الخبر عن دولة المعز بن زيري بن عطية المغراوي
لما هلك زيري بن عطية اجتمع آل خزر وكافة مغراوة من بعده على ابنه المعز بن زيري فبايعوه وضبط أمرهم وأقصر عن محاربة صنهاجة وصالح المنصور بن أبي عامر وقام بدعوته ورجع إلى طاعته ولم يزل على ذلك إلى أن توفي المنصور وولي ابنه بعده عبد الملك المظفر فيايعه المعز أيضا ودعا له على منابره فعزل المظفر واضحا الفتى عن فاس وسائر بلاد المغرب وصرفه إلى الأندلس وكتب إلى المعز بن زيري بعهده على فاس وسائر أعمال المغرب حواضره وبواديه وذلك سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وشرط له المعز أن يؤدي إليه في كل سنة مالا معلوما وخيلا ودرقا يوصل ذلك إلى قرطبة وأعطاه مع ذلك ولده معنصر بن المعز رهنا وكانت نسخة كتاب العهد بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله من الحاجب المظفر سيف الدولة دولة الإمام الخليفة هشام المؤيد بالله أمير المؤمنين أطال الله بقاءه عبد الملك بن المنصور بن أبي عامر إلى كافة أهل مدينتي فاس وكافة أهل المغرب سلمهم الله أما بعد أصلح الله شأنكم وسلم أنفسكم وأديانكم فالحمد لله علام الغيوب وغفار الذنوب ومقلب القلوب ذي البطش الشديد المبدئ المعيد الفعال لما يريد لا راد لأمره ولا معقب لحكمه بل له الملك والأمر وبيده الخير والشر إياه نعبد وإياه نستعين وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وصلى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين وعلى آله الطيبين وجميع الأنبياء والمرسلين والسلام عليكم أجمعين وإن المعز بن زيري بن عطية أكرمه الله تابع رسله لدينا وكتبه متنصلا من هنات دفعته إليها ضرورات ومستغفرا من سيئات حطتها من توبته حسنات والتوبة ممحاة الذنب والاستغفار منقذ من العتب وإذا أذن الله بشيء يسره وعسى أن تكرهوا شيئا ولكم فيه خيره وقد وعد من نفسه استشعار الطاعة ولزوم الجادة واعتقاد الاستقامة وحسن المعونة وخفة المؤنة فوليناه ما قبلكم وعهدنا إليه أن يعمل بالعدل فيكم وأن يرفع أعمال الجور عنكم وأن يعمر سبلكم وأن يقبل من محسنكم ويتجاوز عن مسيئكم إلا في حدود الله تبارك وتعالى وأشهدنا الله عليه بذلك وكفى بالله شهيدا وقد وجهنا الوزير أبا علي بن حذيم أكرمه الله وهو من ثقاتنا ووجوه رجالنا ليأخذ بشأنه ويؤكد العهد فيه عليه بذلك وأمرناه بإشراككم فيه ونحن بأمركم معتنون ولأحوالكم مطلعون وأن يقضي على الأعلى للأدنى ولا يرضى فيكم بشيء من الأدنى فثقوا بذلك واسكنوا إليه وليمض القاضي أبو عبد الله أحكامه مشدودا ظهره بنا معقودا سلطانه بسلطاننا ولا تأخذه في الله لومة لائم فذلك ظننا به إذ وليناه وأملنا فيه إذا قلدناه والله المستعان وعليه التكلان لا إله إلا هو ولتبلغوا منا سلاما طيبا جزيلا ورحمة الله وبركاته ولما وصل إلى المعز بن زيري العهد بولايته على المغرب ما عدا كورة سجلماسة فإنها كانت لبني خزرون بن فلفل ضم نشره وثاب إليه نشاطه وبث عماله في جميع كور المغرب وجبا خراجها لم تزل ولايته متسقة وطاعة رعاياه منتظمة إل إلى افترق أمر الجماعة بالأندلس واختل رسم الخلافة بها فاضطرب أمر المغرب على المعز وأقام على ذلك إلى أن هلك سنة سبع عشرة وأربعمائة كذا عند ابن خلدون وفي القرطاس لم تزل بلاد المغرب أيام المعز في غاية الهدنة والعافية والرخاء والأمن إلى أن توفي في جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة والله أعلم وأما ابنه معنصر فإنه أقام بقرطبة إلى أن قامت الفتنة بالأندلس وانقرضت الدولة العامرية فانصرف معنصر إلى أبيه وعشيرته بفاس وحكي في القرطاس أنه لما كانت سنة تسع وتسعين وثلاثمائة وتوفي عبد الملك المظفر وولي بعده أخوه عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر بعث إليه المعز بن زيري بهدية نفيسة فيها خمسون فرسا وكان ولده معنصر مرتهنا عنده بقرطبة كما قلنا فأحضر الحاجب عبد الرحمن معنصر بن المعز حين وصلت إليه هدية أبيه فخلع عليه وعلى الرسل الذين قدموا عليه بالهدية وبعث به إلى أبيه مكرما فجمع المعز كل فرس كان عنده وبعث به إلى قرطبة وكان مبلغ عدد الخيل تسعمائة فرس ولم تصل من المغرب إلى الأندلس هدية أعظم منها
الخبر عن دولة حمامة بن المعز بن عطية المغراوي
لما توفي المعز بن زيري بن عطية ولي بعده ابن عمه حمامة بن المعز بن عطية وليس بابن له كما زعم بعض المؤرخين وإنما هو ابن عمه وقع الاتفاق في بعض الأسماء فنشأ الغلط واستولى حمامة على عمل فاس والمغرب واستفحل ملكه وقصده الأمراء والعلماء وأتته الوفود ومدحه الشعراء وكانت الدولة بالأندلس قد تداعت إلى الاختلال فكان ذلك من أسباب استفحال الدولة المغراوية بفاس والمغرب واستقلال بالأمر فكان لحمامة من الظهور ما ذكرناه إلى أن أصابته عين الكمال بمنازعة أبي الكمال على ما نذكره
الخبر عن دولة أبي الكمال تميم بن زيري اليفرني واستيلائه على فاس وأعمالها
قد تقدم لنا أن بني يفرن كانوا قد تحيزوا إلى النواحي سلا فاستولوا عليهاوعلى مدينة شالة ثم ملكوا تادلا وما والاها من البلاد ثم لما كانت سنة أربع وعشرين وأربعمائة كان الأمير على بني يفرن أبا الكمال تميم بن زيري بن يعلى بن محمد بن صالح اليفرني فزحف من سلا إلى فاس في قبائل بني يفرن ومن انضاف إليهم من زتاته وبرز إليه حمامة في جموع مغراوة ومن إليهم فكانت بينهم حرب شديدة أجلت عن هزيمة حمامة ومات من مغراوة أمم واستولى تميم على فاس وأعمال المغرب ودخلها في جمادى الآخرة من السنة المذكورة واستباح يهود فاس فقتل منهم أكثر من ستة آلاف يهودي وسبى حرمهم واصطلم نعمتهم بالمرة ولحق حمامة بوجدة فاستمد من كان هنالك من قبائل مغراوة وزناتة وأنجاد قبائل ملوية وانتهى إلى تنس فاستنفر من هنالك من زناتة وبعث الحاشدين في قياطينهم إلى جميع بلاد المغرب الأوسط وكاتب من بعد عنه من رجالاتهم فاجتمع له من ذلك جم غفير ثم زحف إلى فاس سنة تسع وعشرين وأربعمائة فأفرج عنها أبو الكمال ولحق ببلده ومقر ملكه من شالة وأقام بها إلى أن هلك سنة ست وأربعين وأربعمائة وكانت مدة استيلائه على فاس وأعمالها خمس سنين وقيل سبع سنين وكان أبو الكمال اليفرني يغلب عليه الجفاء والجهل ومع ذلك فقد كان صلبا في دينه مستقيما فيه مولعا بجهاد برغواطة كان يغزوهم مرتين في السنة إلى أن توفي ولما كانت سنة اثنتين وستين وأربعمائة وقتل ابنه في حرب لمتونة جاؤوا به ليدفنوه إلى جانب قبر أبيه أبي الكمال فسمعوا من قبره تكبيرا وتشهدا كثيرا فنبشوا قبره فألفوه لم يتغير منه شيء ثم رآه بعض قرابته في النوم فقال له ما هذا التكبير والتشهد الذي سمعناه من قبرك قال تلك الملائكة وكلهم الله بقبري يكبرون ويهللون ويسبحون ويكون ثواب ذلك لي إلى يوم القيامة قال وبم نلت ذلك قال بجهادي برغواطة حكي هذا الخبر في القرطاس والله على كل شيء قدير وأقام حمامة في سلطان فاس والمغرب إلى أن توفي سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة وقيل غير ذلك
الخبر عن دولة دوناس بن حمامة ابن المعز بن عطية المغراوي
لما توفي حمامة بن المعز ولي بعده ابنه دوناس بن حمامة ويكنى أبا العطاف واستولى على فاس وسائر ما كان لأبيه من مدن المغرب وأعماله وخرج عليه لأول دولته ابن عمه حماد بن معنصر بن المعز بن عطية فجرت له معه حروب وخطوب وكثرت جموع حماد وغلب على ضواحي فاس وحاصرها حصارا شديدا وقطع عن عدوة القرويين جرية الوادي واحتفر السياج المعروف بسياج حماد ويقال إن دوناس خندق به على نفسه واستمر حماد محاصرا لفاس إلى أن هلك سنة خمس وثلاثين وأربعمائة فاستقامت دولة دوناس وانفسحت أيامه وصار الناس في هدنة ودعة ورخاء كثير وفي أيامه عظمت فاس وعمرت وكثرت أرباضها وقصدها الناس والتجار من جميع النواحي فأدار دوناس السور على أرباضها وبنى بها المساجد والحمامات والفنادق واستبحر عمرانها فصارت حاضرة المغرب من يومئذ ولم يشتغل دوناس من يوم ولي إلى ان توفي إلا بالبناء والتشييد وكانت وفاته في شوال سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة
الخبر عن دولة فتوح بن دوناس المغراوي
لما توفي دوناس بن حمامة ولي بعده ابنه الفتوح بن دوناس ونزل بعدوة الأندلس ونازعه اللأمر أخوه الأصغر واسمه عجيسة وكان شهما محربا فاستولى على عدوة القرويين واستبد على أخيه وافترق أمر فاس وأعمالها بافتراقهما وقامت الحرب بينهما على ساق وبنى الفتوح بعدوة الأندلس قصبة منيعة بالموضع المعروف بالكدان وبنى عجيسة أيضا قصبة مثلها برأس عقبة السعتر من عدوة القرويين وكثرت العداوة بينهما واستحكمت فكانا لا يفتران عن القتال ليلا ونهارا وعظم الخوف بالمغرب وكثر الهرج وغلت الأسعار واشتدت المجاعة وظهرت لمتونة على أطراف البلاد فملكوها والأمر لا زال والحال ما حال وليس لأهل فاس شغل إلا القتال واستمر الأمر على ذلك ثلاث سنين إلى أن بيت الفتوح عجيسة فاقتحم عليه عدوة القرويين ليلا فقتله واستولى على العدوتين معا والفتوح بن دوناس هذا هو الذي بنى باب الفتوح من مدينة فاس بسورها القبلي وبه عرف إلى الآن وأخوه عجيسة هو الذي بنى باب عجيسة برأس عقبة السعتر من عدوة القرويين من ناحية الجوف وبه عرف أيضا إلى ألآن فلما ظفر الفتوح بعجيسة وقتله أمر بتغيير اسم الباب المنسوب إليه فأسقط الناس العين من عجيسة وعوضوا عنها الألف واللام فقالوا باب الجيسة قاله في القرطاس وقال ابن خلدون خففوه لكثرة الاستعمال ولم يزل الفتوح مستوليا على فاس إلى أن دهم المغرب ما دهمه من أمر المرابطين من لمتونة وخشي الفتوح مغبة ذلك فأفرج عن فاس وتخلى عنها وزحف صاحب القلعة بلكين بن محمد بن حماد الصنهاجي إلى المغرب سنة أربع وخمسين وأربعمائة ودخل فاسا واحتمل من أكابرها وأشرافها عددا رهنا على الطاعة وقفل إلى قلعته
الخبر عن دولة معنصر بن حماد بن معنصر بن المعز بن عطية المغراوي
لما تخلى الفتوح بن دوناس عن ملك فاس وأعمالها قام بالأمر بعده قريبة معنصر بن حماد بن معنصر بن المعز بن عطية فبايعته قبائل مغراوة الذين بفاس وأحوازها وذلك في رمضان سنة خمس وخمسين وأربعمائة وكان معنصر ذا حزم ورأي وشجاعة وإقدام وشغل بحرب لمتونة وكانت له عليهم الوقعة المشهورة ثم غلب يوسف بن ناشفين على فاس وخلف عليها عامله وارتحل إلى عمارة وفتح الكثير من بلادها حتى أشرف على طنجة ثم رجع إلى حصار قلعة فازاز فخالفه معنصر إلى فاس وملكها وقتل العامل ومن معه من لمتونة ومثل بهم بالحرق والصلب واتصل الخبر بيوسف بن تاشفين وهو محاصر لقلعة فازاز فاستدعى مهدي بن يوسف الكزنائي صاحب مكناسة ليستجيش به على فاس فاستعرضه معنصر في طريقه قبل أن تتصل أيديهما وناجزه الحرب ففض جموعه وقتله وبعث برأسه إلى وليه الحاجب سكوت البرغواطي صاحب سبتة واستصرخ أهل مكناسة بيوسف بن تاشفين فسرح عساكر لمتونة إلى حصار فاس فأخذوا بمخنقها وقطعوا المرافق عنها وألحوا بالقتال عليها حتى اشتد بأهلها الحصار ومسهم الجد وبرز معنصر لإحدى الراحتين فكانت الدائرة عليه وفقد في الملحمة ذلك اليوم سنة ستين وأربعمائة فلم يدر ما فعل الله به سبحانه وتعالى
الخبر عن دولة تميم بن معنصر المغراوي
لما فقد معنصر بن حماد في الملحمة التي كانت بينه وبين اللمتونيين بايع أهل فاس من بعده لابنه تميم بن معنصر فكانت أيامه أيام حصار وفتنة وجهد وغلاء وشغل يوسف بن تاشفين عنهم بفتح بلاد غمارة حتى إذا كانت سنة ثنتين وستين وفرغ من فتح غمارة صعد إلى فاس فحاصرها أياما ثم اقتحمها عنوة وقتل بها زهاء ثلاثة آلاف من مغراوة وبني يفرن ومكناسة وغيرهم وهلك تميم بن معنصر في جملتهم حتى عجز الناس عن مواراتهم فرادى فاتخذوا لهم الأخاديد وقبروا جماعات وخلص من نجا من القتل منهم إلى تلمسان قاله ابن خلدون وقال في القرطاس دخل يوسف بن تاشفين مدينة فاس الدخلة الثانية الكبرى فقتل بها من مغراوة وبني يفرن في أزقتها وجوامعها ما يزيد على العشرين ألف رجل وذلك سنة اثنتين وستين وأربعمائة وانقرضت دولة مغراوة من المغرب والبقاء لله وحده وكانت مدة دولتهم نحو مائة سنة وفي دولتهم عظم شأن فاس وبنيت الأسوار على أرباضها وحصنت أبوابها وزيد في مسجديها القرويين والأندلس زيادة كثيرة واتسع الناس في أيام مغراوة في البناء فعظمت فاس واستبحر عمرانها وكثرت خيراتها واتصل الأمن والرخاء جل أيامهم إلى أن ضعفت أحوالهم وجاروا على رعيتهم بأخذ أموالهم وسفك دمائهم والتعرض لحرمهم فانقطعت عنهم المواد وكثر الخوف في البلاد وغلت الأسعار وبلى الله عباده بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وذلك في دولة الفتوح بن دوناس ومن بعده فكان رؤساء مغراوة وبني يفرن يلجون على ا لناس دورهم فيأخذون ما يجدون بها من الطعام ويتعرضون لنسائهم وصبيانهم ويأخذون أموال التجار فلا يقدر أحد أن يصدهم عن ذلك وكان سفهاؤهم وعبيدهم يصعدون على قنة جبل العرض فينظرون إلى الدور التي بالمدينة فإذا رأوا دارا بها دخان قصدوها وأخذوا ما وجدوا بها من طعام أو غيره ومن تعرض لهم في ذلك قتلوه فلما ارتكبوا هذه العظائم سلبهم الله ملكه وغير ما بهم من نعمة @QB@ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم @QE@ فسلط عليهم المرابطين فمحوا آثارهم من المغرب ونفوهم عنه بالكلية وطهروه من جورهم وفي أيامهم اتخذ أهل فاس المطامير في بيوتهم للطحن والطبخ لئلا يسمع دوي الرحى فتقصدهم سفهاء مغراوة وفيها أيضا اتخذوا غرفا لا مراقي لها حتى إذا كان عشى النهار صعد الرجل بأهله وعياله إليها بسلم ثم يرفع السلم معه لئلا يدخل عليه فجأة وكان من هذا شيء كثير وكان من الأحداث في هذه المدة أنه في ليلة الخميس الثالث والعشرين من رجب سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ظهر نجم في السماء كان في رأي العين مثل الصومعة العظيمة طلع من جهة المشرق وتهافت جريا فيما بين المغرب والجوف وتطاير منه شرر عظيم فزع الناس منه واستغاثوا ربهم في صرف مكروهة عنهم وفي سنة اثنتين وثمانين بعدها كان الكسوف الكلي الذي أذهب جميع الفرص وفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة كانت الريح الهائلة التي نظر الناس فيها إلى البهائم تمر بين السماء والأرض نعوذ بالله من سخطه وفي سنة أربع وتسعين وثلاثمائة طلع الكوكب الوقاد وهو نجم عظيم ضخم الجرم كثير الضياء وفي سنة ست وتسعين وثلاثمائة طلع نجم عظيم من ذوات الأذناب شديد الارتعاد وفي سنة سبع وأربعمائة انقرضت دولة بني أمية بالأندلس وقامت بها دولة بني حمود فكانت مدتها نحو سبع سنين وانقرضت أيضا وافترق أمر الجماعة بالأندلس وصار الملك بها طوائف إلى أن نسخ ذلك يوسف بن تاشفين وفي سنة إحدى عشرة وأربعمائة اشتد القحط ببلاد المغرب كلها من تاهرت إلى سجلماسة وكثر الفناء في الناس نسأل الله العافية وفي سنة خمس عشرة وأربعمائة كانت الزلزلة العظيمة بالأندلس اضطربت لها الأرض وانهدت الجبال وفي سنة سبع عشرة وأربعمائة توفي الفقيه ابن العجوز بفاس وفي سنة ثلاثين وأربعمائة توفي الشيخ الفقيه أبو عمران الفاسي قال في التشوف أبو عمران موسى بن عيسى بن أبي حاج الفاسي أصله من مدينة فاس ونزل بالقيروان فأخذ عن أبي الحسن القابسي ثم رحل إلى بغداد فحضر مجلس القاضي أبي بكر بن الطيب ثم عاد إلى القيروان وبها مات لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ثلاثين وأربعمائة وكان مقدما في الفضل والأمانة اه | 2 | بسم الله الرحمن الرحيم
الدولة المرابطية
الخبر عن الدولة الصنهاجية اللمتونية المرابطية وأوليتها
قد تقدم لنا عند الكلام على نسب البربر وشعوبها أن صنهاجة إحدى قبائل البرانس من البربر وأنهم أعظم قبائلها بالمغرب لا يكاد قطر من أقطاره يخلو من بطن من بطونهم في جبل أو بسيط حتى زعم كثير من الناس أنهم ثلث البربر وتقدم لنا أن النسابين من العرب زعموا أن صنهاجة وكتامة من حمير خلفهم الملك إفريقيش بالمغرب فاستحالت لغتهم إلى البربرية والتحقيق خلاف ذلك وأنهم من كنعان بن حام كسائر البربر وتحت صنهاجة قبائل كثيرة تنتهي إلى السبعين منهم لمتونة وكدالة ومسوفة ومسراته ومداسة وبنو وارث وبنو دحير وبنو زياد وبنو موسى وبنو فشتال وغير ذلك وتحت هذه القبائل بطون وأفخاذ تفوت الحصر وكانت لهم بالمغرب دولتان عظيمتان إحداهما دولة بني زيري بن مناد الصنهاجيين بإفريقية ورثوا ملكها من يد الشيعة العبيديين والأخرى دولة الملثمين بالمغرب الأقصى والأوسط والأندلس كما سيأتي وموطن هؤلاء الملثمين أرض الصحراء والرمال الجنوبية فيما بين بلاد البربر وبلاد السودان ومساحة أرضهم نحو سبعة أشهر طولا في أربعة عرضا وفيهم قوما لا يعرفون حرثا ولا زرعا ولا فاكهة وإنما أموالهم الأنعام وعيشهم اللحم واللبن يقيم أحدهم عمره لا يأكل خبزا إلا أن يمر ببلادهم التجار فيتحفونهم بالخبز والدقيق وإنما قيل لهم الملثمون لأنهم يتلثمون ولا يكشفون وجوههم أصلا قال ابن خلكان اللثام سنة لهم يتوارثونها خلفا عن سلف وسبب ذلك على ما قيل إن حمير كانت تتلثم لشدة الحر والبرد تفعله الخواص منهم فكثر ذلك حتى صار تفعله عامتهم وقيل كان سببه أن قوما من أعدائهم كانوا يقصدون غفلتهم إذا غابوا عن بيوتهم فيطرقون الحي فيأخذون المال والحريم فأشار عليهم بعض مشايخهم أن يبعثوا النساء في زي الرجال إلى ناحية ويقعدوا هم في البيوت متلثمين في زي النساء فإذا أتاهم العدو وظنوهم نساء خرجوا عليهم ففعلوا ذلك وثاروا عليهم بالسيوف فقتلوهم فلزموا اللثام تبركا به بما حصل لهم من الظفر بالعدو وقال عز الدين ابن الأثير في كامله ما مثاله وقيل إن سبب تلثمهم أن طائفة من لمتونة خرجوا مغيرين على عدو لهم فخالفهم العدو إلى بيوتهم ولم يكن بها إلا المشايخ والصبيان والنساء فلما تحقق المشايخ أنه العدو أمروا النساء أن يلبسن ثياب الرجل ويتلثمن ويضيقنه حتى لا يعرفن ويلبسن السلاح ففعلن ذلك وتقدم المشايخ والصبيان أمامهن واستدار النساء بالبيوت فلما أشرف العدو رأى جمعا عظيما فظنه رجالا وقالوا هؤلاء عند حريمهم يقاتلون عنهن قتال الموت والرأي أن نسوق النعم ونمضي فإن اتبعونا قاتلناهم خارجا عن حريمهم فبينما هم في جمع النعم من المراعي إذ أقبل رجال إلى الحي فبقي العدو بينهم وبين النساء فقتلوا من العدو خلقا كثيرا وكان من قتل النساء أكثر فمن ذلك الوقت جعلوا اللثام سنة يلازمونه فلا يعرف الشيخ من الشاب ولا يزيلونه ليلا ولا نهارا وفي ذلك يقول أبو محمد بن حامد الكاتب ( قوم لهم شرف العلا من حمير % وإذا انتموا صنهاجة فهم هم ) ( لما حووا أحراز كل فضيلة % غلب الحياء عليهم فتلثموا ) وقال ابن خلدون كان دين صنهاجة أهل اللثام المجوسية شأن برابرة المغرب ولم يزالوا مستقرين بتلك المفالات الصحراوية حتى كان إسلامهم بعد فتح الأندلس وكانت الرياسة فيهم للمتونة واستوسق لهم ملك ضخم عند دخول عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس توارثه ملوك منهم من بني ورتنطيو وطالت أعمارهم فيه إلى الثمانين ونحوها ودوخوا تلك البلاد الصحراوية وجاهدوا من بها من أمم السودان وحملوهم على الإسلام فدان به كثير منهم واتقاهم آخرون بالجزية فقبلوهم منهم ثم افترق أمرهم من بعد ذلك وصار ملكهم طوائف ورياستهم شيعا واستمروا على ذلك مائة وعشرين سنة إلى أن قام فيهم الأمير أبو عبد الله محمد بن تيفاوت المعروف بتاسرت اللمتوني فاجتمعوا عليه وأحبوه وبايعوه وكان من أهل الفضل والدين والجهاد والحج فلبث فيهم ثلاث سنين ثم استشهد في بعض غزواته
الخبر عن رياسة يحيى بن إبراهيم الكدالي وما كان من أمره مع الشيخ أبي عمران الفاسي رحمهما الله
لما توفي أبو عبد الله بن تيفاوت قام بأمر صنهاجة من بعده يحيى بن إبراهيم الكدالي وكدالة ولمتونة أخوان يجتمعان في أب واحد وكل منهما قبيل كبير يسكنون الصحراء التي تلي بلاد السودان ويليهم من جهة المغرب البحر المحيط فاستمر الأمير يحيى بن إبراهيم على رياسة صنهاجة وحربهم لأعدائهم إلى أن كانت سنة سبع وعشرين وأربعمائة فاستخلف على صنهاجة ابنه إبراهيم بن يحيى وارتحل إلى المشرق برسم الحج فلما قضى حجه وزريارته قفل إلى بلاده فمر في عوده بالقيروان فلقي بها الشيخ الفقيه أبا عمران الفاسي وحضر مجلس درسه وتأثر بوعظه فرآه الشيخ أبو عمران محبا في الخير فأعجبه حاله وسأله عن اسمه ونسبه وبلده فأخبره بذلك كله وأعلمه بسعة بلاده وما فيها من كثرة الخلق فقال له الشيخ وما ينتحلون من المذاهب قال إنهم قوم غلب عليهم الجهل وليس لهم كبير علم فاختبره الشيخ وسأله عن فروض دينه فلم يجده يعرف منها شيئا إلا أنه حريص على التعلم صحيح النية والعقيدة فقال له الشيخ وما يمنعك من تعلم العلم فقال يا سيدي عدم وجود عالم بأرضي وليس في بلادي من يقرأ القرآن فضلا عن العلم ومع ذلك فأهل أرضي يحبون الخير ويرغبون فيه لو وجدوا من يقرئهم القرآن ويدرس لهم العلم ويفقههم في دينهم ويعلمهم الكتاب والسنة وشرائع الإسلام فلو رغبت في الثواب من الله تعال لبعثت معي بعض طلبتك يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين فينتفعون به ويكون لك وله الأجر العظيم عند الله تعالى إذ كنت سبب هدايتهم فندب الشيخ أبوعمران تلامذته إلى ذلك فاستصعبوا دخول أرض الصحراء وأشفقوا منها فقال الشيخ أبو عمران ليحيى بن إبراهيم إني أعرف ببلد نفيس من أرض المصامدة فقيها حاذقا ورعا أخذ عني علما كثيرا واسمه وأجاج بن زلو اللمطي من أهل السوس الأقصى أكتب إليه كتابا لينظر في تلامذته من يبعثه معك فسر إليه لعلك تجد حاجتك عنده فكتب إليه الشيخ أبو عمران كتابا يقول فيه أما بعد إذا وصلك حامل كتابي هذا وهو يحيى بن إبراهيم الكداني فابعث معه من طلبتك من تثق بعلمه ودينه وورعه وحسن سياسته ليقرئهم القرآن ويعلمهم شرائع الإسلام ويفقههم في دين الله ولك وله في ذلك الثواب والأجر العظيم والله لا يضيع أجر من أحسن عملا وأبو محمد واجاج هذا من رجال التشوف قال فيه ومنهم واجاج بن زلو اللمطي من أهل السوس الأقصى رحل إلى القيروان وأخذ عن أبي عمران الفاسي ثم عاد إلى السوس فبنى دارا سماها بدار المرابطين لطلبة العلم وقراء القرآن وكان المصامدة يزورونه ويتبركون بدعائه وإذا أصابهم قحط استسقوا به اه فسار يحيى بن إبراهيم بكتاب الشيخ أبي عمران حتى وصل إلى الفقيه واجاج بمدينة نفيس فسلم عليه ودفع إليه الكتاب وكان ذلك في رجب سنة ثلاثين وأربعمائة فنظر الفقيه واجاج في الكتاب ثم جمع تلامذته فقرأه عليهم وندبهم لما أمر به الشيخ أبو عمران فانتدب لذلك رجل منهم يقال له عبد الله بن ياسين الجزولي وكان من حذاق الطلبة ومن أهل الفضل والدين والورع والسياسة مشاركا في العلوم فخرج مع يحيى بن إبراهيم إلى الصحراء وكان من أمره ما نقصه عليك
الخبر عن دخول عبد الله بن ياسين أرض الصحراء وابتداء أمره بها
لما انتهى يحيى بن إبراهيم إلى بلاده ومعه الفقيه عبد الله بن ياسين الجزولي تلقاه قبائل كدالة ولمتونة وفرحوا بمقدمهما وتيمنوا بالفقيه وبالغوا في إكرامه وبره فشرع يعلمهم القرآن ويقيم لهم رسم الدين ويسوسهم بآداب الشرع وألفاهم يتزوجون بأكثر من أربع حرائر فقال لهم ليس هذا من السنة وإنما سنة الإسلام أن يجمع الرجل بين أربع نسوة حرائر فقط وله فيما شاء من ملك اليمين سعة وجعل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر وكبحهم عن كثير من مألوفاتهم الفاسدة وشدد في ذلك فأطرحوه واستصعبوا علمه وتركوا الأخذ عنه لما جشمهم من مشاق التكليف فلما رأى عبد الله بن ياسين إعراضهم عنه واتباعهم لأهوائهم عزم على الرحيل عنهم إلى بلاد السودان الذين دخلوا في دين الإسلام يومئذ فلم يتركه يحيى بن إبراهيم لذلك وقال له إنما أتيت بك لأنتفع بعلمك في خاصة نفسي وما علي فيمن ضل من قومي وكان قومه ليس عندهم من الإسلام إلا الشهادة دون ما عداها من أركان الإسلام وشرائعه ثم قال يحيى بن إبراهيم لعبد الله بن ياسين هل لك في رأي أشير به عليك إن كنت تريد الآخرة قال وما هو قال إن ههنا جزيرة في البحر قال ابن خلدون هو بحر النيل يحيط بها من جهاتها يكون ضحضاحا في المصيف يخاض بالأقدام وغمرا في الشتاء يعبر الزوارق قال يحيى بن إبراهيم وفيها الحلال المحض من شجر البرية وصيد البر والبحر ندخل فيها ونقتات من حلالها ونعبد الله تعالى حتى نموت فقال عبد الله بن ياسين إن هذا الرأي حسن فهلم بنا فلندخلها على اسم الله فدخلها ودخل معهما سبعة نفر من كدالة وابتنى عبد الله رابطة هناك وأقام في أصحابه يعبدون الله تعالى مدة في ثلاثة أشهر فتسامع الناس بهم وأنهم اعتزلوا بدينهم يطلبون الجنة والنجاة من النار فكثر الواردون عليهم والتوابون لديهم فأخذ عبد الله بن ياسين يقرئهم القرآن ويستميلهم إلى الخير ويرغبهم في ثواب الله ويحذرهم ألم عقابه حتى تمكن حبه من قلوبهم فلم تمر عليه إلا مدة يسيرة حتى اجتمع له من التلامذة نحو ألف رجل وكان من أمرهم ما تسمعه عن قريب
شروع عبد الله بن ياسين في الجهاد وإعلانه بالدعوة وما كان من أمره في ذلك
لما اجتمع إلى عبد الله بن ياسين من أشراف صنهاجة نحو ألف رجل سماهم المرابطين للزومهم رابطته ولما تفقهوا ورسخ فيهم الدين قام فيهم خطيبا فوعظهم وشوقهم إلى الجنة وخوفهم من النار وأمرهم بتقوى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأخبرهم بما في ذلك من ثواب الله تعالى وعظيم جزائه ثم ندبهم إلى جهاد من خالفهم من قبائل صنهاجة وقال لهم معشر المرابطين إنكم اليوم جمع كثير نحو ألف رجل ولن يغلب ألف من قلة وأنتم وجوه قبائلكم ورؤساء عشائركم وقد أصلحكم الله تعالى وهداكم إلى صراطه المستقيم فوجب عليكم أن تشكروا نعمته عليكم بأن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر وتجاهدوا في الله حق جهاده فقالوا له أيها الشيخ المبارك أمرنا بما شئت تجدنا سامعين لك مطيعين ولو أمرتنا بقتل آباءنا لفعلنا فقال لهم اخرجوا على بركة الله وأنذروا قومكم وخوفوهم عقاب الله وأبلغوهم حجته فإن تابوا فخلوا سبيلهم وإن أبوا من ذلك وتمادوا في غيهم ولجوا في طغيانهم استعنا بالله تعالى عليهم وجاهدناهم حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين فسار كل رجل منهم إلى قومه وعشيرته فوعظهم وأنذرهم ودعاهم إلى الإقلاع عما هم بسبيله فلم يرفعوا بذلك رأسا فخرج إليهم عبد الله بن ياسين بنفسه وجمع أشياخ قبائلهم ووجوهها وقرأ عليهم حجة الله ودعاهم إلى التوبة ورغبهم في الجنة وخوفهم من النار وأقام ينذرهم سبعة أيام وهم في ذلك كله لا يلتفتون إلى قوله ولا يزدادون إلا فسادا فلما يئس منهم قال لأصحابه قد أبلغنا في الحجة وأنذرنا وأعذرنا وقد وجب علينا الآن جهادهم فاغزوهم على بركة الله فبدأ أولا بقبيلة كدالة فغزاهم في ثلاثة آلاف رجل من المرابطين فانهزموا بين يديه وقتل منهم خلقا كثيرا وأسلم الباقون إسلاما جديدا وحسنت حالهم وأدوا ما يلزمهم من كل ما فرض الله عليهم وكان ذلك في صفر سنة أربع وثلاثين وأربعمائة ثم سار إلى قبيلة لمتونة فنزل عليها وقاتلهم حتى أظهره الله عليهم وأذعنوا إلى الطاعة وبايعوه على إقامة الكتاب والسنة ثم سار إلى قبيلة مسوفة فقاتلهم حتى أذعنوا له وبايعوه على ما بايعته لمتونة وكدالة فلما رأى ذلك سائر صنهاجة سارعوا إلى التوبة والمبايعة وأقروا له بالسمع والطاعة فكان كل من أتاه تائبا منهم يطهره بأن يضربه مائة سوط ثم يعلمه القرآن وشرائع الإسلام وكان يأمرهم بالصلاة والزكاة وأداء العشر واتخذ لذلك بيت مال يجمع فيه ما يرفع إليه من ذلك ثم أخذ في اشتراء السلاح وأركاب الجيوش من ذلك المال وجعل يغزو القبائل حتى ملك جميع بلاد الصحراء وذلل قبائلها ثم جمع أسلاب القتلى في تلك المغازي وجعلها فيئا للمرابطين وبعث بمال دثر مما اجتمع لديه من الزكوات والأعشار والأخماس إلى طلبة العلم ببلاد المصامدة فاشتهر أمره في جميع بلاد الصحراء وما والاها من بلاد السودان وبلاد القبلة وبلاد المصامدة وسائر أقطار المغرب وأنه قام رجل بكدالة يدعو إلى الله تعالى وإلى الصراط المستقيم ويحكم بما أنزل الله وأنه متواضع زاهد في الدنيا وطار له ذكر في العالم وتمكن ناموسه من القلوب وأحبته الناس ثم توفي يحيى بن إبراهيم الكدالي على أثر ذلك وحكى ابن خلدون أن وفاة يحيى بن إبراهيم كانت قبل اعتزال عبد الله بن ياسين وأصحابه في الجزيرة والله أعلم
الخبر عن رياسة يحيى بن عمرو بن تكلاكين اللمتوني
لما توفي يحيى بن إبراهيم الكدالي عزم عبد الله بن ياسين على تقديم رجل يقوم بأمر المرابطين في حربهم وجهادهم لعدوهم وكانت قبيلة لمتونة من بين قبائل صنهاجة أكثر طاعة لله تعالى ودينا وصلاحا فكان عبد الله بن ياسين يكرمهم ويقدمهم على غيرهم وذلك لما أراده الله تعالى من ظهور أمرهم وتملكهم على الخلق فجمع عبد الله بن ياسين رؤوس القبائل من صنهاجة وولى عليهم يحيى بن عمر اللمتوني وعبد الله بن ياسين هو الأمير على الحقيقة لأنه هو الذي يأمر وينهى ويعطي ويمنع وعن رأيه يصدرون فكان يحيى بن عمر يتولى النظر في أمر الحرب وعبد الله بن ياسين ينظر في أمر الدين وأحكام الشرع ويأخذ الزكوات والأعشار وكان يحيى شديد الانقياد لعبد الله بن ياسين واقفا عند أمره ونهيه فمن حسن طاعته له أنه قال له يوما قد وجب عليك أدب قال يحيى فيماذا يا سيدي قال لا أعرفك به حتى آخذه منك فكشف له يحيى عن بشرته فضربه عشرين سوطا ثم قال له إنما ضربتك لأنك باشرت القتال واصطليت بنار الحرب بنفسك وذلك خطأ منك فإن الأمير لا يقاتل وإنما يقف ويحرض الناس ويقوي نفوسهم فإن حياة الجند بحياة أميره وهلاكه بهلاكه واستقام الأمر ليحيى بن عمر وملك جميع بلاد الصحراء وغزا بلاد السودان ففتح كثيرا منها وكان من أهل الزهد والدين والصلاح
الخبر عن غزو عبد الله بن ياسين ويحيى بن عمر سجلماسة والسبب في ذلك
قد تقدم لنا عند الكلام على بني مدرار المكناسيين أصحاب سجلماسة أن انقراض دولتهم كان على يد خزرون بن فلفل بن خزر المغراوي وأنه زحف إلى سجلماسة سنة ست وستين وثلاثمائة وبرز إليه صاحبها أبو محمد المعتز بالله آخر ملوك بني مدرار الصفرية فهزمه خزرون وقتله واستولى على بلده وذخيرته وبعث برأسه إلى قرطبة وكان ذلك لأول حجابة المنصور بن أبي عامر واستمر خزرون بن فلفل واليا على سجلماسة إلى أن هلك وولي بعده ابنه وانودين بن خزرون إلى أن هلك أيضا وولي ابنه مسعود بن وانودين ولما انقرضت الدولة الأموية بالأندلس وافترق أمر الجماعة بها وصار الملك طوائف استبد أمراء الأطراف وملوك زناتة بالمغرب كل بما في يده وعدم الوازع وتصرفوا في الرعايا بمقتضى أغراضهم وشهواتهم فنال فاسا وأعمالها من جور بني عطية المغراويين ما حكينا بعضه قبل ونال أهل سجلماسة ودرعة من بني خزرون بن فلفل المغراويين مثل ذلك أو أكثر فلما كانت سنة سبع وأربعين وأربعمائة وقد انتشر ذكر عبد الله بن ياسين وأصحابه المرابطين في العالم اجتمع فقهاء سجلماسة ودرعة وكتبوا إلى عبد الله بن ياسين ويحيى بن عمر وأشياخ المرابطين كتابا يرغبون إليهم في الوصول إلى بلادهم ليطهروها مما هي في من المنكرات وشدة العسف من الأمراء وعرفوهم بما هم فيه أهل العلم والدين وسائر المسلمين من الذل والصغار مع أميرهم مسعود بن وانودين المغراوي فلما وصل الكتاب إلى عبد الله بن ياسين جمع رؤساء المرابطين وقرأه عليهم وشاورهم في الأمر فقالوا أيها الفقيه هذا مما يلزمنا ويلزمك فسر بنا على بركة الله فدعا لهم بخير وحضهم على الجهاد وخرج بهم في عشرين من صفر سنة سبع وأربعين وأربعمائة في جيش كثيف من المرابطين وقيل كان خروجه سنة خمس وأربعين وأربعمائة فسار حتى وصل إلى بلاد درعة فوجد بها عامل مسعود بن وانودين فنفاه عنها ووجد بها خمسين ألف ناقة لمسعود المذكور وكانت ترعى في حمى حماه لها هنالك فاكتسحها عبد الله بن ياسين واتصل الخبر بمسعود فجمع جيوشه وخرج نحوه فالتقى الجمعان فيما بين درعة وسجلماسة فكانت بينهما حرب فظيعة منح الله فيها المرابطين النصر على مغراوة فقتل أميرهم مسعود وأكثر جيشه وفر الباقون واستولى عبد الله بن ياسين على دوابهم وأسلحتهم وأموالهم مع الإبل التي كان اكتسحها في درعة فأخرج الخمس من ذلك كله وفرقه على فقهاء سجلماسة ودرعة وصلحائهم وقسم الأربعة أخماس على المرابطين واتحل من فوره إلى سجلماسة فدخلها وقتل من وجد بها من مغراوة وأقام بها حتى أصلح شأنها وغير ما وجد بها من المنكرات وقطع المزامير وآلة اللهو وأحرق الدور التي كانت تباع بها الخمور وأزال المكوس وأسقط المغارم المخزنية ومحا ما أوجب الكتاب والسنة محوه واستعمل على سجلماسة عاملا من لمتونة وانصرف إلى الصحراء ثم توفي الأمير أبو زكرياء يحيى بن عمر في بعض غزواته ببلاد السودان سنة سبع وأربعين وأربعمائة
الخبر عن رياسة أبي بكر بن عمر اللمتوني وفتح بلاد السوس
لما توفي الأمير يحيى بن عمر اللمتوني ولى عبد الله بن ياسين مكانه أخاه أبا بكر بن عمر وذلك في محرم سنة ثمان وأربعين وأربعمائة وقلده أمر الحرب والجهاد ثم ندب المرابطين إلى غزو بلاد السوس والمصامدة فزحف إليها في جيش عظيم في ربيع الثاني من السنة المذكورة وكان أبو بكر بن عمر رجلا صالحا ورعا فجعل على مقدمته ابن عمه يوسف بن تاشفين اللمتوني ثم سار حتى انتهى إلى بلاد السوس فغزا جزولة من قبائلها وفتح مدينة ماسة وتارودانت قاعدة بلاد السوس وكان بها قوم من الرافضة يقال لهم البجلية نسبة إلى علي بن عبد الله البجلي الرافضي كان سقط إلى بلاد السوس أيام قيام عبيد الله الشيعي بإفريقية فأشاع هنالك مذهب الرافضة فتوارثوه عنه جيلا بعد جيل وعضوا عليه فكانوا لا يرون الحق إلا ما في يدهم فقاتلهم عبد الله بن ياسين وأبو بكر بن عمر حتى فتحوا مدينة تارودانت عنوة وقتلوا بها خلقا كثيرا ورجع من بقي منهم إلى مذهب السنة والجماعة وحاز عبد الله بن ياسين أسلاب القتلى منهم فجعلها فيئا وأظهر الله المرابطين على من عداهم ففتحوا معاقل السوس وخضعت لهم قبائله وفرق عبد الله بن ياسين عماله بنواحيه وأمرهم بإقامة العدل وإظهار السنة واخذ الزكوات والأعشار وإسقاط ما سوى ذلك من المغارم المحدثة
فتح بلاد المصامدة وما يتبع ذلك من جهاد برغواطة وفتح بلادهم وذكر نسبهم
ثم ارتحل عبد الله بن ياسين إلى بلاد المصامدة ففتح جبل درن وبلاد رودة ومدينة شفشاوة بالسيف ثم فتح مدينة نفيس وسائر بلاد كدميوه ووفدت عليه قبائل رجراجة وحاحة فبايعوه ثم ارتحل إلى مدينة أغمات وبها يومئذ أميرها لقوط بن يوسف بن علي المغراوي فنزل عليها وحاصرها حصارا شديدا ولما رأى لقوط ما لا طاقة له به أسلمها وفر عنها ليلا هو وجميع حشمه إلى تادلا فاستجار ببني يفرن ملوك سلا وتادلا ودخل المرابطون مدينة أغمات سنة تسع وأربعين وأربعمائة فأقام بها عبد الله بن ياسين نحو الشهرين ريثما استراح الجند ثم خرج إلى تادلا ففتحها وقتل من وجد بها من بني يفرن ملوكها وظفر بلقوط المغراوي فقتله وكان للقوط هذا امرأة اسمها زينب بنت إسحاق النفزاوية قال ابن خلدون وكانت من إحدى نساء العالم المشهورات بالجمال والرياسة وكانت قبل لقوط عند يوسف بن علي بن عبد الرحمن بن وطاس شيخ وريكة فلما قتل المرابطون لقوط بن يوسف المغراوي خلفه أبو بكر بن عمر على امرأته زينب بنت إسحاق المذكورة إلى أن كان من أمرها ما نذكره ثم تقدم عبد الله بن ياسين إلى بلاد تامسنا ففتحها واستولى عليها ثم أخبر بأن بساحل تامسنا قبائل برغواطة في عدد كثير وجمع عظيم ولنذكر هنا كلاما ملخصا في برغواطة ودولتهم ثم نرجع إلى ما نحن بصدده فنقول اختلف الناس في نسب برغواطة هؤلاء إلى أي شيء يرجع فبعضهم يلحقهم بزناتة وبعضهم يقول في متنبئهم صالح بن طريف البرغواطي إنه يهودي الأصل من سبط شمعون بن يعقوب عليه السلام نشأ ببرباط حصن من عمل شدونة من بلاد الأندلس ثم رحل إلى المشرق وقرأ على عبيد الله المعتزلي واشتغل بالسحر وجمع منه فنونا وقدم المغرب فنزل بلاد تامسنا فوجد بها قبائل جهالا من البربر فاظهر لهم الصلاح والزهد وموه عليهم وخلبهم بلسانه وسحرهم بنير نجاته فصدقوه واتبعوه فادعى النبوة وشرع لهم شرائع ووضع لهم قرآنا حسبما تقدم الخبر عنه مستوفى فكان يقال لمن تبعه ودخل في دينه برباطي ثم عربته العرب فقالوا برغواطي فسموا برغواطة قال ابن خلدون وهذا من الأغاليط البينة وصحح أن القوم من المصامدة بشهادة الموطن والجوار وغير ذلك والتحقيق أن برغواطة قبائل شتى ليس يجمعهم أب واحد وإنما هم أخلاط من البربر اجتمعوا إلى صالح بن طريف الذي ادعى النبوة بتامسنا سنة خمس وعشرين ومائة من الهجرة في خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان وتسمى بصالح المؤمنين وشرع لأتباعه الديانة التي أخذوها عنه وكان صالح قد شهد مع أبيه طريف حروب ميسرة المضغري كبير الصفرية لعهده وكان طريف يكنى أبا صبيح ومن كبار أصحاب ميسرة المذكور ويقال إنه ادعى النبوة أيضا وشرع لقومه الشرائع ثم هلك سنة سبع وعشرين ومائة وقام بأمره ابنه صالح بن طريف المذكور فعفت مخارقه على مخارق أبيه وكان أولا من أهل العلم والدين ثم انسلخ من آيات الله وانتحل دعوى النبوة وأتى من البهتان بما أوضحناه قبل في ولاية حنظلة بن صفوان الكلبي على المغرب ثم خرج صالح بن طريف إلى المشرق سنة أربع وسبعين ومائة بعد أن ملك أمرهم سبعا وأربعين سنة ووعدهم أنه يرجع إليهم في دولة السابع منهم وأوصى بشريعته إلى ابنه إلياس بن صالح ولم يزل إلياس مظهرا للإسلام مصرا على ما أوصاه به أبوه من كلمة كفرهم وكان متظاهرا بالعفاف والزهد إلى أن هلك سنة أربع وعشرين ومائتين لمضي خمسين سنة من ولايته ثم ولي من بعده ابنه يونس بن إلياس فأظهر دينهم ودعا إلى كفرهم وقتل من لم يدخل في أمره حتى حرق مدائن تامسنا وما والاها يقال إنه حرق منها ثلاثمائة وثمانين مدينة واستلحم أهلها بالسيف لمخالفتهم إياه وقتل منهم بموضع يقال له تاملوكالات وهو حجر عال نابت وسط الطريق سبعة آلاف وسبعمائة وسبعين نفسا قال زمور بن صالح ثم رحل يونس بن إلياس إلى المشرق وحج ولم يحج أحد من أهل بيته قبله ولا بعده وهلك سنة ثمان وستين ومائتين لأربع وأربعين سنة من ملكه وانتقل الأمر عن بنيه إلى غيرهم من قرابته فولي أمرهم أبو غفير محمد بن معاذ بن اليسع بن صالح بن طريف فاستولى على ملك برغواطة وأخذ بدين آبائه واشتدت شوكته وعظم أمره وكانت له في البربر وقائع مشهورة وأيام مذكورة أشار إلى شيء منها سعيد بن هشام المصمودي في أبيات منها قوله ( وهذي أمة هلكوا وضلوا % وعاروا لا سقوا ماء معينا ) ( يقولون النبي أبو غفير % فأخزى الله أم الكاذبينا ) ( سيعلم أهل تامسنا إذا ما % أتوا يوم القيامة مفظعينا ) ( هنالك يونس وبنو أبيه % يقودون البرابر حائرينا ) واتخذ أبو غفير من الزوجات أربعا وأربعين لأنهم يبيحون في ديانتهم الخسيسة أن يتزوج الرجل من النساء ما شاء وكان له من الولد مثل ذلك أو أكثر وهلك أواخر المائة الثالثة لتسع وعشرين سنة من ملكه ثم ولي بعده ابنه أبو الأنصار عبد الله بن أبي غفير فاقتفى سننه وكان كبير الدعوة مهيبا عند ملوك عصره يهاودنه ويدافعونه بالمواصلة وكان يلبس الملحفة والسراويل ويلبس المخيط من الثياب ولا يعتم أحد في بلاده إلا الغرباء وكان حافظا للجار وافيا للعهد وتوفي سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة لأربع وأربعين سنة من ملكه ودفن بتاسلاخت وبها قبره وولي بعده ابنه أبو منصور عيسى بن أبي الأنصار وهو ابن اثنتين وعشرين سنة فسار سيرة آبائه وادعى النبوة واشتد أمره وعلا سلطانه ودانت له قبائل المغرب قال زمور بن صالح كان عسكره يناهز الثلاثة آلاف من برغواطة وعشرة آلاف من سواهم وقد كان لملوك العدوتين في غزو برغواطة هؤلاء وجهادهم آثار عظيمة من الأدارسة والأموية والشيعة وغيرهم ولما زحف بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي إلى المغرب زحفه المشهور وأجفلت قبائل زناتة وملوكها بين يديه وانحازوا إلى سبتة وأطل عليهم من جبل تطوان وعاين جمعهم الكثيف عنهم إلى جهاد برغواطة فأوقع بهم وقتل أميرهم أبا منصور عيسى بن أبي الأنصار وبعث بسبيهم إلى القيروان وذلك سنة تسع وستين وثلاثمائة ثم حاربتهم أيضا جنود المنصور بن أبي عامر لما عقد ابنه عبد الملك المظفر لمولاه واضح على جهاد برغواطة فعظم أثره فيهم بالقتل والسبي ثم حاربهم أيضا بنو يفرن لما استقل بنو يعلى بن محمد بن صالح منهم بناحية سلا واقتطعوها عن عمل زيري بن عطية المغراوي صاحب فاس وكان لأبي الكمال تميم بن زيري اليفرني فيهم جهاد كبير حسبما تقدم التنبيه عليه وذلك أعوام العشرين وأربعمائة فغلبهم على تامسنا وولى عليها من قبله بعد أن أثخن فيهم سبيا وقتلا ثم تراجعوا من بعده إلى أن جاءت دولة المرابطين ودخلوا أرض المغرب دخلتهم الثانية وفتحوا بلاد المصامدة وبلاد تادلا وتامسنا فأخبر عبد الله بن ياسين بأن بساحلها قبائل برغواطة في عدد كثير وجمع عظيم وأنهم مجوس أهل ضلالة وكفر وأخبر بما تمسكوا به من ديانتهم الخبيثة وقيل له إن برغواطة قبائل كثيرة وأخلاط شتى اجتمعوا في أول أمرهم على صالح بن طريف المتنبئ الكذاب واستمر حالهم على الضلالة والكفر إلى الآن فلما سمع عبد الله بن ياسين بحال برغواطة وما هم عليه من الكفر رأى أن الواجب تقديم جهادهم على جهاد غيرهم فسار إليهم في جيوش المرابطين والأمير يومئذ على برغواطة هو أبو حفص عبد الله من ذرية أبي منصور عيسى بن أبي الأنصار عبد الله بن أبي غفير محمد بن معاذ بن اليسع بن صالح بن طريف فكانت بينه وبين عبد الله بن ياسين ملاحم عظام مات فيها من الفريقين خلق كثير وأصيب فيها عبد الله بن ياسين الجزولي مهدي المرابطين فكان فيها شهادته رحمه الله ولما حضرته الوفاة قال لهم يا معشر المرابطين إني ميت من يومي هذا لا محالة وإنكم في بلاد عدوكم فإياكم أن تجبنوا أو تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وكونوا أعوانا على الحق وإخوانا في ذات الله وإياكم والتحاسد على الرياسة فإن الله يؤتي ملكه من يشاء من خلقه ويستخلف في أرضه من أراد من عباده في كلام غير هذا وتوفي عبد الله بن ياسين عشية ذلك اليوم وهو يوم الأحد الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين وأربعمائة ودفن بموضع يعرف بكريفلة وبني على قبره مسجد وهو مشهور بها إلى الآن وكان عبد الله بن ياسين رحمه الله شديد الورع في المطعم والمشرب إنما يتعيش من لحوم الصيد ونحوها لم يأكل شيئا من لحوم صنهاجة ولا من ألبانها مدة إقامته فيهم وكان مع ذلك كثير النكاح يتزوج في كل شهر عددا من النساء ثم يطلقهن ولا يسمع بامرأة جميلة إلا خطبها ومن حسن سياسته أنه أقام في صنهاجة السنة والجماعة حتى أنه ألزمهم أن من فاتته صلاة في جماعة ضرب عشرين سوطا ومن فاتته ركعة منها ضرب خمسة أسواط ومن كراماته أن المرابطين خرجوا معه في بعض غزواته ببلاد السودان فنفذ ما معهم من الماء حتى أشرفوا على الهلاك فقام عبد الله فتيمم وصلى ركعتين ودعا الله تعالى وأمن المرابطون على دعائه فلما فرغ من الدعاء قال لهم احفروا تحت مصلاي هذا فحفروا فصادفوا الماء على نحو شبر من الأرض عذبا بادرا فشربوا واستقوا وملؤوا أوعيتهم ومن تقواه وورعه أنه لم يزل صائما من يوم دخل بلاد صنهاجة إلى أن توفي رحمه الله واستمر الأمير أبو بكر بن عمر على رياسته وجددت له البيعة بعد وفاة عبد الله بن ياسين فكان أول ما فعله بعد تجهيزه إياه ودفنه أن زحف إلى برغواطة مصمما في حربهم متوكلا على الله في جهادهم فأثخن فيهم قتلا وسبيا حتى تفرقوا في المكامن والغياض واستأصل شأفتهم وأسلم الباقون إسلاما جديدا ومحا أبو بكر بن عمر أثر دعوتهم من المغرب وجمع غنائمهم وقسمها بين المرابطين وعاد إلى مدينة أغمات
غزوة أبي بكر بن عمر بلاد المغرب سوى ما تقدم وفتحه إياها
لما استقر الأمير أبو بكر بن عمر بأغمات أقام بها إلى صفر من سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة وخرج غازيا بلاد المغرب في أمم لا تحصى من صنهاجة وجزولة والمصامدة ففتح جبال فازاز وسائر بلاد زناتة وفتح مدائن مكناسة ثم نزل على مدينة لواتة فحاصرها حتى اقتحمها عنوة بالسيف وقتل بها خلقا كثيرا من بني يفرن وخربها فلم تعمر بعد إلى الآن وكان تخريبه إياها في آخر يوم من ربيع الثاني من السنة المذكورة ثم رجع إلى مدينة أغمات
عود أبي بكر بن عمر إلى بلاد الصحراء والسبب في ذلك
كان الأمير أبو بكر بن عمر اللمتوني قد تزوج زينب بنت إسحاق النفزاوية وكانت بارعة الجمال والحسن كما قلنا وكانت مع ذلك حازمة لبيبة ذات عقل رصين ورأي متين ومعرفة بإدارة الأمور حتى كان يقال لها الساحرة فأقام الأمير أبو بكر عندها بأغمات نحو ثلاثة أشهر ثم ورد عليه رسول من بلاد القبلة فأخبره باختلال أمر الصحراء ووقوع الخلاف بين أهلها وكان الأمير أبو بكر رجلا متورعا فعظم عليه أن يقتل المسلمون بعضهم بعضا وهو قادر على كفهم ولم ير أنه في سعة من ذلك وهو متوالي أمرهم ومسؤول عنهم فعزم على الخروج إلى بلاد الصحراء ليصلح أمرها ويقيم رسم الجهاد بها ولما عزم على السفر طلق امرأته زينب وقال لها عند فراقه إياها يا زينب إني ذاهب إلى الصحراء وأنت امرأة جميلة بضة لا طاقة لك على حرارتها وإني مطلقك فإذا انقضت عدتك فانكحي ابن عمي يوسف بن تاشفين فهو خليفتي على بلاد المغرب فطلقها ثم سافر عن أغمات وجعل طريقه على بلاد تادلا حتى أتى سجلماسة فدخلها وأقام بها أياما حتى أصلح أحوالها ثم سافر إلى الصحراء ونقل ابن خلكان عن كتاب المعرب عن سيرة ملوك المغرب في سبب رجوع الأمير أبي بكر بن عمر إلى الصحراء ما مثاله قال كان أبو بكر بن عمر رجلا ساذجا خير الطباع مؤثرا لبلاده على بلاد المغرب غير ميال إلى الرفاهية وكانت ولاة المغرب من زناتة ضعفاء لم يقاوموا الملثمين فأخذوا البلاد من أيديهم من باب تلمسان إلى ساحل البحر المحيط فلما حصلت البلاد لأبي بكر بن عمر سمع أن عجوزا في الصحراء ذهبت لها ناقة في غداة فبكت وقالت ضيعنا أبو بكر بن عمر بدخوله إلى بلاد المغرب فحمله ذلك على أن استخلف على بلاد المغرب رجلا من أصحابه اسمه يوسف بن تاشفين ورجع إلى بلاده الجنوبية اه وكان سفر أبي بكر بن عمر إلى الصحراء في ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة ولما وصل إليها أصلح شأنها ورتب أحوالها وجمع جيشا كثيفا وغزا به بلاد السودان فاستولى منها على نحو تسعين مرحلة وكان يوسف بن تاشفين قد استفحل أمره أيضا بالمغرب واستولى على أكثر بلاده فلما سمع الأمير أبو بكر بن عمر بما آل إليه أمر يوسف بن تاشفين وما منحه الله من النصر أقبل من الصحراء ليختبر أحواله ويقال إنه كان مضمرا لعزله وتولية غيره فأحس يوسف بذلك فشاور زوجته زينب بنت إسحاق وكان قد تزوجها بعد أبي بكربن عمر فقالت له إن ابن عمك متورع عن سفك الدماء فإذا لقيته فاترك ما كان يعهده منك من الأدب والتواضع معه وأظهر أثر الترفع والاستبداد حتى كأنك مساو له ثم لاطفه مع ذلك بالهدايا من الأموال والخلع وسائر طرف المغرب واستكثر من ذلك فإنه بأرض صحراء كل ما جلب إليه من هنا فهو مستطرف لديه فلما قرب أبو بكر بن عمر من أعمال المغرب خرج إليه يوسف بن تاشفين فلقيه على بعد وسلم عليه وهو راكب سلاما مختصرا ولم ينزل له ولا تأدب معه الأدب المعتاد فنظر أبو بكر إلى كثرة جيوشه فقال له يا يوسف ما تصنع بهذه الجيوش قال أستعين بها على من خالفني فارتاب أبو بكر به ثم نظر إلى ألف بعير قد أقبلت موقرة فقال ما هذه الإبل الموقرة قال أيها الأمير إني قد جئتك بكل ما معي من مال وأثاث وطعام وإدام لتستعين به على بلاد الصحراء فازداد أبو بكر تعرفا من حاله وعلم أنه لا يتخلى له عن الأمر فقال له يا بن عم انزل أوصيك فنزلا معا وجلسا فقال أبو بكر إني قد وليتك هذا الأمر وإني مسؤول عنه فاتق الله تعالى في المسلمين وأعتقني وأعتق نفسك من النار ولا تضيع من أمور رعيتك شيئا فإنك مسؤول عنه والله تعالى يصلحك ويمدك ويوقفك للعمل الصالح والعدل في رعيتك وهو خليفتي عليك وعليهم ثم ودعه وانصرف إلى الصحراء فأقام بها مواظبا على الجهاد في كفار السودان إلى أن استشهد من سهم مسموم أصابه في شعبان سنة ثمانين وأربعمائة بعد أن استقام له أمر الصحراء كافة إلى جبال الذهب من بلاد السودان والله غالب على أمره
الخبر عن دولة أمير المسلمين يوسف بن تاشفين اللمتوني
لما عزم الأمير أبو بكر بن عمر على السفر إلى بلاد الصحراء دعا ابن عمه يوسف بن تاشفين بن إبراهيم اللمتوني فعقد له على بلاد المغرب وفوض إليه أمره وأمره بالرجوع إلى قتال من به من مغراوة وبني يفرن وسائر زناتة والبربر واتفق على تقديمه أشياخ المرابطين لما يعلمون من فضله ودينه وشجاعته ونجدته وعدله وورعه وسداد رأيه ويمن نقيبته فعاد يوسف من سجلماسة بنصف جيش المرابطين بعد ارتحال أبي بكر بن عمر بالنصف الآخر وذلك في ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة ولما انتهى يوسف بن تاشفين إلى ملوية ميز جيوشه فوجدها أربعين ألفا من المرابطين فاختار منهم أربعة من القواد وهم سير بن أبي بكر اللمتوني ومحمد بن تميم الكدالي وعمر بن سليمان المسوفي ومدرك التلكاني وعقد لكل قائد منهم على خمسة آلاف من قبيلته وجعلهم مقدمة بين يديه لقتال من بالمغرب من مغراوة وبني يفرن وسائر قبائل البربر القائمين به ثم سار هو في أثرهم يتقرى المغرب بلدا بلدا ويتتبع أهله قبيلة قبيلة فقوم يقاتلونه ثم يظفر بهم وقوم يفرون بين يديه وقوم يلقون إليه السلم ويبذلون الطاعة حتى دوخ بلاد المغرب ثم سار حتى دخل مدينة أغمات ولما استقر بها تزوج زينب بنت إسحاق النفزاوية التي كانت تحت أبي بكر بن عمر فكانت عنوان سعده والقائمة بملكه والمدبرة لأمره والفاتحة عليه بحسن سياستها لأكثر بلاد المغرب ومن ذلك إشارتها عليه في أمر أبي بكر بن عمر وكيفية ملاقاته حسبما ذكرناه آنفا وهكذا كان أمرها في كل ما تحاوله رحمها الله ومما يستطاب من حديثها ما حكاه ابن الأثير في كامله وقد تكلم على يوسف بن تاشفين هذا فقال كان حسن السيرة خيرا عادلا يميل إلى أهل العلم والدين يكرمهم ويحكمهم في بلاده ويصدر عن رأيهم وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام من ذلك أن ثلاثة نفرا اجتمعوا فتمنى أحدهم ألف دينار يتجر بها وتمنى الآخر عملا يعمل فيه لأمير المسلمين وتمنى الآخر زوجته وكانت من أحسن النساء ولها الحكم في بلاده فبلغه الخبر فأحضرهم وأعطى متمني المال ألف دينار واستعمل الآخر وقال للذي تمنى زوجته يا جاهل ما حملك على هذا الذي لا تصل إليه ثم أرسله إلى زوجته فتركته في خيمة ثلاثة أيام ثم أمرت بأن يحمل إليه في كل يوم طعام واحد ثم أحضرته وقالت له ما أكلت في هذه الثلاثة الأيام قال طعاما واحدا فقالت له كل النساء شيء واحد وأمرت له بمال وكسوة وسرحته إلى حال سبيله وكانت وفاتها سنة أربع وستين وأربعمائة
بناء مدينة مراكش
لما دخلت سنة أربع وخمسين وأربعمائة كان أمر يوسف بن تاشفين قد استفحل بالمغرب جدا ورسخت قدمه في الملك وعظم صيته فسمت همته إلى بناء مدينة يأوي إليها بحشمه وجنده وتكون حصنا له ولأرباب دولته فاشترى موضع مدينة مراكش ممن كان يملكه من المصامدة وقال صاحب المعرب كان ملكا لعجوز منهم ثم نزل الموضع المذكور بخيام الشعر وبنى مسجدا لصلاته وقصبة صغيرة لاختزان ماله وسلاحه ولم يبن على ذلك سورا وقال أبو الخطاب بن دحية في كتاب النبراس إن موضع مدينة مراكش كان مزرعة لأهل نفيس فاشتراه يوسف منهم بماله الذي خرج به من الصحراء وفي كتاب المعرب إن يوسف بن تاشفين اختط مدينة مراكش بموضع كان يسمى بذلك الاسم ومعناه بلغة المصامدة امش مسرعا وكان ذلك الموضع مكمنا للصوص فكان المارون فيه يقولون لرفقائهم تلك الكلمة فعرف الموضع بها وضبط هذه الكلمة بضم الميم وفتح الراء المشددة بعدها ألف وبعد ألف كاف مكسورة ثم شين معجمة ويقال كان في موضعها قرية صغيرة في غابة من الشجر وبها قوم من البربر فاختطها يوسف وبنى بها القصور والمساكن الأنيقة وهي في مرج فسيح وحولها جبال على فراسخ منها وبالقرب منها جبل لا يزال عليه الثلج وهو الذي يعدل مزاجها وحرها وقال ابن خلدون اتخذ يوسف بن تاشفين مدينة مراكش لنزوله ونزول عسكره وللتمرس بقبائل المصامدة المقيمة بمواطنهم منها في جبل درن إذ لم يكن في قبائل المغرب أشد منهم قوة ولا أكثر جمعا وفي القرطاس لما شرع يوسف بن تاشفين في بناء مسجد مراكش كان يحتزم ويعمل في الطين والبناء بيده مع الخدمة تواضعا منه لله تعالى قال والذي بناه يوسف من ذلك هو الموضع المعروف الآن بسور الحجر من مدينة مراكش جوفا من جامع الكتبيين منها ويعرف اليوم بالسجينة ولم يكن بالموضع ماء فحفر الناس آبارا فظهر لهم الماء على قرب فاستوطنوها وبنو بها قالوا ولم تزل مدينة مراكش لا سور لها إلى أن توفي يوسف بن تاشفين رحمه الله وولي بعده ابنه علي بن يوسف ومضى معظم دولته فأدار عليها السور سنة ست وعشرين وخمسمائة يقال كان ذلك بإشارة القاضي أبي الوليد محمد بن رشد الفقيه المشهور فإنه كان قد قدم على السلطان بمراكش فأشار عليه بذلك عندما نبغ محمد بن تومرت مهدي الموحدين بجبال المصامدة وكانت مدة البناء ثمانية أشهر وكان الإنفاق على السور سبعين ألف دينار وبنى علي بن يوسف أيضا الجامع الأعظم المنسوب إليه اليوم والمنار الذي عليه وأنفق عليه ستين ألف دينار أخرى ورأيت في كتاب ابن عبد العظيم الأزموري الموضوع في مناقب بني أمغار رضي الله عنهم أن أمير المسلمين علي بن يوسف اللمتوني لما عزم على إدارة السور على مراكش شاور الفقهاء وأهل الخير في ذلك فمنهم من ثبطه ومنهم من ندبه إليه وكان من جملة من ندبه القاضي أبو الوليد بن رشد ثم شاور أبا عبد الله محمد بن إسحاق المعروف بأمغار صاحب عين الفطر فأشار ببنائه وبعث له من ماله الحلال وأمره أن يجعله في صندوق صائر البناء ويتولى الإنفاق في ذلك رجل فاضل فقبل السلطان إشارته وعمل برأيه فسهل الله أمر البناء ثم لما جاءت دولة الموحدين وكان منهم يعقوب المنصور الشهير الذكر اعتنى بمدينة مراكش واحتفل في تشييدها وبالغ في تنميق مساجدها وتنجيد مصانعها ومعاهدها على ما نذكر البعض منه في محله إن شاء الله ولم تزل مراكش دار مملكة المرابطين ثم الموحدين من بعدهم سائر أيامهم ثم لما جاءت دولة بني مرين من بعدهم اتخذوا كرسي مملكتهم بمدينة فاس وبنوا بها المدينة البيضاء ثم جاءت الدولة السعدية من بعدهم فنقلوا الكرسي إلى مراكش وبنو بها قصر البديع المشهور ثم جاءت الدولة الشريفة العلوية فاتخذ المولى إسماعيل بن الشريف كرسي ملكه بمكناسة الزيتون واحتفل في بنائها احتفالا عظيما على ما نذكره إن شاء الله ثم لما كانت دولة المولى محمد بن عبد الله رد كرسي الملك إلى مراكش وبنى بها قصوره ومصانعه واستمرت كرسيا لمملكتهم إلى الآن وفضل مراكش أشهر من أن يذكر لا سيما ما اشتملت عليه من مزارات الأولياء ومدافن الصلحاء الكبار والأئمة الأخيار حتى قال الوزير ابن الخطيب في مقامات البلدان عند ذكره مدينة مراكش هي تربة الولي وحضرة الملك الأولى وعبر عنها أبو العباس المقري في نفخ الطيب ببغداد المغرب حرسها الله وصانها من ريب الزمان وطوارق الحدثان
فتح مدينة فاس وغيرها من سائر بلاد المغرب
وفي سنة أربع وخمسين وأربعمائة المذكورة جند يوسف بن تاشفين الأجناد واستكثر القواد وفتح كثيرا من البلاد واتخذ الطبول والبنود ورتب العمال وكتب العهود وجعل في جيشه الأغزاز والرماة كل ذلك إرهابا لقبائل المغرب فكمل له من الجيش في تلك السنة أكثر من مائة ألف فارس من قبائل صنهاجة وجزولة والمصامدة وزناتة والأغزاز والرماة فخرج بهم من حضرة مراكش قاصدا مدينة فاس فتلقته قبائلها من زواغة ولماية ولواتة وصدينه وسدراته ومغيلة وبهلوله ومديونة وغيرهم في خلق عظيم فقاتلوه فكانت بينه وبينهم ملاحم عظام انهزموا فيها من بين يديه وانحصروا بمدينة صدينة فدخلها عليهم بالسيف عنوة فهدم أسوارها وقتل بها ما يزيد على أربعة آلاف ثم رحل إلى فاس فنازلها بعد أن فتح جميع أحوازها وذلك في آخر سنة أربع وخمسين وأربعمائة وقال ابن خلدون إن يوسف بن تاشفين نازل أولا قلعة فازاز وبها مهدي بن تولي اليحفشي وبنو يحفش بطن من زناتة وكان أبوه تولي صاحب تلك القلعة ووليها هو من بعده فنازله يوسف بن تاشفين ثم استجاش به على فاس مهدي بن يوسف الكزنائي صاحب مكناسة لأنه كان عدو المعنصر المغراوي صاحب فاس فزحف في عساكر المرابطين إلى فاس وجمع إليه معنصر ففض جموعه اه والله أعلم ثم أقام يوسف على فاس أياما فظفر بعاملها بكار بن إبراهيم فقتله وارتحل عنها إلى مدينة صفرو فدخلها من يومه عنوة وقتل ملوكها أولاد مسعود بن وانودين المغراوي صاحب سجلماسة وكانوا قد استولوا عليها ثم رجع يوسف إلى فاس فحاصرها حتى فتحها وهو الفتح الأول وذلك سنة خمس وخمسين وأربعمائة فأقام بها أياما واستعمل عليها عاملا من لمتونة وخرج إلى بلاد غمارة ففتح الكثير منها حتى أشرف على طنجة وبها يومئذ الحاجب سكوت البرغواطي من موالي بني حمود ثم رجع إلى منازلة قلعة فازاز فخالفه بنو معنصر بن حماد المغراوي إلى فاس فدخلوها وقتلوا عامل يوسف الذي كان بها وكان مهدي بن يوسف الكزنائي صاحب بلاد مكناسة قد بايع يوسف بن تاشفين ودخل في طاعة المرابطين فأقره يوسف على عمله وأمره أن يخرج بين يديه بجيشه لفتح بلاد المغرب فجمع مهدي بن يوسف جيشه وخرج من مدينة عوسجة يريد الاجتماع بيوسف بن تاشفين وهو محاصر لقلعة فازاز فسمع بذلك تميم بن معنصر المغراوي صاحب فاس فعاجله في أنجاد مغراوة وقبائل زناتة وأدركه ببعض الطريق وناجزه الحرب ففض جموعه وقتله وبعث برأسه إلى الحاجب سكوت صاحب سبتة وطنجة ولما قتل مهدي بن يوسف بعث أهل مدائن مكناسة إلى ابن تاشفين بالخير وبذلوا له الطاعة فملك بلادهم ثم توالت عساكر المرابطين على تميم بن معنصر بالغارات والنهب واشتد عليه الحصار وعدمت الأقوات بفاس فلما رأى ما نزل به من المرابطين جمع مغراوة وبنى يفرن وخرج إليهم لإحدى الراحتين فكانت عليه الهزيمة فقتل تميم وجماعة من عشيرته وتقدم مكانه بفاس القاسم بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن موسى بن أبي العافية المكناسي فجمع قبائل زناتة وخرج بهم إلى المرابطين فالتقى معهم على وادي صيفير فكانت بينهم حرب شديدة انهزم فيها المرابطون وقتل جماعة من فرسانهم واتصل الخبر بيوسف بن تاشفين وهو على قلعة فازاز فارتحل عنها وخلف جيشا من المرابطين لحصارها فأقاموا عليها تسع سنين ثم دخلوها صلحا سنة خمس وستين وأربعمائة ولما رحل يوسف عن قلعة فازاز وذلك سنة ست وخمسين سار إلى بني مراسن وأميرهم يومئذ يعلى بن يوسف فعزاهم وقتل منهم خلق وفتح بلادهم ثم سار إلى بلاد فندلاوة فغزاها وفتح جميع تلك الجهات ثم سار منها إلى بلاد ورغة ففتحها وذلك في سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وفي سنة ستين فتح جميع بلاد غمارة وجبالها من الريف إلى طنجة وفي سنة اثنتين وستين أقبل إلى فاس فنزل عليها بجميع جيوشه بعد أن فرغ من جميع بلاد المغرب سوى سبتة وشدد الحصار على فاس حتى دخلها عنوة بالسيف فقتل بها من مغراوة وبني يفرن ومكناسة وغيرهم خلقا كثيرا حتى امتلأت أسواق المدينة وشوارعها بالقتلى وقتل منهم بجامع القرويين وجامع الأندلس ما يزيد على ثلاثة آلاف وفر من بقي منهم إلى أحواز تلمسان وهذا هو الفتح الثاني لمدينة فاس وكان يوم الخميس ثاني جمادى الآخرة سنة اثنتين وستين وأربعمائة وفي هذا الخبر بعض مخالفة لما قدمناه في أخبار مغراوة وذلك نقلناه عن ابن خلدون وهذا عن ابن أبي زرع @QB@ فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا @QE@ فلما دخل يوسف بن تاشفين مدينة فاس أمر بهدم الأسوار التي كانت فاصلة بين المدينتين عدوة القرويين وعدوة الأندلس وصيرهما مصرا واحدا وحصنهما وأمر ببنيان المساجد في شوارعها وأزقتها وأي زقاق لم يجد فيه مسجدا عاقب أهله وأمر ببناء الحمامات والفنادق والأرحاء وأصلح بناءها ورتب أسواقها وأقام بها إلى صفر من سنة ثلاث وستين وأربعمائة ثم خرج إلى بلاد ملوية ففتح حصون وطاط وفي سنة أربع وستين بعدها استدعى يوسف أمراء المغرب وأشياخ القبائل من زناتة وغمارة والمصامدة وسائر قبائل البربر فقدموا عليه وبايعوه وكساهم ووصلهم بالأموال ثم خرج للطواف على أعمال المغرب وتفقد أحوال الرعية والنظر في سيرة ولاته وعماله فيها وهم في صحبته فصلح على يده الكثير من أمور الناس وفي سنة خمس وستين بعدها غزا يوسف مدينة الدمنة من بلاد طنجة فدخلها عنوة وفتح جبل علودان وفي سنة سبع وستين وأربعمائة فتح يوسف جبال غياثة وبني مكود وبني رهينة وقتل منهم خلقا كثيرا وفيها فرق عماله على بلاد المغرب فولى سير بن أبي بكر على مدائن مكناسة وبلاد مكلاثة وفازاز وولى عمر بن سليمان على فاس وأحوازها وداود بن عائشة على سجلماسة ودرعة وولى ابنه تميم بن يوسف على مدينة مراكش واغمات وبلاد السوس والمصامدة وتادلا وتامسنا وصفا ملك المغرب ليوسف بن تاشفين سوى سبتة وطنجة وكان من خبرهما ما نذكره
فتح سبتة وطنجة وما ترتب عليه من جهاد بالأندلس
كانت سبتة وطنجة لبني حمود الإدريسيين من لدن دولة الأمويين ولما انقرضت دولتهم وخلفهم بنو حمود المذكورون بها استنابوا على سبتة وطنجة من وثقوا به من مواليهم الصقالبة ولم يزل أمر المدينتين إلى نظر هؤلاء النواب واحدا بعد واحد إلى أن استقل بهما الحاجب سكوت البرغواطي وكان عبدا لشيخ حداد من موالي الحموديين اشتراه من سبي برغواطة في بعض أيام جهادهم ثم صار إلى علي بن حمود فأخذت النجابة بضبعيه إلى أن استقل بالأمر واقتعد كرسي عملهم بطنجة وسبتة وأطاعته قبائل غمارة واتصلت أيام ولايته إلى أن كانت دولة المرابطين وتغلب يوسف بن تاشفين على بلاد المغرب ونازل بلاد غمارة فدعا الحاجب سكوت إلى مظاهرته عليهم فهم بألأجلاب معه ومظاهرته على عدوه ثم ثناه عن ذلك ابنه الفائل الرأي فلما فرغ يوسف بن تاشفين من أهل الدمنة وانقاد المغرب لطاعته صرف عزمه إلى الحاجب سكوت وكان المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية قد كتب إلى يوسف بن تاشفين يستدعيه للحوز برسم الجهاد ونصر البلاد فأجابه يوسف بقوله لا يمكنني ذلك إلا إذا ملكت طنجة وسبتة فراجعه ابن عباد يشير عليه بأن يسير هو إليها بعساكره في البر فينازلها ويبعث ابن عباد قطائعه في البحر فينازلوها أيضا حتى يتملكها فأخذ يوسف في محاولة ذلك وصرف عزمه إليه ثم دخلت سنة سبعين وأربعمائة فجهز إليها قائده صالح بن عمران في اثني عشر ألف فارس من المرابطين وعشرين ألفا من سائر قبائل المغرب فلما قربوا من طنجة برز إليهم الحاجب سكوت بجموعه وهو شيخ كبير قد ناهز التسعين سنة وقال والله لا يسمع أهل سبتة طبول اللمتوني وأنا حي أبدا فالتقى الجمعان بوادي منى من أحواز طنجة والتحم القتال فقتل سكوت وفضت جموعه وسار المرابطون إلى طنجة فدخلوها واستولوا عليها ولحق ضياء الدولة يحيى بن سكوت بسبتة فاعتصم بها وكتب القائد صالح بن عمران بالفتح إلى يوسف وفي سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة بعث يوسف بن تاشفين قائده مزدلي بن تيلكان اللمتوني لغزو تلمسان والمغرب الأوسط فسار إليها في عشرين ألفا من المرابطين وكان بتلمسان يومئذ العباس بن بختي من ولد يعلى بن محمد بن الخير بن محمد بن خزر المغراوي فدخلوا المغرب الأوسط وتقروا بلاد زناتة وظفروا بيعلى ابن الأمير العباس بن بختى فقتلوه وانكفؤوا راجعين إلى يوسف بن تاشفين فألفوه بمراكش ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين فيها غير يوسف بن تاشفين السكة في جميع عمله وكتب عليها اسمه وفيها فتح مدينة آكرسيف ومدينة مليلية وجميع بلاد الريف وفتح مدينة نكور وخربها فلم تعمر بعد ثم دخلت سنة أربع وسبعين وأربعمائة فيها زحف يوسف بن تاشفين إلى مدينة وجدة ففتحها وفتح بلاد بني يزناسن وما والاها ثم سار إلى تلمسان ففتحها واستلحم من كان بها من مغراوة وقتل أميرها العباس بن بختي المغراوي وأنزل بها عامله محمد بن تينغمر المسوفي في عساكر المرابطين فصارت ثغرا لمملكته واختط بها مدينة تاكرارت بمكان محلته وهو اسم المحلة بلسان البربر ثم افتتح مدينة تنس ووهران وجبل وانشريس وجميع أعمال شلف إلى الجزائر وانكفأ راجعا إلى المغرب فدخل مراكش في ربيع الآخر سنة خمس وسبعين وأربعمائة ثم ورد عليه بها كتاب المعتمد بن عباد يعلمه بحال بلاد الأندلس وما آل إليه أمرها من تغلب العدو على أكثر ثغورها ويسأله النصر والإعانة فأجابه يوسف بقوله إذا فتح الله على سبتة اتصلت بكم وبذلت جهدي في جهاد العدو وكان الفنش قد تحرك في هذه السنة في جيوش لا تحصى من الإفرنج والبشكنس والجلالقة وغيرهم فشق بلاد الأندلس شقا يقف على كل مدينة منها فيفسد ويخرب ويقتل ويسبي ثم يرتحل إلى غيرها ونزل على إشبيلية فأقام عليها ثلاثة أيام فأفسد وخرب وكذلك فعل في شدونة وأحوازها وخرب بشرق الأندلس قرى كثيرة ثم صار حتى وصل جزيرة طريف فأدخل قوائم فرسه في البحر وقال هذا آخر بلاد الأندلس قد وطئته ثم رجع إلى مدينة سرقسطة فنزل عليها وحاصرها وحلف أن لا يرتحل عنها حتى يدخلها أو يحول الموت دونها وأراد أن يقدمها بالفتح على غيرها فبذل إليه أميرها المستعين بن هود مالا عظيما فلم يقبله منه وقال المال والبلاد لي وبعث إلى كل قاعدة من قواعد الأندلس جيشا لحصارها والتضييق عليها ثم ملك مدينة طليطلة من يد صاحبها القادر بن ذي النون سنة سبع وسبعين وأربعمائة فكان ذلك من أقوى الأسباب المحركة لعزائم المسلمين بالأندلس والمغرب على الجهاد
الخبر عن الغزوة الكبرى بالزلاقة من أرض الأندلس
لما انقرضت دولة بني أمية بالأندلس صدر المائة الخامسة بعد نزاع بين أعياصها شديد وقتال منهم عريض مديد وخلفتها الدولة الحمودية فلم يطل أمدها حتى اقتسمت رؤساء الأندلس مملكتها وتوزعوا أعمالها وصارت الحال إلى ما قال ابن الخطيب ( حتى إذا سلك الخلافة انتشر % وذهب العين جميعا والأثر ) ( قام بكل بقعة مليك % وصاح فوق كل غصن ديك ) فوجد العدو السبيل إلى الاستيلاء على ثغور المسلمين وانتهاز الفرصة فيها بالتضريب بين ملوكها وإغراء بعضهم بعض وكان منهم ابن عباد بإشبيلية وابن الأفطس ببطليوس وابن ذي النون بطليطلة وابن هود بسرقسطة ومجاهد العامري بدانية وغير هؤلاء وكلهم يداري الطاغية ويتقيه بالجزية إلى أن كان من أمر الأذفونش ما كان من تخريب بلاد المسلمين واستيلائه على طليطلة بعد حصاره إياها سبع سنين ثم حصاره سرقسطة فلما رأى رؤساء الأندلس ما نزل بهم من مضايقة عدو الدين واستطالته على ثغور المسلمين أجمع رأيهم على إجازة يوسف بن تاشفين فكاتبه أهل الأندلس كافة من الخاصة والعلماء يستصرخونه في تنفيس العدو عن مخنقهم ويكونوا معه يدا واحدة عليه فلما تواترت رسلهم وكتبهم عليه بعث ابنه المعز بن يوسف في عساكر المرابطين إلى سبتة فرضه المجاز فنازلها برا وأحاطت بها أساطيل ابن عباد بحرا فاقتحموها عنوة في ربيع الآخر سنة سبع وسبعين وأربعمائة وقبض على صاحبها ضياء الدولة يحيى بن سكوت البرغواطي وجيء به إلى المعز أسيرا فقتله صبرا وبعث بكتاب الفتح إلى أبيه وهو بفاس ينظر في أمر الجهاد ويستعد له ففرح يوسف بفتح سبتة وخرج من حينه قاصدا نحوها ليعبر منها إلى الأندلس ولما سمع المعتمد ابن عباد بفتح سبتة ركب البحر إلى المغرب لاستنفار يوسف إلى الجهاد فلقيه مقبلا ببلاد طنجة بموضع يعرف ببليطة على ثلاث مراحل من سبتة وقال ابن خلدون لقيه بفاس فأخبره بحال الأندلس وما هي عليه من الضعف وشدة الخوف والاضطراب وما يلقاه المسلمون من عدوهم من القتل والأسر والحصار كل يوم فقال له يوسف ارجع إلى بلادك وخذ في أمرك فإني على أثرك فرجع ابن عباد إلى الأندلس ونزل ليوسف عن الجزيرة الخضراء لتكون رباطا لجهاده ودخل يوسف سبتة فنظر في أمرها وأصلح سفنها وقدمت عليه بها جنود الله من المغرب والصحراء والقبلة والزاب فشرع في إجازتها إلى الأندلس ولما تكاملت بساحل الخضراء عبر هو في أثرها في موكب عظيم من قواد المرابطين وأنجادهم وصلحائهم فلما استوى على ظهر السفينة رفع يديه وقال اللهم إن كنت تعلم أن في جوازنا هذا صلاحا للمسلمين فسهل علينا هذا البحر حتى نعبره وإن كان غير ذلك فصعبه حتى لا نعبره فسهل الله عليهم العبور في أسرع وقت وكان ذلك يوم الخميس عند الزوال منتصف ربيع الأول سنة تسع وسبعين وأربعمائة ونزل بالخضراء فصلى بها الظهر من يومه ذلك ولقيه المعتمد ابن عباد صاحب إشبيلية وابن الأفطس صاحب بطليوس وغيرهما من ملوك الأندلس
واتصل الخبر بالأذفونش وهو محاصر لسرقسطة فارتحل عنها وقصد نحو أمير المسلمين وبعث إلى ابن ردمير والبرهانس وغيرهما من كبار النصرانية واستنفر أهل قشتالة وجليقية وسائر المجاورين له من أمم النصرانية فاجتمع له منهم ما يفوت الحصر وصمد إلى ابن تاشفين والمسلمين هكذا وقع مساق هذه الغزوة عند ابن خلدون وابن أبي زرع وغيرهما وساقها ابن الأثير وابن خلكان وابن عبد المنعم الحميري مساقا غير هذا ولنذكر بعض ما نقلوه من ذلك فنقول لما ملك يوسف بن تاشفين المغرب وبنى مراكش وتلمسان الجديدة وأطاعته البربر مع شكيمتها الشديدة وتمهدت له الأقطار العريضة المديدة تاقت نفسه إلى العبور لجزيرة الأندلس فهم بذلك وأخذ في إنشاء السفن والمراكب ليعبر فيها فلما علم بذلك ملوك الأندلس كرهوا إلمامه بجزيرتهم وأعدوا له العدة والعدد إلا أنهم استهولوا جمعه واستصعبوا مدافعته وكرهوا أن يصبحوا بين عدوين الفرنج عن شمالهم والملثمين عن جنوبهم وكانت الفرنج قد اشتدت وطأتها عليهم فتغير وتنهب وربما يقع بينهم صلح على شيء معلوم كل سنة يأخذونه من المسلمين والفرنج مع ذلك ترهب جانب ملك المغرب يوسف بن تاشفين إذ كان له اسم كبير وصيت عظيم لنفاذ أمره ونقله دولة زناتة وملك المغرب إليه في أسرع وقت مع ما ظهر لأبطال الملثمين ومشايخ صنهاجة في المعارك من ضربات السيوف التي تقد الفارس والطعنات التي تنظم الكلى فكان لهم بذلك ناموس ورعب في قلوب المنتدبين لقتالهم وكان ملوك الأندلس يفيئون إلى ظلم يوسف ويحذرونه خوفا على ملكهم مهما عبر إليهم وعاين بلادهم فلما رأوا عزيمته متوفرة على العبور راسل بعضهم بعضا يستنجدون آراءهم في أمره وكان فزعهم في ذلك إلى المعتمد ابن عباد لأنه أشجع القوم وأكبرهم مملكة فوقع اتفاقهم على مكاتبته وقد تحققوا أنه يقصدهم يسألونه الإعراض عنهم وأنهم تحت طاعته فكتب عنهم كاتب من أهل الأندلس يقول أما بعد فإنك إن أعرضت عنا نسبت إلى كرم ولم تنسب إلى عجز وإن أجبنا داعيك نسبنا إلى عقل ولم تنسب إلى وهن وقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبتينا فاختر لنفسك أكرم نسبتيك فإنك بالمحل الذي لا يجوز أن نسبق فيه إلى مكرمة وإن في أستبقائك ذوي البيوت ما شئت من دوام لأمرك وثبوت والسلام فوصله الكتاب مع تحف وهدايا وكان يوسف لا يعرف اللسان العربي لكنه كان ذكي الطبع يجيد فهم المقاصد وكان له كاتب يعرف اللغتين العربية والمرابطية فقال له أيها الملك هذا الكتاب من ملوك الأندلس يعظمونك فيه ويعرفونك أنهم أهل دعوتك وتحت طاعتك ويلتمسون منك أن لا تجعلهم في منزلة الأعادي فإنهم مسلمون وهم من ذوي البيوتات فلا تغير بهم وكف بهم من ورائهم من الأعداء الكفار وبلدهم ضيق لا يحتمل العساكر فأعرض عنهم إعراضك عمن أطاعك من أهل المغرب فقال يوسف بن تاشفين لكاتبه فما ترى أنت فقال أيها الملك أعلم أن تاج الملك وبهجته وشاهده الذي لا يرد بأنه خليق بما حصل في يده من الملك أن يعفو إذا استعفى وأن يهب إذا استوهب وكلما وهب جزيلا كان أعظم لقدره فإذا عظم قدره تأصل ملكه وإذا تأصل ملكة تشرف الناس بطاعته وإذا كانت طاعته شرفا جاءه الناس ولم يتجشم المشقة إليهم وكان وارث الملك من غير إهلاك لآخرته واعلم أن بعض الملوك الأكابر والحكماء البصراء بطريق تحصيل الملك قال من جاد ساد ومن ساد قاد ومن قاد ملك البلاد فلما ألقى الكاتب هذا الكلام على السلطان يوسف فهمه وعلم صحته فقال للكاتب أجب القوم واكتب بما يجب في ذلك واقرأ علي كتابك فكتب الكاتب بسم الله الرحمن الرحيم من يوسف بن تاشفين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحية من سالمكم وسلم إليكم وحكمه التأييد والنصر فيمن حكم عليكم وإنكم مما بأيديكم من الملك في أوسع إباحة مخصوصون منا بأكرم إيثار وسماحة فاستديموا وفاءنا بوفائكم واستصلحوا آخاءنا بإصلاح آخائكم والله ولي التوفيق لنا لكم والسلام فلما فرغ من كتابه قرأ على يوسف بن تاشفين بلسانه فاستحسنه وقرن به ما يصلح لهم من التحف ودرق اللمط مما لا يكون إلا في بلاده وأنفذ ذلك إليهم فلما وصلهم ذلك وقرؤوا كتابه فرحوا به وعظموه واعتزوا بولايته وتقوت نفوسهم على دفع الفرنج وأزمعوا إن رأوا من الفرنج ما يريبهم أن يجيزوا إليه يوسف بن تاشفين ويكونوا من أعوانه عليه فتأتى ليوسف بن تاشفين برأي وزيره ما أراد من محبة أهل الأندلس له وكفاه حربهم وقال ابن الأثير في الكامل كان المعتمد ابن عباد أعظم ملوك الأندلس وممتلكا لأكبر بلادها مثل قرطبة وإشبيلية وكان مع ذلك يؤدي الضريبة إلى الأذفونش كل سنة فلما تملك الأذفونش طليطلة أرسل إليه المعتمد الضريبة على عادته فردها عليه ولم يقبلها منه ثم أرسل إليه يتهدده ويتوعده بالمسير إلى قرطبة وتملكها من يده إلا أن يسلم إليه جميع الحصون التي في الجبل ويبقي السهل للمسلمين وكان الرسول في جمع كثير نحو خمسمائة فارس فأنزله المعتمد وفرق أصحابه على قواد عسكره ثم أمر القواد أن يقتل كل منهم من عنده وأحضر الرسول فصفعه حتى برزت عيناه وسلم من الجماعة ثلاثة نفر فعادوا إلى الأذفونش وأخبروه الخبر وكان متوجها إلى قرطبة ليحاصرها فلما بلغه هذا الخبر رجع إلى طليطلة ليجمع آلات الحصار ويستعد استعدادا غير الذي سبق وعاد المعتمد إلى إشبيلية وأقام بها وترك قرطبة بدون مدافع يدافع عنها وقال ابن عبد المنعم الحميري في كتابه الروض المعطار ما ملخصه إن المعتمد ابن عباد أخر في سنة من السنين الضريبة التي كان يدفعها للأذفونش عن وقتها ثم أرسلها إليه بعد فغضب الأذفونش واشتط وطلب بعض الحصون زيادة على الضريبة وأمعن في التجني حتى طلب أن تأتي زوجته إلى الجامع الأعظم بقرطبة فتلد فيه إذ كانت حاملا وكان بالجانب الغربي من المسجد المذكور موضع كنيسة قديمة بنى المسلمون عليها المسجد فأشار عليه الأطباء والقسيسون أن تكون زوجته ساكنة قرب ولادتها بمدينة الزهراء التي بناها عبد الرحمن الناصر لدين الله وأبدع في تشييدها وتنجيدها وتتردد المرأة مع ذلك إلى الجامع المذكور حتى تكون ولادتها بين طيب نسيم الزهراء وفضيلة موضع الكنيسة وكان الرسول في ذلك يهوديا وكان وزيرا للأذفونش فامتنع ابن عباد من ذلك فراجعه اليهودي وأغلظ له في القول ولسعه بكلمة آسفته فأخذ ابن عباد محبرة كانت بين يديه وضرب بها رأس اليهودي فأنزل دماغه في حلقه وأمر به فصلب منكوسا بقرطبة ولما سكن غضبه استفتى الفقهاء عن حكم ما فعله باليهودي فبادره الفقيه محمد بن الطلاع بالرخصة في ذلك لتعدي الرسول حدود الرسالة إلى ما استوجب به القتل إذ ليس له ذلك وقال للفقهاء إنما بادرت بالفتوى خوفا أن يكسل الرجل عما عزم عليه من منابذة العدو وعسى الله أن يجعل في عزيمته للمسلمين خيرا وبلغ الأذفونش ما صنعه ابن عباد فأقسم بآلهته ليغزونه بإشبيلية وليحاصرنه في قصره ثم زحف في عسكرين أحدهما عليه والآخر على بعض قواده حتى نزل على ضفة النهر الأعظم بإشبيلية قبالة قصر ابن عباد وفي أيام مقامه هنالك كتب إلى ابن عباد زاريا عليه كثر بطول مقامي في مجلسي هذا علي الذباب واشتد الحر فأتحفني من قصرك بمروحة أروح بها على نفسي وأطرد بها الذباب عن وجهي فوقع له ابن عباد بخط يده في ظهر الرقعة قرأت كتابك وفهمت خيلاءك وإعجابك وسأنظر لك في مراوح من جلود اللمط تروح منك لا عليك إن شاء الله فلما وصلت رسالة ابن عباد الأذفونش وقرئت عليه وفهم مقتضاها أطرق إطراق من لم يخطر له ذلك ببال وفشا في الأندلس توقيع ابن عباد وما أظهر من العزيمة على إجازة يوسف بن تاشفين والاستظهار به على العدو فاستبشر الناس وفرحوا بذلك وانفتحت لهم أبواب الآمال وأما ملوك طوائف الأندلس فلما تحققوا عزم ابن عباد وانفراده برأيه في ذلك اهتموا منه فمنهم من كاتبه ومنهم من شافهه وحذروه عاقبة ذلك وقالوا له الملك العقيم والسيفان لا يجتمعان في غمد فأجابهم ابن عباد بكلمته التي صارت مثلا رعي الجمال خير من رعي الخنازير ومعناه أن كونه مأكولا ليوسف بن تاشفين أسيرا يرعى جماله في الصحراء خير من كونه ممزقا للأذفونش أسيرا له يرعى خنازيره وقال لمن لامه يا قوم إني من أمري على حالتين حالة يقين وحالة شك ولا بد لي من إحداهما أما حالة الشك فإني استندت إلى ابن تاشفين أو إلى الأذفونش ففي الممكن أن يفي لي ويبقى على وفائه ويمكن أن لا يفعل فهذه حالة شك وأما حالة اليقين فإني إن استندت إلى ابن تاشفين فإني أرضي الله وإن استندت إلى الأذفونش أسخطت الله فإذا كانت حالة الشك فيهما عارضة فلأي شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه فحينئذ أقصر أصحابه عن لومه ولما عزم ابن عباد على رأيه أمر صاحب بطليوس المتوكل على الله عمر بن الأفطس وصاحب غرناطة عبد الله بن حبوس الصنهاجي أن يبعث إليه كل منهما قاضي حضرته ففعلا واستحضر قاضي الجماعة بقرطبة عبد الله بن محمد بن أدهم وكان أعقل أهل زمانه فلما اجتمع عند ابن عباد القضاة بإشبيلية أضاف إليهم وزيره أبا بكر بن زيدون وعرفهم أربعتهم أنهم رسله إلى يوسف بن تاشفين وأسند إلى القضاة ما يليق بهم من وعظ يوسف وترغيبه في الجهاد وأسند إلى الوزير ما لا بد منه من إبرام العقود السلطانية وكان يوسف بن تاشفين لا تزال تفد عليه وفود ثغور الأندلس مستعطفين مجهشين بالبكاء ناشدين بالله والإسلام مستنجدين بفقهاء حضرته ووزراء دولته فيسمع إليهم ويصغي لقولهم وترق نفسه لهم ولما انتهت الرسل إلى ابن تاشفين أقبل عليهم وأكرم مثواهم وجرت بينه وبينهم مراوضات ثم انصرفوا إلى مرسلهم ثم عبر يوسف البحر عبورا سهلا حتى أتى الجزيرة الخضراء فخرج إليه أهلها بما عندهم من الأقوات والضيافات وأقاموا له سوقا جلبوا إليه ما عندهم من سائر المرافق وأذنوا للغزاة في دخول البلد والتصرف فيها فامتلأت المساجد والرحاب بالمطوعة وتواصوا بهم خيرا هذا مساق صاحب الروض المعطار وقال ابن الأثير لما رجع المعتمد ابن عباد إلى إشبيلية وترك قرطبة بدون مدافع وسمع مشايخها بما جرى من قتل ابن عباد لليهودي ورأوا قوة الفرنج وضعف المسلمين واستعانة بعض ملوكهم بالفرنج على بعض اجتمعوا وقالوا هذه بلاد الأندلس قد غلب عليها الفرنج ولم يبق منها إلا القليل وإن استمرت الأحوال على ما نرى عادت نصرانية كما كانت وساروا إلى القاضي أبي بكر عبد الله بن محمد بن أدهم فقالوا له ألا تنظر إلى ما فيه المسلمون من الصغار والذلة وإعطائهم الجزية بعد أن كانوا يأخذونها وقد رأينا رأيا نعرضه عليك قال ما هو قالوا نكتب إلى عرب إفريقية ونشترط لهم إذا وصلوا إلينا قاسمناهم أموالنا وخرجنا معهم مجاهدين في سبيل الله وقال أخاف إذا وصلوا إلينا أن يخربوا بلادنا كما فعلوا بإفريقية ويتركوا الفرنج ويبدؤوا بنا والمرابطون أصلح منهم واقرب إلينا قالوا له فكاتب يوسف بن تاشفين وراغب إليه في العبور إلينا أو يرسل بعض قواده وبينما هم يتفاوضون إذ قدم عليهم ابن عباد وهم في ذلك فعرض عليه القاضي ابن أدهم ما كانوا فيه فقال له ابن عباد أنت رسولي إليه في ذلك فامتنع القاضي وإنما أراد أن يبرىء نفسه من تهمة تلحقه فألح عليه المعتمد فعبر القاضي البحر إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين فأبلغه الرسالة وأعلمه ما فيه المسلمون من الخوف من الأذفونش وكان أمير المسلمين يومئذ بمدينة سبتة ففي الحال أمر بعبور العساكر إلى الأندلس وأرسل إلى مراكش في طلب من بقي من عساكره فأقبلت إليه يتلو بعضها بعضا فلما تكاملت عنده عبر البحر وسار فاجتمع بالمعتمد ابن عباد بإشبيلية وكان المعتمد قد جمع عساكره أيضا وخرج من أهل قرطبة عسكر كبير وقصده المطوعة من سائر بلاد الأندلس ووصلت الأخبار إلى الأذفونش فجمع عساكره وحشد جنوده وسار من طليطلة وكتب إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين كتابا كتبه له بعض غواة أدباء المسلمين يغلظ له في القول ويصف ما معه من القوة والعدد وبالغ في ذلك فلما وصل وقرأه يوسف أمر كاتبه أبا بكر بن القصيرة أن يجيبه وكان كاتبا مفلقا فكتب وأجاد فلما قرأه على أمير المسلمين قال هذا كتاب طويل وأحضر كتاب الأذفونش وكتب على ظهره الذي يكون ستراه وأرسله إليه فلما وقف عليه الأذفونش ارتاع له وعلم أنه بلي برجل له دهاء وعزم وذكر ابن خلكان أن يوسف بن تاشفين أمر بعبور الجمال فعبر منها ما أغص الجزيرة وارتفع رغاؤها إلى عنان السماء ولم يكن أهل الجزيرة رأوا جملا قط ولا خيلهم رأتها قط فصارت الخيل تجمح من رؤية الجمال ورغائها وكان ليوسف في عبورها رأي مصيب فكان يحدق بها عسكره ويحضرها الحرب فكانت خيل الفرنج تجمح منها وقدم يوسف بن تاشفين بن يديه كتابا للأذفونش يعرض عليه فيه الدخول في الإسلام أو الجزية أو الحرب كما هي السنة ومن جملة ما في الكتاب بلغنا يا أذفونش أنك دعوت الله في الإجتماع بنا وتمنيت أن تكون لك سفن تعبر عليها البحر إلينا فقد عبرناه إليك وقد جمع الله تعالى في هذه العرصة بيننا وبينك وسترى عاقبة دعائك وما دعاء الكافرين إلا في ضلال فلما سمع الأذفونش ما كتب إليه يوسف جاش بحر غيظه وزاد في طغيانه واقسم أن لا يبرح من موضعه حتى يلقاه ولنرجع إلى كلام صاحب الروض والمعطار قال رحمه الله فلما عبر يوسف وجميع جيوشه البحر إلى الخضراء نهض إلى إشبيلية على أحسن الهيئات جيشا بعد جيش وأميرا بعد أمير وقبيلا بعد قبيل وبعث المعتمد ابنه إلى لقاء يوسف وأمر عمال البلاد بجلب الأقوات والضيافات ورأى يوسف ما سره من ذلك ونشطه وتواردت الجيوش مع أمرائها على إشبيلية وخرج المعتمد إلى لقاء يوسف من إشبيلية في مائة فارس من وجوه أصحابه فلما أتى محلة يوسف ركض نحوهم وركضوا نحوه ثم برز إليه يوسف وحده والتقيا منفردين وتصافحا وتعانقا وأظهر كل منهما لصاحبه المودة والخلوص وشكرا نعم الله وتواصيا بالصبر والرحمة وبشرا أنفسهما بما استقبلاه من غزو أهل الكفر وتضرعا إلى الله في أن يجعل ذلك خالصا لوجهه مقربا إليه وافترقا فعاد يوسف لمحلته وابن عباد إلى جهته وألحق ابن عباد ما كان أعده من هدايا وتحف وضيافات أوسع بها على محلة يوسف بن تاشفين وباتوا تلك الليلة فلما أصبحوا وصلوا الصبح ركب الجميع وأشار ابن عباد على يوسف بالتقدم نحو إشبيلية ففعل ورأى الناس من عزة سلطانهم ما سرهم ولم يبق من ملوك الطوائف بالأندلس إلا من بادر أو أعان وكذلك فعل الصحراويون مع يوسف أهل كل صقع من أصقاعه رابطوا وكابدوا وكان الأذفونش لما رأى اجتماع العزائم على مناجزته علم أنه عام نطاح فاستنفر الفرنجة للخروج ورفع القسيسون والرهبان والأساقفة صلبانهم ونشروا أناجيلهم فاجتمع له من الجلالقة والإفرنج ما لا يحصى عدده وجواسيس كل فريق تتردد من الجميع وبعث الأذفونش إلى ابن عباد إن صاحبكم يوسف قد تعنى بالمجيء من بلاده وخوض البحر وأنا أكفيه العناء فيما بقي ولا أكلفكم تعبا أمضي إليكم وألقاكم في بلادكم رفقا بكم وتوفيرا عليكم وقال لخاصته وأهل مشورته إني رأيت أني إن أمكنتهم من الدخول إلى بلادي فناجزوني فيها وبين جدرها وربما كانت الدائرة علي يستحكمون البلاد ويحصدون من فيها غداة واحدة ولكني أجعل يومهم معي في حوز بلادهم فإن كانت علي اكتفوا بما نالوه ولم يجعلوا الدروب وراءهم إلا بعد أهبة أخرى فيكون في ذلك صون لبلادي وجبر لمكاسري وإن كانت الدائرة عليهم كان مني فيهم وفي بلادهم ما خفت أن يكون في وفي بلادي إذا ناجزوني في وسطها ثم برز بالمختار من جنوده وأنجاد جموعه على باب دربه وترك بقية جموعه خلفه وقال حين نظر إلى ما اختاره منهم بهؤلاء أقاتل الجن والإنس وملائكة السماء فالمقلل يقول المختارون أربعون ألف دارع ولكل واحد أتباع وأما النصارى فيعجبون ممن يزعم ذلك ويرون أنهم أكثر من ذلك كله واتفق الكل أن عدد المسلمين كان أقل من عدد الكفار ورأى الأذفونش في نومه كأنه راكب فيلا وبين يديه طبل صغير وهو ينقر فيه فقص رؤياه على القسيسين فلم يعرفوا تأويلها فأحضر رجلا مسلما عالما بتفسير الرؤيا فقصها عليه فاستعفاه من تعبيرها فلم يعفه فقال تأويل هذه الرؤيا من كتاب الله تعالى وهو قوله تعالى @QB@ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل @QE@ إلى آخر السورة وقوله تعالى @QB@ فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير @QE@ وذلك يقتضي هلاك هذا الجيش الذي تجمعه فلما اجتمع جيشه ورأى كثرته أعجبه فأحضر ذلك المعبر وقال له بهذا الجيش ألقى إله محمد صاحب كتابكم فانصرف المعبر وقال لبعض المسلمين هذا الملك هالك وكل من معه وذكر الحديث ثلاث مهلكات وفيه وإعجاب المرء بنفسه ثم خرج الأذفونش إلى بلاد الأندلس وتقدم السلطان يوسف نحوه أيضا وتأخر ابن عباد لبعض مهماته ثم انزعج يقفو أثره بجيش فيه حماة الثغور ورؤساء الأندلس وجعل ابنه عبد الله على مقدمته وسار وهو ينشد متفائلا ببيت سائر مجيزا له بأبيات من شعره ( لا بد من فرج قريب % يأتيك بالعجب العجيب ) ( غزو عليك مبارك % سيعود بالفتح القريب ) ( لله سعدك إنه % نكس على دين الصليب ) ( لا بد من يوم يكون % له أخا يوم القليب ) ووافت الجيوش كلها بطليوس فأناخوا بظاهرها وخرج إليهم صاحبها المتوكل عمر بن محمد بن الأفطس فلقيهم بما يجب من الضيافات والأقوات وبذل المجهود ثم جاءهم الخبر بشخوص الأذفونش إليهم وقال ابن أبي زرع ارتحل يوسف بن تاشفين من الخضراء قاصدا نحو الأذفونش وقدم بين يديه قائده أبا سليمان داود بن عائشة وكان بطلا من الأبطال في عشرة آلاف فارس من المرابطين بعد أن قدم أمامه المعتمد ابن عباد مع أمراء الأندلس وجيوشهم منهم ابن صمادح صاحب المرية وابن حبوس صاحب غرناطة وابن مسلمة صاحب الثغر الأعلى وابن ذي النون وابن الأفطس وغيرهم فأمرهم يوسف أن يكونوا مع المعتمد فتكون محلة ملوك الأندلس واحدة ومحلة المرابطين أخرى فتقدم بهم ابن عباد فكانوا إذا ارتحل ابن عباد من موضع نزله يوسف بمحلته فلم يزالوا كذلك حتى نزلوا مدينة طرطوشة فأقاموا بها ثلاثا وكتب منها يوسف إلى الأذفونش يدعوه إلى الإسلام أو الجزية أو الحرب وكان جواب الأذفونش ما تقدم ثم ارتحل يوسف وارتحل الأذفونش حتى نزلا معا بالقرب من بطليوس وكان نزول يوسف بموضع يعرف بالزلاقة وتقدم المعتمد فنزل ناحية أخرى تحجز بينه وبين يوسف ربوة وبين المسلمين والفرنج نهر بطليوس حاجزا يشرب منه هؤلاء وهؤلاء فأقاموا ثلاثة أيام والرسل تختلف بينهم إلى أن وقع اللقاء على ما نذكره ولما ازدلف بعضهم إلى بعض أذكى المعتمد عيونه في محلات الصحراويين خوفا عليهم من مكايد الأذفونش إذ هم غرباء لا علم لهم بالبلاد وجعل يتولى ذلك بنفسه حتى قيل إن الرجل من الصحراويين كان لا يخرج إلى طرف المحلة لقضاء أمر أو حاجة إلا ويجد ابن عباد بنفسه مطيفا بالمحلة بعد ترتيب الخيل والرجال على أبواب المحلات ثم قامت الأساقفة والرهبان ورفعوا صلبانهم ونشروا أناجيلهم وتبايعوا على الموت ووعظ يوسف وابن عباد أصحابهما وقام الفقهاء والصالحون في الناس مقام الوعظ وحضوهم على الصبر والثبات وحذروهم من الفشل والفرار وجاءت الطلائع تخبر أن العدو مشرف عليهم صبيحة يومهم وهو يوم الأربعاء فأصبح المسلمون وقد أخدوا مصافهم فكع الأذفونش ورجع إلى أعمال المكر والخديعة فعاد الناس إلى محلاتهم وباتوا ليلتهم ثم أصبح يوم الخميس فبعث الأذفونش إلى ابن عباد يقول غدا يوم الجمعة وهو عيدكم والأحد عيدنا فليكن لقاؤنا بينهما وهو يوم السبت فعرف المعتمد بذلك السلطان يوسف وأعلمه أنها حيلة منه وخديعة وإنما قصده الفتك بنا يوم الجمعة فليكن الناس على استعداد له يوم الجمعة كل النهار ويقال إن الأذفونش واعدهم ليوم الإثنين وبات الناس ليلتهم على أهبة واحتراس كما أشار ابن عباد وبعد مضي جزء من الليل انتبه الفقيه الناسك أبو العباس أحمد بن رميلة القرطبي وكان في محله ابن عباد فرحا مسرورا يقول إنه رآى النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة في النوم فبشره بالفتح والموت على الشهادة في صبيحة تلك الليلة فتأهب ودعا وتضرع ودهن رأسه وتطيب وانتهى ذلك إلى ابن عباد فبعث إلى يوسف يخبره بها تحقيقا لما توقعه من غدر العدو الكافر ثم جاء بالليل فارسان من طلائع المعتمد يخبران أنهما أشرفا على محلة الأذفونش وسمعا ضوضاء الجيش وخشخشة السلاح ثم تلاحق بقية الطلائع محققين لتحرك الأذفونش ثم جاءت الجواسيس من داخل محلتهم تقول استرقنا السمع فسمعنا الأذفونش يقول لأصحابه ابن عباد مسعر هذه الحروب وهؤلاء الصحراويون وإن كانوا أهل حفاظ وذوي بصائر في الحرب فهم غير عارفين بهذه البلاد وإنما قادهم ابن عباد فاهجموا عليه واصبروا له فإن انكشف لكم هان عليكم الصحراويون بعده ولا أراه يصبر لكم إن صدقتموه الحملة فعند ذلك بعث ابن عباد الكاتب أبا بكر بن القصيرة إلى السلطان يوسف يعرفه بإقبال الأذفونش ويستحث نصرته فمضى ابن القصيرة يطوي المحلات حتى جاء يوسف بن تاشفين فعرفه بجلية الأمر فقال له قل له إني سائر إليك إن شاء الله وأمر يوسف بعض قواده أن يمضي بكتيبة رسمها له حتى يدخل محلة النصارى فيضرمها نارا ما دام الأذفونش مشتغلا مع ابن عباد وانصرف ابن القصيرة إلى المعتمد فلم يصله إلا وقد غشيته جنود الطاغية فصدم ابن عباد صدمة قطعت آماله ومال الأذفونش عليه بجموعه وأحاطوا به من كل جهة فهاجت الحرب وحمي الوطيس واستحر القتل في أصحاب ابن عباد وصبر صبرا لم يعهد مثله واستبطأ السلطان يوسف وهو يلاحظ طريقه وعضته الحرب واشتد عليه وعلى أصحابه البلاء وساءت الظنون وانكشف البعض منهم وفيهم ابنه عبد الله بن المعتمد وأثخن هو جراحات في رأسه وبدنه وعقرت تحته في ذلك اليوم ثلاث أفراس كلما هلك واحد قدم له آخر وتذكر في تلك الحالة ابنا له صغيرا يكنى أبا هاشم وكان قد تركه بإشبيلية عليلا فقال ( أبا هاشم هشمتني الشفار % فلله صبري لذلك الأوار ) ( ذكرت شخيصك تحت العجاج % فلم يثنني ذكره للفرار ) ثم كان أول من وافى ابن عباد من قواد يوسف بن تاشفين داود بن عائشة وكان بطلا شهما فنفس بمجيئه على ابن عباد ثم أقبل يوسف بعد ذلك وطبوله قد ملأت أصواتها الجو فلما أبصره الأذفونش وجه حملته إليه وقصده بمعظم جنوده فبادر إليهم السلطان يوسف وصدمهم صدمة ردتهم إلى مركزهم وانتظم به شمل ابن عباد واستنشق الناس ريح الظفر وتباشروا بالنصر ثم صدقوا جميعا الحملة فزلزلت الأرض من حوافر الخيل وأظلم النهار بالعجاج وخاضت الخيل في الدماء وصبر الفريقان صبرا عظيما ثم تراجع ابن عباد إلى يوسف وحمل معه حملة معها النصر وتراجع المنهزمون من أصحاب ابن عباد حين علموا بالتحام الفئتين وصدقوا الحملة فانكشف الطاغية ومر هاربا منهزما وقد طعن في إحدى ركبتيه طعنة بقي يخمع بها بقية عمره قالوا وكان أمير المسلمين يوسف بن تاشفين على فرس يومئذ أنثى يمر بين ساقات المسلمين وصفوفهم يحرضهم ويقوي نفوسهم على الجهاد ويحضهم على الصبر فقاتل الناس ذلك اليوم قتال من يطلب الشهادة ويرغب في الموت وعلى سياق ابن خلكان إن ابن تاشفين نزل على أقل من فرسخ من عسكر العدو في يوم الأربعاء وكان الموعد بالمناجزة يوم السبت فغدر الأذفونش ومكر فلما كان سحر يوم الجمعة منتصف رجب أقبلت طلائع ابن عباد والروم في أثرها والناس على طمأنينة فبادر ابن عباد للركوب وانبث الخبر في العساكر فماجت بأهلها ورجفت الأرض وصارت الناس فوضى على غير تعبئة ولا أهبة ودهمتهم خيل العدو فغمرت ابن عباد وحطمت ما تعرض لها وتركت الأرض حصيدا خلفها وصرع ابن عباد وأصابه جرح اشواه وفر رؤساء الأندلس وأسلموا محلاتهم وظنوا أنه وهي لا يرقع ونازلة لا تدفع وظن الأذفونش أن أمير المسلمين في المنهزمين ولم يعلم أن العاقبة للمتقين فتقدم أمير المسلمين وأحدقت به أنجاد خيله ورجاله من صنهاجة ورؤساء القبائل وقصدوا محلة الأذفونش فاقتحموها وقتلوا حاميتها وضربت الطبول وزعقت البوقات الأرض وتجاوبت الجبال والآفاق وتراجع الروم إلى محلتهم بعد أن علموا أن أمير المسلمين فيها فقصدوه فأفرج لهم عنها ثم كر عليهم فأخرجهم منها ثم كروا عليه فأفرج لهم عنها ولم تزل الكرات بينهم تتوالى إلى أن أمر أمير المسلمين حشمه السودان فترجل منهم زهاء أربعة آلاف ودخلوا المعترك بدرق اللمط وسيوف الهند ومزاريق الزان فخالطوا الخيل وطعنوها فرمحت بفرسانها وأحجمت عن أقرانها وتلاحق الأذفونش بأسود نفدت مزاريقه فأهوى ليضربه بالسيف فلصق به الأسود وقبض على عنانه وانتضى خنجرا كان متمنطقا به فأثبته في فخذه فهتك حلق درعه وشك فخذه مع بداد سرجه وكان وقت الزوال يوم الجمعة منتصف رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة وهبت ريح النصر فأنزل الله سكينته على المسلمين ونصر دينه القويم وصدقوا الحملة على الأذفونش وأصحابه فأخرجوهم عن محلتهم فولوا ظهورهم وأعطوا أقفاءهم والسيوف تصفعهم والرماح تطعنهم إلى أن لحقوا بربوة لجؤوا إليها واعتصموا بها وأحدقت بهم الخيل فلما أظلم الليل انساب الأذفونش وأصحابه من الربوة وأفلتوا من بعد ما نشبت فيهم أظفار المنية واستولى المسلمون على ما كان في محلتهم من الأثاث والآنية والمضارب والأسلحة وغير ذلك وأمر ابن عباد بضم رؤوس قتلى المشركين فأجتمع من ذلك تل عظيم وقال صاحب الروض المعطار لجأ الأذفوش إلى تل كان يلي محلته في نحو خمسمائة فارس ما منهم إلا مكلوم وأباد القتل والأسر من عداهم من أصحابه وعمل المسلمون من رؤوسهم مآذن يؤذنون عليها والمخذول ينظر إلى موضع الوقيعة ومكان الهزيمة فلا يرى إلا نكالا محيطا به وبأصحابه وأقبل ابن عباد على السلطان يوسف وصافحه وهنأه وشكره وأثنى عليه وشكر يوسف صبر ابن عباد ومقامه وحسن بلائه وسأله عن حاله عندما أسملته رجاله بانهزامهم عنه فقال له ها هم هؤلاء قد حضروا بين يديك فليخبروك وكتب ابن عباد إلى ابنه بإشبيلية كتابا مضمونه كتابي هذا إليك من المحلة المنصورة يوم الجمعة منتصف رجب وقد أعز الله الدين ونصر المسلمين وفتح لهم الفتح المبين وهزم الكفرة المشركين وأذاقهم العذاب الأليم والخطب الجسيم فالحمد لله على ما يسره وسناه من هذه المسرة العظيمة والنعمة الجسيمة في تشتيت شمل الأذفونش والإحتواء على جميع عساكره أصلاه الله نكال الجحيم ولا أعدمه الوبال العظيم بعد إتيان النهب على محلاته واستئصال القتل بجميع أبطاله وحماته حتى ا تخذ المسلمون من هاماتهم صوامع يؤذنون عليها فلله الحمد على جميل صنعه ولم يصبني والحمد لله إلا جراحات يسيرة آلمت لكنها قرحت بعد ذلك فلله الحمد والمنة والسلام واستشهد في ذلك اليوم جماعة من الفضلاء والعلماء مثل ابن رميلة صاحب الرؤيا المذكورة وقاضي مراكش أبي مروان عبد الملك المصمودي وغيرهما رحم الله الجميع وحكي أن موضع المعترك كان على اتساعه ما فيه موضع قدم إلا على ميت أو دم وأقامت العساكر بالموضع أربعة أيام حتى جمعت الغنائم واستؤذن في ذلك السلطان يوسف فعف عنها وآثر بها ملوك الأندلس وعرفهم أن مقصوده الجهاد والأجر العظيم وما عند الله في ذلك من الثواب المقيم فلما رأت ملوك الأندلس إيثار يوسف لهم بالغنائم استكرموه وأحبوه وشكروا له صنعه وأمر أمير المسلمين بقطع رؤوس القتلى وجمعها فقطعت وجمع بين يديه منها أمثال الجبال فبعث منها إلى إشبيلية عشرة آلاف رأس وإلى قرطبة مثل ذلك وإلى بلنسية مثلها وإلى سرقسطة ومرسية مثلها وبعث إلى بلاد العدوة أربعين ألف رأس فقسمت على مدن العدوة ليراها الناس فيشكروا الله على ما منحهم من النصر والظفر العظيم قال ابن أبي زرع وفي هذا اليوم تسمى يوسف بن تاشفين بأمير المسلمين ولم يكن يدعى به قبل ذلك وأظهر الله تعالى الإسلام وأعز أهله وكتب أمير المسلمين بالفتح إلى بلاد العدوة وإلى تميم بن المعز الصنهاجي صاحب إفريقية فعمت المفرحات في جميع بلاد إفريقية والمغرب والأندلس واجتمعت كلمة الإسلام وأخرج الناس الصدقات وأعتقوا الرقاب شكرا لله تعالى ولما بلغ الأذفونش إلى بلاده وسأل عن أصحابه وأبطاله ففقدهم ولم يسمع إلا نواح الثكالى عليهم اغتم ولم يأكل ولم يشرب حتى هلك أسفا وغما وراح إلى أمه الهاوية ولم يخلف إلا بنتا واحدة جعل الأمر إليها فتحصنت بطليطلة ورحل المعتمد إلى إشبيلية ومعه السلطان يوسف بن تاشفين فأقام يوسف بظاهر إشبيلية ثلاثة أيام وورد عليه الخبر بوفاة ولده أبي بكر بن يوسف وكان قد تركه مريضا بسبتة فاغتم لذلك وانصرف راجعا إلى العدوة وذهب معه ابن عباد يوما وليلة فعزم عليه يوسف في الرجوع إلى منزله وكانت جراحاته قد تورمت عليه فسير معه ولده عبد الله إلى أن وصل البحر وعبر إلى المغرب وكان أمير المسلمين عند مجيئه إلى بلاد الأندلس وقصده ملاقاة الأذفونش قد تحرى المسير بالعراء من غير أن يمر بمدينة أو رستاق حتى نزل الزلاقة تجاه الأذفونش وهناك اجتمع بعساكر الأندلس قاله ابن خلكان ولما فرغ من الوقعة رجع عوده على بدئه كل ذلك تورع منه وتكرم وتخفيف عن الرعايا رحمه الله ورضي عنه ولما رجع ابن عباد إلى إشبيلية جلس للناس وهنىء بالفتح وقرأت القراء وقامت على رأسه الشعراء فأنشدوه قال عبد الجليل بن وهبون حضرت ذلك اليوم وأعددت قصيدة أنشدها بين يديه فقرأ قارىء @QB@ إلا تنصروه فقد نصره الله @QE@ فقلت بعدا لي ولشعري والله ما أبقت لي هذه الآية معنى أحضره وأقوم به اه ومن هنا اختلفت أقوال المؤرخين في حال أمير المسلمين في الجهاد فقيل إنه لم يرجع إلى بلاد الأندلس بعد هذه المرة لكنه ترك قواده فيها ورسم لهم بالجهاد وشن الغارات على بلاد العدو وقيل إنه عاد إليها ثانيا وثالثا وعلى هذا القول فاختلفوا في زمان ذلك العود وتاريخه والله تعالى أعلم
بقية أخبار أمير المسلمين في الجهاد وما اتفق له مع ملوك الأندلس وكبيرهم ابن عباد
أعلم أن أقوال المؤرخين اختلفت في أمر يوسف بن تاشفين بعد غزوة الزلاقة فحكى ابن خلكان وغيره أن أمير المسلمين لما عزم على النهوض إلى بلاد المغرب ترك قائده سير بن أبي بكر اللمتوني بأرض الأندلس وخلف معه جيشا برسم غزو الفرنج فاستراح سير بن أبي بكر أياما قلائل ثم دخل بلاد الأذفونش وشن الغارات فنهب وقتل وسبى وفتح الحصون المنيعة والمعاقل الصعبة وتوغل في بلاد العدو وحصل على أموال جليلة وذخائر عظيمة ورتب رجالا وفرسانا في جميع ما استولى عليه وأرسل إلى السلطان يوسف بجميع ما حصله وكتب إليه يعرفه أن الجيوش بالثغور مقيمة على مكابدة العدو وملازمة الحرب والقتال في أضيق عيش وأنكده وملوك الأندلس في بلادهم وأهليهم في أرغد عيش وأطيبه وسأله مرسومه فكتب إليه أن يأمرهم بالنقلة والرحيل إلى أرض العدوة فمن فعل فذاك ومن أبى فحاصره وقاتله ولا تنفس عليه ولتبدأ بمن والى الثغور منهم ولا تتعرض لابن عباد إلا بعد استيلائك على البلاد وكل بلد أخذته فول عليه أميرا من عسكرك فامتثل سير بن أبي بكر أمره واستنزلهم واحدا بعد واحد حتى كان آخرهم ابن عباد فألحقه بهم ونظمه في سلكهم على ما نذكره وقال ابن أبي زرع لما كانت سنة إحدى وثمانين وأربعمائة جاز أمير المسلمين إلى الأندلس الجواز الثاني برسم الجهاد قال وسبب جوازه أن الأذفونش لعنه الله لما هزم وجرح وقتلت جموعه عمد إلى حصن لبيط الموالي لعمل ابن عباد فشحنه بالخيل والرجال والرماة وأمرهم أن يكونوا ينزلون من الحصن المذكور فيغيرون في أطراف بلاد ابن عباد دون سائر بلاد الأندلس إذ كان السبب في جواز أمير المسلمين إلى الأندلس فكانوا ينزلون من الحصن في الخيل والرجل فيغيرون ويقتلون ويأسرون قد جعلوا ذلك وظيفة عليهم في كل يوم فساء ابن عباد ذلك وضاق به ذرعا ثم عبر البحر إلى العدوة مستنفرا لأمير المسلمين فلقيه بالمعمورة من حلق وادي سبو وهذه المعمورة هي المسماة اليوم بالمهدية من أحواز سلا فشكا إليه حصن لبيط ومن يلقاه المسلمون من أهله فوعده الجواز إليه فرجع المعتمد وسار يوسف في أثره فركب البحر من قصر المجاز إلى الخضراء فتلقاه ابن عباد بها بألف دابة تحمل الميرة والضيافة فلما نزل يوسف بالخضراء كتب منها إلى أمراء الأندلس يدعوهم إلى الجهاد وقال لهم الموعد بيننا وبينكم حصن لبيط ثم تحرك يوسف من الخضراء وذلك في ربيع الأول من السنة المذكورة فنزل على حصن لبيط وفي القاموس لبطيط كزنبيل بلد بالجزيرة الخضراء الأندلسية ولعله هو هذا فلما نزله أمير المسلمين لم يأته ممن كتب إليه من أمراء الأندلس غير ابن عبد العزيز صاحب مرسية وابن عباد صاحب إشبيلية فنازلا معه الحصن وشرعوا في القتال والتضييق عليه وكان يوسف رحمه الله يشن الغارات على بلاد الفرنج كل يوم ودام الحصار على الحصن أربعة أشهر لم ينقطع القتال فيها يوما واحدا إلى أن دخل فصل الشتاء ووقع بين ابن عبد العزيز وابن عباد نزاع وشنآن فشكا المعتمد إلى أمير المسلمين ابن عبد العزيز فقبض عليه أمير المسلمين وأسلمه إلى ابن عباد فاختل أمر المحلة بسبب ذلك وفر جيش ابن عبد العزيز وقواده عنها وقطعوا الميرة عن المحلة ووقع بها الغلاء ولما علم الأذفونش بذلك حشد أمم النصرانية وقصد إلى حماية الحصن في أمم لا تحصى فلما قرب من الحصن انحرف له يوسف عنه إلى ناحية لورقة ثم إلى المرية ثم جاز إلى العدوة وقد تغير على أمراء الأندلس لكونه لم يأته منهم أحد عندما دعاهم إلى الجهاد ومنازلة الحصن ولما أفرج أمير المسلمين عن الحصن المذكور أقبل الأذفونش حتى نزل عليه فأخلاه مما كان فيه من آلة الحصار ومادته وأخرج من كان فيه من بقية النصارى المنفلتين من مخالب المنية وعاد إلى طليطلة فاستولى ابن عباد عليه بعد خلائه وفناء جميع حماته بالقتل والجوع سوى تلك الصبابة المنفلتة وكان فيه عندما نازله أمير المسلمين اثنا عشر ألف مقاتل دون العيال والذرية فأتى عليهم القتل والجوع حتى لم يبق فيه سوى نحو المائة وهم المنفلتون منه عند إخلائه ثم لما كانت سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة جاز أمير المسلمين إلى الأندلس الجواز الثالث برسم الجهاد فسار حتى نزل على طليطلة وحاصر بها الأذفونش وشن الغارات بأطرافها فاكتسحها وانتسف ثمارها وزروعها وخرب عمرانها وقتل وسبى ولم يأته من ملوك الأندلس أحد ولا عرج عليه منهم معرج فغاظه ذلك ولما قفل من غزو طليطلة عمد إلى غرناطة فنازلها وكان صاحبها عبد الله بن بلكين بن باديس بن حبوس قد صالح الأذفونش وظاهره على أمير المسلمين وبعث إليه بمال واشتغل بتحصين بلده وفي ذلك يقول بعض شعراء عصره ( يبني على نفسه سفاها % كأنه دودة الحرير ) ( دعوه يبني فسوف يدري % إذا أتت قدرة القدير ) ولما انتهى أمير المسلمين إلى غرناطة تحصن منه صاحبها عبد الله بن بلكين وأغلق أبوابها دونه فحاصره أمير المسلمين نحو شهرين ولما اشتد عليه الحصار أرسل يطلب الأمان فأمنه أمير المسلمين وتسلم منه البلاد فملكها وبعث بعبد الله وأخيه تميم بن بلكين صاحب مالقة إلى مراكش مع حريمهما وأولادهما فأقاما بها وأجرى عليهما الإنفاق إلى أن ماتا بها ولما خلع أمير المسلمين بني باديس وملك غرناطة ومالقة وما أضيف إليهما خاف منه المعتمد ابن عباد وانقبض عنه ويقال إن ابن عباد طمع في غرناطة وأن أمير المسلمين يعطيه إياها فعرض له بذلك فأعرض عنه أمير المسلمين فخاف ابن عباد منه وعمل على الخروج عليه ثم سعى بينهما الوشاة فتغير عليه أمير المسلمين وعبر إلى العدوة في رمضان سنة ثلاث وثمانين المذكورة ولما انتهى إلى مراكش ولى على الأندلس قائده سير بن أبي بكر اللمتوني وفوض إليه جميع أمورها كلها ولم يأمره في ابن عباد بشيء فسار سير بن أبي بكر نحو إشبيلية وهو يظن أن ابن عباد إذا سمع به يخرج إليه ويتلقاه على بعد ويحمل إليه الضيافات على العادة فلم يفعل وتحصن منه ولم يتلفت إليه فراسله سير بن أبي بكر أن يسلم إليه البلاد ويدخل في طاعة أمير المسلمين فامتنع ابن عباد فعند ذلك تقدم سير إلى حصاره وقتاله وبعث بعض قواده إلى قرطبة ليحاصرها وبها يومئذ المأمون بن المعتمد ابن عباد فنازلها في عساكر المرابطين حتى فتحها يوم الأربعاء ثالث صفر سنة أربع وثمانين وأربعمائة وقتل صاحبها المأمون بن المعتمد ثم فتح بياسة وأبدة وحصن البلاط والمدور والصخيرة وشقورة ولم ينقض شهر صفر المذكور حتى لم يبق لابن عباد بلد إلا وقد ملكه المرابطون ما عدا قرمونة وإشبيلية ثم ارتحل سير بن أبي بكر إلى قرمونة فنازلها حتى دخلها عنوة زوال يوم السبت السابع عشر من ربيع الأول من السنة المذكورة فاشتد الأمر على ابن عباد وطال عليه الحصار فبعث إلى الأذفونش لعنه الله يستغيث به على لمتونة ويعده بإعطاء البلاد ويذل الطارف والتلاد إنه هو كشف عنه ما هو فيه من الحصار فبعث إليه الأذفونش قائده القومس في جيش من عشرين ألف فارس وأربعين ألف راجل فلما علم سير بقدوم الفرنج إليه انتخب من جيشه عشرة آلاف فارس من أهل الشجاعة والنجدة وقدم عليهم إبراهيم بن إسحاق اللمتوني وبعثه للقاء الفرنج فالتقى الجمعان بالقرب من حصن المدور فكانت بينهم حروب شديدة مات فيها خلق كثير من المرابطين ومنحهم الله النصر فهزموا الفرنج وقتلوهم حتى لم يفلت منهم إلا القليل ثم شد سير بن أبي بكر في الحصار والتضييق على إشبيلية حتى اقتحمها عنوة وقبض على المعتمد وجماعة من أهل بيته فقيدهم وحملهم في السفين بنهر إشبيلية وبعث بهم إلى أمير المسلمين بمراكش فأمر أمير المسلمين بإرسال المعتمد إلى مدينة أغمات فسجن بها واستمر في السجن إلى أن مات به لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وكان دخول سير بن أبي بكر مدينة إشبيلية يوم الأحد الثاني والعشرين من رجب سنة أربع وثمانين وأربعمائة ثم ملك المرابطون بعد ذلك ما بقي من بلاد الأندلس إلى أن خلصت لهم ولم يبق لملوك الطوائف بها ذكر وهذه الأخبار نقلناها عن ابن أبي زرع ممزوجة باليسير من كلام غيره واعتمدنا كلامه لأنه موضوع بالقصد الأول لأحبار المغرب فيكون أعنى به من غيره وفي تاريخ ابن خلدون بعض مخالفة لما مر قال أجاز يوسف بن تاشفين البحر إلى الأندلس الجواز الثاني سنة ست وثمانين وأربعمائة وتثاقل أمراء الطوائف عن لقائه لما أحسوا من نكيره عليهم لما يسمون به رعاياهم من الظلامات والمكوس وتلاحق المغارم فوجد عليهم وعهد برفع المكوس وتحرى المعدلة وقال أيضا إن الفقهاء بالأندلس طلبوا من يوسف بن تاشفين رفع المكوس والظلامات عنهم فتقدم بذلك إلى ملوك الطوائف فأجابوه بالامتثال حتى إذا رجع عن بلادهم رجعوا إلى حالهم فلما أجاز ثانية انقبضوا عنه إلا ابن عباد فإنه بادر إلى لقائه وأغراه بالكثير منهم فتقبض على ابن رشيق البناء وأمكن ابن عباد منه للعداوة التي بينهما وبعث جيشا إلى المرية ففر عنها صاحبها ابن صمادح ونزل بجاية من أرض إفريقية وتوافق ملوك الطوائف على قطع المدد عن عساكر أمير المسلمين ومحلاته فساء نظره وأفتاه الفقهاء وأهل الشورى من المغرب والأندلس بخلعهم وانتزاع الأمر من أيديهم وسارت إليه بذلك فتاوى أهل المشرق الأعلام مثل الغزالي والطرطوشي وغيرهما فعمد إلى غرناطة واستنزل صاحبها عبد الله بن بلكين وأخاه تميما عن مالقة بعد أن كان منهما مداخلة للطاغية في عداوة يوسف بن تاشفين وبعث بهما إلى المغرب فخاف ابن عباد عند ذلك منه وانقبض عن لقائه وفشت السعايات بينهم ونهض أمير المسلمين إلى سبتة فاستقر بها وعقد للأمير سير بن أبي بكر على الأندلس وأجازه فانتهى إليها وقعد ابن عباد عن تلقيه وميرته فأحفظه ذلك وطالبه بالطاعة لأمير المسلمين والنزول عن الأمر ففسد ذات بينهما ثم غلبه على جميع عمله ثم صمد إلى إشبيلية فحاصره بها واستنجد الطاغية فعمد إلى استنقاذه من هذا الحصار فلم يغن عنه شيئا وكان دفاع لمتونة مما فت في عضده واقتحم المرابطون إشبيلية عنوة سنة أربع وثمانين وأربعمائة وتقبض سير على المعتمد وقاده أسيرا إلى مراكش فلم يزل في اعتقال يوسف بن تاشفين إلى أن هلك في محبسه من أغمات سنة تسعين وأربعمائة ثم عمد إلى بطليوس وتقبض على صاحبها عمر بن الأفطس فقتله وابنيه يوم الأضحى سنة تسع وثمانين وأربعمائة بما صح عنده من مداخلتهم الطاغية وأن يملكه مدينة بطليوس ورثاهم ألأديب أبو محمد عبد المجيد بن عبدون بقصيدته المشهورة التي يقول في أولها ( الدهر يفجع بعد العين بالأثر % فما البكاء على الأشباح والصور ) وهي قصيدة غريبة في منوالها وموضوعها عدد فيها أهل النكبات ومن عثر به الزمان بما يبكي منه الجماد وتستشرف لسماعه الأنجاد والوهاد ثم أجاز يوسف بن تاشفين الجواز الثالث إلى الأندلس سنة تسعين وأربعمائة وزحف إليه الطاغية فبعث أمير المسلمين عساكر المرابطين لنظر محمد بن الحاج اللمتوني فانهزم النصارى أمامه وكان الظهور للمسلمين ثم أجاز الأمير يحيى بن أبي بكر بن يوسف بن تاشفين سنة ثلاث وتسعين وانضم إليه محمد بن الحاج وسير بن أبي بكر فافتتحوا عامة الأندلس من أيدي ملوك الطوائف ولم يبق منها إلا سرقسطة في يد المستعين بن هود معتصما بالنصارى وأغزى الأمير مزدلي صاحب بلنسية إلى بلاد برشلونة فأثخن فيها وبلغ إلى حيث لم يبلغ أحد قبله ورجع وانتظمت بلاد الأندلس في ملكة يوسف بن تاشفين وانقرض ملك الطوائف منها أجمع كان لم يكن واستولى أمير المسلمين على العدوتين معا واتصلت هزائم المرابطين على الفرنج مرارا والله غالب على أمره فهذا كلام ابن خلدون في سياقه هذه الأخبار واعلم أنه قد يوجد هنا لبعض المؤرخين حط من رتبة أمير المسلمين وغض عليه إما في كونه كان بربريا من أهل الصحراء بعيدا عن مناحي الملك والأدب ورقة الحاشية وإما في كونه تحامل على ملوك الأندلس حتى فعل بهم ما فعل وذلك حين عاين حسن بلادهم ورفاهية عيشهم واعلم أن هذا الكلام جدير بالرد وأصله من بعض أدباء الأندلس الذين كانوا ينادمون ملوكها ويستظلون بظلهم ويغدون ويروحون في نعمتهم فحين فعل أمير المسلمين بسادتهم ورؤسائهم ما فعل أخذهم من ذلك ما يأخذ النفوس البشرية من الذب عن الصديق والمحاماة عن القريب حتى باللسان وإلا فقد كان أمير المسلمين رحمه الله من الدين والورع على ما قد علمت ومن ركوب الجادة وتحري طريق الحق على الوصف الذي سمعت وهذا ابن خلدون إمام الفن ومتحري الصدق قد نقل أن ملوك الأندلس كانوا يظلمون رعاياهم بضرب المكوس وغيرها ثم وصلوا أيديهم بالطاغية وبذلوا له الأموال في مظاهرته إياهم على أمير المسلمين ثم لم يقدم على قتالهم واستنزالهم عن سرير ملكهم حتى تعددت لديه فتاوى الأئمة الأعلام من أهل المشرق والمغرب بذلك فافهم هذا واعرفه والله تعالى يقابل الجميع بالعفو والصفح الجميل بمنه وكرمه
بقية أخبار أمير المسلمين يوسف بن تاشفين سوى ما تقدم
قال ابن خلكان كان أمير المسلمين يوسف بن تاشفين حازما سائسا للأمور ضابطا لمصالح مملكته مؤثرا لأهل العلم والدين كثير المشورة لهم قال وبلغني أن الإمام حجة الإسلام أبا حامد الغزالي رحمه الله لما سمع ما هو عليه من الأوصاف الحميدة وميله إلى أهل العلم عزم إلى التوجه إليه فوصل إلى الإسكندرية وشرع في تجهيز ما يحتاج إليه فجاء إليه الخبر بوفاته فرجع عن ذلك العزم قال وكنت وقفت على هذا الفصل في بعض الكتب وقد ذهب عني في هذا الوقت من أين وجدته وكان أمير المسلمين يوسف معتدل القامة أسمر اللون نحيف الجسم خفيف العارضين دقيق الصوت وكان يخطب لبني العباس وهو أول من تسمى بأمير المسلمين ولم يزل على حاله وعزه وسلطانه إلى أن توفي يوم الاثنين لثلاث خلون من المحرم سنة خمسمائة وعاش سبعين سنة ملك منها مدة خمسين سنة رحمه الله وقال ابن خلدون تسمى يوسف بن تاشفين بأمير المسلمين وخاطب الخليفة لعهده ببغداد وهو أبو العباس أحمد المستظهر بالله العباسي وبعث إليه عبد الله بن محمد بن العربي المعافري الإشبيلي وولده القاضي أبا بكر بن العربي الإمام المشهور فتلطفا في القول وأحسنا في الإبلاغ وطلبا من الخليفة أن يعقد لأمير المسلمين بالمغرب والأندلس فعقد له وتضمن ذلك مكتوب من الخليفة منقول في أيدي الناس وانقلبا إليه بتقليد الخليفة وعهده على ما إلى نظره من الأقطار والأقاليم وخاطبه الإمام الغزالي والقاضي أبو بكر الطرطوشي يحضانه على العدل والتمسك بالخير ثم أجاز يوسف بن تاشفين الجواز الرابع إلى الأندلس سنة سبع وتسعين وأربعمائة اه كلام ابن خلدون وإنما احتاج أمير المسلمين إلى التقليد من الخليفة المستظهر بالله مع أنه كان بعيدا عنه وأقوى شوكته منه لتكون ولايته مستندة إلى الشرع وهذا من ورعه رحمه الله وإنما تسمى بأمير المسلمين دون أمير المؤمنين أدبا مع الخليفة حتى لا يشاركه في لقبه لأن لقب أمير المؤمنين خاص بالخليفة والخليفة من قريش كما في الحديث فافهم ومن أخبار يوسف بن تاشفين أيضا ما نقله غير واحد من الأئمة أن أمير المسلمين طلب من أهل البلاد المغربية والأندلسية المعاونة بشيء من المال على ما هو بصدده من الجهاد وأنه كاتب إلى قاضي المرية أبي عبد الله محمد بن يحيى عرف بابن البراء يأمره بفرض معونة المرية ويرسل بها إليه فامتنع محمد بن يحيى من فرضها وكتب إليه يخبره بأنه لا يجوز له ذلك فأجابه أمير المسلمين بأن القضاة عندي والفقهاء قد أباحوا فرضها وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد فرضها في زمانه فراجعه القاضي عن ذلك بكتاب يقول فيه الحمد لله الذي إليه مآبنا وعليه حسابنا وبعد فقد بلغني ما ذكره أمير المسلمين من اقتضاء المعونة وتأخري عن ذلك وإن أبا الوليد الباجي وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة والأندلس أفتوه بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اقتضاها فالقضاة والفقهاء إلى النار دون زبانية فإن كان عمر اقتضاها فقد كان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيره وضجيعه في قبره ولا يشك في عدله وليس أمير المسلمين بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بوزيره ولا بضجيعه في قبره ولا ممن لا يشك في عدله فإن كان القضاة والفقهاء أنزلوك منزلته في العدل فالله تعالى سائلهم وحسيبهم عن تقلدهم فيك وما اقتضاها عمر رضي الله عنه حتى دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر من كان معه من الصحابة رضي الله عنهم وحلف أن ليس عنده في بيت مال المسلمين درهم واحد ينفقه عليهم فليدخل أمير المسلمين المسجد الجامع بحضرة من هناك من أهل العلم وليحلف أن ليس عنده في بيت مال المسلمين درهم ينفقه عليهم وحينئذ تجب معونته والله تعالى على ذلك كله والسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته فلما بلغ كتابه إلى أمير المسلمين وعظه الله بقوله ولم يعد عليه في ذلك قولا والأعمال بالنيات وكان أمير المسلمين حين ورد عليه التقليد من الخليفة ضرب السكة باسمه ونقش على الدينار لا إله إلا الله محمد رسول الله وتحت ذلك أمير المسلمين يوسف بن تاشفين وكتب على الدائرة @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين @QE@ وكتب على الصفحة الأخرى عبد الله أحمد أمير المؤمنين العباسي وعلى الدائرة تاريخ ضربه وموضع سكته وكان ملكه قد انتهى إلى مدينة أفراغه من قاصية شرق الأندلس وإلى مدينة أشبونة على البحر المحيط من بحر الأندلس وذلك مسيرة ثلاثة وثلاثين يوما طولا وفي العرض ما يقرب من ذلك وملك بعدوة المغرب من جزائر بني مذغنة إلى طنجة إلى آخر السوس الأقصى إلى جبال الذهب من بلاد السودان ولم ير في بلد من بلاده ولا عمل من أعماله على طول أيامه رسم مكس ولا خراج لا في حاضرة ولا في بادية إلا ما أمر الله به وأوجبه حكم الكتاب والسنة من الزكوات والأعشار وجزيات أهل الذمة وأخماس الغنائم وقد جبى في ذلك من الأموال على وجهها ما لم يجيبه أحد قبله يقال إنه وجد في بيت ماله بعد وفاته ثلاثة عشر ألف ربع من الورق وخمسة آلاف وأربعون ربعا من مطبوع الذهب وكان رحمه الله زاهدا في زينة الدنيا وزهرتها ورعا متقشفا لباسه الصوف لم يلبس قط غيره ومأكله الشعير ولحوم الإبل وألبانها مقتصرا على ذلك لم ينقل عنه مدة عمره على ما منحه الله من سعة الملك وخوله من نعمة الدنيا وقد رد أحكام البلاد إلى القضاة وأسقط ما دون الأحكام الشرعية وكان يسير في أعماله بنفسه فيتفقد أحوال الرعية في كل سنة وكان محبا للفقهاء وأهل العلم والفضل مكرما لهم صادرا عن رأيهم يجري عليهم أرزاقهم من بيت المال وكان مع ذلك حسن الأخلاق متواضعا كثير الحياء جامعا لخصال الخير رحمه الله تعالى ورضي عنه
الخبر عن دولة أمير المسلمين أبي الحسن علي بن يوسف بن تاشفين اللمتوني
لما توفى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في التاريخ المتقدم بايع الناس ابنه علي بن يوسف المذكور بمراكش بعهد من أبيه إليه وتسمى بأمير المسلمين وكان سنه يوم بويع ثلاثا وعشرين سنة وملك من البلاد ما لم يملكه أبوه لأنه صادف البلاد ساكنة والأموال وافرة والرعايا آمنة بانقطاع الثوار واجتماع الكلمة وسلك طريقه أبيه في جميع أموره واهتدى بهديه
خروج يحيى بن أبي بكر بن يوسف بن تاشفين على عمه أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين
لما توفي أمير المسلمين يوسف بن تاشفين سجاه ابنه علي بن يوسف بثوبه وخرج إلى المرابطين ويده في يد أخيه أبي الطاهر تميم بن يوسف فبايعه ثم قال للمرابطين قوموا فبايعوا أمير المسلمين فبايعه جميع من حضر من لمتونة وسائر قبائل صنهاجة وبايعه الفقهاء وأشياخ القبائل فتمت له البيعة بمراكش ثم كتب إلى سائر بلاد المغرب والأندلس وبلاد القبلة يعلمهم بوفاة أبيه واستخلافه من بعده ويأمرهم بالبيعة فأتته البيعة من جميع البلاد وأقبلت نحوه الوفود للتعزية والتهنئة إلا أهل مدينة فاس فإن ابن أخيه يحيى بن أبي بكر بن يوسف كان أميرا عليها من قبل جده يوسف فلما انتهى إليه الخبر بموت جده وولاية عمه عظم عليه ذلك وأنف من مبايعة عمه فخرج عليه ووافقه على ذلك جماعة من قواد لمتونة فزحف إليه علي بن يوسف من مراكش حتى إذا دنا من فاس خاف يحيى بن أبي بكر على نفسه وعلم أنه لا طاقة له بحرب عمه فأسلم فاسا لعمه وخرج منها خائفا يترقب فدخلها علي بن يوسف يوم الأربعاء الثامن من ربيع الآخر سنة خمسمائة واستقام له الأمر وقيل إن علي بن يوسف لما دنا من فاس نزل بمدينة مغيلة من أحوازها ثم كتب إلى ابن أخيه يعاتبه على ما ارتكبه من الخلاف ويدعوه إلى الدخول في الطاعة كما دخل الناس وكتب كتابا آخر إلى أشياخ البلد يدعوهم فيه إلى بيعته ويتوعدهم فلما وصل الكتاب إلى يحيى وقرأه جمع أهل البلد واستشارهم في المقاتلة والحصار فلم يوافقوه فلما يئس منهم خرج فارا إلى مزدلي بن تيلكان وكان عاملا على تلمسان فلقيه مزدلي بوادي ملوية مقبلا برسم البيعة لعلي بن يوسف فأعلمه يحيى بما كان من شأنه فضمن له مزدلي عن عمه العفو والصفح فرجع معه حتى إذا وصلا إلى فاس دخل مزدلي على أمير المسلمين علي بن يوسف ونزل يحيى مستخفيا بحومة وادي شردوع ولما اجتمع مزدلي بأمير المسلمين وسلم عليه ورأى منه إكراما وقبولا أعلمه بخبر يحيى وما ضمن له من العفو فأجابه إلى ذلك وعفا عنه وأمنه ثم جاء يحيى فبايعه وخيره أمير المسلمين بين أن يسكن بجزيرة ميروقة بشرق الأندلس أو ينصرف إلى بلاد الصحراء فاختار الصحراء فانصرف إليها ثم سافر منها إلى الحجاز فحج البيت ورجع إلى عمه فاستأذنه أن يكون في جملته ويكون سكناه معه بحضرة مراكش فأذن له في ذلك فسكنها مدة ثم اتهمه عمه بالتشغيب عليه فثقفه وبعث به إلى الجزيرة الخضراء فاستمر بها إلى أن مات
أخبار الولاة بالمغرب والأندلس
لما بويع أمير المسلمين علي بن يوسف عزل عن قرطبة الأمير أبا عبد الله محمد بن الحاج اللمتوني وولى مكانه القائد أبا عبد الله محمد بن أبي زلفى فغزا طليطلة وأوقع بالنصارى فقتلهم قتلا ذريعا بباب القنطرة أخذهم على غرة وفي سنة إحدى وخمسمائة عزل أمير المسلمين أخاه تميم بن يوسف بن تاشفين عن بلاد المغرب وولى مكانه أبا عبد الله بن الحاج فأقام واليا على فاس وسائر أعمال المغرب نحو ستة أشهر ثم عزله وولاه بلنسية وأعمالها من بلاد شرق الأندلس ولما عزل أمير المسلمين أخاه تميم بن يوسف عن بلاد المغرب ولاه غرناطة وأعمالها من بلاد الأندلس فكانت له على النصارى وقعة أفليج وذلك أنه خرج غازيا بلاد الفرنج سنة اثنتين وخمسمائة فنزل حصن أفليج وبه جمع عظيم من الفرنج فحاصرهم حتى اقتحم عليهم الحصن فأرز النصارى إلى القصبة فتحصنوا بها وانتهى خبرهم إلى الفنش فاستعد للخروج لإغاثتهم فأشارت عليه زوجته أن يبعث ولده عوضا منه لأن تميم بن يوسف ابن ملك المسلمين وسانجة ابن ملك النصارى فامتثل إشارتها وبعث ولده سانجة في جيش كثيف من زعماء الفرنج وأنجادهم فسار حتى إذا دنا من أفليج أخبر تميم بن يوسف بمقدمه فعزم على الإفراج عن الحصن وأن لا يلقى الفرنج فأشار عليه قواد لمتونة منهم عبد الله بن محمد ابن فاطمة ومحمد بن عائشة وغيرهم بالمقام وشجعوه وهونوا عليه أمرهم فقالوا إنما قدموا في ثلاثة آلاف فارس وبيننا وبينهم مسافة فرجع إلى رأيهم فلم يكن إلا عشي ذلك اليوم حتى وافتهم جيوش الفرنج في ألوف كثيرة فهم تميم بالفرار فلم يجد له سبيلا ثم صمم قواد لمتونة على مناجزة العدو وصمدوا إليه فكانت بينهم حرب عظيمة بعد العهد بمثلها فهزم الله تعالى العدو ونصر المسلمين وقتل ولد الفنش وقتل معه من الروم ثلاثة وعشرون ألفا ونيف ودخل المسلمون أفليج بالسيف عنوة واستشهد في هذه الوقعة جماعة من المسلمين رحمهم الله واتصل الخبر بالفنش فاغتم لقتل ولده وأخذ بلده وهلاك جنده فمرض ومات أسفا لعشرين يوما من الوقعة وكتب تميم بن يوسف إلى أمير المسلمين بالفتح واعلم أنه يقال في ملوك الجلالقة الذين نسميهم اليوم الإصبنيول الأذفونش ويقال الفنش فقال ابن خلكان الأذفونش بضم الهمزة وسكون الذال المعجمة وضم الفاء وسكون الواو بعدها نون ثم شين معجمة هو اسم لأكبر ملوك الإفرنج وهو صاحب طليطلة وقال ابن خلدون بنو أذفونش هم ولد أذفونش بن بطرة أول ملوك الجلالقة اه وأما قولهم الفنش فهو اسم علم لبعض ملوكهم وليس لقبا لجميعهم وكان محمد بن الحاج رحمه الله مدة مقامه ببلنسية قد ضيق على النصارى تضييقا فاحشا بالغارات والنهب فخرج في غزاة له ذات مرة فأخذ على طريق البرية فغنم وسبى وكان معه جماعة من قواد لمتونة فبعث بالمغنم على الطريق الكبير وأخذ هو على برية تقرب من بلاد المسلمين وكان أكثر الناس مع المغنم وكان طريق البرية الذي أخذ عليه محمد بن الحاج لا يسلك إلا على سرب واحد لصعوبته وشدة وعورته فلما توسطه محمد بن الحاج وأخذته الأوعار والمضايق من بين يديه ومن خلفه وجد النصارى قد كمنوا له في جهة من تلك الجهات فقاتلهم قتال من أيقن بالموت واغتنم الشهادة إذ لم يجد منفذا يخلص منه فاستشهد رحمه الله واستشهد معه جماعة من المتطوعة وتخلص منهم القائد محمد بن عائشة في نفر يسير بحيلة أعملها واتصل خبر الوقعة بأمير المسلمين فآسفه موت أبي عبد الله بن الحاج وولى مكانه أبا بكر بن إبراهيم بن تافلوت وهو ممدوح بن خفاجة ومخدوم أبي بكر بن باجة الحكيم المعروف بابن الصائغ وكان عاملا على مرسية فوصل إليه العهد بالولاية على بلنسية وطرطوشة وما والاهما وهو بمرسية ثم خرج بجيش مرسية إلى بلنسية فاجتمع إليه من كان بها من الجند ثم زحف بهم إلى برشلونة فنازلها وأقام عليها عشرين يوما فانتسف ما حولها وقطع ثمارها وخرب قراها فأتاه ابن رذمير من قرابة الأذفونش في جيوش كثيرة من حشود بسيط برشلونة وبلاد أربونة فكانت بينهم حرب عظيمة مات فيها خلق كثير من الفرنج واستشهد فيها من المسلمين نحو السبعمائة رحمهم الله تعالى
أخبار أمير المسلمين علي بن يوسف في الجهاد وجوازه الأول إلى بلاد الأندلس
لما دخلت سنة ثلاث وخمسمائة جاز أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين إلى الأندلس برسم الجهاد فعبر البحر من سبتة منتصف المحرم من السنة المذكورة في جيوش عظيمة تزيد على مائة ألف فارس فانتهى إلى قرطبة فأقام بها شهرا ثم خرج منها غازيا إلى مدينة طلايوت ففتحها عنوة بالسيف وفتح من أعمال طليطلة سبعة وعشرين حصنا وفتح مجريط ووادي الحجارة وانتهى إلى طليطلة فحاصرها شهرا وانتسف ما حولها وبالغ في النكاية ثم قفل إلى قرطبة بعد أن دوخ البلاد وفي سنة أربع وخمسمائة فتح الأمير سير بن أبي بكر شنترين وبطليوس ويابورة وبرتغال وأشبونة وغير ذلك من بلاد غرب الأندلس وكان ذلك في شهر ذي القعدة من السنة المذكورة وكتب بالفتح إلى أمير المسلمين وفي سنة سبع وخمسمائة توفي الأمير سير بن أبي بكر بإشبيلية ودفن بها وولي إشبيلية عوضا منه أبو عبد الله محمد بن فاطمة فلم يزل عليها إلى أن توفي سنة عشر وخمسمائة وفي سنة سبع المذكورة غزا الأمير مزدلي طليطلة وأعمالها فدوخها وفتح حصن أرجنة عنوة فقتل المقاتلة وسبى النساء والذرية واتصل الخبر بالبرهانس كبير الفرنج فأقبل لنصرتهم واستنقاذهم فصمد القائد مزدلي للقائه ففر أمامه ليلا وعاد مزدلي إلى قرطبة ظافرا غانما ثم كانت له في الفرنج وقائع أخرى إلى أن توفي رحمه الله غازيا ببلاد الفرنج سنة ثمان وخمسمائة فولى أمير المسلمين مكانه على قرطبة ابنه محمد بن مزدلي فأقام واليا عليها ثلاثة أشهر ثم توفي شهيدا في بعض غزواته أيضا
استيلاء العدو على سرقسطة
كانت سرقسطة وأعمالها من شرق الأندلس بيد بني هود الجذاميين تغلبوا عليها في صدر المائة الخامسة أيام الطوائف وتوارثوها إلى أن كان منهم أحمد بن يوسف الملقب بالمستعين بالله فزحف إليه ابن رذمير سنة ثلاث وخمسمائة فخرج إليه المستعين فالتقوا بظاهر سرقسطة فانهزم المسلمون واستشهد منهم جماعة منهم المستعين بن هود ثم لما كانت سنة اثنتي عشرة وصاحب سرقسطة يومئذ عبد الملك بن المستعين بن هود الملقب بعماد الدولة زحف ابن رذمير إليها وزحف الفنش أيضا في أمم من النصرانية إلى لاردة من بلاد الجوف فنازلها واتصل الخبر بأمير المسلمين فكتب إلى أمراء غرب الأندلس يأمرهم بالمسير إلى أخيه تميم بن يوسف وكان يومئذ واليا على شرق الأندلس فيسيرون معه لاستنقاذ سرقسطة ولاردة فقدم على تميم عبد الله بن مزدلي وأبو يحيى بن تاشفين صاحب قرطبة بعساكرهما فخرج تميم بن يوسف من بلنسية مع أمراء الأندلس فصمد نحو لاردة وكان بينه وبين الفنش قتال عظيم أزعجه عن لاردة خاسئا صاغرا بعد أن بذل جهده في حصارها وأفقد من جيوشه عليها ما يزيد على العشرة آلاف فارس ورجع تميم إلى بلنسية ولما رأى ابن رذمير ذلك بعث إلى طوائف الإفرنج يستصرخهم على سرقسطة فأتوا في أمم كالنمل حتى نازلها معه وشرعوا في القتال وصنعوا أبراجا من خشب تجري على بركات وقربوها منها ونصبوا فيها الرعادات ونصبوا عليها عشرين منجنيقا وقوي طمعهم فيها فاشتد الحصار واستمر حتى فنيت الأقوات وهلك أكثر الناس جوعا فراسل المسلمون الذين بها ابن رذمير على أن يرفع عنهم القتال إلى أجل فإن لم يأتيهم من ينصرهم أخلوا له البلد وأسلموه إليه فعاهدهم على ذلك فتم الأجل ولم يأتهم أحد فدفعوا إليه المدينة وخرجوا إلى مرسية وبلنسية وذلك سنة اثنتي عشرة وخمسمائة وبعد استيلاء النصارى عليها وصل من بر العدوة جيش فيه عشرة آلاف فارس بعثه أمير المسلمين لاستنقاذها فوجدوها قد فرغ منه ونفذ حكم الله فيها وفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة تغلب ابن رذمير على بلاد شرق الأندلس وملك قلعة أيوب التي ليس في بلاد شرق الأندلس أمنع منها وألح بالغارات على بلاد الجوف فاتصلت هذه الأخبار بأمير المسلمين وهو بمراكش فجاز إلى الأندلس برسم الجهاد وضبط الثغور وهو جوازه الثاني فجاز معه خلق كثير من المرابطين والمتطوعة من العرب وزناتة والمصامدة وسائر قبائل البربر فوصل بجيوشه إلى قرطبة ونزل خارجها وأتته وفود الأندلس للسلام عليه فسألهم عن أحوال بلادهم وثغورهم بلدا بلدا فعرفوه بما كان وعزل القاضي أبا الوليد بن رشد عن قضاء قرطبة وولى مكانه أبا القاسم بن حمدين ويقال إنما عزل ابن رشد لأنه استعفاه وكان قد اشتغل بتأليف البيان والتحصيل ثم سار أمير المسلمين حتى نزل على مدينة شنتمرية ففتحها عنوة وسار في بلاد الفرنج يقتل ويسبي ويقطع الثمار ويخرب القرى والديار حتى دوخ بلاد غرب الأندلس وفر أمامه الفرنج وتحصنوا بالمعاقل المنيعة وفي سنة خمس عشرة وخمسمائة عاد أمير المسلمين إلى بلاد العدوة بعد أن ولى أخاه تميم بن يوسف على جميع بلاد الأندلس فلم يزل عليها إلى أن توفي سنة عشرين وخمسمائة
ولاية الأمير تاشفين بن علي بن يوسف على بلاد الأندلس وأخباره في الجهاد
لما توفي الأمير تميم بن يوسف في التاريخ المتقدم ولى أمير المسلمين على بلاد الأندلس ابنه تاشفين بن علي بن يوسف ما عدا الجزائر الشرقية فإنه قد عقد عليها لمحمد بن علي المسوفي المعروف بابن غانية فعبر الأمير تاشفين البحر إلى الأندلس في خمسة آلاف من الجند وبعث إلى أجناد البلاد فأتوه فخرج بهم غازيا طليطلة ففتح بعض حصونها بالسيف وانتسف ما حولها وفي السنة المذكورة أعني سنة عشرين وخمسمائة هزم الأمير تاشفين النصارى بفحص الصباب وقتلهم قتلا ذريعا وفتح ثلاثين حصنا من حصون غرب الأندلس وكتب بالفتح إلى أبيه وفي سنة ثلاثين وخمسمائة هزم الأمير تاشفين جموع الفرنج بفحص عطية وأفنى منهم خلقا كثيرا بالسيف وفي سنة إحدى وثلاثين بعدها دخل الأمير تاشفين مدينة كركى بالسيف فلم يبق بها بشرا وفي سنة إثنتين وثلاثين بعدها جاز الأمير تاشفين من الأندلس إلى المغرب بعد أن غزا مدينة أشكونية ففتحها عنوة وحمل معه من سبيها إلى العدوة ستة آلاف سبية فانتهى إلى مراكش وخرج أمير المسلمين للقائه في زي عظيم وسرور كبير وفي سنة ثلاث وثلاثين بعدها أخذ أمير المسلمين البيعة لولده تاشفين وفي سنة سبع وثلاثين وخمسمائة كانت وفاة أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين اللمتوني رحمه الله وذلك لسبع خلون من رجب من السنة المذكورة قال ابن خلكان كان أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين رجلا حليما وقورا صالحا عادلا منقادا إلى الحق والعلماء تجبى إليه الأموال من البلاد ولم يزعزعه عن سريره قط حادث ولا طاف به مكروه قلت قد طاف به في آخر دولته أعظم مكروه وذلك محمد بن تومرت النابغ تحت إبطه بحبال المصامدة كما يأتي خبره إن شاء الله
الخبر عن دولة أبي المعز تاشفين بن علي بن يوسف ابن تاشفين اللمتوني
لما توفي أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين في التاريخ المتقدم ولي بعده ابنه أبو المعز تاشفين بن علي بعهد من أبيه إليه وأخذ بطاعته وبيعته أهل العدوتين معا كما كانوا في عهد أبيه وكان أمر عبد المؤمن بن علي يومئذ قد استفحل بتينملل وسائر بلاد المصامدة أهل جبل درن قال ابن الخطيب كان تاشفين بن علي قد استخلفه أبوه على بلاد الأندلس ثم استقدمه لمدافعة أصحاب محمد بن تومرت مهدي الموحدين فلم ينجح أمره بخلاف ما عوده الله في بلاد الأندلس من النصر لما قضاه الله من الإدبار على دولتهم ولما خرج عبد المؤمن بن علي من تينملل يريد فتح بلاد المغرب وكان مسيره على طريق الجبال سير أمير المسلمين علي بن يوسف ابنه تاشفين المذكور معارضا له على طريق السهل وأقاموا على ذلك مدة توفي أمير المسلمين علي بن يوسف في أثنائها وأفضى الأمر إلى ابنه تاشفين وهو في الحرب وقدم أهل مراكش إسحاق بن علي بن تاشفين نائبا عن أخيه تاشفين بمراكش وأعمالها ومضى تاشفين بعد البيعة له متبعا لعبد المؤمن حتى انتهيا تلمسان فنزل عبد المؤمن بكهف الضحاك بين الصخرتين من جبل تيطرى المطل عليها ونزل تاشفين بالبسيط مما يلي الصفصاف ووصله هناك مدد صنهاجة من قبل يحيى بن العزيز صاحب بجاية مع قائده طاهر بن كباب لعصبية الصنهاجية وفي يوم وصوله أشرف على عسكر الموحدين وكان يدل بإقدام وشجاعة فقال لجيش لمتونة إنما جئتكم لأخلصكم من صاحبكم عبد المؤمن هذا وأرجع إلى قومي فامتعض تاشفين لكلمته وأذن له في المناجزة فحمل على القوم فركبوا وصمموا للقائه فكان آخر العهد به وبعسكره وكان الموحدون قد قتلوا قبل ذلك الروبرتير قائد تاشفين على الروم وقتلوا عسكره في بعض الغارات ثم فتكوا بعسكر ثالث من عساكر تاشفين ونالوا منه أعظم النيل وفي القرطاس زحف المرابطون لقتال الموحدين فنهاهم تاشفين فلم ينتهوا وتعلقوا في الجبل لقتالهم فهبط عليهم الموحدون فهزموهم هزيمة شنعاء ولما توالت هذه الوقائع على تاشفين أجمع الرحلة إلى وهران فبعث ابنه إبراهيم ولي عهده إلى مراكش في جماعة من لمتونة وبعث كاتبا معه أحمد بن عطية ورحل هو إلى وهران سنة تسع وثلاثين وخمسمائة فأقام عليها شهرا ينتظر قائد أسطوله محمد بن ميمون إلى أن وصل إليه من المرية بعشرة أساطيل فأرسى قريبا من معسكره وزحف عبد المؤمن من تلمسان وبعث في مقدمته الشيخ أبا حفص عمر بن يحيى فقدموا وهران وفضوا جموع المرابطين الذين بها ولجأ تاشفين إلى رابية هناك فأحدقوا بها وأضرموا النيران حولها حتى إذا غشيهم الليل خرج تاشفين من الحصن راكبا على فرسه فتردى من بعض حافات الجبل وهلك لسبع وعشرين من رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ونجا فل العسكر إلى وهران فانحصروا مع أهلها حتى جهدهم العطش ونزلوا جميعا على حكم عبد المؤمن يوم عيد الفطر من السنة المذكورة فأتى عليهم القتل رحمهم الله وقال في القرطاس إن تاشفين بن علي خرج ذات ليلة وهو بوهران ليضرب في محلة الموحدين فتكاثرت عليه الخيل والرجل ففر أمامهم وكان بجبل عال مشرف على البحر فظن أن الأرض متصلة به فأهوى من شاهق بإزاء رابطة وهران فمات رحمه الله وكان ذلك في ليلة مظلمة ممطرة وهي ليلة السابع والعشرين من رمضان من السنة المذكورة آنفا فوجد من الغد بإزاء البحر ميتا فاحتز رأسه وحمل إلى تينملل فعلق على شجرة هناك وذلك بعد ملازمة الحرب مع الموحدين في البيداء لم يأو إلى ظل قط من يوم بويع إلى أن مات وكانت مدة ولايته سنتين وشهرا ونصف شهر وقال ابن خلكان لما تيقن تاشفين بن علي أن دولتهم ستزول أتى مدينة وهران وهي على البحر وقصد أن يجعلها مقره فإن غلب على الأمر ركب منها إلى الأندلس وكان في ظاهر وهران ربوة على البحر تسمى صلب الكلب وبأعلاها رباط يأوي إليه المتعبدون وفي ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة صعد تاشفين إلى ذلك الرباط ليحضر الختم في جماعة يسيرة من خواصه وكان عبد المؤمن بجمعه في تاكرارت وهي وطنه واتفق أنه أرسل منسرا من الخيل إلى وهران فوصلوها في اليوم السادس والعشرين من رمضان ومقدمهم الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى صاحب المهدي فكمنوا عشية وأعلموا بانفراد تاشفين في ذلك الرباط فقصدوه وأحاطوا به وأحرقوا بابه فأيقن الذين فيه بالهلاك فخرج راكبا فرسه وشد الركض عليه ليثب الفرس النار وينجو فترامى الفرس نازيا لروعته ولم يملكه اللجام حتى تردى من جرف هنالك إلى جهة البحر على حجارة في محل وعر فتكسر الفرس وهلك تاشفين في الوقت وقتل الخواص الذين كانوا معه وكان عسكره في ناحية أخرى لا علم لهم بما جرى في ذلك الليل وجاء الخبر بذلك إلى عبد المؤمن فوصل إلى وهران وسمي ذلك الموضع الذي فيه الرباط صلب الفتح ومن ذلك الوقت نزل عبد المؤمن من الجبل إلى السهل ثم توجه إلى تلمسان وهي مدينتان قديمة وحادثة بينهما شوط فرس ثم توجه إلى فاس فحاصرها واستولى عليها سنة أربعين وخمسمائة ثم قصد مراكش سنة إحدى وأربعين بعدها فحاصرها أحد عشر شهرا وفيها إسحاق بن علي بن يوسف بن تاشفين وجماعة من مشايخ دولتهم فقدموه بعد موت أبيه علي بن يوسف نائبا عن أخيه تاشفين فاستولى عليها وقد بلغ القحط من أهلها كل مبلغ وأخرج إليه إسحاق بن علي ومعه سير بن الحاج وكان من الشجعان ومن خواص دولتهم وكانا مكتوفين وإسحاق دون بلوغ فعزم عبد المؤمن أن يعفو عن إسحاق لصغر سنه فلم يوافقه خواصه وكان لا يخالفهم فخلى بينهم وبينهما فقتلوهما ثم نزل عبد المؤمن القصر وذلك سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة وقال ابن خلدون أقام الموحدون على مراكش تسعة اشهر وأمير الملثمين يومئذ إسحاق بن علي بن يوسف بايعوه صبيا صغيرا عند بلوغ خبر أخيه ولما طال عليهم الحصار وجهدهم الجوع برزوا إلى مدافعة الموحدين فانهزموا وتتبعهم الموحدون بالقتل واقتحموا عليهم المدينة في أخريات شوال سنة إحدى وأربعين وخمسمائة وقتل عامة الملثمين ونجا إسحاق في جملته وأعيان قومه إلى القصبة حتى نزلو ا على حكم الموحدين وأحضر إسحاق بين يدي عبد المؤمن فقتله الموحدون بأيديهم وتولى كبر ذلك أبو حفص عمر بن واكاك منهم وانمحى أثر الملثمين واستولى الموحدون على البلاد والله غالب على أمره قال ابن جنون كانت لمتونة أهل ديانة وصدق ونية خالصة وصحة مذهب ملكوا بالأندلس من بلاد الإفرنج إلى البحر الغربي المحيط ومن بلاد العدوة من مدينة بجاية إلى جبل الذهب من بلاد السودان وخطب لهم على أزيد من ألفي منبر بالتثنية وكانت أيامهم أيام دعة ورفاهية ورخاء متصل وعافية وأمن تناهى القمح في أيامهم إلى أن بيع أربعة أوسق بنصف مثقال وبيعت الثمار ثمانية أوسق بنصف مثقال والقطاني لا تباع ولا تشترى وكان ذلك مصحوبا بطول أيامهم ولم يكن في عمل من أعمالهم خراج ولا معونة ولا تسقيط ولا وظيف من الوظائف المخزونية حاشا الزكاة والعشر وكثرت الخيرات في دولتهم وعمرت البلاد ووقعت الغبطة ولم يكن في أيامهم نفاق ولا قطاع طريق ولا من يقوم عليهم وأحبهم الناس إلى أن خرج عليهم محمد بن تومرت مهدي الموحدين سنة خمس عشرة وخمسمائة وأما الأحداث الواقعة في أيامهم ففي شهر ذي الحجة من سنة سبع وستين وأربعمائة ظهر النجم المعكف بالمغرب وفي سنة إحدى وسبعين وأربعمائة كسفت الشمس الكسوف الكلي الذي لم يعهد قبله مثله وكان ذلك يوم الاثنين عند الزوال في اليوم الثامن والعشرين من الشهر وفي سنة اثنين وسبعين بعدها كانت الزلزلة العظيمة التي لم ير الناس مثلها بالمغرب انهرمت منها الأبنية ووقعت الصوامع والمنارات ومات فيهاخلق كثير تحت الهدم ولم تزل الزلزلة تتعاقب في كل يوم وليلة من أول يوم ربيع الأول إلى آخر يوم من جمادى الآخرة من السنة المذكورة وفي سنة أربع وسبعين وأربعمائة ولد الفقيه القاضي أبو عبد الله محمد بن الأصبغ المعروف بابن المناصف صاحب الأرجوزة وفي سنة سبع وتسعين وأربعمائة توفي الفقيه الحافظ أبو عبد الله محمد بن الطلاع وفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة توفي أبو الفضل يوسف بن محمد بن يوسف المعروف بابن النحوي بقلعة حماد صحب أبا الحسن اللخمي وغيره من المشايخ وكان أبو الفضل من أهل العلم والدين على هدي السلف الصالح وكان مجاب الدعوة ولما أفتى فقهاء المغرب بإحراق كتب الشيخ أبي حامد الغزالي رضي الله عنه وأمر أمير المسلمين علي بن يوسف بحرقها انتصر أبو الفضل هذا لأبي حامد رحمه الله وكتب إلى أمير المسلمين في ذلك وحدث صاحب التشوف وهو أبو يعقوب يوسف بن يحيى التدالي المراكشي الدار عرف بابن الزيات بسنده عن أبي الحسن علي بن حرزهم قال لما وصل إلى فاس كتاب أمير المسلمين علي بن يوسف بالتحريج على كتاب الإحياء وأن يحلف الناس بالأيمان المغلظة أن كتاب الإحياء ليس عندهم ذهبت إلى أبي الفضل أستفتيه في تلك الأيمان فأفتى بأنها لا تلزم وكانت إلى جنبه أسفار فقال لي هذه الأسفار من كتاب الأحياء وددت أني لم أنظر في عمري سواها وكان أبو الفضل قد انسخ كتاب الإحياء في ثلاثين جزءا فإذا دخل شهر رمضان قرأ في كل يوم جزءا ومناقبه كثيرة رحمه الله قلت لم يقع في دولة المرابطين أشنع من هذه النازلة وهي إحراق كتاب الإحياء فإنه لما وصلت نسخة إلى بلاد المغرب تصفحها جماعة من فقهائه مهم القاضي أبو القاسم بن حمدين فانتقدوا فيها أشياء على الشيخ أبي حامد رضي الله عنه وأعلموا السلطان بأمرها وأفتوه بأنها يجب إحراقها ولا تجوز قراءتها بحال وكان علي بن يوسف واقفا كأبيه عند إشارة الفقهاء وأهل العلم قد رد جميع الأحكام إليهم فلما أفتوه بإحراق كتاب الإحياء كتب إلى أهل مملكته في سائر الأمصار والأقطار بأن يبحث عن نسخ الإحياء بحثا أكيدا ويحرق ما عثر عليه منها فجمع من نسخها عدد كثير ببلاد الأندلس ووضعت بصحن جامع قرطبة وصب عليها الزيت ثم أوقد عليها بالنار وكذا فعل بما ألفى من نسخها بمراكش وتوالى الإحراق عليها في سائر بلاد المغرب ويقال إن ذلك كان في حياة الشيخ أبي حامد رحمه الله وأنه دعا بسبب ذلك على المرابطين أن يمزق ملكهم فاستجيب له فيهم فإن كان كذلك فتاريخ الإحراق يكون فيما بين الخمسمائة والخمس بعدها لأن بيعة علي بن يوسف كانت على رأس الخمسمائة ووفاة الشيخ أبي حامد الغزالي رضي الله عنه كانت يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة وفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة توفي الشيخ الفقيه أبو العباس أحمد بن محمد بن موسى بن عطاء الله الصنهاجي المعروف بابن العريف كان متناهيا في الفضل والدين والزهد في الدنيا منقطعا إلى الخير يقصده الناس ويألفونه فيحمدون صحبته وسعى به إلى أمير المسلمين علي بن يوسف فأمر بإشخاصه إلى حضرة مراكش فوصلها وتوفي بها ليلة الجمعة الثالث والعشرين من صفر من السنة المذكورة واحتفل الناس لجنازته وندم أمير المسلمين على ما كان منه له في حياته وظهرت له كرامات رحمه الله ودفن بقرب الجامع القديم الذي بوسط مراكش في روضة القاضي موسى بن أحمد الصنهاجي قلت وقبره الآن مشهور بسوق العطارين من مراكش عليه بناء حفيل وفي هذه السنة أيضا أعني سنة ست وثلاثين وخمسمائة توفي أبو الحكم بن برجان قال ابن خلكان هو أبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن اللخمي عرف بابن برجان بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء وبعدها جيم وبعد الألف نون وكان عبدا صالحا وله تفسير القرآن الكريم وأكثر كلامه فيه على طريق أرباب الأحوال والمقامات وقال في التشوف لما أشخص أبو الحكم بن برجان من قرطبة إلى حضرة مراكش وكان فقهاء العصر انتقدوا عليه مسائل قال أبو الحكم والله لا عشت ولا عاش الذي أشخصني بعد موتي يعني أمير المسلمين علي بن يوسف فمات أبو الحكم فأمر أمير المسلمين أن يطرح على المزبلة ولا يصلى عليه وقد فيه من تكلم فيه من الفقهاء وكان أبو الحسن علي بن حرزهم يومئذ بمراكش فدخل عليه رجل أسود كان يخدمه ويحضر مجلسه فأخبره بما أمر به السلطان في شأن أبي الحكم فقال له أبو الحسن إن كنت تبيع نفسك من الله فافعل ما أقوله لك فقال له مرني بما شئت أفعله فقال له تنادي في طرق مراكش واسواقها يقول لكم ابن حرزهم احضروا جنازة الشيخ الفقيه الصالح الزاهد أبي الحكم بن برجان ومن قدر على حضورها ولم يحضر فعليه لعنة الله ففعل ما أمره فبلغ ذلك أمير المسلمين فقال من عرف فضله ولم يحضر جنازته فعليه لعنة الله قال ابن عبد الملك في كتاب الذيل والتكملة أبو الحكم بن برجان مدفون بمراكش برحبة الحنطة منها قال وهو الذي تقول له العامة سيدي أبو الرجال وكان الشيخ أبو ينور المشترائي موجودا في هذه المدة إلا أني لم أقف على تاريخ وفاته قال في التشوف هو أبو ينور عبد الله بن واكريس الدكالي من مشتراية من أشياخ أبي شعيب أيوب السارية كبير الشأن من أهل الزهد والورع حدثوا عنه أنه مات أخوه فتزوج امرأته فقدمت إليه طعاما يأكله فوقع في نفسه أن فيه نصيب الأيتام الذين هم أولاد أخيه فأمسك عنه وبات طاويا وجاءه رجل من أشياخ مشتراية فقال له إن عامل علي بن يوسف تهددني بالقتل والصلب وقد خرج من مراكش متوجها إلى دكالة فقال له أبو ينور رده الله عنك فسار إلى أن بقي بينه وبين قرية يليسكاون وهي أمتي تسميها العامة بوسكاون نصف يوم فأصاب العامل وجع قضى عليه من حينه وفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ثار القاضي أبو القاسم بن حمدين بقرطبة مع العامة على المرابطين فقتلهم والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين
الدولة الموحدية
الخبر عن دولة الموحدين من المصامدة وقيامها على يد محمد بن تومرت المعروف بالمهدي
قال ابن خلدون كان للمصامدة في صدر الإسلام بجبال درن عدد وقوة وطاعة للدين ومخالفة لإخوانهم برغواطة في نحلة كفرهم وكان منهم قبل الإسلام ملوك وأمراء ولهم مع لمتونة ملوك المغرب حروب وفتن أيامهم حتى كان اجتماعهم على المهدي وقيامهم بدعوته فكانت لهم دولة عظيمة أدالت من لمتونة بالعدوتين ومن صنهاجة بإفريقية حسبما هو مشهور ويأتي ذكره إن شاء الله تعالى قال و أصل المهدي من هرغة من بطون المصامدة يسمى أبوه عبد الله وتومرت وكان يلقب في صغره أيضا أمغار غار وزعم كثير من المؤرخين أن نسبه في أهل البيت فبعضهم ينسبه سليمان بن عبد الله الكامل بن حسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب والله أعلم بحقيقة الأمر وكان أهل بيته أهل نسك ورباط وكانت ولادته على ما عند ابن خلكان يوم عاشوراء سنة خمس وثمانين وأربعمائة وشب المهدي قارئا محبا للعلم ثم ارتحل في طلبه إلى المشرق على رأس المائة الخامسة ومر بالأندلس ودخل قرطبة وهي يومئذ دار علم ثم لحق بالإسكندرية وحج ودخل العراق ولقي به جملة من العلماء وفحول النظار وأفاد علما واسعا وكان يحدث نفسه بالدولة لقومه على يده ولقي أبا حامد الغزالي وفاوضه بذات صدره في ذلك فأراده عليه قال ابن خلكان اجتمع محمد بن تومرت بأبي حامد الغزالي والكيا الهراسي والطرطوشي وغيرهم وحج وأقام بمكة مدة مديدة وحصل قدرا صالحا من علم الشريعة والحديث النبوي وأصول الفقه والدين وكان ورعا ناسكا متقشفا مخشوشنا مخلولقا كثير الإطراق بساما في وجوه الناس مقبلا على العبادة لا يصحبه من متاع الدنيا إلا عصا وركوة وكان شجاعا فصيحا في لسان العرب والبربر شديد الإنكار على الناس فيما يخالف الشرع لا يقنع في أمر الله بغير إظهاره وكان مطبوعا على الإلذاذ بذلك متحملا للأذى من الناس بسببه وناله بمكة شرفها الله شيء من المكروه من أجل ذلك فخرج منها إلى مصر وبالغ في الإنكار فزادوا في أذاه وطردته الولاة وكان إذا خاف من البطش وإيقاع الفعل به خلط في كلامه فينسب إلى الجنون فخرج من مصر إلى الإسكندرية وركب البحر متوجها إلى بلاده وكان قد رأى في منامه وهو في بلاد المشرق كأنه شرب ماء البحر جميعه كرتين فلما ركب السفينة شرع في تغيير المنكر على أهل السفينة وألزمهم إقامة الصلوات وقراءة أحزاب من القرآن العظيم ولم يزل على ذلك حتى انتهى إلى المهدية من أرض إفريقية وكان ملكها يومئذ يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي وذلك في سنة خمس وخمسمائة هكذا ذكره ابن أخيه أبو محمد عبد العزيز بن شداد بن تميم الصنهاجي في كتاب الجمع والبيان في أخبار القيروان وقيل إن ارتحال محمد بن تومرت عن بلاد المشرق كان سنة عشر وخمسمائة واجتيازه بمصر كان سنة إحدى عشرة بعدها والله أعلم بالصواب ولما انتهى إلى المهدية نزل بمسجد مغلق وهو على الطريق وجلس في طاق شارع إلى المحجة ينظر إلى المارة فلا يرى منكرا من آلة الملاهي أو أواني الخمر إلا نزل إليها وكسرها فتسامع الناس به في البلد فجاؤوا إليه وقرؤوا عليه كتبا من أصول الدين فبلغ خبره الأمير يحيى فاستدعاه جماعة من الفقهاء فلما رأى سمته وسمع كلامه أكرمه وأجله وسأله الدعاء فقال له أصلحك الله لرعيتك ولم يقم بعد ذلك بالمهدية إلا أياما يسيرة ثم انتقل إلى بجاية فأقام بها مدة وهو على حاله في الإنكار فأخرج منها إلى بعض قراها واسمها ملالة فوجد بها عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي وقال ابن خلدون انطوى المهدي راجعا إلى المغرب بحرا متفجرا من العلم وشهابا واريا من الدين وكان قد لقي بالمشرق أئمة الأشعرية من أهل السنة وأخذ عنهم واستحسن طريقهم في الإنتصار للعقائد السلفية والذب عنها بالحجج العقلية الدافعة في صدر أهل البدعة وذهب في رأيهم إلى تأويل المتشابه من الآي والأحاديث بعد أن كان أهل المغرب بعزل عن اتباعهم في التأويل والأخذ برأيهم فيه اقتداء بالسلف في ترك التأويل وإقرار المتشابهات كما جاءت فبصر المهدي أهل المغرب في ذلك وحملهم على القول بالتأويل والأخذ بمذاهب الأشعرية في كافة العقائد وأعلن بإمامتهم ووجوب تقليدهم وألف العقائد على رأيهم مثل المرشدة في التوحيد وكان من رأيه القول بعصمة الإمام علي على رأي الإمامية من الشيعة ولم تحفظ عنه فلتة في البدعة سواها واحتل بطرابلس الغرب معنيا بمذهبه ذلك مظهرا للنكير على علماء المغرب في عدولهم عنه آخذا نفسه بتدريس العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما استطاع حتى لقي بسبب ذلك إذايات في نفسه احتسبها من صالح عمله ولما دخل بجاية وبها يومئذ العزيز بن المنصور بن الناصر بن علناس بن حماد من أمراء صنهاجة وكان من المقترفين فأغلظ له ولأتباعه بالنكير وتعرض يوما لتغيير بعض المنكرات في الطرق فوقعت بسببها هيعة نكرها السلطان والخاصة وائتمروا به فخرج منها خائفا يترقب ولحق بملالة على فرسخ منها وبها يومئذ بنو ورياكل من قبائل صنهاجة وكان لهم اعتزاز ومنعة فآووه وأجاروه وطلبهم السلطان صاحب بجاية بإسلامه إليه فأبوا وأسخطوه وأقام بينهم يدرس العلم أياما وكان يجلس إذا فرغ على صخرة بقارعة الطريق قريبا من ديار ملالة وهناك لقيه كبير أصحابه عبد المؤمن بن علي حاجا مع عمه فأعجب بعلمه وصرف عزمه إليه فاختص به وشمر للأخذ عنه وفي كتاب المعرب عن سيرة ملوك المغرب أن المهدي كان قد اطلع على كتاب يسمى الجفر من علوم أهل البيت يقال إنه عثر عليه عند الشيخ أبي حامد الغزالي رضي الله عنه وإنه رأى فيه صفة رجل يظهر بالمغرب الأقصى بمكان يسمى السوس وهو من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله يكون مقامه ومدفنه بموضع من المغرب يسمى باسم هجاء حروفه ت ي ن م ل ل ورأى فيه أيضا أن استقامة ذلك الأمر واستيلائه وتمكنه يكون على يد رجل من أصحابه هجاء اسمه ع ب د م و م ن ويجاوز وقته المائة الخامسة للهجرة فأوقع الله سبحانه في نفسه أنه القائم بهذا الأمر وأن أوانه قد أزف فما كان محمد يمر بموضع إلا ويسأل عنه ولا يرى أحدا إلا أخذ اسمه وتفقده حليته وكانت حلية عبد المؤمن معه فبينما هو في الطريق رأى شابا قد بلغ أشده على الصفة التي معه فقال له محمد بن تومرت وقد تجاوزه ما اسمك يا شاب فقال عبد المؤمن فرجع إليه وقال له الله أكبر أنت بغيتي ونظر في حليته فوافقت ما عنده فقال له من أين أقبلت قال من كومية قال أين مقصدك فقال المشرق قال ما تبغي قال علما وشرفا قال قد وجدت علما وشرفا وذكرا أصحبني تنله فوافقه على ذلك فألقى إليه محمد بأمره وأودعه سره قال ابن خلدون وارتحل المهدي إلى المغرب وعبد المؤمن في جملته ولحق بوانشريس فصحبه منها أبو محمد عبد الله الوانشريسي المعروف بالبشير وقال ابن خلكان وكان جميلا فصيحا في لغتي العرب والبربر ففاوضه المهدي فيما عزم عليه من القيام فوافقه على ذلك أتم موافقة وكان البشير ممن تهذب وقرأ فقها فتذاكرا يوما في كيفية الوصول إلى المطلوب فقال المهدي للبشير أرى أن تستر ما أنت عليه من العلم والفصاحة عن الناس وتظهر من العجز واللكن والحصر والتعري عن الفضائل ما تشتهر به عند الناس لنتخذ الخروج عن ذلك واكتساب العلم والفصاحة دفعة واحدة سبيلا إلى المطلوب ويقوم لنا ذلك مقام المعجزة عند حاجتنا إليه فنصدق فيما نقول ففعل البشير ذلك ثم لحق المهدي بتلمسان وقد تسامع الناس بخبره فأحضره القاضي بها وهو ابن صاحب الصلاة ووبخه على منتحله ذلك وعلى خلافه لأهل قطره وظن القاضي أن من العدل نزعه عن ذلك فصم عن قوله واستمر على طريقه إلى فاس فنزل بمسجد طريانة وأقام بها يدرس العلم إلى سنة أربع عشرة وخمسمائة ثم انتقل إلى مكناسة فنهى بها عن بعض المنكرات فثار إليه الغوغاء وأوجعوه ضربا ثم لحق بمراكش وأقام بها آخذا في شأنه ولقي بها أمير المسلمين علي بن يوسف بالمسجد الجامع عند صلاة الجمعة فوعظه وأغلظ له في القول ولقي ذات يوم أخت أمير المسلمين حاسرة قناعها على عادة قومها الملثمين في زي نسائهم فوبخها ودخلت على أخيها باكية لما نالها من تقريعه ففاوض أمير المسلمين الفقهاء في شأنه بما وصل إليه من سيرته وكانوا قد ملئوا منه حسدا وحفيظة لما كان ينتحل من مذهب الأشعرية في تأويل المتشابه وينكر عليهم جمودهم على مذهب السلف في إقراره كما جاء ويرى أن الجمهور لقنوه تجسيما ويذهب إلى تكفيرهم بذلك على أحد قولي الأشعرية في التكفير فأغروا الأمير به فأحضره للمناظرة معهم فكان له الفلج والظهور عليهم وقال ابن خلكان كان محمد المهدي قد استدنى أشخاصا من أهل المغرب جلادا في القوى الجسمانية أغمارا وكان أميل إلى الأغمار من أولي الفطن والإستبصار فاجتمع له منهم ستة نفر سوى أبي محمد البشير ثم أنه رحل إلى أقصى المغرب وتوجه في أصحابه إلى مراكش وملكها يومئذ أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين وكان ملكا عظيما حليما ورعا عادلا متواضعا وكان بحضرته رجل يقال له مالك بن وهيب الأندلسي وكان عالما صالحا زاد ابن خلدون عارفا بالنجوم فشرع محمد المهدي في الإنكار على جري عادته حتى أنكر على ابنة الملك فبلغ خبره الملك وأنه يتحدث في تغيير الدولة فتحدث مع مالك بن وهيب في أمره فقال مالك بن وهيب نخاف من فتح باب يعسر علينا سده والرأي أن تحضر هذا الشخص وأصحابه لنسمع كلامهم بحضور جماعة من علماء البلاد فأجاب الملك إلى ذلك وكان المهدي وأصحابه مقيمين في مسجد خراب خارج البلد فطلبوهم فلما ضمهم المجلس قال الملك لعلماء بلده سلوا هذا الرجل ما يبغي منا فانتدب له قاضي المرية واسمه محمد بن أسود فقال ما هذا الذي يذكر عنك من الأقوال في حق الملك العادل الحليم المنقاد إلى الحق المؤثر طاعة الله تعالى على هواه فقال له المهدي أما ما نقل عني فقد قلته ولي من ورائه أقوال وأما قولك إنه يؤثر طاعة الله على هواه وينقاد إلى الحق فقد حضر اعتبار صحة هذا القول عنه ليعلم بتعرية عن هذه الصفة إنه مغرور بما تقولون له وتضرونه به مع علمكم أن الحجة متوجهة عليه فهل بلغك يا قاضي أن الخمر تباع جهارا وتمشي الخنازير بين المسلمين وتؤخذ أموال اليتامى وعدد من ذلك شيئا كثيرا فلما سمع الملك كلامه ذرفت عيناه وأطرق حياء ففهم الحاضرون من فحوى كلامه أنه طامع في المملكة لنفسه ولما رأوا سكوت الملك وانخداعه لقوله لم يتكلم أحد منهم فقال مالك بن وهيب وكان كثير الإجتراء على الملك أيها الملك عندي لنصيحة إن قبلتها حمدت عاقبتها وإن تركتها لم تأمن غائلتها فقال الملك ما هي فقال إني أخاف عليك من هذا الرجل وأرى أن تعتقله وأصحابه وتنفق عليهم كل يوم دينارا لتكفي شره وإن لم تفعل فلتنفقن عليه خزائنك كلها ثم لا ينفعك ذلك فوافقه الملك على رأيه فقال له وزيره يقبح بك أن تبكي من موعظة رجل ثم تسيء إليه في مجلس واحد وإن يظهر منك الخوف منه على عظم ملكك وهو رجل فقير لا يملك سد جوعه فلما سمع الملك كلامه أخذته عزة النفس واستهون أمره فصرفه وسأله الدعاء وقال ابن خلدون كان مالك بن وهيب حزاء ينظر في النجوم وكان الكهان يتحدثون بأن ملكا كائنا بالمغرب في أمة من البربر ويتغير فيه شكل السمكة لقران بين الكوكبين العلويين من السيارة يقتضي ذلك فقال مالك بن وهيب احتفظوا بالدولة من الرجل فإنه صاحب القران والدرهم المربع فطلبه علي بن يوسف ففقده وسرح الخيالة في طلبه ففاتهم وحكى صاحب المعرب إن المهدي لما خرج من عند أمير المسلمين لم يزل وجهه تلقاء وجهه إلى أن فارقه فقيل له نراك قد تأدبت مع الملك إذ لم توله ظهرك فقال أردت أن لا يفارق وجهي الباطل حتى أغيره ما استطعت اه كلامه
فلما خرج المهدي وأصحابه من عند الملك قال لهم لا مقام لكم هنا بمراكش مع وجود مالك بن وهيب فما نأمن أن يعاود الملك في أمرنا فينالنا منه مكروه وإن لنا بمدينة أغمات أخا في الله فنقصد المرور به فلن نعدم منه رأيا ودعاء صالحا واسم هذا الشخص عبد الحق بن إبراهيم وهو من فقهاء المصامدة فخرجوا إليه ونزلوا عليه وأخبره محمد بن تومرت خبرهم وأطلعه على مقصدهم وما جرى له مع الملك فقال عبد الحق هذا الموضع لا يحميكم وإن أحصن المواضع المجاورة لهذا البلد تينملل وبيننا وبينها مسافة يوم في هذا الجبل فانقطعوا فيه برهة ريثما يتناسى ذكركم فلما سمع المهدي بهذا الإسم تجدد له ذكر اسم الموضع الذي رآه في كتاب الجفر فقصده مع أصحابه وقال ابن خلدون لما لحق المهدي بأغمات غير المنكرات على عادته فأغرى به أهل أغمات علي بن يوسف وطيروا إليه بخبره فخرج منها هو وتلامذته الذين كانوا معه في صحبته فلحق أولا بمسفيوة ثم بهنتاتة ولقيه بها الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتي جد الملوك الحفصيين أصحاب تونس وإفريقية ثم ارتحل المهدي عنهم إلى هرغة فنزل على قومه وذلك سنة خمس عشر وخمسمائة وبنى رابطة للعباد فاجتمع عليه الطلبة من القبائل وأخذ يعلمهم المرشدة له في التوحيد باللسان البربري وشاع أمره ثم داخل عامل لمتونة على السوس أناسا من هرغة في قتله ونذر بهم إخوانهم فنقلوا المهدي إلى معقل من أشياعهم وقتلوا من داخل في أمره ودعوا المصامدة إلى مبايعته على التوحيد وقتال المجسمة دونه سنة خمس عشرة وخمسمائة فتقدم إليها رجالاتهم من العشرة وغيرهم وكان فيهم من هنتاتة أبو حفص عمر بن يحيى وأبو يحيى بن يكيت ويوسف بن وانودين وابن يغمور ومن تينملل أبو حفص عمر بن علي الصناكي ومحمد بن سليمان وعمر بن تافراكين وغيرهم وأوعيت قبيلة هرغة فدخلوا في أمره كلهم ثم دخل معهم كدميوة وكنفيسة ولما كملت بيعته لقبوه بالمهدي وكان قبلها يلقب بالإمام وكان يسمى أصحابه الطلبة وأهل دعوته الموحدين تعريضا بلمتونة في أخذهم بالعدول على التأويل وميلهم إلى التجسم ولما تم له من أصحابه خمسون سماهم آيت الخمسين ثم زحف إليهم عامل لمتونة على السوس وهم بمكانهم من هرغة فاستجاشوا إخوانهم من هنتاتة وتينملل فاجتمعوا إليهم وأوقعوا بعكسر لمتونة فكانت تلك باكورة الفتح وكان المهدي يعدهم بذلك فاستبصروا في أمره وتسابقت كافتهم إلى الدخول في دعوته وترددت إليهم عساكر لمتونة مرة بعد أخرى ففضوهم وانتقل لثلاث سنين من بيعته إلى جبل تينملل فأوطنه وبنى داره ومسجده بينهم وحوالي منبع وادي نفيس وقاتل من تخلف عن بيعته من المصامدة حتى استقاموا له هذا كلام ابن خلدون في سياقه هذا الخبر جئنا به مختصرا واقتضى كلام ابن خلكان أن ظهور المهدي ومبايعته لم تكن إلا بتينملل فإنه قد عقب ما سبق له من أن الفقيه عبد الحق بن إبراهيم المصمودي أشار على المهدي بالمسير إلى تينملل وأن المهدي لما سمع هذا الإسم تجدد له ذكر فيه فقصده مع أصحابه فلما أتوه رآهم أهله على تلك الصورة فعلموا أنهم طلاب علم فقاموا إليهم وأكرموهم وتلقوهم بالترحاب وأنزلوهم في أكرم منازلهم وسأل أمير المسلمين عنهم بعد خروجهم من مجلسه فقيل له إنهم سافروا فسره ذلك وقال تخلصنا من الإثم بحبسهم ثم إن أهل الجبل تسامعوا بوصول المهدي إليهم وكان قد سار فيهم ذكره فجاؤوه من كل فج عميق وتبركوا بزيارته وكان كل من أتاه استدناه وعرض عليه ما في نفسه من الخروج على السلطان فإن أجابه أضافه إلى خواصه وإن خالفه أعرض عنه وكان يستميل الأحداث وذوي الغرة وكان ذوو الحنكة والعقل والحلم من أهاليهم ينهونهم ويحذرونهم من اتباعه ويخوفونهم سطوة السلطان فكان لا يتم له مع ذلك أمر وطالت المدة وخاف المهدي من مفاجأة الأجل قبل بلوغ الأمل وخشي أن يطرق على أهل الجبل من جهة الملك ما يحوجهم إلى استسلامه إليه والتخلي عنه فشرع في إعمال الحيلة فيما يشاركونه فيه ليعصوا على الملك بسببه فرأى بعض أولاد القوم شقرا زرقا وألوان آبائهم السمرة والكحل فسألهم عن سبب ذلك فلم يجيبوه فألزمهم الإجابة فقالوا نحن من رعية هذا الملك وله علينا خراج وفي كل سنة تصعد مماليكه إلينا وينزلون في بيوتنا ويخرجوننا عنها ويختلون بمن فيها من النساء فتأتي أولادنا على هذه الصفة وما لنا قدرة على دفع ذلك عنا فقال المهدي والله إن الموت خير من هذه الحياة وكيف رضيتم بهذا وأنتم أضرب خلق الله بالسيف وأطعنهم بالرمح فقالوا بالرغم لا بالرضى فقال أرأيتم لو أن ناصرا نصركم على أعدائكم ما كنتم تصنعون قالوا كنا نقدم أنفسنا بين يديه للموت ثم قالوا من هو قال هو ضيفكم يعني نفسه فقالوا السمع والطاعة وكانوا يغالون في تعظيمه فأخذ عليهم العهود والمواثيق واطمأن قلبه ثم قال لهم استعدوا لحضور هؤلاء بالسلاح فإذا جاؤوكم فأجروهم على عادتهم وخلوا بينهم وبين النساء وميلوا عليهم بالخمور فإذا سكروا فآذنوني بهم فلما حضر المماليك وفعل بهم أهل الجبل ما أشار به المهدي وكان ذلك ليلا أعلموه بذلك أمر بقتلهم كلهم فلم يمض من الليل ساعة حتى أتوا على آخرهم ولم يفلت منهم سوى مملوك واحد كان خارج المنازل لحاجة له فسمع التكبير عليهم والإيقاع بهم فهرب على غير الطريق حتى خلص من الجبل ولحق بمراكش فأخبر الملك بما جرى فندم على فوات محمد بن تومرت من يده وعلم أن الحزم كان مع مالك بن وهيب فيما أشار به فجهز من وقته خيلا بمقدار ما يسع وادي تينملل فإنه ضيق المسلك وعلم المهدي أنه لا بد من عسكر يصل إليهم فأمر أهل الجبل بالقعود على أنقاب الوادي ومراصده واستنجد لهم بعض المجاورين فلما وصلت الخيل إليهم أقبلت عليهم الحجارة من جانبي الوادي مثل المطر وكان ذلك من أول النهار إلى آخره وحال بينهم الليل فرجع العسكر إلى الملك وأخبروه بما تم لهم فعلم أنه لا طاقة له بأهل الجبل لتحصنهم فأعرض عنهم وتحقق المهدي ذلك منه وصفت له مودة أهل الجبل فعند ذلك استدعى أبا محمد البشير وقال له هذا أوان إظهار فضائلك دفعة واحدة ليقوم لك مقام المعجزة لنستميل بذلك قلوب من لم يدخل في الطاعة ثم اتفقا على أنه يصلي الصبح ويقول بلسان فصيح بعد استعمال العجمة واللكنة في تلك المدة إني رأيت البارحة في منامي أنه نزل إلي ملكان من السماء وشقا فؤادي وغسلاه وحشواه علما وحكمة وقرآنا فلما أصبح فعل ذلك وهو فصل يطول شرحه فانقاد له كل صعب القياد وعجبوا من حاله وحفظه القرآن في النوم فقال له محمد بن تومرت فعجل لنا بالبشرى في أنفسنا وعرفنا أسعداء نحن أم أشقياء فقال له أما أنت فإنك المهدي القائم بأمر الله ومن تبعك سعد ومن خالفك هلك ثم قال اعرض أصحابك علي حتى أميز أهل الجنة من أهل النار وعمل في ذلك حيلة قتل بها كل من خالف أمر محمد بن تومرت وأبقى من أطاعه وشرح ذلك يطول وكان غرضه أن لا يبقى في الجبل مخالفا لهم فلما قتل من قتل علم محمد بن تومرت أن في الباقين من له أهل وعشيرة قتلوا وأنهم لا تطيب نفوسهم بذلك فجمعهم وبشرهم بانتقال ملك مراكش إليهم واغتنام أموالهم فسرهم ذلك وسلاهم عن أهلهم وبالجملة فإن تفصيل هذه الواقعة طويل ولسنا بصدد ذلك وخلاصة الأمر أن محمد بن تومرت لم يزل حتى جهز جيشا عدد رجاله عشرة آلاف بين فارس وراجل وفيهم عبد المؤمن بن علي وأبو محمد البشير وأصحابه كلهم وأقام هو بالجبل فنزل القوم لحصار مراكش وأقاموا عليها شهرا ثم كسروا كسرة شنيعة وهرب من سلم منهم من القتل وكان فيمن سلم عبد المؤمن وقتل البشير وبلغ الخبر المهدي وهو بالجبل وقد حضرته الوفاة قبل عود أصحابه إليه فأوصى من حضر أن يبلغ الغائبين إن النصر لهم وإن العاقبة حميدة فلا يضجروا وليعاودوا القتال فإن الله سبحانه وتعالى سيفتح على أيديهم وإن الحرب سجال وإنكم ستقوون ويضعفون ويقلون وتكثرون وأنتم في مبدأ أمر وهم في آخره وأشباه هذه الوصايا وهي وصية طويلة اه كلام ابن خلكان وقال ابن خلدون لما كان شأن أبي محمد البشير وميز الموحد من المنافق اعتزم المهدي على غزو لمتونة فجمع كافة أهل دعوته من المصامدة إليهم فلقوه بكبكب وهزمهم الموحدون وأتبعوهم إلى أغمات فلقيتهم هنالك زحوف لمتونة مع أبي بكر بن علي بن يوسف وإبراهيم بن تاعماشت فهزمهم الموحدون وفل إبراهيم وجنده واتبعوهم إلى مراكش فنزلوا البحيرة في زهاء أربعين ألفا كلهم راجل إلا أربعمائة فارس واحتفل علي بن يوسف في الاحتشاد وبرز إليهم لأربعين من نزولهم خرج عليهم من باب آيلان فهزمهم وأثخن فيهم قتلا وسبيا وفقد البشير واستحر القتل في هيلانة وأبلى عبد المؤمن في ذلك اليوم أحسن البلاء وقيل للمهدي إن الموحدين قد هلكوا فقال لهم ما فعل عبد المؤمن قالوا هو على جواده الأدهم قد أحسن البلاء فقال ما بقي عبد المؤمن فلم يهلك أحد
وقال ابن الخطيب في رقم الحلل كانت وقعة البحيرة بأحواز مراكش قد استأصلت معظم أصحاب المهدي وكادت تأتي عليهم ومع ذلك فلم تضع منه ولا وهنت صبره وكان يقول مثل هذا الأمر كالفجر يتقدمه الفجر الكاذب وبعده ينبلج الصبح ويستعلي الضوء ويأمرهم باتخاذ مرابط الخيل التي ينالون من فيء عدوهم بعدها وإنه يعطي الرجل على قدر ما أعد من الرباط إلى غير ذلك فهذا خبر المهدي مختصرا من ابن خلدون ممزوجا بما نقله ابن خلكان من ذلك وقد ساق ابن أبي زرع في القرطاس خبر المهدي هذا وفيه بعض مخالفة لما تقدم فلنأت به وإن أدى إلى بعض التكرار زيادة في الإمتاع وتحلية للأسماع فنقول قال ابن أبي زرع ما ملخصه إن المهدي رحل إلى المشرق في طلب العلم ولقي مشايخ وسمع منهم وأخذ عنهم علما كثيرا وحفظ جملة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبغ في علم الأصول والاعتقادات وكان في جملة من لقي من العلماء الشيخ أحمد الغزالي رضي الله عنه لازمه ثلاث سنين وكان الشيخ أبو حامد كثيرا ما يشير إلى المهدي ويقول إنه لا بد أن يكون له شأن ونمى الخبر بذلك إلى المهدي فلم يزل يتقرب إلى الشيخ بأنواع الخدمة حتى أطلعه على ما عنده من العلم في ذلك فلما تحققت عنده الحال استخار الله وعزم على الترحال فخرج قاصدا بلاد المغرب غرة ربيع الأول سنة عشر وخمسمائة ولازم في طريقه درس العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن اجتمع به عبد المؤمن بن علي فبايعه على مؤازرته في الشدة والرخاء والعسر واليسر ثم قدم بلاد المغرب واستقر بمراكش وكانت له فصاحة وعليه مهابة فأخذ يطعن على المرابطين وينسبهم إلى الكفر والتجسيم ويشيع عند من يثق به ويسكن إليه أنه المهدي المنتظر الذي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وجرى منه بمراكش من تغيير المنكر ونحوه ما تقدم ذكره فاتصل خبره بعلي بن يوسف اللمتوني فأحضره وقال له ما هذا الذي بلغنا عنك فقال إنما أنا رجل فقير أطلب الآخرة وآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأنت أيها الملك أولى من يفعل ذلك فإنك المسؤول عنه وقد ظهرت بمملكتك المنكرات وفشت البدع وقد وجب الله عليك إحياء السنة وإماتة البدعة وقد عاب الله تعالى أمة تركوا النهي عن المنكر فقال @QB@ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون @QE@ فلما سمع أمير المسلمين كلامه تأثر له وأخذه وأطرق مفكرا ثم أمر بإحضار الفقهاء فحضر منهم ما أغص المجلس ثم قال أمير المسلمين اختبروا الرجل فإن كان عالما اتبعناه وإلا أدبناه وكان المهدي فصيحا لسنا ذا معرفة بالأصول والجدل وكان الفقهاء الذين حضروا أصحاب حديث وفروع فدارت بينهم محاورة ومذاكرة أسكتهم فيها وبان عجزهم عنه فعدلوا عن المذاكرة إلا الممالأة وأغروا به أمير المسلمين وقالوا هذا رجل خارجي وإن بقى بالمدينة أفسد عقائد أهلها فأمره أمير المسلمين بالخروج من البلد فخرج إلى الجبانة وضرب بها خيمة جلس فيها وصار الطلبة يترددون إليه لأخذ العلم عنه فكثر جمعه وأحبته العامة وعظموه وانتهى خبره إلى أمير المسلمين ثانيا ونقل إليه أنه يطعن على الدولة فأحضره مرة أخرى وقال له أيها الرجل اتق الله في نفسك ألم أنهك عن عقد الجموع والمحازب وأمرتك بالخروج من البلد فقال أيها الملك قد امتثلت أمرك وخرجت من المدينة إلى الجبانة واشتغلت بما يعنيني فلا تسمع لأقوال المبطلين فتوعده أمير المسلمين وهم بالقبض عليه ثم عصمه الله منه ليقضي الله أمرا كان مفعولا ولما انفصل المهدي عن المجلس أغرى الحاضرون أمير المسلمين به وشرحوا له جلية أمره وما يدعو إليه فاستدرك أمير المسلمين فيه رأيه وبعث إليه من يأتيه برأسه فسمع بذلك بعض بطانته فمر مسرعا حتى إذا قرب من الخيمة قرأ قوله تعالى @QB@ يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك @QE@ فسمعها المهدي وفطن لها فانسل من حينه وخرج حتى أتى تينملل فأقام بها وذلك في شوال سنة أربع عشرة وخمسمائة ثم لحق به أصحابه العشرة السابقون إلى دعوته والمصدقون بإمامته وهم عبد المؤمن بن علي الكومي وأبو محمد البشير الوانشريسي وأبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتي وأبو يحيى بن يكيت الهنتاتي وأبو حفص عمر بن علي آصناك وإبراهيم بن إسماعيل الخزرجي وأبو محمد عبد الواحد الحضرمي وأبو عمران موسى بن تمار وسليمان بن خلوف وعاشر فأقاموا بتينملل إلى رمضان من سنة خمس عشرة وخمسمائة فعظم صيته بجبل درن وكثرت أتباعه فلما رأى ذلك أظهر دعوته ودعا الناس إلى بيعته فبايعه العشرة البيعة الخاصة عقب صلاة الجمعة خامس عشر رمضان من السنة ولما كان الغد وهو يوم السبت خرج المهدي في أصحابه العشرة متقلدين السيوف وتقدم إلى الجامع فصعد المنبر وخطب الناس وأعلمهم أنه المهدي المنتظر ودعاهم إلى بيعته فبايعوه البيعة العامة ثم بث دعاته في بلاد المصامدة يدعون الناس إلى بيعته ويزرعون محبته في قلوبهم بالثناء عليه ووصفه بالزهد وتحري الحق وإظهار الكرامات فانثال الناس عليه من كل جهة وسمى أتباعه الموحدين ولقنهم عقائد التوحيد باللسان البربري وجعل لهم فيه الأعشار والأحزاب والسور وقال من لم يحفظ هذا التوحيد فليس بموحد لا تجوز إمامته ولا تؤكل ذبيحته فاستولت محبته على قلوبهم وعظموه ظاهرا وباطنا حتى كانوا يستغيثون به في شدائدهم وينوهون باسمه على منابرهم ولم تزل الوفود تترادف عليه حتى اجتمع عليه جم غفير فلما علم أن ناموسه قد رسخ وسلطانه قد تمكن قام فيهم خطيبا وندبهم إلى جهاد المرابطين وأباح لهم دماءهم وأموالهم فانتدب الناس لذلك وبايعوه على الموت فانتخب منهم عشرة آلاف من أجناد الموحدين وقدم عليهم أبا محمد البشير وعقد له راية بيضاء ودعا لهم وانصرفوا فصمدوا إلى مدينة أغمات وانتهى الخبر إلى أمير المسلمين فجهز لقتالهم جيشا من الحشم والأجناد فلما التقوا انتصر عليهم الموحدون وهزموهم واتبعوهم حتى أدخلوهم مراكش وحاصروها أياما ثم أفرجوا عنها حين تكاثرت عليهم جيوش لمتونة وكان ذلك ثالث شعبان سنة ست عشرة وخمسمائة وقسم المهدي الغنائم التي غنموها من عسكر المرابطين وتلا عليهم قوله تعالى @QB@ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه @QE@ الآية وانتشر ذكر المهدي بجميع أقطار المغرب والأندلس وأركب جل جيشه من خيل المرابطين التي غنموها ثم غزا مراكش بنفسه فعبأ جيشه وسار حتى نزل بجبل كيليز بقرب المدينة فأقام محاصرا لها ثلاث سنين يباكرها بالقتال ويراوحها من سنة ست عشرة إلى سنة تسع عشرة ولما ضجر من مقامه هناك نهض إلى وادي نفيس وانحدر مع مسيله يدعو الناس لطاعته ويقاتل من أبى منهم فانقاد له أهل السهل والجبل وبايعته كدميوة ثم غزا بلاد ركراكة فأخذهم بالدعاء إلى توحيد الله وشرائع دينه وسار في بلاد المصامدة يقاتل من أبى ويسالم من أجاب ففتح بلادا كثيرة ودخل في دعوته عالم كثير من المصامدة ورجع إلى تينملل فأقام بها شهرين ريثما استراح الناس ثم غزا مدينة أغمات وبلاد هزرجة في ثلاثين ألفا من الموحدين فاجتمع على حربه أهل أغمات وهزرجة وخلق كثير من الحشم ولمتونة وغيرهم فانتصر عليهم الموحدون فهزموهم وقتلوا منهم خلقا كثيرا وقسم المهدي أنفالهم بين الموحدين ثم غزا أهل درن ففتح قلاعه وحصونه وطاع له جميع من فيه من قبائل هرغة و هنتاتة وكنفسية وغيرهم ثم عاد إلى تينملل فأقام بها ريثما استراح الناس ثم ندبهم إلى غزو مراكش وجهاد المرابطين وقدم عليهم عبد المؤمن بن علي وأبا محمد البشير وخص عبد المؤمن بإمامة الصلاة فساروا حتى انتهوا إلى أغمات فلقيهم بها أبو بكر بن علي بن يوسف في جيش كثيف من لمتونة وقبائل صنهاجة فاقتتلوا ودامت الحرب بينهم ثمانية أيام ثم انتصر عليهم الموحدون فهزموا أبا بكر وجيشه إلى مراكش وقتلوهم في كل طريق وحصروا مراكش أياما ثم رجعوا إلى تينملل فخرج المهدي للقائهم فرحب بهم وعرفهم بما يكون لهم من النصر والفتح وما يملكونه من البلاد ثم كانت وفاته عقب ذلك على ما نذكره إن شاء الله فهذا سياق ابن أبي زرع لهذه الأخبار والله أعلم بالصواب
بقية أخبار المهدي وبعض سيرته إلى وفاته
كان المهدي رجلا ربعة أسمر عظيم الهمة غائر العينين حديد النظر خفيف العارضين له شامة سوداء على كتفه الأيمن ذا سياسة ودهاء وناموس عظيم وكان مع ذلك عالما فقيها راويا للحديث عارفا بالأصول والجدل فصيح اللسان مقداما على الأمور العظام غير متوقف في سفك الدماء يهون عليه إتلاف عالم في بلوغ غرضه وكان حصورا لا يأتي النساء وكان متيقظا في أحواله ضابطا لما ولي من سلطانه أنشد صاحب كتاب المغرب ف حقه ( آثاره تنبيك عن أخباره % حتى كأنك بالعيان تراه ) ثم قال له قدم في الثرى وهمة في الثريا ونفس ترى إراقة ماء الحياة دون إراقة ماء المحيا أغفل المرابطون عقله وربطه حتى دب إليهم دبيب القلق في الغسق وترك في الدنيا دويا أنشأ دولة لو شاهدها أبو مسلم لكان لعزمه فيها غير مسلم وكان قوته من غزل أخت له في كل يوم رغيفا بقليل سمن أو زيت ولم ينتقل عن هذا حين كثرت عليه الدنيا ورأى أصحابه يوما وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه فأمر بضم ذلك جميعه وإحراقه وقال من كان يتبعني لأجل الدنيا فليس له عندي إلا ما رأى ومن تبعني للآخرة فجزاؤه عند الله وكان على خمول زيه وبسط وجهه مهيبا منيع الحجاب إلا عند مظلمة وله رجل مختص بخدمته والإذن عليه وكان له شعر فمن ذلك قوله ( أخذت بأعضادهم إذ نؤوا % وخلفك القوم إذ ودعو ) ( فكم أنت تنهى ولا تنتهي % وتسمع وعظا ولا تسمع ) ( فيا حجر السن حتى متى % تسن الحديد ولا تقطع ) وكان كثيرا ما ينشد ( تجرد من الدنيا فإنك إنما % خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد ) وكان يتمثل أيضا بقول أبي الطيب المتنبي ( إذا غامرت في شرف مروم % فلا تقنع بما دون النجوم ) ( فطعم الموت في أمر حقير % كطعم الموت في أمر عظيم ) وبقول أيضا ( ومن عرف الأيام معرفتي بها % وبالناس روى رمحه غير راحم ) ( فليس بمرحوم إذا ظفروا به % ولا في الردى الجاري عليهم بآثم ) وبقوله أيضا ( وما أنا منهم بالعيش فيهم % ولكن معدن الذهب الرغام ) وقال ابن الخطيب في رقم الحلل قالوا كان محمد بن تومرت يزعم أنه مأمور بنوع من الوحي والإلهام وينكر كتب الرأي والتقليد وله باع في علم الكلام وغلبت عليه نزغة خارجية وكان ينتحل القضايا الإستقبالية ويشير إلى الكوائن الآتية ورتب قومه ترتيبا غريبا فمنهم أهل الدار وأهل الجماعة وأهل الساقة وأهل خمسين وأهل سبعين والطلبة والحفاظ وأهل القبائل فأهل الدار للامتهان والخدمة وأهل الجماعة للتفاوض والمشورة وأهل الساقة للمباهاة وأهل سبعين وخمسين والحفاظ والطلبة لحمل العلم والتلقي وسائر القبائل لمدافعة العدو وكان يعلمهم أوجه العبادات في العادات قلت من ذلك أن طائفة من المصامدة عسر عليهم حفظ الفاتحة لشدة عجمتهم فعدد كلمات أم القرآن ولقب بكل كلمة منها رجلا فصفهم صفا وقال لأولهم اسمك الحمد لله وللثاني رب العالمين وهكذا حتى تمت كلمات الفاتحة ثم قال لهم لا يقبل الله منكم صلاة حتى تجمعوا هذه الأسماء على نسقها في كل ركعة فسهل عليهم الأمر وحفظوا أم القرآن ذكره صاحب المعرب قالوا وهو أول من أحدث أصبح ولله الحمد في أذان الصبح ومن جراءته وإقدامه وتهالكه على تحصيل مرامه ما حكاه صاحب القرطاس قال كانت بين الموحدين والمرابطين حرب فقتل من الموحدين خلق كثير فعظم ذلك على عشائرهم فاحتال المهدي بأن انتخب قوما من أتباعه ودفنهم أحياء بموضع المعركة وجعل لكل واحد منهم متنفسا في قبره وقال لهم إذا سئلتم عن حالكم فقولوا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا وأن ما دعا إليه الإمام المهدي هو الحق فجدوا في جهاد عدوكم وقال لهم إذا فعلتم ذلك أخرجتكم وكانت لكم عندي المنزلة العالية وقصد بذلك أن يثبتهم على التمسك بدعوته ويهون عليهم ما لاقوا من القتل والجراحات بسببه ثم جمع أصحابه عند السحر وقال لهم أنتم يا معشر الموحدين حزب الله وأنصار دينه وأعوان الحق فجدوا في قتال عدوكم فإنكم على بصيرة من أمركم وإن كنتم ترتابون فيما أقوله لكم فأتوا موضع المعركة وسلوا من استشهد اليوم من إخوانكم يخبروكم بما لقوا من الثواب عند الله ثم أتى بهم إلى موضع المعركة ونادى يا معشر الشهداء ماذا لقيتم من الله عز وجل فقالوا قد أعطانا من الثواب ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فافتتن الناس وظنوا أن الموتى قد كلموهم وحكوا ذلك لبقية إخوانهم فازدادوا بصيرة في أمره وثباتا على رأيه والله أعلم بحقيقة الحال
وفاة المهدي رحمه الله
كانت وفاة المهدي عقب وقعة البحيرة قال ابن خلدون لأربعة أشهر بعدها وقال ابن الخطيب وغيره كانت وفاته يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين وخمسمائة وقيل غير ذلك وقال في القرطاس لما رجع الموحدون من غزو مراكش إلى تينملل خرج إليهم المهدي فسلم عليهم ورحب بهم وأعلمهم بما يكون لهم من النصر والفتح وما يملكونه من البلاد وبمدة ملكهم وأعلمهم أنه يموت في تلك السنة فبكوا وأسفوا ثم مرض مرضه الذي مات منه وقدم عبد المؤمن للصلاة أيام مرضه ثم توفي في التاريخ المتقدم وذكر بعض المؤرخين أن المهدي رأى في منامه قبل وفاته كأن آتيا أتاه فأنشده أبياتا نعى له فيه نفسه وأعلمه باليوم الذي يموت فيه فكان كذلك انظر القرطاس وقد مر في هذه الأخبار ذكر كتاب الجفر وربما تتشوق النفس لمعرفة حقيقته فقد قال ابن خلدون في كتاب طبيعة العمران واعلم أن كتاب الجفر كان أصله أن هارون بن سعيد العجلي وهو رأس الزيدية كان له كتاب يرويه عن جعفر الصادق رضي الله عنه وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم ولبعض الأشخاص منهم على الخصوص وقع ذلك لجعفر ونظائره من رجالاتهم على طريق الكرامة والكشف الذي يقع لمثلهم من الأولياء وكان مكتوبا عند جعفر الصادق في جلد ثور صغير فرواه عنه هارون العجلي وكتبه وسماه الجفر باسم الجلد الذي كتب فيه لأن الجفر في اللغة هو الصغير فصار هذا الإسم علما على هذا الكتاب عندهم وكان فيه تفسير القرآن الكريم وما في باطنه من غرائب المعاني مروية عن جعفر الصادق رضي الله عنه وذكره ابن قتيبة في أوائل كتاب اختلاف الحديث فقال بعد كلام طويل وأعجب من هذا التفسير تفسير الروافض للقرآن الكريم وما يدعونه من علم باطنه بما وقع إليهم من الجفر الذي ذكره العجلي ثم قال ابن قتيبة ( ألم تر أن الرافضين تفرقوا % فكلهم في جعفر قال منكرا ) ( فطائفة قالوا إمام ومنهم % طوائف سمته النبي المطهرا ) ( ومن عجب لم أقضه جلد جفرهم % برئت إلى الرحمن ممن تجفرا ) في أبيات غير هذه ثم قال ابن قتيبة وهو جلد جفر ادعوا أنه كتب لهم فيه الإمام جعفر الصادق كل ما يحتاجون إليه وكلما يكون إلى يوم القيامة اه وهذا تزييف من ابن قتيبة لكتاب الجفر وخالف هذا المذهب أبو العلاء المعري فقال ( لقد عجبوا لأهل البيت لما % أتاهم علمهم في مسك جفر ) ( ومرآة المنجم وهي صغرى % أرته كل عامرة وقفر ) والمسك بفتح الميم الجلد والجفر بفتح الجيم ما بلغ أربعة أشهر من أولاد المعز وكانت عادتهم في ذلك الزمان أنهم يكتبون في الجلود وما شاكلها لقلة الأوراق يومئذ وقال ابن خلدون كتاب الجفر لم تتصل روايته عن جعفر الصادق رضي الله عنه ولا عرف عينه وإنما يظهر منه شواذ من الكلمات لا يصحبها دليل ولو صح النسبة إلى جعفر الصادق لكان فيه نعم المستند من نفسه أو من رجال قومه فهم أهل الكرامات رضي الله عنهم