Read in English · اقرأ بالإنجليزية →
حسين الخالدي · مقالات  —  مقالة

نهاية الإلحاد

قضيتان لا قضية واحدة: الإلحاد انتهى حجّةً، والجحود باقٍ ما بقي الهوى

أنتوني فلومسلكا الإثباتابن رشد

مدخل

خبرٌ صغير تناقلته وكالات الأنباء في ذلك الشهر، بدا لكثيرين ضربًا من الخيال: أنتوني فلو (Antony Flew) — الفيلسوف البريطاني الذي حمل راية الإلحاد الفلسفي نصف قرن، وصاحب المقالة التي أسّست للإلحاد المعاصر «اللاهوت والتكذيب» (١٩٥٠) — يعلن، وهو في الحادية والثمانين، أنه بات يؤمن بوجود إله.

وسُئل عن السبب. فلم يذكر برهانًا كلاميًا ولا جدلًا فلسفيًا، بل أحال إلى المختبر: إن أبحاث الحمض النووي (DNA) كشفت في ترتيبات الحياة من التعقيد ما لا يُفسَّر إلا بعقلٍ مدبِّر جمع هذه العناصر المتباينة لتعمل معًا. ثم بسط ذلك بعد ثلاث سنوات في كتابٍ عنوانه وحده اعتراف: «هناك إله» (There Is a God, 2007).

رجلٌ علّم أجيالًا أن الأصل هو الإلحاد حتى يقوم الدليل على خلافه، ساقه مبدؤه السقراطي الذي ردّده عمره كله — «اتبع الدليل حيث يقودك» — إلى الإقرار بالخالق. من هذا المشهد أبدأ.

قضيتان، لا قضية واحدة

أعني بنهاية الإلحاد أنه — بوصفه قضيةً عقلية قابلة للدفاع — انتهى إلى الأبد. أما الجحود فباقٍ ما بقي الهوى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦].

والفرق بينهما جوهري: الأول موقفٌ يزعم أصحابه أنه ثمرة نظرٍ واستدلال، والثاني إعراضٌ عن نتيجة النظر بعد قيامها. وقد فرّق القرآن بينهما من قديم بدقة: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. فالمشكلة ليست في العقل، بل فيما وراءه.

مدخل لا بد منه

انقسم النظّار في إثبات وجود الله — فيما أرى — مسلكين: مسلك الحجة الكلامية المجرّدة، وهو الإثبات بالبراهين العقلية؛ ومسلك الدليل الحسّي المشهود، وهو النظر في المخلوقات الماثلة أمام العين. والقرآن خاطب أهل المسلكين معًا، ولم يترك لأحدهما عذرًا.

أولًا: الحُجَج العقلية

لا يبدأ القرآن بمصادرةٍ على المطلوب، ولا يطلب من الخصم تسليمًا ابتداءً. يسوق أقيسةً محكمة، أكثرها في صورة الاستفهام التقريري الذي يردّ الخصم إلى ما يعلمه من نفسه، فلا يجد منه مهربًا.

١. قياس الإعادة على البدء. ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]. ووجهه أن من قدر على الإنشاء ابتداءً — من غير مثالٍ سابق — فهو على الإعادة أقدر؛ ومن أقرّ بالأصعب لزمه ما دونه. وهو من أمتن الأقيسة وأقربها إلى الفطرة. ونظيره: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].

٢. القسمة الحاصرة. وهي أعجب ما في الباب: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥–٣٦].

الاحتمالات العقلية في وجود الإنسان ثلاثة لا رابع لها. إمّا وُجد من غير موجِدٍ أصلًا — والعدم لا يُنتج شيئًا. وإمّا خلق نفسه بنفسه — وهذا أشدّ استحالة، إذ يقتضي أن يكون موجودًا قبل أن يوجد. فلم يبقَ إلا الثالث: أن له خالقًا خلقه.

حصرٌ منطقي تامّ لا مخرج منه. ولذلك لمّا سمعها جُبير بن مُطعِم — وكان يومئذٍ مشركًا، قدم في فداء الأسرى — قال: «كاد قلبي أن يطير» (رواه البخاري). رجلٌ عربي لم يقرأ أرسطو، أدرك بفطرته أن الحجة قامت عليه.

٣. برهان التمانع. ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وبيانه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]. فتعدُّد الإرادات المستقلة يستلزم اختلال النظام، واطّراد النظام دليلُ وحدة المدبِّر. وهو — على قِدَمه — عين ما تنطق به الفيزياء اليوم حين تجد قانونًا واحدًا يسري في أقصى المجرّات كما يسري في الذرّة.

٤. الإلزام بمقتضى الإقرار. ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]. ينتزع القرآن من الخصم اعترافًا يقرّ به من نفسه، ثم يُلزمه بلوازمه — وهو في صناعة الجدل أقوى من إقامة الدليل ابتداءً.

٥. ردّ عبء الإثبات. ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، ﴿إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَٰذَا﴾ [يونس: ٦٨]. فالعبء يُردّ على المنكر، وتُكشف دعواه على حقيقتها: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨].

٦. حجّة إبراهيم عليه السلام. درسٌ كامل في صناعة المناظرة. قال ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، فلبّس عليه النمرود بقوله ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾. ولم يشتغل إبراهيم بردّ التلبيس ومناقشته، بل نقل المناظرة إلى أرضٍ لا يحتملها التأويل: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. ومثله مسلكه في الأفول: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] — فالمحدود المتغيّر لا يصلح إلهًا.

٧. برهان الفطرة. ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. وهي ملاحظة نفسية بالغة الدقّة: الإنكار يسقط عند أول لحظة صدقٍ مع النفس، ويعود مع أول لحظة أمنٍ ورفاهية. وفيها — إن تأمّلت — تفسير بقاء الجحود بعد انتهاء الإلحاد.

٨. تحدّي العجز. ﴿هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]. وما زال التحدي قائمًا: بلغ الإنسان أن يقرأ الجينوم ويحرّره، ولم يبلغ أن يبتدئ حياةً من عدم.

ثانيًا: الأدلة الحسّية المشهودة

هذا هو المسلك الغالب في القرآن. وطريقته أن يسوق ما يراه المخاطَب بعينه كل يوم، فيغفل عن دلالته لطول الإلف — فالغفلة عن الشيء لا تكون لبعده، بل لقربه.

١. النظر في القريب. ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧–٢٠]. وتأمّل البداءة بالإبل: أقربُ شيءٍ إلى عين الأعرابي وألزمُه له. فالدليل مبثوث في المألوف، لا في الغريب البعيد.

٢. «أفرأيتم». ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾، ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨–٦٩].

والمنهج واحد في الثلاثة: أنت تباشر الفعل الظاهر — تُمني، وتحرث، وتشرب — ولا تملك من الفعل الحقيقي شيئًا. الفلاح يضع البذرة ولا يصنع الإنبات، والوالد يضع النطفة ولا يصنع الإنسان.

٣. أطوار الخلق. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢–١٤]. دليلٌ كان يُتلى على قومٍ لا يعرفون من الجنين شيئًا، فصار اليوم مادةَ علمٍ قائم بذاته. وهو ما أُشير إليه في كلمتين: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١].

٤. التمايز مع وحدة المُدخَلات. وهو من أدقّ ما في الباب: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤].

تربة واحدة، وماء واحد، وشمس واحدة — ثم تخرج ثمارٌ مختلفة الطعوم والألوان والروائح. فالفارق ليس في المُدخَلات المادية إذن، بل في برنامجٍ داخلي يسوق كل نبتةٍ إلى غايتها. وهو ما سمّيناه بعد أربعة عشر قرنًا: الشيفرة الوراثية.

٥. اطّراد النظام. ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣]. والاطّراد لا تصنعه الصدفة؛ الصدفة تُنتج تشتّتًا، والفوضى لا تلد قانونًا.

٦. آيات الأنفس والاجتماع. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]. فالدليل لا ينحصر في الفيزياء والأحياء؛ يمتدّ إلى اللغة والاجتماع والوجدان.

٧. الدقّة في الصغير. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٣–٤]. الاحتجاج ببنان الإصبع دون سائر الجسد — وقد ظهر بعد قرون أن بصمة الواحد منّا لا تتكرر في أحدٍ من مليارات البشر.

٨. المهاد الأرضي. ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢]، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وتأمّل التعقيب: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ — فالعلّة معلَنة منذ البدء: إعراضٌ، لا انعدامَ دليل.

وإلى قريبٍ من هذا التقسيم سبق ابن رشد في «الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة». انتقد طرائق المتكلمين لبُعدها عن مدارك عامة الناس، وقرّر أن منهج القرآن في الإثبات قائم على دليلين: دليل العناية — إحكام الكون وموافقته لمنفعة الإنسان — ودليل الاختراع — إبداع الخلق على غير مثالٍ سابق. وكلاهما من جنس المشهود لا من جنس الجدل المجرّد.

وهنا يتقرّر عند ذي اللبّ أصلٌ نبني عليه ما بعده: الدليل المادي المشهود، إذا وُجد، أغنى عن الدليل الكلامي. فمن رأى أثر الصنعة ماثلًا أمامه، لم يحتج إلى قياسٍ يثبت له الصانع.

حين أفلس السفسطائيون

ولمّا قامت الحجة الكلامية على المعاندين الأوائل، لم يجدوا مهربًا إلا في طلب الدليل المادي — وهو ماثلٌ أمام أعينهم، لكن الغواية حجبتهم عن رؤيته. فطلبوا المُحال:

ما طلبوه

﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]

﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا﴾ [الفرقان: ٢١]

﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]

﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]

وهم في الحقيقة لا يطلبون دليلًا على الوجود؛ يطلبون إسقاط الحجاب الذي به قِوام الابتلاء. ولو أُجيبوا إلى ما سألوا ما آمنوا: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤–١٥]، ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]. يرون الآية بأعينهم، فيتّهمون أعينهم لا موقفهم.

كيف نتعامل مع الجاحد؟

سقط الإلحادُ كدعوى تستحقُّ النقاش، وبقي الجحودُ ما بقيت السماواتُ والأرض. والمنهجُ في التعامل مع الجاحد واضحٌ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١–٢٢]، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ﴾ [السجدة: ٣٠]. فمهمّةُ المؤمن البيانُ والتذكير، لا القهرُ والاستعلاء.

وأمّا شكُّ المستيقِن وما يبثُّه الشيطان من نجوى، فقد عالجه النبي ﷺ بعينه حين أخبر أن الشيطان يأتي أحدنا فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى ينتهي به إلى: من خلق ربك؟ فأرشد من بلغ به الوسواس هذا المبلغ أن يستعيذ بالله وينتهي (متفق عليه). فالسائل المسترشد يُجاب برفقٍ كما يُجاب الطفل الصغير.

وصورةٌ أخرى تتكرّر في زماننا، وهي من أمثلة الجهل المركَّب: غَضٌّ في السنّ، زادُه كلُّه روايةٌ إنجليزيةٌ أو روسيةٌ قرأها، لم يقرأ القرآنَ ولم يحاول تدبُّره، ثم يدّعي الشكَّ في وجود الخالق مجادلةً — أنا غير مقتنعٍ فأقنِعْني. فإن أردت أن تحاوره بالمنطق لم تجد عنده من صناعته بضاعة، وإن أردت أن تشرح له بالعلم لم تجد عنده منه شيئًا. فأيّ فرقٍ — بالله عليك — بينه وبين طفلك الصغير الذي يسألك: من خلق الله؟ وماذا يأكل؟ وماذا يشرب؟ إلا أن الطفل معذورٌ بصغره، وهذا اختار الجهل بملء إرادته.

ولستُ أرى أن يشغل المسلم نفسه بمجادلة هؤلاء أصلًا؛ فقد كفانا الله المؤونة بوعدٍ قطعه على نفسه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣].

وقد فعل سبحانه ووفّى. آياتُ الآفاق تتكشّف كل يوم في أرصاد الفلك وثوابت الكون، وآياتُ الأنفس في شيفرة الحياة وأطوار الخلق — لمن ﴿كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].

أما الجاهل المركّب — وهو الذي يجهل ولا يعلم أنه يجهل — فلا طريق له اليوم إلا أن يعلّم نفسه ويؤدّبها. الآيات مبسوطة، والأبواب مفتوحة، فالعائقُ فيه، لا في الدليل.

المشهد اليوم

«الإلحاد الجديد» الذي علا صخبه بعد أحداث سبتمبر ٢٠٠١ بفرسانه الأربعة — دوكينز وهيتشنز وهاريس ودينيت — تصدّع في عقدٍ واحد بوصفه حركة، وتفرّق أهله شِيَعًا.

بل إن ريتشارد دوكينز نفسه، صاحب «وهم الإله» الذي جعل الدين فيه قوةً خبيثة مفرِّقة، خرج علينا في مقابلةٍ سنة ٢٠٢٤ يصف نفسه بأنه «مسيحي ثقافي»: يحبّ الترانيم وأناشيد الميلاد، ويأنس بالمناخ المسيحي، ويرى بلاده «بلدًا مسيحيًا» بهذا المعنى — مصرّحًا في الوقت نفسه بأنه لا يؤمن بحرفٍ من العقيدة.

وهذا وإن لم يكن إيمانًا، فهو إعلانُ إفلاسٍ للمشروع كله: رجلٌ أفنى عمره في قطع الشجرة، ثم عاد يستظلّ بظلّها ويأكل من ثمرها، وينكر الجذع الذي حملهما.

أما الاعتراف الأتمّ فهو اعتراف فلو الذي افتتحتُ به، وقد صرّح بأن ذكاءً فائقًا هو التفسير الوحيد المقنع لأصل الحياة وتعقيد الطبيعة. ثم فتحت الفيزياء الحديثة بابًا آخر من المشهود: «الضبط الدقيق» (Fine-Tuning) — ثوابتُ كونية لو انحرفت مقدار شعرة ما وُجدت حياة ولا مادة ولا نجوم. وهو عين ما أُشير إليه: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣].

الدليل هو الدليل

وها هي المناظير تجوب أقطار السماوات والأرض — ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] — فلا تعود من أسفارها إلا بخبر نظامٍ محكمٍ مطّرد: قوانينُ واحدة تسري في المجرّة القريبة كما تسري في أبعد ما رصده الإنسان، وثوابتُ مضبوطة على حدٍّ دقيق. وليس في هذا كلّه ما يشبه الصدفة العمياء في شيء.

وفي المقابل كشفت العلوم الحيوية أن كل ذي حياةٍ لا يقلّ تعقيدًا وإبداعًا عمّا تحمله المسبارات من أخبار الكون: خليّةٌ واحدة فيها من المصانع والنواقل وأنظمة التصحيح وضبط الجودة ما يعجز عن مثله أعقدُ ما بناه البشر، وشيفرةٌ وراثية تُقرأ وتُنسخ وتُترجم وتُصحَّح. ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١].

وبقيت الآية صامدة كما هي: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾. فالدليل هو الدليل، لم يتغيّر ولم يُستبدل به سواه؛ إنما زادته الاكتشافات قوةً ووضوحًا وبيانًا.

كان الأعرابي ينظر إلى بعيره فيرى آية، ونحن ننظر اليوم إلى جينوم ذلك البعير وإلى تركيب كُلْيته ورئته فنرى الآية نفسها بتفصيلٍ أدقّ. تغيّرت العدسة، ولم يتغيّر المنظور إليه.

مناظرةٌ من التراث

ومن أبلغ ما يُروى في هذا الباب مناظرةٌ لجعفر الصادق رضي الله عنه مع طبيبٍ ملحد. لم يسق إليه برهانًا كلاميًا ولا قياسًا مركّبًا؛ ساقه إلى حدود إدراكه هو، سؤالًا بعد سؤال:

من المناظرة

أخبرني، هل أحطتَ بالجهات كلّها وبلغتَ منتهاها؟ قال: لا. قال: فهل رقيتَ إلى السماء التي ترى؟ أو انحدرتَ إلى الأرض السفلى فجُلتَ في أقطارها؟ أو خضتَ في غمرات البحور واخترقتَ نواحي الهواء، فيما فوق السماء وتحتها، وإلى الأرض وما أسفل منها — فوجدتَ ذلك كلّه خلاءً من مدبِّرٍ حكيمٍ عالمٍ بصير؟ قال: لا. قال: فما يدريك؟ لعلّ الذي أنكره قلبُك هو في بعض ما لم تُدركه حواسّك ولم يُحِطْ به علمك. فقال الطبيب: لا أدري؛ لعلّ في بعض ما ذكرتَ مدبِّرًا، وما أدري لعلّه ليس في شيءٍ من ذلك شيء.

فتأمّل كيف انتهى الأمر. لم يُنقَض على الرجل قوله بقياس، وإنما سيقَ إلى الاعتراف بأن دعواه ليست علمًا — فانحلّ جزمُه إلى «لا أدري». وهذا هو عين ما تقدّم من ردّ عبء الإثبات: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. ومن ملك من العلم طرفًا يسيرًا، لم يكن له أن يُصدر حكمًا كليًّا على ما لم يبلغه.

وهو — إن نظرتَ — التدرّج نفسه الذي نراه اليوم بأعيننا: من الجزم بالنفي إلى اللاأدرية. سلكه طبيبٌ في القرن الثاني كما تقول الرواية، وسلكه أعلامُ القوم في القرن الحادي والعشرين.

ويُروى عنه أيضًا قوله لابن أبي العوجاء: إن يكن الأمرُ كما تقول — وليس كما تقول — نجونا ونجوتَ؛ وإن يكن الأمرُ كما نقول — وهو كما نقول — نجونا وهلكتَ. وهذه الموازنة سبقت بقرون ما عُرف في الغرب باسم «مقامرة باسكال» (Pascal's Wager). وهي — على وجاهتها في الإلزام — مرافعةٌ في المصلحة عند الشكّ، لا برهانٌ على الوجود؛ وموضعها من هذا المقال موضعُ الخاتمة الأخلاقية، بعد أن قامت الأدلة، لا موضعُ الدليل.

خاتمة

انتهى الإلحاد قضيةً، وبقي جحودًا. ولن تجد اليوم ملحدًا بالمعنى القديم الجازم؛ فقد تراجع أعلام القوم من الجزم بالنفي إلى «اللاأدرية»، ومن اللاأدرية إلى الحنين الثقافي إلى الدين، ومنهم من عبر الجسر كلّه كما فعل فلو.

ويبقى أمرٌ ينبغي تحريره: دراسة المنطق السليم — أصولُ الاستدلال، وقواعدُ القسمة والاستقراء والقياس، والتحقّق من صحة النتائج — ضرورةٌ لا غنى عنها لفهم العلم نفسه. فمن لم يضبط أدوات الاستدلال لم يُحسن قراءة تجربة، ولا نقد فرضية، ولا تمييز الدليل من الدعوى.

أما ما تفرّع عن ذلك قديمًا مما سُمّي «علم الكلام» — أعني الجدل المجرّد في إثبات الوجود ولوازمه بالأقيسة الذهنية الخالصة — فقد أدّى وظيفته في زمنه، وانتهى بتطوّر العلم المادي المحسوس. ودراسته اليوم دراسةٌ تاريخية نفهم بها كيف فكّر الأوائل، لا دراسةٌ ضرورية لإقامة حجة. وفرقٌ بين أن تتعلّم المنطق لتُحسن التفكير، وأن تتعلّم مسائل المتكلمين لتخوض بها معركةً انتهت.

ولا أحد يحتاج اليوم إلى مناظرة الجاحدين بحجّة عقلية مجرّدة والدليلُ الحسّي قائمٌ ماثل. تصوّر رجلًا يقف أمامك، يسمع صوتك ويرى وجهك، ثم يقول: أقم لي البرهان المنطقي على أنك موجود! فماذا عساك تصنع به؟ أتشتغل ببناء قياسٍ يثبت وجودك، وأنت قائمٌ تحدّثه؟

تلك حال من يطلب برهانًا كلاميًا على الخالق، والآيات محيطةٌ به من كل جهة: في نفسه التي بين جنبيه، وفي الكون الذي يقلّب فيه بصره.

وما دام الجحود باقيًا فمنهجنا باقٍ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾. نُذكِّر من يسمع، ونُعرض عمّن أعرض، والحجة قائمةٌ ماثلة — في الإبل والسماء والجبال والأرض، وفي شيفرة الحياة وثوابت الكون — لمن ألقى السمع وهو شهيد.

❊ ❊ ❊

مصادر للمراجعة

عن الروابط أعلاه: «الكشف عن مناهج الأدلة» على أرشيف الإنترنت — مسحٌ ضوئيٌّ مفتوح؛ و«صحيح البخاري» (الطبعة السلطانية) و«صحيح مسلم» (بترقيم عبد الباقي) على المكتبة الشاملة — نصٌّ كاملٌ بترقيم المطبوع. أما كتاب فلو فنسخةُ إعارةٍ من مكتبات الأرشيف، تحتاج حسابًا مجانيًّا — ولا نسخة حرّة له، والنسخُ الكاملة المرفوعة عليه مخالفةٌ لحقّ النشر فلم تُوصَل. وخبرُ فلو بنصّ وكالة أسوشيتد برس كما نشرته NBC، ومقابلةُ دوكينز عبر تقريرٍ صحفيٍّ ينقل نصَّ كلامه — إذ لا تُتيح LBC تسجيل الحلقة مجانًا.

In brief

In December 2004 Antony Flew — who had carried the banner of philosophical atheism for half a century, and who wrote the 1950 paper Theology and Falsification that founded modern atheism — announced at eighty-one that he had come to believe in a God. Asked why, he pointed not to an argument but to a laboratory: the arrangements of life revealed by DNA research were too complex, he said, to admit of any explanation but an ordering intelligence.

The essay’s central move is a distinction. Ilḥād — atheism as a reasoned position — is finished. Juḥūd, the turning away from a conclusion already reached, will last as long as desire lasts.

It then sets out two Qurʾānic paths to establishing a creator: the abstract rational proof — the exhaustive trilemma of Sūrat al-Ṭūr, the argument from mutual exclusion, the shifting of the burden onto the one who denies — and the observed sign, which is the dominant one: the camel before the Bedouin’s eye, the stages of the embryo, one soil and one water yielding fruits of different taste. Ibn Rushd, it notes, had already divided the matter this way in al-Kashf ʿan manāhij al-adilla: the proof from providence (ʿināya) and the proof from invention (ikhtirāʿ).

The conclusion: where the observed proof stands, the dialectical one is not needed. The essay closes on Richard Dawkins calling himself a “cultural Christian” in 2024, and on the counsel to remind rather than compel.

مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)

قوبلت وقائعُ هذه المقالة بمصادرها — نصُّ خبر أسوشيتد برس عن فلو وكتابُه، وتسجيلُ مقابلة دوكينز كما نُقل، وكلامُ ابن رشد في «الكشف» كما نقله عنه ابن تيمية، وأحاديثُ الصحيحين وآياتُ المصحف بترقيمها، مع بحثٍ في ثمانية آلاف كتابٍ من المكتبة الشاملة عن سند المناظرة المنقولة — مع فحصٍ للاقتباس. والنتيجةُ منشورةٌ كما خرجت، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقها: اقرأ تدقيق المدقّق المحايد ←

© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.