ولاية بشر بن صفوان على المغرب
لما كتب أهل المغرب إلى الخليفة يزيد بن عبد الملك بما كان منهم إلى ابن أبي مسلم وما اعتذروا به في شأنه أقر عليهم محمد بن يزيد أو إسماعيل بن عبيد الله على الخلاف المتقدم ما شاء الله ثم ولى عليهم بشر بن صفوان الكلبي وكان واليا على مصر فقدم القيروان سنة ثلاث ومائة فمهد المغرب وسكن أرجاءه واستصفى بقايا آل موسى بن نصير ثم وفد على يزيد بن عبد الملك فوجده قد مات وبويع هشام بن عبد الملك فرده هشام إلى عمله من المغرب فاستقر بالقيروان واستدعى منه أهل الأندلس واليا يقوم بأمرهم وذلك بعد مقتل عنبسة بن سحيم الكلبي شهيدا في بعض غزوات الفرنج فولى عليهم يحيى بن سلمة الكلبي فقدم الأندلس آخر سنة سبع ومائة فأصلح شأنها ثم غزا بشر بن صفوان صقلية بنفسه سنة تسع ومائة فأصاب سبيا كثيرا ورجع إلى القيروان منصورا فكانت منيته عقب ذلك
ولاية عبيدة بن عبد الرحمن على المغرب
لما توفي بشر بن صفوان وانتهى الخبر إلى الخليفة هشام بن عبد الملك ولى على المغرب عبيدة بن عبد الرحمن السلمي وهو ابن أخي أبي الأعور السلمي وقيل ابن ابنه فقدم القيروان سنة عشر ومائة ونظر في أمر المغرب والأندلس معا وولى من قبله على الأندلس ولاة أربعة واحدا بعد واحد وهم عثمان بن أبي نسعة الخثعي وحذيفة بن الأحوص القيسي والهيثم بن عبيد الكلابي ومحمد بن عبد الله الأشجعي وكان عبيدة بن عبد الرحمن قد أخذ عمال بشر بن صفوان قبله وعذبهم فكتب بعضهم بذلك إلى الخليفة هشام فعزله لأربع سنين وستة أشهر من ولايته
ولاية عبيد الله بن الحبحاب على المغرب
عبيد الله هذا هو مولى بني سلول وكان رئيسا نبيلا وأميرا جليلا وخطيبا مصقعا ولاه هشام بن عبد الملك على المغرب بعد عزل عبيدة بن عبد الرحمن عنه وأمره أن يمضي إليه من مصر فاستخلف عبيد الله على مصر ابنه أبا القاسم وسار إلى المغرب فقدم القيروان في ربيع الآخر سنة أربع عشرة ومائة واستعمل عمر بن عبيد الله المرادي على طنجة والمغرب الأقصى واستعمل ابنه إسماعيل بن عبيد الله معه على السوس وما وراءه واستعمل على الأندلس عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي فكانت له في الفرنجة وقائع وأصيب جيشه في رمضان من السنة المذكورة في موضع يعرف ببلاط لشهداء وبه عرفت الغزوة ثم ولى عبيد الله على الأندلس عبد الملك بن قطن الفهري ثم بعده عقبة بن الحجاج السلولي فكان محمود السيرة وتمكن سلطان عبيد الله بالمغرب وبنى جامع الزيتونة بتونس لكن صحح صاحب المؤنس أن أول مختط للجامع المذكور حسان بن النعمان وتممه عبيد الله هذا واتخذ بها دار صناعة لإنشاء المراكب البحرية ثم بعث حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري غازيا أرض المغرب فانتهى إلى السوس الأقصى وقاتل مسوفة ثم تخطاهم إلى تخوم السودان وأصاب من مغانم الذهب والفضة والسبي شيئا كثيرا ودوخ بلاد البربر وقبائلها ورجع ثم أغزاه ثانية جزيرة صقلية فركب البحر إليهم سنة اثنتين وعشرين ومائة ومعه ابنه عبد الرحمن بن حبيب فنازل سرقوسة أعظم مدن صقلية وضرب على أهلها الجزية وأثخن في سائر الجزيرة وكان عمر بن عبيد الله في هذه المدة بطنجة قد أساء السيرة في برابرة المغرب الأقصى وأراد أن يخمس من أسلم منهم وزعم أنه الفيء فنفرت قلوب البربر عنه وأحسوا بأنهم طعمة للعرب وثقلت عليهم وطأة عمال ابن الحبحاب جملة بما كانوا يطالبونهم به من الوظائف البربرية مثل الإدم العسلية الألوان وأنواع طرف المغرب فكانوا يتغالون في جمع ذلك وانتخابه حتى كانت الصرمة من الغنم تهلك ذبحا لاتخاذ الجلود العسلية من سخالها ولا يوجد فيها مع ذلك إلا الواحد وما قرب منه فكثر عيثهم بذلك في أموال البربر فأجمعوا الانتقاض وبلغهم مسير العساكر مع حبيب بن أبي عبيدة إلى صقلية فجرأهم ذلك على مرادهم وثار ميسرة المضغري بأحواز طنجة على ما نذكره وكانت بدعة الخارجية يومئذ قد سرت في البربر وتلقنها رؤوسهم عن عرب العراق الساقطين إلى المغرب نزعوا بها إلى الأطراف داعين أغمار الأمم إليها عسى أن تكون لهم دولة فاستحكمت صبغتها في طغام البربر ووشجت فيهم عروقها فكان ذلك من أقوى البواعث والأسباب في خرق حجاب الهيبة على الخلفاء وانتقاض البربر على العرب ومزاحمتهم لهم في سلطانهم ولنذكر هنا أصل الخوارج وفرقهم على الجملة ثم نعود إلى موضوعنا الذي كنا فيه فنقول قد تقدم لنا في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما كان من أمر التحكيم وما نشأ عنه من خروج طائفة من القراء عليه وقالوا حكمت الرجال في دين الله ولا حكم إلا لله وأن عليا رضي الله عنه استأصلهم بالنهروان فقال له بعض أصحابه قد قطع الله دابرهم آخر الدهر فقال علي رضي الله عنه والذي نفسي بيده إنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء لا تخرج خارجة إلا خرجت بعدها مثلها فصدق الله قول علي ونبغت منهم طوائف بالعراق وغيره وتكرر خروجهم على الخلفاء وشرى داؤهم وأعيى دواؤهم وتعددت فرقهم ومذاهبهم قال ابن خلدون افترقت الخوارج على أربع فرق الأولى الأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق الحنفي وكان رأيه البراءة من سائر المسلمين وتكفيرهم والاستعراض يعني القتل من غير سؤال عن حال أحد وقتل الأطفال واستحلال الأمانة لأنه يراهم كفارا الثانية النجدية ويقال لهم النجدات أصحاب نجدة بن عامر الحنفي وهو بخلاف الأزارقة في ذلك كله الثالثة الإباضية أصحاب عبد الله بن أباض التميمي ثم الصريمي وهم يرون أن المسلمين كلهم يحكم لهم بحكم المنافقين فلا ينتهون إلى الرأي الأول ولا يقفون عند الثاني ولا يحرمون مناكحة المسلمين ولا موارثتهم وهم عندهم كالمنافقين ومن هؤلاء البيهسية أصحاب أبي بيهس هيصم بن جابر الضبعي
الرابعة الصفرية وهم موافقون للإباضية إلا في القعدة يعني الذين يقعدون عن القتال معهم فإن الإباضية أشد على القعدة منهم وربما تشعبت هذه الآراء بعد ذلك واختلف في تسمية الصفرية فقيل نسبوا إلى عبد الله بن صفار الصريمي وقيل اصفروا بما نهكتهم العبادة وفي القاموس الصفرية بالضم وبكسر قوم من الحرورية نسبوا إلى عبد الله بن صفار بن ككتان أو إلى زياد بن الأصفر أو إلى صفرة ألوانهم أو لخلوهم من الدين اه وقد كانت الخوارج من قبل هذا الافتراق على رأي واحد لا يختلفون إلا في الشاذ من الفروع وفي أصل افتراقهم مكاتبات بين نافع بن الأزرق وأبي بيهس وعبد الله بن أباض ذكرها المبرد في الكامل فلتنظر هنالك وكانت خوارج المغرب إباضية وصفرية فلما كانت ولاية عبيد الله بن الحبحاب ونال عماله من البربر ما نالوا من الجور والعسف انتقضوا عليه وثار ميسرة المضغري المعروف بالخفير بأحواز طنجة ومضغرة بطن من بني فاتن بن تامضيت بن ضرى بن زجيك بن مادغيس الأبتر وكانوا على رأي الصفرية وكان شيخهم ميسرة المذكور مقدما في ذلك المذهب فحمل البربر على الخروج عن الطاعة وزحف إلى عمر بن عبيد الله بطنجة فقتله سنة اثنتين وعشرين ومائة وولى عليها من قبله عبد الأعلى بن جريج الإفريقي رومي الأصل ومولى للعرب كان إمام الصفرية في انتحال مذهبهم فقام بأمرهم مدة ثم تقدم إلى السوس فقتله عاملها إسماعيل بن عبيد الله وكان ميسرة لما استولى على طنجة والمغرب الأقصى قد بايعه البربر بالخلافة وخاطبوه بأمير المؤمنين إذ الخوارج لا يشترطون في الإمام الأعظم القريشية محتجين بقوله صلى الله عليه وسلم ( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ) وهو مؤول واضطرم المغرب نارا وفشت نحلة الخارجية في جميع قبائله وانتقض أمره على خلفاء المشرق فلم يراجع طاعتهم بعد ثم إن ابن الحبحاب بعث إلى ميسرة خالد بن حبيب الفهري فيمن كان قد بقي عنده من الجيش واستقدم أباه حبيب بن أبي عبيدة من صقلية فقدم فيمن معه من عساكر المسلمين وبعثه في أثر خالد ونهض إليهم ميسرة في جموع البربر فلقيهم بأحواز طنجة فاقتتلوا قتالا شديدا ثم تحاجزوا ورجع ميسرة إلى طنجة فساءت سيرته في البربر ونقموا عليه ما جاء به فقتلوه وولوا عليهم مكانه خالد بن حميد الزناتي قال ابن عبد الحكم هو من هتورة إحدى بطون زناتة فقام بأمرهم واجتمع إليه البربر فزحف إلى العرب وسرح إليه ابن الحبحاب عساكر الخليفة هشام بن عبد الملك وعلى مقدمتها خالد بن حبيب الفهري فكان اللقاء على وادي شلف فانهزم المسلمون وقتل خالد بن حبيب ووجوه من معه من العرب فسميت الوقعة وقعة الأشراف وانتقض المغرب على ابن الحبحاب من سائر جهاته وبلغ الخبر إلى أهل الأندلس فعزلوا عامله عقبة بن الحجاج السلولي وولوا عليهم عبد الملك بن قطن الفهري ومرج أمر الناس وانتهى الخبر بذلك كله إلى الخليفة هشام بدمشق فعزل ابن الحبحاب عن المغرب وقال صاحب الخلاصة لما اختلت الأمور على ابن الحبحاب اجتمع الناس وعزلوه فبلغ ذلك هشاما فغضب وكتب إلى ابن الحبحاب بالقدوم فخرج في جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين ومائة والله أعلم
ولاية كلثوم بن عياض على المغرب ومقتله
لما انتهى إلى الخليفة هشام ما كان من أمر خوارج البربر بالمغرب والأندلس وخلعهم للطاعة شق ذلك عليه واستضعف ابن الحبحاب فكتب إليه يستقدمه وولى على المغرب كلثوم بن عياض القشيري ووجه معه جيشا كثيفا لقتالهم كان فيه مع ما انضاف إليه من مجموع البلاد التي مر بها سبعون ألفا على ما قيل ولما انتهى كلثوم إلى القيروان أساء السيرة في أهلها فكتبوا إلى حبيب بن أبي عبيدة وهو يومئذ بتلمسان مواقف للبربر يشكون منه إليه وكان لآل عقبة بالمغرب وجاهة لم تكن لغيرهم فكتب إليه حبيب ينهاه ويتوعده فاعتذر كلثوم وأغضى له عليها ثم استخلف على القيروان عبد الرحمن بن عقبة وسار يؤم المغرب في جموعه وعلى مقدمته ابن أخيه بلج بن بشر القشيري فمر على طريق سبتة وانتهى إلى تلمسان فلقي حبيب بن أبي عبيدة فاقتتلا ثم اصطلحا وزحفا جميعا إلى المغرب الأقصى فنهضت إليهم البربر وكان اللقاء على وادي سبو من أعمال طنجة وقال ابن خلدون في أخبار البربر إن الخليفة هشام ولى كلثوم بن عياض على المغرب سنة ثلاث وعشرين ومائة سرحه في اثني عشر ألفا من أهل الشام وكتب إلى ثغور مصر وبرقة وطرابلس أن يمدوه فزحف إلى إفريقية ثم إلى المغرب حتى بلغ وادي سبو فبرز إليه خالد بن حميد الزناتي فيمن معه من البربر وكانوا خلقا لا يحصون فلقوا كلثوم بن عياض بعد أن هزموا مقدمته فاشتد القتال بينهم وقتل كلثوم وحبيب بن أبي عبيدة وكثير من الجند وافترقت العساكر فمضى أهل الشام إلى الأندلس مع بلج بن بشر ومضى أهل مصر وإفريقية إلى القيروان وما ذكره أن خالد بن حميد هو الذي هزم جيوش كلثوم في هذه الوقعة هو مقتضى ما سبق من أن ميسرة قتل في ولاية عبيد الله بن الحبحاب وجزم ابن حيان بأن الذي هزم جيوش كلثوم هو ميسرة الخفير واقتصر عليه ابن خلدون في أخبار بني فاتن قال انتهت مقدمة كلثوم بن عياض إلى سبو من أعمال طنجة فلقيه البربر هنالك مع ميسرة وقد فحصوا عن أوساط رؤوسهم وتنادوا بشعار الخارجية فهزموا مقدمته ثم هزموه وقتلوه وكان كيدهم في لقائهم إياه أن ملؤوا الشنان بالحجارة وربطوها في أذناب الخيل ثم أرسلوها في جيش العرب فكانت الحجارة تقعقع في شنانها وخيل العرب تنفر حتى اختل مصافهم وتمت الهزيمة عليهم فافترقوا وذهب بلج مع الطلائع من أهل الشام إلى سبتة ورجع أهل مصر وإفريقية إلى القيروان وظهرت الخوارج في كل جهة واقتطع المغرب عن طاعة الخلفاء إلى أن هلك ميسرة وقام برياسة مضغرة من بعده يحيى بن حارث منهم اه كلام ابن خلدون فاضطرب النقل في هذه الواقعة كما ترى والله أعلم بالصواب قال ابن حيان إن كلثوم بن عياض لما انهزمت جيوشه نجا جريحا إلى سبتة في أهل الشام ومعه ابن أخيه بلج بن بشر بن عياض وحاصرهم البربر بها ولما اشتد حصارهم بسبتة وانقطعت عنهم الأقوات وبلغوا من الجهد الغاية استغاثوا بإخوانهم من عرب الأندلس فتثاقل عنهم صاحبها عبد الملك بن قطن لخوفه على سلطانه منهم فلما شاع خبر ضررهم عند رجالات العرب اشفقوا عليهم فأغاثهم زياد بن عمرو اللخمي بمركبين مشحونين ميرة أمسكت من أرماقهم فلما بلغ ذلك عبد الملك بن قطن ضربه سبعمائة سوط ثم اتهمه بعد ذلك بتضريب الجند عليه فسمل عينيه ثم ضرب عنقه وصلب عن يساره كلبا واتفق في هذا الوقت أن برابرة الأندلس لما بلغهم ما كان من ظهور برابرة العدوة على العرب انتقضوا على عرب الأندلس واقتدوا بما فعله إخوانهم بالمغرب وتفطنوا لما كانوا غافلين عنه قبل ذلك من الخلاف على العرب ومزاحمتهم في سلطانهم وأصل ذلك كله النزعة الخارجية فاستفحل أمرهم بالأندلس وكثر إيقاعهم بجيوش ابن قطن فخاف أن يلقى منهم ما لقيه العرب بالمغرب من إخوانهم وبلغه أنهم قد عزموا على قصده فلم ير أجدى له من الإستعداد بصعاليك عرب الشام أصحاب بلج الموتورين بسبتة فكتب إلى بلج وقد مات عمه كلثوم فأسرعوا إلى إجابته وكانت تلك أمنيتهم فأحسن إليهم وأسبغ النعمة عليهم وشرط عليهم أن يقيموا عنده سنة واحدة حتى إذا فرغوا له من البربر انصرفوا إلى مغربهم وخرجوا له عن أندلسه فرضوا بذلك وعاهدوه وأخذ منهم الرهائن عليه ثم قدم عليهم ابنيه قطنا وأمية والبربر في جموع لا يحصيها غير رازقها فاقتتلوا قتالا صعب فيه المقام إلى أن كانت الدبرة على البربر فقتلهم العرب بأقطار الأندلس حتى ألحقوا فلهم بالثغور وخفوا عن العيون فكر الشاميون وقد امتلأت أيديهم من الغنائم فاشتدت شوكتهم وثابت همتهم وبطروا ونسوا العهود وطالبهم ابن قطن بالخروج عن الأندلس فتعللوا عليه وذكروا صنيعه بهم أيام انحصارهم بسبتة وقتله الرجل الذي أغاثهم بالميرة فخلعوه وقدموا على أنفسهم أميرهم بلج بن بشر وتبعه جند بن قطن وأغروه بقتله فأبى فثارت اليمانية وقالوا قد حميت لمضرك والله لا نطيعك فلما خاف تفرق الكلمة أمر بابن قطن فأخرج إليهم وهو شيخ كبير كفرخ نعامة قد شهد وقعة الحرة بالمدينة فجعلوا يسبونه ويقولون له أفلت من سيوفنا يوم الحرة ثم طالبتنا بتلك الترة فعرضتنا لأكل الكلاب والجلود وحبستنا بسبتة محبس الضنك حتى أمتنا جوعا فقتلوه وصلبوه في ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين ومائة وصلبوا عن يمينه خنزيرا وعن يساره كلبا واستولى بلج على الأندلس وكانت خطوب يطول ذكرها والله ولي العون والتوفيق
ولاية حنظلة بن صفوان على المغرب
لما سمع الخليفة هشام بما جرى على كلثوم وأصحابه قامت قيامته فوجه حنظلة بن صفوان الكلبي وهو أخو بشر بن صفوان المتقدم واليا على المغرب فقدم القيروان سنة أربع وعشرين ومائة فوجد هوارة وهم ولد هوار بن أوريغ بن برنس خوارج على الدولة ورئيساهم عكاشة بن أيوب الفزاري وعبد الواحد بن يزيد الهواري وكانا على مذهب الصفرية فلما استقر حنظلة بالقيروان لم يلبث إلا يسيرا حتى زحف إليه عكاشة وعبد الواحد في هوارة ومن تبعهم من البربر فخرج إليهم حنظلة والتقوا على القرن من ظاهر القيروان فهزمهم بعد قتال صعب واستلحمهم وقتل عبد الواحد وأخذ عكاشة أسيرا ولما جيء إليه بعكاشة في رمته وبرأس عبد الواحد سجد شكرا لله تعالى على ما منحه من الفتح وأمر بعكاشة فقتل وأحصيت القتلى في ذلك اليوم فكانوا مائة وثمانين ألفا وكتب حنظلة بذلك إلى الخليفة هشام وسمعها الليث بن سعد فقال ما غزوة كنت أحب أن أشهدها بعد غزوة بدر أحب إلي من غزوة القرن والأصنام ثم وجه حنظلة أبا الخطار حسام بن ضرار الكلبي واليا من قبله على الأندلس فركب إليها البحر من تونس سنة خمس وعشرين ومائة فدان له أهل الأندلس واستقام أمره بها حينا من الدهر ثم ثار عليه الصميل بن حاتم الكلبي وخلعه في خبر طويل ولم يزل حنظلة على المغرب في أحسن حال إلى أن طرق الخلل الخلافة بالمشرق وخفت صوتها لما حدث في بني أمية من فتنة الوليد الفاسق وما كان من أمر الشيعة والخوارج مع مروان الحمار آخر خلفائهم وأفضى الأمر إلى الإدالة منهم ببني العباس فأجاز عبد الرحمن بن حبيب الفهري من الأندلس إلى المغرب وغلب حنظلة عليه سنة ست وعشرين ومائة على ما نذكره
ذكر صالح بن طريف البرغواطي المتنبي ومخرقته
وفي هذا التاريخ كان ظهور صالح بن طريف البرغواطي الذي ادعى النبوة بتامسنا من بلاد المغرب الأقصى على ساحل البحر المحيط فيما بين سلا وآسفي وبرغواطة بطن من المصامدة على ما حققه ابن خلدون وكان أبوه طريف يكنى أبا صبيح وكان من قواد ميسرة الخفير القائم بدعوة الصفرية ولما انقرض أمر ميسرة بقي طريف قائما بأمر برغواطة بتامسنا ويقال إنه تنبأ أيضا وشرع لهم الشرائع ثم هلك وولى مكانه ابنه صالح هذا وقد كان شهد مع أبيه حروب ميسرة قال ابن خلدون وكان من أهل العلم والخير ثم انسلخ من آيات الله وانتحل دعوى النبوة وشرع لهم الديانة التي كانوا عليها من بعده وهي معروفة في كتب المؤرخين قال في القرطاس كان الضلال الذي شرع لهم أنهم يقرون بنبوته وأنهم يصومون شهر رجب ويأكلون شهر رمضان وفرض عليهم عشر صلوات خمسا بالليل وخمسا بالنهار وأن الأضحية واجبة على كل شخص في الحادي والعشرين من المحرم وشرع لهم في الوضوء غسل السرة والخاصرتين وأمرهم أن لا يغتسلوا من جنابة إلا من حرام وصلاتهم إيماء لا سجود فيها لكنهم يسجدون في آخر ركعة خمس سجدات ويقولون عند تناول الطعام والشراب باسمك يا كساي وزعم أن تفسيره بسم الله وأمرهم أن يخرجوا العشر من جميع الثمار وأباح لهم أن يتزوج الرجل من النساء ما شاء ولا يتزوج من بنات عمه ويطلقون ويراجعون ألف مرة في اليوم فلا تحرم عليهم المرأة بشيء من ذلك وأمرهم بقتل السارق حيث وجد وزعم أنه لا يطهره من ذنبه إلا السيف وأن الدية تكون من البقر وحرم عليهم رأس كل حيوان والدجاجة مكروه أكلها وقدوتهم في الأوقات الديكة وحرم عليهم ذبحها وأكلها ومن ذبح ديكا أو أكله أعتق رقبة وأمرهم أن يلحسوا بصاق ولاتهم على سبيل التبرك فكان يبصق في أكفهم فيلحسونه ويحملونه إلى مرضاهم يستشفون به ووضع لهم قرآنا يقرؤونه في صلواتهم ويتلونه في مساجدهم وزعم أنه نزل عليه وأنه وحي من الله تعالى إليه ومن شك في ذلك فهو كافر والقرآن الذي شرع لهم ثمانون سورة سماها لهم بأسماء النبيين وغيرهم منها سورة آدم وسورة نوح وسورة فرعون وسورة موسى وسورة هارون وسورة بني إسرائيل وسورة الأسباط وسورة أيوب وسورة يونس وسورة الجمل وسورة الديك وسورة الحجل وسورة الجراد وسورة هاروت وماروت وسورة إبليس وسورة الحشر وسورة غرائب الدنيا وفيها العلم العظيم بزعمهم حرم فيها وحلل وشرع وفصل وتسمى فيهم بصالح المؤمنين وقال أنا صالح المؤمنين الذي ذكره الله في كتابه الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم كما حكاه البكري عن زمور بن صالح الوافد منهم على الحكم المستنصر الخليفة بقرطبة من قبل ملكهم يومئذ أبي منصور عيسى بن أبي الأنصار سنة ثنتين وخمسين وثلاثمائة وكان يترجم عنه بجميع خبره داود بن عمر المسطاسي قال وكان ظهور صالح هذا في خلافة هشام بن عبد الملك سنة سبع وعشرين ومائة وقد قيل إن ظهوره كان لأول الهجرة وأنه انتحل ذلك عنادا ومحاكاة لما بلغه من شأن النبي صلى الله عليه وسلم والأول أصح ثم زعم أنه المهدي الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان وأن عيسى يكون صاحبه ويصلي خلفه وأن اسمه في اللسان العربي صالح وفي السرياني مالك وفي العجمي عالم وفي العبراني روبيل وفي البربري واربا ومعناه الذي ليس بعده نبي ثم خرج إلى المشرق بعد أن ملكهم سبعا وأربعين سنة ووعدهم أنه يرجع إليهم في دواة السابع منهم وأوصى بنيه بالتمسك بدينه فتوارثوا ضلاله من بعده إلى أواسط المائة الخامسة وكان للدول فيهم ملاحم إلى أن جاءت دولة المرابطين فمحوا أثر بدعتهم وسنعيد القول فيهم بأبسط من هذا عند الوصول إليها إن شاء الله
الخبر عن تغلب آل عقبة بن نافع على المغرب وولاية عبد الرحمن بن حبيب منهم
كان عقبة بن نافع الفهري رضي الله عنه واليا على المغرب كما مر وهو الذي افتتح الأقصى منه ولما استشهد بالزاب بقي بنوه به فكانت لهم وجاهة معروفة بين أهله لمكان أبيهم عقبة من جهاد العدو وما فتح الله على يده من الأقطار واختطاطه مدينة القيروان إلى هي كرسي الإمارة فكان ما منح الله أهل المغرب من الإسلام والدين كله في صحيفته فنالوا بذلك شرفا خاصا زيادة على شرف القرشية وعز الفهرية فكان يكون لهم الشفوف في بعض الأحيان حتى على الولاة فضلا عن غيرهم وقد تقدم لنا في أخبار موسى بن نصير أنه استعمل ابنه عبد العزيز على الأندلس فثار عليه حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع وقتله بإغراء سليمان بن عبد الملك وتقدم أيضا ما كان منه إلى كلثوم بن عياض عند قدومه القيروان من التوعد حتى أدى ذلك إلى مقاتلتهما ولما قتل حبيب هذا في وقعة كلثوم المتقدمة كان ابنه عبد الرحمن بن حبيب صاحب الترجمة في جملة أصحاب بلج الناجين إلى سبتة ولما قتل أصحاب بلج عبد الملك بن قطن الفهري وصلبوه كما مر فارقهم عبد الرحمن هذا لما صنعوا بابن عنه وعزم على الطلب بدمه فاجتمع إليه نحو مائة ألف من عرب الأندلس وبربرها وعمد إلى بلج فقتله في خبر طويل ثم حاول عبد الرحمن التغلب على الأندلس فلما قدم أبو الخطار واليا عليها من قبل حنظلة بن صفوان أيس منها وركب البحر إلى المغرب فاحتل بتونس في جمادى الأولى سنة ست وعشرين ومائة وقد توفي هشام وولي الخلافة بعده الوليد بن يزيد الفاسق فدعا عبد الرحمن أهل تونس إلى نفسه فأجابوه وبلغ ذلك حنظلة صاحب القيروان فكره قتال المسلمين وسفك دمائهم فبعث إليه جماعة من وجوه الجند يدعونه إلى الطاعة فلما وصلوا إليه انتهز الفرصة وأوثقهم في الحديد وأقبل بهم إلى القيروان فيمن اجتمع إليه وأرسل إلى أوليائهم يحذرهم قتاله ويقول إن رميتم ولو بحجرة قتلت من في يدي فأحجموا عنه ضنا بأشرافهم عن القتل وعلم بذلك حنظلة فارتحل إلى المشرق سنة سبع وعشرين ومائة ودخل عبد الرحمن القيروان فتمكن منها واستولى على المغرب وهو أول متغلب عليه قالوا ولما ولي مروان بن محمد المعروف بالحمار الخلافة بعث إليه بعهده وكان أمر البربر يومئذ قد تفاقم وداء الخارجية قد أعضل ورؤوسها قد نبغت في كل جهة فانتقضوا من أطراف البقاع وتواثبوا على الأمر بكل مكان داعين إلى بدعتهم وتولى كبر ذلك منهم صنهاجة فإنهم التفوا على كبيرهم ثابت الصنهاجي وتغلبوا على باجة وثارت هوارة بطرابلس ملتفين على رئيسهم عبد الجبار والحارث وغير هؤلاء وكانوا على مذهب الإباضية فقتلوا عامل طرابلس بكر بن عيسى القيسي لما خرج يدعوهم إلى السلم وعظم الخطب فزحف إليهم عبد الرحمن بن حبيب سنة إحدى وثلاثين ومائة فظفر بالصنهاجي والهواري وقتلهما وقل جموعهما ثم زحف إلى عروة بن الوليد الصفري وكان قد ثار بتونس فقتله واستأصل الثوار وانقطع أمر الخوارج من إفريقية ثم زحف سنة خمس وثلاثين ومائة إلى جموع من البربر وكانوا قد تجمعوا بنواحي تلمسان فظفر بهم وفل جمعهم ورجع ثم أغزى جيشا في البحر إلى صقلية وآخر إلى سردانية فأثخنوا في أمم الفرنج حتى أذعنوا للجزية ودوخ عبد الرحمن أرض المغرب وأذل المعاندين إلى أن كان ما نذكره وأما أهل الأندلس فإنهم كانوا قد خلعوا أبا الخطار وولوا عليهم ثوبة بن سلامة الجذامي قال ابن بشكوال لما اتفقوا عليه خاطبوا بذلك عبد الرحمن بن حبيب فكتب إليه بعهده وذلك سلخ رجب سنة سبع وعشرين ومائة فضبط البلاد واستمر واليا سنتين أو نحوهما ثم هلك وولى أهل الأندلس عليهم يوسف بن عبد الرحمن بن حبيب وهو ابن صاحب الترجمة ذكر الرازي أن مولده كان بالقيروان وأنه لما استولى أبوه على المغرب خرج يوسف هذا مغاضبا له لأمر اقتضى ذلك فقدم الأندلس واستوطنها وساد بها فأقامه أهلها واليا عليهم بعد أميرهم ثوابة وقد مكثوا فوضى أربعة أشهر وكان اجتماعهم عليه بإشارة الصميل بن حاتم الكلابي فاستبد يوسف بالأندلس وضبطها إلى أن دخل عليه عبد الرحمن بن معاوية الأموي المعروف بالداخل فانتزعها منه وأورثها بنيه كما سيأتي
دخول عبد الرحمن الأموي إلى إفريقية وجوازه إلى الأندلس وتأسيسه للدولة الأموية بها
ولما استقر قدم الدولة العباسية بالمشرق وانقرض أمر بني أمية سنة اثنتين وثلاثين ومائة وذهبوا في كل وجه أفلت عبد الرحمن بن معاوية هذا وقصد المغرب فاجتاز بالقيروان وبها عبد الرحمن بن حبيب صاحب الترجمة فارتاب به وعزم على قتله فنجا الأموي إلى الأندلس وكان من أمره ما كان ذكر ابن حيان أن عبد الرحمن بن معاوية الأموي سار حتى أتى إفريقية فنزلها وقد سبقه إليها جماعة من فل بني أمية وكان عند صاحبها عبد الرحمن بن حبيب يهودي حدثاني قد صحب مسلمة بن عبد الملك فكان يتكهن له ويخبره بتغلب القرشي وملكه الأندلس ويرثها عقبه من بعده وأن اسمه عبد الرحمن وهو ذو ضفيرتين ومن بيت الملك فاتخذ الفهري ضفيرتين أرسلهما رجاء أن تناله الرواية فلما جيء إليه بعبد الرحمن الأموي ورأى ضفيرتيه قال لليهودي هو هذا وأنا قاتله فقال له اليهودي إن قتلته فما هو به وإن غلبت عليه فإنه لهو وثقل فل بني أمية على ابن حبيب فطرد كثيرا منهم خوفا على ملكه ثم تجنى على ابنين للوليد بن يزيد كان قد استجار به فقتلهما وأخذ مالا كان مع إسماعيل بن أبان بن عبد العزيز بن مروان وغلبه على أخته فتزوجها غصبا وطلب عبد الرحمن الداخل فاختفى كذا لابن حيان وعند ابن خلدون أن الأخت المذكورة زوجها عبد الرحمن من أخيه إلياس بن حبيب ولما قتل ابني عمها امتعضت لذلك وأغرت زوجها واستفسدته على أخيه حتى قتله كما نذكر وذلك أنه لما انتظم أمر الدولة العباسية بالمشرق وبويع السفاح ثم المنصور بعده كتب إلى عبد الرحمن بن حبيب يدعوه إلى الطاعة والبيعة فأجابه ودعا له وبعث إليه بهدية فيها بزاة وكلاب وذهب قليل وذكر أن إفريقية اليوم إسلامية وقد انقطع السبي فغضب المنصور وكتب إليه يتوعده وبعث إليه مع ذلك بخلعه الإمارة فنزع عبد الرحمن يده من الطاعة ومزق الخلعة على المنبر فوجد أخوه إلياس بذلك السبيل إلى ما كان يحاوله عليه وداخل وجوه الجند في الفتك به وإعادة الدعوة للخليفة المنصور ومالأه على ذلك أخوه عبد الوارث بن حبيب وأحس عبد الرحمن منهما بالشر فأمر إلياس بالمسير إلى تونس فأظهر الامتثال ثم جاء ليودعه ومعه عبد الوارث وكان عبد الرحمن مريضا فدخلا عليه وقتله على فراشه آخر سنة سبع وثلاثين ومائة لعشر سنين وسبعة أشهر من تغلبه على المغرب
استيلاء إلياس بن حبيب على المغرب
لما فتك إلياس بأخيه عبد الرحمن معتدا عليه بخلعه طاعة الخليفة فر ابنه حبيب بن عبد الرحمن إلى تونس بعد أن طلبوه وضبطوا أبواب القصر ليأخذوه فلم يظفروا به وكان عمه عمران بن حبيب واليا بتونس من قبل أبيه فلحق به وتم الأمر لإلياس واستولى على القيروان ثم زحف إليه عمران وحبيب فيمن اجتمع إليهما وخرج إلياس للقائهم فالتقوا واقتتلوا مليا ثم اصطلحوا على أن يكون لحبيب قفصة وقسطيلة وسائر بلاد الجريد ولعمران تونس وسطفورة والجزيرة ولإلياس القيروان وسائر إفريقية والمغرب وتم هذا الصلح سنة ثمان وثلاثين ومائة وسار حبيب إلى عمله من بلاد الجريد وارتحل إلياس مع أخيه عمران إلى تونس ولما وصلا إليها غدر إلياس بعمران فقتله وقتل جماعة من الأشراف معه وقيل غربه إلى الأندلس وعاد هو إلى القيروان فبعث بطاعته إلى أبي جعفر المنصور مع قاضي إفريقية عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وصفا له أمر المغرب وثقل عليه مكان حبيب فاحتال عليه حتى أركبه البحر إلى الأندلس وأركب معه أخاه عبد الوارث فردهم قاصف من الريح إلى طبرقة وكتبوا بخبرهم إلى إلياس فلج في طردهم وتسامعت موالي عبد الرحمن وشيعته بابن مولاهم فتسارعوا إليه وأنزلوه من السفين والتفوا عليه وزحفوا به إلى تونس فملكوها وخرج إلياس لقتالهم فخالفوه إلى القيروان وملكوها عليه وفتقوا السجون فرجع إلياس لقتالهم وقد فر أكثر من معه إلى حبيب ولما تراءى الجمعان حول القيروان برز حبيب فنادى يا عم لم نقتل أولياءنا وضائعنا وهم جنتنا فهلم للبراز فأينا غلب ملك فصاح الجيشان بتصويب رأيه فبرزا وتضاربا حتى عجب الناس من صبرهما ثم قتل حبيب إلياس ودخل القيروان فملكها آخر سنة ثمان وثلاثين ومائة فكانت ولاية إلياس نحو سنة ونصف وفي هذه السنة استولى عبد الرحمن بن معاوية الأموي على جزيرة الأندلس انتزعها من يد أميرها يوسف بن عبد الرحمن الفهري وهو أخو حبيب المذكور آنفا قال ابن حيان كان تغلب عبد الرحمن بن معاوية المرواني على سرير الملك بقرطبة يوم الأضحى لعشر خلون من ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين ومائة واستقام أمره بالأندلس وبنى المسجد الجامع والقصر بقرطبة وأنفق فيه ثمانين ألف دينار ومات قبل تمامه ووفد عليه جماعة من أهل بيته من المشرق وكان يدعو للمنصور العباسي ثم قطع دعوته ومهد الدولة بالأندلس وأثل بها الملك العظيم لبني مروان وخرجت الأندلس من يومئذ عن نظر صاحب القيروان بل وعن نظر الخليفة بالمشرق والله غالب على أمره
استيلاء حبيب بن عبد الرحمن على المغرب وفتنة عاصم بن جميل المتنبئ ومقتله
لما قتل حبيب بن عبد الرحمن عمه إلياس وتمكن من القيروان طلب عمه عبد الوارث لمشاركته في دم أبيه كما مر ففر عبد الوارث إلى ورفجومة إحدى بطون نفزاو بن لوي من البرابرة البتر فنزل على كبيرهم عاصم بن جميل وكان كاهنا يدعي النبوة فأجاره ثم نهض إليهم حبيب فأوقعوا به وهزموه إلى قابس واستفحل أمر عاصم وشايعه على شأنه من رجالات نفزاوة عبد الملك بن أبي الجعد الورفجومي ويزيد بن سكوم الولهاصي وكانا على رأي الإباضية وانضمت إليهم سائر نفزاوة واشتدت شوكتهم وكان قيامهم أولا بدعوة الخليفة المنصور ولما بقي أهل القيروان فوضى بسبب فرار أميرهم إلى قابس كتب من بها من العرب إلى عاصم هذا يدعونه للقدوم عليهم والقيام بأمرهم بشرط الدعاء للمنصور فأتى وقاتلهم فهزمهم ودخل القيروان عنوة واستباح أهلها وخرب مساجدها وأهانها ثم سار إلى حبيب بقابس بعد أن استخلف على القيروان ومن بقي بها من نفزاوة عبد الملك ابن أبي الجعد فقاتل حبيبا وهزمه فلحق حبيب بجبل أورابن وأجاره أهله ثم زحف إليهم عاصم فهزموه وقتلوه واستلحموا جماعة من أصحابه وقام بأمر ورفجومة والقيروان من بعده عبد الملك بن أبي الجعد وأهل القيروان أثناء هذا كله في غاية المذلة والهوان مع البربر ثم زحف حبيب إلى القيروان فبرز إليه عبد الملك وهزم حبيبا وقتله في المحرم سنة أربعين ومائة فكانت ولايته نحو ثلاث سنين وانقرض بمقتله أمر آل عقبة من المغرب والبقاء لله وحده
استيلاء عبد الملك بن أبي الجعد على المغرب
لما قتل عبد الملك بن أبي الجعد الورنجومي حبيب بن عبد الرحمن الفهري رجع في جموع البربر إلى القيروان فملكها وأمر أمر ورفجومة واستطالوا على أهل القيروان وقتلوا من بها من قريش وسائر العرب حيث وجدوا وعاملوهم معاملة المكناسيين لآل إدريس واستحلوا من الحرمات ما لم يستحله عاصم بن جميل قبلهم حتى لقد ربطوا دوابهم بالمسجد الجامع واشتد البلاء على أهل القيروان وافترقوا في النواحي فرارا بأنفسهم وشاع خبرهم في الآفاق فحينئذ قام أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح الغافري من رجالات العرب وكان على رأي الإباضية بأحواز طرابلس منكرا لفعل ورفجومة ومغيرا عليهم حسبما نذكر
استيلاء عبد الأعلى بن السمح على المغرب وظهور الصفرية من آل مدرار المكناسيين وبناؤهم مدينة سجلماسة
كان أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري من وجوه العرب وكان على رأي الإباضية كما قنلا ولما بلغه ما ارتكبته ورفجومة من أهل القيروان امتعض لذلك وقام محتسبا عليهم وشايعه على ذلك برابرة طرابلس وتولى كبر ذلك هوارة منهم وهوارة إحدى بطون أوريغة من البرانس فاجتمعوا إليه وتقدم بهم إلى طرابلس فملكها ثم زحف إلى القيروان سنة إحدى وأربعين ومائة فخرج إليه عبد الملك بن أبي الجعد في جموعة فانخزل عنه أهل القيروان لما نالهم من عسفه وعسف قومه فانهزم وقتل واستولى أبو الخطاب على القيروان وأثخن في جموع عبد الملك من ورفجومة وسائر نفزاوة ثم ولى على القيروان عبد الرحمن بن رستم الفارسي وهو من أبناء رستم أمير الفرس يوم القادسية كان عبد الرحمن هذا من موالي العرب ومن رؤوس هذه البدعة فاستخلفه أبو الخطاب على القيروان ورجع هو إلى طرابلس للقاء العساكر القادمة من جهة الخليفة المنصور على ما نذكره ولما حصل هذا الاضطراب بالمغرب اجتمعت الصفرية من مكناسة بناحية المغرب الأقصى فنقضوا طاعة العرب وولوا عليهم عيسى بن يزيد الأسود من موالي العرب ورؤوس الخوارج واختطوا مدينة سجلماسة سنة أربعين ومائة من الهجرة ودخل سائر مكناسة من أهل تلك الناحية فيدينهم واقتطعوا سجلماسة وأعمالها عن نظر الولاة بالقيروان ومن هذا الاجتماع نشأت دولة بني مدرار ملوك سجلماسة فإن صفرية مكناسة لما بايعوا عيسى بن يزيد أقام أميرا عليهم نحو خمس عشرة سنة ثم سخطوا إمرته ونقموا عليه بعض أحواله فعمدوا إليه وأوثقوه كتافا ووضعوه على قنة حبل إلى أن هلك سنة خمس وخمسين ومائة واجتمعوا بعده على كبيرهم أبي القاسم بن سمكو بن واسول المكناسي الصفري كان أبوه سمكو من حملة العلم ارتحل إلى المدينة فأدرك التابعين وأخذ عن عكرمة مولى ابن عباس قاله عريب بن حميد القرطبي في تاريخه وكان عكرمة بربري الأصل كما عند ابن خلكان قال وقد تكلم الناس فيه لأنه كان يرى رأي الخوارج وكان أبو القاسم المذكور صاحب ماسية وهو الذي بايع لعيسى بن يزيد وحمل قومه على طاعته فلما خلعوا عيسى بايعوا أبا القاسم من بعده وقام بأمرهم إلى أن هلك سنة سبع وستين ومائة وكان يخطب في عمله للمنصور ثم للمهدي من بني العباس ولما هلك ولوا عليهم ابنه إلياس بن أبي القاسم وكان يدعى بالوزير ثم انتفضوا عليه سنة أربع وسبعين ومائة فخلعوه وولوا مكانه أخاه اليسع بن أبي القاسم وكنيته أبو منصور وكان صفريا وعلى عهده استفحل ملكهم بسجلماسة وهو الذي أدار سورها وأتم بناءها واختط بها المصانع والقصور وانتقل إليها آخر المائة الثانية وهلك سنة ثمان ومائتين وولى بعده ابنه مدرار ولقبه المنتصر وطالت مدته وكان له ولدان كل منهما اسمه ميمون أحدهما لأروى بنت عبد الرحمن بن رستم صاحب تاهرت والآخر لبغي وكان يعرف بالأمير فتنازعا وتداولا الأمر بينهما استبدادا على أبيهما ودامت الحرب بينهما ثلاث سنين وهلك أبوهما مدرار سنة ثلاث وخمسين ومائتين في نوبة ميمون الأمير واستمر ميمون هذا في استبداده إلى أن هلك سنة ثلاث وستين ومائتين وولي ابنه محمد بن ميمون وكان إباضيا وتوفي سنة سبعين ومائتين فولي اليسع بن المنتصر وفي أيامه قدم عبيد الله المهدي أول خلفاء العبديين من الشيعة وابنه أبو القاسم من المشرق فدخلا سجلماسة متنكرين وكان الخليفة المعتضد بالله العباسي قد أوعز إلى اليسع هذا بالقبض عليهما فنقب عنهما وقبض عليهما وأودعهما السجن إلى أن افتكهما مقيم دولتهما أبو عبد الله الشيعي المعروف بالمحتسب فإنه اقتحم سجلماسة في خبر معروف وأخرج عبيد الله وابنه من السجن وقتل اليسع سنة ست وسبعين ومائتين ثم بايع أهل سجلماسة من بعده الفتح بن ميمون الأمير وكان أباضيا وهلك على رأس المائة الرابعة فولي أخوه أحمد بن ميمون الأمير واستقام أمره إلى أن زحف مصالة بن حبوس الكتامي قائد الشيعة العبديين في جموع كتامة إلى المغرب الأقصى سنة تسع وثلاثمائة فدوخه وأخذ أهله بدعوة صاحبه عبيد الله المهدي وافتتح سجلماسة وتقبض على صاحبها أحمد بن ميمون الأمير ثم ولى عليها من قبله محمد بن بسادر بن مدرار فلم يلبث أن استبد على الشيعة وتلقب بالمعتز وهلك سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وولي ابنه المنتصر محمد بن المعتز فمكث عشرا وهلك وولي ابنه المنتصر سمكو شهرين وكانت جدته تدبر أمره لصغره ثم ثار عليه ابن عمه محمد بن الفتح بن ميمون الأمير ورفض الخارجية ونادى بالدعوة العباسية وأخذ بمذهب أهل السنة وتلقب بالشاكر لله واتخذ السكة باسمه فكانت تسمى بالدراهم الشاكرية قال ابن حزم وكان في غاية العدل وكانت سكته في غاية الطيب واستمر إلى أن زحف جوهر الكاتب قائد المعز العبيدي في جموع صنهاجة وكتامة إلى المغرب الأقصى سنة سبع وأربعين وثلاثمائة فغلب على سجلماسة وفر عنها محمد بن الفتح إلى حصن تسكرات على أميال منها ثم دخل سجلماسة متنكرا فعرفه رجل من مضغرة وأعلم به جوهرا فتقبض عليه وساقه أسيرا مع أحمد بن أبي بكر الزناتي صاحب فاس إلى المهدية كما نذكره ثم لما انتقض المغرب على الشيعة وأخذ زناته بطاعة الحكم المستنصر صاحب الأندلس ثار بسجلماسة قائم من ولد الشاكر لله وتلقب بالمنتصر بالله ثم وثب عليه أخوه أبو محمد سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة فقتله وقام بالأمر مكانه وتلقب بالمعتز بالله وأقام على ذلك مدة وأمر مكناسة يومئذ قد تداعى إلى الانحلال وأمر زناتة قد استفحل بالمغرب إلى أن زحف خزرون بن فلول الزناتي ثم المغرواي إلى سجلماسة سنة ست وستين وثلاثمائة فبرز إليه أبو محمد المعتز فهزم خزرون وقتله واستولى على بلده وذخيرته وبعث برأسه إلى قرطبة وكان ذلك لأول حجابة المنصور بن أبي عامر المستبد على بني أمية بالأندلس وانقرض أمر بني مدرار والبقاء لله وقد لخصنا هذه الدولة المدرارية من كتاب العبر وسردناها هنا استطرادا ثم نعود إلى موضوعنا الذي كنا فيه وبالله التوفيق
ولاية محمد بن الأشعث على المغرب
لما ارتكبت ورفجومة من أهل القيروان ما ارتكبته وفد جماعة من رجالات العرب بها على الخليفة المنصور واستصرخوه على الخوارج وشكوا إليه تسلقهم على كرسي الإمارة بالقيروان فوجه المنصور محمد بن الأشعث الخزاعي واليا على مصر وأمره باستنقاذ إفريقية من البربر فوجه محمد بن الأشعث أبا الأحوص عمرو بن الأحوص العجلي سنة اثنتين واربعين ومائة فخرج إليه أبو الخطاب المعافري وهزمه بسرت قريبا من طرابلس واستولى على عسكره ورجع أبو الأحوص مفلولا إلى مصر فكتب المنصور إلى ابن الأشعث يأمره بالمسير إلى المغرب بنفسه فسار إليه في أربعين ألفا ومعه الأغلب بن سالم التميمي فلقيهم أبو الخطاب بسرت أيضا فأوقع به ابن الأشعث وقتله واستلحم جموعه وطار الخبر بذلك إلى عبد الرحمن بن رستم بمكانه من القيروان فاحتمل أهله وولده ولحق بإباضية المغرب الأوسط ونزل على لماية بطن من بني فاتن بن تامصيت بن ضرى من البتر لحلف كان بينه وبينهم فالتفوا عليه وبايعوا له بالخلافة وتفاوضوا في بناء مدينة تكون كرسيا لإمارتهم شأن الصفرية من بني مدرار فشرعوا في بناء مدينة تاهرت سنة أربع وأربعين ومائة فعمرت واتسعت خطتها وتوارثها بنو رستم واقتطعوها عن نظر ولاة المغرب وكان يسلم عليهم بالخلافة على ما هو المعروف منذهب الخوارج إلى أن انقرضت دولتهم على يد العبيديين أواخر المائة الثالثة وأما ابن الأشعث فإنه استقر بالقيروان غرة جمادى الأولى سنة أربع وأربعين ومائة وشرع في بناء سورها في ذي القعدة من السنة وتم في رجب سنة ست وأربعين ومائة وضبط المغرب أحسن ضبط وافتتح طرابلس واستعمل عليها المخارق بن غفار الطائي وعلى طبنة والزاب الأغلب بن سالم وخافه البربر ثم ثار عليه عيسى بن موسى بن عجلان الخراساني أحد الجند في جماعة من قواد مضر ونفوه عن القيروان فقفل إلى المشرق ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة فكانت ولايته نحو أربع سنين
ولاية الأغلب بن سالم التميمي على المغرب
لما قفل ابن الأشعث إلى المشرق ولى جند مضر عليهم عيسى بن موسى الخراساني واتصل بالمنصور ما فعله قواد مضر من ذلك فبعث إلى الأغلب بن سالم التميمي ثم السعدي بعهده على المغرب والأغلب هذا هو جد الأغالبة ملوك أفريقية من بعده على المغرب وكان من ذوي الشجاعة والرأي ومن صحاب أبي مسلم بخراسان فدخل المغرب مع ابن الأشعث واستعمله على طبنة كما مر فلما وافاه عهد الخليفة أواخر جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين ومائة انتقل إلى القيروان وأمنها واستقام أمره ثم خرج عليه أبو قرة ين دوناس اليفرني ويقال المغيلي من الصفرية والتفت عليه زناتة بجهة تلمسان وبايعوا له بالخلافة واستفحل أمره فزحف إليه الأغلب فلما دنا منه فر أبو قرة إلى المغرب الأقصى فلم يقف إلا بطنجة وانتهى الأغلب إلى الزاب ثم عاد إلى القيروان فعاد أبو قرة إلى وطنه من تلمسان وفي سنة خمسين ومائة خرج الأغلب لقتال الصفرية فتثاقل عنه طائفة من الجند ولما أوغل في طلب الصفرية ثار عليه الحسن بن حرب الكندي وكان بتونس ولحق به المتثاقلون من الجند وكان تثاقلهم عن الأغلب بمكاتبة الحسن إياهم في ذلك فأقبل بهم إلى القيروان واستولى عليها ولحق الأغلب بقابس وكاتب الحسن يرغبه في الطاعة فلم يقبل ثم وافى كتاب المنصور يدعو الحسن إلى الطاعة فأبى فصمد إليه الأغلب واقتتلا فانهزم الحسن وفر إلى تونس وجمع الجموع ورجع فخرج إليه الأغلب فاصابه سهم فقتله فقدم أصحابه عليهم المخارق بن غفار الطائي الذي كان على طرابلس وحملوا على الحسن فانهزم أمامهم إلى تونس ثم لحق بكتامة وخيل المخارق في اتباعه ثم رجع إلى تونس بعد شهرين فقتله الجند وقيل إن أصحاب الأغلب قتلوه في الوقت الذي قتل فيه الأغلب وكان مقتل الأغلب في شعبان سنة خمسين ومائة وقام بأمر إفريقية المخارق بن غفار إلى أن كان ما نذكره
ولاية عمر بن حفص هزارمرد على المغرب
لما بلغ الخليفة المنصور مقتل الأغلب بن سالم وجه مكانه عمر بن حفص من ولد قبيصة بن أبي صفرة أخي المهلب بن أبي صفرة فقدم القيروان في خمسمائة فارس سنة إحدى وخمسين ومائة فاستقامت أموره ثلاث سنين ثم خرج إلى طبنة لإدارة السور عليها واستخلف على القيروان حبيب بن حبيب المهلبي فثار البربر بإفريقية لما علموا من بعد الحامية عنها وغلبوا على من كان بها وزحفوا إلى القيروان فخرج إليهم حبيب فهزموه وقتلوه وثار البربر الإباضية بطرابلس وولوا عليهم أبا حاتم يعقوب بن لبيب المغيلي مولى كندة وتسامعت به خوارج المغرب فانقضوا من كل ناحية ونبغت رؤوس الفتنة من كل وجه وعادت هيف إلى أديانها وكانت هذه الفتنة هي زبدة الفتن التي مخضتها الخوارج بالمغرب من لدن ميسرة الخفير إلى الآن فإنهم زحفوا إلى عمر بن حفص وهو بطبنة من أرض الزاب في اثني عشر عسكرا فكان منهم أبو قرة اليفرني من أربعين ألفا من الصفرية وعبد الرحمن بن رستم صاحب تاهرت في خمسة عشر ألفا من الإباضية والمسور بن هانئ الزناتي في عشرة آلاف من الإباضية أيضا وعبد الملك بن سكرديد الصنهاجي في الفين من صنهاجة الصفرية وجرير بن مسعود المديوني فيمن تبعه من مديونة وانضم إليهم غير هؤلاء من خوارج هوارة وزناتة ممن لا يحصى كثرة ولما اشتد الحصار على عمر بن حفص أعمل الحيلة في إيقاع الخلاف بينهم ودافعهم بالأموال وأرسل إلى أبي قرة على يد ابنه أبي نور أن يعطيه أربعين ألفا ولابنه أربعة آلاف على أن يرتحل عنه فقبل وارتحل بقومه وانفض البربر عن طبنه ثم سار أبو حاتم يعقوب بن لبيب إلى القيروان وحاصرها ثمانية أشهر حتى أكل أهلها الميتة ولما اشتد الحصار على أهل القيروان خرج عمر بن حفص من طبنة يريد أبا حاتم الإباضية الذين معه وبلغ أبا حاتم وأصحابه وهم محاصرون للقيروان مسير عمر بن حفص إليهم فساروا للقائه فمال هو من الأربس إلى تونس ثم جاء إلى القيروان فدخلها واستعد للحصار وشحنها بالأقوات والرجال وأتبعه أبو حاتم والبربر وأبو قرة معهم في قومه وكانوا في ثلاثمائة وخمسين ألفا الخيل منهم خمسة وثمانون ألفا والباقي رجالة وأحاطوا بالقيروان وعمر بن حفص داخلها وطال الحصار ثم بلغه الخبر أن المنصور وجه لاستنقاذه ابن عمه يزيد بن حاتم المهلبي فأنف من ذلك وقال لا خير في الحياة بعد أن يقال يزيد أخرجه من الحصار إنما هي رقدة ثم ابعث إلى الحساب وخرج عمر فقاتل حتى قتل أواسط حجة سنة أربع وخمسين ومائة وكان عمر هذا بطلا سمحا يلقب هزارمرد وهو لفظ فارسي معناه ألف رجل ثم ولى الناس عليهم أخاه لأمه حميد بن صخر وانقضى الحصار وأحرق أبو حاتم أبواب القيروان وثلم سورها وخرج أكثر الجند إلى طبنة ودخل أبو حاتم القيروان فاستولى عليها ويقال إن ابن صخر وادعه على ما أحب والله تعالى أعلم
ولاية يزيد بن حاتم على المغرب
لما بلغ المنصور انتقاض إفريقية على عمر بن حفص وحصاره بطبنة أولا ثم بالقيروان ثانيا بعث إليه يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة في ستين ألفا وبلغ خبره عمر بن حفص فحمله ذلك على الاستماتة كما تقدم وبلغ أبا حاتم وهو بالقيروان مسير يزيد بن حاتم إليه فخرج للقائه فلقيه يزيد بن حاتم بنواحي طرابلس واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم البربر وقتل أبو حاتم في ثلاثين ألفا من أصحابه وتتبعهم يزيد بالقتل طلبا بدم عمر بن حفص ثم ارتحل إلى القيروان فدخلها يوم الاثنين لعشر مضت من جمادى الأولى سنة خمس وخمسين ومائة فمهدها ورتب أسواقها وأفرد لكل صناعة مكانا وجدد بناء جامعها وضبط الأمور أحسن ضبط وكان عبد الرحمن بن حبيب بن عبد الرحمن الفهري مع أبي حاتم فلحق بكتامة فبعث يزيد في طلبه المخارق بن غفار فحاصره ثمانية أشهر ثم غلب عليه فقتل جماعة ممن معه وهرب الباقون في كل ناحية ونجا هو إلى الأندلس وبعث يزيد المخارق أيضا على الزاب فنزل طبنة وأثخن في البربر وأوقع بهم وقائع عظيمة وكانت حروب الخوارج مع العرب منذ انتفضوا على عمر بن حفص إلى انقضائها ثلاثمائة وخمسا وسبعين حربا قاله ابن خلدون ثم انتقضت ورفجومة سنة سبع وخمسين وولوا عليهم رجلا اسمه أبو زرجونة فسرح إليهم يزيد بن حاتم من عشيرته يزيد بن مجزأة المهلبي فهزموه واستأذنه ابنه المهلب وكان على الزاب وطبنة في الزحف إلى ورفجومة فأذن له وأمده بالعلاء بن سعيد بن مروان المهلبي من عشيرتهم أيضا فأوقع بهم وقتلهم أبرح قتل وانتقضت نفزاوة من بعد ذلك في سلطنة ابنه داود بن يزيد فاستأصلهم قتلا أيضا فركدت ريح الخوارج من البربر وتداعت بدعتهم إلى الاضمحلال قال ابن خلدون لم يزل أمر الخوارج بالمغرب يعني أيام يزيد هذا في تناقض إلى أن اضمحلت ديانتهم وافترقت جماعتهم وبقيت آثار نحلتهم في أعقاب البربر الذين دانوا بها في صدر الإسلام ففي بلاد زناتة بالصحراء منها أثر باق لهذا العهد وكذلك في جبال طرابلس أثر باق من تلك النحلة والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء واستمر يزيد بن حاتم ضابطا لأمر إفريقية والمغرب إلى أن توفي بها يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة سبعين ومائة في خلافة هارون الرشيد العباسي فكانت ولايته خمس عشرة سنة وثلاثة أشهر وولى الناس عليهم ابنه داود إلى أن كان ما نذكره وكان يزيد رحمه الله من السمحاء الأمجاد والفضلاء الأنجاد وكل بني المهلب كذلك وبهم ضرب المثل أبو محمد الحريري في المقامات إذ قال وصار الأدب أعلق بي من الهوى ببني عذرة والشجاعة بآل أبي صفرة وقال الشاعر الحماسي ( نزلت على آل المهلب شاتيا % بعيدا عن الأوطان في الزمن المحل ) ( فما زال بي معروفهم وافتقادهم % وبرهم حتى حسبتهم أهلي ) فأما يزيد هذا من بينهم فحاله في الشجاعة وجودة الرأي كما رأيت وأما الجود والسخاء فهو فيهما المثل السائر كان ربيع بن ثابت الرقي الشاعر مدح يزيد بن أسيد بالتصغير السلمي وهو وال على أرمينية فقصر في حقه ثم مدح يزيد بن حاتم فبالغ في الإحسان إليه فقال ربيعة من قصيدة ( لشتان ما بين اليزيدين في الندى % يزيد سليم والأغر بن حاتم ) ( يزيد سليم سالم المال والفتى % فتى الأزد للأموال غير مسالم )
( فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله % وهم الفتى القيسي جمع الدراهم )
ولاية روح بن حاتم على المغرب
ولما بلغ الرشيد وفاة يزيد بن حاتم وكان أخوه روح واليا على فلسطين وكان أسن من يزيد استقدمه وعزاه في أخيه وولاه على المغرب فقدم القيروان منتصف سنة إحدى وسبعين ومائة وكان يزيد قبلة قد أذل الخوارج ومهد البلاد كما قلنا فكانت أرض المغرب ساكنة ايام روح ورغب في موادعته عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم صاحب تاهرت فوادعه قال ابن خلدون وفي أيام روح انخضذت شوكة البربر واستكانوا للغلب وطاعوا للدين فضرب الإسلام بجرانه وألقت الدولة المضرية على البربر بكلكلها اه كلام ابن خلدون وفي أيام روح أيضا اجتاز الإمام إدريس بن عبد الله ببلاد مصر وإفريقية ناجيا من وقعة فخ التي كانت بمكة لآل العباس على آل علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ودخل مدينة وليلى من المغرب الأقصى سنة اثنتين وسبعين ومائة كما سيأتي إن شاء الله قال ابن خلكان كان روح بن حاتم من الكرماء الأجواد ولي لخمسة من الخلفاء السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد ويقال إنه لم يتفق مثل هذا إلا لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه فإنه ولي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللخلفاء الأربعة رضي الله عنهم قال وكان روح واليا على السند ولاه عليها المهدي بن المنصور فلما مات أخوه يزيد بالقيروان ودفن بباب سلم قال أهل إفريقية ما أبعد ما يكون بين قبري هذين الأخوين فإن أخاه بالسند وهذا هنا فاتفق أن الرشيد عزل روحا عن السند وسيره إلى موضع أخيه يزيد فدخل إفريقية أول رجب سنة إحدى وسبعين ومائة ولم يزل واليا بها إلى أن توفي بها لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة أربع وسبعين ومائة ودفن مع أخيه يزيد في قبر واحد فعجب الناس من هذا الاتفاق بعد ذلك التباعد رحمهما الله ثم ولي المغرب من قبل الرشيد حبيب بن نصر المهلبي ثم عزله سنة سبع وسبعين ومائة وولي على المغرب الفضل روح بن حاتم وقتله عبد الله بن الجارود منتصف سنة ثمان وسبعين ومائة وانقرضت بانقراضه دولة آل المهلب من المغرب ثم ولى الرشيد على المغرب هرثمة بن أعين فبنى القصر الكبير بالمنستير وبنى السور على طرابلس من جهة البحر ولما رأى هرثمة ما بالمغرب من كثرة الثوار والخلاف استعفى الرشيد من ولايتها فأعفاه لسنتين ونصف من ولايته ثم ولى الرشيد على إفريقية محمد بن مقاتل العكي وكان رضيعا له فاضطربت عليه إفريقية وبلغ الرشيد ذلك وطلب أهل إفريقية من إبراهيم بن الأغلب وكان من عمال محمد بن مقاتل أن يكتب إلى الرشيد في الولاية عليهم فكتب إلى الرشيد في ذلك على أن يترك المائة ألف دينار التي كانت تحمل من مصر إلى إفريقية إعانة للولاة بها وعلى أن يحمل هو من إفريقية إلى الخليفة أربعين ألفا وبلغ الرشيد غناؤه وكفايته فاستشار فيه أصحابه فأشار هرثمة بن أعين بولايته فكتب له بالعهد على إفريقية منتصف أربع وثمانين ومائة فقام إبراهيم بالأمر وضبط البلاد فسكنت واستراحت من الفتن وابتنى مدينة العباسية قرب القيروان وانتقل إليها بجملته وأورث بإفريقية ملكا لبنيه من بعده وفي هذه المدة انقسم المغرب إلى ثلاث ممالك فكان بنو الأغلب بإفريقية والقيروان وبنو خزر المغراويون بالمغرب الأوسط وتلمسان وبنو إدريس بالمغرب الأقصى وقبل أن نفرد الكلام عليه نذكر فصلا نشير فيه إلى مذاهب أهل المغرب ونحلهم على الجملة والله الموفق
القول في مذاهب أهل المغرب أصولا وفروعا وما يتبع ذلك
قد تقدم لنا ما قاله الشيخ ابن أبي زيد رحمه الله من أن البربر ارتدوا اثنتي عشرة مرة وأنه لم تستقر كلمة الإسلام فيهم إلا لعهد موسى بن نصير وبعد فتحه الأندلس ثم كمل إسلامهم على يد إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر وتقدم أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أرسل عشرة من التابعين يفقهون أهل المغرب في دينهم فكان المغاربة في صدر الإسلام لذلك على مذهب جمهور السلف من الأمة واعتقادهم وهو المذهب الحق إلى أن حدثت فيهم بدعة الخارجية لأول المائة الثانية من الهجرة نزع إليهم بها بعض أهل النفاق من خوارج العراق وبثوها فيهم فتلقوها منهم بالقبول وحسن موقعها لديهم بسبب ما كانوا يعانونه من ثقل وطأة الخلافة القريشية وجور بعض عمالها حسبما تقدمت الإشارة إليه فلقنهم أهل البدع أن الخلافة لا تشترط فيها القريشية بل ولا العربية وأن كل من كان أتقى لله كان أحق بها ولو عبدا حبشيا على ظاهر الحديث ودسوا إليهم مع ذلك بعض تشديدات الخوارج وتعمقاتهم وأروهم ما هم عليه من التصلب في دينهم فظهر للبربر ببادئ الرأي أن تعمقهم ذلك إنما هو أثر من آثار الخشية لله والخوف منه وأن ذلك هو عين التقوى المأمور بها شرعا وغاب عنهم أن الدين يسر كما قال صلى الله عليه وسلم وأن ملة الإسلام عرفت من بين الملل بالحنيفية السمحة لذلك والله تعالى يقول @QB@ وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ ومن أمعن نظره في نصوص الشريعة من الكتاب والسنة علم يقينا أن طريق النجاة إنما هي سلوك الوسط وإن كلا من التعمق والانحلال ضلال وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى @QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ الآية وقد قرر جمع من الأئمة المقتدى بهم كالغزالي في الإحياء وغيره أن المحمود في أمور الديانات كلها إنما هو سلوك الوسط بين الإفراط والتفريط وبه يتم مراد الله من خلقه وكلا طرفي قصد الأمور ذميم وهذا مبحث طويل نفيس وقد رمزنا إليه بهذه النبذة اليسيرة والتوفيق بيد الله وقد رسخت هذه البدعة الخارجية في البربر زمانا طويلا إلى أن اضمحلت في أواخر المائة الثانية وما بعدها ومع ذلك فقد بقيت منها آثار في أعقابهم من أصحاب الأطراف كما ذكره ابن خلدون والناقد بصير ولما طهر الخلفاء من بني العباس المغرب من هذه النزعة الشيطانية أخذ أهله بعدها بمذاهب أهل العراق في الأصول والفروع لأن ذلك المذهب يومئذ هو مذهب الخلفاء بالمشرق والناس على قدم إمامهم قال عياض في المدارك ظهر مذهب أبي حنيفة بإفريقية ظهورا كبيرا إلى قرب أربعمائة سنة فانقطع منها ودخل منه شيء إلى ما وراءها من المغرب قديما بمدينة فاس وبالأندلس وكذا ظهر بالأندلس أيضا مذهب عبد الرحمن الأوزاعي من أهل الشام واختلف الناس في السبب الذي انتقل به أهل المغرب عن مذهب أبي حنيفة وغيره إلى مذهب الإمام مالك بن أنس الذي هو مذهب السلف من أهل الحجاز فقال ابن خلكان في ترجمة المعز بن باديس الصنهاجي المتوفى في أواسط المائة الخامسة ما نصه كان مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه بإفريقية أظهر المذاهب فحمل المعز المذكور جميع أهل المغرب على التمسك بمذهب الإمام مالك رضي الله عنه وحسم مادة الخلاف في المذاهب واستمر الحال من ذلك الوقت إلى الآن اه قلت كان المعز هذا وأسلافه من صنهاجة بإفريقية على مذهب الرافضة من الشيعة أخذوه عن خلفائهم العبيديين أيام استيلائهم على المغرب في صدر المائة الرابعة وحملوا الناس عليه وامتحنوهم وطارت بدعتهم في أقطار المغرب كله فلما أفضى الأمر إلى المعز بن باديس المذكور قطع دعوة الشيعة من إفريقية ودعا لبني العباس وحمل الناس على التمسك بمذهب مالك عالم المدينة وإمام دار الهجرة هذا والمعروف أن مذهب مالك ظهر أولا بالأندلس ثم انتقل منها إلى المغرب الأقصى أيام الأدارسة وكذا ظهر بإفريقية ظهورا بينا قبل وجود المغرب بكثير بل قبل استيلاء صنهاجة والعبيديين على المغرب وذلك على يد أسد بن الفرات وعبد السلام بن سعيد التنوخي المعروف بسحنون وغيرهما من أئمة المغاربة ثم لما ظهرت دولة الشيعة بإفريقية حاولوا محوه فلم يتيسر لهم ذلك وكان فقهاء المالكية في ذلك العصر معهم في محنة عظيمة منهم ابن أبي زيد والقابسي وأبو عمران الفاسي وطبقتهم ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن نصره المعز المذكور جزاه الله خيرا قالوا وكان ظهوره بالأندلس على يد الفقيه زياد بن عبد الرحمن المعروف بشبطون فهو أول من أدخله الأندلس وكانوا قبل ذلك يتفقهون على مذهب الأوزاعي إمام أهل الشام لمكان الدولة الأموية منه فلما ظهر مالك رضي الله عنه بالمدينة وعظم صيته وانتشرت فتاويه بأقطار الأرض رحل إليه جماعة من أهل الأندلس والمغرب كان من أمثلهم وأسبقهم شبطون المذكور وقرعوس بن العباس وعيسى بن دينار وسيعد بن أبي هند وغيرهم أيام هشام بن عبد الرحمن الداخل فلما رجعوا وصفوا من فضل مالك وسعة علمه وجلالة قدره ما عظم به ذكره بالأندلس فانتشر يومئذ علمه ورأيه بها وكان رائد الجماعة في ذلك هو شبطون كما قلنا وهو أول من أدخل كتاب الموطأ المغرب أتى به مكملا متقنا فأخذه عنه يحيى بن يحيى الليثي ثم دخل بعد ذلك إلى مالك فقرأه عليه وعاد إلى الأندلس فتمم ما كان قد بقي من شهرة المذهب المالكي قال ابن حزم مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرئاسة والسلطان مذهب أبي حنيفة فإنه لما ولى الرشيد أبا يوسف خطة القضاء كانت القضاة من قبله من أقصى المشرق إلى أقصى عمل إفريقية ومذهب مالك عندنا بالأندلس فإن يحيى بن يحيى كان مكينا عند السلطان مقبول القول في القضاة وكان لا يلي قاض في أقطار الأندلس إلا بمشورته واختياره ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه والناس سراع إلى الدنيا فأقبلوا على ما يرجون به بلوغ أغراضهم على أن يحيى لم يل قضاء قط ولا أجاب إليه وكان ذلك زائدا في جلالته عندهم وداعيا إلى قبول رأيه لديهم اه ورأيت في بعض التآليف في سبب ظهور مذهب مالك بالأندلس والمغرب أن حاج المغرب والأندلس قدموا على مالك رضي الله عنه بالمدينة فسألهم عن سيرة عبد الرحمن بن معاوية المعروف بالداخل فقيل له إنه يأكل الشعير ويلبس الصوف ويجاهد في سبيل الله فقال مالك ليت الله زين حرمنا بمثله فنقم عليه بنو العباس هذه المقالة وكان ذلك سبب توصلهم إلى ضربه في مسألة الإكراه كما هو مشهور وبلغت مقالته صاحب الأندلس فسر بها وجمع الناس على مذهبه فانتشر في أقطار المغرب من يومئذ والله أعلم ومما يناسب هنا ما نقله المؤرخون أن أبا عبد الله محمد بن خيرون الأندلسي الأصل القيرواني الدار رحل إلى المشرق في صدر المائة الرابعة فأخذ عن علمائه وقرائه وعاد إلى إفريقية بقراءة نافع بن أبي نعيم وكان الغالب عليهم القراءة بحرف حمزة فشاع حرف نافع من يومئذ في أقطار المغرب بعد أن كان لا يقرأ به إلا الخواص واستمر الحال على ذلك إلى اليوم فهذا حال أهل المغرب في الفروع وأما حالهم في الأصول والإعتقادات فبعد أن طهرهم الله تعالى من نزعة الخارجية أولا والرافضية ثانيا أقاموا على مذهب أهل السنة والجماعة مقلدين للجمهور من السلف رضي الله عنهم في الإيمان بالمتشابه وعدم التعرض له بالتأويل مع التنزيه عن الظاهر وهو والله أحسن المذاهب وأسلمها ولله در القائل ( % عقيدتنا أن ليس مثل صفاته % ولا ذاته شيء عقيدة صائب ) ( سلم آيات الصفات بأسرها % وأخبارها للظاهر المتقارب ) ( ونؤيس عنها كنه فهم عقولنا % وتأويلنا فعل اللبيب المراقب ) ( ونركب للتسليم سفنا فإنها % لتسليم دين المرء خير المراكب ) واستمر الحال على ذلك مدة إلى أن ظهر محمد بن تومرت مهدي الموحدين في صدر المائة السادسة فرحل إلى المشرق وأخذ عن علمائه مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري ومتأخري أصحابه من الجزم بعقيدة السلف مع تأويل المتشابه من الكتاب والسنة وتخريجه على ما عرف في كلام العرب من فنون مجازاتها وضروب بلاغاتها مما يوافق عليه النقل والشرع ويسلمه العقل والطبع ثم عاد محمد بن تومرت إلى المغرب ودعا الناس إلى سلوك هذه الطريقة وجزم بتضليل من خالفها بل بتكفيره وسمى أتباعه الموحدين تعريضا بأن من خالف طريقته ليس بموحد وجعل ذلك ذريعة إلى الإنتزاء على ملك المغرب حسبما تقف عليه مفصلا بعد إن شاء الله لكنه ما أتى بطريقة الأشعري خالصة بل مزجها بشيء من الخارجية والشيعية حسبما يعلم ذلك بإمعان النظر في أقواله وأحواله وأحوال خلفائه من بعده ومن ذلك الوقت أقبل علماء المغرب على تعاطي مذهب الأشعري وتقريره وتحريره درسا وتأليفا إلى آلان وإن كان قد ظهر بالمغرب قبل ابن تومرت فظهورا ما والله أعلم وقد كان عبد المؤمن بن علي وبنوه من بعده منعوا الناس من التقليد في الفروع وحملوا الأئمة على أخذ الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة مباشرة على طريقة الإجتهاد المطلق وحرقوا شيئا كثيرا من كتب الفروع الحديثة التصنيف ووقع ذلك من بعض علماء عصرهم موقع الإستحسان منهم الإمام الحافظ أبوبكر بن العربي فقد ذكر في كتاب القواصم والعواصم له ما يشعر بذلك قال بعد ذكره ما وقع بالمغرب من الفتن ما نصه عطفنا عنان القول إلى مصائب نزلت بالعلماء في طريق الفتوى لما كثرت البدع وذهب العلماء وتعاطت المبتدعة منصب الفقهاء وتعلقت أطماع الجهال به فنالوه بفساد الزمان ونفوذ وعد الصادق صلى الله عليه وسلم في قوله ( اتخذ الناس رؤوساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) وبقيت الحال هكذا فماتت العلوم إلا عند آحاد الناس واستمرت القرون على موت العلم وظهور الجهل وذلك بقدرة الله تعالى وجعل الخلف منهم يتبع السلف حتى آلت الحال إلى أن لا ينظر في قول مالك وكبراء أصحابه ويقال قد قال في هذه المسألة أهل قرطبة وأهل طلمنكة وأهل طليطلة وصار الصبي إذا عقل وسلكوا به أمثل طريقة لهم علموه كتاب الله تعالى ثم نقلوه إلى الأدب ثم إلى الموطأ ثم إلى المدونة ثم إلى وثائق ابن العطار ثم يختمون له بأحكام ابن سهل ثم يقال قال فلان الطليطي وفلان المجريطي وابن مغيث لا أغاث الله ثراه فيرجع القهقرى ولا يزال يمشي إلى وراء ولولا أن الله تعالى من بطائفة تفرقت في ديار العلم وجاءت بلباب منه كالقاضي أبي الوليد الباجي وأبي محمد الأصيلي فرشوا من ماء العلم على هذه القلوب الميتة وعطروا أنفاس الأمة الذفرة لكان الدين قد ذهب ولكن تدارك الباري تعالى بقدرته ضرر هؤلاء ينفع هؤلاء وربما سكنت الحال قليلا والحمد لله اه والله تعالى ولي التوفيق
تتمة مهمة
قد ظهر ببلاد المغرب وغيرها منذ أعصار متطاولة لا سيما في المائة العاشرة وما بعدها بدعوة قبيحة وهي اجتماع طائفة من العامة على شيخ من الشيوخ الذين عاصروهم أو تقدموهم ممن يشار إليه بالولاية والخصوصية ويخصونه بمزيد المحبة والتعظيم ويتمسكون بخدمته والتقرب إليه قدرا زائدا على غيره من الشيوخ بحيث يرتسم في خيال جلهم أن كل المشايخ أو جلهم أن دونه في المنزلة عند الله تعالى ويقولون نحن أتباع سيدي فلان وخدام الدار الفلانية لا يحولون عن ذلك ولا يزولون خلفا عن سلف وينادون باسمه ويتسغيثون به ويفزعون في مهماتهم إليه معتقدين أن التقرب إليه نافع والإنحراف عنه قيد شبر ضار مع أن النافع والضار هو الله وحده وإذا ذكر لهم شيخ آخر أو دعوا إلي حاصوا حيصة حمر الوحش من غير تبصر في أحواله هل يستحق ذلك التعظيم أم لا فصار الأمر عصبيا وصارت الأمة بذلك طرائق قددا ففي كل بلد أو قرية عدة طوائف وهذا لم يكن معروفا في سلف الأمة الذين هم القدوة لمن بعدهم وغرض الشارع إنما هو في الإجتماع وتمام الألفة واتحاد الوجهة وقد قال تعالى لأهل الكتاب @QB@ تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم @QE@ الآية وقد ذم قوما فرقوا دينهم وكانوا شيعا وإنما الشأن في أهل الخصوصية والدين أن يكونوا عند العاقل المحتاط لدينه كأسنان المشط بحيث يحبهم لله وفي الله ويستشفع بهم إلى الله ويسأله تعالى أن يكرمه بما أكرمهم به من الخير والهدى والدين وليحبهم حب التشرع لا حب التشيع وليتأدب معهم ولا يقدم على مفاضلتهم بالهوى والرجم بالغيب فإن ذلك متوقف على الإطلاع على منزلتهم عند الله وذلك محجوب عنا وإذا نزلت به حاجة فليفرغ في قضائها إلى مولاه الذي خلقه ورزقه مستشفعا إليه بنبيه الذي هداه للإيمان على يده ثم بخواص الأمة الذين هم آباؤنا في الدين فإن المطلوب من العبد أن يصرف وجهته وقصده في جميع أموره ويتعلق فيها بالله بحيث لا يطلبها إلا منه ولا يتكل فيها إلا عليه قاطعا للنظر عن كل ما سواه اللهم إلا على سبيل التوسل والإستشفاع كما قلنا هذا هو التوحيد الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم وإليه دعا وعليه قاتل وسواه شرك ومنابذا لما جاء به @QB@ إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله @QE@ ثم استرسل هؤلاء الطغام في ضلالهم حتى صارت كل طائفة تجتمع في أوقات معلومة من مكان مخصوص أو غيره على بدعتهم التي يسمونها الحضرة فما شئت من طست وطار وطبل ومزمار وغناء ورقص وخيط وفحص وربما أضافوا إلى ذلك نارا أو غيرها يستعملونه على سبيل الكرامة بزعمهم ويستغرقون في ذلك الزمن الطويل حتى يمضي الوقت والوقتان من أوقات الصلوات وداعي الفلاح ينادي على رؤوسهم وهم في حيرتهم يعمهون لا يرفعون به رأسا ولا يرون بما هم فيه من الضلال بأسا بل يعتقدون أن ما هم فيه من أفضل القرب إلى الله تعالى الله عن جهالتهم علوا كبيرا ولا تجد في هذه المجامع الشيطانية غالبا إلا من بلغ الغاية في الجفاء والجهل من لا يحسن الفاتحة فضلا عن غيرها مع ترك الصلاة طول عمره أو من في معناه من معتوه ناقص العقل والدين فما أحوج هؤلاء الفسقة إلى محتسب يغير عليهم ما هم فيه من المنكر العظيم واللبس المقيم وأعظم من هذا كله أنهم يفعلون تلك الحضرة غالبا في المساجد فإنهم يتخذون الزاوية باسم الشيخ ويجعلونها مسجدا للصلاة بالمحراب والمنار وغير ذلك ثم يعمرونها بهذه البدعة الشنيعة فكم رأينا من عود و رباب ومزمار على أفحش الهيأت في محاريب الصلوات ومن بدعهم الشنيعة محاكاتهم أضرحة الشيوخ لبيت الله الحرام من جعل الكسوة لها وتحديد الحرم على مسافة معلومة بحيث يكون من دخل تلك البقعة من أهل الجرائم آمنا وسوق الذبائح إليها على هيئة الهدي واتخاذ الموسم كل عام وهذا وأمثاله لم يشرع إلا في حق الكعبة ثم يقع في ذلك الموسم ولا سيما مواسم البادية من المناكر والمفاسد العظام واختلاط الرجال بالنساء باديات متبرجات شأن أهل الإباحة وشأن قوم نوح في جاهليتهم ما تصم عنه الآذان ولا منكر ولا مغير ولا ممتعض للدين لا بل للحسب فأما الدين عند هؤلاء فلا دين فإنا لله وإنا إليه راجعون على ضيعة الدين وغفلة أهله عنه وبالله ويا للمسلمين لهؤلاء الهمج الرعاع الذين سلبوا المروءة والحياء والغيرة والعقل والدين والإنسانية جملة فليسوا في فطنة الشياطين ولا في سلامة صدور البهائم ولا في نخوة السباع فيغضبوا لديهم ومروءتهم ومن جهالاتهم الفظيعة جمعهم بين اسم الله تعالى واسم الولي في مقامات التعظيم كالقسم والإستعطاف وغيرهما فإذا أقسموا قالوا وحق الله وحق سيدي فلان وإذا عزموا على أحد قالوا دخلت عليك بالله وسيدي فلان وإذا سألوا قالوا من يعطينا على الله وعلى سيدي فلان فيعطفون اسم العبد على اسم مولاه بالواو المقتضية للتشريك والتسوية التامة في مقام قد حظر الشارع أن يتجاوز فيه اسم الله إلى غيره وهذا هو صريح الشرك ومن مناكرهم الجديرة بالتغيير اجتماعهم كل سنة للوقوف يوم عرفة بضريح الشيخ عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه ويسمون ذلك حج المسكين فانظر إلى هذه الطامة التي اخترعها هؤلاء العامة ومن اختراعاتهم تسميتهم لبدعتهم بالحضرة كما قلنا أخذا من اسم حضرة الله تعالى في إصلاح الأئمة العارفين من الصوفية كأهل رسالة القشيري ومن في معناهم فأوهم هؤلاء الشياطين بهذه التسمية أنهم يكونون في حال اشتغالهم بتلك البدعة في حضرة الله تعالى ثم يذهبون فيسمون جنونهم وتخبطهم على تلك الطبول والمزامير بالحال أخذا من الحال التي تعتري السالك إلى الله تعالى في حال ترقيه في درجات المعرفة والوصول وهذا لعمر الله من أقبح الضلالات واشنع الجهالات إلى غير هذا مما أغني فيه العيان عن الخبر وعرفه الخاص والعام في حالتي الورد والصدر ولسنا ننكر على أولياء الله وأهل الخصوصية منهم أو على من يسلك سبيلهم على الوجه المقرر في كتب الأئمة المقتدى بهم منهم وإنما نشرح حال هؤلاء الجهلة الذين لم يأتوا الأمر من بابه ولا أخذوه عن أربابه وإنما حالهم ما رأيت وعلمت وهذه نفثة مصدور صاحبها عند المنصف معذور فنسأل الله العظيم المولى الكريم أن يحرك همة من له القدرة والتصرف إلى حسم هذه الضلالات وقطعها عسى أن يرحمنا ربنا ويجبر كسرنا ويكبت عدونا إذا نحن راجعنا ديننا وسنة نبينا @QB@ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال @QE@ وقد آن أن نفرد الكلام على المغرب الأقصى عند ما استولى عليه المولى إدريس بن عبد الله وبنوه من بعده واقتطعوه عن نظر الخلفاء بالمشرق وصيروه مملكة مستقلة إذ كان ذلك من شرط كتابنا هذا حسبما تقدمت الإشارة إليه مقدمين لذلك ما يجب تقديمه من الإشارة إلى أمر الخلافة وتنازع أهل الصدر الأول في استحقاقها ومن هو أولى بها ثم نتخلص منه إلى المقصود بالذات والله الموفق
الدولة الإدريسية
الخبر عن دولة آل إدريس بالمغرب الأقصى وذكر السبب في أوليتها
أعلم أنه قد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين ) وفيه أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال ( لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان ) قال الحافظ ابن حجر لو فقد قرشي فكناني ثم رجل من بني إسماعيل ثم عجمي على ما في التهذيب أو جرهمي على ما في التتمة ثم رجل من بني إسحاق وأن يكون شجاعا ليغزو بنفسه ويعالج الجيوش ويقوى على فتح البلاد ويحمي البيضة وأن يكون أهلا للقضاء بأن يكون مسلما مكلفا حرا عدلا ذكرا مجتهدا ذا رأي وسمع وبصر ونطق وتنعقد الإمامة ببيعة أهل الحل والعقد من العلماء ووجوه الناس المتيسر اجتماعهم وباستخلاف الإمام من يعينه في حياته ويشترط القبول في حياته ليكون خليفة بعد موته وباستيلاء متغلب على الإمامة ولو غير أهل لها كصبي وامرأة إن قهر الناس بشوكته وجنده وذلك لينظم أمر المسلمين اه ثم نقول قد تقدم لنا أمر الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم وأن السلف أطبقوا على أن ترتيبهم في الفضل عل حسب ترتيبهم في الخلافة وتقدم لنا أيضا ما كان من علي ومعاوية رضي الله عنهما وأن ما صدر منهما كان اجتهادا محضا وطلبا للحق وأن الصواب كان مع علي رضي الله عنه والكل مأجور ثم لما قتل علي رضي الله عنه بايع أهل العراق ابنه الحسن رضي الله عنه وزحف إليه معاوية في أهل الشام ورأى الحسن ما في حقن دماء المسلمين وجمع كلمتهم من الثواب عند الله والكرامة لديه فاختار الأخرى على الدنيا وقدم الآجل على العاجل وسلم الأمر إلى معاوية على شروط معروفة وأصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين كما قال جده صلى الله عليه وسلم وحاز معاوية الخلافة وصفت له وتوارثها بنوا أمية من بعده بعد مقاتلات ومنازعات كانت من بني هاشم وغيرهم لهم يطول جلبها وكان السواد الأعظم من المسلمين يرون أن بني هاشم أحق بالأمر من بني أمية لأن بني هاشم هم آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وعشيرته الأقربون وهم أهل العلم والدين والخصوصية الذين اجتباهم الله وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فهم أحق بمنصب رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيرهم وهذا الرأي صواب غير أن ذلك ليس بطريق الوجوب عند أهل السنة بل بطريق الأحقية والأولوية إذا توفرت الشروط فيهم وفي غيرهم من سائر بطون قريش وإلا فمن انفردت به الشروط وجب المصير إليه وكان شيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوجبون الخلافة لبنيه دون من عداهم ويزعمون أن ذلك كان بوصية من النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه وهذه الوصية لم تثبت عند أهل السنة من طريق صحيح ومذاهب هؤلاء الشيعة في كيفية سوق الخلافة في عقب علي رضي الله عنه متعددة لا حاجة لنا بذكرها وكان بنو علي رضي الله عنه في الصدر الأول كثيرا ما يثورون في النواحي شرقا وغربا طالبين حقهم في الخلافة منازعين فيها لبني أمية أولا ثم لبني العباس من بعدهم ثانيا وخبرهم في ذلك معروف وجلبه يطول إلى أن كان منهم عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وكان من سادة أهل البيت يومئذ وكان له عدة أولاد منهم محمد المعروف بالنفس الزكية وإبراهيم ويحي وسليمان وإدريس وغيرهم ولما صار أمر بني أمية إلى الاختلال أيام مروان الحمار آخر خلفائهم اجتمع أهل البيت بالمدينة وتشاوروا فيمن يقدمونه للخلافة فوقع اختيارهم على محمد بن عبد الله النفس الزكية فبايعوا له بالخلافة وسلموا له الأمر بأجمعهم وحضر هذا العقد أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وهو المنصور وذلك قبل أن تنتقل الخلافة إلى بني العباس فبايع للنفس الزكية فيمن بايع له من أهل البيت وأجمعوا على ذلك لتقدمه فيهم لما علموا له من الفضل عليهم قال ابن خلدون ولهذا كان مالك وأبو حنيفة رحمهما الله يحتجان له حين خرج بالحجاز ويريان أن إمامته أصح من إمامة أبي جعفر المنصور لانعقاد هذه البيعة أولا وكان أبو حنيفة يقول بفضله ويحتج لحقه فتأدت إلى الإمامين المحنة بسبب ذلك أيام أبي جعفر المنصور حتى ضرب مالك رضي الله عنه على الفتيا في طلاق المكره وحبس أبو حنيفة رضي الله عنه على القضاء ولما انقرضت دولة بني أمية وجاءت دولة بني العباس وصار الأمر إلى أبي جعفر المنصور منهم سعى عنده بآل البيت وأن محمد بن عبد الله يروم الخروج عليه وأن دعاته قد ظهروا بخراسان فأمر المنصور عامله على المدينة رباح بن عثمان المري بحبس عبد الله بن حسن ومن إليه من آل الحسن بن علي بن أبي طالب فحبسه جماعة من بنيه وإخوته وبني عمه قال ابن خلدون في خمسة وأربعين من أكابرهم وقدم المنصور المدينة في حجة حجها فساقهم معه إلى العراق وحبسهم بقصر ابن هبيرة من ظاهر الكوفة حتى هلكوا في حبسهم وجد المنصور في طلب محمد بن عبد الله النفس الزكية وأخيه إبراهيم لكونهما تغيبا فلم يحبسا في جملة من حبس من عشيرتهم ثم لما كانت سنة خمس واربعين ومائة وأرهق محمد بن عبد الله الطلب وأعيت عليه المذاهب ظهر بالمدينة المنورة ودعا الناس إلى بيعته فبايعوه واستفتى أهل المدينة الإمام مالكا رضي الله عنه في الخروج مع محمد بن عبد الله وقالوا في أعناقنا بيعة للمنصور فقال إنما بايعتم مكرهين فتسارع الناس إلى محمد وأجابوا دعوته ولزم الإمام ملك بيته وخطب محمد بن عبد الله على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر المنصور بما نقمه عليه ووعد الناس واستنصر بهم وتسمى بالمهدي ولم يتخلف عن بيعته من وجوه الناس إلا القليل وبلغ المنصور خبر محمد بن عبد الله وما كان منه بالمدينة فأشفق من ذلك غاية الإشفاق وكتب إلى محمد كتاب أمان ويعده الجميل إن هو راجع الطاعة فأجابه محمد بعدم قبول ذلك منه ودارت بينهما مكاتبات ومحاورات في الأفضلية واستحقاق الخلافة وقد ذكر مكاتبتهما المبرد في كامله وابن خلدون في تاريخه وآخر الأمر أن المنصور بعث لحرب محمد المهدي ابن عمه عيسى بن موسى العباسي فاستعد المهدي للقتال وأدار على المدينة الخندق الذي حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب وقدمت جيوش العباسيين ونزلوا على المدينة وخرج إليهم محمد بن عبد الله فيمن بايعه واقتتل الناس قتالا شديدا وأبلى محمد المهدي في ذلك اليوم بلاء عظيما وقتل بيده سبعين رجلا ولما اشتد القتال وعاين مخايل الاختلال انصرف فاغتسل وتحنط وجمع بين الظهر والعصر ومضى فأحرق الديوان الذي كان فيه أسماء من بايعه وجاء إلى السجن فقتل رباح بن عثمان عامل المنصور على المدينة وقتل معه جماعة كانوا مسجونين عنده ثم عاد إلى المعركة وقد تفرق عنه جل أصحابه ولم يبق معه إلا نحو ثلاثمائة فقال له بعضهم نحن اليوم في عدة أهل بدر ثم تقدم فقاتل حتى قتل ضرب فسقط لركبتيه وطعنه حميد بن قحطبة في صدره ثم احترز رأسه وأتى به عيسى بن موسى فبعث به إلى المنصور وكان مقتل محمد المهدي رحمه الله في منتصف رمضان سنة خمس وأربعين ومائة وقتل معه جماعة من أهل بيته وأصحابه ولحق ابنه علي بن محمد بالسند إلى أن هلك هناك واختفى ابنه الآخر عبد الله الأشتر إلى أن هلك أيضا في خبر طويل ثم خرج إبراهيم بن عبد الله أخو المهدي المذكور بالبصرة عقب ذلك فبعث إليه المنصور عيسى بن موسى المذكور آنفا فقاتله آخر ذي القعدة من السنة فانهزم إبراهيم وقتل رحمه الله بعد أن بايعه أكثر من مائة ألف ثم لما كانت سنة تسع وستين ومائة في أيام موسى الهادي بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور خرج بالمدينة الحسين بالتصغير بن علي بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان معه جماعة من أهل بيته منهم إدريس ويحيى وسليمان بنو عبد الله بن الحسن المثنى وهم إخوة محمد النفس الزكية فاشتد أمر الحسين المذكور بالمدينة وجرى بينه وبين عامل الهادي على المدينة وهو عمر بن عبد العزيز بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب قتال فانهزم عمر المذكور وبايع الناس الحسين المذكور على كتاب الله وسنة نبيه للمرتضى من آل محمد وكانوا يكنون بذلك عن الإمام المستور إلى أن يقدر على إظهار أمره وأقام الحسين وأصحابه بالمدينة يتجهزون أياما ثم خرجوا إلى مكة يوم السبت لست بقين من ذي القعدة فانتهى الحسين إلى مكة وانضم إليه جماعة من عبيدها وكان قد حج تلك السنة جماعة من وجوه بني العباس وشيعتهم فمنهم سليمان بن أبي جعفر المنصور ومحمد بن سليمان بن علي والعباس بن محمد بن علي وانضم إليهم من حج من قوادهم ومواليهم واقتتلوا مع الحسين المذكور يوم التروية الثامن من ذي الحجة فانهزم الحسين وأصحابه وقتل فاحتزوا رأسه وأحضروه أمام بني العباس وهو مضروب على قفاه وجبهته ثم جمعت رؤوس أصحابه فكانت مائة ونيفا وكان فيها رأس سليمان بن عبد الله بن الحسن المثنى في قول واختلط المنهزمون بالحاج فذهبوا في كل وجه وكان مقتلهم بموضع يقال له فخ على ثلاثة أميال من مكة سنة تسع وستين ومائة كما قلنا وفي ذلك يقول بعض شعراء ذلك العصر ( فلأبكين على الحسين % بعولة وعلى الحسن ) ( وعلى ابن عاتكة الذي % واروه ليس له كفن ) ( تركوا بفخ غدوة % في غير منزلة الوطن ) في أبيات والحسن الذي ذكره في هذه الأبيات هو الحسن بن محمد بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب وكان أسر في ذلك اليوم فضربت عنقه صبرا وابن عاتكة الذي ذكره هو عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب ثم حمل رأس الحسين ومعه باقي الرؤوس إلى الهادي فأنكر عليهم حمل رأس الحسين ولم يعطهم جوائزهم غضبا عليهم
دخول إدريس بن عبد الله أرض المغرب الأقصى
قد تقدم لنا أن يحيى وإدريس ابني عبد الله حضرا وقعة فخ مع الحسين بن علي المذكور آنفا فأما يحيى فإنه فر من الوقعة المذكورة إلى بلاد الديلم في جهة الشرق ودعا الناس إلى بيعته فبايعوه واشتدت شوكته ثم إن الرشيد جهز إليه الفضل بن يحيى البرمكي في جيش كثيف فكاتبه الفضل وبذل له الأمان وما يختاره فأجابه يحيى بن عبد الله إلى ذلك وطلب يمين الرشيد وأن يكون بخطه ويشهد فيه الأكابر ففعل ذلك وحضر يحيى بن عبد الله إلى بغداد فأكرمه الرشيد وأعطاه مالا كثيرا ثم حبسه حتى مات في السجن وأما إدريس فإنه فر من الوقعة المذكورة ولحق بمصر وعلى بريدها يومئذ واضح مولى صالح بن المنصور ويعرف بالمسكين وكان واضح يتشيع لآل البيت فعلم شأن إدريس وأتاه إلى الموضع الذي كان مستخفيا به ولم ير شيئا أخلص له من أن يحمله على البريد إلى المغرب ففعل ولحق إدريس بالمغرب الأقصى هو ومولاه راشد فنزل بمدينة وليلى سنة ثنتين وسبعين ومائة وبها يومئذ إسحاق بن محمد بن عبد الحميد أمير أوربة من البربر البرانس فأجاره وأكرمه وجمع البربر على القيام بدعوته وخلع الطاعة العباسية وكشف القناع في ذلك وانتهى الخبر إلى الرشيد بما فعله واضح في شأن إدريس فقتله وصلبه وقال ابن أبي زرع في كتاب القرطاس إن إدريس بن عبد الله لما قتلت عشيرته بفخ فر بنفسه متسترا في البلاد يريد المغرب فسار من مكة حتى وصل إلى مصر ومعه مولى له اسمه راشد فدخلها والعامل عليها يومئذ لبني العباس هو علي بن سليمان الهاشمي فبينما إدريس وراشد يمشيان في شوارع مصر إذا مرا بدار حسنة البناء فوقفا يتأملانها وإذا بصاحب الدار قد خرج فسلم عليهما وقال ما الذي تنظرانه من هذه الدار فقال راشد أعجبنا حسن بنائها قال وأظنكما غريبين ليسا من هذه البلاد فقال راشد جعلت فداك إن الأمر كما ذكرت قال فمن اي الأقاليم أنتما قالا من الحجاز قال فمن أي بلاده قالا من مكة قال وأخالكما من شيعة الحسنين الفارين من وقعة فخ فهما بالإنكار ثم توسما فيه الخير فقال راشد يا سيدي أرى لك صورة حسنة وقد توسمت فيك الخير أرأيت إن أخبرناك من نحن أكنت تستر علينا قال نعم ورب الكعبة وأبذل الجهد في صلاح حالكما فقال راشد هذا إدريس بن عبد الله بن حسن وأنا مولاه راشد فررت به خوفا عليه من القتل ونحن قاصدون بلاد المغرب فقال الرجل لتطمئن نفوسكما فإني من شيعة آل البيت وأول من كتم سرهم فأنتما من الآمنين ثم أدخلهما منزله وبالغ في الإحسان إليهما فاتصل خبرهما بعلي بن سليمان صاحب مصر فبعث إلى الرجل الذي هما عنده فقال له إنه قد رفع إلي خبر الرجلين الذين عندك وإن أمير المؤمنين قد كتب إلي في طلب الحسينين والبحث عنهم وقد بث عيونه على الطرقات وجعل الرصاد على أطراف البلاد فلا يمر بهم أحد حتى يعرف نسبه وحاله وإني أكره أن أتعرض لدماء آل البيت فلك ولهم الأمان فاذهب إليهما وأعلمهما بمقالي وأمرهما بالخروج من عملي وقد أجلتهما ثلاثا فسار الرجل فاشترى راحلتين لإدريس ومولاه واشترى لنفسه أخرى ووضع زادا يبلغهما إلى إفريقية وقال لراشد اخرج أنت مع الرفقة على الجادة وأخرج أنا وإدريس على طريق غامض لا تسلكه الرفاق وموعدنا مدينة برقة فخرج راشد مع الرفقة في زي التجار وخرج إدريس مع المصري فسلكا البرية حتى وصلا إلى برقة وأقاما بها حتى لحق بهما راشد ثم جدد المصري لهما زادا وودعهما وانصرف وسار إدريس وراشد يجدان السير حتى وصلا إلى القيروان فأقاما بها مدة ثم خرجا إلى المغرب الأقصى وكان راشد من أهل النجدة والحزم والدين والنصيحة لآل البيت فعمد إلى إدريس حين خرجا من القيروان فألبسه مدرعة صوف خشينة وعمامة كذلك وصيره كالخادم له يأمره وينهاه كل ذلك خوفا عليه وحياطة له ثم وصلا إلى مدينة تلمسان فأراحا بها أياما ثم ارتحلا نحو بلاد طنجة فسارا حتى عبرا وادي ملوية ودخلا بلاد السوس الأدنى وتقدما إلى مدينة طنجة وهي يومئذ قاعدة بلاد المغرب الأقصى وأم مدنه فأقاما بها أياما فلما لم يجد إدريس بها مراده خرج مع مولاه راشد حتى انتهيا إلى مدينة وليلى قاعدة جبل زرهون وكانت مدينة متوسطة حصينة كثيرة المياه والغروس والزيتون وكان لها سور عظيم من بنيان الأوائل يقال إنها المسماة اليوم بقصر فرعون فنزل بها إدريس على صاحبها ابن عبد الحميد الأوربي فأقبل عليه ابن عبد الحميد وبالغ في إكرامه وبره فعرفه إدريس بنفسه وأفضى إليه بسره فوافقه على مراده وأنزله معه في داره وتولى خدمته والقيام بشؤونه وكان دخول إدريس المغرب ونزوله على ابن عبد الحميد بمدينة وليلى غرة ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين ومائة
بيعة الإمام إدريس بن عبد الله رضي الله عنه
لما استقر إدريس بن عبد الله بمدينة وليلى عند كبيرها إسحاق بن محمد بن عبد الحميد الأوربي أقام عنده ستة أشهر فلما دخل شهر رمضان من السنة جمع ابن عبد الحميد عشيرته من أوربة وعرفهم بنسب إدريس وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرر لهم فضله ودينه وعلمه واجتماع خصال الخير فيه فقالوا الحمد لله الذي أكرمنا به وشرفنا بجواره وهو سيدنا ونحن العبيد فما تريد منا قال تبايعونه قالوا ما منا من يتوقف عن بيعته فبايعوه بمدينة وليلى يوم الجمعة رابع رمضان المعظم سنة اثنتين وسبعين ومائة وكان أول من بايعه قبيلة أوربة على السمع والطاعة والقيام بأمره والاقتداء به في صلواتهم وغزواتهم وسائر أحكامهم وكانت أوربة يومئذ من أعظم قبائل البربر بالمغرب الأقصى وأكثرها عددا وتلتها في نصرة إدريس والقيام بأمره مغيلة وصدينة وهما معا من ولد تامزيت بن ضرى ولما بويع إدريس رحمه الله خطب الناس فقال بعد حمد الله والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم أيها الناس لا تمدن الأعناق إلى غيرنا فإن الذي تجدونه من الحق عندنا لا تجدونه عند غيرنا ثم بعد ذلك وفدت عليه قبائل زناتة والبربر مثل زواغة وزواوة وسدراتة وغياثة ومكناسة وغمارة وكافة البربر بالمغرب الأقصى فبايعوه أيضا ودخلوا في طاعته فاستتب أمره وتمكن سلطانه وقويت شوكته ولحق به من اخوته سليمان بن عبد الله ونزل بأرض زتاتة من تلمسان ونواحيها كذا عند ابن خلدون في أخبار الأدارسة والذي عنده في أخبار بني العباس وكذا عند أبي الفداء أن سليمان بن عبد الله بن حسن قتل بوقعة فخ وجمع رأسه مع رؤوس القتلى فالله أعلم
غزو إدريس بن عبد الله بلاد المغرب الأقصى وفتحه إياها
ثم إن إدريس بن عبد الله رضي الله عنه اتخذ جيشا كثيفا من وجوه زناتة وأوربة وصنهاجة وهوارة وغيرهم وخرج غازيا بلاد تامسنا ثم زحف إلى بلاد تادلا ففتح معاقلها وحصونها وكان أكثر أهل هذه البلاد لا زالوا على دين اليهودية والنصرانية وإنما الإسلام بها قليل فأسلم جميعهم على يده وقفل إلى مدينة وليلى مؤيدا منصورا فدخلها أواخر ذي الحجة سنة اثنين وسبعين ومائة فأقام بها شهر محرم فاتح سنة ثلاث وسبعين ريثما استراح الناس ثم خرج برسم غزو من كان بقي من قبائل البربر بالمغرب على دين المجوسية واليهودية والنصرانية وكان قد بقي منهم بقية متحصنون في المعاقل والجبال والحصون المنيعة فلم يزل إدريس رحمه الله يجاهدهم في حصونهم ويستنزلهم من معاقلهم حتى دخلوا في الإسلام طوعا وكرها ومن أبى الإسلام منهم أباده قتلا وسبيا وكانت البلاد التى غزاها في هذه المرة حصون فندلاوة وحصون مديونة وبهلولة وقلاع غياثة وبلاد فازاز ثم عاد إلى مدينة وليلى فدخلها في النصف من جمادى الآخرة من السنة المذكورة
غزو إدريس بن عبد الله أرض المغرب الأوسط وفتح مدينة تلمسان
لما قفل إدريس رضي الله عنه من غزو بلاد المغرب الأقصى سنة ثلاث وسبعين ومائة أقام بو ليلى بقية جمادى الآخرة ونصف رجب التالي لها ريثما استراح جيشه ثم خرج منتصف رجب المذكور برسم غزو مدينة تلمسان ومن بها من قبائل مغراوة وبني يفرن فانتهى إليها ونزل خارجها فخرج إليه صاحبها محمد بن خزر من ولد صولات المغراوي مستأمنا ومبايعا له فأمنه إدريس وقبل بيعته ودخل مدينة تلمسان فأمن أهلها ثم أمن سائر زناتة وبنى مسجد تلمسان وأتقنه وأمر بعمل منبر نصبه فيه وكتب عليه بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أمر به الإمام إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي رضي الله عنهم وذلك في شهر صفر سنة أربع وسبعين ومائة قال ابن خلدون واسم إدريس مخطوط في صفحة المنبر لهذا العهد اه ثم رجع إدريس رحمه الله إلى مدينة وليلى فدخلها مؤيدا منصورا
وفاة إدريس بن عبد الله والسبب في ذلك
لما حصل لإدريس رحمه الله ما حصل من التمكن والظهور اتصل خبر ذلك بالخليفة ببغداد وهو هارون الرشيد العباسي وبلغه أن إدريس قد استقام له أمر المغرب وأنه قد استفحل أمره وكثرت جنوده وقد فتح مدينة تلمسان وبنى مسجدها وأنه عازم على غزو إفريقية فخاف الرشيد عاقبة ذلك وأنه إن لم يتدارك أمره الآن ربما عجز عنه في المستقبل مع ما يعلم من فضل إدريس خصوصا ومحبة الناس في آل البيت عموما فقلق الرشيد من ذلك واستشار وزيره يحيى بن خالد البرمكي وقال إن الرجل قد فتح تلمسان وهي باب إفريقية ومن ملك الباب يوشك أن يدخل الدار وقد هممت أن أبعث إليه جيشا ثم فكرت في بعد الشقة وعظم المشقة فرجعت عن ذلك فقال يحيى الرأي يا أمير المؤمنين أن تبعث إليه برجل داهية يحتال عليه ويغتاله وتستريح منه فأعجب الرشيد ذلك فوقع اختيارهما على رجل من موالي المهدي والد الرشيد واسم الرجل سليمان بن جرير ويعرف بالشماخ فأحضره يحيى وأعلمه بما يريد منه ووعده على قتل إدريس الرفعة والمنزلة العالية عند الرشيد وزوده مالا وطرفا يستعين بها على أمره وأصحبه الرشيد كتابا منه إلى واليه على إفريقية إبراهيم بن الأغلب كذا عند ابن خلدون وابن الخطيب وفيه أن ابن الأغلب لم يكن واليا على إفريقية في هذا التاريخ وإنما وليها سنة أربع وثمانين ومائة حسبما سبق فوصل الشماخ إلى والي إفريقية بكتاب الرشيد فأجازه إلى المغرب وقدم الشماخ على إدريس بن عبد الله مظهرا النزوع إليه فيمن نزع إليه من وحدان العرب متبرئا من الدعوة العباسية منتحلا للدعوة الطالبية فاختصه إدريس رحمه الله وحلا بعينيه وعظمت منزلته لديه وكان الشماخ ممتلئا من الأدب والظرف والبلاغة عارفا بصناعة الجدل فكان إذا جلس الإمام إدريس إلى رؤساء البربر ووجوه القبائل تكلم الشماخ فذكر فضل أهل البيت وعظيم بركتهم على الأمة ويقرر ذلك ويحتج لإمامة إدريس وأنه الإمام الحق دون غيره فكان يعجب إدريس ويقع منه الموقع فاستولى الشماخ عليه حتى صار من ملازميه ولا يأكل إلا معه وكان راشد كالئا لإدريس ملازما له أيضا قلما ينفرد عنه لأنه كان يخاف عليه من مثل ما وقع فيه لكثرة أعداء آل البيت يومئذ وكان الشماخ يترصد الغرة من راشد ويترقب الفرصة في إدريس إلى أن غلب راشد ذات يوم في بعض حاجاته فدخل الشماخ على إدريس فجلس بين يديه على العادة وتحدث مليا ولما لم ير الشماخ راشدا بالحضرة انتهز الفرصة في إدريس فقيل إنه كانت مع الشماخ قارورة من طيب مسموم فأخرجها وقال لإدريس هذا طيب كنت استصحبته معي وهو من جيد الطيب فرأيت أن الإمام أولى به مني وذلك من بعض ما يجب له علي ثم وضع القارورة بين يديه فشكره إدريس وتناول القارورة ففتحها واشتم ما فيها فصعد السم إلى خياشيمه وانتهى إلى دماغه فغشي عليه وقام الشماخ للحين كأنه يريد حاجة الإنسان فخرج وأتى منزله فركب فرسا له عتيقا كان قد أعده لذلك وذهب لوجهه يريد المشرق وافتقد الناس الإمام إدريس فإذا هو مغشي عليه لا يتكلم ولا يعلم أحد ما به وقيل إن الشماخ سمه في سنون والسنون بوزن صبور ما يستاك به وكان إدريس يشتكي وجع الأسنان واللثة وقيل سمه في الحوت الشابل وقيل في عنب أهداه إليه في غير إبانة والله أعلم ولما اتصل خبر إدريس بمولاه راشد أقبل مسرعا فدخل عليه وهو يحرك شفتيه لا يبين كلاما قد أشرف على الموت فجلس عند رأسه متحيرا لا يدري ما دهاه واستمر إدريس على حالته تلك إلى عشي النهار فتوفي في مهل ربيع الآخر سنة سبع وسبعين ومائة وتفقد راشد الشماخ فلم يره فعلم أنه الذي اغتال إدريس ثم جاء الخبر بأن الشماخ قد لقي على أميال من البلد فركب راشد في جمع من البربر واتبعوه وتقطعت الخيل في النواحي وطلبوه ليلتهم إلى الصباح فلحقه راشد بوادي ملوية عابرا فشد عليه راشد بالسيف وضربه ضربات قطع في بعضها يمناه وشجه في رأسه شجاجا ونجا الشماخ بجربعاء الذقن وأعيى فرس راشد عن اللحاق به فرجع عنه ويقال أن الشماخ رئي بعد ذلك ببغداد وهو مقطوع اليد ولما رجع راشد إلى منزله أخذ في تجهيز الإمام رضي الله عنه وصلى عليه ودفنه بصحن رابطة عند باب وليلى ليتبرك الناس بتربته رحمه الله ورضي عنه
أمر البربر بعد وفاة إدريس بن عبد الله رحمه الله
قالوا إن الإمام إدريس لما توفي لم يترك ولدا إلا حملا من أمة له بربرية اسمها كنزة فلما فرغ راشد من جهازه ودفنه جمع رؤساء البربر ووجوه الناس فقال لهم إن إدريس لم يترك ولدا إلا حملا من أمته كنزة وهي الآن في الشهر السابع من حملها فإن رأيتم أن تصبروا حتى تضع هذه الجارية حملها فإن كان ذكرا أحسنا تربيته حتى إذا بلغ مبلغ الرجال بايعناه تمسكا بدعوة آل البيت وتبركا بذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان جارية نظرتم لأنفسكم فقالوا له أيها الشيخ المبارك ما لنا رأي إلا ما رأيت فإنك عندنا عوض من إدريس تقوم بأمورنا كما كان إدريس يقوم بها وتصلي بنا وتقضي بيننا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ونصبر حتى تضع الجارية حملها ويكون ما أشرت به على أنها إن وضعت جارية كنت أحق الناس بهذا الأمر لفضلك ودينك وعلمك فشكرهم راشد على ذلك ودعا لهم وانصرفوا فقام راشد بأمر البربر تلك المدة ولما تمت للجارية أشهر حملها وضعت غلاما أشبه الناس بأبيه إدريس فأخرجه راشد إلى رؤساء البربر حتى نظروا إليه فقالوا هذا إدريس بعينيه كأنه لم يمت فسماه راشد إدريس ونشأ الصبي نشأة حسنة إلى أن كان من أمره ما نذكره
الخبر عن دولة إدريس بن إدريس رحمه الله
كانت ولادة إدريس بن إدريس بن عبد الله يوم الاثنين ثالث رجب سنة سبع وسبعين ومائة فكفله راشد مولى أبيه وقام بأمره أحسن قيام فأقرأه القرآن حتى حفظه وهو ابن ثمان سنين ثم علمه الحديث والسنة والفقه في الدين والعربية ورواه الشعر وأمثال العرب وحكمها وأطلعه على سير الملوك وعرفه أيام الناس ودربه على ركوب الخيل والرمي بالسهام وغير ذلك من مكايد الحرب فلم يمض له من العمر مقدار إحدى عشرة سنة إلا وقد اضطلع بما حمل وترشح للأمر واستحق لأن يبايع فبايعه البربر وآتوه صفقتهم عن طاعة منهم وإخلاص قال ابن خلدون بايع البربر إدريس الأصغر حملا ثم رضيعا ثم فصيلا إلى أن شب فبايعوه بجامع مدينة وليلى سنة ثمان وثمانين ومائة وهو ابن إحدى عشرة سنة وكان إبراهيم بن الأغلب صاحب إفريقية قد دس إلى بعض البربر الأموال واستمالهم حتى قتلوا راشدا مولاه سنة ست وثمانين ومائة وحملوا إليه رأسه وقام بكفالة إدريس من بعده أبو خالد يزيد بن إلياس العبدي ولم يزل على ذلك إلى أن بايعوا لإدريس فقاموا بأمره وجددوا لأنفسهم رسوم الملك بتجديد طاعته وفي القرطاس أن مقتل راشد كان في السنة التي بويع فيها إدريس بن إدريس قال وكانت بيعة إدريس يوم الجمعة غرة ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ومائة بعد مقتل راشد بعشرين يوما وإدريس يومئذ ابن إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر قاله عبد الملك الوراق في تاريخه وفيه بعض مخالفة لتاريخ الولادة المتقدم وفي قتل راشد يقول إبراهيم بن الأغلب في بعض ما كتب به إلى الرشيد يعرفه بنصحه وكمال خدمته ( ألم ترن بالكيد أرديت راشدا % وإني بأخرى لابن إدريس راصد )
( تناوله عزمي على بعد داره % بمحتومة يحظى بها من يكايد ) ( ففاه أخو عك بمقتل راشد % وقد كنت فيه شاهدا وهو راقد ) يريد بأخي عك محمد بن مقاتل العكي والي إفريقية فإنه لما حاول ابن الأغلب قتل راشد وتم له ذلك كتب العكي إلى الرشيد يعلمه أنه هو الذي فعل ذلك فكتب صاحب البريد إلى الرشيد بحقيقة الأمر وأن ابن الأغلب هو الفاعل لذلك والمتولي له فثبت عند الرشيد كذب العكي وصدق ابن الأغلب فعزل الرشيد العكي عن إفريقيا وولى ابن الأغلب عليها وإنما كان قبل ذلك عاملا للعكي على بعض كورها هكذا حكى صاحب القرطاس هذا الخبر وفيه أن عزل العكي عن إفريقية وتولية ابن الأغلب عليها كان في سنة أربع وثمانين قبل وفاة راشد بسنتين أو بأربع سنين على الخلاف المتقدم وقال البكري والبرنسي إن راشدا لم يمت حتى أخذ البيعة لإدريس بالمغرب وإن إدريس لما تم له من العمر إحدى عشرة سنة ظهر من وفور عقله ونباهته وفصاحته ما أذهل عقول الخاصة والعامة فأخذ له راشد البيعة على البربر يوم الجمعة سابع ربيع الأول من السنة المذكورة فصعد إدريس المنبر وخطب الناس فقال الحمد لله أحمده وأستغفره وأستعين به وأتوكل عليه وأعوذ به من شر نفسي ومن شر كل ذي شر وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله المبعوث إلى الثقلين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا صلى الله عليه وعلى آل بيته الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا أيها الناس إنا قد ولينا هذا الأمر الذي يضاعف فيه للمحسن الأجر وعلى المسيء الوزر ونحن والحمد لله على قصد فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا فإن الذي تطلبونه من إقامة الحق إنما تجدونه عندنا ثم دعا الناس إلى بيعته وحضهم على التمسك بطاعته فعجب الناس من فصاحته وقوة جأشه على صغر سنه ثم نزل فتسارع الناس إلى بيعته وازدحموا عليه يقبلون يده فبايعه كافة قبائل المغرب من زناتة وأوربة وصنهاجة وغمارة وسائر قبائل البربر فتمت له البيعة وبعد بيعته بقليل توفي مولاه راشد والله أعلم
وفود العرب على إدريس بن إدريس رحمه الله
لما استقام أمر المغرب لإدريس بن إدريس وتوطد ملكه وعظم سلطانه وكثرت جيوشه وأتباعه وفدت عليه الوفود من البلدان وقصد الناس حضرته من كل صقع ومكان فاستمر بقية سنة ثمان وثنانين يصل الوفود ويبذل الأموال ويستميل الرؤساء والأقيال ولما دخلت سنة تسع وثمانين ومائة وفدت عليه وفدت عليه وفود العرب من إفريقية والأندلس نازعين إليه وملتفين عليه فاجتمع لديه منهم نحو خمسمائة فارس من قيس والأزد ومذحج ويحصب والصدف وغيرهم فسر إدريس بوفادتهم وأجزل صلتهم وأدنى منزلتهم وجعلهم بطانة دون البربر فاعتز بهم وأنس بقربهم فإنه كان غريبا بين البربر فاستوزر منهم عمير بن مصعب الأزدي المعروف بالملجوم من ضربة ضربها في بعض حربهم وسمته على الخرطوم وكان عمير من فرسان العرب وسادتها ولأبيه مصعب مآثر بإفريقية والأندلس ومواقف في غزو الفرنج واستقضى منهم عامر بن محمد بن سعيد القيشي وكان من أهل الورع والفقه والدين سمع من مالك بن أنس وسفيان الثوري وروى عنهما كثيرا وكان قد خرج إلى الأندلس برسم الجهاد ثم أجاز إلى العدوة فوفد بها على إدريس فيمن وفد عليه من العرب فاستقضاه واستكتب منهم أبا الحسن عبد الله بن مالك الخزرجي ولم تزل الوفود تقدم عليه من العرب والبربر حتى كثر الناس لديه وضاقت بهم مدينة وليلى وانتهى إلى ابن الأغلب ما عليه إدريس من الإستفحال فأرهف عزمه للتضريب بين البربر واستفسادهم على إدريس فكان منهم بهلول بن عبد الواحد المضغري من خاصة إدريس ومن أركان دولته فكاتبه ابن الأغلب واستهواه بالمال حتى بايع الرشيد وانحرف عن إدريس واعتزله في قومه فصالحه إدريس وكتب إليه يستعطفه بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكف عنه وكان فيما كتب به إدريس إلى بهلول المذكور قوله ( أبهلول قد حملت نفسك خطة % تبدلت منها ضلة برشاد ) ( أضلك إبراهيم مع بعد داره % فأصبحت منقادا بغير قياد ) ( كأنك لم تسمع بمكر ابن أغلب % وقدما رمى بالكيد كل بلاد ) ( ومن دون ما منتك نفسك خاليا % ومناك إبراهيم شوك قتاد ) ثم أحس إدريس من إسحاق بن محمد الأوربي بانحراف عنه وموالاة لابن الأغلب فقتله سنة ثنتين وتسعين ومائة وصفا له المغرب وتمكن سلطانه به والله غالب على أمره
بناء مدينة فاس
لما كثرت الوفود من العرب وغيرهم على إدريس رحمه الله وضاقت بهم مدينة وليلى اراد أن يبني لنفسه مدينة يسكنها هو وخاصته ووجوه دولته فركب يوما في جماعة من حاشيته وخرج يتخير البقاع فوصل إلى جبل زالغ فأعجبه ارتفاعه وطبب هوائه وتربته فاختط بسنده مدينة مما يلي الجوف وشرع في بنائها فبنى بعضا من الدور ونحو الثلث من السور فأتى السيل من أعلى الجبل في بعض الليالي فهدم السور والدور وحمل ما حول ذلك من الخيام والزروع وألقاها في نهر سبو فكف إدريس عن البناء واستمر الحال على ذلك مدة يسيرة ثم خرج ثانية يتصيد ويرتاد لنفسه موضعا يبني فيه ما قد عزم عليه فانتهى إلى نهر سبو حيث هي اليوم حمة خولان فأعجبه الموضع لقربه من الماء ولأجل الحمة التي هناك والحمة كما في القاموس كل عين فيها ما حار ينبع منها ويستشفى به فعزم إدريس على أن يبني هناك مدينة وشرع في حفر الأساس وعمل الجيار وقطع الخشب وابتدأ بالبناء ثم فكر في نهر سبو وما يأتي به من الممدود والسيول زمان الشتاء وما يحصل بذلك من الضرر العظيم للناس فكف عن البناء ورجع إلى وليلى ثم بعث وزيره عمير بن مصعب الأزدي يرتاد له موضعا يبني فيه المدينة التي عزم عليها فسار عمير في جماعة يقص الجهات ويتخير البقاع والترب والمياه حتى انتهى إلى فحص سايس فأعجبه المحل فنزل هناك على عين ماء تطرد في مرج أخضر فتوضأ وصلى الظهر هو وجماعة القوم الذين معه ثم دعا الله تعالى أن ييسر عليه مطلبه ثم ركب وحده وأمر الجماعة أن ينتظروه حتى يعود إليهم فنسبت العين إليه من يومئذ ودعيت عين عمير إلى الآن وعمير هذا هو جد بني الملجوم من بيوتات فاس وكبرائهم فأوغل عمير في فحص سايس حتى انتهى إلى العيون التي ينبع منها وادي فاس فرأى بها من عناصر الماء ما ينيف على الستين عنصرا ورأى مياهها تطرد في فسيح من الأرض وحول العيون شعراء من شجر الطرفاء والطخش والعرعار والكلخ وغير ذلك فشرب من الماء فاستطابه ونظر إلى ما حوله من المزارع التي ليست على نهر سبو فأعجبته فانحدر مع مسيل الوادي حتى انتهى إلى موضع مدينة فاس اليوم فنظر فإذا ما بين الجبلين غيضة ملتفة الأشجار مطردة العيون والأنهار وفي جانب منها خيام من شعر يسكنها قوم من زواغة يعرفون ببني الخير وقوم من زناتة يعرفون ببني يرغش وكان بنو يرغش على دين المجوسية وكان بيت نارهم بالموضع المعروف بشيبوبة وكان البعض منهم على دين اليهودية والبعض على دين النصرانية وكان بنو الخير ينزلون بعدوة القرويين وبنو يرغش ينزلون بعدوة الأندلس وكانوا قلما يفترون عن القتال لاختلاف أهوائهم وتباين أديانهم فرجع عمير إلى إدريس وأعلمه بما رأى من الغيضة وساكنيها وما وقع عليه اختياره فيها فجاء إدريس لينظر إلى البقعة فألفى بني الخير وبني يرغش يقتتلون فأصلح بينهم وأسلموا على يده واشترى منهم الغيضة بستة آلاف درهم هم فرضوا بذلك ودفع لهم الثمن وأشهد عليهم بذلك على يد كاتبه أبي الحسن عبد الله بن مالك الخزرجي ثم ضرب أبنتيه بكرواوة وشرع في بناء المدينة فاختط عدوة الأندلس غرة ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين ومائة وفي سنة ثلاث بعدها اختط عدوة القرويين وبنى مساكنه بها وانتقل إليها وقد كان أولا أدار السور على عدوة الأندلس وبنى بها الجامع المعروف بجامع الأشياخ وأقام فيه الخطبة ثم انتقل ثانيا إلى عدوة القرويين كما قلنا ونزل بالموضع المعروف بالمقرمدة وضرب فيه قيطونة وأخذ في بناء جامع الشرفاء وأقام فيه الخطبة أيضا ثم شرع في بناء داره المعروفة الآن بدار القيطون التي يسكنها الشرفاء الجوطيون من ولده ثم بنى القيسارية إلى جانب المسجد الجامع وأدار الأسواق حوله وأمر الناس بالبناء وقال لهم من بنى موضعا أو اغترسه قبل تمام السور فهو له فبنى الناس من ذلك شيئا كثيرا واغترسوا ووفد عليه جماعة من الفرس من أرض العراق فأنزلهم بغيضة هناك كانت على العين المعروفة بعين علون وكان علون عبدا أسود يأوي إلى تلك الغيضة ويقطع الطريق بها على المارة فتحامى الناس غيضته وتناذروها فأعلم إدريس رحمه الله بشأنه فبعث في طلبه خيلا قبضوا عليه وجاؤوا به إليه فأمر بقتله وصلبه على شجرة كانت على العين فأضيفت إليه العين من يومئذ وقيل عين علون ثم أدار إدريس السور على عدوة القرويين وكانت من لدن باب السلسلة إلى غدير الجوزاء قال عبد الملك الوراق كانت مدينة فاس في القديم بلدين لكل بلد منهما سور يحيى ط به وأبواب تختص به والنهر فاصل بينهما وسميت إحدى العدوتين عدوة القرويين لنزول العرب الوافدين من القيروان بها وكانوا ثلاثمائة أهل بيت وسميت الأخرى عدوة الأندلس لنزول العرب الوافدين من الأندلس بها وكانوا جما غفيرا يقال أربعة آلاف أهل بيت وكان الحكم بن هشام الأموي صاحب الأندلس صدرت منه لأول إمارته هنات أوجبت قيام جماعة من أهل الورع عليه فيهم يحيى بن يحيى الليثي صاحب مالك وراوي الموطأ عنه وطالوت الفقيه وغيرهما فخلعوا الحكم وبايعوا بعض قرابته وكانوا بالربض الغربي من قرطبة فقاتلهم الحكم وكثروه وكادوا يأتون عليه ثم أظفره الله بهم ووضع فيهم السيف ثلاثة أيام وهدم دورهم ومساجدهم وفر الباقون منهم فلحقوا بفاس المغرب الأقصى وبالإسكندرية من أرض مصر فأما اللاحقون بفاس فأنزلهم إدريس رحمه الله بعدوة الأندلس فأضيفت إليهم وأما اللاحقون بالإسكندية فثاروا بها بعد حين فزحف إليهم عبد الله بن طاهر الخزاعي صاحب مصر من قبل المأمون بن الرشيد فقاتلهم ونفاهم إلى جزيرة إقريطش فلم يزالوا بها إلى أن ملكها الفرنج من أيديهم بعد مدة وذكر ابن غالب في تاريخه أن الإمام إدريس لما فرغ من بناء مدينة فاس وحضرت الجمعة الأولى صعد المنبر وخطب الناس ثم رفع يديه في آخر الخطبة فقال اللهم إنك تعلم أني ما أردت ببناء هذه المدينة مباهاة ولا مفاخرة ولا رياء ولا سمعة ولا مكابرة وإنما أردت أن تعبد بها ويتلى بها كتابك وتقام بها حدودك وشرائع دينك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ما بقيت الدنيا اللهم وفق سكانها وقطانها للخير وأعنهم عليه واكفهم مؤنة أعدائهم وأدر عليهم الأرزاق وأغمد عنهم سيف الفتنة والشقاق إنك على كل شيء قدير فأمن الناس على دعائه فكثرت الخيرات بالمدينة وظهرت بها البركات ومن محاسن فاس أن نهرها يشقها بنصفين وتتشعب جداوله في دورها وحماماتها وشوارعها وأسواقها وتطحن به أرحاؤها ثم يخرج منها وقد حمل أقذارها وازبالها إلى غير ذلك من عيون الماء التي تنبع بداخلها وتتفجر من بيوتها تجاوز الحصر كثرة وقد مدحها الفقيه الزاهد أبو الفضل ابن النحوي بقوله ( يا فاس جميع الحسن مسترق % وساكنوك ليهنهم بما رزقوا ) ( هذا نسميك أم روح لراحتنا % وماؤك السلسل الصافي أم الورق ) ( أرض تخللها الأنهار داخلها % حتى المجالس والأسواق والطرق ) وقال الفقيه الكاتب أبو عبد الله المغيلي يتشوق إلى فاس وكان يلي خطة القضاء بمدينة آزمور ( يا فاس حيا الله أرضك من ثرى % وسقاك من صوب الغمام المسبل ) ( يا جنة الدنيا التي أربت على % حمص بمنظرها البهي الأجمل ) ( غرف على غرف ويجري تحتها % ماء ألذ من الرحيق السلسل ) ( وبساتن من سندس قد زخرفت % بجداول كالأيم أو كالمقصل ) وبجامع القروين شرف ذكره % أنس بذكراه يهيج تململ ) ( وبصحنه زمن المصيف محاسن % فمع العشي الغرب منه استقبل ) ( واجلس إزاء الخصة الحسنا به % واكرع بها عني فديتك وانهل )
غزو إدريس بن إدريس المغربين واستيلاؤه عليهما
لما فرغ إدريس من بناء مدينة فاس وانتقل إليها بمحلته واستوطنها بحاشيته وأرباب دولته واتخذها دار ملكه أقام بها إلى سنة سبع وتسعين ومائة فخرج غازيا بلاد المصامدة فانتهى إليها واستولى عليها ودخل مدينة نفيس ومدينة أغمات وفتح سائر بلاد المصامدة وعاد إلى فاس فأقام بها إلى سنة تسع وتسعين ومائة فخرج في المحرم برسم غزو قبائل نفزة من أهل المغرب الأوسط ومن بقي هناك على دين الخارجية من البربر فسار حتى غلب عليهم ودخل مدينة تلمسان فنظر في أحوالها وأصلح سورها وجامعها وصنع فيها منبرا قال أبو مروان عبد الملك الوراق دخلت مدينة تلمسان سنة خمس وخمسين وخمسمائة فرأيت في رأس منبرها لوحا من بقية منبر قديم قد سمر عليه هنالك مكتوبا فيه هذا ما أمر به الإمام إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي رضي الله عنهم في شهر المحرم سنة تسع وتسعين ومائة اه وقد تقدم لنا ما يخالف هذا والله أعلم وأقام إدريس بمدينة تلمسان وأحوازها يدبر أمرها ويصلح أحوالها ثلاث سنين ثم رجع إلى مدينة فاس قال داود بن القاسم الأوربي شهدت مع إدريس بن إدريس بعض غزواته مع الخوارج الصفرية من البربر فلقيناهم وهم ثلاثة أضعافنا فلما تقارب الجمعان نزل إدريس فتوضأ وصلى ركعتين ودعا الله تعالى ثم ركب فرسه وتقدم للقتال قال فقاتلناهم قتالا شديد فكان إدريس يضرب في هذا الجانب مرة ويكر في هذا الجانب الآخر مرة ولم يزل كذلك حتى ارتفع النهار ثم رجع إلى رايته فوقف بإزائها والناس يقاتلون بين يديه فطفقت أتأمله وأديم النظر إليه وهو تحت ظلال البنود يحرض الناس ويشجعهم فأعجبني ما رأيت من ثباته وقوة جأشه فالتفت نحوي وقال يا داود ما لي أراك تديم النظر إلي قلت أيها الإمام إنه قد أعجبني منك خصال لم أرها اليوم في غيرك قال وما هي قلت أولاها ما أراه من ثبات قلبك وطلاقة وجهك عند لقاء العدو قال ذاك ببركة جدنا صلى الله عليه وسلم ودعائه لنا وصلاته علينا ووراثة من أبينا علي بن أبي طالب قلت وأراك تبصق بصاقا مجتمعا وأنا أطلب قليل الريق في فمي فلا أجد قال يا داود ذاك لقوة جأشي واجتماع لبي عند الحرب وعدم ريقك لطيش عقلك وافتراق لبك قلت وأنا أيضا أتعجب من كثرة تقلبك في سرجك وقلة قرارك عليه قال ذاك مني زمع إلى القتال وصرامة فيه فلا تظنه رعبا وأنشأ يقول ( أليس أبونا هاشم شد أزره % وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب ) ( فلسنا نمل الحرب حتى تملنا % ولا نشتكي مما يؤول من النصب )
وفاة إدريس بن إدريس رحمه الله
قال ابن خلدون انتظمت لإدريس بن إدريس كلمة البربر كلمة البربر ومحى دعوة الخوارج منهم واقتطع المغربين عن دعوة العباسيين من لدن السوس الأقصى غلى وادي شلف ودافع إبراهيم بن الأغلب عن حماه بعد ما ضايقه بالمكايد واستفساد الأولياء حتى قتلوا راشد مولاه وارتاب إدريس بالبربر فصالح بن الأغلب وسكن من غربه وضرب السكة باسمه وعجز الأغالبة بعد ذلك عن مدافعة هؤلاء الأدارسة ودافعوا خلفاء بين العباس بالمعاذير الباطلة وصفا ملك المغرب لإدريس واستمر بدار ملكه من فاس ساكنا وادعا مقتعدا أريكته مجتنيا ثمرته إلى أن توفاه الله ثاني جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة ومائتين وعمره نحو ست وثلاثين سنة ودفن بمسجده بإزاء الحائط الشرقي منه وقال البرنسي إنه توفي بمدينة وليلى ودفن إلى جنب أبيه وكان سبب وفاته أنه أكل عنبا فشرق بحبة منه فمات لحينه وخلف من الولد اثني عشر ذكرا أولهم محمد وعبد الله وعيسى وإدريس وأحمد وجعفر ويحيى والقاسم وعمر وعلي وداود وحمزة كذا في القرطاس وزاد ابن حزم الحسن والحسين وولي الأمر منهم بعده محمد وهو أكبرهم
الخبر عن دولة محمد بن إدريس رحمه الله
لما توفي إدريس بن إدريس رحمه الله قام بالأمر بعده ابنه محمد بعهد منه إليه ولما ولي قسم بلاد المغرب بين اخوته وذلك بإشارة جدته كنزة أم إدريس فاختص القاسم منها بطنجة وسبتة وقصر مصمودة وقلعة حجر النسر وتطوان وما انضم إلى ذلك من القبائل والبلاد واختص عمر منها بتيكساس وترغة وما بينهما من قبائل صنهاجة وغمارة واختص داود ببلاد هوارة وتسول وتازا وما بين ذلك من قبائل مكناسة وغياثة واختص يحيى بآصيلا والعرايش والبصرة وبلاد ورغة وما والى ذلك واختص عيسى بسلا وشالة وآزمور وتامسنا وما انضم إلى ذلك من القبائل واختص حمزة بمدينة وليلى وأعمالها واختص أحمد بمدينة مكناسة ومدينة تادلا وما بينهما من بلاد فازاز واختص عبد الله بأغمات وبلد نفيس وجبال المصامدة وبلاد لمطة والسوس الأقصى وأبقى الآخرين في كفالته وكفالة جدتهم كنزة لصغرهم وبقيت تلمسان لولد عمه سليمان بن عبد الله فإن إدريس بن إدريس لما غزا تلمسان وأقام بها ثلاث سنين كما سبق ودوخ بلاد زناتة واستوسقت له طاعتهم عقد عليها لبني عمه سليمان بن عبد الله فلما توفي إدريس واقتسم بنوه أعمال المغرب كانت تلمسان في سهم عيسى بن إدريس بن محمد بن سليمان بن عبد الله واستمرت بأيديهم إلى أن تلاشى أمرهم بدخول العبيدين عليهم قاله ابن خلدون وأقام محمد بن إدريس بدار مكة من فاس مقتعدا على أريكته واخوته ولاة على بلاد المغرب قد ضبطوا أعمالها وسدوا ثغورها وأمنوا سبلها وحسنت سيرتهم في ذلك إلى أن كان ما نذكره
حدوث الفتنة بين بني إدريس
ثم خرج على محمد بن إدريس أخوه عيسى بمدينة آزمور ونبذ طاعته وطلب الأمر لنفسه فكتب محمد إلى أخيه القاسم صاحب طنجة يأمره بحرب عيسى فامتنع من ذلك فكتب محمد إلى أخيه عمر صاحب تيكساس بمثل ما كتب به إلى القاسم فامتثل أمره وزحف إلى عيسى في قبائل البربر وأمده محمد بألف فارس من زناتة فأوقع عمر بعيسى وهزمه وطرده عن عمله وكتب إلى الأمير محمد بالفتح فشكره على ذلك وولاه على ما فتحه من عمل عيسى وأمره مع ذلك بالمسير إلى قتال القاسم الذي عصى أمره أولا فزحف عمر إلى القاسم ونزل عليه بظاهر طنجة فخرج إليه القاسم ودارت بينهما حرب شديدة هزم فيها القاسم واستولى عمر على ما بيده من البلاد فصار الريف البحري كله في عمل عمر من تيكيساس وبلاد غمارة إلى سبتة ثم إلى طنجة وهذا ساحل البحر الرومي ثم ينعطف إلى آصيلا والعرايش ثم إلى سلا ثم آزمور وبلاد تامسنا وهذا ساحل البحر المحيط وتزهد القاسم بعد هذه الحرب فبنى مسجدا بساحل البحر قرب آصيلا بموضع يعرف بتاهدرات على ضفة النهر هناك وأعرض عن الدنيا وأقام يعبد الله إلى أن مات رحمه الله واتسعت ولاية عمر بن إدريس وخلصت طويته لأخيه محمد الأمير إلى أن توفي عمر بموضع يعرف بفج الفرس من بلاد صنهاجة في دولة أخيه محمد سنة عشرين ومائتين فحمل إلى فاس وصلى عليه الأمير محمد ودفن مع أبيه وعمر هذا هو جد الأشراف الحموديين المالكين للأندلس بعد بني أمية وعقد الأمير محمد على عمله لولده علي بن عمر إلى أن كان من أمره ما نذكره وأما عيسى فيقال إنه توفي بآيت عتاب وله بها ذرية والله أعلم
وفاة محمد بن إدريس رحمه الله
وأقام الأمير محمد بن إدريس بعد وفاة أخيه عمر سبعة أشهر وتوفي بمدينة فاس في ربيع الثاني سنة إحدى وعشرين ومائتين ودفن بشرقي جامعها مع أبيه وأخيه بعد أن عهد بالأمر لابنه علي بن محمد المعروف بحيدرة على ما سيأتي
الخبر عن دولة علي بن محمد بن إدريس
لما توفي محمد بن إدريس بايع الناس لابنه علي بن محمد بعهد منه إليه ويلقب علي هذا بحيدرة على لقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو جد الأشراف العلميين أهل جبل العلم ومنهم المشيشيون أولاد مولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه والوزانيون أولاد مولانا عبد الله الشريف وينتهي نسب هؤلاء إلى المولى يملح بن مشيش أخي المولى عبد السلام بن مشيش وكان سن علي حيدرة يوم بويع تسع سنين وأربعة أشهر فقام بأمره الأولياء والحاشية من العرب والبربر وأحسنوا كفالته وطاعته وكانت أيامه خير أيام وقال ابن أبي زرع ظهر لعلي هذا من الذكاء والفضل ما يقتضيه شرفه وسار بسيرة أبيه وجده في العدل فكان الناس في أيامه في أمن ودعة إلى أن توفي في شهر رجب سنة أربع وثلاثين ومائتين وعهد بالأمر لأخيه يحيى بن محمد على ما سيأتي
الخبر عن دولة يحيى بن محمد بن إدريس
قال ابن خلدون قام يحيى بن محمد بن إدريس بالأمر وامتد سلطانه وعظمت دولته وحسنت آثار أيامه واستبحر عمران فاس وبنيت بها الحمامات والفنادق للتجار وبنيت خارجها الأرباض ورحل إليها الناس من الثغور القاصية وقال ابن أبي زرع قصد إليها الناس من الأندلس وإفريقية وجميع بلاد المغرب
بناء مسجد القرويين بفاس
قال ابن أبي زرع كان موضع مسج القرويين أرضا بيضاء لرجل من هوارة كان والده قد حازها أيام بناء فاس ولما قدم وفد القيروان على إدريس الأصغر حسبما تقدم كان فيهم امرأة اسمها فاطمة بنت محمد الفهري وتكنى أم البنين فنزلت في أهل بيتها بالقرب من موضع المسجد المذكور ثم مات زوجها وإخوتها فورثت منهم مالا جسيما وكان من حلال فأرادت أن تنفقه في وجوه الخير وكانت لها نية صالحة فعزمت على بناء مسجد تجد ثوابه عند الله فاشترت البقعة من ربها وشرعت في حفر أساس المسجد وبناء جدرانه وذلك يوم السبت فاتح رمضان المعظم سنة خمس وأربعين ومائتين فبنته بالطابية والكدان وكانت الطريقة التي سلكتها في بنائه أنها التزمت أن تأخذ التراب وغيره من مادة البناء من نفس البقعة دون غيرها مما هو خارج عن مساحتها فحفرت في أعماقها كهوفا وجعلت تستخرج منها التراب الجيد والحجر الكدان وتبني به وأنبطت بها بئرا يستقى منها الماء للبناء والشرب وغير ذلك وكان ذلك كله تحريا منها أن لا تدخل في بناء المسجد شبهة فعادت بركة نيتها وورعها على المسجد المذكور حتى كان منه ما ترى قالوا ولم تزل فاطمة المذكورة صائمة من يوم شرع في بنائه إلى أن تم وصلت فيه شكرا لله تعالى وكانت مساحة المسجد يوم بني أربع بلاطات وصحنا صغيرا وجعلت محرابه في موضع الثريا الكبرى وجعلت طوله من الغرب إلى الشرق مائة وخمسين شبرا وبنت به صومعة غير مرتفعة بموضع القبة التي على رأس العنزة اليوم واستمر الحال على ذلك إلى أن انقرضت دولة الأدارسة وجاءت دولة زناتة من بعدها وأداروا السور على العدوتين معا القرويين والأندلس وزادوا في مسجديهما زيادة كثيرة فنقلوا الخطبة من مسجد الشرفاء إلى مسجد القرويين ومن مسجد الأشياخ إلى مسجد الأندلس وذلك صدر المائة الرابعة ثم لما استولى عبد الرحمن الناصر صاحب الأندلس على فاس وبلاد العدوة استعمل على فاس عاملا له اسمه أحمد بن أبي بكر الزناتي ثم اليفرني فاستأذن الناصر في إصلاح مسجد القرويين والزيادة فيه فأذن له وبعث إليه بمال من خمس الغنائم فزاد فيه زيادة بينة وأزال الصومعة القديمة عن موضعها وبنى الصومعة الموجودة الآن وكتب على بابها في مربعة بالجص واللازورد هذا ما أمر به أحمد بن أبي بكر الزناتي هداه الله ووفقه ابتغاء ثواب الله وجزيل إحسانه وابتدأ العمل في هذه الصومعة يوم الاثنين غرة رجب سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وفرغ من بنائها في شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين وثلاثمائة وركب في أعلى المنارة سيف الإمام إدريس بن إدريس تبركا به وذلك أن بعض حفدة إدريس رحمه الله تنازعوا في السيف المذكور وأراد كل أن يحوزه لنفسه فقال لهم الأمير أحمد بن أبي بكر هل لكم في أن تبيعوني هذا السيف قالوا وما تصنع به قال أجعله في أعلى المنارة فقالوا أما إذا أردت هذا فنحن نهبه لك مجانا فوهبوه له فركبه في أعلى المنارة وكانت مبنية من الحجر المنجور وفيها ثقب يعشش فيها الطير من الحمام والزرزور وغيرهما ويتأذى المسجد والناس بها واستمر الحال على ذلك إلى أن كانت سنة ثمان وثمانين وستمائة أيام السلطان يوسف بن يعقوب بن عبد الحق المريني فاستأذن القاضي أبو عبد الله بن أبي الصبر السلطان يوسف المذكور في تلبيس المنارة وتبييضها فأذن له فلبسها وبيضها ودلكها حتى صارت كالمرآة الصقلية وقال ابن خلدون ثم أوسع في خطه المسجد المذكور المنصور بن أبي عامر صاحب الأندلس وأعد له السقاية والسلسلة بباب الحفاة ثم أوسع في خطته علي بن يوسف اللمتوني ثم ملوك الموحدين وبني مرين واستمرت العمارة به وانصرفت هممهم إلى تشييده والمنافسة في الاهتبال به فبلغ الاحتفال فيه ما شاء حسبما هو مذكور في تواريخ المغرب أه وفي أيام يحيى بن محمد صاحب الترجمة وذلك في سنة سبع وثلاثين ومائتين قام رجل مؤذن بناحية تلمسان يدعي النبوة وتأول القرآن على غير وجهه فاتبعه خلق كثير من الغوغاء وكان من بعض شرائعه أنه ينهى عن قص الشعر وتقليم الأظفار ونتف الإبطين والاستحداد وأخذ الزينة ويقول لا تغيير لخلق الله فأمر أمير تلمسان بالقبض عليه فهرب وركب البحر من مرسى هنين إلى الأندلس فشاع بها أيضا خبره وتبعه من سفهاء الناس أمة عظيمة فبعث إليه ملك الأندلس فاستتابه فلم يتب فقتله وصلبه وهو يقول أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله
الخبرعن دولة يحيى بن يحيى بن محمد بن إدريس
لما توفي يحيى بن محمد الذي بنى مسجد القرويين في أيامه ولي الأمر من بعده ابنه يحيى بن يحيى بن محمد بن إدريس فاساء السيرة وكثر عيثه في الحرم ودخل على جارية من بنات اليهود في الحمام وكانت بارعة في الجمال فراودها عن نفسها فاستغاثت وبادر الناس إليها بالإنكار وثابت العامة عليه وتولى كبر ذلك عبد الرحمن بن أبي سهل الجذامي وكانت زوجة يحيى المذكور وهي عاتكة بنت علي بن عمر بن إدريس صاحب الريف والسواحل أشارت عليه بالاختفاء بعدوة الأندلس ريثما تسكن الفتنة فتوارى بها فمات من ليلته أسفا على ما صنع بنفسه وما وقع فيه من العار واستولى عبد الرحمن بن أبي سهل على فاس وقام بأمرها فكتبت عاتكة بنت علي إلى أبيها تعلمه بالخبر واستدعاه مع ذلك أهل الدولة من العرب والبربر والموالي فجمع حشمه وجيشه وجاء إلى فاس فاستولى عليها وانقطع الملك من عقب محمد بن إدريس وصار بعد هذا تارة يكون في عقب عمر بن إدريس صاحب الريف وتارة يكون في عقب القاسم بن إدريس الزاهد على ما نذكره
الخبر عن دولة علي بن عمر بن إدريس
لما دخل علي بن عمر مدينة فاس واستقر بها بايعه الناس ودخلت الكافة في طاعته وخطب له على جميع منابر المغرب واستقام له الأمر إلى أن ثار عليه عبد الرزاق الفهري وكان من الخوارج الصفرية وأصله من وشقة بلد بالأندلس فقام بجبال مديونة من أعمال فاس على مسيرة يوم ونصف منها فتبعه خلق كثير من البربر من مديونة وغياثة وغيرهم فبنى قلعة منيعة ببعض جبال مديونة وسماها وشقه باسم بلده قال ابن أبي زرع وهي باقية بتلك الناحية حتى الآن ثم زحف إلى قرية صفرون فدخلها وبايعه كافة البربر الصفرونية ثم زحف بهم إلى فاس فخرج إليه علي بن عمر بن إدريس في عسكر ضخم فكانت بينهم حرب شديدة كان الظفر في آخرها لعبد الرزاق فانهزم علي بن عمر وقتل خلق كثير من جنده وفر بنفسه إلى بلاد أوربة فدخل عبد الرزاق مدينة فاس وملك عدوة الأندلس وخطب له بها وامتنع منه أهل عدوة القرويين وبعثوا إلى يحيى بن القاسم الزاهد وكان ما نذكره
الخبر عن دولة يحيى بن القاسم بن إدريس
لما فر علي بن عمر عن فاس واستولى عبد الرزاق الصفري على عدوة الأندلس بعث أهل فاس إلى يحيى بن القاسم بن إدريس ويعرف يحيى هذا بالعدام فوصل إليهم فبايعوه وولوه على أنفسهم ويحيى العدام هذا هو جد الأشراف الجوطيين بفاس فإنهم أولاد يحيى الجوطي بن محمد بن يحيى العدام وإنما قيل له الجوطي نسبة إلى جوطة بضم الجيم وبالطاء المهملة قرية كانت على نهر سبو بالعدوة الجنوبية منه نزلها بيحيى بن محمد فنسب إليها وقبره معروف بها إلى الآن ولما استقل بيحيى بن القاسم بالأمر قاتل عبد الرزاق حتى أخرجه من عدوة الأندلس فدخلها وبايعه أهلها وجميع من نزل بها من أهل الأندلس الربضيين ربض قرطبة واستعمل يحيى بن القاسم عليهم ثعلبة بن محارب بن عبد الله الأزدي من ولد المهلب بن أبي صفرة وهو ربضي أيضا فلم يزل واليا على عدوة الأندلس إلى أن توفي فاستعمل يحيى مكانه ولده عبد الله بن ثعلبة المعروف بعبود إلى أن توفي أيضا فاستعمل الأمير يحيى مكانه ولده محارب بن عبود بن ثعلبة وخرج الأمير يحيى بن القاسم إلى قتال الصفرية فكانت له معهم حروب ووقائع كثيرة ولم يزل أميرا على فاس وأعمالها إلى أن اغتاله الربيع بن سليمان سنة اثنتين وتسعين ومائتين وكانت في أيام هؤلاء الأمراء أحداث نذكرها ففي سنة ثلاث وخمسين ومائتين كان ببلاد العدوة والأندلس قحط شديد نضبت منه المياه واستمر إلى سنة ستين وفي سنة أربع وخمسين كسف القمر كله من أول الليل حتى أصبح ولم ينجل وفي سنة ستين ومائتين عم القحط والغلاء جميع بلاد الأندلس والمغرب وإفريقية ومصر والحجاز حتى رحل الناس عن مكة إلى الشام ولم يبق بها إلا نفر يسير مع سدنة الكعبة ثم كان بالمغرب والأندلس وباء عظيم مع غلاء في الأسعار وعدمت الأقوات فهلك خلق كثير وفي سنة ست وستين ومائتين كانت بالسماء حمرة شديدة من أول الليل إلى آخره لم يعهد قبلها مثلها وذلك ليلة السبت لتسع بقين من صفر من السنة المذكورة وفي سنة سبع وستين ومائتين في يوم الخميس الثاني والعشرين من شوال منها كانت زلزلة عظيمة لم يسمع بمثلها تهدمت منها القصور وانحطت منها الصخور من الجبال وفر الناس من المدن إلى البرية من شدة اضطراب الأرض وتساقطت السقوف والحيطان وفرت الطيور عن أوكارها وماجت في السماء زمانا حتى سكنت الزلزلة وعمت هذه الرجفة جميع بلاد الأندلس سهلها وجبالها وجميع بلاد العدوة من تلمسان إلى طنجة ومن البحر الرومي إلى أقصى المغرب إلا أنها لم يمت فيها أحد لطفا من الله تعالى بخلقه وفي سنة ست وسبعين ومائتين طبقت الفتنة جميع آفاق الأندلس والمغرب وإفريقية وفي سنة خمس وثمانين ومائتين كانت المجاعة الشديدة التي عمت جميع بلاد الأندلس وبلاد العدوة حتى أكل الناس بعضهم بعضا ثم عقب ذلك وباء ومرض وموت كبير هلك فيه من الخلق ما لا يحصى فكان يدفن في القبر الواحد عدد من الناس لكثرة الموتى وقلة من يقوم بهم وكانوا يدفنون من غير غسل ولا صلاة والأمر لله وحده
الخبر عن دولة يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس
لما قتل يحيى العدام في التاريخ المتقدم ولي الأمر من بعده يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس فبايعه أهل عدوة فاس وخطب له بهما وامتد ملكه على جميع أعمال المغرب وخطب له على سائر منابره وكان يحيى هذا واسطة عقد البيت الإدريسي أعلاهم قدرا وأبعدهم ذكرا وأكثرهم عدلا وأغزرهم فضلا وأوسعهم ملكا وكان فقيها حافظا للحديث ذا فصاحة وبيان بطلا شجاعا حازما ذا صلاح ودين وورع قال ابن خلدون لم يبلغ أحد من الأدراسة مبلغه في الدولة والسلطان إلى أن طما على ملكه عباب العبيديين القائمين بإفريقية فأغرقه
استيلاء العبيديين من الشيعة على المغرب الأقصى وقدوم قائدهم مصالة بن حبوس إلى فاس
قد قدمنا عند ذكر ولاة المغرب أن إبراهيم بن الأغلب كان آخرهم وأنه أورث بإفريقية ملكا لبنيه فاستمرت دولتهم بها إلى أواخر المائة الثالثة وانقرضت على يد أبي عبد الله المحتسب داعية العبيديين من الشيعة فإن المحتسب حج في بعض السنين واجتمع بمكة بحجاج كتامة من أهل المغرب فتعرف إليهم ووعدهم بظهور المهدي من آل البيت على يدهم ويكون لهم به الملك والسلطان فتبعوه على رأيه وصحبهم إلى بلادهم ورأس فيهم رئاسة دينية وقرر لهم مذهب الشيعة فاتبعوه وتمسكوا به ثم بايعوا مولاه عبيد الله المهدي أول خلفاء العبيديين فاستولى على إفريقية في خبر طويل ثم سمت همته إلى تملك المغرب الأقصى فأغزاه قائده مصالة بن حبوس المكناسي صاحب تاهرت والمغرب الأوسط فزحف مصالة إلى المغرب الأقصى سنة خمس وثلاثمائة وانتهى إلى فاس فبرز إليه يحيى بن إدريس لمدافعته في جموع العرب والبربر والموالي والتقوا بقرب مكناسة فانهزم يحيى وعاد مفلولا إلى فاس ثم تقدم مصالة إلى فاس وحاصرها إلى أن صالحه يحيى على مال يؤديه إليه وعلى البيعة لعبيد الله المهدي فقبل يحيى الشرط وخرج عن الأمر وأنفذ بيعته إلى المهدي وأبقى عليه مصالة في سكنى فاس وعقد له على عملها خاصة وعقد لابن عمه موسى بن أبي العافية المكناسي على ما سوى ذلك من بلاد المغرب وكان موسى هذا صاحب تسول وبلاد تازا وكان كبير مكناسة بالمغرب الأقصى على الإطلاق وكان قد خدم مصالة حين قدم المغرب وتعرف إليه وهاداه وقاتل معه في جميع حروبه بالمغرب فحسنت منزلته لديه وولاه بلاد المغرب كلها عدى فاسا وأعمالها فإنه تركها للأمير يحيى كما قلنا وصار المغرب الأقصى في ملكه العبيديين واندرجت دولة الأدراسة في دولتهم فكان موسى بن أبي العافية بعد ذهاب مصالة كلما أراد الظهور بالمغرب والاستبداد به غمره يحيى بن إدريس بحسبه ونسبه وفضله ودينه فقطع به كلما كان يريده فكان على قلب موسى منه حمل ثقيل فلما قدم مصالة المغرب في كرته الثانية وذلك سنة تسع وثلاثمائة سعى موسى بن أبي العافية عنده بيحيى للقائه والسلام عليه في جماعة من وجوه دولته فقبض مصالة عليهم وقيد بيحيى بالحديد وتقدم إلى فاس فدخلها ويحيى بين يديه موثقا على جمل ثم عذبه بأنواع العذاب حتى استصفى أمواله وذخائره ثم نفاه إلى نواحي آصيلا وقد ساءت حاله وانفض جمعه فأقام عند بني عمه ببلاد الريف مدة فأعطوه مالا ووصلوه بما يقيم به أوده ويستعين به على أمره فلم يرض ذلك وارتحل عنهم يريد إفريقية فعرض له موسى بن أبي العافية في طريقة فقبض عليه وسجنه بمدينة آلكاي قريبا من عشرين سنة ثم اطلقه بعد ذلك قالوا وكان أبوه إدريس بن عمر قد دعا عليه أن يميته الله جائعا غريبا فاستجيب له فيه فخرج يحيى من سجن ابن أبي العافية إلى إفريقية وهو في فقر وذلة قد بلغ سو ء الحال منه كل مبلغ فوصل إلى المهدية على تلك الحال فوافق بها فتنة أبي يزيد مخلد بن كيداد اليفرني وحصاره إياها فمات بها جائعا غريبا سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة رحمه الله
عود المغرب الأقصى إلى الأدارسة وظهور الحسن الحجام بن محمد بن القاسم بن إدريس
لما قبض مصالة على يحيى بن إدريس واستصفى أمواله كما قلنا استعمل على فاس ريحان الكتامي وعاد إلى القيروان فأقام ريحان عاملا على فاس وأحوازها نحو ثلاثة أشهر وثار عليه الحسن بن محمد بن القاسم بن إدريس المعروف بالحجام وعرف بذلك لأنه كان بينه وبين عمه أحمد بن القاسم بن إدريس حرب فحمل الحسن على فارس من أصحاب عمه فطعنه في موضع المحاجم ثم فعل ذلك بثان وثالث لا يطعنهم إلا في موضع المحاجم فقال عمه أحمد إن ابن أخي الحجام فلزمه ذلك اللقب وفي ذلك يقول بعضهم ( وسميت حجاما ولست بحاجم % ولكن لطعن في مكان المحاجم ) وكانت ثورة الحجام على ريحان سنة عشر وثلاثمائة أتى إلى فاس في جمع من شيعته وأنصاره وكان مقداما شجاعا فدخلها على حين غفلة من أهلها فاستولى عليها وقتل ريحان وقيل نفاه عنها واجتمع الناس على بيعته ودخل في طاعته أكثر قبائل البربر بالمغرب وملك عدة مدن مثل مدينة لواتة وصفرون ومدين ومدائن مكناسة والبصرة واستقام له الأمر بالمغرب إلى أ ن كان منه مع موسى بن أبي العافية ما نذكره
خروج الحسن الحجام إلى قتال موسى بن أبي العافية
قال في القرطاس وفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة خرج الأمير الحسن الحجام إلى قتال موسى بن أبي العافية فالتقى معه بفحص الزاد على مقربة من وادي المطاحن ما بين فاس وتازا فأوقع الحجام بابن أبي العافية وقعة عظيمة لم يقع في دولة الأدارسة مثلها قتل فيها من عسكر ابن أبي العافية نحو ألفين وثلاثمائة من جملتهم ابنه منهال بن موسى بن أبي العافية وقتل من عسكر الحجام نحو السبعمائة ثم كانت العاقبة لموسى على الحجام فانفض عسكر الحجام وعاد مفلولا إلى فاس فعجل الحجام ودخل فاسا وحده وترك عسكره خارج المدينة فغدر به عامله عليها حامد بن حمدان الهمداني ويقال الأوربي من قرى إفريقية دخل عليه ليلا في داره فقيده وأخذه إليه وأغلق المدينة في وجه الجند وطير إلى موسى بن أبي العافية يستدعيه إلى فاس وكان ما نذكره
الخبر عن دولة آل أبي العافية المكناسيين الناسخة لدولة آل إدريس بفاس وأعمالها
كان موسى بن أبي العافية متمسكا في هذه المدة بدعوة العبيديين من الشيعة فلما قبض حامد بن حمدان على الحسن الحجام واستوعى ابن أبي العافية بادر نحوه فدخل عدوة القرويين واستولى عليها ثم قاتل أهل عدوة الأندلس حتى ملكها فلما ملك المدينتين معا طالب حامد بن حمدان بإحضار الحسن الحجام وقال أقتله بولدي منهال وكان حامد قد ندم على فعلته تلك فدافع موسى وسوفه وكره المجاهرة بسفك دماء آل البيت ولما جن الليل خالف حامد إلى الحسن ففك عنه قيده وأرسله فتدلى الحسن من السور فسقط وانكسرت ساقه فتحامل حتى انتهى إلى عدوة الأندلس فاختفى بها إلى أن مات لمضي ثلاث من سقطته رحمه الله وذلك سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة وأراد ابن أبي العافية قتل حامد بن حمدان لعدم تمكينه إياه من الحجام ففر إلى المهدية وكانت دولة الحسن الحجام بفاس نحو سنتين وانقرضت دولة آل إدريس من فاس وأعمالها وتداول المغرب الأقصى العبيديون أصحاب إفريقية والمروانيون أصحاب الأندلس مرة لهؤلاء ومرة لهؤلاء وتجددت للأدارسة دولة أخرى ببلاد الريف نذكرها عن قريب إن شاء الله وصفت فاس وأعمالها لابن أبي العافية وملك معها كثيرا من أعمال المغرب وبايعته القبائل والأشياخ وهو في ذلك كله متمسك بدعوة الشيعة كما قلنا فكان كالنائب عنهم بالمغرب والله غالب على أمره
طرد موسى بن أبي العافية آل إدريس من أعمال المغرب وحصره إياهم بحجر النسر
لما استولى موسى بن أبي العافية على فاس والمغرب شمر لطرد الأدارسة عنه فأخرجهم من ديارهم وأجلاهم عن بلادهم من شالة وآصيلا وغيرهما من البلاد التي كانت في أيديهم ولجؤوا بأجمعهم إلى قلعة حجر النسر مغلوبين على ملكهم مطرودين عن دار عزهم التي أسسها سلفهم وكانت قلعة حجر النسر حصنا منيعا بناه محمد بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس شامخا في عنان السحاب فنزل عليهم موسى بن أبي العافية وشدد عليهم الحصار وأراد استئصالهم وقطع دابرهم فعذله على ذلك أكابر دولته وقالوا له أتريد أن تقطع دابر أهل البيت من المغرب وتخليه منهم هذا الشيء لا نوافقك عليه ولا نتركك له فاستحيا عند ذلك وارتحل عنهم إلى فاس وخلف على حصارهم قائده أبا الفتح التسولي في ألف فارس يمنعهم من التصرف وكان ذلك سنة سبع عشرة وثلاثمائة
استيلاء موسى بن أبي العافية على تلمسان وأعمالها
لما ارتحل موسى بن أبي العافية عن حجر النسر سار إلى فاس فأقام بها أياما وقتل عامله على عدوة الأندلس عبد الله بن ثعلبه بن محارب بن عبود الأزدي وولى مكانه أخاه محمد بن ثعلبة ثم عزله وولى مكانه طوال بن أبي يزيد فلم يزل عاملا عليها إلى أن خرجت فاس عن يد أبن أبي العافية واستعمل موسى على المغرب الأقصى ولده مدين بن موسى بن أبي العافية وأنزله بعدوة القرويين ثم نهض إلى تلمسان سنة تسع عشرة وثلاثمائة فملكها وأعمالها وكانت بيد الحسن بن أبي العيش من أعقاب سليمان بن عبد الله أخي إدريس الأكبر وفر الحسن إلى مدينة مليلة من جزائر ملوية وبنى هناك حصنا وتحصن به ثم زحف ابن أبي العافية إلى مدينة نكور فملكها أيضا وحاصر الحسن في حصنه مدة ثم عقد له سلما على حصنه وكان ذلك في شعبان سنة عشرين وثلاثمائة ثم عاد إلى فاس وقد دوخ البلاد والأقطار وانتظم المغربان الأقصى والأوسط في ملكه
انحراف موسى بن أبي العافية عن الشيعة إلى بني مروان وما نشأ عن ذلك
كان عبد الرحمن الناصر الأموي صاحب الأندلس قد سما له أمل في التملك على المغرب الأقصى لما بلغه من تراجع أمر بني إدريس به وإشراف دولتهم على الهرم فملك سبتة من يد بني عصام القائمين بها بالدعوة الإدريسية ولما استولى موسى بن أبي العافية على المغرب خاطبه الناصر في القيام بدعوته ووعده الجميل على ذلك وأتاه من بين يديه ومن خلفه حتى أجابه إلى مراده ونقض طاعة الشيعة وخطب للناصر على منابر عمله فاتصل الخبر بعبيد الله المهدي صاحب إفريقية فسرح إليه قائده حميد بن يصليتن المكناسي صاحب تاهرت في عشرة آلاف فارس وهو ابن أخي مصالة بن حبوس المقدم الذكر فالتقى حميد وموسى بفحص مسون فكانت بينهم حرب سجال ثم إن حميدا بيت موسى ليلة فضرب في عسكره فانهزم موسى وأصحابه ومضى إلى عين إسحاق من بلاد تسول فتحصن بها وتقدم حميد إلى فاس فلما شارفها فرعنها مدين بن موسى ولحق بأبيه فدخلها حميد واستعمل عليها حامد بن حمدان الهمداني وكان في جملته ثم عاد إلى إفريقية وقد قضى إربه من المغرب وكان ذلك سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ولما اتصل ببني إدريس المحصورين بحجر النسر خبر هزيمة موسى بن أبي العافية وفرار ابنه عن فاس وولاية حامد بن حمدان عليها قويت نفوسهم وتظاهروا على أبي الفتح التسولي فنزلوا إليه وقاتلوه وهزموه ونهبوا معسكره وخرجوا إلى الفضاء بعد انحصارهم بالقلعة المذكورة أربع سنين
ثورة أحمد بن بكر الجذامي بدعوة المروانيين بفاس وما نشأ عن ذلك
وأقام حامد بن حمدان واليا على فاس من قبل الشيعة إلى أن ثار عليه أحمد بن بكر بن عبد الرحمن بن سهل الجذامي وذلك عقب وفاة عبيد الله المهدي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة فقتل حامد بن حمدان وبعث برأسه وبولده إلى موسى بن أبي العافية فبعث به موسى إلى عبد الرحمن الناصر بقرطبة واستولى على المغرب وعادت الدعوة به إلى بني مروان ولما اتصل الخبر بصاحب إفريقية أبي القاسم بن عبيد الله المهدي المتولي بعد أبيه سرح قائده ميسورا الخصي إلى المغرب فقدمه ميسور سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وخام ابن أبي العافية عن لقائه واعتصم بحصن آلكاي وتقدم ميسور إلى فاس فحاصرها أياما إلى أن خرج إليه أحمد بن بكر مبايعا وقدم بين يديه هدية نفيسة ومالا جليلا فقبض ميسور الهدية والمال ثم تقبض على أحمد بن بكر وقيده وبعث به إلى المهدية ولما نذر أهل فاس بغدره امتنعوا عليه وأغلقوا أبوابهم دونه وقدموا على أنفسهم حسن بن قاسم اللواتي فحاصرهم ميسور سبعة أشهر ولما طال عليهم الحصار رغبوا في السلم فصالحهم على أن أعطوه ستة آلاف دينار وأنطاعا ولبودا وقربا للماء وأثاثا وكتبوا بيعتهم إلى أبي القاسم الشيعي وكتبوا اسمه في سكتهم وخطبوا له على منابرهم فقبل ميسور ذلك منهم وأقر عليهم حسن بن قاسم اللواتي وارتحل عنهم واستمر حسن عاملا على فاس إلى أن قدم أحمد بن بكر من المهدية مطلقا مكرما فتخلى له عن ما كان بيده وذلك في سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة فكانت ولاية حسن بن القاسم على فاس ثمان عشرة سنة قاله في القرطاس وقال ابن خلدون إن أحمد بن بكر الجذامي قدم من إفريقية سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة فسار إلى فاس وأقام بها متنكرا إلى أن وثب بعاملها حسن بن قاسم اللواتي فتخلى له عن العمل والله أعلم
حرب ميسور مع موسى بن أبي العافية
لما صالح ميسور أهل فاس نهض إلى حرب ابن أبي العافية فدارت بينهم حروب كان الظهور في آخرها لميسور وأسر البوري بن موسى بن أبي العافية وغربه إلى المهدية وطرد موسى على أعمال المغرب إلى نواحي ملوية ووطاط وما وراءها من بلاد الصحراء ثم قفل إلى القيروان وقال ابن أبي زرع في كتاب القرطاس إن بني إدريس تولوا معظم الحروب التي دارت بين ميسور وبين ابن أبي العافية وإنهم قاتلوا ابن أبي العافية حتى فر أمامهم إلى الصحراء قال وتملك الأدارسة أكثر ما كان بيد ابن أبي العافية قائمين بدعوة الشيعة فلم يزل ابن أبي العافية شريدا في الصحراء وأطراف البلاد التي بقيت بيده وذلك من مدينة آكرسيف إلى مدينة نكور إلى أن قتل ببعض بلاد ملوية وذلك سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة وقيل إنه قتل سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة قاله البرنسي اه كلام ابن أبي زرع وقال ابن خلدون إن موسى ابن أبي العافية رجع من الصحراء إلى أعماله بالمغرب فملكها وولى على عدوة الأندلس أبا يوسف بن محارب الأزدي قال وهو الذي مدن عدوة الأندلس وكانت حصونا ثم زحف إلى تلمسان سنة خمس وعشرين وثلاثمائة فاستولى عليها قال واستفحل أمر ابن أبي العافية بالمغرب الأقصى واتصل عمله بعمل محمد بن خرز ملك مغراوة وصاحب المغرب الأوسط وبثوا دعوة الأموية في أعمالها والله أعلم
بقية أخبار آل أبي العافية بالمغرب
قال ابن أبي زرع لما هلك موسى بن أبي العافية ولي بعده ابنه إبراهيم إلى أن توفي سنة خمسين وثلاثمائة فولي بعده ابنه عبد الله ويقال عبد الرحمن بن إبراهيم بن موسى بن أبي العافية إلى أن توفي سنة ستين وثلاثمائة فولي عمله من بعده ابنه محمد وعليه انقرضت دولة آل أبي العافية سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وذكر بعض المؤرخين لأيامهم أنه لما توفي محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن موسى بن أبي العافية ولي بعده ابنه القاسم بن محمد المحارب للمتونة فكانت بينه وبينهم حروب إلى أن غلب عليه يوسف بن تاشفين فقتله واستأصل شافة ذرية موسى بن أبي العافية بالمغرب وكانت دولتهم مائة وأربعين سنة من سنة خمس وثلاثين إلى سنة خمس وأربعين وأربعمائة اه ولكن دولتهم بفاس انتهت إلى قدوم ميسور الخصي كما مر وبقيت رياستهم بالأطراف إلى دولة اللمتونيين والله أعلم وكان في هذه المدة من الأحداث ما نذكره ففي يوم الأربعاء التاسع والعشرين من شوال سنة تسع وتسعين ومائتين كسفت الشمس كسوفا كليا وكان ذلك بعد صلاة العصر فغاب القرص كله وظهرت النجوم وأذن أكثر الناس بالمساجد للمغرب ثم تجلت مضيئة بعد ذلك ومكثت مقدار ثلث ساعة ثم غربت وفي سنة ثلاث وثلاثمائة كان بإفريقية والمغرب والأندلس فتن كثيرة ومجاعة عظيمة أشبهت مجاعة سنة ستين ومائتين ثم وقع الموت في الناس حتى عجزوا عن دفن موتاهم وفي سنة خمس وثلاثمائة أحرقت النار أسواق مدينة فاس وأسواق تاهرت قاعدة زناتة وأحرقت أسواق قرطبة وأرباض مكناسة من بلاد جوف الأندلس وكان ذلك في شوال من السنة المذكورة فسميت سنة النار وفي سنة سبع وثلاثمائة كان بإفريقية والمغرب والأندلس رخاء مفرط وطاعون ووباء كثير وفيها كانت الريح السوداء الشديدة الهبوب التي قلعت الأشجار وهدمت الدور بفاس فتاب الناس ولزموا المساجد وارتدعوا عن كثير من الفواحش وفي سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة ظهر حاميم المتنبئ بجبال غمارة قال ابن خلدون كانت غمارة غريقة في الجهالة والبعد عن الشرائع بسبب البداوة والانتباذ عن مواطن الخير وتنبأ فيهم من قبيلة يقال لها محسكة حاميم بن من الله يكنى أبا محمد ويكنى أبوه من الله أبا يخلف وكان ظهوره بجبل حاميم المشتهر به قريبا من تطوان واجتمع إليه كثير من غمارة وأقروا بنبوته وشرع لهم شرائع وعبادات وصنع لهم قرآنا كان يتلوه عليهم بلسانه فمما شرع لهم صلاتان في كل يوم واحدة عند طلوع الشمس والأخرى عند غروبها ثلاث ركعات في كل صلاة ويسجدون وبطون أيديهم تحت وجوههم ومن قرآنهم الذي كانوا يقرؤونه بعد تهليل يهللون به بلسانهم خلني من الذنوب يا من خلى النظر ينظر في الدنيا أخرجني من الذنوب يا من أخرج يونس من بطن الحوت وموسى من البحر ثم يقول في ركوعه آمنت بحاميم وبأبيه أبي يخلف من الله وآمن رأسي وعقلي وما يكنه صدري وما أحاط به دمي ولحمي وآمنت بتالية عمة حاميم أخت أبي يخلف من الله ثم يسجد وكانت تالية هذه امرأة كاهنة ساحرة وكان حاميم يلقب المفتري وكانت أخته دبو كاهنة ساحرة أيضا وكانوا يستغيثون بها في الحوب والقحوط وفرض عليهم صوم الاثنين وصوم الخميس إلى الظهر وصوم الجمعة وصوم عشرة أيام من رمضان ويومين من شوال ومن أفطر في يوم الخميس عمدا فكفارته أن يتصدق بثلاثة أثوار ومن أفطر في يوم الاثنين فكفارته أن يتصدق بثورين وفرض عليهم في الزكاة العشر في كل شيء وأسقط عنهم الحج والوضوء والغسل من الجنابة وأحل لهم أكل الأنثى من الخنزير وقال إنما حرم قرآن محمد الخنزير الذكر وأمر أن لا يؤكل الحوت إلا بذكاة وحرم عليهم أكل البيض وأكل الرأس من كل حيوان فبعث إليه عبد الرحمن الناصر صاحب الأندلس عسكرا فالتقوا بقصر مصمودة من أحواز طنجة فقتلوه وقتلوا أتباعه وصلبوا شلوه بالقصر المذكور وبعثوا برأسه إلى الناصر بقرطبة ورجع من بقي من أتباعه إلى الإسلام وذلك سنة خمس عشر وثلاثمائة قال ابن خلدون وكان لابنه عيسى بن حاميم من بعده قدر جليل في غمارة وفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة ظهر ببلاد المغرب غمام كثيف دام خمسة أيام لم ير الناس فيها شمسا وكان الشخص لا يرى من الأرض فيه إلا موضع قدميه فتاب الناس وأخرجوا الصدقات فكشف الله عنهم ما بهم وسميت سنة الغمام وفي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة نزل برد عظيم الواحدة منه تزن رطلا وأكثر قتل الطير والوحش والبهائم وكثيرا من الناس وكسر الأشجار وأفسد الثمار كان ذلك بأثر قحط شديد وغلاء عام وفي سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة نزل أيضا برد كثير لم يعهد مثله كثرة قتل المواشي وأفسد الثمار وجاءت السيول العظيمة بجميع بلاد المغرب وكان بها رعود قاصفة وبروق خاطفة ودام ذلك أياما واستسقى الناس واستصحوا في هذه السنة وفيها أيضا كانت ريح شديدة هدمت المباني وفي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة كان الوباء العظيم بالمغرب والأندلس هلك فيه أكثر الخلق وفي هذه المدة كان الشيخ أبو سعيد المصري المعروف بأبي سلهامة موجودا وهو من كبار صلحاء المغرب وقبره شهير قرب مشرع الحضر على ساحل البحر وعليه قبة عجيبة الصنعة محكمة العمل بالنقش والأصباغ والزليج الملون قال أبو عبد الله محمد العربي الفاسي في مرآة المحاسن كان على رأس قبر الشيخ أبي سلهامة لوح مذهب مكتوب عليه هذه القبور الثلاثة التي أخفى الله تعالى فيها قبر الشيخ أبي سعيد المكنى أبي سلهامة وكانت وفاته سنة نيف وأربعين وثلاثمائة قال أبو عبد الله المذكور ثم إن النصارى نزلوا مرة هناك فاقتلعوا اللوح وذهبوا به قال وكان النيف الزائد على الأربعين مسمى في اللوح ولكني أنسيته ومع ذلك فهو لا يزيد على السبع والله تعالى أعلم
الخبر عن الدولة الثانية للأدارسة ببلاد الريف
هذه الدولة التي كانت للأدارسة ببلاد الريف لم تكن لهم على سبيل الاستقلال والاستبداد كما كانت لهم أولا بفاس والمغرب إنما كانوا فيها تحت نظر المتغلب على بلاد المغرب إما من الشيعة أصحاب إفريقية وإما من المروانيين أصحاب الأندلس كما ستقف عليه واعلم أنا قد قدمنا أن بني إدريس كانوا قد اقتسموا أعمال المغرب بعد وفاة أبيهم إدريس رحمه الله وذلك بإشارة جدتهم كنزة وأن بلاد الريف منها كانت في سهم عمر بن إدريس وأنه قاتل اخويه عيسى والقاسم وأضاف أعمالهما إلى عمله فبقيت بلاد الريف بيد بني عمر بن إدريس يتوارثونها خلفا عن سلف فلما انقرضت دولة آل إدريس بفاس على يد موسى بن أبي العافية انحازوا إلى بني عمهم وعشيرتهم ببلاد الريف وتحصنوا بقلعة حجر النسر كما سبق ولما قدم ميسور الخصي من إفريقية وأجلى موسى بن أبي العافية إلى الصحراء أقام بنو إدريس بريفهم يتداولون رياسته تحت نظر الشيعة تارة وتحت نظر المروانيين أخرى إلى أن انقرضت دولتهم وذهبت رياستهم من المغرب بالكلية والله غالب على أمره
الخبر عن رياسة القاسم كنون بن محمد بن القاسم بن إدريس
لما فر موسى بن أبي العافية أمام القائد ميسور إلى الصحراء صارت الرياسة في المغرب بعده لأبني محمد بن القاسم بن إدريس وهما القاسم الملقب بكنون وشقيقه إبراهيم وهما معا أخوان للحسن الحجام الذي تقدم ذكره فاجتمع بنو إدريس وبايعوا القاسم المذكور فملك أكثر بلاد المغرب إلا فاسا فإنه لم يملكها وكان سكناه بقلعة حجر النسر واستمر على إمارته مقيما لدعوة الشيعة إلى أن توفي سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة فولي بعده ابنه أبو العيش
الخبر عن دولة أبي العيش أحمد بن القاسم كنون
كان أبو العيش هذا فقيها ورعا حافظا للسير عارفا بأخبار الملوك وأيام الناس وأنساب قبائل العرب والبربر شجاعا جوادا وكان يعرف في بني إدريس بأحمد الفاضل وكان مائلا إلى بني مروان ولما ولي بعد أبيه قطع دعوة العبيديين في جميع عمله وبايع لعبد الرحمن الناصر صاحب الأندلس وخطب له على جميع منابر عمله وبايع أبا العيش كافة أهل المغرب إلى سجلماسة وكان السواد الأعظم من أهل المغرب الأقصى لهم محبة من جانب آل إدريس وإيثار لهم لا يبغون بهم بدلا مهما وجدوا إلى ذلك سبيلا
تغلب عبد الرحمن الناصر على بلاد المغرب ومضايقته لأبي العيش بها
لما بايع أبو العيش لعبد الرحمن الناصر وخطب له اقترح عليه أن ينزل له عن طنجة ليضيفها إلى سبتة التي كان استولى عليها من قبل فامتنع أبو العيش من ذلك فبعث إليه الناصر بالأسطول والمقاتلة فحاصره وضيق عليه ولما رأى أبو العيش أنه لا طاقة له بحربه أجابه إلى ما سأل ونزل له عن طنجة وبقي أبو العيش مع إخوته وبني عمه من الأدارسة بمدينة البصرة وآصيلا تحت بيعة الناصر وفي كنفه متمسكين بدعوته وكانت قواد الناصر وجيوشه تجيز من الأندلس إلى العدوة يقاتلون من خالف الأدارسة من البربر ويستألفونهم والناصر ممد لمن عجز منهم برجاله مقو لمن ضعف بماله حتى ملك أكثر بلاد المغرب وبايعته قبائله من زناتة والبربر وخطب له على منابره من تاهرت إلى طنجة ما عدا سجلماسة فإنه قام بها في ذلك الوقت منادر البربري وبايع الناصر أهل فاس فيمن بايعه من بلاد العدوة فولى عليهم محمد بن الخير المغراوي وكان من أبسط ملوك زناتة يدا وأعظمهم شأنا و أحسنهم إلى ملوك بني أمية انحياشا وأخلصهم طوية وكان لبني يفرن ومغراوة من زناتة ولاية للأمويين وتشيع لهم وذلك بولاية عثمان بن عفان رضي الله عنه لجدهم صولات بن وزمار المغراوي الذي وفد عليه وأسلم على يده كما سبق في اخبار الفتح والله أعلم فسرت تلك الولاية في عقب زناتة للأمويين عموما كما كان لصنهاجة من البربر ولاية آل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأقام محمد بن الخير واليا على مدينتي فاس نحو سنة وارتحل عنها إلى الأندلس برسم الجهاد واستخلف عليها ابن عمه أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن عثمان بن سعيد الزناتي وهو الذي بنى صومعة مسجد القرويين سنة أربع وأربعين وثلاثمائة كما سبق وفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة ولي الناصر على مدينة طنجة وأحوازها يعلى بن محمد اليفرني فنزلها في قبائل يفرن وأمضى أمره ونهيه فيها
هجرة أبي العيش إلى الأندلس بقصد الجهاد
لما رأى أبو العيش غلبة الناصر على بلاد العدوة هانت عليه رياستها فكتب إليه بقرطبة يستأذنه في الجهاد فأذن له وأمر أن يبني له في كل منزل ينزله قصرا وذلك من الجزيرة الخضراء إلى الثغر وأن يجري له فيها ألف دينار في كل يوم ضيافة له ومن الفرش والأثاث والطعام والشراب ما يقوم بالقصر فلم يزل على ذلك حتى وصل إلى الثغر فكانت منازله من الجزيرة إلى الثغر ثلاثين منزلا ومات أبو العيش رحمه الله شهيدا في جهاد الفرنج سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة
الخبر عن دولة الحسن بن كنون
لما خرج أبو العيش من الأندلس برسم الجهاد استخلف على عمله أخاه الحسن بن كنون وهو القاسم بن محمد بن القاسم بن إدريس وهو آخر ملوك الأدراسة بالمغرب ولم يزل مواليا للمروانيين متمسكا بدعوتهم إلى أن كان ما نذكره
قدوم القائد جوهر الشيعي من إفريقيا إلى المغرب واستيلاؤه عليه
لما اتصل بخليفة الشيعة وهو المعز لدين الله معد بن إسماعيل العبيدي غلبة الناصر على بلاد العدوة وأن جميع من بها من قبائل زناتة والبربر رفضوا دعوتهم ودخلوا في دعوة بني أمية عظم الأمر عليه وبعث قائده جوهر بن عبد الله الرومي المعروف بالكاتب في جيش كثيف يشتمل على عشرين ألف فارس من قبائل كتامة وصنهاجة وغيرهم وأمره أن يطأ بلاد المغرب ويذللها ويستنزل من بها من الثوار ويشد وطأته عليهم فخرج جوهر من القيروان سنة سبع وأربعين وثلاثمائة يؤم بلاد المغرب فاتصل خبره بيعلى بن محمد اليفرني صاحب طنجة وخليفة الناصر على بلاد العدوة فحشد قبائل زناتة ونهض إلى القائد جوهر فكان اللقاء على تاهرت فالتحمت الحرب بين الفريقين فأخرج القائد جوهر الأموال وبذلها في قواد كتامة فضمنوا له قتل أمير زناتة يعلى بن محمد فلما اشتد القتال صممت عصابة من قواد كتامة وأنجادها وقصدوا إلى يعلى بن محمد فقتلوه واحتزوا رأسه وأتوا به إلى جوهر فبذل لهم مالا جليلا بشارة عليه وبعث بالرأس إلى مولاه المعز فطيف به بالقيروان وذكر ابن خلدون أن يعلى بن محمد بادر إلى لقاء جوهر عند قدومه وأذعن له وبايعه فأظهر جوهر القبول ثم دس إليه من اغتاله وتفرق بنو يفرن وزناتة بعد مقتل أميرهم وبعد مدة التأم ملكهم على ولده يدو بن يعلى بن محمد اليفرني ثم تقدم جوهر إلى سجلماسة وكان قد قام بها محمد بن الفتح بن ميمون بن مدرار المعروف بالشاكر لله وقد تقدم لنا أنه ادعى الخلافة وتسمى بأمير المؤمنين وضرب السكة باسمه وكتب عليها تقدست عزة الله وكانت سكته تعرف بالشاكرية وكانت في غاية الطيب وكان سنيا مالكي المذهب قد خالف سلفه في مذهب الصفرية فنزل عليه جوهر وحاصره بسجلماسة ثم اقتحمها عنوة بالسيف وأفلت الشاكر ثم عاد بعد يومين أو ثلاثة فدخل سجلماسة متنكرا فعرف وقبض عليه وأتي به إلى جوهر فأوثقه في الحديد وساقه أسيرا بين يديه حتى نزل على فاس بعد أن أفنى حماة الصفرية ورجالها بالسيف وكان نزوله على فاس سنة تسع وأربعين وثلاثمائة فحاصرها وأدار بها القتال من كل جهة قريبا من نصف شهر ثم اقتحمها عنوة بالسيف على يد زيري بن مناد الصنهاجي فإنه تسنم أسوارها ليلا ودخلها فقتل بها خلقا كثيرا وقبض على أميرها أحمد بن أبي بكر الزناتي الذي ولاه الناصر عليها ونهب المدينة وقتل حماتها وشيوخها وسبى أهلها وهدم أسوارها وكان الحادث بها عظيما وكان دخول جوهر إياها ضحوة يوم الخميس الموفي عشرين من رمضان سنة تسع وأربعين وثلاثمائة ثم سار جوهر في بلاد المغرب يقتل أولياء المروانيين ويسبي ويفتح البلاد والمعاقل وخافته البربر وفرت أمامه قبائلها فأنفذ الأمر في المغرب الأقصى ثلاثين شهرا وانتهى إلى البحر المحيط وصاد من سمكه وجعله في قلال الماء وأرسله إلى مولاه المعز ثم انصرف راجعا بعد أن دوخ البلاد وأثخن فيها وقتل حماتها وقطع دعوة المروانيين منها وردها إلى العبيديين فخطب لهم على جميع منابر المغرب وانتهى القائد جوهر إلى المهدية دار المعز لدين الله وقد حمل معه أحمد بن أبي بكر اليفرني أمير فاس وخمسة عشر رجلا من أشياخها وحمل أيضا محمد بن أبي الفتح أمير سجلماسة ودخل بهم أسارى بين يديه في أقفاص من خشب على ظهور الجمال وجعل على رؤوسهم قلانس من لبد مستطيلة منبتة بالقرون فطيف بهم في بلاد إفريقية وأسواق القيروان ثم ردوا إلى المهدية وحبسوا بها حتى ماتوا في سجنها
قدوم بلكين بن زيزي بن مناد الصنهاجي الشيعي من إفريقيا إلى المغرب
كان الأمير الحسن بن كنون قد بايع العبيديين فيمن بايعهم عند غلبة جوهر على المغرب فلما انصرف جوهر إلى إفريقية أواخر سنة تسع وأربعين وثلاثمائة نكث الحسن بن كنون بيعة العبيديين وعاد إلى المروانيين فتمسك بدعوة الناصر ثم بدعوة ابنه الحكم المستنصر خوفا منهم لا محبة فيهم لقرب بلاده من بلادهم وأقام على ذلك إلى أن قدم الأمير بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي من إفريقية إلى المغرب لأخذ ثار أبيه فقتل زناتة واستأصلهم وملك المغرب بأسره وقطع أيضا منه دعوة الأمويين وقتل أولياءهم وأخذ البيعة على جميع أهل المغرب للمعز معد بن إسماعيل كما فعل جوهر قبله فكان أول من سارع إلى بيعته ونصرته وقتال أولياء المروانيين معه الحسن بن كنون صاحب مدينة البصرة وكشف وجهه في ذلك وأعمل فيه جهده فاتصل خبره بالحكم المستنصر فحقد عليه لذلك فلما انصرف بلكين بن زيري إلى إفريقية بعث الحكم المستنصر صاحب الأندلس قائده محمد بن القاسم بن طملس في جيش كثيف إلى قتال الحسن ابن كنون فأجاز إليه من الجزيرة الخضراء إلى سبتة في عدد كثير وعدة كاملة وذلك في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وستين وثلاثمائة فزحف الحسن إلى قتاله في قبائل البربر فكان اللقاء بأحواز طنجة بموضع يعرف بحفص بني مصرخ فكانت بينهما حرب شديدة قتل فيها محمد بن القاسم قائد الحكم المستنصر وقتل معه خلق كثير من أصحابه وفر الباقون فدخلوا سبتة وتحصنوا بها وكتبوا إلى الحكم يستغيثون به فبعث إليهم صاحب حروبه غالبا مولاه البعيد الصيت المعروف بالشهامة والنجدة والدهاء وأعطاه الحكم أموالا جليلة وجيوشا كثيرة وعددا وافرة وأمره بقتال آل إدريس واستنزالهم من معاقلهم وقال له عند وداعه يا غالب سر مسير من لا إذن له في الرجوع إلا حيا منصورا أو ميتا معذورا ولا تشح بالمال وابسط يدك به يتبعك الناس
قدوم غالب الأموي إلى المغرب وتغريب آل إدريس إلى الأندلس
ثم خرج غالب من قرطبة في آخر شوال سنة اثنتين وستين وثلاثمائة فاتصل خبر قدومه بالحسن بن كنون فخاف منه وأخلى مدينة البصرة وحمل منها حرمه وأمواله وذخائره إلى قلعة حجر النسر القريبة من سبتة واتخذها معقلا يتحصن بها وأجاز غالب البحر من الجزيرة الخضراء إلى قصر مصمودة فلقيه الحسن بن كنون هناك في جموع البربر وقاتله أياما وسرب غالب الأموال إلى رؤساء البربر الذين مع الحسن بن كنون ووعدهم ومناهم فانفضوا عن الحسن حتى لم يبق معه إلا خاصته ورجاله فلما رأى ذلك سار إلى حجر النسر فتحصن به واتبعه غالب فحاصره به ونزل عليه بجميع جيوشه وقطع عنه المواد وأمده الحكم بعرب الدولة الذين بالأندلس ورجال الثغور فوصل المدد إلى غالب غرة المحرم سنة ثلاث وستين وثلاثمائة فاشتد الحصار على الحسن بن كنون فطلب من غالب الأمان على نفسه وأهله وماله ورجاله وينزل إليه فيسير معه إلى قرطبة فيكون بها فأجابه غالب إلى ذلك وعاهده عليه فنزل الحسن بأهله وماله ورجاله وأسلم الحصن إلى غالب فملكه واستنزل غالب جميع العلويين الذين بأرض العدوة من معاقلهم وأخرجهم عن أوطانهم ولم يترك بالعدوة رئيسا منهم وسار إلى مدينة فاس فملكها واستعمل عليها محمد بن أبي علي بن قشوش بعدوة القرويين وعبد الكريم بن ثعلبة بعدوة الأندلس فلم تزل فاس بيد بني أمية إلى أن غلب عليها زيري بن عطية المغراوي وانصرف غالب إلى الأندلس وساق معه الحسن بن كنون وجميع ملوك الأدارسة وقد وطأ جميع بلاد المغرب وفرق العمال في نواحيه وقطع دعوة بني عبيد من جميع آفاقه ورد الدعوة إلى الأموية فخرج بهم غالب من فاس آخر رمضان سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ووصل إلى سبتة فركب البحر منها واستقر بالخضراء وكتب إلى مولاه الحكم المستنصر بالله يعلمه بقدومه وبمن قدم معه من العلويين فلما وصل كتابه إلى الحكم أمر الناس بالخروج إلى لقائهم وركب هو في جمع عظيم من وجوه دولته فتلقاهم فكان يوم دخولهم قرطبة يوما مشهودا وذلك أول يوم من المحرم سنة أربع وستين وثلاثمائة وسلم الحسن بن كنون على الحكم فأقبل عليه وعفا عنه ووفى له بعهده وأوسع له ولرجاله في العطاء وأجرى عليهم الجرايات الكثيرة وخلع عليهم الخلع الرفيعة وأثبت جميع أهله ورجاله في ديوان العطاء وكانوا سبعمائة رجل أنجاد يعدون بسبعة آلاف واسكنه قرطبة وأقام الحسن وعشيرته في كنف الحكم في أمن وغبطة إلى أن كان ما نذكره
حدوث النفرة بين الحكم والحسن والسبب في ذلك
ولما استقر الحسن بن كنون وعشيرته بقرطبة تحت كنف الحكم المستنصر بالله الأموي على ما وصفناه استمر الحال على ذلك إلى سنة خمس وستين وثلاثمائة وكان للحسن قطعة عنبر غريبة الشكل كبيرة الحجم ظفر بها في بعض سواحله من بلاد العدوة أيام ملكه بها فسواها منشورة يتوسدها ويرتفق بها فبلغ أمير المؤمنين الحكم خبرها فسأله حملها إليه وضمها إلى ذخائره على أن له حكمه مسمطا فامتنع الحسن من ذلك وأبى أن يسلمها إليه فنكبه عليها وسلبه جميع أمواله وسلبه القطعة أيضا فبقيت في خزانة الأمويين إلى أن غلب ابن حمود الإدريسي على ملك الأندلس ودخل قرطبة واستقر بالقصر منها فألفى تلك العنبر لا زالت قائمة العين قد عقبتها الأيام حتى صارت إلى أيدي العلوية أربابها ولما نكب الحكم الحسن أمر بإخراجه وإخراج عشيرته من قرطبة وإجلائهم إلى المشرق فركبوا البحر من المرية إلى تونس سنة خمس وستين وثلاثمائة وكان قصد الحكم بتغريبهم التخفف منهم والراحة من نفقاتهم مع ما كان قومه يعذلونه عليهم فسار الحسن بن كنون وعشيرته إلى مصر فنزلوا بها على خليفة الشيعة وهو العزيز بالله نزار بن المعز العبيدي وكان العبيديون قد ملكوا مصر يومئذ ونقلوا كرسي خلافتهم إليها فأقبل العزيز نزار على الأدارسة وبالغ في إكرامهم ووعد الحسن النصر والأخذ بثأره ممن غلبه على ملك سلفه
عود الحسن بن كنون إلى المغرب وما كان من أمره إلى مقتله وانقراض دولته
لما استقر الحسن بن كنون بمصر عند العزيز نزار أقام عنده مدة طويلة إلى أن دخلت سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة في أيام هشام المؤيد بالله الأموي فكتب نزار للحسن بعهده على المغرب وأمر عامله على إفريقية بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي أن يقويه بالجيوش فسار الحسن إلى بلكين فأعطاه عسكرا يشتمل على ثلاثة آلاف فارس فاقتحم بهم بلاد المغرب فسارعت إليه قبائل البربر بالطاعة فشرع في إظهار دعوته واتصل خبره بالمنصور بن أبي عامر حاجب هشام المؤيد والقائم بملكه فبعث إليه ابن عمه الوزير أبا الحكم عمرو بن عبد الله بن أبي عامر المعروف بعسكلاجة في جيش كثيف وقلده أمر المغرب وسائر أعماله وأمره بقتال الحسن بن كنون فنفذ لوجهه وركب البحر إلى سبتة وخرج إلى حرب الحسن فأحاط به وحاصره أياما ثم أجاز المنصور بن أبي عامر ولده عبد الملك في أثر الوزير أبي الحكم في جيش كثيف ممدا له فلما رأى ذلك الحسن بن كنون سقط في يده ولم يجد حيلة فطلب الأمان على نفسه على أن يسير إلى الأندلس كمثل حالته الأولى فأعطاه الوزير أبو الحكم من ذلك ما وثق به وكتب إلى ابن عمه المنصور يخبره بذلك فأمر بتعجيله إلى قرطبة موكلا به فبعث به إليه ولما انتهى الخبر إلى المنصور بقدوم الحسن لم يمض أمان ابن عمه وأنفذ إليه من قتله من طريقه وأتاه برأسه ودفن شلوه بمكان مقتله وذلك في جمادى الأولى سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وركدت ريح العلوية بالمغرب وتفرق جمعهم وانقرضت دولتهم وتفرقت الأدارسة في قبائل المغرب ولاذوا بالاختفاء إلى أن خلعوا شارة ذلك النسب الشريف واستحالت صبغتهم منه إلى البداوة واستمر الحال إلى أن أشرفت دولة بني أمية بالأندلس على الانقراض وكان بالأندلس رجلان من آل إدريس دخلوها في جملة البربر الذين كانوا هناك وهم علي والقاسم ابنا حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس فطار لهما ذكر في الشجاعة والإقدام ثم ترقت بهم الأحوال إلى أن ورثوا خلافة الأندلس من يد الأمويين بها في خبر طويل ولما قتل الحسن بن كنون هبت ريح عاصف احتملت رداءة فلم يوجد بعد قالوا وكان الحسن هذا فظا غليظا قاسي القلب كان إذا ظفر بعدو أو سارق أو قاطع طريق أمر به فطرح من ذروة قلعته المسماة بحجر النسر فيهوي منها إلى الأرض مد البصر يدفع الرجل بخشبة تمد إليه فلا يصل إلى الأرض إلا وقد تقطع قال ابن أبي زرع كانت مدة ملك الأدارسة بالمغرب من يوم بويع إدريس بن عبد الله وذلك يوم الخميس السابع من ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين ومائة إلى أن قتل الحسن بن كنون وذلك في جمادى الأولى سنة خمس وسبعين وثلاثمائة مائتي سنة وثلاث سنين سوى شهرين تقريبا وكان عملهم بالمغرب من السوس الأقصى إلى مدينة وهران وقاعدة ملكهم مدينة فاس ثم البصرة وكانوا يكابدون دولتين عظيمتين دولة العبيديين بأفريقة ودولة بني أمية بالأندلس وكانوا يزاحمون الخلفاء إلى ذروة الخلافة ويقعد بهم عنها ضعف سلطانهم وقلة مالهم فكان سلطانهم إذا امتد وقوي ينتهي إلى مدينة تلمسان وإذا اضطرب الحال عليهم وضعفوا لا يجاوز سلطانهم البصرة وأصيلا وحجز النسر إلى أن انقضت أيامهم وانقرضت مدتهم والبقاء لله وحده وكان في هذه المدة من الأحداث أنه في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة كانت ريح شديدة قلعت الأشجار وهدمت الديار وقتلت الرجال وفي ليلة الثلاثاء الثامن عشر من رجب منها ظهر في البحر شهاب ثاقب ماثل كالعمود العظيم أضاء الليل لسطوع نوره وأشبهت تلك الليلة ليلة القدر وقارب ضوءها ضوء النهار وفي هذا الشهر أيضا كسف النيران فخسف القمر ليلة أربع عشرة منه وطلعت الشمس كاسفة في اليوم الثامن والعشرين منه وفي سنة إحدى وستين وثلاثمائة كان الجراد بالمغرب وفي سنة اثنتين وستين بعدها دخل مغراوة المغرب وملكوه وتعرف هذه السنة بسنة لقمان المغراوي وفيها توفي الشيخ الفقيه الصالح الفاضل أبو ميمونة دراس بن إسماعيل وهو أول من أدخل مدونة سحنون مدينة فاس وذكر الرشاطي أن وفاته كانت سنة سبع وخمسين وثلاثمائة ولعله أصح وفي سنة سبع وسبعين وثلاثمائة عم الجراد بلاد المغرب كلها وفي سنة ثمان وسبعين بعدها كان الفيض الذي فاضت منه جميع أودية المغرب وفي سنة تسع وسبعين بعدها كانت الريح الشرقية بالمغرب ودامت ستة أشهر فأعقبت وباء عظيما وأمراضا كثيرة وفي سنة ثمانين وثلاثمائة تدارك الله عباده وكان الرخاء المفرط بالمغرب فكان الزرع لا يوجد من يشتريه لكثرته وكان الفلاحون وأصحاب الحرث يتركونه قائما في محاقلهم لا يحصدونه لرخصه
الخبر عن دولة زناتة من مغراوة وبني يفرن بفاس والمغرب
ينبغي أن نقدم هنا كلاما يكون كالتوطئة لأخبار هذه الدولة المغراوية فنقول إن هذه الدولة لم يكن لها استقلال بالمغرب وفاس وإنما كانت رياستها تحت نظر الأمويين بالأندلس ثم إن مغراوة وبني يفرن قبيلتان من أعيان قبائل زناتة وكان مغراو ويفرن أخوين شقيقين وهما ابنا يصليتن بن مسري بن زاكيا بن ورسيك بن الدبديت بن زانا وهو أبو زناتة وقد تقدم لنا في أخبار الفتح أن الصحابة رضي الله عنهم أسروا صولات بن وزمارا كبير مغراوة لذلك العهد وبعثوا به إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه فأسلم على يده وولاه على قومه وقيل إن صولات هاجر إلى عثمان رضي الله عنه طائعا من غير أسر فأكرمه وولاه فكان بيت صولات بسبب هذه المزية نبيها في قومه مغراوة وسائر زناتة ولما مات صولات ورث رياسته من بعده ابنه حفص بن صولات ثم من بعده خزر بن حفص بن صولات ثم ابنه محمد بن خزر وهو الذي غزاه إدريس بن عبد الله بمدينة تلمسان وانقاد له وأجاب دعوته ودخل إدريس معه تلمسان وأصلح شأنها وبنى مسجدها حسبما تقدم الخبر عن ذلك مستوفى ثم لم تزل ذرية محمد بن خزر هذا تتوارث رياسة سلفهم من بعدهم إلى أن كان منهم في صدر المائة الرابعة أربعة اخوة وهم محمد بن خزر وعبد الله بن خزر ومعبد بن خزر وفلفل بن خزر وكلهم رئيس شريف في قومه ولهم أخبار مع خلفاء الشيعة بإفريقية والمروانيين بالأندلس يطول ذكرها مع أنها ليست من موضوعنا ولما كانت سنة تسع وستين وثلاثمائة زحف بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي صاحب إفريقية بعد العبيديين إلى المغرب الأقصى وأناخ على مدينتي فاس وقتل عامليها محمد بن أبي علي بن قشوش صاحب عدوة القرويين وعبد الكريم بن ثعلبة صاحب عدوة الأندلس واستعمل عليها محمد بن عامر المكناسي وأجفلت ملوك زناتة من بني خزر المغراويين وبني محمد بن صالح اليفرنيين أمامه وانحازوا جميعا إلى سبتة وعبر محمد بن الخير من آل خزر البحر إلى المنصور بن أبي عامر صريخا فخرج المنصور في عساكره إلى الجزيرة الخضراء ممدا لهم بنفسه وعقد لجعفر بن علي بن حمدون على حرب بلكين الصنهاجي وأجازه البحر وأمده بمائة حمل من المال فاجتمعت إليك ملوك زناتة وضربوا مصافهم بساحة سبتة وجاء بلكين الصنهاجي حتى صعد جبال تطوان وتنسم هضابها وأطل على عساكر زناتة وأهل الأندلس بساحة سبتة فرأى ما لا قبل له به ويقال إنه لما عاين ذلك قال هذه أفعى فغرت إلينا فاها وكر راجعا على عقبة فاجتاز على مدينة البصرة وكان بها حامية أهل الأندلس وبها يومئذ عمارة عظيمة فهدمها ثم صمد إلى برغواطة ببلاد تامسنا فجاهدهم وقتل ملكهم عيسى بن أبي الأنصار واستولى على المغرب أجمع ومحى دعوة بني أمية من نواحيه ثم لما كانت سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وقدم الحسن بن كنون الإدريسي من مصر إلى المغرب يطلب ملك سلفة انضم إليه يدو بن يعلى بن محمد بن صالح اليفرني في قومه وشايعه على مراده وسرح المنصور بن أبي عامر صاحب الأندلس إليه ابن عمه أبا الحكم الملقب بعسكلاجة وانضم إليه آل خزر المغراويون وهم محمد بن الخير الأصغر وخزرون بن فلفل بن خزر ومقاتل وزيري ابنا عطية بن عبد الله بن خزر وانضم إليهم سائر مغراوة وظاهروا أبا الحكم عسكلاجة على شأنه في حصار الحسن بن كنون حتى طلب الأمان لنفسه حسبما استوفينا خبره آنفا ثم تقدم عسكلاجة إلى فاس فدخلها واستولى على عدوة الأندلس سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وخطب بها لبني أمية وبقي محمد بن عامر المكناسي عامل الشيعة بعدوة القرويين إلى سنة ست وسبعين وثلاثمائة فأتى أبو بياش فدخل عدوة القرويين بالسيف وقبض على محمد بن عامر المكناسي فقتله وخطب بها لبني أمية أيضا هكذا في القرطاس وقال ابن خلدون إن المنصور بن أبي عامر عقد على المغرب بعد انصراف عسكلاجة عنه للوزير حسن بن أحمد بن عبد الودود السلمي وأطلق يده في الأموال والرجال وأرسله إليه سنة ست وسبعين وثلاثمائة وأوصاه بالإحسان إلى مغراوة ولا سيما مقاتل وزيري ابنا عطية لحسن انحياشهم إلى المروانيين وصدق طاعتهم لهم وأغراه بيدو بن يعلى اليفرني لتمريضه في الطاعة وقيامه مع الحسن بن كنون فنفذ الوزير حسن بن أحمد بن عبد الودود لعمله ونزل بفاس وضبط المغرب أحسن ضبط واجتمعت عليه مغراوة ثم هلك مقاتل بن عطية سنة ثمان وسبعين وورث رياسته على بادية قومه أخوه زيري بن عطية وحسنت صحبته للوزير حسن بن أحمد بن عبد الودود ومعاملته له
ثم إن المنصور بن أبي عامر استدعى زيري بن عطية للوفادة عليه بقرطبة فوفد عليه وأحسن المنصور إليه ورفع منزلته ثم عاد إلى المغرب وأمره بقتال يدو بن يعلى اليفرني فاجتمع عليه هو والوزير ابن عبد الودود فقاتلوه فانتصر عليهم يدو بن يعلى وقتل الوزير ابن عبد الودود ثم عقد المنصور بن أبي عامر لزيري بن عطية م بعده على المغرب وفاس وكان ذلك سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة هذا ملخص ما عند ابن خلدون في هذا الخبر ثم حكى بعده ما يخالفه مما نذكره مبسوطا عن قريب وتوقف في أيهما الصواب والله أعلم
الخبر عن دولة زيري بن عطية المغراوي بفاس والمغرب
هو زيري بن عطية بن عبد الله بن خزر المغراوي وعبد الله المذكور هو أحد الإخوة الأربعة من بني خزر قال في القرطاس ملك على زناتة سنة ثمان وستين وثلاثمائة فقام في المغرب بدعوة هشام المؤيد بالله وحاجبه المنصور بن أبي عامر وذلك بعد انقراض دولة الأدارسة منه وبني أبي العافية المكناسيين فغلب زيري أولا على جميع بوادي المغرب ثم ملك مدينتي فاس بعد عسكلاجة وأبي بياش دخلها سنة سبع وسبعين وثلاثمائة فاستوطنها وصيرها دار ملكه واستقام له أمر المغرب فعلا قدره وقوي سلطانه وارتفع شأنه وهو في ذلك متمسك بدعوة بني مروان أصحاب الأندلس والله غالب على أ مره
حديث أبي البهار الصنهاجي مع ا لمنصور ابن أبي عامر وما نشأ عن ذلك
كان أبو البهار بن زيري بن مناد الصنهاجي قد خالف على ابن أخيه منصور بن بلكين ابن زيري بن مناد الصنهاجي أمير إفريقية وظهور الدولة العبيدية وخلع دعوة الشيعة ومال إلى دعوة المروانيين وغلب على المهدية وتونس وشلشال وتلمسان ووهران وشلف وكثير من بلاد الزاب وخطب للمؤيد وحاجبه المنصور بن أبي عامر وبعث ببيعته إليهم وذلك في سنة سبع وسبعين وثلاثمائة فلما وصلت بيعته إلى المنصور بن أبي عامر بعث إليه بعهده على ما بيده من البلاد وبهدية وخلع وبأربعين ألف دينار فلما قبض أبو البهار المال والهدية أقام على بيعتهم نحو الشهرين ثم خلعهم وعاد إلى العبيديين فبلغ ذلك المنصور فغاظه وكتب إلى زيري بن عطية بعهده على بلاد أبي البهار وأمره بقتاله عليها فسار إليه زيري بن عطية من فاس في جيوش لا تحصى من قبائل زناتة وغيرهم ففر أبو البهار أمامه ولحق بابن أخيه منصور بن بلكين وترك له البلاد فملك زيري بن عطية تلمسان وسائر أعمال أبي البهار فانبسط سلطانه بالمغرب من السوس الأقصى إلى الزاب وكتب بالفتح إلى المنصور بن أبي عامر وبعث له بهدية عظيمة فيها مائتا فرس من عتاق الخيل وخمسون جملا مهريا سابقة وألف درقة من جلود اللمط وأحمال كثيرة من قسي الزان وقطوط الغالية والزرافة وأصناف الوحوش الصحراوية كاللمط وغيره وألف حمل من التمر الجيد في جنسه وأحمال كثيرة من ثياب الصوف الرقيقة فسر بها المنصور وكافأه عليها وكتب له بتجديد عهده على المغرب وذلك سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة واقام زيري بن عطية بفاس وأسكن قبيله بأنحائها وبالقرب منها في قياطينهم ودفع بني يفرن عن فاس وأحوازها إلى نواحي سلا فاستولوا عليها كما سيأتي
وفادة زيري بن عطية على المنصور بن أبي عامر بالأندلس
لما كانت سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة استدعى المنصور بن أبي عامر زيري بن عطية أن يقدم عليه بقرطبة فاستخلف على المغرب ولده المعز بن زيري وأمره بسكنى تلمسان واستخلف على عدوة الأندلس من فاس عبد الرحمن بن عبد الكريم بن ثعلبة وعلى عدوة القرويين منها علي بن محمد بن أبي علي بن قشوش وولى قضاء المدينتين الفقيه الفاضل أبا محمد قاسم بن عامر الأزدي وسار إلى الأندلس وقدم بين يديه هدية عظيمة من جملتها طائر فصيح يتكلم بالعربية والبربرية ودابة من دواب المسك ومهاة وحشية تشبه الفرس وحيوانات غريبة وأسدان عظيمان في قفصين من حديد وشيء كثير من التمر في غاية الكبر الواحدة منه تشبه الخيارة عظما وحمل معه من قومه وعبيدة ثلاثمائة فارس وثلاثمائة راجل فاحتفل المنصور لقدومه احتفالا عظيما وبرز الخاصة والعامة للقائه وأنزله بقصر جعفر الحاجب وتوسع له في الجرايات والإكرام ولقبه باسم الوزير وأفاض عليه أموالا جسيمة وخلعا نفيسة وعجل بسراحه إلى عمله بعد أن جدد له عهده على المغرب وعلى جميع ما غلب عليه منه فعبر البحر واحتل بمدينة طنجة فلما استقر بها وضع يده على رأسه وقال الآن علمت أنك لي فاستقل ما وصله به المنصور واستقبح اسم الوزارة الذي سماه به ولقد خاطبه به بعض رجاله فنهاه عن ذلك وقال وزير من يالكع لا والله إلا أمير ابن أمير واعجبا لابن أبي عامر ومخرقته لأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه والله لو كان بالأندلس رجل ما تركه على حاله وإن له منا ليوما وبلغت مقالته المنصور فصر عليها أذنه وزاد في اصطناعه إلى أن كان ما نذكره
استيلاء يدو بن يعلى اليفرني على فاس ومقتله
تقدم لنا أن بني يفرن من أعيان قبائل زناتة وكان يدو بن يعلى بن محمد بن صالح اليفرني قد قام بأمر بني يفرن بعد مقتل أبيه يعلى بن محمد حين قتله جوهر الكاتب قائد الشيعة سنة سبع وأربعين وثلاثمائة فملك يدو كثيرا من بوادي المغرب واتصلت رياسته إلى هذا التاريخ وتقدم لنا أن مغراوة دفعوا بني يفرن إلى سلا وأحوازها فاستولوا عليها وكان الأمير يدو بن يعلى مضاهيا لزيري بن عطية في الحسب والفضل والمال ولما استدعى المنصور بن أبي عامر زيري بن عطية للوفادة المتقدمة أراد أن يفعل بيدو بن يعلى مثل ذلك وكان قصده أن يمكر به لأنه كان لا يطمئن إليه اطمئنان زيري بن عطية فاساء يدو بن يعلى إجابة المنصور وقال متى عهد المنصور حمر الوحش تنقاد للبياطرة فأقصر عنه المنصور وكانت بين زيري ويدو بن يعلى منافسات ومنازعات على الرياسة بالمغرب فكان يدو بن يعلى إذا غلب على زيري دخل مدينة فاس واستولى عليها وإذا غلب عليه زيري أخرجه عنها وملكها وكانت الحرب بينهما سجالا وسئمت الرعية بفاس كثرة تعاقبهم عليها ثم لما سافر زيري بن عطية إلى الأندلس انتهز يدو بن يعلى الفرصة في غيبته فزحف إلى فاس ودخل منها عدوة الأندلس بالسيف في ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة وقتل بها خلقا كثيرا من مغراوة فلما نزل زيري بن عطية بطنجة اتصل به خبر يدو بن يعلى واستيلاؤه على فاس فأسرع السير نحوه حتى نزل قريبا من فاس فكانت بينهما حرب شديدة هلك فيها خلق كثير من القبيلتين مغراوة وبني يفرن إلى أن هزمه زيري واقتحم عليه فاسا عنوة فقتله ومثل به وبعث برأسه إلى المنصور بن أبي عامر بقرطبة وذلك سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة
بناء مدينة وجدة
لما قتل زيري بن عطية يدو بن يعلى صفا له أمر المغرب ولم يبق له به منازع وهابته الملوك وبقي الأمر مستقيما بينه وبين المنصور في الظاهر فسمت همته إلى بناء مدينة تكون خاصة به ويقومه وأرباب دولته فبنى مدينة وجدة وشيد أسوارها وأحكم قصبتها وركب أبوابها وسكنها بأهله وحشمه ونقل إليها أمواله وذخائره وجعلها قاعدة ملكه لكونها واسطة البلاد وثغرا للعمالتين المغرب الأقصى والأوسط وكان اختطاطه إياها في شهر رجب سنة أربع وثمانين وثلاثمائة ولم يزل زيري بن عطية في علو سلطان وارتفاع شأن إلى سنة ست وثمانين وثلاثمائة ثم حدث ما نذكره
حدوث النفرة بين زيري بن عطية والمنصور بن أبي عامر وما نشأ عن ذلك
ثم فسد ما بين المنصور وبين زيري بن عطية واتصل بالمنصور أن زيري ينتقصه ويعرض في شأنه وحجره على المؤيد ويتكلم فيه بالقبيح فقطع المنصور عنه رزق الوزارة الذي كان يجريه عليه في كل سنة ومحى اسمه من ديوانه ونادى بالبراءة منه فعزم زيري على خلافة فقطع ذكره من الخطبة واقتصر على ذكر هشام المؤيد وطرد عماله من المغرب وألجأهم إلى سبتة فأنفذ إليه المنصور بن أبي عامر مولاه واضحا الفتى في جيش عظيم وأمده بالحماة من سائر الطبقات وأزاح عللهم وأفاض عليهم الأموال للنفقات وأنواع السلاح والكسى فعبر واضح البحر واستقر بمدينة طنجة فانضم إليه بعض قبائل البربر من غمارة وصنهاجة وغيرهم وبايعوه على قتال زيري بن عطية ومن معه من قبائل زناتة فأفاض عليهم الخلع والأموال ثم أمد المنصور بمن كان معه بالأندلس من ملوك البربر النازعين عن زيري بن عطية إليه فتكاملت جيوشه وخرج بهم واضح من طنجة يؤم فاسا فاتصل خبره بزيري بن عطية فخرج إليه من فاس في عساكر زناتة فالتقى الجمعان بوادي زادات فكانت بينهما حروب بعد العهد بمثلها مدة من ثلاثة أشهر إلى أن انهزم واضح وقتل أكثر جيشه وفر واضح إلى طنجة فدخلها منهزما وكتب إلى المنصور يطلب منه المدد وقال ابن خلدون إن واضحا حين برز من طنجة وزحف إليه زيري بن عطية تواقفا ثلاثة أشهر ثم تناول واضح آصيلا ونكور فضبطهما واتصلت الوقائع بينه وبين زيري ثم بيت واضح معسكر زيري بنواحي آصيلا وهم غارون فأوقع بهم وخرج المنصور من قرطبة فوصل إلى الجزيرة الخضراء ثم أجاز ابنه عبد الملك المظفر بجميع عسكر الأندلس وقوادها حتى بقي المنصور وحده وأمره بحرب زيري بن عطية فركب المظفر البحر من الجزيرة الخضراء إلى سبتة واتصل خبر المظفر بزيري بن عطية فخافه وأخذ في الاستعداد لملاقاته وكتب إلى جميع قبائل زناتة يستصرخهم فأتته الوفود من بلاد ملوية وتلمسان والزاب وسائر بوادي وناتة فنهض بهم إلى قتال عبد الملك المظفر بن المنصور بن أبي عامر وبرز عبد الملك من طنجة ومعه واضح الفتى في جيوش لا تحصى والتقى الجمعان بوادي منى من أحواز طنجة فكانت بينهم حرب أعظم من الأولى ودام القتال بينهم يوما إلى الليل وكان في عسكر زيري بن عطية غلام أسود اسمه سلام كان زيري قد قتل أخاه فوجد الفرصة إليه فانتهزها وضربه بسكين في نحره ثلاث ضربات فأشواه أي لم يصب مقتله ومر الأسود يشتد نحو المظفر وبشره بقتل زيري فاستكذبه ثم سقط إليه الخبر الصحيح بأن زيري قد أثبت فشد عليهم عبد الملك وهم في حال دهشة من جرح أميرهم فهزمهم واستمرت الهزيمة على زيري وأصحابه واثخن فيهم عبد الملك بالقتل وملك محلة زيري بأسرها واحتوى على جميع ما فيها من المال والسلاح والكراع والإبل والعدة فاستولى من ذلك على ما لا يأخذه الحصر ومضى زيري على وجهه حتى انتهى إلى موضع يعرف بمضيق الحية بالقرب من مكناسة فعسكر به واجتمع إليه الفل من قومه وعزم على الرجوع لمناجزة المظفر فاتصل الخبر بالمظفر فانتخب من عسكره خمسة آلاف فارس وقدم عليهم واضحا الفتى ونهضوا إلى زيري بن عطية فضربوا في محلته ليلا بمضيق الحية وهم آمنون فأوقعوا بهم وقعة عظيمة أسر فيها من اشراف مغراوة نحو ألفي رجل وذلك في منتصف رمضان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة فامتن عليهم عبد الملك المظفر وأركبهم معه فكانوا من جنده وفر زيري بن عطية في شرذمة من أصحابه وبني عمه فانتهى إلى فاس فأغلق أهلها الأبواب دونه فسألهم أن يخرجوا إليه عياله وأولاده فأخرجوهم إليه وأعطوه مع ذلك الزاد والدواب فأخذهم وانصرف إلى الصحراء فنزل بلاد صنهاجة وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى
قدوم عبد الملك المظفر بن المنصور بن أبي عامر مدينة فاس وما كان من شأنه بها
لما انهزم زيري بن عطية من مضيق الحية إلى الصحراء نهض عبد الملك المظفر من معسكره يؤم فاسا فدخلها يوم السبت منسلخ شوال سنة سبع وثمانين وثلاثمائة فاستقبله أهلها مستبشرين به فأحسن لقاءهم وكتب إلى أبيه المنصور بالفتح فقرأ الكتاب على منبر جامع الزهراء من قرطبة وعلى منابر مساجد الأندلس كلها شرقا وغربا وأعتق المنصور ألفا وخمسمائة مملوك وثلاثمائة مملوكة شكرا لله تعالى وفرق أموالا كثيرة على الفقراء وذوي الحاجات وكتب إلى ولده المظفر بعهده على المغرب وأوصاه بحسن السيرة والعدل فقرأ كتابه على منبر مسجد القرويين وذلك يوم الجمعة آخر ذي القعدة من السنة المذكورة وانصرف واضح إلى الأندلس واستوطن عبد الملك مدينة فاس وعدل فيها عدلا لم يعهدوه من أحد قبله وأقام بها ستة أشهر ثم صرفه والده عنها إلى الأندلس وبعث إليها عوضا عنه عيسى بن سعيد صاحب الشرطة فأقام واليا عليها إلى صفرة سنة تسع وثمانين وثلاثمائة فعزله المنصور عنها وعما كان ولاه من بلاد العدوة وولى عليها واضحا الفتى وانصرف عيسى بن سعيد إلى الأندلس من السنة المذكورة
بقية أخبار زيري بن عطية
لما نزل زيري بن عطية ببلاد صنهاجة وجدهم قد اختلفوا على ملكهم باديس بن منصور بن بلكين بن زيري بن مناد صاحب إفريقية فأرسل زيري بن عطية في قبائل زناتة حاشرين فأتى منهم خلق كثير من مغراوة وغيرهم فاغتنم زيري تلك الفرصة من صنهاجة فزحف إليهم وأوغل في بلادهم وهزم جيوشهم ودخل مدينة تاهرت وجملة من بلاد الزاب وملك مع ذلك تلمسان وشلف والمسيلة وأقام بها الدعوة للمؤيد وحاصر مدينة آشير قاعدة بلاد صنهاجة وكتب إلى المنصور بن أبي عامر بذلك يسترضيه ويشترط على نفسه الرهن والاستقامة إن أعيد إلى ولايته وبينما هو محاصر لآشير يباكرها ويراوحها بالقتال انقضت عليه جراحاته التي كان جرحه الأسود فمات منها سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة