قوبلت الدعاوى الواقعية في المقالة بمصادرها: حديثُ نيار بن مكرم في جامع الترمذي وتفسير القرطبي، وبابُ الحسد في «إحياء علوم الدين»، وفصلُه في «مجموع الفتاوى»، ونصّا نيتشه وفرويد بالألمانية، والدراساتُ النفسية التي تستشهد بها المقالة بنصوصها أو ملخّصاتها، والآياتُ بمصحف حفص عن عاصم. وموضوعُ الفحص الوقائعُ وحدها. هذه صفحةُ نقدٍ لا صفحةُ دفاع؛ فما خرج به الفحص منشورٌ كما خرج، لم يُحذف منه شيءٌ لأنه غيرُ موافق، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقه.
الوقائعُ المقصودة هنا هي التواريخ، وألفاظُ الآيات والأحاديث والنقول، وأسماءُ الكتب والأعلام، وما نُسب إلى الغزالي وابن تيمية والقرطبي، وإلى فرويد وموس ونيتشه وأصحاب الدراسات الحديثة، أنهم قالوه أو وجدوه، وصحّةُ الإحالات إلى مواضعها. أمّا أطروحةُ المقالة في سبب الشماتة بين الأمم المتجاورة، وما تبنيه عليها، فليست من التدقيق في شيء؛ تلك قراءةٌ يحكم فيها القارئ لا المدقّق. وهذه مقالةٌ لقارئٍ عام لا بحثٌ محكَّم، فلم يُطلب فيها ما يُطلب في البحوث.
المنهج
قُرئت النصوص التراثية من المكتبة الشاملة المنزَّلة على القرص (8,417 كتابًا)، قراءةَ الموضع كاملًا لا بحثَ كلمة، مع تمييز المتن من حاشية المحقِّق: جامع الترمذي بتحقيق أحمد شاكر (5/344–345، الحديث 3194)، وتفسير القرطبي (14/2–3)، وإحياء علوم الدين (3/192–194)، ومجموع الفتاوى (10/111–113)، ومجمع الأمثال للميداني (1/145)، ودرج الدرر للجرجاني (2/903)، وصحيحا البخاري ومسلم. وقوبلت الآياتُ بمصحف حفص عن عاصم. وقُرئ نيتشه وفرويد في نصّيهما الألمانيين المنشورين في Projekt Gutenberg-DE.
المراجعُ اللاتينية الاثنتا عشرة قوبلت أولًا بسجلّاتها في Crossref، ثم قوبل مضمونُ كلّ دراسةٍ بما أمكن الوصول إليه منها، ودرجةُ ذلك مذكورةٌ هنا لأنها تختلف من دراسةٍ إلى أخرى. قُرئ النصُّ الكامل لدراستَي ليتش وزملائه (2003) وفيسك وزملائها (2002). وقُرئ الملخّصُ المنشور في PubMed لدراسات ليتش وسبيرز (2008)، وسيكارا وفيسك (2012)، وفان دي فن وزميليه (2009)، ونادلر وحلبي (2006)، ونادلر وزميليه (2009). وقُرئ ملخّصُ دراسة فان دايك وزملائه (2005) في مستودع جامعة فريّه أمستردام. أمّا دراستا فيذر وشيرمان (2002) وواتكنز وزملائه (2006) فلم يُقرأ ملخّصاهما مباشرة، وقوبلتا بملخّصاتٍ ثانويةٍ متّفقة. وأُجري فحصُ اقتباسٍ على اثنتي عشرة جملةً من المقالة بمحرّكَين مستقلَّين، وقوبل نصُّها آليًّا بمقالات الموقع المنشورة كلّها (38 مقالة).
أولاً: ما ثبت
مشهدُ المدخل كلُّه في حديثٍ واحد، وهو أقوى ما ثبت في المقالة. روى الترمذي عن نيار بن مكرم الأسلمي (الجامع، 5/344–345، رقم 3194) أنّ قريشًا كانت تحبّ ظهور فارس على الروم، ونصُّه: «وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُحِبُّ ظُهُورَ فَارِسَ لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ وَلَا إِيمَانٍ بِبَعْثٍ». وفيه بعد ذلك ما ترويه المقالة على ترتيبه: خروجُ أبي بكر بالآيات لمّا نزلت، ومراهنةُ نفرٍ من قريش له «وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهَانِ»، وأجلُ الستّ سنين، ثم «فَأَخَذَ المُشْرِكُونَ رَهْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا دَخَلَتِ السَّنَةُ السَّابِعَةُ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ»، ثم لومُ المسلمين أبا بكر. قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من حديث نيار بن مكرم». والقرطبي ينقل الحديث بتمامه في أول تفسير سورة الروم (14/2).
نقلُ ابن تيمية حرفيّ. في «مجموع الفتاوى» (10/111) أنّ صاحب النوع الأول من الحسد «يَلْتَذُّ بِزَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ نَفْعٌ بِزَوَالِهَا»، كما نقلته المقالة. وفي الصفحة التالية (10/112) النوعُ الثاني: «فَهَذَا حَسَدٌ وَهُوَ الَّذِي سَمَّوْهُ الْغِبْطَةَ وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ حَسَدًا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ»، ثم يسوق حديث «لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ». والحديث متّفقٌ عليه فعلًا: البخاري (7140) ومسلم (815).
نقولُ الغزالي الأربعة بحروفها، ومعها ترتيبُه وشاهدُه القرآني. في «إحياء علوم الدين» (3/194): «إِنَّمَا تَكْثُرُ بَيْنَ أَقْوَامٍ تَجْمَعُهُمْ رَوَابِطُ يَجْتَمِعُونَ بِسَبَبِهَا فِي مَجَالِسِ الْمُخَاطَبَاتِ وَيَتَوَارَدُونَ عَلَى الْأَغْرَاضِ»، و«لَا رَابِطَةَ بَيْنَ شَخْصَيْنِ فِي بَلْدَتَيْنِ مُتَنَائِيَتَيْنِ فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا مُحَاسَدَةٌ»، وجملةُ العالم والعابد والإسكاف والبزّاز كما هي في المقالة. وعنوانُ الفصل في الأصل: «بيان السبب في كثرة الحسد بين الأمثال والأقران والأخوة وبني العم والأقارب وتأكده وقلته في غيرهم وضعفه»، والمقالة أسقطت «بيان» وذيلَ العنوان، ولا يتغيّر بذلك شيء. وفي (3/192) أنّ العداوة أولُ الأسباب: «السَّبَبُ الْأَوَّلُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ وَهَذَا أَشَدُّ أَسْبَابِ الْحَسَدِ»، وفيها نقلُ المقالة عن المبغض الذي «رُبَّمَا يُحِيلُ ذَلِكَ عَلَى كَرَامَةِ نَفْسِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى»، ويستشهد الغزالي بعده مباشرةً بآيتَي آل عمران (119–120)، ومنهما ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾، كما قالت المقالة. ووفاتُه سنة 505هـ/1111م صحيحة.
الآياتُ كلُّها مطابقةٌ للمصحف: أولُ سورة الروم (1–5)، والروم 47، وسبأ 36، والنور 22، والإنسان 9، وفصّلت 34–35، وآل عمران 120.
«اتقِ شرّ من أحسنت إليه» مثلٌ قديم وليس حديثًا، كما قالت المقالة. يورده الميداني (ت 518هـ) في «مجمع الأمثال» (1/145، رقم 736) مثلًا، ويقول: «هذا قريبٌ من قولهم: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ». وكان متداولًا قبل ذلك في القرن الثالث الهجري؛ فقد سُئل الحسين بن الفضل (ت 282هـ) أين يوجد في القرآن، والخبرُ في «درج الدرر» للجرجاني (2/903) وفي تفسير القرطبي (8/188).
وقائعُ سنة 614 صحيحة. دخل الفرسُ بيت المقدس سنة 614، وحملوا الصليب إلى المدائن (طيسفون)، واستعاده هرقل نحو 629–630.
أمثلةُ فرويد الثلاثة في موضعها. الإسبان والبرتغاليون، وأهل شمال ألمانيا وجنوبها، والإنجليز والأسكتلنديون، ومعها عبارةُ «نرجسية الفروق الصغيرة»، كلُّها في الفصل الخامس من «قلق في الحضارة» (Das Unbehagen in der Kultur, 1930).
ما نسبته المقالة إلى نيتشه، وأخذُ ليتش وسبيرز عنوانَهما منه. وصفُ المقالة لكتاب «في جينالوجيا الأخلاق» (1887) تلخيصٌ منصفٌ للمقالة الأولى منه (الفصول 10 و13–14). وملخّصُ دراسة ليتش وسبيرز (2008) يبدأ بنيتشه:«Nietzsche (1887/1967) suggested that the emotional pain individuals feel about their in-group's inferiority leads them to feel the pleasure of schadenfreude when a successful out-group fails.» ولا يسمّي الملخّص موضعَ العبارة من الكتاب، وأقربُ ما في النصّ الألماني إلى لفظها عبارةُ الفصل 13:«der rachsüchtigen List der Ohnmacht»
النتيجةُ التي تبني عليها المقالة «انتقام العاجز» هي نتيجةُ الدراسة. يقول ملخّص ليتش وسبيرز (2008) إنّ ألم الفرد من دونيّة جماعته فسّر شماتته بسقوط جماعةٍ ناجحة تفسيرًا أقوى من كرهه لتلك الجماعة، ومن اهتمامه بمجال المنافسة، ومن شعوره بأنّ نجاحها أو دونيّة جماعته غيرُ مشروع. وهذا ما تقوله المقالة: «فالشماتة تعويضٌ رمزي عن عجزٍ حقيقي». وعبارةُ الباحثَين:«Thus, schadenfreude has more to do with the inferiority of the self than with the success of others.»
دراساتُ الحسد والاستحقاق تقول ما نُسب إليها. نموذجُ فيسك وزملائها (2002) يصنّف الجماعات على بُعدَي الكفاءة والدفء، والمحسودةُ فيه هي الكفؤة غيرُ الدافئة، ومنها الأغنياء وأصحاب المهن؛ وهذا من النصّ الكامل. وفي ملخّص سيكارا وفيسك (2012) قياسُ عضلات الوجه، والابتسامُ عند مكروهٍ يصيب الجماعات العالية المكانة المنافِسة، أي المحسودة. وفي دراسة فيذر وشيرمان (2002) على 184 طالبًا، بحسب الملخّصات الثانوية المتّفقة، أنّ الشماتة تنبّأ بها الاستياءُ لا الحسد. وفي ملخّص فان دايك وزملائه (2005) أنّ مسؤولية الشخص عن مصيبته زادت الشماتة، وأنّ ذلك جرى عن طريق إحساس المشاركين بأنه يستحقّها. والتمييزُ بين الحسد الحميد والحسد الخبيث هو موضوعُ دراسة فان دي فن وزميليه (2009)، كما في ملخّصها.
دراساتُ العطاء كذلك. في دراستَي واتكنز وزملائه (2006)، كما تنقلها الملخّصات الثانوية، أنه كلما ظهر أنّ المعطي ينتظر مقابلًا زاد شعورُ الآخذ بالدَّين ونقص امتنانه (أمّا ما بعد ذلك من القول فانظر القسم الثالث). وفي ملخّص نادلر وحلبي (2006) أربعُ تجارب، الثانيةُ والثالثةُ منها على عربٍ ويهودٍ من مواطني إسرائيل، وأنّ أقلّ أفراد الجماعة الأدنى قبولًا لعون الجماعة الأعلى أشدُّهم تعلّقًا بجماعتهم، حين تكون المكانةُ غيرَ مستقرّة والعونُ عونَ اعتماد. ونادلر من جامعة تل أبيب، كما قالت المقالة. وفي ملخّص نادلر وزميليه (2009) أنّ المشاركين 255 طالبًا ثانويًّا إسرائيليًّا (130 فتًى و125 فتاة، بين 16 و18 سنة)، وأنّ أفراد الجماعة الأعلى أعطَوا الجماعةَ الأدنى عونَ الاعتماد دفاعًا عن مكانتهم حين رأوها غيرَ مستقرّة، فلمّا ذُكّروا بهويةٍ جامعة انقلب اختيارهم إلى عون الاستقلال.
قولُ المقالة إنه لا عيّنة خليجية في دراساتها صحيح. العيّناتُ من هولندا والولايات المتحدة وإسبانيا وأستراليا وإسرائيل.
بياناتُ المراجع اللاتينية الاثني عشر صحيحةٌ كلُّها في سجلّات Crossref: المؤلفون، والسنة، والمجلة، والمجلد، والعدد، والصفحات. وسنةُ 1925 لمقالة موس في الهبة لها وجه؛ فالمقالة في مجلد L'Année sociologique المؤرَّخ 1923–1924، وقد صدر عن دار ألكان سنة 1925.
ثانياً: ما يحتاج إلى تصحيح
أربعةُ مواضع، أوّلُها أشدُّها، لأنه ينسب إلى دراسةٍ نتيجةً قال أصحابها خلافَها.
1) الانتماءُ في دراسة المشجّعين الهولنديين (قسم «الحسد الجماعي ليس مجموع أحقاد»). تقول المقالة إنّ ليتش وزملاءه (2003) وجدوا فرح المشجّعين الهولنديين بخسائر المنتخب الألماني «أشدّ عند من شعروا بدونيّة بلادهم في اللعبة، وعند من كان انتماؤهم أقوى». الشطرُ الأول صحيح، والثاني ليس كذلك. فالعاملُ الثاني الذي زاد الشماتة في الدراسة هو الاهتمامُ بكرة القدم، لا قوّةُ الانتماء، ونصُّ ملخّصها:«Study 1 showed that schadenfreude regarding a German loss in soccer was increased by interest in soccer and threats of Dutch inferiority.» أمّا الانتماءُ الوطني فقد قاسه الباحثون ولم يجدوه مرتبطًا بالشماتة، وقالوا في المناقشة:«…the more general nature of (national) group identification may explain why this measure tended to be unrelated to schadenfreude in these studies.» فالجملةُ كما هي تنسب إلى الدراسة في هذا العامل بعينه خلافَ ما وجدته.
2) التزاماتُ موس الثلاثة (قسم «مفارقة العطاء بين الأمم»). في المقالة أنّ الهبة عند موس «تُلزم من يأخذها بثلاثة أشياء: أن يقبل، وأن يشكر، وأن يردّ». والثلاثيةُ التي تنسبها الأدبيات إلى موس هي العطاءُ والقبولُ والردّ (donner, recevoir, rendre)؛ فالالتزامُ الأول على المعطي لا على الآخذ، والشكرُ ليس منها. أمّا ما تبنيه المقالة بعد ذلك، أنّ من لا يقدر على الردّ يبقى مدينًا، فقائمٌ على الالتزام الثالث، وهو لموس فعلًا. (هذه هي الصيغة المستقرّة في الأدبيات عنه، ولم تُقابَل جملةُ موس الفرنسية نفسُها سطرًا بسطر.)
3) فقرتان متجاورتان تختلفان في الأسبق، فرويد أم الغزالي (قسم «لماذا الجار الأقرب؟»). تقول المقالة: «وأقدم ملاحظةٍ في هذا الباب لسيغموند فرويد»، ثم تقول في الفقرة التالية إنّ الغزالي «قد سبق فرويد إلى هذه الملاحظة بنحو ثمانية قرون». والحكمان لا يجتمعان، وشواهدُ المقالة نفسها تجعل الغزالي الأقدم. أمّا الحساب فصحيح، فبين وفاة الغزالي (1111م) وكتاب فرويد (1930) نحوُ ثمانية قرون.
4) عبارةُ «لأنهم وإياهم…» من الحديث لا من تفسير القرطبي (قسم «فرحٌ بلا مصلحة»). تقول المقالة: «وتفسير القرطبي للمشهد دقيق؛ فعنده أن قريشًا أحبّت ظهور فارس «لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث»». واللفظُ منقولٌ بحروفه، وهو في القرطبي (14/2) فعلًا، لكنه ليس من كلامه في التفسير، بل من متن حديث نيار بن مكرم الذي ينقله عن الترمذي (3194). فالدقّةُ التي تحمدها المقالة دقّةُ الرواية، لا اجتهادُ القرطبي.
بقيت تحفّظاتٌ صغيرة لا يستحقّ أحدُها أن يُفرد له بند. في الحديث أنّ قريشًا طلبت من أبي بكر أن يسمّي أجلًا وسطًا، ثم «فَسَمَّوْا بَيْنَهُمْ سِتَّ سِنِينَ»، أي سمَّوه معًا، والمقالة تقول «وسمّى أبو بكر ستّ سنين». على أنّ الحديث نفسه يجعل اللوم على أبي بكر: «فَعَابَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْمِيَةَ سِتِّ سِنِينَ»، وما في المقالة من لومٍ بالخطاب المباشر («لِمَ سمّيتَ ستًّا والله يقول بضع سنين؟») صياغةٌ لروايةٍ جاءت بضمير الغائب. والإبلُ في قولها «راهنت عليه بالإبل» ليست في حديث نيار، بل في رواية قتادة التي يوردها القرطبي بعده مباشرةً (14/3): «وَجَعَلُوا الرِّهَانَ خَمْسَ قَلَائِصَ»، ثم رُفعت إلى مئة. وتقرن المقدّمةُ المناذرةَ بالغساسنة «في عهد النبي ﷺ والصحابة الأوائل»؛ والغساسنةُ بقوا إلى الفتوح (جبلة بن الأيهم، 636م)، أمّا المناذرة فكان كسرى الثاني قد أنهى مُلكهم نحو 602م، قبل البعثة، وولّى على الحيرة عاملًا له. وأخيرًا فإنّ ليتش وسبيرز (2008) قاسا الشماتةَ بسقوط جماعةٍ ناجحةٍ غيرِ الجماعة التي كانت جماعةُ المشارك أدنى منها، ولذلك يقول ملخّصهما إنّ البحث يُحيي تفسيرَ التحامل بالإزاحة نحو طرفٍ ثالث:«…this research also revives displacement explanations of prejudice toward 3rd parties.» فقولُ المقالة «ثم حين تسقط الجماعة الأعلى أو تتعثر» يبسّط هذا التصميم.
ثالثاً: ما لم أقف له على سند
أنّ الظلم أخطرُ ينابيع الغضب الثلاثة عند ليتش (قسم «القناع»). تقول المقالة إنّ ليتش رأى في فصله عن الغضب من التفاوت «أن أخطرها الثالث؛ لأنه يمنح الأوّلَين رخصةً بالخروج إلى العلن». الينابيعُ الثلاثة نفسُها، الحسدُ والدونيةُ والظلم، في عنوان الفصل (Envy, inferiority, and injustice). أمّا الحكمُ بأنّ الثالث أخطرُها ولماذا، فلم أصل إلى نصّ الفصل لأتحقّق منه، فهو غيرُ مؤكَّد ولا منفيّ.
«كلما اشتدّ تعلّق الفرد بجماعته اشتدّت شماتته» (قسم «الحسد الجماعي ليس مجموع أحقاد»). تنسب المقالة هذه الملاحظة إلى ليتش وسبيرز (2008)، وليست في ملخّص دراستهما، ونصُّها الكامل خلف اشتراكٍ مدفوع لم أصل إليه. ويحسن أن تُقرأ بتحفّظ، لأنّ دراسة ليتش وزملائه (2003) لم تجد الانتماءَ الوطني مرتبطًا بالشماتة، كما في البند الأول من القسم الثاني.
أنّ الدَّين يُبعد والامتنانَ يقرّب، في دراسة واتكنز (قسم «مفارقة العطاء بين الأمم»). تقول المقالة: «والدَّين يدفع صاحبه إلى الابتعاد عن المعطي، أمّا الامتنان فيقرّبه منه». ما قبل هذه الجملة ثابت، كما في القسم الأول، أمّا هي فلم أجدها في نصٍّ أوليٍّ قرأته من الدراسة.
رابعاً: فحص الاقتباس
المخاطرة: منخفضة
يجيب هذا الفحص عن سؤالٍ واحد، هو هل في المقالة نثرٌ لغير كاتبها. وهو ليس فحصًا لأصالة الفكرة؛ فالمقالاتُ التي تتناول موضوعًا واحدًا تلتقي عند المراجع نفسها، وذلك من البحث لا من السرقة.
1) اثنتا عشرة جملةً حاملة، بحثًا عن نصّها الحرفي. اختيرت الجملُ التي تحمل صياغة الكاتب، لا الجملُ التي تقرّر تاريخًا أو رقمًا، وبُحث عن كلٍّ منها سلسلةً نصيةً بين علامتَي اقتباس على محرّكَين مستقلَّين:
- «لا يحتار العارفون عندما يلاحظون شماتة بعض العاجزين ببلادنا» — 0 / 0.
- «والله نسأل أن يصلح أمور جيراننا، ويسلّ السخيمة والضغينة من قلوبهم» — 0 / 0.
- «لم تفرح بفارس، بل فرحت بنفسها منتصرةً في صورة غيرها» — 0 / 0.
- «فالجماعة لا تشمت إلا بمن تقيس نفسها عليه، ولا تفرح في الحقيقة إلا لنفسها» — 0 / 0.
- «فالانتماء يغسل الانفعال المعيب ويُخرجه شعورًا نبيلًا: نصرةً لجماعتنا» — 0 / 0.
- «صار الحسد الجماعي طاقةً جاهزة للاشتعال، وكفاها عود ثقاب واحد: تعثّر الجار» — 0 / 0.
- «فالجار الأقرب هو المرآة الأوضح، والمرآة الأوضح هي الأشدّ إيلامًا حين تُظهر النقص» — 0 / 0.
- «القرب الذي نتوقّع أن يلطّف الحسد هو الذي يشحنه» — 0 / 0.
- «فالحسد الجماعي ضريبةٌ على النجاح، تُدفع لمجرد الظهور به، لا لفعلٍ بعينه» — 0 / 0.
- «فالعطاء الذي لا يُردّ يثبّت التراتب بين المعطي والآخذ ويجعله علنيًا» — 0 / 0.
- «الحسد المُعلن عارٌ، أمّا الغضب من الظلم فشرف» — 0 / 0.
- «أمّا الجماعة فلا تشمت باسم الحسد أبدًا، بل تشمت باسم العدل» — 0 / 0.
أربعةٌ وعشرون بحثًا، لم يُرجع أيٌّ منها مطابقةً حرفية. والقيدُ اللازم أنّ هذه المحرّكات لا تُلزم نفسها بالمطابقة الحرفية داخل علامات الاقتباس، ولا تفهرس كلَّ ما يُنشر بالعربية، فالصفرُ هنا قرينةٌ على الغياب لا برهانٌ عليه.
2) الاستعادةُ الذاتية. قوبل نصُّ المقالة آليًّا بمقالات الموقع المنشورة كلّها (38 مقالة)، بحثًا عن أيّ تسلسلٍ مشتركٍ من ستّ كلماتٍ فأكثر. لم يظهر إلا تسلسلٌ واحد مع مقالة «هندسة التوازن»، وهو آيةُ فصّلت 34 ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، مقتبسةً بين القوسين في المقالتين. فذلك مصدرٌ مشترك لا استعادةٌ لنثر الكاتب. وإحالةُ المقالة إلى «ولا يزالون مختلفين» إحالةٌ إلى حجّةٍ فيها، وليس بين المقالتين نصٌّ مشترك.
3) المصادرُ الأجنبية. أكبرُ ما يُخشى في مقالةٍ تقرأ بالإنجليزية وتكتب بالعربية هو الترجمةُ القريبة بلا نسبة. والدراساتُ التسع التي تعتمد عليها المقالة مسمّاةٌ كلُّها في المتن باسم صاحبها وسنتها، والمقالة تعيد صياغة نتائجها المنسوبة إليها، ولا تترجم جملةً من أيّ منها.
4) النقولُ التراثية وقصّةُ الرهان. النقولُ عن ابن تيمية والغزالي والقرطبي موضوعةٌ بين علامتَي اقتباس ومنسوبةٌ إلى أصحابها وكتبهم. وقصّةُ الرهان في سورة الروم يرويها الكاتب بألفاظه، ولم تُطابق صياغتُه صياغةَ مادّة سورة الروم في ويكيبيديا العربية في شيء.
فلم يقع الفحص على شيءٍ من الخطر العالي ولا المتوسط، والمخاطرةُ منخفضة.
حدودُ هذا التدقيق
- بعضُ الدراسات قُرئ ملخّصُها لا نصُّها. نصُّ دراسة ليتش وسبيرز (2008) خلف اشتراكٍ مدفوع، ولم أصل إلى فصل ليتش (2008) في كتاب «الحسد» الذي حرّره سميث. ودراستا نادلر قُرئتا في ملخّصَيهما في PubMed وحدهما. ودراستا واتكنز (2006) وفيذر وشيرمان (2002) لم يُقرأ ملخّصاهما مباشرة، وما ثبت منهما ثبت بملخّصاتٍ ثانويةٍ متّفقة.
- جملةُ موس الفرنسية التي يذكر فيها الالتزامات الثلاثة لم تُقابَل سطرًا بسطر، والحكمُ في البند الثاني من القسم الثاني قائمٌ على الصيغة المستقرّة في الأدبيات.
- أوّلُ استعمالٍ لفرويد لعبارة «نرجسية الفروق الصغيرة» (1917، ثم 1921) مأخوذٌ من مصادر ثانوية، ولا يتغيّر به الحساب في البند الثالث.
- تواريخُ المناذرة وسقوطُ بيت المقدس مأخوذةٌ من المراجع الحديثة، لا من تاريخ الطبري.
- أرقامُ صفحات الكتب التراثية هي أرقامُ الأجزاء والصفحات المطبوعة كما تحملها طبعاتُ المكتبة الشاملة: الترمذي بتحقيق شاكر 5/344–345، والقرطبي 14/2–3، والإحياء 3/192–194، ومجموع الفتاوى 10/111–113.
- لم أعرض للأطروحة. تفسيرُ المقالة للشماتة بين الجيران حكمٌ يُناقَش لا واقعةٌ تُحقَّق، وليس لهذه الصفحة شأنٌ فيه.
الحكم
أقوى ما في المقالة نقولُها. كلُّ نصٍّ تراثيٍّ وضعته بين علامتَي اقتباس وُجد بحروفه في موضعه، والآياتُ مطابقةٌ للمصحف، والمثلُ مثلٌ كما قالت لا حديث. وأكثرُ الدراسات الحديثة تقول ما تنسبه إليها المقالة، وأوضحُ ذلك دراسةُ ليتش وسبيرز التي تبني عليها معنى «انتقام العاجز». ومراجعُها اللاتينية صحيحةُ البيانات كلُّها.
أمّا أضعفُ ما فيها فموضعان ينبغي أن يُقرآ بتحفّظ: جملةُ المشجّعين الهولنديين والانتماء في قسم «الحسد الجماعي ليس مجموع أحقاد»، وقائمةُ التزامات موس في قسم «مفارقة العطاء بين الأمم». وفي قسم «لماذا الجار الأقرب؟» فقرتان متجاورتان تختلفان في أيّ الرجلين كان الأسبق، فرويد أم الغزالي.
هذه الصفحةُ صفحةُ نقدٍ لا صفحةُ دفاع. نُشر فيها ما ظهر كما ظهر، ولم يُحذف منها شيءٌ لأنه غيرُ موافق، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقه. → العودة إلى المقالة
© 2026 حسين الخالدي