Read in English · اقرأ بالإنجليزية →
حسين الخالدي · مقالات  —  مقالة

كان الناس أمةً واحدة

سلسلةٌ في فلسفة الوجود — المقالات الست الأخيرة

واجب الوجودوحدة الوجودكانط والوجودية

تضم السلسلة (بالترتيب)

المقال السابع: واجب الوجود وممكنه

الكندي والفارابي وابن سينا، ونقد الغزالي وابن رشد

ضريح ابن سينا وبرجه في همذان
ضريحُ ابن سينا في همذان، من تصميم هوشنك سيحون، بُني سنة ١٩٥٢م. وليس هذا قبرَه القديم: هُدم البناءُ السابق سنة ١٩٥٠م، ورُفع مكانه هذا البرجُ الحديث على هيئة برج قابوس الزياريّ (١٠٠٦م) المعاصر لابن سينا — أي أنّ الشكل مستعارٌ من عمارةٍ أخرى، لا أثرٌ باقٍ من زمنه. (تصوير Nick Taylor — ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY 2.0)

ابن سينا يودّع نفسه

في همذان، سنة ٤٢٨هـ، كان أشهر أطباء الدنيا يحتضر بداءٍ من اختصاصه. الرجل الذي عالج الأمراء وامتلأت بذكره الآفاق، وصنّف «القانون في الطب» الذي ستدرّسه جامعات الشرق والغرب سبعة قرون، أعجزه القولنج في بدنه هو. وكان في ركب الأمير علاء الدولة (ʿAlaʾ al-Dawla) في مسيره إلى همذان حين اشتدت به العلة، فأقبل على نفسه بعنف المعالِج الواثق: يأمر بالحقن مرارًا في اليوم الواحد حتى تقرّحت بعض أمعائه، ويصف لنفسه ما لا يجرؤ طبيب أن يصفه لمثل حاله؛ ثم زاد الأمرَ سوءًا بعضُ غلمانه، إذ خلطوا في دوائه مقاديرَ مهلكة — قيل خطأً وقيل خيانةً وخوفًا من حسابه على مالٍ خانوه فيه، كما يروي تلميذه — فانتكس انتكاسته الأخيرة.

فلما أيقن الشيخ الرئيس بدنو أجله، صنع ما تليق حكايتُه بخاتمة فيلسوف الوجود: أمسك عن المعالجة وقال كلمته التي حفظها التاريخ، ومعناها: المدبِّر الذي في بدني قد عجز عن التدبير، فلا تنفع المعالجة الآن. ثم اغتسل وتاب، وتصدق بما معه على الفقراء، وردّ المظالم إلى من عرف، وأعتق غلمانه — ومنهم لعل الذين خلطوا دواءه — وجعل يسمع ختمة القرآن في كل ثلاثة أيام، حتى مات في بعض تلك الختمات وهو ابن ثمانٍ وخمسين. فتأمل المشهد: الطبيبُ الذي حكم على «المدبِّر» الذي في بدنه بالعجز، هو نفسه الذي بنى أعمقَ ما قاله المسلمون في المدبِّر الذي لا يعجز؛ ومات والفقرُ الذاتي الذي جعله قاعدة برهانه يجري في عروقه مشهودًا: ممكنٌ ينطفئ، بين يدي واجبٍ لا ينطفئ. ومن هذا الباب ندخل إلى أدق فصول سلسلتنا.

فيلسوف العرب: الحق لا يُستحيا منه

بدأت القصة قبل ابن سينا (Avicenna) بقرن ونصف، في بغداد التي رأينا جسر الترجمة فيها آخر المقال الماضي (انظر مقال «ما بين التفكير والتفكُّر»). هناك قام أبو يوسف الكندي (Al-Kindi)، الأمير العباسي النسب، وأول من حمل لقب «فيلسوف العرب»، يشرف على تعريب الحكمة ويصنّف فيها، ويكتب في رسالته «الفلسفة الأولى» كلمته التي تصلح شعارًا لسلسلتنا كلها، ومعناها: لا ينبغي أن نستحيي من استحسان الحق واقتناء الحق من أين أتى، وإن أتى من الأجناس القاصية عنا والأمم المباينة لنا؛ فليس شيء أولى بطالب الحق من الحق.

على أن الكندي لم يكن ناقلًا مستسلمًا؛ فقد خالف أرسطو (Aristotle) في أخطر مسائله: قِدم العالم. أقام الكندي البرهان على أن الزمان والجرم متناهيان، وأن العالم محدَث حدوثًا زمانيًّا عن قدرة الله من لا شيء، فوافق نتيجةُ برهانه صريحَ الوحي. وتستحق هذه اللفتة أن تُسجّل قبل الدخول في القصة: أولُ فلاسفة الإسلام حكّم البرهان فردّ به على معلّم البرهان، وسيتضح أن الزلل دخل على من جاء بعده من باب عكس هذا الصنيع.

المعلم الثاني وعمارة الفيض

ثم جاء أبو نصر الفارابي (Alpharabius) (ت ٣٣٩هـ)، التركي الأصل، الزاهد العيش، الذي أتقن صناعة المنطق حتى لُقّب «المعلم الثاني» — ولم يكن الأول إلا أرسطو. رتّب المنطق وعلّمه، وصنّف في إحصاء العلوم والموسيقى والمدينة الفاضلة، وبنى أول مذهب فلسفي إسلامي مكتمل الأركان والنسق. وهو صاحب الرسالة الصغيرة «في أغراض ما بعد الطبيعة» التي اشتراها ابن سينا شابًّا من دلّالٍ بثلاثة دراهم فانجلت له بها مغاليق كتاب أرسطو بعد أن قرأه أربعين مرة محفوظًا غيرَ مفهوم — ولا عجب في استغلاق الغرض على مثله؛ فقد عرفتَ في المقال الماضي أن «أرسطو» الذي بين أيدي القوم نُسب إليه كتابان بغرضين متدافعين، أحدهما لأفلوطين (Plotinus). وفي قلب مذهبه عمارةُ الفيض التي نعرف الآن مصدرها: عن الأول تعالى يفيض العقل الأول — إذ «الواحد لا يصدر عنه إلا واحد» — ثم يعقل العقلُ الأولُ مبدأَه ونفسَه فيفيض عنه عقلٌ ثانٍ وفلك، وهكذا نزولًا عبر عشرة عقول، آخرها العقل الفعّال الذي يلي عالمنا ويفيض الصورَ والمعارف على النفوس.

وصنّف الفارابي كتاب «الجمع بين رأيي الحكيمين» أفلاطون (Plato) وأرسطو، يذهب فيه إلى أن الحكيمين متفقان في الأصول وإن اختلفت عباراتهما. وقد بان لنا اليوم بعضُ عذره: فمن أدلته على المصالحة نصوصٌ من «الأثولوجيا» يحسبها لأرسطو وهي لأفلوطين؛ فكان يصالح بين أفلاطون وبين أفلاطونيٍّ محدَث، ويظن أنه يصالح بينه وبين خصمه. وهكذا وجّه العنوان المغلوط عقلًا جبارًا.

ابن سينا: الماهية والوجود

ثم بلغ البناء ذروته عند الشيخ الرئيس. وفتْحُه الذي لم يُسبق إليه سؤالٌ ظاهره البساطة: إذا عرفتَ أن المثلث — شكل يحيط به ثلاثة أضلاع — فهل علمتَ من تعريفه أن في الدار مثلثًا؟ كلا؛ فتصوُّر ماهية الشيء شيء، والعلم بوجوده شيء آخر. الماهية تجيب عن «ما هو؟»، والوجود يجيب عن «هل هو؟»، ولا يلزم من الأولى الثانية. فالوجود إذن ليس جزءًا من ماهيات الأشياء، بل أمرٌ يلحقها من خارجها. وهذا التفريق بين الماهية والوجود أساس المسألة الذي فات اليونانَ جميعًا وضعُه، وستُبنى عليه إلهيات قرونٍ لاحقة.

وبعد أن استقر هذا التفريق، انقسم الموجود بحسب اقتضاء ماهيته: ممتنعٌ تأبى ماهيته الوجود كشريك الباري، وممكنٌ تستوي نسبتُه إلى الوجود والعدم كهذا العالم وكل ما فيه، وواجبٌ تقتضي حقيقتُه الوجودَ اقتضاءً لا يقبل الانفكاك. والممكن — وهنا عصبُ البرهان — لا يخرج من كفّتي الاستواء إلى كفّة الوجود بنفسه، وإلا لم يكن مستويًا؛ فلا بد له من مرجِّح. فإن كان مرجِّحُه ممكنًا مثله افتقر بدوره، وجملةُ الممكنات مهما تكاثرت ممكنةٌ مثل آحادها، ولا تنقطع الفاقة إلا عند موجودٍ واجب الوجود بذاته، لا ماهية له سوى إنّيته، واحدٍ بسيطٍ من كل جهة. وسمّى ابن سينا طريقته هذه «برهان الصدّيقين»؛ لأنها لا تستشهد على الله بخلقه ولا بحركة فلك، بل تنظر في الوجود نفسه فتجده صادعًا بالافتقار إلى واجبه — قال: فتشهد به عليه لا بغيره عليه.

ذلك جانب القوة في برهانه، أما موضع النقص فيه فإن الشيخ الرئيس ركّب برهانه الجديد على عمارة الفيض اليونانية الموروثة، فلزمته لوازمُها: فالعالم عنده قديمٌ أزلي، لأن الفيض عن الواجب ضروري دائم لا يتخلف؛ واللهُ يعلم الأشياء «على نحو كلي» لا بجزئياتها المتغيرة، صيانةً لعلمه — بزعمه — عن التغير؛ والمعادُ معادُ الأنفس دون الأجساد، إذ لا يستقيم رجوع الأبدان في هندسة الأفلاك والعقول. وكانت هذه القضايا الثلاث ستشعل أشهر معركة فكرية في تاريخ الإسلام.

رجلٌ من أهل طوس

صفحة من طبعة حجرية لكتاب تهافت الفلاسفة
صفحةٌ من «تهافت الفلاسفة» لأبي حامد الغزالي، وفيها كلامُه على الكسوف والخسوف وأنّ الشرع لا يُنصَب في مقابلة حساب الفلكيين. وليست هذه مخطوطة: هي صفحةٌ من طبعةٍ حجريةٍ إيرانية سنة ١٨٨٤–١٨٨٥م (نسخة مكتبة الإسكندرية)، والخطُّ فيها خطُّ ناسخٍ للطبع لا خطُّ نسخةٍ قديمة. (ويكيميديا كومنز — ملكية عامة)

وبعد وفاة ابن سينا بنحو نصف قرن، جلس على كرسي نظامية بغداد، وهو دون الرابعة والثلاثين، أبو حامد الغزالي (Algazel)، أنظرُ أهل زمانه. ورأى مذهب الفلاسفة قد صار فتنة المتعالمين، يتشبه به من لا يحسنه ويتزيّا بزيّه من يريد الانسلاخ من الملة. فصنع ما لم يصنعه خصمٌ قبله: أنفق سنين في إتقان مذهب خصومه حتى صنّف فيه «مقاصد الفلاسفة» عرضًا مجردًا بلغ من الأمانة أن اللاتين لما ترجموه بعد ذلك حسبوا «الغزّالي» فيلسوفًا مشّائيًّا يقرر المذهب، إذ سقطت من بعض النسخ ديباجتُه التي يبين فيها أنه يعرض ليَنقض! وقرر قاعدته المنهجية في «المنقذ من الضلال»: أن الرد على مذهبٍ قبل فهمه واستقصائه رميٌ في عماية، ولا يوثق برد من لم يحط بالمذهب إحاطة صاحبه.

ثم أطلق «تهافت الفلاسفة»: عشرين مسألة نقض فيها بناء الفارابي وابن سينا نقضَ من عرف مداخل البناء ومخارجه، لا بالتشنيع والتصايح، بل ببرهانٍ يقارع برهانًا: يسلّم مقدماتهم جدلًا ثم يريهم أنها لا تنتج دعاواهم، وأن يقينهم المزعوم في الإلهيات ظنونٌ لبست لبوس الهندسة. وحكم في سبع عشرة مسألة بالبدعة، وفي ثلاثٍ بما هو أغلظ: القول بقدم العالم، وقولهم إن الله لا يعلم الجزئيات، وإنكارهم حشر الأجساد.

ومن الإنصاف أن نذكر للرجل أمرين يغفلهما خصومه ومحبوه معًا. أولهما أنه لم يطعن في الرياضيات والمنطق والطبيعيات المبرهنة، بل حذّر أشد التحذير من ناصرٍ للدين يجحد علمًا قاطعًا فيظن الناسُ الدينَ مبنيًّا على جحده، فجناية هذا على الدين أعظم من جناية الطاعنين فيه؛ بل أدخل المنطق في علوم الملة وصنّف فيه لأهل الأصول. وثانيهما مسألته المعروفة في السببية: فقد ناقش دعوى أن الاقتران بين ما يُعدّ سببًا ومسبَّبًا — النار والاحتراق — اقترانُ ضرورةٍ عقلية لا يمكن غيرُها، وقرر أن الضرورة العقلية لا تُدرك هنا، وهو اطّرادُ عادةٍ أجراها الفاعل المختار، وهو قادر على خرقها، وبذلك مهّد للمعجزة سبيلًا عقليًا. وسيجد الدارسون بعد قرون كلامًا للفيلسوف الاسكتلندي هيوم (David Hume) في نقد الضرورة السببية يشبه هذا في مبناه — ونحن على ضابطنا: تشابهُ نقدٍ لا يعني اتحاد مقصد، فالغزالي هدم الضرورة ليثبت فاعلًا مختارًا فوق العادة، وهيوم هدمها ولم يقم مكانها شيئًا.

قرطبة ترد: تهافت التهافت

تمثال ابن رشد جالسًا وبيده كتاب عند سور قرطبة
تمثالُ ابن رشد عند سور قرطبة قرب باب المدوَّر، للنحّات بابلو يوستي كونيخو، أُقيم سنة ١٩٦٧م. وليس صورةً له: لا يُعرف لابن رشد رسمٌ من عصره، وهذا نصبٌ إسبانيٌّ حديثٌ يُحيي ذكراه ولا يَنقل ملامحه. (تصوير AbdullahAlhariri0 — ويكيميديا كومنز، رخصة CC0)

وبعد الغزالي بنحو قرن، نهض للجواب قاضي قرطبة وطبيبها الفقيه أبو الوليد ابن رشد (Averroes)، أعظم شرّاح أرسطو في الأمم قاطبة، وقد تنبّه، وهذا مما يفيدنا هنا، إلى كثير من الدخيل الأفلوطيني على أرسطو، فكان أشد الناس تمسّكًا بأرسطو. كتب «تهافت التهافت» يناقش الغزالي مسألة مسألة، و«فصل المقال» يقرر فيه أن الشرع أوجب النظر البرهاني في الموجودات بمثل قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾، فالحكمة شقيقة الشريعة لا خصمها، وإنما تظالما بأيدي الأدعياء من الفريقين. وعتب على الغزالي أنه أذاع دقائق هذه المسائل في كتب الجمهور، ومحلها عنده كتب البرهان وأهله.

ثم جرت على الرجل محنته المعروفة: سُخط عليه في آخر عمره، وأُحرقت كتبه بقرطبة، ونُفي إلى أليسانة، ثم رُضي عنه قبيل وفاته بمراكش سنة ٥٩٥هـ. ووقعت بعده مفارقة من عجائب تاريخ الأفكار: خفت صوته في ديار الإسلام، وارتفع في أوروبا حتى صار عندهم «الشارح» بالألف واللام، وقامت في جامعاتهم مدرسة «الرشدية اللاتينية» التي بلغت من الاضطراب أن نُسب إلى بعض أهلها القول بحقيقتين متعارضتين تصحّان معًا، واحدة للدين وأخرى للفلسفة — وهو قول لم يقله ابن رشد قط، وهو ثمرة قراءتهم له في غير سياقه، حتى صدرت بباريس سنة ١٢٧٧م إدانات كنسية لقضايا رشدية. فانظر: رجل يُحرق كتبه قومُه، ويُدان باسمه في باريس ما لم يقل، ويبقى بين المحرقتين معلّمًا للفريقين.

جسرُ طليطلة

من هذا الباب نقضي في فقرةٍ حقَّ حلقةٍ كاملة تجاوزناها في ترتيب السلسلة: فمن طليطلة بعد سقوطها ترجم الأوروبيون ابنَ سينا والغزالي وابنَ رشد، فانبعثت في أوروبا نهضة المدارس «السكولائية». وأعظم أساطينها توما الأكويني (Thomas Aquinas) بنى إلهياته على تفريق ابن سينا بين الماهية والوجود، وضمّن «طرقه الخمس» إلى إثبات الله برهانَي الحركة والإمكان اللذين عرفتَ نسبهما، وحارب في الوقت ذاته رشديةَ باريس. فالمسلمون في هذه القصة ليسوا حلقة نقلٍ بين يونانَ وأوروبا كما يُشاع؛ هم الذين حوّلوا سؤال الوجود من «ما مبدأ العالم؟» إلى «لماذا يوجد الممكن أصلًا؟»، وبضاعتُهم هذه هي التي تسلمتها المدارس اللاتينية فبنت عليها.

قراءةٌ على ميزان الوحي

وقد يظن قارئ هذا المقال أن ميزانه مستغرقٌ في ثناياه، فقد كان الوحي طرفًا في المعركة كلها. لكن تبقى كلمات. أولاها إنصاف الفلاسفة الثلاثة: فالكندي والفارابي وابن سينا مسلمون مصلّون ما قصدوا هدمًا للملة، وفتوحُهم — التفريق بين الماهية والوجود، وبرهان الإمكان — من أنفس ما أنتجه عقل مسلم، وقد تلقّاه المحققون من أهل السنة أنفسهم فهذّبوه واستعملوه. وخطؤهم الجسيم لم يجئهم من البرهان، بل من ميراثٍ لم يمحّصوه: ورثوا من أرسطو وأفلوطين — الملتحمَين في «أثولوجيا» واحدة — إلهًا ضروريًّا لا يختار ولا يعلم الجزئيات وعالمًا لازمًا عنه أزلًا، فاجتهدوا في إلباس هذا الهيكل اليوناني عمامةَ التوحيد، فتمزّق الثوب في المواضع الثلاثة التي وضع الغزالي إصبعه عليها.

الكندي وحده سلك المسلك المستقيم في موضع الافتراق: حكّم البرهان الصحيح فوافق الوحيَ في حدوث العالم وخالف أرسطو. وهذا ما تقرره آية سلسلتنا: ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ فالكتاب أُنزل حاكمًا بين المختلفين، لا متهمًا يُحاكَم إلى قِدَم اليونان. ومتى استقام هذا الترتيب لم يجد المؤمن في برهانٍ صحيح ما يوحش؛ فالحق لا يضاد الحق، كما قال ابن رشد نفسه، ولكن بشرطه: أن يكون برهانًا حقًّا لا موروثًا يونانيًّا تزيّا بزي البرهان.

أما جوهرة المقال — واجب الوجود والممكن الفقير — فقد أنزلها القرآن قبل الفلاسفة في كلمة جامعة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]. فقرُ الممكن الذاتي إلى مرجِّح هو بعينه معنى «الفقراء إلى الله»، وغنى الواجب بذاته هو معنى «الغني»؛ ولسنا هنا أمام مضاهاةٍ متكلفة بين نصٍّ ومذهبٍ أجنبي عنه، بل أمام معنًى واحد عبّر عنه الوحي بلسان الفطرة الجامع، وصاغه البرهان بمصطلح الصنعة — والوحي زاد ما لا يبلغه برهان: أن هذا الغني «الحميد»، يُحمد ويُحب ويُعبد، لا واجبٌ تنتهي عنده السلسلة ثم لا خبر.

إلى المقال التالي

غير أن في برهان ابن سينا نفسِه بذرةَ السؤال التالي. فإذا كان الوجود يُقال على الواجب ويقال على الممكن، فما هذا «الوجود» المقول عليهما؟ ألفظٌ مشترك لا جامع بين معنييه، أم حقيقة واحدة تتفاوت شدةً وضعفًا كالنور في الشمس والسراج؟ وإذا كانت حقيقة واحدة، فما نصيب الممكن الفقير منها، وهو الذي لا يملك من نفسه شيئًا؟ سيتناول هذا الخيطَ رجلٌ من مرسية بالأندلس، يطوف الأرض حتى يستقر بدمشق، ويكتب كلامًا في أن الوجود الحق واحد وأن ما سواه مظاهرُ وتجليات، فتنقسم فيه الأمة إلى معظِّم يراه خاتم الأولياء وجارحٍ يراه على خطر عظيم؛ ثم يجيء بعده بقرون حكيمُ أصفهان وشيراز فيصوغ المسألة صياغة برهانية باسم «أصالة الوجود». إلى أشد مقالات السلسلة حساسية وأدقها موضعَ قدم: وحدة الوجود وأصالته.

سلسلة «كان الناس أمة واحدة» — المقال السابع
سلسلة «كان الناس أمة واحدة» — في فلسفة الوجود

المقال الثامن: وحدة الوجود وأصالته

ابن عربي والحكمة المتعالية

صحن جامع محيي الدين بن عربي في الصالحية بدمشق
صحنُ جامع وضريح محيي الدين بن عربي في حي الصالحية بدمشق، والدرجُ إلى يمين الصورة ينزل إلى القبر. والعمارةُ عثمانية: بناها السلطان سليم الأول سنة ٩٢٤هـ/١٥١٨م عند دخوله دمشق، أي بعد وفاة ابن عربي بنحو ثلاثة قرون؛ فليس في الصورة حجرٌ من بناء زمنه. (تصوير Dosseman — ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY-SA 4.0)

مدخل

في قرطبة، في نحو ثمانينيات القرن السادس الهجري، طلب قاضي المدينة وفيلسوفها أبو الوليد ابن رشد — الذي فارقناه في المقال الماضي — أن يلقى غلامًا حديث السن ذاع في الخاصة أن الله فتح عليه في خلوته بما لم يُفتح به على المشتغلين بالعلم عمرًا. يحكي الغلام القصة بعد عقود، وخلاصة قوله: فلما دخلت عليه قام إليّ محبةً وتعظيمًا فعانقني ثم قال لي: نعم؟ فقلت: نعم. فزاد فرحه بي لفهمي عنه. ثم إني استشعرت ما أفرحه من ذلك فقلت له: لا. فانقبض وتغير لونه، وشكّ فيما عنده، وقال: كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي؟ هل هو ما أعطاه لنا النظر؟ فقلت له: نعم، لا؛ وبين نعم ولا تطير الأرواحُ من موادّها والأعناقُ من أجسادها. فاصفرّ لونه وقعد يحوقل.

ثم يحكي الغلام نفسه خاتمة الرجلين: أنه لما نُقل جثمان ابن رشد من مراكش إلى قرطبة سنة ٥٩٥هـ، جُعل التابوت على جانبٍ من الدابة، وجُعلت مصنفاتُه على الجانب الآخر تعدله. قال: فوقفت أنظر، ومعي صاحبان، فقال أحدهما: ألا تنظر إلى ما يعادل الإمامَ؟ هذا الإمام وهذه أعماله. فقلت: يا بني، ما أحلاه من موعظة! ثم قال بيتيه اللذين سارا: «هذا الإمامُ وهذه أعمالُه — يا ليت شعري هل أتت آمالُه». الغلام هو محيي الدين ابن عربي (Ibn ʿArabi)، وستنقسم فيه الأمة إلى اليوم انقسامها في قلّةٍ من الرجال: بين من يسميه الشيخ الأكبر وخاتم الأولياء، ومن يعدّه صاحب أخطر مقالة قيلت في الوجود بلسانٍ إسلامي.

من الأندلس إلى قاسيون

وُلد محمد بن علي بن عربي الطائي في مرسية سنة ٥٦٠هـ، ونشأ في إشبيلية بين وجوه دولة الموحدين، ثم انصرف عن مستقبلٍ ديواني مضمون إلى الخلوة والمجاهدة وهو فتى. وطاف ما لا يُحصى: الأندلس والمغرب وتونس ومصر، ثم مكة حيث جاور وشرع في كتابه الأم «الفتوحات المكية» — بحرٌ يجاوز الآلاف من الصفحات في المطبوع، جعله ديوان علومه وكشوفه — ثم الأناضول وبغداد وحلب، حتى استقر بدمشق وتوفي بها سنة ٦٣٨هـ، ودُفن بسفح قاسيون حيث قبره اليوم. وأما كتابه الأشهر والأشد جدلًا فهو «فصوص الحكم»: صفحاتٌ قليلة ادّعى في ديباجتها أنه رأى رسول الله ﷺ في مبشِّرة بدمشق وبيده كتاب، قال لي: هذا كتاب فصوص الحكم، خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به — وهذه دعواه نثبتها كما قالها، وعلى القارئ أن يعلم أن رؤيا المنام ليست طريقًا شرعيًّا لتقرير عقيدة أو تثبيت حكم.

المذهب: وجودٌ واحد وتجلّيات

قبل عرض المذهب لطيفةٌ مصدرية على عادة سلسلتنا: مصطلح «وحدة الوجود» نفسه لا يكاد يوجد عنوانًا لمذهبٍ في كتب ابن عربي؛ وإنما نظّم عباراتِه المتناثرة تلاميذُه وشراحُه، وعلى رأسهم ربيبه صدر الدين القونوي، ثم شاع اللقب في القرن التالي على ألسنة الشراح والنقاد جميعًا حتى صار علَمًا على المقالة. فنحن نصف مذهبًا كما استقر عند أصحابه وخصومه، لا عنوانًا اختاره صاحبه.

وخلاصة المقالة كما قررها الشراح: الوجود الحق واحدٌ لا يتعدد، وهو وجود الله سبحانه؛ وما الممكنات في أنفسها إلا «أعيان ثابتة» في العلم، لا تملك من الوجود شيئًا، وإنما «ظهر» الوجود الواحد فيها فبدت كثرةً؛ فالعالم عندهم مظاهرُ وتجلياتٌ لأسماء الله وصفاته، كالصور في المرايا: المرايا شتى والوجه واحد، أو كالبحر وأمواجه: الأمواج أشكال طارئة والماء هو هو. فالكثرة عندهم في المظاهر والاعتبارات، والوحدة في العين والحقيقة. وأصحاب هذا القول يبرؤون من لفظ «الحلول والاتحاد» ويشنعون على قائله؛ إذ الحلول يقتضي اثنين: حالًّا ومحلًّا، ومذهبهم أنه ليس في الوجود اثنان أصلًا حتى يحلّ أحدهما في الآخر.

فإن سأل سائل: فما وجه الخطر إذا كان أصل الدعوى أن لا موجود بحقٍّ إلا الله؟ فالجواب أن في كتب القوم، وفي الفصوص خاصة، لوازمَ صرّحت بها نصوصٌ أشكلت على الأمة قرونًا: كلامٌ في قوم نوح وفي عبّاد العجل يجعل عبادة المظاهر إصابةً لعين الوجود الواحد من وجه، وكلامٌ في إيمان فرعون، وتقريراتٌ يؤول إليها أن العارف يشهد الحق في كل معبود. وقد اعتذر بعض المعظّمين بدعوى أن هذه المواضع دُسّت على الشيخ دسًّا؛ والتحقيق الذي انتهت إليه دراسة المخطوطات أن جمهور هذه المواضع ثابت في أقدم النسخ المقروءة على تلاميذه، فالاعتذار بالدس لا يستقيم في عامتها، وإنما يبقى الخلاف في تأويلها. فهذا تحريرُ موضع النزاع، وسنعود إلى وزنه.

وحدة الوجود ووحدة الشهود: فرقُ ما بين دعوى وحال

وأنفعُ تفريقٍ يحمله القارئ من هذا المقال كله أنّ قول القائل «لا أشهد في الكون إلا الله» يحتمل معنيين بينهما ما بين السماء والأرض. الأول: أن يغلب على قلب الذاكر سلطانُ الحضور حتى يغيب عن رؤية كل ما سوى مذكوره، كما يغيب المحبُّ الوالهُ عن كل شيء سوى محبوبه، وهو لا يعتقد أن الأشياء عُدمت، لكنه غاب عنها. وهذا حالٌ سماه القوم «الفناء» و«وحدة الشهود»: وحدةٌ في عين الشاهد لا في الموجود. والثاني: أن يعتقد صاحيًا ويقرر كاتبًا أن ليس هناك سوًى أصلًا، وأن وجود الخلق عين وجود الحق. وهذا مذهبٌ في الوجود لا حالٌ في الشهود.

وقد فرّق أئمة التصوف الأول هذا التفريق بأوضح عبارة: فالجنيد (al-Junayd) يحدّ التوحيد بأنه «إفراد القديم عن المحدَث»، فجعل التمييز بين الرب والعبد أولَ التوحيد لا نقيضه. وجاء بعد ابن عربي بقرون الإمامُ السرهندي (Ahmad Sirhindi) المجدد فقال كلمته الفاصلة عن منتهى سلوكه، ومعناها: كنت أقول في غلبة الحال «كلُّ شيءٍ هو»، ثم لما تمّ الترقي علمتُ أن «كل شيءٍ منه»، فليس الكون إياه، بل هو أثرُ صنعه وفيضُ إيجاده. وأما شطحات المغلوبين في سكر الحال فقد مضى في مقال الغزالي من السلسلة الأخرى ضابطُها: تُحكى ولا يُقتدى بها، ويُعذر المغلوب فيها ولا يؤسَّس على شطحه مذهب. والفيصل بيّن: ابن عربي لم يكن مغلوبًا يشطح، بل مصنّفًا يقعّد في صحوه تقعيدًا، فكلامه يوزن وزن المذاهب لا وزن الأحوال.

انقسام الأمة فيه

وقد انقسم علماء الأمة في الرجل ثلاث فرق ما تزال قائمة. فأما الناقدون فأشدهم وأوسعهم اطلاعًا على كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية (Ibn Taymiyya)، الذي قرأ الفتوحات والفصوص قراءة فاحصة، وقال إنه كان ممن يحسن الظن بالرجل لما في كتبه من الكلام الحسن في السلوك، حتى وقف على حقيقة المقالة في الوجود فرأى أن التمييز بين الخالق والمخلوق أصل الدين كله، وأن هذه المقالة تهدمه من أساسه، فشدّد فيها تشديدًا بالغًا؛ مع تفريقه الدائم بين أئمة الصوفية الأُوَل — كالفضيل والجنيد وأمثالهما ممن يثني عليهم — وبين أصحاب هذه المقالة. وتابعه على النقد الذهبي (al-Dhahabi) وجمهرة من فقهاء المذاهب، وأفتى جماعة بمنع تداول الفصوص، ونُقل عن ابن خلدون (Ibn Khaldun) في فتاويه القولُ بإعدام كتب هذا الصنف.

أما المعظّمون فمنهم الفيروزآبادي (al-Firuzabadi) صاحب القاموس، والسيوطي (al-Suyuti) الذي صنّف في تبرئته «تنبئة الغبي»، والشعراني (al-Shaʿrani)، وقاعدتهم: أن للقوم اصطلاحًا لا يفهمه من لم يسلك، وأن عباراته تُحمل على محاملَ توافق الشريعة، وأن حسن الظن بأولياء الله واجب. وأما الفريق الثالث فتوسّط: أحسنَ الظن بحال الرجل وديانته، ومنع مطالعة كتبه إلا على الراسخين، وسلّم أن ظواهر كثيرٍ من كلامه لا يقرّها ميزان الشرع كائنًا ما كان تأويلها. ولسنا في هذه السلسلة قضاةً على القلوب — فالسرائر إلى الله — لكن سلسلتنا سلسلة أقوالٍ في الوجود، والأقوال المدوّنة توزن بميزانها، وسيأتي.

حكيم شيراز: أصالة الوجود

صفحة ختامية من سفينة ملا صدرا الخطية
صفحةٌ ختاميةٌ من «سفينة ملّا صدرا» — مجموعِه الخطّيّ المحفوظ في دار الكتب والوثائق الوطنية بإيران — تنتهي فيها «الرسالة المسمّاة بالزوراء». وليست من «الأسفار الأربعة»: هي رسالةٌ ضمّها إلى سفينته، وقيمتُها في الخطّ لا في المتن. (ويكيميديا كومنز — ملكية عامة)

ثم إن سؤال الجسر الذي ختمنا به المقال الماضي — ما «الوجود» المقول على الواجب والممكن؟ — وجد جوابه الأنضج بعد ابن عربي بأربعة قرون، في بلاد فارس الصفوية، عند صدر الدين الشيرازي (Mulla Sadra) المعروف بملا صدرا (ت نحو ١٠٥٠هـ). جمع الرجل في «الأسفار الأربعة» مناهجَ ثلاثة طالما تدافعت: برهان المشائين، وذوق العرفاء، ونصوص الوحي كما يقرؤها، وسمّى مذهبه «الحكمة المتعالية». وقد لقي في أول أمره من فقهاء عصره إنكارًا أَلجأه إلى العزلة سنين في قرية كهك، ثم عاد فدرّس بشيراز، وما تزال حكمته إلى اليوم عمود الدرس الفلسفي في الحوزات.

وانقلابه المحوري يمسّ صميم سلسلتنا: فالفلاسفة قبله — ومنهم السهروردي (Suhrawardi) شيخ الإشراق — غلب عليهم أن الأصيل في الخارج هو الماهيات، وأن الوجود معنًى انتزاعي يعرض لها في الذهن. فقلب صدرا القضية: بل الوجود هو الحقيقة الأصيلة الوحيدة في الخارج، والماهيات حدودٌ وقوالب ينتزعها الذهن من مراتبه — «أصالة الوجود واعتبارية الماهية». ثم أجاب عن سؤال الجسر بجوابه المشهور: الوجود حقيقة واحدة «مشكِّكة»، أي ذات مراتب تتفاوت شدةً وضعفًا كالنور: نور الشمس ونور السراج نورٌ واحد الحقيقة مختلف الدرجة، فأعلى المراتب الواجب الغني، ودونه مراتب الممكنات الفقيرة، فالكثرة عنده كثرةُ مراتبَ حقيقية، لا مظاهرُ لعينٍ واحدة كما عند غلاة أهل الوحدة — وإن كان في أواخر كلامه ما قرّبه بعض شراحه من مقالة القوم.

وله فتح آخر يستوقف قارئ سلاسلنا العلمية: «الحركة الجوهرية». فالمشاؤون حصروا التغير في أعراض الشيء — كمّه وكيفه وأينه — وقالوا: الجوهر ثابت تحت التقلبات. فبرهن صدرا أن الحركة في الأعراض فرعُ حركةٍ في الجوهر نفسه، وأن العالم الطبيعي بأسره متجددُ الذات في كل آن، سيّالُ الجوهر، لا يثبت حالين، وثباتُه المشهود كثبات شعلةٍ تتجدد وأنت تحسبها واحدة. فتأمل عودة نهر هيراقليطس (Heraclitus) بعد ألفي عام، لكن في ضفتين جديدتين: جريانٌ في جوهر العالم كله، يمسكه ويفيض عليه الوجودَ آنًا بعد آنٍ واجبٌ ثابت لا يجري عليه التغير.

ماذا أضاف هذا الفصل لسؤال الوجود؟

أضاف ثلاثًا. أولاها أنه أخذ فتح ابن سينا — تمييز الوجود عن الماهية — إلى غايته: فلم يعد الوجود لاحقةً تلحق الماهيات، بل صار هو الحقيقة كلها ومحل السؤال كله؛ وبأداة التشكيك أُجيب عن معضلة الاشتراك: كيف يقال «موجود» على الله وعلى الذرة من غير تعطيلٍ للفرق ولا تشبيه. وثانيتها الحركة الجوهرية: أجرأ ما قيل في التغير منذ هيراقليطس وأرسطو، ورؤيةٌ للعالم بوصفه حدوثًا متجددًا لا آلةً أُديرت مرة. وثالثتها — وهي موضع الفحص — نقل مصدر المعرفة بالوجود من البرهان إلى الكشف: فأعظم دعاوى هذا الفصل قامت على مشاهداتٍ ذوقية يخبر بها أصحابها. وهنا يلتقي طرفُ الخيط بطرفه الذي عقدناه عند أفلوطين: إذا كان ذوقُ العارفَين يتعارض — وقد رأينا السرهندي يصف منتهى ما شهده بخلاف ما قرره ابن عربي — فقد سقط الكشف عن أن يكون حَكَمًا، وافتقر هو نفسه إلى حَكَمٍ فوقه.

قراءةٌ على ميزان الوحي

نحرّر أولًا محل الوفاق لئلا نظلم: أن الله واحد لا شريك له في ذاته وأسمائه وأفعاله، متفق عليه؛ وأن الممكن لا يملك من نفسه وجودًا ولا قيامًا، وأنه في كل آنٍ فقيرٌ إلى ممسكه — حقٌّ قررناه في المقال الماضي بآية ﴿أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾، وقرره الوحي بمثل ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]. فليس النزاع في كمال فقر العبد ولا في كمال غنى الرب. النزاع في الزيادة التي زادها القوم: أن وجود الخلق هو عينُ وجود الحق، وأن التمايز اعتبارٌ لا حقيقة.

هذه الزيادة إذا وُزنت بالكتاب لم تثبت؛ فالقرآن من فاتحته إلى خاتمته مبنيٌّ على التمايز الحق بين خالقٍ ومخلوق: خطابٌ ونداء، وأمرٌ ونهي، وإرسالٌ وعبادة، ووعدٌ ولقاء — وكلها تقتضي اثنينيةً حقيقية لا اعتبارية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ فالكاف خطابٌ لمعبودٍ متميزٍ عن عابده، والعبادة أصلًا لا تُتصور إلا بين اثنين. ولو كان الوجود عينًا واحدة لبطلت حقائق التكليف والثواب والعقاب وإرسال الرسل من أصلها — ومن أُرسل إلى من؟ — ولصار غايةُ ما جاء الوحي لإبطاله، من عبادة المظاهر، مصيبًا من وجه، وهذا هدمٌ لمقصود الرسالات لا تتميم له. ولهذا عدّ المحققون هذه المقالة أبعد عن ميزان الوحي من مقالة الفيض التي وزنّاها عند أفلوطين: فتلك أبقت التمايز وأخطأت في كيفية الصدور، وهذه رفعت التمايز نفسه.

يبقى وجه الإنصاف الذي لا تتم القراءة إلا به. فبحثُ صدرا في أصالة الوجود وتشكيكه بحثٌ عقلي مشروع في بابه، يوزن بالبرهان كما وُزنت مباحث ابن سينا، ولا يؤاخذ ببعض لوازم مدرسته. وأما الكشف فميزانُه ما أجمع عليه أهل السنة: ليس بحجةٍ على أحدٍ سوى صاحبه إن سلم من المعارض، والعاصمُ من تعارض المكاشفات هو النص المعصوم. وهنا تكتمل حلقة سلسلتنا على آيتها من جديد: ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ — فحتى اختلافُ أهل الأذواق في أعلى مقاماتهم مردُّه إلى الكتاب، إذ لم يجعل الله لأحدٍ من الخلق، عارفًا كان أو فيلسوفًا، ميزانًا فوق ميزانه.

إلى المقال التالي

في السنوات نفسها التي كان فيها ملا صدرا يكتب أسفاره بين كهك وشيراز، كان على الطرف الآخر من العالم، في شتاء ألمانيا سنة ١٦١٩م، جنديٌّ فرنسيٌّ شابٌّ في الثالثة والعشرين قد حبسه البرد في غرفةٍ تدفئها مدفأة، فقضى يومه وحيدًا يفكر، وباتت ليلته تلك بثلاثة أحلامٍ عدّها بشارةً بأن عليه أن يهدم بناء المعرفة كله ويعيد تشييده من أساسٍ لا يقبل الشك. سيشكّ الرجل في حواسه، وفي الدنيا، وفي جسده، حتى لا يبقى في يده إلا يقينٌ واحد صاغه في ثلاث كلمات لاتينية صارت أشهر جملة في الفلسفة الحديثة. ولقارئ سلاسلنا أن يبتسم: فقد رأينا الغزالي قبله بخمسة قرون يسلك درب الشك المنهجي حتى أخرجه الله منه — والتشابه بين الرجلين مبحثٌ وزنّاه بضابطه في مقال الغزالي من سلسلة معنى الحياة، فلا نعيده. أما هذا الفرنسي فسيبني على يقينه الوحيد عالمًا جديدًا بالكلية: عالمًا مشطورًا شطرين، فكرٌ من هنا وامتدادٌ من هناك، ستشتغل الفلسفة بترميم شطريه ثلاثة قرون. إلى المقال التالي: أنا أفكر فأنا موجود.

سلسلة «كان الناس أمة واحدة» — المقال الثامن
سلسلة «كان الناس أمة واحدة» — في فلسفة الوجود

المقال التاسع: أنا أفكر فأنا موجود

ديكارت والعقلانيون: الشك طريقًا إلى اليقين

بورتريه رينيه ديكارت منسوب لفرانس هالس
رينيه ديكارت في لوحةٍ صغيرةٍ على لوح بلّوط (١٩×١٤ سم)، ١٦٤٩م، المتحف الوطني للفنون بكوبنهاغن. وهي النسخةُ المنسوبة إلى فرانس هالس نفسِه؛ أمّا البورتريه الأشهر المعلَّق في اللوفر فنسخةٌ لاحقةٌ عنها، لا بيدِ هالس. (ويكيميديا كومنز — ملكية عامة)

ليلة الأحلام الثلاثة

جندي فرنسي في الثالثة والعشرين من عمره، في العاشر من نوفمبر سنة ١٦١٩م، وفي بلدة صغيرة على نهر الدانوب قرب أولم، حبس شتاءُ ألمانيا القارس الجيشَ عن الحركة — كانت أوروبا قد دخلت لتوّها حربها التي ستأكل ثلاثين سنة. لم يكن للجندي في يومه أية مشاغل، فأغلق على نفسه غرفةً تدفئها مدفأة خزفية كبيرة، وقضى نهاره كله وحيدًا مع أفكاره. وفي تلك الغرفة، كما كتب هو لاحقًا، خطر له الخاطر الذي سيقلب الفلسفة: أن البنيان الذي تعاقب على تشييده معماريون كثيرون لا يبلغ من الجمال والإحكام ما يبلغه بنيانُ معماريٍّ واحد؛ وأن علوم البشر ورثها خلفٌ عن سلفٍ عن سلف، فجاءت خليطًا لا أساس له، وأن الواجب هدمُها جميعًا وإعادة بنائها من أساسٍ واحد لا يقبل الشك، يضعه عقلٌ واحد.

وفي ليلة ذلك اليوم رأى ثلاثة أحلام عاصفة: ريحٌ دوّارة تعصف به وهو يجرّ قدمه إلى كنيسة، ثم قصفة رعدٍ توقظه ليرى غرفته تمتلئ شررًا، ثم حلمٌ هادئ يجد فيه على مائدته معجمًا وديوان شعر مفتوحًا على سؤال: أيَّ طريقٍ في الحياة أسلك؟ فاستيقظ الفتى موقنًا أن الروح الإلهي — بعبارته — يكلّفه تأسيس علمٍ عجيب يوحّد المعارف كلها، حتى إنه نذر إن تمّ له ذلك أن يحج ماشيًا إلى مزار العذراء في لوريتو بإيطاليا. هذا الجندي اسمه رينيه ديكارت (René Descartes)، وستقف عنده كتب التاريخ بوصفه أبا الفلسفة الحديثة. وتأمل المفارقة التي لا يمحوها الزمن: أبو العقلانية الأوروبية دخل مشروعه من بابين ما كانا في حساب مذهبه: رؤيا منامٍ ونذرِ زيارة.

عصرٌ تهدّمت مراجعه

ولم يكن خاطر الهدم نزوة فتًى، بل صدى عصرٍ كامل فقد مراجعه. فالإصلاح الديني شطر أوروبا شطرين يكفّر كلٌّ منهما صاحبه، والحرب الدائرة حول الجندي الشاب هي ثمرة ذلك الانشطار؛ وكوبرنيكوس (Copernicus) وغاليليو (Galileo) زلزلا كون أرسطو الذي اطمأنت إليه القرون — وقد فصّلنا تلك الزلزلة في مقال «من الملاحظة إلى الثورة العلمية» — حتى إن ديكارت نفسه لما بلغه سنة ١٦٣٣م خبرُ محاكمة غاليليو أمسك عن نشر كتابه في العالم وطواه؛ وكان مونتين (Montaigne) قبل جيلٍ قد أشاع في المتعلمين تشككًا أنيقًا شعاره: وماذا أعلم؟ فإذا كانت الحواس تخدع، والأمم تتناقض، والمراجع تتساقط، فعلى أي أرضٍ يقف اليقين؟ هذا هو السؤال الذي حمله ديكارت من غرفة المدفأة.

الشك بوصفه معولًا

فكان جوابه: لن أرمم البناء المتصدع؛ سأكمل هدمه بيدي حتى أبلغ صخرًا لا يتزعزع. قرر أن يشك مرةً في عمره شكًّا جذريًّا في كل ما يمكن أن يتطرق إليه شك، لا ليقيم في الشك، بل ليرى ما الذي يستعصي عليه. فالحواس؟ قد خدعتني في البعيد والدقيق، ومن خدعك مرة لم يؤمن جانبه. بل هنا ما هو أعمق: كم رأيتُ في المنام أني جالس عند النار في ثيابي، وأنا نائم عريان في فراشي؛ فما الذي يؤمّنني أن يقظتي هذه ليست منامًا آخر؟ ثم دفع الشك إلى غايته بفرضٍ لم يجرؤ عليه أحد قبله: هَبْ أن شيطانًا ماكرًا قديرًا وقف نفسه على خداعي، يريني سماءً وأرضًا وأجسامًا لا وجود لها، ويوهمني حتى في جمع اثنين واثنين. فماذا يبقى؟

ويبقى شيء واحد لا تناله يد الشيطان نفسه: أني أُخدع. فالمخدوع مخدوعٌ ما، والشاكّ شاكٌّ ما؛ فلأشكَّ ما شئت، فإن شكي تفكير، وتفكيري لا يقوم إلا بمفكّرٍ هو أنا. وهكذا صاغ الجملة التي صارت أشهر ما نطقت به الفلسفة الحديثة: أنا أفكر، فأنا موجود. لا يستطيع الشك أن يلتهم صاحبه؛ فكلما اشتد الشك اشتد يقين الشاك بوجود نفسه. هذا هو الصخر الذي طلبه: يقين واحد أول، ينجو من أعتى فروض الخداع.

هنا وقع الانقلاب الذي يعنينا في سلسلة الوجود. فكلُّ من مرّ بنا، من طاليس (Thales) إلى ملا صدرا، بدأ من العالم وسأل: ما الموجود وما أصله؟ وجاء ديكارت فعكس مجرى النهر: بدأ من الذات العارفة وسأل: ما الذي أستطيع أن أعلمه علمًا لا يقبل الشك؟ فأصبح باب الوجود هو المعرفة، وتقدمت مسألةُ «كيف نعلم؟» على مسألة «ما هو الموجود؟» — وهذا التقديم هو العلامة الفارقة للفلسفة الحديثة كلها، وسنشهد في المقال القادم إلى أين يبلغ بها.

إعادة البناء: الله ضامنًا للمعرفة

غير أن اليقين بوجود الذات وحده لا يبني عالمًا؛ فأنا موجود، ثم ماذا عن السماء والأرض وبدني نفسه؟ هنا احتاج ديكارت جسرًا يعبر به من داخل وعيه إلى الخارج، فوجده في الله. قال: أجد في نفسي فكرة الكامل اللامتناهي — العليم القدير الذي لا نقص فيه — وأنا ناقص متناهٍ أشك وأجهل؛ والناقص لا يخترع من عنده فكرة الكمال المطلق، كما لا تصدر عن الظل شمس؛ فلا بد أن غارسها فيّ هو الكامل نفسه: فالله موجود. ثم بنى على وجوده الخطوة الحاسمة: الكامل لا يكذب ولا يخدع، إذ الخداع نقص؛ فإذا كان الله صادقًا لم يخلقني بحيث أُضلَّل في كل ما يتجلى لعقلي واضحًا متميزًا؛ فالعالم الخارجي الذي تشهد به بداهة عقلي موجودٌ إذن، والشيطان الماكر مصروف. وهكذا استُعيد العالم كله، لكن بترتيبٍ لم يعرفه تاريخ الفكر: الذات أولًا، ثم الله، ثم العالم.

واعترض معاصروه فورًا بالدور الشهير: أنت تثبت الله بوضوح أفكارك، ثم تصحح وضوح أفكارك بصدق الله، فأيهما أثبتَّ بالآخر؟ وأجاب بما أجاب، وما زال «الدور الديكارتي» بابًا مطروقًا في الدرس الفلسفي. وما يعنينا هنا موقع الله من البناء: فهو عند ديكارت خالقٌ مريد صادق — أدنى إلى إله الدين من محرك أرسطو وواحد أفلوطين — لكنه دخل المنظومة من باب الوظيفة: ضامنًا لصحة المعرفة ومسمارًا في بنائها. وسنزن هذا الموضع بميزانه، فهو من أخطر مواضع المقال.

العالم المشطور: فكرٌ وامتداد

رسم من كتاب ديكارت «في الإنسان» يبين مسالك الإبصار والغدة الصنوبرية
الشكلُ ٣٣ من كتاب ديكارت «في الإنسان» (L'Homme)، طبعة باريس ١٦٦٤م (المكتبة الوطنية الفرنسية): مسالكُ الإبصار تنطلق من السهم إلى العينين، ثم إلى الغدة الصنوبرية المرموز إليها بالحرف H، ومنها إلى اليد المشيرة. والرسمُ ليس بيد ديكارت: وضعه محرِّرا الكتاب لويس دُلافورج وجيرار فان غوتسهوفن عن مسوّداته، ونُشر بعد موته بأربعة عشر عامًا. (ويكيميديا كومنز — ملكية عامة)

ثم قسم ديكارت الوجود المخلوق كله قسمين لا ثالث لهما: جوهرٌ ماهيته التفكير ولا امتداد له ولا مكان — وهو النفس؛ وجوهرٌ ماهيته الامتداد في الطول والعرض والعمق ولا فكر فيه — وهو المادة. وبهذه القسمة أصبح الجسد آلة: فبدن الإنسان عنده مضخات وأنابيب وحبال، دورانُ دمه — وقد احتفى بكشف هارفي (William Harvey) احتفاءً — حركةٌ آلية كحركة الساعات، والحيوانات كلها عنده آلاتٌ محضة لا نفس لها ولا شعور، إنما تصرخ كما يصرّ المفصل الصدئ. وأما في الإنسان فيلتقي الجوهران، وعيّن لالتقائهما موضعًا شغل الأطباء بعده: الغدة الصنوبرية، لأنها فردة في وسط الدماغ لا زوج لها.

وتركت هذه القسمة إرثين ما زلنا ننتفع بهما. أولهما هدية للعلم لا تقدر: فإذا كانت المادة امتدادًا محضًا، فهي هندسة مجسمة، وقد وضع ديكارت بيده الأداة التي تحوّل الهندسة أعدادًا: إحداثياته التي تحمل اسمه إلى اليوم، والتي يقوم عليها كل منحنًى ورسمٍ حيوي على كل شاشة مراقبة في كل مستشفى؛ فالطبيعة المؤلَّلة المهندَسة هي التي فتحت الباب لفيزياء رياضية شاملة. وثانيهما معضلة مفتوحة: فكيف يحرّك اللاممتدُّ الممتدَّ؟ كيف تهزّ إرادةٌ بلا مكان عضلةً ذات مكان، وكيف يصير اهتزاز عصبٍ ألمًا مشهودًا؟ هذه «مشكلة العقل والجسد» وُلدت في هذا الفصل من قصتنا، وما تزال — باسم «المعضلة الصعبة» للوعي — قائمةً في أدبيات علم الأعصاب إلى صباح هذا اليوم.

سبينوزا ولايبنتز: القصر يكتمل ويتصدع

ورث المنهجَ بعده رجلان أتمّا به قصرَ العقلانية. أولهما باروخ سبينوزا (Baruch Spinoza)، صاقل العدسات في أمستردام، الذي قرأ في ثنائية ديكارت عيبًا: جوهران متباينان بإطلاق لا يمكن أن يتلاقيا أصلًا. فقطع بأن الجوهر — بحده الديكارتي نفسه: ما يقوم بذاته ولا يفتقر لغيره — لا يكون إلا واحدًا لا نهائيًّا، وسمّاه: الله أو الطبيعة؛ وما الفكر والامتداد إلا صفتان لذلك الجوهر الواحد نعرفهما من صفاتٍ لا تُحصى، وما الأشخاص والأشياء إلا أحوالٌ وأنماطٌ فيه، تجري كلُّها بضرورةٍ هندسية لا حرية فيها ولا غاية — حتى صنّف كتابه «الأخلاق» على طريقة إقليدس (Euclid): تعريفات وبديهيات وقضايا تُبرهن. وقد أطبقت عليه قومُه: ففي سنة ١٦٥٦م تُلي عليه في كنيس أمستردام صكُّ حرمٍ من أشد ما حفظته السجلات، وعاش بعده وحيدًا عفيفًا يصقل الزجاج ويكتب، حتى قيل إن غبار العدسات شارك في قصر عمره.

وهنا يلزم ضبطٌ يخطر سؤاله لقارئ مقالنا الثامن: أليس هذا مذهبَ وحدة الوجود قد عاد بلسانٍ لاتيني؟ التشابه في هيكل الدعوى — جوهر واحد والكثرة أحوال — قائم، حتى إن لفظ «وحدة الوجود» الإفرنجي إنما سُكّ أصلًا في الجدل حول سبينوزا. لكن الفرق الجوهري لا يجوز طمسه بضابط المضاهاة المعهود: واحدُ ابن عربي حقٌّ ذو أسماء وتجلياتٍ يتوجه إليه أصحابه بالمحبة والعبادة، وجوهرُ سبينوزا طبيعةٌ لا تسمع ولا تحب ولا تريد ولا تُعبد، وضرورته أقرب إلى ضرورة ديمقريطس (Democritus) منها إلى قيومية القيوم؛ فهذه وحدةٌ سلبت العالمَ إلهَه الشخصي، وتلك — على ما فيها — أرادت أن ترى الإله في كل شيء. مقالتان تشتبهان في الصورة وتفترقان في الروح كلَّ الافتراق.

ثانيهما غوتفريد لايبنتز (Gottfried Leibniz)، الألماني الذي شارك نيوتن (Isaac Newton) اكتشاف حساب التفاضل والتكامل، وردّ على سبينوزا بعالمٍ من جواهرَ لا تُحصى سماها «المونادات»: ذراتٌ روحية لا امتداد لها، لا تتفاعل فيما بينها، وإنما نظّم الله بينها منذ الأزل «انسجامًا مقررًا سلفًا» كساعاتٍ ضُبطت معًا فتوافقت دقاتها بلا تراسل. وهو صاحب القولة التي سخر منها فولتير (Voltaire) طويلًا: إن عالمنا خير العوالم الممكنة، إذ اختاره الحكيم من بين ما لا يتناهى من الممكنات. لكن ألزم ما قاله لايبنتز لسلسلتنا سؤاله الذي جعله أول أسئلة العقل: لماذا كان ثمة شيءٌ بدلًا من لا شيء؟ فإن الأشياء الممكنة لا تحمل في نفسها سبب وجودها — وقد عرفتَ هذا المعنى في مقال واجب الوجود — فلا بد من كافٍ في التعليل خارج سلسلة الممكنات. هو برهان ابن سينا يتكلم فرنسيةً ولاتينية، وسؤاله باقٍ إلى اليوم عنوانَ أعمق أسئلة الوجود.

إذًا ماذا صنع العقلانيون؟

غيّروا ثلاثة أمور، فلم تعد الفلسفة بعدها كما كانت. أولها الانعطاف إلى الذات: صار الوعي العارف نقطة الصفر التي يُبنى منها كل شيء، ودخلت الفلسفة بيت المعرفة قبل بيت الوجود. وثانيها تأليل الطبيعة ورياضتها: مادةٌ ممتدة صماء تجري بقوانين رياضية — وهي الصورة التي قام عليها صرح العلم الحديث بكل منجزاته، ومعها سؤالها الملحّ: إذا كان العالم آلة، فأين موضع الإنسان الحر والمعنى والقيمة في آلة؟ وثالثها انزلاق موقع الإله: فقد بقي سبحانه في قلب مذاهبهم جميعًا — ضامنًا عند ديكارت، وجوهرًا كليًّا عند سبينوزا، ومهندسَ انسجامٍ عند لايبنتز — لكنه صار في أيدي مذاهبهم حجرَ بناءٍ تحتاجه المنظومة، لا ربًّا تحتاجه القلوب. ومن هذا الباب دخلت على أوروبا «الربوبية» الباردة: إلهُ ساعاتيٍّ أدار الآلة وانصرف؛ حتى جاء اليوم الذي سُئل فيه عالم الفلك لابلاس (Laplace) — فيما يُروى ولم يثبت لفظه — عن موضع الله من نظامه الفلكي فقيل إنه أجاب: لم أحتج إلى تلك الفرضية. من ضامنٍ للمعرفة إلى فرضيةٍ مستغنًى عنها: هذا منحدرٌ يجب أن يُرى أوله.

قراءةٌ على ميزان الوحي

أما الكوجيتو (أنا أفكر إذًا أنا موجود) نفسه فحقٌّ لا ينازع فيه عاقل، غير أن ميزاننا يسأل: أوَكان يحتاج إلى برهان؟ إن شعور الحي بنفسه علمٌ ضروري فطري يستوي فيه الفيلسوف والراعي، وقد نبّه ديكارت نفسه في ردوده على معترضيه إلى أن قضيته ليست قياسًا يُستدل به، بل شهودًا مباشرًا للنفس. والقرآن لم يخاطب الناس قط بإثبات وجودهم، بل جعل النفس آيةً يُعبر منها لا معضلةً يوقف عندها: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]. وقد قررنا في «نهاية الإلحاد» أن من يطالبك ببرهان على المشهود الحاضر قد كُفيتَ مؤونته؛ فالكوجيتو عندنا بابٌ صحيح، لكنه بابٌ كان مفتوحًا.

أما منهج الشك فينبغي أن يفرّق بين الشك قنطرةً والشك مقامًا: فالأول مشروع محمود إذا عبر بصاحبه إلى اليقين — وقد سأل الخليل ربه أن يريه إحياء الموتى وهو مؤمن: ﴿وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] — والثاني مرضٌ عالجه الغزالي قبل ديكارت بخمسة قرون كما وزنّاه في موضعه من سلسلة معنى الحياة فلا نعيده. غير أن في ترتيب ديكارت قلبًا يستوقفنا: جعل معرفة النفس أول اليقين ومعرفةَ الله نتيجةً تُستخرج منها استخراجًا، والفطرةُ التي افتتحنا بها السلسلة — كل مولود يولد عليها حنيفًا — على الضد: معرفةُ الرب فيها أولُ المعارف وأرسخها، لا آخر سلسلة البرهان؛ ولذلك جاء استفهام الوحي منكرًا على من جعل الله موضعَ شك: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] — فكأن الشك في الفاطر أعجبُ عند الفطرة من الشك في النفس ذاتها.

أما موقع الإله «الوظيفي» في هذه المذاهب فقد وزنّاه مرتين — في محرك أرسطو وواحد أفلوطين — وها هو يعود للمرة الثالثة في أرقى صوره: خالق مريد صادق، لكنه يُستدعى ليضمن المعرفة ثم يُترك. وشهد على هذا الموضع شاهدٌ من أهله لا يُتهم في عقله: بليز باسكال (Blaise Pascal)، معاصر ديكارت وأحد عباقرة الرياضيات في كل عصر، عاش ليلةً غيّرته في نوفمبر ١٦٥٤م، فكتب أثرها في رقعةٍ ظل يخيطها في بطانة معطفه حيثما انتقل، فما عُرفت إلا بعد موته حين وجدها خادمه. في أعلاها كلمة واحدة: نار. وفيها: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، لا إله الفلاسفة والعلماء. لم يكن باسكال يطعن في البرهان وهو من فرسانه؛ كان يشهد أن إلهًا يُستنتج استنتاجًا غيرُ إلهٍ يُعبد ويُدعى ويُبكى بين يديه، وأن الفطرة لا يشبعها ضامنُ معرفةٍ ولا مهندسُ انسجام. وهي شهادةُ عدلٍ من داخل الحضارة نفسها على القضية التي تنسجها سلسلتنا من أولها.

ويبقى شطر الإنسان: فثنائية ديكارت أثبتت للإنسان ما تنكره المادية من أن فيه ما ليس بمادة، وأخطأت في جعل البدن آلة صماء والحيوانِ جمادًا يصرّ. والوحي أثبت الروح والبدن جميعًا، وأمسك عن كيفية التعلق إمساكَ من يعلم حدود عقول عباده: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. وبعد أربعة قرون من الغدة الصنوبرية، ما تزال كيفية اتصال الوعي بالدماغ «المعضلة الصعبة» في مؤتمرات علم الأعصاب؛ فما أجدر طالبَ العلم بأدب هذه الآية: يبحث ما وُسّع له، ويقف حيث لم يُؤتَ إلا قليلًا.

إلى المقال التالي

بنى العقلانيون قصورهم من البرهان الخالص: جوهرٌ واحد هنا، ومونادات لا تُحصى هناك، وكلٌّ يقيم الدليل تلو الدليل. غير أن قومًا في الجزيرة البريطانية يرمقون هذه القصور بعين الريبة ويسألون: ومن أين للعقل هذه المواد كلها؟ قال جون لوك (John Locke): العقل يولد صفحةً بيضاء، وما فيه شيء إلا وقد دخل من باب الحس والتجربة. ثم جاء الاسكتلندي ديفيد هيوم فدفع المعول إلى الجذر: فتّش في التجربة عن «السببية» التي يبني عليها العقلاء والعلماء كلَّ شيء، فلم يجد في الحس إلا تعاقبًا واقترانًا، وأما «الضرورة» فلم تقع عليها عينٌ قط — وستذكر هنا كلام الغزالي في الاقتران الذي وزنّاه في مقال التهافت بفارقه الجوهري. وانتهت شكوك هيوم إلى مدينةٍ بروسيةٍ صغيرة على البلطيق، فوقعت في يد أستاذٍ جامعيٍّ دقيقِ المواعيد حتى قيل إن أهل كونيغسبرغ يضبطون ساعاتهم على مشيته اليومية، فكتب بعدُ أن هيوم أيقظه من سباته الدوغمائي. وحين استيقظ ذلك الرجل شديد الرتابة، أحدث في الفلسفة ما سماه هو نفسه ثورةً كوبرنيكية: فبدل أن تدور المعرفة حول الأشياء، جعل الأشياء — كما تظهر لنا — تدور حول قوالب عقولنا، وقضى أن «الشيء في ذاته» وراء ستارٍ لا يُرفع. إلى المقال التالي: حدود العقل والمطلق.

سلسلة «كان الناس أمة واحدة» — المقال التاسع
سلسلة «كان الناس أمة واحدة» — في فلسفة الوجود

المقال العاشر: حدود العقل والمطلق

كانط وهيغل والمثالية الألمانية

لوحة تصور كانط على مائدة الغداء مع أصحابه
كانط على مائدة الغداء مع أصحابه — وهي ساعتُه الوحيدة للمرح والحديث الطلق — في لوحة إميل دورستلنغ، ١٨٩٢–١٨٩٣م. مشهدٌ متخيَّل: رسمها دورستلنغ بعد وفاة كانط بنحو تسعين سنة، لا عن مشاهدةٍ ولا عن رسمٍ من حياته، وأسماءُ الجالسين حوله ترتيبٌ من الرسّام. (ويكيميديا كومنز — ملكية عامة)

الرجل الذي تُضبط عليه الساعات

في كونيغسبرغ البروسية على بحر البلطيق، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، كان لأهل المدينة موعدٌ لا يخطئ: أستاذٌ جامعي ضئيل الجسم، لا يجاوز طوله المتر ونصف المتر إلا قليلًا، يخرج من بيته كل يوم في الساعة نفسها بدقيقتها، يمشي في الطريق نفسه ذهابًا وإيابًا ثماني مرات، فكان الجيران — كما كتب الشاعر هاينه (Heinrich Heine) بعد جيل — يضبطون ساعاتهم على مروره. لم يتزوج قط، ولم يبتعد عن مدينته طوال عمره الثمانيني إلا أميالًا، ونظّم يومه تنظيم آلة: القيام في الخامسة إلا خمسًا، والدرس، والكتابة، والغداء الطويل مع أصحابه — وهو موضعه الوحيد للمرح والحديث الطلق — ثم النزهة، ثم القراءة حتى العاشرة.

وهذا الرجل شديد الرتابة الذي لم يرَ من الدنيا غير مدينته أحدث في الفكر ما لم تحدثه جيوش عصره التي رأت الدنيا كلها؛ حتى إنه سمّى صنيعه بيده «ثورة كوبرنيكية»، وصدّقته الفلسفة على التسمية. اسمه إيمانويل كانط (Immanuel Kant)، وقصته قصة رجلٍ رسم للعقل البشري حدودَه على الخريطة، كما يرسم المسّاح حدود أرضٍ ظُنّت بلا نهاية.

الصوت الذي أيقظه

نشأ كانط في بيئةٍ عقلانيةٍ وريثةٍ لديكارت ولايبنتز، كانت تبرهن في قاعات الدرس على الله والنفس والعالم برهنةَ المهندسين، واطمأن إليها عقودًا. ثم وقع في يده هيوم، الذي فارقناه في جسر المقال الماضي وهو يفتش في التجربة عن رباط السببية فلا يجد إلا اقترانًا وتعاقبًا: رأينا النار ثم الاحتراق، وما رأت عينٌ قط «الضرورة» الرابطة بينهما؛ فما السببية إلا عادةٌ نفسية ولّدها التكرار. كتب كانط كلمته المشهورة: إن تنبيه هيوم هو الذي قطع عليّ، منذ سنين، سباتي الدوغمائي.

أدرك كانط أن المسألة أخطر من جدل مدرستين. فإن صحّ قول هيوم انهدم العلم من أساسه: فهذا صرح نيوتن قائم كله على قوانين سببية كلية ضرورية، فإن لم تكن السببية إلا عادةً نفسية فلا كلية ولا ضرورة، والفيزياء ظنٌّ مرتَّب. وإن رجعنا إلى العقلانية القديمة رجعنا إلى قصورٍ من برهانٍ لا تسندها تجربة، يبني أحدُهم جوهرًا واحدًا ويبني الآخر مونادات، ولا حَكَم. فالمطلوب طريقٌ ثالثة تنقذ يقين العلم من معول هيوم دون العودة إلى سبات الدوغمائيين. وأمضى كانط أحد عشر عامًا في البحث عنها، ثم أخرج سنة ١٧٨١م كتابه «نقد العقل الخالص»، الذي يُعدّ بإطباقٍ أثقلَ كتب الفلسفة الحديثة وزنًا وأصعبَها مراسًا.

الثورة الكوبرنيكية: العالم يدور حول العقل

صفحة عنوان الطبعة الأولى من نقد العقل الخالص سنة ١٧٨١
صفحةُ عنوان الطبعة الأولى من «نقد العقل الخالص» لـإمانويل كانط، ريغا ١٧٨١م، عند الناشر يوهان فريدريش هارتكنوخ، وفيها رسمُ اسم الكتاب بالإملاء القديم Critik. ولا يُعرف من أيّ نسخةٍ صُوِّرت: ملفُّ المصدر لا يذكر المكتبةَ الحافظة. (ويكيميديا كومنز — ملكية عامة)

وخلاصة قول كانط: افترض الجميع أن معرفتنا يجب أن تتطابق مع الأشياء، فتعثرت المحاولات كلها؛ فلنجرب العكس، كما جرّب كوبرنيكوس لما أعيته حركات الأفلاك حول الأرض أن يدير الراصد نفسه: فلنفترض أن الأشياء — كما تظهر لنا — هي التي تتطابق مع بنية معرفتنا. ليس العقل مرآةً سلبية تستقبل العالم، بل مصنعٌ نشيط يصوغ كل ما يرده في قوالبه هو. فالزمان والمكان ليسا شيئين في الخارج نلتقطهما، بل صورتا الحسّ فينا: نظارتان لا نستطيع خلعهما، كل ما نراه نراه من خلالهما. والسببية والجوهر وسائر «المقولات» ليست في الأشياء نلاحظها، بل قوالبُ الفهم فينا، لا يدخل العقلَ شيءٌ إلا مصبوبًا فيها.

وبهذا التصور حقق كانط غرضين. أنقذ العلم من هيوم: فالسببية كليةٌ ضرورية حقًّا، لا لأننا رصدناها في الأشياء، بل لأن عقلنا لا يستطيع أن يجرّب العالم إلا بها؛ فكل ما سيظهر لنا أبدًا سيظهر مسبَّبًا، ويقينُ نيوتن في مأمن. غير أن الثمن كان فادحًا: هذا اليقين كله لا يجاوز عالم «الظواهر» — الأشياء كما تظهر لقوالبنا — وأما الأشياء في ذاتها، عارية عن نظاراتنا، فوراء ستارٍ لا يُرفع أبدًا. نحن نعرف العالم الذي يصنعه جهازنا المعرفي من مادةٍ لا نراها قط على حقيقتها.

قد وعدنا في مقالي هيراقليطس وأفلاطون بأن كهف أفلاطون سيطل علينا عند كانط، وها هو ذا — لكن مقلوبًا على نحوٍ مهيب. عند أفلاطون: الظلال على الجدار دون الحقيقة، لكن في الكهف بابًا، ويستطيع السجين الصاعد أن يخرج إلى الشمس. وعند كانط: الظلال باقية والباب مسدود إلى الأبد؛ لأن الكهف ليس جدرانًا من صخر، الكهفُ هو أعيننا نفسها.

هدم الأدلة وفتح باب آخر

ثم استلّ كانط النتيجة التي زلزلت القارة: إذا كانت قوالب العقل لا تعمل إلا على مادة الحس، فكل استعمالٍ لها فيما وراء التجربة — الله، النفس، الكون في جملته — تشغيلٌ للمصنع بلا مادة، لا ينتج إلا أوهامًا منتظمة. وبرهن على ذلك ببليّة العقل التي سماها «النقائض»: خذ مسألة قدم العالم وحدوثه — وهي بعينها معركة الغزالي والفلاسفة التي شهدناها في المقال السابع — فإن العقل النظري يقيم على الحدوث برهانًا ظاهر الإحكام، ويقيم على القدم برهانًا مثله، والبرهانان لا يجتمعان؛ فما هذا شأنه فقد جاوز اختصاصه. ثم تناول أدلة وجود الله الثلاثة المتداولة في مدارس عصره فنقضها واحدًا واحدًا، وأشهر نقوضه قولته في الدليل الأنطولوجي: الوجود ليس صفةً تُضاف إلى مفهوم الشيء فتكمله؛ فمئة درهمٍ متصوَّرة في ذهني لا يزيد مفهومُها درهمًا واحدًا إذا وُجدت في جيبي — إنما يتغير حالي أنا.

فهل كان كانط هادمًا للإيمان؟ كتب هو نفسه في مقدمة الطبعة الثانية عبارته الفاصلة: كان لا بد أن أرفع دعوى العلم لأفسح المكان للإيمان. فالذي هدمه أن يكون الله موضوعَ برهانٍ نظري كمسائل الهندسة، لا أن يكون حقًّا يُعتقد. ثم أعاد القضايا الثلاث الكبرى — الله والحرية وخلود النفس — من باب آخر سماه العقل العملي: فالقانون الأخلاقي الذي أجده في صميمي، الأمرُ القاطع بالواجب الذي لا يساوم، يقتضي لكي يكون له معنًى أن أكون حرًّا، ويقتضي عدلًا يوفّي الفضيلةَ سعادتَها وراء هذه الدنيا، فيقتضي خلودًا وإلهًا ديّانًا. ولخّص الشيخُ فلسفته كلها في خاتمة نقده الثاني بعبارةٍ نُقشت بعد موته على قبره: شيئان يملآن النفس إعجابًا ورهبةً يتجددان كلما أطال الفكرُ فيهما النظر: السماءُ المرصعة بالنجوم فوقي، والقانون الأخلاقي في داخلي.

هيغل: المطلق يتكشف في التاريخ

بورتريه هيغل بريشة ياكوب شليزنغر
غيورغ فلهلم فريدريش هيغل في بورتريه ياكوب شليزنغر، ١٨٣١م (المعرض الوطني القديم، برلين). رُسم عن مشاهدةٍ في السنة التي مات فيها هيغل، وهو من قلائل صوره الموثَّقة — بخلاف ما يُتداول من رسومٍ متأخّرةٍ منقولةٍ عنه. (ويكيميديا كومنز — ملكية عامة)

غير أن الجيل التالي لم يحتمل ذلك «الشيء في ذاته» القابع وراء الستار: فما هذا المجهول الذي تقرر أنه لا يُعرف ثم وُصف بأنه «يؤثّر» في حواسنا — أوَليست السببية قالبًا لا يجاوز الظواهر بنص مذهبك؟ ومن هذا الشق في جدار كانط خرجت المثالية الألمانية: أسقط جوتليب فِشته (Johann Gottlieb Fichte) الشيءَ في ذاته وجعل الأنا يضع العالم وضعًا، ووحّد شيلينغ (Schelling) الطبيعة والروح في هوية واحدة، ثم جاء من ضمّ ذلك كله في أضخم مذهب شيدته الفلسفة الحديثة: جورج فيلهلم فريدريش هيغل (Hegel)، أستاذ برلين الذي ازدحمت قاعته حتى صار مذهبه شبه فلسفةٍ رسمية لبروسيا.

وقلب هيغل حزن كانط فرحًا: تقولون إن العقل لا يبلغ المطلق؟ بل العقل هو المطلق. ليس الوجود مادةً صماء ولا شيئًا في ذاته محجوبًا؛ الوجود «روح» — عقلٌ كلي — لكن لا كجوهرٍ ساكن مكتمل، بل كسيرورةٍ تتكشف وتصير: الفكرة تضع نفسها، فتجد في نفسها نقصها ونقيضها، فترتفع عن التعارض إلى مركّبٍ أغنى يحفظ الطرفين ويجاوزهما، ثم يبدأ المركّب دورته من جديد، درجةً فوق درجة — وهذا هو «الجدل» الذي اقترن باسمه. ولننصف التاريخ في هامشٍ صغير: فصيغة «أطروحة ونقيضة وتركيب» المدرسية التي تُلقَّن باسمه أكثرُ ما شاعت من عرض الشراح، وهيغل نفسه قلّما استعملها بلفظها.

فإذا كان الوجود صيرورةَ عقلٍ، فالتاريخ ليس ركامَ حوادث، بل مسيرةُ الروح إلى وعي حريتها: كل حضارة درجة، وكل صراعٍ مخاضُ درجةٍ أعلى، والحقيقيُّ عقلاني والعقلانيُّ حقيقي. ولقارئ السلسلة أن يبتسم هنا: فهذا نهر هيراقليطس يعود للمرة الثالثة — بعد عودته في حركة صدرا الجوهرية — وقد صار نهرًا يعرف إلى أين يجري؛ وقد أقرّ هيغل بالدَّين القديم فكتب في منطقه ما معناه أنه ليست لهيراقليطس قضيةٌ إلا وقد أخذها في منطقه. غير أن أثقل ما في المذهب لازمُه في الإلهيات: فالمطلق عند هيغل لا يكتمل وعيُه إلا عبر التاريخ وفي أذهان البشر؛ فكأن الإله يصير ويستكمل ذاته بخلقه — وهذا مفترقٌ سنقف عنده في الميزان طويلًا. وأما حكمته في تواضع الفلسفة فخالدة: بومة منيرفا لا تطير إلا عند الغسق؛ الفهم يجيء بعد وقوع الأمر، والفلسفة تفسر العالم بعد أن يكون قد صار.

انفجار الميراث

مات هيغل بوباء الكوليرا سنة ١٨٣١م في أوج مجده، فانشقّ ورثته من فورهم شقين. يمينٌ رأى في مذهبه تعقيلًا للدين والدولة القائمة، ويسارٌ استلّ منه معولًا: قال فويرباخ (Ludwig Feuerbach) إن «الروح المطلق» قناعٌ، وإن الله فكرةٌ صنعها الإنسان من كمالاته المتمنّاة وأسقطها على السماء — فليس الله خالق الإنسان بل الإنسان خالق فكرة الله. ثم جاء تلميذ اليسار الأشهر كارل ماركس (Karl Marx) فقال: منهج هيغل يقف على رأسه ويجب إيقافه على قدميه؛ فأخذ الجدلَ وطرح الروحَ، وجعل محرك التاريخ صراعَ الطبقات على المادة والإنتاج، والدينَ في منظومته مسكّنًا يخدّر المظلومين. وهكذا خرج من معطف أستاذِ برلين المحافظِ أضخمُ مذهبٍ إلحادي حرّك القرن العشرين. وخرج من المعطف نفسه ضدُّه التام: شابٌّ دنماركي غاضب سنلقاه بعد قليل، رأى في «النظام» الشامل محوًا للفرد الحي، فأشعل باسم الفرد ما سيُدعى الوجودية. فأعجِب لمذهبٍ واحد كان أبًا للماركسية وللوجودية معًا: للحتمية الجماعية ولثورة الفرد عليها.

فماذا تغيّر في سؤال الوجود؟

أنجز هذا الفصل ثلاثة أمور. أولها خريطة كانط: لأول مرة لا يُسأل «ما الموجود؟» ولا «كيف نعلم؟» فحسب، بل «ما الذي يستطيع العقل أن يعلمه أصلًا، وأين تقف قدرته؟» — وقد بقيت خريطته، على كل ما نُقض منها، أعظم درسٍ في تواضع العقل النظري كتبه فيلسوف. وثانيها أن حدّه سيفٌ ذو حدين: فقد أراد أن يحمي الإيمان من تطاول البرهان، فأورث فصلًا صارمًا بين مملكة العلم ومملكة الدين صار طابعَ الحداثة الغربية: علمٌ بلا إله في معادلاته، وإيمانٌ محبوس في الوجدان لا يقول شيئًا عن العالم. وثالثها مغامرة هيغل: أعاد الميتافيزيقا بعد إعدام كانط لها، لكن بصورةٍ جعلت المطلق نفسه سيرورةً تاريخية، ففتح البابَ لتقديس التاريخ والدولة والحتميات — وسيدفع القرن العشرون فاتورة هذا التقديس دمًا.

قراءةٌ على ميزان الوحي

أما مشروع كانط في تحديد العقل فإن أصله حقٌّ سبق الوحيُ إلى تقريره: فالعقل النظري لا يستقل بإدراك الغيب ولا بالإحاطة بالحق سبحانه: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]. ونقائضه شاهدٌ صادق على أن البراهين النظرية المجردة في هذه المضايق تتكافأ وتتساقط — وقد رأينا عقولًا جبارة تتقارع في قدم العالم وحدوثه قرونًا. لكن هنا يفترق الطريقان افتراقًا هو لبُّ سلسلتنا: كانط لما بلغ بالعقل حدودَه أوقف الإنسان على السور وقال: ليس وراءه خبر يُبلَغ، فسدّ البابين معًا: باب الاستقلال وباب الخبر. والوحي سدّ باب الاستقلال وفتح باب الخبر الصادق: فما عجز العقل عن بلوغه بنظره جاءه نبؤه من فوق. وهذا هو الموضع الذي تتنزل فيه آية سلسلتنا تنزّلًا كأنها جوابٌ معدٌّ لخريطة كانط الناقصة: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾؛ فلما شهد أدقُّ فلاسفة العقل على العقل بالحدود، ظهرت حكمةُ البريد الإلهي الذي لم يجعل له كانط في خريطته مكانًا: النبوة ليست منافسةً للعقل في مضماره، بل خبرٌ صادق يأتيه مما وراء سوره.

أما القانون الأخلاقي الذي أرجع به كانط ربَّه من باب الضمير بعد أن أغلق عليه باب النظر، فأي شاهدٍ للفطرة أنطقُ من هذا؟ طُرد الإيمان من النافذة النظرية فعاد من باب الواجب الذي «يملأ النفس إعجابًا ورهبة» — وهو الصدى الذي قرأناه في كتاب الله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧–٨]، وفي حديث «حنفاء» الذي عقدنا عليه السلسلة. ونزيد بضابط المضاهاة قيدَه: كانط جعل الأخلاق مستقلةً بذاتها والإلهَ مصادرةً لأجلها، والوحي جعل الفجور والتقوى إلهامَ فاطرٍ يُعرف قبل أن يُبرهَن؛ فالشاهد مشترك، والترتيب مفترق. وأما نقده للأدلة فيوزن بما وزنّا به من قبل: قد يصيب في قياسٍ مدرسي — وفي نقضه للدليل الأنطولوجي وجاهةٌ أقرّها كثيرون — لكن دليل القرآن ليس قياسًا من هذا الجنس حتى تناله النقائض؛ إنه شهادة الحس والفطرة على الافتقار المشهود: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وقد قررنا في «نهاية الإلحاد» أن الدليل الحسي الحاضر لا تطاله معاول النظر.

أما مطلق هيغل الذي يصير ويستكمل وعيَه بخلقه، فميزانه أن الكمال الإلهي أزليٌّ تام لا يقبل الاستكمال؛ فالذي يكمل بغيره ناقصٌ قبله محتاجٌ إليه، والرب سبحانه ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾: الكامل الغني الذي يصمد إليه كل شيء ولا يصمد إلى شيء، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١]. ثم إن جعل التاريخ جسدَ المطلق ومسيرتَه أورث ما حذّرناه: متى صار التاريخ معصومًا صارت دولتُه أو طبقتُه أو عرقُه فوق الميزان، وقد ذاق القرن العشرون من حتميات ورثة هيغل — يمينِهم ويسارِهم — ما تشهد به المقابر الجماعية. وأما الجدل أداةً لقراءة تدافع الأفكار والدول فلا حرج في الانتفاع به ما بقي أداةَ فهمٍ تحت الميزان، ولم يُرفع قانونًا كونيًّا معصومًا؛ والقرآن أثبت سنة التدافع بغير حتمية: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] — مداولةٌ بحكمة فاعلٍ مختار، لا طاحونةُ ضرورةٍ تطحن في طريقها العباد.

إلى المقال التالي

بينما كانت قاعة برلين تكتظ بسامعي «النظام»، عاش في كوبنهاغن شابٌّ أحدبُ الظهر حادُّ القلم يرمق الصرح الهيغلي بسخرية موجعة، وخلاصة ما كتب في يومياته: إن المفكر الذي يشيّد قصرًا هائلًا من الأفكار ثم يسكن هو في كوخٍ ملاصقٍ له، مثله مثل من لا يعيش فيما يفكر — وأي نظامٍ للوجود هذا الذي يفسّر كل شيء إلا وجودي أنا: قلقي، واختياري، وموتي الذي سأموته وحدي؟ سيقلب هذا الدنماركي السؤال من «ما الوجود؟» إلى «كيف أوجَد أنا وجودًا حقًّا؟»، وسيمرّ مشعله — بعد جيلين وحربٍ عالمية — إلى ألمانيٍّ في غابة سوداء يعيد طرح سؤال الوجود المنسي بلفظه الصريح، وإلى فرنسيٍّ في مقاهي باريس يعلن أن وجود الإنسان سابقٌ على ماهيته وأنه محكوم عليه بالحرية. إلى المقال التالي: سؤال الوجود من جديد.

سلسلة «كان الناس أمة واحدة» — المقال العاشر
سلسلة «كان الناس أمة واحدة» — في فلسفة الوجود

المقال الحادي عشر: سؤال الوجود من جديد

الوجودية: كيركغور وهايدغر وسارتر

رسم بالقلم لسورين كيركغور
سورين كيركغور في رسمٍ بالقلم لابن عمّه نيلس كريستيان كيركغور، نحو ١٨٣٨م (متحف فريدريكسبورغ). ولم تُلتقط لكيركغور صورةٌ فوتوغرافيةٌ قطّ؛ فكلُّ ما بقي من ملامحه رسومٌ ورسومٌ ساخرة، وهذا أشهرُها. (ويكيميديا كومنز — ملكية عامة)

الخاتم المردود

في كوبنهاغن، في خريف سنة ١٨٤١م، تسلّمت فتاةٌ في الثامنة عشرة اسمها ريغينه أولسن (Regine Olsen) طردًا صغيرًا من خطيبها: خاتمُ خطبتها مردودًا، ومعه رسالة قصيرة يرجوها فيها أن تنسى كاتبها، فإنه رجل لا يصلح لسعادتها. ولم تكن الفتاة تدري أن الرجل الذي يفسخ الخطبة يحبها حبًّا سيملأ دفاتره ثلاثة عشر عامًا حتى موته. أرادت هي وأهلها استرجاعه بكل سبيل، فتعمّد هو أن يظهر أمام المدينة في مظهر الأناني المستهتر لتكرهه فتبرأ من جرحها — وكتب في يومياته أن الليل كان يطوي نهاراته تلك على البكاء. ولماذا؟ هذا هو اللغز الذي أنفق الدارسون فيه مدادًا لا يُحصى: كآبةٌ ورثها من أبيه، وسرٌّ في البيت رأى أنه لا يحمّله فتاةً بريئة، ويقينٌ غامض أنه موقوفٌ على مهمةٍ لا تتسع لبيتٍ وزوجة.

فأما سر البيت فقد دوّنه في يومياته إشاراتٍ مقطعة: أبوه ميخائيل (Michael Kierkegaard)، الثري التقي الكئيب، كان في صباه راعي غنمٍ صغيرًا جائعًا مقرورًا على أرض يوتلاند السبخة، فصعد يومًا تلًّا ووقف يلعن الإله الذي كتب عليه هذا الشقاء؛ ثم أثرى بعدُ ثراءً عجيبًا، فعاش عمره موقنًا أن الثراء عقوبةُ اللعنة لا بركتها، وأن الإله سيقبض أبناءه السبعة قبل أن يبلغوا عمر المسيح — ومات منهم خمسة فعلًا. في هذا البيت المسكون بالسر نشأ الابن الأصغر سورين (Søren Kierkegaard)، وخرج من الخاتم المردود إلى غزارةٍ في التصنيف تشبه الحمّى: في سنواتٍ قليلة صدرت «إما/أو» و«خوف ورعدة» و«مفهوم القلق» وغيرها، بأسماء مستعارة يحاور بعضُها بعضًا. ثم مات في الثانية والأربعين، ساقطًا في الشارع في ذروة حملته العنيفة على كنيسة بلاده الرسمية، وأوصى بما بقي من ماله لريغينه — وكانت يومئذ زوجةَ رجلٍ آخر. هذا الدنماركي الأحدب الساخر هو الذي سيلقّبه القرن العشرون: أبا الوجودية.

الفرد الذي لا يدخل في نظام

ورأينا في جسر المقال الماضي سخريته من بناة القصور الفكرية الساكنين في أكواخها المجاورة. ومقصده من السخرية قضية بعينها: إن مذهب هيغل يشرح الوجود كله — التاريخ والدولة والفن والدين — درجاتٍ في مسيرة الروح، ثم لا يقول حرفًا واحدًا في المسألة الوحيدة التي تؤرقني: أنا، هذا الفرد الحي، كيف أعيش؟ ماذا أختار؟ وكيف ألقى موتي؟ فالوجود الإنساني لا يُعرف من مقعد المتفرج كما تُعرف مسائل الهندسة؛ الوجود يُعاش من الداخل، معلقًا بين إمكاناتٍ يجب أن أختار بينها الآن، ولا يختار عني النظام ولا التاريخ ولا «الناس». ومن هنا عبارته التي أسيء فهمها كثيرًا: «الذاتية هي الحقيقة» — ولم يُرد أن الآراء كلها سواء، بل أراد أن الحق الذي يعنيني ليس ما أُثبته على الورق ثم أعيش كأنه لم يكن، بل ما أتشرّبه حتى يصير دمي وقراري؛ ففرقٌ ما بين من يعرف عن الإيمان كل شيء ومن يؤمن.

وفي كتابه «مفهوم القلق» وضع إصبعه على شعورٍ سيصير مفتاح المذهب كله: القلق — لا الخوف؛ فالخوف من شيءٍ معين، والقلق بلا موضوع: إنه «دوار الحرية»، رجفة الواقف على حافة إمكاناته المفتوحة حين يدرك أن الأمر أمره وأن أحدًا لن يختار عنه. ثم رتّب الوجود الإنساني مراحل: حياة جمالية تطارد اللذة والجِدّة حتى تبلغ الضجر واليأس، فحياة أخلاقية تختار الواجب والالتزام، فحياة دينية لا يُعبر إليها بسلّم البرهان بل بما سماه: قفزة الإيمان — وثوب الفرد المرتجف فوق هوة اللايقين إلى يدي الله. وكان هو مؤمنًا متوقد الإيمان، لكنه أفنى آخر عمره في حربٍ ضارية على «المسيحية الرسمية» المريحة في بلاده، قائلًا ما معناه: حيث يكون الجميع مسيحيين بالوراثة والعادة، فليس هناك مسيحي واحد؛ فالإيمان قرار فردٍ مرتعد، لا عضوية في قطيع.

محطة بين الرجلين: فانوس نيتشه

مات كيركغور مغمورًا خارج بلاده، ونام مشعله أربعين سنة. وفي غضونها صعد صوتٌ ألماني هادر لا بد لقصتنا من المرور به: فريدريش نيتشه (Friedrich Nietzsche)، الذي كتب في «العلم المرح» مثَله المرعب: مجنونٌ يشعل فانوسًا في ضحى النهار ويجري إلى السوق صائحًا: أين الله؟ فيضحك منه الواقفون الذين لا يؤمنون، فيحدّق فيهم ويقول ما معناه: لقد مات الله، ونحن الذين قتلناه، أنتم وأنا! ولكنّ عظمة هذا الفعل أكبر منا؛ من أين نستمد الضياء بعد أن أطفأنا الشمس؟ ألسنا نهوي الآن في كل الجهات؟ ثم يصمت ويقول: جئت قبل الأوان؛ إن الخبر لم يبلغ الآذان بعد. لم يكن نيتشه يحتفل، كان يشخّص: إن أوروبا التي أخرجت الإيمان من حياتها العملية ما تزال تعيش على أخلاقٍ ومعانٍ اقترضتها من الإيمان نفسه، وإن القرن القادم سيدفع الفاتورة حين يكتشف أن الأرض التي تقف عليها قيمُه قد سُحبت. ومات الرجل سنة ١٩٠٠م على عتبة القرن الذي تنبأ له، وقد وزنّا مذهبه هو في غير هذا الموضع؛ وإنما مرَرنا به هنا لأن الوجودية كلها — مؤمنِها وملحدِها — تكتب تحت سؤال فانوسه: كيف يوجد الإنسان بعد أن خلت السماء عند قومٍ من إلهها؟

هايدغر: نسيان الوجود

كوخ هايدغر في تودتناوبرغ بالغابة السوداء
كوخُ مارتن هايدغر فوق رُوتِه في تودتناوبرغ بالغابة السوداء، حيث كتب أكثرَ ما كتب. صورةٌ حديثةٌ من الدرب العامّ (٢٠٠٧م) لا من زمنه، ومن بعيد: فالكوخُ ملكٌ خاصٌّ لا يُدخل إليه ولا يُصوَّر من قربه. (تصوير Muesse — ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY-SA 3.0)

ثم جاء من أعاد لسؤال سلسلتنا اسمه الصريح. في سنة ١٩٢٧م أصدر مارتن هايدغر (Martin Heidegger)، ابن قندلفت الكنيسة في بلدة بالغابة السوداء، كتابه «الوجود والزمان»، وفاتحتُه اتهامٌ للتراث كله: إن الفلسفة منذ أفلاطون تسأل عن الموجودات — ما الله، ما النفس، ما المادة — وتحسب أنها تسأل عن الوجود؛ فنسيت السؤالَ الأصل: ما معنى «أن يوجد» الشيء أصلًا؟ ما هذا «الوجود» الذي ننطق به في كل جملة ونفهمه فهمًا غامضًا ولا نستطيع حدَّه؟ لقد انشغل الجميع بالأثاث ونسوا البيت.

ومدخله إلى السؤال الكائنُ الوحيد الذي يسأله: الإنسان، وسماه بلفظٍ صار علمًا عليه: «الدازاين» — الكائن-هناك. وحلّل وجوده تحليلًا ترك بصمته في الفلسفة وعلم النفس معًا: فالدازاين ليس ذاتًا ديكارتية معلقة في الفراغ تطل على العالم من نافذة، بل هو «وجودٌ-في-العالم» من أول لحظة: مرميٌّ في زمانٍ ومكانٍ ولغةٍ وقومٍ لم يخترهم. وهو في عامة أيامه ساقطٌ في سلطان من سماهم «الهُم»: الناس، الجمهور المجهول الذي يفكر عنا ويذوق عنا ويقرر عنا؛ نقول ما «يُقال» ونستحسن ما «يُستحسن»، ونعيش حياةً بضمير الغائب. حتى يأتي ما يوقظ.

والموقظ الأعظم عنده: الموت. فكل شيء في حياتي يمكن أن ينوب عني فيه غيري إلا موتي؛ إنه إمكاني الأخص الذي لا يُستعار ولا يُفوَّض، وهو آتٍ لا محالة، مجهول الساعة. والهُم يعرفون هذا فيبتكرون آلاف الحيل لتغطيته: «الموت حق… كلنا سنموت» — بصيغة الجميع التي تعني: لا أحد. فإذا واجه الفردُ موتَه مواجهةً صادقة — «الوجود نحو الموت» — تهاوت سلطة الهُم، وتميّز المهم من التافه، واستُردت الحياة من القيل والقال إلى الجِد، وصار الوجود «أصيلًا»: حياتي أنا، لا نسخة الجمهور مني. ثم ختم هايدغر مساره بإحياء السؤال الذي سمعناه من لايبنتز في المقال التاسع، ورفعه إلى صدارة الفكر: لماذا كان الموجود أصلًا، وليس بالأحرى العدم؟

ولا يستقيم عرضنا بلا سطرين مظلمين من سيرته، على سنّة الصدق في هذه السلاسل: ففي سنة ١٩٣٣م انتسب فيلسوف الأصالة إلى الحزب النازي وتولى رئاسة جامعة فرايبورغ في ظله، ولم يعتذر بعد الحرب اعتذارًا يشفي. فتأمل العبرة الموجعة: الذي علّم القرن أن الضياع هو الذوبان في القطيع، ذاب هو — ولو حينًا — في أشد قطعان قرنه ظلمةً؛ وصدق من قال إن معرفة الدواء غيرُ شربه. أما آخر كلمته للعالم ففي حوارٍ أوصى ألا يُنشر إلا بعد موته، قال فيه عبارته التي تُرجمت في كل لسان: لم يعد ينقذنا إلا إله. وسنقف عندها في الميزان.

سارتر: محكومٌ عليه بالحرية

مقهى دو فلور في باريس نحو سنة ١٩٠٠
مقهى «دو فلور» في شارع سان جرمان بباريس، نحو سنة ١٩٠٠م، لمصوِّرٍ مجهول. وليست الصورةُ من زمن سارتر وبوفوار: هي أقدمُ منه بنحو نصف قرن. أمّا المقهى في منتصف القرن العشرين، حين صار مجلسَهما، فلا صورةَ له حرّةَ الرخصة. (ويكيميديا كومنز — ملكية عامة)

ومن الغابة السوداء إلى مقاهي باريس المدخّنة، حيث حوّل جان بول سارتر (Jean-Paul Sartre) — الأديب الفيلسوف، أسير الحرب العائد، نجم السان جيرمان — هذه المباحث الثقيلة إلى مذهبٍ يهزّ الشارع. وفي محاضرته الذائعة «الوجودية نزعة إنسانية» سنة ١٩٤٥م، وقد ازدحمت القاعة حتى الاختناق، صاغ المذهب في قانونه المشهور: الوجود يسبق الماهية. فالسكين صنعها صانعٌ على مثالٍ في ذهنه: ماهيتُها سبقت وجودها؛ والإنسان — في مقدمة سارتر الإلحادية — لا صانع له ولا مثال قبله: يوجد أولًا، يُقذف في الدنيا بلا تعريف، ثم يصنع ماهيته بمجموع اختياراته. فليس ثمة «طبيعة إنسانية» تسبقك ولا قدرٌ يكتبك؛ أنت ما تفعله، لا أقل ولا أكثر.

ومن هنا قولته الثانية: الإنسان محكوم عليه بالحرية؛ محكومٌ لأنه لم يختر أن يُلقى في الوجود، وحرٌّ لأنه بعد الإلقاء مسؤول عن كل شيء، ولا مهرب: فحتى «لا أستطيع أن أختار» اختيار، والتنصل من الحرية هو الخطيئة الوحيدة في قاموسه وسماها «سوء النية»: أن تتنكر لحريتك فتلعب دورَ الشيء — كنادل مقهاه الشهير الذي يؤدي «دور النادل» أداءً آليًّا بالغ الإتقان هربًا من ثقل أنه إنسانٌ حر خلف الصينية. وكان سارتر — والحق يقال — من أصدق الملاحدة مع لوازم مذهبه: قرر في محاضرته أن انطلاقة الوجودية الحقة هي جملة دوستويفسكي (Dostoevsky): إذا لم يكن الله موجودًا فكل شيء مباح؛ وقال إن غياب الله ليس ترتيبًا إداريًّا يُرقّع بإحلال «الأخلاق الإنسانية» محله، بل ورطةٌ تتركنا بلا معايير جاهزة ولا أعذار — نحن متروكون، وعلينا أن نخترع الطريق ونتحمله. وجرّب هو ملء الفراغ بالالتزام الثوري فارتمى دهرًا في أحضان الماركسية، ورفض جائزة نوبل سنة ١٩٦٤م وفاءً لصورته حرًّا لا تشتريه مؤسسة. وإلى جواره كان صديقه ثم خصمه ألبير كامو (Albert Camus) يجيب عن السؤال نفسه بلغة العبث وصخرة سيزيف (Sisyphus): كونٌ أصم بلا معنًى مكتوب، وإنسانٌ يواصل دحرجة صخرته متمردًا. تلك ضفاف المذهب في ذروة موجته التي غمرت آداب القرن ومسارحه.

فماذا أعادت الوجودية، وعما عجزت؟

أعادت إلى الفلسفة ثلاثة أمور كادت تفقدها. أولها سؤال الوجود نفسه، بعد قرنٍ تاه فيه بين المعرفة والمناهج — وإن عاد السؤال بصيغة جديدة: لا «ما العالم؟» بل «كيف يوجد هذا الإنسانُ الفردُ وجودًا يستحق اسمه؟». وثانيها الجدية: فبعد أن صيّرت الأنظمةُ الكبرى الفردَ ذرةً في بنيانٍ — لحظةً في جدل هيغل، أو خليةً في طبقة ماركس — أعادت الوجودية إليه قلقه وموته واختياره ومسؤوليته، وقالت له: لا ينوب عنك أحد. وثالثها صدقٌ مرير يحسب لملاحدتها: فقد أدرك نيتشه وسارتر ما لم يدركه الإلحاد المطمئن الساذج: أن إسقاط الخالق ليس حذفَ بندٍ من قائمة، بل زلزالٌ يبتلع أساس المعايير والمعنى معه، وأن من ظن أنه يُبقي «القيم الإنسانية» قائمةً في الهواء بعد نسف قاعدتها واهمٌ يعيش على قرضٍ لم يسدده.

أما العجز فمقتلُ المذهب في صميمه: حريةٌ بلا بوصلة. إذا لم تكن للإنسان ماهية ولا غاية مقصودة، فبأي ميزان أفرّق بين اختيارٍ «أصيل» واختيارٍ سافل؟ الأصالة معيارُ صورةٍ لا مضمون: قد يكون الطاغية «أصيلًا» مخلصًا لاختياره كل الإخلاص. وقد رأينا فيلسوف الأصالة نفسه يقع في حضن أحطّ قطعان عصره، ورأينا فيلسوف الحرية يبرر ردحًا حتمياتِ معسكرٍ سحقت الأفراد بالملايين. فالمذهب الذي أيقظ الفرد لم يملك أن يدله: أيقظه في غرفة مظلمة.

قراءةٌ على ميزان الوحي

وأول ما ينبغي وزنه هو التشخيص، وهو عندنا صادق إلى حد بعيد. فما سماه هايدغر السقوط في «الهُم» قد سبق الوحي إلى وصفه ذمًّا للتقليد الأعمى وحياةِ القطيع: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، وما وصفوه من التلهي المنظّم عن المصير فقد جاء أخصر منه وأبلغ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾. بل إن «الوجود نحو الموت» الذي جعله هايدغر محرّر الفرد من القطيع له في هدي النبوة نظيرٌ ظاهر: أمرُه ﷺ بالإكثار من ذكر هادم اللذات، وجعلُ زيارة القبور موقظةً. غير أنّا نزن بضابط المضاهاة المعهود: موتُ هايدغر جدارٌ يصطدم به الوجود فيرتد إلى الدنيا «أصيلًا» ثم لا شيء؛ وموتُ الوحي بابٌ إلى لقاء الحي الذي لا يموت، فذكرُه استعدادٌ لا مجرد استيقاظ. الأداة تتشابه، والوجهة تفترق افتراق السماء والأرض.

أما قانون سارتر — الوجود يسبق الماهية — فنتيجةٌ صحيحة اللزوم عن مقدمةٍ لم يبرهنها: إن لم يكن ثمة خالق فلا مثال سابق. لكن المقدمة هي عين محل النزاع، وقد شهدت فصول سلسلتنا كلها عليها. والوحي يجمع ما مزّقت الوجودية بينه تمزيقًا: فللإنسان عند خالقه ماهيةٌ مقصودة وغاية مكتوبة — ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] — وله مع ذلك اختيارٌ حقيقي ومسؤولية كاملة: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]. فغايةٌ بلا جبر، وحريةٌ بلا عبث: هذا هو الجمع الذي انكسر المذهبان دونه — جبريةُ الأنظمة الكبرى من جهة، وحريةُ الفراغ السارترية من جهة. وبه ينحل «دوار الحرية»: فالقلق الذي وصفه كيركغور صادقٌ في واقفٍ على الحافة بلا دليل؛ فأما من جاءه من ربه هدًى فقد وُعد: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] — لا لأن الاختيار رُفع عنه، بل لأن الطريق أُضيء له.

وتبقى شهادتان من داخل القوم نختم بهما القراءة. أما كيركغور فقفزتُه شهادةُ مؤمنٍ صادقِ الوجد على أن البرهان وحده لا يلد إيمانًا حيًّا — وهي أختُ رقعة باسكال التي قرأناها — غير أن الإيمان في ميزان الوحي ليس وثبةً عمياء فوق هوة اللاعقل، بل تصديقُ خبرٍ قامت على صدق مبلِّغه الشواهد، فهو فوق طاقة العقل المستقل لا ضده، كما حررناه في مقال كانط. وأما هايدغر فكلمتُه الأخيرة — لم يعد ينقذنا إلا إله — فأعجب شهادات السلسلة قاطبة: أعمقُ من سأل عن الوجود في قرنه، بعد عمرٍ مع السؤال، لم يجد في الفلسفة كلها نجاة، وأعلن أن النجدة إن جاءت فمن فوق. ونحن نقرؤها فنسمع خلفها آية سلسلتنا تجيب من وراء القرون: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ — قد جاءت النجدة يا صاحب الكوخ، من قبل أن تسأل؛ ولكن القوم أضاعوا عنوان البريد.

إلى المقال الأخير

لم تكن الوجودية آخر أصوات القرن العشرين؛ فعلى ضفته الأخرى قامت الفلسفة التحليلية في فيينا وكامبريدج تعلن أن سؤال الوجود برمّته غلطٌ لغوي: سخر كارناب (Rudolf Carnap) من جُمل هايدغر وعدّها كلامًا بلا معنًى تكشف زيفَه قواعدُ المنطق، وقصر أهلُ الوضعية المعنى على ما تحققه التجربة — حتى انقلبت قاعدتهم على نفسها، إذ هي ذاتها مما لا تحققه تجربة، وعادت الميتافيزيقا تزحف إلى أروقتهم من جديد في مباحث الوجوب والإمكان والهوية عند أواخر القرن. تلك قارةٌ نشير إليها إشارة العابر، فقد آن لسفينتنا أن ترسو. من شاطئ ميليتوس أقلعنا وراء سؤال طاليس، ومررنا بالنهر والكرة المصمتة، والذرة والمثال، والمحرك والفيض، والواجب والممكن، والوحدة والأصالة، والكوجيتو والقوالب، والمطلق والقلق — فلم يبق إلا أن نبسط الغنيمة كلها على مائدة واحدة، ونزن الرحلة من أولها إلى آخرها بالميزان الذي رافقنا: ماذا أصابت الفطرة وهي تتلمس طريقها بلا بريد السماء؟ وأين تكرر عثارها العجيب في المواضع نفسها؟ وماذا يقول حديث «خلقت عبادي حنفاء» في هذا كله؟ إلى خاتمة السلسلة: حصاد السلسلة — قراءة جامعة على ميزان الوحي.

سلسلة «كان الناس أمة واحدة» — المقال الحادي عشر
سلسلة «كان الناس أمة واحدة» — في فلسفة الوجود

المقال الثاني عشر والأخير: حصاد السلسلة

قراءة جامعة على ميزان الوحي

الشمس في كسوف كلي وهالتها ظاهرة
الكسوفُ الكلّيُّ في تمامه، من حرم جامعة مكغيل بمونتريال، ٨ أبريل ٢٠٢٤م. صورةٌ حديثةٌ بالبداهة — ولا صورةَ لكسوف نهر هاليس سنة ٥٨٥ ق.م؛ لكنّه المشهدُ نفسُه الذي أوقف الحربَ بين ليديا وماديا، والذي بدأت به هذه السلسلة. (تصوير D. Benjamin Miller — ويكيميديا كومنز، رخصة CC0)

عودٌ إلى ضفة النهر

افتتحنا السلسلة بمشهدٍ على ضفاف نهر هاليس: جنودٌ ألقوا سلاحهم رعبًا حين أظلمت الشمس في كبد النهار، ورجلٌ واحد في ذلك الجيل لم يفاجئه الأمر لأنه نظر في حسابٍ فتوقّع. وقلنا يومها إن بين الجندي المرتعب والرجل الحاسب تقف لحظة فاصلة في تاريخ العقل. فلنقف الآن، وقد بلغت السفينة مرساها، الوقفةَ الأخيرة على الضفة نفسها ونسأل: ماذا صنعت البشرية بتلك اللحظة في ستة وعشرين قرنًا؟ وماذا يقول في الرحلة كلها الميزانُ الذي رافقنا من أول ميل؟

سأل أهل ميليتوس عن الأصل الواحد وراء الكثرة، فأجاب طاليس بالماء وأنكسيمندر (Anaximander) باللامحدود. وانفجر السؤال معضلةً بين نهر هيراقليطس الجاري وكرة بارمنيدس (Parmenides) المتجمدة، فحلّها ديمقريطس بذراتٍ في فراغٍ لا فاعل لها ولا غاية، وقلبها أفلاطون مُثلًا فوق المحسوس وصانعًا حكيمًا، وأنزلها أرسطو صورًا في الأشياء وعللًا أربعًا تصعد إلى محركٍ لا يتحرك. ثم ختم أفلوطين حكمة اليونان بواحدٍ فوق الوجود يفيض فيضًا. وورث المسلمون التركة — ومعها كتابٌ متنكر باسم غير صاحبه — ففتحوا فتح الماهية والوجود وواجبِه وممكنِه، وقامت بينهم معركة التهافت والتهافتين، ثم بلغ خيطُ الذوق منتهاه في وحدة الوجود وميزانِها، وأصالتِه عند صدرا. وعكس ديكارت مجرى النهر فبدأ من الأنا الشاكّة، وشاد العقلانيون قصورهم، حتى رسم كانط للعقل حدوده وأقام هيغل مطلقَه المتكشف، وانفجر الميراث ماركسيةً ووجودية، فصرخ كيركغور باسم الفرد، وأعاد هايدغر سؤال الوجود بلفظه، وأعلن سارتر حريةَ المتروكين. هذه هي الغنيمة مبسوطةً على المائدة؛ فلنزنها.

الحصاد الأول: نزوع التوحيد أصيلٌ في العقول

وأبرز ما في الرحلة كلها أمرٌ يكاد يختفي من فرط ظهوره: ما من مدرسة كبرى واحدة، في ستة وعشرين قرنًا، استقرت على تعدد آلهةٍ متنازعة. كلهم — على تباعد ديارهم وأزمانهم وأمزجتهم — طلبوا الواحد: أصلًا واحدًا عند أهل ميليتوس، ولوغوسًا واحدًا عند هيراقليطس، ووجودًا واحدًا عند بارمنيدس، ومثالَ خيرٍ أعلى عند أفلاطون، ومحركًا أول عند أرسطو، وواحدًا فوق الوجود عند أفلوطين، وواجبَ وجودٍ عند ابن سينا، وجوهرًا واحدًا عند سبينوزا، ومطلقًا واحدًا عند هيغل. نشأ أكثرهم في أممٍ وثنية تعبد آلهةً تتحارب وتتناسل، فما طاوعتهم عقولُهم على قبول ذلك تفسيرًا للوجود ساعةً من نهار، وراحوا يفتشون عن الواحد من وراء الأصنام. فإذا كان هذا صنيعَ العقول وهي تتلمس في الظلام بلا وحي، فما أصدق الخبر الذي قامت عليه السلسلة: «وإني خلقتُ عبادي حنفاءَ كلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطينُ فاجتالتهم عن دينهم»؛ فالتوحيد فطرةُ الخلقة الأولى، والشرك طارئٌ اجتالي — وتاريخ الفلسفة كله، من حيث لا يقصد، شاهدُ عدلٍ لهذا الحديث: إنه سجلُّ فطرةٍ تحاول العودة إلى بيتها من الطريق الوعر.

الحصاد الثاني: العقل يبلغ البابَ ولا يملك الخبر

غير أن الفطرة التي تتلمس طريقها كانت تعثر في الموضع نفسه مرةً بعد مرة، حتى صار عثارها المتكرر أوضحَ سننِ الرحلة: كل من أثبت المبدأ الأول ببرهانه أثبته فقيرَ الصفات باردَ الحضرة. محركُ أرسطو لا يعلم بمن حرّك، وواحدُ أفلوطين لا يسمع من ناداه، وصانعُ أفلاطون ورث مادةً ومُثلًا لم يصنعها، وضامنُ ديكارت يُستدعى لتوثيق المعرفة ثم يُترك، وجوهرُ سبينوزا طبيعةٌ لا تُدعى، ومطلقُ هيغل يستكمل ذاته بخلقه. ما عبد أحدٌ قط إلهَ فيلسوف، ولا رفع إليه ضارعٌ يديه في جوف الليل. وقد وضع باسكال — وهو من فرسان البرهان — إصبعه على الجرح في رقعته المخيطة: إله إبراهيم، لا إله الفلاسفة.

واتضح لنا مع توالي المقالات أن هذا ليس تقصيرًا من أفذاذ الرجال، بل حدُّ الأداة نفسها: البرهان يثبت لك أن للوجود مبدأً واجبًا غنيًّا — وهذا غاية ما يعطي — وأما من هو؟ وماذا يحب ويكره؟ ولماذا خلقك وإلامَ مصيرك؟ فخبرٌ لا يُستنبط من مقدمات، ولا يجيء إلا من جهته سبحانه. فالعقل يوصلك إلى الباب ويعجز عما وراءه؛ ولهذا لما بلغ أصدقُ أهل الطريق نهايتَه نطقوا بالحاجة من حيث لا يشعرون: قال كانط إن العقل النظري يقف عند السور، وقال هايدغر في وصيته: لم يعد ينقذنا إلا إله. وهذا بعينه موضعُ النبوة من خريطة الوجود: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ — ليست النبوة منافِسةً للعقل في مضماره، بل هي البريد الصادق بما وراء سوره: تخبره باسم من وقف ببابه، وتفتح له ما لم يكن ليفتحه.

الحصاد الثالث: المعضلات الكبرى تكافأت فيها الأدلة، وجاء الوحي جامعًا

وقفنا في الرحلة على ثنائياتٍ عظمى تجاذبت العقولَ فما حسمتها: الثابت والمتغير، والواحد والكثرة، والجبر والاختيار، والعقل والحس، والغاية والآلية، والروح والبدن، وقدم العالم وحدوثه التي تقارعت فيها البراهين قرونًا حتى جعلها كانط شاهدَ نقائضه. ستةٌ وعشرون قرنًا لم تحسم واحدةً منها حسمًا أطبق عليه العقلاء؛ وليس ذلك لغباءٍ فيهم — فقد مرّ بنا من أذكى بني آدم — بل لأنها مضايق تتكافأ فيها أدلة النظر المجرد. ومما يستوقف الناظر المسلم أن الوحي لم يدخل هذه المعارك طرفًا يقارع بقياسٍ مقابل قياس، بل جاء من فوقها بخبرٍ جامع يثبت لكل طرفٍ نصابه: عالمٌ فانٍ متغير وربٌّ باقٍ لا يتغير — ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ﴾ — وتنزيهٌ مع إثبات: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وغايةٌ مقصودة مع اختيارٍ حقيقي، وروحٌ مثبتة مع إمساكٍ عن كيفيةٍ لم نؤتَ علمها. فالذي مزّقته المذاهب أشلاءً — كلٌّ يمسك طرفًا ويعدم الباقي — جمعه الوحي في نصابٍ واحد؛ وتلك أمارةُ أنه ليس مذهبًا من جنس المذاهب يزاحمها في سوقها، بل ميزانٌ نُصب فوق السوق: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾.

الحصاد الرابع: تقليد النقد أنفس ميراث القوم، والتقديس مقتلُهم

أما أنفس ما تُهديه الفلسفة لطالب العلم فليس مذهبًا بعينه، بل خُلُقها الذي رأيناه يولد في ميليتوس: أنكسيمندر يعترض على أستاذه بدليل، وأنكسيمانس (Anaximenes) يعترض عليه بدليل، ولا يفصل بينهم كاهن. ثم رأيناه يبلغ ذروته في أفلاطون الذي نشر بيده أقسى النقوض على مذهبه، وفي قاعدة الغزالي: لا يوثق برد من لم يحط بالمذهب إحاطة أهله. وهذا الخلق ليس غريبًا على ميزاننا بل هو من صميمه: فالقرآن دينُ المطالبة بالبرهان — ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ — وذمُّ التقليد الأعمى ووراثةِ الآباء يجري في سوره جريان الدم. ورأينا في المقابل أن مقتل الفلسفة كان يوم خالفت خلقها: فأتباع أرسطو لما قدّسوه جمّدوا باسم رجل الملاحظة منهجَ الملاحظة ألفي سنة. فالعبرة مثلثةُ الرؤوس: خذ الحق من قائله كائنًا من كان — وهي وصية الكندي — وزِنْ كل قائلٍ ولا تقدّس غير المعصوم، ولا ترُدّ قولًا قبل أن تفهمه فهم أصحابه.

الحصاد الخامس: أسانيد المخطوطات تقلب حضارات

وحصادٌ خامس ما كنا نتوقع حجمه يوم أبحرنا: أن بعض أعظم منعطفات هذه القصة صنعتها حوادثُ نسخٍ وعناوين. كتابُ أفلوطين يجري عليه اسم «أثولوجيا أرسطاطاليس» فيبني الفارابي وابن سينا على أرسطو الذي لم يقله أرسطو؛ و«مقاصد» الغزالي تسقط ديباجتُها في الترجمة فيصير الناقض في أوروبا فيلسوفًا مشّائيًّا؛ وابن رشد يُقرأ في باريس على غير سياقه فتُدان باسمه «حقيقتان» لم يقلهما؛ وقصيدة لوكريتيوس (Lucretius) تنام في دير منعزل قرونًا ثم توقظ بعثَ المادية الحديثة. فمن أراد أن يعرف لماذا يتشدد المحدّثون في الإسناد والنسبة والتحقيق، فليقرأ تاريخ الفلسفة: أمةُ الإسناد وحدها هي التي جعلت «من أين لك هذا؟» أول سؤال يُسأله ناقلُ كل خبر — ولو سُئلها ناسخُ الأثولوجيا لتغير وجه تاريخ بأكمله.

الحصاد الجامع: الآية تقرأ التاريخ

وبعد، ارفع رأسك من تفاصيل الرحلة وانظر إليها من عَلٍ، واقْرأ آية السلسلة كأنك تقرؤها للمرة الأولى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ — على فطرة التوحيد التي رأينا حنينها في كل مدرسة — ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ — وقد رأينا الاختلاف: ستةً وعشرين قرنًا من المذاهب المتدافعة، ورأينا حاجة المختلفين إلى حَكَمٍ فوق النظر والذوق جميعًا. فالآية التي جعلناها عنوانًا لم تكن زينةَ افتتاح؛ كانت أصدق تلخيصٍ لتاريخ الفكر البشري كتب في سطرين. وبها يستقيم موقف المسلم من هذا التراث كله، لا احتقارَ الجاهل ولا انبهارَ المغلوب: بل وقفة الوارث الذي بيده الميزان: يشكر للقوم صدقَ أسئلتهم وجلَدَهم عليها، ويقبل ما وافق الحق من أين جاء، ويرد ما خالفه ممن جاء، ويعلم أن الذي أوتيه بالخبر الصادق عفوًا هو الذي أفنت العقول أعمارها تتلمسه.

وليس السؤال قد مات حتى يُحنَّط في المتاحف؛ فكُتُبُ «لماذا كان ثمة شيء بدل لا شيء؟» تُطبع في عواصم الغرب إلى اليوم، وفيزياء الكون تقف حائرة أمام ضبط ثوابته، و«المعضلة الصعبة» للوعي تملأ مؤتمرات الأعصاب، والفطرة تسأل في كل جيلٍ سؤالَ طاليس من جديد. فمن سأل من أبنائنا فلا يُزجر؛ فقد رأيتَ أن السؤال شريف وأن السائلين كانوا صفوة العقول — وإنما يُؤخذ بيده من ضفة النهر التي وقف عليها الجندي المرتعب والحكيم الحاسب، إلى الضفة الثالثة التي لم يبلغها أحدهما: ضفة الذين جاءهم الخبر اليقين فسجدوا.

ختام

قلنا في فاتحة السلسلة إن هذا الاستقصاء من باب العلم بالشيء لا من باب الأهمية، وإن من لم يجد في نفسه اهتمامًا فلا جناح عليه أن يُعرض. أما من صحبنا إلى هذا الميل الأخير فنرجو أن يخرج بما خرجنا به: يقينًا أزداد رسوخًا بأن نعمة الوحي أجلُّ النعم — إذ رأى بعينه أين انتهت أقدام العباقرة بدونها — وإعذارًا أرحب لحيرة السائلين، وشكرًا لله يملأ الصدر أن جعلنا من أمة الخبر الصادق لا من أمم التلمس في الظلام. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ — والحمد لله من قبل ومن بعد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

تمت سلسلة «كان الناس أمة واحدة» — في فلسفة الوجود

مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)

راجع مدقّقٌ محايدٌ وقائعَ المقالات الست — التواريخ والأخبار والنسب والاقتباسات المنسوبة إلى الجوزجاني وابن عربي وبايّيه وهاينه وغيرهم — ولم ينظر في أطروحتها. والنتيجةُ منشورةٌ كما خرجت، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقها: اقرأ تدقيق المدقّق المحايد ←

© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.