بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الملك المعبود الرؤوف الرحيم الودود المخرج للخلق من ظلمة العدم إلى نور الوجود الفاتح عليهم بمعرفته والتحقق بوحدانيته كل باب مسدود الدال لهم على باهر حكمته وعظيم قدرته بالمعنى المعقول والحس المشهود فلا يرتاب في أنه الواحد القدير العليم الخبير إلا الكفور الكنود خلق العباد وقدر آجالهم وأحصى أنفاسهم وأمالهم وأوقفهم من شرعه على نهج سوي وحد محدود فمن وقف عنده وأطاع فقد فاز من ثمرة الإيجاد بالمقصود ومن حاد عنه واستكبر فقد أورد نفسه الردى وبئس الورد المورود نحمده تعالى على ما أسبغ من النعم البيض وكسا من البرود وأزاح من العلل ووقى من النوب السود ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نتبوأ بها من الجنان السدر المخضود والطلح المنضود والظل الممدود ونشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدا عبده ورسوله أكرم مبعوث وأشرف مولود صاحب المقام المحمود واللواء المعقود والحوض المورود صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين هم في محافل السلم بدور وفي جحافل الحرب أسود ولهم في أتباعه ونصرته اليد البيضاء والباع الممدود والدعاء لأمير المؤمنين مولانا الحسن ابن أمير المؤمنين مولانا محمد ابن أمير المؤمنين مولانا عبد الرحمن كوكب السعود ومنبع الكرم والجود والمنير بطلعته الغراء وإمامته البيضاء الأغوار والنجود لا زالت به ملة الإسلام بحول الله في صعود تردي الكفر وتنفي البغي وتذود وتصول على الضلال وتسود آمين وبعد فيقول مؤلفه أحمد بن خالد الناصري السلاوي عفا الله عنه هذا بعون الله كتاب الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى كتاب جمعته لنفسي ولمن شاء الله من أبناء جنسي ذكرت فيه دول هذا القطر المغربي من لدن الفتح الإسلامي إلى وقتنا هذا الذي هو آخر القرن الثالث عشر سالكا فيما أنقله من ذلك سبيل الاختصار آتيا منه بما تسمو إليه النفوس من حوادث الأعصار ملما بما لا بد منه من وفيات بعض الأئمة المقتدى بهم في الدين متبركا أولا بذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين متحريا من القول أصحها ومن العبارات أفصحها والله تعالى المسؤول في بلوغ المأمول فمنه سبحانه المنة والطول وبيده تعالى القوة والحول
مقدمة في فضل علم التاريخ
اعلم أن علم التاريخ من أجل العلوم قدرا وأرفعها منزلة وذكرا وأنفعها عائدة وذخرا وكفاه شرفا أن الله تعالى شحن كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية بما أفحم به أكابر أهل الكتاب وأتى من ذلك بما لم يكن لهم في ظن ولا حساب ثم لم يكتف تعالى بذلك حتى امتن به على نبيه الكريم وجعله من جملة ما أسداه إليه من الخير العميم فقال جل وعلا @QB@ تلك القرى نقص عليك من أنبائها @QE@ وقال @QB@ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك @QE@ وقال @QB@ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب @QE@ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يحدث أصحابه بأخبار الأمم الذين قبلهم ويحكي من ذلك ما يشرح به صدورهم ويقوي إيماناهم ويؤكد فضلهم وكتاب بدء الخلق من صحيح البخاري رحمه الله كفيل بهذا الشأن وآت من القدر المهم منه ما يبرد غلة العطشان قال بعضهم احتج الله تعالى في القرآن على أهل الكتابين بالتاريخ فقال تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون @QE@ وحكى بدر الدين القرافي رحمه الله إن الإمام الشافعي رضي الله عنه كان يقول ما معناه دأبت في قراءة علم التاريخ كذا وكذا سنة وما قرأته إلا لأستعين به على الفقه قلت معنى كلام الشافعي هذا أن علم التاريخ لما كان مطلعا على أحوال الأمم والأجيال ومفصحا عن عوائد الملوك والأقيال ومبينا من أعراف الناس وأزيائهم ونحلهم وأديانهم ما فيه عبرة لمن اعتبر وحكمة بالغة لمن تدبر وافتكر كان معينا على الفقه ولا بد وذلك أن جل الأحكام الشرعية مبني على العرف وما كان مبنيا على العرف لا بد أن يطرد باطراده وينعكس بانعكاسه ولهذا ترى فتاوي الفقهاء تختلف باختلاف الأعصار والأقطار بل والأشخاص والأحوال وهذا السبب بعينه هو السر في اختلاف شرائع الرسل عليهم الصلاة والسلام وتباينها حتى جاء موسى بشرع وعيسى بآخر ومحمد بسوى ذلك صلى الله على جميعهم وسلم تم فائدة التاريخ ليست محصورة فيما ذكرناه بل له فوائد أخر جليلة لو قيل بعدم حصرها ما بعد قال الجلال السيوطي رحمه الله من فوائد التاريخ واقعة رئيس الرؤساء المشهورة مع اليهود ببغداد وحاصلها أنهم أظهروا رسما قديما يتضمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بإسقاط الجزية عن يهود خيبر وفيه شهادة جماعة من الصحابة منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فرفع الرسم إلى رئيس الرؤساء وعظمت حيرة الناس في شأنه ثم عرض على الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي فتأمله وقال هذا مزور فقيل له بم عرفته قال فيه شهادة معاوية وهو إنما أسلم عام الفتح سنة ثمان من الهجرة وخيبر فتحت سنة سبع وفيه شهادة سعد بن معاذ وهو مات يوم بني قريظة وذلك قبل فتح خيبر فسر الناس بذلك وزالت حيرتهم اه قال العلامة القادري في الأزهار الندية وفي حدود صدر هذه المائة أعني المائة الحادية عشرة ظهر نحو هذا الكتاب المزور بمعناه والرفع على خطوطه بتاريخ سبع وعشرين وسبعمائة بالموحدة ثم ظهر أيضا بتاريخ ست وثمانمائة ثم تعدد ظهوره مرارا آخرها سنة اثنتين وأربعين وألف مسمى فيه جماعة ممن شهرتهم بالدين والعلم قاطعه بالتقول عليهم في ذلك انظر بقية كلامه قلت وقد وقفت في بعض التقاييد المظنون بها الصحة على كلام للأديب أبي عبد الله اليفرني المعروف بالصغير في هذا المعنى قال جرى بمجلس شيخنا قاضي الجماعة فلان الفلاني ذكر علم التاريخ فقال إن علم التاريخ يضر جهله وتنفع معرفته لا كما قيل إنه علم لا ينفع وجهالة لا تضر قال وانظر ما وقع في هذا الوقت في حدود عشر ومائة ألف من أن نفرا من يهود فاس الجديد امتنعوا من أداء الجزية وأخرجوا ظهيرا قديما مضمنه أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد لموسى بن حيي بن أخطب أخي صفية رضي الله عنها ولأهل بيت صفية الأمان لا يطأ أرضهم جيش ولا عليهم نزل ولهم ربط العمائم فعلى من أحب الله ورسوله أن يؤمنهم وكتب علي بن أبي طالب وشهد عتيق بن أبي قحافة وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان وتاريخ شهادتهم في ذي القعدة سنة تسع من الهجرة قال شيخنا فظهر لي ولعلماء العصر أن ذلك زور وافتراء لا شك فيه ولا امتراء لأن التاريخ بالهجرة إنما حدث زمن عمر سنة سبع عشرة لأسباب اقتضت ذلك كما في ابن حجر ولأن أهل التاريخ لم يذكروا لصفية أخا اسمه موسى وإنما المروي في الأحاديث أنه عليه الصلاة والسلام قتل أبا صفية وزوجها ولأن الظهير الذي استظهروا به نسخة من الأصل الذي فيه خطوط الصحابة وقد أرخوا الاستنساخ من الأصل بسنة ثلاث وعشرين وسبعمائة فقد تأخر خط الصحابة بزعمهم إلى المائة الثامنة وكيف يتوصل في المائة الثامنة إلى أن ذلك خط الصحابة هذا خلاصة ما كتبه أهل فاس في إبطال الظهير ولما رفع ذلك إلى السلطان المولى إسماعيل رحمه الله عاقب اليهود عقابا شديدا اه وبالجملة ففضيلة علم التاريخ شهيرة وفائدته جليلة خطيرة ومادحه محمود غير ملوم والحديث بفضله حديث بمعلوم ولله در ابن الخطيب إذ يقول ( وبعد فالتاريخ والإخبار % فيه لنفس العاقل اعتبار ) ( وفيه للمستبصر استبصار % كيف أتى القوم وكيف صاروا ) ( يجري على الحاضر حكم الغائب % فيثبت الحق بسهم صائب ) ( وينظر الدنيا بعين النبل % ويترك الجهل لأهل الجهل ) وقال الآخر ( ليس بإنسان ولا عاقل % من لا يعي التاريخ في صدره ) ( ومن روى أخبار من قد مضى % أضاف أعمارا إلى عمره )
ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الأربعة رضي الله عنهم
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن اليسع بن الهيميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ابن تارح وهو آزر بن ناحور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام ابن لامك بن متوشلخ بن حنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيت بن آدم عليهما السلام فأما ما بين رسول صلى الله عليه وسلم وبين عدنان فمتفق عليه عند علماء الإسلام وأما ما بين عدنان وإسماعيل فمختلف فيه اختلافا كثيرا ما بين سبعة آباء إلى نحو الأربعين والمختار ما ذكرناه تبعا لأبي الفداء وأما ما بين إسماعيل وآدم عليهما السلام فمتفق عليه عند أهل الكتاب وهي أسماء أعجمية يكثر تغييرها لصعوبة النطق بحروفها والله أعلم قال ابن خلدون ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول لأربعين سنة من ملك كسرى أنو شروان وقيل لثمان وأربعين ولثمانمائة واثنتين وثمانين سنة لذي القرنين ومات أبوه عبد الله وأمه حامل به وكفله جده عبد المطلب واسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر اسمها حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية فكان عندها نحو أربع سنين وشق صدره صلى الله عليه وسلم وهو عندها في السنة الرابعة من مولده فخافت عليه وردته إلى أمه ثم ماتت أمه عقب ذلك واستمر في كفالة جده عبد المطلب إلى أن توفي أيضا لمضي ثمان سنين من مولده صلى الله عليه وسلم فأوصى به عبد المطلب إلى ابنه أبي طالب فكفله أبو طالب أحس كفالة وقام بشأنه أتم قيام ونشأ صلى الله عليه وسلم نشأة طيبة يحفظه ربه ويكلؤه لما يريد به من كرامته ويهيء له من نبوته ورسالته وتزوج خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهو ابن خمس وعشرين سنة وشهد بناء الكعبة وهو ابن خمس وثلاثين سنة ووضع الحجر الأسود بيده الشريفة في موضعه بعد أن تراضت قبائل قريش عليه ثم آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة على رأس أربعين سنة من عمره صلى الله عليه وسلم أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة ولمسلم الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه والتحنث التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الوحي وفي رواية حتى فجئه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرأ فقال ( ما أنا بقارىء قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقاريء فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال ? < اقرأ فقلت ما أنا بقارىء فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال > ? ( اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ) فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فال ( زملوني زملوني ) فزملوه حتى ذهب عنه الروع ثم قال لخديجة ( أي خديجة مالي ) وأخبرها الخبر وقال ( لقد خشيت على نفسي ) قالت له خديجة كلا أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى وهو ابن عم خديجة وكان امراءا تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني في كتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمى فقالت له خديجة أي ابن عم اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أو مخرجي هم ) قال نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم يلبث ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر عينه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فيتبدى له جبريل فيقول له مثل ذلك ثم نزل عليه بعد فترة الوحي سورة المدثر قال العلماء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول الوحي عليه نبيا فقط ثلاث سنين لم يؤمر فيها بإنذار ثم أتاه جبريل عليه السلام برسالة من ربه عز وجل فكان فيما أنزل عليه في ذلك قوله تعالى @QB@ وأنذر عشيرتك الأقربين @QE@ روى محمد بن إسحاق بسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعا وعرفت أني متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره فصمت عليها حتى جاءني جبريل فقال يا محمد إن لا تفعل ما تؤمر يعذبك ربك فاصنع لنا طعاما واجعل لنا عليه رجل شاة واملأ لنا عسا من لبن ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أبلغهم ما أمرت به ) ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له وكانوا يومئذ نحو أربعين رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب فلما اجتمعوا دعاني بالطعام الذي صنعت فجئت به فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم جذبه من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال ( كلوا باسم الله ) فأكل القوم حتى ما لهم بشيء من حاجة وايم الله إن كان الرجل الواحد ليأكل مثل ما قدمت لجميعهم ثم قال ( اسق القوم ) فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا جميعا وايم الله إن كان الرجل الواحد ليشرب مثله فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب فقال سحركم صاحبكم فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فقال الغد يا علي إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن أكلمهم فاعدد لنا من الطعام مثل ما صنعت ثم أجمعهم ) ففعلت ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا وشربوا ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ( يا بني عبد المطلب إني قد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة وقد أمرني الله عز وجل أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على أمري هذا ويكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ) فأحجم القوم عنها جميعا وأنا أحدثهم سنا فقلت يا رسول الله أنا أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي ثم قال ( هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فا سمعوا له وأطيعوا ) فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيع وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس قال لما نزلت @QB@ وأنذر عشيرتك الأقربين @QE@ صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي ( يا بني فهر يا بني عدي ) لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذ لم يستطع أن خرج أرسل رسولا لينظر ما هو فجاء أبو لهب وقريش فقال ( أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ) قالوا نعم ما جربنا عليك كذبا قال ( فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) فقال أبو لهب تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا فنزلت @QB@ تبت يدا أبي لهب وتب @QE@ ما أغنى عنه ماله وما كسب ) ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ربه صابرا محتسبا فيما يناله من المحن وضروب الأذى معلنا بالتذكير والإنذار داعيا إلى الله آناء الليل وأطراف النهار وأسلم معه جماعة من السابقين إلى الإسلام كخديجة وعلي وأبي بكر وزيد بن حارثة وعثمان وسائر العشرة سوى عمر بن الخطاب فإن إسلامه كان قد تأخر قليلا ونصبت قريش العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وافترقت كلمتهم عليه وانحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب وتعاهدت قريش على أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا ينفعوهم بشيء ونال أصحاب رسول الله الذي آمنوا معه من الأذى فوق ما يوصف وهاجر جماعة منهم إلى النجاشي بالحبشة فرارا بدينهم من الفتنة وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب وقام دونه وذب عنه سفهاء قريش ومنعه منهم ما استطاع وكانت خديجة رضي الله عنها توازره على أمره وتسليه وتهون عليه مايلقاه من قومه فكان صلى الله عليه وسلم يرتاح لذلك ويخف عليه بعض ما يجد ثم توفي أبو طالب في شوال سنة عشر من النبوة وتوفيت خديجة بعد ذلك بيسير وكانت وفاتهما قبل الهجرة بثلاث سنين فعظمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصيبة وتتابعت عليه المحن حتى كان يسمي ذلك العام عام الحزن ونالت قريش منه ما لم تكن تطمع في نيله قبل ذلك فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الثلاث سنين إذا حضر الموسم خرج إلى قبائل العرب بمنى وطاف عليهم قبيلة قبيلة يدعوهم إلى الله تعالى ويعرض عليهم نفسه ويسألهم النصرة له والقيام معه حتى يبلغ رسالة ربه فإن قريشا قد عتت على الله وكذبت رسوله وردت عليه كرامته ويقول فيما يقول ( يا بني فلان إني رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد وأن تؤمنوا بي وتصدقوني ) ولقي صلى الله عليه وسلم في هذه المدة من الشدائد ما رفع الله به في عليين درجته وأجزل به كرامته وشرف منزلته وحاز به في جوار الله تعالى أكرم نزل وصار إمام أولي العزم من الرسل صلى الله على جميعهم وسلم ولما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه خرج صلى الله عليه وسلم في بعض المواسم يعرض نفسه على القبائل كما كان يصنع فبينما هو عند العقبة بمنى إذ لقي ستة نفر من الخزرج من أهل مدينة يثرب وأهلها يومئذ قبيلتان الأوس والخزرج ويجمعهم أب واحد وهم من عرب اليمن والنفر الستة هم أبو أمامة أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث وهو ابن عفراء ورافع بن مالك بن العجلان وقطبة بن عامر بن حديدة وعقبة بن عامر بن نابي وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من أنتم ) قالوا نفر من الخزرج قال ( أمن موالى يهود ) وكانوا يحالفون قريظة والنضير قالوا نعم قال ( أفلا تجلسون حتى أكلمكم ) قالوا بلى فجلسوا معه فدعاهم إلى ألله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن قال ومما كان صنع الله لهم في الإسلام أن اليهود كانوا معهم ببلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم وهم أهل أوثان وشرك وكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا إن نبينا الان مبعوث قد أظل زمانه سنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله عز وجل قال بعضهم لبعض يا قوم تعلموا والله إنه النبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه فأجابوه وصدقوه وأسلموا معه وقالوا إنا قد تركنا قومنا وبينهم من العداوة والشر ما بينهم فعسى الله أن يجمعهم بك وسنقدم عليهم وندعوهم إلى أمرك فإن يجمعهم الله عليك فلا أحد أعز منك ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم فلما قدموا المدينة ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا منهم خمسة من الستة الذين ذكرناهم آنفا عدى جابر بن عبد الله فإنه لم يحضرها وسبعة من غيرهم وهم معاذ بن الحارث أخو عوف بن الحارث المذكور وذكوان بن عبد القيس ويزيد بن ثعلبة البلوي وعبادة بن الصامت والعباس بن عبادة بن نضلة وهؤلاء العشرة من الخوارج ومن الأوس أبو الهيثم مالك بن التيهان وعويم بن ساعدة فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة فبايعوه بيعة النساء أن لا يشركوا بالله شيئا ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم إلى آخر الآية فقال صلى الله عليه وسلم ( فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم شيئا من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة لكم وإن ستر عليكم فأمركم إلى الله عز وجل إن شاء الله عذبكم وإن شاء غفر لكم ) قال وذلك قبل أن تفرض الحرب فلما انصرف القوم بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي ومعه عمرو بن أم مكتوم الأعمى ليعلمهم القرآن وشرائع الإسلام ويفقهم في الدين فكان مصعب بالمدينة يسمى المقرىء وكان منزله على أسعد بن زرارة فأسلم على يده كثير من الأوس والخزرج منهم أسيد بن حضير وسعد بن معاذ سيدا الأوس وسعد هذا هو الذ ي يقول فيه حسان بن ثابت رضي الله عنه ( وما اهتز عرش الله من أجل هالك % سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو ) ولم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف بطون من الأوس وكانوا في عوالي المدينة وكان فيهم أبو قيس بن الأسلت الشاعر سيدا مطاعا فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق فأسلموا كلهم ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة من العام المقبل وذلك سنة ثلاث عشرة من المبعث وخرج معه من الأنصار الذين أسلموا ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان بعضهم من الأوس وبعضهم من الخزرج مع حجاج قومهم من أهل الشرك فلما وصلوا إلى مكة واعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجتمعوا به ليلا في أوسط أيام التشريق بالعقبة من منى وجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يتوثق لابن أخيه فقال يا معشر الخزرج إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا وهو في عز ومنعة من قومه وبلده وأنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه فمن الآن فدعوه فقالوا قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك ولربك ما شئت فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله عز وجل ورغب في الإسلام ثم قال ( أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم ونساءكم وأبناءكم ) قال فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن أهل الحرب وأهل الحلقة ورثناهما كابرا عن كابر فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو الهيثم بن التيهان فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالا يعني عهودا وإنا قاطعوها فهل عسيت أن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال ( بل الدم الدم والهدم الهدم أنتم مني وأنا منكم أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونون كفلاء على قومهم بما فيهم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم فأخرجوا له اثنى عشر نقيبا ) وتسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس قال عاصم بن عمر بن قتادة إن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة يا معشر الخزرج هل تدرون على ما تبايعون هذا الرجل إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهو والله خزي الدنيا والآخرة وإن كنتم ترون إنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة قالوا فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا قال ( الجنة ) قالوا ابسط يدك فبسط يده فبايعوه وأول من ضرب على يده البراء بن معرور ثم تتابع القوم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( انفضوا إلى رحالكم ) فقال العباس بن عبادة بن نضلة والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إني لم أومر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم ) ثم انصرف القوم راجعين إلى المدينة وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى المدينة فخرجوا أرسالا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر الإذن من ربه في الهجرة وبقي معه أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب إلى أن أذن الله لنبيه في الهجرة فهاجر كما هو معلوم في كتب الحديث والسير ولما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أظهر الإسلام وشرع الأحكام وبين الحلال والحرام ونزل عليه من القرآن السبع الطول سوى سورة الأنعام فإنها نزلت بمكة ونزل عليه قوله تعالى ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ) فكانت هذه أول آية نزلت بالإذن في القتال فجاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الله حق جهاده ونال من نصرة الدين وإعلاء كلمة الله غاية مراده وانثالت عليه وفود العرب من كل ناحية ولبت دعوته من أماكنها الدانية والقاصية وضرب الإسلام بجرانه في جزيرة العرب كلها وأجمع على التمسك بدينه أهل عقدها وحلها قال القاضي عياض رحمه الله في كتاب الشفا فتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب وما دانى ذلك من الشام والعراق وجبى إليه من أخماسها وجزيتها وصدقاتها ما لا يجبى للملوك إلا بعضه وهادته جماعة من ملوك الأقاليم فما استأثر بشيء منه ولا أمسك منه درهما بل صرفه مصارفه وأغنى به غيره وقوى به المسلمين صلى الله عليه وسلم ولما حصل المقصود من بعثته صلى الله عليه وسلم وأظهر دينه على الدين كله أنزل الله تعالى عليه @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ قال المفسرون نزلت هذه الآية يوم الجمعة بعد العصر يوم عرفة والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء فكادت عضد الناقة تندق وبركت لثقل الوحي وذلك في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة روي أنه لما نزلت هذه الآية بكى عمر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( ما يبكيك يا عمر ) فقال أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص قال صدقت فكانت هذه الآية نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش بعدها إحدى وثمانين يوما ومات صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول وقيل لاثنتي عشرة ليلة قال الخازن في تفسيره وهو الأصح سنة إحدى عشرة من الهجرة فمجموع عمره صلى الله عليه وسلم ثلاث وستون سنة على الصحيح أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس قال أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة فمكث ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ثم أمر بالهجرة فهاجر إلى المدينة فمكث بها عشر سنين ثم توفي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة قال الشيخ محي الدين النووي ورد في عمره صلى الله عليه وسلم ثلاث روايات إحداها أنه صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن ستين سنة الثانية خمس وستون سنة والثالثة ثلاث وستون سنة وهي أصحها وأشهرها اه وفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهر من أن يشرح ويبين فهو حجة الله في الأرض وشهيده على الخلق ومصطفاه من البشر والمخصوص بمزية النبوة وآدم بين الماء والطين ولله در ابن الخطيب إذ يقول ( يا مصطفى من قبل نشأة آدم % والكون لم تفتح له أغلاق ) ( أيروم مخلوق ثناءك بعد ما % أثنى على أخلاقك الخلاق )
خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
هو أبو بكر واسمه عبد الله وقيل عتيق بن أبي قحافة واسمه عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب التيمي المعروف بالصديق يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب ولي الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع من الصحابة ومن تأخر عنها أولا رجع إليها ثانيا إلا ما كان من سعد بن عبادة الأنصاري فإنه توقف عن بيعته وذلك أنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة وهموا بمبايعة سعد بن عبادة سيد الخزرج لأنهم كانوا يرون أنهم أحق بالأمر لأنهم الذين آووا ونصروا وتبوأوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين ولما انتهى الخبر إلى أبي بكر وعمر أفزعهما ذلك وبادرا إلى السقيفة ومعهما أبو عبيدة بن الجراح فوجدوا الأنصار بها على ما بلغهم من العزم على بيعة سعد فحاجهم أبو بكر رضي الله عنه وقال نحن أولياء رسول الله صلى الله عليه وسلم وعشيرته وأحق الناس بالأمر بعده فنحن الأمراء وأنتم الوزراء فقال الحباب بن المنذر لا والله لا نفعل منا أمير ومنكم أمير وإن شئتم أعدناها جذعة أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب فقام بشير بن سعد الأنصاري فقال ألا إن محمدا صلى الله عليه وسلم من قريش وإن قومه أحق وأولى بالأمر بعده ونحن وإن كنا أولي فضل في الجهاد وسابقة في الدين فما أردنا بذلك إلا رضى الله وطاعة نبيه فلا نبتغي به من الدنيا عوضا ولا نستطيل به على الناس ثم أشار أبو بكر بأن يبايعوا أحد الرجلين إما عمر بن الخطاب وإما أبا عبيدة بن الجراح فكرها ذلك وبايعا أبا بكر وسبقهما إليه بشير بن سعد ثم تناجى الأوس فيما بينهم وكان فيهم أسيد بن حضير أحد النقباء فكرهوا إمارة الخزرج عليهم ومالوا إلى بيعة أبي بكر فبايعوه وأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر حتى كادوا يطؤون سعد بن عبادة وهو مضطجع بينهم يوعك فقال رجل من أصحابه قتلتم سعد بن عبادة فقال عمر قتله الله فقال أبو بكر مهلا يا عمر الرفق هنا أبلغ ثم لحق سعد بالشام فلم يزل هناك حتى توفي أيام عمر رحم الله جميعهم وكانت بيعة أبي بكر يوم الثلاثاء الثاني من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل دفنه ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت عامة العرب لأن كلمة الإسلام لم تكن رسخت في قلوبهم على ما ينبغي ومنع آخرون منهم الزكاة وقالوا نصلي ولا نؤدي الزكاة ظنا منهم أن ذلك كان واجبا عليهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فقط واضطرب أمر المسلمين عند وفاته صلى الله عليه وسلم لقلتهم وكثرة عدوهم قالت عائشة رضي الله عنها لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب ونجم النفاق واشرأبت اليهودية والنصرانية ونزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال الراسية لهاضها وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم وقال أبو بكر بن عياش سمعت أبا حصين يقول ما ولد بعد النبيين أفضل من أبي بكر الصديق لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردة وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب قال عمر يا أبا بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ) قال أبو بكر والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها قال عمر فو الله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق وحكى ابن خلدون أن أبا بكر رضي الله عنه لما عزم على قتال أهل الردة استخلف أسامة بن زيد بعد رجوعه من بعثه الذي كان بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قبل وفاته فبقي في المدينة حتى أنفذه أبو بكر بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فخرج أبو بكر في جماعة من المسلمين إلى ذي حسي وإلى ذي القصة موضعين قرب المدينة ثم سار حتى نزل على أهل الربذة بالإبريق وبها عبس وذبيان وبنو بكر بن عبد مناة بن كنانة وثعلبة بن سعد وغيرهم فقاتلهم أبو بكر وهزمهم ورجع إلى المدينة ثم خرج إلى ذي القصة ثانيا فعقد فيه أحد عشر لواء على أحد عشر جندا لقتال أهل الردة وأمر كل واحد باستنفار من يليه من المسلمين من كل قبيلة وعقد للأمراء على تلك الأجناد منهم خالد بن الوليد وخالد بن سعيد بن العاص وعمرو بن العاص وغيرهم وكتب لهم عهودهم بنص واحد بسم الله الرحمن الرحيم هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لفلان حين بعثه فيمن بعثه لقتال من رجع عن الإسلام وعهد إليه أن يتقي الله ما استطاع في أمره كله سره وجهره وأمره بالجد في أمر الله ومجاهدة من تولى عنه ورجع عن الإسلام إلى أماني الشيطان بعد أن يعذر إليهم فيدعوهم بدعاية الإسلام فإن أجابوه أمسك عنهم وإن لم يجيبوه شن غارته عليهم حتى يقروا له ثم ينبئهم والذي عليهم ولذي لهم فيأخذ ما عليهم ويعطيهم الذي لهم لا ينظرهم ولا يرد المسلمين عن قتال عدوهم فإن أجاب إلى أمر الله تعالى وأقر له قبل ذلك منه وأعانه عليه بالمعروف وإنما يقاتل من كفر بالله على الإقرار بما جاء من عند الله فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل كان الله حسيبه بعد فيما استسر به ومن لم يجب إلى داعية الله قوتل وقتل حيث كان وحيث بلغ مراغمة لا يقبل الله من أحد شيئا مما أعطى إلا الإسلام فمن أجابه وأقر به قبل منه وأعانه ومن أبى قاتله فإن أظهره الله عليه قتلهم فيه كل قتلة بالسلاح والنيران ثم قسم ما أفاء الله عليه إلا الخمس فإنه يبلغناه ويمنع أصحابه العجلة والفساد وأن لا يدخل فيهم حشوا حتى يعرفهم ويعلم ما هم لئلا يكونوا عيونا ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق بهم في السير والمنزل ويتفقدهم ولا يعجل بعضهم عن بعض ويستوصي بالمسلمين في حسن الصحبة ولين القول اه وكتب إلى كل من بعث إليه الجنود من المرتدين كتابا واحدا أيضا وجعله في نسخ متعددة بيد رسل تقدموا أمام الأمراء يأمرهم فيه بالتمسك بكلمة الإسلام وينهاهم عن الارتداد ويحذرهم عاقبته وسوء أثره تركنا ذكره اختصارا وكان أول ما بدأ به خالد بن الوليد رحمه الله من القتال قتال طليحة بن خويلد الأسدي أسد خزيمة وكان كاهنا وادعى النبوة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبعه أفاريق من قومه بني أسد ومن غيرهم فوجه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرار بن الأزور ليقاتله فبينما ضرار يريد مناجزته إذ ورد عليه الخبر بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت ذلك في عضد ضرار وانكفأ راجعا بمن معه من المسلمين إلى المدينة وعظم أمر طليحة حينئذ واستطار شرره وانضمت إليه غطفان وبعض طييء وأخلاط من العرب على ماء من مياه بني أسد يقال له بزاخة فسار إليهم خالد رحمه الله فأوقع بهم وقعة شنعاء فل بها جمعهم وقتل من قتل منهم ونجا طليحة إلى الشام برأس طمرة ولجام وبقي هناك إلى أن أسلم وحسن إسلامه وكانت له في قتال فارس والروم زمان الفتح اليد البيضاء ثم تتبع خالد رحمه الله أهل الردة قبيلة قبيلة وجمعا جمعا فقتل وحرق ورضخ بالحجارة ورمى من رؤوس الجبال وأبلغ في النكاية بكل وجه فخشعت نفوس المرتدين وخامر قلوبهم الرعب وقوم اعواججهم الطعن والضرب حتى راجعوا الإسلام كرها وكان من اعظمهم شوكة وأشدهم قوة بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب وكان موطنهم باليمامة وهي بلاد واسعة ذات نخل وزرع على أربعة أيام من مكة وكان مسيلمة هذا قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فيوفد بني حنيفة فأسلم ثم ارتد وادعى النبوة استقلالا ثم مشاركة مع النبي صلى الله عليه وسلم وشهد له بذلك الرجال بن عنفوة أحد أشراف بني حنيفة وكان قد هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأقام عنده وقرأ القرآن وتفقه في الدين فلما ارتد مسيلمة بعثه النبي صلى الله عليه وسلم معلما لأهل اليمامة ومشغبا عن مسيلمة فكان من أعظم الفتن على بني حنيفة فإنه شهد لمسيلمة بالنبوة واتبعه على شأنه وصار مؤذنا له يشهد له بالرسالة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم شأنه فيهم وكان مسيلمة ينتهي إليه رأيه وكان يأتي بأسجاع كثيرة يزعم أنها قرآن ينزل عليه ويأتي بمخارق من الشعبذة ويقول إنها معجزاته فتقع على خلاف المقصود إهانة من الله له فنهض خالد رحمه الله بعد الفراغ من طليحة وغيره من أهل الردة إلى بني حنيفة وهم يومئذ كثير يقال كانوا أربعين ألف مقاتل ولما سمعوا بدنو خالد منهم خرجوا وعسكروا في منتهى ريف اليمامة واستنفروا الناس فنفروا معهم وأقبل خالد وعلى مقدمته شرحبيل بن حسنة ونازل بني حنيفة وكان الرجال بن عنفوة على مقدمة مسيلمة فالتقوا واقتتلوا واشتدت الحرب وانكشف المسلمون حتى دخل بنو حنيفة خباء خالد ثم تراجع المسلمون وكروا على بني حنيفة وقاتل ثابت بن قيس بن شماس حتى قتل ثم زيد بن الخطاب أخو عمر كذلك ثم أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ثم مولاه سالم ثم البراء أخو أنس بن مالك وكان تأخذه عند الحرب رعدة حتى ينتفض ويقعد عليه الرحال حتى يبول ثم يثور كالأسد فقاتل ذلك اليوم وفعل الأفاعيل واستحر القتل في المسلمين خصوصا قراء القرآن وأهل السابقة قال ابن خلدون قتل يوم اليمامة من الأنصار ما ينيف على الثلاثمائة وستين ومن المهاجرين مثلها ومن التابعين لهم مثلها أو يزيدون وفشت الجراحات فيمن بقي ثم هزم الله العدو وألجأهم المسلمون إلى حديقة كانت هناك وفيها مسيلمة فقال البراء بن مالك ألقوني عليهم من أعلى الجدار فاقتحم وقاتلهم على باب الحديقة حتى دخل بعض المسلمين عليهم واقتحم الباقون من أعلى الحيطان فقتل من بني حنيفة يومئذ سبعة عشر ألف مقاتل فسميت الحديقة حديقة الموت وأما مسيلمة فقتله وحشي بالحربة التي قتل بها حمزة بن عبد المطلب يوم أحد وشاركه في قتله رجل من الأنصار ثم صالح خالد بني حنيفة في خبر طويل وهذه الوقعة من أعظم الوقعات التي كانت في زمن أبي بكر رضي الله عنه وهي كانت السبب الداعي إلى جمع القرآن في المصحف واستمر كذلك إلى أن جمعه عثمان بن عفان رضي الله عنه الجمع الثاني في المصحف ففي الصحيح عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر رضي الله عنه إن عمر أتأني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قال أبو بكر قلت لعمر كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر هو والله خير فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر قال زيد بن ثابت وعمر عنده جالس لا يتكلم فقال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن قلت كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر هو و الله خير فلم أزل أراجعهم حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكناف والعسف واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره @QB@ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم @QE@ حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر اه ولما فرغ خالد من أمر اليمامة بعث إليه أبو بكر في المحرم سنة اثنتي عشرة يأمره بالسير إلى العراق وذلك عندما أجمعت العرب على الإسلام واتفقوا على التمسك بكلمته وأخلصوا الطاعة لله ولخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمت لأبي بكر رضي الله عنه همة في قتال فارس والروم أهل الدولتين العظيمتين في العالم يومئذ فتوجه خالد رحمه الله نحو فارس وكان عذابا من عذاب الله أرسله على أهل الكفر والضلال وما مثله إلا قول المتنبي ( وما كان إلا النار في كل موضع % يثير غبارا في مكان دخان ) فتوجه خالد رحمه الله وفتح الحيرة وما وراءها من أعمال العراق وفتح الأنبار وعين التمر وأوقع الوقائع العظيمة بمسالح أهل فارس وجيوشهم حتى أخافهم في بلادهم وهم بالاقتحام عليهم ومقاتلتهم في عقر دارهم وكتب إليهم بكتابين يتوعدهم ويتهددهم ثم صرفه أبو بكر رضي الله عنه إلى الشام فشهد اليرموك مع جيوش المسلمين الذين كانوا هناك ففي الأكنفاء عن عبد الله بن أبي أوفى الخزاعي وكانت له صحبة قال لما أراد أبو بكر أن يجهز الجنود إلى الشام دعا عمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وأبا عبيدة بن الجراح ووجوه المهاجرين والأنصار من أهل بدر وغيرهم فدخلوا عليه وأنا فيهم فقال إن الله لا تحصى نعمه ولا تبلغ جزاءها الأعمال فله الحمد كثيرا على ما اصطنع عندكم ثم جمع كلمتكم وأصلح ذات بينكم وهداكم إلى الإسلام ونفى عنكم الشيطان فليس يطمع أن تشركوا بالله ولا أن تتخذوا إلها غيره فالعرب اليوم بنو أم وأب وقد رأيت أن أستنفرهم إلى الروم بالشام فمن هلك منهم هلك شهيدا وما عند الله خير للأبرار ومن عاش منهم عاش مدافعا عن الدين مستوجبا على الله ثواب المجاهدين هذا رأيي الذي رأيت فليشر علي امرؤ بمبلغ رأيه فأجاب كل من الحاضرين باستصواب رأيه وتقوية عزمه فجهز أبو بكر رضي الله عنه جيوشا وأمر عليهم أمراء كخالد بن سعيد بن العاص وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل والوليد بن عقبة ويزيد بن أبي سفيان وأمر أبا عبيدة بن الجراح على جميعهم وعين له حمص وأوصى كل واحد منهم بما تنبغي الوصية به فكان بسبب تلك الجموع وقعة اليرموك بين المسلمين والروم في رجب سنة ثلاث عشرة من الهجرة بعد وفاة أبي بكر رضي الله عنه بنحو شهر لأن وفاته رضي الله عنه كانت مساء ليلة الثلاثاء بين العشاءين لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة فكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشرة ليال وعمره ثلاث وستون سنة رضي الله عنه ونفعنا به
خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه
هو أول من دعي أمير المؤمنين وكان أبو بكر قبله يدعى خليفة رسول الله وهو أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل مصغرا بن عبد العزى بن رياح بكسر الراء وفتح المثناة التحتية بن عبد الله بن قرط بضم القاف ابن رزاح بفتح الراء بن عدي بن كعب بن لؤي يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كعب بن لؤي ولي الخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنه بعهد منه إليه قال ابن خلدون لما احتضر أبو بكر عهد إلى عمر رضي الله عنهما الأمر من بعده بعد أن شاور عليه طلحة وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم وأخبرهم بما يريد فيه فأثنوا على رأيه فأشرف على الناس وقال إني قد استخلفت عمر ولم آل لكم نصحا فاسمعوا له وأطيعوا ودعا عثمان فأمره فكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد به أبو بكرخليفة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة في الحال التي يؤمن فيها الكافر وينيب فيها الفاجر إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيرا فإن صبر وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب والخير أردت ولكل امرئ ما اكتسب @QB@ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون @QE@ فكان أول ما أنفذه من الأمور عزل خالد بن الوليد عن إمارة الجيوش بالشام وتولية أبي عبيدة وجاء الخبر بذلك والمسلمون مواقفون عدوهم باليرموك فكتم أبو عبيدة الأمر كله حتى انقضى أمر اليرموك وكان فتح دمشق بعدها فحينئذ أظهر أبو عبيدة إمارته وعزل خالد فسمع خالد وأطاع وقيل في هذا الخبر غير هذا مما هو مبسوط في كتب الفتح ثم إن عمر رضي الله عنه سدد عزمه وأرهف حده لغزو فارس والروم فتابع عليهم الجنود وعين لكل أمير عمله وعقد لأبي عبيد بن مسعود الثقفي على جيش من المسلمين وبعثه نحو العراق فاستشهد أبو عبيد بموضع يقال له قس الناطف على الفرات فولى مكانه المثنى بن حارثة الشيباني وكان بطلا من الأبطال نظير خالد بن الوليد في يمن النقيبة والجراءة على الأعداء فأوقع بأهل فارس عدة وقعات منها وقعة البويب قتل فيها من الفرس مائة ألف أو يزيدون ثم إن عمر رضي الله عنه استأنف الجد لجهاد فارس وقال والله لأضربن ملوك العجم بملوك العرب فلم يدع رئيسا ولا ذا رأي ولا خطيبا ولا شاعرا إلا رماهم به فرماهم بوجوه الناس وكتب إلى المثنى يأمره أن يخرج بالمسلمين من بين العجم ويتفرق بهم على المياه بحيالهم وأن يدعو الفرسان وأهل النجدات من ربيعة ومضر ويحضرهم طوعا وكرها ثم حج عمر سنة ثلاث عشرة ورجع إلى المدينة فوافته أمداد العرب بها فعقد عليهم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وولاه حرب العراق وأوصاه وقال يا سعد بن أم سعد لا يغرنك من الله أن يقال خال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله لا يمحو السىء بالسىء ولكنه يمحو السىء بالحسن وليس بين الله وبين أحد نسب إلا بطاعته فالناس في دين الله سواء الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عنده بالطاعة فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزمه فالزمه وعليك بالصبر ثم سرحه في أربعة آلاف ممن اجتمع إليه فيهم وجوه العرب وأشرافها وانضاف إليه في طريقة جموع أخر فكانت له في هذا الوجه وقعة القادسية المشهورة دامت فيها الحرب بين المسلمين والفرس أربعة أيام بلياليها وقتل فيها رستم زعيم الفرس وصاحب حربها واستلحمت جنوده وكان الفتح الذي لم يكن له في الإسلام نظير وذلك في المحرم سنة أربع عشرة وقيل خمس عشرة ثم كان بعدها فتح المدائن وجلولاء وسائر بلاد العراق وغيرها من بلاد فارس الجبل وأرمينية وأذربيجان وسجستان وكرمان ومكران وخراسان وغير ذلك مما يطول ذكره وكذا استولى جيوش المسلمين الذين بالشام على بلاد الشام والجزيرة وأنطاكية وغيرها من بلاد الروم ومصر والإسكندرية وبرقة وطرابلس الغرب وغير ذلك وفي سنة أربع عشرة أمر عمر رضي الله عنه باختطاط البصرة والكوفة بعراق العرب لما بلغه من وخامة البلاد وأن العرب قد تغيرت ألوانهم بالعراق فأذن لهم في اختطاط المصرين وأن لا يتجاوزوا في بنائهما السنة ويقال إن اختطاط الكوفة كان في سنة سبع عشرة وفي سنة خمس عشرة وضع عمر الديوان وفرض العطاء للمسلمين ولم يكن قبل ذلك وروى الزهري عن ابن المسيب أن ذلك كان في المحرم سنة عشرين قال ابن خلدون يقال وضع عمر الديوان لسبب مال أتى به أبو هريرة من البحرين فاستكثروه وتعبوا في قسمة فسموا إلى إحصاء الأموال وضبط العطاء والحقوق فأشار خالد بن الوليد بالديوان وقال رأيت ملوك الشام يدونون فقبل منه عمر وقيل بل أشار عليه به الهرمزان لما رآه يبعث البعوث بغير ديوان فقال له ومن يعلم بغيبة من يغيب منهم فإن من تخلف أخل بمكانه وإنما يضبط ذلك الكتاب فأثبت لهم ديوانا فأمر عمر رضي الله عنه عقيل بن أبي طالب ومخزمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من كتاب قريش فكتبوا ديوان العساكر الإسلامية مرتبا على الأنساب مبتدأ فيه بقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأقرب فالأقرب بعد أن قال علي وعبد الرحمن بن عوف لعمر ابدأ بنفسك فقال لا بل بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدأ بالعباس ثم بالأقرب فالأقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرض لأهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف وفرض لمن بعدهم إلى الحديبية أربعة آلاف أربعة آلاف ثم لمن بعدهم ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف ثم ألفين وخمسمائة ثم لأهل القادسية وأهل الشام ألفين ألفين وفرض لمن بعد القادسية واليرموك ألفا ألفا ولروادفهم خمسمائة خمسمائة ثم ثلاثمائة ثم مائتين وخمسين ثم مائتين وأعطى نساء النبي صلى الله عليه وسلم لكل واحدة عشرة آلاف وفضل عائشة بألفين وجعل النساء على مراتب فلأهل بدر خمسمائة ثم أربعمائة ثم ثلاثمائة ثم مائتين والصبيان مائة مائة والمساكين جريبين في الشهر ولم يترك في بيت المال شيئا وسئل في ذلك فأبى وقال هي فتنة لمن بعدي ثم سأل رضي الله عنه الصحابة في قوته هو من بيت المال فأذنوا له وسألوه في الزيادة على لسان ابنته حفصة متكتمين عنه فغضب وامتنع وفي سنة ست عشرة قدم جبلة بن الأيهم ملك غسان على عمر رضي الله عنه في جماعة من أصحابه مسلمين فتلقاه المسلمون ودخل في زي حسن وبين يديه جنائب مقادة وعلى أصحابه الديباج حتى تطاول النساء من خدورهن لرؤيته وأكرم عمر وفادته وأحسن نزله وأجله بأرفع رتب المهاجرين ثم خرج عمر للحج في هذه السنة فحج معه جبلة فبينما جبلة يطوف بالبيت إذا وطئ رجل من فزارة فضل إزاره فلطمه جبلة فهشم أنفه فأقبل الفزاري إلى عمر وشكاه فأحضره عمر وقال له افتد نفسك وإلا أمرته بلطمك فقال جبلة كيف ذلك وأنا ملك وهو سوقة فقال عمر إن الإسلام جمعكما وسوى بين الملك والسوقة في الحد فقال جبلة كنت أظن أني بالإسلام أعز مني في الجاهلية فقال عمر دع عنك هذا فقال جبلة إني أتنصر فقال عمر إن تنصرت ضربت عنقك فقال له أنظرني ليلتي هذه فأنظره فلما جاء الليل سار جبلة بخيلة ورجله إلى الشام ثم منها إلى القسطنطينة وتبعه خمسمائة رجل من قومه فتنصروا عن آخرهم وفرح هرقل به وأكرمه ثم ندم جبلة على فعلته تلك وقال ( تنصرت الأشراف من عار لطمة % وما كان فيها لو صبرت لها ضرر ) ( تكنفني فيها لجاج ونخوة % وبعت لها العين الصحيحة بالعور ) ( ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة % وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر ) ( ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة % أجالس قومي ذاهب السمع والبصر ) ( أدين بما دانوا به من شريعة % وقد يحبس العير الدجون على الدبر ) وكان قد مضى رسول عمر إلى هرقل وشاهد ما هو فيه جبلة من النعمة فأرسل جباة بخمسمائة دينار إلى حسان بن ثابت وأمضاها له عمر فمدحه حسان بن ثابت بأبيات منها ( إن ابن جفنة من بقية معشر % لم يغذهم آباؤهم باللوم ) ( لم ينسني بالشام إذ هو ربها % كلا ولا متنصرا بالروم ) ( يعطي الجزيل ولا يراه عنده % إلا كبعض عطية المذموم ) وفي سنة سبع عشرة جيء إلى عمر بالهرمزان ملك الأهواز أسيرا ومعه وفد فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس فلما وصلوا به إلى المدينة ألبسوه كسوته من الديباج المذهب ووضعوا على رأسه تاجه وهو مكلل بالياقوت ليراه عمر والمسلمون على هيئته التي يكون عليها في ملكه فطلبوا عمر فلم يجدوه فسألوا عنه فقيل هو في المسجد فأتوه فإذا هو نائم فجلسوا دونه فقال الهرمزان أين هو عمر قالوا هو ذا قال فأين حرسه وحجابه قالوا ليس له حارس ولا حاجب فنظر الهرمزان إلى عمر وقال عدلت فأمنت فنمت واستيقظ عمر لجلبة الناس فقال الهرمزان قالوا نعم يا أمير المؤمنين فقال الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشباهه وأمر بنزع ما عليه فنزعوه وألبسوه ثوبا ضيقا فقال عمر كيف رأيت عاقبة أمر الله فيك فقال الهرمزان لما خلى الله بيننا وبينكم في الجاهلية غلبناكم ولما كان الله الآن معكم غلبتمونا وفي سنة ثمان عشرة كانت مجاعة الرمادة وطاعون عمواس وحلف عمر لا يذوق السمن واللبن حتى يحيى الناس واستسقى عمر بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم فسقوا وهلك بالطاعون أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ويزيد ابن أبي سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وابنه عتبة في آخرين أمثالهم وتفانى الناس بالشام وبالبصرة أيضا ولما فحش أثر الطاعون بالشام أجمع عمر المسير إليه ليقسم مواريث المسلمين ويتطوف على الثغور ففعل ورجع وكانت له خرجة أخرى قبل هذا لفتح بيت المقدس وفي سنة عشرين فتح عمرو بن العاص مصر والإسكندرية وشهد الفتح معه الزبير بن العوام وجماعة من كبار الصحابة وفي سنة اثنتين وعشرين سار عمرو بن العاص إلى برقة فصالحه أهلها على الجزية ثم سار إلى طرابلس الغرب فحاصرها وفتحها عنوة وفي سنة ثلاث وعشرين كانت وفاة عمر رضي الله عنه على ما سيأتي وفي الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر وعنه أيضا قال لما أسلم عمر كان الإسلام كالرجل المقبل لا يزداد إلا قوة ولما مات عمر كان الإسلام كالرجل المدبر لا يزداد إلا ضعفا وعند ابن أبي شيبة رضي الله عنه قال كان إسلام عمر عزا وهجرته نصرا وإمارته رحمة وفي الصحيح أيضا عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( بينا أنا نائم رأيتني على قليب وعليها دلو فنزعت منها ما شاء الله ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ثم استحالت غربا فأخذها عمر بن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر وفي رواية فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن ) قال النووي رحمه الله قالوا هذا المنام مثال لما جرى للخليفتين من ظهور آثارهما الصالحة وانتفاع الناس بهما وكل ذلك مأخوذ من النبي صلى الله عليه وسلم لأنه صاحب الأمر فقام به أكمل قيام وقرر قواعد الدين ثم خلفه أبو بكر فقاتل أهل الردة وقطع دابرهم ثم خلفه عمر فطالت مدة خلافته عشر سنين وزيادة واتسع الإسلام في زمانه فشبه أمر المسلمين بقليب فيه الماء الذي فيه حياتهم وصلاحهم وأميرهم بالمستقي لهم منها وسعته هي قيامه بمصالحهم اه قلت من تأمل أمر عمر رضي الله عنه علم أنه كان عجبا من العجب فإنه عمد إلى ثلاث دول هي أعظم دول العالم في ذلك الوقت دولة الفرس ودولة الروم ودولة القبط فحاربهم في نفس واحد وفرق جيوشه عليهم مع قلة المسلمين إذ ذاك وشظف عيشهم فغلبهم على ممالكهم وأزال عزهم وكسر كراسيهم وأمات نخوتهم بحيث ضرب الجزية على رقابهم طول أحقابهم فلم يطالبوا بعدها بثأر ولا عادوا إلى جماح ونفار بل أعطوا القادة وأسلموا أنفسهم للصغار ثم لم يكتف بذلك حتى أغزى خيل المسلمين أطراف المعمور من خراسان والترك وبلاد النوبة وبلاد البربر ولعمري ما أمر الإسكندر الذي تضرب الأمم به المثل في الغلبة والتمكن في الأرض إلا دون أمر عمر بكثير فإن الإسكندر كان غازيا بجميع جيشه متوليا ذلك بنفسه جوالا في الأرض غير مقيم ووجهته في حروبه وجهة واحدة كلما فرغ من مملكة انتقل إلى غيرها تاركا للتي خلف وراءه غير ملتفت إليها وكأنه كان لا عرض له إلا في إظهار القوة والبطش والغلبة على الأمم دون ما سوى ذلك من تصريف الممالك طوع الأمر والنهي ولذا قال حمزة الأصبهاني في كتابه تواريخ الأمم وما رواه القصاص من إن الإسكندر بنى بأرض إيران عدة مدن منها أصبهان ومرو وهراة وسمرقند فحديث لا أصل له لأن الرجل كان مخربا لا عامرا اه فأما عمر رضي الله عنه فإنه لما استولت جيوشه على أكثر المعمور صرف ممالكها طوع أمره حتى جبي إليه خراجها وثبتت استقامتها وزال اعوجاجها أقوى ما كانوا شوكة وأشد قوة واكثر حامية ولم يمت رحمه الله حتى انتهت خيله في جهة الشرق إلى نهر بلخ وفي جهة الشمال إلى البيضاء على مائتي فرسخ من بلنجر وفي جهة المغرب إلى تخوم الروم وبلاد برقة وطرابلس الغرب كل ذلك في مدة يسيرة لم يجاوز معظمها الثلاث سنين وهو مع ذلك في جوف بيته متردد فيما بين منزله ومسجده لم يستعمل لذلك كثير أسباب ولا أجلب بنفسه بخيل ولا ركاب إنما هو الرأي الميمون والنصر المضمون والأمر الجاري بين الكاف والنون والوعد المنجز بقوله تعالى @QB@ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون @QE@ فأما وفاة عمر رضي الله عنه فروى ابن سعد بإسناد صحيح أن عمر كان لا يأذن لمن احتلم من أولاد العجم في دخول المدينة حتى كتب إليه المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة فذكر له أن عنده غلاما صنعا وهو يستأذنه أن يدخله المدينة ويقول إن له أعمالا تنفع الناس إنه حداد نقاش نجار فأذن له عمر وضرب عليه مولاه كل شهر مائة فشكى إلى عمر شدة الخراج فقال له ما خراجك بكثير في جنب ما تعمل فانصرف ساخطا فلبث عمر ليالي فمر به العبد فقال عمر ألم أحدث أنك تقول لو شئت لصنعت رحى تطحن بالريح فالتفت إليه عابسا فقال لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها فأقبل عمر على من معه فقال توعدني العبد فلبث ليالي ثم اشتمل على خنجر ذي رأسين نصابه في وسطه فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس حتى خرج عمر يوقظ الناس للصلاة وكان عمر يفعل ذلك فلما دنا عمر وثب عليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت السرة قد خرقت الصفاق وهي التي قتلته وفي صحيح البخاري عن عمرو بن ميمون قال رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف قال كيف فعلتما في أرض السواد أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق يعني من الخراج قالا حملناها أمرا هي له مطيقة ما فيها كبير فضل قال انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق قالا لا فقال عمر لئن سلمني الله تعالى لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا قال فما أتت عليه رابعة حتى أصيب قال عمرو بن ميمون إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب وكان إذا مر بين الصفين قال استووا حتى إذا لم ير فيهن خللا تقدم فكبر وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه أبو لؤلؤة واسمه فيروز فطار العلج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد يمينا ولا شمالا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة فلما رأى ذلك رجل من المسلمين واسمه حطاب التميمي اليربوعي طرح عليه برنوسا فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون سبحان الله سبحان الله فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة فلما انصرفوا قال يا ابن عباس انظر من قتلني فجال ساعة ثم جاء فقال غلام المغيرة قال الصنع قال نعم قال قاتله الله لقد أمرت به معروفا الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة وكان العباس أكثرهم رقيقا قال إن شئت فعلنا أي إن شئت قتلنا قال كذبت بعدما تكلموا بلسانكم وصلوا إلى قبلتكم وحجوا حجكم فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه وكان الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ فقائل يقول لا بأس وقائل يقول أخاف عليه فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جرحه ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جرحه فعلموا أنه ميت فدخلنا عليه وجاء الناس يثنون عليه وجاء رجل شاب فقال أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم في الإسلام ما قد علمت ثم وليت فعدلت ثم شهادة قال وددت أن ذلك كفاف لا علي ولا لي فلما أدبر الشاب إذا إزاره يمس الأرض قال ردوا علي الغلام قال يا ابن أخي ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك يا عبد الله بن عمر انظر ماذا علي من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوه قال إن وفى له مال آل عمر فأده من أموالهم وإلا فاسأل في بني عدي بن كعب فإن لم تف أموالهم فاسأل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم فأد عني هذا المال انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل يقرأ عليك عمر السلام ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا وقل يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي فقال يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه فقالت كنت أريده لنفسي ولأوثرنه به اليوم على نفسي فلما أقبل قيل هذا عبد الله بن عمر قد جاء قال ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال ما لديك قال الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت قال الحمد لله ما كان من شيء أهم علي من ذلك فإذا أنا قضيت فاحملوني ثم سلم فقل يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي فادخلوني وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير معها فلما رأيناها قمنا فولجت عليه فبكت عنده ساعة واستأذن الرجال فولجت داخلا لهم فسمعنا بكاءها من الداخل فقالوا أوص يا أمير المؤمنين استخلف قال ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن وقال يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء كهينة التعزية له فإن أصابت الإمارة سعدا فهو ذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة وقال أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم وأوصيه بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم وأن يعفي عن مسيئهم وأوصيه بالأنصار خيرا فإنهم ردء الإسلام وجباة المال وغيظ العدو وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم وأوصيه بالأعراب خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام أن يؤخذ من حواشي أموالهم وترد على فقرائهم وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعدهم وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوا إلا طاقتهم فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي فسلم عبد الله بن عمر وقال يستأذن عمر بن الخطاب قالت أدخلوه فأدخل فوضع هنالك مع صاحبيه فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم فقال الزبير قد جعلت أمري إلى علي فقال طلحة قد جعلت أمري إلى عثمان وقال سعد قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف فقال عبد الرحمن أيكما يتبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه فأسكت الشيخان فقال عبد الرحمن أفتجعلونه إلي والله على أن لا آلو عن أفضلكم قالا نعم فأخذ بيد أحدهما فقال لك من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم ما قد علمت فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك فلما أخذ الميثاق قال ارفع يدك يا عثمان فبايعه وبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه اه وكانت وفاة عمر رضي الله عنه يوم السبت منسلخ ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ودفن يوم الأحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين وكانت مدة خلافته عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام كذا لأبي الفداء وفي حديث عائشة مما أخرجه أبو عمر بن عبد البر ناحت الجن على عمر رضي الله عنه قبل أن يموت بثلاث فقالت ( أبعد قتيل بالمدينة أظلمت % له الأرض تهتز العضاه بأسوق ) ( جزى الله خيرا من إمام وباركت % يد الله في ذاك الأديم الممزق ) ( فمن يسع أو يركب جناح نعامة % ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق ) ( قضيت أمورا ثم غادرت بعدها % بوائق من أكمامها لم تفتق )
خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه
هو أبو عمرو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف ولي الخلافة بعد عمر رضي الله عنه باختيار أهل الشورى له وقد تقدم خبر ذلك مستوفى ولما بويع رقى المنبر وقام خطيبا فحمد الله وتشهد ثم ارتج عليه فقال إن أول كل أمر صعب وإن أعش فستأتيكم الخطب على وجهها إن شاء الله ثم نزل وأقر عمال عمر كلهم إلا ما كان من المغيرة بن شعبة أمير الكوفة فإنه عزله واستبدل به سعد بن أبي وقاص لوصية عمر بذلك ثم بعد مدة نحو سنة عزل من عزل من عمال عمر واستبدل بهم آخرين كان فيهم من هو من قرابته فعزل سعد بن أبي وقاص عن الكوفة وولى عليها الوليد بن عقبة وكان أخا عثمان من أمه وعزل عمرو بن العاص عن مصر وولى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري وكان أخاه من الرضاعة ثم عزل بعد ذلك أبا موسى الأشعري عن البصرة وولى عليها عبد الله بن عامر بن كريز وهو ابن خاله واستكتب مروان بن الحكم بن أبي العاص وهو ابن عمه كل ذلك كان لمصلحة اقتضاها الحال وضم حمص وقنسرين وفلسطين وغيرها من بلاد الشام إلى معاوية بن أبي سفيان أمير دمشق ومضى رضي الله عنه على سنن عمر في الجهاد وتجهيز الجيوش وتكتيب الكتائب حتى اتسعت خطة الإسلام اتساعا أعظم منه في خلافة عمر رضي الله عنه وكان لأول خلافة عثمان قد انتقض بعض الثغور والجهات مثل الإسكندرية وبعض بلاد العجم وفارس ونحو ذلك فتلاقاها بالغزو والبعوث حتى عادت إلى الطاعة وأدت ما كانت تؤديه أيام عمر أو أكثر وفتح عليه بلاد أرمينية مثل تفليس وقاليقلا وخلاط والسيرجان وعدة حصون وانتهى الفتح إلى مدينة الباب وكان ذلك على يد سليمان بن ربيعة الباهلي سنة أربع وعشرين وغزا معاوية صاحب الشام أيضا بلاد الروم حتى بلغ عمورية ووجد ما بين أنطاكية وطرطوس من حصون الروم خاليا فجمع فيها العساكر حتى رجع وخربها وكذا استتم المسلمون في خلافة عثمان رضي الله عنه فتح مدن خراسان والجوزجان والطالقان وطخارستان وما وراء النهر إلى فرغانة في الشرق وانتهى الفتح أيضا إلى كابل وزابلستان وهي بلاد غزنة من ثغور الهند في الجنوب
فتح أفريقية
وفتح في خلافة عثمان رضي الله عنه إفريقية أيضا من بلاد المغرب وكان من خبرها أنه لما كانت سنة ست وعشرين من الهجرة عزل عثمان رضي الله عنه عمرو بن العاص رضي الله عنه عن خراج مصر واستعمل مكانه عبد الله بن سعد بن أبي سرح رضي الله عنه فلما قدم ابن أبي سرح مصر كان على خراجها وعمرو بن العاص على حربها فكتب ابن أبي سرح إلى عثمان يشكو عمرا فاستقدمه عثمان واستقل ابن أبي سرح بالخراج والحرب معا ثم أمره عثمان بغزو إفريقية بعد أن كان عمرو بن العاص استشار عمر رضي الله عنه في غزوها فمنعه من ذلك وقال له تلك المفرقة وليست بإفريقية أو كلاما هذا معناه ولما أمر عثمان بن أبي سرح بغزوها قال له إن فتح الله عليك فلك خمس الخمس من الغنائم ثم عقد عثمان لعبد الله بن نافع بن عبد القيس على جند ولعبد الله بن نافع بن الحارث على آخر وسرحهما فخرجوا إلى أفريقية في عشرة آلاف وصالحهم أهلها على مال يؤدونه ولم يقدروا على التوغل فيها لكثرة أهلها ثم إن ابن أبي سرح استأذن عثمان في ذلك واستمده فاستشار عثمان الصحابة رضي الله عنهم فأشاروا به فجهز العساكر من المدينة وفيهم جماعة من الصحابة منهم ابن عباس وابن عمر وابن عمرو بن العاص وابن جعفر والحسن والحسين رضي الله عنهم وساروا مع ابن أبي سرح سنة ست وعشرين ولقيهم عقبة بن نافع فيمن معه من المسلمين ببرقة ثم ساروا إلى طرابلس فنهبوا الروم عندها ثم ساروا إلى إفريقية وبثوا السرايا في كل ناحية وكان ملكهم جرجير يملك ما بين طرابلس وطنجة تحت ولاية هرقل ويحمل إليه الخراج فلما بلغه الخبر جمع مائة وعشرين ألفا من العساكر ولقيهم على يوم وليلة من سبيطلة دار ملكهم وأقاموا يقتتلون ودعوه إلى الإسلام أو الجزية فاستكبر ولحقهم عبد الله بن الزبير مددا بعثه عثمان لما أبطأت أخبارهم وسمع جرجير بوصول المدد ففت في عضده وشهد ابن الزبير معهم القتال وقد غاب ابن أبي سرح فسأل عنه فقيل إنه سمع منادي جرجير يقول من قتل ابن أبي سرح فله مائة ألف دينار وأزوجه ابنتي فخاف وتأخر عن شهود القتال فقال له ابن الزبير تنادي أنت بأن من قتل جرجير نفلته مائة ألف وزوجته ابنته واستعملته على بلاده فخاف جرجير أشد منه ثم قال عبد الله بن الزبير لابن أبي سرح الرأي أن تترك جماعة من أبطال المسلمين المشاهير متأهبين للحرب وتقاتل الروم بباقي العسكر إلى أن يضجروا فتركبهم بالآخرين على غرة لعل الله ينصرنا عليهم ووافق على ذلك أعيان الصحابة ففعلوا ذلك وركبوا من الغد إلى الزوال وألحوا عليهم حتى أتعبوهم ثم افترقوا وأركب عبد الله الفريق الذين كانوا مستريحين فكبروا وحملوا حملة رجل واحد حتى غشوا الروم في خيامهم فانهزموا وقتل كثير منهم وقتل ابن الزبير جرجير وأخذت ابنته سبية فنفلها ابن أبي سرح ابن الزبير ثم حاصر ابن أبي سرح سبيطلة حتى فتحها وكان سهم الفارس فيها ثلاثة آلاف دينار وسهم الراجل ألفا وبث جيوشه في البلاد إلى قفصه فسبوا وغنموا وبعث عسكرا إلى حصن الأجم وقد اجتمع به أهل البلاد فحاصره وفتحه على الأمان ثم صالحه أهل أفريقية على ألفي ألف وخمسمائة ألف دينار وأرسل عبد الله بن أبي سرح عبد الله بن الزبير بخبر الفتح وبالخمس إلى عثمان رضي الله عنه فاشتراه مروان بن الحكم بخمسمائة ألف دينار ثم وضعها عنه عثمان وأعطى ابن أبي سرح خمس الخمس من الغزوة الأولى ثم بعد تمام الصلح رجع عبد الله بن أبي سرح إلى مصر بعد مقامه بأفريقية سنة وثلاثة أشهر ويقال إنه لما فتح إفريقية أمر عثمان رضي الله عنه عبد الله بن نافع أن يسير إلى جهة الأندلس فغزا تلك الجهة وعاد إلى أفريقية فأقام بها واليا من قبل عثمان ورجع ابن أبي سرح إلى مصر والله أعلم وفي سنة ثمان وعشرين استأذن معاوية عثمان في غزو البحر فأذن له وقد كان معاوية وهو بحمص أيام عمر رضي الله عنه كتب إليه في شأن جزيرة قبرص يقول إن قرية من قرى حمص يسمع أهلها نباح كلاب قبرص وصياح ديوكهم فكتب عمر إلى عمرو بن العاص يقول صف لي البحر وراكبه فكتب إليه عمرو يقول هو خلق كبير يركبه خلق صغير ليس إلا السماء والماء إن ركد أقلق القلوب وإن تحرك أزاغ العقول يزداد فيه اليقين قلة والشك كثرة وراكبه دود على عود إن مال غرق وإن نجا فرق فكتب عمر إلى معاوية والذي بعث محمدا بالحق لا أحمل فيه مسلما أبدا وقد بلغني أن بحر الشام يشرف على أطول جبل بالأرض فيستأذن الله كل يوم وليلة في أن يغرق الأرض فكيف أحمل الجنود على هذا البحر الكافر وبالله لمسلم واحد أحب إلي مما حوت الروم فإياك أن تعرض لي في ذلك فقد علمت ما لقي العلاء مني ثم لما كانت خلافة عثمان ألح معاوية عليه في غزو البحر فأجابه على خيار الناس وطوعهم فاختار الغزو جماعة من الصحابة فيهم أبو ذر وأبو الدرداء وشداد بن أوس وعبادة بن الصامت وزوجه أم حرام بنت ملحان واستعمل عليهم عبد الله بن قيس حليف بني فزارة وساروا إلى قبرص وجاء عبد الله بن أبي سرح من مصر فاجتمعوا عليها وصالحهم أهلها على سبعة آلاف دينار لكل سنة ويؤدون مثلها للروم ولا منعة لهم على المسلمين ممن أرادهم من سواهم وعلى أن يكونوا عينا للمسلمين على عدوهم ويكون طريق الغزو للمسلمين عليهم وكانت هذه الغزاة سنة ثمان وعشرين كما قدمنا وقيل غير ذلك وفيها توفيت أم حرام بنت ملحان سقطت عن دابتها حين خرجت من البحر وكان النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها بذلك وهو نائم عندها كما في الصحيح وأقام عبد الله بن قيس على البحر فغزا خمسين غزوة لم ينكب فيها أحد إلى أن نزل في بعض الأيام في ساحل المرفأ من أرض الروم فثاروا إليه فقتلوه ونجا الملاح وكان استخلف سفيان بن عوف الأزدي على السفن فجاء إلى أهل المرفأ وقاتلهم حتى قتل وقتل معه جماعة من المسلمين وفي سنة ثلاثين جمع عثمان القرآن الجمع الثاني في المصاحف وفيها هلك يزدجرد كسرى فارا من جيوش المسلمين بمدينة مرو من خراسان وهو آخر الأكاسرة وبموته انقرضت دولة آل ساسان وكان من خبر جمع القرآن ما أخرجه البخاري عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق قال ابن شهاب وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أنه سمع أباه زيد بن ثابت قال فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري @QB@ من المؤمنين رجال صدقوا ما @QE@ عاهدوا الله عليه ) فألحقناها في سورتها في المصحف وفي سنة ثلاث وثلاثين تكلم جماعة من أهل الكوفة في عثمان بأنه ولى جماعة من أهل بيته لا يصلحون للولاية ونقموا عليه أمورا أخر لا حاجة بنا إلى ذكرها مع أنه كان فيها مجتهدا وذلك أن عثمان رضي الله عنه كان فيه مزيد حياء ورأفة وبرور بأقاربه وكان عمر رضي الله عنه مرهوب الجانب عند الخاصة والعامة له عين كالئة على الرعية بصيرا بما يأتون ويذرون محدثا في ذلك كما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم وكان من الحزم والضبط على ما وصفته عائشة رضي الله عنها إذ قالت رحم الله عمر كان أحوذ به نسيج وحده قد أعد للأمور أقرانها فكان عثمان ألين جانبا من عمر فتوسع الناس في زمانه في أمور الدنيا أكثر مما كانوا عليه في زمان عمر واستعملوا النفيس من الملبس والمسكن والمطعم واقتنوا الضياع والآثاث قال المسعودي في مروج الذهب وفي أيام عثمان اقتنى الصحابة الضياع والمال فكان له يوم قتل عند خازنه خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار وخلف إبلا وخيلا كثيرة وبلغ الثمن الواحد من متروك الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار وخلف ألف فرس وألف أمة وكانت غلة إلى طلحة من العراق ألف دينار كل يوم ومن ناحية السراة أكثر من ذلك وكان على مربط عبد الرحمن بن عوف ألف فرس وله ألف بعير وعشرة آلاف من الغنم وبلغ الربع من متروكه بعد وفاته أربعة وثمانون ألفا وخلف زيد بن ثابت من الفضة والذهب ما كان يكسر بالفؤوس غير ما خلف من الأموال والضياع بمائة ألف دينار وبنى الزبير داره بالبصرة وكذلك بنى بمصر والإسكندرية والكوفة وكذلك بنى طلحة داره بالكوفة وشيد داره بالمدينة وبناها بالجص والآجر والساج وبنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق ورفع سمكها وأوسع فضاءها وجعل على أعلاها شرفات وبنى المقداد داره بالمدينة وجعلها مجصصة الظاهر والباطن وخلف يعلى بن منية خمسين ألف دينار وغير ذلك مما قيمته ثلاثمائة ألف درهم اه كلام المسعودي فاستحالت الأحوال في زمان عثمان كما ترى ولما رأى ذلك بعض الناس ممن لم يكن له رسوخ في الفقه والدين ولا هو من أهل السابقة من فضلاء الصحابة والمسلمين صاروا ينقمون على عثمان بأنه أهمل أمر الرعية وخالف سيرة العمرين مع ما أنضاف إلى ذلك من تولية أقاربه وحاشاه من ذلك رضي الله عنه فإن الرجل كان مجتهدا وهو أهل للاجتهاد وما تخيلوه من إهماله أمر الرعية حتى استحال أمرها إلى ما ذكر تخيل باطل إذ ليس في طوقه ولا بسببه وإنما طبيعة العمران البشري تقتضي ذلك بسبب ما فتح على المسلمين من الأقاليم والممالك والأقطار والنواحي والأمصار وترادف الجبايات الفائقة الحصر وانثيال كنوز كسرى وقيصر وغيرهم من ملوك الأرض عليهم فأنى يبقى الأمر على حاله مع هذا الفتح العجيب والنصر الغريب وقد قيل دوام الحال من المحال والناس ليسوا على قدم واحد في الزهد في الدنيا فالحق الذي لا عوج فيه ولا أمت أن عثمان رضي الله عنه كان على الحق حتى لقي ربه وما يعتدون به عليه من مخالفة الشيخين رضي الله عنهما إن صح فمحله الاجتهاد كما قلنا ومعلوم أن أحكام الشرع تدور مع المصالح والمفاسد وتختلف باختلاف الأزمان والأحوال كما لا يخفى على من له أدنى مسيس بالفقه قال ابن خلدون اختلاف الصحابة والتابعين إنما يقع في الأمور الدينية وينشأ عن الاجتهاد في الأدلة الصحيحة والمدارك المعتبرة والمجتهدون إذا اختلفوا فإن قلنا إن الحق في المسائل الاجتهادية في واحد من الطرفين ومن لم يصادفه فهو مخطئ فإن جهته لا تتعين بإجماع فيبقى الكل على احتمال الإصابة والتأثيم مدفوع عن الكل إجماعا وإن قلنا إن الكل حق وإن كل مجتهد مصيب فأحرى بنفي الخطأ والتأثيم ثم استمر أولئك الناقمون على عثمان رضي الله عنه وتمادوا في طعنهم وتشغيبهم حتى تفاقم الأمر وشرى الداء وأعوز الدواء واختلط المرعى بالهمل ( وكان ما كان مما لست أذكره % فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر ) وآخر الأمر أنه لما كانت سنة خمس وثلاثين قدم من مصر جمع قيل ألف وقيل سبعمائة وقدم من الكوفة جمع آخر ومن البصرة كذلك وحاصروا عثمان رضي الله عنه في داره وكانت خطوب وقطعوا عنه الماء واستمر الحصار نحو أربعين يوما ثم تسور عليه جماعة من أهل مصر داره فقتلوه وسال دمه على المصحف يقال أن الذي تولى قتله كنانة بن بشر التجيبي وطعنه عمرو بن الحمق طعنات وجاء عمير بن ضابئ البرجمي وكان أبوه قد مات في سجن عثمان فوثب عليه حتى كسر ضلعا من أضلاعه وكان قتله لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وكانت مدة خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما وقيل أنه قتل صبيحة عيد الأضحى من السنة المذكورة وهو الذي عند ابن الخطيب في رقم الحلل وابن بدرون في شرح العبدونية ويؤيده قول حسان بن ثابت يرثيه ( ضحوا بأشمط عنوان السجود به % يقطع الليل تسبيحا وقرآنا ) لتسمعن وشيكا في ديارهم % الله أكبر يا ثارات عثمانا ) وقول الفرزدق بعده ( عثمان إذ قتلوه وانتهكوا % دمه صبيحة ليلة النحر ) رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا به
خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه
هو أبو الحسن علي بن أبي طالب واسمه عبد مناف بن عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم واسمه شيبة وفيه يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم بويع بعد مقتل عثمان رضي الله عنه باتفاق من يعتبر أهل الحل والعقد بعد امتناعه من ذلك قال ابن خلدون لما قتل عثمان اجتمع طلحة و الزبير والمهاجرون والأنصار وأتوا عليا يبايعونه فأبى وقال أكون وزيرا لكم خير من أن أكون أميرا ومن اخترتم رضيته فألحوا عليه وقالوا لا نعلم أحق منك ولا نختار غيرك حتى غلبوه في ذلك فخرج إلى المسجد وبايعوه وأول من بايعه طلحة ثم الزبير بعد أن خيرهما ويقال أنهما ادعيا الإكراه بعد ذلك بأربعة أشهر وتخلف عن بيعة علي رضي الله عنه ناس من الصحابة وغيرهم فلم يبغضهم وقال أولئك قوم قعدوا عن الحق ولم يقوموا مع الباطل ولما ولي الخلافة رضي الله عنه أحيى السنة وأمات البدعة وأوضح منار الحق وأخمد نار الباطل ولم تأخذه في الله لومة لائم ولما دخلت سنة ست وثلاثين فرق عماله على النواحي فبعث إلى الكوفة عمارة بن شهاب وكان من المهاجرين وولى على البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري وعلى اليمن عبيد الله بن عباس وكان من الأجواد وعلى مصر قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري وكان من أهل الجود والشجاعة والرأي وعلى الشام سهل بن حنيف الأنصاري فلما وصل سهل إلى تبوك لقيته خيل فقالوا من أنت قال أمير على الشام فقالوا إن كان بعثك غير عثمان فارجع فرجع إلى علي ومضى قيس بن سعد إلى مصر فوليها واعتزلت عنه فرقة كانوا عثمانية وأبوا أن يدخلوا في طاعة علي حتى يقتل قتلة عثمان ومضى عثمان بن حنيف إلى البصرة فدخلها واتبعته فرقة وخالفته اخرى ومضى عمارة بن شهاب إلى الكوفة فلقيه طلحة بن خويلد الأسدي الذي كان ادعى النبوة زمان الردة فقال له إن أهل الكوفة لا يستبدلون بأميرهم أحدا وكان عليها أبو موسى الأشعري من قبل عثمان رحمه الله تعالى فرجع عمارة إلى علي ومضى عبيد الله بن عباس إلى اليمن فوليها وكان العامل بها من قبل عثمان يعلى بن منية فأخذ ما كان بها من المال ولحق بمكة ومعه ستمائة بعير وصار مع عائشة رضي الله عنها وذلك أن عائشة كانت خرجت إلى مكة زمان حصار عثمان فقضت نسكها وانقلبت تريد المدينة فلقيها الخبر بمقتل عثمان فأعظمت ذلك ودعت إلى الطلب بدمه ولحق بها طلحة والزبير وعبد الله بن عمر وجماعة من بني أمية واتفق رأيهم على المضي إلى البصرة للاستيلاء عليها وكان عبد الله بن عمر قد قدم مكة من المدينة فدعوه إلى المسير معهم فأبى وأعطى يعلى بن منية عائشة الجمل المسمى بعسكر وكان اشتراه بمائة دينار فركبته وساروا فمروا في طريقهم بماء يقال له الحوأب فنبحتهم كلابه فقالت عائشة أي ماء هذا فقيل ماء الحوأب فصرخت بأعلى صوتها وقالت إنا لله وإنا إليه راجعون سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وعنده نساؤه ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب ثم ضربت عضد الجمل فأناخته وقالت ردوني أنا والله صاحبة ماء الحوأب وقامت بهم يوما وليلة إلى أن قيل النجاء فقد أدرككم علي بن أبي طالب وغلبوها على رأيها فارتحلوا نحو البصرة فاستولوا عليها بعد قتال مع أميرها عثمان بن حنيف ولما بلغ عليا رضي الله عنه مسير عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة سار نحوهم في أربعة آلاف من أهل المدينة فيهم أربعمائة ممن بايع تحت الشجرة وثمانمائة من الأنصار وكانت رايته مع ابنه محمد بن الحنفية وعلى ميمنته الحسن وعلى ميسرته الحسين وعلى الخيل عمار بن ياسر وعلى الرجالة محمد بن أبي بكر الصديق وعلى مقدمته عبد الله بن العباس وكان مسيره في ربيع الآخر سنة ست وثلاثين ولما وصل علي إلى ذي قار لقيه أمير البصرة عثمان بن حنيف وأخبره الخبر فقال علي إن الناس وليهم قبلي رجلان فعملا بالكتاب والسنة ثم وليهم ثالث فقالوا في حقه وفعلوا ثم بايعوني وبايعني طلحة والزبير ثم نكثا ومن العجب انقيادهما لأبي بكر وعمر وعثمان وخلافهما علي والله إنهما ليعلمان أني لست بدون رجل ممن تقدم ثم سار علي يؤم البصرة فيمن معه من أهل المدينة وأهل الكوفة وانضم إلى عائشة وطلحة والزبير جمع آخر والتقوا بمكان يقال له الخريبة عند موضع قصر عبيد الله بن زياد يوم الخميس النصف من جمادى الآخرة من السنة المذكورة ولما تراءى الجمعان خرج طلحة والزبير وجاءهم علي حتى اختلفت أعناق دوابهم فقال علي لقد أعددتما سلاحا وخيلا ورجالا إن كنتما أعددتما عند الله عذرا ألم أكن أخاكما في دينكما تحرمان دمي وأحرم دمكما فهل من حدث أحل لكما دمي قال طلحة ألبت على عثمان قال علي @QB@ يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق @QE@ فلعن الله قتلة عثمان يا طلحة أما بايعتني قال والسيف على عنقي ثم قال الزبير أتذكر يوم قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لتقاتلنه وأنت له ظالم ) قال اللهم نعم ولو ذكرت ذلك قبل مسيري ما سرت ووالله لا أقاتلنك أبدا وافترقوا وكان علي رضي الله عنه قد بعث إليهم قبل اللقاء القعقاع بن عمرو التميمي وأمره أن يشير بالصلح ما استطاع فقدم القعقاع على عائشة أولا وقال أي أماه ما أشخصك قالت أريد الإصلاح بين الناس قال فابعثي إلى طلحة والزبير فاسمعي مني ومنهما فبعثت إليهما فجاءا فقال لهما القعقعاع إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها فقالت الإصلاح فقال طلحة والزبير كذلك هو قال القعقاع فأخبراني ما هو قالا قتلة عثمان فإن تركهم ترك للقرآن قال فقد قتلتم منهم عددا من أهل البصرة يعني حين قتلوا أميرها عثمان بن حنيف قال وغضب لهم ستة آلاف واعتزلوكم وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف فإن قاتلتم هؤلاء كلهم اجتمع ربيعة ومضر على حربكم فأين الإصلاح قالت عائشة فماذا تقول أنت قال هذا الأمر دواؤه التسكين فإذا سكن الأمر اختلجوا أي أخذوا على غرة فقالوا قد أصبت وأحسنت فارجع إلى علي فإن كان على مثل رأيك صلح الأمر فرجع القعقاع إلى علي فأعجبه وأشرف القوم على الصلح وعلم بذلك جماعة ممن كان سعى في قتل عثمان أو رضي به فقالوا إن يصطلح هؤلاء فعلى دمائنا يصطلحون ثم تعاقدوا على أنهم إذا التقوا بجيش عائشة وطلحة والزبير أنشبوا القتال حتى يشتغل الناس عما عزموا عليه من الصلح فكان كذلك فإنه لما كانت صبيحة الليلة التي اجتمع فيها علي بطلحة والزبير علس أولئك المتعاهدون على إنشاب الحرب وما يشعر بهم أحد وصمدت منهم مضرإلى مضر وربيعة إلى ربيعة واليمن إلى اليمن فوضعوا فيهم السلاح على حين غفلة فثار الناس وتسابقوا إلى خيولهم وزحف البعض إلى البعض واشتبكت الحرب فكانت الوقعة العظمى المعروفة بوقعة الجمل يوم الخميس لعشر بقين من الشهر المذكور أعني جمادى الأخيرة سنة ست وثلاثين وقتل طلحة في المعركة والزبير وهو راجع إلى المدينة وعقر الجمل الذي كانت عليه عائشة وأمر علي رضي الله عنه بنقل هودجها إلى دار عبد الله بن خلف الخزاعي ونادى منادي علي يوم الجمل وكذا يوم صفين الآتي أن لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تدخلوا الدور ثم صلى على القتلى من الجانبين وأمر بالأطراف فدفنت في قبر عظيم وجمع ما كان في العسكر من الأثاث وبعث به إلى مسجد البصرة وقال من عرف شيئا فليأخذه إلا سلاحا عليه ميسم السلطان وأحصى القتلى من الجانبين فكانوا عشرة آلاف منهم من ضبة ألف رجل وبلغ عليا أن بعض الغوغاء عرض لعائشة رضي الله عنها بالقول السىء فأحضر البعض منهم وأوجعهم ضربا ثم جهزها إلى المدينة بما احتاجت إليه وبعث معها أخاها محمد بن أبي بكر في أربعين امرأة من نساء البصرة اختارهن لمرافقتها وجاء يوم ارتحالها فودعها واستعتب لها واستعتبت له ومشى معها أميالا وشيعها بنوه مسافة يوم وذلك غرة رجب فذهبت إلى مكة وأقامت بها حتى حجت تلك السنة ثم رجعت إلى المدينة واستعمل علي رضي الله عنه على البصرة عبد الله بن عباس وسار إلى الكوفة فنزل بها وانتظم له الأمر بالعراق ومصر واليمن والحرمين وفارس وخراسان ولم يبق خارجا عن طاعته إلا أهل الشام وأميرهم معاوية بن أبي سفيان فبعث إليه علي رضي الله عنه جرير بن عبد الله البجلي يأمره بالدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار فلما قدم جرير على معاوية ماطله حتى قدم عليه عمرو بن العاص من فلسطين فاستشاره فأشار عليه بترك البيعة والطلب بدم عثمان وأن يقاتل معه على أنه ظفر ولاه مصر فاجابه معاوية إلى ذلك ورجع جرير إلى علي رضي الله عنه بالخبر فسار علي من الكوفة قاصدا معاوية ومن معه بالشام وقدم عليه عبد الله بن عباس ومن معه من أهل البصرة فقال علي رضي الله عنه ( لأصبحن العاص وابن العاص % سبعين ألفا عاقدي النواصي ) ( مجنبين الخيل بالقلاص % مستحقبين حلق الدلاص ) وسار معاوية ومعه عمرو بن العاص وأهل الشام من دمشق يريد عليا وتأنى معاوية في مسيره
حرب صفين
وخرجت سنة ست وثلاثين ودخلت سنة سبع بعدها فاجتمع الجيشان بصفين وتراسوا وتداعوا إلى الصلح فلم يقض الله بذلك وكانت حرب يسيرة بالنسبة لما بعدها ولما دخل صفر وقع بينهما القتال فكانت وقعات كثيرة بصفين يقال إنها تسعون وقعة وكانت مدة مقامهم على الحرب مائة يوم وعشرة أيام وعدد القتلى بصفين من أهل الشام خمسة وأربعون ألفا ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفا منهم ستة وعشرون من أهل بدر وكان علي رضي الله عنه قد تقدم إلى أصحابه أن لا يقاتلوهم حتى يبدؤوهم بالقتال وأن لا يقتلوا مدبرا ولا يكشفوا عورة ولا يأخذو من أموالهم شيئا وقاتل عمار بن ياسر رضي الله عنه مع علي قتالا عظيما وكان عمره قد نيف على تسعين سنة وكانت الحربة في يده ويده ترتعد فقال هذه راية قاتلت بها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات وهذه الرابعة ودعا بقدح من لبن فشرب منه ثم قال صدق الله ورسوله اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن آخر رزقي من الدنيا ضيحة لبن وروي أنه كان يرتجز ( نحن قتلناكم على تأويله % كما قتلناكم على تنزيله ) ( ضربا يزيل الهام عن مقيله % ويذهل الخليل عن خليله ) ولم يزل عمار يقاتل ذلك اليوم حتى استشهد رضي الله عنه وفي الصحيح المتفق عليه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ويح عمار تقتله الفئة الباغية ) وبعد قتل عمار رضي الله عنه انتخب علي اثني عشر ألفا بعد أن روى لهم حديث عمار وحمل بهم على عسكر معاوية فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتفض ثم نادى يا معاوية على ما نقتل الناس بيننا هلم أحاكمك إلى الله فأينا قتل صاحبه استقام له الأمر فقال له عمرو بن العاص أنصفك فقال معاوية لكنك ما أنصفت ثم تقاتلوا ليلة الهرير شبهت بليلة القادسية وكانت ليلة الجمعة واستمر القتال إلى الصباح وكان علي يسير بين الصفوف ويحرض كل كتيبة على التقدم حتى أصبح والمعركة كلها خلف ظهره وروي أنه كبر تلك الليلة سبعمائة تكبيرة وكانت عادته أنه كلما قتل قتيلا كبر ودام القتال إلى ضحى يوم الجمعة وقاتل الأشتر النخعي قتالا عظيما حتى انتهى إلى معسكرهم وقتل صاحب رايتهم وأمده علي بالرجال فلما رأى عمرو شدة الأمر قال لمعاوية مر الناس يرفعون المصاحف على الرماح ويقولون كتاب الله بيننا وبينكم فإن قبلوا ذلك ارتفع عنا القتال وإن أبى بعضهم وجدنا في افتراقهم راحة ففعلوا ذلك فقال الناس نجيب إلى كتاب الله فقال علي يا عباد الله امضوا على حقكم في قتال عدوكم فإن عمرا ومعاوية وابن أبي معيط وابن أبي سرح والضحاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن وأنا أعرف بهم منكم ويحكم والله ما رفعوها إلا خديعة ومكيدة فقالوا لا يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فلا نقبل فقال علي إنما قاتلناهم ليدينوا بكتاب الله فإنهم نبذوه فقال جماعة من القراء الذين صاروا خوارج يا علي أجب إلى كتاب الله وإلا دفعناك برمتك إلى القوم أو فعلنا بك ما فعلنا بابن عفان فقال علي رضي الله عنه إن تطيعوني فقاتلوا وإن تعصوني فافعلوا ما بدا لكم وآخر الأمر إنهم اتفقوا على أن يحكموا رجلين من الجانبين وما حكما به عليهم صاروا إليه فاختار أهل الشام عمرو بن العاص داهية العرب واختار أهل العراق أبا موسى الأشعري بعد مراجعات وقعت بين علي وبينهم واجتمع الحكمان عند علي لتكتب القضية بحضوره فكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فقال عمرو بن العاص إنما هو أميركم وليس بأميرنا فقال الأحنف لا تمحوا اسم أمير المؤمنين وقال الأشعث امحها فقال علي الله أكبر سنة بسنة والله إني لكاتب القضية يوم الحديبية فكتبت محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قريش لست برسول الله ولكن اكتب اسمك واسم أبيك فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحوه فقلت لا أستطيع قال فأرنيه فأريته فمحاه بيده فقال لي إنك ستدعى إلى مثلها فتجيب ثم كتب الكتاب هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضى علي على أهل الكوفة ومن معهم وقاضى معاوية على أهل الشام ومن معهم إنا ننزل عند حكم الله وكتابه وأن لا يجمع بيننا غيره وإن كتاب الله بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما أحيى ونميت ما أمات فما وجد الحكمان في كتاب الله وهما أبو موسى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عملا به وما لم يجدا في كتاب الله فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين العهود والمواثيق إنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة ولا يورداها في حرب ولا فرقة وأجلا القضاء إلى رمضان من السنة وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه وإن مكان قضيتهما مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل الشام وشهد رجال من أهل العراق ورجال من أهل الشام ووضعوا خطوطهم في الصحيفة ودعي الأشتر النخعي ليشهد فقال لا صحبتني يميني ولا نفعتني بعدها شمالي إن وضع لي فيها اسم وكتب الكتاب في يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين وعينوا موضع الحكم بدومة الجندل فوقع الاجتماع للأجل المذكور وحاصل ما كان من ذلك أن الحكمين اتفقا على خلع علي ومعاوية ويكون الأمر شورى بين الناس حتى يختاروا من يقدمونه للأمر وقدم عمرو بن العاص أبا موسى على نفسه في الكلام فتكلم أبو موسى على رؤوس الناس بما اتفقا عليه من خلع علي ومعاوية حتى ينظر الناس لأنفسهم فلما سكت أبو موسى قام عمرو فقال أيها الناس إن هذا قد خلع صاحبه وقد خلعته كما خلعه وأثبت معاوية فهو ولي ابن عفان وأحق الناس بمقامه فكذبه أبو موسى وتنازعا وتشاتما ومرج أمر الناس ولم يحصلوا على طائل وانسل أبو موسى الأشعري إلى مكة فأقام بها ولم يرجع إلى علي حياء منه ومضى عمرو بن العاص في أهل الشام فسلموا على معاوية بالخلافة ولام علي أصحابه فيما كان منهم من عصيانه أولا وانخداعهم لأهل الشام آخرا وقال فيما قال كأني وإياكم كما قال أخو جشم ( أمرتهم أمري بمنعرج اللوا % فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد ) وقال إن هذين الحكمين اللذين اخترتموهما تركا حكم الله وحكما بهوى النفس واختلفا في حكمهما فلم يرشدهما الله فتأهبوا للجهاد واستعدوا للسير وأصبح علي رضي الله عنه غاديا يريد الشام في ثمانية وسبعين ألفا وكانت الخوارج قد خرجوا عليه واعتزلوه وقالوا حكمت الرجال في دين الله ولا حكم إلا لله وبلغه أن الخوارج قد اجتمعوا بالنهروان وتعاهدوا على حرب المسلمين ثم بلغه أن الخوارج البصرة لقوا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من النهروان فعرفهم بنفسه فسألوه عن أبي بكر وعمر فأثنى خيرا ثم عن عثمان في أول خلافته وآخرها فقال كان محقا في الأول والآخر فسألوه عن علي قبل التحكيم وبعده فقال هو أعلم بالله وأشد توقيا على دينه فقالوا إنك توالي الرجال على أسمائها ثم ذبحوه وبقروا بطن امرأته وقتلوا معهما ثلاث نسوة من طيء ومن عجيب أمرهم أنهم لقوا مسلما ونصرانيا فقتلوا المسلم وقالوا احفظوا ذمة نبيكم في النصراني فسار إليهم علي رضي الله عنه وأرسل إليهم أن ادفعوا قتلة إخواننا منكم فنكف عنكم حتى نلقى أهل المغرب فلعل الله يردكم إلى خير فأرسلوا إليه كلنا قد قتلهم وكلنا يستحل دماءكم فأتاهم علي رضي الله عنه فقال أيتها العصبة التي أخرجها المراء من الحق إلى الباطل وأصبحت في اللبس والخطب العظيم إني نذير لكم أن تصبحوا تلقاكم الأمة غدا صرعى بأثناء هذا النهر بغير بينة منكم ولا برهان ألم تعلموا أني قد نهيتكم عن الحكومة إلي وأخبرتكم أن القوم إنما طلبوها خديعة فعصيتموني وحملتموني على أن حكمت ولما حكمت شرطت وأخذت على الحكمين أن يحيى يا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات فانقلبا وحكما بغير حكم الكتاب فنبذنا أمرهما ونحن على أمرنا الأول فما الذي أصابكم ومن أين أتيتم قالوا حكمنا وكنا بذلك كافرين وقد تبنا فإن تبت كما تبنا فنحن قومك وإلا فاعتزلنا ونحن ننابذك على سواء إن الله لا يحب الخائنين فقال علي رضي الله عنه صبحكم صاحب ولا بقي منكم وافد أبعد إيماني برسول الله صلى الله عليه وسلم وجهادي في سبيل الله وهجرتي مع رسول الله أشهد على نفسي بالكفر @QB@ قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين @QE@ وروي أنه لما كلمهم واحتج عليهم تنادوا لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيؤوا للقاء الرب الرواح الرواح إلى الجنة فخرج علي رضي الله عنه فعبأ الناس ميمنة وميسرة ووقف هو في القلب في مضر وجعل على الخيل أبا أيوب الأنصاري وعلى أهل المدينة وكانوا سبعمائة قيس بن سعد بن عبادة وعبأت الخوارج على نحو هذه التعبية ورفع علي رضي الله عنه مع أبي أيوب الأنصاري راية الأمان فنادى أبو أيوب من أتى هذه الراية ولم يقاتل ولم يستعرض فهو آمن ومن انصرف إلى الكوفة أو المدائن فهو آمن ومن انصرف عن هذه الجماعة فهو آمن فاعتزل فروة بن نوفل الأشجعي في خمسمائة وقال أعتزل حتى يتضح لي الأمر في قتال علي فنزل الدسكرة وخرج آخرون إلى الكوفة ورجع آخرون إلى علي رضي الله عنه وكانوا أربعة آلاف فبقي منهم ألف وثمانمائة فحمل عليهم علي والناس وزحفوا هم إلى علي رضي الله عنه ينادون الرواح الرواح إلى الجنة فاستقبلهم الرماة وعطفت عليهم الخيل من المجنبتين ونهض إليهم الرجال بالسلاح فهلكوا كلهم في ساعة واحدة كأنما قيل لهم موتوا فماتوا وكان جملة من قتل من أصحاب علي رضي الله عنه سبعة نفر فطلب علي رضي الله عنه المخدج في القتلى فلم يوجد فقام رضي الله عنه وعليه أثر الحزن لفقده فانتهى إلى قتلى بعضهم فوق بعض فقال أفرجوا ففرجوا يمينا وشمالا فاستخرجوه فقال الله أكبر والله ما كذبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه لناقص اليد ما فيها عظم طرفها مثل ثدي المرأة عليها خمس شعرات أو سبع رؤوسها معقفة ثم قال أئتوني به فنظر إلى منكبه فإذا اللحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة عليها شعرات سود إذا مدت اللحمة امتدت حتى تحاذي بطن يده الأخرى ثم تترك فتعود إلى منكبه فقال أصحاب علي رضي لله عنه قد قطع الله دابرهم آخر الدهر فقال علي والذي نفسي بيده إنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء لا تخرج خارجة إلا خرجت بعدها مثلها حتى تخرج خارجة بين الفرات ودجلة يقال لهم الشمط فيخرج إليهم رجل منا أهل البيت فيقتلهم فلا تخرج لهم بعدها خارجة إلى يوم القيامة وفي الصحيح عن سويد بن غفلة قال قال علي رضي الله عنه إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فوالله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم ثم إن عليا رضي الله عنه ندب أصحابه إلى غزو الشام فتثاقلوا عليه ولما وصلوا إلى الكوفة تسللوا إلى بيوتهم وتركوا المعسكر خاليا ولما رأى علي ذلك دخل الكوفة ثم ندبهم ثانيا فلم ينفروا ثم ثالثا فلم ينشط منهم إلا القليل فخطبهم وأغلظ في عتابهم وأعلمهم بما له عليهم من الطاعة في الحق والنصح فتثاقلوا وسكتوا واستمر الحال إلى أن استأثر به ربه وأراحه من شغبهم وقبضه إليه ونقله إلى كرامته وجنته سابق مضمار الإيمان والهجرة والنصرة والنجدة والصهر والقربى والقناعة والجهاد والعلم والزهد رضي الله عنه وكان من خبر وفاته أن ثلاثة من الخوارج ممن نجا من وقعة النهروان وهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي وعمرو بن بكر التميمي السعدي والحجاج بن عبد الله التميمي الصريمي ويلقب بالبرك اجتمعوا بمكة فذكروا إخوانهم الذين قتلوا بالنهروان وقالوا ما نصنع بالبقاء بعدهم فلو شرينا أنفسنا وقتلنا أئمة الضلال وأرحنا منهم الناس فقال ابن ملجم وكان من مصر أنا أكفيكم عليا وقال البرك أنا أكفيكم معاوية وقال عمرو بن بكر أنا أكفيكم عمرو بن العاص وتعاهدوا أن لا يرجع أحد منهم عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه وتواعدوا سبع عشرة ليلة تمضي من رمضان من هذه السنة أعني سنة أربعين وانطلقوا فلقي ابن ملجم أصحابه بالكوفة فطوى خبره عنهم إلا أنه جاء إلى شبيب بن شجرة الأشجعي ودعاه إلى الموافقة على شأنه فقال شبيب ثكلتك أمك فكيف تقدر على قتله فقال أكمن له في المسجد عند صلاة الغداة فإن قتلناه وإلا فهي الشهادة قال ويحك لا أجدني أنشرح لقتله مع سابقته وفضله قال ألم يقتل العباد الصالحين أصحاب النهروان قال بلى قال فنقتله بمن قتله منهم فأجابه ثم لقي امرأة من تيم الرباب فائقة الجمال اسمها قطام قتل أبوها وأخوها يوم النهروان فخطبها ابن ملجم فشرطت عليه ثلاثة آلاف درهم وعبدا وقنية وأن يقتل عليا وقالت فإن قتلته شفيت النفوس وإلا فهي الشهادة قال والله ما جئت إلا لذلك ولك ما سألت وفي ذلك قيل ( ثلاثة آلاف وعبد وقنية % وضرب علي بالحسام المسمم ) ( فلا مهر أغلى من علي وإن غلا % ولا فتك إلا دون ابن ملجم ) ثم قالت سأبعث معك من يشد ظهرك ويساعدك وبعثت معه رجلا من قومها اسمه وردان فلما كانت الليلة التي واعد ابن ملجم أصحابه فيها وكانت ليلة الجمعة جاء إلى المسجد ومعه شبيب ووردان وجلسوا قبالة السدة التي يخرج منها علي للصلاة فلما خرج ونادى للصلاة علاه شبيب بالسيف فوقع في عضادة الباب وضربه ابن ملجم على مقدم رأسه وقال الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك وهرب وردان إلى منزله وهرب شبيب مغلسا ونجا في غمار الناس وقبض على ابن ملجم فجيء به مكتوفا إلى علي وقد حمل إلى بيته فقال أي عدو الله ما حملك على هذا ثم قال إن هلكت فاقتلوه كما قتلني وإن بقيت رأيت فيه رأيي يا بني عبد المطلب لا تحرضوا على دماء المسلمين وتقولوا قتل أمير المؤمنين لا تقتلوا إلا قاتلي يا حسن إن أنا مت من ضربتي هذه فاضربه بسيفه ولا تمثلن بالرجل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( إياكم المثلة ) وقال له جندب بن عبد الله أنبايع الحسن إن فقدناك فقال ما آمركم به ولا أنهاكم عنه أنتم أبصر ولما حضرته الوفاة كتب وصيته العامة ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض رضي الله عنه ولما قبض أخرج عبد الرحمن بن ملجم من السجن فقطع عبد الله بن جعفر يده ثم رجله ثم لسانه وكحلت عيناه بمسمار محمى وأحرق لعنه الله وأما البرك فوثب على معاوية تلك الليلة وضربه بالسيف فوقع في إليته وأخذ البرك فقال لمعاوية عندي بشرى أتنفعني إن أنا أخبرتك بها قال نعم قال إن أخا لي قتل عليا هذه الليلة فقال معاوية لعله لم يقدر عليه فقال بلى إن عليا ليس معه من يحرصه فقتله معاوية وقيل قطع يده ورجله وأقام إلى أيام زياد فقتله بالبصرة وأما عمرو بن بكر التميمي فإنه جلس تلك الليلة لعمرو بن العاص فلم يخرج عمرو إلى الصلاة لمرض أصابه واستناب خارجة بن حذافة العدوي في الصلاة فشد عليه عمرو بن بكر وهو يظن أنه عمرو بن العاص فقتله فلما أخذوه وأدخلوه على عمرو قال فمن قتلت إذا قالوا قتلت خارجة بن حذافة فقال أردت عمرا وأراد الله خارجة فأرسلها مثلا وأمر به عمرو فقتل ويرحم الله ابن عبدون إذ يقول ( وليتها إذ فدت عمرا بخارجة % فدت عليا بما شاءت من البشر ) وكانت وفاة علي رضي الله عنه صبيحة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة أربعين كما ذكرنا وكانت مدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر واختلف في موضع قبره فقيل دفن مما يلي قبلة المسجد بالكوفة وقيل عند قصر الإمارة بها وقيل نقله ابنه الحسن إلى المدينة ودفنه بالبقيع عند زوجه فاطمة رضي الله عنها قال أبو الفداء والأصح وهو الذي ارتضاه ابن الأثير وغيره إن قبره هو المشهور بالنجف وهو الذي يزار اليوم وفضائل علي رضي الله عنه ومناقبه في العدل وحسن السيرة أجل من أن يحاط بها من ذلك مشاهده المشهورة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومؤاخاته له وسبق إسلامه وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) وقوله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر ( لأبعثن الراية غدا مع رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ) وقوله صلى الله عليه وسلم له ( أما ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى ) وقال صلى الله عليه وسلم ( أقضاكم علي ) والقضاء يستدعي معرفة أبواب الفقه كلها بخلاف قوله عليه السلام ( أفرضكم زيد وأقرأكم أبي ) ولم يضع رضي الله عنه لبنة على لبنة حتى لقي الله وكان يقسم ما في بيت المال كل جمعة حتى لا يترك فيه شيئا ودخل مرة بيت المال فوجد الذهب والفضة فقال يا صفراء اصفري ويا بيضاء ابيضي وغري غيري لا حاجة لي فيك وروي ابن عبد البر في الاستيعاب بسنده إلى مجمع التميمي أن عليا رضي الله عنه قسم ما في بيت المال بين المسلمين ثم أمر به فكنس ثم صلى فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة وروى أيضا بسنده عن عاصم بن كليب عن أبيه قال قدم على علي مال من أصبهان فقسمه سبعة اسباع ووجد فيه رغيفا فقسمه سبع كسر وجعل على كل جزء كسرة ثم أقرع بينهم أيهم يعطي أولا قال ابن عبد البر وأخباره رضي الله عنه في مل هذا من سيرته لا يحيى ط بها كتاب ويرحم الله من قال ( أحسن من عود ومن ضارب % ومن فتاة ناهد كاعب ) ( ومن مدام في قواريرها % يسعى بها ساق إلى شارب ) ( ومن جياد الخيل في مهمه % وضارب يسطو على ضارب ) ( أحسن من ذاك وهذا وذا % حب علي بن أبي طالب ) ( لو فتشوا قلبي لألفوا به % سطرين قد خطا بلا كاتب ) ( العلم والتوحيد في جانب % وحب آل البيت في جانب ) ( إن كنت فيما قلته كاذبا % فلعنه الله على الكاذب ) ولما توفي علي رضي الله عنه بايع الناس ابنه الحسن رضي الله عنه وأول من بايعه قيس بن سعد بن عبادة قال له ابسط يدك على كتاب الله وسنة رسوله وقتال الملحدين فقال الحسن على كتاب الله وسنة رسوله ويأتيان على كل شرط ثم بعد ذلك نزل لمعاوية عن الأمر في خبر طويل نذكر منه ما في الصحيح فعن الحسن البصري رحمه الله قال استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها فقال له معاوية وكان والله خير الرجلين أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء فمن لي بأمور الناس من لي بنسائهم من لي بضيعتهم فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز فقال اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له وطلبا إليه فقال لهما الحسن بن علي رضي الله عنهما إنا بني عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها قالا فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك قال فمن لي بهذا قالا نحن لك به فما سألهما شيئا إلا قالا نحن لك به فصالحه قال الحسن البصري رحمه الله ولقد سمعت أبا بكرة يقول رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول ( إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ) وها هنا فائدتان الأولى هذه الحروب التي وقعت بين الصحابة رضي الله عنهم محملها الإجتهاد كما قدمنا والذب عن الدين وكان الناس من السذاجة في الدين والتمسك به على ما عهد منهم فكانوا إذا رأوا ما يظنونه منكرا غيروه ولو بإتلاف مهجهم إلا أنهم كان منهم المجتهد المصيب وهو ذو الأجرين كما في الحديث ومنهم المجتهد المخطىء وهو ذو الأجر الواحد كما في الحديث أيضا وكان علي رضي الله عنه مصيبا في جميع أمره من أوله إلى آخره فعلى العاقل المحتاط لدينه أن يظن بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الظن الجميل ويعمل بوصيته فيهم إذ قال عليه الصلاة والسلام ( الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ) الحديث وإياي وإياه أن يجرح من زكاهم الله تعالى بقوله @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله @QE@ وزكاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم زمرتهم وأمتنا على سنتهم وطريقتهم يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم الفائدة الثانية أطبق السلف على أن ترتيب الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم في الفضل على حسب ترتيبهم في الخلافة وذهب بعض السلف إلى تقديم علي على عثمان وممن قال به سفيان الثوري لكن قيل إنه رجع عنه وقالت الشيعة وكثير من المعتزلة الأفضل بعد النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب والحق هو القول الأول وهل التفضيل بين الخلفاء قطعي أو ظني فالذي مال إليه الأشعري هو الأول والذي مال إليه القاضي أبو بكر الباقلاني واختاره إمام الحرمين في الإرشاد هو الثاني وعبارته لم يقم عندنا دليل قاطع على تفضيل بعض الأئمة على بعض إذ العقل لا يدل على ذلك والأخبار الورادة في فضائلهم متعارضة ولكن الغالب على الظن أن أبا بكر أفضل الخلائق بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ثم عمر أفضلهم بعده وتتعارض الظنون في عثمان وعلي وها هنا انتهى بنا القول فيما قصدناه من التبرك بذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر خلفائه الأربعة رضي الله عنهم ولنرجع إلى ما نحن بصدده من ذكر أخبار المغرب الأقصى مقدمين القول أولا في نسب البربر وبيان حالهم قبل الإسلام وبعده على الجملة لنتخلص بعده للمقصود والله تعالى يعصمنا من الزلل بمنه وكرمه
القول في نسب البربر وبيان أصلهم
أعلم أن الناس اختلفوا في تحقيق نسب البربر وإلى أي اصل من أصول الخليقة يرجعون فذكر صاحب كتاب الجمان في أخبار الزمان ونقله عن أهل العلم بالسير أن بني حام تنازعوا مع بني سام فانهزم بنو حام أمامهم إلى المغرب وتناسلوا به واتصلت شعوبهم من أرض مصر إلى آخر المغرب إلى تخوم السودان وكان بسواحل المغرب الأفارقة والإفرنج فكانت ذرية حام في المداشر والخيام والأعاجم الأول في البلدان وبقي أكثر أولاد حام في بلاد فلسطين من أرض الشام إلى زمن داود عليه الصلاة والسلام وكان ملكهم يسمى جالوت فلما قتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء أمر بإجلائهم من بلاد كنعان وفلسطين إلى أرض المغرب فساروا نحو إفريقية والزاب وانتشروا هنالك حتى ضاقت بهم تلك البلاد وامتلأت منهم الجبال والكهوف والرمال وصاروا يتبعون مواقع القطر بالإبل وبيوت الشعر ولم تقدر الفرنج على ردهم ودفاعهم فانحازت الأعاجم للمدن وبقي البربر فيما عدى المدن وهم مع ذلك على أديان مختلفة يدين كل واحد منهم بما شاء من الأديان الفاسدة فمنهم من تمجس ومنهم من تهود ومنهم من تنصر واستمروا على ذلك إلى زمان الإسلام وكان فيهم رؤساء وملوك وكهان ولهم حروب وملاحم عظام مع من قارعهم من الأمم وقال الطبري وغيره إن البربر أخلاط من كنعان والعماليق وغيرهم فلما قتل داود جالوت تفرقوا في البلاد وقال الكلبي اختلف الناس فيمن أخرج البربر من الشام فقيل داود بالوحي قيل يا داود أخرج البربر من الشام فإنهم جذام الأرض وقيل يوشع بن نون عليه السلام وقيل إفريقش الحميري واختلف في إفريقش هذا فقال المسعودي هو إفريقش بن أبرهة ذي المنار أحد التبابعة المشهورين وقال ابن حزم هو إفريقش بن قيس بن صيفي أخو الحارث الرائش منهم وهو الذي ذهب بقبائل العرب إلى إفريقية وبه سميت وساق البربر إليها من أرض كنعان مر بها عندما غلبهم يوشع بن نون وقتلهم فاحتمل الفل منهم وساقهم إلى إفريقية فأنزلهم بها وقتل ملكها جرجير ويقال إنه الذي سمى البربر بهذا الإسم لأنه لما فتح المغرب وسمع رطانتهم قال ما أكثر بربرتهم فسموا البربر والبربرة في لغة العرب اختلاط أصوات غير مفهومه ومنه بربرة الأسد وينسبون إليه في ذلك شعرا وهو قوله ( بربرت كنعان لما سقتها % من بلاد الضنك للخصب العجيب ) ( اي أرض سكنوها ولقد % فازت البربر بالعيش الخصيب ) ولما قفل إفريقش من غزو المغرب ترك هنالك حامية من قبائل حمير صنهاجة وكتامة فهما بها إلى الآن وليسوا نم نسب البربر قاله الطبري والجرجاني و المسعودي وابن الكلبي والسهيلي وجميع النسابين من العرب وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد له اختلف الناس في نسب البربر اختلافا كثيرا وأنسب ما قيل فيهم أنهم من ولد قبط بن حام وأنه لما نزل مصر خرج بنوه يريدون المغرب فسكنوا من آخر عمالة مصر وذلك فيما وراء برقة إلى البحر الأخضر مع بحر الأندلس إلى منقطع الرمل متصلين السودان وقيل إن البربر صنفان البرانس والبتر وأن البتر منهم من ولد بر بن قيس بن عيلان بن مضر واختلفوا في توجيه ذلك فقال الطبري خرج بر بن قيس بن عيلان ينشد ضالة له بأحياء البربر فرأى جارية منهم فخطبها من أبيها وتزوجها فولدت له وقال في كتاب الجمان وأما تسميتهم بالبربر فإنه لما صار ملك مضر لقيس بن عيلان كان له ولد اسمه بر فخرج مغاضبا لأبيه وإخوته إلى جهة المغرب فقال الناس بربر أي توحش في البراري فسموا بربرا ونقل ابن أبي زرع وابن خلدون عن النسابين من البربر وحكاه أيضا البكري وغيره أنه كان لمضر بن نزار ولدان إلياس وعيلان أمهما الرباب بنت حيدة بن عمرو بن معد بن عدنان فولد عيلان بن مضر ولدين وهما قيس ودهمان ابنا عيلان أما دهمان فولده قليل وهم أهل بيت من قيس يقال لهم بنو أمامة وأما قيس بن عيلان فولد أربعة بنين وجارية وهم سعد وعمرو وخصفة أمهم مزنة بنت أسد بن ربيعة بن نزار ثم بر وأخته تماضر أمهما تمريغ بنت يجدول بن غمار بن مصمود البربري اليجدولي وكانت قبائل البربر إذ ذاك يسكنون الشام ويجاورون العرب في المساكن والأسواق والمساعي ويشاركونهم في المياه والمسارح والمراعي ويصاهر بعضهم بعضا وكانت البهاء بنت دهمان بن عيلان بن مضر من أجمل نساء زمانها وأكملهن ظرفا وأدبا فكثر خطابها من سائر قبائل العرب فقال بنو عمها وهم عمرو وسعد وخصفة وبر لا يتزوج ابنة عمنا إلا أحدنا ولا تخرج منا إلى غيرنا فخيروها فيمن شاءت منهم فاختارت برا وكان أصغرهم سنا وأكملهم شبابا فتزوجها دون اخوته فحسدوه عليها وهموا بقتله من أجلها وكانت أمه تمريغ من دهاة النساء فبعثت إلى أبيها دهمان وأعلمته الخبر وواطأته على الخروج بولدها إلى أرض قومها من البربر حيث تأمن عليه ثم بعثت إلى قومها فأتوها سرا فارتحلت معهم هي وولدها بر وكنتها البهاء بنت دهمان فلحقوا ببلاد البربر وهم يومئذ مستوطنون فلسطين وأكناف الشام فنزل بر على أخواله واعتز بهم وبنى بابنة عمه البهاء فولدت له هناك ولدين علوان ومادغيس ابني بر بن قيس بن عيلان فأما علوان فمات صغيرا ولم يعقب وأما مادغيس فكان يلقب الأبتر وهو أبو البتر من البربر وإليه يرفعون أنسابهم ومن ولده جميع زناته كما سيأتي ويزعمون أن تماضر أخت بر بكته بعد فرقته بشعر تقول فيه ( لتبك كل باكية أخاها % كما أبكي على بر بن قيس ) ( تحمل عن عشيرته فأضحى % ودون لقائه انضاء عنس ) ومما ينسب إليها أيضا قولها ( وشطت ببر داره عن بلادنا % وطوح بر نفسه حيث يمما ) ( وأزرت ببر لكنة أعجمية % وما كان بر في الحجاز بأعجما ) ( كأنا وبرا لم نقف بجيادنا % بنجد ولم نقسم نهابا ومغنما ) وأنشد علماء البربر لعبيدة بن قيس العقيلي ( ألا أيها الساعي لفرقة بيننا % توقف هداك الله سبل الأطايب ) ( فأقسم أنا والبرابر إخوة % تناولنا جد كريم المناسب ) ( أبونا أبوهم قيس عيلان في الذرى % له حومة تشفي غليل المحارب ) ( وبر بن قيس عصبة مضرية % وفي الفرع من أحسابها والذوائب ) ( فنحن وهم ركن منيع وإخوة % على رغم أعداء لئام المناقب ) في أبيات غير هذه وينشد أيضا ليزيد بن خالد يمدح البربر قوله ( أيها السائل عنا أصلنا % قيس عيلان بنو الغر الأول ) ( نحن ما نحن بنو بر الندى % طارد الأزمة نحار الإبل ) ( قد بنى المجد فأورى زنده % وكفانا كل خطب ذي جلل ) ( إن قيسا يعتزي بر له % ولبر يعتزي قيس الأجل ) ( فلنا الفخر بقيس إنه % جدنا الأكبر فكاك الكبل ) ( إن قيسا قيس عيلان هم % معدن الخير على الخير دلل ) ( حسبي البربر قومي إنهم % ملكوا الأرض بأطراف الأسل ) في أبيات أخر واعلم أن الخلاف في نسب البربر طويل وقد تركنا جله اختصارا وأشبه هذه الأقوال بالصحة ما نقلناه أولا مما يدل على أن جيل البربر من ولد حام وأنهم جيل قديم قد سكنوا المغرب عندما تناسلت ذرية نوح عليه السلام وانتشرت الخليقة على وجه الأرض ثم تلاحقت بهم بقية بني كنعان من الشام عندما أجلاهم يوشع بن نون عليه السلام أولا ثم داود عليه السلام ثانيا قال ابن خلدون بعد تزييف القول بأن البربر من ولد جالوت بالخصوص أو من العرب ما نصه والحق الذي لا ينبغي التعويل على غيره في شأنهم أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح عليه السلام وأن اسم أبيهم مازيغ اه ومما يستملح من النوادر المقولة في نسب البربر قول خلف بن فرج السميسير من شعراء الأندلس يهجو البربر ( رأيت آدم في نومي فقلت له % أبا البرية إن الناس قد حكموا ) ( إن البرابر نسل منك قال إذا % حواء طالق إن كان الذي زعموا ) وهذا من ملح الشعراء وشيطنتهم وإلا فالبربر جيل معروف من أعظم الأجيال وأعزها ولهم الفخر الذي لا يجهل والذكر الذي لا يهمل وقد تعددت فيهم الدول وكثرت فيهم الملوك العظام وكان لهم القدم الراسخ في الإسلام واليد البيضاء في الجهاد ومنهم الأئمة والعلماء والأولياء والشعراء وأهل المزايا والفضائل وستقف على كثير من ذلك عن قريب إن شاء الله
القول في تقسيم شعوب البربر على الجملة
اعلم أن أمة البربر أمة عظيمة قد ملأت ما بين برقة والبحر المحيط شرقا وغربا وما بين بلاد السودان والبحر الرومي جنوبا وشمالا ومع عظمها فيجمعها شعبان عظيمان بحيث لا يخرج بربري عنهما قال ابن خلدون علماء النسب متفقون على أن البربر يجمعهم جدان عظيمان وهما برنس ومادغيس ويلقب مادغيس بالأبتر فلذلك يقال لشعوبه البتر ويقال لشعوب برنس البرانس وبين النسابين خلاف هل هما لأب واحد أم لا فعند ابن حزم أنهما لأب واحد والجميع من نسل كنعان بن حام وقال سابق بن سليمان المطماطي وغيره من نساب البربر إن البرانس فقط من نسل كنعان وأما البتر فهم بنو بر بن قيس بن عيلان بن مضر وهذا القول قد تقدم ما فيه فالحق أن الشعبين معا عريقان في البربرية وأن الجميع من ولد مزيغ ومازيغ هو من ولد كنعان بن حام كما مر فأما البرانس فتنقسم إلى سبع قبائل أوربة وصنهاجة وكامة ومصمودة وعجيسه وأوريغة وأرداجة ويقال ورداجة بالواو بدل الهمزة وزاد سابق المطماطي وغيره ثلاث قبائل أخر وهم لمطة وهسكورة وجزولة فتكون عشرا فأما أوربة فكان منهم كسيلة بن أغز الأوربي قاتل عقبة بن نافع رضي الله عنه زمان الفتح ومنهم إسحاق بن محمد بن عبد الحميد الأوربي القائم بدعوة إدريس بن عبد الله رضي الله عنه وأما صنهاجة فهم أكبر قبائل البربر حتى زعم كثير من الناس أنهم مقدار الثلث منهم وكان منهم بنو زيرى بن مناد ملوك إفريقية والملثمون ملوك مراكش والأندلس وأما كتامة فهم القائمون بدعوة العبيديين بإفريقية ومصر وأما المصامدة فمنهم غمارة وكان منهم يليان النصراني صاحب سبتة وطنجة أيام دخول عقبة بن نافع للمغرب الأقصى وهم القائمون أيضا بدعوة بني إدريس في دولتهم الثانية بعد بني أبي العافية ومن المصامدة أيضا برغواطة أهل تامسنا وما اتصل بها ومنهم أهل جبل درن القائمون بدعوة محمد بن تومرت مهدي الموحدين وأما باقي قبائل البرانس فلم يكن لهم ملك يذكر وقد تقدم لنا أن النسابين من العرب يقولون إن صنهاجة وكتامة من حمير وأن إفريقش الحميري تركهم حامية بإفريقية فتناسلوا بها واستحال لسانهم إلى البربرية لكن المحققون من نساب البربر كسابق المطماطي وغيره ينكرون ذلك ويجزمون بأنهما قبيلتان عريقتان في البربر وأما البتر وهم بنو مادغيس الأبتر فينقسم شعبهم إلى أربع قبائل وهم ضريسة ونفوسة وأداسة وبنو لوي وهم لواتة فأما ضريسة فمنهم مكناسة ومن مكناسة بنو مدرار ملوك سجلماسة وبنو أبي العافية ملوك فاس ومن ضريسة أيضا زناتة كلها ومبن زناتة جرواة قوم الكاهنة داهيا صاحبة جبل أوراس التي أوقعت بحسان بن النعمان عامل الخليفة عبد الملك بن مروان ومن زناتة أيضا بنو خزر المغراويون ملوك تلمسان والمغرب الأوسط ومنهم مغرواة ملوك فاس وبنو يفرن ملوك سلا وتادلا ومنهم بنو زيان ملوك تلمسان وبنو مرين ملوك فاس أيضا فهؤلاء كلهم من زناتة وزناتة هو زانا بن يحيى بن ضرى بن زجيك بن مادغيس الأبتر وأما نفوسة وأداسة ولواتة فلم يكن لهم ملك يذكر وأعلم أن كل قبيلة من هذه القبائل الأربع عشرة تشتمل على عمائر وبطون وأفخاذ وفصائل لا حصر لها وفيما ذكرناه كفاية وبالله التوفيق
الخبر عن حال البربر قبل الإسلام وذكر بعض أمصار المغرب القديمة وما قيل في ذلك
قد تقدم لنا أن البربر أمة قديمة سكنوا أرض المغرب في قديم الزمان وأنهم لما عمروا بلاده وملؤوا أكنافه انحازت الفرنج عنهم إلى السواحل والثغور وبقي البربر فيما سوى ذلك من الضواحي والجبال والكهوف وهم مع ذلك على أديان مختلفة يدين كل واحد منهم بما شاء من الأديان الفاسدة إلى آخر ما مر فهذا كان حالهم على الجملة وقال ابن خلدون لم تزل بلاد المغرب إلى طرابلس بل و إلى الإسكندرية عامرة بهذا الجيل ما بين البحر الرومي وبلاد السودان منذ أزمنة لا يعرف أولها ولا ما قبلها وكان دينهم دين المجوسية شأن الأعاجم كلها بالمشرق والمغرب إلا في بعض الأحايين يدينون بدين من غلب عليهم من الأمم فإن الأمم أهل الدول العظيمة كانوا يتغلبون عليهم فقد غزتهم ملوك اليمن من قراهم مرارا على ما ذكر مؤرخوهم فاستكانوا لغلبهم ودانوا بدينهم ذكر ابن الكلبي أن حميرا أبا القبائل اليمانية ملك المغرب مائة سنة وانه الذي ابتنى مدائنه مثل إفريقية وصقلية واتفق المؤرخون من العرب على غزو إفريقش الحميري من التبابعة أرض المغرب اه وما نقله عن ابن الكلبي من غزو حمير أرض المغرب قد نقل أيضا إنكاره عن الحافظين أبي عمر بن عبد البر وأبي محمد بن حزم وأنهما قالا ما كان لحمير طريق إلى بلاد البربر إلا في تكاذيب مؤرخي اليمن ثم ذكر أن البعض من البربر كانوا قد دانوا بدين اليهودية وأخذوه عن بني إسرائيل عند استفحال ملكهم لقرب الشام وسلطانه منهم كما كان جراوة أهل جبل أوراس قبيلة الكاهنة وكما كانت نفوسة من برابرة إفريقية وفندلاوة ومديونة وبهلولة وغياثة وبنو فازاز من برابرة المغرب الأقصى حتى محا إدريس الأكبر جميع ما كان في نواحيه من بقايا الأديان والملل وقال غير واحد من المؤرخين كان أهل المغرب الأقصى يضرون بأهل الأندلس لاتصال الأرض بينهم ويلقون منهم الجهد الجهيد في كل وقت إلى أن أجتاز بهم الإسكندر فشكوا حالهم إليه فأحضر المهندسين وأتى إلى الزقاق يعني زقاق سبتة فأمرهم بوزن سطح الماء من البحر المحيط والبحر الرومي فوجدوا المحيط يعلو الرومي بشيء يسير فأمر برفع البلاد التي على ساحل البحر الرومي ونقلها من الحضيض إلى الأعلى ثم أمر بحفر ما بين طنجة وبلاد الأندلس من الأرض فحفرت حتى ظهرت الجبال السفلية وبنى عليها رصيفا بالحجر والجيار بناء محكما وجعل طوله اثنى عشر ميلا وهي المسافة التي كانت بين البحرين وبنى رصيفا آخر يقابله من ناحية طنجة وجعل بين الرصيفين سعة ستة أميال فلما كمل الرصيفان حفر من جهة البحر الأعظم وأطلق فم الماء بين الرصيفين فدخل في البحر الرومي ثم ارتفع الماء فأغرق مدنا كثيرة وأهلك أمما عظيمة كانت على الشطين وطما الماء على الرصيفين بإحدى عشرة قامة فأما الرصيف الذي يلي بلاد الأندلس فإنه يظهر في بعض الأوقات إذا نقص الماء ظهورا بينا مستقيما على خط واحد وأهل الجزيرة يسمونه القنظرة وأما الرصيف الذي يلي جهة العدوة فإن الماء حمله في صدره واحتفر ما خلفه من الأرض بنحو اثني عشر ميلا وعلى طرفه من جهة المغرب قصر المجاز وسبتة وطنجة وعلى طرفه من الناحية الأخرى جبل طارق بن زياد وجزيرة طريف بن مالك والجزيرة الخضراء وما يين سبتة والخضراء هو عرض البحر المسمى بالزقاق والبوغاز أيضا اه وما ذكروه من أن أرض المغرب كانت متصلة بأرض الأندلس نحوه في تواريخ الفرنج القديمة غير أنهم يسمون الملك الذي فتح الباغاز هرقل الجبار وعند ابن سعيد أنه كان فيما بين قصر المجاز وطريف قنطرة عظيمة قد وصلت ما بين البرين يزعم الناس أن الإسكندر بناها ليعبر عليها من بر الأندلس إلى بر العدوة والله تعالى أعلم بحقيقة الأمر وفي تواريخ الفرنج المقطوع بصحتها عندهم أن ملوك الروم الأولى حاربوا القرطاجنيين من أهل إفريقية والمغرب وغلبوهم على البلاد وهدموا في بعض تلك الحروب مدينة قرطاجنة الشهيرة الذكر قال الشيخ رفاعة في بداية القدماء ما نصه قرطاجنة مدينة بأرض إفريقية هي إحدى مدن الدنيا الشهيرة وقد هدمها الروم قبل ميلاد المسيح عليه السلام بمائة وست وأربعين سنة ثم أسست ثانية وخربها العرب حتى إنه لا يرى الآن شيء من آثارها إلا بغاية الجهد وبقرب موضعها مدينة تونس اه وقال ابن خلدون في كتاب طبيعة العمران حين تكلم على قيادة الأساطيل ما نصه وقد كانت الروم والإفرنجية والقوط بالعدوة الشمالية من هذا البحر الرومي وكان أكثر حروبهم ومتاجرهم في السفن فكانوا مهرة إيقاع يحيى بن يغمور بأهل لبلة وإسرافه في ذلك لما كانت سنة تسع وأربعين وخمسمائة فتح الموحدون مدينة لبلة وكان المتولي لفتحها بحيى بن يغمور والي قرطبة وإشبيلية حاصرها مدة ثم فتحها عنوة وقبض على أهلها فخرج بهم إلى ظاهر المدينة وصفهم في صعيد واحد ثم عرضهم على السيف أجمعين حتى خلص القتل منهم إلى الفقيه المحدث أبي الحكام بن بطال والفقيه الصالح أبي عامر بن الجد وكان عدد من قتل من أهل لبلة في ذلك الصعيد ثمانية آلاف و قتل بأحوازها نحو بلادهم ورعاياهم وكان الفرنج مجاورين للبربر في المغرب الأدنى والقوط مجاورين لهم في الأقصى ليس بينهم وبينهم إلا خليج البحر فحملوا أهل السواحل منهم على الأخذ بذلك الدين فدانوا به أيضا ونظر القياصرة يومئذ منسحب عن الجميع وأمرهم نافذ في الكل واستمر الحال على ذلك حتى جاء الله بالإسلام وأظهره على الدين كله فدانت به البربر على ما نذكره إن شاء الله فلهذا السبب كان كسيلة الأوربي ويليان الغماري وغيرهما من كبار البربر نصارى وقال ابن خلدون كان للبربر في الضواحي وراء ملك الأمصار المرهوبة الحامية ما شاء الله من قوة وعدة وعدد وملوك ورؤساء وأقيال وأمراء لا يرامون بذل ولا تنالهم الروم والفرنج في ضواحيهم تلك بمسخطة ولا إساءة ثم قال وكانوا يؤدون الجباية لهرقل ملك القسطنطينية كما كان المقوقس صاحب مصر والإسكندرية وبرقة يؤدي الجباية له وكما كان صاحب طرابلس ولبدة وصبرة وصاحب صقلية وصاحب الأندلس من القوط لما كان الروم قد غلبوا على هؤلاء الأمم أجمع وعنهم أخذوا دين النصرانية وكان الفرنجة هم الذين ولوا أمر إفريقية ولم تكن للروم فيها ولاية وإنما كان كل من كان منهم بها جند للفرنج ومن حشودهم وما يسمع في كتب الفتح من ذكر الروم في فتح أفريقية فمن باب التغليب لأن العرب يومئذ لم يكونوا يعرفون الفرنج وما قاتلوا في الشام إلا الروم فظنوا أنهم هم الغالبون على أمم النصرانية فإن هرقل هو ملك النصرانية كلها فغلبوا اسم الروم على جميع أمم النصرانية ونقلت الأخبار عن العرب كما هي فجرجير المقتول عند الفتح من الفرنج وليس من الروم وكذا الأمة الذين ماتوا بإفريقية غالبين على البربر ونازلين بمدنها وحصونها كانوا من الفرنجة اه
القول في تحديد المغرب وذكر حال البربر بعد الإسلام
اعلم أن لفظ المغرب يطلق في عرف أهله على ناحية من الأرض معروفة بعينها حدها من جهة مغرب الشمس البحر المحيط المعروف بالكبير ومن جهة مشرق الشمس بلاد برقة وما خلفها إلى الإسكندرية ومصر فبرقة خارجة عن بلاد المغرب بهذا الاعتبار وبلاد طرابلس وما دونها إلى جهة البحر المحيط داخلة فيه وحدها من جهة الشمال البحر الرومي المفرع عن المحيط ويعرف هذا الرومي بالصغير ومن جهة الجنوب جبال الرمل الفاصلة بين بلاد السودان وبلاد البربر وتعرف عند العرب الرحالة هنالك بالعرق ثم هذا المغرب يشتمل على ثلاث ممالك مملكة إفريقية وهي المغرب الأدنى وقاعدتها في صدر الإسلام مدينة القيروان وفي هذا العصر مدينة تونس وسمي أدنى لأنه أقرب إلى بلاد العرب ودار الخلافة بالحجاز ثم بعد إفريقية مملكة المغرب الأوسط وقاعدتها تلمسان وجزائر بني مزغنة وهذه المملكة اليوم في يد فرنج إفرانسة ملكوها في سنة ست وأربعين ومائتين وألف وأهلها مسلمون ثم بعد ذلك مملكة المغرب الأقصى وسمي الأقصى لأنه أبعد الممالك الثلاث عن دار الخلافة في صدر الإسلام وحد هذا الأقصى من جهة المغرب البحر المحيط ومن جهة المشرق وادي ملوية مع جبال تازا ومن جهة الشمال البحر الرومي ومن جهة الجنوب جبل درن قاله ابن خلدون وفي تقسيم الفرنج أن المغرب الأقصى يشتمل على خمس عمالات عمالة فاس وعمالة مراكش وعمالة السوس وعمالة درعة وعمالة تافيلالت ودار الملك به تارة فاس وتارة مراكش وهو في الأغلب ديار المصامدة من البربر ويساكنهم فيه عوالم من صنهاجة ومضغرة وأوربة وغيرهم لكنهم قليل بالنسبة إلى المصامدة ويساكنهم فيه أيضا عالم من العرب أهل الخيام انتقلوا من جزيرة العرب إلى إفريقية ثم من إفريقية إليه أواخر المائة السادسة أيام الخليفة يعقوب المنصور الموحدي وهم اليوم قبائل عديدة يرجعون في نسبهم إلى رياح وجشم فأما رياح فهم من بني هلال بن عامر بن صعصعة وأما جشم فهم بنو جشم بن معاوية بن بكر وكلهم ينتهي نسبهم إلى مضر ويضاف إليهم قبائل أخر نحقق الكلام فيهم بعد هذا إن شاء الله ثم قد علمت أن كلامنا بالقصد الأول في هذا الكتاب إنما هو على المغرب الأقصى لكنا نتكلم أولا على أخبار المغرب مطلقا ونذكر أمراءه الموجهين من قبل الخلفاء بالمشرق على التفصيل ما دام نظرهم منسحبا عليه وظلهم ممتدا إليه إذ كان أمر الخلافة في صدر الإسلام متحدا وحكمها مجتمعا وكلمتها نافذة في جميع ممالك الإسلام شرقا وغربا بحيث لا يخرج قطر من الأقطار ولا مصر من الأمصار فيما بعد أو دنا عن الأرض عن نظر الخليفة الأعظم وقد كان ذلك دينا متبعا وحكما مجمعا عليه ولا تصح لأحد إمارة أو ولاية إلا بالإستناد إليه حتى إذا طال العهد وضعف أمر الخلافة وتقلص ظلها من القاصية تفرقت ممالك الإسلام البعيدة عن دارها وتوزعتها الثوار من بني هاشم وغيرهم واستبد الأمراء النازحون عنها كل بما غلب عليه وسار أمر الوحدة إلى الكثرة وحكم الإجتماع إلى الفرقة فلهذا نتكلم الآن على أخبار المغرب مطلقا ونذكر ولاته الموجهين إليه من قبل الخلفاء واحدا بعد واحد إلى زمن إدريس بن عبد الله المستبد بملك المغرب الأقصى والمقتطع له عما عداه من الممالك الإسلامية فحينئذ نفرد الكلام عليه بخصوصه على ما شرطناه فأما الآن فلا يمكننا الكلام عليه وحده لأنه والحالة هذه مندرج في غيره من ممالك المغرب إذ الوالي الموجه من قبل الخليفة في صدر الإسلام كان يكون واليا على إفريقية وما بعدها من بلاد المغرب إلى البحر المحيط وقد تضاف إلى نظره الأندلس بل كان الوالي بمصر قد يكون نظره شاملا لجميع بلاد المغرب حسبما نقف عليه فاعرف هذه الجملة ولتكن منك على بال وأما حال البربر بعد الإسلام فيعرف من أخبار الولاة التي نسردها الآن وبالله التوفيق
ولاية عمرو بن العاص رضي الله عنه وفتحه برقة وطرابلس
لما كانت خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفتح عمرو بن العاص مصر والإسكندرية وفرغ منها سار في سنة إحدى وعشرين من الهجرة إلى برقة وكانت تسمى في القديم إنطابلس فصالحه أهلها على الجزية ثم سار بعدها إلى طرابلس فحاصرها شهرا وكانت مكشوفة السور من جانب البحر وسفن الروم في مرساها فحسر الماء في بعض الأيام وانكشف أمرها لبعض المسلمين المحاصرين لها فاقتحموا البلد فيما بين البحر والبيوت فلم يكن للروم ملجأ إلا سفنهم وارتفع الصياح فأقبل عمرو بعساكره فدخل المدينة ولم يفلت الروم إلا بما خف في المراكب ثم عطف عمرو رضي الله عنه على مدينة صبرة وكانوا قد أمنوا بمنعة طرابلس واشتغال المسلمين بحصارها فصبحهم في جيش المسلمين واقتحمها عليهم عنوة وكمل الفتح ورجع عمرو إلى برقة فصالحه أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار جزية وكان أكثر أهل برقة لواته وهم بنو لوي الأكبر وأكثر أهل طرابلس وصبرة نفوسة وكلتا القبيلتين من البتر ولما فرغ عمرو رضي الله عنه من أمر طرابلس وما معها استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التقدم إلى إفريقية فمنعه وقال تلك المفرقة وليست بإفريقية أو كلاما هذا معناه فامتثل وعاد إلى مصر فكان عمرو بن العاص أول أمير للمسلمين وطئت خيله أرض المغرب لكنه لم يصل إلى إفريقية ولا كان من البرابر إسلام غير أن صاحب كتاب الجمان نقل أنه لما كانت خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه واستفتحت مدينة مصر وكان عليها عمرو بن العاص قدم عليه ستة نفر من البربر محلقين الرؤوس واللحى فقال لهم عمرو من أنتم وما الذي جاء بكم قالوا رغبنا في الإسلام فجئنا له لأن جدودنا قد أوصونا بذلك فوجههم عمرو إلى عمر رضي الله عنه وكتب إليه بخبرهم فلما قدموا عليه وهم لا يعرفون لسان العرب كلمهم الترجمان على لسان عمر فقال لهم من أنتم قالوا نحن بنو مازيغ فقال عمر لجلسائه هل سمعتم قط بهؤلاء فقال شيخ من قريش يا أمير المؤمنين هؤلاء البربر من ذرية بر بن قيس بن عيلان خرج مغاضبا لأبيه وإخوته فقالوا بر بر أي أخذ البرية فقال لهم عمر رضي الله عنه ما علامتكم في بلادكم قالوا نكرم الخيل ونهين النساء فقال لهم عمر ألكم مدائن قالوا لا قال ألكم أعلام تهتدون بها قالوا لا قال عمر والله لقد كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه فنظرت إلى قلة الجيش وبكيت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا عمر لا تحزن فإن الله سيعز هذا الدين بقوم من المغرب ليس لهم مدائن ولا حصون ولا أسواق ولا علامات يهتدون بها في الطرق ) ثم قال عمر فالحمد لله الذي من علي برؤيتهم ثم أكرمهم ووصلهم وقدمهم على من سواهم من الجيوش القادمة عليه وكتب إلى عمرو بن العاص أن يجعلهم على مقدمة المسلمين وكانوا من أفخاذ شتى اه والله أعلم 44
ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح وفتحه إفريقية
لما كانت خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه عزل عمرو بن العاص عن مصر وولى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري أخاه من الرضاعة وأمره بغزو إفريقية سنة خمس وعشرين من الهجرة وقال له إن فتح الله عليك فلك خمس الخمس من الغنائم ثم عقد عثمان لعبد الله بن نافع بن عبد قيس على جند وعبد الله بن نافع بن الحارث على آخر وسرحهما فخرجوا إلى إفريقية في عشرة آلاف وصالحهم أهلها على مال يؤدونه ولم يقدروا على التوغل فيها لكثرة أهلها ثم إن عبد الله بن أبي سرح استأذن عثمان في ذلك واستمده فاستشار عثمان الصحابة فأشاروا به فجهز العساكر من المدينة وفيهم جماعة من الصحابة منهم ابن عباس وابن عمرو بن العاص وابن جعفر والحسن والحسين وابن الزبير وقيل لحقهم مددا وساروا مع عبد الله بن سعد سنة ست وعشرين ولقيهم عقبة بن نافع فيمن معه من المسلمين ببرقة ثم ساروا إلى طرابلس فنهبوا الروم عندها ثم تجاوزوها إلى إفريقية وبثوا السرايا في كل ناحية وكان ملكهم جرجير الفرنجي يملك ما بين طرابلس وطنجة تحت ولاية هرقل ويحمل إليه الخراج فلما بلغه الخبر جمع مائة وعشرين ألفا من العساكر ولقيهم على يوم وليلة من سبيطلة دار ملكهم وأقاموا يقتتلون ودعوه إلى الإسلام أو الجزية فاستكبر ولحقهم عبد الله بن الزبير مددا بعثه عثمان رضي الله عنه لما أبطأت عليه أخبارهم وسمع جرجير بوصول المدد ففت ذلك في عضده وشهد ابن الزبير معهم القتال وقد غاب ابن أبي سرح فسأل عنه فقيل له إنه سمع منادي جرجير يقول من قتل ابن أبي سرح فله مائة ألف دينار وأزوجه ابنتي فخاف وتأخر عن شهود القتال فقال له ابن الزبير تنادي أنت بأن من قتل جرجير نفلته مائة ألف وزوجته ابنته واستعملته على بلاده فخاف جرجير أشد منه ثم أشار ابن الزبير على ابن أبي سرح أن يترك جماعة من أبطال المسلمين المشاهير متأهبين للحرب ويقاتل الروم بباقي العسكر إلى أن يضجروا فيركبهم بالآخرين على غرة قال لعل الله ينصرنا عليهم ووافق على ذلك أعيان الصحابة ففعلوا وركبوا من الغد إلى الزوال وألحوا عليهم حتى أتعبوهم ثم افترقوا وأركب عبد الله الفريق الذين كانوا مستريحين فكبروا وحملوا حملة رجل واحد حتى غشوا الروم في خيامهم فانهزموا وقتل كثير منهم وقتل ابن الزبير جرجير وحيزت ابنته سبية فنفلها ابن أبي سرح ابن الزبير ثم حاصر ابن أبي سرح سبيطلة ففتحها وخربها وكان سهم الفارس فيها ثلاثة آلاف دينار وسهم الراجل ألفا وبث جيوشه في البلاد إلى قفصة فسبوا وغنموا وبعث عسكرا إلى حصن الأجم وقد اجتمع به أهل البلاد فحاصره وفتحه على الأمان ثم صالحه أهل إفريقية على ألفي ألف وخمسمائة ألف دينار وأرسل ابن الزبير بخبر الفتح وبالخمس إلى المدينة فاشتراه مروان بن الحكم بخمسمائة ألف دينار وبعض الناس يقول أعطاه إياه عثمان رضي الله عنه ولا يصح وإنما أعطى ابن أبي سرح خمس الخمس من الغزوة الأولى وانحاز الفرنجة ومن معهم من الروم بعد الهزيمة والفتح إلى حصون إفريقية وانساح المسلمون في البسائط بالغارات ووقع بينهم وبين أهل الضواحي من البربر زحوف وقتل وسبي حتى لقد أسروا يومئذ من ملوك البربر صولات بن وزمار الزناتي ثم المغراوي جد بني خزر ملوك تلمسان فرفعوه إلى عثمان رضي الله عنه فأسلم على يده فمن عليه وأطلقه وعهد له على قومه ويقال إنما وصله وافدا فأكرم وفادته والله أعلم ثم رغب الفرنج والبربر في السلم وسألوا الصلح وشرطوا لابن أبي سرح ثلاثمائة قنطار من الذهب على أن يرحل عنهم بالعرب ويخرج من بلادهم ففعل ورجع المسلمون إلى المشرق بعد مقامهم بإفريقية سنة وثلاثة أشهر ولما بلغ هرقل ملك الروم أن أهل إفريقية صالحوا المسلمين بذلك المال الذي أعطوه غضب عليهم وبعث بطريقا يأخذ منهم مثل ذلك فنزل قرطاجنة وأخبرهم بما جاء له فأبوا وقالوا قد كان ينبغي له أن يسعدنا فيما نزل بنا فقاتلهم البطريق وهزمهم وطرد الملك الذي ولوه عليهم بعد جرجير فلحق بالشام وقد اجتمع الناس على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه فاستجاشه على إفريقية فبعث معه معاوية بن حديج السكوني على ما نذكره
ولاية معاوية بن حديج على المغرب
هو معاوية بن حديج بالحاء المهملة مصغرا الكندي ثم السكوني له صحبة وممن شهد مع عمرو بن العاص فتح مصر وقدم بخبر الفتح على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولما قدم علج إفريقية على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وشكا إليه ما ناله من صاحب قيصر بعث معه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وشكا إليه ما ناله من صاحب قيصر بعث معه معاوية بن حديج هذا في عسكر ضخم سنة خمس وأربعين فلما وصل إلى الإسكندرية هلك العلج ومضى معاوية فقدم إفريقية في عشرة آلاف فنزل قمونية فسرح إليه البطريق ثلاثين ألف مقاتل كان قيصر قد وجهها من القسطنطينية في البحر لمدافعة العرب عن إفريقية فلن تغن شيئا وقاتلهم معاوية فهزمهم عند حصن الأجم ثم بث السرايا ودوخ البلاد فبعث عبد الله بن الزبير إلى سوسة فافتتحها ثم بعث عبد الملك بن مروان إلى جلولاء فافتتحها كذلك وقال ابن خلدون إن معاوية حاصر حصن جلولاء فامتنع عليه حتى سقط ذات يوم سوره فملكه المسلمون وغنموا ما فيه ثم وجه جيشا في البحر إلى صقلية في مائتي مركب فأثخنوا فيها ثم فتح بنزرت وظهر الإسلام في البربر ثم عاد إلى مصر بعد أن خلد آثارا حسية وبنى بمحل القيروان آبارا ثم عزله معاوية بن أبي سفيان عن إفريقية وأقره على مصر فقط ثم عزله عنها في خبر ليس ذكره من غرضنا
ولاية عقبة بن نافع الفهري على المغرب وبناؤه مدينة القيروان
هو عقبة بن نافع بن عبد القيس القرشي الفهري صحابي بالمولد وهو آخر من ولي المغرب من الصحابة وكان عمرو بن العاص وهو أمير على مصر قد استعمل عقبة هذا وهو ابن خالته على إفريقية فانتهى إلى لواتة ومزاتة فأطاعوا ثم كفروا فغزاهم وقتل وسبى ثم افتتح سنة اثنتين وأربعين غدامس من تخوم السودان وفي السنة بعدها افتتح ودان وكورا من كور السودان وأثخن في تلك النواحي وكان له فيها جهاد وفتوح فظهر غناؤه وعرفت نجدته وكفايته فلما كانت سنة خمسين ولاه معاوية رضي الله عنه على إفريقية استقلالا وبعث معه عشرة آلاف فارس فدخل عقبة إفريقية بعد رجوع معاوية بن حديج عنها وانضاف إليه مسلمة البربر فكثر جمعه ووضع السيف في أهلها لأنهم كانوا إذا جاءت عساكر المسلمين أسلموا فإذا رجعوا عنها ارتدوا ثم رأى عقبة رحمه الله أن يتخذ مدينة يعتصم بها جيش المسلمين من البربر وتقام بها الجميع والأعياد فاستشار من معه فقالوا نحن أصحاب إبل ولا حاجة لنا بمجاورة البحر فتسطو علينا الفرنج فانظر لنا ينظر الله قال صاحب الجمان وكانت بقعة القيروان غيضة لا يأوى إليها إلا الوحوش والسباع فصاح بها عقبة أن اخرجي أيتها الوحوش والهوام بإذن الله عز وجل فبقيت أرض القيروان أربعين سنة لا يرى فيها شيء من الهوام المؤذية ولا السباع العادية ثم شرع في بنائها وقال هذه أوسع لأبلكم وآمن عليكم من روم القسطنطينية وإفرنج الجزيرة وعن الليث بن سعد أن عقبة رحمه الله غزا إفريقية فأتى وادي القيروان فبات عليه هو وأصحابه حتى إذا أصبح وقف على رأس الوادي فقال يا أهل الوادي أظعنوا فإنا نازلون قال ذلك ثلاثا فجعلت الحيات تنساب والعقارب وغيرها مما لا يعرف من الدواب تخرج ذاهبة وهم قيام ينظرون إليها من حين أصبحوا حتى أوهجتهم الشمس وحتى لم يروا منها شيئا فنزلوا الوادي عند ذلك قال الليث فحدثني زياد بن عجلان أن أهل إفريقية اقاموا بعد ذلك أربعين سنة ولو التمست حية أو عقرب بألف دينار ما وجدت اه وفي الجمان لما شرع عقبة رحمه الله في بناء جامعها تنازعوا في القبلة فأتى عقبة آت في النوم فوضع له علامة على سمت القبلة فلم انتبه أعلم الناس بذلك فأتوا إلى الموضع فوجدوا العلامة كما قال فوقف عقبة ينظر إلى القبلة فسمع تكبيرة في الجو من ناحية القبلة فنظر فرأى الكعبة عيانا ورآها كل من كان حوله وقال ابن خلدون اختط عقبة رضي الله عنه القيروان وبنى بها المسجد الجامع وبنى الناس مساكنهم ومساجدهم وكان دورها ثلاثة آلاف باع وستمائة باع وكملت في خمس سنين وكان يغزو ويبعث السرايا للإغارة والنهب ودخل أكثر البربر في الإسلام واتسعت خطة المسلمين ورسخ الدين اه وقال صاحب الخلاصة النقية اختط عقبة بن نافع القيروان سنة خمسين وجعل دور سورها اثني عشر ميلا وبنى بها الجامع الأعظم وقاتل البربر وشردهم ثم عزله معاوية عنها والله أعلم
ولاية أبي المهاجر دينار وفتحه المغرب الأوسط
كان معاوية رضي الله عنه قد ولى على مصر وإفريقية مسلمة بن مخلد بوزن محمد الأنصاري فاستعمل مسلمة على إفريقية مولاه أبا المهاجر المذكور ويقال مولى بني مخزوم فقدمها سنة خمس وخمسين وأساء عزل عقبة واستخف به لشيء كان بينهما وكره نزول القيروان فبنى مدينة قربها وأخلى قيروان عقبة فدعا عقبة الله تعالى أن يمكنه منه وكان رجلا صالحا مجاب الدعوة فاستجيب له فيه على ما نذكره ثم إن أبا المهاجر بعث حنش بن عبد الله الصنعاني صنعاء الشام إلى جزيرة شريك وهي المعروفة الآن بالجزيرة القبلية وإليها يسلك من باب الجزيرة أحد أبواب تونس فافتتحها وكان كسيلة بن أغز البرنسي ثم الأوربي من أهل المغرب الأقصى من عظماء البربر وكان نصرانيا قد جمع الجموع من البربر والفرنج وزحف إلى المسلمين فزحف إليهم أبو المهاجر فهزمهم حول تلمسان وتمكن من البلاد وظفر بكسيلة فأظهر الإسلام فاستبقاه أبو المهاجر واستخلصه قال ابن خلدون لم أقف لتلمسان على خبر أقدم من خبر ابن الرقيق من أن أبا المهاجر لما قدم إفريقية توغل في ديار المغرب ووصل إلى تلمسان وبه سميت العيون القريبة منها عيون أبي المهاجر اه فهو أول أمير المسلمين وطئت خيله المغرب الأوسط ثم إن عقبة بن نافع لما قفل إلى المشرق شكا إلى معاوية رضي الله عنه ما ناله من أبي المهاجر فاعتذر إليه ووعده برده إلى عمله ثم ولاه ابنه يزيد على المغرب سنة اثنتين وستين وذكر الواقدي أن عقبة ولي المغرب سنة ست وأربعين فاختط القيروان ثم عزله يزيد سنة اثنتين وستين بأبي المهاجر فحينئذ قبض على عقبة وضيق عليه فكتب إليه يزيد يأمره ببعثه فبعثه إليه ثم أعاده واليا على إفريقية والله أعلم
ولاية عقبة بن نافع الثانية وفتحه المغرب الأقصى ومقتله
لما توفي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وولي بعده ابنه يزيد بعث عقبة بن نافع واليا على المغرب فقدمه في التاريخ المتقدم واعتقل أبا المهاجر وخرب مدينته وعمر القيروان وعزم على الجهاد فاستخلف زهير بن قيس البلوي على القيروان ويقال ولاه على مقدمة جيشه وخرج في جيش كثيف ففتح حصن لميس ومدينة باغانة المطل عليها جبل أوراس وفتح بلاد الجريد فتحا ثانيا وصالح أهل فزان وسار إلى الزاب وتاهرت فشتت جموع البربر ومن انضم إليهم من الفرنج ثم تقدم إلى المغرب الأقصى فأثخن في أهله إلى إن وصل إلى البحر المحيط فكان عقبة رحمه الله أول أمير المسلمين وطئت خيله المغرب الأقصى وقال ابن خلدون قدم عقبة بن نافع المغرب في ولايته الثانية سنة اثنتين وستين فاضطغن على كسيلة صحبته لأبي المهاجر ونكبه وتقدم أبو المهاجر إلى عقبة في اصطناعه فلم يقبل ثم زحف إلى المغرب وعلى مقدمته زهير بن قيس البلوي فدوخه ولقي ملوك البربر ومن انضم إليهم من الفرنجة بالزاب وتاهرت فهزمهم واستباحهم وأذعن له يليان أمير غمارة ولاطفه وهاداه ودله على عورات البربر وراءه بمدينة وليلى وبلاد المصامدة والسوس وقال صاحب الجمان افتتح عقبة المغرب ونزل على طنجة فحاصرها واستنزل ملكها يليان الغماري وكان نصرانيا فنزل على حكمه بعد أن أعطاه أموالا جليلة ثم أراد عقبة اللحاق بالجزيرة الخضراء من عدوة الأندلس فقال له يليان أتترك كفار البربر خلفك وترمي بنفسك في بحبوحة الهلاك مع الفرنج ويقطع البحر بينك وبين المدد فقال عقبة وأين كفار البربر قال ببلاد السوس وهم أهل نجدة وبأس قال عقبة وما دينهم قال ليس لهم دين ولا يعرفون إن الله حق وإنما هم كالبهائم وكانوا على دين المجوسية يومئذ فتوجه عقبة نحوهم فنزل على مدينة وليلى بإزاء جبل زرهون وهي يومئذ من أكبر مدن المغرب فيما بين النهرين العظيمين سبو وورغة وهذه المدينة هي المسماة اليوم في لسان العامة بقصر فرعون فافتتحها عقبة وغنم وسبى ثم توجه إلى بلاد درعة والسوس فلقتيه جموع البربر فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انهزمت البربر بعد حروب صعبة وقتلهم المسلمون قتلا ذريعا وتبعوا آثارهم إلى صحراء لمتونة لا يلقاهم أحد إلا هزموه ثم عطف عقبة على ساحل البحر المحيط الغربي فانتهى إلى بلاد آسفي وأدخل قوائم فرسه في البحر ووقف ساعة ثم قال لأصحابه ارفعوا أيديكم ففعلوا وقال اللهم إني لم أخرج بطرا ولا أشرا وإنك لتعلم إنما نطلب السبب الذي طلبه عبدك ذو القرنين وهو أن تعبد ولا يشرك بك شيء اللهم إنا معاندون لدين الكفر ومدافعون عن دين الإسلام فكن لنا ولا تكن علينا يا ذا الجلال والإكرام ثم انصرف راجعا وقال ابن خلدون أيضا وصل عقبة إلى جبال درن وقاتل المصامدة بها فكانت بينه وبينهم حروب وحاصروه بجبل درن فنهضت إليهم جموع زناتة وكانوا خالصة للمسلمين منذ إسلام مغراوة فأفرجت المصامدة عن عقبة وأثخن فيهم حتى حملهم على طاعة الإسلام ودوخ بلادهم ثم أجاز إلى بلاد السوس لقتال من بها من صنهاجة أهل اللثام وهم يومئذ على دين المجوسية ولم يدينوا بالنصرانية فأثخن فيهم وانتهى إلى تارودانت وهزم جموع البربر وقاتل مسوقة من وراء السوس ودوخهم وقفل راجعا وكان كسيلة الأوربي في جيش عقبة قد استصحبه في غزواته هذه وكان يستهين به ويمتهنه فأمره يوما بسلخ شاة بين يديه فدفعها كسيلة إلى غلمانه فأراده عقبة على أن يتولاها بنفسه وانتهره فقام إليها كسيلة مغضبا وجعل كلما دس يده في الشاة مسح بلحيته والعرب يقولون ما هذا يا بربري فيقول هو أجير فيقول لهم شيخ منهم إن البربري يتوعدكم وبلغ ذاك أبا المهاجر وهو معتقل عند عقبة فبعث إليه ينهاه ويقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأنف جبابرة العرب وأنت تعمد إلى رجل جبار في قومه وبدار عزه حديث عهد بالشرك فستفسده وأشار عليه بأن يتوثق منه وخوفه غائلته فتهاون عقبة بقوله فلما قفل من غزاته هذه وانتهى إلى طبنة من أرض الزاب وكسيلة أثناء هذا كله في صحبته صرف العساكر إلى القيروان أفواجا ثقة بما دوخ من البلاد وأذل من البربر حتى بقي في قليل من الجند فلما وصل إل تهودة وأراد أن ينزل بها الحامية نظر إليه الفرنجة وطمعوا فيه فراسلوا كسيلة ودلوه على الفرصة فيه فانتهزوها وراسل بني عمه ومن تبعهم من البربر فاتبعوا أثر عقبة وأصحابه حتى إذا غشوهم بتهودة ترجل القوم وكسروا أجفان سيوفهم ونزل الصبر واستلحم عقبة وأصحابه فلم يفلت منهم أحد وكانوا زهاء ثلاثمائة من كبار الصحابة والتابعين استشهدوا في مسرع واحد وفيهم أبو المهاجر كان عقبة قد استصحبه في اعتقاله كما قلنا فأبلى رضي الله عنه في ذلك اليوم البلاء الحسن قال ابن خلدون واجداث الصحابة رضي الله عنهم أولئك الشهداء أعني عقبة وأصحابه بمكانهم من أرض الزاب لهذا العهد وقد جعل على قبورهم أسنمة ثم جصصت واتخذ على المكان مسجد عرف باسم عقبة وهو في عداد المزارات ومظان البركات بل هو أشرف مزور من الأجداث في بقاع الأرض لما توفر فيهه من عدد الشهداء من الصحابة والتابعين الذين لا يبلغ أحد مد أحدهم ولا نصيفه وأسر من الصحابة يومئذ محمد بن أوس الأنصاري ويزيد بن خلف العبسي ونفر معهما ففداهم ابن مصاد صاحب قفصة وبعث بهم إلى القيروان ثم زحف كسيلة بعد الوقعة إلى جهة القيروان إذ هي دار الإمارة بالمغرب يومئذ وبها جمهور العرب ووجوده الإسلام فبلغهم الخبر وعظم عليهم الأمر فقام زهر بن قيس البلوي فيهم خطيبا وقال يا معشر المسلمين إن أصحابكم قد دخلوا الجنة فاسلكوا سبيلهم أو يفتح الله عليكم فخالف حنش بن عبد الله الصنعاني لما علم أنه لا طاقة للمسلمين بما دهمهم من أمر البربر ورأى أن النجاة بمن معه من المسلمين أولى ونادى في الناس بالرحيل إلى مشرقهم فاتبعوه إلا قليلا منهم وبقي زهير في أهل بيته فاضطر إلى الخروج وسار إلى برقة فأقام بها مطلا على المغرب ومنتظرا للمدد من الخلفاء واجتمع إلى كسيلة جميع أهل المغرب من البربر والفرنجة وعظم أمره وتقدم إلى القيروان فاستولى عليها في المحرم سنة أربع وستين وفر منها بقية العرب فلحقوا بزهير ولم يقم بها إلا أصحاب الذراري والأثقال فأمنهم كسيلة وثبتت قدمه بالقيروان واستمر أميرا على البربر ومن بقي بها من العرب خمس سنين وقارن ذلك مهلك يزيد بن معاوية وفتنة الضحاك بن قيس مع مروان ابن الحكم بمرج راهط من أرض الشام وحروب آل الزبير فاضطرب أمر الخلافة بالمشرق واضطرم المغرب نارا وفشت الردة في زناتة والبرانس إلى أن استقل عبد الملك بن مروان بالخلافة وأذهب آثار الفتنة من المشرق فالتفت إلى المغرب وتلافى أمره على ما نذكره
ذكر من دخل المغرب من الصحابة مرتبة أسماؤهم على حروف المعجم
## $ فمنهم بلال بن حارث بن عاصم المزني أبو عبد الرحمن من أهل المدينة أقطعه النبي صلى الله عليه وسلم العقيق وكان صاحب لواء مزينة يوم الفتح ذكره صاحب الخلاصة النقية فيمن دخل المغرب ## $ ومنهم جرهد بن خويلد الأسدي أو الأسلمي ذكر صاحب الإشراق أنه من جملة من دخل إفريقية من أرض المغرب ## $ ومنهم جبلة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة الأنصاري أخو أبي مسعود البدري قال في التجريد شهد أحدا وشهد فتح مصر وصفين مع علي وغزا إفريقية مع معاوية بن حديج سنة خمسين وكان فاضلا من فقهاء الصحابة روى ابن منده ومحمد بن الربيع من طريق مالك بن أبي عمران عن سليمان بن يسار أنه سئل عن النفل في الغزو فقال لم أر أحدا يعطيه غير أن ابن حديج نفلنا من إفريقية الثلث بعد الخمس ومعنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين الأولين ناس كثير فأبى جبلة بن عمرو الأنصاري أن يأخذ منه شيئا ## $ ومنهم الحسنان رضي الله عنهما على ما ذكره ابن خلدون وهما سيدا شباب أهل الجنة وريحانتا الرسول صلى الله عليه وسلم أشهر من أن يعرف بهما ## $ ومنهم الحارث بن حبيب بن خزيمة القرشي العامري ذكره خليفة بن خياط فيمن نزل مصر من الصحابة قال وقتل بإفريقية مع معبد بن العباس بن عبد المطلب ## $ ومنهم حمزة بن عمرو الأسلمي ذكره في الإشراق ## $ ومنهم حبان بالكسر وموحده ابن أبي جبلة قال في الإصابة له إدراك قال ابن يونس بعثه عمر بن الخطاب إلى أهل مصر يفقههم وذكره ابن حبان في ثقات التابعين وقال غيره مات بإفريقية ## $ ومنهم خالد بن ثابت العجلاني الفهمي قال ابن يونس شهد فتح مصر وولي بحر مصر سنة إحدى وخمسين وأغزاه مسلمة بن مخلد إفريقية سنة أربع وخمسين قال في الإصابة ذكرته اعتمادا على أنهم كانوا لا يؤمرون في الفتوح إلا الصحابة ## $ ومنهم ربيعة بن عباد الديلي ذكره الواقدي فيمن دخل مصر من الصحابة لغزو المغرب قال مالك وأبوه بكسر المهملة وتخفيف الموحدة على الصواب ويقال بالفتح والتشديد ذكر خليفة وابن سعد أنه مات في خلافة الوليد ## $ ومنهم رويفع بن ثابت بن السكن الأنصاري ثم النجاري ولاه معاوية على طرابلس سنة ست وأربعين فغزا إفريقية قال ابن يونس توفي ببرقة وهو أمير عليها من قبل مسلمة بن مخلد سنة ست وخمسين ## $ ومنهم زهير بن قيس البلوي أبو شداد الآتي ذكره بعد قال ابن يونس يقال له صحبة ## $ ومنهم سفيان بن وهب الخولاني أبو أيمن له صحبة ورواية شهد حجة الوداع وفتح مصر وإفريقية وسكن المغرب مات سنة إحدى وتسعين ## $ ومنهم سلكان بن مالك قال محمد بن الربيع ذكره الواقدي فيمن دخل مصر لغزو المغرب ## $ ومنهم سلمة بن الأكوع الأسلمي الصحابي المشهور ذكره الواقدي فيمن دخل مصر من الصحابة لغزو المغرب مات بالمدينة سنة سبع وسبعين وهو ابن ثمانين سنة وكان شجاعا راميا سابقا يسبق الفرس شدا على قدميه ## $ ومنهم العبادلة الأربعة رضي الله عنهم ## $ فمنهم عبد الله بن عباس ترجمان القرآن أشهر من أن يعرف به وهو الذي قسم غنائم إفريقية يوم الفتح ## $ ومنهم عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما من أعلام الصحابة وعبادهم وزهادهم والمتمسكين بالسنة منهم رضي الله عنه ## $ ومنهم عبد الله بن الزبير بن العوام الشجاع المشهور والبطل المذكور وهو أول مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة وهو قاتل جرجير يوم الفتح كما مر ## $ ومنهم عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أحد أجواد الدنيا وأبطالها ذكر ابن خلدون إنه ممن دخل إفريقية غازيا فهؤلاء العبادلة الأربعة ## $ ومنهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح الأمير المعروف وقد تقدم ذكره ## $ ومنهم عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي المشهور أسلم قبل أبيه وهو أكثر الناس حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصواب أن يجعل أحد العبادلة بدل ابن جعفر والله أعلم قال أبو هريرة رضي الله عنه ما كان أحد أكثر مني حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب عده ابن ناجي فيمن دخل المغرب مع ابن أبي سرح ## $ ومنهم عبد الرحمن بن العباس بن عبد ا لمطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقتل بإفريقية ## $ ومنهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب ذكره في الخلاصة النقية وكان صحابيا بالمولد قتل يوم صفين مع معاوية ## $ ومنهم أخوه عاصم بن عمر وصحبته بالمولد ذكره صاحب الخلاصة أيضا ## $ ومنهم عبد الله بن نافع بن الحصين وجهه عثمان رضي الله عنه مع ابن أبي سرح لشدة بطشه وإصابة رأيه ## $ ومنهم عقبة بن نافع الفهري الأمير المشهور فاتح المغرب الأقصى وهو صاحب الترجمة ## $ ومنهم عثمان بن عوف المزني على خلاف فيه ## $ وأما عمرو بن العاص رضي الله عنه فقد تقدم أنه انتهى إلى طرابلس ولم يصل إلى إفريقية ## $ ومنهم مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي ولد بعد الهجرة بسنتين ولم تحصل له رواية لأنه خرج مع أبيه إلى الطائف فأقام به ذكره صاحب الخلاصة فيمن دخل المغرب ## $ ومنهم مسعود بن الأسود البلوي وقيل العدوي قال الذهبي بايع تحت الشجرة يعد في المصريين وغزا إفريقية ## $ ومنهم المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري له ولأبيه صحبة قال محمد بن الربيع دخل مصر لغزو المغرب مات سنة أربع وستين ## $ ومنهم المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي والد سعيد بن المسيب له ولأبيه صحبة ورواية ذكره الواقدي فيمن دخل مصر لغزو المغرب ## $ ومنهم المطلب بن أبي وداعة القرشي السهمي له ولأبيه صحبة وهما من مسلمة الفتح قال محمد بن الربيع دخل مصر لغزو المغرب فيما ذكره الواقدي ## $ ومنهم معاوية بن حديج السكوني أحد الأمراء وقد تقدم ذكره ## $ ومنهم معبد بن العباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم قال الذهبي ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم واستشهد بإفريقية شابا في زمن عثمان رضي الله عنه وحكى المؤروخون أن معاوية بن أبي سفيان أغزى سعيد بن عثمان بن عفان خراسان ومعه قثم بن العباس بن عبد المطلب فعبر سعيد النهر إلى سمرقند فاستشهد قثم بها وكان أخوه الفضل بن عباس قد مات بأجنادين من أرض الشام وعبد الله الترجمان مات بالطائف وعبيد الله الأصغر مات باليمن ومعبد بإفريقية فقال الناس لم ير مثل بني أم واحدة أبعد قبورا من بني العباس ## $ ومنهم المقداد بن الأسود الكندي وليس الأسود أبه وإنما تبناه الأسود بعد عبد يغوث وهو صغير فعرف به وإنما اسم أبيه عمرو بن ثعلبة الكندي كان المقداد أحد السابقين شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها ولم يثبت أن أحدا شهد بدرا فارسا سواه غزا إفريقية مع ابن أبي سرح فلما رجعوا إلى مصر قال له ابن أبي سرح في دار بناها كيف ترى فقال له المقداد إن كان من مال الله فقد أفسدت وإن كان من مالك فقد أسرفت فقال ابن أبي سرح لولا أن يقال أفسدت مرتين لهدمتها ## $ ومنهم المنيذر الأسلمي قال ابن يونس له صحبة وكان بإفريقية وقال عبد الملك بن حبيب لم يدخل الأندلس من الصحابة إلا المنيذر الإفريقي ## $ وأما المشتهرون بكنيتهم فمنهم أبو ذؤيب الهذلي الشاعر المشهور واسمه خويلد بن خالد أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره وقدم المدينة يوم وفاته فشهد السقيفة وبيعة أبي بكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ودفنه قال ابن كثير توفي غازيا بإفريقية في خلافة عثمان رضي الله عنه قلت وهلك له خمسة أولاد بمصر بالطاعون فقال قصيدته العينية يرثيهم وهي مشهورة ## $ ومنهم أبو رمثة البلوي قيل اسمه رفاعة بن يثربي وقيل بالعكس له صحبة ورواية قال الذهبي سكن بمصر ومات بإفريقية ومنهم أبو زمعة البلوي قال الذهبي اسمه عبد وقيل عبيد بن أرقم بايع تحت الشجرة ونزل مصر وغزا إفريقية مع ابن حديج روى حديث الذي قتل تسعة وتسعين نفسا وسأل هل من توبة مات بإفريقية ودفنت معه شعرات من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبما هو مشهور وهو صاحب المقام خارج القيروان ## $ ومنهم أبو ضبيس البلوي قال الذهبي له صحبة وقال محمد بن الربيع الجيزي دخل مصر لغزو المغرب ## $ ومنهم أبو المبتذل خلف له صحبة ونزل إفريقية وقيل أبو المنيذر كذا في التجريد وغير هؤلاء ممن لم يحضرنا ذكرهم أخرج ابن عبد الحكم عن سليمان بن يسار قال غزونا إفريقية مع ابن حديج ومعنا بشر كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار اه رضي الله عنهم ونفعنا بهم وحشرنا في زمرتهم آمين
ذكر اختلاف العلماء في أرض المغرب هل فتحت عنوة أو صلحا أو غير ذلك
قال الشيخ أبو الحسن القابسي رحمه الله في شرح الموطأ في كتاب الجهاد منه اختلف الناس في أرض المغرب هل فتحت عنوة أو صلحا أو مختلطة اي البعض عنوة والبعض صلحا على ثلاثة اقوال الأول وهو الذي يظهر من روايتة ابن القاسم عن مالك أنها فتحت بالسيف عنوة لأنه جعل النظر في معادنها للإمام ولو صح ذلك لم يجز لأحد بيع شيء منها كأرض مصر لأنها فتحت بالسيف الثاني إنها فتحت صلحا صالح أهلها عليها فإن كان كذلك جاز بيع بعضهم من بعض الثالث إنها مختلطة هرب بعضهم عن بعض وتركوها فمن بقي بيده شيء كان له وهو الصحيح والله أعلم ويحكى أن أحد عمال المنصور بن أبي عامر صاحب الأندلس حين تغلب على أرض فاس قال لهم أخبروني عن أرضكم أصلح هي أم عنوة فقالوا له لا جواب لنا حتى يأتي الفقيه يعنون الشيخ أبا جيدة فجاء الشيخ المذكور فسأله العامل فقال ليست بصلح ولا عنوة إنما أسلم أهلها عليها فقال خلصكم الرجل وأبو جيدة هذا هو دفين باب بني مسافر أحد أبواب فاس المحروسة رحمه الله
ولاية زهير بن قيس البلوي على المغرب ومقتل كسيلة وما يتبع ذلك
لما استقل عبد الملك بن مروان بالخلافة كان زهير مقيما ببرقة منذ مهلك عقبة بن نافع كما مر فبعث إليه عبد الملك بالمدد وولاه حرب البربر وأمره بإستنقاذ القيروان ومن بها من المسلمين من يد كسيلة المتغلب عليها وحضه على الطلب بدم عقبة فراجعه زهير يعلمه بكثرة الفرنج والبربر فأمده بالمال ووجوه العرب وفرسانها فزحف زهير إلى المغرب سنة تسع وستين في آلاف من المقاتلة وجمع له كسيلة البرانس وسائر البربر ولقيه بممس من نواحي القيروان واشتد القتال بين الفريقين ثم انهزمت البربر بعد حروب صعبة وقتل كسيلة ووجوه من معه من البربر ومن لا يحصى من عامتهم واتبعهم العرب إلى مرماجنة ثم إلى وادي ملوية وفي هذه الوقعة ذل البربر وفنيت فرسانهم ورجالهم وخضدت شوكتهم واضمحل أمر الفرنجة فلم يعد وخاف البربر من زهير والعرب خوفا شديدا فلجؤوا إلى القلاع والحصون وكسرت شوكة أوربة من بينهم واستقر جمهورهم بديار المغرب الأقصى وملكوا مدينة وليلى وكانت فيما بين موضع فاس ومكناسة بجانب جبل زرهون ولم يكن لهم بعد هذه الوقعة ذكر إلى أن قدم عليهم إدريس بن عبد الله رضي الله عنه فقاموا بدعوته على ما نذكره إن شاء الله وأما زهير فإنه لما رأى ما منحه الله من الظفر والنصر وساق إليه من العز والملك خشي على نفسه الفتنة وكان من العباد المخبتين فترك القيروان آمن ما كانت وارتحل إلى المشرق وقال إنما جئت للجهاد في سبيل الله وأخاف على نفسي أن تميل إلى الدنيا فلما وصل إلى برقة وجد أسطول الروم على قتالها في جموع عظيمة من قبل قيصر وبأيديهم أسرى من المسلمين فاستغاثوا به وهو في خف من أصحابه فصمد إليهم فيمن معه وقاتل الروم حتى قتل وقتل معه جماعة من أشراف أصحابه ونجا الباقون إلى دمشق فأخبروا الخليفة عبدا لملك بما وقع فآسفه ذلك
ولاية حسان بن النعمان على المغرب وتخريبه قرطاجنة
لما رحل زهير بن قيس إلى المشرق واستشهد ببرقة كما قدمنا واضطرمت بلاد المغرب بعده واضطربت نار الفتن وافترق أمر البربر وتعدد سلطانهم في رؤسائهم وكان من أعظمهم هم شوكة يومئذ الكاهنة داهيا الزناتية ثم الجراوية صاحبة جبل أوراس وكبيرة قومها جراوة والبتر فبعث عبد الملك بن مروان إلى عامله على مصر حسان بن النعمان الغساني وكان يقال له الشيخ الأمين يأمره أن يخرج إلى جهاد البربر وبعث إليه بالمدد فزحف إليهم سنة تسع وستين في أربعين ألف مقاتل ولما دخل القيروان سأل الأفارقة عن أعظم ملوكهم فقالوا صاحب قرطاجنة وهي المدينة العظمى قريعة رومة وضرتها وإحدى عجائب الدنيا وكان با يومئذ من جموع الفرنج أمم لا تحصى فصمد إليها حسان وافتتحها وقتل أكثر من بها ونجا فلهم في المراكب إلى صقلية والأندلس ولما انصرف حسان عنها دخلها أقوام من أهل الضواحي والبادية وتحصنوا بها فرجع إليهم وقاتلهم أشد قتال فافتتحها عنوة وأمر بتخريبها وإعفاء رسمها وكسر قنواتها فذهبت كأمس الدابر ولم يبق بها الآن إلا آثار خفيفة تدل على ما كان بها من عجيب الصنعة وإحكام العمل وبأنقاضها عمرت مدينة تونس كما في القاموس ثم بلغ حسان أن البربر والفرنج قد عسكروا في جموع عظيمة ببلاد صطفورة وبنزرت فصمد إليهم وهزمهم وشرد بهم من خلفهم وانحاز فلهم إلى باجة وبونة ورجع حسان إلى القيروان فأراح بها أياما ثم سأل عن بقية الملوك المخالفة فدلوه على الكاهنة داهيا وقومها جراوة وهم ولد جراو بن الديديت بن زانا وزانا هو أبو زناتة وكان لهذه الكاهنة بنون ثلاثة ورثوا رياسة قومهم عن سلفهم وربوا في حجرها فاستبدت عليهم واعتزت على قومها بهم وبما كان لها من الكهانة والمعرفة بغيب أحوالهم وعواقب أمورهم فانتهت إليها رياستهم ووقفوا عند إشارتها قال هانىء بن بكور الضريسي ملكت عليهم خمسا وثلاثين سنة وعاشت مائة وسبعا وعشرين سنة وكان قتل عقبة بن نافع وأصحابه في البسيط قبلة جبل أوراس بإغرائها برابرة الزاب عليه وكان المسلمون يعرفون ذلك منها فلما قتل كسيلة وانفضت جموع البربر رجعوا إلى هذه الكاهنة بمعتصمها من جبل أوراس وقد انضم إليها بنو يفرن ومن كان بإفريقية من قبائل زناتة وسائر البتر فسار إليها حسان حتى نزل وادي مليانة وزحفت هي إليه فاقتتلوا بالبسيط أمام جبلها قتالا شديدا ثم انهزم المسلمون وقتل منهم خلق كثير وأسر خالد بن يزيد القيسي في ثمانين رجلا من وجوه العرب ولم تزل الكاهنة والبربر في إتباع حسان والعرب حتى أخرجوهم من عمل قابس ولحق حسان بعمل طرابلس فلقيه هناك كتاب عبد الملك يأمره بالمقام حيث يصله كتابه فأقام ببرقة وبنى قصوره المعروفة لهذا العهد بقصور حسان ثم رجعت الكاهنة إلى مكانها من الجبل وأطلقت أسرى المسلمين سوى خالد فإنها اتخذت عنده عهدا بإرضاعه مع ولديها وصيرته أخا لهما وأقامت في سلطان إفريقية والبربر خمس سنين بعد هزيمة حسان ونفت العرب عن بلاد المغرب وقالت لقومها إنما تطلب العرب من المغرب مدنه وما فيها من الذهب والفضة ونحن إنما نريد المزارع والمراعي فالرأي أن نخرب هذه المدن والحصون ونقطع أطماع العرب عنها قال ابن خلدون وكانت المدن والضياع من طرابلس إلى طنجة ظلا واحدا في قرى متصلة فخربت الكاهنة ديار المغرب وعضدت أشجاره ومحت جماله وجاست بالفساد خلاله فشق ذلك على البربر واستأمنوا إلى حسان وكان عبد الملك قد بعث إليه بالمدد فأمنهم ووجد السبيل إلى تفريق أمرها ثم دس إلى خالد بن يزيد يستعلمه أمرها فأطلعه على كنه خبرها واستحثه فزحف إلى المغرب سنة أربع وسبعين وبرزت إليه فأوقع بها وبجموعها وقتلها واحتز رأسها عند البئر المعروفة بها لهذا العهد من جبل أوراس ثم اقتحم الجبل عنوة واستلحم فيه زهاء مائة ألف من البربر واستأمن إليه باقيهم على الإسلام والطاعة وشرط عليهم حسان أن يكون معه منهم اثنا عشر ألفا لا يفارقونه في مواطن جهاده فأجابوا وأسلموا وحسن إسلامهم وعقد للأكبر من ولدي الكاهنة على قومه من جراوة وعلى جبل أوراس فقالوا قد لزمتنا له الطاعة وسبقنا إليها وبايعناه عليها وكان ذلك بإشارة من الكاهنة لإثارة من علم كانت لديها بذلك من شياطينها وانصرف حسان إلى القيروان مؤيدا منصورا وثبت ملكه واستقام أمره فدون الدواوين وكتب الخراج على عجم إفريقية ومن أقام معهم على النصرانية من البربر ثم أوعز إليه الخليفة عبد الملك باتخاذ دار الصناعة بتونس لإنشاء الآلات البحرية حرصا على مراسم الجهاد ومنها كان فتح صقلية أيام زيادة الله الأول من بني الأغلب على يد أسد بن الفرات شيخ الفتيا وصاحب الإمام ابن القاسم بعد أن كان معاوية بن حديج أغزى صقلية أيام ولايته على المغرب فلم يفتح الله عليه وفتحت على يد ابن الأغلب وقائده ابن الفرات كما قلنا واستمر حسان واليا على المغرب إلى أن عزله عبد العزيز بن مروان صاحب مصر وكان أمر المغرب إذ ذاك إليه فاستخلف حسان على المغرب رجلا من جنده اسمه صالح وارتحل إلى المشرق بما جمعه من ذريع المال ورائع السبي ونفيس الذخيرة فلما انتهى إلى مصر أهدى إلى عبد الله مائتي جارية من بنات ملوك الفرنج والبربر فلم يقنعه ذلك وانتزع كثيرا مما بيده ولما قدم على الخليفة بدمشق وهو يومئذ الوليد بن عبد الملك شكا إليه ما صنع به عمه عبد العزيز فغاظه ذلك وأنكره ثم أهدى إليه حسان من غريب النفائس التي أخفاها عن عبد الله ما استعظمه الوليد وشكره عليه ووعده برده إلى عمله فحلف حسان أن لا يلي لبني أمية عملا أبدا وذكر البكري أن حسان بن النعمان هذا هو فاتح تونس وقال غيره بل فاتحها زهير بن قيس البلوي ولم تتوفر الدواعي على تحقيق ذلك لأنها لم تكن يومئذ قاعدة ملك وإنما عظم أمرها في دولة الحفصيين فمن بعدهم والله تعالى أعلم
ولاية موسى بن نصير على المغرب وفتحه الأندلس
لما أرتحل حسان بن النعمان إلى المشرق اختلفت أيدي البربر فيما بينهم على إفريقية والمغرب فكثرت الفتن وخلت أكثر البلاد حتى قدم موسى بن نصير فتلافى أمرها ولم شعثها قال الحافظ أبو عبد الله الحميدي في جذوة المقتبس ولي موسى بن نصير إفريقية والمغرب سنة سبع وسبعين وقال غيره سنة سبع وثمانين وقال ابن خلكان كان موسى بن نصير من التابعين وروي عن تميم الداري رضي الله عنه وكان عاقلا كريما شجاعا ورعا متقيا لله تعالى لم يهزم له جيش قط ولما قدم المغرب وجد أكثر مدنه خالية لاختلاف أيدي البربر عليها وكانت البلاد في قحط شديد فأمر الناس بالصوم والصلاة وإصلاح ذات البين وخرج بهم إلى الصحراء ومعه سائر الحيوانات ففرق بينها وبين أولادها فوقع البكاء والصراخ وأقام على ذلك إلى منتصف النهار ثم صلى وخطب الناس ولم يذكر الوليد بن عبد الملك فقيل له ألا تدعو لأمير المؤمنين فقال هذا مقام لا يدعى فيه غير الله عز وجل فسقوا حتى رووا وقال ابن خلدون كتب الخليفة الوليد بن عبد الملك إلى عمه عبد الله بن مروان وهو على مصر ويقال عبد العزيز أن يبعث بموسى بن نصير إلى إفريقية وكان أبوه نصير من حرس معاوية فبعثه عبد الله فقدم القيروان وبها صالح خليفة حسان فعزله ورأى أن البربر قد طمعت في البلاد فوجه البعوث في النواحي وبعث ابنه عبد الله في البحر إلى جزيرة ميورقة فغنم وسبى وعاد ثم بعثه إلى ناحية أخرى وبعث ابنه مروان كذلك وتوجه هو إلى ناحية فغنموا وسبوا وعادوا وبلغ الخمس من المغنم سبعين ألف رأس من السبي قال أبو شعيب الصدفي لم يسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير ونقل الكاتب أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم القروي المعروف بابن الرفيق أن موسى بن نصير لما فتح سقوما كتب إلى الوليد بن عبد الملك أنه صار لك من سبي سقوما مائة ألف رأس فكتب إليه الوليد ويحك إني أظنها من بعض كذباتك فإن كنت صادقا فهذا محشر الأمة ثم خرج موسى غازيا أيضا وتتبع البربر وقتل فيهم قتلا ذريعا وسبى سبيا عظيما وتوغل في جهات المغرب حتى انتهى إلى السوس الأدنى ثم تقدم إلى سبتة فصانعه صاحبها يليان الغماري بالهدايا وأذعن للجزية وكان نصرانيا فأقره عليها واسترهن ابنه وأبناء قومه على على الطاعة فلما رأى بقية البربر ما نزل بهم استأمنوا لموسى وبذلوا له الطاعة فقبل منهم وولى عليهم وقال ابن خلدون أيضا غزا موسى بن نصير طنجة وافتتح درعة وصحراء تافيلالت وأرسل ابنه إلى السوس فأذعن البربر لسلطانه وأخذ رهائن المصامدة فأنزلهم بطنجة وذلك سنة ثمان وثمانين وولى عليها طارق بن زياد الليثي قال وأنزل معه سبعة وعشرين ألفا من العرب واثني عشر ألفا من البربر وأمرهم ان يعلموا البربر القرآن والفقه قال ثم أسلم بقية البربرعلى يد إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر سنة إحدى ومائة أيام عبد العزيز رضي الله عنه اه
ولما استقرت القواعد لموسى بالمغرب كتب إلى طارق وهو بطنجة يأمره بغزو الأندلس فغزاها في اثني عشر ألفا من البربر وخلق يسير من العرب وعبر البحر من سبتة إلى الجزيرة الخضراء وصعد الجبل المنسوب إليه المعروف اليوم بجبل طارق يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة اثنتين وتسعين للهجرة وذكر عن طارق أنه كان نائما وقت العبور في المركب فرأى النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة يمشون على الماء حتى مروا به فبشره النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد ذكر ذلك ابن بشكوال وقال ابن خلدون في أخبار الأندلس إن أمة القوط ملكوا جزيرة الأندلس نحو أربعمائة سنة إلى أن جاء الله بالإسلام والفتح وكان ملكهم لذلك العهد يسمى لذريق وهو سمة ملوكهم كجرجير سمة ملوك صقلية وكانت لهم خطوة وراء البحر في هذه العدوة الجنوبية خطوها من زقاق البحر إلى بلاد البربر واستعبدوهم وكان ملك البربر بذلك القطر الذي هو اليوم جبال غمارة يسمى يليان وكان يدين بطاعتهم وبملتهم وموسى بن نصير أمير العرب إذ ذاك عامل بإفريقية من قبل الوليد بن عبد الملك ومنزله بالقيروان وكان قد أغزا لذلك العهد عساكر المسلمين بلاد المغرب الأقصى ودوخ أقطاره وأوغل في جبال طنجة حتى وصل إلى خليج الزقاق واستنزل يليان لطاعة الإسلام وخلف مولاه طارق بن زياد واليا بطنجة وكان يليان ينقم على لذريق ملك القوط بالأندلس فعلة فعلها زعموا بابنته الناشئة في داره على عادتهم في بنات بطارقتهم فغضب لذلك وأجاز إلى لذريق فأخذ ابنته منه ** شغب العبيد على السلطان المولى عبد الله وفراره ثانية إلى البربر لما كان شهر ربيع الأول من سنة أربع وخمسين ومائة وألف شغب العبيد على السلطان المولى عبد الله وهموا بخلعه والإيقاع به فنذرت بذلك أمه الحرة خناثى بنت بكار ففرت من مكناسة إلى فاس الجديد ومن الغد تبعها ابنها السلطان المولى عبد الله ونزل برأس الماء فخرج إليه الودايا وأهل فاس وأجلوا مقدمه واهتزوا له فاستعطفهم السلطان وقال لهم أنتم جيشي وعدتي ويميني وشمالي وأريد منكم أن تكونوا معي على كلمة واحدة وعاهدهم وعاهدوه ورجعوا وفي أثناء ذلك بلغه أن أحمد بن علي الريفي قد كاتب عبيد مشرع الرملة وكاتبوه واتفق معهم على خلع السلطان المولى عبد الله وبيعة أخيه المولى زين العابدين وكان يومئذ عنده بطنجة وأنهم وافقوه فوجم لها السلطان المولى عبد الله ثم استعجل أمر المولى زين العابدين ففر المولى عبد الله إلى بلاد البربر كما سيأتي إن شاء الله ** الخبر عن دولة أمير المؤمنين زين العابدين بن إسماعيل رحمه الله كان ابتداء أمر السلطان المولى زين العابدين أنه قدم مكناسة في أيام أخيه المولى المستضيء فلما سمع به أمر بسجنه قبل أن يجتمع به فسجن مدة ثم أمر يوما بإخراجه وضربه فضرب وهو في قيده ضربا وجيعا أشرف منه على الموت كما مر ومع ذلك فلم ينطق بكلمة ثم رده إلى السجن ثم أمر ببعثه مقيدا إلى سجلماسة كي يسجن بها مع بعض الأشراف المسجونين هنالك فلما سمع بذلك قواد رؤوسهم من العبيد بعثوا من رده من صفرو إلى فاس ومن هنالك بعثوا به إلى القائد أبي العباس أحمد الكعيدي ببني يازغة وأمروه أن يحتفظ به مكرما مبجلا ألفا فالتقوا بفحص شريش فهزمه الله ونفلهم أموال أهل الكفر ورقابهم وكتب طارق إلى موسى بالفتح والغنائم فحركته الغيرة وكتب إلى طارق يتوعده إن توغل بغير إذنه ويأمره أن لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به واستخلف على القيروان ولده عبد الله وخرج معه حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري ونهض من القيروان سنة ثلاث وتسعين في عسكر ضخم من وجوه العرب والموالي وعرفاء البربر فوافى خليج الزقاق ما بين طنجة والجزيرة الخضراء فأجاز إلى الأندلس وتلقاه طارق فانقاد واتبع ويقال إن موسى لما سار إلى الأندلس عبر البحر إليها من ناحية الجبل المنسوب إليه المعروف اليوم بجبل موسى وتنكب النزول على جبل طارق وتمم الفتح وتوغل في الأندلس إلى برشلونة في جهة الشرق وأربونة في الجوف وضم قادس في الغرب ودوخ أقطارها وجمع غنائمها وأجمع أن يأتي المشرق من ناحية القسطنطينية ويتجاوز إلى الشام دروب الأندلس ودروبه ويخوض إليه ما بينهما من بلاد الأعاجم وأمم النصرانية مجاهدا فيهم ومستلحما لهم إلى أن يلحق بدار الخلافة من دمشق ونمى الخبر إلى الخليفة الوليد فاشتد قلقه بمكان المسلمين من دار الحرب ورأى أن ما هم به موسى تغرير بالمسلمين فبعث إليه بالتوبيخ والانصراف وأسر إلى سفيره أن يرجع بالمسلمين إن لم يرجع هو وكتب له بذلك عهده ففت ذلك في عزم موسى وقفل عن الأندلس بعد أن أنزل الرابطة والحامية بثغورها واستعمل ابنه عبد العزيز لسدها وجهاد غدوها وأنزله بقرطبة فاتخذها دار إمارة واحتل موسى بالقيروان سنة خمس وتسعين وارتحل إلى المشرق سنة ست بعدها بما كان معه من الغنائم والذخائر والأموال على العجل والظهر يقال إن من جملتها ثلاثين ألف رأس من السبي وولى على إفريقية ابنه عبد الله واندرجت ولاية الأندلس يومئذ في ولاية المغرب فكان صاحب القيروان ناظرا في الجميع وقدم موسى على سليمان بن عبد الملك وقد ولي الخلافة بعد الوليد فسخطه ونكبه وثارت عساكر الأندلس بابنه عبد العزيز فقتلوه لسنتين من ولايته بإغراء الخليفة سليمان وكان خيرا فاضلا وافتتح في ولايته مدائن كثيرة وكان الذي تولى قتله حبيب بن أبي عبيدة الفهري وكان سبب غضب سليمان على موسى أنه لما توجه إلى المشرق وانتهى إلى مصر وصل أشرافها وفقهاءها وبلغة الخبر بمرض الوليد ووافاه كتابه يستحثه على القدوم ووافاه كتاب آخر من أخيه سليمان يثبطه فأسرع موسى اللحاق بالوليد فقدم عليه قبل وفاته بثلاثة أيام ودفع إليه ما معه من الذخائر والأموال فغاظ ذلك سليمان وأساء مكافأته حين أفضى الأمر إليه فنكبه ونكب آل بيته أجمع وكانت وفاة موسى رحمه الله بالمدينة المنورة سنة ثمان وتسعين وقيل غير ذلك قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد القيرواني ارتدت البربر اثنتي عشرة مرة من طرابلس إلى طنجة ولم يستقر إسلامهم حتى عبر موسى بن نصير البحر إلى الأندلس وأجاز معه كثيرا من رجالات البربر برسم الجهاد فاستقروا هنالك فحينئذ استقر الإسلام بالمغرب وأذعن البربر لحكمه وتناسوا الردة ثم نبضت فيهم عروق الخارجية بعد على ما نذكره
ولاية محمد بن يزيد على المغرب
لما ارتحل موسى بن نصير إلى المشرق ونكبه الخليفة سليمان كما قلنا عزل ابنه عبد الله عن المغرب وولى مكانه محمد بن يزيد مولى قريش ويقال مولى الأنصار فقدم القيروان سنة سبع وتسعين وكان سليمان قد أمره باستئصال آل موسى بن نصير واصطلام نعمتهم فأتى على ذلك ثم لما قتل أهل الأندلس أميرهم عبد العزيز بن موسى ولوا عليهم أيوب بن حبيب اللخمي وهو ابن أخت موسى فوجه محمد بن يزيد الحر بن عبد الرحمن بن عثمان الثقفي واليا من قبله على الأندلس فقدمها واستقر أميرا بها سنتين وثمانية أشهر قالوا وكان محمد بن يزيد هذا عادلا حسن السيرة قاتل المخالفين بثغور المغرب وغنم وسبى ولم يزل واليا عليه حتى مات سليمان فكانت ولايته سنتين وأشهرا والله أعلم
ولاية إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر على المغرب
لما توفي سليمان بن عبد الملك رحمه الله وولي الخلافة بعده عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه استعمل على المغرب إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر مولى بني مخزوم فقدم القيروان سنة مائة وكان خير أمير وخير وال ولم يزل حريصا على دعاء البربر إلى الإسلام حتى تم إسلامهم على يده وبث فيهم من فقههم في دينهم وذكر أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم في تاريخ إفريقية أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أرسل عشرة من التابعين يفقهون أهل المغرب في الدين منهم حبان بن أبي جبلة ولما توفي عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومائة وبويع يزيد بن عبد الملك وجه يزيد بن أبي مسلم الثقفي واليا على المغرب على ما نذكره
ولاية يزيد بن أبي مسلم على المغرب
هو يزيد بن أبي مسلم دينار مولى الحجاج بن يوسف الثقفي الظالم المشهور وكان يزيد هذا كاتبه وصاحب شرطته قال ابن خلكان كانت فيه كفاية ونهضة قدمه الحجاج بسببهما وكان من خبره أن الحجاج لما حضرته الوفاة استخلف يزيد هذا على خراج العراق فأقره الوليد بن عبد الملك واغتبط به وقال ما مثلي ومثل الحجاج وابن أبي مسلم بعده إلا كرجل ضاع منه درهم فوجد دينارا ولما مات الوليد وولي بعده أخوه سليمان عزل ابن أبي مسلم وأمر به فأحضر بين يديه في جامعة وكان رجلا قصيرا دميما قبيح الوجه عظيم البطن تحتقره العين فلما نظر إليه سليمان قال أنت يزيد بن أبي مسلم قال نعم اصلح الله أمير المؤمنين قال لعن الله من أشركك في أمانته وحكمك في دينه قال لا تفعل يا أمير المؤمنين فإنك رايتني والأمر عني مدبر ولو رأيتني والأمر علي مقبل لاستعظمت ما استصغرت ولاستجللت ما احتقرت فقال سليمان قاتله الله فما أربط جاشه وأعضب لسانه ودارت بينه وبين سليمان محاورات غير هذه ثم كشف عنه فلم يجد عليه خيانة فهم باستكتابه فقال عمر بن عبد العزيز أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تحيي ذكر الحجاج باستكتاب كاتبه فقال إني كشفت عنه فلم أجد عليه خيانة يا أبا حفص فقال عمر أنا أوجدك من هو أعف عن الدينار والدرهم منه فقال سليمان من هو قال إبليس ما مس دينارا ولا درهما قط وقد أهلك هذا الخلق فتركه سليمان وحدث جويرية بن أسماء أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة بلغه أن يزيد بن أبي مسلم خرج في جيش من جيوش المسلمين فكتب إلى عامل الجيش برده وقال إني لأكره أن أستنصر بجيش هو فيهم فلما توفي عمر رضي الله عنه وأفضت الخلافة إلى يزيد بن عبد الملك عزل إسماعيل بن عبيد الله عن المغرب وولى مكانه يزيد بن أبي مسلم فأساء السيرة قالوا ووجه عنبسة بن سحيم الكلبي واليا من قبله على الأندلس فاستقام على يده أمرها ثم ثار أهل المغرب بابن أبي مسلم فقتلوه سنة ثنتين ومائة لشهر من ولايته قال الطبري وكان سبب ذلك أنه كان قد عزم أن يسير في أهل المغرب بسيرة الحجاج في أهل العراق فإن الحجاج كان وضع الجزية على رقاب الذين أسلموا من أهل السواد وأمر بردهم إلى قراهم ورساتيقهم على الحالة التي كانوا عليها قبل الإسلام فلما عزم يزيد على ذلك تآمر البربر فيه وأجمعوا على قتله فقتلوه وولوا عليهم محمد بن يزيد الذي كان قبله فيما ذكره الطبري وكان غازيا بصقلية فلما قدم بمغانمه ولوه أمرهم وقال ابن عساكر ولوا بعده إسماعيل بن عبيد الله والله أعلم ثم كتب أهل المغرب إلى الخليفة يزيد إنا لم نخلع يدا من طاعة ولكن يزيد بن أبي مسلم سامنا ما لا يرضى به الله ورسوله فقتلناه وأعدنا عاملك فكتب إليهم يزيد إني لم أرض ما صنع ابن أبي مسلم وأقر محمد بن يزيد على المغرب وذلك في سنة اثنتين ومائة كما قلنا وحدث الوضاح بن أبي خيثمة وكان حاجب عمر بن عبد العزيز قال أمرني عمر بن العزيز يعني في مرض موته بإخراج قوم من السجن وفيهم يزيد بن أبي مسلم فأخرجتهم وتركته فحقد علي فلما مات عمر هربت إلى أفريقية خوفا منه قال فبينا أنا بإفريقية إذ قيل قدم ابن أبي مسلم واليا فاختفيت فأعلم بمكاني وأمر بي فحملت إليه فلما رآني قال طالما سألت الله أن يمكنني منك فقلت وأنا والله لطالما سألت الله أن يعيذني منك فقال ما أعاذك الله والله لأقتلنك ولو سابقني فيك ملك الموت لسبقته ثم دعا بالسيف والنطع فأتي بهما وأمر بالوضاح فأقيم عليه مكتوفا وقام السياف وراءه ثم أقيمت الصلاة فتقدم يزيد إليها فلما سجد أخذته السيوف ودخل على الوضاح من قطع كتافه وأطلقه فسبحان اللطيف الخبير