كُتب عن أثر دانينغ-كروغر (Dunning–Kruger effect) كثيرًا، بكل لغة، حتى صار اسمه حجة جاهزة في أي جدل على الإنترنت. ولم أكن أنوي أن أكتب عنه — فماذا أضيف؟ — لكن كثرة النقد الذي وُجّه في اليومين الماضيين إلى مؤتمر ليب (LEAP) وإلى شركة هيومين (HUMAIN) على وجه الخصوص من أشخاص لا يعملون في التقنية ولا في الاستثمار فيها جعلتني أكتب هذا المقال. المقال ليس دفاعًا عن المؤتمر أو الشركة؛ فكلاهما يجوز نقده ويجب. المقال عن سؤال واحد: ما الذي يعرفه الناقد عن الشيء الذي ينتقده؟
افتتاحية 1903
في التاسع من أكتوبر عام 1903، كتب محرر في صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) افتتاحية عن الطيران. قبل يومين سقطت الآلة الطائرة التي بناها العالم صمويل لانغلي (Samuel Langley) في نهر بوتوماك أمام الصحفيين، وكانت وزارة الحرب الأمريكية قد أنفقت عليها خمسين ألف دولار. كتب المحرر أن الطيران قد يتحقق يومًا ما، لكن بعد ما بين مليون وعشرة ملايين سنة من عمل الرياضيين والميكانيكيين. وكان عنوان الافتتاحية: «آلات طائرة لا تطير».
بعد تسعة وستين يومًا، في السابع عشر من ديسمبر، طار الأخوان رايت (Wright brothers) في كيتي هوك.
لم يكن المحرر جاهلًا بالخبر. رأى تجربة فاشلة أنفقت عليها الحكومة مالًا كثيرًا، فاستنتج أن المجال كله لا أمل فيه. لكنه لم يكن يعرف أن أخوين يصلحان الدراجات في مدينة دايتون بنيا نفق هواء صغيرًا، وأعادا قياس قوة الرفع، وصححا الجداول التي اعتمد عليها ليلينثال وغيره. حكم على مجال كامل من خبر واحد.
ما هو أثر دانينغ-كروغر؟
في عام 1999، نشر ديفيد دانينغ (David Dunning) وجاستن كروغر (Justin Kruger) من جامعة كورنيل دراسة اختبرا فيها طلابًا في المنطق والنحو وتذوق الفكاهة، ثم طلبا من كل طالب أن يقدّر ترتيبه بين زملائه. الطلاب الذين جاءت درجاتهم في الربع الأدنى قدّروا أنفسهم فوق المتوسط. والطلاب المتفوقون قدّروا أنفسهم أقل مما يستحقون.
تفسير الدراسة بسيط: المهارة التي تحتاجها لأداء عمل ما هي نفسها المهارة التي تحتاجها للحكم على جودته. من لا يعرف قواعد النحو لا يستطيع أن يرى خطأه النحوي. علماء المنطق القدماء سمّوا هذه الحالة «الجهل المركّب»: أن تجهل الشيء وتجهل أنك تجهله. وهو يختلف عن الجهل البسيط، لأن صاحب الجهل البسيط يعرف أنه لا يعرف، فيسأل أو يسكت.
ملاحظة مهمة: الأثر أصغر مما يُشاع. راجع باحثون، منهم إدوارد نوهفر (Edward Nuhfer) عام 2017 وجيل جينياك (Gilles Gignac) عام 2020، بيانات الدراسة، ووجدوا أن جزءًا من المنحنى الشهير يُفسَّر بظاهرتين إحصائيتين لا علاقة لهما بالغرور: الانحدار نحو المتوسط، وميل الناس عمومًا إلى تقدير أنفسهم فوق المتوسط. الأثر موجود، لكنه أضعف من الصورة المنتشرة. ولهذا لا ينبغي استخدامه اتهامًا في الجدل؛ فمن يتهم خصمه بأثر دانينغ-كروغر يفترض أنه هو الخبير، وهذا افتراض يحتاج إلى دليل.
الثقة لا تنتقل من مجال إلى مجال
المشكلة في نقد ليب وهيومين ليست الجهل نفسه، بل نقل الثقة من مجال إلى مجال آخر. الناقد قد يكون شخصًا ناجحًا في مجاله: محامٍ أو أديب أو طبيب أو رجل أعمال. تعلّم في مجاله أن يثق بحكمه، ثم استخدم الثقة نفسها في مجال لم يدرسه. أمّا الأدهى والأمر أن لا يكون أيًّا مما سبق، فقط متعلم مبتدئ في أي مجال. على أية حال هذا تويتر!
أعرف هذا من مهنة الطب. لو كتب مهندس برمجيات على تويتر أن قراءتي لعينة نخاع عظم خاطئة، لما التفتّ إليه أحد. لكنني أرى طبيبًا يكتب بثقة عن جدوى مراكز البيانات وأسعار شرائح الرسوميات، وأديبًا يحكم على استثمار في الذكاء الاصطناعي بعشرات المليارات، من غير أن يقرأ عن سلاسل الإمداد أو اقتصاديات الحوسبة. ليس عنده معلومة، عنده انطباع: أن الضجة كبيرة وأن الوعود أكبر.
الانطباع ليس نقدًا. النقد يبدأ من داخل الموضوع: من رقم أو عقد أو تقنية محددة. الانطباع يبدأ من خارجه: من الشعور العام تجاه الضجيج. هذا هو الفرق بين محرر نيويورك تايمز وبين مهندس طيران يعرف أن سقوط لانغلي لا يقول شيئًا عن نفق الهواء في دايتون.
ما الذي يحق للناقد أن يسأله؟
لأكون منصفًا، أذكر أقوى ما عند الناقدين. مؤتمر يُعقد على نفقة الدولة ويعلن صفقات بمليارات الدولارات يحق السؤال عنه: كم من هذه الصفقات تحوّل إلى عقود موقعة؟ وكم منها صار مشروعًا قائمًا؟ وشركة وطنية للذكاء الاصطناعي تشتري عشرات الآلاف من الشرائح يحق السؤال عنها: هل هناك طلب محلي يستوعب هذه الطاقة الحاسوبية، أم ستُؤجَّر للخارج؟ وهل تُبنى الكفاءات البشرية بالسرعة نفسها التي تُبنى بها المباني؟ هذه أسئلة مشروعة وضرورية، ويجب أن يطرحها متخصصون بأسمائهم.
لكن كل سؤال من هذه الأسئلة يحتاج إلى معرفة حتى تصوغه، وإلى معرفة أكبر حتى تجيب عنه. الذي يملك هذه المعرفة يسأل. الذي لا يملكها يسخر، لأن السخرية لا تحتاج إلى معرفة.
اقترح دانينغ نفسه علاجًا واحدًا هو التغذية الراجعة: أن تتعلم المهارة، فترتفع معها قدرتك على تقييمها. من أراد أن ينقد شركة ذكاء اصطناعي فعليه أن يقرأ تقريرًا ماليًا واحدًا على الأقل، وأن يفهم معنى «الحوسبة السيادية» قبل أن يحكم عليها. ومن لم يفعل فليسأل بدل أن يحكم.
ولأقيس هذا على ميزان القرآن الكريم، لا أزعم أن القرآن نزل ليشرح تجربة في جامعة كورنيل. لكن القرآن الكريم وضع قاعدة في الكلام تسبق علم النفس: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36). الآية لا تنهى عن الجهل، فالجهل ليس ذنبًا. تنهى عن أن تتبع الشيء وتحكم فيه وأنت لا تعلمه.
وفي سورة يونس وصف لمن يرفض قبل أن يفهم: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ (يونس: 39). التكذيب هنا جاء قبل الإحاطة بالعلم، وهذا هو ترتيب الجهل المركّب نفسه. وفي آية أخرى الحل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43).
ويُنسب إلى الشعبي، من التابعين، قوله: «لا أدري نصف العلم». لم أتحقق من سند هذا القول، لكن معناه واضح: أن تعرف حدود معرفتك جزء من المعرفة.
تصحيح عام 1969
في عام 1920، نشرت صحيفة نيويورك تايمز افتتاحية أخرى سخرت فيها من العالم روبرت غودارد (Robert Goddard) لأنه قال إن الصاروخ يمكن أن يعمل في الفراغ، وقالت إنه يفتقر إلى المعرفة التي تُدرَّس في المدارس الثانوية. وفي السابع عشر من يوليو 1969، بينما كانت أبولو 11 في طريقها إلى القمر، نشرت الصحيفة تصحيحًا قصيرًا اعترفت فيه بخطئها.
في المرة الأولى احتاج التصحيح إلى تسعة وستين يومًا، وفي الثانية إلى تسعة وأربعين عامًا. وفي الحالتين صدر الحكم من مكتب لم يرَ نفق الهواء ولا الصاروخ. نحن اليوم أمام الخيار نفسه: أن نحكم على ما لا نعرفه وننتظر التصحيح، أو أن نسأل قبل أن نحكم، أو أن نصمت، والصمت حكمة.
✦ ✦ ✦
مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)
تُنشر كلُّ مقالةٍ ومعها تدقيقٌ محايدٌ مستقلٌّ لوقائعها وحدَها — التواريخُ والأرقامُ والنصوصُ المنقولة، لا أطروحةُ المقالة. والنتيجةُ منشورةٌ كما خرجت. وصدرت المقالةُ غيرَ معدَّلةٍ لتوافقها، ثم صُحِّح فيها بعد النشر موضعٌ واحد، مثبتٌ هناك بلفظه الأوّل: اقرأ تدقيق المدقّق المحايد ←
© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.