Read in English · اقرأ بالإنجليزية →
حسين الخالدي · مقالات  —  مقالة

كان الناس أمةً واحدة

كان الناس أمة واحدة

ميليتوسالذرّة والمُثُلالواحد والفيض

سلسلة في فلسفة الوجود

﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]

في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال فيما يرويه عن ربه عز وجل: «وإني خلقتُ عبادي حنفاءَ كلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطينُ فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم».

أسكن الله آدم عليه السلام وذريته الأرض وزرع التوحيد عقيدة صافية في وجدانهم ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. ثم تطاول العهد، فاجتالتهم الشياطين وزينت لهم طرق الشرك والمذاهب المنحرفة ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢].

تتناول هذه السلسلة المدارس الفلسفية — وهي من اجتيال الشياطين للبشر في نظري — التي تصدت لبيان فلسفة الوجود، وهذا الاستقصاء من باب العلم بالشيء، لا من باب الأهمية، ومن لا يجد في نفسه اهتمامًا فلا جناح عليه أن يُعرض عن هذا، والحمد لله على نعمة التوحيد الخالص من قبل ومن بعد ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].

ومدخلنا إلى هذه المسالك الاستكشافية يبدأ دائمًا من المشهد والقصة؛ إذ لا تستقر الفكرة الفلسفية في الذهن إلا حين تتجسد في واقعةٍ أو أثر.

تضم السلسلة (بالترتيب)

المقال الأول: سؤال المادة الأولى

الطبيعيون الأوائل: طاليس (Thales) وأصحاب الماء والهواء

خريطة تاريخية لآسيا الصغرى يظهر فيها نهر هاليس
آسيا الصغرى في أطلس وليم شبرد التاريخي، ١٩١١م، وفيه «Halys R.» — نهرُ قزل إرماق اليوم — في وسط الأناضول. والخريطةُ ترسم الولايات في العهد الروماني، لا حدودَ ليديا ومَاديا سنة ٥٨٥ ق.م. (ويكيميديا كومنز — ملكية عامة)

عندما أظلم النهار

في الثامن والعشرين من مايو سنة ٥٨٥ قبل الميلاد، على ضفاف نهر هاليس في آسيا الصغرى، تقابل جيشان في معارك طاحنة استمرت ست سنوات: الليديون بقيادة ملكهم أليات (Alyattes)، والميديون بقيادة كياكسار (Cyaxares). حربٌ استُنزفت فيها الأموال والرجال ولم ترجّح كفةً على كفة.

وفي ذروة القتال، حدث ما لم يخطر لمقاتلٍ على بال: أخذ ضوء النهار يخفت، ثم أظلمت الشمس في كبد السماء، وانقلب النهار ليلًا. ألقى الجنود سلاحهم من هول ما رأوا؛ فالسماء غاضبة، والآلهة تأمر بوقف الحرب — هكذا ظنوا. وكانت النتيجة: تصالح الملكان، وعُقد الصلح، وزُوِّجت ابنة أليات من ابن كياكسار توثيقًا للعهد.

غير أن رجلًا واحدًا في ذلك الزمان لم يفاجئه الأمر. يروي المؤرخ هيرودوت (Herodotus) أن طاليس الملطي كان قد أنبأ الإغريق بأن كسوفًا للشمس سيقع في تلك السنة. لم يقل طاليس إن السماء غاضبة، ولم يقرأ الحدث في أحشاء ذبيحة؛ بل نظر في حساب، وتوقّع. وبين جنودٍ ألقوا السلاح فزعًا، ورجلٍ حسب فتوقّع، تقف لحظة فاصلة في تاريخ العقل البشري.

مدينة على حافة عالمين

لم ينشأ هذا التحول في أثينا، وإنما في ميليتوس: مدينة ساحلية على أطراف آسيا الصغرى، كانت يومئذ من أغنى موانئ العالم الإغريقي. تلتقي في أسواقها قوافل الشرق وسفن الغرب، وتصل إليها أرصاد بابل الفلكية وهندسة المصريين العملية مع بضائع التجار. الثراء وفّر الفراغ، والتجارة وفّرت الاطلاع على الأمم، والموقع على الحافة بين الحضارات حرّر أهلها من سطوة تقليدٍ واحد.

قبل هذا الجيل، كان جواب السؤال عن الوجود عند الإغريق قصةً تُروى: في «أنساب الآلهة» لهسيود (Hesiod) تخرج الأرضُ والسماءُ والبحرُ من سلسلة مواليد إلهية، ولكل ظاهرة إلهٌ يقف وراءها. كانت الأسطورة تجيب عن سؤالٍ بسيط: من وَلَدَ من؟ فجاء رجال ميليتوس فغيّروا السؤال نفسه: ممَّ يتكوّن كل شيء؟ وما الأصل الواحد الذي تعود إليه هذه الكثرة الهائلة من الأشياء؟ هذا الأصل سمّوه فيما بعد «الأرخيه» (archē): المبدأ الأول. ومن هذا السؤال وُلدت الفلسفة الطبيعية، وبدأ التاريخ الذي تتعقّبه هذه السلسلة.

طاليس: كل شيء من الماء

نقش خشبي لتمثال نصفي لطاليس الملطي
طاليس الملطي في نقشٍ خشبيٍّ لـفلهلم ماير، ١٨٧٥م. صورةٌ متخيَّلةٌ من القرن التاسع عشر؛ ولا يُعرف لطاليس تمثالٌ قديمٌ موثَّقُ النسبة. (ويكيميديا كومنز — ملكية عامة)

أجاب طاليس (نحو ٦٢٤ – ٥٤٦ ق.م): الأصل هو الماء؛ فمن الماء تكوّن كل شيء، وإليه يعود. لم يترك طاليس كتابًا نعرفه، وإنما وصلنا قوله من طريق أرسطو (Aristotle) الذي اجتهد في تعليل اختياره: فالغذاء كله رطب، والبذور رطبة، والحرارة نفسها تتولد من الرطوبة وتحيا بها، والماء وحده يُرى بالعين ماءً وبخارًا وجليدًا، فيتحول أمامك من حال إلى حال دون أن يفقد ذاته. ولعل طاليس رأى في رحلاته كيف يهب النيلُ مصرَ حياتها، فترسّخ عنده أن الماء سرّ الوجود.

قد يبدو الجواب اليوم ساذجًا، غير أن قيمته ليست في مضمونه، بل في طريقته: فلأول مرة يُجاب عن سؤال الوجود بعنصر طبيعي مشهود ولا يُنسَب إلى قوةٍ خفيّة، وبحجّة قابلة للنقاش لا برواية تُتلقى بالتسليم. فالجواب القابل للاعتراض بدايةُ علم، أما الجواب الذي لا يقبل الاعتراض فأسطورةٌ مستمرة.

لكن طاليس لم يكن ماديًّا بالمعنى الحديث؛ فمن أقواله المحفوظة: «كل شيء ملآن بالآلهة»، وكان يرى في حجر المغناطيس نفسًا لأنه يحرّك الحديد. فالرجل أخرج تفسير الطبيعة من الأسطورة، لكنه لم يُخرج من الكون سرَّه.

وتحفظ كتب الأخبار له طرفتين تستكملان صورته: سقط ليلةً في بئر وبصره شاخصٌ إلى النجوم، فضحكت منه جارية من تراقية قائلة: يبتغي علم ما في السماء ويجهل ما تحت قدميه! ولما عيّره قومه بأن الفلسفة لا تعود بنفع مادي، قرأ أحوال الجو فتوقّع موسمًا وفيرًا للزيتون، فاستأجر معاصر المدينة كلها قبل الموسم بثمن بخس، ثم أجّرها وقت الحاجة بما شاء، ليُبيّن أن الحكيم يقدر على تحصيل الثروة غير أنه يبتغي ما هو أسمى منها.

أنكسيمندر: اللامحدود

ثم جاء تلميذه أنكسيمندر (Anaximander، نحو ٦١٠ – ٥٤٦ ق.م) فأتى بما لم يكن مألوفًا في تقاليد الشرق القديم كلها: خالف رأي أستاذه. وخلاصة قوله: لو كان الماء أصل كل شيء، فمن أين جاءت النار وهي ضدّه الذي يفنيه ويفنى به؟ الأصل الأول لا يصح أن يكون واحدًا من العناصر المتصارعة، بل لا بد أن يكون شيئًا محايدًا لا حدّ له ولا تعيّن، تصدر عنه الأضداد جميعًا. وسمّاه «الأبيرون» (apeiron): اللامحدود.

وبهذا انتقل الجواب من عنصر محسوس إلى مبدأ مجرّد لا تراه العين، وكان ذلك تحولًا فكريًا بنى عليه من جاء بعده. ومن أنكسيمندر وصلتنا أقدم جملة فلسفية محفوظة بنصها في التراث الغربي، يقول فيها إن الأشياء تدفع بعضها لبعض ثمن ظلمها وفق نظام الزمان؛ فالأضداد تتعاقب في الكون كما يتعاقب الصيف والشتاء، والكون محكوم بنظام وعدل لا بأهواء آلهةٍ متنازعة.

ولم تقتصر إسهاماته على ذلك؛ فقد ظهرت في رأيين آخرين: قال إن الأرض معلّقة في وسط الكون لا يحملها شيء، إذ لا مسوّغ لأن تميل إلى جهة دون جهة وهي على أبعاد متساوية من كل شيء، وهذا أول برهان عقلي محض في تاريخ علم الهيئة. وقال إن الإنسان لا بد أن يكون قد نشأ أول أمره داخل كائنات مائية تشبه السمك، إذ لو وُلد وليدًا عاجزًا كما نراه اليوم لما أمكنه البقاء، وهي ملاحظة تدل على عقل يستنتج من المشاهدة، أيًّا كان حظّ نتيجته من الصواب. ويُنسب إليه أول خريطة للعالم المعمور رسمها إغريقي.

أنكسيمانس: الهواء وآلية التحول

ثم جاء الفيلسوف الثالث، أنكسيمانس (Anaximenes، توفي نحو ٥٢٨ ق.م)، فاعترض بدوره: اللامحدود جوابٌ غامض لا تُمسك منه شيئًا. وعاد إلى عنصر محسوس فقال: الأصل هو الهواء. وقد يبدو ذلك تراجعًا، غير أن إضافته الأهم كانت في موضع آخر: فقد كان أول من اقترح آلية تفسّر تحوّل الأصل الواحد إلى كثرة الأشياء: التخلخل والتكاثف. فالهواء إذا تخلخل ولطُف صار نارًا، وإذا تكاثف صار ريحًا، ثم سحابًا، ثم ماءً، ثم طينًا، ثم حجرًا.

وفي هذا مبدأٌ صار لاحقًا ركنًا من أركان العلم: أن اختلاف الأشياء في نوعها قد يرجع إلى اختلافٍ في المقدار والكثافة؛ فالكيف يُردّ إلى الكم. لم يعد السؤال «ما الأصل؟» وحده، بل أضيف إليه: «وكيف صار الأصلُ عالمًا؟».

إذًا ماذا صنع هؤلاء الثلاثة؟

حين نجمع هذه الآراء يتبين أن مدرسة ميليتوس أنجزت في ثلاثة أجيال ثلاثة أشياء غيّرت مجرى الفكر:

أولًا: ردُّ الكثرة إلى أصلٍ واحد؛ إذ انعقد يقينهم على أن وراء هذا التعدد الهائل من الأشياء أصلًا واحدًا تعود إليه، وإن اختلفوا في تعيينه. هذه القناعة، قبل أي جوابٍ بعينه، هي البذرة التي نبت منها كل بحثٍ لاحق في الوجود.

ثانيًا: اعتماد البرهان والدليل؛ إذ خالف أنكسيمندر قول أستاذه بدليل، وخالف أنكسيمانس بدليل، دون احتكامٍ إلى نص شاعر أو كاهن. أنشأ هؤلاء تقليدَ النقد المتبادل الذي رأينا في مقال «من الملاحظة إلى الثورة العلمية» أنه روح المنهج العلمي إلى اليوم.

ثالثًا: إفراد الطبيعة بالنظر والبحث؛ إذ صارت الظواهر تُفسَّر بأسبابٍ ذاتية تُطلب داخل الطبيعة نفسها، لا بأهواء أربابٍ متقلبة.

على أن صنيعهم هذا لم يخلُ من مأخذٍ جليل: فقد سألوا عن المادة التي منها الأشياء، وأهملوا سؤالين أعظم: من الفاعل الذي أخرج من هذا الأصل عالمًا محكمًا؟ ولأي غايةٍ كان ذلك؟ سألوا: ممَّ؟ ولم يسألوا: مَن أوجد؟ ولا: لماذا أوجد؟ وسنرى في مقالات قادمة كيف ظلت هاتان الثغرتان تطاردان الفلسفة قرنًا بعد قرن، حتى تصدى لهما أرسطو بجوابٍ ناقص، وجاء فلاسفة الإسلام فوضعوهما في مركز البحث.

قراءة على ميزان الوحي

افتُتحت السلسلة بآية الميثاق وبحديث «وإني خلقتُ عبادي حنفاءَ كلَّهم»، وفي قصة ميليتوس شاهدٌ عجيب له: فهؤلاء القوم، وهم غارقون في وثنية شعوبهم، لم تطاوعهم فطرتهم على قبول كثرةٍ من الآلهة المتنازعة تفسيرًا للوجود، فراحوا يفتشون عن الواحد الذي تصدر عنه الكثرة. نزوعهم إلى التوحيد أصيل، وهو صدى الفطرة التي فُطر الناس عليها؛ لكن الشياطين حين اجتالت الناس عن دينهم لم تترك لهؤلاء طريقًا واضحة إلى الجواب، فطلبوا الواحد في المادة نفسها: في الماء والهواء واللامحدود، ولم يهتدوا إلى أن الواحد هو خالق الماء والهواء، القائم فوق المادة لا فيها.

وقد يخطر لبعض القراء المقارنة بين قول طاليس وقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وهنا يجب التثبت والتدقيق على ما قررناه في مقال «يضاهئون قول الذين كفروا من قبل»: فالدعوتان مختلفتان؛ طاليس يزعم أن الماء أصل الوجود كله، سمائه وأرضه ونجومه، والآية تخبر أن الحياة جُعلت من الماء، وهو ما يشهد له الحس ويصدّقه العلم. فلا نرفع طاليس إلى رتبة الموحدين، ولا نُنزل الآية الكريمة منزلة المقولات البشرية، ولا نتكلف مضاهاةً لا يحتملها النصان.

يبقى أن نزوع هؤلاء إلى ردّ الكثرة إلى واحد، واحتكامهم إلى العقل والحجة، ميراثٌ صحيح في أصله، أخطأ طريقه لغياب النبوة عن ديارهم. وهذا ما تقرره آية السلسلة: الناس أمة واحدة على أصلٍ من الحق، فلما اختلفوا واجتالتهم الشياطين بعث الله النبيين وأنزل الكتاب ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه.

إلى المقال التالي

اتفق أهل ميليتوس على أن للوجود أصلًا واحدًا واختلفوا في تعيينه. لكن سؤالًا أعمق كان يتخلّق تحت هذا الخلاف: هذا التحول الدائم الذي نراه في الأشياء، من ماءٍ إلى بخار ومن هواءٍ إلى حجر، هل هو حقيقة الوجود أم ظاهره؟ سيقف على أحد طرفي هذا السؤال رجلٌ من أفسس يقول: لا تنزل النهر الواحد مرتين، فكل شيء يجري ولا يبقى شيء. ويقف على الطرف الآخر رجلٌ من إيليا يقول: الحركة وهمٌ خادع، والوجود واحدٌ ثابت لا يتغير. وبين النهر الجاري والوجود المتجمد يدور موضوع المقال التالي: الثابت والمتغير.

سلسلة «كان الناس أمة واحدة» — في فلسفة الوجود

المقال الثاني: الثابت والمتغير

بارمنيدس (Parmenides) وهيراقليطس: هل الوجود ساكن أم كل شيء يجري؟

نقش لمعبد أرتميس في أفسس
معبد أرتميس في أفسس كما تخيّله مارتن فان هيمسكيرك، نقشُ فيليبس غاله سنة ١٥٧٢م (متحف ريكس، أمستردام). تصوّرٌ من عصر النهضة لا يطابق ما كشفته الحفريات — قيمتُه في أنه يُري كيف تخيّلته أوروبا. (ويكيميديا كومنز — ملكية عامة)

الرجل الذي أودع كتابه في المعبد

في مدينة أفسس، على الساحل الذي أنجب أهل ميليتوس، وعلى مرمى أيام قليلة منها، عاش — نحو سنة ٥٠٠ قبل الميلاد — رجل من أعرق بيوتها، يؤول إليه بحق الوراثة لقب الكهانة الملكية في المدينة. فلم يلبث أن تنازل عن اللقب لأخيه، وانصرف عن الناس، حتى رآه بعضهم يومًا يلعب مع الصبيان عند معبد أرتميس، فلما عوتب في ذلك أجاب: أوليس هذا خيرًا من أن أدير معكم شؤون المدينة؟

كتب الرجل كتابًا واحدًا في الطبيعة، ثم لم ينشره بين الناس، بل صعد به إلى معبد أرتميس، إحدى عجائب الدنيا السبع يومئذ، وأودعه هناك. وكتبه بعبارة موجزة مغلقة عمدًا تشبه أقوال العرّافين، حتى لقّبه القدماء «الغامض». اسمه هيراقليطس (Heraclitus)، وقد ضاع كتابه، ولم يصلنا منه إلا نحو مئة وثلاثين شذرة متناثرة في كتب من نقلوا عنه؛ غير أن هذه الشذرات القليلة كانت كافية لتُشعل في الفلسفة سؤالها الثاني الكبير.

هيراقليطس: كل شيء يجري

نهر جارٍ بين الصخور
نهرٌ جارٍ بين الصخور — صورةٌ للمعنى لا لموضعٍ بعينه. (ويكيميديا كومنز — ملكية عامة)

وأشهر ما يُروى عن هيراقليطس قوله: لا يمكنك أن تنزل النهر الواحد مرتين (العبارة أيضًا منتشرة بصيغة أخرى). وهذه في الحقيقة صياغة أفلاطون (Plato) لمذهبه؛ أما الشذرة المحفوظة بنص صاحبها فأجمل وأدق: «على الداخلين في الأنهار نفسها تجري مياهٌ أخرى فأخرى». فالنهر الذي تسميه باسم واحد ليس في لحظتين شيئًا واحدًا؛ الاسم ثابت والماء يتبدل. وهكذا كان كل شيء عنده: الشمس جديدة كل يوم، والنفس بخارٌ يتصاعد، وأنت نفسك لست في المساء من كنتَه في الصباح. كل شيء يجري، ولا يبقى شيء.

لم يجعل هيراقليطس أصل الأشياء ماءً ولا هواءً، بل النار: العنصر الذي لا يهدأ، والذي يحيل كل ما يمسه إلى طبيعته. والنار عنده أشبه بالرمز منها بالمادة؛ يقول في شذرة من أعمق ما كتب إن هذا الكون لم يصنعه إلهٌ ولا إنسان، بل كان ولا يزال نارًا حية أزلية، تشتعل بمقادير وتنطفئ بمقادير. وقوله «بمقادير» هو مفتاح مذهبه كله، وسنعود إليه.

وأضاف إلى الجريان فكرة ثانية أشد غرابة: وحدة الأضداد. فالطريق صعودًا والطريق هبوطًا طريق واحد، وماء البحر أنقى الماء وأخبثه: للسمك حياة وللإنسان سمّ، والمرض هو الذي يجعل الصحة لذيذة، والجوع هو الذي يجعل الشبع نعمة. الأضداد لا يقوم أحدها إلا بصاحبه، والصراع بينها ليس عيبًا في الكون بل هو نسيجه؛ ولذلك قال قولته الصادمة: الحرب أبو كل شيء.

فهل كان الكون عنده فوضى تتقاذفها الأضداد؟ هنا تظهر كلمته الكبرى التي سيكون لها في تاريخ الفكر شأنٌ يطول: اللوغوس (logos). فوراء هذا الجريان كله قانونٌ خفي ثابت يضبط المقادير، تتصارع الأضداد على وفقه كما يتعاقب الليل والنهار، والنار تشتعل وتنطفئ بمقاديره لا تتعداها. الناس عنده نيامٌ عن هذا اللوغوس، يسمعونه ولا يفقهون، ولو فقهوه لرأوا أن الأشياء كلها واحد. فالتغير الدائم عند هيراقليطس ليس ضد النظام؛ التغير هو النظام.

بارمنيدس: الوجود واحد لا يتغير

وعلى الطرف الآخر من العالم الإغريقي، في مدينة إيليا جنوب إيطاليا، قام بعد ذلك رجلٌ يقول النقيض التام. صاغ بارمنيدس (نحو ٥١٥ – ٤٥٠ ق.م) مذهبه قصيدة شعرية تفتتح بمشهد مهيب: عربة تحملها خيول عارفة، تقودها بنات الشمس، تعبر بالشاعر بوابة الليل والنهار إلى إلهة تتلقاه بالترحاب وتعده أن تعلّمه الحق كله: طريق الحقيقة التي لا يشوبها ظن، وطريق ظنون البشر التي لا يقين فيها.

فأما طريق الحقيقة فتقوم على قضية تبدو أبسط من أن تقال: الوجود موجود، واللاوجود ليس بموجود ولا يمكن أن يُعرف ولا أن يُنطق به؛ فأنت حين تفكر لا تفكر إلا في شيء، والعدم المحض لا يُتصور ولا يُقال. ثم بنى على هذه القضية الوحيدة، بحديد المنطق، نتائج تهدم العالم المشهود كله:

لا يمكن أن يحدث شيء؛ لأن الحادث إما أن يحدث من موجود فهو موجود من قبلُ ولم يحدث، وإما أن يحدث من العدم والعدم لا يُخرج شيئًا. ولا يمكن أن يفنى شيء؛ إذ إلى أين يذهب؟ إلى العدم، والعدم ليس بشيء يُذهب إليه. ولا حركة؛ لأن الحركة تحتاج فراغًا ينتقل إليه المتحرك، والفراغ عدمٌ، والعدم غير موجود. ولا كثرة؛ لأن الفصل بين موجودَين لا يكون إلا بلا وجودٍ بينهما. فالوجود إذن واحدٌ، أزلي، لا يتحرك ولا يتغير ولا يتجزأ، تام مكتمل من كل جهة ككرةٍ مصمتة. وأما هذا العالم الذي نرى فيه الولادة والموت والحركة والكثرة، فظنُّ بشرٍ خدعتهم حواسهم.

قد يضحك القارئ من هذا القول: أينكر الرجل الحركة وهو يمشي؟ لكن تمهّل؛ فبارمنيدس لا يزعم أنك لا ترى الحركة، بل يزعم شيئًا أدق وأخطر: أن العقل إذا تتبع لوازم مقدماته بصرامة انتهى إلى استحالة ما تراه العين، وأنه إذا تعارض برهان العقل وشهادة الحس، فالحكم للعقل ولو كذّب العالم كله. هذه الجرأة، بقطع النظر عن نتيجتها، هي شهادة ميلاد الاستدلال البرهاني: قضيةٌ أولى، ثم لوازم تُستخرج منها بالإلزام، ثم تسليمٌ بالنتيجة مهما تكن. قبل أرسطو بقرن، كان بارمنيدس يمارس المنطق قبل أن يوضع علم المنطق.

زينون: محامي الأستاذ

أخيلالسلحفاةنقطة اللحاقسباق أخيل والسلحفاةلا تُبلَغ بعددٍ منتهٍ من الخطوات
رسمٌ توضيحي: كلّما بلغ أخيلُ موضعَ السلحفاة تقدّمت قليلًا، فالمسافة تصغر ولا تنعدم في عددٍ منتهٍ من الخطوات.

سخر الناس من مذهبٍ ينكر البديهيات، فانتدب للدفاع عنه تلميذُ بارمنيدس زينون الإيلي (Zeno of Elea)، بخطة داهية: لن أثبت لكم أن الوجود واحد ساكن، بل سأريكم أن قولكم أنتم، بالحركة والكثرة، يفضي إلى محالات أعظم. ومن ذلك مفارقاته التي شغلت العقول أربعة وعشرين قرنًا:

أخيل (Achilles) والسلحفاة: يتسابق أسرع عدّائي الإغريق مع سلحفاة تسبقه بخطوات؛ فإذا بلغ أخيل موضعها كانت قد تقدمت قليلًا، فإذا بلغ موضعها الجديد كانت قد تقدمت أقل من ذلك، وهكذا بلا نهاية؛ فبين المطارِد والمطارَد أبدًا مسافة، ولن يدركها أخيل قط. والسهم الطائر: هو في كل لحظة من لحظات طيرانه شاغلٌ حيزًا يساويه ساكنٌ فيه، فإذا كان ساكنًا في كل لحظة، فمتى تحرك؟

ويُروى أن ديوجين الكلبي (Diogenes the Cynic) حضر بعد ذلك بزمن مجلسًا تُعرض فيه براهين إنكار الحركة، فلم ينبس بكلمة: قام فمشى. وفي مشيته جوابٌ سنعود إليه. لكن المفارقات نفسها لم تكن عبثًا؛ فقد أجبرت الرياضيين على التفكير في اللانهاية والاتصال وجمع المتواليات غير المنتهية، ولم تُحسم رياضيًّا إلا بعد آلاف السنين مع حساب التفاضل والتكامل ونظرية النهايات، وما يزال بعض الفلاسفة يجد فيها إلى اليوم ما يستحق النظر.

أول أزمة كبرى في الفلسفة

فما الذي جرى في ذلك الجيل؟ ورث الفلاسفة عن أهل ميليتوس سؤال الأصل الواحد، فانفجر السؤال في أيديهم إلى معضلة أعمق: معضلة التغير. فهيراقليطس أمسك بطرف، وبارمنيدس بالطرف المقابل، وكلاهما دفع بمبدئه إلى غايته القصوى بلا مساومة: الأول جعل التغير حقيقة الوجود وأنقذ النظام باللوغوس، والثاني جعل الثبات حقيقة الوجود وضحّى بالعالم المشهود كله.

خرجت الفلسفة من هذه الأزمة بثلاثة مكاسب. أولها أن مشكلة التغير صارت المشكلة المركزية: فكل من سيأتي بعد ذلك، من الذرّيين إلى أفلاطون إلى أرسطو، إنما يكتب في جوهره جوابًا على بارمنيدس، حتى قيل بحق إن مذهبه هو الجرح الذي ظلت الفلسفة اليونانية تضمده قرونًا. وثانيها ميلاد البرهان الاستنباطي الصارم الذي رأينا أن بارمنيدس مارسه قبل تدوينه. وثالثها التمييز الحاسم بين الظاهر والحقيقة: بين العالم كما يبدو للحواس والعالم كما هو في نفسه، وهو تمييز سيرافق الفلسفة من كهف أفلاطون إلى كانط (Kant) الذي سنلقاه في أواخر هذه السلسلة.

أما كلمة هيراقليطس «اللوغوس» فقد كان لها وحدها سفرٌ طويل: أخذها الرواقيون فجعلوها العقل الإلهي السائر في الكون، وتلقفتها مدارس الإسكندرية، حتى وجدها قارئ العهد الجديد في فاتحة إنجيل يوحنا: «في البدء كان الكلمة»، والكلمة في أصلها اليوناني: اللوغوس. وقد مرّ بنا في مقال الآريوسيين كيف صارت هذه الفاتحة معتركًا لاهوتيًّا؛ وهكذا هاجرت كلمة من دفتر فيلسوف غامض في أفسس إلى قلب أعظم نزاعات العقيدة.

قراءة على ميزان الوحي

أمسك كلا الرجلين بنصف الحقيقة وأفلت نصفها الآخر. فأما أن العالم المشهود متبدلٌ فانٍ لا يثبت على حال، فحق أنطق الله به كتابه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]. وأما أن وراء هذا الفاني ثابتًا قائمًا لا يعتريه التغير، فحق أيضًا: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]. لكن هيراقليطس لم يجاوز الجريان إلى مُجريه، وبارمنيدس طلب الثابت الباقي فلم يجده إلا بإعدام العالم المتغير وجعله وهمًا. والوحي يثبت الأمرين معًا بلا تناقض: خلقٌ حقيقي متغير فانٍ، وخالقٌ حقٌّ باقٍ ليس كمثله شيء؛ فالثابت الذي حنّت إليه فطرة بارمنيدس موجود، لكنه فوق العالم لا بديلًا عنه.

وفي لوغوس هيراقليطس عبرة قريبة من هذا: فحدسه أن الجريان محكوم بمقادير مضبوطة لا بفوضى، حدسٌ صادق يهتف به الكون كله، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. غير أنّا نلتزم هنا ميزاننا في المضاهاة: لوغوس هيراقليطس قانونٌ كامنٌ في الطبيعة لا شخص له ولا إرادة، وتقدير القرآن فعلُ خالقٍ عليم مريد؛ فالحدس بوجود النظام مشترك، وتعيين مصدره هو مفترق الطرق، ولا نجعل الرجل عارفًا بما لم يبلغه.

ثم إن في مشية ديوجين درسًا في نظرية المعرفة قررناه في مقال «نهاية الإلحاد»: إن البرهان النظري، مهما بلغت صرامته، إذا صادم مشهودًا محسوسًا قائمًا فالخلل في مقدماته وإن خفي موضعه، والدليل الحسي إذا حضر أغنى عن جدال الكلام؛ فمن ينكر الحركة يُجاب بالمشي أمامه، كما أن من يطالبك ببرهان على وجودك وأنت تخاطبه قد كُفيت مؤونته. والوحي أنصف القوى جميعًا: أثنى على العقل وأحال على السمع والبصر والفؤاد، وجعل بعضها عاصمًا من شطط بعض.

إلى المقال التالي

خلّف بارمنيدس الفلسفة أمام طريق مسدود: برهانٌ عقلي يقضي باستحالة التغير، وعالمٌ مشهود يموج بالتغير. ولم يكن الخروج من المأزق إلا بتنازلٍ ذكي: فماذا لو كان الوجود كثيرًا لا واحدًا، وكان كل واحدٍ من هذا الكثير ثابتًا أزليًّا لا يتغير، على شرط بارمنيدس، ثم كان بينها فراغٌ تتحرك فيه وتأتلف وتفترق، فتتولد من ائتلافها وافتراقها هذه الأشياء التي نرى ولادتها وفناءها؟ ذلك جواب رجلٍ من أبديرا لُقّب بالفيلسوف الضاحك، وذرّاته الصغيرة التي لا تنقسم ما تزال تحمل اسمها اليوناني في مفاعلات اليوم ومختبراتها: الذرّة. إلى المقال التالي: الذرّة والفراغ.

سلسلة «كان الناس أمة واحدة» — في فلسفة الوجود

المقال الثالث: الذرّة والفراغ

ديمقريطس (Democritus) والمذهب الذرّي

لوحة الفيلسوف الضاحك
«الفيلسوف الضاحك» لـيوهانس مورلسه، نحو ١٦٣٠م (متحف موريتسهاوس، لاهاي). لوحةٌ رمزيةٌ هولندية لا صورةٌ شخصية؛ ولقبُ «الضاحك» نفسه صنعةٌ أدبيةٌ من العصر الروماني لا يعرفها أقدمُ المصادر. (ويكيميديا كومنز — ملكية عامة)

الرجل الذي اشترى قبره بكتاب

في أبديرا، على الساحل الشمالي لبحر إيجه، وقف رجل في أواسط عمره أمام أهل مدينته في موقفٍ لا يُحسد عليه. كان أبوه من أغنى رجالها، فلما مات اقتسم الأبناء الميراث، فاختار هو النصيب النقدي الأصغر ليكون خفيفًا في الأسفار، ثم أنفقه كله عن آخره: رحل إلى مصر يتعلم الهندسة من كهنتها، وإلى بابل يأخذ عن منجّميها وحسّابها، وقيل بلغ فارس وما وراءها. ثم عاد إلى أبديرا صفر اليدين.

تأصل في شريعة المدينة حكمٌ قاسٍ: من بدّد ميراث أبيه حُرم إذا مات أن يُدفن في تراب وطنه. فلما جدّ الجدّ، لم يدافع الرجل عن نفسه بمحامٍ ولا بدموع؛ بل وقف يقرأ على أهل المدينة أعظم كتبه: «نظام العالم الأكبر». فلما فرغ، لم يكتفِ القوم بتبرئته، بل قضوا له بمالٍ عظيم يعوّض ميراثه، ونصبوا له التماثيل، ودُفن يوم مات على نفقة المدينة. اسمه ديمقريطس، ولقّبته القرون التالية «الفيلسوف الضاحك».

مخرجٌ من سجن بارمنيدس

انتهى المقال الماضي بالفلسفة محبوسة بين برهان بارمنيدس وشهادة الحواس: العقل يقضي بأن التغير محال، والعين تراه في كل شيء. وجاء الحل من لوقيبوس (Leucippus) الملطي وتلميذه ديمقريطس (نحو ٤٦٠ – ٣٧٠ ق.م) بمناورة من أذكى ما عرفت الفلسفة: لم يرفضا منطق بارمنيدس، بل قبلاه ثم راجعا مقدماته.

وسلّما له أن الموجود الحق لا يولد ولا يفنى ولا يتغير، وأن شيئًا لا يخرج من لا شيء. ولكن من قال إن الموجود واحد؟ فلتكن الموجودات الحقة كثيرة لا تُحصى، كل واحد منها «وجودٌ بارمنيدي» مصغّر: أزلي، مصمت، لا يتجزأ ولا يتبدل. وسمّياها بما يصف حقيقتها: «أتوموس» (atomos)، أي ما لا يُقطع ولا ينقسم — وهي الكلمة التي نعرّبها اليوم: الذرّة.

ثم أقدما على الكسر الأعظم: قالا إن الفراغ — اللاوجود الذي حرّمه بارمنيدس — موجودٌ هو الآخر بوجهٍ ما، إذ لولاه لما تحركت الذرات ولا تمايزت. وبلغت الجرأة بديمقريطس أن قال عبارته المحيّرة: «ليس الشيء بأولى بالوجود من اللاشيء». وبهذين الحدّين انفتح الباب المغلق: الذرات تسبح في الفراغ، تتصادم وتأتلف وتفترق؛ فما نسميه ولادةً هو ائتلاف ذرات، وما نسميه فناءً هو افتراقها، والذرات نفسها لا تولد ولا تفنى. هكذا أُنقذت الحركة والكثرة، وبقي منطق بارمنيدس في عمق المذهب مكرَّمًا لم يُخدش.

عالمٌ من ذرات وفراغ

ذرّاتٌ وفراغتختلف في الشكل والمقدار والوضع والترتيبالفراغ
رسمٌ توضيحي: الذرّات عند ديمقريطس لا تختلف في جوهرها، وإنما في الشكل والمقدار والوضع والترتيب، تسبح في فراغ.

وعلى هذا الأساس بُني تصورٌ كامل للعالم. الذرات لا تختلف في جوهرها، وإنما في الشكل والمقدار والوضع والترتيب؛ وكما تصنع من حروف الهجاء نفسها مأساةً ومَلهاة، تصنع الذرات نفسها بترتيباتها ماءً ونارًا وإنسانًا. والنفس عنده ذرات لطاف ملساء ناريّة منبثّة في البدن، والإبصار أشباحٌ رقيقة تنسلخ من سطوح الأشياء فتقع في العين.

أما الطعم واللون والحر والبرد فليست في الأشياء نفسها؛ وله في ذلك شذرة تلخص المذهب كله: «بالعرف الحلو، وبالعرف المر، وبالعرف الحار، وبالعرف البارد، وبالعرف اللون؛ وأما في الحقيقة فذراتٌ وفراغ». فهو أول من فرّق بين ما في الأشياء من كمٍّ وشكل وحركة، وما تضيفه حواسنا عليها من كيفيات — تفريقٌ سيوقظه غاليليو (Galileo) وجون لوك (John Locke) بعد ألفي عام ويجعلانه أساس العلم الحديث. لكن ديمقريطس نفسه رأى الهاوية التي يفتحها هذا القول تحت قدميه: فإذا كانت الحواس كاذبة، فمن أين للعقل براهينه وهو لا يتغذى إلا منها؟ وكتب محاورة قصيرة ترد فيها الحواس على العقل بأقسى جملة في الفلسفة القديمة: «أيها العقل المسكين، أمنّا تأخذ بيّناتك ثم بها تصرعنا؟ إن صرعك إيانا سقوطُك أنت».

ولم يقتصر طموح المذهب على عالمنا: فالذرات لا نهاية لها، والفراغ لا نهاية له، فالعوالم إذن لا تُحصى: عوالم تولد وعوالم تنحلّ، بعضها لا شمس فيه ولا قمر، وبعضها أعظم من عالمنا شموسًا وأقمارًا. وكل ذلك يجري لا بتدبير مدبِّر ولا لغاية، بل بالضرورة العمياء وحدها. ومن المفارقات التاريخية أن لوقيبوس، مؤسس المذهب، لم تصلنا من كتبه كلها إلا جملة واحدة، وكأن القدر اختارها عنوانًا: «لا يحدث شيءٌ جزافًا، بل كل شيء عن علةٍ وبالضرورة».

مصير المذهب: من محرقةٍ مقترحة إلى مفاعلات اليوم

يروي ديوجين اللائرتي عن أرسطوكسينوس (Aristoxenus) أن أفلاطون همّ أن يجمع كتب ديمقريطس كلها فيحرقها، فثناه اثنان من الفيثاغوريين بأن الكتب قد شاعت في الأيدي ولا تُجدي النار فيها — وأرسطوكسينوس معروف بسوء القالة في أفلاطون، فالخبر على عهدته. والثابت أن أفلاطون لم يذكر ديمقريطس في كتبه قط بحرف، وأن أرسطو على خلاف ذلك أخذه مأخذ الجد، فعرض مذهبه بإنصاف ثم نقضه نقضًا مؤسسًا.

ثم تبنّى أبيقور (Epicurus) الذرّيةَ فجعلها أساس مذهبه في طمأنينة النفس، وصاغها الشاعر الروماني لوكريتيوس (Lucretius) في قصيدته «في طبيعة الأشياء». وكادت القصيدة أن تضيع، حتى عثر الباحث الإيطالي بودجو براتشوليني (Poggio Bracciolini) سنة ١٤١٧م على نسخة منها في دير ألماني منعزل، فأدى نشرها إلى أثر بالغ في إحياء الذرّية عند أوائل المحدثين، إلى أن استعار الكيميائي دالتون (John Dalton) الاسم القديم لجسيماته سنة ١٨٠٣م. ثم جاءت مفارقة ختامية: ففي القرن العشرين شُطرت «التي لا تنقسم» إلى نواة وإلكترونات، ثم شُطرت النواة نفسها، واحتفظ المشطور بالاسم. غير أن الأمانة تقتضي التنبيه: ليست ذرة دالتون امتدادًا برهانيًّا لذرة ديمقريطس؛ فتلك حدسٌ فلسفي لا تجربة وراءه، وهذه فرضية جاءت من الموازين ونسب الاتحاد الكيميائي، والجامع بينهما فكرة الحبيبات الأولى والاسم.

فماذا قدّم المذهب الذرّي؟

قدّم أولًا نموذجًا يتكرر في تاريخ العلم: حين يصطدم برهانٌ متين بمشاهدةٍ قاطعة، فليس السبيل إنكار المشاهدة ولا هجر البرهان، بل مراجعة مقدمةٍ خفية تسللت إلى البرهان دون تمحيص. راجع الذرّيون مقدمة «الموجود واحد» و«الفراغ محال»، فانحلت العقدة. وهذا عين ما قررناه في مقال «من الملاحظة إلى الثورة العلمية» عن سلوك العلم عند تكذيب التجربة للنظرية.

وقدّم ثانيًا أول برنامج كامل للتفسير المادي الآلي: مادة وحركة وضرورة، ولا شيء غيرها؛ لا فاعل مدبِّر ولا غاية مقصودة. فالسؤالان اللذان رأينا مدرسة ميليتوس تغفل عنهما — مَن الفاعل؟ وما الغاية؟ — لم يغفل عنهما ديمقريطس، بل أجاب عنهما صراحةً بالنفي: لا فاعل، ولا غاية. وبذلك اكتملت لأول مرة صورة المذهب الذي ستدور عليه معارك الفلسفة والاعتقاد إلى يومنا، وصار كل كلام لاحق في المادية القديمة والحديثة حاشيةً على متن أبديرا.

غير أن في المذهب موضع نظر ينبغي بيانه بإنصاف: فاتساق البناء الداخلي شيء، وصدقه شيء آخر. بنى ديمقريطس عالمًا محكم النسج فوق مصادرةٍ لم يقم عليها دليل: أن لا فاعل ولا غاية. والمنطق السليم إذا ركّب فوق مقدمة موضوعة أنتج باطلًا حسن الصياغة؛ فليست قوة الاستنباط عاصمةً من فساد المنطلق.

قراءة على ميزان الوحي

يتخذ الناظر المسلم من هذا المذهب موقفًا مزدوجًا. فأما حدسُه أن للمادة بنيةً باطنة من لبناتٍ أولى دقيقة تأتلف وتفترق، فحدسٌ بارع صدّقته القرون. وأما الدعوى الكبرى — أن الضرورة العمياء والتصادم الأعمى يكفيان لتفسير هذا الإحكام — فهي موضع النزاع الذي لم تزده كشوف العصر إلا انكشافًا: فكلما نزل العلم طبقةً في بنية المادة وجد تحتها نظامًا أدق وموازين أضبط، من نسب الاتحاد الكيميائي إلى ثوابت الكون المضبوطة ضبطًا لو زاغ أدناه ما قامت ذرة ولا نجم. ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]؛ وقد قررنا في مقال «نهاية الإلحاد» أن الكشوف الحديثة لم تنشئ دليلًا جديدًا، وإنما زادت الدليل القديم قوةً ووضوحًا.

بل إن جملة لوقيبوس الوحيدة — لا يحدث شيء جزافًا بل عن علة — حجةٌ على المذهب لا له: فمن سلّم بأن كل حادثٍ فبعلة، سُئل عن سلسلة العلل نفسها وعن نظامها المطّرد: علةُ الانتظام لا تكون انتظامًا أعمى، وقد أمسك الذرّيون بأول الخيط ثم قطعوه قبل أن يبلغ بهم إلى مُسبِّب الأسباب.

وللقصة ذيلٌ إسلامي طريف يحسن أن نختم القراءة به: فقد تبنّى متكلمو المسلمين، من معتزلة وأشاعرة، مذهبًا ذريًّا خاصًّا بهم قوامه «الجوهر الفرد» الذي لا يتجزأ. لكن انظر كيف انقلبت وظيفة الفكرة الواحدة بين المذهبين: ذرة ديمقريطس أزلية مستغنية بنفسها جُعلت بديلًا عن الخالق، وجوهر المتكلمين حادثٌ مفتقر يخلقه الله ويخلق أعراضه في كل آن، فجُعل شاهدًا على الفقر الدائم إلى الخالق. فقد تتشابه البنية الذهنية، ويتضاد المقصد، وهذا من أنفع ما يتعلمه دارس تاريخ الأفكار: ألا يحكم على فكرة بصورتها حتى ينظر في وظيفتها داخل مذهب صاحبها — وهو وجهٌ آخر لتحفظنا المعهود من عدوى المضاهاة.

إلى المقال التالي

بلغت الفلسفة الطبيعية مع ديمقريطس أقصى شوطها: بدأت بماء طاليس وانتهت إلى عالمٍ من ذرات صماء تتقاذفها الضرورة، لا فاعل فيه ولا غاية، والإنسانُ نفسه حفنةُ ذرات ستفترق. وفي أثينا، في تلك السنوات نفسها، شابٌّ من بيت أرستقراطي يشهد مدينته تقتل بكأس السم أعدل أهلها وأزهدهم، فانبثق في نفسه سؤال قلب مسار البحث كله: إذا كانت الحقيقة ذراتٍ وفراغًا، فمن أين جاء العدل الذي مات أستاذي من أجله؟ وأين رأينا المثلث التام والخط المستقيم اللذين نحكم بهما على كل مثلثٍ وخطٍّ في هذا العالم الناقص؟ لعل المحسوس ليس أصل الوجود، بل ظله. ذلك هو أفلاطون، وذلك موعدنا: عالم المُثُل.

سلسلة «كان الناس أمة واحدة» — في فلسفة الوجود

المقال الرابع: عالم المُثُل

أفلاطون: الوجود الحق وراء الظلال

فسيفساء رومانية من بومبي تصور مجموعة من الحكماء
فسيفساء رومانية من دار T. Siminius Stephanus في بومبي (المتحف الأثري الوطني بنابولي، رقم ١٢٤٥٤٥)، تُعرف اصطلاحًا بـ«أكاديمية أفلاطون». والتسميةُ حديثةٌ متحفية: لم تُحقَّق هويةُ أيٍّ من الأشخاص السبعة، ويقرؤها بعضُ الدارسين على أنهم الحكماءُ السبعة. (ويكيميديا كومنز — ملكية عامة)

فيلسوف في سوق الرقيق

في جزيرة إيجينا المقابلة لأثينا، نحو سنة ٣٨٧ قبل الميلاد، وقف في سوق الرقيق رجل أثيني عريض المنكبين جاوز الأربعين، يُعرض للبيع كأي سلعة. لم يكن أسير حرب مغمورًا؛ كان قد خرج لتوّه من بلاط ديونيسيوس (Dionysius) طاغية سرقوصة، ذهب إليه يجرّب إصلاح حاكمٍ بالفلسفة، فما احتمل الطاغية صراحته، ودبّر له ما انتهى به إلى منصّة النخّاسين.

وشاء الله أن يمرّ بالسوق رجل من قورينا اسمه أنيكيريس (Anniceris)، فعرف الوجه، فاشتراه وأعتقه من فوره. ولما جمع أصدقاء الفيلسوف المال ليردّوه إليه، أبى أنيكيريس أن يأخذ درهمًا، وخلاصة قوله: لِمَ تحتكرون أنتم شرف الإنفاق على الفلسفة؟ فتحوّل مال الفداء إلى مشروع آخر: اشترى به الفيلسوف بستانًا في ضاحية أثينا يُنسب إلى بطلٍ قديم اسمه أكاديموس (Academus)، وأنشأ فيه مدرسته. اسمه أفلاطون، ومدرسته «الأكاديمية»: أول مؤسسة علمية باقية في التاريخ، عاشت تسعة قرون حتى أغلقها الإمبراطور جستنيان (Justinian) سنة ٥٢٩م، وما زال اسمها إلى اليوم عَلَمًا على كل بيت من بيوت العلم.

المسألة التي تلقاها أفلاطون

وسنعود لاحقًا في سلسلة معنى الحياة مع محاكمة سقراط (Socrates) وموته، ونأخذ هناك من سيرته حاجتنا. أما ما يعنينا هنا ما أورثه تلميذَه من مسألة: كان سقراط يطوف أثينا يسأل: ما العدل نفسه؟ ما الجمال نفسه؟ لا يريد أمثلة بل حدًّا جامعًا مانعًا، وكان السؤال ينتهي أبدًا بلا جواب. ومات الرجل، وبقي السؤال معلقًا في ذمة تلميذٍ شهد أعدل من عرف يُقتل باسم عدالة المدينة.

ورث أفلاطون مع السؤال معضلتَي المقال الثاني. فقد أخذ في شبابه عن كراتيلوس (Cratylus) الهيراقليطي أن المحسوسات في جريان لا يثبت منها شيء؛ وإذا كان معلومُك يتبدل وأنت تنظر إليه فلا علم به، إنما هي ظنون تجري مع الجاري. وسمع حجة بارمنيدس أن المعلوم الحق يجب أن يكون ثابتًا لا يتغير. فجمع بين الطرفين على نحو لم يسبقه إليه أحد: كلاهما صادق، ولكن عن عالمٍ غير عالم صاحبه. هيراقليطس وصف العالم المحسوس، وبارمنيدس وصف عالمًا آخر معقولًا لا تناله الحواس.

ذلك هو مذهب المُثُل: أن وراء كل كثرةٍ محسوسة حقيقةً واحدة معقولة ثابتة هي «المثال»: فالأشياء الجميلة تحضر وتغيب ويعتريها القبح، والجمالُ نفسه ثابت لا يشوبه ضد؛ والأفعال العادلة تختلط، والعدلُ نفسه صافٍ تام. المحسوسات إنما «تشارك» مثالها أو تحاكيه محاكاة ناقصة، كما تحاكي التماثيلُ صاحبَها. فإذا سألت: أين الوجود الحق؟ أجاب أفلاطون بما يقلب جواب ديمقريطس رأسًا على عقب: ليس الوجود الحق هذا الذي تلمسه وتراه؛ هذا ظل. الوجود الحق هو المعقول الذي لا يُرى.

الكهف

مثال الكهفالجدار والظلالالمقيَّدونالنارالممرّ وحملة التماثيلالشمس — مثال الخيرطريق الصعود
رسمٌ توضيحي لمثال الكهف: الجدار والظلال، والمقيَّدون، والنار من خلفهم، والممرّ الذي تُحمل عليه الأشياء، ثم طريق الصعود إلى الشمس.

صاغ أفلاطون مذهبه في أشهر صورة فلسفية: تخيّل أناسًا مقيّدين منذ الطفولة في كهف، وجوههم إلى جداره، لا يرون إلا ظلالًا تلقيها على الجدار نارٌ خلفهم تمر أمامها الأشياء. هؤلاء لا يعرفون من الدنيا غير الظلال، فهي عندهم الحقيقة كلها، ولهم في تسميتها وتوقّع تعاقبها علومٌ وجوائز.

فإن فُكّ أحدهم وأُدير وجهه، آلمه الضوء وأنكر ما يرى، وحسب الظلال أصدق مما يُريه الوهج. فإن سُحب سحبًا في طريق الصعود حتى خرج، عمي أول الأمر، ثم ألف عينُه النور شيئًا فشيئًا: يرى الظلال، ثم صور الأشياء في الماء، ثم الأشياء أنفسها، ثم يرفع رأسه آخر الأمر إلى الشمس فيدرك أنها مصدر الضوء وسبب كل ما كان يرى. ثم يذكر رفقاءه في القاع فيرثي لهم، فينزل إليهم يبشرهم، فتظلم عليه العتمة وقد ألف النور، فيتعثر في علومهم الظلية، فيضحكون منه: صعد فأفسد بصره! ويقول أفلاطون في ختام الرمز كلمة تقطر دمًا: وإنهم ليقتلون من يحاول أن يفكّ قيودهم ويصعد بهم، لو استطاعوا إليه سبيلًا. وما نظنه إلا رأى وهو يكتبها كأس السم في يد أستاذه.

والعتمة عالم الحس، والظلال معارف أهله، وطريق الصعود التربية الفلسفية، والخروج إدراك المعقولات، والشمس أعلى المثل جميعًا: مثال الخير الذي به تُعقل المعقولات كما بالشمس تُبصر المبصرات.

شاهد الرياضيات

لقائل أن يقول: ومن أين لنا أن هذا العالم المعقول موجود لا خيال شاعر؟ كان أشد شواهد أفلاطون في يده الرياضيات، وعلى باب أكاديميته كُتب فيما يُروى: لا يدخلْ علينا من لم يتعلم الهندسة. فانظر في أي مثلث رسمتَه يدٌ على رمل أو رقّ: أضلاعه ذات عرض، وخطوطه معوجّة إذا دُقق النظر، وزواياه لا تبلغ المقادير بالضبط؛ فليس في العالم المحسوس كله مثلثٌ تام واحد. ومع ذلك يقيم المهندس براهينه على المثلث التام، ويحكم على كل مثلث مرسوم بالنقص. فبأي ميزان حكمنا على المرسومات كلها بالنقصان، ونحن لم نرَ بأعيننا قط ذلك التام الذي نقيس عليه؟ لا بد أن للعقل متعلَّقًا غير ما تناولته الحواس.

وزاد أفلاطون فادّعى في محاورة مينون (Meno) أن المعرفة تذكّر: فقد صوّر سقراط يستخرج من غلامٍ خادم لم يتعلم الهندسة قط حلَّ مسألة هندسية بمجرد سؤاله سؤالًا بعد سؤال، لا يلقّنه شيئًا. فمن أين للغلام هذا؟ أجاب أفلاطون: النفس شاهدت المثل قبل حلولها البدن، والتعلم استرجاع ما نسيت. وهذا القول موصول عنده بمذهبٍ في قِدم النفس وتناسخها كان يعرضه هو نفسه ممزوجًا بالأساطير عرضَ من يومئ إلى أنه يقرّب أمرًا لا يملك برهانه، وسنزنه في موضعه من هذا المقال.

الصانع: أول جواب عن «مَن» و«لماذا»

رافقنا منذ المقال الأول سؤالان ظلّت الفلسفة الطبيعية تراوغهما: من الفاعل؟ ولأي غاية؟ وأجاب ديمقريطس عنهما بالنفي الصريح. فلما شاخ أفلاطون كتب محاورة الطيماوس، فإذا فيها أول جواب إثباتٍ في تاريخ الفلسفة: هذا الكون البديع لا يصدر عن ضرورة عمياء؛ وراءه صانعٌ إلهي حكيم، سمّاه «الديميورغوس» (demiurge) أي الصانع المحترف، وجد مادةً مضطربة لا نظام فيها، فنظر إلى المثل الأزلية ونظم المادة على مثالها. ولماذا؟ أجاب أفلاطون جوابًا ظل يتردد صداه: لأن الصانع خيّرٌ، والخيّر لا يبخل ولا يحسد، فأراد أن يكون كل شيء على أحسن ما يمكن أن يكون. فالعالم عنده أثرُ جودٍ لا حادثُ صدفة، ودراستُه قراءةٌ في حكمة صانعه.

ومن إنصاف أفلاطون أنه قدّم ذلك كله متواضعًا، يسمي حديثه عن نشأة الكون «قولًا محتملًا» لا برهانًا قاطعًا، إذ كيف يحيط المخلوق يقينًا بتفاصيل صنعته؟ وسنقف في ميزان القراءة على ما بلغه هذا الجواب العظيم وما قصّر عنه.

أفلاطون خصمُ أفلاطون

لعل أجلّ ما في الرجل خصلة قلّ نظيرها في أصحاب المذاهب: أنه كان أقسى نقّاد مذهبه. ففي أواخر عمره كتب محاورة سمّاها باسم بارمنيدس، صوّر فيها الشيخ الإيلي يمتحن فتًى اسمه سقراط في مذهب المثل، فيمطره اعتراضاتٍ ما أجاب أفلاطون عن بعضها قط: ما حدود المثل؟ ألِلطين والشعر والقاذورات مُثل؟ وكيف «تشارك» الأشياءُ مثالَها: أتحلّ فيها كلُّه فيتجزأ، أم بعضُه فليس مثالًا واحدًا؟ ثم الاعتراض الذي سيسميه أرسطو حجة «الرجل الثالث»: إذا كانت الأشياء الجميلة إنما اجتمعت في وصفٍ واحد لمشاركتها مثال الجمال، فالمثال نفسه جميل، فليجتمع هو والأشياء في مثالٍ ثانٍ فوقه، ثم يلزم ثالث فوقهما، إلى غير نهاية.

وعرض أفلاطون هذه المعاول على أساس بنيانه بيده، في كتابٍ ينشره على الناس، ثم بقي على مذهبه معدّلًا مطورًا. وهذه هي روح تقليد النقد التي رأيناها تولد في ميليتوس، بلغت هنا ذروة نادرة: النقد المتبادل صار نقدًا للذات. ثم إن أعظم اعتراضٍ على المثل سيجيء من داخل بيته: من تلميذٍ لازم الأكاديمية عشرين سنة، وله معنا المقال التالي.

أثرٌ لا ينقضي

قال الفيلسوف الإنجليزي وايتهد (Whitehead) كلمته المشهورة التي معناها أن أسلم توصيف عام للتراث الفلسفي الأوروبي أنه حواشٍ متتابعة على أفلاطون. ولن نستبق هنا فصول القصة: فسنلقى أفلاطون معاد الصياغة عند أفلوطين (Plotinus) في المقال السادس، ثم وافدًا على المسلمين مختلطًا بغيره في المقال السابع، وسنجد كهفه قائمًا في قلب تمييز كانط بين الظاهرة والشيء في ذاته في المقال العاشر.

ويكفي هنا شاهدٌ واحد على حياة المذهب: سل رياضيًّا محترفًا اليوم: نظرية فيثاغورس، والأعداد الأولية التي لا تنتهي — أتراها اختراعًا اخترعه البشر كما اخترعوا الشطرنج، أم اكتشافًا لحقائق قائمة كانت صادقة قبل أن يوجد عقل يعقلها؟ ستجد كثيرًا من أهل الصنعة يجيبون بالثاني، ويسمّون هذا الموقف في أدبياتهم إلى اليوم: الأفلاطونية الرياضية. فمن الظلم أن يُحسب مذهب المثل أثرًا متحفيًّا؛ إنه حيٌّ يسعى في أروقة أقسام الرياضيات.

قراءة على ميزان الوحي

ولأفلاطون في هذا الميزان مقامٌ خاص. فهو الذي كسر احتكار المادة للوجود: أثبت بالحجة أن ليس كل موجودٍ جسمًا يُلمس، وأن العالم المشهود ليس نهاية الحقيقة بل أدناها، وأن للعقل مدارك فوق الحس. وهذا التوسيع لخريطة الوجود هدمَ به السدَّ الأعظم الذي يقف بين المادّيين وبين تصديق الغيب من أصله. غير أنّا نضبط العبارة بميزاننا: ليس عالم المثل هو عالم الغيب الذي أخبر عنه الوحي؛ فذاك ملأه القرآن الكريم ملائكةً وجنةً ونارًا وربًّا حيًّا قيومًا — سبحانه — يفعل ما يشاء، وهذا مُثلٌ مجردة باردة لا تسمع ولا تجيب. التقاطع في القسمة — شهادةٌ وما وراءها — لا في مضمون القسمين، فلا نجعل أفلاطون مؤمنًا بالغيب النبوي.

أما صانع الطيماوس فهو في ميزاننا أبلغُ ما وصل إليه العقل اليوناني وحده سائرًا إلى الله: فاعلٌ حكيم خيّر قاصد، دفع الصدفةَ والضرورةَ العمياء معًا. غير أن مسيره انتهى إلى: صانعٌ لا خالق؛ وجد مادةً أزلية لم يوجِدها فنظّمها، ووجد مُثلًا فوقه لم يضعها فاحتذاها؛ فهو مهندسٌ ورث موقعَ عملٍ ومخططاتٍ لم يصنع منهما شيئًا. والفارق بينه وبين ما جاء به الوحي هو الفارق بين غاية العقل وغنى الخبر: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]: خالقٌ أبدع المادة والصور والسنن جميعًا من غير مثالٍ سابق، لا صانعٌ قيّده ما وجد. فسبحان من هدى الفطرةَ فقاربت، وأنزل الوحيَ فأتمّ وبيّن.

وقد يعنّ لقارئٍ عند «التذكر» الأفلاطوني أن يستدعي آية الميثاق: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وهنا نشدّد ما اعتدناه من التحفظ: الدعوتان مفترقتان مبنًى ومعنًى. تذكّرُ أفلاطون فرعٌ عن قِدم النفس وتناسخها في الأبدان ومشاهدتها المثلَ المجردة، وكل ذلك مردود بنص الوحي؛ وميثاقُ الآية إشهادٌ أخذه الخالق على مخلوقين محدَثين، وثمرته فطرةٌ مركوزة توحّد لا معلوماتٌ هندسية مخزونة. فغلامُ مينون عند أفلاطون يسترجع علمًا، والمولود في حديث الفطرة يولد على ملّة التوحيد ثم يجتاله الشياطين — وهو حديث افتتحنا به السلسلة. التشابه في أن في الإنسان شيئًا سابقًا على التعليم، والافتراق في حقيقة هذا الشيء ومصدره.

إلى المقال التالي

جدارية مدرسة أثينا لرافائيل
«مدرسة أثينا» لـرافائيل، ١٥٠٩–١٥١١م، حجرة التوقيع بالفاتيكان. في القلب أفلاطون رافعًا سبّابته إلى السماء وبيده «الطيماوس»، وأرسطو باسطًا كفّه نحو الأرض وبيده «الأخلاق». (ويكيميديا كومنز — ملكية عامة)

في جدارية رافائيل (Raphael) الشهيرة «مدرسة أثينا» يمشي في صدر الصورة شيخٌ وكهل: الشيخ أفلاطون رافعٌ سبّابته إلى السماء، حيث الوجود الحق عنده، والكهل تلميذه باسطٌ كفّه نحو الأرض، كأنه يقول: بل هاهنا، في هذه الأشياء أنفسها، فلنبحث عن الوجود. جاء هذا التلميذ إلى الأكاديمية غلامًا في السابعة عشرة من بلدة نائية اسمها إسطاغيرا، وكان أبوه طبيبَ بلاط الملك، فورث عن بيت الطب عينًا لا تشبع من تشريح المشهود وتقليب المحسوس. لازم أستاذه عشرين سنة حتى مات، ثم قال كلمته التي تُروى بمعناها: إن أفلاطون حبيب والحق أحب إلينا منه. فأنزل المثل من سمائها إلى جوف الأشياء، وسأل السؤال الذي صار به أبا علمٍ جديد: ما الوجود بما هو وجود؟ إلى المقال التالي: الوجود بما هو موجود.

سلسلة «كان الناس أمة واحدة» — في فلسفة الوجود

المقال الخامس: الوجود بما هو موجود

أرسطو وولادة الميتافيزيقا

لوحة علمية لسمكتي كلب البحر الأملس
كلبُ البحر الأملس (Mustelus laevis) في لوحةٍ من «الوصف المنهجي للأسماك الغضروفية» لـيوهانس مولر ويعقوب هنله، برلين ١٨٤١م. وهو النوعُ الذي وصف أرسطو اتصالَ أجنّته بمشيمة، وأعاد مولر فحصَه سنة ١٨٤٢م فوجد الوصف صحيحًا. (ويكيميديا كومنز — ملكية عامة)

الفيلسوف في البحيرة

في جزيرة لسبوس ببحر إيجه، نحو سنة ٣٤٥ قبل الميلاد، كان صيادو بحيرة بيرّا يرون منظرًا يثير عجبهم: رجل في منتصف العمر، أثينيُّ الهيئة، يخوض الماء الضحل إلى ركبتيه، ينحني على قنديل بحر يقلّبه، ويشرّح حبّارًا بيدٍ خبيرة، ويفتح بطون أسماك القرش الصغيرة ليرى كيف تحمل أجنّتها. لم يكن الرجل صيادًا ولا طاهيًا؛ كان يدوّن: هذا يبيض، وهذا يلد، وهذا العجيب — كلب البحر الأملس — تتصل أجنّته ببطن أمه بحبلٍ ومشيمة كما يتصل جنين الإنسان.

ولا غرابة في المشرط الأليف بيده؛ فالرجل سليل بيت طبٍّ يرفع نسبه إلى أسكليبيوس (Asclepius)، وأبوه نيقوماخوس (Nicomachus) كان طبيب بلاط مقدونيا. وقد بلغنا عنه أنه كان يقول لتلاميذ تأنف نفوسهم من دراسة الديدان والأصداف ما معناه: في كل شيء من الطبيعة عجب؛ ويروي لهم خبر هيراقليطس وقد جاءه زائرون فوجدوه يصطلي عند موقد الخبز فترددوا، فقال لهم: ادخلوا، فهاهنا أيضًا آلهة. هذا الخائض في وحل البحيرة يعدّ العيون في رأس الحبّار هو نفسه الذي سيضع علم المنطق، ويعرّف الله بأنه فكرٌ يعقل ذاته. اسمه أرسطو، وقد آن لقاؤنا به.

التلميذ الذي أنزل المُثل إلى الأرض

وجاء أرسطو إلى أكاديمية أفلاطون غلامًا يافعًا في السابعة عشرة، ولزمها عشرين سنة كاملة حتى موت أستاذه، وكان أفلاطون يسميه فيما يُروى «العقل». ومع هذا الحب المديد، لم يستطع عقل ابن الطبيب أن يسكن إلى مذهب المثل: فما الذي تفسّره لنا مُثلٌ مفارقة في سماء عقلية؟ كيف يُحدث مثالُ الحصان المفارقُ حصانًا يصهل في الإسطبل؟ وبأي صلة تعالج مثالُ الصحة مريضًا يتقلب أمام الطبيب؟ ضاعف أفلاطون العالم ولم يفسره؛ نقل السؤال من الأرض إلى السماء وبقي السؤال سؤالًا.

فكان انقلاب أرسطو محفوظًا في كلمته التي تُروى بمعناها: أفلاطون حبيبٌ، والحق أحب إلينا منه — وأصلها جملة في «الأخلاق النيقوماخية» يعتذر فيها عن نقد أصحاب المثل بأن الحق أولى بالتقديم من الأصدقاء، ثم صاغتها القرون مثلًا سائرًا. أما مضمون الانقلاب فبسيط في عبارته، هائل في أثره: الصور موجودة حقًّا، ولكن ليس في سماءٍ مفارقة؛ إنها في الأشياء أنفسها. صورةُ الحصان في هذا الحصان، وصورة الإنسان في زيدٍ وعمرو. فلا سبيل إلى معرفة الصور إلا من طريق أفرادها: فلتُدرس الأشياء إذن، فردًا فردًا ونوعًا نوعًا — ومن هنا خاض الرجل بحيرة لسبوس.

علمٌ سمّاه أمينُ مكتبة

ورأى أرسطو أن العلوم اقتسمت الموجودات: الرياضي يدرس الموجود من حيث هو كمٌّ وعدد، والطبيعي يدرسه من حيث هو جسم متحرك، والطبيب من حيث يصح ويمرض. فمن يدرس الموجود من حيث هو موجود؟ من يسأل عن الوجود نفسه: ما معنى أن يكون الشيء كائنًا؟ وما أقسام الموجود بما هو موجود، وما مبادئه الأولى؟ ذلك علمٌ فوق العلوم كلها سمّاه «الفلسفة الأولى» وسمّاه «العلم الإلهي».

أما الاسم الذي غلب عليه فقصته من طرائف التاريخ: فبعد أرسطو بقرون، رتّب أندرونيقوس الرودسي (Andronicus of Rhodes) مصنفاته، فجعل كتب الفلسفة الأولى على الرف بعد كتب الطبيعة، فقيل في الإشارة إليها: «ما بعد الطبيعة» — ميتا تا فوسيكا. وهكذا حمل أعرق علوم الفلسفة إلى اليوم، في كل لغات الأرض، اسمًا وضعه له ترتيبُ أمين مكتبة لرفوفه. وعرّبه المسلمون: الميتافيزيقا، وعلم ما بعد الطبيعة.

وقرر أرسطو في فاتحة هذا العلم قاعدته الكبرى: الوجود يقال على أنحاء كثيرة. فقولنا «موجود» عن الجوهر القائم بنفسه كالحصان، غيرُ قولنا عن العرَض القائم بغيره كلونه وطوله، غير قولنا عن العدم المضاف كالعمى. والأنحاء كلها ترجع إلى معنًى أول تتعلق به: الجوهر. فمسألة الوجود عنده هي مسألة الجوهر، وتحليل الجوهر يحتاج أدوات جديدة صنعها بيده.

القوة والفعل: فكّ سجن بارمنيدس

لا خروجٌ من العدم، بل خروجُ ما بالقوة إلى الفعلالبلّوطةموجودةٌ بالقوةالسنديانةموجودةٌ بالفعلمن القوة إلى الفعل
رسمٌ توضيحي: البلّوطة ليست سنديانةً بالفعل، ولا هي عدمُ سنديانةٍ محضًا؛ فيها سنديانةٌ بالقوة — وبهذا التفريق حُلَّت عقدة بارمنيدس.

وكل جوهر محسوس عنده مركّب من مادةٍ وصورة: فالتمثال نحاسٌ وهيئة، والنحاس لا يوجد قط عاريًا عن كل هيئة، والهيئة لا تقوم إلا في نحاسٍ أو رخام. ثم جاء المفتاح الذي حلّ به أعقد عقدة ورثتها الفلسفة — عقدة بارمنيدس التي شغلت مقالنا الثاني: التفريق بين الوجود بالقوة والوجود بالفعل.

قال بارمنيدس: التغير محال، لأن الكائن لا يخرج إلا من موجودٍ فلا حدوث، أو من عدمٍ محض والعدم لا يلد. فأجاب أرسطو: قسمتَ فأخطأت القسمة؛ فبين الموجود بالفعل والعدم المحض منزلةٌ ثالثة غفلتَ عنها: الموجود بالقوة. البلوطة ليست سنديانةً بالفعل، لكنها ليست عدمَ سنديانةٍ محضًا كما أن الحصاة عدمُها؛ في البلوطة سنديانةٌ كامنة بالقوة. فالتغير ليس خروجًا من العدم، بل خروجُ ما بالقوة إلى الفعل: المريض صحيحٌ بالقوة فيصحّ، والرخامة تمثالٌ بالقوة فتُنحت. وهكذا رُدّ الاعتبار للحركة والتغير بعد قرن ونصف من الطعن فيهما، لا بإنكار منطق بارمنيدس، بل بإصلاح مقدمته — على السنّة التي رأيناها في هذه السلسلة مرة بعد مرة: راجع المقدمة الخفية تنحلّ العقدة.

العلل الأربع: عودة السؤالين الغائبين

ثم قرر أرسطو أن العلم بالشيء لا يتم حتى تُعرف علله الأربع جميعًا. سل عن هذا البيت: ممَّ؟ من لبنٍ وخشب، وهذه العلة المادية. وما هيئته التي بها صار بيتًا لا كومة؟ وهذه العلة الصورية. ومن بناه؟ وهذه العلة الفاعلية. ولماذا بُني؟ ليُسكن ويقي الحر والبرد، وهذه العلة الغائية، وهي عنده علة العلل، فلها تحرّك الفاعلُ أصلًا.

وهنا يلتئم شمل سؤالينا اللذين نتعقبهما منذ ميليتوس. فقد وقفت المدرسة الأولى عند العلة المادية وحدها: ماءٌ أو هواء أو لامحدود. وأنكر ديمقريطس الفاعل الحكيم والغاية صراحة. وأثبتهما أفلاطون في صانع الطيماوس إثباتَ قصةٍ محتملة. فجاء أرسطو فأدخل الفاعل والغاية في صميم تعريف العلم نفسه: لا علم بلا سؤال «مَن» وسؤال «لماذا». وكان يرى الغاية سارية في الطبيعة كلها لا في الصنائع وحدها: فالأسنان القواطع أمامًا للقطع والأضراس خلفًا للطحن، والطائر لا يبني عشه عبثًا؛ وله قولته المتكررة في كتبه: الطبيعة لا تصنع شيئًا باطلًا.

المحرك الذي لا يتحرك

ثم صعد أرسطو بسلسلة العلل إلى ذروتها. كل متحرك في العالم إنما حرّكه محرِّك، ومحرِّكُه متحرك حرّكه غيرُه؛ فإن تسلسلت المحركات المتحركة بلا أول، لم يكن للحركة كلها مبدأ، فلم توجد حركة، والحركة مشهودة. فلا بد أن تنتهي السلسلة إلى محرِّكٍ أول لا يتحرك: محرِّكٍ ليس فيه قوةٌ تنتظر فعلًا، بل هو فعلٌ محض، مفارقٌ للمادة، واحدٌ أزلي. وكيف يحرِّك من لا يتحرك؟ أجاب أرسطو جوابه العجيب الجميل: يحرِّك كما يحرِّك المعشوقُ عاشقَه؛ فالمعشوق ساكن، والقلوب إليه تسعى. الفلك الأعلى يتشوق إلى ذلك الكمال المحض فيدور شوقًا، وبدورانه تجري حركات العالم. وماذا يفعل ذلك المحرك الأول؟ لا يليق به أن يعقل ما دونه فيهبط بشرف تعقّله، فهو يعقل أشرف المعقولات: ذاتَه؛ إنه فكرٌ يعقل نفسه أزلًا.

وهذا أعلى ما بلغه برهان اليونان في إثبات المبدأ الأول، وسيصير عمود الإلهيات عند شرّاحه قرونًا. لكن أمانة العرض تقتضي إثبات ما في الصورة من شحوب، وسنزنه في ميزان القراءة. بل في المذهب موضعُ ارتباكٍ سجّله أرسطو نفسه: فقد ألجأته حسابات أفلاك عصره في موضعٍ من «ما بعد الطبيعة» إلى تعديد المحركات المفارقة بعدد الأفلاك، سبعةً وأربعين أو خمسة وخمسين، فتعددت «الآلهة» بحساب الفلكيين — وناقش هو بنفسه في الموضع ذاته ما يوجب أن يكون المبدأ واحدًا. فالرجل الذي أوصل البرهان إلى باب الواحد وقف على العتبة يعدّ.

المعلم الأول: الميراث والمقتل

ولم يكن الوجود إلا إقليمًا واحدًا من إمبراطورية الرجل. فهو واضع علم المنطق في «الأورغانون»: صناعة القياس التي ظلت كما وضعها حتى قال كانط بعد ألفي عام إن المنطق منذ أرسطو لم يضطر أن يرجع خطوة واحدة إلى الوراء — وسنرى عند كانط نفسه أول الرجوع. وهو مؤسس علم الحيوان بإطباق مؤرخي العلم، وكتبه في السياسة والأخلاق والبلاغة والشعر أصولُ فنونها إلى اليوم. ولُقّب في حضارتنا «المعلم الأول»، ولم يكن الفارابي (Alpharabius) «المعلم الثاني» إلا لأنه ثنّاه.

غير أن في ميراثه عبرةً قد صارت من ثوابت هذه السلسلة وأخواتها: فقد أخطأ المعلم الأول أخطاء جسامًا — قال إن الأجسام الأثقل أسرع سقوطًا، وإن الأرض مركز الكون، وإن بعض الأحياء يتولد من الطين تولدًا ذاتيًّا — وليست هذه فضيحته، فكل رائد يخطئ. الفضيحة كانت فضيحة الأتباع: فقد قدّسوا كتبه حتى صارت حجةً على الحس والتجربة، فظل خطأ السقوط مثلًا يُدرَّس ألفي سنة والتجربة في متناول كل يد، حتى جاء من امتحنه فأسقطه، كما فصّلنا في مقال «من الملاحظة إلى الثورة العلمية». فتأمل المفارقة المرّة: الرجل الذي خاض البحيرة بيده ليرى بعينه، جمّد أتباعُه العلمَ باسمه عن الخوض والرؤية. ما قتل التقليدُ أحدًا كقتله صاحبَ منهج الملاحظة.

قراءة على ميزان الوحي

ولأرسطو في ميزاننا يدان لا تُنكران. أولاهما ردُّ سؤالَي الفاعل والغاية إلى صدارة النظر في الكون بعد أن نفاهما ديمقريطس؛ وبهذا الرد صارت دراسة الطبيعة طريقًا إلى مدبّرها لا بديلًا عنه، وعلى هذا الأساس ستُبنى أدلة الحكمة والعناية التي يحتشد بها القرآن أمرًا بالنظر في الإبل والسماء والنبات. والثانية برهان المحرك: فقد أثبت العقل اليوناني بأدواته وحدها أن سلسلة المحركات لا بد لها من أولٍ واجبٍ مفارق، وهذه مقاربة ثانية بعد صانع أفلاطون، أصلبُ برهانًا وأفقرُ صفاتٍ.

وفقرُ الصفات هو الشحوب الذي وعدنا ببيانه. زِن محرّكَ أرسطو بميزان الوحي تجده إلهَ برهانٍ لا إلهَ عبادة: لا يعلم هذا العالم ولا جزئياته — إذ لو عقل المتغيراتِ تغيّر تعقّلُه — فهو محرّكٌ لا يدري بمن حرّك؛ ولا يريد ولا يفعل بمشيئة، إنما تتحرك الأشياء شوقًا إليه وهو عنها ساهٍ؛ ولا يخلق، فالعالم عنده أزلي لم يزل معه. فأين هذا من ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، ومن ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]؟ إن بين فكرٍ يعقل ذاته لا يبلغه دعاءٌ ولا يرفع إليه ضرٌّ، وبين ربٍّ قريب يجيب دعوة الداع إذا دعاه، بونَ ما بين نتيجةِ قياسٍ ومعبودٍ حي. وسنرى في مقالٍ قادم أن فلاسفة الإسلام ورثوا هذا الإله الأرسطي فحاولوا تديينه، وأن الغزالي (Algazel) ضرب بمعوله في هذا الموضع بعينه: أزلية العالم، وعلم الله بالجزئيات.

أما قولته «الطبيعة لا تصنع شيئًا باطلًا» فنزنها بضابط المضاهاة المعهود إلى جانب قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]. الشاهد المحسوس واحد: إحكامُ الأسنان والعين والعش لا يقبل العبث. لكن أرسطو أودع القصدَ «الطبيعةَ» نفسها غايةً ساريةً لا قاصد وراءها، والآية تنطق باسم الفاعل: خلقتَ. فهي عين مفارقة اللوغوس التي وزنّاها عند هيراقليطس: إدراكُ النظام مشترك تهتف به الفطرة، وتعيينُ الناظم هو مفترق الطريقين، ولا نجعل أرسطو قائلًا بما لم يقل.

إلى المقال التالي

مات الإسكندر (Alexander) تلميذُ أرسطو سنة ٣٢٣ ق.م، فثارت أثينا على كل ما يمتّ لمقدونيا، ورُفعت على الفيلسوف دعوى الكفر نفسها التي سُقي بها سقراط السم. فغادر المدينة وهو يقول كلمته التي تُروى عنه: لن أدع أثينا تجرم في حق الفلسفة مرتين — ومات في منفاه بعد أشهر. وبموته طُويت صفحة عمالقة الوجود؛ فقد شغلت المدارسَ بعده أسئلةُ الطمأنينة والنجاة من القلق، ونام سؤال الوجود الكبير خمسة قرون ونيفًا، حتى استيقظ في غير أرضه: في الإسكندرية، على يد رجل مصري غريب الأطوار، كان يستحيي — كما يقول تلميذه — من أن له جسدًا، ويقول إن الوجود كله فيضٌ من واحدٍ فوق الوجود والعقل، وإن مثلَ أفلاطون أدنى درجات النور لا أعلاها. إلى المقال التالي: الواحد والفيض.

سلسلة «كان الناس أمة واحدة» — في فلسفة الوجود

المقال السادس: الواحد والفيض

أفلوطين والأفلاطونية المحدثة

رأس رخامي من أوستيا يرجح أنه لأفلوطين
رأسٌ رخاميٌّ من أوستيا، القرن الثالث للميلاد (المتحف الأوستي، رقم ١٣٨٦). يُرجَّح أنه لأفلوطين، والنسبةُ محتملةٌ لا مؤكَّدة — وهو أمرٌ يليق بمن أبى أن يجلس لمصوّر. (تصوير Sailko — ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY 3.0)

الرسّام المتسلل

وفي روما، نحو منتصف القرن الثالث الميلادي، جلس في حلقة درسٍ مزدحمة رجلٌ يختلف عن بقية التلاميذ: عيناه لا تفارقان وجه الشيخ المحاضر، لكنه لا يكتب حرفًا مما يقول. كان رسّامًا اسمه كارتيريوس (Carterius)، دسّه أحد كبار التلاميذ في الحلقة دسًّا؛ فقد أبى الشيخ أن يجلس لرسّام أو مثّال، وأجاب من ألحّ عليه بما معناه: أوَليس يكفي أن أُساق في هذا الشبح الذي ألبستنيه الطبيعة، حتى تطلبوا مني أن أخلّف للأجيال شبحًا للشبح، كأنه شيء يستحق أن يُرى؟ فكان الرسام يحضر ليحفظ ملامح الوجه في ذاكرته، ثم يمضي إلى بيته فيرسم من الحفظ، حتى اكتملت الصورة خلسةً من صاحبها.

يفتتح تلميذه برفوريوس (Porphyry) سيرته بجملة تفسر المشهد كله: كان أفلوطين كمن يستحيي من أن له جسدًا؛ فما حدّث قط عن مولده ولا أهله ولا بلده، وكأنه يعدّ نزول النفس في البدن حادثةً لا يُحسن ذكرها. وتذكر الروايات أنه وُلد نحو سنة ٢٠٤م في ليكوبوليس بصعيد مصر، وهي أسيوط اليوم، وأنه طلب الفلسفة في الإسكندرية حتى سمع أمونيوس ساكاس (Ammonius Saccas) فصاح: هذا الذي كنت أطلب! ولزمه أحد عشر عامًا. ثم بلغ من شوقه إلى حكمة الشرق أن التحق وهو في الثامنة والثلاثين بحملة الإمبراطور غورديان (Gordian III) على فارس رجاءَ أن يخلص إلى حكماء فارس والهند؛ فقُتل الإمبراطور وتفرق الجيش، ونجا الفيلسوف بجلده إلى أنطاكية، ثم استقر في روما يعلّم حتى مات سنة ٢٧٠م. وفي روما أملى كتبه التي جمعها برفوريوس في «التاسوعات» (Enneads): آخر قمم الفلسفة اليونانية، وأغربها.

المسألة: من أين جاءت الكثرة؟

وقلب أفلوطين سؤال السلسلة. سأل أهل ميليتوس: ما الأصل الواحد وراء هذه الكثرة؟ وسأل أفلوطين: بل كيف صدرت الكثرة أصلًا؟ لماذا لم يبقَ الواحد وحده؟ فإن قلتَ إن الأول متعدد المبادئ فليس بأول، وكل مركّب فمفتقر إلى ما ركّبه؛ فالأول الحق واحدٌ محضٌ لا تركيب فيه بوجه. ثم أمعن في تجريده إلى غاية لم يبلغها أحد قبله: الواحد فوق الوجود نفسه — أخذ عبارة أفلاطون في الجمهورية عن الخير الذي يعلو الوجود شرفًا وقوة، فحملها على ظاهرها وبنى عليها. بل هو فوق العقل والتعقل؛ إذ العاقل يثنّي: عاقلٌ ومعقول، والواحد لا ثنائية فيه. فلا يُحدّ ولا يوصف؛ لأن كل وصف تقييد، وكل تقييد تركيب. وكل ما نقوله فيه فإنما نقول ما ليس هو: ليس جسمًا، ليس عقلًا، ليس متغيرًا. وهذا الطريق — طريق السلب — سيرث اسمه في الملل كلها: اللاهوت السلبي، والتنزيه بالسلوب.

الفيض: شمسٌ لا تُسأل عن نورها

الواحدالعقلالنفسالمادةحاشية النور القصوىمراتب الفيضكمالٌ يفيض من غير قصدٍ ولا نقصان
رسمٌ توضيحي لمراتب الفيض: الواحد فوق الوجود، ثم العقل، ثم النفس، حتى ينتهي النور إلى حاشيته القصوى: المادة.

فكيف صدر عن هذا الواحد المتعالي في وحدته عالمٌ؟ لم يقل أفلوطين إنه خلق بإرادة، فالإرادة عنده حركة وافتقار يتنزه عنهما الواحد؛ ولم يقل بالصدفة، فقد جاوزت الفلسفة ذلك من عهد أفلاطون. بل قال بالفيض، وهي الصورة التي ذاعت بعده: الفيض. كل كاملٍ يفيض عما حوله من غير قصد ولا نقصان: الشمس تفيض نورًا وما نقص قرصُها، والنبع يفيض ماءً، والمسك يفيض عطرًا. كذلك الواحد: كمالُه يفيض وجودًا، أزلًا، ضرورةً، من غير أن يتحرك أو يلتفت أو ينقص منه شيء.

أول الفائض عنه: العقل، وفيه استقرت مُثل أفلاطون كلها معقولاتٍ حية؛ فليست المثل في سماء قائمة بنفسها كما في المقال الرابع، بل أفكارٌ في عقلٍ كلي. وتأمل ما صنع: هذا العقل الذي يعقل ذاته والمثلَ فيه هو بعينه صفةُ إله أرسطو — الفكر الذي يعقل نفسه — لكن أفلوطين أنزله عن العرش درجة، وأجلس فوقه الواحد الذي لا يعقل ولا يُعقل. فكأنه قال لليونان قاطبة: قمةُ أفلاطون وقمةُ أرسطو كلتاهما دون القمة. ثم يفيض عن العقل النفسُ الكلية التي تدبّر العالم وتنبثّ منها نفوسنا، وتفيض النفس فيما دونها حتى ينتهي النور إلى حاشيته القصوى حيث يتلاشى: المادة، أفقر الأشياء وأظلمها. ومن هنا جوابه المشهور عن الشر: الشر ليس ذاتًا خلقها أحد، بل عدمُ نورٍ وفقرُ وجود، كالظل ليس شيئًا يُصنع هو غياب الضوء. وهو جواب سيعمّر طويلًا في الملل والفلسفات.

وهكذا جمع الرجل: سلّم أفلاطون وثنائيتَه، وسلّم أرسطو ومحرّكَه، فوصل الاثنين في سلّم واحد من درجات الوجود، تتدلى من واحدٍ فوق الوصف إلى مادةٍ عند حافة العدم، كلُّ درجةٍ تتولد من تأمل ما فوقها وتشتاق إليه. إنه أضخم توليفٍ في تاريخ الفلسفة القديمة، وآخر كلمة قالتها اليونان في الوجود.

طريق العودة: الفرار إلى الوحيد

ولم تكن هذه البنية عنده نظرًا مجردًا؛ بل كانت خريطة نجاة. فالنفس شرارةُ نورٍ هبطت في الظلمة ونسيت أصلها، وشقاؤها التفاتُها إلى أسفل: إلى الجسد وشهواته وأشباح المحسوسات. والفلسفة عنده صعودٌ في السلّم نفسه الذي نزلت منه: تطهّرٌ من سلطان البدن أولًا، ثم ارتقاء بالتأمل من المحسوس إلى المعقول، ثم — وهنا يفارق أفلوطين البرهانَ كلَّه — لحظةٌ لا يبلغها قياس: أن تسقط الثنائية بين الناظر والمنظور، فلا عارف ولا معروف، بل اتصالٌ بالواحد لا تحكيه العبارة. ويختم برفوريوس ترتيبه للتاسوعات بعبارة أستاذه التي صارت أشهر ما قال: إنه فرار الوحيد إلى الوحيد.

وهكذا اكتمل تحول خطير: الفلسفة التي ولدت في ميليتوس سؤالًا عن مادة الأشياء، صارت في روما طريقةً في الخلاص غايتُها اتصالٌ يُذاق ولا يُبرهن. لقد بلغ العقل اليوناني آخر سلّمه، ثم أعلن على لسان آخر عظمائه أن ما فوق السلّم لا يُرقى إليه بالعقل. وستقرع هذه القضيةُ بابَ كل من يأتي بعده: فمن قائل إن ما لا يبلغه البرهان يبلغه الذوق، ومن قائل بل يبلغه الوحي، ومن قائل ليس وراء البرهان شيء.

أعجب مخطوطة في تاريخنا: أرسطو الذي لم يكن أرسطو

صفحة افتتاح مخطوطة كتاب أثولوجيا أرسطاطاليس
صفحةُ الافتتاح من نسخةٍ خطيةٍ لكتاب «أثولوجيا أرسطاطاليس»، وفيها: «هذا كتاب اثولوجيا للفاضل المقدم أرسطو في الفن الربوبي». والنسخةُ متأخرة: نُسخت في مصر على الأرجح في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، لا في العصر العباسي. (مخطوطات جامعة ميشيغان الإسلامية)

وسرت الأفلاطونية المحدثة في العالم القديم سريان النار في الهشيم: قرأ أوغسطينوس (Augustine) كتب الأفلاطونيين المترجمة فوجد فيها معبره من المانوية إلى النصرانية، وصيغت في قوالبها أدقُّ مصطلحات اللاهوت الكنسي؛ وحمل بروقلس (Proclus) المذهبَ في أثينا حتى أغلق جستنيان المدارس سنة ٥٢٩م — وهي السنة التي ودّعنا فيها أكاديمية أفلاطون في مقالها — فحمل بقيةُ الفلاسفة كتبهم شرقًا إلى بلاد فارس.

ثم وقعت الحادثة التي تعنينا نحن أهلَ العربية أكثر من كل ما سبق. ففي بغداد، في دار الترجمة العظيمة، عُرّبت في حلقة الكندي (Al-Kindi) مقالاتٌ من تاسوعات أفلوطين — من الرابعة والخامسة والسادسة، في النفس والعقل والواحد — معروضةً بتصرف وشرح. ثم جرى على المخطوطة عنوانٌ قلب تاريخًا بأكمله: «أثولوجيا أرسطاطاليس» — أي: ربوبية أرسطو. فقرأ فلاسفةُ الإسلام أنضجَ نصوص أفلوطين الصوفية وهم يحسبونها خاتمة حكمة المعلم الأول صاحب المنطق والبرهان! فالتأم في أذهانهم ما لم يلتئم في التاريخ: أرسطو البرهاني وأفلوطين الفيضي شخصًا واحدًا، وبُنيت على هذا الدمج صروح: فيض الفارابي، وعقول ابن سينا (Avicenna) العشرة، وقولهم الذي سيصير قاعدة: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد. ولم ينقشع اللبس تمام الانقشاع إلا في أزمنة متأخرة، حين حقق الدارسون نسبة الكتاب إلى صاحبه الحق.

ولا نعرف في تاريخ الكتب عنوانًا مغلوطًا كان أبعد أثرًا من هذا؛ فخطأُ نسبةٍ على ظهر مخطوطة أعاد توجيه فلسفة أمة قرونًا. وهو شاهدٌ صارخ لما تقرر في هذه السلاسل مرارًا من وجوب نقد النسبة والسند قبل البناء على المتن: فقد بنى قومٌ من أذكياء العالم على متنٍ صحيحٍ في نفسه، غير أنهم أخذوه عن غير قائله، فاختلّ به تصورهم لمنظومة قائله الحقيقي ومنظومة المنسوب إليه جميعًا.

مزاياه ومآخذه

ولأفلوطين في تاريخ سؤالنا ثلاثة إسهامات: بلغ بالتنزيه غايته القصوى فحسم أن المبدأ الأول لا يكون جسمًا ولا مركّبًا ولا محدودًا؛ ووحّد تراث اليونان المتنازع في بناء واحد محكم؛ وأعاد إلى الفلسفة سؤال المصير بعد أن كاد يستقر في أيدي مدارس العلاج وحدها. وعليه ثلاثة مآخذ: أن فيضه ضرورةٌ لا اختيار فيها، فالعالم عنده لازمٌ عن الواحد لزومَ الشعاع عن الشمس، لا منّةَ فيه ولا قصد، ولا معنى معه لحمدٍ ولا شكر؛ وأن قمة مذهبه دعوى ذوقية لا سبيل إلى محاكمتها، فمن لم يذق قيل له: لست من أهله؛ وأن تنزيهه انقلب إلى ضده، وهذا نقلُه إلى الميزان.

قراءة على ميزان الوحي

أعظم ما في أفلوطين شوقُه إلى تنزيه الأول عن كل نقص وحدٍّ وشبيه، وهو المعنى الذي جاء به الوحي محكمًا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]. غير أن مساره انتهى به إلى: نزّه الواحد حتى سلبه العلم والإرادة والحياة والفعل، فأعلى ما في الوجود عنده لا يعلم أن الوجود موجود، ولا يسمع من ناداه، ولا يريد شيئًا. فقد نزّه حتى عطّل؛ فرارًا من التشبيه وقع في نفي الكمالات، وكأنّ العلم والقدرة نقصٌ يُصان عنه الكامل! والوحي جمع ما فرّقته الفلسفة في نصف آية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: تنزيهٌ بلا تعطيل، وإثباتٌ بلا تشبيه. وعلى هذا الميزان الدقيق ستضطرب أقدام المتفلسفة والمتكلمة قرونًا، وما ضبطه إلا من اعتصم بالنص.

وأما الفيض فحكمه كحكم محرك أرسطو: شمسٌ لا تُسأل عن نورها ولا تملك حبسه، أين هي من ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾؟ الفيض يجعل العالم لازمًا اضطراريًّا فيسقط المنّة والحكمة والابتلاء جميعًا؛ والخلق بالمشيئة عطاءُ قادرٍ لو شاء لم يخلق، فلذلك استوجب الحمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]. ولهذا لم يعبد أحدٌ واحدَ أفلوطين قط، ولا رفع إليه ضارعٌ يديه؛ إذ كيف تدعو من مذهبُ صاحبه أنه لا يسمع؟

ويبقى شوق النفس الذي عبّر عنه الرجل — فرار الوحيد إلى الوحيد — فهو صدًى بيّن لحنين الفطرة إلى بارئها، أصدقُ ما في المذهب وأدناه من حديث «خلقتُ عبادي حنفاء» الذي عقدنا عليه السلسلة. غير أنّا نزنه بضابط المضاهاة المعهود: طريقُ أفلوطين فناءٌ تسقط فيه الاثنينية حتى لا يبقى عبدٌ ولا ربٌّ متمايزان، وطريقُ الوحي قربٌ تزداد فيه العبودية تحققًا: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد — والسجود عين التمايز بين ساجدٍ ومسجودٍ له. فلا نجعل أفلوطين صوفيًّا موحدًا سبق الوحي، ولا نصبّ عبادات الإسلام في قوالبه؛ وسنعود لهذه الحدود عودًا مفصلًا عند الكلام على وحدة الوجود في مقالها.

إلى المقال التالي

هكذا وقفت الفلسفة اليونانية عند آخر منازلها: واحدٌ فوق الوجود، يفيض عنه العالم فيضًا. ثم دالت دولة، وقامت دولة، ونزل وحيٌ بلسان عربي مبين يقول: خالقٌ عليمٌ مريد، خلق بقدرته، ويعلم السر وأخفى. وفي بغداد التقى النهران: متون اليونان تعبر جسر الترجمة، وفيها ذلك الكتاب المتنكر باسم غير صاحبه، والقرآن يُتلى في المساجد. فقام قومٌ من أذكى من أنجبت الحضارات — فيلسوف العرب الكندي، ثم فتًى من فاراب سيُدعى المعلم الثاني، ثم شيخ رئيس من بخارى حفظ القرآن في العاشرة وحيّر الأطباء قبل العشرين — يحاولون المستحيل: أن يصالحوا بين إله أرسطو وأفلوطين وبين الله عز وجل، والملّةِ التي بُعث بها محمد ﷺ — والأنبياءُ من قبله — وأن يقرؤوا الوجود قراءةً تُرضي البرهان والقبلة معًا. ففتحوا في الوجود فتحًا لم يُسبقوا إليه: التفريق بين ماهية الشيء ووجوده، وبين ممكنٍ لا يترجح بنفسه وواجبٍ قام به كل شيء. ثم جاءهم من طوس رجلٌ حفظ عليهم مذهبهم حتى أتقنه، ثم نقضه في عشرين مسألة، وسمّى كتابه: تهافت الفلاسفة. إلى المقال التالي: واجب الوجود وممكنه.

سلسلة «كان الناس أمة واحدة» — في فلسفة الوجود

مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)

راجع مدقّقٌ محايدٌ وقائعَ المقالات الست — التواريخ والأخبار والنسب والاقتباسات المنسوبة إلى هيرودوت وديوجين اللائرتي وبرفوريوس وغيرهم — ولم ينظر في أطروحتها. والنتيجةُ منشورةٌ كما خرجت، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقها: اقرأ تدقيق المدقّق المحايد ←

© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.