al-Manṭiq al-Kabīr · Fakhr al-Dīn al-Rāzī · A Study Digest

المنطق الكبير

مختصرٌ للدراسة

الجُمَل الأربع على صيغةٍ واحدة: تعريفٌ، ثمّ مثال، ثمّ ضابط

ابدأ
ما هذا؟ مختصَرٌ دراسيٌّ لكتاب «المنطق الكبير» للإمام فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦هـ)، بتحقيق الدكتور طورغود آق يوز وإشراف الأستاذ الدكتور علي دوروسوي، طبعة دار فارس في مجلَّدين. اختُصرت مادّتُه على صيغةٍ واحدة تتكرّر في كلّ مدخل: تعريفٌ، ثمّ مثال، ثمّ ضابطٌ عمليّ للتمييز. وأُسقِط منه جدلُ الكتاب — سلاسلُ «الوجه الأول… الوجه الثاني»، و«لا يُقال / قلنا» — وأُبقيت الحدودُ والتقسيماتُ والقواعدُ والأمثلة. فهو مدخلٌ إلى الكتاب لا بديلٌ عنه؛ ومَن أراد حجاج الرازي نفسَه فمرجعُه الأصل.
الإحالة بالفصل لا بالصفحة. الإحالات هنا إلى ترقيم الجُمَل والأنواع والفصول كما في فهرس الطبعة ([١.١] وما شابه)، لا إلى أرقام الصفحات — لأنّ النصّ الرقميّ الذي عُمِل عليه لا يحفظ ترقيم المطبوع حفظًا يُوثَق به.

المقدمة

مباحث تمهيدية: الحكمة وأقسامها، العلم والجهل، ثم حدّ المنطق وموضوعه وغايته. يقابلها في الأصل: [١] المقدمة، الفصول ١–٦.


أولًا: الحكمة وأقسام العلوم

الحكمة

الوقوف على حقائق الأشياء بقدر الطاقة البشرية، حتى يصير الإنسان عالَمًا معقولًا مضاهيًا للعالَم المحسوس، فيستعدّ للسعادة الأبدية.

مثال: علمك بأنّ الكلّ أعظم من الجزء — علمٌ لا يتغيّر بتغيّر الأزمان ولا باختلاف الأديان، «بل يكون كما كان من الأزل إلى الأبد».

الضابط: الحكمة لا تُقاس بما ينفع في العاجل، بل بمطابقتها للحقيقة مطابقةً لا يعتريها زمان.


انقسام العلم: لغيره ولذاته

العلم من حيث هو هو ينقسم إلى: ما يُطلَب لا لذاته بل لغيره — وهو المنطق، إذ هو معونة على تحصيل ما عداه؛ وما يُطلَب لذاته — وهو النظري والعملي.

مثال: لا يتعلّم أحدٌ الميزان ليملك ميزانًا، بل ليزن به. وكذلك المنطق.

الضابط: اسأل: هل يُطلَب هذا العلم ليُنتفَع به في علمٍ آخر؟ إن كان كذلك فهو آلة لا مقصد.


العلوم النظرية والعملية

النظري: علمٌ بما ليس وجوده باختيارنا. العملي: علمٌ بما وجوده باختيارنا.

مثال: حركة الفلك نظري (ليست باختيارك)؛ العدل في المعاملة عملي (باختيارك).

الضابط: المقصود من النظرية اعتقاد رأيٍ فقط، ومن العملية اعتقاد رأيٍ لأجل العمل. فالغاية في النظرية معرفة الحقّ، وفي العملية معرفة الخير.


أقسام العلوم النظرية الثلاثة

تنقسم بحسب تعلّق الموضوع بالمادة:

القسم تعلّقه بالمادة في الخارج تعلّقه بها في الذهن
الطبيعي نعم نعم
الرياضي نعم لا
الإلهي لا لا

مثال: الإنسان والنار لا يُتعقّلان إلا بمادة ← طبيعي. المثلّث يوجد في الخارج بمادة، لكنك تعقله مجرّدًا عنها ← رياضي. الوجود والوحدة والعلّية ← إلهي.

الضابط: لا قسم رابع؛ إذ يستحيل ما يتعلّق بالمادة في الذهن دون الخارج — فالذهن أوسع من الخارج لا أضيق.


أقسام العلوم العملية الثلاثة

بحسب دائرة مَن تنظّم أحوالَه:

القسم الدائرة
الأخلاق الإنسان وحده
تدبير المنزل هو وخاصّته
تدبير المدينة هو وعامّة الناس

مثال: ضبط الغضب ← أخلاق. حقوق الزوجة والولد ← تدبير منزل. ترتيب الولايات ← تدبير مدينة.

الضابط: الثلاثة كلها «علوم سياسية» بالمعنى الأعمّ، وإن غلب اسم السياسة على الثالث وحده.


ثانيًا: العلم والجهل

هل يُعرَّف العلم؟

لا. العلم من حيث هو هو غنيّ عن التعريف، لأنه بديهي، والبديهي لا يُكتسَب، والتعريف إثبات معرفة — وإثبات المعرفة بعد ثبوتها محال.

مثال: كلّ تعريفٍ تسوقه للعلم («العلم معرفة الشيء على ما هو عليه») لا بدّ أن يتضمّن لفظ المعرفة، والمعرفة علم — فقد عرّفتَ الشيء بنفسه.

الضابط: برهانه على ذلك حصرٌ لا مخرج منه — ما تُعرِّف به العلم إمّا بديهي، فهو تعريفٌ بالمساوي في الجلاء؛ وإمّا غير بديهي، فهو تعريفٌ بالأخفى. وكلاهما محال.

موقف الرازي: التعريفات المتداولة للعلم ليست باطلة على الإطلاق — هي صحيحة إن قُصد بها تعريف معنى اللفظ، باطلة إن قُصد بها تعريف الماهية.


اعتبارات الماهية الثلاثة

للماهية ثلاثة اعتبارات: لا بشرط (بما هي هي، غير مضافة إلى وجودٍ أصلًا)؛ في الأعيان؛ في الأذهان. ولكلٍّ من الأخيرين أعراضٌ تلحقه دون الآخر.

مثال: «الإنسان» بما هو إنسان — لا موضوع ولا محمول. فإذا حلّ في الذهن لحقته الكلّية والجزئية والذاتية والعرضية وكونه موضوعًا أو محمولًا.

الضابط: ليس في الموجودات الخارجية ذاتيةٌ ولا عرضيةٌ في الحمل، ولا موضوعٌ ولا محمولٌ ولا مقدّمةٌ ولا قياس. وهذا أصل المنطق كلّه: أحكامه تلحق المعاني في الذهن، لا في الأعيان.


التصوّر والتصديق

التصوّر: إدراك ماهية الشيء من حيث هي. التصديق: الحكم عليها بالنفي أو بالإثبات.

مثال: إدراكك معنى «العالَم» وحده، ومعنى «الحادث» وحده ← تصوّران. فإن قلت «العالَم حادث» ← تصديق.

الضابط: لا حكمَ بشيءٍ على شيء إلا بعد تصوّر ثلاثة: المحكوم عليه، والمحكوم به، والنسبة. وتصوّر النسبة غير تصوّرهما، بدليل أنك قد تتصوّر العالَم والحادث وأنت ذاهلٌ عن نسبة أحدهما إلى الآخر.


الحكم بالنفي ≠ نفي الحكم

فرقٌ بيّن بينهما: المنفيّ في نفي الحكم هو الحكمُ نفسُه؛ وفي الحكم بالنفي هو غيرُه.

مثال: «ليس زيدٌ بعالم» حكمٌ بالنفي — وهو تصديق. أمّا سكوتك عن الحكم أصلًا فنفيٌ للحكم — وليس تصديقًا.

الضابط: يستعمله الرازي مِعولًا في المناقشة: مَن عرّف التصوّر بأنه «إدراك الماهية من غير أن يُحكم عليها» فقد سلِم؛ ومَن قال «مع الحكم بعدم شيء» فقد ناقض.


العلم والجهل: البسيط والمركّب

البسيط المركّب
العلم عدم الجهل في المحلّ أن يَعلم ويَعلم أنه يَعلم
الجهل عدم العلم في المحلّ أن لا يَعلم ولا يَعلم أنه لا يَعلم

مثال: مَن لا يعرف مسألةً ويدري أنه لا يعرفها ← جاهلٌ جهلًا بسيطًا. ومَن يجهلها ويحسب نفسه عالمًا بها ← جاهلٌ جهلًا مركّبًا.

الضابط: الجهل البسيط يقابل العلم تقابل العدم والملكة، والمركّب يقابله تقابل الضدّين (لا يجتمعان وقد يرتفعان). وثمرته العملية: لا يَطلُب إلا صاحبُ الجهل البسيط — إذ يستحيل الطلب ممّن يجهل جهلًا مركّبًا، لأنه لا يرى في نفسه ما يطلبه.


البديهي والكسبي

البديهي: ما يحصل بالفطرة من غير أن تتقدّمه معلوماتٌ هي سببُ حصوله. الكسبي: ما يحصل بمعلوماتٍ سابقةٍ عليه مرتَّبة.

مثال: بديهي — الوجود، العدم، الجزء، الكلّ، وأنّ الكلّ أعظم من الجزء. كسبي — الهيولى والصورة والعقل والنفس، وأنّ العالَم ممكن والممكن حادث.

الضابط: المجهول التصوّري لا يُكتسَب إلا من معلوماتٍ تصوّرية، والمجهول التصديقي إلا من معلوماتٍ تصديقية. لا يُعبَر من أحد البابين إلى الآخر.


لِمَ لا تكون العلوم كلّها كسبية ولا كلّها بديهية؟

لو كانت كلّها كسبية للزم الدور أو التسلسل، فلا بدّ من الانتهاء إلى ما يحصل بالفطرة. ولو كانت كلّها بديهية لبطل الطلب والنظر، وقد علمنا ببديهة العقل أنّا لا نعلم الأشياء كلَّها.

مثال: لو توقّف علمك بـ«أ» على «ب»، و«ب» على «ج»، ولم تنتهِ السلسلة — لم تعلم شيئًا أبدًا.

الضابط: حجّةٌ ذات طرفين: «علمنا ببديهة العقل أنّا لا نعلم من الأشياء كلًّا ولا جملةً» — فبطل أن تكون كلّها بديهية؛ «وعلمنا ببديهة العقل أنّا نعلم من الأشياء ما نعلمه» — فبطل أن تكون كلّها متعذّرة.


ثالثًا: المنطق — حدّه وموضوعه وغايته

حدّ المنطق

آلة قانونية، عِلمٌ يُتعلَّم منه التمييزُ بين الصحيح والفاسد من الحجج والأحوال اللازمة.

مثال: كما أنّ النحو قانونٌ يعصم اللسان عن الخطأ في المقال، فالمنطق قانونٌ يعصم الذهن عن الخطأ في الاستدلال.

الضابط: هو رسم لا حدّ: «العلم» جنسٌ قريب، وما بقي خواصّ. وقيل «عِلمٌ يُتعلَّم منه» ولم يُقل «يُتعرَّف منه» — لأنّ ما يستعمله المنطقي كلّيات، والمعرفة إدراك الجزئيات والعلم إدراك الكلّيات.


موضوع المنطق: المعقولات الثانية

موضوعه المعقولات الثانية — أي الاعتبارات التي تلحق المعاني في الذهن من كونها موضوعًا ومحمولًا وكلّيًا وجزئيًا، من حيث هي مستعدّة للتأليف الموصِل من المعلوم إلى المجهول.

مثال: «الإنسان» معقولٌ أوّل. أمّا كونه كلّيًا، وكونه في قولك «الإنسان حيوان» موضوعًا — فمعقولٌ ثانٍ. والمنطقي إنما ينظر في الثاني.

الضابط: ميّزها بالسؤال المطروح على الاعتبار الواحد: - هل هو موجود؟ ← علم ما بعد الطبيعة. - أفي الذهن وجوده أم في الخارج؟ ← علم النفس. - كيف يُركَّب ليؤدّي إلى تعريف المجهول؟المنطق.

موقف الرازي (صريح): مَن قال إنّ موضوع المنطق هو الألفاظ من حيث دلالتها على المعاني — «فذلك من قبيل ما لا يُلتفَت إليه».


لماذا يبحث المنطقي في الألفاظ إذن؟

بالعرَض لا بالذات، لضرورتين: المخاطبة، وتعذّر ترتيب المعاني في الرَّويّة من غير أن تُتخيَّل معها ألفاظُها.

مثال: لو أمكنك أن تُطلِع محاورك على ما في ذهنك بلا لفظ، لَما احتجتَ إلى لفظٍ البتّة.

الضابط: ولذلك لا تختصّ مباحثه بلغة قومٍ دون قوم — «لمّا أنّ المقصود منها هو الاطّلاع على المعاني».


غاية المنطق

القريبة: الوصول إلى المقاصد التصوّرية والتصديقية بالقول الشارح والحجّة، على وجهٍ كلّيّ. القصوى: السعادة الأبدية.

مثال: القول الشارح يعصمك في التصوّرات (أن تحدّ الإنسان حدًّا صحيحًا)؛ والحجّة تعصمك في التصديقات (أن تُقيم على حدوث العالَم برهانًا صحيحًا).

الضابط: المنطق ليس مقصودًا لنفسه؛ فمَن أنفق عمره فيه فقد جعل الآلة غايةً.


المنطق: رئيس العلوم أم خادمها؟

قال ابن سينا: رئيس العلوم. وقال الفارابي: خادم العلوم. والرازي يفصل: النزاع لفظي.

الضابط: إن اشترطتَ في «الرئيس» أن يكون مقصودًا بنفسه، فالمنطق ليس رئيسًا لأنه مقصودٌ لغيره. وإن جعلتَ الرئيس هو الذي يُحتاج إليه ولا يَحتاج، فالمنطق رئيس. ولا مانع من اجتماع الوصفين — «وقد قيل: سيّد القوم خادمهم».


خاتمة المقدمة — بلفظ المؤلف: «هذا الكتاب مشتملٌ على أربع جُمَل، تشتمل كلُّ جملةٍ منها على الأنواع المشتملة على الفصول.»

الجملة الموضوع
الأولى المفردات: الألفاظ، الكلّيات الخمس، المقولات العشر
الثانية الحدود والرسوم، ثم القضايا (الحمليات والشرطيات)
الثالثة القياس بأنواعه
الرابعة البرهان وسائر الصناعات

الجملة الأولى: في المفردات

[٢] — ثلاثة أنواع: الألفاظ، ثم الكلّيات الخمس، ثم المقولات العشر.


النوع الأول: في اللفظ وما يتعلّق به

المهمَل والمستعمَل

المهمَل: ما لم يتعرّض له الواضع في الوضع الأول، فلا يدلّ بالوضع على شيء. المستعمَل: ما وُضع بإزاء شيء فدلّ عليه.

مثال: «ديز» مهمَل. «زيد» مستعمَل.

الضابط: اللفظ من حيث هو لفظ يجري مجرى الجنس بالنسبة إليهما؛ فكلٌّ منهما مشتمل على اللفظية وعلى قيدٍ زائد.


عدد تراكيب الحروف

لكلّ مرتبةٍ من الحروف عددٌ من التراكيب الممكنة بحسب تقدّم بعضها على بعض.

الحروف التراكيب
حرفان ٢
ثلاثة ٦
أربعة ٢٤
خمسة ١٢٠

الضابط: «أن تُضرب حروف الأعلى من هذه المراتب في تراكيب الأدنى منه» — فالثلاثة في الاثنين ٦، والأربعة في الستّة ٢٤، والخمسة في أربعةٍ وعشرين ١٢٠.


الدلالات الثلاث

دلالة اللفظ: أن يلزم من العلم به العلمُ بوجود غيره. وهي ثلاثٌ لا رابع لها:

الدلالة على ماذا يدلّ مثال «الإنسان» مثال «الأسد»
المطابقة تمام المسمّى الحيوان الناطق الحيوان الزائر
التضمّن جزء المسمّى الحيوان وحده، أو الناطق وحده الحيوان وحده، أو الزائر وحده
الالتزام خارجٌ لازم قابل صنعة الكتابة الشجاع

الضابط الدقيق: لاحِظ أنه قال «قابل صنعة الكتابة» ولم يقل «الكاتب» — «فإنّ القابل يلزم الإنسان، والكاتب لا يلزمه». فليس كلُّ إنسانٍ كاتبًا، لكنّ كلَّ إنسانٍ قابلٌ للكتابة.


أحكام الدلالات الثلاث

المطابقة وضعية؛ والتضمّن والالتزام عقليّتان.

مثال: لفظ «الجوهر» يدلّ بالمطابقة ولا تضمّن له، إذ لا جزء لمعناه.

الضابط — التلازم بينها: - لا تضمّن بلا مطابقة، وقد توجد المطابقة بلا تضمّن (في البسائط). - لا مطابقة بلا التزام، ولا التزام بلا مطابقة. - الترتيب في القوّة: المطابقة ← التضمّن ← الالتزام، لأنّ المطابقة أصلٌ لما عداها. ودلالة اللفظ على الجزء القريب أقوى من دلالته على البعيد، وعلى اللازم القريب أقوى من البعيد.


شرط اللازم في دلالة الالتزام

اللازم المعتبَر هو اللازم الذهني البيّن، لا الخارجي.

مثال فارق: الجاذبة لازمةٌ للجسم في الخارج، ولا يلزم من تعقّلك الجسمَ تعقّلُ الجاذبة — فلا دلالة التزامٍ هنا. ولفظ «الجوهر» لا يُستعمَل لتعريف العرض وإن كان العرض من لوازمه.

الضابط: لا يلزم من كون الشيء لازمًا في الذهن أن يكون لازمًا في الخارج، ولا العكس.


مراتب اللزوم البيّن

بيّن يلزم من العلم بالشيء العلمُ به دفعةً: الفردية للثلاثة. بيّن على مهل. غير بيّن: الحُمّى للأسد.

الضابط: البيان يختلف باختلاف الأشخاص — «الحمّى الدائمة للأسد» من اللوازم البيّنة عند الحكماء دون غيرهم. ولذلك هُجرت دلالة الالتزام في التعريفات الحدّية وما قاربها؛ ولم تُهجَر في غيرها.


الحقيقة والمجاز

الحقيقة: اللفظة المستعملة لتعريف ما وُضعت هي بإزائه. المجاز: اللفظة المستعملة لتعريف ما وُضعت بإزاء غيره، لملاحظةٍ بينهما.

مثال: «الأسد» للحيوان الزائر حقيقة، وللشجاع مجاز.

الضابط: الحقيقة والمجاز وصفا اللفظ، ولا يُوصف بأحدهما إلا بقصد المتكلّم وإرادته — لا بذات اللفظ.


الأسماء المنقولة

لفظٌ نُقل عن موضوعه الأول إلى غيره، فصارت دلالته على المنقول إليه أقوى.

مثال (شرعية — الناقل هو الشرع):

اللفظ في اللغة في الشرع
الصلاة الدعاء الأركان المعهودة من قيامٍ وقعودٍ وركوعٍ وسجود
الزكاة الزيادة والنماء (زكا الزرع: ازداد ونما) قطع طائفةٍ من مال المزكّي تمليكًا للفقير
الصوم مجرّد الإمساك الإمساك المخصوص

الضابط: إن كانت الدلالة على المنقول إليه أقوى فهو منقول؛ وإلا فهو استعمالٌ بطريق التوسّع لا نقل.


النوع الثاني: في الكلّيات الخمس

المادّة والجنس والنوع — اعتبارٌ واحد بثلاثة شروط

معنًى واحد يصير ثلاثة أشياء بحسب كيفية أخذه:

الاعتبار كيف يُؤخذ يُسمّى
بشرط لا وحده، والمقارِن زائدٌ عليه، ولا يُقال على المجموع مادّة
لا بشرط مع احتمال أن يقارنه غيره، ويُقال على المجموع جنس
بشرط شيء متخصّصًا بما يقارنه نوع

مثال — «الحيوان» نفسه في الثلاثة: - أُخذ بشرط ألّا يكون مع شيء، فاقترن به الناطق ← المجموع مركّبٌ منهما، ولا يُقال له «حيوان» ← مادّة، وهو جزء الإنسان. - أُخذ لا بشرط، فتخصّص بالناطق ويُقال له «حيوان» ← جنس، وليس جزءًا من الإنسان بل جزءٌ من حدّه. - أُخذ مع الناطق متخصّصًا ← نوع، وهو الإنسان نفسه.

الضابط: ما يدخل على المعنى فيجعله مختلف الحقائق ← مقوّم. وما يدخل عليه فيجعله متّفق الحقائق مختلفًا بالعدد (كالإنسان الأسود، وهذا الإنسان) ← عارض.


حصر الكلّيات في خمسة

الكلّي بالقياس إلى ما تحته لا يخرج عن خمسة:

الكلّي
تمام الماهية النوع
داخلٌ فيها عامّ، في جواب «ما هو» الجنس
خاصّ، يُقال على ما يُقال عليه النوع الفصل
خارجٌ عنها عامّ، يُقال على ما يُقال عليه الجنس العرض العام
خاصّ، يُقال على ما يُقال عليه الفصل الخاصّة

مثال جامع في الإنسان: نوعه الإنسان، جنسه الحيوان، فصله الناطق، خاصّته الضاحك، عرضه العام المتحرّك.

الضابط: سؤالان يفرزان الخمسة — «ما هو؟» يُجاب عنه بالذاتيّ العام (الجنس) وبتمام الماهية (النوع)؛ «أيُّ شيءٍ هو؟» يُجاب عنه بالمميِّز (الفصل، والخاصّة).


الجنس

الكلّي المقول على كثيرين مختلفين بالحقيقة في جواب «ما هو».

مثال: الحيوان ← الإنسان والفرس والطير.

الضابط — تشريح قيود التعريف: - «المقول على كثيرين» ← يُخرج الواحد الذي لا ثاني له. - «مختلفين بالحقائق» ← يُخرج الأنواع والفصول والخواصّ السافلة. - «في جواب ما هو» ← يُخرج الأعراض العامّة وفصولَ الأجناس.

فائدة لغوية: «الجنس» في اليونانية كان يُقال على المعنى الذي تشترك فيه الكثرة — كـ«العلوية» و«المصرية» — ثم نُقل إلى الاصطلاح المنطقي. و«عليّ» كان عندهم أولى بالجنسية من العلوية، إذ السبب أولى بالاسم من المسبَّب.


مراتب الجنس الأربع

المرتبة فوقه جنس؟ تحته جنس؟ مثال
العالي (جنس الأجناس) لا نعم الجوهر
السافل نعم لا الحيوان
المتوسّط نعم نعم الجسم، الجسم النامي
المفرد لا لا العقل (إن لم يكن الجوهر جنسًا)

الضابط: الجنس المطلق لا يصلح أن يكون جنسًا لهذه الأربعة، إذ الصالح للنوعية منها هو المتوسّط وحده — لأنّ العالي والسافل يتحقّق كلٌّ منهما بأمرٍ عدمي، والمفرد بأمرين عدميّين، «وما يكون في نفسه مشتملًا على العدم فذلك لا يصلح لأن يكون نوعًا للأمر الوجودي».


النوع: الحقيقي والإضافي

الحقيقي: المقول على كثيرين مختلفين بالعدد فقط في جواب «ما هو». الإضافي: الكلّي الأخصّ من المقولَين في جواب «ما هو».

مثال: الإنسان نوعٌ حقيقي (أفراده تختلف بالعدد لا بالحقيقة). والحيوان نوعٌ إضافي بالقياس إلى الجسم النامي، وهو في نفسه جنس.

الضابط — سبعة فروق بينهما:

الحقيقي الإضافي
١ نوعٌ بالنسبة إلى ما تحته من الأفراد نوعٌ بالنسبة إلى ما فوقه من الأجناس
٢ محمولٌ على غيره موضوعٌ لغيره
٣ تستحيل جنسيّته قد يكون جنسًا
٤ لا يستحيل أن يكون بسيطًا مركّبٌ بالضرورة
٥ لا يفتقر إلى جنسٍ وفصل يفتقر إليهما
٦ قد يكون من الأجناس العالية لا يكون، بل يفتقر إلى جنسٍ فوقه
٧ لا يفتقر في التصوّر إلى جنسٍ فوقه يفتقر

الفصل

الكلّي المفرد المقول على النوع في جواب «أيُّ شيءٍ هو في ذاته»، من جنسه.

مثال: الناطق للإنسان — يفصله عن سائر أنواع الحيوان.

الضابط — نسبتاه: للفصل نسبتان: إلى ما يقسمه وهو الجنس، وإلى ما يقوّمه وهو النوع. فالفصول مقوّمةٌ للأنواع، مقسِّمةٌ للأجناس. ومقوّمات الجنس لا تكون أخصّ منه، بخلاف مقسِّماته فإنها أخصّ.

خطأ شائع — الفصول السلبية: في قولك «الحيوان منه ناطق وغير ناطق»، «غير الناطق» ليس فصلًا حقيقيًا، إذ لا يُقوّم نوعًا محصَّلًا. «فإنّ السلوب لوازم للأشياء بالقياس إلى اعتبار معانٍ ليست لها… فلا تكون مقوِّمةً للأشياء من حيث هي سلوب؛ بل هي عوارض ولوازم إضافية.» — فليس من الفصول المقوِّمة ما لا يقسِّم، ولا من المقسِّمة ما لا يقوِّم، إلا السلبية.


الخاصّة

كلّيٌّ عرضيٌّ مقول على أشخاص نوعٍ واحد في جواب «أيُّ شيءٍ هو».

مثال: الضاحك للإنسان.

الضابط — تشريح القيود: «كلّيٌّ عرضي» ← يُخرج الجنس والنوع والفصل. «على أشخاص نوعٍ واحد» ← يُخرج الجنس والعرض العام. «في جواب أيّ شيءٍ هو» ← يُخرج الجنس والفصل.

أقسامها: - مطلقة / بالإضافة — الضاحك مطلقة؛ وقولك في الجوهر «غير قابلٍ للأشدّ والأضعف» خاصّةٌ له لا بالنسبة إلى الكلّ بل إلى البعض. - مساوية / أخصّ — الضاحك بالقوّة مساوٍ، والضاحك بالفعل أخصّ. - لازمة / مفارِقة — الضاحك بالقوّة لازمة، الضاحك بالفعل مفارِقة. - بسيطة / مركّبة.

دقّة اصطلاحية: الذي هو من الخمسة هو الضحّاك (بالقوّة) لا الضحك — كما قيل نظيره في الفصل.


العرض العام

كلّيٌّ عرضيٌّ مقول على أشخاصٍ من أنواعٍ (نوعين فصاعدًا) قولًا غير ذاتي.

مثال: المتحرّك للحيوان. والوجود عامٌّ للجنس. والمتنفِّس عرضٌ عامّ للإنسان وخاصّةٌ للحيوان.

الضابط: أقسامه على مثال الخاصّة — لازم (كالماشي بالقوّة) ومفارِق. والمفارِق: سريع الزوال كحمرة الخجل وصفرة الوجل، وبطيء الزوال كالشيب والشباب.

خطأ شائع نبّه عليه الرازي نصًّا: «العرض» هنا هو العرضيّ المقابل للذاتيّ، وليس العرض المقابل للجوهر — «وليس هذا العرضُ هو العرضَ الذي يناظر الجوهر كما يظنّه أكثر الناس». ولذلك مثاله الأبيض لا البياض؛ فإنك تقول «هذا أبيض» ولا تقول «هذا بياض». والذاتيّ قد يكون جوهرًا وقد يكون عرضًا، وكذلك العرضيّ.

تعريفات فاسدة للعرض العام، وردّها:

التعريف الفاسد وجه فساده
«ما يكون ويفسد من غير فساد الموضوع» ينتقض بالعرض العام اللازم
«ما يمكن أن يوجد لشيءٍ بعينه وأن لا يوجد» ينتقض بالأعراض الدائمة
«ما ليس بجنسٍ ولا فصلٍ ولا نوعٍ ولا خاصّة، وهو أبدًا قائمٌ في موضوع» «قائمٌ في موضوع» مبنيٌّ على الخلط السابق بين العرض والعرضيّ

الاعتبارات الثلاثة في كلّ كلّي

لكلّ واحدٍ من الخمسة ثلاثة اعتبارات:

الاعتبار ما هو الموضع
الطبيعي المعنى في نفسه (الحيوان بما هو حيوان) في الكثرة
المنطقي كونه جنسًا أو نوعًا بعد الكثرة
العقلي المجموع منهما قبل الكثرة

الضابط: الحيوان في نفسه ليس عامًّا ولا خاصًّا البتّة — «فإنه إذا كان خاصًّا فلا يمكن أن يكون إلا شخصًا واحدًا، وإذا كان عامًّا كان من اللوازم أن يكون كلُّ حيوانٍ عامًّا». والعموم والخصوص إنما يلحقانه بالاعتبار.


النوع الثالث: في المقولات العشر

اقرأ هذا التنبيه قبل الباب كلّه. موقف الرازي من المقولات صريحٌ وغيرُ مألوف، وهو يوفّر عليك جهدًا كبيرًا:

«فيجب أن يُتحقَّق أنّ الغرض من هذا الفنّ هو أن يُعتقَد أنّ أمورًا عشرة هي أجناسٌ عالية تحوي الموجودات — اعتقادًا على سبيل التقليد وحُسن الظنّ، من غير أن يُبرهَن أنّ كلَّ واحدٍ منها جنسٌ بالحقيقة.»

فإثبات أنها عشرة لا أقلّ ولا أكثر، وأنّها لا تتداخل، وأنّ تسعةً منها أعراضٌ وواحدًا جوهر — كلُّ ذلك ليس من المنطق، بل من الفلسفة الأولى. بل يصرّح بأنّ المتعلّم لو انتقل من الألفاظ المفردة إلى القضايا والقياسات والحدود ولم يخطر بباله أنّ هناك مقولاتٍ عشرًا أصلًا — «لا يعرض من أعمال ذلك خللٌ يُعتدّ به».

فلماذا تُدرَس إذن؟ لفائدتين عمليّتين لا ثالث لهما: الإحاطة بشرائط التعريفات، والاقتدار على إيراد الأمثلة في التقسيمات. فإنّ الحدّ يختلف باختلاف المقولة التي يقع فيها المحدود — فتحديد ما هو من المضاف يحتاج أحوالًا لا يحتاجها ما هو من الجوهر.


الجوهر والعرض

ما لا يمتنع وجوده: إمّا واجبٌ لذاته (لا يفتقر في وجوده إلى غيره)، وإمّا ممكنٌ لذاته. والممكن: إن كان موجودًا لا في موضوع فهو الجوهر، وإن كان موجودًا في موضوع فهو العرض.

مثال: الجسم جوهر. البياض عرض.

الضابط: لا يكفي أن تقول «حالٌّ في محلّ» — فالمحلّ أعمّ من الموضوع. فرّق بينهما بالسببية:

إذا حلّ شيءٌ في شيء الحالّ المحلّ
والحالُّ سببٌ لوجود المحلّ صورة مادّة
والمحلُّ سببٌ لوجود الحالّ عرض موضوع

فالمادّة والموضوع أخصّان تحت المحلّ، والصورة والعرض أخصّان تحت الحالّ.


الجواهر الخمسة

حالّ؟ محلّ؟
الهيولى لا نعم
الصورة نعم لا
الجسم مركّبٌ منهما
النفس لا ولا ولا مركّب متعلّقةٌ بالجسم تعلُّقَ التدبير
العقل لا ولا ولا مركّب غير متعلّق

الضابط: الجوهر عند الجمهور ليس جنسًا لهذه الخمسة. لأنّ الماهية التي يُقال عليها الجوهر إن كانت بسيطة فلا جنس لها؛ وإن كانت مركّبة فبسائطها إمّا أعراضٌ — فيلزم تقوُّم الجوهر بالعرض، وهو محال — وإمّا جواهرُ بسيطة لا تندرج تحت جنس. فعلى التقديرين: ليس بجنس.


احترازات «الموجود في موضوع»

ليس كلُّ ما يُقال إنه «في» شيءٍ عرضًا فيه. خمس صورٍ تُشبِه العرض وليست منه:

الصورة لماذا ليس الثاني موضوعًا للأوّل
صورة الماء في المادّة المادّة لا تتقوّم إلا بالصورة المائية
الإحساس (الجزء) في الحيوان (الكلّ) الكلّ يتقوّم بالجزء، والمتقوِّم بالشيء لا يكون موضوعًا له
الحيوان (الجنس) في الإنسان (النوع) طبيعة النوع مقوِّمةٌ لطبيعة الجنس
الإنسان (النوع) في الحيوان (الجنس) عموم الجنس متقوّمٌ بالنوع
الجسم في المكان أو الزمان أو الصحّة يفارقها ولا يبطل قوامه

الضابط الجامع: العرضُ وحدَه «لا يفارق موضوعه بعينه، وقد كان قوامُه بذلك الموضوع».

دقّة: لا يصحّ قولهم «الكلُّ في الأجزاء» أصلًا — «بل يُقال إنّ الكلَّ هو الأجزاء». فلا يقال «الثلاثة في آحادها»، والثلاثةُ هي تلك الآحاد.


الكمّ

ما يمكن أن يوجد فيه ما يَعُدّ غيرَه — بالقوّة كما في المقادير، أو بالفعل كما في الأعداد.

مثال: الخطّ (بالقوّة: يمكن فرض جزءٍ منه يَعُدّ الباقي)، والعشرة (بالفعل: الواحد يعدّها).

الضابط — تعريفان فاسدان ردّهما الرازي:

التعريف وجه فساده
«ما به يكون الشيء قابلًا للمساواة واللّامساواة» دَورٌ — لا تُعرَّف المساواة إلا بالاتّحاد
«ما به يكون الشيء قابلًا للقسمة واللّاقسمة» القابل للقسمة هو الكمّ المتّصل وحده، فلا يعمّ

أقسامه:

ذو وضع (لأجزائه قرارٌ يُشار إليه حسًّا) لا وضع له
متّصل الخطّ، السطح، الجسم — وتُسمّى أعظامًا ومقادير الزمان
منفصل العدد

تنبيه: قولهم «الزمان مقدار الحركة» مرادُه كمّية الحركة مطلقًا، لا المقدار الذي هو كمٌّ ذو وضع.

فرقٌ يُغفَل عنه: الصورة الجسمية (جوهر) غير الجسمية التي من باب الكمّ (عرض). مثال الرازي: شمعةٌ تُشكِّلها شكلًا ثم تغيّره — فنسبة الأبعاد تتبدّل، والجسمية والشمعة باقيتان كما كانتا.


الكيف

هيئةٌ قارّة لا يوجب تصوُّرُها تصوُّرَ شيءٍ خارجٍ عنها وعن حاملها، ولا قسمةً ولا نسبةً في أجزاء حاملها.

الضابط — كلّ قيدٍ يُخرج مقولة:

القيد يُخرج
قارّة الزمان، وأن يفعل، وأن ينفعل
لا يوجب تصوّرُها تصوّرَ شيءٍ خارج المضاف، الأين، متى، المِلك
لا توجب قسمةً الكمّ
لا توجب نسبةً في أجزاء حاملها الوضع

أنواعه الأربعة: مختصّةٌ بالكمّيات / محسوسة / ما يستعدّ به الجسم لقبول الكمالات / أعراضٌ نفسانية هي كمالاتٌ بأنفسها.

والنوع المختصّ بالكمّيات ثلاثة: - الشكل — ما أحاط به حدٌّ (الكرة، الدائرة) أو حدود (المربّع، المكعّب). - غير الشكل — الاستقامة والانحناء للخطّ؛ التحديب والتقعير والتسطّح للسطح؛ الزوجية والفردية للعدد. - الخِلقة — الحاصل من شكلٍ وغير شكل، أي الشكل من حيث هو محسوسٌ في الجسم (الشكل الملوَّن).

تعريفات مردودة: «ما به يُقال على الشخص إنه كيف هو» — لأنّ الجواب قد يكون بـ«قاعد» (وهو الوضع) أو «فوق كذا» (وهو الأين). و«ما به تقع المشابهة» — لأنه إن أُريد بالمشابهة الموافقةُ في الكيفية فهو دَور.


المضاف

ما ماهيّتُه معقولةٌ بالقياس إلى غيره.

الضابط — الفرق الحاسم بين ضربين:

مثال حكمه
له ماهيةٌ في نفسه ثم تلحقه الإضافة الرأس — له ماهيةٌ هو بها جسمٌ مخصوص، ثم يلحقه أن يكون رأسًا لبدن ليس مضافًا حقيقيًّا
لا ماهية له سوى أنه مضاف الأبوّة — ليس لها ماهيةٌ سوى القياس إلى البنوّة المضاف الحقيقي

فقُل «الأبوّة» لا «الأب»، و«الإضافة» لا «المضاف» — إذا أردت المقولة نفسها.

مثال الرازي على دقّة الإضافة: «النحو» ليس مضافًا إلى الإعراب لذاته، بل من حيث هو علم. ودليله بديع: «حتى لو كان إعرابُ اللغة موجودًا ألفَ سنةٍ من غير أن يكون معلومًا، لم يكن مقولًا بالقياس إلى النحو».


المتقابلات الأربعة

المتقابلان: اللذان يمتنع اجتماعهما في محلٍّ واحدٍ في زمانٍ واحد.

القسم بين ماذا؟ مثال العلامة الفارقة
المتضايفان وجوديّين، كلٌّ معقولٌ بالقياس إلى الآخر المالك والمملوك، الأبوّة والبنوّة لا تعاقُب على موضوع
المتضادّان وجوديّين، لا يُعقل أحدهما بالآخر السواد والبياض يتعاقبان على موضوعٍ واحد
العدم والملكة وجوديٍّ وعدميّ، مع اعتبار استعداد الموضوع الحركة والسكون، البصر والعمى السكون: عدم الحركة فيما من شأنه أن يتحرّك
السلب والإيجاب وجوديٍّ وعدميّ، بلا اعتبار الموضوع الفرس واللّافرس لا وجود له في الخارج؛ التقابل «في القول والضمير فقط»

الضابط: لا تقابُلَ بين عدمين«فإنّ من المحال أن يكون العدمُ متميّزًا عن العدم، فضلًا عن أن يكون مقابلًا له».

فرقٌ عملي: تقابل السلب والإيجاب بسيط (الفرس واللّافرس) لا صدق فيه ولا كذب؛ ومركّب (زيدٌ فرس / زيدٌ ليس بفرس) فيه الصدق والكذب. وهذا الأخير هو النقيضان.

تنبيه دقيق: الظلمة عدم النور لا غير، والشرّ عدم — وإنما تُعدّ من الأضداد ههنا «بناءً على التعاريف عند السلف»، وتحقيقُها في صناعةٍ أخرى.


بقيّة المقولات

المقولة مثال
الأين في السوق
متى أمس
الوضع قائم، قاعد
المِلك (له) متنعّل، متسلّح
أن يفعل يَقطع
أن ينفعل يَنقطع

الجملة الثانية: في المركبات

[٣] — نوعان: التعريفات (الحدود والرسوم)، ثم القضايا.


النوع الأول: في التعريفات

مراتب الدلالة الأربع

للأمور وجودٌ في الأعيان ووجودٌ في الأذهان، ثم اللفظ، ثم الكتابة.

الضابط — أيُّ الدلالات طبيعيّةٌ وأيُّها وضعية؟

الدالّ المدلول نوع الدلالة
الكتابة اللفظ وضعية
اللفظ ما في النفس وضعية
ما في النفس ما في الخارج طبيعية

«إذ هي طبيعيةٌ لا يمكن أن يختلف لا الدالُّ ولا المدلولُ أصلًا» — ولذلك تختلف اللغات والخطوط، ولا تختلف المعاني.

لطيفة: لماذا لم تُوضَع لكلّ معنًى في النفس كتابةٌ مستقلّة تدلّ عليه بلا توسّط اللفظ؟ يقول الرازي: ممكن، لكن يلزم الإنسانَ حينئذٍ أن يحفظ الدلائل مرّتين — ألفاظًا ورقومًا. فكان الأخفّ مؤونةً أن تُوضَع أشكالٌ للحروف القليلة العدد، فيُغني حفظُها عن حفظ رقمٍ لكلّ شيء.


اللفظ المركّب (القول)

اللفظ الذي يدلّ جزءٌ منه بنفسه على شيءٍ ما حين هو جزؤه دلالةً وضعية.

الضابط — كلّ قيدٍ يُخرج شيئًا:

القيد يُخرج
«يدلّ جزءٌ منه» الألفاظ المفردة
«بنفسه» ما يدلّ بعَرَضِيّة انضمام غيره إليه
«حين هو جزؤه» ما كان جزؤه دالًّا قبل التركيب لا بعده — كـ«عبد الله» إذا كان عَلَمًا
«دلالةً وضعية» الدلالة العقلية (فكلُّ جزءٍ يدلّ على أنه دون الكلّ دلالةً عقلية)

أقسام المركّب

بحسب اللفظ: تامّ — يدلّ كلُّ جزءٍ منه بانفراده على معنًى مستقلّ («زيدٌ كاتب»). ناقص — لا يدلّ («زيدٌ كان»).

بحسب المعنى: - تقييدي — يصلح أن تُورِد بين أجزائه لفظة «الذي»: «الحيوان الناطق» ← «الحيوان الذي هو الناطق». وهو في قوّة لفظٍ مفرد؛ فـ«حيوان ناطق» يقوم مقامه «الإنسان». - خبري — القابل للصدق والكذب.

الضابط: المفرد من المعاني لا يكون حقًّا ولا باطلًا، والمفرد من الألفاظ لا يكون صدقًا ولا كذبًا — وإنما يصير كذلك عند اقتران الحكم.


الحدّ الكامل

قولٌ مصوِّرٌ لماهية الشيء في النفس، مسبوقًا فصلُه بجنسه القريب.

مثال: «الإنسان حيوانٌ ناطق» — الحيوان جنسٌ قريب يتضمّن تمامَ ما به المشاركة، والناطق فصلٌ يتضمّن تمامَ ما به المُمايَزة.

الضابط: - «قولٌ» ← يُخرج اللفظ المفرد عن كونه حدًّا. - «مسبوقًا فصلُه بجنسه القريب» ← فلو قلت «ناطقٌ حيوان» لم تكن قد حددتَ، لأنّ «ما يكون مقدَّمًا طبعًا يكون مقدَّمًا وضعًا». - لا حدَّ لما لا جنسَ له ولا فصل. فالبسائط لا حدود لها. - دلالة ألفاظ الحدّ يجب أن تكون بالمطابقة لا بالتضمّن.


شرطا الاطّراد والانعكاس

الحدّ هو الجامع المانع: «كلُّ إنسانٍ حيوانٌ ناطق» و«كلُّ حيوانٍ ناطقٍ إنسان».

الضابط — طرفا الخلل، وكلاهما مُبطِل:

الخلل المثال ما الذي بطل
الإطناب «الإنسان حيوانٌ ناطقٌ متفطّن» بطل الطرد — فليس كلُّ إنسانٍ بهذه الصفة
الإيجاز «الإنسان حيوانٌ متفهّم» بطل العكس — فليس كلُّ حيوانٍ متفهّمٍ إنسانًا

ردُّ شرطٍ مشهور: قولهم «من شرط الحدّ أن يكون قولًا وجيزًا» — مردود عند الرازي، «إذ الوجيز أمرٌ إضافيٌّ غير محدودٍ بحدٍّ معلوم؛ فرُبَّ شيءٍ هو وجيزٌ بالإضافة إلى شيءٍ طويلٌ بالإضافة إلى شيءٍ آخر. والأمور الإضافية من جملة ما لا يصحّ استعماله في تعريف ما ليس بإضافي». فلو تركتَ اسمَ الجنس القريب وأوردتَ حدَّه مكانه — «الحيوان جسمٌ ذو نفسٍ حسّاسٌ متحرّكٌ بالإرادة» — فهو حدٌّ صحيح، «إذ الإعراض عن الإيجاز لا يخرجه عن كونه حدًّا».


شبهة: هل للحدّ حدّ؟

لو كان للحدّ حدٌّ، لكان لحدّ الحدّ حدٌّ آخر — فيلزم الدور أو التسلسل.

الجواب: الحدُّ لمّا صار محدودًا دخل تحت الحدّ المطلق («قولٌ مصوِّرٌ لماهية الشيء في النفس») كحدّ أيِّ شيءٍ آخر. وإنما يمتاز بكونه مضافًا إلى الحدّ، والإضافة غنيّةٌ عن التعريف «لما أنّ طبائع النسب معلومةٌ عند العلم بالمنسوبات».


أغلاط الحدود والرسوم

أنفعُ أبواب هذا النوع للمتعلّم. والخلل إمّا لفظي — أن تكون اللفظة مستعارةً بعيدةً عن الفهم، أو غريبةً وحشية، أو مجازية — وإمّا معنوي، وهو ثلاثة أصناف:

(أ) خللٌ يختصّ بالحدود — أن يُؤخذ غيرُ الجنس مكانَ الجنس

ما أُخذ خطأً المثال موضع الخطأ
اللازم العام «الموجود» أو «الواحد» مكان الجوهر لازمٌ عامّ لا جنس
العرض العرض في تعريف ما تحت الكمّ أو الكيف العرض لها لازمٌ لا جنس
الفصل «العشق إفراطُ المحبّة» الإفراط فصل
النوع «الشرّ ظلمُ الناس» الظلم نوعٌ من الشرّ
جنسٌ مكان جنس «الزوجية كمّيةٌ ينقسم بها المحلّ بقسمين متساويين» الزوجية كيفيةٌ مختصّةٌ بالكمّية، لا كمّية
القوّة مكان الملكة «العفيف هو الذي يقوى على اجتناب اللذّات الشهوانية»
الملكة مكان القوّة «القادر على الظلم هو الذي من شأنه وطباعه النزوعُ إلى انتزاع ما ليس له» هذه ملكةُ الظلم لا القدرةُ عليه — «فإنّ القادر على الظلم قد يكون عادلًا»
المادّة «السيف حديدٌ ممتدٌّ يُقطع به» الحديد مادّة
الجزء «الحيوان جسمٌ ذو نفس» الجسم جزءٌ لا جنس

دقّة في المثال الأخير: لا يناقض هذا قولَه سابقًا إنّ الجسم جنسٌ للحيوان. فالجسم يُؤخذ باعتبارين: إن جُعل معناه «جوهرٌ مركّبٌ من هيولى وصورة لا غير» فهو جزء، ولا يُحمل على الحيوان لأنّ الجزء لا يُحمل على الكلّ. وإن أُخذ مطلقًا غير مشروطٍ بالاقتصار فهو جنس ويصحّ إيراده في الحدّ. (وهذا هو الفرق بين «بشرط لا» و«لا بشرط» — راجع الجملة الأولى.)

أن يُؤخذ غيرُ الفصل مكانَ الفصل

ما أُخذ خطأً المثال
العرض اللازم «الحيوان حسّاسٌ متحرّكٌ بالطبع» — والصواب «بالإرادة»
الجنس الحيوان مكان الناطق — «فإنّ الجنس أعرفُ لكونه أعمّ، والأعرفُ أقدم»
الخاصّة «العاقل» مكان «الناطق»

(ب) خللٌ يختصّ بالرسوم

الخلل المثال
الرسم ليس أعرفَ من المرسوم «الإنسان حيوانٌ متعجّب» — والإنسانُ المحسوس أعرفُ من التعجّب
العرض العام مكان الخاصّة «العالِم بالأمور العقلية» مكان «العاقل»
خاصّةٌ غير مشهورة مكان المشهورة «الواصل بالقوّة» مكان «الفاصل بالقوّة»

(ج) خللٌ مشترَك بينهما

الخلل المثال
التعريف بنفس الشيء «الحركة هي النقلة»، «العلم هو المعرفة»
التعريف بالمساوي في المعرفة «العلم ما يُعلَم به غيره»، «العدد كثرةٌ مجتمعةٌ من الآحاد»
التعريف بالأخفى «الحادث ما تعلّقت به القدرة» — والعلم بالحادث أظهرُ من العلم بالقدرة وتعلُّقِها؛ «النار الأُسطقس الشبيه بالنفس»
الدور صريحًا «الكيفية ما به تقع المشابهة» — ثم تُعرَّف المشابهة بأنها «اتّفاقٌ في الكيفية»
الدور مُضمَرًا الاثنان زوج ← الزوج عددٌ ينقسم بمتساويَين ← المتساويان شيئان أحدهما مطابقٌ للآخر ← الشيئان اثنان

غلطٌ خاصّ: أخذ أحد المتضايفين في تعريف الآخر

ظنّ قومٌ أنّ العلم بأحد المتضايفين يوجب العلم بالآخر، فأخذوا كلَّ واحدٍ في تعريف صاحبه.

الضابط — الفرق الذي غفلوا عنه: بين ما لا يُعلَم الشيء إلا معه وبين ما لا يُعلَم الشيء إلا به. والمعرفة بالمتضايفين على السواء: «إذا وُجدا وُجدا معًا في الذهن والخارج، وإذا عُدما عُدما معًا» — فلا مجال لتقدّم أحدهما على الآخر في المعرفة، وشرطُ المعرِّف أن يكون متقدّمًا.

المخرج — ضربٌ من التلطّف: لا تذكر المضاف إليه صريحًا، بل ما يُشعِر به. فتقول في حدّ الأب: «حيوانٌ تولّد آخرُ من نوعه من نطفته» — ولم تقل «مَن له ابن».

حتى فُرفوريوس أخطأ فيه: أخذ المضاف في حدّ المضاف، ظنًّا أنّ أرسطو يأخذه في تعريف الجنس والنوع، فقال: «الجنس هو الكلّي المقول على كثيرين مختلفين بالنوع في جواب ما هو، والنوع هو الذي يُقال عليه وعلى غيره الجنس». والجواب: النوع المأخوذ في تعريف الجنس هو الحقيقي، لا الإضافيّ الذي يُؤخذ الجنسُ في تعريفه.

ومن هذا الباب: أخذ الضدّ في تعريف الضدّ — «الزوج عددٌ يزيد على الفرد بواحد»، ثم «الفرد عددٌ ينقص من الزوج بواحد».


النوع الثاني: في الحمليات (القضايا)

القضية — والقولُ الجازم

الخبريُّ من المركّبات يُسمّى قضية، ويُسمّى قولًا جازمًا. وهو غنيٌّ عن التعريف.

الضابط: ما اشتُهر من تعريفها مردودٌ بالدور:

التعريف وجه الدور
«قولٌ محتملٌ للصدق والكذب» الصدق يُعرَّف بها — «الخبر المطابق للاعتقاد»
«قولٌ محتملٌ للتصديق والتكذيب» أظهرُ فسادًا — التصديق «الخبر عن كون المخبِر صادقًا»

أقسام القول الجازم الثلاثة

انظر إلى طرفَي القضية: هل كلٌّ منهما خالٍ من النسبة الحُكمية أم لا؟

القسم الطرفان الحكم مثال
الحملي خاليان أنّ هذا هو ذاك الإنسان حيوان
الشرطي المتّصل مشتملان باللزوم إن كانت الشمس طالعةً فالنهار موجود
الشرطي المنفصل مشتملان بالعناد إمّا أن تكون الشمس طالعةً وإمّا أن يكون الليل موجودًا

الضابط: «لا يلزم من صدق الشرطية صدقُ أجزائها، ولا من الكذب كذبُها» — فلو قلتَ «إن كانت الشمس طالعة» وسكتّ، لم يُقل صدقتَ ولا كذبت.


أركان الحملية الثلاثة

المادّة: الموضوع والمحمول. الصورة: النسبة بينهما.

الضابط: لا يكفي اجتماع المعاني في الذهن فردًا فردًا — «بل يفتقر أن يعتقد الذهنُ تعلُّقَ البعض منها بالبعض». فالشيء من حيث هو هو غيرُ الشيء من حيث هو موضوعٌ أو محمول.

الرابطة: اللفظ الدالّ على النسبة، وحكمها حكم الأدوات. وحذفها هو الغالب في لغة العرب. وقد تُذكر في قالب الاسم («زيدٌ هو حيّ») أو في قالب الكلمة («زيدٌ كان عالمًا»).

لطيفة: استُعملت ألفاظ الزمان للدلالة على نسبةٍ غير زمانية — كقوله تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وكقولهم «كلُّ ثلاثةٍ فإنها تكون فردًا».


الإيجاب أبسط من السلب

الإيجاب مؤلَّفٌ من الموضوع والمحمول ونسبةِ وجود. والسلب: منهما ومن رفع وجود النسبة — فهو عارضٌ على الإيجاب، مفتقرٌ إليه في التصوّر.

الضابط — دفعُ إشكالٍ يقع فيه المبتدئ: كونُ الإيجاب مذكورًا في تعريف السلب لا يعني اجتماعَهما. ونظيرُه: «البصر موجودٌ في تعريف العمى» — ولا يُعنى أنّ البصر مع العمى، بل أنّ العمى لا يُعرَّف إلا بذكر عدم البصر. فالإيجاب جزءٌ ممّا يُعرِّف السلبَ، لا جزءٌ منه.

نظيرٌ ثانٍ: الزوج موجودٌ في الفرد والفرد في الزوج — ولا يلزم أن يكون الزوج فردًا.

«أيُّهما أشرف، الإيجاب أم السلب؟» — لا هذا أشرفُ من ذاك من حيث هو هو، «بل يختلف باختلاف المحلّ».


أصناف القضايا بحسب الموضوع

الصنف الموضوع مثال
مخصوصة (شخصية) جزئي زيدٌ كاتب / زيدٌ ليس بكاتب
مهمَلة كلّيٌّ مجرَّدٌ عن السور الإنسان كاتب
محصورة (مسوَّرة) كلّية كلّيٌّ مع سورٍ كلّي كلُّ إنسانٍ حيوان / لا واحدَ من الإنسان بفرس
محصورة جزئية كلّيٌّ مع سورٍ جزئي بعض الإنسان عالم

الضابط: المهمَلة في قوّة الجزئية — يتوقّف صدقها على صدق الجزئية لا غير، «فكلّية الموضوع وإن لم تكن مستلزمةً لكلّية الحكم فلا تكون منافيةً لها».


السور

في اللغة: ما يكون شاملًا للشيء. قال الشاعر:

لَمّا أتى خبرُ الزُّبَيرِ تواضعَتْ / سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ

في الاصطلاح: ما يبيّن كمّية الحكم.

الموجبة السالبة
كلّية كلّ لا شيء / لا واحد
جزئية بعض ليس كلّ / بعضٌ ليس

دقّة في السالبة الكلّية: الكلّيُّ بالحقيقة هو «لا واحدَ من الناس بحجر»، لأنّ النفي فيه عامّ. أمّا «ليس أحدٌ من الناس بحجر» فالنفي فيه خاصّ، والمنفيُّ عنه وإن عمَّ الكلَّ فعلى سبيل البدل — «وهو إمّا زيدٌ وإمّا عمرو» — «والعمومية بهذا الطريق ممّا ينافي العمومية الحقيقية».

تنبيه: الموجبة إنما هي بإثبات الحكم، لا بثبوت المحكوم عليه وبه. فلو حكمتَ بثبوت شيءٍ لشيءٍ — وجوديًّا كان أو عدميًّا — فالقضية موجبة.


«الألف واللام»: ثلاثة معانٍ تُغيّر صنف القضية

مدلولها المثال صنف القضية
تعريف الماهية «الإنسانُ هو الضحّاك» — أي لا ضاحكَ إلا الإنسان مهمَلة
تعريف الجنس «الإنسان ناطق» — أي كلُّ إنسانٍ ناطق محصورة كلّية
تعريف العهد «الرجلُ صالح» — تعني زيدًا بعينه شخصية

الضابط: لا تظنَّ أنّ الألف واللام للعموم دائمًا، «وإلا فلا مهمَلَ في لغة العرب». والدليل الحاسم: تقول «الإنسانُ نوع» ولا يصحّ «كلُّ إنسانٍ نوع». فلو كانت للعموم لكان معنى «الإنسان عامّ» أنّ كلَّ إنسانٍ عامّ — وهو ممتنع.

برهانٌ ثانٍ بالسبر: لو دلّ ما يدلّ على نفس الماهية على العموم، فإمّا بالمطابقة — فيلزم الاشتراك؛ أو بالتضمّن — فتكون العمومية داخلةً في الماهية، وهو محال إذ من الإنسان ما ليس بعامّ؛ أو بالالتزام — فيلزم انتقال الذهن من الماهية إليها، وهو محال.


«إنّما» وأخواتها

«إنّما» تقتضي الاختصاص: «إنّما الإنسان ناطق» ← اختصاص الناطقية بالإنسان.

الضابط: تحليلها — «إنْ» للإثبات و«ما» للنفي، ولا يمكن حملها على نفي المذكور وإثبات ما عداه، فتُحمَل على إثبات المذكور ونفي ما عداه ← فيلزم الاختصاص.

واختُلف: أهي لاختصاص الموضوع بالمحمول أم العكس؟ والمشهور الثاني. ومن شواهد الأول قوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ — «فإنه يدلّ على اختصاص النبيّ ﷺ بالبشرية، لا على اختصاص البشرية به».

ومن الزوائد أيضًا: دخول الألف واللام على المحمول — «الإنسان هو الضحّاك» ← يدلّ على التساوي. فالمحمول قد يكون أعمّ (الإنسان حيوان)، وأخصّ (الإنسان كاتب)، ومساويًا (الإنسان ناطق).


ما معنى «كلّ ج» تحديدًا؟

لا يُعنى بها الجيمُ الكلّي، ولا كلُّ الجيمات من حيث إنه كلّ، بل كلُّ واحدٍ واحد.

الضابط — سلسلة نفيٍ دقيقة: ولا يُعنى بها: - «الشيء الذي حقيقتُه ج» — «وإلا لا ينعقد قياسٌ منتِجٌ أصلًا». - «الموصوف بأنه ج» — وإلا لزم التسلسل (الموصوف بأنه موصوفٌ بأنه ج… بلا نهاية). - «الذي هو ج دائمًا» ولا «وقتًا ما» ولا «بشرطٍ ما» — بل الأعمّ منها. - ما هو ج في الخارج فقط — بل ما هو ج بالفعل ولو في وقتٍ ما، في الأعيان أو في الأذهان.

مثالٌ يكشف الفرق: على المعنى الأول يصحّ «كلُّ نائمٍ مستيقظ»؛ وعلى الثاني (حال كونه نائمًا) لا يصحّ.


عنوان الموضوع وذاته

الجيم = عنوان الموضوع. وما يصدق عليه الجيم = ذات الموضوع.

مثال: «كلُّ إنسانٍ حيوان» ← العنوان والذات متّحدان. «كلُّ ضاحكٍ حيوان» ← لا يتّحدان.

الضابط — ثلاثة أحكامٍ لا تتساوى:

الحكم على الكلّي ≠ الحكم على الكلّ ≠ الحكم على كلّ واحد.

وفي السالبة معنًى زائد: «لا شيءَ من ج ب» لا يعني أنّ حقيقة الجيم ليست حقيقة الباء — «بل نعني به أنّ هذين الوصفين ممّا لا يجتمعان في ذاتٍ واحدة».


الجهات (الموجَّهات)

الجهة: اللفظة الدالّة على كيفية النسبة بين المحكوم به والمحكوم عليه.

الضابط الأساس — ترتيب العموم والخصوص:

الضرورة أخصُّ من الدوام (كلُّ ضروريٍّ دائم، ولا ينعكس — «يمكن أن يدوم شيءٌ اتّفاقًا من غير ضرورة»والدوام أخصُّ من الإطلاق العام.

وتقابُلُ الإطلاق والتوجيه تقابلُ العدم والملكة.

أوّلًا: قضايا الضرورة

القضية القيد المثال
الضرورية المطلقة لا شرط البتّة الله تعالى حيٌّ عالمٌ قادر
المشروطة العامة بشرط وصف الموضوع، دوامًا بالضرورة كلُّ كاتبٍ متحرّكٌ ما دام كاتبًا
المشروطة الخاصة + قيد اللّادوام بالضرورة كلُّ كاتبٍ متحرّكٌ لا دائمًا بل ما دام كاتبًا
الوقتية العامة بشرط وقتٍ معيّن بالضرورة كلُّ قمرٍ منخسفٌ وقتَ حيلولة الأرض بينه وبين الشمس
الوقتية الخاصة + قيد اللّادوام …لا دائمًا بل وقتَ الحيلولة
المنتشرة العامة بشرط وقتٍ غير معيّن بالضرورة كلُّ إنسانٍ متنفِّسٌ في وقتٍ من الأوقات
المنتشرة الخاصة + قيد اللّادوام …لا دائمًا بل في بعض الأوقات

خلافٌ مع ابن سينا: «الإنسان بالضرورة حيوان» — جعله الشيخ في الشفاء من الضرورة غير المشروطة، وتابعه صاحب البصائر. والرازي يخالف: هي مشروطة بدوام وجود الذات، «وإلا لكان الحكم على ما لا يكون دائم الوجود نحوَ الحكم على ما يكون دائم الوجود، فيلزم أن يكون الدائم لا دائمًا — هذا خُلف».

دقّة: الضرورة في هذه الصور كلِّها سابقة، إلا الضرورة بشرط وصف المحمول فإنها لاحقة.

ثانيًا: قضايا الدوام

القضية القيد المثال
الدائمة المطلقة بدوام ذات الموضوع كلُّ إنسانٍ حيوانٌ دائمًا
العرفية العامة بشرط وصف الموضوع، دوامًا كلُّ خمرٍ مُسكِرٌ ما دام خمرًا
العرفية الخاصة + قيد اللّادوام كلُّ خمرٍ مُسكِرٌ لا دائمًا بل ما دام خمرًا
الوقتية / المنتشرة (بالدوام) وقتٌ معيّن / غير معيّن كلُّ إنسانٍ مُدرِكٌ ما دام حيًّا
الوجودية اللّادائمة نفي الدوام كلُّ إنسانٍ نائمٌ لا دائمًا
الوجودية اللّاضرورية نفي الضرورة كلُّ إنسانٍ نائمٌ لا بالضرورة

تسميةٌ ثانية: العرفية العامة تُسمّى أيضًا المطلقة المنعكسة«لما أنّ السالبة منها تنعكس دون السالبة من المطلقة العامة».

ثالثًا: في المطلقة العامة — ثلاثة آراء

الرأي المطلقة هي… الحكم
١ المحذوفةُ عنها الجهةُ قولًا وتصوّرًا مقبول
٢ ما لا يجب فيه الحملُ ما دامت ذات الموضوع مقبول
٣ ما تكون موضوعاتها حاصلةً بالفعل في زمانٍ ما «سخيفٌ جدًّا»

وردُّ الثالث: تفرّع عنه رأيٌ أفسدُ منه — أن يُعتبر الإمكانُ والضرورة بحسب صدق السور لا بحسب المحمول، حتى يقال «كلُّ حيوانٍ إنسان» ممكنةٌ إن أمكن توهُّمُ وقتٍ لا حيوانَ فيه إلا الإنسان. والجواب: «الاعتبار في الضرورة والإمكان إنما هو بحسب مقايسة حال المحمول في الموضوع؛ وليس ذلك بحسب السور، بل السورُ يدخل عليه بعد ذلك».

غلطٌ مشهور: زعم قومٌ أنّ القضية لا تكون كلّيةً إلا وأن تكون ضرورية. وهو غلط — «فإنّا نجد كلّياتٍ يكون الحملُ في كلّ واحدٍ من الموضوع لا دائمًا… وذلك من سوء فهمهم المرادَ بالضرورة».

أصل الخلاف تاريخيًّا: قسمةُ المعلّم الأول «القضايا إمّا مطلقة أو ضرورية أو ممكنة» تحتمل وجهين — فإن قابلتَ المطلقةَ بالموجَّهة فهي العامة، وإن قسمتَ الحكمَ إلى بالفعل وبالقوّة فهي الوجودية اللّاضرورية. ولهذا افترق أصحابه: ثامسطيوس ومن تبعه حملوها على العامة، والإسكندر ومن تبعه على الخاصة.

الجملة الثالثة: في الحجج وما يتعلّق بها

[٤] — القياس بأنواعه، وما يقرب منه من الاستقراء والتمثيل.


النوع الأول: في صورة القياس

الحجّة وأقسامها الثلاثة

الحجّة: قولٌ مؤلَّفٌ من أقوالٍ يحصل منه التصديق مطلقًا — يعمّ الظنّيَّ وغيره.

الضابط — القسمة بالعموم والخصوص: إذا استدللتَ بشيءٍ على شيء:

الاستدلال الاسم مثال
بالأعمّ على الأخصّ (بالكلّي على الجزئي) القياس كلُّ جسمٍ مؤلَّف… فهذا الجسم محدَث
بالأخصّ على الأعمّ (بالجزئي على الكلّي) الاستقراء كلُّ حيوانٍ يحرّك فكّه الأسفل — لتصفُّح الأفراد
بالجزئي على الجزئي التمثيل النبيذ حرامٌ كالخمر، بجامع الإسكار

دفع اعتراض: «فأين الاستدلال بالكلّي على الكلّي؟» — داخلٌ في القسمة، لأنّ أحدهما إمّا أن يندرج تحت الآخر (فهو الأول أو الثاني)، وإمّا لا (فهو الثالث)، «إذ الوصف المشترك بينهما هو الكلّي بالنسبة إلى كلّ واحدٍ منهما، وإلا فلا يمكن الاستدلال بأحدهما على الآخر».

والعمدة القياس«إذ هو المعتمَد عليه والموثوق به، لما أنه يوجب العلم القطعيّ بخلاف غيره».


حدّ القياس

قولٌ مؤلَّفٌ من أقوال، متى سُلِّمت لزم عنه لذاته قولٌ آخر.

الضابط — كلّ قيدٍ يدفع شيئًا:

القيد ما يدفعه
«من أقوال» (أي أكثر من قولٍ واحد) المقدّمة الواحدة المستلزمة للعكس المستوي وعكس النقيض
«متى سُلِّمت» فلا يُشترَط أن تكون المقدّمتان صادقتين في أنفسهما — وبهذا تندرج الأقيسة الجدلية والسوفسطائية في الحدّ
«لزم عنه» أعمُّ من اللزوم البيّن — فيندرج الكامل وغيره
«لذاته» ما يفتقر في الإنتاج إلى غيره
«قولٌ آخر» اتّحادُ النتيجة مع إحدى المقدّمات

مثالٌ نفيسٌ على «لذاته»: قولك «أ مساوٍ لِـ ب، وب مساوٍ لِـ ج»لا ينتج أنّ أ مساوٍ لِـ ج. وإنما ينتج أنّ أ مساوٍ لمساوي ج؛ ثم تحتاج إلى مقدّمةٍ أخرى: «ومساوي المساوي مساوٍ». فالنتيجة لزمت بالعرَض لا لذاته.

وفائدةٌ ثانية لـ«لذاته»: ألّا يلزم اللازمُ بسبب مادّةٍ مخصوصة. فقولك «لا شيءَ من الإنسان بفرس، وكلُّ فرسٍ صهّال» يُنتج سلبَ الصهّال عن الإنسان — فلو أبدلتَ «الصهّال» بـ«الحيوان» لانقلب اللازمُ إيجابًا. فاللزومُ هنا معلَّقٌ بالمادّة.

واللزوم المراد ذهنيّ«فإنه من الأفكار النفسانية لا من الأقوال اللسانية».


المادّة والصورة، والحدود

مادّة القياس: القضايا التي يتركّب منها. صورته: التأليف المخصوص الواقع فيها.

الضابط: القياس ينقسم إلى برهانيّ وجدليّ وخطابيّ ومغالطيّ«وذلك بسبب اختلاف المواد، لكنّ الصورة واحدةٌ في الكلّ». ولذلك قُدِّم النظر في الصورة، لأنها العامّ.

المصطلحات — على مثال «كلُّ جسمٍ مؤلَّف، وكلُّ مؤلَّفٍ محدَث، فكلُّ جسمٍ محدَث»:

المصطلح في المثال
مقدّمة «كلُّ جسمٍ مؤلَّف»
حدود الجسم، المؤلَّف، المحدَث
الحدّ الأوسط المؤلَّف (المتكرِّر)
الحدّ الأصغر الجسم (موضوع النتيجة)
الحدّ الأكبر المحدَث (محمول النتيجة)
الصغرى ما فيها الأصغر
الكبرى ما فيها الأكبر
قرينة تأليف المقدّمتين
شكل هيئة القياس من نسبة الأوسط إلى الطرفين

دقّة: بعد التحليل تبقى من الحملية الموضوع والمحمول ليس إلا — فالسور والجهة ليسا من أجزائها الذاتية، والرابطةُ ذاتيةٌ لكنها تدلّ على الارتباط ولا ارتباط بعد التحليل.


الاقتراني والاستثنائي

انظر: هل النتيجة أو نقيضُها مذكورةٌ بالفعل في القياس؟

النتيجة مثال
اقتراني مذكورةٌ بالقوّة لا بالفعل كلُّ جسمٍ مؤلَّف، وكلُّ مؤلَّفٍ محدَث
استثنائي مذكورةٌ بالفعل (هي أو نقيضها) لو كان هذا جسمًا لكان جوهرًا، لكنه جسم ← فهو جوهر

تصحيحُ اصطلاح: الجمهور يسمّونه «قياسًا شرطيًّا»، «غير أنه لا يكون كما ينبغي، إذ من الشرطيات ما يكون على سبيل الاقتران؛ فالأولى أن يُسمّى بالاستثنائي».

وأقسام الاقتراني بحسب مادّته ستّة: من حمليّتين / متّصلتين / منفصلتين / حمليٍّ ومتّصل / حمليٍّ ومنفصل / متّصلٍ ومنفصل.


الأشكال الأربعة

بحسب موقع الأوسط:

الشكل الأوسط في الصغرى في الكبرى
الأول محمول موضوع
الثاني محمول محمول
الثالث موضوع موضوع
الرابع موضوع محمول

الضابط — لماذا هذا الترتيب؟ - الأول: إنتاجه بيّنٌ بنفسه، وقياساته كاملة، وترتيبه طبيعيّ — «لما أنّ الذهن ينتقل فيه من الأصغر إلى الأوسط، ومن الأوسط إلى الأكبر». وهو وحده يُنتج المطالب الأربعة، ومنها الموجبة الكلّية وهي أفضلها. - الثاني: يشارك الطبيعيَّ في الصغرى وهي أشرف المقدّمتين، وينتج السالبة الكلّية. - الثالث: يشارك الطبيعيَّ في الكبرى، وينتج الموجبة الجزئية. - الرابع: يخالف الطبيعيَّ في كلتا مقدّمتيه، «ولهذا يكون بعيدًا عن الطبع، ويحتاج في إبانة ما يلزم منه إلى زيادة تفكُّرٍ وتأمّل» — ولذلك لم يتعرّض له السلف.

لماذا الصغرى أشرف من الكبرى؟ قد يُعترض بأنّ الكبرى أشرف لأنّ القياس لا يتمّ إلا بها. والجواب: إتمامُها له لكونها تاليةً للصغرى، وذلك يدلّ على تقدُّم الصغرى صورةً ومعنًى. ولأنّ الصغرى تشتمل على موضوع النتيجة، والموضوع أشرف من المحمول.

الردّ إلى الشكل الأول: الثاني بعكس كبراه، والثالث بعكس صغراه، والرابع بعكس صغراه وكبراه معًا.


القواعد العامّة للأشكال الأربعة

لا قياسَ عن جزئيّتين. ولا عن سالبتين. ولا عن سالبةٍ كبراها جزئية.

والنتيجة تتبع أخسَّ المقدّمتين — في الكمّية والكيفية فقط: إن كانت إحداهما جزئيةً فالنتيجة جزئية، وإن كانت سالبةً فسالبة. أمّا في الجهة فلا تتبع الأخسَّ ولا غيرَ الأخسّ.

تنبيهٌ على استثناءٍ مزعوم: قولهم «إلا في المواد الممكنة» مردود — لأنّ السالبة الممكنة ليست هي الصغرى بنفسها، بل هي مستلزِمةٌ لموجبة، وتلك الموجبة هي الصغرى في الحقيقة.

ولماذا اقتُصر على المحصورات الأربع؟ لأنّ المخصوصات أحكامها أحكام الكلّيات، والمهمَلات أحكامها أحكام الجزئيات — فالتعرّض لها بعد الكلّيات والجزئيات تكرارٌ «لا يكون على وفق الحكمة». ومع ذلك، لو كانت المهمَلة إحدى المقدّمتين فهي الصغرى لا محالة في الشكل الأول، إذ يُشترط أن تكون الكبرى كلّية.

لِمَ لا فائدة في المخصوصات؟ مثال الرازي: «هذا زيد، وزيدٌ أبو عبد الله، فهذا أبو عبد الله» — «فمن كان بيّنًا له أنّ هذا أبو عبد الله وأنّ هذا هو بعينه زيد، كان بيّنًا له أنّ زيدًا أبو عبد الله». فلا فائدة في التركيب.


الشكل الأول

شرطاه: إيجابُ الصغرى، وكلّيةُ الكبرى.

الضابط — لماذا؟ - إيجاب الصغرى: لأنّ لزوم النتيجة هنا باندراج الأصغر تحت الأوسط، والأوسط تحت الأكبر. فلو سُلِب الأوسط عن الأصغر لم يندرج تحته، «فلا يمكن أن يتعدّى الأكبرُ إلى الأصغر». - كلّية الكبرى: لأنّ الأوسط قد يكون أعمَّ من الأصغر، فيكون الأكبر مقولًا على بعضٍ ليس بأصغر.

مثالا النقض: - «لا واحدَ من الإنسان بفرس، وكلُّ فرسٍ حيوان» ← لا يُنتج «لا واحدَ من الإنسان بحيوان». (صغرى سالبة) - «كلُّ إنسانٍ حيوان، وبعضُ الحيوان فرس» ← لا يُنتج «بعضُ الإنسان فرس». (كبرى جزئية)

حسابُ الضروب: ١٦ ضربًا (٤×٤). يسقط ٨ بشرط إيجاب الصغرى، و٤ بشرط كلّية الكبرى ← فبقيت أربعة، وهي المنتِجة.

الضرب الصغرى الكبرى النتيجة
١ موجبة كلّية موجبة كلّية موجبة كلّية
٢ موجبة كلّية سالبة كلّية سالبة كلّية
٣ موجبة جزئية موجبة كلّية موجبة جزئية
٤ موجبة جزئية سالبة كلّية سالبة جزئية

الشكل الثاني

شرطاه: اختلاف المقدّمتين في الكيف، وكلّية الكبرى. ولا يُنتج إلا سالبة. وضروبه المنتِجة أربعة.

شبهةٌ عارضة وردُّها: قد يُظنّ إنتاجُ ما ليس بمنتِج عند عكس الكبرى — والردّ أنّ ذلك «يرجع إلى الشكل الثاني بعكس الكبرى وجعلها صغرى… فيتضاعف العمل»، ويندفع بقيد «لذاته» في حدّ القياس — فإنه لَزِم شيءٌ، لكن لا لذاته.


الشكل الثالث

حقيقته: الاستدلال باجتماع الأمرين في موضوعٍ واحد — فإذا اجتمع الأصغر والأكبر في الأوسط التقيا في ذلك المحلّ، «ولا يُعلَم حالهما فيما وراء ذلك». ولهذا لا يُنتج إلا جزئية.

شرطاه: إيجابُ الصغرى، وكلّيةُ إحدى المقدّمتين.

مثالا النقض على شرط الكلّية — والحقُّ فيهما مخالفٌ للنتيجة المتوهَّمة:

المقدّمتان النتيجة المتوهَّمة والحقُّ
بعضُ الحيوان إنسان، وبعضُ الحيوان فرس بعضُ الإنسان فرس السلب
بعضُ الحيوان إنسان، وبعضُ الحيوان ليس بناطق بعضُ الإنسان ليس بناطق الإيجاب

ومثال النقض على إيجاب الصغرى: «لا واحدَ من الإنسان بفرس، وكلُّ إنسانٍ حيوان» ← لا يُنتج «بعضُ الفرس ليس بحيوان».

الفرق الحاسم: «سلبُ الخاصّ عن بعض العامّ ممكن، بخلاف سلب العامّ عن بعض الخاصّ». ولذلك لو كانت السالبة هي الكبرى أنتج: «كلُّ إنسانٍ حيوان، ولا واحدَ من الإنسان بفرس» ← «بعضُ الحيوان ليس بفرس».

حسابُ الضروب: ١٦ − ٨ (إيجاب الصغرى) − ٢ (كلّية إحداهما) ← فبقيت ستّة.

ثلاثة طرقٍ لبيان الضرب الأول («كلُّ ج ب، وكلُّ ج أ ← بعضُ ب أ»): 1. بعكس الصغرى ← ردٌّ إلى الضرب الثالث من الأول. 2. بالخُلف — لو صدق نقيضُها «لا شيءَ من ب أ»، ضُمّ إلى «كلُّ ج ب» فينتج «لا شيءَ من ج أ»، وقد كان «كلُّ ج أ» — هذا خُلف. 3. بالافتراض — وهو من اللوازم في هذا الشكل.


الشكل الرابع

حقيقته: يرجع إلى الاستدلال باجتماع الأمرين في البعض من الثالث. ولا يُنتج موجبةً كلّية — لاحتمال أن يكون الأصغر أعمَّ والأكبر أخصَّ.

من شروطه: - السالبة الجزئية لا تصلح صغرى ولا كبرى أصلًا. - ألّا تكون الكبرى موجبةً كلّية إذا كانت الصغرى موجبةً جزئية — لاحتمال أن يكون الأوسط جنسًا للأصغر والأكبر: «بعضُ الحيوان إنسان، وكلُّ فرسٍ حيوان».

أمثلة النقض: - «بعضُ الحيوان ليس بإنسان، وكلُّ ناطقٍ حيوان» ← لا يُنتج «بعضُ الإنسان ليس بناطق». (الأكبر فصلٌ للأصغر) - «كلُّ ناطقٍ إنسان، وليس كلُّ حيوانٍ ناطقًا» ← لا يُنتج «بعضُ الإنسان ليس بحيوان».

والضروب المنتِجة خمسة، أولها من موجبتين كلّيتين يُنتج موجبةً جزئية.

ردٌّ على تعليلٍ مشهور: قيل إنّ الرابع لا يُنتج موجبةً كلّية لتعذُّر بيانه بالردّ إلى الأشكال الثلاثة. والرازي يردّه: هذا «لا يصحّ إلا وأن يكون البيان منحصرًا في الردّ» — وليس بمنحصر. وكذلك ردَّ قولَ من علّل إهمالَ السلف له بافتقاره إلى الردّ، ووصفه بأنه «ضعيفٌ جدًّا».


تنبيهٌ على معنى «كلّ ج ب» في القياس

لمّا كان القياس مبنيًّا على الحمل، عاد الرازي إلى تحرير معناه ودَفَعَ ثلاثة احتمالات:

الاحتمال إبطاله
أنّ الجيم بعينه هو الباء «كلُّ إنسانٍ حيوان» — ونعلم بالضرورة أنّ حقيقة الإنسان غير حقيقة الحيوان؛ فالإنسان هو الحيوانُ مع الغير، ومحالٌ أن يكون الحيوانُ مع الغير هو الحيوانَ لا مع الغير. ولأنّ الغرض إثباتُ اتّصاف الموضوع بالمحمول، واتّصافُ الشيء بنفسه غير معقول
أنه موصوفٌ بصفة الباء يلزم أن يكون الأصغر موصوفًا بـالموصوف بـالأكبر — «ولا يجب أن يكون الموصوفُ بالموصوفِ بالشيء موصوفًا بذلك الشيء»
أنّ معنييهما يجتمعان في ذاتٍ واحدة ينافي الاتّحاد في الحدّ الأوسط، إذ المحمول حينئذٍ هو الاجتماعُ نفسُه

الضابط: وهذا يردّ إلى ما تقرّر في القضايا — أنّ الحمل يقتضي أن يكون معنى هذا ومعنى ذاك يجتمعان في محلٍّ واحد، لا أن يكون معنى هذا معنى ذاك.


المحصَّلة والمعدولة في القياس

الصغرى قد تكون محصَّلة أو معدولة، والمعدولة: معدولة الموضوع، أو المحمول، أو كليهما ← أربع. وكذلك الكبرى ← فالحاصل ستّة عشر وجهًا في كلّ ضرب.

الضابط — ما يسقط منها: إذا كان محمول الصغرى محصَّلًا، لم يجز أن تكون كبراها معدولةَ الموضوع. فقولك «كلُّ ج ب، وكلُّ ما ليس ب فهو أ» باطل«فإنّ من المحال أن يكون «ب» متّحدًا مع ما ليس «ب»»، فلا يتّحد الأوسط.


قياس الخُلف

أن يُبطَل نقيضُ المطلوب فيثبت المطلوب — وقد مرّ استعماله في بيان الشكل الثالث. ويُردّ المستقيم إلى الخُلف والخُلف إلى المستقيم.


ما يقرب من القياس

لكلٍّ من الثلاثة (القياس، الاستقراء، التمثيل) أمورٌ تقرب منه: الضمير، والرأي، والعلامة، وقياس الدور، وعكس القياس، وقياس المقاومة، وقياس الفراسة.

الضمير: قياسٌ اقتُصر على إحدى مقدّمتيه لظهور الأخرى — مثاله: «فلانٌ يطوف بالليل، فهو سارق». وتقديره: «وكلُّ من يطوف بالليل فهو سارق».

تصحيحٌ لطيف: ذهب قومٌ إلى أنّ قيد «لذاته» في حدّ القياس إنما هو احترازٌ عن مثل هذا المثال. والرازي يخالف: «فإنّ ذلك قياسٌ يُقتصر على إحدى مقدّمتيه لظهور المقدّمة الأخرى» — فهو قياسٌ تامٌّ في التقدير، لا خارجٌ عن الحدّ.

نظيرُه في الحمليات: «فلانٌ يتحرّك فهو حيّ» — ليست المقدّمة الواحدة منتِجةً بنفسها، «بل المنتِج مجموع هاتين المقدّمتين: فلانٌ يتحرّك، وكلُّ من يتحرّك فهو حيّ».

الجملة الرابعة: في البرهان وما يتعلّق به

[٥] — البرهان ومباحثه، ثم سائر الصناعات: الجدل، المغالطة، الخطابة، الشعر، التحسينات.


أوّلًا: منفعة البرهان وموضعه

مراتب التصديق الثلاث

المرتبة حدُّها
يقيني يُعتقَد مع اعتقاد أنه لا يمكن أن يكون على خلافه، ولا يمكن زوال هذا الاعتقاد
شبيهٌ باليقيني يُعتقَد بلا ذلك الاعتقاد — «بحيث لو نُبِّه عليه عسى أن يبطل استحكام ذلك التصديق»
إقناعيٌّ ظنّي يُعتقَد مع اعتقاد أنّ لنقيضه إمكانًا

الضابط: الفرقُ بين الأولى والثانية ليس في قوّة الاعتقاد وقتَ حصوله، بل في صموده عند التنبيه.


الصناعات الخمس

لكلّ مرتبةٍ من التصديق قولٌ يفيدها:

القول ما يوقعه
البرهاني اليقين
الجدلي والسوفسطائي المغالطي شبيه اليقين
الخطابي ظنًّا غالبًا
الشعري تخييلًا محرِّكًا للنفس إلى انقباضٍ وانبساط

وللتصوّر نظيرُها: ما يفيد التمييز الذاتي (الحدّ التامّ / الناقص)، وما يفيد التمييز العرضي (الرسم التامّ / الناقص).

لِمَ سُمّي «كتاب البرهان» وحده؟ لأنه يفيد المواد التي إذا جُعلت حدودَ قياسٍ أفاد اليقين، وأجزاءَ حدٍّ أفاد التصوّر التامّ. فهو منسوبٌ إلى القياس دون الحدّ — «فأمّا في الحقيقة فهو كتاب البرهان والحدّ معًا».

علاقة التصوّر بالتصديق: «كلُّ مصدَّقٍ به متصوَّر، وليس كلُّ متصوَّرٍ بمصدَّقٍ به» — فالتصديق كالتمام للتصوّر.


مرتبة كتاب البرهان: أيُقدَّم الجدل عليه؟

الترتيب الطبيعي: البسائط ← المركّبات ← القياس المطلق ← القياسات الخاصة. وقدّم المعلّم الأول البرهانَ لأنّ الغرض من الجميع هو اكتساب الحقّ واليقين، «والأولى في كلّ شيءٍ أن يُقدَّم الأهمّ».

لكنّ قومًا قدّموا الجدل — وهو مستنكَر. ونقل الرازي عن ابن سينا إنصافًا لطيفًا: «ليس يستحقّ ذلك الرجلُ كلَّ الاستنكار»، لثلاثة وجوه:

الوجه بيانه
١ مبادئ الجدل المشهورات، ومبادئ البرهان المحسوسات والمجرَّبات والأوّليات — وكلُّ مقدّمةٍ برهانية مشهورةٌ من غير عكس. فالمشهور أعمّ، والأعمُّ أقدمُ طبعًا فيُقدَّم وضعًا
٢ الابتداء بالأعمّ نافعٌ نفعًا ظاهرًا
٣ الذهن يرتاض بالقياسات الجدلية، وذلك نافعٌ في إدراك البرهانية

والفرق الجوهري: «الجدلَ نأخذه من حيث إنه مشهور، لا من حيث إنه صادق».

وأمّا الخطابة والشعر فلا يصحّ تقديمهما — «إذ ليست مادّتها مشارِكةً لمادّة البرهان بوجه».


أصناف التعليم والتعلّم الستّة

الصنف كيف يحصل مثال
صناعي بالمواظبة على استعمال أفعال الصناعة الصياغة
تلقيني بالمواظبة على التلفّظ حتى تصير ملكة تلقين الأشعار
تأديبي بالمواظبة على المتعلَّم
تقليدي من جهة اليقين بالمعلِّم تأليف اعتقاد رأي
تنبيهي بردّ الغافل إلى ما يعلمه من يتعجّب من جذب حجرٍ للحديد، فيقال له: هذا هو المغناطيس الذي عرفت حاله — فيزول تعجّبه
ذهني بقولٍ مسموعٍ أو معقول وهو المقصود هنا

الضابط اللطيف: التعليم والتعلّم الذهني قد يكون بين الإنسان ونفسه«فإنه من حيث يَحدِس الحدَّ الأوسط في القياس معلِّم، ومن حيث يستفيد النتيجةَ من القياس متعلِّم. فالتعليم والتعلّم بالذات واحد، وبالاعتبار اثنان».


الفكري والحدسي والفهمي

الذهنيُّ أعمُّ من الفكري — وهذا ترجيحُ ابن سينا وقد ارتضاه الرازي:

كيف يحصل الحدّ الأوسط
الفكري بطلبٍ وحركةٍ للنفس
الحدسي يتمثّل من غير طلب عند سنوح المطلوب
الفهمي بالسماع من معلِّم

ما يتقدّم كلَّ اكتساب

للتصديق ثلاثة سوابق: تصوّر المطلوب (وإن لم يُصدَّق به بعد)، وتصوّر القول المتقدّم عليه، وتصديقُ ذلك القول. وللتصوّر: تصوّر أجزاء الحدّ أو الرسم لا غير.

دقّة في «العلم السابق»: قال بعضهم إنه سابقٌ بالزمان. «والحقُّ أنه سابقٌ بالذات».

تصحيحُ اصطلاح: لا يُقال في الحسّي «تعليمٌ وتعلُّم» بل «تعريفٌ وتعرُّف»«فإنّ إدراك الجزئيات لا يكون علمًا بل معرفة». ولأنّ الإحساس الأول ليس سببًا موصلًا إلى الثاني ولا جزءًا من السبب، بخلاف الذهني.


مبادئ الأقيسة

المقدّمة إمّا مصدَّقٌ بها أو لا. والمصدَّق بها: بضرورة، أو بتسليم، أو بظنٍّ غالب.

والضرورة: - ظاهرة — بالحسّ، أو التجربة، أو التواتر. - باطنية — وهي إمّا عن العقل أو عن قوّةٍ أخرى.

القسم العقلي حدُّه مثال
الأوّليّ عن العقل وحده، واجبُ القبول الكلُّ أعظم من الجزء
الفطريّة قياسٌ حدُّه الأوسط حاضرٌ بالفطرة «كلُّ أربعةٍ زوج» — فمن فهم الأربعة والزوج تمثّل له في الحال أنها منقسمةٌ بمتساويين

الضابط الفارق: «وأمّا إذا كان بدل ذلك ستّةً وثلاثين مثلًا، افتقر الذهنُ إلى طلب الأوسط» — فالفطريّة تنقلب نظريةً بمجرّد كِبَر العدد.


الوهميّات — ضرورةٌ كاذبة

وأمّا ما هو خارجٌ عن العقل فهو أحكام القوّة الوهمية، تجزم بها النفس اضطرارًا وهي كاذبة، «إذ يجعلها في أحكام ما يُحَسّ».

مثالان: - «كلُّ موجودٍ فهو في مكانٍ أو حيّزٍ مشارٍ إليه». - «ما ليس داخلَ العالم ولا خارجَه فليس بموجود».

الضابط — كيف تميّز الضرورة العقلية من الوهمية؟ «أن يُنظَر في موضوع المطلوب ومحموله: فإن كان شيئًا أعمَّ من المحسوس أو خارجًا عنه، وكانت الضرورةُ تدعو إلى جعله على صورةٍ محسوسة — لم يُلتفَت إليها، بل يُفزَع إلى الحجّة».

وممّا هو خارجٌ عن المحسوس: الموجود، الشيء، العلّة، المبدأ، الكلّي، الجزئي، النهاية. بل حتى الحقائق النوعية كحقيقة الإنسان والفرس — «فإنها ممّا لا يُتصوَّر في الخيال ولا يتمثّل في الوهم، وإنما مثالها عقليّ».


ثانيًا: البرهان

حدُّه واشتقاقه

اشتقاقه: من «بَرَهَ» إذا قَطَع — يقال «بُرهة من الزمان» أي قطعةٌ منه. فالبرهان «حجّةٌ قاطعةٌ للشيء عن جميع الشبهات».

حدُّه: قولٌ مؤلَّفٌ من مقدّماتٍ يقينية، لإنتاج نتيجةٍ يقينية.

الضابط — لماذا أُخذت اليقينية في المقدّمات لا في النتيجة؟ لأنّ يقينية النتيجة حالُه بالقياس إلى غيره، ويقينية المقدّمات حالُه من جهة نفسه«وكونه يقينيَّ المقدّمات أمرٌ له في ذاته، فهو أولى أن يكون مأخوذًا في حدّه ومعرِّفًا لطبيعته».


برهان «لِمَ» وبرهان «إنّ»

الأوسط ماذا يعطي
برهان لِمَ علّة لوجود الأكبر في الأصغر التصديق والعلّة
برهان إنّ (على الإطلاق) لا علّة ولا معلول — بل مضايفٌ أو مساوٍ التصديق فقط
الدليل معلولٌ لوجود الأكبر في الأصغر التصديق فقط

المثال الأنصع — الخشبة، مقلوبًا:

برهان لِمَ: هذه الخشبة مسّتها النار، وكلُّ خشبةٍ مسّتها النار فهي محترقة ← فهذه الخشبة محترقة.

دليل: هذه الخشبة محترقة، وكلُّ محترقٍ فقد مسّته النار ← فهذه الخشبة قد مسّتها النار.

أمثلةٌ أخرى من الطبّ والفلك:

النوع المثال
لِمَ هذا الإنسان عَفِنت فيه الصفراء لاحتقانها وانسداد المسامّ، وكلُّ من عرض له هذا فهو محمومٌ غِبًّا
إنّ على الإطلاق هذا المحموم عرض له بولٌ أبيض، وكلُّ من عرض له ذلك فقد يُخاف عليه السِّرسام — والبولُ والسِّرسام معًا معلولان لعلّةٍ واحدة: حركة الأخلاط الحارّة إلى ناحية الرأس
دليل هذا المحموم تنوب حمّاه غِبًّا، وكلُّ من نابت حمّاه غِبًّا فحمّاه من عفونة الصفراء
دليل القمر يتشكّل بأشكالٍ مختلفة عند الاستنارة ثم تتراجع، وكلُّ ما يقبل الضوء هكذا فهو كرويّ

دقّةٌ لا يُستغنى عنها: المعتبَر في برهان لِمَ أن يكون الأوسط علّةً لوجود الأكبر في الأصغر، لا علّةً للأكبر مطلقًا. «بل ربّما كان الأوسط معلولًا للأكبر، لكن يكون علّةً لوجود الأكبر في الأصغر» — ولا يمتنع أن يكون معلولُ الشيء علّةً لحصول صفةٍ ما لعلّته. مثاله: حركة النار معلولةٌ لطبيعتها، ثم تصير الحركةُ علّةً لحصول طبيعتها عند الشيء الذي مسَّته.


العلم اليقيني لا يُنال إلا من جهة السبب

القاعدة: «الشيءُ إذا كان له سببٌ لن يُتيقَّن إلا من سببه».

المثال الحاسم — قياسان بمادّةٍ واحدة، أحدهما يفيد اليقين والآخر لا:

القياس يفيد اليقين؟ لماذا
كلُّ إنسانٍ ضحّاك، وكلُّ ضحّاكٍ ناطق ← كلُّ إنسانٍ ناطق لا قوّة الضحك معلولةٌ لقوّة النطق — فقد أُخذ الحكم من غير جهة السبب
كلُّ إنسانٍ ناطق، وكلُّ ناطقٍ ضاحك ← كلُّ إنسانٍ ضاحك نعم قوّة النطق علّةٌ لقوّة الضحك

الضابط: كلُّ نسبةٍ تُفرَض واقعةً لا من الجهة التي توجبها العلّة فهي واقعةٌ «من جهة إمكانٍ لا وجوب — فيكون قد عُلم أنّ كذا كذا، ولا يُعلم أنه لا يمكن أن لا يكون كذا».


مباحث الحدّ: الحدُّ لا يُكتسَب بالبرهان

الحدُّ لا يُكتسَب بالبرهان، ولا بالقسمة، ولا بالاستقراء — بل بطريق التركيب.

الضابط: لو اكتُسب بالبرهان لكان الأوسط مساويًا للمحدود، فيكون قد أُخذ الحدُّ في بيان الحدّ — وهو دَور.


ثالثًا: سائر الصناعات

الجدل

مادّته: المقدّمات المشهورة والمسلَّمة عند الخصم — لا الصادقة بما هي صادقة.

الضابط — أين ينفع وأين لا ينفع؟

«لا ينفع الإنسانَ استعمالُه فيما بينه وبين نفسه بالذات، بل إنما تكون منفعته على سبيل المخاطبة.»

ومع ذلك ينفع بالعرَض في ثلاثة مواضع: 1. إذا كان المطلوب هو القدح في تيقُّنٍ فاسد — فينفع حينئذٍ بالذات. 2. عند تعذُّر اليقينيات: تأخذ من المشهورات ما ينتج أحد الطرفين، ثم ما ينتج الآخر، «فلا يزال يترجّح بينهما ترجيحًا بعد ترجيح حتى ربّما يلوح له الحقُّ فيخرج به إلى اليقين». 3. في البرهان نفسه — لأنّ اكتساب المشهورات أعمُّ، فيتّفق في أثنائه اكتسابُ البرهانية.

حكمٌ صريحٌ على ما دون اليقين: «وما دون اليقين فأكثره ظنّ، وذلك ممّا يستلزم عدم الكمال، وإنه هو الجهل بالحقيقة وإن أُطلق عليه لفظ العلم — فإنّ العلم هو الذي لا يمكن أن يُتصوَّر على خلافه.»


المغالطة (القياسات السوفسطائية)

لماذا تُدرَس؟ «لتكون لنا قدرةٌ على التحرُّز عنها».

الضابط — ولماذا أُخِّرت عن النافعة؟ «المنافعُ إنما تُتعرَّف بالذات ليُطلَب، والضارُّ إنما يُتعرَّض له بالعرَض ليُتحرَّز» — فوجب أن يتأخّر تعرُّف حال المغلِّطة عن النافعة.


الخطابة

حدُّها: «التي تُعَدُّ نحو إقناع الجمهور فيما يحقّ عليهم أن يصدّقوا به» — ولتنفع نفعًا يعود على الحكمة أو على الجدل.

الضابط: الخطابة تستعمل التصديق، والشعر يستعمل التخييل — وإن اشتركا في الأغراض المدنية.


الشعر

حدُّه: كلامٌ مخيَّل، مؤلَّفٌ من أقوالٍ موزونةٍ متساويةٍ مقفّاة.

القيد معناه
موزونة أن يكون لها عددٌ إيقاعي
متساوية أن يكون عددُ زمان كلِّ قولٍ مساويًا للآخر
مقفّاة أن تتّحد الحروف التي يُختَم بها كلُّ قول

الضابط — ما الذي يخصّ المنطقيَّ من ذلك؟ «لا نظرَ للمنطقيّ في شيءٍ من ذلك إلا في كونه كلامًا مخيَّلًا» — فالوزن لصاحب الموسيقى والعروض، والتقفية لصاحب القوافي.

والمخيَّل: الكلام الذي تنفعل له النفس انفعالًا غيرَ فكري، بلا رويّةٍ ولا اعتبار.

الفرق بين التخييل والتصديق — وهو أدقُّ ما في الباب:

التخييل التصديق
ماهيته إذعانٌ للتعجّب والالتذاذ بنفس القول إذعانٌ لقبول أنّ الشيء على ما قيل فيه
مناطه يفعله القولُ لما هو عليه يفعله القولُ بما هو المقول فيه عليه

الضابط: «ربّما كان المتيقَّنُ كذبُه مخيِّلًا». وقد تُصدِّق بقولٍ ولا تنفعل عنه؛ فإن قيل مرّةً أخرى وعلى هيئةٍ أخرى أثّر الانفعالَ ولم يُحدِث تصديقًا. والناس أطوعُ للتخييل منهم للتصديق.

لماذا؟ «لأنّ المشهور كالمفروغ عنه والإطراحِ له، والصدقَ المجهولَ غيرُ ملتفَتٍ إليه» — فإذا حُرِّف القول الصادق عن العادة وأُلحق به ما تستأنس به النفس، أفاد التصديق والتخييل معًا.

والمحاكاة: «إيرادُ مِثل الشيء، وليس هو هو». ويحاكي الشعر بثلاثة: 1. اللحن الذي يُنغَّم به — «فإنّ اللحن يؤثّر في النفس تأثيرًا لا يُرتاب به»، ولكلِّ غرضٍ لحنٌ يليق به. 2. الكلام نفسه إذا كان مخيِّلًا محاكيًا. 3. الوزن«فإنّ من الأوزان ما يُطلِق ومنها ما يُوقِر».

فرقٌ بين الأمم: الأشعار اليونانية كان يُقصَد فيها في أكثر الأمر محاكاةُ الأفعال والأحوال — بخلاف العرب.


التحسينات

«لمّا جرى ذكر أنواع الأقيسة ومقدّماتها، فلا بدّ من ذكر ما يكون من التوابع والترتيبات والتحسينات.»

وهي ثلاثة أضرب: متعلّقٌ باللفظ، ومتعلّقٌ بالترتيب، ومتعلّقٌ بالمعنى.

إفصاحٌ عن الطريقة. أُعِدَّ هذا المختصر بالاستعانة بالذكاء الاصطناعيّ: استُخرِج نصُّ المجلَّدين من نسخةٍ ضوئيّةٍ مُعالَجةٍ بالتعرّف الضوئيّ على الحروف (archive.org، بمحرّك Tesseract)، ثمّ قُرِئت مواضعُ الحدود والتقسيمات والقواعد وصِيغت في مداخل، ثمّ رُوجعت وحُرِّرت. وقد أُثبتت نصوصُ الرازي المقتبَسة بين علامتَي تنصيص كما وردت.

حدودُ التغطية. الجُمَل الأربع كلُّها ممثَّلةٌ هنا، غير أنّ موضعين مُثِّلا بقواعدهما الحاكمة لا باستقصاء صُوَرهما: المختلطات — اختلاطُ الجهات في القياس — وتراكيب الشرطيات؛ وهما يشغلان مساحةً واسعةً من المجلد الثاني، وتفصيلُهما عشراتُ الصور لا تحتملها صيغةُ المدخل الواحد. ومَن قصَدهما بعينهما فمرجعُه الأصل.