قوبلت الدعاوى الواقعية في المقالة بمصادرها: خبرُ فلو بنصّ وكالة أسوشيتد برس، ومقابلةُ دوكينز بنصّ ما نُقل عنها، وكلامُ ابن رشد بنقل ابن تيمية عنه، والأحاديثُ بالصحيحين، والآياتُ بالمصحف. ما ثبت منها، وما يحتاج إلى تصحيح، وما لم أقف له على سند — منشورٌ كما خرج، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقه.
وموضوعُ التدقيق الوقائعُ وحدَها: التواريخُ، والأسماءُ، وما نُسب إلى فلو ودوكينز وابن رشد وجعفر الصادق أنهم قالوه، وألفاظُ الآيات والأحاديث، وصحّةُ الإحالات. أمّا أطروحةُ المقالة — أنّ الإلحاد انتهى قضيةً وبقي جحودًا — فليست من التدقيق في شيء؛ تلك دعوى نظرية يُحاكم إليها القارئ لا المدقّق. وهذه مقالةٌ لقارئٍ عام، لا بحثٌ محكَّم، فلم يُطلَب فيها ما يُطلَب في البحوث.
المنهج
قوبل خبرُ فلو بنصّ تقرير أسوشيتد برس كما نشرته NBC في ديسمبر ٢٠٠٤، وبكتابه There Is a God في نسخة الإعارة على أرشيف الإنترنت. وقوبلت مقابلةُ دوكينز بالتقارير التي نقلت نصَّ كلامه في إذاعة LBC يوم الأحد ٣١ مارس ٢٠٢٤. وقُوبل كلامُ ابن رشد في «الكشف» بما نقله عنه ابن تيمية بلفظه في «درء تعارض العقل والنقل» (٩/ ٣٢٢) و«بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ١٦٠). وقوبلت الآياتُ — وهي نحوُ الأربعين — بمصحف حفصٍ عن عاصم آيةً آيةً. وقوبلت الأحاديثُ بكتب السنّة، وبُحث عن سند المناظرة المنقولة عن جعفر الصادق في ٨٤١٧ كتابًا من المكتبة الشاملة المنزَّلة على القرص، بحثَ عبارةٍ متتابعةٍ وبحثَ تقاربٍ لفظي. وأُجري فحصُ اقتباسٍ على عشر عباراتٍ مميّزة، وقوبل النصُّ بمقالات الموقع السابقة.
أولاً: ما ثبت
مشهدُ فلو — وهو مفتاحُ المقالة كلِّها وأجرأُ ما فيها — صحيحٌ عنصرًا عنصرًا، بلا استثناءٍ واحد. التاريخُ ديسمبر ٢٠٠٤، والسنُّ إحدى وثمانون، والسببُ الحمضُ النووي، ونصُّ تعليله في مقابلةٍ هاتفيةٍ من إنجلترا:«A super-intelligence is the only good explanation for the origin of life and the complexity of nature… biologists' investigation of DNA has shown, by the almost unbelievable complexity of the arrangements which are needed to produce [life], that intelligence must have been involved.» فقولُ المقالة إنه «أحال إلى المختبر» وإنّ في «ترتيبات الحياة من التعقيد ما لا يُفسَّر إلا بعقلٍ مدبِّر» ترجمةٌ أمينةٌ للفظه، لا تلخيصًا حرًّا. وكذلك ما في قائمة المصادر: أنه «وصف نفسه بأنه ربوبيّ (Deist) على مذهب جيفرسون» — ونصُّه أنه يُوصَف بأنه «a deist like Thomas Jefferson, whose God was not actively involved in people's lives». وحتى «بعد ثلاث سنوات» صحيحٌ حسابًا: ٢٠٠٤ إلى ٢٠٠٧.
مقابلةُ دوكينز: التاريخُ والإذاعةُ والمحاوِرةُ وألفاظُ التصريح كلُّها مضبوطة. إذاعةُ LBC، مع راشيل جونسون، يوم أحد الفصح ٣١ مارس ٢٠٢٤. ونصُّه:«I'm not a believer, but there is a distinction between being a believing Christian and a cultural Christian… I love hymns and Christmas carols and I sort of feel at home in the Christian ethos, and I feel that we are a Christian country in that sense.» فـ«يحبّ الترانيم وأناشيد الميلاد، ويأنس بالمناخ المسيحي، ويرى بلاده بلدًا مسيحيًا بهذا المعنى» مطابقٌ لِلفظه بندًا ببند. ويُحسب للمقالة أنها لم تُسقط القيد الذي قيّد به نفسه: «مصرّحًا في الوقت نفسه بأنه لا يؤمن بحرفٍ من العقيدة» — وهو في اللفظ الإنجليزي أنه لا يؤمن «a word» منها. وإسقاطُ هذا القيد هو الخطأُ الشائع في نقل هذا الخبر عربيًّا، ولم تقع فيه.
نسبةُ الدليلين إلى ابن رشد صحيحةٌ بلفظه، وثبتت من طريقٍ أقوى من الكتاب نفسِه: من ناقدٍ له. ينقل ابن تيمية عن ابن رشد طريقتيه فيقول عن الأولى — العنايةُ بالإنسان وخلقُ الموجودات من أجله — «ولنسم هذا دليل العناية»، وعن الثانية ما يظهر «من اختراع جواهر الأشياء الموجودات، مثل اختراع الحياة في الجماد، والإدراكات الخمسة والعقل، ولنسم هذا دليل الاختراع». وهذا هو عينُ تقسيم المقالة: «دليل العناية — إحكام الكون وموافقته لمنفعة الإنسان — ودليل الاختراع — إبداع الخلق على غير مثالٍ سابق». وثبت كذلك ما نسبَته إليه من نقد طرائق المتكلمين لبُعدها عن مدارك العامة، وهو مقصودُ «الكشف» المعلَن.
حديثُ الوسوسة: لفظُه وتخريجُه وترقيمُه صحيحة. نصُّه في كتب السنّة: «يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربَّك؟ فإذا بلغه فليستعذْ بالله ولْيَنْتَهِ» — ووصفَه البغوي بأنه «حديثٌ متفق على صحته»، وهو ما قالته المقالة: «(متفق عليه)». وأرقامُ قائمة المصادر — البخاري (٣٢٧٦) ومسلم (١٣٤) — واقعةٌ في موضعها من الكتابين. وقولُ المقالة إنّ النبيَّ ﷺ «أرشد من بلغ به الوسواس هذا المبلغ أن يستعيذ بالله وينتهي» هو معنى اللفظ بلا زيادة.
أثرُ جُبير بن مُطعِم: الاسمُ صحيح، والحالُ صحيحة، والآياتُ التي سمعها هي آياتُ القسمة الحاصرة بعينها. وهذا آخرُ ما توقّعتُ أن يثبت، فإنّ الاسم يُصحَّف كثيرًا. والإسنادُ في كتب السنّة: «عن محمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم عن أبيه» — فرسمُ المقالة صحيح. وأنه «كان أتى المدينةَ في أُسارى بدر» وأنه سمعه قبل إسلامه — كما قالت المقالة: «وكان يومئذٍ مشركًا، قدم في فداء الأسرى». والأهمُّ أنّ رواية «الجمع بين الصحيحين» تسرد الآياتَ ثم تُعقِّب: «﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾… كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ» — فربطُ المقالة بين سماع القسمة الحاصرة وهذه الكلمة ليس استنباطًا منها، بل هو ترتيبُ الرواية نفسِها. والبخاري (٤٨٥٤) من أرقامه.
الآياتُ كلُّها — نحوُ الأربعين — مطابقةٌ لمصحف حفصٍ عن عاصم، وإحالاتُها في مواضعها. قوبلت واحدةً واحدةً بالسورة ورقم الآية: الطور ٣٥–٣٦، الغاشية ١٧–٢٠ و٢١–٢٢، الواقعة ٥٨–٦٩، المؤمنون ١٢–١٤ و٩١، الحجر ١٤–١٥، الأنعام ٩، القيامة ٣–٤، الرعد ٤، الملك ٣، فصلت ٥٣، ق ٣٧، وسائرُها. ولم أجد فيها موضعًا واحدًا زائدًا ولا ناقصًا ولا محرَّفًا. ولفظُ ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ﴾ [السجدة: ٣٠] كان في مسوّدة المقالة على غير لفظه، فصُحّح في المستند قبل النشر — وقد رأيتُ أن أُثبت ذلك هنا لا أن أسكت عنه، لأنّ القارئ يقرأ الآن نصًّا مصحَّحًا.
«الفرسانُ الأربعة» أربعتُهم على الصواب، وتاريخُ الموجة صحيح. دوكينز وهيتشنز وهاريس ودينيت هم الذين اجتمعوا في المحاورة المصوّرة التي منها استقرّ اللقب؛ وصعودُ الموجة بعد سبتمبر ٢٠٠١ هو التأريخُ المتّفق عليه لها. و«وهم الإله» كتابُ دوكينز على الحقيقة.
ثانياً: ما يحتاج إلى تصحيح
- مقالةُ ١٩٥٠ ليست هي التي أسّست لقاعدة «الأصل هو الإلحاد» — بينهما اثنتان وعشرون سنة، وهما مقالتان مختلفتان في موضوعهما. تقول المقالة في ¶٣ إنّ فلو «صاحبُ المقالة التي أسّست للإلحاد المعاصر: اللاهوت والتكذيب (١٩٥٠)»، ثم تبني على ذلك في ¶٥ أنه «علّم أجيالًا أن الأصل هو الإلحاد حتى يقوم الدليل على خلافه». والمقالتان مختلفتان: «اللاهوت والتكذيب» — قُرئت أوّلًا في «نادي سقراط» بأكسفورد سنة ١٩٥٠ ونُشرت في مجلةٍ طلابيةٍ عابرة اسمها University — حجّتُها أنّ الدعاوى اللاهوتية لا تقبل التكذيب فهي بلا معنى، وهي نقدٌ في دلالة اللغة الدينية على أصول الوضعية المنطقية، لا تقريرٌ لعبء الإثبات. وأمّا القاعدةُ التي نسبَتها المقالة إليها فمحلُّها مقالتُه الأخرى: «The Presumption of Atheism» سنة ١٩٧٢. فالنسبةُ إلى الرجل صحيحة، والنسبةُ إلى المقالة بعينها غيرُ صحيحة. (ومقالةُ ١٩٥٠ مشهورةٌ حقًّا — قال فلو إنّ لها «بعضَ الحقّ في أن تكون أوسعَ منشورٍ فلسفيٍّ انتشارًا في النصف الثاني من القرن العشرين» — لكنها مشهورةٌ بدعوى أخرى.)
- «ولن تجد اليوم ملحدًا بالمعنى القديم الجازم» — دعوى كلّيةٌ مقولةٌ بلا تحفّظ، وهي غيرُ صحيحة على ظاهرها. فالملحدون الجازمون بنفي الوجود موجودون كثيرون، يُصرّحون ويكتبون ويُناظرون، ولم ينقطع منهم من يقول: لا إله، جزمًا لا لاأدريةً. والذي يحمله الواقعُ هو الدعوى الأضيقُ التي قالتها المقالةُ نفسُها في ¶٥٢ وهي أدقُّ وأصدق: أنّ «الإلحاد الجديد» تصدّع بوصفه حركةً منظَّمة، وأنّ أعلامًا بأسمائهم تحرّكوا. وفي المثال المضروب مؤاخذةٌ أخرى: دوكينز نفسُه لم يكن قطُّ «جازمًا بالمعنى القديم» — فهو يضع نفسه على سلّمه المشهور من سبع درجاتٍ عند «٦٫٩» لا عند السابعة، أي إنه لم يدَّعِ يومًا يقينَ النفي؛ وتصريحُ ٢٠٢٤ غيَّر انتماءَه الثقافي لا موقفَه الميتافيزيقي — وهو ما قالته المقالةُ في ¶٥٣ بنفسها. فالخاتمةُ في ¶٦٨ تُحمِّل الشاهدَ أكثرَ مما يحمل.
- دعوى سبق «مقامرة باسكال» تصحّ، ولكن لا على السند الذي بُنيت عليه. تقول المقالة إنّ موازنة جعفر الصادق «سبقت بقرون ما عُرف في الغرب باسم مقامرة باسكال» — وظاهرُ الكلام أنّ السبق من القرن الثاني الهجري. والأثرُ لم أقف عليه في المكتبة الشاملة كلِّها (انظر القسم التالي)، وإنما مظانُّه المصنَّفاتُ الشيعيةُ المتأخّرة: «الاحتجاج» للطبرسي (ت نحو ٥٤٨هـ) و«بحار الأنوار» للمجلسي (ت ١١١٠هـ). والنتيجةُ أنّ الدعوى تنجو حتى على أضعف التقديرات: فأقدمُ إثباتٍ وقفتُ عليه من القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، وباسكال متوفَّى سنة ١٦٦٢م — فالسبقُ خمسةُ قرونٍ على أيّ حال، و«سبقت بقرون» صادقة. لكنها صادقةٌ بهذا الحساب، لا بحساب القرن الثاني.
ثالثاً: ما لم أقف له على سند
مناظرةُ جعفر الصادق مع الطبيب الملحد (¶٦٢–٦٥): صفرٌ في ٨٤١٧ كتابًا. بحثتُ عبارتَها المميّزة «خلاءً من مدبِّر» بحثَ تقاربٍ لفظيٍّ في ثمانية آلافٍ وأربع مئةٍ وسبعة عشر كتابًا منزَّلةً من المكتبة الشاملة، فلم تُرجع نتيجةً واحدة؛ وكذلك سائرُ ألفاظها. ومظانُّها المصنَّفاتُ الشيعية: «الاحتجاج» للطبرسي، و«التوحيد» للصدوق، و«بحار الأنوار» — وليست في المكتبة المنزَّلة، فلم أقرأها في أقدم إثباتٍ لها. والحاصلُ: لم أستطع وصلَ الخبر بالقرن الثاني الهجري بسندٍ أنظر فيه، ولا أستطيع في المقابل أن أنفيَه. ويُحسب للمقالة أنها قالت «ومن أبلغ ما يُروى» — وهو التحرُّزُ الصحيح — وأنّ ¶٦٥ تقول «كما تقول الرواية». ولو جزمت بأنّ طبيبًا في القرن الثاني فعل هذا لكان الأمرُ أثقلَ من هذا كثيرًا.
الموازنةُ المرويّة لابن أبي العوجاء (¶٦٦): كذلك، صفر. «نجونا ونجوتَ» و«نجونا وهلكتَ» لم تُرجعا نتيجةً واحدة. وفيها تنبيهٌ يخصُّ الاسم: «ابن أبي العوجاء» الذي في المكتبة المنزَّلة رجلٌ آخر — ابن أبي العوجاء السُّلَمي، وهو من أمراء السرايا في السيرة — لا عبد الكريم بن أبي العوجاء الزنديقَ المقصودَ في الخبر. فمن بحث عن الاسم في كتب السنّة وجد رجلًا غيرَ المراد، وهذا من مواضع الغلط.
«بصمة الواحد منّا لا تتكرر في أحدٍ من مليارات البشر» (¶٣٣) صياغةٌ سائدة، وليست قضيةً مبرهنة. تفرُّدُ البصمة فرضٌ عمليٌّ تقوم عليه صناعةُ الأدلة الجنائية، ولم يُبرهَن استقراءً على كلّ البشر — ولا سبيل إلى ذلك. فهي تعميمٌ تجريبيٌّ راجحٌ لا نظريةٌ ثابتة. ولا أعدُّه غلطًا يُصحَّح؛ فوجهُ استدلال المقالة قائمٌ على دِقّة التكوين لا على الإحصاء.
ويبقى تنبيهٌ واحدٌ لم أُفرد له رقمًا لأنّ المقالة لم تُخطئ فيه: كتابُ «هناك إله» (٢٠٠٧) حوله نزاعٌ معروفٌ في نسبته — كتبت «نيويورك تايمز مَغَزين» سنة ٢٠٠٧ أنّ فارغيزي هو المؤلّفُ الأوّل، وأنّ الناشر استعان بقسٍّ إنجيليٍّ لإعادة صياغة مواضع منه، ونفى فلو ذلك في حياته. والمقالةُ سمَّت فارغيزي مؤلِّفًا مشاركًا في قائمة المصادر، فلم تُوهم القارئَ شيئًا. وإنما يَعني هذا من يَزِن الكتابَ شهادةً بقلم فلو وحده. أمّا تصريحُ ٢٠٠٤ — وهو الذي تعتمد عليه المقالةُ أكثر — فكلامُ فلو مباشرةً في مقابلةٍ هاتفية، لا يمسّه هذا النزاع.
رابعاً: فحص الاقتباس
المخاطرة: منخفضة
بُحث عن عشر عباراتٍ من أكثر ما في المقالة بصمةً — الصورةُ البلاغية والمقابلةُ والالتفاتُ التفسيري، لا الجملُ التي تقرّر تاريخًا، فتلك ليست مما يُنقَل — كلُّ واحدةٍ منها نصًّا مقتبَسًا:
- «الصدفة تُنتج تشتّتًا، والفوضى لا تلد قانونًا» — لا نتيجة.
- «تغيّرت العدسة، ولم يتغيّر المنظور إليه» — لا نتيجة.
- «أفنى عمره في قطع الشجرة… ثم عاد يستظلّ بظلّها» — لا نتيجة.
- «أقم لي البرهان المنطقي على أنك موجود» — لا نتيجة.
- «فالغفلة عن الشيء لا تكون لبعده، بل لقربه» — لا نتيجة.
- «وهو ما سمّيناه بعد أربعة عشر قرنًا: الشيفرة الوراثية» — لا نتيجة.
- «بلغ الإنسان أن يقرأ الجينوم ويحرّره» — لا نتيجة.
- «الفلاح يضع البذرة ولا يصنع الإنبات» — لا نتيجة.
- «وهذا اختار الجهل بملء إرادته» — لا نتيجة.
- «من الجزم بالنفي إلى اللاأدرية» — لا نتيجة بهذا السياق.
ولم تُرجع واحدةٌ منها نتيجةً واحدة. والقيدُ على هذا أنّ محرّكات البحث لا تُلزِم المطابقةَ الحرفية للنصّ المقتبَس، فالصفرُ دليلُ غيابٍ لا برهانُ غياب.
وأمّا اقتباسُ المؤلّف من نفسه فلم أجد له موضعًا واحدًا. فُحصت مقالاتُ الموقع السابعةَ عشرةَ كلُّها عن مصطلحات هذه المقالة المميّزة — «الشيفرة الوراثية»، «اللاأدرية»، «أنتوني فلو»، «دوكينز»، «الضبط الدقيق»، «جعفر الصادق»، «مقامرة باسكال» — فلم يرد منها شيءٌ في مقالةٍ سابقة؛ وما ظهر من مواضعَ فإنما هو في نصوص المكتبة الكلاسيكية المنشورة على الموقع (متنُ ابن خلدون وغيرُه)، لا في نثر المؤلّف. فهذه المقالةُ موضوعٌ جديدٌ على الموقع، لا إعادةَ صياغةٍ لسابقٍ فيه.
وأمّا توارُدُ الأفكار فقائمٌ ومتوقَّع، وليس اقتباسًا. فالقسمةُ الحاصرةُ في آية الطور، وبرهانُ التمانع، ودليلا العناية والاختراع عند ابن رشد — هذه كلُّها سِقايةٌ مشتركةٌ في مئات الكتب العربية في الباب، من ابن تيمية وابن القيم إلى المحدَثين. فاتّفاقُ المقالة معها في المادّة اتّفاقٌ في المصدر لا نقلٌ عن أحد؛ والترتيبُ والتعليقُ والتطبيقُ على العلم الحديث خاصٌّ بها. وأمّا كلامُ فلو ودوكينز فمنقولٌ على أنه منقول، منسوبٌ إلى أصحابه في متن المقالة وفي قائمة مصادرها — فلا شيء فيه.
حدودُ هذا التدقيق
- المصنَّفاتُ الشيعيةُ الحديثيةُ ليست في المكتبة المنزَّلة — «الاحتجاج» و«الكافي» و«بحار الأنوار». فما أثبتُّه أنّ خبرَي المناظرة والموازنة غائبان عن المدوَّنة السنّية، لا أنّهما بلا إثباتٍ أصلًا؛ والحكمُ على سندهما يحتاج تلك المطبوعات.
- «الكشف عن مناهج الأدلة» ليس في المكتبة المنزَّلة كذلك — فدليلا العناية والاختراع ثبتا من نقل ابن تيمية عن ابن رشد بلفظه، لا من طبعةٍ محقَّقةٍ للكشف نفسِه. والنقلُ عن ناقدٍ حجّةٌ قويةٌ في الإثبات، لكنه ليس مقابلةً على الأصل.
- تسجيلُ مقابلة دوكينز غيرُ متاحٍ مجانًا من LBC — فألفاظُه مأخوذةٌ من تقاريرَ صحفيةٍ متعدّدةٍ تتّفق على الصياغة، لا من سماع الحلقة. واتّفاقُ التقارير قرينةٌ قوية، وليس أصلًا.
- كتابُ فلو قُرئ في نسخة إعارة — ولم أقابل جملةَ «infinite Intelligence» على صفحةٍ بعينها من المطبوع؛ وهي الصيغةُ التي ينقلها الناشرُ والمراجعون.
- «الضبطُ الدقيق» (¶٥٥) لم أعرض له — لأنه مسألةٌ مفتوحةٌ في الفيزياء وفلسفتها، فيها قائلون ومخالفون، وليست واقعةً تُقابَل بمصدر. وكذلك تركتُ كلَّ ما هو من باب الاستدلال لا من باب الخبر.
- ولم أعرض للأطروحة — وهي أنّ الإلحاد انتهى قضيةً. ذلك حكمٌ نظريٌّ يُناقَش، لا واقعةٌ تُحقَّق، ولا وظيفةَ لهذه الصفحة فيه.
الحكم
أقوى ما في المقالة عمودُها الحديث، وهو ثابتٌ لفظًا لا معنًى فقط. كلُّ ما نُسب إلى فلو ودوكينز — التواريخُ والأعمارُ والإذاعةُ والمحاوِرةُ وألفاظُ التصريحين — مطابقٌ للمصدر، ولم أجد فيه موضعًا واحدًا يحتاج تصحيحًا. وهذا نادرٌ في مقالةٍ تعتمد على أخبارٍ صحفيةٍ مترجَمة، وهو أنفعُ ما في هذه الصفحة للقارئ. ومثلُه نسبةُ الدليلين إلى ابن رشد، وألفاظُ الآيات الأربعين، وتخريجُ الحديثين، ورسمُ اسم جُبير بن مُطعِم.
وأضعفُ ما فيها فصلُ «مناظرةٌ من التراث»، وهو الفصلُ الذي أنصح القارئ أن يقرأه بتحفّظ. لا لأنّ ما فيه باطل، بل لأنّ ما فيه لا سند له يُنظر فيه: الخبران كلاهما مظنّتُهما مصنَّفاتٌ متأخّرةٌ عن زمن المنسوب إليه بأربعة قرونٍ أو خمسة، ولم يظهر لهما أثرٌ في ثمانية آلاف كتاب. والمقالةُ نفسُها تحرّزت بـ«يُروى»، فلم تدَّعِ ما ليس لها — والقارئُ ينبغي أن يقرأ الفصلَ على هذا التحرُّز، أي بابَ حِكمةٍ مرويّةٍ لا بابَ واقعةٍ مؤرَّخة.
وموضعانِ يُصحَّحان: نسبةُ قاعدة «الأصل هو الإلحاد» إلى مقالة ١٩٥٠ — وموضعُها مقالةُ ١٩٧٢ — وجزمُ الخاتمة بأنك «لن تجد اليوم ملحدًا بالمعنى القديم». والثاني أهمُّهما، لأنّ المقالة لا تحتاجه: دعواها الأضيقُ في ¶٥٢ عن تصدُّع الحركة أقوى، وهي التي يحملها الواقع.
هذه الصفحةُ صفحةُ نقدٍ لا صفحةُ دفاع. نُشر فيها ما ظهر كما ظهر، ولم يُحذف منها شيءٌ لأنه غيرُ موافق، ولم تُعدَّل المقالةُ لتوافقها. → العودة إلى المقالة
© 2026 حسين الخالدي