيحُ هذا يزيد نقدَ المقال للمصادر قوةً لا ضعفًا.

٢

الكندي ليس عباسيَّ النسب. هو من كندة: «من ولد الأشعث بن قيس» (مسالك الأبصار ٩/٣٩)، و«أحد أبناء الملوك من كندة». وإنما كان أبوه إسحاق بن الصباح واليًا للعباسيين على الكوفة، ومن هنا جاء الوهم.

٣

سنُّ ابن سينا عند وفاته مختلَفٌ فيها، والمقال يجزم. أقدمُ الروايات: ثلاثٌ وخمسون (عيون الأنباء ص٤٤٥، تاريخ الإسلام ٢٩/٢٢٨)؛ وثمانٍ وخمسون عند القفطي وابن خلكان وياقوت وابن العبري. والروايتان كلتاهما تُنسبان إلى الجوزجاني، فلا يستقيم عزوُ إحداهما إليه وحدها.

٤

الشكُّ في الغلمان موضوعٌ في غير موضعه. الجوزجاني يشكّ في الطبيب الذي أفرط في بزر الكرفس: «لست أدري أعمدًا فعله أم خطأ». وأمّا الغلمانُ والأفيون فيقطع بدافعهم: «خيانتهم في مال كثير من خزانته فتمنوا هلاكه». والمقالُ جمع الحادثتين ونقل التردّد إلى الطرف الآخر.

٥

دعوى المخطوطات في «الفصوص» أوسع ممّا يحتمله المنشور. يقول المقال إنّ «التحقيق الذي انتهت إليه دراسة المخطوطات» أثبت المواضعَ المشكلة في أقدم النسخ المقروءة على تلاميذه. ولم أقف على دراسةٍ منشورةٍ تقول ذلك بعينه. والثابتُ قريبٌ منه وكافٍ: أقدمُ نسخةٍ باقية (أوقاف إستانبول ١٩٣٣، سنة ٦٣٠هـ) بخطّ صدر الدين القونوي، قوبلت على الأصل وقُرئت على ابن عربي وعليها سماعُه وخطُّه، وعليها بُنيت الطبعةُ النقدية الحديثة. فدعوى الدسّ تصطدم بها ابتداءً — ويبقى تحريرُ كل موضعٍ بعينه.

٦

السيوطي في القسم الثالث لا الثاني. يعدّه المقال في المعظِّمين، وسركيس في «معجم المطبوعات» ١/١٧٦ يقسم الناس فيه ثلاثة أقسام ويجعل القسم الثاني: الفيروزآبادي والنابلسي وابن كمال باشا والشعراني والكوراني؛ والقسم الثالث — من اعتقد ولايته وحرّم النظر في كتبه — ومنهم «الجلال السيوطي والحصكفي». وهو القسمُ الذي وصفه المقالُ بعبارة السيوطي نفسِها.

٧

«الأسفار الأربعة» و«الحكمة المتعالية» اسمٌ واحد لكتابٍ واحد: «الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة». وعبارةُ المقال تُقرأ على أنه صنّف الأسفار ثم سمّى مذهبه بالاسم الآخر.

٨

«فجناية هذا على الدين أعظم من جناية الطاعنين فيه» — الموازنةُ من إنشاء المقال. نصُّ الغزالي (المنقذ ص١٤٠): «ولقد عظم على الدين جناية من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار هذه العلوم» — وفيه «صديق للإسلام جاهل» أيضًا، لكن ليس فيه تفضيلُ الجناية على جناية الطاعنين.

٩

«الحكمة شقيقة الشريعة» ليست عبارة ابن رشد. عبارتُه في «فصل المقال» ص٦٧: «الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة… وهما المصطحبتان بالطبع، المتحابتان بالجوهر والغريزة». و«شقيقة» تحديثٌ شائع، ولفظُه هو أبلغ.

١٠

لم تُحرق كتبُ ابن رشد كلُّها. «وأمر الخليفة… بإحراق كتبه في الفلسفة ما عدا الطب والحساب والمواقيت» (موجز دائرة المعارف الإسلامية ١/١٨٧)، وعند الزركلي: «وأحرق بعض كتبه». واستثناءُ الطب والفلك خبرٌ أطرفُ من الإطلاق.

١١

ابن رشد لم يُترجَم من طليطلة بعد سقوطها. سقطت طليطلة سنة ١٠٨٥م، وُلد ابن رشد سنة ١١٢٦م. أمّا ابن سينا والغزالي فنعم، على يد غونديسالفوس وابن داود نحو ١١٥٠–١١٨٠م. وترجماتُ ابن رشد اللاتينية إنما ظهرت «بعد وفاته بنحو ثلاثين سنة»، وأكثرُها في محيط فردريك الثاني بصقلية؛ ولم يثبت لطليطلة منها إلا شروحُ هرمان الألماني (١٢٤٠ و١٢٥٦م).

١٢

«نار» ليست في أعلى رقعة باسكال. في خطّه: صليبٌ، ثم أربعةُ أسطر بالتاريخ — «L'an de grâce 1654. Lundi 23 novembre…» — ثم «Feu». والصورةُ الأدبية سائغة، وأمّا وصفُ الوثيقة فلا. والتاريخُ نفسه ممّا كتبه باسكال، فكان يمكن ذكرُه: ٢٣ نوفمبر ١٦٥٤م.

١٣

وثوبُ الرقعة سترةٌ داخلية لا معطف. النصُّ الوحيد (الأب غيرييه): «dans la doublure du pourpoint» — والـpourpoint سترةٌ ضيقةٌ تُلبس تحت الثياب. وفي ذلك مقصودُ الخبر: أنه كان يحملها على بدنه.

١٤

لم يصقل سبينوزا العدسات في أمستردام. كلُّ خبرٍ موثَّق عن صنعته بعد خروجه منها: يوميات أوله بورخ سنة ١٦٦١م في راينسبورخ، وثناءُ الأخوين هيغنز من سنة ١٦٦٣م في فوربورخ. والوصفُ بأمستردام يناقض الجملةَ التالية في المقال نفسِه، إذ يجعل الحرمَ سببَ خروجه.

١٥

ديكارت يمتنع صراحةً من تعميم الهدم. في الموضع نفسه من «مقال في المنهج»: «Jamais mon dessein ne s'est étendu plus avant que de tâcher à réformer mes propres pensées» — لم يقصد إلا إصلاح أفكاره هو، ونهى عن الاقتداء به. وعبارةُ المقال «وأن الواجب هدمُها جميعًا» تقرأ حكمًا عامًّا.

١٦

كانط غادر مدينته أبعدَ من «أميال». بين سنتي ١٧٤٨ و١٧٥٤م عمل مؤدبًا خارج كونيغسبرغ، في يودتشن (نحو ٢٠ كم) وفي غروس-أرنسدورف على نحو ١٠٥–١٤٥ كم، ويقدّرها كوهن بـ«ستين ميلًا أو نحوها».

١٧

«الثورة الكوبرنيكية» تسميةُ الشرّاح لا تسميةُ كانط. عقد كانط التشبيه في مقدمة الطبعة الثانية (B xvi) بلفظ «den ersten Gedanken des Kopernikus» — فكرةِ كوبرنيكوس الأولى — وسمّى صنيعه «Umänderung der Denkart». ولفظُ «ثورة» يرد في تلك المقدمة نفسِها لكن عن الرياضيات والطبيعيات، لا عن صنيعه. وهو نظيرُ ما نبّه عليه المقالُ نفسُه في ثلاثية هيغل.

١٨

«قفزة الإيمان» لم يقلها كيركغور. لا ترد العبارة (troens spring) في أعماله المنشورة ولا في مؤلفاته المستعارة مرةً واحدة؛ وإنما يستعمل «القفزة» و«القفزة الكيفية». والتسميةُ من صنع شرّاح القرن العشرين ممن قرؤوه فِدَئيًّا، وهي من المسائل المعروفة في الدراسات الكيركغورية. وصورتُه هو: الواقفُ فوق «سبعين ألف قامةٍ من الماء».

١٩

«الأحدب» وصفٌ من صنع الرسوم الساخرة. لا تكاد تسنده شهادةٌ خارج كاريكاتير «كورساريَن»؛ وسجلاتُ مستشفى فريدريكس سنة ١٨٥٥م لا تذكره، وأكثرُ من وصفوه بانحناءٍ يسير كتبوا بعد الرسوم. وكان الرجل أنيقًا متأنّقًا.

٢٠

ريغينه أولسن لم تكن في الثامنة عشرة خريف ١٨٤١م. وُلدت في ٢٣ يناير ١٨٢٢م، فكانت في الثامنة عشرة يوم الخِطبة (٨ سبتمبر ١٨٤٠م)، وفي التاسعة عشرة يوم ردّ الخاتم. ثم إنّ المشهد نفسَه مؤرَّخٌ في المقال بالخريف، والطردُ والرسالة كانا في ١١ أغسطس ١٨٤١م؛ وأمّا لقاءُ الفراق الأخير فكان في ١١ أكتوبر.

٢١

ترتيبُ سنة ١٩٣٣ معكوس. انتُخب هايدغر رئيسًا لجامعة فرايبورغ في ٢١ أبريل ١٩٣٣م، ثم انتسب إلى الحزب النازي في ١ مايو، وألقى خطبة الرئاسة في ٢٧ مايو. والمقالُ يقدّم الانتساب على الرئاسة. وأمّا أنه لم يعتذر اعتذارًا يشفي فصحيحٌ ومسنود.

٢٢

موتُ هيغل بالكوليرا روايةٌ متنازَعة. شهد بها طبيبُه أثناء الوباء، لكنّ الدراسات الحديثة تميل إلى علةٍ هضميةٍ عليا. وكلمةٌ واحدة من كلمات التمريض تكفي.

٢٣

وثلاثةُ مواضع في سيرة كيركغور وكانط أخفُّ من أن تُفرد: بين ردّ الخاتم وموته أربعة عشر عامًا لا ثلاثة عشر؛ وهو لم يمت في الشارع بل سقط فيه في ٢٨ سبتمبر ١٨٥٥م ثم أُدخل المستشفى ومات به بعد ستة أسابيع؛ وهاينه لم يقل إنّ الجيران يضبطون ساعاتهم على كانط، بل قال إنهم «كانوا يعلمون تمامًا أنّ الساعة الثالثة والنصف» إذا خرج — وزيادةُ الضبط من تهويل المتأخرين، وهي تؤكّد ما قصده المقالُ من المبالغة لا تنقضه. أمّا «ثماني مرات ذهابًا وإيابًا» فمن لفظ هاينه بعينه.

ثالثاً: ما لم أقف له على سند

وهذه لم أستطع إثباتها ولا نفيها، فلا تُحسب في أيّ الكفّتين:

رابعاً: فحص الاقتباس

النتيجة: منخفضة الخطورة (LOW). لا تطابق لفظيّ مع أيّ مصدر.

لا شيء

اثنتا عشرة عبارةً من أميز عبارات المقالات بُحث عنها نصًّا مقتبسًا، فرجعت كلُّها بلا نتيجة. منها: «فالعقل يوصلك إلى الباب ويعجز عما وراءه»، و«ولكن القوم أضاعوا عنوان البريد»، و«لقد انشغل الجميع بالأثاث ونسوا البيت»، و«أيقظه في غرفة مظلمة»، و«ما عبد أحدٌ قط إلهَ فيلسوف»، و«إلهُ ساعاتيٍّ أدار الآلة وانصرف». وبُحثت على محرّكين، أحدُهما يُلزم المطابقة الحرفية ويصرّح بانعدام النتائج. وينبغي أن يُقال مع ذلك: هذه المحرّكات لا تفهرس إلا جزءًا من المطبوع العربي، ولا تفهرس الورق أصلًا؛ فالصفرُ دليلُ غياب لا برهانُ عدم.

لا شيء

ولا فقرةَ واحدة معادةً من كتابات المؤلف نفسِه. قوبلت المقالاتُ بـ٥٢٩ ملفًّا من ملفات الموقع بمقارنة تسلسلاتٍ سُداسية. وتُحيل المقالاتُ إلى مقالاته السابقة خمس مرات، وكلُّ إحالةٍ منها تصريحٌ بترك الإعادة: «فلا نعيده»، «فلم نُعدها». والفحصُ يشهد أنه فعل ما قال.

لا شيء

ولا أثرَ لتلوّث المصدر المشترك — وهو المظنّة الكبرى. قوبلت المقالاتُ بأربعةٍ وعشرين مقالًا من ويكيبيديا العربية (نحو ٥٨ ألف كلمة) في ابن سينا والغزالي وابن رشد وابن عربي وملا صدرا وديكارت وكانط وهيغل وكيركغور وهايدغر وسارتر وغيرهم: صفرُ تطابقات. والنصُّ الذي يشرب من موسوعةٍ تظهر فيه عشراتُ المقاطع.

تنبيه

ونظافةُ إحالةٍ لا علاقة لها بالاقتباس: «من الملاحظة إلى الثورة العلمية» هو العنوانُ الذي تُحيل به المقالاتُ إلى مقالٍ منشورٍ على الموقع باسم «كيف تتطور العلوم» — والمضمونُ مطابق. وإحالاتُ «سلسلة معنى الحياة» — ومنها «الكمال والاتصال» و«مقال الغزالي» — تشير إلى سلسلةٍ لا صفحةَ لها على الموقع، فلا يستطيع القارئ اتّباعها.

حدودُ هذا التدقيق

ما لم أستطع الوصول إليه يُذكر، لأنّ تدقيقًا يخفي مواضع عجزه دفاعٌ لا تدقيق:

الحكم

المقالاتُ الستُّ متينةٌ في مادّتها الفلسفية. لم أجد اقتباسًا مختلقًا واحدًا في ستٍّ وعشرين ألف كلمة: كلُّ ما وُضع في فم كانط وهيغل ونيتشه وهايدغر وسارتر وباسكال ولايبنتز فهو لهم وفي موضعه، وأكثرُ ما يُخطئ فيه الكتّاب — جملةُ دوستويفسكي، وشذرةُ نيتشه، وشرطُ حوار هايدغر — أصابه المقال. وقسمةُ الغزالي العشرين مسألة، وهي عمدةُ المقال السابع، حسابُه بنفسه بنصّه.

وموضعُ الضعف واحدٌ متكرّر: الثقةُ تسبق الدليل في مواضع النقل عن المصادر. أظهرُها وقفةُ المصدر في وفاة ابن سينا، إذ تدّعي أقدمَ الروايات وتنقل أحدثَها؛ وتليها دعوى المخطوطات في «الفصوص». وهما موضعان يُقرأان بتحفّظ حتى يُعدَّلا.

وأمّا السِّيَر — نزهةُ كانط، وخطبةُ كيركغور، ورقعةُ باسكال — فهي حيث تسرّب الخلل: لا في الجوهر، بل في التواريخ والتفاصيل التي تصلب بالتكرار. وهو أمرٌ متوقَّع في أخبارٍ يرويها المتأخرون، والمقالُ نفسُه ينبّه على مثله في وقفاته الست.

وممّا يُحسب للمقالات أنّ تحفّظاتها في محلّها: «ت نحو ١٠٥٠هـ» في ملا صدرا، و«ونُقل عن» في ابن خلدون، و«ومعناها» في السرهندي، و«شارك» في غبار العدسات، و«فيما يُروى ولم يثبت لفظه» في لابلاس — كلُّها مضبوطةٌ على قدر الدليل، ولا ينبغي لمحرّرٍ لاحقٍ أن يقوّيها.