في بغداد، في زمنٍ فشت فيه الأمراض وكثر المرضى، جلس طبيبٌ في دكانه لا يطرق بابه أحد. لم يكن جاهلًا بصنعته، ولا سيئ الخُلق مع مرضاه، ولا مغاليًا في أجره. ومع ذلك كسدت سوقه في موسمٍ تزدهر فيه سوق الأطباء.
يروي الجاحظ في «البخلاء» أن سائلًا سأله عن سرّ كساده والعلّة ظاهرة والحاجة قائمة، فأجاب الطبيب أسد بن جاني جوابًا يقطر مرارةً وسخرية: أنا عندهم مسلم، وقد اعتقدوا قبل أن أتطبّب، بل قبل أن أُخلق، أن المسلمين لا يفلحون في الطب. ثم مضى يعدّد ذنوبه التي لا يد له فيها: اسمه أسد، وكان ينبغي أن يكون صليبا أو يوحنا. وكنيته أبو الحارث، وكان ينبغي أن تكون أبا عيسى. ورداؤه قطنٌ أبيض، وكان ينبغي أن يكون حريرًا أسود. ولفظه عربي، وكان ينبغي أن تكون لغته لغة أهل جنديسابور.
وجنديسابور هذه مدينةٌ في فارس، بها المدرسة الطبية العريقة التي تخرّج فيها أطباء البلاط المشاهير. كانت بلغة أهل زماننا «الخارج»: مَن تدرّب فيه عَلَت سمعته وارتفع أجره. ولو بُعث أسد بن جاني اليوم لوجد المشهد مألوفًا: فما زال المريض يطمئن إلى الطبيب الحامل شهادةً من وراء البحار أكثر من نظيره المتدرب في بلده، ولو تساويا علمًا وممارسة.
ليست القصة إذن نادرةً من نوادر البخلاء فحسب، بل شاهدٌ مبكر على ظاهرة اجتماعية معمّرة: توقير الأجنبي في العلم والصنعة، وبخس القريب. ومن رحم هذه الظاهرة خرجت مقولة تتردد إلى اليوم في بعض الأوساط الثقافية: أن مشاركة العرب في العلم كانت هامشية، وأن حَمَلة العلم في الحضارة الإسلامية أكثرهم من غير العرب. فمن أين جاءت هذه المقولة؟ وما نصيبها من الصحة؟
المقولة من منبعها
لم تولد هذه المقولة في مجالس المستشرقين ولا في منتديات العصر، بل خطّها بيدٍ عربية أحد أعظم عقول الحضارة نفسها. يقول ابن خلدون في المقدمة، في فصلٍ عقده لهذه المسألة بعينها: «من الغريب الواقع أن حَمَلة العلم في الملّة الإسلامية أكثرهم العجم». فمن أراد الاحتجاج بأن العرب لم يحملوا العلم، وجد نصّه الأقوى جاهزًا عند ابن خلدون. وهنا موضع الوقفة.
ذلك أن قراءة الفصل كاملًا تكشف ثلاثة أمور تنقض هذا الاستدلال من أساسه.
أولها أن ابن خلدون لا يفسّر الظاهرة بعرقٍ ولا بطبعٍ ولا بنقصٍ في العقل العربي، بل تفسيرًا اجتماعيًا محضًا: العلم عنده «صناعة»، والصنائع من شأن الحضر وسكان الأمصار، والعرب عند قيام الدولة كانوا أقرب إلى البداوة وانشغلوا بالرئاسة والملك وأمر الجهاد، فتُرك سوق الصنائع، والعلم منها، لأهل الحواضر. ليست المسألة مسألة دمٍ إذن، بل مسألة عمران: حيثما استقرّ العمران نبت العلم، أيًّا كان نسب أهله.
وثانيها أن «العجم» في اصطلاح الفصل ليست مقولة نسبٍ صافية. فابن خلدون نفسه يقول إن من حملة العلم «العربي في نسبه» لكنه «أعجمي في لغته ومرباه ومشيخته»، أي أن معياره هو التكوين والنشأة وسلسلة الشيوخ، لا شجرة الأنساب. وإذا كان المعيار هو التكوين الثقافي انقلب السؤال كله: فهؤلاء «العجم» أنفسهم، سيبويه والزجّاج ومَن معهم، تكوينهم عربي اللسان، وعلمهم في العربية وبالعربية ولخدمة كتابٍ عربي. فبأي الميزانين نَزِن؟ إن وزنّا بالنسب خرج بعض حملة العلم من العروبة، وإن وزنّا بالتكوين، وهو ميزان ابن خلدون نفسه، دخلت الحضارة كلها في العربية.
وثالثها أن تفسير ابن خلدون يحمل في داخله نقضَ التعميم: فإذا كان العلم يتبع العمران لا العرق، فحيثما تحضّر العرب أنتجوا العلماء. وشاهد ذلك الأندلس، حيث استقرّ العمران العربي قرونًا فأخرج ابن حزم وابن رشد وبني زهر والإدريسي وابن البيطار. بل إن أبلغ شاهدٍ هو صاحب النص ذاته: ابن خلدون الحضرمي النسب، العربي الصريح، الذي كتب بهذه الملاحظة أعظم كتاب في علم الاجتماع قبل أن يولد علم الاجتماع.
فالنص الذي يُشهَر في وجه العرب هو عند التحقيق شهادة لهم من وجهين: تفسيرٌ اجتماعي ينفي عنهم نقيصة الطبع، وصاحبٌ عربي يُبطل بمجرد وجوده دعوى العقم.
بأي ميزانٍ نَعُدّ؟
قبل أن نعدّ العلماء لا بدّ أن نتفق على الميزان، فالخلاف كله في حقيقته خلافُ موازين. والموازين ثلاثة: النسب، واللسان، والتكوين الحضاري. وأصحاب المقولة يأخذون أضيقها، وهو النسب، ثم يحاكمون به حضارةً قامت أصلًا على أوسعها.
ولنبدأ من العلاقة بين العربية والإسلام. الإسلام رسالة سماوية خاتمة نزلت على نبيٍّ عربي بلسانٍ عربي مبين، وكان أثره في العرب قبل أن يكون في غيرهم: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ». فلما دخلت الشعوب في دين الله أفواجًا، أقبلت على العربية لا مجاملةً بل ضرورةً: فهي مفتاح الكتاب والصلاة والفقه. وهكذا صارت العربية لغة العلم الجامعة لحضارةٍ بأكملها، كما كانت اللاتينية للعلم الأوروبي في القرون الوسطى، وكما صارت الإنجليزية للعلم في زماننا.
وهنا مفارقة تكشف عقم ميزان النسب: سيبويه الفارسي نسبًا وضع «الكتاب»، أعظم مصنّف في نحو العربية على الإطلاق، وشيخه الذي أخذ عنه هو الخليل بن أحمد الفراهيدي، العربي الأزدي، واضع علم العروض وأول معجم في تاريخ اللغة. فبأي عقلٍ نفصل الشيخ عن تلميذه، والعلمَ عن لسانه، لنوزّع ذلك كلَّه على خانات الأعراق؟ الحضارة خلطت الأنساب في اللسان الواحد، وذاك فخرها لا نقيصتها.
ثم إن الميزان الذي نطبّقه على غيرنا يلزمنا في أنفسنا: حين يُنسب علم نيوتن وداروين إلى «العلم الإنجليزي» لا يسأل أحد عن أصول الرجلين وأعراق أجدادهما، وحين ينشر باحثٌ عربي اليوم أبحاثه بالإنجليزية في مجلات الغرب حُسب نتاجه، شئنا أم أبينا، في رصيد العلم المكتوب بالإنجليزية. فبالميزان نفسه: كل ما كُتب بالعربية، في كنف دولةٍ عربية الإدارة واللسان، هو علمٌ عربي بالمعنى الحضاري، كائنًا ما كان نسب كاتبه. يبقى بعد ذلك سؤال النسب سؤالًا مشروعًا لمن شاء، لكنه سؤال أنسابٍ لا سؤال حضارة، وسنجيب عنه مع ذلك بالأسماء بعد قليل.
البذرة: حُكمٌ هيّأ التربة
لم تنبت الترجمة ولا العلم في فراغ، بل في تربةٍ هيّأها قرارُ دولة. فالحكم العربي الإسلامي — في أزهى عصوره — جعل طلب العلم سياسةً عامة: بيت الحكمة في بغداد تؤسسه الدولة وترعاه، والمأمون يراسل ملوك الروم يطلب نفائس كتب اليونان وتخرج البعثات لجلبها، والمترجمون يتقاضون الأجور السخية حتى رُوي أن حنين بن إسحاق كان يُعطى وزنَ ما يترجمه ذهبًا. وسواء صحّت الرواية بحرفها أو قاربت، فدلالتها واحدة: أن الترجمة كانت مشروع دولةٍ لا هوايةَ أفراد.
والأهم من المال روحُ ذلك العصر. فقد زرع الحكم العربي الإسلامي ما لعله البذرة الأولى في التاريخ لتعايشٍ منظّم بين أهل الأديان في ميدان العلم: حنين بن إسحاق النصراني العبادي شيخ المترجمين، وثابت بن قرة الصابئي الحراني إمام الرياضيات والفلك، وآل بختيشوع النساطرة أطباء الخلفاء جيلًا بعد جيل، كلهم عملوا في كنف الدولة مقرَّبين مكرَّمين، لا يُسألون عن دينهم بل عن علمهم. ولم يكن ذلك التسامح ترفًا أخلاقيًا، بل كان شرطَ ازدهار العلم نفسه، فالعلم لا ينمو إلا حيث يأمن العالِم.
وامتدت الرعاية من الترجمة إلى مؤسسات العلم كلها: خزائن الكتب التي بلغت في قرطبة أيام الحكم المستنصر مبلغًا تتناقل المصادر في عدّه مئات الألوف من المجلدات، ودار الحكمة في القاهرة، والبيمارستانات كالعضدي في بغداد والنوري في دمشق والمنصوري في القاهرة، وما كانت دورَ علاجٍ فحسب بل مدارس طبٍّ تعليمية بسجلاتٍ وتدريبٍ وإجازات، والمراصد الفلكية التي أنشأها المأمون لتحقيق أرصاد بطليموس لا لمجرد نقلها.
على أن الترجمة كانت البذرة لا الثمرة. فما هو إلا جيلان أو ثلاثة حتى بدأ التجاوز: الرازي يكتب «الشكوك على جالينوس»، والبتاني يستدرك على أرصاد بطليموس ويصحّحها، وابن الهيثم يقلب علم البصريات اليوناني رأسًا على عقب بالتجربة والبرهان. أمةٌ تبدأ بالنقل ثم تنقد المنقول ثم تتجاوزه، وهل الحضارة الحية شيءٌ غير هذا؟
العلماء العرب: شاهدُ الأسماء
نعود الآن إلى سؤال النسب الذي أرجأناه، ونجيب عنه بمنهجٍ صارم: لا نذكر إلا مَن صحّ نسبه العربي بلا نزاعٍ معتبر، ونُمسك عمّن اختُلف في أصله كجابر بن حيان وابن الهيثم، لأن الاستدلال لا يُبنى على متنازَعٍ فيه، وإن كان هؤلاء جميعًا أبناء الحضارة العربية بلسانهم وتكوينهم على كل حال.
الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي: واضع علم العروض، وصاحب «العين» أول معجمٍ في تاريخ العربية، ورائد علم الأصوات.
يعقوب بن إسحاق الكندي من كندة: «فيلسوف العرب»، جمع الفلسفة والرياضيات والموسيقى، ووضع في التعمية واستخراج المعمّى أساس كسر الشفرات بتحليل تواتر الحروف.
الأصمعي الباهلي: إمام اللغة والرواية، وصاحب المصنفات في الحيوان والنبات والإنسان — طليعةُ ما نسميه اليوم العلوم الطبيعية الوصفية.
المسعودي الهذلي، من عقب عبد الله بن مسعود: مؤرخ وجغرافي ورحّالة، صاحب «مروج الذهب».
أبو القاسم الزهراوي الأنصاري، من ضاحية قرطبة: أبو الجراحة، صاحب «التصريف لمن عجز عن التأليف» الذي وصف فيه ومَثَّل بالرسم نحوَ مئتي أداةٍ جراحية، وظل مرجعَ الجراحة في أوروبا قرونًا.
ابن حزم الأندلسي: الموسوعي الظاهري، فقيهًا ومؤرخًا للملل والنحل وناقدًا، وصاحب إشاراتٍ مبكرة في نقد النصوص ومقارنة الأديان.
بنو زهر الإياديون، وأشهرهم أبو مروان ابن زهر: أسرة طبية توارثت الصنعة أجيالًا، وتميّز أبو مروان بالحس السريري والتجربة والوصف الدقيق للأمراض.
ابن رشد القرطبي: قاضي القضاة والفيلسوف الشارح الذي أعاد أرسطو إلى أوروبا، وطبيبٌ صاحب «الكليات في الطب».
الشريف الإدريسي الحسني الهاشمي: صاحب «نزهة المشتاق» وأدقّ خرائط العالم في العصور الوسطى.
ابن البيطار المالقي: صاحب «الجامع لمفردات الأدوية والأغذية»، أعظم موسوعة في الصيدلة النباتية قبل العصر الحديث.
ابن النفيس الدمشقي: مكتشف الدورة الدموية الصغرى قبل الأوروبيين بقرون — وله في هذه السلسلة مقالٌ قادم يفيه حقه.
ابن خلدون الحضرمي: مؤسس علم العمران البشري، وقد مرّ بنا شاهدًا وخصمًا في آن.
أحمد بن ماجد «أسد البحار»: إمام علم الملاحة وصاحب «الفوائد في أصول علم البحر والقواعد».
والقائمة تطول: ابن جبير الرحّالة، وابن سعيد المغربي، ولسان الدين بن الخطيب الذي عرفه قرّاء هذه السلسلة طبيبًا سبق عصره في نظرية العدوى ووزيرًا دفع حياته ثمنًا لجرأته. فأين «القلة النادرة» من هذا الحشد؟ الحق أن العرب حاضرون في كل علمٍ من علوم حضارتهم، وأن إخوانهم من الفرس والترك والبربر وسائر الشعوب حاضرون معهم، وذلك شأن الحضارات العالمية الكبرى، فما كانت حضارةٌ عظيمة يومًا نادي أنسابٍ مغلقًا.
هل كان طبُّ العرب «كلاميًا»؟
تبقى شبهةٌ أخيرة تُلحَق بالأولى، يردّدها بعض الأصدقاء بحسن نية: أن الطب العربي القديم كان طبًّا «كلاميًا» نظريًا لا تجريبيًا. وهذه الشبهة تسقط بتحرير محلّ النزاع قبل أي شيء: فالمقارنة العادلة تكون بين طب العرب وطبِّ عصرهم، لا بينه وبين طب القرن الحادي والعشرين. الطب في الدنيا كلها، عند اليونان قبلهم وفي أوروبا بعدهم وإلى القرن التاسع عشر، كان قائمًا على الملاحظة عند سرير المريض، لغياب أدوات التجريب من مجهرٍ ومختبرٍ وكيمياء حيوية. فمن وصف طب العرب بالكلامي لهذا السبب، لزمه أن يصف أبقراط وجالينوس وطبَّ أوروبا حتى عصر النهضة بالوصف نفسه من باب أولى.
ثم إن العرب، وهنا الشاهد، قطعوا في التجربة شوطًا كبيرًا بما أتاحته لهم أدوات زمانهم. فالرازي، فيما ينقله في «الحاوي»، عمد فيمن ظهرت عليهم مقدّماتُ السرسام إلى أن فصد طائفةً منهم وترك طائفةً بلا فصدٍ متعمِّدًا ليقارن المآلات، وتلك فكرةُ المجموعة الضابطة قبل أن تُصاغ بألف عام. وهو نفسه صاحب «الشكوك على جالينوس»، الكتاب الذي واجه به أعلى سلطةٍ طبية في التاريخ بمشاهداته السريرية، مقرِّرًا القاعدة التي هي روح التجريب كلّه: أن المشاهدة مقدَّمة على النص مهما علا قائله.
وجاء ابن سينا فقنّن التجربة تقنينًا، فوضع في «القانون» قواعدَ لاختبار الأدوية منها: أن يُجرَّب الدواء على المرض البسيط لا المركّب حتى لا تختلط الأسباب، وأن تُراعى قوة الدواء بإزاء قوة المرض، وأن يُلاحَظ زمن ظهور الأثر، وأن يُشترط اطّرادُ النتيجة في أكثر الحالات لا في واقعةٍ واحدة، وأن تكون التجربة على بدن الإنسان لأن ما يصح في غيره قد لا يصح فيه. فليقرأ هذه القواعد مَن شاء، ثم ليضعها بجوار شروط التجربة السريرية الحديثة، وليحكم بنفسه: أهذا كلامُ «متكلمين» أم منهجُ مجرّبين؟ وقد فصّلنا القول في منطق الاستدلال العلمي، من الملاحظة إلى الفرضية إلى الاختبار، في مقالنا «كيف تتطور العلوم» لمن أراد التوسع.
على أننا لا نقابل الغلوَّ بغلوٍّ مضاد، فلا نقول إن العرب «اخترعوا المنهج التجريبي» بصورته الحديثة المكتملة. يكفينا لإسقاط الدعوى إثباتُ ما هو موثّق: أن الروح التجريبية كانت حاضرةً في طبهم حضورًا لا يخطئه المنصف، وأنهم فيها كانوا في طليعة زمانهم لا في ذيله.
عودةٌ إلى الدكان
لو بُعث أسد بن جاني اليوم لَما احتاج أن يغيّر من جوابه حرفًا، ولاكتفى بتبديل جنديسابور باسم عاصمةٍ غربية. فالنظرة التي أكسدت سوقه قبل اثني عشر قرنًا لم تكن يومًا حكمًا على العلم، بل على أصحابه: انحيازٌ اجتماعي معمّر يوقّر البعيد ويبخس القريب، وهو نفسه الذي يصوغ اليوم مقولةَ أن العرب مرّوا على حضارتهم مرور الضيوف.
وقد رأينا أن المقولة تتهاوى من كل جهاتها: فنصُّ ابن خلدون الذي تتكئ عليه تفسيرٌ اجتماعي لا حكمٌ عرقي، وميزانُها ميزانُ أنسابٍ لا ميزانُ حضارات، والأسماء العربية الصريحة حاضرة في كل علمٍ حشدًا لا أفرادًا، والدولة العربية هي التي بذرت البذرة ورعت الزرع وفتحت أبوابها لكل عالمٍ من كل دين، والطب الذي قيل إنه كلاميٌّ كان تجريبيًّا بقدر ما وسعت يدُ العصر.
الحضارات لا تُعَدّ بشجرة النسب، بل بلسانها وعمرانها وما تتركه في عقل الإنسانية. والسؤال «كم عالمًا عربيَّ النسب؟» سؤالٌ شعوبيُّ المبنى، قديمًا حين كان سلاحًا في معركة الأعراق، وحديثًا حين صار يُستعاد بلا وعيٍ بأصله. أما الجواب الذي يليق بالتاريخ فهو: أن العرب حملوا العلم لغةً ودولةً ورجالًا، وشاركهم فيه إخوانُهم من كل الشعوب تحت سقف حضارةٍ واحدة لسانُها عربي — وكفى بذلك جوابًا، وكفى به فخرًا يتسع للجميع.
مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)
رُوجعت وقائعُ هذه المقالة على أصولها: نصُّ الرازي في «الحاوي»، وفصلُ ابن خلدون في حملة العلم، وخبرُ الجاحظ في «البخلاء»، وشروطُ ابن سينا في «القانون» — بحروفها من المكتبة الشاملة المنزَّلة — ثم الدعاوى المؤسسية وأنسابُ الأسماء الثلاثة عشر، ومعها فحصُ اقتباس. ثبت أكثرُها؛ وصحّح المؤلف ثلاثةَ مواضع قبل النشر، وبقيت ثلاثةٌ منشورةٌ بحالها والملاحظاتُ عليها إلى جانبها، أثقلُها في قائمة الأنساب. والنتيجةُ منشورةٌ كما خرجت، بما فيها ما بقيت المقالةُ على خلافه: اقرأ تدقيق المدقّق المحايد ←
© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.