|
سلسلة التراجم الأندلسية
الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة
تأليف أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك الأنصاري الأوسي المراكشي (634 ه - 704 ه)
حققة وعلق عليه الدكتور إحسان عباس الدكتور محمد بن شريفة الدكتور بشار عواد معروف
[المجلد الأول]
----NO PAGE NO------
© دار الغرب الإسلامي جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى 2012 م
دار الغرب الإسلامي العنوان: ص. ب: 677، تونس: 1035
جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات، أو نقله بأي شكل كان، أو بواسطة وسائل الكترونية، أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.
الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة [1] # مقدمة التحقيق بسم الله الرحمن الرحيم
ابن عبد الملك وكتابه الذيل والتكملة توطئة: لم يكتب ابن عبد الملك ترجمته كما صنع بعض المؤرخين ممن تقدمه أو تأخر عنه مثل: ابن خلدون وابن الخطيب من المغاربة، والعماد الأصفهاني والسخاوي والسيوطي من المشارقة. كما أنه -وهو الذي وقف على ما لا يحصى من برامج العلماء- لم يعن بوضع برنامج شيوخه حسب العادة التي كانت سائدة، ولو كان فعل هذا أو ذاك لوجدنا مادة غزيرة في الحديث عن شخصيته، ولعثرنا على أخبار مفصلة في أطوار حياته. ولقد كان لدى محمد، ولد ابن عبد الملك -ولعله كبير أولاده الخمسة- كثير من أخبار والده، وكثير من المكتوبات الصادرة عنه ما بين منظوم ومنثور، ولكنه لم ينتبه إلى جمعها في كتاب ولم يفعل ما فعله بعض الأبناء في التعريف بآبائهم. ومع ذلك، فإن الإشارات المتعلقة بابن عبد الملك، والمبثوثة في أثناء تراجم الأسفار الموجودة الآن من "معجمه" تنفع في تأليف ترجمة قد تكون أوسع من # التراجم التي حررها بعض معاصريه أو من جاء بعدهم. وسنحاول أن نجمع بين ما ورد في هذه التراجم وأشباهها وبين ما ورد من إشارات حوله في الأسفار التي تحت أيدينا من كتابه.
نسبه وبيته: أعلى ما نجده في سلسلة نسب ابن عبد الملك ما أثبته هو نفسه في ديباجة "الذيل والتكملة": "قال عبد الله المؤمل رحماه: محمد بن محمد بن عبد الملك بن محمد بن سعيد". وجميع الذين عرفوا به قالوا في نسبه ونسبته: الأنصاري الأوسي المراكشي. فهو إذن ينتمي، من جهة أبيه، إلى بيت من بيوت الأنصار الأوسيين الذين عرفت مراكش في عصر المؤلف عددا منهم.
ولا نعرف متى استقر سلفه بمراكش, ولكننا نأنس من تعلقه بمدينته ومعرفته بخططها وأنساب أهلها وأحوالهم أنه مراكشي عريق، كما أننا لا نعرف شيئا عن المسمين في نسبه من أجداده. أما والده فقد كان من أهل العلم والفضل والخير والصلاح، وكان من أعيان بلده، ولم نقف له على ترجمة، ولم يترجم له ابن عبد الملك في الغرباء، ولعل ذلك -فيما نحسب- لأنه لم يدخل الأندلس، ومن ثم لم يكن على شرط كتابه، ولكنه يشير إليه خلال بعض التراجم، ويوضح ما كان بينه وبين أولئك المترجمين من صلات التلمذة أو الصحبة. فقد ذكره في ترجمة المقرئ الخطيب أبي الحسن الأخفش نزيل مراكش فقال: "روى عنه صهره محمد بن المهاجر، وأبي رحمه الله، وتلا عليه بالسبع". وعده في الآخذين عن عمر بن مودود الفارسي الذي ورد على مراكش في عهد الرشيد الموحدي (639 ه -640 ه) والمتوفى بمراكش سنة 639 ه، فقال: "روى عنه جماعة من أهلها والمستوطنين بها من غيرهم، منهم: أبو عبد الله: أبي رحمه الله ... "، وقال ما يفهم منه أن هذا الشيخ المتصوف الذي حظي عند الخليفة الرشيد كان مرة في مجلس والده وتنبأ لصاحبنا ابن عبد الملك بمستقبل علمي زاهر، وعرض لذكر والده في ترجمة أبي عبد الله ابن الطراوة المراكشي الذي شغل فترة -فيما يبدو- خطة الإشراف في عهد الرشيد الموحدي وتوفي سنة 659 ه، فقال: "وكانت بينه وبين أبي رحمهما الله مودة قديمة متأكدة كان يذكرها ... ".
وكان والده صديقا أيضا لأبي عبد الله محمد بن أحمد القيسي الرندي الملقب بالمسلهم الذي سكن مراكش وتوفي بها سنة 653 ه, قال في ترجمته: "وكان صديقا لأبي رحمه الله". ونجد أحد تلاميذ ابن عبد الملك يذكر والد شيخه فيحليه بالنعوت الآتية: "الشيخ الأجل الفقيه الصالح المقدس المرحوم أبو عبد الله بن عبد الملك الأنصاري"، ووصفه تلميذه القاسم التجيبي بأنه "الفقيه المقرئ". ولعل فيما سقناه من هذه الشذرات ما يؤكد أن والد ابن عبد الملك كان من أهل العلم والفضل والخير والصلاح، ويبدو أنه كان من المقرئين الذين كانت لهم مكانة في مراكش، وقد تكون ثمة إشارات أخرى إليه في الأسفار المفقودة. أما نسب ابن عبد الملك من جهة أمه فلدينا إشارتان شحيحتان، وردت إحداهما في ترجمة أبي بكر الجلماني الأشبيلي المتوفى بمراكش في حدود 660 ه, وهو شيخ متجول محاضر كان يجالس الأمراء، قال ابن عبد الملك: "جالسته طويلا، وكانت بينه وبين أخوالي صحبة متأكدة" فمن هم أخواله هؤلاء الذين لم يسمهم هنا؟ من"حسن الحظ أننا نجد في السفر الثامن ترجمة لأحدهم جاء فيها: "عمر بن محمد بن أحمد القيسي، مراكشي فاسي الأصل، أبو علي، ابن الفاسي، خالي"، وفوق هذه الكلمة علامة "صح"، وهي علامة الضبط والصحة والتوثيق. وعلى هذا تكون والدته بنت محمد بن أحمد القيسي المعروف بالفاسي أو ابن الفاسي، ويبدو أن هذه الأسرة الفاسية انتقلت إلى مراكش بعد قيام دولة عبد المؤمن وبنيه مدلة بنسبها القيسي، الذي كان يعتزي إليه ويعتز به عبد المؤمن وبنوه.
ولا نعرف شيئا عن جد ابن عبد الملك لأمه المذكور، ولا عن أخواله الذين أشار إلى صحبتهم لأحد مجالسي الأمراء في مراكش، وثمة فقرة مهمة وردت في ترجمة خاله المسمى آنفا، وهي قوله: "كتب عن أبي محمد عبد العزيز بن أبي يعقوب بن عبد المؤمن، وكانا ابني خالتين، واستولى عليه، فكان مقبول القول عنده مشفعا فيما يناط به من المآرب، دخل الأندلس صحبته، وكان قدومهما على إشبيلية يوم الاثنين لست بقين من ربيع الآخر عام تسعة عشر وست مئة حين وليها أبو محمد". وهذه الفقرة تقودنا إلى نتائج طريفة وتطلعنا على أشياء جديدة حول ابن عبد الملك، يتضح ذلك بالرجوع إلى أخبار الأمير أبي محمد عبد العزيز ابن الخليفة يوسف ابن الخليفة عبد المؤمن، ومن حسن الحظ أن لدينا ترجمتين مفصلتين في أخباره وأحواله، وهذا نادر في أبناء الخلفاء الموحدين وغيرهم. فالأولى نجدها في "المعجب" للمراكشي الذي عرف الأمير وصحبه، والثانية في "أعلام مالقة". ويهمنا الآن أن نقتطف من الأولى ما يلي: "وأبو محمد عبد العزيز هذا من أصاغر أولاد أبي يعقوب، أمه حرة اسمها مريم، صنهاجية من أهل قلعة بني حماد، تزوجها أمير المؤمنين أبو يعقوب في حياة أبيه، وكانت سبيت هي وأمها ملكة فيمن سبوا من أهل القلعة، فأعتقها أبو محمد عبد المؤمن، وزوج مريم هذه لابنه أبي يعقوب فولدت له ثمانية من الولد، أربعة ذكور، وأربع بنات، فالذكور هم: إبراهيم وموسى وإدريس وعبد العزيز، هذا المذكور، وهو أصغرهم". وإذا كان ابن الفاسي والأمير أبو محمد عبد العزيز ابني خالتين كما سبق، فإن أمه -أى: أم ابن الفاسي- تكون أخت السيدة مريم أم الأمير المذكور.
وعلى هذا تكون جدة ابن عبد الملك لأمه أختا للحرة مريم زوج الخليفة يوسف بن عبد المؤمن، ويكون جده لأمه محمد بن أحمد القيسي سلفا للخليفة المذكور. ومن الطبيعي، بناء على ما ذكر أن يكتسب أخوال ابن عبد الملك، ووالده تبعا لذلك الحظوة المناسبة لهم، ولا سيما لدى الخليفة يوسف ولدى أولاده من الحرة مريم القلعية. وأول ما يبدو من ذلك أن خال ابن عبد الملك أبا علي ابن الفاسي غدا كاتبا لابن خالته الأمير أبي محمد عبد العزيز، وقد جمعتهما زيادة على القرابة، مشارب مشتركة في النزوع إلى الخير والصلاح والميل إلى النسك والزهد، والجري على طريقة التصوف. وبالنظر إلى شيوخ خال ابن عبد الملك نجد أنه، أى: خاله، يشترك مع والد مترجمنا في بعضهم مثل: أبي الحسن الأخفش السالف الذكر، الذي كان قيسيا وخطيبا بسجن مراكش. وقد توسع ابن عبد الملك في ترجمة خاله وانفرد بإيرادها من بين مؤلفي الصلات، فعدد شيوخه ونوه بمعارفه وآدابه وأخلاقه، وأتى بشهادات أعلام معاصرين له في إطرائه وتقريظه، والشهادة بتبريزه في النبل والاشتمال على خلال الفضل، ونلاحظ أنهم من ذوي الحيثيات والخطط في دولة الموحدين، وكانوا أيضا من شيوخ ابن عبد الملك، كما كانوا من أصحاب خاله هذا ووالده كذلك، وهؤلاء هم: أبو محمد حسن ابن القطان، وأبو عبد الله محمد ابن الطراوة، وأبو موسى هارون بن هارون الإشبيلي.
وكان منزل خال ابن عبد الملك -فيما ذكر- مجمعا للنبلاء والفضلاء، كما كان كثير المواساة، نفاعا بجاهه وذات يده، حسن المشاركة والجد في قضاء حوائج الناس، وله مؤلفات أدبية، وتوفي قبل ميلاد ابن عبد الملك وهو في مقتبل العمر سنة 626 ه، "ودفن خارج باب نفيس (أحد أبواب مراكش الغربية) بروضة سلفه هنالك مقابل الباب، وكانت جنازته مشهودة والثناء عليه كثيرا". إن هذه المعلومات التي وردت في هذه الترجمة تشرح لنا ملابسات تعرف لأول مرة في البيئة العائلية والاجتماعية التي ولد في ظلها وترعرع في بحبوحتها مؤرخنا الكبير. ولقد كنا نعجب للكم الهائل الذي وقف عليه من المؤلفات والوثائق التاريخية في نسخها الأصلية وبخطوط أصحابها. ونحسب أن من تفسير ذلك هذا الموقع العائلي الممتاز، بالإضافة إلى علائقه الكثيرة وهممه الكبيرة في تتبع الذخائر العلمية والسعي للحصول عليها.
مولده: أرخ ابن الزبير ميلاد تلميذه وصاحبه ابن عبد الملك بقوله: "ومولده ليلة الأحد لعشر خلون من ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وست مئة". وهذا بنصه في "الديباج المذهب"، وقد حفظ لنا ابن الحاج النميري رجزا لطيفا قيد به ابن عبد الملك تاريخ ميلاده بدقة ملحوظة تشي بعناية والده بتسجيل الحادث السعيد، قال، وقد سئل عن مولده: اعلم بأن مولدي بالحضرة ... مراكش العلياء دار الإمرة # بعيد هدء قد مضى من ليلة ... في ليل يوم الأحد العاشرة من شهر ذي القعدة من أربعة ... تتلو الثلاثين وست المئة وقد نص على الدار التي ولد فيها بمراكش ولكنه لم يحدد موقعها، مع أنه يعنى أحيانا بتحديد خطط مراكش الموحدية، ولا شك أنها كانت في الحومة التي يسكن فيها وجهاء البلد الذين كان والده وأخواله منهم، وقد كانت دار إقامة قاضي مراكش ابن قطرال ملكا له وملاصقة لداره التي ولد بها. كما كان من جيرانه: أبو عبد الله ابن الطراوة صاحب خطة الإشراف في عهد الرشيد الموحدي ، وأبو النور ولد المحدث الطبيب الصيدلاني الكبير ابن الرومية. وفي هذه الدار نشأ ابن عبد الملك وترعرع في كنف والده الشيخ الفاضل الذي كان منزله مجمعا لأهل الخير والفضل والعلم كما يستفاد من نص له، وسمع في هذا المجلس -وهو في الخامسة من عمره أو نحوها- من أحد رجال العلم والتصوف ما بشره بمستقبله العلمي، ولا نملك ما يكشف لنا على الحقيقة طفولته والفترة الأولية من تعلمه، ولعله تعلم في هذه المدة على والده الذي كان من شيوخ الإقراء، وقد يكون تردد إلى كتاب من هذه الكتاتيب التي ذكر هو بعضها وحدد مواقعها في "الذيل والتكملة". ويبدو أن ابن عبد الملك فقد والده في وقت مبكر من نشأته، وقد نستفيد ذلك مما ذكره في ترجمة ابن قطرال، قال: "وكان قد جاورني مدة بدار لي لصق دار مولدي وسكناي، وكان كثير من طلبة العلم بمراكش ينتابونه للرواية عنه، # وكنت حينئذ غير مقصر عن كثير ممن كان يتردد إليه، ولم يكن هنالك من يرشدني للقراءة عليه والأخذ عنه، ولم أتهد إلى ذلك من تلقاء نفسي، فحرمت الرواية عنه مع أهليتي لها وتمكني من أسبابها لو شاء الله، والسماع رزق". ونحسب أن هذه العبارات واضحة الدلالة على أن ابن عبد الملك كان في التاريخ الذي يتحدث عنه ما يزال في حاجة إلى من يوجهه ويرشده، ونحسب أن والده لو كان حيا في هذا التاريخ لأخذ بيده وقدمه إلى الشيخ المذكور، وقد توفي هذا سنة 651 ه وسن ابن عبد الملك لا تزيد على 15 سنة تقريبا، وفي هذه السن كان قد نبغ وأصبح يذاكر شيوخه. قال في ترجمة شيخه أبي القاسم البلوي: "ولقد ذاكرني بمسائل وأنا ابن ست عشرة سنة أو نحوها، فذكرت له ما عندي فيها، ثم بعد حين وقفت عليها مقيدة بخطه وقد ختمها بقوله: أفادنيها الطالب الأنجب الأنبل أبو عبد الله ابن عبد الملك حفظه الله". وهذا يدل على نباهة الطالب وتواضع الشيخ، ومما يؤكد نبوغ ابن عبد الملك في يفاعته ونجابته في فتاء سنه: ما ذكره ابن الزبير في ترجمته، قال: "وكان الكاتب أبو الحسن الرعيني يستحسن أغراضه، ويستنبل منازعه، وكتب له على بعض كتبه بخطه ب"صاحبي ومحل ابني" لفتاء سنه، وفائقي نباهة خاطره، وذكاء ذهنه". وقد نستفيد من قوله في النص السابق: "بدار لي لصق دار مولدي وسكناي" انفراده بملكية ما آل إليه بعد وفاة والده واستقلاله في الإشراف على أملاكه وشؤونه وهو لما يبلغ الحلم بعد. ومن النصوص التي تشير إلى وعيه المبكر: ما ذكره في ترجمة أبي عمر محمد السكوني المتوفى سنة 646 ه، قال: "وورد مراكش ورأيته بها وأقام فيها # مدة متلبسا بعقد الشروط ثم عاد إلى الأندلس". وينبغي أن تكون رؤيته للمذكور في عهد طفولته، ومنها أيضا ما ورد في ترجمة المؤرخ أبي العباس بن هارون السماتي المتوفى سنة 649 ه، وسنرى فيما بعد إلى أي حد أفاد ابن عبد الملك من مخلفاته، قال: "أدركته وعاينته بدكان انتصابه لعقد الشروط وبغيرها شيخا نقي الشيبة حسن القد، نظيف الملبس وقورا".
شيوخه: درس ابن عبد الملك على طائفة من الشيوخ، وأخذ عن جماعة من الأساتيذ، بطرق الأخذ المعروفة، وكيفيات التحمل المعهودة، ما بين قراءة وسماع وإجازة، وإذا كان لم يخصص لشيوخه برنامجا حسب العادة المتبعة في الغالب فإن كتابه "الذيل والتكملة" ينطوي على ما يستخرج منه برنامج خاص بهم، وقد تتبعنا هؤلاء الشيوخ وجردناهم من الأسفار الموجودة بين أيدينا من"الذيل والتكملة"، فوجدناهم أكثر من خمسين شيخا، وابن عبد الملك مع هذا يعد مقلا بالقياس إلى بعض من يترجم بهم في معجمه، ولهذا وصفه ابن الزبير -الذي يزيد شيوخه على المئة- بقلة السماع. ويلاحظ أن ابن الزبير، في ترجمة صاحبنا، لم يسم من شيوخه إلا الرعيني وابن هشام وابن عفير بينما ذكر منهم ابن فرحون في "الديباج" أبا زكريا بن عتيق وأبا القاسم البلوي وأبا محمد حسن ابن القطان والرعيني، وهؤلاء في مجموعهم لا يؤلفون إلا ستة من شيوخه الذين يزيدون على خمسين شيخا كما ذكرنا. وسنذكر فيما يلي هؤلاء الشيوخ بشيء من التفصيل؛ لأن من شأن هذا أن يبرز بيئة ابن عبد الملك الثقافية، ويكشف عن مراحل دراسته وأطوار تعلمه، ويظهر جهوده في سبيل الدرس والتحصيل، ويصور ما كان عليه الرجل من عزم صادق وسعي دائب إلى العلم والمعرفة.
وقد بدأنا بالشيوخ الذين درس عليهم بمستقره وأخذ عنهم مباشرة في بلده مراكش، وحاولنا ترتيب هؤلاء بحسب تواريخ تعلمه عليهم التي نص عليها أحيانا، ثم أتبعناهم بالشيوخ الذين لقيهم وقرأ عليهم في مدن أخرى بالمغرب والأندلس، وذكرنا في الأخير الشيوخ الذين لم يلقهم وإنما أخذ عنهم بالإجازة والمكاتبة، وقد أشرنا إلى الشيوخ الذين كان لهم أثر بارز في تكوين ابن عبد الملك العلمي بكيفية خاصة أو عامة.
1 - من شيوخ ابن عبد الملك في المرحلة الأولى من مراحل تعليمه: أبو زكريا يحيى بن أحمد بن عتيق، وقد قرأ عليه مدة من الزمن بمدينة مراكش حوالي سنة 655 ه وبعدها، أى: منذ كان في السادسة عشرة من عمره، تلا عليه القرآن الكريم بالقراءات السبع، وقرأ عليه "حماسة" أبي تمام، وكان يشارك في حلقة هذا الدرس من هم أسن منه بأزيد من عشر سنين، كما درس عليه النحوي كتاب "الجمل" للزجاجي ثم في "الكتاب" لسيبويه على ما نظن. فقد ذكر ابن عبد الملك في ترجمة ابن خروف النحوي شارح "الجمل" و"الكتاب" أن أبا زكريا بن عتيق ممن حدثه عن المذكور، ونقل ما يلي: "وقال لي شيخنا أبو زكريا بن عتيق: كان (أى: ابن خروف) شديد الضجر عند تتبع البحث معه، والمساءلة له، فعهدي به مرات إذا ضويق في المجلس يأخذ قرقيه ويقوم من مجلسه دون سلام ولا كلام، ويتخطى ما يقابله من الحلقة، ثم يرد وجهه إلى الطلبة ويقول لهم: ما أراكم عزمتم على إكمال قراءة "الكتاب" ما أخذتم أنفسكم بهذه المآخذ، أو نحو هذا من القول، ثم ينصرف". ونعد هذا الشيخ من شيوخ ابن عبد الملك الأولين اعتمادا على سنه يومئذ من جهة وعلى مقروئه عليه من جهة ثانية، فزيادة على تلاوة القرآن الكريم كان # كتاب "الجمل" وكتاب "الحماسة" معدودين من كتب المبتدئين في برنامج التعليم على عهد ابن عبد الملك حسبما ذكر هو نفسه في كتابه.
2 - ومن الشيوخ الذي درس عليهم في مراكش وهو يافع بعد: أبو القاسم أحمد بن محمد البلوي، قال ابن عبد الملك في ترجمة أحمد بن فرج: "وقدم على مراكش بعد الخمسين وست مئة، وصحبنا مدة عند شيخينا أبي زكريا ابن عتيق وأبي القاسم البلوي". وهو يشرح لنا ما قرأ على هذا الشيخ في قوله: "وقرأت عليه كثيرا من الحديث والآداب، وتلوت عليه بعض القرآن برواية ورش، وتدربت بين يديه في علم العروض، وصنعة الحساب، وعمل الفرائض، وأجاز لي إجازة عامة، وكان عدديا مهندسا فرضيا عدلا مرضيا شديد الشغف بالعلم حريصا عليه لا يأنف من استفادته من الصغير والكبير، ولقد ذاكرني بمسائل وأنا ابن ست عشرة سنة أو نحوها، فذكرت له ما عندي فيها ثم بعد حين وقفت عليها مقيدة بخطه وقد ختمها بقوله: "أفادنيها الطالب الأنجب الأنبل أبو عبد الله ابن عبد الملك حفظه الله". وروى عنه مؤلفاته في العروض والقوافي، وهي: "المقطوف من تدقيق وضع الميزان لعلم العروض والأوزان" و"المعطوف من تحقيق العيان للفرش والمثال في غاية البيان" و"عمدة الاقتصار وزبدة الاختصار" كما سمع مجموعه في الأدب الذي سماه: "روض الأديب والمنزه العجيب" وهو كتاب في منتقى الأشعار مرتب على فنون الشعر وأغراضه ضاهى به "حماسة" الجراوي. ولا تمثل هذه إلا مقدار الربع بالقياس إليه، مع أن البلوي لم ينجز من الكتاب المذكور إلا نحو ثلثه حسب مخططه، ثم "عجز للكبرة عن إتمامه" كما يقول ابن عبد الملك . ويفهم من حديث ابن عبد الملك أنه كانت # له خصوصية بهذا الشيخ وملازمة له، ولم تكن صلته به مقتصرة على حلقة درسه، وإنما كان يسايره ويذاكره خارج الحلقة ويجالسه في دكانه الذي كان يتصدى فيه لعقد الشروط. ولعل ابن عبد الملك كان الراوية الأول لشعر هذا الشيخ الشاعر المكثر، قال: "أنشدني من شعره ما لا أحصيه كثرة، وشاهدت من ارتجاله إياه وسرعة بديهته ما أقضي منه العجب، وسمعته يقول غير مرة: لو شئت أن لا أتكلم في حاجة تعرض لي مع أحد وأحاوره إلا بكلام منظوم لفعلت غير متكلف ذلك"، وهذا شبيه بما يروى عن أبي العتاهية، وبما سيرد في الكلام على شيخ المؤلف ابن المرحل، ولم يبق من هذا الشعر الغزير الذي كان يحفظ بعضه ويلهج بذكره أدباء إشبيلية وشعراؤها إلا أقل القليل. هذا, ولا بد أن ابن عبد الملك تأثر بشيخه المذكور في صناعة الترسيل التي كان من المبرزين فيها، والمؤدبين بها، وله فيها كتاب أسماه "تشبيب الإبريز" وصل إلينا بعضه. بدأت صحبة ابن عبد الملك لشيخه البلوي حوالي سنة 650 ه, واستمرت حتى وفاة الشيخ سنة 657 ه، ويقص علينا ابن عبد الملك من ذكريات هذا الشيخ في آخر أيامه ما يلي: "وكان رحمه الله كثيرا ما يقول وسمعته غير مرة منه: إن من أكبر أمنياتي على الله أن أعمر عمر أبي، ويقول: إن أباه توفي ابن اثنين وثمانين عاما، فلما كان منتصف جمادى الأخرى من عام وفاته أقبل إلى دكانه الذي كان يتصدى فيه لعقد الشروط، فصعد إليه وقعد منه بموضعه المعلوم له، واستعبر طويلا وأنا حاضر ثم قال: اليوم بلغت من السن ما كنت أتمنى على # الله أن يعمرنيه، فأنا اليوم ابن ثنتين وثمانين سنة. ثم عاش بعد ذلك شهرين وعشرين يوما". كما وصف الحرمان الذي ابتلي به، والفاقة التي ألحت عليه في آخر حياته فقال: "وأدركته في آخر حياته فاقة شديدة اضطر من أجلها إلى الانتقال إلى حاحة -من أعمال مراكش وبواديها القريبة منها على نحو أربع مراحل منها- لتعليم العربية بعض بني أحد رؤساء البربر بها فأقام عنده نحو سبعة أشهر، وعاد إلى مراكش ببعض ما أسدى إليه ذلك الرئيس أيام مقامه عنده وكان نزرا أجرى منه ما أقام أوده على تقتير مدة قصيرة فنفد، وأرى ذلك كان في سنة ثلاث وخمسين أو نحوها، وبقي في حال ضعيفة يرتزق من عائد إليه في عقد الشروط لم يكن يفي بأقل مؤنة، حتى قيض الله له وصول الواعظ أبي عبد الله بن أبي بكر ابن رشيد البغدادي، المذكور في موضعه من الغرباء في هذا المجموع، فتعرف به وتحقق فضله فصيره في كفالته وقام به أحسن قيام، جزاه الله أفضل جزائه. وكان ذلك من أقبح ما جرت به الأقدار من موجبات النقد على صنفه وجيرانه من المنتمين إلى العلم والمرتسمين به وغيرهم من رؤساء حضرة مراكش، فقد كان الجار الجنب لشيخنا أبي الحسن الرعيني رحمه الله، لا يفصل بين داريهما دار أحد من خلق الله، وشيخنا أبو الحسن هذا أوفر أهل الحضرة مالا وأعظمهم جاها، وهو بلديه، وقد انتفع به كثيرا في طريقته التي بها رأس وبالاستعمال فيها شهر، وهي الكتابة عن السلاطين، فلم تجر له على يده قط منفعة ولا نال من قبله ولا بسببه فائدة. فإنا لله وإنا إليه راجعون". وقد ولي هذا الشيخ المحروم خطة الكتابة عن عدد من "السادة" الموحدين الولاة بالأندلس، وخطة العدالة، والتدريس، وخدم بتآليفه بعض ذوي النفوذ # في عصره، مثل نقيب الطلبة العراقي والمشرف ابن سهيل، كما أخذ بضبعه الكاتب ابن عياش، والواعظ ابن رشيد، ولا بد أن تلميذه ابن عبد الملك كان يرعى حقوقه، ولكن حرفة الأدب أدركت هذا الشيخ الأديب، فحالفه الحرمان، سواء في حياته بإشبيلية كما ذكر ابن سعيد وقسا عليه، أو في أيامه بمراكش كما وصف ابن عبد الملك ورثى لحاله، وانتقد أهل عصره ومنهم شيخه الرعيني.
3 - يعتبر الرعيني المذكور أبرز شيوخ ابن عبد الملك وأكثرهم ورودا في كتابه، فقد ذكره أكثر من ستين مرة في الأسفار الباقية، ونقل عنه فوائد كثيرة، وروى من طريقه أحاديث عديدة، وأنشد بواسطته إنشادات مختلفة، مما تضمنه برنامج الشيخ ومن غيره، ويكاد محتوى برنامج الرعيني كله أن يكون مبثوثا في "الذيل والتكملة". وقد استقر الرعيني بمراكش ابتداء من سنة 640 ه، حيث ولي الكتابة على التوالي عن الخلفاء الموحدين: الرشيد والسعيد والمرتضى والواثق آخرهم. ولا شك أنه كان على جانب كبير من المداراة حتى استطاع أن يحتفظ بمنصبه في دار الخلافة طوال هذه الحقبة المضطربة، وغدا "أوفر أهل الحضرة مالا وأعظمهم جاها" كما يقول تلميذه، وكان قد كتب في الأندلس لمختلف الأمراء والمتأمرين في قرطبة وإشبيلية حتى ضياعهما ثم بغرناطة، وأوى بعد ذلك إلى حضرة مراكش مدليا بصناعته في الكتابة الديوانية حينما لم يبق في الأندلس ذماء، ونشدانا للأمان، من ريب الزمان. ولم نقف في الأسفار الموجودة من "الذيل" على تاريخ اتصال ابن عبد الملك بالرعيني، ولا بد أنه اتصل به قبل 650 ه، أى: حينما أصبح في مستوى الدراسة وسن الرواية, وقد "صحبه كثيرا" أى: منذ التاريخ المفترض حتى وفاته سنة 666 ه وأصبح تلميذه الأثير لديه، وكان الرعيني يدعوه "صاحبي ومحل ابني"، وقد درس عليه مختلف العلوم التي يشير إليها برنامجه، ومنها: القراءات، وعلوم القرآن والحديث الذي أصبح فيه هذا الشيخ أعلى شيوخ ابن عبد الملك في # الرواية كما يقول الحافظ ابن الزبير، كما قرأ عليه علوم الحديث والفقه وأصوله، وعلم الكلام، وعلوم العربية، والآداب وغيرها. استفاد ابن عبد الملك كثيرا من شيخه الرعيني، واستفاد الشيخ من تلميذه النجيب أحيانا بعض الفوائد العلمية والأدبية، وكانت الصلة بين الرجلين أقوى من التلمذة والمشيخة وأقرب ما تكون إلى الصحبة والزمالة، وفي هذا يقول ابن الزبير: "وكان الكاتب أبو الحسن الرعيني يستحسن أغراضه ويستنبل منازعه، وكتب له على بعض كتبه بخطه بصاحبي ومحل ابني، لفتاء سنه وفائقي نباهة خاطره وذكاء ذهنه، وكان (ابن عبد الملك) يفخر بذلك". وصلت إلينا إجازة الرعيني لابن عبد الملك مؤرخة في 664 ه أي: قبل وفاة الرعيني بسنتين، وفي هذه الإجازة حلى الشيخ تلميذه بحلى منها: "الفقيه العارف الأديب المحصل"، كما حلى والده بالفقيه الصالح الفاضل المرحوم، وامتدح نبوغه ونباهته، وذكر أنه قرأ عليه بلفظه برنامجه المعروف ثم ناوله إياه، وأباح له أن يروي كل ما شذ عن البرنامج إذا صح عنده، كما أجاز له كل مجموعاته ومؤلفاته ومروياته "وما استحسن أن يرويه من نظمي ونثري وما يلفيه من منشدات شيوخي، وما أحمله أو أنتحله .. فهو أهل لذلك". كان ابن عبد الملك صاحبا لأبي الحسين محمد ولد شيخه الرعيني الذي توفي في حياة والده، وقد حضر جنازته وروى بعض ما أنشد على قبره بعد الفراغ من مواراته ونعته بالأنجب.
4 - كما نص من جهة ثانية على أنه روى عن أبي محمد عبد الله الرعيني شقيق شيخه أبي الحسن وسماه من شيوخه.
5 - ومن الشيوخ الذين درس عليهم ابن عبد الملك بمراكش: المؤرخ القاضي أبو محمد حسن ابن القطان، ذكره من شيوخه في الموجود من"الذيل"، وروى عنه أزيد من عشر مرات. وقد يكون تحدث عن مبلغ صلته به، وما درس عليه، في ترجمته له من قسم الغرباء المفقود إن كان على شرط كتابه، ويخبرنا الؤلف أن شيخه هذا هو الذي وضع العناوين المسجوعة لبعض مؤلفات والده الحافظ، ويبدو أن ابن عبد الملك يرويها، أو بعضها، من طريقه، وسنذكر فيما بعد عمله في كتاب "بيان الوهم والإيهام" أشهر مؤلفات ابن القطان الأب، ولا بد أن المؤلف أخذ عن شيخه ابن القطان الابن كتبه التي ألفها للخليفة المرتضى، ومنها: "نظم الجمان" وقد نشرت قطعة منه، و"شفاء العلل في أخبار الأنبياء والرسل" و"المناجاة" و"المسموعات" و"الروضات البهية الوسيمة في الغزوات النبوية الكريمة" وهي في خزانة القرويين في نسخة كتبت للمرتضى بتاريخ 662 ه، و"الأحكام في معجزات النبي عليه الصلاة والسلام" وقد رجزه أبو الحسن الجياني وأبو الحسن الرهوني، ويوجد الأصل وترجيزه الثاني مخطوطين في خزانة القرويين. ولا بد أن اهتمام ابن عبد الملك بالتاريخ يرجع شيء منه إلى شيخه هذا، وقد ذكر في ترجمته لخاله ابن الفاسي أن ابن القطان صحب خاله المذكور طويلا واشترك معه في الأخذ عن الشيوخ وأنه كان يشهد "بتبريزه في النبل والاشتمال على خلال الفضل"، ولا بد أن ابن القطان رعى ابن عبد الملك وعني به من أجل هذا ونحوه، ولكن ابن عبد الملك، بصراحته المعهودة وصرامته في النقد العلمي وغيره، لم يغض الطرف عن تعداد ما كان ينعى على والد شيخه المذكور، وهذه شنشنته في عدم التوقف عن سرد المآخذ العلمية وغيرها حتى ولو كانت تتعلق بشيوخه، وقد رأينا آنفا نقده لشيخه أبي الحسن الرعيني.
6 - ومن شيوخ المؤلف في مراكش، الذين سماهم في كتابه عدة مرات: الفقيه القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد ابن القشاش، وهو مراكشي ينتمي إلى الأوس مثل ابن عبد الملك، وولي قضاء الجماعة في عهد الواثق أبي دبوس آخر الموحدين، وذلك في وقت اختلت فيه "الأمور والأحوال، وكثر فيه وفي غيره من بعض الناس الأقوال" وكان قد بلغ يومئذ نيفا وثمانين سنة، فكتب إلى الواثق رسالة طويلة يرغب إليه أن يأمر"بأحد شيئين: إما بصرفه وإراحته بالإعفاء، وإما بنصره وشد أزره"، وقد تمسك به الخليفة وأمر بالبحث عن المتكلمين في الخطة وصاحبها "والنظر في قضيتهم بما يظهر له". أما ما قرأه ابن عبد الملك على هذا الشيخ فربما عرض له في ترجمته في قسم الغرباء المفقود الآن، ولعله على شرطه، ونستنتج من المرات التي ذكر فيها في "الذيل" أنه أخذ عنه ما يرجع إلى رواية الحديث والفقه، وهذا نموذج مما رواه عنه، قال: "قرأت على شيخنا أبي إسحاق ابن القشاش بمراكش، قال: قرأت على الشيخ الحاج الراوية أبي عبد الله الأندرشي، قال: أنشدني الحافظ الإمام أبو القاسم علي بن الحسن، قدسه الله، ابن عساكر لنفسه: واظب على جمع الحديث وكتبه ... واجهد على تصحيحه في كتبه"
7 - ومن شيوخه المراكشيين أيضا: أبو عبد الله محمد بن علي بن يحيى المدعو بالشريف -شهرة لا نسبا- المتوفى بمراكش عام 682 ه. ولي قضاء الجماعة بمراكش في عهد أمير المسلمين يعقوب بن عبد الحق المريني. كان "يدرس "كتاب سيبويه" والفقه والحديث، ويميل إلى الاجتهاد، وله مشاركة # في الأصول والكلام والمنطق والحساب، ويغلب عليه البحث لا الحفظ". ويبدو أنه لم يكن من شرط المؤلف، ولذلك لم نجد ترجمته في موضعها من السفر الثامن. ولا بد أن ابن عبد الملك حضر دروسه في المواد المذكورة، وقد وقفنا على روايته عن شيخه هذا فهرسة أبي الحسن علي ابن القطان. ومما يوضح مستوى الصلة التي كانت بين ابن عبد الملك وشيخه هذا ما ورد في ترجمة علي ابن القطان في معرض ما كان ينعى على هذا من إفراط الكبر وشدة العجب حتى لم يكن يبدأ أحدا بالسلام ولا يرده على من يبدأ به، قال: "وذاكرت بذلك شيخنا أبا عبد الله المدعو بالشريف، وكان من المتشيعين فيه والمتشبعين بذكره المتعصبين له، فقال لي: إنه كان يسأل عن ذلك ويذكر له ما فيه عليه، فيجيب معتذرا باستغراق فكره واشتغال باله بالنظر في أجوبة ما وقع من المسائل العلمية بمجلس سلطان الوقت أو في إعداد مسائل يلقيها بينهم به، فهو لا يزال خاطره معمورا بذلك وذهنه مغمورا به، زاعما أنه لا يرى أحدا ممن يمر هو به، فقلت له: يدفع ذلك حكايته عن نفسه مشاهدة ابن العثماني في مروره به على ما سآتي به بذكره إن شاء الله، فانقطع". وبعد أن ذكر ما كان ينعى على المذكور أيضا من غلو في آل عبد المؤمن مشيرا إلى قصة وردت في برنامج ابن القطان فيها غلو في المنصور واستخفاف بالعلم وأهله، قال: "ولقد ذاكرت بهذا الفصل أيضا شيخنا أبا عبد الله المذكور وأبديت له ما فيه من الدلالة على قبيح الغلو، فاعتذر عنه بأن حامله عليه تخوفه من أبي عبد الله العادل ابن المنصور، فإنه كان قد أخمله كثيرا، وكان يتوقع منه شرا، فقلت له: إنما وضع برنامجه بعد موت العادل وموت أبي القاسم بن بقي، وأيضا فهلا ذكر ذلك في رسم المنصور فيكون ذلك أتقن في التأليف وأجرى على سنن المصنف في الإعلام بالشيوخ!
فأما أن يذكر الشيخ في موضع ومولده بعد رسمه بأربعة عشر شيخا فعمل لم تجر العادة به ولا خفاء بما فيه، ثم إن شاء الله ذكر أبا القاسم بن بقي بما يليق به إن رأى ذكره في شيوخه أو الإضراب عنه رأسا! فلم يحر جوابا (يعني شيخه أبا عبد الله الشريف) ". ولعل هذه المناقشة بين ابن عبد الملك وشيخه أبي عبد الله الشريف جرت في أثناء قراءته عليه الفهرسة التي وضعها الحافظ أبو الحسن ابن القطان. وثمة أعلام أندلسيون آخرون ولدوا بمراكش أو نزلوا بها، اتصل بهم ابن عبد الملك وجالسهم وذاكرهم، ولكنه لم يصرح بمشيختهم له.
8 - ومنهم: أبو عبد الله ابن الطراوة، وهو من بيت بني الطراوة المالقيين المعروفين، ولد بمراكش ونشأ بها في رعاية خاله أبي الحسن علي بن عياش شيخ الكتاب بدار الخلافة، وشغل -فيما يبدو- خطة الإشراف في عهد الرشيد الموحدي، وتوفي بسجلماسة سنة 659 ه. قال ابن عبد الملك: "واستفدت بمذاكرته ومجاورته كثيرا، وكانت بينه وبين أبي رحمه الله مودة قديمة متأكدة كان يذكرها [دائما, ولم] أستجزه ولا قرأت عليه، وندمت على ما فاتني منه. فقد كان [أهلا للرواية عنه] رحمه الله"، وندمه هنا على ما فاته من حصول المشيخة "الرسمية" لجاره هذا شبيه بندمه على عدم تمكنه من الأخذ عن جاره الآخر أبي الحسن ابن قطرال الكبير كما مر. كان ابن الطراوة -كما وصفه المؤلف- "حافظا للتواريخ على تباين أنواعها ذاكرا لها محاضرا بها، أديبا بارعا ناقدا، كاتبا محسنا، يقرض شعرا يحسن في أقله، ممتع المجالسة بارع الخط رائق الطريقة أنيق الوراقة، متقن التقييد مليح التندير، نسابة لخطوط المشايخ، كثير الإحكام لأموره وأدواته كلها، ظريف الملابس، # شديد المحافظة على كتبه، مثابرا على الاعتناء بتصحيحها، متهمما باقتناء الأصول التي بخطوط أكابر الشيوخ أو عنوا بضبطها، وجمع منها جملة وافرة" ، وهذه أوصاف تدل على شدة مخالطته له ودقة ملاحظته لأحواله، ولا بد أن اهتمامات ابن عبد الملك -وهي من هذا الطراز- سرت فيه من التأثر بهذا الشيخ وأضرابه.
9 - وممن ذكرهم في شيوخه بمراكش: أبو عبد الله محمد بن علي بن هشام القرطبي الأصل الذي ولد بمراكش ونشأ بسلا، حيث كان والده يتولى بعض الأعمال السلطانية للموحدين، واستوطن مراكش وقتا، وسكن إشبيلية مدة، وشريش أخرى، ورحل إلى المشرق مرتين، ورجع في الأخير إلى مراكش حيث توفي سنة 671 ه. كان عارفا بالحديث والعربية والطريقة الأدبية، سريع البديهة في النظم مكثرا منه محسنا في بعضه كما يذكر المؤلف، قال: "صحبته كثيرا وأخذت عنه معظم ما كان عنده". وقد ترجم له في الغرباء وحدث عنه بسبب رحلته الثانية، كما ذكره عدة مرات في "الذيل والتكملة".
10 - ومن الأندلسيين الذين نزلوا مراكش وأخذ عنهم ابن عبد الملك: أبو الوليد محمد بن إسماعيل بن عفير اللبلي، قال المؤلف: "قرأت عليه وسمعت، وأنشدني كثيرا من شعره، وطالعني بجملة من رسائله". وقد أثبت في ترجمته وفي غيرها بعض ما أنشده شيخه هذا من شعر، وأشار إلى موازنة بين أدبه وأدب أخيه أبي العباس فقال: "كان (أبو العباس) شاعرا مجيدا مفلقا يفضل على أخيه أبي الوليد في النظم كما يفضل أبو الوليد عليه في النثر".
11 - ومنهم: أبو الحسن الجياني الإشبيلي، وهو نحوي لغوي أديب مفسر، استكتبه الرشيد الموحد، واستعمل في الأعمال السلطانية، وولي خطة الإشراف على بلاد حاحة، وفيها توفي سنة 663 ه, قال ابن عبد الملك: "وأخذت # عنه وجالسته كثيرا وانتفعت بمذاكرته في الطريقة الأدبية"، وقد أثنى على خلقه وأدبه، وساق في ترجمته بعض شعره ونثره، وذكر أنه زار قبره في تامطريت بحاحة، وفي هذا ما يدل على وفائه لشيوخه، وإن كان يجادلهم في الحق والعلم بما لا يتنافى مع توقيرهم واحترامهم.
12 - ومنهم: أبو الحجاج يوسف بن أحمد بن حكم البلنسي الذي نزل بمكناس وغدا من المختصين بمجالسة الأمير عبد الواحد ولد يعقوب بن عبد الحق، وولي قضاء الجماعة بفاس له ولوالده يعقوب بن عبد الحق، وكان -فيما يقول مؤلف "الذخيرة السنية"- "من أهل الأدب البارع، مشاركا في علوم كثيرة، أخذ عنه جماعة من فقهاء الأندلس وإفريقية وأدبائهما". وقد سماه ابن عبد الملك في شيوخه عدة مرات في كتابه ونص على روايته عنه بمراكش، قال بعد أن أورد قصيدة ابن الأبار في رثاء أبي الربيع بن سالم: "نجزت، وأنشدتها على شيخنا أبي الحجاج بن حكم رحمه الله بمراكش، وأنشدها على قائلها رحمه الله بدهليز داره ببلنسية".
13 - ومن هذا الصنف نذكر: أبا عبد الله الرندي، المدعو بالمسلهم، وهو رندي سكن مراكش ودرس بها وأخذ عنه الناس فيها، وتوفي بها سنة 653 ه وابن عبد الملك ما يزال في ميعة الفتوة، قال: "كان محدثا مكثرا متسع الرواية أديبا من أبرع الناس خطا، عاقدا للشروط، جماعة للكتب وفوائد الشيوخ، نسابة لخطوط العلماء، ذاكرا للتواريخ، حسن المحاضرة، جميل اللقاء"، ثم قال: "جالسته مرات وكان صديقا لأبي"، وأشار إلى كلام بعض الشيوخ في روايته لإكثاره وتصريح الناقد العدل حسن ابن القطان بكذبه وادعائه، وعقب على ذلك بقوله:
"وقد كان يظهر ذلك منه، ولعله بالإجازة، والله أعلم". وفي ترجمته إيراد لبعض شعره مما نقله ابن عبد الملك من خطه.
14 - ومن هؤلاء أيضا: نديم الأمراء أبو بكر الجلماني الإشبيلي الذي توفي بمراكش في حدود الستين وست مئة. قال: "كان حاضر الذكر للآداب والتواريخ والأشعار، ممتع المجالسة، جالسته طويلا ... وكانت بينه وبين أخوالي صحبة متأكدة". وأشار إليه في موضع آخر -في معرض الحديث عن أبيات لأبي زيد الفازازي- ووصمه بالانتحال والكذب، فقال: "نقلتها (أى: الأبيات) من خط شيخنا أبي الحسن الرعيني وأنشدتها عليه قال: أنشدنيها الفقيه أبو زيد الفازازي لنفسه، وانتحلها أبو بكر الجلماني وكذب، سمح الله له". هكذا هو ابن عبد الملك في وقوعه على الهفوات وتسجيله للعثرات، ولا نعرف أين ادعى الجلماني الأبيات المشار إليها, ولعل المؤلف سمعه ينسبها إلى نفسه.
15، 16، 17 - ومن شيوخه الذين درس عليهم في مراكش وسماهم عرضا في كتابه ولا نعرف عنهم كبير شيء: أبو محمد عبد الواحد بن مخلوف بن موسى المشاط، وأبو القاسم المطماطي، وأبو الحسن الكفيف، سماهم في شيوخه وذكرهم جميعا في الآخذين عن أبي الحسن ابن القطان، كما أشار إلى الأول منهم عند ذكر وفاة قاضي الجماعة بمراكش أبي بكر ابن حجاج سنة 654 ه فقال: "وصلى عليه بالمصلى على الجنائز في جوفي خارج الجامع المذكور (الجامع الأعظم الأعلى) القاضي بعده أبو محمد عبد الواحد بن مخلوف بن موسى الهزميري المشاط، وحضرت جنازته والصلاة عليه في خلق لا يحصون كثرة".
18 - ومن هؤلاء أيضا: أبو علي الحسن بن الحسن بن عتيق بن منصور الجنب التميمي الإفريقي (التونسي)، ذكره ابن عبد الملك في شيوخه الذين حدثوه عن أبي علي الشلوبين، ولا بد أنه ترجم له في القسم المفقود من الغرباء، وقد وصفه ابن الأبار بقوله: "صاحبنا الفقيه الحسيب المليء المحدث المجتهد الصوفي"، وهذا الشيخ ينتمي إلى بيت من البيوتات التونسية التي خدمت دولة الموحدين. بلغت الحركة العلمية غايتها في مراكش عندما بدأ ابن عبد الملك يطلب العلم ووفد عليها عدد كبير جدا من العلماء من مختلف البلدان. وبلغ من كثرة القادمين على الحضرة أن خصهم أحد المؤرخين في ذلك العصر بتاريخ حفيل، وهذا ما أتاح لابن عبد الملك أن يلقى بعضهم ويأخذ عنهم دون أن يحتاج إلى إبعاد الرحلة في طلب العلم. وممن قدم على حضرة الموحدين في عهدها الأخير أعلام من المشرق ينزعون إلى التصوف أو يحملون بضاعة راجت في المشرق ثم في المغرب يومئذ ألا وهي بضاعة الوعظ التي روجها ذلك الزمان المضطرب الداعي إلى الاعتبار والاتعاظ.
19 - فمن هؤلاء: أبو البركات عمر بن مودود الفارسي، الذي حظي عند الخليفة الرشيد الموحدي، وقد رآه المؤلف في مجلس والده وهو طفل صغير ولا يذكر من أمره معه إلا أنه توسم فيه النجابة. ولعله يروي عنه بالإجازة.
20 - ومنهم: أبو عبد الله ابن الحنبلي الدمشقي، وهو فقيه حنبلي المذهب، خلف شيخه الإمام ابن الجوزي في طريقته الوعظية، وتجول في بلاد العالم # الإسلامي يعقد فيها مجالس الوعظ، وورد مراكش في وسط سنة 652 ه، قال ابن عبد الملك: "لقيته وجالسته كثيرا، وسمعت وعظه، وكان لا يكاد يفقه (بالبناء للمجهول) ما يقول؛ لإفراط عجمة كانت في لسانه فلا يفهمه إلا من ألفه، وكان أصم لا يكاد يسمع شيئا"، ثم يذكر أنه كان "آية من آيات الله في كثرة الحفظ وحضور الذكر وحشد الأقوال فيما يجري بمجلسه الوعظي أو يحاضر به في غيره، سريع الإنشاء ناظما وناثرا مع الإحسان في الطريقتين، جيد الخط والكتب على كبرته"، وقال في معرض حفظه: "وأخبرني أنه عرض -وهو ابن عشرين عاما- على أبي الفرج الجوزي كتابه "المنتخب" عن ظهر قلب ببغداد".
21 - وأشهر هؤلاء الشيوخ الوعاظ الذين لقيهم صاحبنا بمراكش وتأثر، بشكل ما، بمنزعهم: ابن رشيد البغدادي، صاحب الوتريات المشهورة، ويرجع الفضل لابن عبد الملك في حفظ ترجمته الموسعة، وكان قدومه على مراكش سنة 655 ه، واحتفل به الخاصة والعامة فيها، وامتدحه بعض أدبائها، ومنهم أحد الأمراء الموحدين وتوفر له فيها من الخيرات ما أفاء به على من أوى إلى كنفه من بعض أهل العلم المحرومين. وقد تحدث المؤلف عن صلته به وصفة مجالس وعظه فقال: "سمعت منه كثيرا، وجالسته طويلا، وحاضرته، وذاكرته، ورزقت منه قبولا كثيرا ولزمت شهود مجالس وعظه، وكانت القلوب تنفعل كثيرا لكلامه وترق لموعظته، وتتأثر لتذكيره، وكان أغزر الناس دمعا إذا رقي منبر وعظه لا يتمالك أن يرسل دموعه، فيؤثر عند الحاضرين من الخشوع والخشية وسكب الدموع ما لا مزيد عليه"، ثم يوازن -فيما يظهر- بينه وبين بعض الوعاظ المغاربة -ومعظمهم من المكفوفين- الذين كانوا يعتمدون على غيرهم في تحبير خطبهم وقصائدهم الوعظية مثل الواعظ ابن الحجاج والواعظ ابن أبي خرص، فيقول: "وكان يتولى إنشاء خطبه # التي يفتتح بها مجالس وعظه وقصائده المطولة التي يختتمها بها، وكان سريع الإنشاء لذلك كله، وكلامه نظما ونثرا مؤثر في سامعيه على ما فيه من لين، وسمعته غير مرة يقول: إن ذوقه لا يساعده على النظم في وزن عروض من أعاريض الشعر ما خلا الطويل، هذا على اتساع حفظه وحضور ذكره فنون الشعر على اختلاف أوزانه". ويتمم الحديث عن مجالس وعظه بقوله: "وكثيرا ما كان يتعرض له في مجالس وعظه بالرقاع مضمنة أسولة عويصة فيصدر عنه من سرعة الجواب عنها وحسنه وإيضاح خفيها وحل مشكلها ما يقضي منه العجب، شاهدت منه في ذلك كثيرا، وقصدت الإغماض غير مرة أنا وجماعة من أصحابنا في كثير من الأسولة التي كنا نودعها الرقاع المرفوعة إليه، فيأتي بالجواب عنها بما يبهت الحاضرين سرعة بديهة وحسن ترتيب، وحينئذ [يعود] إلى ما كان فيه من وعظه"، وقد نوه بإنصافه في المناظرة وصبره على المباحثة: "لا يكاد يخلى محاضره من مفاوضة علمية ومذاكرة وبحث ومساءلة، على ذلك عرفناه". وكأن ابن عبد الملك يوازن بين هذا الشيخ وبعض الشيوخ الذين كانوا يضيقون ذرعا بالأسئلة في حلقات الدرس ولا يتسع صدرهم للمناقشة، ولا يطيقون المفاتشة، ومهما يكن فإن كلام ابن عبد الملك السابق يدلنا -زيادة على إعجابه بطريقة هذا الشيخ الوافد من بغداد الحامل لتراث واعظها الكبير ابن الجوزي- على أنه في هذه المدة التي قضاها ابن رشيد في مراكش (655 - 666 ه) قد اشتد ساعده وقويت عارضته وبدت نزعته إلى المصاولة التي تمكنت منه فيما بعده لم يكتف ابن عبد الملك، وهو النهم في العلم، الطلعة إلى المعرفة، بهؤلاء الشيوخ الذين أخذ عنهم في مراكش، وفيهم، كما رأينا، مراكشيون بلديون وأندلسيون ومشارقة وافدون، ولكنه رحل إلى بعض مدن المغرب، كما كان في # أواخر عهد الموحدين وأوائل عهد المرينيين، فزار آسفي وسلا وفاس وسبتة وتلمسان وحاحة ودرعة وأزمور، كما جاز إلى الأندلس ولكنه اكتفى بزيارة الجزيرة الخضراء؛ طلبا للقاء الشيوخ الكبار، وسعيا وراء الأسانيد العالية، والفوائد النادرة، وبحثا عن أصول المخطوطات النفيسة، ونسخها النادرة، ورغبة في معرفة الأقران، ومذاكرة الأصحاب.
22 - ويخبرنا، في الأسفار التي بين أيدينا من كتابه، أنه رحل إلى آسفي مرات للقاء شيخه الكبير الحافظ الضرير أبي علي الماقري، وغيره من أهل العلم في هذا البلد، وكانت أولاها في سنة 663 ه. قال في ترجمة أبي عبد الله الغساني التلمسيني: "وردت آسفي في أول قدمة قدمت عليها يوم الاثنين لأربع بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وست مئة فعرفت مرضه، وقصدني ابنه جعفر مسلما علي وذاكرا تشوقه إلى، فتواعدت معه لعيادته من الغد، فجاء إلى منزلي من الغد وافيا بوعده ومعتذرا عن لقائه بعذر قبلته، وأدرج فيه رجاء تماثل حالة وإرجاء لقائه إلى [يوم آخر، وتوفي] يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى المذكورة، ودفن من الغد إثر صلاة الظهر بالمقبرة التي بقبلي جامع آسفي الأعظم، وحضرت جنازته وكانت مشهودة، وكنت قائد شيخنا أبي علي الماقري الضرير فيها, ولم يتخلف عنها أحد، وأتبعه الناس ثناء جميلا، وكان أبو علي يطيل الثناء عليه ويشيد بذكره". ولم يسم ابن عبد الملك أبا عبد الله الغساني المذكور في شيوخه، ولكننا نستشف من النص السابق الذي يشعر بسابق معرفة به أنه ربما أخذ عنه، وقد يدل على ذلك تحدثه عنه حديث خبير به مطلع على أحواله: قال: "كان ذا حظ صالح من رواية الحديث، عدلا فيما يرويه، متقدما في ضبط اللغات [والحفظ] للآداب والتواريخ والأنساب، مشاركا في الفقه والنحو، ضاربا في قرض الشعر # بسهم مصيب، متحرفا بالتجارة في القيسارية بآسفي يقعد في حانوته لاسترزاقه كل يوم ببضاعة يديرها فيها بعد الفراغ من مجلس تدريسه "الموطأ" والسير والنحو والآداب واللغة، وكان على طريقة مرضية، من أهل الدين المتين والانقباض عن مخالطة الرؤساء وملابستهم".
23 - أما شيخه الحافظ الماقري، الذي أشار إليه في النص السابق، فيعد من أقرب شيوخه إلى نفسه وأكثرهم تأثيرا فيه، وقد روى عنه في "الذيل" من الإفادات والإنشادات والأحاديث ما لم يعرفه إلا من طريقه، وكان هذا الحافظ الراوية الماقري قد أخذ عن طائفة من كبار الشيوخ من طبقة الحافظ أبي الحسن ابن القطان الفاسي، وأبي الخطاب بن واجب البلنسي، وأبي الحسن بن أبي قوة الداني، وأبي علي الرندي، وأبي بكر السلاقي وغيرهم، وكان مقيما برباط آسفي حيث يوجد شريح الولي المشهور أبي محمد صالح الماجري، وقد تردد عليه ابن عبد الملك من مراكش مرات، أشار إلى أولاها في النص السابق، ويبدو أنه كان يقيم في كل مرة ما يزيد على الشهر، فقد رأيناه في النص السابق يذكر وصوله إلى آسفي في أواخر جمادى الأولى من سنة 663 ه، وها هو يتحدث بما يفيد مكوثه ووجوده فيها في أواخر جمادى الأخرى من السنة نفسها، قال: "أنشدت على شيخنا أبي علي الماقري رحمه الله بثغر آسفي حماه الله في أواخر جمادى الأخرى من سنة ثلاث وستين وست مئة، قال: عرضت عليه -يعني أبا الحسن ابن الحصار هذا- قصيدته الرائية التي قالها في المدني والمكي من سور القرآن، وهي اثنان وعشرون بيتا، وذلك في شهر ذي الحجة من سنة ست وتسعين وخمس مئة"، ثم ساق القصيدة المذكورة كما أنشدها على شيخه. ومما حدث به عنه أيضا قراءة عليه بثغر آسفي: القصيدة الفائية في التوسل لأبي الوليد ابن الفرضي ومعارضتها للأقليشي والفازازي، والماقري، وحديث # مسلسل بالمصافحة، وحديث طعام البخيل، وبعض نظم المحدث ابن أبي قوة، ورده على ابن غرسية الشعوبي، وأشعار في ترجمة الطبيب أبي جعفر الهمداني، وغير ذلك مما هو مبثوث في "الذيل والتكملة"، كما حمل عنه فهرسة أبي الحسن ابن القطان. وقد حصل ابن عبد الملك، الذي كان من المغالين في جمع الأصول المخطوطة، من أحد أقارب شيخه المذكور على أصل نادر من كتاب "تقييد ما يقع فيه التحريف ولا يؤمن فيه التصحيف لرواة العلم من أهل الأندلس" ووصفه بأنه "أصل صحيح أراه كتب في حياة المصنف، وأقدم الآثار في كونه لأبي عمر بن عياد ثم لأبي الخطاب بن واجب ثم لابن عمه أبي الحسن ثم وهبه لأبي عبد الله المومناني، ثم أتحفني به الصاحب الأود في الله الأفضل أبو عبد الله بن عيسى الماقري مستوطن ثغر آسفي، حماه الله، وكافأ فضله وشكر إفادته، وقد نقل من هذا الأصل أبو عبد الله ابن الأبار وغيره، وقرأوه على أبي الخطاب بن واجب". وزار ابن عبد الملك سلا التي كانت يومئذ تؤلف مع رباط الفتح مدينة واحدة يولى عليهما وال واحد وقاض واحد ومشرف واحد وفي بقية الخطط الكبرى كذلك، ولم نقف في الأسفار الموجودة من"الذيل" على زيارته -أو زياراته- لها وتاريخها, ولكننا وقفنا على ما يشير إليها، ويدل على معرفته بها وبأهلها، قال في ترجمة أبي العباس البكري الشريشي الذي استوطن سلا واستقضي بها: "ولأحمد المترجم به عقب بسلا إلى الآن"، وقد أورد النباهي # قصيدة لزومية لابن عبد الملك في التشوق إلى سلا وأحبته فيها، وهي جواب عن رسالة وردت عليه من أحدهم، وأولها [من الكامل]: يا عاذلي دعا الملامة أو سلا ... عن صادق في الحب مثلي هل سلا كيف السلو ولي بحكم البين في ... مراكش جسم وقلب في سلا ومنها مشيرا إلى كتاب صديقه [من الكامل]: وافى إلي على البعاد كتابه ... فبمهجتي أفدي كتابا أرسلا ومنها [من الكامل]: من لي بتيسير المسير إليكم ... فأصمم العزم الذي لن يكسلا وأصارم القربى وأهجر موطنا ... وأجوب حومات لأنسي في سلا فلو القضاء أتاح ما علقته ... ما كنت ممن في البدار ترسلا حتى أحل مثابة الفضل الذي ... لسواه قلبي بعده ما استرسلا وابن عبد الملك يعارض قطعة لابن عميرة أولها [من الكامل]: يا صاحبي وللفراق صبابة ... عما بقلبي من لواعجها سلا ولا نعرف الآن صاحب الرسالة التي أجابه عنها بالقصيدة المذكورة، ولعله عرض لها ولمناسبتها في أحد الأسفار المفقودة من "الذيل والتكملة".
24 - ومن شيوخ ابن عبد الملك السلويين: أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عمر السلوي الخطيب ابن البراذعي، ذكره في الآخذين عن ابن عميرة المخزومي الذي ولي قضاء العدوتين، وأغلب الظن أن ابن عبد الملك لقيه في سلا.
25 - أما فاس، التي كانت المدينة العلمية الثانية بعد مراكش في عهد الموحدين ثم عادت إليها أوليتها في عهد بني مرين، فقد زارها ابن عبد الملك # أكثر من مرة، ويبدو أنه كان فيها في سنة 655 ه، وهي سنة وفاة شيخه أبي عبد الله محمد بن يوسف المزدغي، فقد وصف جنازته وتكلم في ترجمته على تاريخ توليه الإمامة بجامع القرويين الأعظم سنة 653 ه، وأول صلاة وآخر صلاة أم فيها، مما قد يشعر بحضوره في كل ذلك. وقد عد من أصحابه حفيد شيخه المذكور، قال في ترجمة محمد المومناني الابن: "وذكر لي الخطيب الفاضل صاحبنا أبو الحسين بن أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله المزدغي أنه عزم وقتا على التزوج، فارتاد في بيوت أهل فاس، فأشار عليه أبو الحسن بن زرنبق بابنة أبي بكر هذا (المومناني) وقال: لا تعدل عنها فإنها من أهل البيت النبوي الكريم، فعمل على إشارته وتزوجها فهي أم بنيه: أبي الفضل وغيره".
26 - وممن لقيهم في فاس: أبو عبد الله المومناني الابن، قال: "لقيته كثيرا بفاس وجالسته طويلا، وخبرت منه جودة وسلامة باطن، وكان له تعلق بطرف من الرواية"، ولم يذكر وفاته، مما قد يدل على أنه كان حيا وقت إنجاز كتابه الذي استمر في تحريره حتى سنة 702 ه, أي: قبيل وفاته بقليل، وهذا الفاضل في طبقة أصحابه وإن كان أسن منه.
27 - ومن شيوخ ابن عبد الملك الفاسيين: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إبراهيم البكري الفاسي، سماه في الآخذين عن أبي الحسن الشاري، ولم نقف على ترجمته أو ذكره في مكان آخر، ولعل المؤلف لقيه في فاس.
28 - ومن شيوخه الفاسيين الذين أخذ عنهم في صغره: أبو محمد العراقي، المتوفى سنة 646 ه.
وقد توقف ابن عبد الملك بفاس في جمادى الأخرى سنة 699 ه وهو في طريقه إلى تلمسان للالتحاق بمحلة السلطان يوسف بن يعقوب بن عبد الحق. واقتنى في خلال هذه الزيارة بعض المؤلفات النفيسة، ومنها: كتاب "عبرة العبر وعجائب القدر في ذكر الفتن الأندلسية والعدوية بعد فساد الدولة المرابطية" بخط مؤلفه الأديب التاريخي أبي عامر السالمي. ونحسب أن صلة ابن عبد الملك بفاس أو سمع من هذا الذي وجدناه، ومع أنه فتح عينيه على مراكش وهي حاضرة الغرب الإسلامي وعاصمة الإمبراطورية الموحدية، وشاهد بقايا أمجادها، فقد كان يعرف لفاس حقها ويقدرها قدرها، قال أحد المؤرخين، ولعله صالح بن عبد الحليم: "وقد سمعت الشيخ الفقيه قاضي الجماعة العالم الراوية المحدث الباحث المحقق أبا عبد الله بن عبد الملك رحمه الله يقول: كان بفاس من الفقهاء الأعلام، الأجلة أعيان الأنام، ما ليس في غيرها من بلدان الإسلام؛ إذ هي قاعدة المغرب، ودار العلم والأدب، لكن أهلها أهملوا ذكر محاسن علمائهم، وأغفلوا تخليد مفاخر فقهائهم". ورحل ابن عبد الملك إلى سبتة التي كانت في عصره تعج بالعلماء وتغص بحلقات الدروس المختلفة، وقد أوى إليها عدد من أعلام الأندلس الذين ضاعت بلدانهم في شرق الأندلس وغربها، كما وفد عليها عدد آخر من أهل العدوة، ويخيل لمن يتصفح أسماءهم أنهم بلغوا من كثرة العدد مبلغا لم تكن تتسع له، ولذلك كانوا يرحلون بعد قضاء مدة فيها إلى جهات أخرى في داخل المغرب أو إلى بجاية وتونس أو إلى المشرق. ولم يقيد ابن عبد الملك تاريخ رحلته إلى سبتة في المرات التي أشار إليها في كتابه بتاريخ مضبوط، وإنما ذكر مرة أنها كانت بمناسبة رحلته إلى الأندلس، # وهذه وقعت في شبيبته كما نص على ذلك ولده أبو عبد الله، وفي هذه المرحلة على العموم كان تنقله لطلب العلم.
29 - وقد أخذ عن جماعة من شيوخ العلم في سبتة أولهم: أبو القاسم العزفي رئيسها (من 647 ه إلى 677 ه)، وكان هذا الرئيس الفقيه عالما بالفقه والأصول والنحو واللغة والحديث، كما كان شاعرا مجيدا، سماه المؤلف في شيوخه الآخذين عن أبي الحسن ابن القطان، وتحدث عنه في ترجمة شيخ الصوفية في عصره أبي العباس القنجايري دفين سبتة، فقال: "وتخلف بنتا تزوجها شيخنا الفقيه الأجل الرئيس الأوحد المرحوم أبو القاسم ابن الفقيه الأجل المحدث الراوية السني الأفضل أبي العباس أحمد ابن القاضي أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد اللخمي، عرف بابن أبي عزفة وينسب لذلك: العزفي، أنكحه إياها أبوه المذكور؛ إذ كان أبوها قد عهد إليه بالإيصاء عليها والنظر لها، فأداه اجتهاده إلى إنكاحها من ابنه المذكور، فكان في ذلك اليمن والخير والبركة، فهي أم أولاد السراة الأماجد الخمسة الأكابر، أبقى الله عليهم وعلى أعقابهم بركة أسلافهم". وفي النص دلالات واضحة على روابط الوفاء والولاء نحو شيخه المذكور وأسرته، ولا بد أن ابن عبد الملك لقي عندهم أثناء مقامه بسبتة عناية ورعاية وبرورا وتكريما، وقد عرفوا بذلك مع أهل العلم في سبتة كافة، وثمة إشارة لابن عبد الملك في كتابه تدل على مكاتبته شيخه هذا.
30 - ومنهم: الشاعر المكثر مالك ابن المرحل، وهو أشهر من أن يعرف، روى عنه بعض الفوائد وقدرا صالحا من شعره، وأورد منه في السفر الأول من "الذيل والتكملة" قصيدتين طويلتين في مثال النعل النبوي الكريم مهد للأولى # بقوله: "أنشدني شيخنا أبو الحكم مالك بن عبد الرحمن المالقي، عفا الله عنه، بسبتة، حرسها الله، لنفسه وكتب لي بخطه في هذا المعنى (ما قيل في مثال النعل) ووطأ له بمدحه - صلى الله عليه وسلم -، ثم ساقها وهي من خمسة وثلاثين بيتا، ومهد للثانية بقوله: "وأنشدني أيضا بسبتة حرسها الله تعالى لنفسه في المعنى، وكتبه لي بخطه"، ثم سردها، وهي من خمسة عشر بيتا، وقد استجادهما جملة، وتعقب بالانتقاد بعض ما فيهما من عيوب القافية واللغة حسب رأيه، ورد عليه في هذا معاصره وصاحبه ابن رشيد السبتي كما سنعرض لذلك فيما بعد، وقد نقف عند قول ابن عبد الملك في نسبته شيخه هذا مالقيا لا سبتيا، وهذا من تحريه وإنصافه، وخضوعه التام لشرط كتابه، وتطبيقه المنهجي للمصطلح الذي سار عليه مؤلفو "الصلات" من ابن الفرضي ومن تبعه، حيث إنهم ينسبون الشخص إلى البلد الذي ولد فيه لا إلى مهاجره ومستقره، كما تستوقفنا عبارة "عفا الله عنه"، فهي -زيادة على دلالتها أنه كان حيا وقت تحرير ما كتبه المؤلف- قد تشير بطرف خفي إلى مهاتراته مع بعض معاصريه، ومهما يكن فإن شاخته لابن عبد الملك لم تمنعه من مراجعته ومناقشته، وقد روى عنه توجيها دقيقا وغريبا في اسم "حوط الله" ثم عقب عليه بقوله: "هذا ما تلقيته من شيخنا أبي الحكم في أصل هذا الاسم، ويأباه كتب هؤلاء إياه: حوط الله، ونقلهم ذلك خلفا عن سلف". وقد وصف إكثاره في النظم وانشغاله به فقال: "كان مكثرا من النظم مجيدا سريع البديهة، مستغرق الفكرة في قرضه، لا يفتر عنه حينا من ليل أو نهار. شاهدت ذلك وأخبرني أنه داء به، وأنه لا يقدر على صرفه عن خاطره، وإخلاء باله من الخوض فيه، حتى كان من كلامه في ذلك أنه مرض من الأمراض المزمنة"، ثم تحدث عن ذيوع شعره وسيرورة نظمه قائلا: "واشتهر نظمه وذاع شعره، فكلفت # به ألسنة الخاصة والعامة وصار رأس مال المسمعين والمغنين، وهجير الصادرين والواردين ووسيلة المكدين، وطراز أوراد المؤذنين، ومطلبة البطالين". وهذا كما ترى حديث عارف بالرجل خبير بأدبه دارس لشعره، وما نحسب إلا أنه صحبه طويلا في سبتة، وربما في مراكش أيضا حينما كان ابن المرحل في حاشية الأمير أبي مالك المريني. هذا وقد ذكر ابن الخطيب أن ابن عبد الملك ذكر شيخه هذا -ولعله يقصد أنه ترجم له في "الذيل والتكملة"- ثم قال -وكأنه ينتقده-: "فأما ابن عبد الملك فلم يستوف له ما استوفى لغيره". ونقل بعض كلامه من الترجمة المذكورة، وكما أخذ ابن عبد الملك عن ابن المرحل أخذ عنه ولده أبو عبد الله.
31 - ومن شيوخ ابن عبد الملك السبتيين: ابن أبي الربيع إمام النحويين في وقته، ذكره في ترجمة أبي عمرو محمد بن زغلل، فقال: "روى عنه شيخنا أبو الحسين عبيد الله بن أبي الربيع"، ولا بد أنه أخذ عنه النحو الذي كان يدرسه -كما كان يدرس غيره- في سبتة، ولعله تحدث بشيء من التفصيل عن لقائه إياه في سبتة خلال ترجمته التي لم تصل إلينا في "الذيل والتكملة".
32 - ومنهم: أبو إسحاق التلمساني المتوفى بسبتة عام 695 ه، ترجم له ابن عبد الملك في السفر السابع المفقود الآن، ونقل من هذه الترجمة ابن الخطيب في "الإحاطة" بالحرف تارة وبالتصرف تارة أخرى، قال المؤلف متحدثا عن علمه وخلقه وحاله معتمدا على ما لمسه ورآه: "وخبرت منه في تكراري عليه تيقظا وحضور ذهن، وتواضعا وحسن إقبال وبر، وجميل لقاء ومعاشرة، وتوسطا صالحا # فيما يناظر فيه من التواليف، واشتغالا بما يعنيه من أمر معاشه، وتخاملا في هيئته ولباسه، يكاد ينحط عن الاقتصاد حسب المألوف والمعروف في سبتة" . وأشار إليه في ترجمة أخيه محمد المعروف بأبي عبد الله البري، فقال: "وهو أخو شيخنا أبي إسحاق التلمساني وكبيره"، ولم يسم ابن الخطيب من تلاميذه إلا ابن عبد الملك، قال: "روى عنه الكثير ممن عاصره، كأبي عبد الله ابن عبد الملك وغيره". أما ما رواه عنه فهو أرجوزته في الفرائض، وهي مشهورة ومترجمة إلى اللغة الفرنسية، ومنظوماته في سير المصطفى وأمداحه، ومقالته في علم العروض الدوبيتي.
33 - وقرأ ابن عبد الملك في سبتة أيضا على القاضي ابن القارئ الإشبيلي، وهو أبو الحسين عبيد الله بن عبد العزيز المشهور بابن القارئ، وسماه في شيوخه الآخذين عن أبي العباس أحمد بن منذر الإشبيلي وأبي الحسن الدباج ، وكانت له حلقات يدرس فيها بعض كتب القراءات والحديث، ولم تصل إلينا ترجمته في "الذيل" حتى نعرف بالضبط ما رواه عنه ابن عبد الملك.
34 - وذكر ابن عبد الملك كثيرا شيخه نزيل سبتة ومكناس: أبا محمد عبد الله، وهو مملوك رومي كان مولى لرئيس جزيرة منرقة أبي عثمان سعيد بن حكم ثم لولده الرئيس من بعده أبي عمر حكم، ومعه لجأ إلى سبتة بعد استيلاء الأرغونيين على منرقة سنة 686 ه, ولم يصحبه عند توجهه في مركب إلى تونس مع أهله وحاشيته فغرق الجميع بأحواز مدينة الجزائر، وبذلك كتب له أن يعيش حتى آخر سنة 697 ه أو أول السنة التي تليها، وولي خلال المدة المذكورة الخطابة في سبتة، كما كان مقصدا لأهل الطلب والرواية. وذكر ابن عبد الملك أنه حدثه عن أبي العباس بن عجلان، وابن عميرة المخزومي، وأبي القاسم بن يامن، وأبي عثمان سعيد بن حكم سيده، وأبي عمرو عثمان ابن الحاج، وأبي # الحسن ابن الغزال، وأبي القاسم ابن الأصفر، وأبي عبد الله ابن الجلاب، وأبي عبد الله المنرقي، وأبي عبد الله البري، وأبي عبد الله الأزدي السبتي وغيرهم، وربما كنا نعرف أكثر مما ذكر لو وصلت إلينا ترجمة المؤلف له.
35 - وممن حضر إقراءهم وجالسهم في سبتة: أبو القاسم ابن الطيب الخضراوي نزيل سبتة المتوفى بها سنة 701 ه، وقد ترجم له ترجمة جيدة، قال فيها: "روى عنه غير واحد من طلبة سبتة، ولقيته بها وجالسته مرات، وحضرت إقراءة، وكان مجودا للقرآن العظيم من أحسن الناس صوتا به وأطيبهم نغمة في إيراده ذا حظ صالح من رواية الحديث وعلم الفقه والعربية، شديد القوة الحافظة، استظهر في صغره أوان طلبه جملة وافرة من دواوين العلم"، ثم سرد حوالي 35 مؤلفا مما كان يستظهره في القراءات والسير والحديث والنحو والفقه والأدب واللغة، وهو شيء يجعلنا اليوم نقف متعجبين معجبين بالهمم الكبار التي كانت لأسلافنا. وقد ذكره المؤلف أيضا في ترجمة ابن خميس، وأشار إلى غلطه في نسبه فقال: "ونسبه أبو القاسم محمد بن عبد الرحيم بن الطيب فقال فيه: محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن يحيى بن يوسف بن يحيى بن خميس، وهو غلط"، كما ذكره في ترجمة سلفه أبي العباس المرسي المقرئ.
36 - ولقي ابن عبد الملك في سبتة: أبا عبد الله ابن الخضار، وهو شيخ أكمه عني برواية الحديث وعلومه ورجاله في المغرب والأندلس والمشرق، قال ابن عبد الملك في ترجمته: "روى عنه غير واحد من أصحابنا, ولقيته بسبتة وحاضرته كثيرا، وبايته، وشاهدت من ذكائه وحضور ذكره ما يقضى منه العجب، وكان # تأريخيا حافظا". وذكر أنه -وهو الأكمه- كان يخترق أزقة سبتة وشوارعها وربضها وحده ويستطيع بحدسه فقط تمييز معالمها وخططها، قال: "وأخبرت عنه بعجائب أغرب من هذا النمط". ولا بد أن المؤلف استفاد منه على الخصوص ما يتعلق بالتاريخ الذي كان ابن عبد الملك لا يفتر عن التنقيب فيه، وهو يتفق مع ابن الزبير والتجيبي في وصف هذا الشيخ بالتأريخي، ولم يكن التاريخ هو كل بضاعته، فقد كان يدرس الحديث والفقه والأصول والنحو والصرف والعروض، واشتهر بتدريسه كتاب "علوم الحديث" لابن الصلاح الذي رواه عن مؤلفه في دمشق سنة 634 ه صحبة أبي مروان الباجي، وقد صار الأصل الذي سمعا فيه على المحدث الدمشقي الكبير إلى ملكية ابن عبد الملك. قال: "هذا الأصل الذي سمع فيه قد صار إلي والحمد لله وفيه خط ابن الصلاح بتصحيح التسميع، وقد تضمن إذنه في روايته عنه لكل من حصل منه نسخة، فانتسخ منه جماعة من جلة أهل العلم ونبلائهم، منهم: أبو الحسن الشاري، وأبو عمرو عثمان ابن الحاج وأبو القاسم أحمد بن نبيل وغيرهم، ونسخت منه نسخة لبعض الأصحاب لأمر اقتضى ذلك لم يسع خلافه".
37 - وثمة سبتي يبدو أن ابن عبد الملك أخذ عنه في سبتة وهو: محمد بن إبراهيم بن يربوع السبتي المتوفى في سنة 694 ه، وقد عده من شيوخه في ترجمة عمران بن موسى الهواري السلوي، كان طلبة العلم يرحلون رغبة في الاستزادة منه إلى الأندلس والمشرق. وجريا على التقليد المألوف رحل ابن عبد الملك إلى الأندلس، ويخبرنا النباهي عن هذه الرحلة حكاية عن محمد ولد ابن عبد الملك، قال: "وحكى ولده المذكور أنه قصد أيام شبيبته عبور البحر برسم الجواز إلى الأندلس، فبلغ منها # الجزيرة الخضراء، وحضر بها صلاة جمعة واحدة وأقام بها ثلاثة أيام جائلا في نواحيها آخذا عن أهلها، ثم قال: حصل لنا الغرض من مشاهدة بعض البلاد الأندلسية والكون بها، والحمد لله على ذلك، وعاد قافلا إلى أرضه". وكأني بابن عبد الملك وهو الناعي على المغاربة إهمالهم وتقصيرهم في تاريخ أعلامهم، والعارف باصطلاح مؤلفي "الصلات" الأندلسيين ومقلديهم من المغاربة، كابن فرتون، أراد بهذه الرحلة الخاطفة المحدودة أن "يحجز" مكانه و"يضمن" ترجمته في "صلة" من"الصلات" التي تؤلف في الأندلس، فلو لم يقم بهذه الرحلة القصيرة لما ظفر وظفرنا بهذه الترجمة الجيدة التي أثبتها له شيخه ابن الزبير مع "الغرباء" في "صلته" حسبما اقتضاه الاصطلاح المشار إليه. واكتفى بزيارة الجزيرة الخضراء لقربها، فيما نظن؛ لأن أمهات المدن الأندلسية التي يؤخذ فيها العلم، مثل قرطبة وإشبيلية وبلنسية ومرسية وغيرها، كانت قد خرجت من يد المسلمين، وارتحل جل علمائها إلى المغرب، ولم يزر مالقة وغرناطة، لحصول غرضه في الكون ببعض البلاد الأندلسية، أو لسبب أو أسباب أخرى. واقتصر على استجازة بعض شيوخ العلم فيهما كما سنبين ذلك.
38 - نجد بعض أصداء هذه الرحلة في الأسفار التي بين أيدينا من "الذيل والتكملة"، وتسمية لبعض الشيوخ الذين لقيهم في الجزيرة الخضراء وزيارة لخزائن خاصة فيها، وتبركا بمن يوصف بالخير والصلاح من أهلها، قال في ترجمة ابن خميس المتوفى سنة 688 ه: "روى عنه ابنه أبو جعفر وأصحابنا: قريبه أبو بكر بن محمد القللوسي وأبو إسحاق بن أحمد بن علي التجيبي وأبو عبد الله بن عمر بن رشيد ولقيته بالجزيرة الخضراء وسمعت منه بعض كلامه، وأجاز لي ولمن أدرك حياته من ولدي، وأدركها منهم: محمد وأحمد، كان الله لهما". ويفهم # من هذا النص أن ابن عبد الملك كان متزوجا في ذلك التاريخ, كما أنه سمع خطبة هذا الشيخ وصلى وراءه يوم الجمعة؛ إذ كان الإمام الخطيب بالجامع الأعظم في الجزيرة الخضراء. وينقل ابن عبد الملك عن كتاب "أعلام مالقة" لابن عسكر، الذي أكمله ابن أخته ابن خميس بعد وفاته. وقد يكون تناوله منه، وأتيح له أن يطلع على مكتبة آل عظيمة وهم "بيت علم بالقراءات واشتغال بها وانقطاع إليها، وإقراء وتجويد"، قال: "وقد وقفت بالجزيرة الخضراء عند صاحبنا الورع الفاضل أبي عمرو عياش بن الطفيل هذا المترجم به على جملة وافرة من كتب سلفه مما تملكوه أو كتبوه أو ألفه مؤلفوه ... ". كان ابن عبد الملك من كبار هواة الكتب والحصول على نفائسها بالخصوص؛ ولهذا نجده يسعى عند دخول بلد من البلدان إلى البحث عما فيه من مكتبات، ومن هنا تيسر له الوقوف على كم هائل من الكتب ما نظن أحدا من معاصريه يضاهيه فيه، ولقد وجدناه يشد الرحال للتنقيب عنها في حواضر المغرب وبواديه، فقد زار حاحة بلد صاحبه العبدري مؤلف الرحلة المعروفة، كما زار بلد درعة فيما يبدو، جاء في ترجمة أبي الحسن ابن النعمة عند ذكر تفسيره الضخم "ري الظمآن في تفسير القرآن" ما يأتي: "وكان كاملا عند بعض الطلبة بدرعة في سبعة وخمسين مجلدا متوسطة، بعضها -وفيه: أولها- بخط تلميذه الأخص به أبي جعفر بن عون الله، وأكثرها -ومنه آخرها- بخط أبي عبد الله محمد بن أبي الحسن محمد بن عبد العزيز بن واجب، وتاريخ فراغه من نسخه منسلخ جمادى الآخرة سنة سبع وستين وخمس مئة". ومما يتصل بمقامه القصير في الجزيرة الخضراء الذي لم يتجاوز ثلاثة أيام حسب الرواية السابقة ما ذكره في ترجمة أبي الحسن السماتي الشريشي، # قال: "وقد لقيت بالجزيرة الخضراء بعض عقبه شيخا موصوفا بالخير والصلاح يؤدب بمسجد الرمانة منها ويعرف بالشريشي". هؤلاء -فيما وقفنا عليه- هم شيوخ ابن عبد الملك الذين اتصل بهم مباشرة وروى عنهم مشافهة، وثمة شيوخ آخرون أندلسيون ومشارقة حدث عنهم بالإجازة.
39 - ومن هؤلاء: ابن الزبير الغرناطي إمام المسندين والمقرئين في وقته، ومؤلف كتاب "صلة الصلة" المعروف، وقد تحدث عن ابن عبد الملك في ترجمته له من حيث استجازة هذا إياه وطلبه الرواية عنه فقال: "واستجازني قبل سنة ثمانين وبعد ذلك، فكتبت له مرارا، واستوفى جملة من تواليفي استنساخا، وتكرر علي سؤاله فيما يرجع إلى باب الرواية". ونجد مصداق هذا في ترجمة المؤلف لابن الزبير، قال: "وكتب إلي وإلى بني بإجازة ما رواه وما ألفه مطلقا". وسرد أسماء مؤلفاته، ثم قال: "وقد وقفت على فهرسة رواياته، وكتاب "ردع الجاهل"، وبعض تاريخه في علماء الأندلس، وأرجوزته المذكورة ... "، وأشار إلى جزء مشيخته، وقال: "ولم أقف عليه وإنما استخرجت هؤلاء المذكورين هنا -يقصد شيوخه- من برنامج رواياته التي بعث إلي محملا لي ولبني إياه". كتبت ترجمة ابن الزبير في "الذيل والتكملة" في حياته؛ ولذلك نقرأ فيها قول ابن عبد الملك: "وهو الآن متصدر لإقراء كتاب الله وإسماع الحديث وتعليم العربية وتدريس الفقه، عامرا بذلك عامة نهاره عاكفا عليه مثابرا على إفادة العلم # ونشره، انفرد بذلك في بلده قاعدة جزيرة الأندلس وصارت الرحلة إليه". ويتابع ابن عبد الملك حديثه عنه مسجلا رأيه فيه فيقول: "وهو من أهل التجويد والإتقان، عارف بالقراءات حافظ للحديث مميز لصحيحه من سقيمه، ذاكر لرجاله وتواريخهم متسع الرواية عني بها كثيرا، ورحل بسببها إلى سبتة وإلى كثير من بلاد الأندلس وصنف في كثير من المعارف التي عني بها". وقد ذكر انتقاد بعض أهل مصره لمصنفاته ولا سيما أرجوزته في المذهب الشوذي الصوفي الحلاجي المنزع، ووافقهم على انتقاد الأرجوزة لرداءة نظمها وخلوها من المعنى، وقال: "ولقد كان الأولى به أن لا يتعرض لنظمها، فإنه منحط الطبقة في النظم". وكرر هذا الكلام بعبارة أقوى لذعا مما هنا، وذلك بمناسبة إشارته إلى رجزه المذكور فقال: "ولقد كان في غنى عن التعرض لنظمه وأولى الناس بستر عاره منه، والله يبقي علينا عقولنا، ويرشدنا إلى ما يرضيه عنا بفضله وكرمه" . وانتقد كذلك كتابه "ردع الجاهل" في الرد على المذهب المذكور أيضا قائلا: إنه "أقل شيء فائدة وأبعده عن النفع بعلم"، وانصب انتقاده لهذا الكتاب على الشكل والمضمون معا، حيث واخذ ابن الزبير بالتساهل في الاستعمال وقال: إنه -حسب قول أصحاب ذلك المذهب- لم يفهم منه شيئا, ولا يتلاقى كلامه فيه مع كلامهم في ورد ولا صدر. ولا نتهم ابن عبد الملك هنا بالتحامل، إذ رأيه في الشيخ ما سقناه، ورعيه له -على البعد- تشهد به هذه الكلمات: "وانجرت إليه مطالبات أصلها الحسد الذي لا يكاد يسلم منه إلا من عصمه الله من غائلته وسوء مغبته أدته إلى التحول عن وطنه تارات، أو إلى التخامل والانقباض به مرات، والله ينفعه ويدافع عنه ويجمل خلاصه ويعجل إنصافه ممن كاده، ويصرف عنه # من بسوء أراده". على أننا لا ننفي أن مزاج ابن عبد الملك الحاد يدفعه إلى شيء من الغلو في الانتقاد، فالأثران المذكوران لابن الزبير في الشوذية على الرغم مما قيل فيهما كانا يؤلفان -لو وصلا إلينا- وثيقتين تاريخيتين مهما تكن طبيعتهما - حول هذه النزعة الصوفية القائمة على مبدإ وحدة الوجود، والتي وصل بعض أصحابها إلى الحكم وأثر أحد أقطابها على ذوي السلطان وانتشر أتباعها في المغرب والمشرق، وخلفوا تراثا كثر حوله الجدال. وقد خالف ابن الخطيب ابن عبد الملك في رأيه وتقويمه لكتاب "ردع الجاهل"؛ إذ وصفه بأنه: "كتاب جليل ينبئ عن التفنن والاطلاع"، ولكنه ذكر من كتبه التي لم تصل إلى ابن عبد الملك "كتاب الزمان والمكان" ثم قال: "وهو وصمة، تجاوز الله عنه". وأوجز ابن عبد الملك رأيه في بقية ما سماه من مؤلفات ابن الزبير فقال: "فأما سائر ما اطلعت عليه من تصانيفه ففيها ما في كلام الناس من مقبول ومردود"، وله تعقيبات عليه في "الصلة" منثورة في "الذيل والتكملة" سنعرض لها فيما بعد. نقلنا في أول هذه الدراسة بعض كلام ابن الزبير في ابن عبد الملك مما يشهد بنجابته وفائق نباهته وذكائه، ونسوق هنا رأيه في معارفه: قال: "كان، رحمه الله، نبيل الأغراض عارفا بالتاريخ والأسانيد، نقادا لها، حسن التهدي، جيد التصرف وإن قل سماعه، أديبا بارعا شاعرا مجيدا؛ امتدح بعض كبراء وقته وكان مع نقده الإسنادي ذا معرفة بالعربية واللغة والعروض ومشاركة في الفقه. وما تقدمت الإشارة إليه من معارفه أغلب عليه".
وينطوي هذا الكلام على أمرين، أولهما: الإشادة بتضلع ابن عبد الملك في التاريخ والأسانيد والنقد التاريخي والإسنادي، ونكاد نلمس شعور ابن الزبير بتفوق ابن عبد الملك عليه في هذا كله. والأمر الثاني يشبه أن يكون غمزا خفيا بقلة السماع وعدم الاتساع في رواية الحديث، والحق أن ابن عبد الملك يعترف بإمامة شيخه في باب الرواية, ومع ذلك فإن ابن الزبير وصف زيادات ابن عبد الملك في الكتاب الجليل الذي جمع فيه بين كتابي ابن القطان وابن المواق بأنها: "زيادات نبيلة" كما اعترف بتفوقه على من تقدمه ومن عاصره في كتابه "الذيل والتكملة"، ولم ينس ابن الزبير في آخر ترجمته لصاحبنا أن يشير إلى "ما كان في خلقه من حدة أثمرت مناقشة موتور وجد سبيلا إليه فنال منه". وسنشرح هذا فيما بعد.
40 - ومن شيوخ الأندلس الكبار الذين استجازهم ابن عبد الملك وذكرهم ذكرا كثيرا في كتابه: القاضي أبو علي الحسين بن عبد العزيز المعروف بابن الناظر الغرناطي، المتوفى سنة 699 ه. روى عنه جم غفير، وله تصانيف في الحديث والقراءات، منها: "المسلسلات" و"الأربعون حديثا" و"الترشيد في صناعة التجويد" و"برنامج رواياته"، وقد عده المؤلف من شيوخه في تراجم أبي العباس القنجايري، وأبي جعفر ابن الفحام، وأبي الحسن سهل بن مالك، وأبي الحسن بن خيرة، وأبي الحسن بن جبلة، وأبي علي الرندي، وأبي الوليد ابن الحاج، وأبي عبد الرحمن بن غالب، وأبي عبد الله بن خلفون، وأبي بكر القرطبي، ومحمد بن عبد الكريم الجرشي. وقد يكون ذكره في تراجم غيرهم في الأسفار المفقودة في ترجمته له.
41 - ومنهم: أبو جعفر الطباع الغرناطي، المتوفى سنة 680 ه. ترجم له المؤلف وقال فيه: "كان من أهل التفنن في المعارف، والحذق فيما ينتحله من # العلوم، حسن الخلق قديم النجابة، برز في حداثة سنه على أقرانه، واشتهر بالذكاء وتوقد الخاطر، وشغف بالعلم كثيرا وانقطع إلى خدمته طويلا". وهذه الصفات التي ذكرها رغبته في الأخذ عنه بالإجازة فطلبها منه، وأجابه الشيخ إلى ذلك، قال ابن عبد الملك: "وكتب إلي بالإجازة مطلقا في كل ما يصح إسناده إليه". وقد حدث عنه بهذه الإجازة في تراجم ابن الفحام المالقي، وسهل بن مالك، وأبي الحسن الدباج، وأبي عبد الله بن خلفون، وأبي عبد الله الطراز، وأبي بكر القرطبي، وأبي عبد الله بن عياض الحفيد. وقد يكون له ذكر في الأسفار المفقودة من الكتاب.
42 - ومنهم: أبو جعفر أحمد بن يوسف الطنجالي المالقي. ذكره في ترجمة أبي العباس بن ماتع، وأبي الربيع الكلاعي، وأبي الوليد ابن الحاج، ومحمد بن عبد النور الإشبيلي.
43 - وكذلك: أخوه أبو عبد الله محمد بن يوسف. عده من شيوخه في ترجمة أبي العباس ابن ماتع. ولم يصل إلينا مع الأسف ما كتبه عنهما ابن عبد الملك في "الذيل والتكملة"، وهما من أسرة علمية مالقية تنتمي إلى بني هاشم من قريش.
44 - ومنهم: أبو الحسين اليسر بن عبد الله بن اليسر الغرناطي، كان هو وأبوه من قبله من شيوخ الإقراء وغيره في غرناطة. وقد ذكره المؤلف من شيوخه في تراجم أبي العباس القنجايري، وأبي العباس ابن الرومية، وأبي محمد # عبد الله بن اليسر والده، وأبي بكر ابن اليابري، وقد يكون ذكره في الأسفار المفقودة، وربما كنا نعرف ما يرويه عنه بالإجازة لو وصلت إلينا ترجمته.
45 - ومنهم: أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبي، سماه من شيوخه في تراجم ابن عميرة المخزومي، وأبي جعفر ابن الفحام، وأبي الحسن الدباج، وأبي الحسن بن عصفور، وأبي الحسن بن قطرال، وأبي عبد الله بن عياض الحفيد.
46 - ومنهم: أبو الطيب صالح بن شريف الرندي، وقد ترجم له المؤلف ترجمة جيدة ولكنها لم تصل إلينا كاملة، وفيها يشير إلى إجازته إياه فيقول: "روى عنه جماعة من أصحابنا، وكتب إلي بإجازة ما رواه وألفه وأنشأه نظما ونثرا"، ويجمل ما عرفه عنه في هذه الكلمات الجامعة: "وكان خاتمة أدباء الأندلس بارع التصرف في منظوم الكلام ومنثوره، فقيها حافظا فرضيا متفننا في معارف جليلة نبيل المنازع متواضعا مقتصدا في أحواله"، ويلم بمؤلفاته التي وقف عليها فيقول: "وله "مقامات" بديعة في أغراض شتى، وكلامه نظما ونثرا مدون، وله تأليف في العروض وتأليف في صنعة الشعر سماه "الكافي في علم القوافي"، وأودعه جملة وافرة من نظمه".
47 - ومنهم: أبو الحسن علي بن محمد الكتامي الإشبيلي مستوطن غرناطة، المعروف بابن الضائع المتوفى سنة 680 ه. قال في ترجمته: "روى عنه طائفة من أهل غرناطة، وكتب إلي بإجازة ما كان عنده مطلقا"، وذكر معارفه وبعض مؤلفاته التي أباح له أن يحدث عنه بها فقال: "وكان نحويا ماهرا حسن التصرف في # علم الكلام وأصول الفقه وافر الحظ من الفقه، وله جمع حسن بين شرحي السيرافي وابن خروف "كتاب سيبويه"، إلى غير ذلك من مصنفاته في العربية وما كان ينتحله من العلوم".
48 - ومنهم: أبو الحسن فضل بن فضيلة، المتوفى بغرناطة سنة 696 ه، وهو متصوف وله في التصوف رسائل بارعة ومقالات نافعة. قال ابن عبد الملك في ترجمته: "روى عنه كثير من أصحابنا، وكتب إلي بإجازة ما كان عنده مطلقا" . وذكره في ترجمة الصوفي أبي تمام غالب ابن سيد بونه فقال: "روى عنه أبو الحسن فضل بن فضيلة، وحدثنا عنه مكاتبة".
49 - ومنهم: قاسم بن أحمد أبو محمد السكوت المالقي المتوفى بمالقة عام 690 ه قال ابن عبد الملك في ترجمته: "روى عنه غير واحد من أهل بلده وكتب إلي بإجازة ما كان عنده، وكان نبيها حافظا ذا حظ صالح من علوم اللسان، واستقضي بمالقة وحمدت سيرته".
50 - ومنهم: أبو محمد جابر بن جبيرة الإشبيلي -فيما يبدو- سماه شيخا له وقال: أنه حدثه عن المقرئ المحدث أبي القاسم القرموني. ونلاحظ أن ابن عبد الملك ينص على أن معظم هؤلاء الشيوخ الأندلسيين كتبوا إليه بالإجازة المطلقة، وهي لا تكون إلا لمن هو أهل لها مثل صاحبنا.
51 - وفي هذا السياق تلقى إجازات أخرى من إفريقية والقاهرة ودمشق، فقد ذكر في ترجمته الحافلة لأبي العباس ابن الغماز البلنسي نزيل تونس وقاضيها المتوفى بها سنة 693 ه ما يلي: "روى عنه أصحابنا آباء عبد الله: ابن رشيد، # وابن مسعود، والصبيحي، وكتب إلي وإلى بني الخمسة من تونس". وابن رشيد هو مؤلف "ملء العيبة" المشهورة، وابن مسعود هو العبدري الحاحي صاحب الرحلة المعروفة، وأما الصبيحي فلم نهتد إليه، ونحسب أن كتاب ابن الغماز، الذي وصل إلى صاحبنا مشتملا على الإجازة له ولأبنائه، قد وصل إليه صحبة أحد المذكورين وإن لم ينص على ذلك.
52 - ويعتز ابن عبد الملك بمشيخة ابن دقيق العيد شيخ الجماعة بالديار المصرية في وقته، ويحدث عنه بكل تجلة واحترام؛ قال في ترجمة الشاطبي إمام القراءات بعد أن ساق حكاية غريبة في حفظه العجيب وقعت في مصر: "حدثنا بهذه الحكاية شيخنا الإمام تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع ابن أبي الطاعة القشيري ابن دقيق العيد رضي الله عنه إجازة، وحدثنا أيضا إجازة، قال: وقال لي صهره (أي: صهر الشاطبي) أبو الحسن علي بن سالم بن شجاع، وكان أيضا ضريرا وأخذ القراءات عنه: أردت مرة أن أقرأ شيئا من الأصول على ابن الوراق، فسمع بذلك فاستدعاني فحضرت بين يديه، فأخذ بأذني، ثم قال لي: أتقرأ الأصول؟ فقلت: نعم، فمد بأذني، ثم قال لي: من الفضول، أعمى يقرأ الأصول" . ونقل عنه في موضع آخر من كتابه قائلا: "وأخبرني الإمام الأوحد تقي الدين أبو الفتح محمد ابن الإمام مجد الدين أبي الحسين علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري ابن دقيق العيد مكاتبة من مصر، قال: أنشدني الفقيه المفتي هارون بن عبد الله بن هارون بن الحسين بن أحمد المهراني قديما، قال: أنشدني الفقيه الإمام العالم أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي لنفسه"، ثم ساق نظما له من اثني عشر بيتا في حكم تارك # الصلاة حسب الأئمة الأربعة وغيرهم، ويبدو أن المكاتبة بين ابن عبد الملك وشيخه ابن دقيق العيد كانت متواصلة بواسطة أصحاب الرحلات العلمية كابن رشيد السبتي والعبدري الحاحي وغيرهما، ونذكر هنا أن الأخير هو الذي أجرى ذكر صاحبه ابن عبد الملك في مجلس ابن دقيق العيد عند أول لقائه إياه، قال في رحلته: "وفي أول ما رأيته قال لي: كان عندكم بمراكش رجل فاضل، فقلت له: من هو؟ فقال: أبو الحسن ابن القطان، وذكر كتابه "الوهم والإيهام" وأثنى عليه، وذكرت له تعقيب ابن المواق عليه وأنه تركه في مسودته، فعانى إخراجه صاحبنا الفقيه الأديب الأوحد أبو عبد الله ابن عبد الملك حفظه الله تعالى، فقال لي: ومن هذا الرجل؟ فعرفته به وبما حضرني من تحليته، وما أذكر من تقاييده ومن جملتها "تذييله على كتاب الصلة لابن بشكوال" وأنه كتاب متقن مفيد، فعجب من ذلك، وكتب ما أمليته عليه منه". كان هذا الكلام عند زيارة العبدري للقاهرة سنة 688 ه، ويستفاد من هذا أن ابن عبد الملك كان قد أخرج كتابيه الكبيرين وهما: "الجمع بين كتابي ابن القطان وابن المواق" في الحديث و"الذيل والتكملة"، وأن العبدري كان قد اطلع قبل التاريخ المذكور على ما أخرجه ابن عبد الملك من هذا الكتاب الأخير؛ لأننا نجد في بعض التراجم ما يشير إلى تواريخ متأخرة عن التاريخ المذكور، ونعرف من كلام ابن الزبير وإشارات للمؤلف في كتابه قبيل وفاته أنه بقي عاكفا على تنقيحه وتكميله حتى وفاته كما سنبينه فيما بعد، ونستفيد من كلام العبدري أيضا أن "الذيل والتكملة" لم يعرف في مصر قبل زيارة العبدري، وأنه أول من عرف بهذا الكتاب الجليل الذي كان له فيما بعد شأن كبير عند المؤرخين المصريين والمشارقة عموما حيث اعتمدوا عليه في كتابة التراجم، ولعل أولهم ابن فرحون، ثم السخاوي، والسيوطي وسواهم.
وكما كان العبدري أول من عرف ابن دقيق العيد بابن عبد الملك -وهو التعريف الذي قيده ابن دقيق العيد على عادته في تقييد ما يسمعه أو يمليه- كان أيضا -فيما نرجح- أول من حمل إليه إجازته له ولبعض أماليه إليه، وقد يدلنا على ذلك اشتراك الرجلين: العبدري وابن عبد الملك في التحديث ببعض هذه الأمالي عن ابن دقيق العيد. ولا نعرف الآن هل كانت الإجازة ابتداء أم بسؤال من ابن عبد الملك مباشرة أو بواسطة العبدري. أما ابن رشيد فقد ذكر اسم ابن عبد الملك وابنه أبي القاسم في الاستدعاء الكبير المؤرخ في رجب عام 684 ه، وهو الذي استدعى فيه الإجازة من علماء الشرق، لنفسه ولأولاده وأقاربه وطائفة كبيرة من أهل المغرب والأندلس وإفريقية ومن غيرهم، ويبلغ عددهم ما يقرب من 120 علما، واستجاب لهذا الاستدعاء بكتابة الإجازة للمذكورين: عبد العزيز الحراني، وأحمد بن عبد الله الجزائري، وخليل المراغي، وأبو بكر بن عمر القسنطيني، وعبد المؤمن بن خلف الدمياطي، وابن الخيمي، وعبد الولي بن بحتر البعلبكي، وعماد الدين الصفار، ومحمد بن يحيى القرشي، وعبد الله الإسعردي، والفضل بن رواحة، وعبد الرحيم بن يوسف الدمشقي، وابن الأنماطي، وأبو البدر بن أبي الزين المصري، وعبد الرحيم بن عبد المنعم الدميري، وشعبان الخلاطي، وأم الفضل زينب بنت عبد اللطيف البغدادي، ومحمد ابن الخراساني التلمساني، ومحمد بن يحيى الشيباني، وأحمد بن عيسى البلبيسي، وعلي بن عبد الكريم الدمشقي، وغازي الحلاوي، وعلي بن محمد المعروف بالبديع، والملك نجم الدين الأيوبي، وعبد المنعم بن يحيى الخطيب ابن بدران، وعلي بن عبد الرحمن النابلسي، وأبو عبد الله جمال الدين قاضي نابلس، وإبراهيم بن عبد العزيز اللوري، وعبد الرحمن بن يوسف البعلبكي، وعمر بن يحيى الكرجي، ومحمد بن خالد بن حمدون، وعلي بن أحمد المقدسي.
ولكننا لم نقف في الأسفار الموجودة من "الذيل والتكملة" على عمل ابن عبد الملك بهذه الإجازة. ووصل إلى المؤلف وإلى ولده محمد كتاب من دمشق من صاحبه وزميله القديم أحمد بن فرح صاحب القصيدة الغزلية المورية بألقاب الحديث والمعروفة بعنوانها: "غرامي صحيح"، قال في ترجمته: "كتب إلي وإلى ولدي محمد من ظاهر دمشق". وقد يكون في هذا الكتاب إجازة أو استجازة من بعض من أخذ عنهم في المشرق، وسماهم المؤلف في ترجمته. وهكذا نرى أن ابن عبد الملك، الذي لم تكتب له الرحلة إلى الديار المشرقية ، قد بلغ إليه علم المشرق سواء من الوافدين منه على المغرب والأندلس مثل ابن رشيد البغدادي وابن الحنبلي الدمشقي وغيرهما، أو بواسطة أصحابه الراحلين إلى المشرق كالعبدري وابن رشيد السبتي وغيرهما. وبعد، فهؤلاء هم شيوخ ابن عبد الملك -فيما وقفنا عليه- وقد بذلنا جهدنا في تتبعهم وتجريدهم من الأسفار الموجودة من "الذيل والتكملة" الذي يعتبر مصدرنا الأول في معرفة ابن عبد الملك. أصحابه:
أشار ابن عبد الملك، في معرض الحديث عن بعض شيوخه وغيرهم، على عدد من أصحابه، ويقصد بهم: أقرانه الذين اشتركوا معه في الأخذ والرواية عن أولئك الشيوخ.
فمنهم: العبدري محمد بن محمد بن سعود الحيحي صاحب الرحلة المعروفة، ذكره ابن عبد الملك في الآخذين عن بعض الشيوخ الذين ترجم بهم، وعده من أصحابه، ويبدو أنه جمعت بينهما بعض حلقات الدرس في مراكش، ولا سيما حلقة شيخهما قاضي الجماعة بمراكش أبي عبد الله محمد بن علي بن يحيى المدعو بالشريف، ونقدر أن يكون ابن عبد الملك ذكر صاحبه عرضا في أحد الأسفار المفقودة بما يفيد في تصوير صلته به. وقد وجدناه يذكر عرضا زيارته حاحة، ولكننا لا نعرف مناسبتها وهل لها علاقة بصاحبه. ونتساءل: هل كتب ترجمته في "الذيل والتكملة" أم لا؟ فهو من حيث دخوله الأندلس على شرط الكتاب، ولكننا لا نجدها في مظنتها مع المحمدين في النسخة التي وصلت إلينا من سفر الغرباء، ويبدو من تتابع الأسماء أنه لا سقط فيها، وكذلك الشأن في ترجمة ابن رشيد السبتي، وقد نفسر هذا بأن ابن عبد الملك لا يترجم لمن هم -من حيث السن- في منزلة أقرانه أو دونهم. رأينا فيما تقدم آنفا حديث العبدري عن ابن عبد الملك وتوشيحه صاحبه بالنعوت الآتية: "صاحبنا الفقيه الأديب الأوحد"، ووصفه كتابه بالإتقان والإفادة، ومن يعرف طبيعة العبدري الصارمة واقتصاده في ألفاظ الثناء، وقصره إياها على مستحقيها وبخله بها عن غيرهم، يلمس منزلة صاحبه عنده، ومكانته من نفسه. ولا بد أن الرجلين كانا يتبادلان الود والتقدير، وهما يجتمعان في النسبة الإقليمية، ويتشابهان في حدة المزاج وصراحة القول وإبداء الانتقاد والتشدد في النهج. ومن أصحاب ابن عبد الملك: ابن رشيد السبتي مؤلف الرحلة الجامعة المستوعبة للفوائد، ذكرا معا هذه الصحبة واشتركا في الأخذ عن بعض الشيوخ، وكان بينهما ما يكون بين صاحبين متعاصرين مشتركين في الصناعة، متواردين على الرواية" طموحين إلى التفوق العلمي. أما ابن عبد الملك فقد سمى صاحبه خلال بعض التراجم، وقال فيه في إحدى المناسبات، وهو ينشد تذييلات الأندلسيين # وغيرهم على بيتى الحريري الواقعين أثناء المقامة السادسة والأربعين اللذين قال فيهما: "أسكتا كل نافث، وأمنا أن يعززا بثالث": "ومثلها ما أنشدني الصاحب الأكرم الحاج المبرور الراوية أبو عبد الله بن رشيد، قال: أنشدني أبو محمد عبد الواحد بن محمد بن مبارك التونسي لنفسه". ثم أنشد له بيتا يعزز بيتي الحريري المذكورين، وما كتبه ابن عبد الملك عن صاحبه هنا كان، كما هو واضح، بعد رجوعه من رحلته وحجه، وهو يشهد له كما ترى بالرواية التي عرف بشغفها وسعته فيها, ولا بد أن ابن عبد الملك وقف على رحلة صاحبه كلها أو بعضها، وإن لم نقف على ذكره لها في الأسفار الموجودة من"الذيل والتكملة"، وما أنشده هنا وارد فيها, ولكن عبارته تقضي سماعه منه مباشرة إلا إذا كان ابن رشيد ناوله رحلته وتدبجا، أى: روى كل واحد منهما عن صاحبه. ويبدو أن أول لقاء بين الرجلين تم في سبتة. وقد صرح ابن رشيد في رحلته على أنه اجتمع بابن عبد الملك قبل رحلته التي بدأها سنة 683 ه, فقد حكى فيها أنه عرف بظهر المركب الذي سافر فيه من الإسكندرية عند العودة أديبا مراكشيا هو أبو عثمان سعيد بن جون، وجرى بينهما حديث جر إلى ذكر ابن عبد الملك، وهذا نصه: "وكانت له (أى: للمراكشي المذكور) مشاركة في علمي العروض والقافية، فتذاكرنا على متن البحر شيئا من أمر العروض، فقلت له: إن صاحبنا الفقيه الجليل المتفنن الأديب المحدث المتقن الضابط الناقد أبا عبد الله بن عبد الملك المراكشي ذكر لي يوما بسبتة أن بعض الأدباء صنع نظما عجيبا في العروض يتضمن جميع أعاريضه وضروبه، وأنه ذكر لي صدره من حفظه ولم يمكني منه، فقال: القصيد عندي حاضر كنت قيدته عنه، فسررت بذلك واغتنمتها إفادة جرت إليها المذاكرة واستخرجتها المحاضرة وكتبتها عنه"، ثم ساق مقدمة القصيدة المذكورة وأنشدها في موضع آخر، وهي قصيدة لأبي الحبش البسطي، # ونستشعر من قول ابن رشيد: "ولم يمكني منه" كأن ابن عبد الملك تمنع من إفادته بذلك النظم، مع أنه ربما لم يكن تحت يده وقتئذ؛ لبعده عن مكتبته في مراكش، وعلى كل فقد صار إليه النظم نقلا عن ابن عبد الملك بواسطة ابن جون المراكشي صاحبه وبلديه، وقد استفاد ابن رشيد من ابن عبد الملك فوائد ذكرها حينا وسكت عنها أحيانا أخرى، فمن ذلك: أن ابن رشيد قرأ على ابن عبد الملك بأغمات برنامج شيخه الرعيني ووهبه ابن عبد الملك نسخة من هذا البرنامج، وقد وصل إلينا نص سماع ابن رشيد في النسخة التي اشتراها المرحوم الزركلي من مدينة مراكش، وهذا نصه: "الحمد لله، أكملته قراءة على صاحبنا الأديب الحافل المتقن الضابط، المتفضل بهبة هذه النسخة لي أبي عبد الله ابن عبد الملك حفظه الله وتولاه، [وكان يمسك] أصل سماعه [وأنا] أصحح هذه النسخة عليه، وكتب محمد بن رشيد الفهري أرشده الله، وكان [ذلك] بمدينة أغمات في عاشر شوال عام .... وست مئة. والحمد لله". ويتبين من هذا النص أن الصاحبين التقيا في مناسبات متعددة في سبتة وأغمات ومراكش وربما في فاس وغيرها، وقد جمعتهما خدمة الدولة المرينية الجديدة حيث أسندت إليهما خطط تناسبهما، وفي النص المذكور نرى ابن رشيد يحلي صاحبه بحلى رفيعة ويدعو له بما اقتضاه مقام الرواية وأوجبه حقها عليه، ورأينا فيما سبق كيف حلاه ابن عبد الملك. ومن التحليتين يؤخذ رأي كل منهما في الآخر. ومع أن ابن رشيد يعترف بطول باع صاحبه في الأدب وتمكنه من الضبط والنقد، فقد وجدناه يبدو وكأنه يخالف رأيه هنا؛ إذ ينعت صاحبه ابن عبد الملك في موضع آخر بالتجني في النقد والتعسف فيه، ويرميه بانتقاص الأفاضل وتمكن هذه العادة منه حتى صارت له طبعا، فقد وقف ابن رشيد على ما كتبه ابن عبد الملك في # ترجمة الشاعر ابن المرحل وما أورده من شعره، وما تعقبه عليه فيه، فدفعته حمية البلدية إلى الرد العنيف عليه والانتصار لابن المرحل الذي كان شيخا لكليهما مع أن ابن عبد الملك ناقش شعر شيخه بأدب وذكر له محاسنه وسمح لنفسه بمراجعته حسب اجتهاده، ولا عيب في هذا ولا عتب على ابن عبد الملك فيما نرى، ولا داعي لأن تثور ثائرة ابن رشيد على صاحبه ويفور غضبه فيخرج عن حد التعقيب الرزين الرصين إلى حد التعريض المعيب والتصريح المشين، ولكنها المعاصرة ومنافساتها الخفية وخلفياتها المحجوبة وحساسياتها المستورة. وقد يحسن بنا أن نورد نصوص الموضوع؛ لنشرك القارئ فيه ولتتضح له معالمه: أنشد ابن عبد الملك قصيدة لابن المرحل مطلعها [من الطويل]: بوصف حبيبي طرز الشعر ناظمه ... ونمنم خد الطرس بالنقش راقمه واستجادها في الجملة ثم تعقبها، قال: "وفي هذه القصيدة -على ما بها من إجادة- تعقب من وجوه، منها: التضمين وهو من عيوب النظم، وذلك في قوله: ومما دعاني ... ، والبيت الذي بعده، ومنها: الإيطاء في "صوارمه" في بيتين بينهما بيتان، ومنها: إعادة ضمير "نواسمه" وهو مذكر على الأرض وهي مؤنثة على إرادة التذكير بتأويل المكان أو المحل أو شبههما أو إعادته على النبي - صلى الله عليه وسلم - بأدنى نسبة، كل ذلك تكلف بعيد المتناول ... ". وقد نقل ابن رشيد في رحلته هذا التعقيب ورد عليه بما يلي: "هذا ما قاله صاحبنا جريا على عادته -عفا الله عنه- من انتقاص الأفاضل، واعتساف المجاهل، وترك الصافي الزلال وورود الكدر والعكر من المناهل، وكل ما قاله فاسد، والنقد عليه عائد. أما هذا التضمين الذي ادعى أنه عيب فليس بهذا، وإنما العيب الذي ترجم له أهل القوافي هو ما كان بين القافية وصدر البيت الذي يليها، كقوله: ........................... ... وهم أصحاب يوم عكاظ إني شهدت لهم مواطن صادقات ... .......................
وأما هذا التضمين الذي فعله الشيخ فسبيل جيدة وطريق مستحسنة عند العرب والمولدين المتقدمين منهم والمتأخرين، وإنما أوقعه في ذلك عدم معرفته باللفظ المشترك، وأما ما ادعاه من الإيطاء فغلط وقر في سمعه أو في خطه عند كتبه ووضعه، وإنما قال الناظم في البيت السادس: * فما أسلمته بيضه ولهازمه * وإنما وقع: صوارمه، في البيت التاسع، وهو الذي ألزم به النقد هذا الناقد المتعسف، وأما ما قاله في عود الضمير فمما تصان عنه المسامع، ويالله ويالله ويا للمسلمين! ما الذي يمنع من إعادة الضمير على النبي - صلى الله عليه وسلم -؟! وأي تكلف فيه أو أي نسبة أو بعد تناول مع أن إعادته على الضمير المخفوض في قوله: أرضه، وهو ضمير المثال أو ضميره - صلى الله عليه وسلم - وشرف وكرم - صحيح حسن؟ ولكنها عادة تعودها، ووسادة اعتمدها وتوسدها، وما نعلم في هذه القصيدة شيئا ينقد إلا ثقل لفظ: أصك به خدي. والله المرشد، والإنصاف أحق ما اعتمد، وأولى ما اعتضد". كما أورد ابن عبد الملك قصيدة ابن المرحل الطائية التي مطلعها: أدمعك أم سمط وقلبك أم قرط ... وشوقك أم سقط وجسمك أم خط؟ وعقب عليها قائلا: "وفي هذه القصيدة أيضا تعقب من وجوه، منها: استعمال "أم" مكان "أو" في قوله: أم خط، وفي حملها على الانقطاع بعد لا يحسن فيه المعنى إلا على التكلف، ومنها: تكرير المعنى في قوله: "بقلبي لها سقط" و"في مدمعي سمط"، فيه افتتح القصيدة، وذلك ضيق عطن. ومنها: استعمال البسط في قافية البيت الذي قبل الأخير منها مكان التبسط، ومنها، وهو أقبحها: التضمين المنعي عليه في القصيدة التي قبل هذه، وذلك بين البيتين: رأيت مثالا، والذي بعده يليه".
ولما قرأ ابن رشيد هذا الكلام عقب عليه بقوله: "ولما أنشد القاضي محمد بن عبد الملك المراكشي هذه القصيدة الطائية بعد قوله: أنشدنيها ناظمها، أتبع ذلك بالاعتراض جريا على عادته التي وافقها، وأبي أن يفارقها، حتى عادت له طبعا، وقرع بجوار غربه من صليب عودها نبعا، فقال عفا الله عنه"، ثم نقل ما انتقد به ابن عبد الملك قصيدة ابن المرحل هنا، وقال: "وهذه الاعتراضات كلها ساقطة، ولكن ليس لها لاقطة، فأما الأول، وهو قوله: منها: استعمال "أم" مكان "أو" في قوله: "أم خط"؛ فتلك شكاة ظاهر عوارها، وعليه عارها، فإن ناظمه إنما قاله بأو وكذلك أنشده لنا، وإنما ابن عبد الملك كتبه بأم بخطه. وأما الثاني، وهو قوله: إنه كرر سمط وسقط وذلك ضيق عطن؛ فهذا لا درك فيه، بل هي طريقة مسلوكة مألوفة، وسبيل في الفصاحة معروفة، وإنما يكره ذلك إذا تكرر في القافية ولا سيما وأن تكريره لسمط إنما هو بعد تسعة أبيات، وإذا وقع مثل هذا وبينهما هذا العدد لم يكن إيطاء، مع أنه في الصدر اشتمل فيه مع سقط الترصيع دون أن يكون واحد منهما في مصراع، فيقال: المصراع قد يشبه العجز، وهذا شيء ما تحاماه متسع عطن، ولا قدح فيه ولا طعن، ممن ظعن أو قطن، ومع هذا فاستعمالها في البيت الأول المصرع، وفي الثاني المعترض عنده ليس على حد واحد، بل هما مصرعان في مهيعين من الكلام مختلفين، ومما يعد من الفاضل لا من المفضول، فإنه استعمل في البيت الأول من باب تجاهل العارف، وفي البيت المعترض عند هذا المعترض من تحقق الواصف، فاستيقظ أيها النائم إن وافقت المعترض، فقد أدلج الناس. وأما الثالث، وهو استعمال البسط في القافية مكان التبسط الذي في صدر البيت؛ فهذا أيضا واه، في حضيض الخمول واه؛ وهل ينكر عربي وضع المصادر بعضها في مواضع بعض؟ وأين أنت عن قوله تعالى: {والله أنبتكم من الأرض نباتا} [نوح: 17]؟ ثم مع ذلك إذا اعتبر معنى البيت اتجه فيه مقصد آخر؛ وهو أنه لما انبسط في لذاته # وذنوبه صح له بحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لقي البسط ولم يلق القبض إنعاما عليه من الله تعالى، وهذا كما قال بعض الراجين المعترفين من المذنبين: تبسطنا على اللذات حتى ... رأينا العفو من ثمر الذنوب وهذا معنى حسن يسقط اعتراض هذا المعترض، وأما الرابع، وهو الذي قال فيه: إنه أقبحها، وهو التضمين، فقد وقع الجواب عنه: وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم" وفي هذا الرد كما نرى تحامل على ابن عبد الملك الذي له فضل سابق على ابن رشيد اعترف ببعضه في بعض المناسبات وسكت عن بعضه الآخر، ووراء هذا الرد إما عصبية بلدية وانتصار ناقد سبتي لشيخه وشاعر بلدته، أو خصومة نشبت بين الرجلين لسبب من الأسباب. ومن أصحابه: أبو بكر محمد بن محمد القللوسي، ذكره في ترجمة شيخهما ابن خميس، ورتبه في طبقة ابن رشيد، فقال معددا الرواة عن الشيخ المذكور: "روى عنه ابنه أبو جعفر، وأصحابنا: قريبه أبو بكر بن محمد القللوسي، وأبو إسحاق بن أحمد بن علي التجيبي، وأبو عبد الله بن عمر بن رشيد"، وقد اشتهر القللوسي الملقب بالفار بمؤلفاته في العروض والفرائض، وكان إماما في النحو واللغة، شديد التعصب لسيبويه، ووضع مؤلفا في تاريخ بلده سماه: "الدرة المكنونة في محاسن إسطبونة". ولا نعرف أين صحبه، وقد يكون لقيه أول مرة في الجزيرة الخضراء ثم صحبه أثناء مقامه بمراكش حيث لقيه ابن رشيد السبتي ودرس عليه ابن البناء العددي.
أما ثاني المذكورين في النص فلم نقف على ترجمته ولا على ما يدلنا على تفصيل صحبته لابن عبد الملك. وثمة سبتي آخر ذكره ابن عبد الملك في كتابه مرات، وعده من أصحابه، وهو أبو علي الحسين بن عتيق المشهور بابق رشيق التغلبي المتوفى بتازى سنة 696 ه، وهو مرسي أوى إلى سبتة وولي قضاءها في عهد أبي القاسم العزفي، كما ولي الكتابة في دواوين ملوك بني مرين وبني الأحمر، وقد أشار إليه المؤلف في ترجمة والده عتيق بن الحسين وقال: "وحدثنا عنه ابنه صاحبنا أبو علي". كما ذكره فيمن حدثه عن أبي الخطاب محمد بن خليل فقال: "وحدثنا عنه أبو جعفر بن الزبير وأبو علي بن رشيق صاحبنا"، وفي الرواية عن أبي عبد الله القارجي، قال: " ... وأبو علي بن رشيق صاحبنا"، ولا نتحقق هل ترجم له أم لا؟ وأغلب الظن أنه عامله معاملة أصحابه الآخرين، كالعبدري وابن رشيد وغيرهما؛ إذ لو كان مترجما في "الذيل والتكملة" لوجدنا النقل عنه في "الإحاطة" لابن الخطيب، ولا نعرف ماهية الصحبة بين الرجلين، ولا بد أنهما التقيا في سبتة، وقد جمع بينهما الاهتمام المشترك بالتاريخ العام وتاريخ الرجال؛ إذ إن ابن رشيق اختصر"مدارك "القاضي عياض وألف" ميزان العمل في أيام الدول"، وهو تلخيص لكتاب كبير له في التاريخ. وهناك علم تردد ذكره مرات متعددة في "الذيل" وهو: أبو عبد الله محمد بن عياش الخزرجي، انتقل والده من قرطبة إلى مالقة، وانتقل هو من مالقة إلى مراكش حيث كان له كتاب للإقراء والتعليم، وكان ابن عبد الملك يجالسه في كتابه أحيانا، قال في ترجمة والد المذكور عياش: "روى عنه ابنه أبو عبد الله، وحدثنا عنه في كتابه # غير مرة"، وأشار إليه أثناء تراجم: أبي بكر حميد المالقي، وأحمد بن مكنون المروي، وأبي بكر عتيق بن أحمد المالقي، ونقل عنه الحكاية الآتية: "أخبرني صاحبنا الفاضل أبو عبد الله بن عياش عن أبي بكر بن حبيب المالقي، قال: كان أبو بكر هذا قاعدا في ظل شجرة بصحن جامع مالقة وقارئ يقرأ كتاب "الحلية" لأبي نعيم على الناس يسمعهم إياه، فجرى ذكر أحد الفضلاء المذكورين فيه وذى مناقبه وكراماته، فصاح صيحة ثم سكت وسكن فحرك فألفي ميتا، رحمه الله"، كما ذكره في الآخذين عن أبي عبد الله محمد بن عياض الحفيد، وفي جميع هذه المرات قال فيه: "صاحبنا". ووجدناه في ترجمة أبي الحسن العشاب الرندي نزيل مالقة يقول: "حدثنا عنه شيخانا: أبو الحسن الرعيني وأبو عبد الله بن عياش الخزرجي"، وكذلك يقول في ترجمة أبي القاسم القاسم ابن الطيلسان القرطبي نزيل مالقة: "روى عنه غير واحد، وحدثنا عنه من شيوخنا: صهره أبو عبد الله بن عياش". ويدفعنا صنيع ابن عبد الملك هنا إلى التساؤل عن سببه، والسر فيه، فهل هو يتحدث عن شيخ واحد ترقى من رتبة الأصحاب إلى رتبة الأشياخ؟ أم أن الثاني غير الأول؟ وقد ترجم الوادي آشي في "برنامجه" لاثنين، أحدهما: "محمد بن عياش بن محمد بن عياش القرطبي نزيل مالقة، أخذ عن أبيه وصهريه أبي جعفر وأبي القاسم ابني الطيلسان وأبي عبد الله اللوشي، وأجازه سهل بن مالك وابن بقي وغيرهما"، وثانيهما: "محمد بن محمد بن عياش المالقي المراكشي، يروي عن إبراهيم بن محمد بن عبيد الله، وعن أبي القاسم ابن الطيلسان"؛ ومن الواضح أن الثاني ولد الأول، والذي يبدو أن الأول منهما هو الذي يصح أن يعد في شيوخ ابن عبد الملك، وهو الذي ذكره في ترجمة والده عياش وسماه من # شيوخه في المرتين الآنفتي الذكر، أما الذي صرح أنه من أصحابه فقد يكون ولده المذكور المسمى باسمه الناشئ في مراكش. ومن أصحاب ابن عبد الملك الذين انتفع بصحبتهم العلمية وأثنى عليهم وتبادل وإياهم الفوائد: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سليمان بن شنيف العقيلي البلنسي الأصل، وذكره فيمن حدثه عن ابن عميرة المخزومي فقال: " ... وصاحبنا أبو العباس بن محمد بن شنيف"، وقد ترجم له، وبعد أن عد شيوخه قال: "وقدم مراكش دفعات، أخراها سنة ثمان وخمسين وست مئة، وخلف فوائد جمة وتعاليق أدبية كثيرة، وجملة وافرة من كلام أبي المطرف بن عميرة نثرا ونظما، وكان نبيل الخط متقن التقييد، كتب الكثير وعني بالآداب كثيرا"، ثم قال: "جالسته طويلا وانتفعت من قبله ببعض ما أوصله مما ذكر، وصارت إليه من قبلي فوائد أدبية قد كان شديد الطلب لها، كثير الحرص عليها، باحثا عنها بالأندلس وإفريقية فلم يلفها". وتحدث عن تحفظه الشديد فقال: "وكان قبل خبرته بادي الجفاء ظاهر النفور، حتى إذا ألف وتؤلف انبسط واسترسل وأمتع مجالسه من الأنس بما شاء"، ثم ذكر أنه توفي ببلد حاحة سنة 644 ه حيث كان مكلفا ببعض مجابيها السلطانية، ولم يفت ابن عبد الملك أن يشير إلى ما قيل عند وفاته من أنه اغتيل بأمر عامل حاحة حسبما نفذت به الإشارة إليه من قبل المرتضى؛ لأن ابن شنيف كان من مداخلي إدريس المتلقب فيما بعد بالواثق، ويشير إلى صدى هذا الحادث فيقول: "وشاع الشنيع بذلك على المرتضى وقبح الناس ما أتى من ذلك، والله بالمرصاد وإليه المصير". ذكر ابن عبد الملك أن صاحبه هذا "خلف فوائد جمة وتعاليق أدبية كثيرة وجملة وافرة من كلام شيخه أبي المطرف بن عميرة نثرا ونظما"، ثم قال بعد هذا: "وصار إلي معظم ما قدم به بعد وفاته، رحمه الله"، ولم يبين كيف دخلت # في ملكه مكتبة صاحبه أو معظمها، وقد يكون ذلك تم بالشراء الصحيح، وقد عرفنا أن ابن عبد الملك زار حاحة، وقد تكون لزيارته علاقة بهذا الموضوع، وعلى كل حال فقد انتفع ابن عبد الملك بمخلفات صاحبه الأدبية، ولا سيما في الترجمة الحافلة لابن عميرة المخزومي التي تعد من أوسع تراجم "الذيل والتكملة"، وكذلك، على ما نظن، الفوائد الأدبية الواردة في ترجمة ابن الأبار بما فيها القصيدة السينية ومعارضاتها. ومن أصحاب ابن عبد الملك في مراكش: أبو محمد عبد الله بن أبي الحسن محمد ابن الحاج القرطبي، "استقضي (أى: والد صاحبه) بغرناطة والجزيرة الخضراء فشكرت سيرته وشهر بالنزاهة والعدالة، واستدعاه الرشيد من بني عبد المؤمن إلى تعليم ولده وتأديبه لمتات كان إليه، فقدم مراكش وتلبس بما دعي إليه مدة يسيرة، وتوفي بمراكش عام أحد وأربعين وست مئة". أما عبد الله ولد مؤدب أولاد الخليفة هذا فيبدو أنه صحب ابن عبد الملك في حلقات الدروس بمراكش، وقد ذكره في أثناء ترجمة والده وترحم عليه فقال: "وهو والد صاحبنا الفقيه الفاضل الورع أبي محمد عبد الله، رحمه الله"، ولم نقف على ترجمة هذا الصاحب الورع فيما بين أيدينا من مصادر. ومن معارفه من أولاد الشيوخ الأندلسيين الوافدين على مراكش: أبو الحكم أحمد بن محمد بن أحمد بن خليل السكوني، قال في ترجمة والده: "وورد مراكش ورأيته بها وأقام فيها مدة ليست بالطويلة متلبسا بعقد الشروط، ثم عاد إلى الأندلس فاستوطن لبلة بلد سلفه إلى أن عرض له توجه إلى إشبيلية زائرا بعض ذوي قرابة بها ففقد في وجهته تلك فلم يعثر له على خبر. كذلك أخبرني ابنه أبو الحكم أحمد، وقال ابن الزبير: إنه فقد في طريق لبلة عند خروج # أهل إشبيلية منها سنة ست وأربعين وست مئة. وخبر ابنه أولى بالاعتماد عليه. والله أعلم". ومن هؤلاء أيضا: أبو العباس أحمد بن أبي جعفر أحمد بن منعم العبدري الداني نزيل مراكش، ترجم ابن عبد الملك لوالده المسمى وذكر أنه كان بارعا في العدد والهندسة والطب، ونقل بعض ما في هذه الترجمة عن صاحبه المذكور فقال: "فمن مشهور تصانيفه: "فقه الحساب" كتاب جليل الفائدة، و"مقالة في استنباط أعداد الوفق"، و"تجريد أخيار كتب الهندسة على اختلاف مقاصدها"، ويذكر من شغفه بهذا الفن أنه كان لا ينام من الليالي حتى يعرض على خاطره "كتاب الأركان" لأوقليدس بادئا من آخر شكل فيه متقهقرا إلى ما قبله وصاعدا إلى أول شكل منه؛ إذ كان فهم كل شكل ينبني على فهم ما قبله من الأشكال، شهر ذلك عنه وعرف منه، وأخبرني به صاحبنا أبو العباس ابنه رحمه الله، وعرض علي تصانيفه هذه التي سميت وغيرها، وكانت جملة وافرة". ومنهم كذلك: أبو القاسم هبة الله ولد أبي عبد الله الحرار القرطبي نزيل مراكش. ذكره في ترجمة والده هذا الذي كان حرارا في قرطبة ثم أصبح عدلا عاقدا للشروط في مراكش، وقد جالس ابن عبد الملك الوالد كثيرا وكان صاحبا لابنه، قال في ترجمة أبي عبد الله الحرار: "وهو أبو صاحبنا أبي القاسم هبة الله". ومما يجمع بين الصاحبين أنهما يشتركان في النسب الأنصاري الأوسي، وكانا يلتقيان في حلقات الدرس ومجالس الوعظ، وقد ذكره فيمن روى عن الواعظ البغدادي محمد بن عبد الوهاب ابن الحنبلي فقال: "روى عنه أبو جعفر بن الزبير، وأبو # عبد الله بن أبي بكر بن رشيد البغدادي الواعظ، وصاحبنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن أبي بكر بن سعيد بن عبد الغفور الأوسي". ونذكر من هذه الطبقة أيضا، أبا محمد عبد الله ابن قطرال، وهو ولد قاضي مراكش أبي الحسن ابن قطرال الذي ذكرنا فيما سبق أنه كان يسكن دارا في ملك ابن عبد الملك بجوار داره، ولئن فاتته الرواية عن ابن قطرال الوالد حسبما رأينا من تحسره على ذلك، فقد كان له صلة بولده هذا الذي ولي القضاء هو وأخوه أبو عبد الله محمد، ومما نقله ابن عبد الملك عن أبي محمد ابن قطرال المذكور هذا النص المتعلق بلهجة أهل شرق الأندلس، قال: "وقد أذكرتني حكاية شيخنا أبي الحكم هذا ما ذكر لي الفقيه القاضي أبو محمد بن أبي الحسن ابن قطرال رحمه الله أنه رأى مكتوبا بنقش في جص على باب حمام أو فندق -الشك مني-: رحم الله عبدا صنع شيئا فأطقنه، بالطاء، يريد: فأتقنه". وفي "الذيل والتكملة" نقول أخرى تتصل بأبي الحسن ابن قطرال لعل ابن عبد الملك يستند فيها إلى ولده أبي عبد الله هذا. ومن هؤلاء أيضا: أبو الحسين محمد بن عبد الواحد ابن تقي المالقي الأصل المراكشي الدار، ترجم ابن عبد الملك لأبيه وأمه وجده لأمه، وقال في ترجمة أمه فاطمة بنت عتيق ابن قنترال: "وكانت زوج الفاضل أبي عمر عبد الواحد ابن تقي وأم صاحبنا أبي الحسن محمد ابنه". ومن أصحاب ابن عبد الملك المراكشيين: أبو عثمان سعيد بن جون المراكشي، وهذا هو الذي مكن ابن رشيد السبتي من نظم أبي الحسن البسطي في العروض نقلا عن ابن عبد الملك، وقد أثنى عليه ابن رشيد في رحلته، وذكر أنه اغتبط بمعرفته وتأنس بصحبته وقال فيه: "الأديب المقرئ الأستاذ"، وزاد في وصفه قائلا: "أحد الأدباء الفضلاء، محب في السماع والغناء، وشأنه عجيب، وتكوينه غريب، وله مشاركة في القراءات والعربية والأدب والعدد والفرائض # [والعروض] , وينظم وينشئ، مع ذات فاضلة وعقل جيد وعفة ظاهرة". لم يذكر ابن عبد الملك صاحبه هذا؛ إذ لم تكن مناسبة لذكره في الأسفار الموجودة من "الذيل والتكملة"، وإنما أشار إلى علاقته به ابن رشيد، ويستفاد من كلام هذا أن ابن عبد الملك وابن جون اشتركا في الأخذ عن عالم مراكش وقاضي جماعتها وإمامها أبي عبد الله المدعو بالشريف. وفي ترجمة ولد ابن عبد الملك أنه درس العربية على أبي عثمان سعيد بن عبد الله، ويبدو أنه هو صاحب ابن عبد الملك هذا. ومن أصحابه: أبو محمد عبد الله بن علي بن أبي خرص الضرير، أشار إليه في السفر السادس عند ترجمة شيخهما أبي عبد الله ابن عسكر فقال وهو يسرد مؤلفاته: "ومنها: "الجزء المختصر في السلو عن ذهاب البصر" ألفه لصاحبنا أبي محمد بن أبي خرص الضرير الواعظ، رحمه الله". وقد استفاد ابن عبد الملك من صاحبه الضرير هذا بعض الفوائد ومنها المجالس الوعظية التي ألفها أبو المطرف أحمد بن عميرة المخزومي، قال في ترجمته: "وله مجالس وعظية كان يصنعها للواعظ الفاضل الصالح أبي محمد بن علي بن أبي خرص رحمه الله، ومن قبله استفدناها". ويبدو أن ابن عبد الملك عرف صاحبه هذا في مدينة مراكش، ولكننا لا نعرف هل هو من أهلها أم من الطارئين عليها، كما أننا لا نعرف أين التقى بابن عسكر المالقي الذي ألف له الكتاب المذكور تأنيسا للوحشة التي كان يحس بها من عماه وتسلية له عن فقدان بصره، ويمكن أن يكون لقاؤه إياه إما بمالقة بلد ابن عسكر أو بمراكش التي ربما زارها هذا الأخير بمناسبة بيعة المأمون الموحدي.
وممن سماهم في عداد أصحابه بمدينة فاس: أبو الحسين يحيى بن أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله المزدغي، وقد وصفه بالخطيب الفاضل ونقل عنه ما ذكرناه قبل، ولي الخطابة بالقرويين سنة 694 ه، وجمع بينها وبين الإمامة بعد هذا التاريخ بقليل، وظل على ذلك إلى وفاته سنة 726 ه. ومن أصحابه الفاسيين: أبو سعيد محمد المومناني الحفيد، ذكره في ترجمة محمد المومناني الجد، وكتب من إملائه نسب المومنانيين مرفوعا إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، وكأنه لم يكن مطمئنا إلى ما أملاه على صاحبه المؤرخ المعني برفع الإنساب وتحقيقها، قال ابن عبد الملك: "ووعدني بتحقيقه ولم يقض بذلك حتى فصلت عن فاس". ولعل هذا الأمر كان خلال مروره بفاس سنة 699 ه في وجهته إلى تلمسان قاصدا محلة السلطان. وفي الأخير نجده ينقل عن شخص لعله من أهل تلمسان، هذه المدينة التي زارها ابن عبد الملك أكثر من مرة على ما يبدو وكانت منيته في أرضها، فقد ذكر في ترجمة أبي بكر بن عفير الإشبيلي النبيل الذي احترف الوعظ وسلك فيه طريقة شيخه ابن الجوزي ما نصه: "أخبرني التأريخي أبو سعيد عثمان بن ... المعروف بابن خرزوزة، قال: حضرت بعض مجالسه الوعظية بتلمسين وقد ذكر للحاضرين أنه يريد التزوج أو التسري، والتمس منهم كفايتهم إياه النظر في ذلك، ثم أنشد: وقلت يا رب: حملناكم ... لما طغى الماء على الجاريه عبدك هذا قد طغى ماؤه ... فاحمله يا رب على الجاريه! " # ويبدو أنه لقي هذا التأريخي الأخباري في تلمسان وإن لم يصرح بذلك، ولم نقف نحن على ترجمة المذكور حتى نتأكد من هذا. ومن أصحابه: أبو مروان بن موسى ابن الكماد السبتي، ويبدو أنه عرفه في سبتة، وقد ذكره في ترجمة سبط أبي عمر وابن الجميل، قال: "حدث عنه بالإجازة صاحبنا أبو مروان بن موسى ابن الكماد". ونص في ترجمة أحمد ابن السراج على أن صاحبه هذا كان مكتبا. وقال في ترجمة محمد بن صالح الشاطبي نزيل بجاية: "روى عنه أصحابنا أبو عبد الله بن مسعود، وأبو محمد عبد الوهاب بن علي بن الحسن الملياني، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن محمد بن محمد الأنصاري الوادي آشي ابن الخشاب". فالأول هو العبدري الحيحي الذي سبق ذكره، أما الآخران فلم نقف لهما على ترجمة. ومن أصحابه: الفقيه الصاحب الأود في الله الأفضل أبو عبد الله بن عيسى الماقري مستوطن ثغر آسفي حماه الله وكافأ فضله وشكر إفادته، عرفه المؤلف في البلد المذكور حينما كان يتردد على شيخه أبي علي الماقري، ولم نقف له على ترجمة. ثمة معاصرون آخرون لابن عبد الملك من مراكش وغيرها لا نعرف شيئا عن صلته بهم، ونقدر أنه اتصل بهم وتحدث عنهم في الأسفار المفقودة من "الذيل # والتكملة" ومنهم على الخصوص: بلديه أبو عبد الله اليقوري (646 - 707 ه) وصالح الإيلاني نزيل نفيس الذي كان حيا سنة 712 ه، وغيرهما. هؤلاء جملة من أصحاب ابن عبد الملك الذين عرفهم في حلقات الشيوخ بمراكش وغيرها أو ذاكرهم في المسائل العلمية أو نقل عنهم كما نقلوا عنه، وسماهم في الأسفار الموجودة من كتابه، ولا بد أنه عرض لغيرهم في الأسفار المفقودة. وقد أشار في ترجمة شيخه ابن فضيلة وغيرها إلى كثرة أصحابه، قال: "روى عنه كثير من أصحابنا". ومما ذكرناه -وما سنذكره بعد- يتبين لنا أن صلات ابن عبد الملك بمعاصريه كانت واسعة، وهذا شيء ضروري له باعتباره مؤرخا يهتم برصد الأحداث ويعنى بتدوين تواريخ الرجال.
تلاميذه: لو عني الذين ترجموا لابن عبد الملك -وهو ابن الزبير، والنباهي، وابن فرحون -عنايته هو- في تراجمه- بسرد الشيوخ والتلاميذ، في إحصاء دقيق واستيعاب شامل؛ لأمكن معرفة جانب مهم في حياته وهو دوره في نشر العلم وبثه عن طريق التدريس، ولكنهم لم يذكروا شيئا على الإطلاق ولم يعدوا ولو واحدا من تلاميذه، فهل معنى ذلك أن الرجل شغل بالتأليف أو التوظيف عن واجب التعليم والجلوس إلى طلبة العلم والعناية بهم التي هي من أجل ما يعد للشيوخ في سجلاتهم وأعظم ما يدخر لموازين أعمالهم؟ والجواب: أن ابن عبد الملك - برغم أعباء وظيفته أو وظائفه وانصراف جهوده إلى كتابه الكبير الذي عكف عليه عمره "ولم يتم له مرامه منه إلى أن لحقته وفاته"- لم ينس نصيبه من التدريس وحظه في التحديث، ولكننا لم نقف إلا على عدد محدود ممن أخذوا عنه ودرسوا عليه؛ لضياع تراجم معظم الراوين عنه في غالب الظن.
نذكر في مقدمة تلاميذه، ولده أبا عبد الله محمدا -الذي يبدو أنه كان أكبر أولاده- فقد ذكر ابن حجر في "الدرر" أنه: "سمع على أبيه الإمام العلامة التاريخي وتأدب به". وكان ابن عبد الملك معنيا بتعليم ولده هذا مهتما بتثقيفه، وتولى تنشئته العلمية والأدبية بنفسه، كما استعان في ذلك ببعض شيوخه وأصحابه وتلاميذه؛ كمالك ابن المرحل وأبي عثمان سعيد بن عبد الله وغيرهما، وكان يستجيز أو يتلقى إجازة بعض العلماء لولده محمد هذا وكذلك لولده الثاني أبي القاسم أحمد وبقية أولاده الخمسة، وقد رأينا إجازة ابن خميس من الجزيرة الخضراء، وابن الغماز من تونس، وابن فرح الإشبيلي من دمشق لمحمد وأخيه أبي القاسم وإخوتهم الثلاثة، ولكننا لا نعرف شيئا عن الثلاثة الأخيرين. وذكر ابن حجر أن محمدا ولد ابن عبد الملك قرأ "على أبي العباس أحمد بن عثمان ابن البناء التعاليمي كثيرا من تصانيفه في العدد والنحو -كذا، والصواب: النجوم- والبديع"؛ ولكننا نجد نصا آخر مخالفا -قد يفيد العكس- وهو قول ابن القاضي: "وأخذ ابن البناء الحديث عن أبي عبد الله وأخيه ولدي محمد بن عبد الملك بن سعيد الأنصاري الأوسي الشهير بابن الدهاق، قرأ عليه "الموطأ" رواية يحيى وعروض ابن السقاط، وتأدب به في عقود الوثائق وانتفع به كثيرا". وفي هذا النص الذي لا نعرف مصدر ابن القاضي فيه وهم في شهرة ابن عبد الملك فلم يذكر أحد غيره شهرة ابن عبد الملك بابن الدهاق، ولا نحسب أن له صلة # قرابة بالمتصوف المالقي إبراهيم بن يوسف بن محمد بن دهاق الأوسي المتوفى سنة 611 ه خلا صلة النسب: الأوسي الأنصاري. وفيه أيضا إشكال فيما يتعلق بمشيخة ابن البناء، فالمتبادر إلى الذهن عند قراءة كلام مؤلف "الجذوة" أن المعني به ولد ابن عبد الملك وأخوه لا والدهما، وهذا يتعارض مع كلام ابن حجر السالف، وقد يتعارض مع التاريخ؛ إذ إن ابن البناء المتوفى سنة 721 ه قد يكون أسن من محمد ولد ابن عبد الملك المتوفى سنة 743 ه، إلا أن يكون ابن البناء لم يشرع في الدراسة إلا بعد البلوغ، أو يكون كل واحد منهما قرأ على الآخر ما يحسنه. وقد فهم المرحوم الأستاذ العابد الفاسي وغيره أن المقصود في كلام ابن القاضي هو ابن عبد الملك الوالد؛ وبناء على ذلك عد ابن البناء من تلاميذه ، ولكن النص المذكور يصرح بولد ابن عبد الملك ويشير إلى أخيه، ولا نعرف من أحوال ابن عبد الملك وأخباره وآثاره التي بين أيدينا أنه كان له أخ؛ ولذلك ذهبنا فيما سبق -أخذا مما بين السطور- إلى أنه ربما كان وحيد أبيه، ثم إنه لو كان له أخ موصوف بالعلم لكان ذكره أو ذكر عند غيره، وهذا ما لم نقف عليه. ويبقى بعد هذا تأويلان نفترضهما لحل الإشكال المذكور: أحدهما: أن يكون ابن البناء -وكان أبوه محترفا بالبناء- لم يشرع في طلب العلم إلا على كبر، وحينئذ يمكن أن يأخذ عمن هو أصغر منه سنا, ولكن قد يضعف هذا التأويل أن ابن البناء أخذ عن بعض شيوخ ابن عبد الملك الأب نفسه، كأبي عبد الله محمد المدعو الشريف، وأبي الحجاج يوسف بن حكم.
أما التأويل الثاني فهو أن يكون كل واحد منهما أخذ عن الآخر ما يحسنه، فقرأ ابن عبد الملك الابن على ابن البناء "تصانيفه في العدد والنجوم" كما في "الدرر الكامنة" وقرأ ابن البناء على ولد ابن عبد الملك ما ذكر في النص السابق. ومهما يكن من أمر فالذي يبدو من تراجم ولد ابن عبد الملك أنه تأثر بوالده في تكوينه الأدبي على الخصوص وأشبهه في بعد الهمة والأنفة والوقار، وسنعرض للحديث عن مآله فيما بعد. ومن تلاميذ ابن عبد الملك المبرزين: أبو جعفر أحمد بن صفوان المالقي المتوفى سنة 763 ه, له ترجمة حافلة في "الإحاطة"، قال ابن الخطيب تحت عنوان: "مشيخته": "ورحل إلى العدوة، فلقي جملة، كالقاضي المؤرخ أبي عبد الله بن عبد الملك ... وقرأ عليهم بمراكش". وممن روى عن ابن عبد الملك: أبو القاسم عبد الرحمن العزفي مؤلف كتاب "الإشادة"، قال ابن القاضي في ترجمته: "روى عن أبي جعفر بن الزبير، والقاضي ابن عبد الملك ... "، وقد ولد سنة 685 ه وتوفي سنة 717 ه، ولا نعرف متى لقي ابن عبد الملك ولا أين لقيه، وقد عرفنا مما سبق صلة مؤرخنا بالعزفيين بسبتة وتعاطفه معهم. وممن روى عنه أيضا الرحالة الراوية القاسم بن يوسف التجيبي صاحب "البرنامج" ومؤلف "مستفاد الرحلة والاغتراب" المتوفى سنة 730 ه، فقد روى عن ابن عبد الملك كتابه "الذيل والتكملة" ووصل إلينا من النسخة التي رواها عن مؤلفه السفران: الخامس والسادس، ونقرأ على الورقة الأولى من السفر السادس المحفوظ في المكتبة الوطنية بباريس ما نصه: "رواية القاسم بن يوسف بن محمد بن علي بن القاسم التجيبي عنه"، أى: عن ابن عبد الملك.
ونرى من هذين السفرين كيف وثق التجيبي كتاب شيخه وأغناه بالتعليقات والاستدراكات والإلحاقات مما سنناقشه عند الحديث على "الذيل والتكملة". وممن أخذ عن ابن عبد الملك: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم بن يعيش، قاطن مدينة سلا، حيث كان له حانوت بها للتجارة، لقيه ابن الحاج النميري (ت 745 ه) في المدينة المذكورة سنة 745 ه, وذكر شيوخه ومقروءاته، قال: "ولقي قاضي الجماعة أبا عبد الله بن عبد الملك وسمع عليه "فهرست ابن القطان" بحق حمله لها عن أبي عبد الله الشريف قاضي الجماعة، وعن أبي علي الكفيف، وأجاز له ابن عبد الملك في ... "، ولم ينص على مكان اللقاء، ونعرف مما سبق أن ابن عبد الملك زار سلا وكان له فيها أحباب، وكان يعرفها وأهلها معرفة جيدة، ويبدو من أسماء شيوخ ابن يعيش أنه قد يكون درس في مراكش وفاس، وكانت له صلة بطلبة سبتة، ولم نقف على ترجمته في مكان آخر. ويحدثنا ابن الحاج النميري أيضا عن تلميذ آخر من تلاميذ ابن عبد الملك هو "الشيخ الفقيه الجليل الأستاذ المقرئ أبو الحسن علي بن موسى بن إسماعيل المطماطي " درس على جماعة من الأعلام جمعهم في برنامج مشيخته، وكان يقرئ القرآن والعربية والتفسير بالمدرسة التي بناها أبو عنان بداخل سلا, وله شعر في مدحه، وتآليف منها: "شرح "الجمل" في ثلاثة أسفار وسماه: "غاية الأمل في شرح الجمل"، وبرنامج مشيخته الذي ضمنه ابن الحاج في مذكراته، وقد ذكر أبو الحسن في هذا البرنامج شيخه ابن عبد الملك ودون تاريخ ولادته، وأورد ما نظمه في ترجيز هذا التاريخ ليسهل حفظه، وقد سقنا هذا الترجيز فيما سبق، كما قيد تاريخ وفاته ومكانها مما سنذكره فيما بعد، وذكر المطماطي في برنامجه المذكور أنه قرأ على شيخه ابن عبد الملك بعض كتاب "الموطإ" وأجاز له سائره، وسرد من أسانيد ابن عبد الملك في روايتها السند التالي: قال: "قرأت # بعضه (أي: بعض "الموطإ") على الفقيه الناقد النسابة قاضي الجماعة بمراكش أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك بن محمد الأنصاري، وذلك برواية أبي محمد يحيى بن يحيى الليثي، وأجاز لي سائره، قال: وحدثني عن الكاتب الأبرع أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن محمد الرعيني قراءة عن الراوية الحسيب القاضي أبي القاسم أحمد بن يزيد بن بقي، عن الراوية أبي عبد الله محمد بن عبد الحق بن أحمد الخزرجي القرطبي، عن الفقيه أبي عبد الله محمد بن فرج مولى الطلاع قراءة عن القاضي أبي الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث القرطبي المعروف بابن الصفار، سماعا عن أبي مروان عبيد الله بن يحيى بن يحيى، سماعا عن أبيه يحيى بن يحيى، سماعا عن أبي عبد الله مالك بن أنس، سماعا منه بجميعه إلا أبوابا يسيرة في كتاب الاعتكاف، شك هل سمعها من مالك فسمعها من زياد بن عبد الرحمن بن زياد بن الحاطب بن أبي بلتعة عن مالك". وقد أجاز ابن عبد الملك تلميذه المطماطي، ولعله ذكر نص الإجازة في برنامج مشيخته المذكور ولم يوردها ابن الحاج النميري فيما اختاره من هذا البرنامج، قال المطماطي: "وحدثني فيما أجازني بكتابه الذي ألفه على "الأحكام الكبرى" لأبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي، وذلك أن أبا الحسن ابن القطان ألف كتابا على كتاب "الأحكام" المذكور سماه "الوهم والإيهام"، ثم إن الفقيه المحدث أبا عبد الله محمد بن أبي يحيى المواق أكمل ما أغفله أبو الحسن المذكور، ثم إن الشيخ أبا عبد الله بن عبد الملك تمم ما أغفلاه". لا نعرف أين لقي المطماطي هذا شيخه ابن عبد الملك؛ لأنه لم ينص على مكان اللقاء، ومن المحتمل أن يكون ذلك في سلا بلده التي كان يلم بها ابن عبد الملك أو في مراكش، إذ نراه يأخذ عن بعض المراكشيين -غير ابن عبد الملك- كأبي عبد الله محمد ابن قطرال، وابن البناء، وأبي عبد الله محمد اليقوري، وقد # روى عن السبتيين: مالك ابن المرحل -وهو آخر من حمل عنه "الموطإ" وساق المسلسل في ذلك- وابن رشيد والتجيبي. كما أننا لا نعرف صلته بمطماطي آخر عده ابن عبد الملك من شيوخه ولكن لم يذكر اسمه كاملا، وإنما قال فيه: "وأبو القاسم المطماطي" كما سبق. وما كنا لنعرف هذا الرجل وبرنامج مشيخته، ومنهم ابن عبد الملك، لولا ما وصل إلينا من أوراق ابن الحاج النميري التي سجل فيها يومياته ومذكراته أثناء تنقله في المغرب مع "محلة" السلطان أبي عنان. وقد ترجم ابن القاضي لواحد من هؤلاء المطماطيين السلاويين، وهو أبو الحسن علي بن أحمد بن إبراهيم المطماطي الفقيه الأستاذ الذي كان حيا سنة 792 ه، وهو متأخر في الطبقة عن صاحبنا المذكور. وثمة تلميذ آخر لابن عبد الملك مجهول الاسم مع الأسف! ولم نستطع التعرف عليه الآن، ولا نعرف من خبره إلا ما جاء في أول النسخة المخطوطة من كتاب "المختار الجامع بين المنتقى والاستذكار" لمحمد بن عبد الحق اليفرني الندرومي، المحفوظة بخزانة القرويين، وهذا نص كلامه: "يقول كاتب أصله: سألت شيخي الفقيه الأجل قاضي الجماعة العدل، العالم العلم، الفذ القدوة المقدم، أبا عبد الله محمدا ابن الشيخ الأجل الفقيه الصالح المقدس المرحوم محمد ابن عبد الملك الأنصاري بداره من مدينة أغمات وريكة في سابع ذي قعدة من عام اثنين وسبع ئة عن اسم مؤلف هذا الكتاب فقال: هو محمد بن عبد الحق"، ثم ذكر الترجمة التي نجدها في السفر الثامن من "الذيل والتكملة". ويبدو من هذه الكتابة أن صاحبها يستعمل السجع ويعنى بتسجيل التواريخ مما ينبئ عن ضبطه، ويبدو أيضا، من صيغة تحليته لابن عبد الملك ووالده، أنه كان قريبا من # شيخه، وقد يكون من طلبة مراكش أو أغمات الذين درسوا على ابن عبد الملك في المدينتين المذكورتين. ويمكن أن نعد من تلاميذه: المؤرخ ابن عذاري المراكشي، فقد وجدناه في كتابه "البيان المغرب" يروي عن ابن عبد الملك، وسنفصل هذا في موضعه. هذا كل ما استطعنا الوقوف عليه من تلاميذ ابن عبد الملك، ولا شك أن عددهم أكثر من هذا.
حياته العائلية: عرفنا مما سبق أن ابن عبد الملك ينتمي إلى أسرة مراكشية نبيلة، وقد أشار ابن الخطيب في "ريحانة الكتاب" إلى "بيته النبيه"، وعرفنا أيضا مما قادنا إليه البحث في علائقه العائلية صلة هذا البيت -من جهة أمه- بزوجة الخليفة الموحد يوسف بن عبد المؤمن وأولادها، وما قد يكون لذلك من أثر على وضعه العائلي ونشأته في ظل هذا الوضع الممتاز، وقد استنتجنا من بعض القرائن أنه ربما كان وحيد أبويه، وأن والده ربما توفي وهو لم يشتد ساعده بعد. ولكننا لا نعرف متى تزوج ولا من أين، ويبدو أنه تزوج في شبابه بعد أن قطع شوطا كبيرا في دراسته، وقد رأينا أنه طلب الإجازة خلال رحلته في شبيبته إلى الأندلس لأولاده من ابن خميس، فأجاز لمن أدرك حياته منهم، قال ابن عبد الملك: "وأدركها منهم محمد وأحمد، كان الله لهما". وقد توفي الشيخ المذكور سنة 688 ه، وأدرك محمد، المولود سنة 674 ه، أربع عشرة سنة من حياته. وربما نستفيد من ترتيب ابن عبد الملك أن محمدا هو أكبر أولاده، وأن أحمد يليه، وقد صحب أحمد هذا والده في أثناء رحلته إلى تلمسان عبر فاس، وهي الرحلة التي أرخها ابن عبد الملك بعام 699 ه، ولا بد أنه كان فتى بلغ مبلغ الشباب وكان معه مدة مقامه بمدينة تلمسان بعد التاريخ المذكور، ولعله بقي إلى جانبه حتى وفاته بهذه المدينة سنة 703 ه.
ويبدو أنه اصطحبه معه لمساعدته، أو لأنه ما يزال في حاجة إلى التربية والتوجيه، ومهما يكن الأمر فقد وجدناهما يزوران معا معالم تلمسان ومزاراتها الواقعة خارج أسوار المدينة المحاصرة يومئذ، وذلك في مقبرة العباد التي عني بنو مرين بأضرحتها ومساجدها عناية ما تزال ناطقة بمجدهم. قال ابن عبد الملك متحدثا عن مدفن أبي مدين الغوث: "ودفن بمقبرة العباد العليا قبلي تلمسين إلى جنب الصالح الشهير أبي محمد عبد السلام التونسي رحمهما الله، وقبراهما هنالك متبرك بهما مزوران متعرفا البركة، نفع الله بهما، وقد زرتهما أنا وولدي أحمد هداه الله". وأما محمد فلعله في التاريخ المذكور كان قد شق طريق حياته العلمية وبلغ مبلغ الاعتماد على النفس. ويبدو أن أحمد هو ثاني ولدي ابن عبد الملك اللذين ذكرا في شيوخ ابن البناء حسبما نفهمه نحن من قول ابن القاضي ساردا شيوخ ابن البناء: "وأخذ ابن البناء الحديث عن أبي عبد الله وأخيه ولدي محمد بن عبد الملك بن سعيد الأنصاري الأوسي ... ". ومعنى هذا -إذا صح القصد- أن أحمد المذكور أصبح من أهل العلم الذين يؤخذ عنهم، ولكننا لم نقف على ترجمة له مثلما وقفنا على ترجمة أخيه الأكبر أبي عبد الله محمد عند ابن الخطيب وابن حجر والنباهي، ولعل أحمد هو أبو القاسم المذكور في الاستدعاء الكبير، فهي كنية من اسمه أحمد في الغالب، ومعنى هذا أنه كان موجودا وأهلا للإجازة في سنة 684 ه، وهو تاريخ الاستدعاء الكبير الموجود في رحلة ابن رشيد السبتي. وأما محمد فقد ورث سر أبيه وأدبه وإن لم يرث ماله ولا نشبه، وذلك ما سنشير إليه فيما بعد، وقد اضطر أبو عبد الله محمد ولد ابن عبد الملك إلى مهاجرة مراكش بلد آبائه وأجداده ودفع إلى الرحيل عنها إلى الأندلس، قال النباهي:
ولما توفي (ابن عبد الملك) جرى على ابنه المسمى تحامل في متروكه لتبعة تسلطت على نشبه أدته إلى الجلاء عن وطنه، فاستقر بمالقة، وأقام بها زمانا لا يهتدي لمكان فضله إلا من عثر عليه جزافا، وأ ينتقل عن حالته من الحشمة والانقباض والعكوف على النظر في العلوم إلى أن توفي في ذي القعدة من عام 743". وذكر ابن الخطيب، الذي ترجم له في "الإحاطة" -لأنه سكن غرناطة مدة- و"عائد الصلة"، و"ريحانة الكتاب" أنه: "جرت عليه جراية تبلغ بها، وارتفع بسببها، رعيا لأبيه، وبيته النبيه"، وأورد له قطعة "خاطب بها السلطان يستعديه على من مطله من العمال، وعذر عليه واجبه من الطعام والمال". وله شعر يمدح فيه ابن الخطيب، وكان هذا يدعوه شيخه، وقد حدد هو وابن حجر كيفية وفاته، فذكرا أنه خرج مجاهدا متطوعا مع المسلمين في جيش مالقة، ففقد أو قتل في وقعة كانت بينهم وبين النصارى، وهكذا أبى هذا المغربي إلا أن يموت شهيدا، وكأنه فاز بالشهادة مرتين. وكان لابن عبد الملك أولاد آخرون غير محمد وأحمد، وهو يتحدث عنهم بالجمع بدون تحديد أحيانا والتحديد أحيانا أخرى، فقد ذكر في ترجمة ابن الزبير أنه بعث إليه ببرنامج رواياته محملا له ولبنيه إياه، وقال بعد ذلك في الترجمة نفسها: "وكتب إلي وإلى بني بإجازة ما رواه وألفه مطلقا". وفي ترجمة ابن الغماز يقول: "وكتب إلي وإلى بني الخمسة من تونس". أما أولاده الثلاثة الآخرون فلا نعرف عنهم شيئا.
حياته الوظيفية: عاش ابن عبد الملك في عصر مضطرب على العموم تمخض عن زوال دولة الموحدين وقيام دولة بني مرين، فهو من المخضرمين الذين عاشوا في العهدين. وحين ولد ابن عبد الملك في سنة 634 ه كان الرشيد الموحد يحاول رأب الصدع وترقيع الخرق الذي حدث ثم اتسع منذ موت الناصر سنة 620 ه وحدوث أزمة الخلافة الكبرى المشروحة في كتب التاريخ, وكان من عواقب هذه الأزمة فقدان الاستقرار في مراكش وغيرها ونشوب الفتن في كل جهة، وخروج الأندلس وإفريقية من يد الموحدين، وظهور بني مرين وبني عبد الواد، وانحسار نفوذ الموحدين واختلال أمرهم الذي آل إلى الانقراض في آخر الأمر سنة 668 ه. وقد أدرك ابن عبد الملك أربعة من الموحدين هم أصحاب الألقاب الآتية: الرشيد، والمعتضد أبو السعيد، والمرتضى، والواثق وهو الأخير. ونعرف من تاريخ ميلاده (634 ه) وتاريخ وفاته (703 ه) أن عمره نحو سبعين سنة، عاش منه في عهد الموحدين (44) سنة تمثل الشطر الأول من حياته، وعاش الشطر الثاني، ومدته نحو 36 سنة في عهد بني مرين. وقد بدأ يعي الأحداث منذ عهد المعتضد المتلقب بالسعيد أيضا؛ إذ نجده يصف ترتيب الجيش عند "الحركة" لغزو أو سفر، معتمدا على ذاكرة الصبا وما سجلته في صغره وهو لم يتجاوز خمس سنوات بكثير، قال: "فهذه هيئة الترتيب، وقد شاهدته مرات في بروز المعتضد والمرتضى المذكورين وأبي العلاء إدريس بن أبي عبد الله محمد بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن آخر أمرائهم المعتبرين عندهم، فسبحان من لا يبيد ملكه ولا يفنى سلطانه، جل جلاله وتعاظم شأنه".
ومضى القسم الأكبر من هذا الشطر، وحتى من الشطر الذي يليه، في الدرس والتحصيل ولقاء الشيوخ في مراكش وغيرها من حواضر المغرب والأندلس وما يقتضيه ذلك من الرحلات والأسفار ويصاحبه من الرواية والتدوين، وقد رأينا مما تقدم ولعه منذ صغره بتقييد الفوائد واصطياد الشوارد التي كان ينقلها عنه أصحابه في الطلب وبعض شيوخه في العلم، ويبدو أن اتجاهه إلى التاريخ عموما وتاريخ الرجال خصوصا ظهر في وقت مبكر، ونماه لديه الأحداث التاريخية المتعاقبة التي شاهدها وكان قريبا من أصحابها وصانعيها والمكلفين بتدوينها، وكان بعضهم من شيوخه أو معارفه كالرعيني وابن القطان وابن هارون السماتي وغيرهم، ولكن التاريخ كان له هواية لا وظيفة. فما هي الوظيفة أو الوظائف التي اشتغل بها، بعد أن تعلم وتزوج وولد، أو في خلال كل هذا؟ لقد عرفنا أن ابن عبد الملك كان ذا نشب، وأنه كان له شيء من الرباع والدور في مراكش وأغمات، ويستفاد من كتابه أنه أنفق ثروة طائلة في اقتناء نفائس الكتب وذخائر المؤلفات، أما الرباع والدور فإنه يحدثنا عن داره التي يسكنها ودار أخرى له كان يسكنها قاضي مراكش ابن قطرال الأب كما يخبرنا أحد تلاميذه عن داره بأغمات. ومن الطبيعي أن يكون ابن عبد الملك ذا جدة ويسار بحكم ما قد يكون آل إليه من ميراث والديه اللذين عرفنا حيثيتهما في مراكش وقد استعان بذلك على ما يسر له من العكوف على طلب العلم والتنقل في سبيل لقاء أهله رغبة في التفوق والتبريز ونشدانا للشفوف والتمييز، حتى بلغ من كل ذلك ما أراد. كانت الأدوات الفقهية والأدوات الأدبية من أهم ما يتوسل به إلى نيل الوظائف وإدراك الخطط، فالأدوات الأولى تؤدي إلى التوثيق وما فوقه من نيابة وقضاء ونحو ذلك، والثانية تقود إلى الكتابة في الدواوين وما يتصل بها، # وقد توفرت هذه الأدوات معا عند ابن عبد الملك، ولذلك عمل في الخطط الشرعية كالتوثيق والقضاء، واشتغل بالكتابة الديوانية فترة فيما نحسب. ويبدو أنه اشتغل، أول ما اشتغل، بكتابة الشروط وعقد الوثائق التي أخذها ومرن فيها على يد شيوخه من القضاة والموثقين، وأصبح فيها عمدة هو وولده محمد كما تقدم، ولا نستند في هذا إلى نص صريح، وإنما نستشفه من خلال حديثه عن جلوسه الطويل في دكاكين عاقدي الشروط، ولا يكون هذا الجلوس في الغالب إلا لمن ينتصب لهذا العمل الذي كان بداية طبيعية لما بعده، ونظن أنه صرف في هذا العمل وقتا من شبابه وأول كهولته، أى: في أواخر دولة الموحدين، وقد يقوي هذا الظن ما نعرفه عن صلته الوثيقة بشيوخه الذين تعاقبوا على القضاء في هذه الحقبة ومنهم: ابن القطان وابن القشاس وابن علي المدعو بالشريف وغيرهم ممن سبق ذكرهم. ونظن أنه ظل يشتغل بهذا إلى جانب ما كان يفكر فيه أو يقوم به من مشروعات علمية إلى أن "انقرضت دولة بني عبد المؤمن من الأرض وذهبت محاسن مراكش بذهاب دولتهم". ولا بد أن في الأسفار المفقودة من كتابه ما يلقي شيئا من الضوء على هذه الفترة من حياته. وأول ما نقف عليه في حياته الأدبية عند بداية الدولة المرينية هو صحبته ومخالطته لطائفة من الأدباء كان لبعضهم صلة وثيقة بالدولة الجديدة، ومنهم: أبو عمران التميمي الإفريقي الذي ذكر مؤلف "الذخيرة السنية" أنه كان من جلساء الأمير أبي مالك عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق، وكان لهذا الأمير مجلس علمي وأدبي في مراكش انتعشت به الحياة الثقافية في هذه المدينة بعد موتها مع انقراض دولة الموحدين ونقل العاصمة إلى فاس، وكان يشارك في هذا زيادة على الأديب المذكور القاضي أبو الحجاج يوسف بن أحمد بن حكم، وهو من شيوخ ابن عبد الملك، والشاعر مالك ابن المرحل وهو من شيوخ ابن عبد الملك أيضا، وعبد العزيز الملزوزي.
وفي "الذخيرة السنية" نماذج من المسامرات الأدبية التي جرت بهذا المجلس في قصر الأمير المذكور، وذلك في المدة التي أعقبت دخول بني مرين إلى مراكش فيما بين سنة 668 ه وسنة 670 ه. وبعد هذا التاريخ نجد ابن عبد الملك في مدينة أغمات قريبا من واليها أبي علي عمر ابن الفقيه أبي العباس بن عثمان بن عبد الجبار بن داود المتوسي الملياني، وأصل هذا الوالي من مليانة: في المغرب الأوسط, وكان قد ثار على الحفصيين ودعا لنفسه ببلده المذكور سنة 657 ه، ولما اقتحم جيش الحفصيين مليانة بعد حصار دام مدة فر أبو علي المذكور إلى المغرب، ولجأ إلى السلطان يعقوب بن عبد الحق، فأقطعه بلد أغمات -أو ولاه عليها- وقد اشترك في غزوة جبل تينمل سنة 675 ه، وكان منه الافتئات المشهور في نبش قبور الخلفاء الموحدين تزلفا وتشفيا، وفي عهد السلطان يوسف بن يعقوب استعمل على جباية المصامدة، وسعى به مشيختهم ورفعوا إلى السلطان أنه احتجن المال لنفسه فحوسب وأقصي واعتقل، وهلك سنة 686 ه. ويستفاد من كلام ابن عبد الملك أنه كان شديد الاتصال به في أغمات على عهد يعقوب بن عبد الحق، ولكننا لا نعرف ما الذي وصل أسبابه بحبل هذا الرجل الغريب الذي يعد هو وابن أخيه الكاتب من أعجب شخصيات الدولة المرينية في طورها الأول. وكان هذا الوالي، على بطشه وقسوته، يحب الأدب ويرتاح إلى سماع الشعر، ويدعو الشعراء إلى التباري في حلبته، مع براعة في نقده وبصر بتمييز جيده من رديئه، وكانت له حاشية من النبلاء والأدباء والفقهاء، وقد حفظ لنا ابن عبد الملك أسماء بعضهم، وهم: أبو يعقوب ابن الجنان كاتبه، وأبو محمد عبد الله ابن المعز # القابسي نسيبه، وأبو محمد عبد الله بن يحيى بن سليمان التراري الحاج المعروف بالمراكشي شاعره، والحاج النبيل أبو إبراهيم بن عبد السلام بن عمر القزولي صفيه، وأبو الحسن علي بن إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل الأغماتي، وقد ترجم ابن عبد الملك للأول من هؤلاء ترجمة موسعة حافلة بالاستطرادات المفيدة، وهو مهري النسب، سلوي الأصل، تنقل بين القصر الكبير ومالقة وسجلماسة، واشتغل بالكتابة لدى بعض الأمراء والقضاة، واستوطن في الأخير مدينة أغمات حيث عرفه ابن عبد الملك كاتبا عند واليها أبي علي الملياني المذكور. وأما الثاني من هؤلاء فلم نقف له على ترجمة، ويبدو أنه من الحاشية التي قد تكون صحبت الملياني عند لجوئه إلى المغرب، ويظهر أن الثاني والثالث من أعلام مراكش، ولكننا لم نجد لهما ذكرا في المصادر التي بين أيدينا. وأما الخامس فيستفاد، مما ذكره ابن عبد الملك، أنه أديب شاعر هواري الأصل أغماتي البلد، ويبدومن سلسلة نسبه أنه حفيد الولي الصالح أبي عبد الله محمد بن إسماعيل الهواري الأغماتي المتوفى عام 581 ه, وفي "التشوف" ترجمته (رقم 118) وأخبار أخرى تطلعنا على مكانته العلمية والروحية في أغمات، وحفيده المذكور الذي كان من حاشمية الملياني وصفه المؤلف بأنه: "أبرع من اشتملت عليه أغمات حينئذ وأسرعهم بديهة وأشهرهم إجادة وتفننا"، وأورد له في مكان آخر قصيدة في الإشادة بالخزانة التي أنشدها أبو الحسن الشاري في سبتة، وقال ابن عبد الملك في التمهيد لها: "وسمعتها من لفظه رحمه الله"، ومعنى ذلك أنه كان متوفى عندما كان ابن عبد الملك يحرر كتابه في نهاية العقد الأخير من القرن السابع الهجري.
ولا نعرف "الحيثية" التي كانت لابن عبد الملك ضمن هذه المجموعة، ولا الوظيفة التي كان يشغلها يومئذ في أغمات، فهل كان قاضي البلد في عهد الوالي المذكور أم أنه كان من كتابه؟ لا يذكر ابن عبد الملك شيئا من هذا ولم نقف على أي خبر في الموضوع، وكل ما لدينا الآن هو هذا النص الطويل الذي يتحدث فيه ابن عبد الملك عن الحياة الأدبية في أغمات على عهد واليها الملياني، ووصف مجلس من المجالس الأدبية في قصره، قال: "حضرت معه (أى: مع ابن الجنان) يوما قريب الزوال بمجلس أبي علي عمر ابن الفقيه أبي العباس بن عثمان بن عبد الجبار بن داود المتوسي الملياني وهو وال بأغمات وريكة ... "، ثم ساق حكاية حكاها ابن الجنان كاتب الوالي المذكور نجد نصها الكامل في آخر السفر الثامن من "الذيل والتكملة"، ومضمن الحكاية أن ابن زنون أمير مالقة كان له خاتم يطبع به كتبه لا يفارقه ولا تطبع به الكتب إلا بحضوره، فأمر ذات يوم كتابه -وكانوا ثلاثة- بإنشاء رسائل واستعجلهم فيها، ودخل إلى قصره، فلما فرغوا منها اتفقوا على أن يخبروه بذلك شعرا لاستحسانه له، فكتب كل واحد منهم بيتا في البطاقة التي سر بها الأمير المذكور، ثم يقول ابن عبد الملك: "وحضر لإيراد هذه الحكاية بعض من يغشى مجلس أبي علي أو يتردد إليه، وله حظ من الأدب وقرض الشعر"، وسرد الأسماء التي سبق ذكرها، ثم قال: "فاستظرفها أبو علي والحاضرون وأعجبوا بها وتفاوضوا في شأنها ساعة، ثم قال أبو علي: ليت شعري! لو كان معهم رابع ماذا كان يقول؟ وهل تمكن الزيادة على هذه الأبيات؟ فقال الجميع: إن المعنى قد كمل ومنع الزيادة! فقال: من المحال عادة أن يكون معهم رابع ولا يجري مجراهم في الإتيان بمثل ما آلوا به، فخذوا في الزيادة عليها، وأشار بذلك إلى ابن المعز وأبي محمد المراكشي وأبي إبراهيم القزولي، وأضاف إليهم ابن الجنان مورد الحكاية وقال له: هبك لست أحد الناظمين المذكورين". ثم يتحدث ابن عبد الملك عن نفسه فيقول: "ثم عطف (أي: الوالي) علي، وطالبني بالموافقة لهم في ذلك، ولم يكن رأى لي # قبل بيتا واحدا ولا أشعرته بأني خضت في نظم قط، فاستعفيته من ذلك فلم يعفني، وقال: وما الذي يمنعك ومواد النظم كلها عندك عتيدة؟ فلا وجه لاستعفائك ولا بد لك من مشاركة الأصحاب فيما خاضوا فيه". ونحس من هذه الفقرة المكانة المتميزة التي كانت لابن عبد الملك على الأصحاب المذكورين لدى الوالي، ونكاد نحس من تحرجه من قول الشعر أن وراءه صفة دينية تجعله يستعفي من المشاركة في مثل هذه المطارحات الإخوانية، وما نحسب هذه الصفة إلا أنها خطة القضاء التي تليق بابن عبد الملك أكثر من صفة الكتابة الديوانية ونحوها, ولهذا نظن أنه كان يومئذ قاضيا في أغمات، وهذا ما لم يذكره مترجموه فيما لم يذكروه، وذلك قبل أن تسند إليه خطة قضاء الجماعة بحضرة مراكش كما سنذكره فيما بعد، وقد يقوي هذا الظن أن ابن عبد الملك كان يجالس الوالي المذكور وحده دون غيره أحيانا، قال في خلال استطراده المشار إليه: "فلما كان قريب المغرب خرج أبو علي (الوالي) إلى مجلسه المطل على الساقية العظمى السلطانية المشرف على الممر الأعظم شرقي الجامع، فجالسته هنالك منفردين وكنت مقابل الممر وأبو علي (الوالي) مقبل علي وقد استدبره بعض الاستدبار". فهذه الحال الموصوفة ليست حال كاتب لدى الوالي المذكور أو نديم له، وإنما هي حال قاض مثلا يتمتع باحترام الوالي، ولا سيما إذا كانا معا مشتركين في عراقة الأصل والنسب، وزمالة العلم والأدب، ومن يدري؟ فقد تكون بين الرجلين أواصر أخرى كالمصاهرة مثلا، ثم لا ننسى أن ابن عبد الملك يمت من جهة أمه -كما سبق- بسبب إلى المغرب الأوسط بلد الوالي المذكور. ومهما يكن الأمر فقد شارك ابن عبد الملك في الأخير في هذه المطارحة الأدبية وصنع قصيدة عصماء نظمها في ليلة واحدة، قال: "ولقيته بها بعد العصر من الغد لما لم يتأت لقاؤه بها صدر النهار لخروجه إلى بعض المواضع"، ثم قال: "وتربصت بأبي علي خلوته بدخوله إلى مجلسه الخاص من مجلسه العام، ودفعت إليه القصيدة، فلما رآها قال لي: لمن هذه؟ فقلت: قف عليها، فقال لي: هذا خطك، # فمن ناظمها؟ قلت: كاتبها، فاشتد تعجبه من فعلي أولا وإتياني بها ثانيا، حتى كان من كلامه: إن هذه البلاد ولادة منجبة" ثم أورد القصيدة، وهي تقع في أكثر من 70 بيتا مدح فيها الوالي وأطنب في مدحه وذكر والده الفقيه المعروف الذي وصفه بأنه "بحر العلوم دراية ورواية" كما نعته بالدين المتين والورع والتقوى، ثم عطف على غرض "التذييل" الذي أشار به الوالي على جماعة الشعراء من حاشيته وسرد قصته. ويفهم من الكلام السابق أن الوالي المذكور كان له مجلسان: مجلس عام يحضره عامة حفظة الأدب والعلم وحملة السيف والقلم، ومجلس خاص مقصور على الخواص منهم، وكان على رأس هؤلاء ابن عبد الملك حسبما يدل عليه كلامه، فهو يحضر مجلسيه، وينفرد بمجالسته أحيانا، والوالي يعرف خطه، وهذا قد يؤيد ما ذهبنا إليه من أنه ربما كان يتولى خطة القضاء في أغمات يومئذ. وقد أعجب الوالي بقصيدة ابن عبد الملك إعجابا كبيرا وأمر كاتبه بمعارضتها، فعارضها بقصيدة لم تقع منه موقع الاستحسان، قال: "فلم يرفع أبو علي بها رأسا، واتخذ قصيدتي سميرا ونجيا وأنسا، يوالي مطالعتها, ولا يسأم مراجعتها، وكلما رجع بها بصره، وأعاد فيها نظره، زاد بها شغفا، وشاء لها شرفا، فنفق سوقها، وشهر سموها على أترابها وبسوقها". وفي هذا الكلام ما يزيد دلالة على الحظوة التي كانت لابن عبد الملك عند هذا الوالي، وفيه أيضا دلالة على طبيعة ابن عبد الملك المعجب بآثاره, المفتون بكلامه، وذلك ما سوف نتحدث عنه في موضعه. والحق أن القصيدة في جملتها لاحقة بشعر الفقهاء، وفيها تكلف ظاهر، وإشارات علمية تعرب عن ثقافة ناظمها وغلبة معارفه على لسانه وعدم قدرته على التخلص منها عند النظم، ولعل ذلك كان أيضا مجاراة لروح العصر وطبيعة البيئة الأدبية السائدة يومئذ.
ويفهم من كلام ابن عبد الملك أن له قصائد ومدائح في الوالي الملياني، وأن القصيدة المشار إليها هي أولى قصائده فيه؛ فقد أورد في السفر الأول قطعة لابن عميرة المخزومي آخرها: أولئك جادوا والزمان مساعد ... وجدت لعمري وهو غير مساعد وعقب على ذلك بقوله: "وقد ألممت بمعنى البيت الأخير من هذه الأبيات فقلت من قصيدة طويلة أمدح بها الفقيه الرئيس الأطول أبا علي عمر ابن الفقيه الأجل العلم الشهير أبي العباس الملياني وصل الله أسباب سعادته، وهي أول ما رفعت إليه: يا من يقيس به سواه في الندى ... ألغيت في النظر اعتبار الجامع هذا يجود وفي الموانع كثرة ... وسواه ضن مع ارتفاع المانع" وهذان البيتان يمثلان لما ذكرته من استخدام ابن عبد الملك لمصطلحات العلوم في نظمه، وهذا زيادة على استمداده من محفوظه الشعري. ولم نقف، فيما بين أيدينا، على غير هذه القصيدة في مدح الرئيس المذكور، ولقد أشار ابن الزبير في ترجمة ابن عبد الملك إلى أنه كان "شاعرا مجيدا امتدح بعض كبراء وقته". ولا نعرف الآن من هؤلاء الكبراء إلا الرئيس الملياني، كما أننا لا ندري أمدح بعض ملوك بني مرين الذين عاصرهم أم لا. ومهما يكن الأمر فإن ابن عبد الملك -على ما يبدو- ظل على صلة بالوالي الملياني إلى حين نكبته التي تحدثت عنها المصادر التاريخية، وخلاصتها ما ذكره الناصري في "الاستقصا"، قال: "ولما هلك السلطان يعقوب وولي بعده ابنه يوسف استعمل أبا علي الملياني على جباية المصامدة، فباشرها مدة، ثم سعى به شيوخ المصامدة عند السلطان بأنه احتجن المال لنفسه، فأمر السلطان بمحاسبته # فحوسب، وظهرت مخايل صدقهم عليه فنكبه السلطان يوسف أولا ثم قتله ثانيا" . وقد كان لنكبة هذا الوالي الملياني ذيول تمثلت في حادثين بارزين يعدان من أغرب حوادث العصر المريني الأول، أولهما: افتئات أحمد الملياني -ابن أخي الملياني المنكوب- على السلطان مخدومه بتزويره كتابا على لسانه يأمر فيه ولده أمير مراكش بقتل شيوخ المصامدة المعتقلين، وقد فعل هذا انتقاما لعمه وأخذا بثأره. والحادثة الثانية هي: فتك الخصي سعادة بالسلطان يوسف بن يعقوب سنة 756 ه، وهذا الخصي كان مملوكا لأبي علي الملياني الذي أهداه إلى السلطان المذكور. ولسنا نعرف مدى انعكاسات الأحداث المذكورة والآثار التي يمكن أن تكون لها على ابن عبد الملك نظرا لصلته بالملياني، ولكن تجدر الإشارة إلى أن هذه الصلة كما تحدث عنها كانت في عهد السلطان يعقوب بن عبد الحق. أما في عهد ولده السلطان يوسف (685 - 706 ه) فقد شغل ابن عبد الملك خطة قضاء الجماعة بمراكش، ولم يحدد ابن أبي زرع تاريخ ولايته هذه الخطة، وإنما عده في جملة من تولوا هذه الخطة على عهد السلطان المذكور، فقال: "وقضاته بحضرة مراكش: الفقيه أبو فارس العمراني، والفقيه أبو عبد الله السقطي، ثم الفقيه أبو عبد الله ابن عبد الملك". ويستفاد من هذا الترتيب أن ولاية ابن عبد الملك كانت في العشر الأواخر من القرن السابع الهجري، أى: قبل وفاته بسنوات معدودات، ولا نستطيع تحديد مدة قضائه التي أشار إليها ابن الزبير بقوله: "ولي أبو عبد الله قضاء مراكش مدة ثم أخر عنها لعارض سببه ما كان في خلقه من حدة أثمرت مناقشة موتور وجد سبيلا فنال منه".
وهذا كلام مجمل وحديث مبهم، فمن هو الموتور المشار إليه؟ وما هو نوع الترة المومإ إليها؟ وما طبيعة المناقشة المذكورة؟ ليس ثمة من سبيل الآن إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، فقد طويت أخبار هذا الحادث، وغيبت عنا أسراره. وكل ما لدينا الآن أن ابن عبد الملك قفى السنوات الأخيرة من حياته متنقلا من أغمات إلى تلمسان وما بينهما، أما أغمات فقد عرفنا مما سبق اجتماع ابن عبد الملك وابن رشيد فيها خلال هذه الفترة على ما يبدو، وعرفنا مما ذكره أحد تلاميذه أنه كان موجودا بها سنة 702 ه. ويبدو أنه كانت له بها دار وما يتصل بها من فلاحة أو نحوها, ولعله اكتسب ذلك، إذا كان، في المدة التي قضاها بها على عهد الملياني. وأما تلمسان فقد كان يتردد عليها مدعوا إليها -على ما يظهر- وذلك للالتحاق بمحلة السلطان يوسف بن يعقوب بن عبد الحق خلال ذلك الحصار الطويل الشهير الذي دام مئة شهر، وإنما قلنا: إنه كان يتردد على تلمسان؛ لأننا وجدناه يذكر سفرته إلى تلمسان ومروره بفاس وهو في طريقه إليها "في جمادى الأخرى تسع وتسعين وست مئة"، ثم نجده في أغمات سنة 702 ه، وعاد بعد ذلك إلى تلمسان حيث "توفي رحمه الله بتلمسان الجديدة في أواخر محرم سنة ثلاث وسبع مئة" كما يقول ابن الزبير شيخ ابن عبد الملك، وقال تلميذه أبو الحسن المطماطي: "وتوفي رحمه الله سنة ثلاث بعد سبع مئة بظاهر تلمسان حين توجه إلى المحلة الكائنة بها". ولا خلاف بين القولين؛ فإن تلمسان الجديدة تقع بظاهر تلمسان القديمة، ويلمسان الجديدة أو المنصورة هي المدينة التي أسسها في سنة 700 ه السلطان يوسف بن يعقوب بن عبد الحق بإزاء تلمسان وهو محاصر لها ذلك الحصار الطويل المشروح في كتب التاريخ.
وتاريخ الوفاة المذكور ورد أيضا في "درة الحجال" و"الديباج المذهب" ، وقيد هذا التاريخ بحساب الجمل أبو عبد الله محمد بن علي الفشتالي في منظومته التاريخية فقال: * وقل في ابن عبد مالك: "ذاب" خشية * ولقد حصل اضطراب لدى بعض المتأخرين في تاريخ وفاة ابن عبد الملك وكيفيتها، فقد جاء في وفيات أحمد الونشريسي: "وفي سنة أربع وسبع مئة توفي قتيلا الشيخ الشهير أبو عبد الله محمد بن عبد الملك الأنصاري مؤلف "الذيل والتكملة" ". والاضطراب في هذا الكلام واضح من جهة التاريخ "أما الاضطراب من جهة الكيفية فلعل سببه الخلط بين ابن عبد الملك الوالد وابن عبد الملك الولد، فهذا الأخير هو الذي مات قتيلا أو شهيدا كما سلف، وأما ابن عبد الملك الأب فيبدو أنه مات موتا عاديا بعد أن بلغ سبعين سنة تقريبا، ويبدو أن سبب وجوده في محلة السلطان يوسف المريني هو ما جرت به عادة ملوكنا من استصحابهم كبار العلماء في حركاتهم، واستدعائهم إلى محلاتهم لمذاكرتهم وشهود مجالسهم، ونظرا لأن محلة السلطان يوسف بقيت مضروبة على تلمسان مئة شهر كما ذكرنا، فقد كان ابن عبد الملك -على ما يبدو- يستأذن من حين لآخر في مغادرتها، بقصد زيارة أهله، ومباشرة أشغاله، وهذا ما يفسر تردده بين تلمسان وداره في أغمات، وثمة عبارة في "المرقبة العليا" تشير إلى أنه توفي عند قفوله -أى: رجوعه- إلى تلمسان، ولهذا فلسنا نذهب مع من ذهب إلى أنه ربما كان منفيا في أغمات أو مات مغربا في تلمسان، وما سقناه من نصوص وذكرناه من تأويل هو الذي يتلاءم مع طبيعة الأحداث وسياق التاريخ.
ثقافته: إن الجولة التي قمنا بها عبر شيوخ ابن عبد الملك وأصحابه وتلاميذه ووظائفه تقودنا إلى الحديث عن ثقافته ومعارفه وعلومه، لقد عاش ابن عبد الملك في قرن يمكن نعته بأنه أكثر القرون في المغرب ازدهارا بالعلوم والآداب والفنون، وعاش في مراكش حاضرة الغرب الإسلامي التي تجمع فيها على عهده تراث المشرق والمغرب، وقصدها أهل العلم من جميع أرجاء العالم الإسلامي، وتوفرت له وسائل الطلب وأدوات العلم، وكان بطبعه ومنذ صغره ذا نهم للمعرفة لا يشبع، وصاحب طموح إليها لا يقف عند حد من أجل الوصول فيها إلى أقصى الغايات وأعلى الدرجات، وأعانه على تحقيق أهدافه العلمية ما كان له من الجدة والجاه والشغف بالتحصيل، وهكذا أقبل منذ نعومة أظفاره على ينابيع المعرفة يعب وينهل، وسعى إلى كبار الشيوخ وأعلام الأساتيذ، يروي عنهم، ويلزم مجالسهم ويرحل إليهم، وكان لا يفتأ يكتب ويقيد، ويقابل ويعارض ما يقع إليه من ذخائر المؤلفات، ونفائس المصنفات، حتى استوت له ملكة علمية فذة، واستقامت عنده مشاركة واسعة في كثير من أصول العلم وفروعه، فغدا حجة في علوم القرآن، خبيرا بالقراءات التي تلقاها عن المهرة فيها، محيطا إحاطة نادرة بما ألف فيها، يبدي فيها رأيه، ويصدر حولها حكمه، كقوله في ترجمة المقرئ قاسم ابن الحاج الإشبيلي: "وصنف في السبع "البديع"، وكان كثير من الشيوخ يؤثرونه على معظم ما صنف في فنه، وإنه لكذلك". كما كان مطلعا على تفاسير القرآن على اختلاف مناهجها ومذاهب أصحابها يصفها وصف قارئ لها ممارس لمراجعتها، وهذا رأيه -على سبيل المثال- في "الكشاف" للزمخشري الذي اختلف فيه أهل السنة في المغرب والمشرق، قال: "وفي الكتاب المذكور جملة كبيرة جلية وخفية مما أشار إليه أبو الحسين رحمه الله، # ولكنه على ذلك مترع فوائد ومشحون غرائب علمية لا توجد مجموعة في كتاب غيره ألبتة، سوى ما اختص به من كثير ما احتوى عليه من التنبيه على حسن نظم القرآن العظيم والإرشاد إلى بديع رصفه والكشف عن وجوه إعجازه". ولا أكاد أعرف تقويما للكشاف لأحد من أهل السنة بمثل هذا الإنصاف والاعتدال والتفطن لقيمته وقدره إلا ما كان من رأي ابن خلدون في "المقدمة"، وهو شبيه برأي ابن عبد الملك، ولعل ابن خلدون وقف عليه وانتفع به في قوله: "ومن أحسن ما اشتمل عليه هذا الفن من التفاسير كتاب "الكشاف" للزمخشري من أهل خوارزم العراق، إلا أن مؤلفه من أهل الاعتزال في العقائد، فيأتي بالحجاج على مذاهبهم الفاسدة، حيث تعرض له في آي القرآن من طرق البلاغة، فصار بذلك للمحققين من أهل السنة انحراف عنه وتحذير للجمهور من مكامنه، مع إقرارهم برسوخ قدمه فيما يتعلق باللسان والبلاغة، وإذا كان الناظر فيه واقفا مع ذلك على المذاهب السنية محسنا للحجاج عنها فلا جرم أنه مأمون من غوائله، فلتغتنم مطالعته لغرابته في فنون اللسان". أما علوم الحديث فكان فيها فارس الميدان وكميت الحلبة ولا سيما الأسانيد، وقد اعترف شيخه ابن الزبير -وهو إمام المدرسة الحديثية في عصره بالغرب الإسلامي- بعلو كعب ابن عبد الملك في معرفة الأسانيد عندما ذكر أنه كان "نقادا لها حسن التهدي جيد التصرف وإن قل سماعه". وفي الجملة الأخيرة نظر؛ فابن عبد الملك وإن لم يبلغ سماعه وشيوخه في العدد مبلغ سماع شيخه ابن الزبير وصاحبه ابن رشيد السبتي مثلا، إلا أنه يتفوق في النقد الإسنادي والزيادات والاستدراكات على مصنفات أئمة الحديث من أهل عصره ومن قبلهم، مما يدل على تبحره وتوسعه وإحاطته واستيعابه، وآية ذلك عمله في الجمع بين كتابي ابن القطان وابن المواق "مع زيادات نبيلة من قبله" كما يقول # ابن الزبير نفسه. وقد نوه بهذا العمل الرحالة العبدري وأبو الحسن المطماطي، وفخر به ابن عبد الملك فخر متحدث بنعمة الله عليه فقال: "وقد عنيت بالجمع بين هذين الكتابين مضافين إلى سائر أحاديث الأحكام وعلى ترتيبها وتكميل ما نقص منها، فصار كتابي هذا من أنفع المصنفات وأغزرها فائدة، حتى لو قلت: إنه لم يؤلف مثله، لم أبعد، والله ينفع بالنية في ذلك" . ومثل هذا النص في الدلالة على سعة اطلاعه في الحديث وأسانيده واعتداده بذلك، ما نجده في ترجمة أبي محمد ابن القرطبي، فقد ذكر كتابه "تلخيص أسانيد الموطإ" من رواية يحيى بن يحيى وساق كلاما لابن الأبار حوله جاء فيه: "وهو ما دل على سعة حفظه وحسن ضبطه .. وقد استدركت عليه مثله أو قريبا منه"، ثم عقب على هذا بقوله: "قال المصنف عفا الله عنه: أسر ابن الأبار في هذا الثناء، حسوا في ارتغاء، وأظهر زهدا في ضمنه أشد ابتغاء، ولم أقف على كتاب ابن الأبار، غير أني وجدته يذكر بعض ذلك في مواضع من "تكملته"، وفي أملي التفرغ لالتقاطه إن شاء الله، وأرى أنه محل استدراك، ومجال اشتراك، فقد وقفت على ما لم يذكراه، وعثرت فيما طالعت على ما لم يسطراه، والإحاطة لله وحده". ومن يستدرك على محدثين حفاظ من طبقة ابن القطان وابن المواق وابن الرندي وابن الأبار، لا بد أنه بلغ شأوا بعيدا في الاطلاع على أمهات كتب الحديث والوقوف على مختلف معاجمها، وعندما فخر الملاحي بصنيعه في الكتاب الذي عنونه: "كتاب الأربعين حديثا عن أربعين شيخا من أربعين قبيلة في أربعين بابا من العلم من أربعين بين مسند ومصنف عن أربعين من الصحابة - رضي الله عنهم - بأربعين اسما من أربعين قبيلة معرفا بجميعهم رحمهم الله من صحيح حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "، وعرته نشوة من الزهو فقال: "وهذه أعجوبة محجوبة، حجبها الله تعالى فلم يقع أحد في علمي عليها، فله الحمد والشكر أن هداني ووفقني # إليها"، انبرى له ابن عبد الملك قائلا: قال المصنف عفا الله عنه: "ما تضمنته هذه الترجمة (أي: عنوان الكتاب المذكور) من ذكر أنواع الأربعين لا يصح أكثرها ولا يسلم على الانتقاد منها إلا أقلها، وقد نبهت على ما لحقه فيما أخل به من ذلك في مقالة بينت فيها معتمده ومنحاه". بينما نجده يمتدح صنيع ابن الأبار من أنواع الأربعين الذي عنوانه: "الأربعون حديثا عن أربعين شيخا من أربعين مصنفا، لأربعين عالما من أربعين طريقا، إلى أربعين تابعا، عن أربعين صاحبا، بأربعين اسما من أربعين قبيلا في أربعين بابا"، فيقول بلهجة المطلع المنصف: إن ابن الأبار أبان في هذا الكتاب عن "اقتداره مع ضيق مجاله عما عجز عنه الملاحي". وعلى ذكر الملاحي نشير إلى أن ابن عبد الملك نقل في "الذيل والتكملة" ما يلي: "وكان أبو محمد ابن حوط الله يقول: "المحدثون بالأندلس ثلاثة: أبو محمد ابن القرطبي وأبو الربيع بن سالم، ويسكت عن الثالث فيرونه يعني نفسه، قال أبو عبد الله ابن الأبار: ولم يكن أبو القاسم الملاحي بدونهم"، وقد عقب على هذا الكلام بقوله: "قال المصنف عفا الله عنه: أبو القاسم الملاحي وإن كان من مشاهير المحدثين، وجلة الحفاظ المؤرخين، فإنه ينحط مهاوي كثيرة عن مرقى هؤلاء العلية رحمهم الله، ولا يدانيهم في تفننهم وجلالة معارفهم، ومن تصفح أحوالهم وتأمل آثارهم تبين له ما ذكرته". ولا أريد أن أطيل في سرد الدلائل على ثقافة ابن عبد الملك الحديثية، فهي كثيرة. وثمة نماذج من أسانيده ومروياته الحديثية في كتابه "الذيل والتكملة" ، ومذكرات ابن الحاج البلفيقي، و"استنزال السكينة".
وأما النقد الإسنادي الذي برز فيه فنجد منه الشيء الكثير في "الذيل والتكملة"، وسنشير إلى شيء منه فيما بعده وكان ابن عبد الملك متمكنا من أصول الكلام وأصول الفقه وفروعه، أخذها عن الفحول من أهلها، وذكر في كتابه عددا كبيرا مما ألف فيها، وأهله تضلعه في هذه العلوم لخطة قضاء الجماعة التي لم تكن تسند يومئذ إلا للراسخين في العلم، ولقد أشار ابن الزبير إلى مشاركته في الفقه، كما ذكره النباهي في رجال القضاء والفتيا، وحلاه ابن رشيد السبتي بالفقيه الجليل، وهو وإن لم يؤلف في الفقه فإن في كتابه "الذيل والتكملة" مظاهر من ثقافته الفقهية وردت عرضا وجاءت استطرادا، وأكتفي هنا بالإحالة على مواضعها في الكتاب المذكور . وكان لهذه الثقافة تأثير على أدبه وشعره كما سنرى ذلك. وأما ما يدعى بالعلوم القديمة كالفلسفة وغيرها فإن في كتابه "الذيل" مما يدل على وقوفه على كتبها وقراءته لبعضها, ولم تعرف القائمة الكاملة من مؤلفات ابن رشد -مثلا- إلا بواسطته، إلا أن موقفه من الفلسفة هو موقف أهل عصره؛ ولذلك نجده يورد ما قيل من شعر ونثر في مهاجمتها، ونحن نأنس من كتابه ازوراره عمن يخرج عن الخط السني المالكي كابن حزم مثلا. أما ثقافة ابن عبد الملك الأدبية فإنها على جانب كبير من الاتساع؛ إذ كان "ذا معرفة بالعربية واللغة والعروض"، وكان"أديبا بارعا شاعرا مجيدا" كما يقول ابن الزبير، ونعته العبدري الحيحي بالأديب الأوحد، وقال فيه ابن رشيد: المتفنن الأديب، بينما وصفه ابن الخطيب بالتبحر في الآداب، ولنا أن نتصور # مستوى الثقافة الأدبية لمن يدرس في المرحلة الابتدائية من تعلمه "حماسة أبي تمام" والأشعار الستة، و"جمل" الزجاجي و"فصيح ثعلب". وقد انتفع ابن عبد الملك في تكوينه الأدبي بشيوخ الأدب في عصره وأعلام الترسيل والقريض في وقته من طبقة الرعيني وغيره. كما قرأ الكثير من أمهات الأدب، وكتب النحو، ودواوين الشعر، ومصنفات العروض، ولو شئنا أن نحصي مقروءاته مما ذكرنا، من خلال كتابه "الذيل والتكملة"، لكثر العد وعسر الحد، ويتميز كتابه المذكور بالتعرض للمسائل النحوية واللغوية والعروضية، كما يختلف عن غيره من كتب التراجم الأندلسية بكثرة الاختيارات الأدبية، فابن عبد الملك كما يقول أستاذنا المرحوم عبد العزيز الأهواني: "لا يقف عند ذكر الناحية العلمية -كما فهمها أهل عصره- من سرد أسماء الشيوخ والتلاميذ والمؤلفات، وإنما يتجاوز ذلك إلى الأدب نثرا وشعرا، فيورد القصائد الطوال والرسائل الأدبية التي تدخل في باب الإخوانيات مما يجعل بعض أجزاء كتابه أشبه بكتاب "الذخيرة" لابن بسام منه بكتاب ابن الفرضي أو ابن بشكوال". وإن إلقاء نظرة على فهارس القوافي والرسائل الإخوانية والدواوين الشعرية والمصنفات الأدبية في الأسفار الموجودة من الكتاب ليدل على مدى سعة اطلاع ابن عبد الملك في الآداب وتبحره فيها. وأما تعرضه للمسائل النحوية واللغوية والعروضية والنقدية فهو مبثوث في ثنايا بعض التراجم. وكان للعروض نصيب كبير من عناية ابن عبد الملك؛ إذ إنه وقف على ما لم يقف عليه غيره من مصنفاته، وألف فيه، ونافس أقرانه من أمثال القللوسي # وابن رشيد في حذقه، إن لم يكن بزهم فيه؛ ولذلك نجده في كتابه منجذبا نحوه، منجرا للكلام فيه كلما عنت مناسبة أو سنحت فرصة، بل إنه ضمن أحد تراجم كتابه مؤلفا كاملا فيه، وكثيرا ما يستند في نقده الأدبي إلى ثقافته العروضية. ويمكن القول على الإجمال بأن ثقافة ابن عبد الملك الأدبية كانت ثقافة متينة، وقد بدت ثمراتها في شعره ونثره ونقده مما سنعرض له بعد قليل. إن المعارف التي كانت -حسب ابن الزبير- غالبة على ابن عبد الملك، ومستبدة بنشاطه، ومستغرقة لوقته وجهده، هي المعارف التاريخية على العموم وما يرجع منها إلى طبقات الرجال وتراجمهم وأسانيدهم على الخصوص، قال ابن الزبير -وقد ذكر كتابه "الذيل والتكملة"-: "وعلى هذا الكتاب عكف عمره، ولم يتم له مرامه منه إلى أن لحقته وفاته؛ لأنه ألزم نفسه فيه ما يعتاص الوفاء به من استيفاء ما لم يلتزمه ابن بشكوال ولا الحميدي ولا ابن الفرضي ومن سلك مسلكهم". لقد نهض ابن عبد الملك بأعباء مهمة تاريخية كان ميسرا لها وملهما إلى التوجه نحوها، وقام بها خير قيام، وأداها بكل أمانة ونزاهة، ولولاه لنسي جم غفير من الأعلام، ولضاع علم كثير، ولعله كان أول من نعى على المغاربة إهمالهم ذكر محاسن علمائهم وإغفالهم تخليد مفاخر فقهائهم. ويا ليته رحمه الله عني بوضع معجم لأولئك الأعلام من المغاربة الذين لم يدخلوا الأندلس ولم يكونوا من شرط كتابه ولا كتب الأندلسيين الذين زاحمهم في ميدانهم فسبقهم وتفوق عليهم. لا نعرف البواعث التي وجهت ابن عبد الملك نحو التاريخ وتراجم الرجال وطبقاتهم وجعلته يقبل على ذلك بشغف كبير وينصرف إليه بنهم منقطع النظير، حتى إنه وقف عليه اهتمامه، وقفى فيه شهور عمره وأعوامه، وهو لم يشر إلى هذه البواعث في الموجود في مقدمة "الذيل والتكملة"، ولعله ذكر شيئا # منها في آخرها الذي بيض له في النسخة الوحيدة التي وصلت إلينا تامة من السفر الأول. وإذا كان الولع بعمل من الأعمال مما لا يعلل في بعض الأحيان فإن ثمة ظاهرة تستوقف النظر، وهي ظهور طائفة من المؤرخين في أوقات متقاربة ومتسلسلة بمراكش، سواء أكانوا من أهلها أم من الطارئين عليها، نذكر منهم: ابن الصيرفي، والبيذق، وابن صاحب الصلاة، ويوسف بن عمر، وعبد الواحد المراكشي، والتادلي، وابن القطان، وابن بيرة، وابن حماد، وابن عذاري، وصالح ابن أبي صالح الإيلاني. وهؤلاء المؤرخون الأعلام سواء منهم الرسميون وغيرهم يؤلفون ما يمكن أن نطلق عليه المدرسة المراكشية في التاريخ، وهذه المدرسة بدأت مع تأسيس مراكش والمرابطين واستمرت حتى قيام المرينيين، ولقد نقل ابن عبد الملك عن بعض هؤلاء ونقل بعضهم عنه، ونرى أنه كان أوسعهم جميعا في الاطلاع على المصادر والوثائق ولا سيما في التراجم وتاريخ الحياة العلمية والأدبية، وساعده على التوسع في المواد التاريخية والتضلع في مختلف جوانبها، والوقوف على قضاياها والنفوذ إلى أسرارها وخفاياها عوامل متعددة، منها: وجوده في مركز الأحداث التاريخية، وقربه من أصحابها أو صانعيها كما يقال، وجمعه لمكتبة تاريخية مشتملة على مصادر أخبارية ووثائق رسمية أصلية بخطوط أصحابها ما نظن أنها تيسرت لغيره، وقبل ذلك كله شغف بل غرام بالتواريخ والأخبار سلب لبه وشغل عقله، ولعله دلف إلى التاريخ من بابه الإسلامي الأصيل، باب الأحاديث والأسانيد، على أننا نجده منذ صغره متحفز الوعي بالأحداث التاريخية قوي الملاحظة لمظاهرها، فقد وصف ترتيب الجيش ونظامه عند الخروج لغزو أو سفر في أواخر الموحدين اعتمادا على ذاكرته، وكان لصلته -وهو صغير- ببلاط الموحدين، وعلاقته -وهو # طالب شاب- بقضاتهم وعمالهم وكتابهم ونقبائهم ومؤرخيهم أثر قوي في تكوينه التاريخي، وتكفي الإشارة إلى صلته الوثيقة بشيوخه من رجال الدولة وخاصة الخلفاء أمثال الرعيني وابن القطان والعراقي وغيرهم ممن ذكرنا فيما سبق، ونحسب أنه انتفع بتقاليد بعض التاريخيين والأخباريين المنسيين مثل: أبي العباس أحمد بن هارون السماتي نزيل مراكش المتوفى سنة 649 ه، أدركه ابن عبد الملك وعاينه وذكر أنه اهتم بتخليد التواريخ "وقطع في ذلك عمره الممتد وتخلف من ذلك أحمالا من التصانيف الكبار والصغار والتعاليق والفوائد شهدت بطول إكبابه على خدمة العلم وإن كانت تشتمل على أوهام عثرت على كثير من ذلك فيها"، وقد نقل عنه في "الذيل والتكملة" مرات متعددة. يمكن أن نميز صنفين من المعارف التاريخية لدى ابن عبد الملك، فالصنف الأول يعتمد فيه على المشاهدة والرواية الشفوية والسماع المباشر، ويندرج في هذا النوع "الفذلكات" التاريخية الاستطرادية في كتابه "الذيل والتكملة"، وكذلك تراجم من أدرك حياتهم أو قارب عصرهم، وهو في هذا النوع مصدر لمن جاء بعده من المؤرخين كابن عذاري وابن الخطيب وغيرهما، والصنف الثاني يرجع فيه إلى المدونات التاريخية، وما أكثر ما وقف عليه منها، وقد ذكر ما يخص طبقات الرجال في مقدمة "الذيل والتكملة"، كما أشار إلى كثير منها في أثنائه، ومما يتعلق بالتاريخ العام في الأندلس والمغرب مؤلفات: الرازيين، والوراق، وابن حيان، والحكيم، وابن حزم، وعريب بن سعيد، والملاحي، وابن صاحب الصلاة، والسالمي، وأبي العباس أحمد بن علي الإشبيلي، وأبي القاسم محمد بن حميد البرجاني، وأبي عبد الله ابن علقمة، وهو يقومها بكلمات تطول أو تقصر أحيانا، فقد نقل عن الرازيين: أحمد وولده عيسى ووصف تاريخ هذا الذي ألفه للمستنصر بأنه "تاريخ ممتع" وأشار إلى تأليفيه اللذين ألفهما لابن أبي # عامر في "الوزارة والوزراء" وفي "الحجاب"، ونقل عن ابن حيان مرات وعبر عن إعجابه به فقال: "التاريخي الحافظ الحافل" وامتدح كلامه ووصفه بالحسن والتنميق، وأشار إلى ملحوظة دقيقة تتعلق بتصرفه في كلام أحمد الرازي الذي ينقله في "المقتبس"، وانفرد -فيما نحسب- بالنقل عن كتاب عبد الله الحكيم في "أنساب العرب والبربر الداخلين إلى الأندلس"، كما نقل عن ابن حزم ولا سيما "الجمهرة"، ونجد لديه نقولا من كتاب عريب في تلخيص الطبري لا توجد في المطبوع، ووقف على تاريخ إلبيرة للملاحي وعلى "شجرته" في أنساب العرب والعجم بخطه وأثنى عليهما ووصفهما بالإبداع والإتقان. وابن عبد الملك ينقل عن "المن بالإمامة" "وثورة المريدين" لابن صاحب الصلاة في بعض المناسبات، ولقد لفت نظرنا إلى نقطة غفل عنها دارسو هذا المؤرخ، وهي تتعلق بمصدره في أخباره، ومستنده في تاريخه، فقد قال في ترجمة أبي القاسم محمد بن ثوابة الإشبيلي: "وله عناية بالتاريخ، وعنه أخذ أبو محمد ابن صاحب الصلاة، وبه انتفع في تأليفه المشهور". وإذا كان ابن صاحب الصلاة في السفر الموجود لم يسم شيخه الذي اعتمد عليه فإن ابن عبد الملك رأى من الإنصاف والأمانة العلمية الإشارة إلى دوره وراء ذلك المؤلف الممتاز، ولعله هو الذي اكتفى بالإشارة إليه بعبارة: "قال الراوي" عدة مرات وأبى ابن عبد الملك إلا أن يفصح عن اسمه.
أما السالمي فقد ذكر في ترجمته أن كتبه في التاريخ مفيدة، ووقف على بعضها بخطه، ومنها: "درر القلائد وغرر الفوائد في أخبار الأندلس وأمرائها، وطبقات علمائها وشعرائها"، ونقل مقدمته، كما وقف على مختصره الذي سماه: "عبرة العبر وعجائب القدر في ذكر الفتن الأندلسية والعدوية بعد فساد الدولة المرابطية"، وقال في الكتاب الأول: "وقد وقفت له في هذا الكتاب على أغلاط وأوهام نحوية، وضروب من الخلل في الهجاء الخطي، مصدر بعضها -فيما أرى- الغفلة، ولا جواب عن بعضها إلا الغفلة والجري على المألوف من عبارة العوام". وكتاب "درر القلائد وغرر الفوائد" المذكور، من كتب التاريخ التي نقل منها المؤرخ ابن عذاري وسردها في مصادر كتابه: "البيان المغرب". ومع أن ابن عبد الملك لم يؤلف في التاريخ العام ولم يخلف فيه إلا "الفذلكات" التي أشرنا إليها، فقد نقل عنه أصحاب المدونات التاريخية وفي طليعتهم بلديه ابن عذاري، وذلك في القسم المتعلق بتاريخ الموحدين من كتاب "البيان". ومما صرح فيه باسمه والنقل عنه:
1 - نص يتصل بفتح الموحدين لإشبيلية سنة 541 ه، ويصور وصول عبد العزيز وعيسى أخوي المهدي ويصلاتن ابن عمهما إلى إشبيلية على رأس جيش من الموحدين، وينسب إليهم أفعالا سيئة، ويبدو أن هذا النص من جملة "فذلكة" تاريخية ساقها ابن عبد الملك في ترجمة عبد المؤمن في "الذيل" وينبغي أن تكون هذه الترجمة في السفر السابع المفقود.
2 - نص طويل يتعلق بنكبة الوزير الكاتب أبي جعفر أحمد بن عطية، والظاهر أن ابن عذاري نقله من ترجمة المذكور في السفر السابع المفقود أيضا، # ويفتتح هذا النص بالبداية التالية: "أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الملك قال ... "، وصيغة الإسناد تقتضي أن هذا المؤرخ -الذي لا توجد له ترجمة- عرف ابن عبد الملك وروى عنه، وهي واضحة الفائدة في تعيين عصر الرجل، وكل ما قيل عنه من قبل على سبيل التخمين أنه نبغ في أواخر القرن السابع.
3 - خبر وفاة عبد المؤمن والعمر الذي توفي عنه، قال: "وكان له من السنين على ما رواه أبو عبد الله بن عبد الملك برواية أبي يحيى زكريا بن يحيى بن سنان ثلاث وستون سنة ... ".
4 - نص يبدأ هكذا: "ومن جده وظهور سعده (يعني عبد المؤمن الخليفة) ما أخبرني أبو عبد الله بن عبد الملك، قال: حدثني أحد أشياخ الموحدين بحضرة مراكش، قال: كان عبد المؤمن في أيام طلبه ... "، وهذا يؤكد من جهة ما رأينا آنفا من رواية ابن عذاري عن ابن عبد الملك وسماعه منه مباشرة كما يؤكد من جهة ثانية ما سبق أن قلناه عن موقع ابن عبد الملك ومكانته، وصلاته القريبة والوثيقة بكبار الدولة المؤمنية، ومن المعروف أن الأشياخ كانوا أهل الحل والعقد في هذه الدولة.
5 - نص فيه خبر تعريس الخليفة يوسف بن عبد المؤمن بابنة ابن مردنيش.
6 - سمى ابن عذاري ابن عبد الملك وكتابه بمناسبة الإشارة إلى ثورة عبد الرحيم ابن الفرس الغرناطي فقال: "فقيه عالم، ذكره ابن عبد الملك المراكشي في "التكملة والذيل" -كذا- له ... ". وقد تساهل أو وهم -هو # أو الناسخ- في تسمية الكتاب، أما ترجمة ابن الفرس المشار إليها فلم تصل إلينا؛ لأنها تقع في الطرف المفقود من السفر الرابع. وممن نقل عنه وذكره من المؤرخين: صاحب كتاب "مفاخر البربر"، الذي نشرت قطعة منه، فقد سمعه مرة ينعى على المغاربة إهمالهم تاريخ أعلامهم ومعالمهم، وإغفالهم تخليد مفاخرهم ومآثرهم، ويقول: "كان بفاس من الفقهاء الأعلام، الأجلة أعيان الأنام، ما ليس في غيرها من بلدان الإسلام؛ إذ هي قاعدة المغرب، ودار العلم والأدب، لكن أهلها أهملوا ذكر محاسن علمائهم، وأغفلوا تخليد مفاخر فقهائهم". ويبدو من سبك هذا الكلام وسجعه أنه مما كتبه ابن عبد الملك، ولكننا لا نعرف موضعه ومناسبته، ولعله ورد في بعض تراجم الأسفار المفقودة، ومهما يكن فإن الكلام المذكور هو أقدم ما نقف عليه في موضوعه، وهو أصل الشكاوى التي رددها المشتغلون بتدوين تاريخ المغرب في القرون الأخيرة. ونحسب أن من بين المؤرخين الذين كانوا قريبين من ابن عبد الملك في المكان والزمان التاريخي المغمور أبا علي صالح بن أبي صالح الإيلاني نزيل نفيس والمتوفى سنة 627 ه، وقد ضاعت مؤلفاته التاريخية ولم يبق منها إلا نقول في "البيان" لابن عذاري وورقات حول الفتح الإسلامي للمغرب نشرها المؤرخ المستعرب ليفي بروفنسال، ولعلها من مطلع كتاب له في تاريخ المغرب. وقد وجدنا ابن أبي زرع في "الأنيس المطرب" يستمد أحيانا من الفذلكات التاريخية لابن عبد الملك المتعلقة بالموحدين، ولكنه لا يسميه، وله # روايات تخالف أحيانا ما عند ابن عبد الملك، ولعل ابن أبي زرع كان يرجع إلى "الذيل والتكملة" في تسجيل وفيات الأعلام. أما مؤلف "الذخيرة السنية" فقد ضمنها بعض التراجم الموجودة في "الذيل والتكملة"، ويبدو من المعارضة أن المؤلف المذكور نقل عن ابن عبد الملك. وبالجملة، فقد كان ابن عبد الملك إمام المؤرخين بالمغرب في زمنه، ويمكن القول على العموم بأن "الفذلكات" التاريخية التي اشتمل عليها كتابه "الذيل والتكملة" تعد أوثق ما يعتمد عليه في تاريخ الموحدين وأصح نصوص هذا التاريخ، وذلك لما عرف به محررها من اطلاع واسع وإكباب طويل على المدونات التاريخية والوثائق الرسمية، ولما يلتزم به من منهجية صارمة وموضوعية عادلة ومجانبة لأساليب المؤرخين الرسميين المعهودة وطرائقهم المعروفة، وكل ذلك تشهد به النصوص المبثوثة في ثنايا تراجم "الذيل والتكملة". وقد انفرد ابن عبد الملك بذكر أشياء من تاريخ الموحدين لا توجد عند غيره. فمن ذلك: ما يمكن أن نطلق عليه "حساسية الأسماء" في عهد الموحدين، فقد كان اسم "عبد المؤمن" مثلا مقصورا عليهم، وعرف أحمد بن عبد المؤمن الشريشي شارح المقامات في بلده بابن مؤمن بدلا من ابن عبد المؤمن، وذلك كما يقول ابن عبد الملك: "لمكان التقية من غيرة آل عبد المؤمن من مشاركتهم في الشهرة بالانتساب إلى جدهم، فكثيرا ما كانوا يفعلون ذلك، ويغيرون الأسماء والكنى والأنساب والشهر على الجملة بسببه". وهذه حساسية غريبة جدا، فالمعروف على العموم وفي كل زمان ومكان أن الناس -خاصتهم وعامتهم على السواء- يسمون بأسماء ملوكهم وعظمائهم وزعمابهم وعلمائهم وصلحائهم، ولعل مصدر هذه الحساسية الغريبة لديهم تخوفهم من استغلال الاسم # والاستفادة منه بشكل ما والتمويه به على العامة على سبيل الادعاء والتزوير وما يشبه ذلك. ومن ذلك: "معتقد آل عبد المؤمن وطائفتهم قديما وحديثا أن كل من خرج عن قبائلهم المعتقدة هداية مهديهم وعصمته فهم عبيد لهم أرقاء". ومن ذلك نص طريف يعكس ضربا من المعارضة السياسية يتمثل في الكيفية العجيبة التي انتقد بها أبو العباس أحمد بن يحيى العبدري نزيل مراكش تعيين المنصور "بنيه وصغار إخوته وبني أعمامه وذوي قرابته ولاة في البلاد". كما سجل بعض الدسائس التي كانت تقع في بلاط الموحدين لم يعرج عليها المؤرخون، مثل: تسميم المستنصر وفساد الحاشية في عهده، ومحاكمة ابن العثماني، وغير ذلك مما سنقف عليه في مكانه، ومما أفادنا به أن خطة الشورى التي كان العمل جاريا بها قبل الموحدين حذفت في عهدهم. أما كتب التراجم فقد وقف منها على عدد كبير، وسمى طائفة منها في مقدمة "الذيل والتكملة"، بينما أشار إلى أخرى في خلال كتابه، كما أنه وقف على كم هائل من كتب البرامج والمعاجم، ولو تتبعنا هذه المصادر بالإحصاء والاستقصاء لطال الموضوع؛ ولذلك فسنكتفي بالإحالة على فهارس الكتاب. مما تقدم نعرف ما كانت عليه ثقافة ابن عبد الملك من التوسع والتنوع، وندرك صدق النعوت التي أضفاها عليه مترجموه، ومنهم ابن فرحون الذي يقول فيه: "الإمام العلامة الأوحد المصنف الأديب المفتي الفقيه المقرئ المؤرخ الحافظ المقيد".
شخصيته: لا نجد عند من ترجموا لابن عبد الملك ما يشير ولو إلى صفة واحدة من صفاته الجسمية، ومن هنا فإننا لا نعرف شيئا عن صورته وشكله، كما أننا لا نجد عندهم ما يغني في تحليل شخصيته. وكل ما نقف عليه في هذا المعنى ما ذكره ابن الزبير الذي عرف ابن عبد الملك عن بعد وانتهت إليه أخباره بالسماع، فقد وصفه بذكاء الذهن الفائق، ونباهة الخاطر الفائقة، وحدة الخلق، وهذه صفات متلازمة أحيانا. ويبدو من هذا، ويشهد له كلام ابن عبد الملك، أن الحدة حدة الذهن والخاطر والخلق معا، كانت الصفة الغالبة عليه، وهي تصلح أن تكون "مفتاح شخصيته" حسب تعبير المرحوم العقاد، ومن مظاهر هذه الحدة لديه الصراحة في القول، والنزوع إلى النقد، والطموح إلى التفوق على الأضراب، والتمدح بالعمل المتقن، وهذه المظاهر بادية لمن يقرأ الأسفار المنشورة من "الذيل والتكملة". فأما الصراحة في القول فقد جعلته يدون كل ما يعرفه من أحوال المترجمين أو يقع إليه من أخبارهم، وهو لا يتغاضى عن نقل الروايات التي قد يكون فيها مس بهم، وهذا منتهى الصراحة والأمانة، وليس كل المؤرخين على هذين الوصفين، فمن صراحته وعدم تكتمه: ما نقله من خلاف في مخزومية أبي المطرف أحمد بن عميرة، وما حكاه عن ابن الحاج الشاطبي من تعريض بأصله، وتصريح بيهودية سلفه. وقد انتقد ابن الخطيب صنيع ابن عبد الملك فقال تحت عنوان: أوليته -وهو عنوان تقليدي في تراجمه-: "لم يكن من بيت # نباهة، ووقع لابن عبد الملك في ذلك نقل كان حقه التجافي عنه لو وفق" ، وكلام ابن الخطيب أخف وقعا من نقل ابن عبد الملك، ولكنه في الواقع إجمال لما فصله مؤلف "الذيل والتكملة". ومن ذلك: أنه ذكر بيتين في هجاء ابن الأبار فاعترض عليه راوي كتابه أبو القاسم التجيبي بقوله: "لو تركت نقل هجاء أهل العلم وغيرهم كان أجمل بك أيها الشيخ". وقال في ترجمة أبي علي الشلوبين: "على أن كثيرا من أهل بلده كانوا يرغبون بأبنائهم عنه ولا يسمحون لهم بالتتلمذ له والقراءة عليه لقبيح لا يليق مثله بأهل العلم نسبوه إليه"، وعقب على هذا الكلام أبو القاسم التجيبي أيضا فقال: "لا أعلم من ذكر أبا علي بما عرض به المصنف، وقد لقيت من أصحابه عددا كثيرا، فكان حقه أن لا يتعرض لمثل هذا الشيخ في شهرته وجلالة معلوماته وكثرة المنتفعين به". وقال في ترجمة محمد بن خلف: "قرطبي، أبو بكر ابن الحصار وابن النخاس، وكان أبوه المقرئ يكرهها"، وعلق على هذا تلميذه المذكور بقوله: "إذا كان يكرهها فلم لم تعرض عنها؟! ". ونقل في ترجمة أبي الحسن بن مؤمن محاسنه ثم نقضها بما ينسب إليه من مساوئ ومطاعن، ومنها: أنه كان "يرمى في دينه بالميل إلى الصباء خاصة"، ثم قال: "وهذه خلة إن صحت أخلت بجميع ما يعزى إليه من الفضائل التي ذكرنا وغيرها" .
وعدد في ترجمة ابن القطان بعض ما كان ينعى على هذا العالم الكبير من أمور، ومنها: استعماله المسكر وتناوله إياه وتأوله فيه، وقد ناقش شيخه أبا عبد الله المدعو بالشريف الذي كان متعصبا لابن القطان مبررا بعض تلك الأمور، ولكن ابن عبد الملك رد تبريره وأصر على ما نقله. وهكذا منهجه على الجملة في تراجمه، ينقل فيها كل ما وقع إليه وانتهى إلى علمه حتى ألقاب المترجمين المكروهة عند أصحابها مثل "الوزغي" و"ابن الرومية"، والخلاف في أنسابهم وما يتصل بالجرح والتعديل في رواياتهم وغير ذلك. وليس في نيتنا هنا تتبع جميع ما جاء في كتابه من صراحة قاسية انتقدها عليه بعض معاصريه وغيرهم ومنهم: ابن الزبير وابن رشيد والتجيبي وابن الخطيب، وقد رجع ابن الزبير ذلك إلى حدة خلقه، وهي حدة ذكر أنها كانت سبب محنته. ومهما يكن من أمر فالمؤرخون ومؤلفو كتب التراجم في هذه النقطة فئتان: فئة تتحاشى ذكر الهفوات وتتغاضى على الهنات ولا تعرض لشيء مما يمس الأعراض، ومنهم: السبكي الذي وقف عند هذه النقطة في كتابه "معيد النعم ومبيد النقم". وفئة لم تكن ترى هذا الرأي وذهبت إلى مخالفته وذكرت الناس بما لهم وما عليهم مع تفاوت في الحياد والعدل والإنصاف والبعد عن الهوى والتعصب، ومن هؤلاء ابن حيان وابن عبد الملك في المغرب، والذهبي في المشرق على سبيل المثال. وأما النزوع إلى النقد فهو مظهر آخر من مظاهر الحدة والتنبه والتحفز والتيقظ عند ابن عبد الملك، كما أنه يعكس ميله الواضح إلى إظهار تضلعه في المعارف وتمكنه من العلوم؛ ولذلك جاء نقده متنوعا، فله نقدات أدبية ولغوية # ونحوية وعروضية سنتحدث عنها في فقرة لاحقة، وله نقد تاريخي يتعلق معظمه بما يرجع إلى تراجم الأعلام، وتعقب في هذا النقد جماعة ممن سبقوه إلى الموضوع؛ كابن الفرضي وابن بشكوال وابن الأبار وابن الزبير وابن فرتون وغيرهم. أما ابن الفرضي مؤلف الحلقة الأولى في السلسلة ومؤسس المصطلح المتداول بعده، فكان ابن عبد الملك يجله ويحليه حيثما ذكره: الحافظ، وقد استدرك عليه بعض التراجم ووقف على تتميم وتصويب هفوات هينة في "تاريخه". وابن بشكوال دونه في رأيه منزلة؛ إذ يطلق عليه: الراوية. وقد ناقشه في النهج الذي سار عليه ولا سيما ترتيب الرجال حسب طبقاتهم ووفياتهم قائلا: إن هذا "لا يتأتى اطراده إلا بشرط العلم بوفاة الرجال المذكورين وتحقق متأخرها من متقدمها، وهو متعذر"، وذكر أن ابن بشكوال ومن سلك مسلكه "يذكرون الرجل بين الرجلين وهو أقدم موتا من المذكور قبله، مجاورا له أو متقدما عليه برجل أو رجلين فصاعدا أو تتأخر وفاته عنه على تلك النسبة، وذلك موجود في كتبهم بأيسر تأمل"، ثم قال: "ومن مثاله لمن يستعجل الوقوف عليه: أن ابن بشكوال ذكر أبا عامر محمد بن سعدون بن مرجى بن سعدون بن مرجى العبدري -ولم يذكر له وفاة لما لم يعرف وقتها- بين أبي عبد الله محمد بن الفرج بن إبراهيم المقرئ البطليوسي -وذكر أن وفاته سنة أربع وتسعين وأربع مئة- وأبي عبد الله بن فرج مولى محمد بن يحيى البكري ابن الطلاع، وذكر أن وفاته بكرة يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب الفرد سنة سبع وتسعين وأربع مئة، واقتضى وضع أبي عبد الله ابن سعدون بينهما أن يكون زمان وفاته بين زمان وفاتيهما، وقد طلع نجيث البحث عن وفاته على أنها كانت في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وخمس مئة بعد وفاة أبي عبد الله بن فرج بسبع وعشرين سنة غير شهرين وأيام".
ولابن عبد الملك تعقيبات على ابن بشكوال، ولسنا ندري لماذا كان يستكثر عليه بعض الأشياء، فقد وقف له على إجازة لصاحب له سأله مناولة "الصلة"، وفيها: "فأجبته إلى ما سأل على وجه الطاعة له بعد أن أشفقت مما رسم أن يتعاطى مثلي مع مثله منزلة الأشياخ، لكن بعض الشيوخ كان يقول: موافقة الإخوان خير من الإبقاء على النفس"، وعلق ابن عبد الملك على هذا بقوله: "كنت أستجيد التعبير عن هذا المقصد بمثل هذه العبارة وأبعد كثيرا أن يصدر مثله عن أبي القاسم ابن بشكوال -رحمه الله- حتى وقفت على نسخة من شيوخ الراوية أبي عمر والسفاقسي وذكر بعض ما أخذ عنهم كتب بها إلى القاضي أبي عمر أحمد بن محمد ابن الحذاء وذكر في صدرها سؤاله إياه ذلك"، وقال: "فأجبته بعدما أشفقت منه إلي ما رسم وإن كان على مثلي فيه وهن أن يتعاطى رتبة الأئمة ومنزلة الأشياخ مع مثله، لكني سمعت بعض الشيوخ يقول: موافقة الإخوان خير من الإبقاء على النفس"، ثم قال: "فسررت بصدق حدسي في ذلك، والحمد لله على نعمه التي لا تحمى". وهذا التعليق شاهد على الارتياح الذي كان يشعر به ابن عبد الملك عندما يكتشف المآخذ ويتوصل إلى المطاعن، ولهذا نظائر وأشباه في كتابه، فقد أورد في ترجمة سعد السعود بن عفير اللبلي قصيدة له يخاطب بها ولده، ثم قال: "أنا أبعد أن يكون هذا النظم لأبي الوليد هذا؛ فقد وقفت في "برنامجه" الذي كتبه بخطه إلى بعض سائلي الرواية عنه على ضروب من الخلل والتصحيف الشنيع وفساد الهجاء مما يكاد أيسره يناقض التلبس بأدنى رتبة من العلم والارتسام به جملة، ولعله كلف غيره فأنشأها له وبعث بها إلى ابنه وهو الظاهر، والله أعلم". والشاهد في هذا النص والذي قبله أن طبيعة الانتقاد كانت غالبة على ابن عبد الملك مع ما يصاحبها من حذر في تقبل أعمال الناس بعين الإغضاء، # وكان بعض معاصريه -ممن تشق عليهم الصراحة ويتلقون الأشياء بالتسليم وعدم الاعتراض- لا يرضون عن مسلكه ولا يوافقونه على منهجه، وذهب ابن رشيد معاصر ابن عبد الملك إلى أن انتقاص الأفاضل كان فيه عادة مرافقة والاعتراض عليهم صار له طبعا ملازما، ولكن كلام ابن رشيد لا يخلو من تحامل، ولا ندري أوقف عليه ابن عبد الملك أم لا، وما نحسب أنه كان يتركه بدون رد لو وقف عليه، وقد عرفنا مما سبق فضل ابن عبد الملك على ابن رشيد. ومن مواقف ابن عبد الملك مع ابن بشكوال: مخالفته إياه في شأن نقل المصحف الإمام من قرطبة إلى مراكش بأمر عبد المؤمن، قال ابن بشكوال: "أخرج هذا المصحف عن قرطبة وغرب عنها ليلة السبت الحادية عشرة من شوال سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة، وحمل صبيحة يوم السبت وجوز إلى العدوة أخذ الله من سعى في تغريبه وخروجه عن الحضرة أخذ آسف، ولا أمهله بالذي لا إله إلا هو، وعجل بصرفه إلى مكانه بقدريه، لا يعجزه شيء جل جلاله وعظم سلطانه". وقال ابن عبد الملك: "رحم الله أبا القاسم ابن بشكوال ونفعه بمقصده، فإنما استأثر بعلق نفيس، واستكثر من خير جليس، وأفضل أنيس، وتأثر لانتقال موقف على محله الأحق به حبيس، فلذلك أتبع خبره عنه نفثة مصدور عن قلب جريح، ولهف موتور ذي فؤاد بمؤلم هذا الملم جريح، ولو كوشف رحمه الله بحال قرطبة من بلاد الأندلس وسواها، وانتهاك عبدة الصليب محوط حماها، واستيلائهم على ما اشتملت عليه من كثير من المصاحف غير ذلك المصحف الكريم، وابتذالهم ما عني العلماء بصيانته من ذخائر دواوين العلم على العهد القديم، لسر بإخراجه عن قرطبة واحتماله، وأعان بالتحضيض نصحا له على انتقاله، إنقاذا له من أيدي المشركين، واستدامة لبقائه في كلاءة المسلمين".
وكلام ابن بشكوال قد تشم منه رائحة العصبية البلدية والحساسية الأندلسية، ويبدو عنيفا في الدعاء على سلطان وقته، أما ابن عبد الملك فقد جاء كلامه هادئا صادرا عن عاطفة دينية تعترف بحرمة الحبس ولكنها تنتصر لمآل ذلك التصرف. كان ابن عبد الملك معتزا بمغربييه، ومع أن شرط كتابه فرض عليه أن يوجه جل اهتمامه إلى تراجم أعلام الأندلس ويصرف معظم نشاطه في تخليدهم قبل غيرهم، فقد كان يحس بالامتعاض من تعصب بعض الأندلسيين ويشعر باهتضامهم حق أهل العدوة وقلة إنصافهم لهم، ونجد رد الفعل عنده يبدو في عنايته بتراجم الغرباء، وهم الداخلون إلى الأندلس من أهل العدوة، وفي إشارته إلى "ما لأهل المغرب في الفضل من الحسنى والزيادة" وإلى "أن بهذه البلاد (المغربية) من أهل هذا الفن (الشعر) عمارة"، وهو يبدو أكثر من ذلك في موقفه من ابن الأبار وتصديه لتعصبه. ومن مظاهر اعتزازه بمغربيته: دفاعه عن النحوي المغربي الكبير أبي موسى الجزولي، ورده على بعض الأندلسيين، كابن الأبار وابن الزبير، الذين شككوا في نسبة الكراسة المشهورة إلى أبي موسى، قال: "ومن الناس -وأكثرهم بعض الأندلسيين- من ينسبها لشيخه أبي محمد بن بري، ويذكر عن أبي موسى أنه كان يقول: إنها جمع تلامذة أبي محمد بن بري حسبما لقنوه عنه، ومنهم من يأثر عن أبي موسى أنها من إملاءات ابن بري على أبواب "الجمل" وأن أبا موسى كملها، وكل ذلك مما لا ينبغي التعريج عليه، وإنما هي تقولات حسدته النافسين عليه، وإلا فلم لم تعرف إلا من قبل أبي موسى، وقد أخذها الناس عنه ودرسهم إياها ولم تشهر إلا له؟ وقد وقفت على خطه في نسخ منها محملا إياها بعض آخذيها عنه إلى عصرنا هذا، ولم يزل أبو موسى يتولى تهذيبها وتنقيحها والزيادة فيها والنقص منها وتغيير بعض عباراتها حسبما # يؤديه إليه اجتهاده ويقتضيه اختياره، وشهير ورعه يزعه عن التعرض إلى مثل هذه التصرفات في غير مصنفه، اللهم إلا أن يكون ابن بري قد أذن له في ذلك وهو بعيد إن لم يكن باطلا لما تقدم من أنه لم يأت بها أحد عنه ولا نسبها إليه منذ مئة وثلاثين سنة أو نحوها وهلم جرا". ثم روى بعد هذا حكاية تصور انبهار النحوي الأندلسي الشلوبين بما سمع في مجلس أبي موسى، وترمي إلى إثبات التفوق العلمي لأهل المغرب يومئذ على أهل الأندلس، وكل ذلك مما ظهرت فيه حمية ابن عبد الملك لبلده ردا على تعصب ابن الأبار وغيره. كان ابن عبد الملك يعرف قدر ابن الأبار ويحترم علمه ويجل مكانته، فقد عده أنبل من ألف في التراجم بعد ابن الفرضي وابن بشكوال، وقدمه لذلك على ابن فرتون الفاسي وابن الزبير الغرناطي، وأشار إلى "شهير نبله ومعروف تيقظه وتحفظه من متعلقات النقد وأسبابه"، وأشاد باقتداره في كتابه: "الأربعون حديثا ... " وقال: "أبدى به اقتداره مع ضيق مجاله عما عجز عنه الملاحي من ذلك"، كما نوه بشفوفه وتبريزه في الأدب ولا سيما في النظم، وقد فصل راسله فيه بقوله: "كان آخر رجال الأندلس براعة وإتقانا، وتوسعا في المعارف وافتنانا، محدثا مكثرا، ضابطا عدلا ثقة ناقدا يقظا، ذاكرا للتواريخ على تباين أغراضها، مستبحرا في علوم اللسان نحوا ولغة وأدبا، كاتبا بليغا، شاعرا مفلقا مجيدا، عني بالتأليف وبخت فيه، وأعين عليه بوفور مادته، وحسن التهدي إلى سلوك جادته، وأعجز عن الوفاء بشكر إفادتها". بيد أن هذا الإكبار لابن الأبار لم يمنع ابن عبد الملك من أن ينتقد عليه جملة أشياء، منها: تعصبه الأندلسي، كما تتبع هفوات وقعت له في "التكملة"
وغيرها، فقد اتهمه بالتعصب، لأنه عد من أهل الأندلس "جماعة من الناقلة إليها" أي: من الطارئين عليها وغير القاطنين في الأصل بها، وقال: إنه فعل ذلك "تشبعا واستكثارا وإفراطا في التعصب الذي كان الغالب عليه حتى غلا فيه" ، وكانت لدى ابن عبد الملك أمثلة وأدلة على هذا الاتهام، واكتفى في مقدمة كتابه بذكر مثال واحد منها فقال: "ويكفيك من مثل ذلك ما ختم به رسم أبي عبد الله بن عيسى ابن المناصف رحمه الله بعد أن ذكره في الأندلسيين، وذكر من أحواله ما رأى أن يذكره به، فقال: مولده بتونس وقيل: بالمهدية، وهو أصح. ثم قال: وذكره في الغرباء لا يصلح ضنانة بعلمه على العدوة. وحسبك ما اشتمل عليه هذا القول من الشهادة على قائله بما لا يليق بأهل الإنصاف من العلماء، واستحكام الحسد المذموم واحتقار طائفة كبيرة من الجلة العدويين، وفضل الله سبحانه رحمة يختص بها من يشاء، وموهبة ينيلها من يختار. والله ذو الفضل العظيم". وعندما ترجم لابن المناصف المذكور في السفر الثامن مع الغرباء، عاد إلى انتقاد ابن الأبار فقال: "وقبح الله الحسد المذموم، فقد حمل أبا عبد الله ابن الأبار على ذكره إياه في الأندلسيين تشبعا لها ببعض ما ذكرناه به". وحدة ابن عبد الملك واضحة هنا في انتقاده ابن الأبار ووصفه بالتعصب المفرط والحسد المستحكم. ومن الغريب سكوته عن ابن سعيد الذي عد ابن المناصف وأخويه في القرطبيين الأندلسيين، وعدم تعرضه للشقندي الذي اعتبر أبا حفص الأغماتي الفاسي من حسنات الأندلس وفاخر به أهل العدوة. ويبدو أن عبارة ابن الأبار التي يفهم منها احتقار العدوة وأهلها هي التي أغضبت ابن عبد الملك وأنطقته بما نطق به، وإلا فقد وجدناه في مناسبات # مماثلة يخالف ابن الأبار ويمر مر الكرام ولا يلتفت إلى الرد عليه، كما في ترجمة ابن خير صاحب "الفهرست" المشهورة، فابن الأبار يسلكه في الأندلسيين ويجعله إشبيليا وخالفه ابن عبد الملك فذكر الرجل في الغرباء الطارئين على الأندلس وقال: إنه "فاسي المولد والنشأة" ولم يشر إلى صنيع ابن الأبار. والواقع أن هذا الاختلاف يدخل في نطاق المنافرة بين العدوتين، ولقد أصبح بعض الأعلام منذ امتزاج العدوتين في عهد المرابطين ومن بعدهم محل تنازع وموضع تجاذب بين الأندلسيين والمغاربة، والحق أن ابن عبد الملك تحلى بالإنصاف وتقيد بالشرط، وآية ذلك أنه اعتبر ابن هشام النحوي اللغوي إشبيليا لا سبتيا وترجم له مع الأندلسيين لا مع الغرباء، قال: "إشبيلي سكن سبتة، وجعله ابن الأبار منها فذكره في الغرباء غلطا منه"، كما أنه يعتبر ابن المرحل مالقيا لا سبتيا، مراعيا في كل ذلك مكان الولادة والنشأة. وقد تتبع ابن عبد الملك هفوات لابن الأبار فيما يخص وفيات بعض المترجمين أو عمود نسبهم أو نسبتهم، إلى غير ذلك، وسنكتفي بالإحالة على بعض مواضعها ، وربما كان في بعض تعقيباته على ابن الأبار شيء من التجني، ومثال ذلك: أن ابن الأبار وصف كتاب "تلخيص أسانيد الموطإ" لأبي محمد القرطبي بقوله: "وهو مما دل على سعة حفظه وحسن ضبطه، وقد استدركت عليه مثله أو قريئا منه"، فعقب ابن عبد الملك على هذا بقوله: "قال المصنف عفا الله عنه: أسر ابن الأبار في هذا الثناء حسوا في ارتغاء، وأظهر زهدا في ضمنه أشد ابتغاء، ولم أقف على كتاب ابن الأبار، غير أني وجدته يذكر بعض ذلك في مواضع من "تكملته" وفي أملي التفرغ لالتقاطه إن شاء الله، وأرى أنه محل استدراك ومجال اشتراك، فقد وقفت على ما لم يذكراه، وعثرت فيما طالعت على ما لم يسطراه، والإحاطة لله وحده".
ومن انتقاد ابن عبد الملك على ابن الأبار، الذي نحس فيه شيئا من التعسف والتهويل المبالغ فيه والتحرج الذي لا معنى له: قوله: "وكذلك ذكره طائفة كبيرة ليست من شرط كتابه ولا كتابي الشيخين: أبي الوليد ابن الفرضي وأبي القاسم ابن بشكوال؛ لأنهم لم يرسموا بفن من فنون العلم وإن ذكروا بصلاح وخير واجتهاد في العبادة وانقطاع إلى أعمال البر، فلذكرهم مجموع آخر يشملهم مع من كان على مثل أحوالهم. وأقبح من هذا كله وأشنع: ذكره نساء تنزه الصحف عن تسويدها بذكرهن فيها مع أهل العلم الذين هم خواص عباد الله. اللهم إلا من قصد في تأليفه إلى ذكر أهل البطالة والمجان والقيان اللواتي يكاد الخوض في ذكرهن يكون وصمة وجرحة فيمن تعرض له. نستعيذ بالله من إعمال القلم في ذكر واحدة منهن، ونرى الإعراض عنه دينا، وليت شعري! إذ ذكر هؤلاء النسوة اللائي هن بهذه الصفات، فما باله أغفل أضعاف أعدادهن من الرجال الذين هم على مثل حالهن؟ إنها لعثرة لا تقال، وزلة لا تغتفر، وسيئة لا تكفير لها، وكبيرة يجب المتاب منها والإقلاع بتوفيق الله عنها، والله حسبنا ونعم الوكيل". ولقد عارضنا تراجم النساء عند ابن عبد الملك بتراجمهن عند ابن الأبار، فتبين لنا أن ابن عبد الملك اقتصر على من ذكرن بقراءة أو كتابة أو رواية أو ما يتصل بذلك ممن هن من شرط كتابه وكتب من قبله ولم يصنع صنيع ابن الأبار في التعميم، ولكن هذا الصنيع لا يستحق كل هذا الانتقاد الذي هو في نظرنا من جموح حدته التي وصفه بها ابن الزبير. وهو يسيء الظن باطلاعه أحيانا ويشكك في وقوفه على بعض ما يذكره أو يصفه في "تكملته"، قال في ترجمة علي بن كوثر: "وقد ذكر أبو عبد الله ابن الأبار مصنفاته فقال: وله تأليف ومجموعات منها: "كتاب الوسيلة لإصابة المعنى # في أسماء الله الحسنى" فأوهم بذلك أنه تأليف غير منظوم على نحو "المقصد الأسنى" لأبي حامد الغزالي أو "الأمد الأقصى" لأبي بكر ابن العربي أو غيرهما مما جرى مجراهما وألف في معناهما، وهذه الوسيلة كما وصفت لك، وما أرى ابن الأبار وقف عليها". كما كثرت تعقيبات ابن عبد الملك في كتابه على شيخه ابن الزبير، ولا تخلو هذه التعقيبات من الحدة التي نعت الشيخ المذكور بها تلميذه، فهو يستعمل فيها ألفاظ الوهم والغلط والخطإ والخلط والتخليط وما أشبهها، وليس في نيتنا هنا تتبع هذه التعقيبات التي أتيح لابن عبد الملك أن يقف على وجه الصواب فيها، وإنما نشير إليها في معرض الحديث عن حدته محيلين على بعض مواضعها في كتابه. ومن أكثر هذه التعقيبات حدة وأشدها قسوة: قوله في ترجمة محمد بن أحلى: "قال المصنف عفا الله عنه: كان ابن الزبير قد بعث إلي بردع الجاهل وبالرجز المذكورين، فأما ردع الجاهل فأقل شيء فائدة وأبعده عن النفع بعلم، مع أن بعض أصحابنا نقل لي عن بعض أصحاب ابن أحلى أنهم يقولون: إن ابن الزبير لم يفهم عنهم شيئا ولا يتلاقى كلامه معهم في ورد ولا صدر، وأما الرجز المشار إليه فقد تقدم التنبيه عليه في رسم ابن الزبير ورداءة نظمه وخلوه من المعنى، وأنه هزأة للمستهزئين، ولقد كان في غنى عن التعرض لنظمه وأولى الناس بستر عاره منه، والله يبقي علينا عقولنا ويرشدنا إلى ما يرضيه عنا بفضله وكرمه". وقال في آخر تعقيبات طويلة على ابن الزبير من ترجمة ابن البراق بعد أن وصمه بالتخليط الفاحش في إيراد شيوخ المذكور: "وقد أحوجنا فعل ابن الزبير في ذكره أشياخ ابن البراق وقلة تثبته في نقله إياهم واعتماده ذكر الملاحي إياهم # وما انجر بسبب ذلك كله إلى إطالة ليست من شأننا، أردنا بذلك التنبيه على عمل ابن الزبير في كثير ممن اشتمل عليه كتابه ولنبين أن الإتقان له رجال خصهم الله بفضيلته، نفع الله بهم، وأوجدنا بركة الاقتداء بهم". هذا رأيه في عمل ابن الزبير وكتابه "صلة الصلة"، وذلك اعتداده بنفسه وزهوه بعمله الذي وجدناه يفصح عنه في مناسبات متعددة. وأما ابن فرتون الفاسي فقد انتقد ابن عبد الملك كتابه "الذيل" جملة وتفصيلا، وقال: إنه "لم يعتبر في كتابه تطبيقا، ولا سلك من ذلك الترتيب طريقا"، وأنه "أتى بالأسماء كيف اتفق له"، وأنه لم يكن يعقل منهج مؤلفي "الصلات" والترتيب الذي بنوا عليه كتبهم، واعتبر ابن الزبير "مصلح كتابه ومكمله"، ولم يلتمس لابن فرتون العذر كما التمس له تلميذه ابن الزبير، وفي "الذيل والتكملة" إشارات متعددة إلى أوهام ابن فرتون. وبالجملة، فقد كان ابن عبد الملك معنيا بتتبع الهنات وتصيد الهفوات، ولم يعف من ذلك من اشتهروا بالضبط من الأعلام كالقاضي عياض وابن خير وابن الرومية وابن عساكر. ولكن الرجل كان -فيما عدا هذا البأو بتمكنه والزهو بتضلعه- من أهل التواضع وخفض الجناح، يتبرك بزيارة قبور عباد الله الصالحين كأبي مدين الغوث وأبي محمد عبد السلام التونسي في تلمسان، وأبي شعيب السارية في أزمور وأبي يعزى وغيرهم، ويسأل نفع الله بهم كلما أجرى ذكرهم. وأما انتقاداته التي أشرنا إلى نماذج منها فلم تكن صادرة عن طبيعة مولعة بنشر المعايب والمآخذ كما ذهب إلى ذلك بعض معاصريه، وإنما هي انتقادات علمية قصد فيها إلى تصحيح الأخطاء وتصويب الأغلاط، وصدرت عن نزوع قوي إلى الضبط والتدقيق وولوع شديد بالتنقيح والتحقيق.
مؤلفاته وآثاره: قد يعتبر ابن عبد الملك مقلا في التأليف بالنسبة إلى بعض معاصريه، وبالنظر إلى قراءاته الهائلة ومشاركته الواسعة، وقد ألف كتابين كبيرين هما: الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، والجمع بين كتابي الموصول والصلة، والجمع بين كتابي ابن القطان وابن المواق على كتاب الأحكام، وهما مؤلفان استبدا بجل وقته وأنفق فيهما معظم حياته، وذلك بحكم مادتهما التي تتطلب الاستقصاء وطبيعة منهجهما الذي يقتضي ضروبا عسيرة من الترتيب والتنسيق. أ - الذيل والتكملة: ويبدو كل هذا جليا على الخصوص في كتاب "الذيل والتكملة"، ولعل هذا ما عناه ابن الزبير حين قال متحدثا عن هذا الكتاب -وكأنه يبرر قلة مؤلفات ابن عبد الملك-: "وعلى هذا الكتاب عكف عمره، ولم يتم له مرامه منه إلى أن لحقته وفاته؛ لأنه ألزم نفسه فيه ما يعتاص الوفاء به من استيفاء ما لم يلتزمه ابن بشكوال ولا الحميدي ولا ابن الفرضي ومن سلك مسلكهم". ولا ننسى أن ابن عبد الملك عاش في فترة انتقالية كانت محوطة بالمكاره والمخاوف، وأنه مات في الأخير غريبا عن بلده نائيا عن أهله وولده. ومع ذلك، فقد أشار في كتابه "الذيل والتكملة" إلى مؤلفات ومقالات له لم تصل إلينا مع الأسف وسنسردها فيما بعد. لم يشر ابن عبد الملك إلى تجزئة كتابه فيما وصل إلينا من مقدمته، وربما أشار إلى شيء من هذا في آخر المقدمة الذي بقي بياضا في النسخة التي انتهت إلينا، وقد ذكر كل من السخاوي في "الإعلان بالتوبيخ" والسيوطي في مقدمة "بغية الوعاة" أن "الذيل والتكملة" يقع في تسع مجلدات، وقد تكون هذه هي تجزئة الأصل الذي تركه المؤلف، ويبدو أن بعض النسخ المتأخرة خالفت هذه # التجزئة، كما تدل على ذلك الأجزاء أو الأسفار التي بين أيدينا، وقد يفهم من قول ابن الزبير: "ولم يتم له مرامه منه إلى أن لحقته وفاته" أن ابن عبد الملك توفي وهو لم يفرغ بعد من كتابه، ولعله إنما يشير إلى ما بقي عليه فيه من تنقيح وتتميم كما يدل على ذلك البياضات التي نجدها فيه. وعلى كل حال فقد أخرج ابن عبد الملك كتابه في حياته، وممن رواه عنه: ولده أبو عبد الله محمد، والقاسم التجيبي السبتي، وجماعة من أصحابه ذكرهم ابن مرزوق ولم يسمهم. ونحسب أن رواية أبي عبد الله محمد ولد المؤلف عرفت في الأندلس بعد هجرته إليها، ولعل النسخة التي نقل عنها ابن الخطيب في "الإحاطة" والنباهي في "المرقبة" كانت من رواية ابن عبد الملك الابن، فهو من شيوخهما. وأما رواية القاسم بن يوسف التجيبي فلعلها أن تكون أوثق روايات "الذيل والتكملة"؛ لما تمتاز به من التعليقات المفيدة والتحقيقات الجيدة والتذييلات النافعة كما يدل على ذلك سفران وصلا إلينا من الكتاب بهذه الرواية، أحدهما: الخامس، وهو في دار الكتب المصرية، والآخر: السادس، وهو في المكتبة الوطنية بباريس، وأصلهما معا من نسجة تامة كانت في ملك ابن مرزوق الجد. وقد جاء في آخر السفر الخامس المذكور ما نصه: "نجز السفر الخامس من كتاب الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة من تصنيف شيخنا القاضي النبيل أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك رحمه الله، يتلوه في السادس إن شاء الله: محمد بن أحمد بن عبد الملك بن موسى بن موسى بن عبد الملك بن وليد بن محمد بن وليد بن مروان بن عبد الملك بن أبي جمرة".
وجاء في ظهر الورقة الأولى من السفر السادس المذكور ما نصه: "السفر السادس من كتاب الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة تصنيف قاضي الجماعة العلامة النسابة الناقد أبي عبد الله محمد ابن الفقيه المقريء أبي عبد الله محمد بن عبد الملك الأنصاري ثم الأوسي المراكشي، رواية: القاسم بن يوسف ابن محمد بن علي بن القاسم التجيبي". وكتب تحت هذا مباشرة بخط مغاير -وهو خط ابن مرزوق- ما نصه: "ورواية لصاحبه ومسترجعه ممن صار إليه بعداء ومنصب بالثمن محمد بن أحمد بن محمد بن مرزوق التلمساني عن أبي عبد الله ولد مصنفه وجماعة من أصحابه عنه، وله المنة". وجاء في الورقة الأخيرة من هذا السفر ما نصه: "نجز السفر السادس من كتاب الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة تصنيف شيخنا القاضي الناقد أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك الأوسي المراكشي رحمه الله تعالى، يتلوه في أول السابع إن شاء الله تعالى: محمد بن علي بن ياسر الأنصاري جياني استوطن حلب أبو بكر سراج الدين. والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وحسبنا الله ونعم الوكيل". وهذا الذي كتب في طالعة هذين السفرين وخاتمتهما هو من إنشاء القاسم التجيبي، وكذلك التعليقات والتذييلات الموجودة فيهما، وله تعليقات وتذييلات في بقية الأسفار المفقودة من هذه النسخة التي رواها عن ابن عبد الملك وقام بخدمتها وتوثيقها خير قيام. ونقول هذا لأن هذه النسخة انتهت كما ذكرنا إلى ابن مرزوق الكبير، وقد وجدنا له نقولا عن السفر الأول والسفر الثامن من هذه النسخة، وذلك في كتابه "المسند الصحيح الحسن" وساق مع هذه النقول تعقيبات التجيبي عليها، ولو وصلت إلينا هذه النسخة تامة لأغنت عن كل تحقيق وتعليق.
والنصوص التي ذكرناها آنفا صريحة في أن التجيبي يروي عن ابن عبد الملك ويعتبره شيخه، ومن الغريب أنه لم يشر إليه في "برنامجه"، ولم يجر ذكر "الذيل والتكملة" في هذا البرنامج، وقد وجدناه يقول في آخره: "وقد قرأت وسمعت غير ما ذكر على غير من ذكر واقتصرت على هذا القدر مخافة الإطالة والإكثار، حسبما أعان عليه الوقت ولرغبة الأصحاب في الاختصار"، أو لعل التجيبي روى "الذيل والتكملة" بعد أن فرغ من تأليف برنامجه. نستطيع القول بأن أهل العلم تداولوا كتاب "الذيل والتكملة" بعد وفاة مؤلفه مباشرة، والأدلة تشهد على أنه عرف وقرئ بمراكش وفاس وسبتة وتلمسان وتونس وغرناطة منذ مطلع القرن الثامن، واستعمل بالمشرق في القرن التاسع، وقد أشار السخاوي إلى وقوفه عليه وقراءته الأجزاء الخمسة الأول منه، كما عده السيوطي من مصادره في مقدمة "بغية الوعاة" ونقل عنه كثيرا. وظل "الذيل والتكملة" يستعمل ويستنسخ، فقد نقل عنه من المتأخرين ابن غازي في "الروض الهتون" و"شفاء العليل" مرات، وابن القاضي المكناسي مرارا في "جذوة الاقتباس"، وأحمد بابا السوداني وعبد الرحمن الفاسي في كتابه "استنزال السكينة"، ولا نعرف مال النسخة التي نقل عنها هذا العالم المتوفى في أواخر القرن الحادي عشر للهجرة. والجزءان الموجودان بالمتحف البريطاني هما من نسخة حديثة نسبيا، وناسخ هذه النسخة التي لا نعرف مصير الأجزاء الأخرى منها هو عبد الله بن عمر بن عثمان التدغي. وثمة نسخة أخرى كانت حديثة التداول ومنها السفر الأول المحفوظ بالخزانة الحسنية، إذ نقرأ في ظهر الورقة الأولى منه الملكية الآتية:
"ملك لله بيد عبده محمد بن عبد القادر بن المعطي الشرقي القادري، تملكه بالشراء من محروسة فاس سنة 1241 ه". وكان هذا المخطوط في مكتبة ابن زيدان وقد اطلع عليه واستعمله حينئذ بعض المستعربين ومنهم كولان ودجياكومو وعلوش، ثم آل إلى الخزانة الحسنية ضمن المكتبة المذكورة. وقد يكون فيما سردناه ما يبعث الأمل في ظهور الأجزاء المفقودة من هذا الكتاب الجليل، وما ذلك على الله بعزيز. وقد نقل عن "الذيل والتكملة" جماعة من المؤلفين، منهم:
1 - ابن عذاري: وقد سبقت الإشارة إلى النصوص والأخبار التي صرح فيها بالنقل عن "الذيل والتكملة".
2 - ابن مرزوق: نقل فقرات كاملة من السفرين الأول والثامن، مع تذييلات للقاسم التجيبي الذي روى "الذيل والتكملة" كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
3 - ابن الخطيب في "الإحاطة" فقد ذكره عشرات المرات ونقل من "الذيل والتكملة" فقرات بنص المؤلف أو بتصرف.
4 - السيوطي في "بغية الوعاة": استخرج من "الذيل والتكملة" الأندلسيين الذين يندرجون في طبقات النحاة واللغويين، وقد تتبعنا المواضع التي نقل فيها عن ابن عبد الملك وذكره بالاسم، فوجدناها تزيد على المئة، وهو ينقل عنه بتصرف في الغالب ويلخص كلامه.
5 - ابن القاضي في "جذوة الاقتباس":وهو يختم تراجم متعددة من كتابه بهذه العبارة: "ذكره ابن عبد الملك ولا نستبعد وقوفه على "الذيل والتكملة" ونقله عنه في "جذوة الاقتباس" و"درة الحجال".
6 - ابن غازي: فقد وقف على "الذيل والتكملة" ونقل منه في كتابه "الروض الهتون"، قال في خلال سرده علماء مكناس: "ومنهم الزغابشة، وقد # انتقل بعضهم لعدوة الأندلس، وبعضهم لمواكش، وقد ذكر ابن عبد الملك في "تكملته" جماعة منهم". كما نقل عنه في كتابه "شفاء العليل في شرح مختصر خليل" ورسالة "الإشارات الحسان".
7 - عبد الرحمن الفاسي في كتابه "استنزال السكينة بتحديث أهل المدينة": فقد اعتمد على "الذيل والتكملة" في تحقيق أسانيده، ونقل عنه ترجمة ابن هشام الأوسي المواكشي.
8 - محمد بن عبد الرحمن الفاسي: نقل في كتابه "المنح البادية" كلاما لابن عبد الملك من ترجمة ابن خير الأموي في "الذيل والتكملة". ولا نريد أن نستقصي الذين نقلوا عن "الذيل والتكملة"، وفيمن ذكرنا منهم كفاية.
قيمته التاريخية: يعتبر كتاب "الذيل والتكملة" أبر معاجم الأعلام التي ألفها الأندلسيون والمغاربة قديما، وتقرير قيمته التاريخية من باب تحصيل الحاصل، فهي قيمة واضحة للعيان سواء بالنسبة إلى التاريخ الخاص أو بالنسبة إلى التاريخ العام. فأما قيمته بالنسبة إلى التاريخ الخاص، أي: تراجم الرجال، فيمكن تلخيصها فيما يلي:
1 - الاستيعاب: وهذه الصفة يشير إليها عنوان الكتاب ويدل عليها منهجه ومحتواه، فابن عبد الملك -كما يقول أستاذنا المرحوم عبد العزيز الأهواني-. "لم يقتصر على التذييل علي كتاب واحد كما فعل ابن الأبار وابن فرتون وابن الزبير في تكملتهم وتذييلهم ووصلهم لكتاب ابن بشكوال، ولكنه تصدى للتذييل على ابن بشكوال والتكميل لابن الفرضي أصل ابن بشكوال في وقت واحد، وجعل ذلك في عنوان كتابه، فجعل نفسه ندا لابن بشكوال، وقد أحس # ابن الزبير بخطورة ذلك وثقله"، وهو يشير إلى قول ابن الزبير- متحدثا عن "الذيل والتكملة"-: "ألزم نفسه فيه ما يعتاص الوفاء به من استيفاء ما لم يلتزمه ابن بشكوال ولا الحميدي ولا ابن الفرضي ومن سلك مسلكهم، وقد ذكرت مقصد هؤلاء الأئمة في ذلك في أول كتابي هذا، وفي آخره، بأشفى مما ذكرت هنا، لا جرم أن ترجمة كتابه بالذيل والتكملة تستلزم ما عزم عليه وتطابقه، إلا أن مقصد من تقدم ذكره ليس ذلك، وهما مقصدان ومقصده منهما واف بما قصده الآخرون وزيادة لا تعيب مقصدهم، وفيها زيادة فائدة، نفعه الله ونفعهم بمنه". لقد استدرك ابن عبد الملك على ابن الفرضي ومن تلاه بعض أعلام القرون الأولى، ولكن معظم تراجم كتابه هم من أهل القرنين السادس والسابع، وهو حينما يعيد كتابة التراجم الموجودة عند سابقيه فإنما لزيادة فائدة وإضافة شيء جديد أو لتصويب بعض الأخطاء والتنبيه على ما فيها من أوهام، ويبدو هذا عند معارضة تراجمه بتراجم "التكملة" لابن الأبار أو "صلة الصلة" لابن الزبير.
2 - طول التراجم: كانت التراجم في بدايتها عند المحدثين -مثل البخاري ومن اقتدى به من مؤلفي كتب التراجم والرجال -مبنية على الاختصار، أما تراجم ابن عبد الملك فإنها "طويلة النفس بالقياس إلى ابن الزبير وغيره من مؤلفي التراجم السابقين من علماء الأندلس"، وابن عبد الملك في هذا الاتجاه شبيه ببعض أعلام المدرسة المشرقية في كتابة التراجم من أمثال ابن خلكان والذهبي والصفدي، وابن عبد الملك لا يقتصر في الترجمة على اسم المترجم وسرد بعض شيوخه، وقد يكون واحدا، كقول ابن الفرضي في المحمدين: "محمد بن فرحون # ابن ناصح الغافقي، من أهل تطيلة، سمع من إسماعيل بن موصل"، وقوله في حرف الحاء: "حمدون بن حوط، من أهل ريه، ذكره ابن سعدان في رجالها". ولكنه -أي: ابن عبد الملك- حينما تتوفر لديه المادة التاريخية يسهب في كتابة الترجمة، فيرفع نسب المترجم إلى أعلى جد له ويفصل القول في نسبه ونسبته ويستقصي في عد شيوخه وتلاميذه ومؤلفاته، ويسوق نماذج من آثاره وشعره ونثره، وقد يلخص برنامج المترجم إن كان له برنامج. ومن تراجمه المطولة في السفر الأول: تراجم ابن الزبير، وأبي العباس القنجايري، وابن عميرة، وابن الرومية، وغيرهم، وترجمة أبي محمد ابن القرطبي في السفر الرابع، وتراجم: ابن جبير والرعيني وابن مؤمن وغيرهم في السفرين الخامس والسادس، وتراجم: ابن القطان وأبي الحسن الشاري وأبي الخطاب ابن الجميل وغيرهم في السفر الثامن. وابن عبد الملك يتتبع أسماء المؤلفات في استقصاء يقل نظيره، والباحثون مدينون له في أنه حفظ لنا -على سبيل المثال- قائمة تامة بأسماء مؤلفات الفيلسوف ابن رشد. ويمكن القول بإجمال بأن بعض تراجم "الذيل" يمكن أن تتألف منها تراجم مفردة، وهي تقدم مادة غزيرة لمن يريد أن يتوسع في دراسة بعض الشخصيات وتحليل جوانبها المختلفة، وحينما درسنا شخصية ابن عميرة وجدنا في "الذيل والتكملة" بغيتنا وعمدتنا ومصدرنا الأول.
3 - كثرة الاختيارات الأدبية ووفرة النصوص: الشعرية والنثرية: فإذا كانت تراجم ابن الفرضي وغيره تتسم بالجفاف والخلو من العنصر الأدبي، فإن "الذيل والتكملة" يحتوي على ذخيرة أدبية تجعله أحيانا "أشبه بكتاب الذخيرة لابن بسام منه بكتابي ابن الفرضي وابن بشكوال" كما يقول أستاذنا المرحوم عبد العزيز الأهواني، وسأعود إلى هذه النقطة بعد قليل.
4 - النقد: يتميز "الذيل والتكملة" بمادته الغزيرة في النقد، وهو في الكتاب أنواع، فمنه نقد إسنادي تاريخي، ومنه نقد علمى يتناول بعض الآثار العلمية بالنقد والمحاكمة، ومنه نقد أدبي يتمثل في خطرات نقدية أدبية مبثوثة في الكتاب. فمن النوع الأول مبحث سلسلة نسب رزق الله ابن أكينة في ترجمة أحمد بن بالغ، ومبحث ضبط اسم ضمام أو همام بن عبد الله، ومبحث تحقيق شخصية أبي البساتين الواعظ الصوفي، ومبحث المنيذر الإفريقي الصحابي وحديثه. ويندرج في هذا النوع تحقيقاته في أسماء بعض المترجمين أو أنسابهم أو وفياتهم وتصويباته لأوهام بعض المؤلفين في ذلك، كابن الزبير وابن الأبار وابن فرتون وغيرهم. ومن النوع الثاني: ما نقرؤه في تراجم ابن الزبير والملاحي. أما النوع الثالث فسنعرض له عند الحديث عن أدب ابن عبد الملك.
5 - رفع الأنساب: من خصائص "الذيل والتكملة" رفع أنساب المترجمين واجتهاد مؤلفه في ضبطها، وانتقاده "قلب الأنساب الذي وقع فيه كثير من المؤرخين". وقد رفع أنساب عدد كبير من المترجمين إلى أجدادهم الأعلين الداخلين إلى الأندلس نقلا من خطوطهم أو اعتمادا على بعض النسابين الأندلسيين كابن حزم والحكيم وغيرهما. ونجده يعنى كذلك برفع أنساب بعض المذكورين عرضا في كتابه مثل: أبي ذؤيب الهذلي وابن دريد وأبي العتاهية، كما يعرض إلى مناقشة بعض الأنساب كنسب المنتسبين إلى خالد بن الوليد، وبالجملة، فالكتاب يؤكد ما وصف به ابن عبد الملك من أنه "نسابة".
6 - الترتيب المعجمي: يتميز "الذيل والتكملة" بتنظيمه المعجمي الدقيق على أساس الترتيب المشرقي لحروف المعجم، وقد شرح ابن عبد الملك كيفية هذا الترتيب في مقدمة الكتاب، وهو يراعي الترتيب في أسماء المترجمين وكناهم وعمود نسبهم وشيوخهم وتلاميذهم في نسق غريب لا شك أنه كلفه كثيرا من جهده ووقته، كما يدل على قوة طاقته وشدة احتماله وقدرته الفائقة على الترتيب وولعه الشديد بالتنظيم. وأما قيمة "الذيل والتكملة" بالنسبة إلى التاريخ العام ولا سيما تاريخ المغرب والأندلس، فتتجلى من جهة في الاستطرادات التاريخية المتعددة التي وردت خلال عدد من تراجم الكتاب، وقد عد "الذيل والتكملة" من أجل ذلك ضمن مصادر بعض الحوليات التاريخية مثل: "البيان المغرب" لابن عذاري وغيره. وهي تتجلى -من جهة ثانية- في المواد والعناصر الجزئية المختلفة المبثوثة خلال التراجم، وهي تنفع المؤرخ في تأليف الصورة العلمية أو الاجتماعية لعصر من العصور، ومن الملاحظ أن بعض المشتغلين بالتاريخ قد لا ينتبهون إلى قيمة كتب التراجم كمصادر تاريخية أساسية، ولا ينتفعون بما تشتمل عليه من مادة تضيف الكثير إلى ما تقدمه الحوليات التاريخية. وعندما تضيع هذه الحوليات التاريخية-كما هو الشأن بالنسبة إلى تاريخ المغرب- فإن المشتغل بالتاريخ يستطيع أن يجد شيئا من العوض في كتب تراجم الرجال مثل "الذيل والتكملة".
قيمته الأدبية والعلمية: لا يخفى ما لكتاب "الذيل والتكملة" من قيمة أدبية وعلمية، ويكفى إلقاء نظرة على فهارس القوافي والرسائل الأدبية في المجلد الأخير من هذه النشرة، فهذه الفهارس تدلنا على الثروة الأدبية التي يحتوي عليها الكتاب، وهذه النصوص # الأدبية المبثوثة خلال التراجم تميز هذا الكتاب عن كتب ابن الفرضي وابن بشكوال وابن الأبار وابن الزبير في الموضوع، وهي نصوص متنوعة، فمنها: مقطعات في الوصايا والعظات والأغراض الزهدية والوعظية والخلقية بصفة عامة، ومنها مطولات في التوسل وفي المديح النبوي وغيره وفي الرثاء والوصف، ومنها ما يدخل في باب المطارحات الإخوانية والمعارضات الشعرية، ومنها جملة كبيرة من النظم التعليمي في مسائل لغوية وعروضية وفقهية وفلكية وحديثية، وقد نوه الأستاذ الجليل السيد محمد الفاسي بحسن اختيار ابن عبد الملك للقصائد والمقطعات الشعرية، ولاحظ أننا لا نكاد نجد فيه قصيدة في مدح الملوك والأمراء، وهي ملاحظة لا تستند على الاستقراء التام، فالواقع أن الأسفار التي بين أيدينا تشتمل على قصائد ومقطعات في مدح الخلفاء والأمراء الموحدين ومنهم عبد المؤمن ويعقوب المنصور وأبو العلاء المأمون والرشيد وغيرهم. ويشتمل الكتاب على طائفة كبيرة من الرسائل الإخوانية وغيرها، كما يشتمل من جهة ثانية على نظرات مهمة في النقد الأدبي، وجل هذه الحصيلة الأدبية إن لم نقل: كلها، هي من النتاج الأدبي في عصر الموحدين، ومن ثم فإنه لا غنى لدارس الأدب المغربي والأندلسي في هذا العصر من الرجوع إلى "الذيل والتكملة" واستغلال مادته الأدبية واعتماده ضمن المصادر الأولية، وهذا طبعا زيادة على قيمته الكبرى وفائدته العظمى في تصوير العصر ورجاله، ولا مجال هنا لدراسة هذا الأدب وتحليله، وحسبنا هنا الإشارة والتنبيه. وأما قيمة "الذيل والتكملة" العلمية فهي أوسع من قيمته الأدبية؛ لأن الحياة العلمية من حيث حركة التعليم والتأليف هي محور الكتاب ومداره، وذلك من خلال الأعلام المترجمين، وحسبنا هنا أيضا الإحالة على فهارس الكتب المستخرجة من الأسفار الموجودة والمثبتة في المجلد الأخير من هذه النشرة، وسيقتنع الواقف عليها والمتصفح لها أنها تؤلف القاعدة العريضة لمن يدرس الحركة العلمية والفكرية في عصر الموحدين دراسة منهجية ومتقصية.
ب - الجمع بين كتابي ابن القطان وابن المواق على كتاب "الأحكام" لعبد الحق ابن الخراط. تحدث المؤلف عن كتابه هذا وظروف تأليفه فقال في ترجمة ابن المواق: "وله تعقب على كتاب شيخه أبي الحسن ابن القطان الموسوم ب "الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام" جمع أبي محمد عبد الحق ابن الخراط الجاري عليه اسم "الأحكام الكبرى"، ظهر فيه إدراكه ونبله ومعرفته بصناعة الحديث واستقلاله بعلومه وإشرافه على علله وأطرافه وتيقظه وبراعة نقده واستدراكه، وقد عنيت بالجمع بين هذين الكتابين مضافين إلى سائر أحاديث الأحكام وعلى ترتيبهما وتكميل ما نقص منهما، فصار كتابي هذا من أنفع المصنفات وأغزرها فائدة، حتى لو قلت: إنه لم يؤلف في بابه مثله لم أبعد، والله ينفع بالنية في ذلك". إن عمل المؤلف في هذا الكتاب من حيث إنه تذييل وتكميل يشبه عمله في "الذيل والتكملة"، ولو وصل إلينا هذا الكتاب لكشف عن جوانب من عبقرية ابن عبد الملك وعقليته الموسوعية. وقد نوه به بعض المحدثين، وأعجب به آخرون منهم؛ إذ وقف عليه ابن الزبير واستنبله، كما أن العبدري صاحب الرحلة كان معجبا به فيما يبدو، وبلغ خبره إلى ابن دقيق العيد. وإذا كان كتاب "الذيل والتكملة" تذييلا وتكميلا لكتابين في التراجم هما: تاريخ ابن الفرضي وصلة ابن بشكوال، فإن كتابه هذا الثاني هو تذييل وتكميل لثلاثة أعمال في الحديث أو أحاديث الأحكام على وجه الخصوص، وهي:
1 - الأحكام الكبرى: لعبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الإشبيلي، يذكر ابن عبد الملك أن مؤلفه حذا فيه حذو شيخه أبي العباس أحمد بن أبي مروان # الإشبيلي الذي كان يقال فيه: بخاري زمانه وابن معين وقته، "وألف في السنن كتابه الكبير المسمى ب"المنتخب المنتقى" جمع فيه مفترق الصحيح من الحديث الواقع في المصنفات والمسندات، وطريقه هذا حذا أبو محمدا عبد الحق بن عبد الرحمن ابن الخراط في كتابه "الأحكام"، إذ كان ملازما له ومستفيدا منه". وكتاب "الأحكام" هذا منه نسخ كبرى وصغرى ووسطى، ولعبد الحق كتب أخرى، "والذي كثر تداوله بين أيدي الناس من كتبه هو الأحكامان: الكبرى والصغرى" حسب عبارة الغبريني، وتوجد بعض النسخ المخطوطة من "الأحكام الصغرى" و"الأحكام الكبرى"، وهذه الأخيرة هي المقصودة هنا. وقد أثنى علماء الحديث على هذا الكتاب واهتموا به كثيرا، وكان محل إضافات وتعقيبات من بعضهم، ذكر ابن عبد الملك في ترجمة أبي عبد الله محمد ابن الصيقل أنه "استدرك على الأحكام الكبرى لعبد الحق أحاديث كثيرة في أكثر الكتب رأى أن أبا محمد أغفلها وأنها أولى بالذكر مما أورده أبو محمد في الأحكام، ودل ذلك على حسن نظره وجودة اختياره"، كما أن ابن حماد والصنهاجي ألف كتابا في الإشادة بكتاب شيخه أسماه: "الإعلام بفوائد الأحكام"، وقد عني بشرح ما فيه من غريب الحديث؛ ولا بد أن ابن عبد الملك استفاد من هذين العملين، كما استفاد من الكتاب الذي نذكره فيما يلي:
2 - بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام لابن القطان: وهو تعقيب وتذييل على الكتاب السابق، وذكر ابن عبد الملك أنه يقع "في مقدار الأحكام الشرعية الكبير وعليه وضعه"، ومن العبارة الأخيرة نتأكد أن "الأحكام الكبرى" هي التي كانت محور الذيول المتلاحقة، ويوجد خلاف هذا في عنوان الدراية للغبريني الذي يقول: "وقد كتب أبو عبد الله ابن القطان مزوار الطلبة بالمغرب على "الأحكام الصغرى" نكتا واستلحاقا، وكتب غيره عليها ردا # وإصلاحا". وذكر التجيبي في برنامجه "كتاب الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام" وسنده في روايته ثم قال: "وهذا الكتاب موضوع على النسخة الوسطى من "الأحكام" تأليف أبي محمد عبد الحق"، وكلام ابن عبد الملك أولى بالأخذ وأجدر بالاعتماد؛ لأنه وقف على الكتابين -كتابي عبد الحق وابن القطان- واشتغل بهما. وقد اشتهر كتاب ابن القطان هذا ووصل خبره إلى المشرق وذكر في مصادر متعددة وتعقبه فيه الحافظ الذهبي في مصنف كبير، وقد امتدح حفظ ابن القطان وقوة فهمه، لكنه مثل ابن الزبير انتقد تعنته وقلة إنصافه، كما رتبه الحافظ مغلطاي وأضافه إلى كتاب الأحكام وسمى عمله "منارة الإسلام"
3 - تعقيب ابن المواق على ابن القطان: وقد أوردنا آنفا كلام ابن عبد الملك في وصفه، ويذكر المرحوم الأستاذ العابد الفاسي أنه وقف "على النقل من كتاب ابن المواق هذا غير مرة بخط أبي العلاء العراقي رحمه الله، مما يدل على أن الكتاب كان معروفا بفاس إلى القرن الثاني عشر".
4 - الجمع بين "الوهم والإيهام" لابن القطان والتعقيب عليه لابن المواق: وهذه هي الحلقة الأخيرة في هذه السلسلة التي بدأت بعبد الحق الإشبيلي أو شيخه كما ذكرنا سابفا وانتهت بابن عبد الملك الذي استفرغ جهده في الجمع والاستقصاء وأعجب بعمله فصرح في لهجة المعتد بصنيعه الواثق من عمله: "لو قلت: إنه لم يؤلف في بابه مثله لم أبعد". وقد حدث بكتابه هذا في حياته وأجاز به بعض تلاميذه ومنهم: أبو الحسن المطماطي، قال: "وحدثني (أي: ابن عبد الملك) - فيما أجازني- بكتابه الذي ألفه على "الأحكام الكبرى"
لأبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي؛ وذلك أن أبا الحسن ابن القطان ألف كتابا على كتاب "الأحكام" المذكورة سماه "الوهم والإيهام"، ثم إن الفقيه المحدث أبا عبد الله محمد بن أبي يحيى المواق أكمل ما أغفله أبو الحسن المذكور، ثم إن الشيخ أبا عبد الله ابن عبد الملك تمم ما أغفلاه". كما أن العبدري -وهو من أقران ابن عبد الملك وأصحابه- اطلع على هذا الكتاب وتحدث عنه. قال في رحلته واصفا لقاءه لابن دقيق العيد بمصر: "وفي أول ما رأيته قال لي: كان عندكم بمراكش رجل فاضل، فقلت له: من هو؟ فقال: هو أبو الحسن ابن القطان، وذكر كتابه "الوهم والإيهام" وأثنى عليه، فذكرت له رد ابن المواق عليه وأنه تركه في مسودته فعانى إخراجه صاحبنا الفقيه الأديب الأوحد أبو عبد الله ابن عبد الملك حفظه الله، فقال لي: من هذا الرجل؟ فعرفته به وبما حضرني من تحليته وما أذكر من تقاييده، فعجب من ذلك وكتب ما أمليته عليه". وعبارة العبدري تشعر أن ابن عبد الملك لم يزد على أنه أخرج كتابه من مسودته، ولكن كلام ابن الزبير صريح في أنه جمع بين كتابي ابن القطان وابن المواق "مع زيادات نبيلة من قبله"، وكذلك كلام أبي الحسن المطماطي الذي يؤكد أن ابن عبد الملك تمم ما أغفله ابن القطان وابن المواق، أما ابن عبد الملك فيخبرنا أن عمله يتألف من أربعة أشياء هي: الجمع والترتيب والإضافة والتكميل، أي أنه عمل منهجي موسوعي كعمله في "الذيل والتكملة". ولو وصل إلينا الكتاب لكان دليلا على باع ابن عبد الملك الكبير في الحديث وعلو كعبه وسعة اطلاعه، ولكان برهانا آخر على قدرته الخارقة على التنظيم والترتيب.
ج - الجامع في العروض: هكذا سمى ابن عبد الملك كتابه هذا في ترجمة محمد بن شداد، وذلك في أعقاب مسألة عروضية، قال: "وقد أشبعت القول في هذا وبينت عمل العرب في موضعه من كتابي: الجامع في العروض". وإذا كان هذا الكتاب يعد من كتبه المفقودة فإن "الذيل والتكملة" يشتمل على مباحث عروضية تدل على معرفته واهتمامه بالعروض كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق، ونقتبس هنا -بمناسبة ذكر كتابه الضائع في العروض- فقرات في مسائل عروضية وردت في "الذيل والتكملة"، قال معقبا على هذا البيت من قطعة لأبي محمد طلحة: كست شمس دين المصطفى كل ما بها ... فللنور في الأوراق روق عجيب: "وما ينبغي التنبيه عليه أن الأستاذ أبا محمد طلحة نبه فيما وقفت عليه بخطه على قوله: "روق" بما نصه: مزحوف جائز. وليس ما قاله بصحيح عند حذاق العروضيين حسبما تقرر من اصطلاحهم، بل هو سالم غير مزحوف؛ لأنه فعولن على أصله، وبيان ذلك أن هذه القطعة من الضرب الثالث من الطويل وهو المحذوف، كان أصله: مفاعيلن، فحذف، والحذف: إسقاط متحرك وساكن من آخر الجزء، وهو المسمى عند العروضيين سببا خفيفا، فصار الجزء بعد الحذف: مفاعي، فنقل إلى مثل وزنه وهو: فعولن، وكثر في فعولن الذي قبله الزحاف المسمى عندهم بالقبض، وهو: حذف الساكن الخامس من الجزء، وكان أصله: فعولن، فانتقل -بالقبض- إلى: فعول، واستعذب في الذوق حتى صار مزاحفه أعذب من سالمه وذلك ليستتب لهم ما اعتمدوه من بناء دائرة الطويل على اختلاف أجزائها، فتبين بما قلناه أن الجزء الذي نبه أبو محمد على أنه مزحوف هو السالم، ومثله ما أنشد الخليل: أقيموا بني النعمان عنا رؤوسكم ... وإلا تقيموا صاغرين الرؤوسا # وإن ما سواه من الأجزاء الواقعة موقعه من سائر أبيات القطعة مزحوفة، وهي أعذب في الذوق، فإن قلت: لعله يكون ذلك على اصطلاح بعض العروضيين في إطلاقهم الزحاف على كل تغيير، قلنا: لا تغيير في هذا؛ لمجيئه على أصله، اللهم إلا أن يكون في الذوق، وهم لم يعتبروه ولا وضعوا له لقبا حتى يكون له أثر، وما لا أثر فيه للزحاف فإنما يقال فيه: سالم، عند الجميع، فتأمله، والله الموفق لا رب غيره". وقال عقب هذه الأبيات: رأيت الإنقباض أجل شيء ... وأدعى في الأمور إلى السلامه فهذا الخلق سالمهم ودعهم ... فخلطتهم تعود إلى الندامه ولا تعنى بشيء غير شيء ... يقود إلى خلاصك في القيامه "وفي صدر البيت الأول: رأيت الإنقباض" فيضبطه بعضهم بقطع همزة الوصل ترجيحا للزحاف الحسن، وهو: إسكان الخامس من مفاعلتن المسمى بالقصر على الزحاف القبيح وهو: ذهابه رأسا ويسمى العقل. وفي صدر الثالث: "ولا تعنى" يثبت بعضهم فيه الألف، وهو من قبيل ما تقدم في قطع همزة الوصل من الانقباض، ولو وصل بإسقاط الهمزة وحذف الألف للخرم لم ينكسر البيتان ولكنهما يكونان مشتملين على زحاف قبيح كما تقدم، وكثيرا ما تفر العرب من الزحاف القبيح إلى الزحاف الحسن، ومن الزحاف الحسن إلى السلامة حرصا عليها أو على ما يقرب منها إلا في مواضع كان المزاحف فيها أعذب من السالم؛ وقد أشبعت القول في هذا وبينت عمل العرب فيه في موضعه من كتابي: "الجامع في العروض"".