Read in English · اقرأ بالإنجليزية →
حسين الخالدي · مقالات  —  مقالة

وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها

في الشماتة بين الأمم، ولماذا لا يُخفّف العطاءُ البغضاءَ.

غُلبت الرومالحسد الجماعيمفارقة العطاء

لا يحتار العارفون عندما يلاحظون شماتة بعض العاجزين ببلادنا إذا أصابها مكروه. ليس بالأمر الجديد أن يُكاد لبلد الخير وبيضة الإسلام المملكة العربية السعودية؛ فهذا ديدنها مذ تأسست، والله جل في علاه قد كفانا كيد الماكرين ما التزمنا بكتابه وسنة نبيه ﷺ، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

وأنا في هذا المكتوب لا أتحدث عن تضافر مكر الصهيونية العالمية والصفوية الخبيثة وأذيالهم من أراذل العرب على الكيد لهذا البلد الأمين؛ فهؤلاء عدو بين ظاهر شبيه دولتي فارس والروم ومناذرتهم وغساسنتهم في عهد النبي ﷺ والصحابة الأوائل. سقط أولئك وسيسقط هؤلاء، وعداً علينا حقاً. وإنما أعني من دونهم ممن قدر عليه رزقه ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، هذا مع ما سبق من تقديم الخير والمساعدة لهم رغبة فيما عند الله وتقديم العفو والصفح مراراً وتكراراً ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقد يستغرب بعض الطيبين أن يكون هذا هو رد الجميل حتى ممن يسكنون ويعيشون ويكسبون رزقهم بيننا. هذا المكتوب ليس استقصاءً للوقائع – فما أكثرها – ولا تعداداً للسوابق ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. هذا المكتوب هو مراجعة للجوانب النفسية والتركيبية التي تدعو أمثال هؤلاء إلى مثل هذه الأفعال الذميمة، وإجابةٌ عن سؤال بعض الطيبين: لماذا لا يخفف العطاء والمعروف هذه البغضاء، بل يزيدها؟

والله نسأل أن يصلح أمور جيراننا، ويسلّ السخيمة والضغينة من قلوبهم.

مدخل

وصل الخبر إلى مكة نحو سنة 614 للميلاد: أن جيوش كسرى اجتاحت الشام، ودخلت بيت المقدس، وحملت صليب النصارى معها إلى المدائن. فكانت أكبر دولةٍ يعرفها العرب تتهاوى مدينةً بعد مدينة.

ففرحت قريش، ولا قرابة بينها وبين فارس ولا حلف، لكنها رأت فيها نفسها: قومٌ لا كتاب لهم ولا يؤمنون ببعث. وحزن المسلمون، وهم يومئذ قلّة مستضعفة في مكة، لأن الروم أهل كتاب مثلهم. انقسم أهل مكة على نكبةٍ لم تقع في أرضهم، ولم يخسروا فيها درهمًا ولم يربحوا. فرح فريق، وحزن فريق، والحدث بعيد عن الفريقين جميعًا.

ثم نزلت الآيات: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. فخرج أبو بكر يردّدها في نواحي مكة. فاعترضه نفرٌ من قريش فقالوا: يزعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس؟ فلنتراهن. وسمّى أبو بكر ستّ سنين، ووضعوا الرهان، ولم يكن الرهان قد حُرّم بعد. فمضت السنون الستّ، وأخذ المشركون الرهن. فلما دخلت السابعة انتصر الروم. ولام المسلمون أبا بكر وقالوا: لِمَ سمّيتَ ستًّا والله يقول بضع سنين؟

وفي الآيات نفسها وعدٌ بفرحٍ آخر: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾؛ فهما فرحتان: فرحٌ بسقوط أمة، وفرحٌ بنهوضها.

جداريةٌ عريضة يلتحم فيها فرسانٌ ومشاةٌ في معركة تحت رايات، منها نسرٌ أسود وصليبٌ أبيض على أحمر، وفي طرفها الأيمن شيخٌ ملتحٍ في رداءٍ أزرق جاثٍ عند عرشٍ تعلوه قبّة.
في «معركة هرقل وكسرى»، من جداريات «أسطورة الصليب»، يهزم فرسانُ الروم جيشَ فارس تحت الرايات، وفي الطرف الأيمن كسرى جاثيًا عند عرشه ينتظر ضرب عنقه، على ما ترويه الأسطورة. والمشهد بعد سقوط بيت المقدس سنة 614م بسنين، فهو الغلبة التي عادت فيها للروم في عشرينيات القرن السابع الميلادي، واستردّ فيها هرقل الصليب. جداريةٌ لبييرو ديلّا فرانشيسكا (نحو 1415–1492)، نحو 1452–1466م — ملكيةٌ عامة، كنيسة القديس فرنسيس في أريتسو بإيطاليا.

فرحٌ بلا مصلحة

في المشهد تفصيلٌ صغير: أن قريشًا لم تكسب من انتصار فارس شيئًا، ولم تخسر من هزيمة الروم شيئًا؛ فقوافلها تمضي إلى الشام في الصيف كما اعتادت، وأسواقها قائمة، وأصنامها في مكانها. ومع ذلك فرحت فرحًا صريحًا بلغ بها أن راهنت عليه بالإبل. والفرح بربحٍ يُفهم، والحزن على خسارة يُفهم، أمّا الفرح بسقوط أمةٍ لا تربطك بها مصلحة ولا خصومة مباشرة فيحتاج إلى تفسير.

يسمّي علم النفس هذا الانفعال الشماتة (schadenfreude)، أي اللذة بمصيبة الآخر. وحين تكون المصيبة مصيبة جماعةٍ لا فرد، والشامت جماعةً لا فردًا، تُسمّى الشماتة بين الجماعات (intergroup schadenfreude). وتفسير القرطبي للمشهد دقيق؛ فعنده أن قريشًا أحبّت ظهور فارس «لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث». أي أن قريشًا رأت في فارس صورتها. لم تفرح بفارس، بل فرحت بنفسها منتصرةً في صورة غيرها. فالجماعة لا تشمت إلا بمن تقيس نفسها عليه، ولا تفرح في الحقيقة إلا لنفسها.

فرّق ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» بين نوعين من الحسد: أحدهما كراهة النعمة على الغير مطلقًا، وصاحبه «يَلْتَذُّ بِزَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ نَفْعٌ بِزَوَالِهَا»، وهذا فرح قريش بعينه. والآخر أن يكره المرء فضل غيره عليه فيحبّ أن يكون مثله أو أفضل منه، من غير أن يتمنّى زوال ما عنده، وهو الذي سمّاه بعضهم الغبطة، وقد سمّاه النبي ﷺ حسدًا في حديث «لا حسد إلا في اثنتين». وقريبٌ من هذا التقسيم ما فرّق به فان دي فن (van de Ven) وزميلاه سنة 2009 بين حسدٍ «حميد» يدفع صاحبه إلى أن يرتقي إلى منزلة غيره، وحسدٍ «خبيث» يدفعه إلى أن يُنزل غيره عن منزلته.

الحسد الجماعي ليس مجموع أحقاد

نشر عالما النفس كولن وين ليتش (Colin Wayne Leach) وراسل سبيرز (Russell Spears) سنة 2008 دراسةً عنوانها «انتقام العاجز»، وهي عبارة استعاراها من الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه (Friedrich Nietzsche). وسألا فيها سؤالًا بسيطًا: متى تفرح الجماعة بمصيبة جماعةٍ أخرى؟ فكان الجواب في ثلاث خطوات: حين تشعر الجماعة بأنها أدنى من غيرها، ثم حين تعجز عن تغيير هذا الترتيب بجهدها، ثم حين تسقط الجماعة الأعلى أو تتعثر، فتجد الجماعة الأدنى في سقوطها راحةً لا تقدر أن تصنعها بنفسها. فالشماتة تعويضٌ رمزي عن عجزٍ حقيقي، وهذا معنى «انتقام العاجز».

وأضافا ملاحظةً أهمّ: أنه كلما اشتدّ تعلّق الفرد بجماعته اشتدّت شماتته. وفي دراسةٍ سابقة سنة 2003 قاس ليتش وزملاؤه فرح مشجّعي كرة القدم الهولنديين بخسائر المنتخب الألماني، فوجدوه أشدّ عند من شعروا بدونيّة بلادهم في اللعبة، وعند من كان انتماؤهم أقوى. والشامت في هذه الحالة لا يربح شيئًا، كما لم تربح قريش شيئًا.

لهذا لا يكفي علم النفس الفردي لفهم شماتة الأمم؛ فالجماعة تفعل ما يستحي منه الفرد. لو سألت رجلًا من قريش في خلوته: أتفرح بقتل نصارى الشام وسبي نسائهم؟ لربما تردّد. لكنه في السوق، بين قومه، فرح وراهن. فالانتماء يغسل الانفعال المعيب ويُخرجه شعورًا نبيلًا: نصرةً لجماعتنا.

فإذا اجتمع انتماءٌ قوي وشعورٌ بالدونية، صار الحسد الجماعي طاقةً جاهزة للاشتعال، وكفاها عود ثقاب واحد: تعثّر الجار.

لماذا الجار الأقرب؟

لم تفرح قريش بانتصار أمةٍ في أقصى الأرض على أمةٍ أخرى لا تعرفها، بل فرحت بانتصار جارٍ على جار. وأقدم ملاحظةٍ في هذا الباب لسيغموند فرويد (Sigmund Freud)، سمّاها «نرجسية الفروق الصغيرة»؛ إذ لاحظ أن أشدّ العداوات تقع بين الجماعات المتجاورة المتشابهة، كالإسبان والبرتغاليين، والإنجليز والأسكتلنديين، وأهل شمال ألمانيا وجنوبها. ذلك أن المرء لا يقارن نفسه إلا بمن يشبهه. لا يقيس الفلاح نفسه بالملك، بل بجاره الفلاح. ولا تقيس الأمة نفسها بأمةٍ في قارةٍ أخرى تتكلم لغةً لا تفهمها، بل بجارتها التي تشاركها اللسان والدين والتاريخ. فالجار الأقرب هو المرآة الأوضح، والمرآة الأوضح هي الأشدّ إيلامًا حين تُظهر النقص.

كان الغزالي (ت 505هـ/1111م) قد سبق فرويد إلى هذه الملاحظة بنحو ثمانية قرون، وعقد لها في «إحياء علوم الدين» بابًا في «السبب في كثرة الحسد بين الأمثال والأقران والأخوة وبني العم والأقارب». لكن تفسيره غير تفسير فرويد: أنّ الحسد يكثر بين المتزاحمين على مقصدٍ واحد، لا بين المتشابهين لمجرّد الشبه. فأسباب الحسد عنده «إنما تكثر بين أقوام تجمعهم روابط يجتمعون بسببها في مجالس المخاطبات ويتواردون على الأغراض»، إذ «لا رابطة بين شخصين في بلدتين متنائيتين فلا يكون بينهما محاسدة». ولذلك «ترى العالم يحسد العالم دون العابد، والعابد يحسد العابد دون العالم، والتاجر يحسد التاجر، بل الإسكاف يحسد الإسكاف ولا يحسد البزاز إلا بسبب آخر سوى الاجتماع في الحرفة، ويحسد الرجل أخاه وابن عمه أكثر مما يحسد الأجانب».

ومن هنا تنشأ مفارقةٌ مؤلمة: أن القرب الذي نتوقّع أن يلطّف الحسد هو الذي يشحنه. فالأخوّة في اللغة والدين لا تمنع الشماتة، بل تجعلها أشدّ؛ لأن المقارنة أوضح والدونية أوجع.

أيّ الأمم تُحسد؟

ليست كل أمةٍ عرضةً للحسد. وضعت عالمة النفس سوزان فيسك (Susan Fiske) وزملاؤها سنة 2002 نموذجًا يصنّف الجماعات على بعدين: الكفاءة والدفء. فالجماعة التي يراها الناس عاليةَ الكفاءة قليلةَ الدفء، أي ناجحةً لكنها باردة أو متعالية، هي الجماعة التي تُحسد، ويقع في هذا الربع من النموذج الأغنياء والناجحون والمتقدمون. وبيّنت دراسة لاحقة لمينا سيكارا (Mina Cikara) مع فيسك سنة 2012، بقياس عضلات الوجه، أن الناس يبتسمون حين يصيب مكروهٌ صغير أحدَ هذه الجماعات المحسودة، أكثر من ابتسامهم لمصيبة أي جماعة أخرى. فالحسد الجماعي ضريبةٌ على النجاح، تُدفع لمجرد الظهور به، لا لفعلٍ بعينه.

مفارقة العطاء بين الأمم

لماذا لا يخفّف العطاء الحسد؟ بل لماذا يزيده أحيانًا؟ الأمة التي تُغيث جارتها في أزمتها، وتفتح لها أبواب العمل، وتقرضها وتهبها، تتوقع الشكر فتجد الطعن. وفي المثل العربي القديم: «اتقِ شرّ من أحسنت إليه».

فسّر عالم الاجتماع الفرنسي مارسيل موس (Marcel Mauss) هذه المفارقة سنة 1925 في كتابه عن الهبة. فالهبة عنده ليست هديةً بريئة، بل تُلزم من يأخذها بثلاثة أشياء: أن يقبل، وأن يشكر، وأن يردّ. ومن لا يستطيع الردّ يبقى مدينًا، والمدين أدنى من الدائن. فالعطاء الذي لا يُردّ يثبّت التراتب بين المعطي والآخذ ويجعله علنيًا. وكلما زاد العطاء زاد الدَّين، وزاد إحساس الآخذ بدونيّته. وهنا موضع «انتقام العاجز»: أن من لا يقدر أن يردّ الجميل يقدر أن يشمت حين يتعثّر صاحبه، فتلك الطريقة الوحيدة الباقية لتسوية الحساب.

الشكر والدَّين شعوران مختلفان، وإن جمعهما هذا الإلزام. ففي دراستين لواتكنز (Watkins) وزملائه سنة 2006، كلما أظهر المعطي أنه ينتظر مقابلًا زاد شعور الآخذ بالدَّين ونقص امتنانه؛ والدَّين يدفع صاحبه إلى الابتعاد عن المعطي، أمّا الامتنان فيقرّبه منه.

غير أن موس يفسّر ثقل الدَّين، ولا يفرّق بين عطاءٍ وعطاء. وقد فرّق بينهما عالم النفس آري نادلر (Arie Nadler) من جامعة تل أبيب، الذي درس العون بين الجماعات بوصفه علاقة مكانة. فالعون عنده نوعان: عونٌ يحلّ المشكلة عن الآخذ ويسلّمه الحلّ جاهزًا، ويسمّيه عون الاعتماد (dependency-oriented)، وعونٌ يعطيه الأداة ليحلّها بنفسه، ويسمّيه عون الاستقلال (autonomy-oriented). وفي أربع تجارب نشرها مع حلبي (Halabi) سنة 2006، اثنتان منها على العرب واليهود من مواطني الكيان الغاصب، كان أقلّ الناس قبولًا لعون الجماعة الأعلى أشدَّهم تعلّقًا بجماعتهم، وذلك حين يرون ترتيب المكانة بين الجماعتين قابلًا للتغيّر، وحين يكون العون عون اعتماد. فالرفض في هذه التجارب لم يتّجه إلى العطاء نفسه، بل إلى العطاء الذي يُبقي الآخذ محتاجًا. وليس في الدراسات الحديثة التي يذكرها هذا المقال كلها عيّنة خليجية واحدة؛ فعيّناتها غربية أو إسرائيلية، وأقربها إلينا هؤلاء العرب من مواطني الكيان الغاصب.

أمّا المعطي فقد درسه نادلر مع زميلين له سنة 2009 على 255 طالبًا ثانويًا إسرائيليًا، فوجد أن أفراد الجماعة الأعلى، حين يشعرون بأن مكانتهم غير مستقرّة، يعطون الجماعة الأدنى عون الاعتماد لا عون الاستقلال، فيحمون مكانتهم بالعطاء نفسه، وسمّى ذلك «العون الدفاعي» (defensive helping). فلمّا ذُكّر المشاركون بهويةٍ جامعةٍ تضمّ الجماعتين، انقلب اختيارهم إلى عون الاستقلال.

يبقى في هذا كله توتّرٌ مع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾؛ فالآية تعد بأن الدفع بالتي هي أحسن يجعل العدوّ كأنه وليّ حميم، وما يصفه موس ونادلر إحسانٌ يزيد العداوة. ولم تجعل الآية التالية ذلك يسيرًا: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾.

ليس في هذا تبريرٌ للجحود، بل فيه تفسيرٌ لسبب تكراره. والفهم أول الدواء.

القناع

الحاسد الفرد يعرف أنه يحسد ويستحي، فيُخفي. أمّا الجماعة فلا تشمت باسم الحسد أبدًا، بل تشمت باسم العدل. تقول: إنهم ظالمون، وإن ما أصابهم جزاءٌ استحقّوه. وهذا ما رآه ليتش في فصله عن الغضب من التفاوت: أن لهذا الغضب ثلاثة ينابيع، هي الحسد، والشعور بالدونية، والشعور بالظلم، وأن أخطرها الثالث؛ لأنه يمنح الأوّلَين رخصةً بالخروج إلى العلن. الحسد المُعلن عارٌ، أمّا الغضب من الظلم فشرف.

وقد سبق نيتشه إلى هذا في كتابه «في جينالوجيا الأخلاق» سنة 1887، حين وصف كيف يحوّل الضعفاء عجزهم عن الردّ إلى فضيلة، وحقدهم إلى أخلاق. لا نحتاج إلى أن نقبل فلسفة نيتشه كلها، وقد ناقشتُ في مقال «ولا يزالون مختلفين» كيف يعيد العقل تركيب الواقع ليوافق ما يريده. يكفي هنا أن نلاحظ الآلية: أن الجماعة التي تحسد لا تقول «أحسد»، بل تقول «أُظلَم».

في تجربة لفيذر وشيرمان (Feather & Sherman) سنة 2002 على 184 طالبًا جامعيًا، لم يتنبأ الحسدُ بالشماتة بسقوط طالبٍ متفوّق، بل تنبأ بها الاستياءُ من تفوّقٍ رآه المشاركون غير مستحق. ووجد فان دايك (van Dijk) وزملاؤه سنة 2005 أن الشماتة تشتدّ كلما بدت المصيبة مستحقّة. وقد وصف الغزالي الحيلة نفسها في أول أسباب الحسد عنده، وهو العداوة، فقال في المبغض: «وَرُبَّمَا يُحِيلُ ذَلِكَ عَلَى كَرَامَةِ نَفْسِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَمَهْمَا أَصَابَتْ عَدُوَّهُ بَلِيَّةٌ فَرِحَ بِهَا وَظَنَّهَا مُكَافَأَةً لَهُ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ عَلَى بُغْضِهِ وَأَنَّهَا لِأَجْلِهِ». واستشهد عليه بالآية التي أُخذ منها عنوان هذا المقال: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾.

وفي هذا مأزقٌ لكل من يكتب في هذا الباب؛ فإن كتبتُ عن شماتة الآخرين بنا، فذكرتُ مظالمنا وعددتُ إحساننا الذي قوبل بالجحود، وقعتُ فيما أحذّر منه، وصار المقال نفسه غسلًا لانفعالٍ جماعي في ثوب العدل. لذلك يقف هذا المقال عند التشريح، ويترك التطبيق للقارئ، وعنده من الأمثلة ما يكفي.

شابٌّ نبيل بقبّعةٍ ذات ريش نائمٌ في كرسيّه ورأسه على يده، وإلى جانبه مائدةٌ عليها جمجمةٌ ونقودٌ وحليٌّ وأوراقُ لعب وساعةٌ وقناعٌ شاحب، ومن خلفه هيئةٌ مجنّحة تبسط رقعةً بيضاء طويلة.
في «حلم الفارس» نبيلٌ نائمٌ في كرسيّه، وإلى جانبه مائدةٌ عليها جمجمةٌ فوق كتابٍ مفتوح، وتاجٌ ونقودٌ وحليٌّ وأوراقُ لعب وساعةٌ وقطعةٌ من درع، وعلى طرفها قناعٌ مسرحي. ومن خلفه هيئةٌ مجنّحة تبسط رقعةً عليها كتابةٌ لاتينية. لوحةٌ زيتية لأنطونيو دي بيريدا (1611–1678)، نحو 1650م — ملكيةٌ عامة، الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة «سان فرناندو» في مدريد.

للاستزادة

مدقّقٌ محايد (NEUTRAL FACT CHECKER)

قوبلت وقائعُ هذه المقالة بمصادرها — حديثُ نيار بن مكرم في جامع الترمذي وتفسير القرطبي، وبابُ الحسد في «إحياء علوم الدين» وفصلُه في «مجموع الفتاوى»، ونصّا نيتشه وفرويد بالألمانية، والدراساتُ النفسية التي تستشهد بها المقالة — مع فحصٍ للاقتباس. والنتيجةُ منشورةٌ كما خرجت، ولم تُعدَّل المقالة لتوافقها: اقرأ تدقيق المدقّق المحايد ←

© 2026 حسين الخالدي — نُشرت في مقالات الموقع.