الخبر عن دولة أبي محمد عبد المؤمن بن علي الكومي وأوليتها
اعلم أن بني عبد المؤمن ليسوا من المصامدة وإنما هم من كومية ثم من بني عابد منهم وكومية ويعرفون قديما بصطفورة بطن من بني فاتن بن تامصيت بن ضري بن زجيك بن مادغيس الأبتر فهم بنو عم زناتة يجتمعون في ضري بن زجيك هذا هو الصحيح وبعض المؤرخين يرفعون نسب عبد المؤمن إلى قيس عيلان بن مضر وهو ضعيف قال ابن خلدون كان عبد المؤمن من بني عابد أحد بيوتات كومية وأشرافهم قال وموطنهم بتاكرارت وهو حصن في الجبل المطل على هنين من ناحية الشرق وقال ابن خلكان كان والد عبد المؤمن وسيطا في قومه وكان صانعا في عمل الطين يعمل منه الآنية فيبيعها وكان عاقلا من الرجال وقورا ويحكى أن عبد المؤمن في صباه كان نائما تجاه أبيه وأبوه مشتغل بعمله في الطين فسمع أبوه دويا في السماء فرفع رأسه فرأى سحابة سوداء من النحل قد هوت مطبقة على الدار فنزلت كلها مجتمعة على عبد المؤمن وهو نائم فغطته ولم يظهر من تحتها ولا استيقظ لها فرأته أمه على تلك الحال فصاحت خوفا على ولدها فسكتها أبوه فقالت أخاف عليه فقال لا بأس عليه بل إني متعجب مما يدل عليه ذلك ثم إنه غسل يديه من الطين ولبس ثيابه ووقف ينتظر ما يكون من أمر النحل فطار عنه بأجمعه فاستيقظ الصبي وما به من ألم فتفقدت أمه جسده فلم تر به أثرا ولم يشك ألما وكان بالقرب منهم رجل معروف بالزجر فمضى أبوه إليه فأخبره بما رآه من النحل مع ولده فقال الزاجر يوشك أن يكون له شأن يجتمع على طاعته أهل المغرب فكان من أمره ما اشتهر وقد تقدم لنا أن المهدي كان عنده كتاب الجفر وكان فيه أن أمره لا يتم إلا على يد رجل اسمه كذا وحليته كذا وهو عبد المؤمن بن علي فأقام المهدي يتطلبه مدة إلى أن لقيه بملالة وعبد المؤمن إذ ذاك شاب حدث طالب علم فلازم المهدي واستمسك بغرره إلى أن كان من أمره ما كان وكان المهدي يتفرس فيه النجابة وينشد إذا أبصره ( تكاملت فيك أوصاف خصصت بها % فكلنا بك مسرور ومغتبط ) ( السن ضاحكة والكف مانحة % والنفس واسعة والوجه منبسط ) والبيتان لأبي الشيص الخزاعي وكان يقول لأصحابه صاحبكم غلاب الدول وكان يقول عبد المؤمن من صديقي هذه الدائرة وقال ابن خلدون آثر المهدي عبد المؤمن بمزيد الخصوصية والقرب بما خصه الله به من الفهم والوعي للتعليم حتى كان خالصة المهدي وكنز صحابته وكان مؤمله لخلافته لما أظهره عليه من الشواهد المؤذنة بذلك وفي ذلك يقول ابن الخطيب ( وخلف الأمر لعبد المؤمن % فانقادت الدنيا له في رسن ) ( حباه بين القوم بالأمارة % إذ وضحت له فيه الإمارة ) ولما اجتاز المهدي في طريقه إلى المغرب بالثعالبة عرب الجزائر أهدوا إليه حمارا فارها يركبه لأنه كان ساعيا على رجليه فكان يؤثر به عبد المؤمن ويقول لأصحابه اركبوه الحمار يركبكم الخيول المسومة وزعم بنو عبد المؤمن أن المهدي كان استخلفه من بعده وقال ابن خلكان لم يصح أنه استخلفه وإنما راعى أصحابه في تقديمه إشارته فتم له الأمر والله أعلم
بيعة عبد المؤمن بن علي والسبب فيها
لما توفي المهدي في التاريخ المتقدم تولى عبد المؤمن تجهيزه والصلاة عليه ثم دفنه بمسجده الملاصق لداره من تينملل ولما فرغ الموحدون من أمره تشوف كل واحد من العشرة إلى الخلافة بعده وكانوا من قبائل شتى وأحبت كل قبيلة أن يكون الخليفة منها وأن لا يتولى عليها من هو من غيرها فتنافسوا في ذلك فاجتمع العشرة والخمسون وتآمروا فيما بينهم وخافوا على أنفسهم النفاق وأن تفسد نياتهم وتفترق جماعتهم فاتفقوا على خلافة عبد المؤمن لكونه كان غريبا بين أظهرهم ليس من المصامدة لأن المصامدة من البرانس وكومية قبيلة عبد المؤمن من البتر فقدموه لذلك مع ما كانوا يرون من ميل المهدي إليه وإيثاره على غيره فتم له الأمر وقال ابن خلدون لما مات المهدي خشي أصحابه من افتراق الكلمة وما يتوقع من سخط المصامدة لولاية عبد المؤمن لكونه من غير جلدتهم فأرجؤوا الأمر إلى أن تخالط بشاشة الدعوة قلوبهم وكتموا موته لثلاث سنين يموهون فيها بمرضه ويقيمون سنته في الصلاة والحزب الراتب ويدخل أصحابه إلى بيته كأنه اختصهم بعيادته فيجلسون حوالي قبره ويتفاوضون في شؤونهم ثم يخرجون لإنفاذ ما أبرموه ويتولى ذلك عبد المؤمن حتى إذا استحكم أمرهم وتمكنت الدعوة من كافتهم كشفوا القناع عن حالهم وتمالأ من بقي من العشرة على تقديم عبد المؤمن وتولى كبر ذلك الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتي جد الملوك الحفصيين أصحاب تونس فأظهروا للناس موت المهدي وعهده لصاحبه وانقاد بقية أصحابه لذلك وروى لهم يحيى بن يغمور أنه كان يقول في دعائه أثر صلواته اللهم بارك في الصاحب الأفضل فرضي الكافة وانقادوا له وأجمعوا على بيعته
وزعموا أن عبد المؤمن استعمل في ذلك حيلة تم له بها ما أراد وذلك أنه عمد إلى طائر وأسد فضراهما حتى أنسا به وعلم الطائر أن يقول عند علامة نصبها له النصر والتمكين لعبد المؤمن أمير المؤمنين وعلم الأسد أن يبصبص له ويتمسح به كلما رآه ثم جمع عبد المؤمن الموحدين وخطبهم وحضهم على الألفة واجتماع الكلمة وحذرهم عاقبة البغي والخلاف وبينما هو في ذلك إذ أرسل سائس الأسد أسده وصفر صاحب الطائر لطائره فبصبص هذا وأعلن بالنصر هذا فعجب الحاضرون من ذلك ورأوا أنها كرامة لعبد المؤمن فازدادوا بها بصيرة في أمره وثباتا على بيعته مع ما كان من تقديم المهدي له في الصلاة أيام مرضه وفي ذلك يقول بعضهم أنس الشبل ابتهاجا بالأسد % ورأى شبه أبيه فقصد ) ( ودعا الطائر بالنصر لكم % فقضى حقكم حين وفد ) والله أعلم وكانت بيعة عبد المؤمن العامة بعد صلاة الجمعة لعشرين يوما من ربيع الأول سنة ست وعشرين وخمسمائة بجامع تينملل وأول من بايعه العشرة أصحاب المهدي ثم الخمسون من أشياخ الموحدين ثم كافة الموحدين لم يتخلف عن بيعته منهم أحد فاستوثق له الأمر واستولى على المغرب بأسره وفتح بلاد إفريقية إلى برقة وبلاد الأندلس بأسرها وخطب له على منابر هذه الأقاليم كلها على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله ولما تمت بيعته غزا من حينه بلاد تادلا فقتل بها وسبى ثم غزا بلاد درعة فاستولى عليها ثم غزا بلاد غمارة فافتتح البعض منها وقتل واليها ثم تسابق الناس إلى دعوته أفواجا وأنتقضت البربر على المرابطين في سائر أقطار المغرب وكان ما نذكره
غزوة عبد المؤمن الطويلة التي استولى فيها على المغربين
ثم صرف عبد المؤمن عزمه لفتح بلاد المغرب فغزا غزوته الطويلة التي مكث فيها سبع سنين وأجلت عن فتح المغربين معا الأقصى والأوسط خرج لها ثم تينملل في صفر سنة أربع وثلاثين وخمسمائة فلم يزل يتقرى بلاد المغرب ويفتح معاقلها ويستنزل حماتها ويذلل صعابها إلى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة وكان خروجه من تينملل على طريق الجبل وخرج تاشفين بن علي في أتباعه من مراكش على طريق السهل إلى أن وصلا إلى تلمسان حسبما قدمناه في أخبار المرابطين قال ابن خلدون خرج عبد المؤمن في هذه الغزوة من تينملل يعني على طريق الجبل كما قلنا وخرج تاشفين بن علي يعني في حياة والده بعساكره يحاذيه في البسيط والناس يفرون منه إلى عبد المؤمن وهو يتنقل في الجبال في سعة من الفواكه للأكل والحطب للدفء إلى أن وصل إلى جبال غمارة واشتعلت نار الفتنة والغلاء بالمغرب وأقشعت الرعايا عن البلاد وألح الطاغية على المسلمين بالعدوة الأندلسية وهلك خلال ذلك أمير المسلمين علي بن يوسف سنة سبع وثلاثين وخمسمائة وولي بعده ابنه تاشفين بن علي المذكور وهو في غزاته هذه
وفي القرطاس ارتحل عبد المؤمن إلى جبال غمارة وارتحل تاشفين بن علي في أثره فنزل بإزاء عين القديم وذلك في فصل الشتاء فأقام بذلك المنززل شهرين حتى أحرق أهل محلته أوتاد أخبيتهم ورماحهم وهدموا بيوتهم وخيامهم انتهى ونشأت فتنة بين لمتونة ومسوفة فنزع جماعة من أمراء مسوفة منهم عامل تلمسان يحيى بن إسحاق المعروف بآنكمار ولحقوا بعبد المؤمن ودخلوا في دعوته فنبذ إليهم المرابطون العهد وإلى سائر مسوفة واستمر عبد المؤمن على حاله فنازل سبتة فامتنعت عليه وتولى كبر دفاعه عنها القاضي أبو الفضل عياض بن موسى الشهير الذكر وكان رئيسها يومئذ بأبوته ومنصبه وعلمه ودينه قال ابن خلدون ولذلك سخطته الدولة يعني دولة الموحدين آخر الأيام حتى مات مغربا عن سبته مستعملا في خطة القضاء بالبادية من تادلا رحمه الله وتمادى عبد المؤمن في غزاته إلى جبال غياثة وبطوية فافتتحها ثم نازل ملوية فافتتح حصونها ثم تخطى إلى بلاد زناتة فأطاعته قبائل مديونة وكان قد بعث إليهم جيشا من الموحدين إلى نظر يوسف بن وانودين فخرج إليهم محمد بن يحيى بن فانوا عامل تلمسان من قبل المرابطين فيمن معه من جيوش لمتونة وزناتة فهزمهم الموحدون وقتل ابن فانوا وانفض جمع زناتة ورجعوا إلى بلادهم وولى تاشفين بن علي على تلمسان أبا بكر بن مزدلي وقدم على عبد المؤمن وهو بمكانه من الريف أبو بكر بن ماخوخ ويوسف بن بدر من أمراء بني ومانوا من زناتة فبعث معهم يحيى بن يغمور ويوسف بن وانودين في عسكر فأثخنوا في بلاد بني عبد الواد وبني يلومي من زناتة سبيا وأسرا ولحق صريخهم بتاشفين بن علي فأمدهم بعساكر لمتونة ومعهم الروبرتير قائد الروم ونزلوا منداس وانضمت إليهم قبائل زناتة من بني يلومي وبني عبد الواد مع شيخهم حمامة بن مطهر وإخوانهم بني توجين وغيرهم فأوقعوا بيني ومانوا وقتلوا أبا بكر بن ماخوخ في ستمائة من قومه واستنفذوا غنائمهم وتحصن الموحدون وفل بني وماتوا بجبل سيرات ولحق تاشفين بن ماخوخ صريخا بعبد المؤمن ومستجيشا به على لمتونة وزناتة فارتحل معه عبد المؤمن إلى تلمسان ثم أجاز إلى سيرات وقصد محلة لمتونة وزناتة فأوقع بهم ورجع إلى تلمسان فنزل ما بين الصخرتين من جبل تيطرى ونزل تاشفين بن علي بالسهل مما يلي الصفصاف ثم وصل مدد صنهاجة من قبل يحيى بن العزيز صاحب بجاية لنظر قائده بن كباب أمدوا به تاشفين بن علي وقومه لعصبية الصنهاجية وفي يوم وصوله أشرف على معسكر الموحدين وكان يدل بإقدام فعرض بلمتونة وأميرهم تاشفين بن علي لقعودهم عن مناجزة الموحدين وقال إنما جئتكم لأخلصكم من صاحبكم عبد المؤمن هذا وأرجع إلى قومي فامتعض تاشفين بن علي من كلمته وأذن له في المناجزة فحمل على القوم فركبوا وصمموا للقائه فكان آخر العهد به وانفض عسكره وكان تاشفين بعث من قبل ذلك قائده على الروم وهو الروبرتير في عسكر ضخم فأغار على قوم من زناتة كانوا في بسيط لهم فاكتسحهم ورجع بالغنائم فاعترضه الموحدون من عسكر عبد المؤمن فقتلوهم وقتلوا الروبرتير في جملتهم ثم بعث تاشفين بن علي بعثا آخر إلى جهة أخرى فلقيهم تاشفين بن ماخوخ ومن كان معه من الموحدين واعترضوا عسكر بجاية عند رجوعهم فنالوا منهم أعظم النيل وتوالت هذه الوقائع على تاشفين بن علي اللمتوني فأجمع الرحلة إلى وهران وبعث ابنه ولي عهده إبراهيم بن تاشفين إلى مراكش في جماعة من لمتونة وبعث كاتبا معه أحمد بن عطية ورحل هو إلى وهران سنة تسع وثلاثين وخمسمائة فأقام عليها شهرا ينتظر قائد أسطوله محمد بن ميمون إلى أن وصله من المرية بعشرة أساطيل فأرسى قريبا من معسكره وزحف عبد المؤمن من تلمسان وبعث في مقدمته الشيخ أبا حفص عمر بن يحيى الهنتاتي ومعه بنو ومانوا من زناتة فتقدموا إلى بلاد زناتة ونزلوا منداس وسط بلادهم وجمع له بنو يادين كلهم وبنو بلومي وبنو مرين ومغراوة فأثخن فيهم الموحدون حتى أذعنوا للطاعة ودخلوا في دعوتهم ووفد على عبد المؤمن جماعة من رؤسائهم وكان منهم سيد الناس ابن أمير الناس شيخ بني يلومي وحمامة بن مطهر شيخ بني عبد الواد وغيرهم فتلقاهم بالقبول وسار بهم في جموع الموحدين إلى وهران فبيتوا لمتونة بمعسكرهم ففضوهم ولجأ تاشفين إلى رابية هناك فأحدقوا بها وأضرموا النيران حولها حتى إذا غشيهم الليل خرج تاشفين من الحصن راكبا فرسه فتردى به من بعض حافات الجبل وهلك لسبع وعشرين من رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة وبعث برأسه إلى تينملل ونجا فل العسكر إلى وهران فانحصروا بها مع أهلها حتى جهدهم العطش فنزلوا على حكم عبد المؤمن يوم عيد الفطر من السنة المذكورة فاستأصلهم القتل رحمهم الله وبلغ خبر مقتل تاشفين بن علي إلى تلمسان مع فل لمتونة الذين نجوا من وقعة وهران وفيهم سير بن الحاج في آخرين من أعيانهم ففر معهم من كان بها من لمتونة ولما وصل عبد المؤمن إلى تلمسان استباح أهل تاكرارت لما كان أكثرهم من الحشم بعد أن كان بعثوا ستين من وجوههم فلقيهم يصليتن من مشيخة بني عبد الواد فقتلهم أجمعين وافتتح عبد المؤمن تلمسان وعفا عن أهلها ورحل عنها لسبعة أشهر من فتحها بعد أن ولى عليها سليمان بن محمد بن وانودين وقيل يوسف بن وانودين
فتح مدينة فاس
نقل بعض المؤرخين أن عبد المؤمن لم يزل محاصرا لتلمسان والفتوح ترد عليه وهناك وصلته بيعة أهل سجلماسة إلى أن اعتزم على الرحيل إلى المغرب فترك إبراهم يبن جامع محاصرا لتلمسان وقصد مدينة فاس سنة إحدى وأربعين وخمسمائة وقد تحصن بها يحيى بن أبي بكر الصحراوي من فل تاشفين بن علي من وهران فنازلها عبد المؤمن وبعث عسكرا لحصار مكناسة ثم نهض في أتباعه وترك عسكرا من الموحدين على فاس وعليهم الشيخ أبو حفص وأبو إبراهيم من صحابة المهدي العشرة فحاصروها سبعة أشهر ثم داخلهم ابن الجياني فسرب البلد وأدخل الموحدين ليلا وفر يحيى بن أبي بكر الصحراوي إلى طنجة ثم أجاء منها إلى يحى بن علي المسوفي المعروف بابن غانية بالأندلس وكان واليا على قرطبة من قبل المرابطين فأقام عنده إلى أن كان من أمره ما نذكره وانتهى خبر فتح فاس إلى عبد المؤمن وهو بمكانه من حصار مكناسة فرجع إليها ودخلها وحكى صاحب القرطاس في فتح فاس خلاف هذا الوجه فقال وفي سنة أربعين وخمسمائة فتح عبد المؤمن فاسا بعد حصار شديد قطع عنها ماء النهر الداخل إليها وسده بالبناء والخشب حتى انحبس الماء فوق بسيط الأرض وانتهى إلى مراكزه منها ثم خرق السد فانحدر الماء على المدينة دفعة واحدة وهدم سورها ثم هدم من دورها مايزيد عن ألفي دار بالتثنية وهلك بها خلق كثير وكان الماء يأتي على أكثرها ثم دخلها عبد المؤمن وأمن أهلها إلا من كان بها من المرابطين فإنه أمر أن لا يمضي لهم أمان وقتلهم قتل عاد ثم أمر بسور المدينة فهدم منه ثلم كثيرة أوسعها جدا وقال إنا لا نحتاج إلى سور وإنما أسوارنا سيوفنا وعدلنا فم تزل فاس لا سور لها إلى أن تداركها حافده يعقوب المنصور فابتدأ بناءه ومات فأتمه ابنه الناصر سنة ستمائة ولما فتح عبد المؤمن فاسا ولى عليها إبراهيم بن جامع الذي خلفه على تلمسان فإنه لما فتحها ارتحل إلى عبد المؤمن فاتصل به وهو محاصر لفاس ففتحها عبد المؤمن وولاه عليها وان قد اعترضه في طريقه المخضب بن عسكر شيخ بني مرين ونالوا منه ومن رفقته وكانت معه أموال لمتونة وذخيرتهم التي استولى عليها عبد المؤمن بوهران وكان ابن جامع ذاهبا بها إلى تينملل فاعترضه بنو مرين وانتزعوها منه وانتهى الخبر بذلك إلى عبد المؤمن فكتب إلى عامله على تلمسان يوسف بن وانودين يأمره أن يجهز العساكر إلى بني مرين فبعثها صحبة عبد الحق بن منغفاد شيخ بني عبد الواد فأوقعوا ببني مرين وقتل المخضب شيخهم
فتح مراكش واستئصال بقية اللمتونيين
ثم ارتحل عبد المؤمن من فاس عامدا إلى مراكش فوافته في طريقه بيعة أهل سبتة فولى عليهم يوسف بن مخلوف من مشيخة هنتاتة ومر على مدينة سلا فافتتحها بعد مواقعة قليلة وثلم سورها كفاس ونزل منها بدار ابن عشرة وكانت هذه الدار قصرا بديعا بمدينة سلا بناه الفقيه أبو العباس بن القاسم من بين عشرة فشيده وأتقنه ولما فرغ منه وصفته الشعراء وهنته به ودعت له وكان بالحضرة يومئذ الأديب ابن الحمارة ولم يكف أعد شيئا ففكر قليلا ثم قال ( يا أوحد الناس قد شيدت واحدة % فحل فيها حلول الشمس في الحمل ) ( فما كدارك في الدنيا لذي أمل % ولا كدارك في الأخرى لذي عمل ) وهذا القصر لم يبق له اليوم اسم ولا رسم ثم تمادى عبد المؤمن إلى مراكش وسرح الشيخ أبا حفص لغزو برغواطة فأثخن فيهم ورجع فلقيه في طريقه وانتهوا جميعا إلى مراكش وقد انضم إليها جموع لمطة فأوقع بهم الموحدون وأثخنوا فيهم قتلا واكتسحوا أموالهم وظعائنهم وأقاموا على مراكش تسعة أشهر وأميرهم يومئذ إسحاق بن علي بن يوسف بن تاشفين وكانوا قد بايعوا أولا إبراهيم بن تاشفين بن علي فألفوه مضعفا عاجزا فخلعوه وبايعوا عمه إسحاق بن علي المذكور وهو صبي صغير ولما طال عليهم الحصار وجهدهم الجوع برزوا إلى مدافعة الموحدين فانهزموا وتبعهم الموحدون بالقتل فاقتحموا عليهم المدينة في أخريات شوال سنة إحدى وأربعين وخمسمائة وقتل عامة الملثمين ونجا إسحاق في جملته وأعيان قومه إلى القصبة حتى نزلوا على حكم الموحدين وأحضر إسحق بين يدي عبد المؤمن فقتله الموحدون بأيديهم وتولى كبر ذلك أبو حفص بن واجاج منهم وانمحى أثر الملثمين واستولى الموحدون على جميع البلاد وقد قيل في ترتيب هذه الأخبار غير هذا الوجه قال ابن مطروح القيسي لما بويع عبد المؤمن بتينملل ارتحل بجيوش الموحدين نحو مراكش فحاصرها أياما وذلك في شوال سنة ست وعشرين وخمسمائة ثم ارتحل عنها إلى تادلا ثم إلى سلا فتلقاه أهلها سامعين مطيعين فدخلها يوم السبت الرابع والعشرين من ذي الحجة من السنة المذكورة وخطب له بها وفي سنة سبع وعشرين بعدها فتح عبد المؤمن بلاد تازا وفي سنة ثمان وعشرين بعدها تسمى عبد المؤمن بأمير المؤمنين واعلم أن اللقب كان في صدر الإسلام خاصا بالخليفة بالمشرق من بني أمية أو من بني العباس بعدهم ولما قام عبيد الله المهدي أول ملوك العبيديين بإفريقية تسمى بأمير المؤمنين لأنه كان يرى أنه أحق بالخلافة من بني العباس المعاصرين له بالمشرق فهو أول من زاحم الخليفة في هذا اللقب ثم تبعه على ذلك عبد الرحمن الناصر الأموي صاحب الأندلس ورأى أن له في الخلافة حقا اقتداء بسلفه الذين كانوا خلفاء بالمشرق وكلاهما أعني العبيدي والأموي قرشي من عبد مناف ثم لم يتجاسر أحد لا من ملوك العجم بالمشرق ولا من ملوك البربر من المغرب على اللقب بأمير المؤمنين لأنه لقب الخليفة الأعظم القرشي كما علمت إلى أن جاءت دولة المرابطين وكان منهم يوسف بن تاشفين واستولى على المغربين والأندلس وعظم سلطانه واتسعت مملكته وخاطب الخليفة العباسي بالمشرق فولاه على ما بيده وتسمى بأمير المسلمين أدبا مع الخليفة حسبما أشرنا إليه سالفا ولما جاء عبد المؤمن هذا لم يبال بذلك كله واتسم بالخليفة وتلقب بأمير المؤمنين وتبعه على ذلك بنوه من بعده ولسان الحال ينشد ( لقد هزلت حتى بدا من هزالها % كلاها وحتى سامها كل مفلس ) وفي سنة تسع وعشرين وخمسمائة أمر عبد المؤمن ببناء رباط مدينة تازا فبنيت وحصن سورها ثم كانت محاربته لتاشفين بن علي على نحو ما أسلفناه والله تعالى أعلم
ثورة محمد بن هود السلاوي المعروف بالماسي
كان محمد بن هود بن عبد الله السلاوي رجلا من سوقة أهل سلا وكان أبوه سمسارا بها يبيع الكنابيش وكان هو قصارا بها مدة ثم لحق بعبد المؤمن عندما ظهر وبايعه وشهد معه فتح مراكش ثم فارقه وظهر برباط ماسة من ناحية السوس ودعا لنفسه وتسمى بالهادي وتمكن ناموسه من قلوب العامة وكثير من الخاصة فأقبل إليه الشراد من كل جانب وانصرفت إليه وجوه الأغمار من أهل الآفاق وأخذ بدعوته أهل سجلماسة ودرعة وقبائل دكالة ورجراجة وقبائل تامسنا وهوارة وفشت ضلالته في جميع المغرب قال في القرطاس بايعه جميع القبائل حتى لم يبق تحت طاعة عبد المؤمن إلا مراكش فسرح إليه عبد المؤمن عسكرا من الموحدين لنظر يحيى بن إسحاق أنكمار النازع إليه من إيالة تاشفين بن علي حسبما تقدم فالتقى بالماسي وقاتله فانتصر الماسي عليه وعاد مهزوما إلى عبد المؤمن فسرح إليه عبد المؤمن ثانيا الشيخ أبا حفص الهنتاتي في جيش عظيم من أشياخ الموحدين وغيرهم واحتفل عبد المؤمن في الاستعداد ونهض الشيخ أبو حفص من مراكش فاتح ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة وشيعه عبد المؤمن إلى وادي تانسيفت ثم دعا له وودعه وانصرف الشيخ أبو حفص في جيوش الموحدين حتى انتهوا إلى رابطة ماسة فبرز إليهم محمد بن هود في نحو ستين ألفا من الرجالة وسبعمائة من الفرسان فكانت بينهم حرب شديدة ثم انتصر عليهم الموحدون فهزموهم وقتل محمد بن هود في المعركة مع كثير من أتباعه وفضت جموعه وكان ذلك في ذي الحجة من السنة المذكورة وكان الذي باشر قتل ابن هود هو الشيخ أبو حفص رئيس الجيش فلقبه الموحدون سيف الله تشبيها له بخالد بن الوليد رضي الله عنه وكتب الشيخ أبو حفص إلى عبد المؤمن برسالة الفتح من إنشاء الفقيه أبي جعفر بن عطية القضاعي الكاتب المشهور يقول فيها كتابنا هذا من وادي ماسة بعد ما تجدد من أمر الله الكريم ونصره تعالى المعهود القديم وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم فتح بهر الأنوار إشراقا وأحدق بنفوس المؤمنين إحداقا ونبه للأماني النائمة جفونا وأحداقا واستغرق غاية الشكر استغراقا فلا تطيق الألسن لكنه وصفه إدراكا ولا لحاقا جمع أشتات الطلب والأرب وتقلب في النعم أكرم منقلب وملأ دلاء الأمل إلى عقد الكرب ( فتح تفتح أبواب السماء له % وتبرز الأرض في أثوابها القشب )
وتقدمت بشارتنا به جملة حين لم تعط الحال بشرحه مهلة كان أولئك الضالون قد بطروا عدوانا وظلما واقتطعوا الكفر معنى واسما وأملى الله تعالى لهم ليزدادوا إثما وكان مقدمهم الشقي قد استمال النفوس بخزعبلاته واستهوى القلوب بمهولاته ونصب له الشيطان من حبلاته فأتته المخاطبات من بعد وكثب وانسلت إليه الرسل من كل حدب واعتقدته الخواطر أعجب عجب وكان الذي قادهم إلى ذلك وأوردهم تلك المهالك وصول من كان بتلك السواحل ممن ارتسم برسم الإنقطاع عن الناس فيما سلف من الأعوام واشتغل على زعمه بالقيام والصيام آناء الليالي والأيام لبسوا الناموس أثوابا وتدرعوا الرياء جلبابا فلم يفتح الله تعالى لهم للتوفيق بابا ومنها في ذكر صاحبهم الماسي المدعي للهداية فصرع بحمد الله تعالى لحينه وبادرت إليه بوادر منونه وأتته وافدات الخطايا عن يساره ويمينه وقد كان يدعى أنه بشر بأن المنية في هذه الأعوام لا تصيبه والنوائب لا تنوبه ويقول في سواه قولا كثيرا ويختلق على الله تعالى إفكا وزورا فلما رأوا هيئة اضطجاعه وما خطته الأسنة في أعضائه وأضلاعه ونفذ فيه من أمر الله تعالى ما لم يقدروا على استرجاعه هزم من كان لهم من الأحزاب وتساقطوا على وجوهم تساقط الذباب وأعطوا على بكرة أبيهم صفحات الرقاب ولم تقطر كلومهم إلا على الأعقاب فامتلأت تلك الجهات بأجسامهم وآذنت الآجال بانقراض آمادهم وأخذهم الله تعالى بكفرهم وفسادهم فلم يعاين منهم إلا من خر صريعا وسقى الأرض نجيعا ولقي من أمر الهنديات فظيعا ودعت الضرورة باقيهم إلى الترامي في الوادي فمن كان يؤمل الفرار ويرتجيه ويسبح طامعا في الخروج إلى ما ينجيه اختطفته الأسنة اختطافا وأذاقته موتا ذعافا ومن لج في الترامي على لججه ورام البقاء في ثبجه قضى عليه شرقه وألوى بذقنه غرقه ودخل الموحدون إلى البقية الكائنة فيه يتناولون قتلهم طعنا وضربا ويلقونهم بأمر الله تعالى هولا عظيما وكربا حتى انبسطت مراقات الدماء على صفحات الماء وحكت حمرتها على زرقته حمرة الشفق على زرقة السماء وجزت العبرة للمعتبر في جري ذلك الدم جري الأبحر وبالجملة فهي رسالة بليغة وهي التي أورثت منشئها الرتبة العلية والمنزلة السنية فإن عبد المؤمن لما وقف عليها استحسنها ووقعت منه موقعا كبيرا فاستكتبه أولا ثم استوزره ثانيا ثم نكبه وقتله ثالثا كما سيأتي ولما انصرف الشيخ أبو حفص من غزوة ماسة أراح بمراكش أياما ثم خرج غازيا بلاد القائمين بدعوة محمد بن هود بجبال درن فأوقع بأهل نفيس وهيلانة وأثخن فيهم بالقتل والسبي حتى أذعنوا للطاعة ورجع ثم خرج إلى هسكورة فأوقع بهم وافتتح معاقلهم وحصونهم ثم نهض إلى سجلماسة فاستولى عليها ورجع إلى مراكش ثم خرج ثالثة إلى برغواطة فحاربوه مدة ثم هزموه واضطرمت نار الفتنة بالمغرب وكان ما نذكره
انتقاض أهل سبتة على الموحدين وخبر القاضي عياض رحمه الله معهم
قد تقدم لنا أن عبد المؤمن كان غزا سبتة في غزوته الطويلة وأن القاضي عياضا رحمه الله دافعه عنها وأنه لما قتل تاشفين بن علي وفتحت تلمسان وفاس واستفحل أمر عبد المؤمن بايع أهل سبتة في جملة من بايع من أمصار المغرب قالوا وبادر القاضي عياض إلى لقاء عبد المؤمن فاجتمع به بمدينة سلاحين كان ذاهبا لفتح مراكش فأجزل صلته وولى على سبتة يوسف بن مخلوف التينمللي وساكن الموحدون أهل سبتة في ديارهم واطمأنوا إليهم فلما انتقض المغرب على عبد المؤمن بسبب قيام محمد بن هود وما نشأ عن ذلك من الفتن انتقض أهل سبتة أيضا وكان انتقاضهم كما في القرطاس برأي القاضي عياض رحمه الله فقتلوا عامل الموحدين ومن كان معه من أصحابه وحاميته وحرقهم بالنار وركب القاضي عياض البحر إلى يحيى بن علي المسوفي المعروف بابن غانية وكان معتصما بقرطبة متمسكا بدعوة المرابطين فلقيه وأدى إليه البيعة وطلب منه واليا على سبتة فبعث معه يحيى بن أبي بكر الصحراوي الذي كان معتصما بفاس أيام حصار عبد المؤمن لها ففر ولحق بابن غانية كما قلنا وبقي في جملته إلى أن بعثه مع القاضي عياض في هذه المرة فدخل يحيى سبتة وقام بأمرها ولما اتصلت بعبد المؤمن هذه الأخبار مع ما تقدم من هزيمة برغواطة للشيخ أبي حفص خرج من مراكش قاصدا بلاد برغواطة أولا ثم من بعدهم ثانيا فتسامعت برغواطة بخروج عبد المؤمن إليهم فكتبوا إلى يحيى بن أبي بكر بمكانه من سبتة يستنصرونه عليهم فأتاهم وبايعوه واجتمعوا عليه وقاتلوا عبد المؤمن فهزموه ثم كانت له الكرة عليهم فهزمهم وحكم السيف فيهم واستأصل شأفتهم حتى انقادوا للطاعة وتبرؤوا من يحيى الصحراوي ولمتونة وفر الصحراوي إلى منجاته ثم طلب الأمان من عبد المؤمن وتشفع إليه بأشياخ القبائل فأمنه ووفد عليه فبايعه وحسنت طاعته لديه وكان ذلك سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة ولما رأى أهل سبتة ذلك كله سقط في أيديهم وندموا على صنيعهم وكتبوا بيعتهم إلى عبد المؤمن وقدم بها أشياخ سبتة وطلبتها تائبين فعفا عنهم وعن القاضي عياض وأمره بسكنى مراكش والصحيح أنه ولاه القضاء بتادلا ثم دخل مراكش قيل دخلها مريضا مرض موته وقيل مات بالطريق وحمل إليها وأمر عبد المؤمن مع ذلك بهدم سور سبتة فهدم وكذلك فعل بفاس وسلا وأعلم أن ما صدر من القاضي عياض رحمه الله في جانب الموحدين دليل على أنه كان يرى أن لا حق لهم في الأمر و الإمامة وإنما هم متغلبون وهذا أمر لا خفاء به كما هو واضح ولما كانت شوكة عبد المؤمن لا زالت ضعيفة وتاشفين بن علي أمير الوقت لا زال قائم العين امتنع القاضي عياض رحمه الله من مبايعة عبد المؤمن ودافعه عن سبتة إذ لا موجب لذلك لأن بيعة تاشفين في أعناقهم وهو لا زال حيا فلا يعدل عن بيعته إلى غيره بلا موجب وأما ما غالط به المهدي رحمه الله من أن المرابطين مجسمة وأن جهادهم أوجب من جهاد الكفار فضلا عن أن تكون طاعتهم واجبة فسفسطة منه عفا الله عنا وعنه ولما قتل تاشفين وفتحت تلمسان وفاس وقويت شوكة عبد المؤمن بايعه القاضي عياض حينئذ وقبل صلته لأن من قويت شوكته وجبت طاعته ثم لما ضعف أمره ثانيا بسبب قيام الماسي عليه وإجماع قبائل المغرب على التمسك بدعوته رجع القاضي بأهل سبتة عن بيعته إلى طاعة المرابطين الذين لهم الحق في الإمامة بطريق الأصالة ولم يأخذ بدعوة الماسي لأنه ثائر أيضا هذا مع ما كان ينقل عن المهدي من أنه غلبت نزعة خارجية عليه وأنه يقول بعصمة الإمام وذلك بدعة كما لا يخفى فتكون إمامته وإمامة أتباعه مقدوحا فيها من هذه الحيثية لكن حيث حصل التغلب والإستيلاء وجبت الطاعة فالحاصل أن ما فعله القاضي عياض أولا وثانيا وثالثا كله صواب موافق للحكم الشرعي فهكذا ينبغي أن تفهم أحوال أئمة الدين وأعلام المسلمين رضي الله عنهم ونفعنا بعلومهم
وأما القتل والتحريق الذي صدر من أهل سبتة فالظن بالقاضي عياض رحمه الله أنه لا يوافق على ذلك ولا يرضاه لكن العامة تتسرع إلى مجاوزة الحدود لا سيما أيام الفتن وذلك معروف من حالهم والله الموفق ولما دخلت سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة فتح الموحدون مدينة مكناسة القديمة بعد حصارهم إياها سبع سنين اقتحموها عنوة يوم الأربعاء ثالث جمادى الأولى من السنة المذكورة فخربت وقتل أكثر رجالها وسبي حريمهم وخمست أموالهم ثم بنيت مكناسة تاكرارت المدينة الموجودة الآن
أخبار الأندلس و فتوحها
كان عبد المؤمن لما فتح تلمسان وفاسا بعث إلى الأندلس جيشا من عشرة آلاف فارس من أنجاد الموحدين وقال ابن خلدون بعث عبد المؤمن بعد فتح مراكش جيشا من الموحدين لنظر بدران بن محمد المسوفي النازع إلى عبد المؤمن من جملة تاشفين بن علي وعقد له على حرب الأندلس ومن بها من لمتونة والثوار وأمده بعسكر آخر لنظر موسى بن سعيد وبعده بعسكر آخر لنظر عمر بن صالح الصنهاجي ولما أجازوا إلى الأندلس نزلوا بأبي الغمر بن عزرون صاحب شريش فكان أول بلد فتحوا من الأندلس بلد شريش خرج إليهم صاحبها أبو الغمر فيمن معه من المرابطين وبايعهم لعبد المؤمن ودخل في طاعته فكان الموحدون يسمون أهل شريش بالسابقين الأولين وحررت أملاكهم فلم تزل محررة سائر أيامهم فلم يكن في أملاكهم رباعة وجميع بلاد الأندلس مربعة وكان ملوك الموحدين إذا قدم عليهم وفود الأندلس كان أول من ينادي منهم أهل شريش فكان يقال أين السابقون فيدخلون للسلام فإذا سلموا وقضيت حاجاتهم انصرفوا فدخل غيرهم حينئذ وكان فتح شريش فاتح ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ثم زحف الموحدون إلى لبلة وكان بها من الثوار يوسف بن أحمد البطروجي فبذل لهم الطاعة ثم زحفوا إلى شلب ففتحوها ثم نهضوا إلى باجة وبطليوس ففتحوهما أيضا ثم زحفوا إلى إشبيلية فحاصروها برا وبحرا إلى أن فتحوها في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة وفر من كان بها من المرابطين إلى قرمونة وقتل من أدركه القتل منهم وقتل في جملتهم عبد الله ولد القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري الحافظ المشهور وأصيب في هيعة تلك الدخلة من غير قصد وكتب الموحدون بالفتح إلى عبد المؤمن ثم قدم عليه وفدهم بمراكش مبايعين له سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة ورئيس الوفد يومئذ القاضي أبو بكر بن العربي المذكور فألفوا عبد المؤمن مشغولا بحرب محمد بن هود الماسي فأقاموا بمراكش سنة ونصفا لم يلقوه فيها حتى كان يوم عيد الأضحى من سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة فلقوه بالمصلى فسلموا عليه سلام الجماعة ثم بعد ذلك دخلوا عليه فسملوا عليه السلام الخاص وقبلت بيعتهم وسأل عبد المؤمن القاضي أبا بكر بن العربي عن المهدي هل كان لقيه عند الإمام أبي حامد الغزالي فقال ما لقيته ولكن سمعت به فقال له فما كان أبو حامد يقول فيه قال كان يقول إن هذا البربري لا بد أن سيظهر ثم صرف عبد المؤمن أهل إشبيلية بعد أن أجازهم وكتب لهم منشورا بتحرير أملاكهم فانصرفوا عنه في جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة فلما قربوا من مدينة فاس توفي الإمام أبو بكر بن العربي رحمه الله فحمل ودفن خارج باب المحروق منها بتربة القائد مظفر وقبره مزارة إلى الآن وعليه قبة حسنة وفي هذه السنة ملك الموحدون قرطبة وكان بها يحيى بن علي المسوفي المعروف بابن غانية مقيما لدعوة المرابطين فلما دخل الموحدون الأندلس واشتعلت نار الفتنة بحرب المرابطين انتهز الطاغية الفرصة في بلاد الإسلام وضايق ابن غانية بقرطبة وألح على جهاته حتى نزل له عن بياسة وأبدة وتغلب على أشبونة وطرطوشة والمرية وماردة وأفراغة وشنترين وشنتمرية وغيرها من حصون الأندلس وطالب ابن غانية بالزيادة على ما بذل له أو الإفراج عن قرطبة فأرسل ابن غانية إلى بدران بن محمد أمير الموحدين واجتمعا بأستجة وضمن له بدران أمان الخليفة عبد المؤمن على أن يتخلى له عن قرطبة وقرمونة ففعل ثم لحق بغرناطة وبها ميمون بن بدر اللمتوني في جماعة من المرابطين وأراد أن يكلمه في الدخول في طاعة الموحدين وأن يمكنهم من غرناطة كما فعل هو بقرطبة فتوفي بغرناطة يوم الجمعة الرابع والعشرين من شعبان سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ودفن في القصبة بإزاء قبر باديس بن حبوس الصنهاجي وانتهز الطاغية الفرصة في قرطبة فزحف إليها وحاصرها فجهز إليه الموحدون الذين كانوا بإشبيلية أبا الغمر بن عزرون لحمايتها ووصل إليه مدد يوسف البطروجي من لبلة وبلغ الخبر عبد المؤمن فبعث إليها عسكرا من الموحدين لنظر يحيى بن يغمور ولما دخلها أفرج عنها الطاغية لأيام من مدخله وبادر ثوار الأندلس إلى يحيى بن يغمور في طلب الأمان من عبد المؤمن ثم تلاحقوا به بمراكش فتقلبهم وصفح لهم عما سلف
قدوم عبد المؤمن إلى سلا ووفادة أهل الأندلس عليه بها
لما كانت سنة خمس وأربعين وخمسمائة قدم عبد المؤمن من مراكش إلى سلا فنظر في أمرها وأجرى إليها ماء عين غبولة حتى وصل إلى رباطها ولم تكن رباط الفتح يومئذ قد بنيت لأن بانيها حافده يعقوب المنصور كما سيأتي إن شاء الله وإنما كان يقال رباط سلا ثم أذن عبد المؤمن لأهل الأندلس في الوفادة عليه بسلا فقدموا عليه في نحو خمسمائة فارس من الفقهاء والقضاة والخطباء والأشياخ والقواد فتلقاهم الشيخ أبو حفص الهنتاتي والوزير الكاتب أبو جعفر بن عطية وأشياخ الموحدين على نحو ميلين من المدينة فأمر عبد المؤمن بإنزالهم وأفاض عليهم سجال الإكرام وأنواع الضيافات والإنعام وبقوا على ذلك ثلاثة أيام ثم أذن لهم في الدخول فدخلوا عليه أول يوم من المحرم فاتح سنة ست وأربعين وخمسمائة فسلموا عليه وأشار الوزير ابن عطية لأهل قرطبة بالتقدم فتقدم قاضيهم أبو القاسم بن الحاج فأراد أن يتكلم فدهش ثم وصف حال قرطبة فقال يا أمير المؤمنين إن الفنش لعنه الله قد أضعفها فتلافاه أبو بكر بن الجد بالحطبة البليغة فجلى في ذلك المجلس واستحسن عبد المؤمن خطبته ووصل الجميع كلا على قدره وقضى مطالبهم وأوصاهم بما اقتضاه الحال وأمرهم بالإنصراف إلى بلادهم فانصرفوا فرحين مغتبطين وقال ابن خلدون استدعى عبد المؤمن أهل الأندلس وهو بسلا فوفدوا عليه وبايعوه جميعا وبايعه الرؤساء من الثوار على الإنخلاع من الأمر مثل سدراتي ابن وزير صاحب باجة ويابرة ويوسف البطروجي صاحب لبلة وابن عزرون صاحب شريش ورندة ومحمد بن الحجام صاحب بطليوس وعامل بن مهيب صاحب طلبيرة وتخلف ابن القيسي وأهل شلب عن هذا الجمع فكان سببا لقتله من بعد وانصرف أهل الأندلس إلى بلادهم ورجع عبد المؤمن إلى مراكش واستصحب الثوار فلم يزالوا بحضرته والله تعالى أعلم
غزو إفريقية وفتح مدينة بجاية
ثم بلغ عبد المؤمن اضطراب بلاد إفريقية بسبب تنازع ملوكها من بني زيري بن مناد الصنهاجيين واستطالة العرب عليهم بها فاجمع الرحلة إلى غزوها بعد أن شاور الشيخ أبا حفص وأبا إبراهيم وغيرهما من المشيخة فوافقوه فخرج من مراكش أواخر سنة ست وأربعين وخمسمائة واستخلف عليها الشيخ أباحفص الهنتاتي وسار حتى وصل إلى سلا فأقام بها شهرين ثم نهض منها إلى سبتة مظهرا أنه يريد العبور إلى الأندلس بقصد الجهاد فلما وصل إلى سبتة استدعى فقهاء قرطبة وإشبيلية وأعيان الأندلس وقوادها فاستوضح منهم أحوال البلاد وأوصاهم بما إليهم منها وودعهم ورحل عن سبتة مظهرا العود إلى مراكش وصار حتى وصل إلى القصر الكبير وهو قصر كتامة فميز جيوشه وأزاح عللهم وفرق فيهم الأموال وأمرهم بتجديد الأزواد وخرج يعتسف البلاد على غير طريق فجعل مدينة فاس عن يمينه وجد السير حتى خرج على وادي ملوية ثم سار إلى تلمسان فأقام بها يوما واحدا ثم خرج منها وولى السير قاصدا بجاية فطرق الجزائر على حين غفلة من أهلها فدخلها وأمنهم وفر صاحبها القائم بن يحيى بن العزيز إلى أبيه يحيى ببجاية وخرج إلى عبد المؤمن الحسن بن علي الصنهاجي صاحب المهدية وكان الفرنج قد أخرجوه منها فقصد ابن عمه يحيى بن العزيز صاحب بجاية فعدل به إلى الجزائر وأنزله بها كالمسجون فلما طرق عبد المؤمن الجزائر في هذه المرة خرج إليه الحسن بن علي المذكور فصحبه ووصل يده بيده حتى كان من أمره ما نذكره إن شاء الله ثم اعترضت جيوش صنهاجة عبد المؤمن بأم العلو فهزمهم وصبح بجاية من الغد فدخلها وفر صاحبها يحيى بن العزيز الصنهاجي آخر ملوك بني حماد أصحاب القلعة فركب البحر في أسطولين كان أعدهما لذلك واحتمل فيهما ذخيرته وأمواله وعزم على المسير إلى مصر ثم عدل إلى بونة فنزل على أخيه الحارث فأنكر عليه سوء صنيعه وإفراجه عن البلد فارتحل عنه إلى قسنطينة فنزل على أخيه الحسن فتخلى له عن الأمر وفي خلال ذلك دخل الموحدون قلعة حماد عنوة وكان عبد المؤمن وجه جيشا من الموحدين إليها وأمر عليهم ابنه أبا محمد عبد الله فدخلوها وأضرموا النيران في مساكنها وخربوها وقتلوا بها نحو ثمانية عشر ألفا وامتلأت أيدي الموحدين من الغنائم والسبي ثم جمع لهم العرب الذين هناك من الأثبج وزغبة ورياح وغيرهم بسطيف فأوقعوا بهم واستلحموهم وسبوا نساءهم واكتسحوا أموالهم وأما يحيى بن العزيز فإنه بايع لعبد المؤمن سنة سبع وأربعين وخمسمائة ونزل له عن قسنطينة واشترط لنفسه فوفى له عبد المؤمن ونقله إلى مراكش بأهله وخاصته فسكنها وأفاض عليه سجال الإحسان وأنزله منزلة رفيعة ثم انتقل إلى سلا سنة ثمان وخمسين وخمسمائة فسكن بقصر ابن عشرة منها إلى أن مات من سنته رحمه الله ووفد على عبد المؤمن بمراكش كبراء العرب من أهل إفريقية طائعين فوصلهم ورجعوا إلى قومهم مغتبطين
فتح المرية وبياسة وأبدة
كانت هذه البلاد قد استولى عليها الفرنج أيام الموحدين والمرابطين بالأندلس فلما كانت سنة ست وأربعين وخمسمائة عبر الشيخ أبو حفص إلى الأندلس في جيش كثيف من الموحدين ومعه السيد أبو سعيد ابن أمير المؤمنين برسم الجهاد وكان بنو عبد المؤمن يسمون أبناءهم بالسادة فنزلوا المرية وضيقوا عليها بالحصار وبنى السيد أبو سعيد على محلته سورا واستغاث نصارى المرية بالفنش فأغاثهم بمحمد بن مردنيش وكان واصلا يده بيده ووجه معه السلطين أحد قواد الفرنج في جيش كثيف فلم يتمكنوا من البلد ولا من محلة الموحدين لكونها محصنة بالسور فرجع ابن مردنيش والسلطين بخفي حنين وافترقا فلم يجتمعا بعد ثم عمد السلطين إلى بياسة وأبدة فأخلاهما من النصارى الذين كانوا بهما خوفا عليهم ورجع عوده على بدئه وأما السيد أبو سعيد فإنه شدد الحصار على المرية حتى نزلوا على الأمان بواسطة الوزير ابن عطية وفي سنة ثمان وأربعين وخمسمائة وجه عبد المؤمن على يصليتن قريب المهدي فأتى به مكبولا من سبتة فأمر بقتله وصلبه بباب مراكش لأمر نقمه عليه ثم ارتحل عبد المؤمن بعد مقتل يصليتن إلى تينملل بقصد زيارة قبر المهدي فزار وفرق في أهلها أموالا عظيمة وأمر ببناء مسجدها وتوسعتها
قدوم عبد المؤمن مدينة سلا وتولية أولاده على النواحي بها
لما قضى عبد المؤمن إربه من تينملل ارتحل منها إلى سلا فأقام بها بقية سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ثم دخلت سنة تسع وأربعين بعدها فبايع لابنه السيد أبي عبد الله محمد بولاية العهد وأمر أن يذكر في الخطبة بعده وكتب بذلك إلى جميع الآفاق ثم عقد لابنه السيد أبي الحسن علي على فاس وأعمالها واستوزر له أبا الحجاج يوسف بن سليمان وعقد لانه السيد أبي حفص عمر على تلمسان وأعمالها واستوزر له أبا محمد عبد الحق بن وانودين واستكتب له أبا الحسن عبد الملك بن عياش وعقد لابنه السيد أبي سعيد عثمان على سبتة وطنجة واستوزر له أبا محمد عبد الله بن سليمان وأبا عثمان سعيد بن ميمون الصنهاجي واستكتب له أبا بكر بن طفيل القيسي وأبا بكر بن حبيش الباجي وعقد لابنه السيد أبي محمد عبد الله على بجاية وأعمالها واستوزر له أبا سعيد يخلف بن الحسن وعقد للشيخ أبي زيد بن يكيث على قرطبة وأعمالها ويقال إن قرطبة كانت في هذا التاريخ بيد يحيى بن يغمور والله أعلم واستقامت الأحوال لعبد المؤمن وبنيه وصفا له المغربان والأندلس والله غالب على أمره
إيقاع عبد المؤمن بعبد العزيز وعيسى أخوي المهدي والسبب في ذلك
كان عبد العزيز وعيسى أخوي المهدي من مشيخة العسكر ووجوه الجيش بإشبيلية أيام فتحها ووفادة أهلها على عبد المؤمن بمراكش حسبما تقدم ثم ساء أثرهما بها واستطالت أيديهما على أهلها واستباحا الدماء والأموال ثم اعتزما على الفتك بيوسف البطروجي صاحب لبلة فلحق ببلده وأخرج الموحدين الذين بها وحول الدعوة عنهم إلى المرابطين ونشأ عن ذلك فساد كبير بالأندلس ثم لحق أخوا المهدي بالعدوة في خبر طويل واستمر حالهما إلى أن بايع عبد المؤمن لابنه محمد بولاية العهد وعقد لإخوته على العمالات والنواحي ففسدت نية عبد العزيز وعيسى بذلك مع ما كان صدر من عبد المؤمن من قتل ابن عمهما يصليتن وكانا يومئذ بفاس وعبد المؤمن بسلا فخرجا من فاس إلى مراكش على طريق المعدن مضمرين للغدر واتصل خبر خروجهما بعبد المؤمن فخرج من سلا في أثرهما متلافيا أمر مراكش وقدم أمامه وزيره أبا جعفر بن عطية فسبقاه إليها وداخلا بعض الأوباش بها في شأنهما فوثبوا بعاملها أبي حفص عمر بن تافراكين فقتلوه بمكانه من القصبة ووصل على أثرهما الوزير ابن عطية ثم عبد المؤمن على أثره فأطفا تلك النائرة وتقبض عبد المؤمن على عبد العزيز وعيسى فقتلهما وصلبهما وتتبع المداخلين لهما فألحقهم بهما وانقطع الشغب وزال الفساد
إيقاع يحيى بن يغمور بأهل لبلة وإسرافه في ذلك
لما كانت سنة تسع وأربعين وخمسمائة فتح الموحدون مدينة لبلة وكان المتولى لفتحها يحيى بن يغمور والي قرطبة وإشبيلية حاصرها مدة ثم اقتحهما عنوة وقبض على أهلها فخرج بهم إلى ظاهر المدينة وصفهم في صعيد واحد ثم عرضهم على السيف أجمعين حتى خلص القتل منهم إلى الفقيه المحدث أبي الحكام بن بطال والفقيه الصالح أبي عامر بن الجد وكان عدد من قتل من أهل لبلة في ذلك الصعيد ثمانية آلاف وقتل بأحوازها نحو أربعة آلاف ثم بيعت نساؤهم وأبناؤهم وأمتعتهم وأسلابهم فعل ذلك افتياتا على عبد المؤمن وبلغه الخبر وهو بمراكش فسخطه وبعث إليه عبد الله بن سليمان فجاء به معتقلا إلى الحضرة يوم عيد الفطر فألزمه بيته وبقي على ذلك مدة ثم عفا عنه وسرحه مع ابنه السيد أبي حفص إلى تلمسان ولم يصرف إلى أهل لبلة شيئا مما أخذ لهم واستقام أمر الأندلس ونزل ميمون بن بدر اللمتوني عن غرناطة للموحدين فملكوها وأجاز إليها السيد أبو سعيد صاحب سبتة بعهد أبيه عبد المؤمن إليه بذلك ولحق الملثمون بمراكش
أمر عبد المؤمن بتحريق كتب الفروع ورد الناس إلى الأصول من الكتاب والسنة
لما كانت سنة خمسين وخمسمائة أمر أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي بإصلاح المساجد وبنائها في جميع ممالكه وبتغيير المنكرات ما كانت وأمر مع ذلك بتحريق كتب الفروع ورد الناس إلى قراءة كتب الحديث واستنباط الأحكام منها وكتب بذلك إلى جميع طلبة العلم من بلاد الأندلس والعدوة فجزاه الله خيرا
نقل المصحف العثماني من قرطبة إلى مراكش وبناء جامع الكتبيين بها
كان بقرطبة ثم بجامعها الأعظم المشهور مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه ذكر جماعة من المؤرخين منهم أبن بشكوال وغيره وكان ذلك المصحف الكريم متداولا عند بني أمية وأهل الأندلس واستمر بقرطبة إلى دولة الموحدين فنقله عبد المؤمن إلى مراكش قال ابن بشكوال أخرج المصحف العثماني من قرطبة وغرب منها وكان بجامعها الأعظم ليلة السبت الحادي عشر من شوال سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة في أيام أبي محمد عبد المؤمن بن علي وبأمره وهذا أحد المصاحف الأربعة التي بعث بها عثمان رضي الله عنه إلى الأمصار مكة والبصرة والكوفة والشام وما قيل من أن فيه دم عثمان بعيد وإن يكن أحدها فلعله الشامي قال ابن عبد الملك قال أبو القاسم التجيبي السبتي أما الشامي فهو باق بمقصورة جامع بني أمية بدمشق وعاينته هنالك سنة سبع وخمسين وستمائة كما عاينت المكي بقية الشراب قال فعله الكوفي أو البصري قال الخطيب ابن مرزوق في كتاب المسند الصحيح الحسن اختبرت الذي بالمدينة والذي نقل من الأندلس فألفيت خطهما سواء وما توهموه أنه خطه بيمينه فليس بصحيح فلم يخط عثمان واحدا منها وإنما جمع عليها بعضا من الصحابة كما هو مكتوب على ظهر المتني ونص ما على ظهره هذا ما أجمع عليه جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وذكر العدد الذي جمعه عثمان رضي الله تعالى عنه من الصحابة رضي الله عنهم على كتب المصحف اه وكان من خبر نقله إلى مراكش ما ذكره ابن رشيد في رحلته عن أبي زكريا يحيى بن أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الملك بن طفيل المذكور قال وصل إلى عبد المؤمن ابناه السيدان أبو سعيد وأبو يعقوب من الأندلس وفي صحبتهما مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو الإمام الذي لم يختلف فيه مختلف فتلقى وصوله بالإجلال والإعظام وبودر إليه بما يجب من التبجيل والإكرام وكان في وصوله ذلك الوقت من عظيم العناية وباهر الكرامة ما هو معتبر لأولي الألباب وذلك أن أمير المؤمنين عبد المؤمن كان قبل ذلك بأيام قد جرى ذكره في خاطره وتروى مع نفسه في كيفية جلبه من مدينة قرطبة محل مثواه القديم فتوقع أن يتأذى أهل ذلك القطر بفراقه ويستوحشوا لفقدان إضاءته وإشراقه فوقف عن ذلك فأوصله الله إليه تحفة سبنية وهدية هنية دون أن يكدرها من البشر اكتساب أو يتقدمها استدعاء أو اجتلاب بل أوقع الله تعالى في نفوس أهل ذلك القطر من الفرح بإرساله ما أطلع بالمشاهدة على صحة صدقه وعضلت مخايل برقه سواكب ودقه وعد ذلك من كرامات أمير المؤمنين عبد المؤمن وسعادته ثم عزم عبد المؤمن على تعظيم المصحف الكريم وشرع في انتخاب كسوته واختيار حليته فحشر الصناع المتقنين ممن كان بالحضرة وسائر بلاد المغرب والأندلس فاجتمع لذلك حذاق كل صناعة من المهندسين والصواغين والنظامين والحلائين والنقاشين والمرصعين والنجارين والزواقين والرسامين والمجلدين وعرفاء البنائين ولم يبق من يوصف ببراعة أو ينسب إلى الحذق في صناعة إلا أحضر للعمل فيه والاشتغال بمعنى من معانيه وبالجملة فقد صنعت له أغشية بعضها من السندس وبعضها من الذهب والفضة ورصع ذلك بأنواع اليواقيت وأصناف الأحجار الغريبة النوع والتشكل العديمة المثال واتخذ للغشاء محمل بديع مما يناسب ذلك في غرابة الصنعة وبداعة الصبغة واتخذ للمحمل كرسي على شاكلته ثم اتخذ للجميع تابوت يصان فيه على ذلك المنوال ووصف ذلك يطول وفي خلال هذه المدة أمر عبد المؤمن ببناء المسجد الجامع بحضرة مراكش حرسها الله فبدئ ببنائه وتأسيس قبلته في العشر الأول من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة وكمل في منتصف شعبان من السنة المذكورة على أكمل الوجوه وأغرب الصنائع وأفسح المساحة وأحكم البناء والنجارة وفيه من شمسيات الزجاج ودرجات المنبر وسياج المقصورة ما لو عمل في السنين العديدة لاستغرب تمامه فكيف في هذا الأمد اليسير الذي لم يتخيل أحد من الصناع أن يتم فيه تقديره وتخطيطه فضلا عن بنائه وصليت فيه صلاة الجمعة منتصف شعبان المذكور ونهض عبد المؤمن عقب ذلك لزيارة روضة المهدي بمدينة تينملل فأقام بها بقية شعبان ومعظم رمضان وحمل في صحبته المصحف العثماني في التابوت المذكور ومعه مصحف المهدي وختم القرآن العزيز في مسجد المهدي وعند ضريحه ختمات كثيرة وعاد إلى مراكش ولم يزل الموحدون يعتنون بهذا المصحف الكريم ويحملونه في أسفارهم متبركين به كتابوت بني إسرائيل إلى أن حمله منهم السعيد وهو علي بن إدريس بن يعقوب المنصور الملقب بالمعتضد بالله حين توجه إلى تلمسان آخر سنة خمس وأربعين وستمائة فقتل السعيد قريبا من تلمسان ووقع النهب في الخزائن واستولت العرب وغيرهم على معظم العسكر ونهب المصحف في جملة ما نهب منه وعثر عليه ملوك بني عبد الواد أصحاب تلمسان فلم يزل في خزانتهم بها إلى أن افتتحها السلطان الأعظم أبو الحسن المريني أواخر شهر رمضان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة وحصل عنده فكان يتبرك به ويحمله في أسفاره على العادة إلى أن أصيب في وقعة طريف وحصل في بلاد البرتغال وأعمل أبو الحسن الحيلة في استخلاصه حتى وصل إلى فاس سنة خمس وأربعين وسبعمائة على يد بعض تجار آزمور واستمر في خزانته إلى أن سافر أبو الحسن سفرته المعلومة إلى إفريقية فاستولى عليها ولما كانت سنة خمسين وسبعمائة ركب أبو الحسن البحر من تونس قافلا إلى المغرب وذلك في إبان هيجان البحر فغرقت مراكبه وهلكت نفوس تجل عن الحصر وضاعت نفائس يعز وجود مثلها ومن جملتها المصحف العثماني فكان ذلك آخر العهد به ومما يناسب ذكره هنا المصحف العقباني وهو مصحف عقبة بن نافع الفهري فاتح المغرب وكان متداولا عند ملوكه ومتبركا به وثاني المصحفين في المنزلة عند أهل المغرب قال أبو عبد الله اليفرني في كتاب النزهة إن السلطان أبا العباس أحمد المنصور بالله المعروف بالذهبي لما جدد ولاية العهد لولده المأمون بعث إليه بالقدوم من مدينة فاس فوافاه بتامسنا وباشر المنصور أخذ البيعة له بنفسه وحضر الأعيان وأهل العقد والحل وأحضر المصحف الكريم الذي هو مصحف عقبة بن نافع الفهري رضي الله عنه قال وهو من ذخائر الخلفاء وأحضر الصحيحان للشيخين وقرئ ظهير البيعة وذلك في شوال سنة اثنتين وتسعين وتسعمائة ولم يزل المصحف العقباني متداولا بين الملوك السعديين إلى أن انقرضت دولتهم وجاءت الدولة الشريفة العلوية السجلماسية فانتقل المصحف المذكور إليها وتداولته ملوكها إلى أن جاء السلطان المولى عبد الله بن إسماعيل بن الشريف رحمه الله فبعث هدية سنية مع ركب الحاج للحرم النبوي وبعث في جملتها المصحف المذكور قال صاحب البستان ولما سافر الركب النبوي يعني سنة خمس وخمسين ومائة وألف وجه معه السلطان المولى عبد الله ثلاثة وعشرين مصحفا بين كبير وصغير كلها محلاة بالذهب منبتة بالدر والياقوت ومن جملتها المصحف الكبير العقباني الذي كان الملوك يتوارثونه بعد المصحف العثماني وهو مصحف عقبة بن نافع الفهري نسخه بالقيروان من المصحف العثماني فوقع هذا المصحف بيد الأشراف الزيدانيين يتداولونه بينهم إلى أن بلغ إلى السلطان المولى عبد الله المذكور فغربه من المغرب إلى المشرق ورجع الدر إلى صدفه والإبريز إلى معدنه قال الشيخ المسناوي وقد وقفت عليه حين أمر السلطان المولى عبد الله بتوجيهه إلى الحجرة النبوية وظهر لي أن تاريخ كثبه بالقيروان فيه نظر لبعد ما بينهما ووجه معه السلطان المذكور ألفي حصاة بالتثنية وسبعمائة حصاة من الياقوت المختلفة الألوان إلى الحجرة النبوية على الحال بها أفضل الصلاة وأزكى السلام وهذه الأخبار وإن كانت متباعدة التاريخ فهي متناسبة المعنى جمعناها هنا ليقف الناظر عليها في محل واحد وتحصل فائدتها متناسقة والله الموفق
نكبة الوزير ابن عطية والسبب فيها
كان الوزير أبو جعفر أحمد بن عطية من أهل مراكش وأصله القديم من طرطوشة ثم بعد من دانية وكان أبوه أبو أحمد بن عطية كاتبا لأمير المسلمين علي بن يوسف اللمتوني ثم لابنه تاشفين من بعده وتحصل في قبضة الموحدين فعفا عنه عبد المؤمن ولما حاصر عبد المؤمن فاسا اعتزم أبو أحمد هذا الفرار فتقبض عليه في طريقه وسيق إلى عبد المؤمن فاعتذر فلم يقبل عبد المؤمن عذره وسحب إلى مصرعه فقتل رحمه الله وكان ابنه أبو جعفر صاحب الترجمة كاتبا لإسحاق بن علي اللمتوني بمراكش فشمله عفو أمير المؤمنين فيمن شمله من ذلك الفل وخرج في جملة الشيخ أبي حفص الهنتاتي حين نهض لقتال محمد بن هود الماسي فلما كان الفتح وكتب رسالته المتقدمة وقف عليها عبد المؤمن فاستحسنها واستكتبه لذلك ثم ارتفعت مكانته عنده فاستوزره فظهر غناؤه وكفايته وحمدت سيرته وإدارته وقاد العساكر وجمع الأموال وبذلها وبعد في الدولة صيته ونال من الرتبة عند السلطان ما لم ينله أحد في دولته وتحبب إلى الناس بإجمال السعي والإحسان فعمت صنائعه وفشا معروفه وكان محمود السيرة مبخت المحاولات ناجح المساعي سعيد المآخذ ميسر المآرب وكانت وزارته زينا للوقت وكمالا للدولة رحمه الله ثم لما كانت سنة إحدى وخمسين وخمسمائة وفد أشياخ إشبيلية على عبد المؤمن ورغبوا منه في ولاية بعض أبنائه عليهم فعقد لابنه السيد أبي يعقوب عليها وبعث معه لوزير ابن عطية المذكور لمباشرة الأمور وإصلاح الأحوال فأغنى في ذلك الغناء الجميل ولما غاب وجهه عن الحضرة وجد حساده السبيل إلى التدبير عليه والسعي به حتى أوغروا صدر الخليفة عليه فاستوزر عبد السلام بن محمد الكومي وانبرى لمطالبة ابن عطية وجد في التماس عوراته وتشنيع سقطاته وطرحت بمجلس السلطان أبيات منها ( قل للإمام أطال الله مدته % قولا تبين لذي لب حقائقه ) ( إن الزراجين قوم قد وترتهم % وطالب الثأر لم تؤمن بوائقه ) ( وللوزير إلى آرائهم ميل % فذاك ما كثرت فيهم علائقه ) ( فبادر الحزم في إطفاء نارهم % فربما عاق من أمر عوائقه ) ( هم العدو ومن والاهم كهم % فاحذر عدوك واحذر من يصادقه ) ( الله يعلم أني ناصح لكم % والحق أبلج لا تخفى طرائقه ) قالوا فلما وقف عبد المؤمن على هذه الأبيات البليغة في معناها وغر صدره على وزيره أبي جعفر وأضمر له في نفسه شرا فكان ذلك من أقوى أسباب نكبته وقيل أفضى إليه بسر فأفشاه وانتهى ذلك كله إلى أبي جعفر وهو بالأندلس فقلق وعجل الانصراف إلى مراكش فحجب عنده قومه ثم قيد إلى المسجد في اليوم بعده حاسر العمامة واستحضر الناس على طبقاتهم وقرروا على ما يعلمون من أمره وما صار إليه منهم فأجاب كل بما اقتضاه هواه وأمر بسجنه ولف معه أخوه أبو عقيل عطية وتوجه في أثر ذلك عبد المؤمن إلى زيارة تربة المهدي فاستصحبهما بحال ثقاف وصدر عن أبي جعفر في هذه الحركة من لطائف الآداب نظما ونثرا في سبيل التوسل بتربة إمامهم المهدي عجائب فلم تجد شيئا مع نفوذ الله تعالى فيه ولما انصرف من وجهته أعادهما معه قافلا إلى مراكش فلما حاذى تاكمارت أنفذ الأمر بقتلهما بالشعراء المتصلة بالحصن على مقربة من الملاحة هنالك فمضيا لسبيلهما وذلك في شوال سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ومما خاطب به الوزير المذكور عبد المؤمن مستعطفا له من رسالة تغالى فيها فغالته المنية ولم ينل الأمنية وهذه سنة الله تعالى فيمن لا يحترم جناب الألوهية ولم يحرص لسانه من الوقوع فيما يخدش في وجه فضل الأنبياء على غيرهم قوله سامحه الله تالله لو أحاطت بي كل خطية ولم تنفك نفسي عن الخيرات بطية حتى سخرت بمن في الوجود وأنفت لآدم من السجود وقلت إن الله تعالى لم يوحي في الفلك إلى نوح وأبرمت لحطب نار الخليل حبلا وبريت لقدار ثمود نبلا وحططت عن يونس شجرة اليقطين وأوقدت مع هامان على الطين وقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وافتريت على العذراء البتول فقذفتها وكتبت صحيفة القطيعة بدار الندوة وظاهرت الأحزاب بالقصوى من العدوة وأبغضت كل قرشي وأكرمت لأجل وحشي كل حبشي وقلت إن بيعة السقيفة لا توجب إمامة الخليفة وشحذت شفرة غلام المغيرة بن شعبة واعتلقت من حصار الدار وقتل أشمطها بشعبة وقلت تقاتلوا رغبة في الأبيض والأصفر وسفكوا الدماء على الثريد الأعفر وغادرت الوجه من الهامة خضيبا وناولت من قرع سن الحسين قضيبا ثم أتيت حضرة المعصوم لائذا ويقبر الإمام المهدي عائدا لأذن لمقالتي أن تسمع وتغفر لي هذه الخطيئات أجمع مع أني مقترف وبالذنب معترف ( فعفوا أمير المؤمنين فمن لنا % بحمل قلوب هدها الخفقان ) والسلام على المقام الكريم ورحمة الله تعالى وبركاته وكتب مع ابن له صغير آخرة ( عطفا علينا أمير المؤمنين فقد % بان العزاء لفرط البث والحزن ) ( قد أغرقتنا ذنوب كلها لجج % ورحمة منكم أنجى من السفن ) ( وصادفنا سهام كلنا غرض % وعطفة منكم أوفى من الجنن ) ( هيهات للخطب أن تسطو حوادثه % بمن أجارته رحماكم من المحن ) ( من جاء عندكم يسعى على ثقة % بنصره لم يخف بطشا من الزمن ) ( فالثوب يطهر عند الغسل من درن % والطرف يرهص بعد الركض في سنن ) ( أنتم بذلتم حياة الخلق كلهم % من دون من عليهم لا ولا أثمن ) ( ونحن من بعض من أحيت مكاركم % كلتا الحياتين من نفس ومن بدن )
( وصبية كفراخ الورق من صغر % لم يألفوا النوح في فرع ولا فنن ) ( قد أوجدتهم أياد منك سابقة % والكل لولاك لم يوجد ولم يكن ) فوقع عبد المؤمن على هذه القصيدة الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ومما كتب به من السجن ( أنوح على نفسي أم أنتظر الصفحا % فقد آن أن تنسى الذنوب وأن تمحى ) ( فها أنا في ليل من السخط حائر % ولا اهتدي حتى أرى للرضا صبحا ) وامتحن عبد المؤمن الشعراء بهجو ابن عطية فلما أسمعوه ما قالوا أعرض عنهم وقال ذهب ابن عطية وذهب الأدب معه وكان لأبي جعفر أخ اسمه عطية قتل معه كما قلنا ولعطية هذا ابن أديب كاتب وهو أبو طالب عقيل بن عطية ومن نظمه في رجل تعشق قينة كانت ورثت مالا من مولاها فكانت تنفق عليه منه فلما فرغ المال ملها فقال أبو طالب ( لا تلحه إن مل من حبها % فلم يكن ذلك عن ود ) ( لما رآها قد صفا ما لها % قال صفا الوجد مع الوجد ) ويروى أن الوزير ابن عطية رحمه الله مر مع الخليفة عبد المؤمن ببعض طرق مراكش فأطلت جارية بارعة الجمال من شباك فقال عبد المؤمن ( قدت فؤادي من الشباك إذ نظرت % ) فقال الوزير مجيزا له ( حوراء ترنو إلى العشاق بالمقل % ) فقال عبد المؤمن ( كأنما لحظها في قلب عاشقها % ) فقال الوزير ( سيف المؤيد عبد المؤمن بن علي % ) ولا خفاء أن هذه طبقة عالية رحم الله الجميع بمنه
غزو إفريقية ثانيا وفتح المهدية وغيرها من الثغور
كانت بلاد إفريقية بيد بني زيري بن مناد الصنهاجيين من لدن الدولة العبيدية بها وفي هذا التاريخ كانت دولتهم قد أشرفت على الهرم وكثر التنازع بينهم وزاحمتهم الثوار من العرب وغيرهم بتلك الأقطار فانتهز الفرنج أصحاب صقلية الفرصة فيهم وملكوا منهم عدة ثغور مثل صفاقس وسوسة وغيرهما ثم ملكوا بعد ذلك المهدية وهي يومئذ دار ملك الحسن بن علي الصنهاجي آخر ملوك بني زيري بن مناد ففر الحسن عنها إلى ابن عمه يحيى بن العزيز صاحب بجاية فأنزله بالجزائر ولما طرق عبد المؤمن ثغر الجزائر في غزوته الأولى إلى إفريقية خرج إليه الحسن بن علي هذا وصحبه وصار في جملته فكان الحسن يغريه بغزو إفريقية واستنقاذها من يد العدو وكان عبد المؤمن يحب ذلك ويرغب فيه إلا أنه كان ينتظر إبان الفرصة فاتفق أن فرنج صقلية أوقعوا بأهل زويلة وهي مدينة بينها وبين المهدية نحو ميدان وقعة شنيعة حتى أنهم قتلوا النساء والأطفال ففر جماعة منهم إلى عبد المؤمن بن علي وهو بمراكش يستغيثونه ويستنصرونه على العدو فلما وصلوا إليه أكرمهم وأخبروه بما جرى على المسلمين وأنه ليس في ملوك الإسلام من يقصد سواه ولا يكشف هذا الكرب غيره فدمعت عيناه وأطرق ثم رفع رأسه وقال أبشروا لأنصرنكم ولو بعد حين وأمر بإنزالهم وأطلق لهم ألفي دينار ثم أمر بعمل الروايا والقرب وما يحتاج إليه العسكر في السفر وكتب إلى جميع نوابه في المغرب وكان قد ملك العدوتين الأندلس والمغرب واتسعت خطة مملكته إلى قرب مدينة تونس فكتب إلى من بطريقه من النواب يأمرهم بحفظ جميع ما يتحصل من الغلات وأن يترك الزرع في سنبله ويخزن في مواضعه وأن يحفروا الآبار في الطرق ففعلوا جميع ما أمرهم به وجمعوا غلات الحب ثلاث سنين ونقلوها إلى المنازل التي على الطريق وطينوا عليها فصارت كأنها تلال فلما كان صفر من سنة أربع وخمسين وخمسمائة سار عبد المؤمن من مراكش يؤم بلاد إفريقية وقال ابن خلدون كان عبد المؤمن في هذه السفرة قد عزم على العبور إلى الأندلس لما بلغه من اضطراب أحوالها واستطالة الطاغية بها فنهض يريد الجهاد واحتل بسلا فبلغه انتقاض إفريقية وأهمه شأن النصارى بالمهدية فلما توافرت العساكر بسلا استخلف الشيخ أبا حفص الهنتاتي على المغرب وعقد ليوسف بن سليمان على مدينة فاس ونهض يغد السير إلى إفريقية واجتمع عليه من العساكر مائة ألف مقاتل ومن الأتباع والسوقة أمثالهم وكان هذا الجند يمتد أميالا وبلغ من حفظه وضبطه أنهم كانوا يمشون بين الزروع فلا تتأذى بهم سنبلة وإذا نزلوا صلوا بإمام واحد بتكبيرة واحدة لا يتخلف منهم أحد كائنا من كان وقدم بين يديه الحسن بن علي الصنهاجي صاحب المهدية وكان قد اتصل به كما قلنا فلم يزل يسير إلى أن وصل إلى مدينة تونس في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة من السنة وبها صاحبها أحمد بن خراسان وأقبل أسطوله في البحر في سبعين شينا وطريدة وشلندا فلما نازلها راسل أهلها يدعوهم إلى الطاعة فامتنعوا فقاتلهم من الغد أشد قتال ولما جن الليل نزل سبعة عشر رجلا من أعيان أهلها إلى عبد المؤمن يسألونه الأمان لأهل بلدهم فأجابهم عبد المؤمن بأن لهم الأمان في أنفسهم وأهليهم وأموالهم لمبادرتهم إلى الطاعة وأما من عداهم من سائر أهل البلد فيؤمنهم في أنفسهم وأهليهم ويقاسمهم على أموالهم وأملاكهم نصفين وأن يخرج صاحب البلد هو وأهله فاستقر الأمر على ذلك وتسلم البلد وبعث إليهم من يمنع العساكر من الدخول عليهم وبعث أمناءه ليقاسموا الناس على أموالهم وأملاكهم وأقام أهل تونس بها على أجرة تؤخذ عن نصف مساكنهم وعرض عبد المؤمن الإسلام على من بها من اليهود والنصارى فمن أسلم سلم ومن أبى قتل وأقام عليها ثلاثة أيام ثم سار إلى المهدية وأسطوله يحاذيه في البحر فوصل إليها ثامن عشر رجب من السنة المذكورة وكان بالمهدية يومئذ خواص الفرنج من أولاد ملوكها وأبطال فرسانها وقد أخلوا مدينة زويلة المجاورة للمهدية فدخلها عبد المؤمن وامتلأت بالعساكر والسوقة فصارت مدينة معمورة في ساعة واحدة ومن لم يكن له موضع من العسكر نزل بظاهرها وانضاف إليه من صنهاجة والعرب وأهل إفريقية ما يخرج عن الإحصاء وأقبلوا يقاتلون المهدية مدة أيام فلا يؤثر فيها لحصانتها وقوة سورها وضيق محال القتال عليها لأن البحر دائر بأكثرها فكأنها كف في البحر وزندها متصل بالبر وكانت الفرنج تخرج شجعانها إلى أطراف العسكر فتنال منه ويعودون سريعا فأمر عبد المؤمن ببناء سور غربي المدينة يمنعهم من الخروج وأحاط الأسطول بها في البحر وركب عبد المؤمن شينيا ومعه الحسن بن علي الذي كان صاحبها وتطوف بها في البحر فهاله ما رأى من حصانتها وعلم أنها لا تفتح بقتال برا ولا بحرا وليس لها إلا المطاولة وقال للحسن كيف نزلت عن مثل هذا الحصن فقال لقلة من يوثق به وعدم القوت وحكم القدر فقال صدقت وعاد عبد المؤمن من البحر وأمر بجمع الغلات والأقوات وترك القتال فلم يمض غير قليل حتى صار في المعسكر مثل الجبلين من الحنطة والشعير فكان من يصل إلى المعسكر من بعيد يقول متى حدثت هذه الجبال فيقال هي حنطة وشعيرا فيتعجب من ذلك وتمادى الحصار وفي مدة هذا الحصار استولى عبد المؤمن على طرابلس وصفاقص وسوسة وجبل نفوسة وقصور إفريقية وما والاها وفتح مدينة قابس بالسيف وسير ابنه السيد أبا محمد من مكان حصاره للمهدية في جيش ففتح بلادا أخرى ثم أطاعه أهل مدينة قفصة وقدم عليه صاحبها فوصله بألف دينار وبالجملة فإنه استخلص في هذه المدة جميع بلاد إفريقية من أيدي القائمين بها ولما كان الثاني والعشرون من شعبان من السنة المذكورة جاء أسطول صاحب صقلية في مائة وخمسين شينيا غير الطرائد ممدا لأهل المهدية وكان هذا الأسطول قد قدم من جزيرة يابسة من بلاد الأندلس وقد سبى أهلها وأسرهم وحملهم معه فأرسل إليهم ملك الفرنج يأمرهم بالمسير إلى المهدية ليمدوا إخوانهم الذين بها فقدموا في التاريخ المذكور فلما قاربوا المدينة حطوا شرعهم ليدخلوا الميناء فخرج إليهم أسطول عبد المؤمن وركب العسكر جميعه ووقفوا على جانب البحر فاستعظم الفرنج ما رأوا من كثرة العساكر وداخل الرعب قلوبهم ونزل عبد المؤمن إلى الأرض فجعل يمرغ وجهه ويبكي ويدعو للمسلمين بالنصر واقتتلوا في البحر فانهزمت شواني الفرنج وأعادوا القلوع وساروا وتبعهم المسلمون فأخذوا منهم سبع شواني وكان أمرا عجيبا وفتحا غريبا وعاد أسطول المسلمين مظفرا منصورا وفرق فيهم عبد المؤمن الأموال ويئس أهل المهدية حينئذ من النجاة ومع ذلك فقد صبروا على الحصار أربعة أشهر أخرى إلى أخر ذي الحجة من السنة فنزل حينئذ من فرسان الفرنج إلى عبد المؤمن عشرة وسألوا الأمان لمن فيها من الفرنج على أنفسهم وأموالهم ليخرجوا منها إلى بلادهم وكان قوتهم قد فنى حتى أكلوا الخيل فعرض عليهم عبد المؤمن الإسلام ودعاهم إليه فقالوا ما جئنا لهذا وإنما جئنا نطلب فضلك وترددوا إليه أياما وكان من جملة ما استعطفوه به أن قالوا أيها الخليفة ما عسى أن تكون المهدية ومن بها بالنسبة إلى ملكك العظيم وأمرك الكبير وإن أنعمت علينا كنا أرقاء لك في أرضنا فعفا عنهم وكان الفضل شيمته وأعطاهم سفنا ركبوا فيها وساروا وكان الزمن شتاء فغرق أكثرهم ولم يصل منهم إلى صقلية إلا النفر اليسير وكان صاحب صقلية قد قال إن قتل عبد المؤمن أصحابنا بالمهدية قتلنا المسلمين الذين عندنا بجزيرة صقلية وأخذنا حرمهم وأموالهم فأهلك الله الفرنج غرقا وكانت مدة استيلائهم على المهدية اثنتي عشرة سنة فدخلها عبد المؤمن صبيحة يوم عاشوراء من المحرم سنة خمس وخمسين وخمسمائة فكان يقال لهذه السنة سنة الأخماس وأقام عبد المؤمن بالمهدية عشرين يوما حتى رتب أحوالها واصلح ما انثلم من سورها ونقل إليها الذخائر والأقوات والرجال والعدد واستخلف عليها أبا عبد الله محمد بن فرج الكومي وجعل معه الحسن بن علي الصنهاجي الذي كان صاحبها وأمره أن يقتدي برأيه في أفعاله وأقطع الحسن بها إقطاعا وأعطاه دورا نفيسة يسكنها وكذلك فعل بأولاده وصفت إفريقية كلها لعبد المؤمن ودخل أهلها في طاعته من برقة إلى تلمسان ولم يبق له بها منازع ففرق فيها عماله وقضاته وضبط ثغورها وأصلح شؤونها وثنى عنانه إلى المغرب أول صفر من السنة المذكورة وانقطعت عادية الفرنج عن بلاد إفريقية مدة مديدة والله تعالى أعلم
توظيف عبد المؤمن الخراج على أرض المغرب
وفي هذه السنة أعني سنة خمس وخمسين وخمسمائة أمر عبد المؤمن بتكسير بلاد إفريقية والمغرب فكسر من برقة في جهة الشرق إلى بلاد نول من السوس الأقصى في جهة الغرب بالفراسخ والأميال طولا وعرضا ثم أسقط في التكسير الثلث في الجبال والغياض والأنهار والسماخ والخزون والطرق وما بقي قسط عليه الخراج وألزم كل قبيلة بقسطها من الزرع والورق فهو أول من أحدث ذلك في المغرب عفا الله عنه
بناء عبد المؤمن جبل طارق
كان عبد المؤمن رحمه الله وهو بإفريقية قد أمر ببناء جبل الفتح وتحصينه وهو جبل طارق فبني وشيد حصنه وكان ابتداء البناء به في تاسع ربيع الأول من سنة خمس وخمسين وخمسمائة المذكورة وكمل بناؤه في ذي القعدة منها
بناء عبد المؤمن مدينة البطحاء
لما كان عبد المؤمن قافلا من بلاد إفريقية بنى مدينة البطحاء وسبب بنائه إياها أنه لما طالب بالموحدين الإقامة بالمشرق والتغرب عن أوطانهم عزمت طائفة منهم على قتل عبد المؤمن والفتك به في خبائه إذا نام فتأتى شيخ من أشياخ الموحدين ممن اطلع على ذلك إلى عبد المؤمن فأخبره الخبر وقال له دعني أبت الليلة في وضعك وأنم على فراشك فإن فعلوا ما اتفقوا عليه كنت قد فديتك بنفسي في حق المسلمين وأجري في ذلك على الله وإن حصلت السلامة فمن الله تعالى ويكون أجري على قدر نيتي فبات على فراشه فاستشهد في تلك الليلة فلما اصبح عبد المؤمن وصلى الصبح افتقده فوجده قتيلا على فراشه فأخذه وحمله بين يديه على ناقة لا يقودها أحد فسارت الناقة يمينا وشمالا حتى بركت وحدها فأمر عبد المؤمن بالشيخ فأنزل عنها وأخذ بزمام الناقة فأزيلت عن مبركها وحفر قبره فيه ودفن وبنيت عليه قبة وبنى بإزاء القبة جامعا ثم أمر ببناء المدينة حول المسجد وترك بها عشرة أهل بيت من كل قبيلة من قبائل المغرب فقبر الشيخ هنالك مزارة عن أهل تلك البلاد إلى اليوم قاله في القرطاس ولما دخل عبد المؤمن إلى تلمسان في هذه الرجعة قبض على وزيره عبد السلام بن محمد الكومي فسجنه ثم سمه من جرعة لبن هلك بها من ليلته
عبور عبد المؤمن إلى جبل طارق والسبب في ذلك
كان عبد المؤمن وهو بإفريقية قد بلغه أن محمد بن مردنيش الثائر بشرق الأندلس قد خرج من مرسية ونازل جيان وأطاعه واليها محمد بن علي الكومي ثم نازل بعدها قرطبة ورحل عنها وغدر بقرمونة وملكها ثم رجع إلى قرطبة وخرج ابن يكيت لحربه فهزمه ابن مردنيش وقتله فكتب عبد المؤمن إلى عماله بالأندلس يخبرهم بفتح إفريقية عليه وأنه واصل إليهم فلما نهض من تلمسان في رجعته هذه عدل إلى طنجة فدخلها في ذي الحجة سنة خمس وخمسين وخمسمائة وأقام بها إلى أن دخلت سنة ست وخمسين بعدها فعبر منها إلى الأندلس ونزل بجبل طارق فأقام به شهرين واستشرف منه أحوال الأندلس ووفد عليه قوادها وأشياخها فأمر بغزو غرب الأندلس فنهض إليه الشيخ أبو محمد عبد الله بن أبي حفص الهنتاتي من قرطبة في جيش كثيف من الموحدين ففتح حصن المرنكش من أحواز بطليوس وقتل جميع من كان به من النصارى وخرج الفنش من طليطلة لإغاثته فوجده قد فتح وصمد الموحدون لقتاله فهزمه الله وقتل من عسكره ستة آلاف وساق المسلمون السبي إلى قرطبة وإشبيلية وفي هذه السنة ملك الموحدون بطليوس وباجة ويابورة وحصن القصر فولى عليها عبد المؤمن محمد بن علي بن الحاج وعاد إلى مراكش
قدوم كومية قبيلة عبد المؤمن عليه بمراكش والسبب في ذلك
تقدم لنا أن عبد المؤمن لم يكن من المصامدة وإنما كان من كومية إحدى بطون بني فاتن من البرابرة البتر وكانت مواطنهم بالمغرب الأوسط إلى أن استدعاهم عبد المؤمن إلى مراكش سنة سبع وخمسين وخمسمائة والسبب في ذلك أنه لما همت الطائفة من الموحدين بقتله وقتلوا الشيخ الذي فداه بنفسه وتحقق ذلك منهم ورأى أنه غريب بين أظهرهم ليس له قبيل يستند إليه ولا عشير يثق به ويعتمد عليه أرسل في خفية إلى أشياخ كومية الذين هم قبيلته وعشيرتهم وأمرهم بالقدوم عليه وأن يركبوا كل من بلغ الحلم منهم ويأتوه في أحسن زي وأكمل عدة وسرب إليهم الأموال والكسى فاجتمع منهم أربعون ألف فارس ثم أقبلوا إلى عبد المؤمن وهو بمراكش برسم خدمته والقيام بين يديه ولما دخلوا أرض المغرب تشوش أهله من قدوم هذا الجيش الحفيل من غير أن يتقدم لهم سبب ظاهر وتقول الناس الأقاويل فسار جيش كومية حتى نزلوا على وادي أم الربيع وتسامع الموحدون بإقبالهم فارتابوا منهم وعرفوا أمير المؤمنين عبد المؤمن بخبرهم فأمر عبد المؤمن الشيخ أبا حفص الهنتاتي أن يخرج إليه في جماعة من الموحدين وأشياخهم ليتعرفوا خبرهم فسار حتى لقيهم على وادي أم الربيع فقال لهم ما أنتم أسلم لنا أم حرب قالوا بل نحن سلم نحن قبيل أمير المؤمنين نحن كومية قصدنا زيارته والسلام عليه فرجع أبو حفص وأصحابه وعرف عبد المؤمن الخبر فأمر جميع الموحدين أن يخرجوا إلى لقائهم ففعلوا واحتفلوا لذلك وكان يوم دخولهم مراكش يوما مشهودا فرتبهم عبد المؤمن في الطبقة الثانية من أهل الديوان وجعلهم بين قبيلة تينملل والقبيلة التابعة لهم وجعلهم بطانته يركبون خلف ظهره ويمشون بين يديه إذا خرج ويقومون على رأسه إذا جلس فاعتضد بهم عبد المؤمن وبنوه سائر دولتهم إلى انقراضها والله غالب على أمره
استعداد عبد المؤمن للجهاد وإنشاؤه الأساطيل بسواحل المغرب وما يتبع ذلك من وفاته رحمه الله
لما تمهد لعبد المؤمن ملك المغربين وإفريقية والأندلس وطاعت له سائر الأقطار وخضعت له الرقاب في البوادي والأمصار تفرغ لشأنه وتاقت نفسه للجهاد فعزم على غزو بلاد الفرنج برا وبحرا فأمر رحمه الله في هذه السنة التي هي سنة سبع وخمسين وخمسمائة بإنشاء الأساطيل في جميع سواحل ممالكه فأنشئ له منها أربعمائة قطعة فمنها بحلق المعمورة وهي التي تسمى اليوم المهدية مائة وعشرون قطعة ومنها بطنجة وسبتة وباديس ومراسي الريف مائة قطعة ومنها ببلاد إفريقية ووهران ومرسى هنين مائة قطعة ومنها ببلاد الأندلس ثمانون قطعة ونظر في استجلاب الخيل للجهاد والاستكثار من أنواع السلاح والعدد وأمر بضرب السهام في جميع عمله فكان يضرب له منها في كل يوم نحو عشرة قناطير جدية فجمع له من ذلك ما لا يحصى كثرة وفي خلال هذا وفدت عليه قبيلة كومية كما مر ثم لما دخلت سنة ثمان وخمسين وخمسمائة خرج أمير المؤمنين عبد المؤمن من مراكش قاصدا الأندلس برسم الجهاد وكان خروجه يوم الخميس خامس ربيع الأول من السنة المذكورة فوصل إلى رباط سلا فكتب إلى جميع بلاد المغرب والقبلة وإفريقية والسوس وغير ذلك يستنفرهم إلى الجهاد فأجابه خلق كثير واجتمع له من عساكر الموحدين والمرتزقة ومن قبائل العرب والبربر وزناتة أزيد من ثلاثمائة ألف فارس ومن جيوش المتطوعة ثمانون ألف فارس ومائة ألف راجل فضاقت بهم الأرض وانتشرت المحلات والعساكر في أرض سلا من عين غبولة إلى عين خميس إلى حلق المعمورة فلما استوفيت لديه الحشود وتكاملت لديه الجنود والوفود كان المعنى الذي أشار الله القائل ( إذ تم أمر بدا نقصه % ترقب زوالا إذا قيل تم ) فابتدأ بعبد المؤمن مرضه الذي توفي منه وتمادى به ألمه فخاف أن يفجأه الحمام فأمر بعزل ولده محمد عن ولاية العهد وإسقاط اسمه من الخطبة لما ظهر له من العجز عن القيام بأمر الخلافة وكان ذلك يوم الجمعة الثاني من جمادى الآخرة من السنة المذكورة وكتب بذلك إلى جميع طاعته وتمادى به مرضه واشتد ألمه فتوفي ليلة الجمعة الثامن من جمادى الآخرة من السنة المذكورة وقيل غير ذلك وحمل إلى تينملل فدفن بها إلى جنب قبر الإمام المهدي رحمه الله فسبحان من لا يبيد ملكه ولا ينقضي عزه ونقل ابن خلكان في كيفية عزل ولي العهد وجها آخر قال ناقلا من خط العماد بن جبريل أن عبد المؤمن كان في حياته عهد إلى أكبر أولاده وهو محمد وبايعه الناس بعد تحليف الجند له وكتب ببيعته إلى البلاد فلما مات عبد المؤمن لم يتم له الأمر لأنه كان على أمور لا يصلح معها للمملكة من إدمان شرب الخمر واختلاف الرأي وكثرة الطيش وجبن النفس ويقال إنه مع هذا كله كان به ضرب من الجذام واضطرب أمره واختلف الناس عليه فخلع وكانت مدة ولايته خمسة وأربعين يوما وذلك في شعبان من سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وكان الذي سعى في خلعه أخويه أبا يعقوب يوسف وأبا حفص عمر ابني عبد المؤمن ولما تم خلعه دار الأمر بين الأخوين المذكورين وهما من نجباء أولاد عبد المؤمن ومن ذوي الرأي فتأخر منهما أبو حفص عمر وسلم الأمر إلى أخيه أبي يعقوب يوسف فبايعوه الناس واتفقت عليه الكلمة والله تعالى أعلم
بقية أخبار عبد المؤمن وسيرته
قال ابن خلكان كان عبد المؤمن عند وفاته شيخا نقي البياض قال ونقلت من تاريخ فيه سيرته وحليته فقال مؤلفه رأيته شيخا معتدل القامة عظيم الهامة أشهل العينين كث كث اللحية شثن الكفين طويل القعدة واضح بياض الأسنان بخده الأيمن خال وكان رحمه الله فصيحا فقيها عالما بالأصول والجدل والحديث مشاركا في كثير من العلوم الدينية والدنيوية ذا حزم وسياسة وإقدام في الحرب ومهمات الأمور سري الهمة ميمون النقيبة لم يقصد قط بلدا إلا فتحه ولا جيشا إلا هجمه محبا لأهل العلم والأدب مكرما لوفادتهم منفقا لبضاعتهم ذكر العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة أن الفقيه أبا عبد الله محمد بن أبي العباس التيفاشي لما أنشده ( ما هز عطفيه بين البيض والأسل % مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي ) أشار عليه أن يقتصر على هذا البيت وأمر له بألف دينار وقد تقدم ما دار بينه وبين وزيره ابن عطية من الشعر الذي تجاذباه في أمر الجارية التي أطلت في الشباك وذلك دليل على سراوة طبعه وخفة روحه رحمه الله
الخبر عن دولة أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن بن علي
قال ابن خلدون لما هلك عبد المؤمن أخذ السيد أبو حفص بن عبد المؤمن البيعة على الناس لأخيه أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن باتفاق من الموحدين كافة ورضى من الشيخ أبي حفص الهنتاتي خاصة واستقل في رتبة وزارته وذكر القاضي أبو الحجاج يوسف بن عمر مؤرخ دولتهم أن أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن بويع بيعة الجماعة يوم الجمعة ثامن ربيع الأول سنة ستين وخمسمائة وذلك بعد وفاة والده عبد المؤمن بسنتين لأنه لما بويع بعد وفاة والده توقف عن بيعته ناس من أشياخ الموحدين وامتنع من بيعته أخواه السيد أبو محمد صاحب بجاية والسيد أبو عبد الله صاحب قرطبة فكف عنهم ولم يطالبهم ببيعته وتسمى بالأمير ولم يتسم بأمير المؤمنين حتى اجتمع عليه الناس وذكر ابن مطروح في تاريخه أنه لما مات عبد المؤمن كان ولده يوسف بإشبيلية فأخفى أصحابه موته وأرسلوا إلى يوسف فوصل من إشبيلية إلى سلا في أقرب وقت فبويع بها ولم يتخلف عن بيعته إلا ناس قليلون فلم يلتفت إليهم وكان أول شيء فعله بعد البيعة أن سرح الجيوش المجتمعة للجهاد إلى بلادهم وقبائلهم وكتب إلى البلاد بتسريح المساجين وتفريق الصدقات في جميع عمله وتسمى بالأمير ثم ارتحل إلى مراكش فدخلها وأقام بها وكتب إلى جميع أهل طاعته من الموحدين يطلبهم بالبيعة فأتته البيعة من جميع بلاد إفريقية والمغرب والأندلس ما خلا قرطبة وبجاية فإن ولاتهما وهما أخواه توقفا عن ذلك وانتشر خبر أمير المؤمنين يوسف في أقطار البلاد وأدان له من بالعدوتين من العباد وفرق الأموال في القبائل والأجناد وفي سنة تسع وخمسين وخمسمائة قدم عليه أخواه السيد أبو محمد صاحب بجاية والسيد أبو عبد الله صاحب قرطبة تائبين مبايعين وقدم معهما أشياخ بلديهما وفقهائهما فوصلهم أمير المؤمنين يوسف بالأموال والخلع وأحسن إليهم وفي هذه السنة ثار مرزدغ الصنهاجي من صنهاجة مفتاح وضرب السكة باسمه وكتب فيها مرزدغ الغريب نصره الله عن قريب وكانت ثورته ببلاد غمارة فبايعه خلق كثير من غمارة وصنهاجة وأوربة فأفسد تلك الناحية ودخل مدينة تازا وقتل بها خلقا كثيرا وسبى فبعث إليه أمير المؤمنين يوسف جيشا من الموحدين فقتل وحمل رأسه إلى مراكش وفي سنة ستين وخمسمائة كانت وقعة الجلاب بالأندلس بين السيد أبي سعيد بن عبد المؤمن وجيوش الفرنج مع ابن مردنيش وكانت الفرنج ثلاثة عشر ألفا فهزم ابن مردنيش وقتل من معه من الفرنج بأجمعهم وكتب السيد أبو سعيد بالفتح إلى أخيه أمير المؤمنين يوسف وفي سنة إحدى وستين وخمسمائة عقد أمير المؤمنين يوسف على بجاية لأخيه السيد أبي زكرياء وعلى إشبيلية للشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم ثم أدال منه بأخيه السيد أبي إبراهيم وأقر الشيخ أبي عبد الله على وزارته وعقد على قرطبة لأخيه السيد أبي إسحاق وأقر السيد أبا سعيد على غرناطة ثم نظر الموحدون في وضع العلامة المكتوبة بخط الخليفة فاختاروا الحمد لله وحده لما وقفوا عليها بخط الإمام المهدي في بعض مخاطباته فكانت علامتهم إلى آخر دولتهم والله أعلم
ثورة سبع بن منغفاد بجبال غمارة
وفي سنة إحدى وستين وخمسمائة ثار سبع بن منغفاد وسماه ابن أبي زرع يوسف بن منغفاد بجبل تيزيران من بلاد غمارة وعظمت الفتنة في قبائلها وجاذبهم فيها جيرانهم من صنهاجة فبعث إليهم أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن عساكر الموحدين إلى نظر الشيخ أبي حفص الهنتاتي ثم تعاظمت فتنة غمارة وصنهاجة فخرج إليهم أمير المؤمنين بنفسه وأوقع بهم واستأصلهم وقتل سبع بن مغفاد وحمل رأسه إلى مراكش وانحسم داؤهم وعقد يوسف لأخيه السيد أبي علي الحسن على سبتة وسائر بلادهم وفي سنة ثلاث وستين اجتمع الموحدون على تجديد البيعة ليوسف بن عبد المؤمن واللقب بأمير المؤمنين وذلك في جمادى الآخرة منها وخاطب العرب بإفريقية يستدعيهم إلى الغزو ويحرضهم وكتب إليهم في ذلك بقصيدة ورسالة مشهورة بين الناس فكان من احتفالهم ووفودهم عليه ما هو معروف وفي سنة أربع وستين بعدها وفد عليه أهل الأمصار من إفريقية والمغرب والأندلس القضاة والفقهاء والخطباء والشعراء والأشياخ والأعيان برسم التهنئة والمطالعة بأحوال بلادهم فوصلت الوفود إلى مراكش فدخلوا عليه وهنؤوه بالخلافة ووصل الجميع كل على قدره وأوصاهم بما اقتضاه الحال وكتب لهم الظهائر بمطالبهم وإصلاح شؤونهم وانصرفوا شاكرين وفي هذه السنة أيضا بعث أمير المؤمنين الشيخ أبا حفص الهنتاتي في جيوش الموحدين إلى الأندلس لاستنقاذ بطليوس من حصار العدو واحتفل أمير المؤمنين في ذلك فلما انتهوا إلى إشبيلية بلغه أن الموحدين وأهل بطليوس هزموا العدو وأسروا قائد جيشه فسار الشيخ أبو حفص إلى قرطبة وفي سنة خمس وستين بعدها وجه يوسف بن عبد المؤمن أخاه السيد أبا حفص إلى الأندلس برسم الجهاد فعبر البحر من قصر المجاز إلى طريف في عشرين ألفا من الموحدين والمتطوعة فدخلوا بلاد العدو وبعث السيد أبو حفص أخاه السيد أبا سعيد إلى بطليوس فعقد الصلح مع الطاغية ابن أذفونش وهو يومئذ أعظم ملوك فرنج الجزيرة وانصرف ونهضوا جميعا إلى مرسية ومعهم إبراهيم بن همشك كان من قواد ابن مردنيش فنزع عنه إلى الموحدين فحاصروا ابن مردنيش الثائر بمرسية وأعمالها واستولوا على أكثر بلاده واتصل الخبر بالخليفة بمراكش وقد خف إلى الجهاد وفي سنة ست وستين أمر أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن ببناء قنظرة تانسيفت وكان الشروع في بنائها يوم الأحد ثالث صفر من السنة المذكورة
الجواز الأول لأمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن إلى الأندلس بقصد الجهاد
لما اتصل بأمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن ما اتفق لشقيقه السيد أبي حفص من الاستيلاء على غالب بلاد ابن مردنيش وظهور المسلمين على عدوهم بها وكان بعض ملوك الفرنج بها لم يزالوا يشغبون على المسلمين بالغارات على أطراف بلادهم تاقت نفسه إلى العبور إلى بلاد الأندلس بقصد إصلاح حالها وجهاد العدو بها وقد توافدت لديه وهو بمراكش جموع العرب من إفريقية صحبة السيد أبي زكريا صاحب بجاية والسيد أبي عمران صاحب تلمسان وكان يوم قدومهم عليه يوما مشهودا فاعترضهم وسائر عساكرهم ونهض إلى الأندلس في مائة ألف من العرب والموحدين واستخلف على مراكش أخاه السيد أبا عمران فاحتل بقرطبة سنة سبع وستين وخمسمائة ثم ارتحل بعدها إلى إشبيلية ولقيه السيد أبو حفص هنالك منصرفا من بعض غزواته ولما نزل أمير المؤمنين يوسف بإشبيلية خافه محمد بن مردنيش وحمل على قلبه فمرض ومات وقيل إن أمه سمته لأنه كان قد أساء إلى خواصه وكبراء دولته فنصحته فتهددها وخافت بطشه فسمته ولما مات محمد بن مردنيش جاء أولاده وإخوته إلى أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن وهو بإشبيلية فسلموا إليه جميع بلاد شرق الأندلس التي كانت لأبيهم فأحسن إليهم أمير المؤمنين وتزوج أختهم وأصبحوا عنده في أعز منزلة وصنع في وليمتها مهرجانا عظيما يقصر الوصف عنه ولما صفت لأمير المؤمنين يوسف الأندلس خرج من إشبيلية غازيا بلاد العدو فنزل على مدينة له تسمى وبذة فأقام محاصرا لها شهورا إلى أن اشتد عليهم الحصار وعطشوا فراسلوه في تسليم المدينة وأن يعطيهم الأمان على نفوسهم فامتنع من ذلك فلما اشتد بهم العطش سمع لهم في بعض الليالي لغط عظيم وأصوات هائلة وذلك أنهم اجتمعوا بأسرهم ودعوا الله تعالى فجاءهم مطر عظيم ملأ ما كان عندهم من الصهاريج فارتووا وتقووا على المسلمين فانصرف عنهم إلى إشبيلية بعد أن هادنهم مدة سبع سنين فليعتبر الواقف على هذه القضية وليعلم أن هؤلاء الكفار جاحدون ينسبون إلى الله تعالى ما لا يليق به من التثليث وأنواع الكفر ومع ذلك لما انقطع رجاؤهم ورجعوا إليه تعالى بالاضطرار الصادق رحمهم سبحانه وهو أرحم الراحمين فلا ينبغي بعد هذا للمؤمن الموحد إذا حصل في شدة أن ييأس من رحمة الله فإنه @QB@ لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون @QE@ والسر في الاضطرار فإنه عند أرباب البصائر هو اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى اللهم اجعلنا يا مولانا عندك من المرحومين واجعل كل من يرحمنا عندك من المرحومين فأنت أهل ذلك والقادر عليه ثم بلغ أمير المؤمنين خروج العدو إلى أرض المسلمين مع القومس الأحدب فخرج إليهم وأوقع بهم بناحية قلعة رباح وأثخن فيهم ورجع إلى إشبيلية وفي هذه السنة أعني سنة سبع وستين وخمسمائة شرع أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن في بناء جامع إشبيلية فتم وصليت به الجمعة في ذي الحجة منها وفي هذه السنة أيضا عقد أمير المؤمنين الجسر على وادي إشبيلية بالقوارب وبنى قصبتها الداخلية وبنى الزلاليق للسور وبنى سور باب جوهر وبنى الرصفان المتدرجة بضفتي الوادي وجلب الماء من قلعة جابر حتى أدخله إشبيلية وأنفق في ذلك أموالا لا تحصى ثم انتقض ابن أذفونش وأغار على بلاد المسلمين فاحتشد الخليفة وسرح السيد أبا حفص إليه فغزاه بعقر داره وافتتح قنصرة بالسيف وهزم جموعه في كل جهة ثم ارتحل الخليفة من إشبيلية راجعا إلى مراكش سنة إحدى وسبعين لخمس سنين من إجازته إلى الأندلس وعقد على قرطبة لأخيه أبي الحسن وعلى إشبيلية لأخيه أبي علي وأصاب مراكش طاعون فهلك من السادة أبو عمران وأبو سعيد وأبو زكريا وقدم الشيخ أبو حفص الهنتاتي من قرطبة فهلك في طريقه ودفن بمدينة سلا وهو جد الملوك الحفصيين أصحاب تونس وإفريقية واستدعى الخليفة أخويه السيدين أبا علي وأبا الحسن فعقد لأبي علي على سجلماسة ورجع أبو الحسن إلى قرطبة وعقد لابني أخيه السيد أبي حفص لأبي زيد منهما على غرناطة ولأبي محمد على مالقة وفي سنة ثلاث وسبعين سطا بذرية بني جامع وزرائه وغربهم إلى ماردة وفي سنة خمس وسبعين وخمسمائة عقد لغانم بن محمد بن مردنيش على أسطوله وأغزاه مدينة أشبونة فغنم ورجع وفيها كانت وفاة أخيه الوزير السيد أبي حفص بن عبد المؤمن بعد ما أبلى في الجهاد وبالغ في نكاية العدو وتقدم ابناه من الأندلس فأخبرا الخليفة بانتقاض الطاغية واعتزم على الجهاد وأخذ في استدعاء العرب من إفريقية والله تعالى أعلم
غزو أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن بلاد إفريقية وفتح مدينة قفصة والسبب في ذلك
كانت قفصة من بلاد إفريقية قد استبد بها بنو الرند أواخر دولة صنهاجة من بني زيري بن مناد كان جدهم عبد الله بن محمد بن الرند عاملا لهم بها فتوارثها بنوه من بعده فاستبدوا بها آخر الدولة ولما غزا عبد المؤمن بلاد إفريقية استنزلهم في جملة من استنزل من الثوار بها ولما مات عبد المؤمن وبويع ابنه يوسف بلغه سنة أربع وسبعين وخمسمائة أن بعض بني الرند قد عاد إلى قفصة وثار بها فاضطربت لأجل ذلك أحوالها فنهض إليها في سنة خمس وسبعين بعدها فانتهى إلى إفريقية ونزل على مدينة قفصة وضيق عليها بالقتال والحصار حتى دخلها وظفر بابن الرند القائم بها فقتله وذلك في سنة ست وسبعين وخمسمائة ثم عاد إلى مراكش فدخلها في سنة سبع وسبعين بعدها هكذا في القرطاس ونحوه لابن خلدون في أخبار بني عبد المؤمن وذكر عند الكلام على بني الرند وجها آخر فقال كان عبد المؤمن قد ولى على قفصة عمران بن موسى الصنهاجي فأساء إلى الرعية فبعثوا عن علي بن العزيز بن المعتز الرندي من بجاية وكان بها في مضيعة يحترف بالخياطة فقدم عليهم وثاروا بعمران بن موسى عامل الموحدين فقتلوه وقدموا مكانه علي بن العزيز فساس ملكه وحاط رعيته وأغزاه يوسف بن عبد المؤمن سنة ثلاث وستين وخمسمائة أخاه السيد أبا زكرياء فحاصره وضيق عليه وأخذه وأشخصه إلى مراكش بأهله وماله واستعمله على الأشغال بمدينة سلا إلى أن هلك بها وفنيت دولة بني الرند والبقاء لله وحده اه كلامه فالله أعلم أي ذلك كان وفي سنة ثمان وسبعين وخمسمائة خرج أمير المؤمنين يوسف من مراكش لبناء حصن أزكندر فبناه على المعدن الذي ظهر هنالك .
الجواز الثاني لأمير المؤمنين يوسف ابن عبد المؤمن إلى الأندلس برسم الجهاد وما يتصل بذلك من وفاته رحمه الله
لما قدم أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن من فتح قفصة سنة سبع وسبعين وخمسمائة قدم عليه ولاة الأندلس ورؤساؤها يهنئونه بالإياب فأكرم وفادتهم وانصرفوا ثم بلغه الخبر بأن أذفونش بن سانجة نازل قرطبة وشن الغارات على جهة مالقة ورندة وغرناطة ثم نزل إستجة وتغلب على حصن شقيلة وأسكن به النصارى وانصرف فاستنفر السيد أبو إسحاق سائر الناس للغزو ونازل الحصن نحوا من أربعين يوما ثم بلغه خروج أذفونش من طليطلة بمدده فانكفا راجعا وخرج محمد بن يوسف بن وانودين من إشبيلية في جموع الموحدين ونازل طلبيرة فبرز إليه أهلها فأوقع بهم وانصرف بالغنائم فاعتزم الخليفة يوسف بن عبد المؤمن على معاودة الجهاد وولى على الأندلس أمناءه وقدمهم للإحتشاد فعقد لابنه السيد أبي زيد على غرناطة ولابنه السيد أبي عبد الله على مرسية ونهض سنة تسع وسبعين وخمسمائة وفي القرطاس كان خروجه من مراكش في التاريخ المذكور على باب دكالة قال برسم غزو إفريقية فلما وصل إلى سلا أتاه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جامع من إفريقية فأعلمه بهدوئها وسكونها فصرف عزمه إلى الأندلس فنهض من سلا ضحوة يوم الخميس الموفي ثلاثين من ذي القعدة من السنة المذكورة فنزل بظاهرها وبات هناك ثم نهض يوم الجمعة الموالي له فوصل إلى مكناسة يوم الأربعاء السادس من ذي الحجة فعيد بها عيد الأضحى خارجها ثم ارتحل إلى فاس فدخلها وأقام بها بقية الشهر ثم دخلت سنة ثمان وخمسمائة ففي اليوم الرابع بها نهض من فاس وسار حتى انتهى إلى سبتة فأقام بها بقية الشهر المحرم وأمر الناس بالجواز إلى الأندلس فجازت قبائل العرب أولا ثم قبائل زناتة ثم المصامدة ثم مغراوة وصنهاجة وأوربة وأصناف البربر ثم عبرت جيوش الموحدين والأغزاز والرماة فلما استكمل الناس الجواز عبر هو في آخرهم في الحاشية والعبيد وكان جوازه يوم الخميس خامس صفر من السنة المذكورة فنزل بجبل الفتح ثم ارتحل منه إلى الجزيرة الخضراء ثم سار إلى إشبيلية فلما أشرف عليها يوم الجمعة الثالث والعشرين من صفر خرج إليه ولده السيد أبو إسحاق ومعه فقهاء إشبيلية وأشياخها فبعث إليهم يأمرهم بالوقوف بآخر المنية حتى يصل إليهم فلما صلى الظهر وركب اجتاز بهم فلما دنا منهم نزلوا عن دوابهم فوقف لهم حتى سلموا عن آخرهم وركبوا ثم نهض إلى غزو مدينة شنترين من بلاد غرب الأندلس فانتهى إليها في السابع من ربيع الأول فنزل عليها وأدار به الجيوش وشدد عليها في الحصار والقتال وبذل المجهود إلى ليلة الثاني والعشرين من ربيع المذكور فانتقل من موضع نزوله بجوفي شنترين إلى غربها فأنكر المسلمون ذلك ولم يعلموا له سببا فلما جن الليل وصلى العشاء الآخرة بعث إلى ولده السيد أبي إسحاق صاحب إشبيلية فأمره بالرحيل من غد تلك الليلة لغزو أشبونة وشن الغارات على أنحائها وأن يسير إليها في جيوش الأندلس خاصة وأن يكون رحيله نهارا فأساء الفهم وظن أنه أمره بالرحيل ليلا وصرخ الشيطان في محلة المسلمين أن أمير المؤمنين قد عزم على الرحيل في هذه الليلة وتحدث الناس بذلك وتأهبوا له ورحلت طائفة منهم بالليل ولما كان قرب الفجر أقلع السيد أبو اسحاق وأقلع من كان مواليا له وتتابع الناس بالرحيل وتسابقوا لاختيار المنازل وأمير المؤمنين مقيم في مكانه لا علم له بذلك فلما أصبح وصلى الصبح وأضاء النهار لم يجد حوله من أهل المحلات أحدا إلا يسيرا من خاصته وحشمه الذين يرحلون لرحيله وينزلون لنزوله وإلا قواد الأندلس فإنهم الذين كانوا يسيرون أمام ساقته وخلف محلته من أجل من يتخلف عنها من الضعفاء فلما طلعت الشمس وتطلع النصارى المحصورون على المحلة من سور البلد ورأوا أمير المؤمنين منفردا في عبيده وحشمه وتحققوا ذلك من جواسيسهم فتحوا البلد وخرج جميع من فيه خرجة منكرة وهم ينادون الري الري أي أقصدوا السلطان فضربوا في محلة العبيد إلى أن وصلوا إلى أخبية أمير المؤمنين فمزقوها واقتحموها فبرز إليهم وقاتلهم بسيفه حتى قتل ستة منهم ثم طعنوه طعنة نافذة وقتل عليه ثلاث من جواريه كن قد أكببن عليه ولما طعن وقع بالأرض وتصايح العبيد ونادوا بالفرسان والأجناد فتراجع المسلمون وقاتلوا النصارى حتى أزاحوهم عن الأخبية واشتد القتال بينهم وتواقفوا ساعة ثم انهزم الفرنج وركبهم المسلمون بالسيف حتى أدخلوهم المدينة وقتل منهم خلق كثير يزيدون على العشرة آلاف واستشهد من المسلمين جماعة وركب أمير المؤمنين يوسف وقد أنفذته الطعنة وارتحل الناس ولا يدرون أين ثم اهتدوا بالطبول فقصدوا جهة إشبيلية ثم سار أمير المؤمنين يريد العبور إلى المغرب فاشتد ألمه ومات بالطريق رحمه الله قاله ابن مطروح وكانت وفاته يوم السبت العاشر من شهر ربيع الآخر سنة ثمانين وخمسمائة قرب الجزيرة الخضراء فحمل إلى تينملل فدفن بها إلى جنب قبر أبيه وقيل إنه لم يمت حتى وصل إلى مراكش وكان ولده يعقوب الخليفة بعده هو الذي يدخل على أبيه ويخرج ويصرف الأمور بين يديه من يوم طعن إلى أن مات قالوا وكتم ولده موته حتى وصل إلى مدينة سلا فأفشاه وكان قبل موته بأشهر كثيرا ما ينشد قول الشاعر ويردده ( طوى الجديدان ما قد كنت أنشره % وأنكرتني ذوات الأعين النجل ) ورثاه الأديب أبو بكر يحيى بن مجير بقصيدة طويلة أجاد فيها وأولها ( جل الأسى فأسل دم الأجفان % ماء الشؤون لغير هذا الشان )
بقية أخبار أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن وسيرته
قال ابن خلكان كان يوسف بن عبد المؤمن أبيض تعلوه حمرة شديد سواد الشعر مستدير الوجه أفوه أعين إلى الطول ما هو في صوته جهارة رقيق حواشي الطبع حلو الألفاظ حسن الحديث طيب المجالسة أعرف الناس كيف تكلمت العرب وأحفظهم لأيامها في الجاهلية والإسلام صرف عنايته إلى ذلك ولقي فضلاء إشبيلية أيام ولايته بها وكان فقيها حافظا متفننا لأن أباه هذبه وقرن به وبإخواته أكمل رجال الحرب والمعارف فنشأ في ظهور الخيل بين أبطال الفرسان وفي قراءة العلم بين أفاضل العلماء وكان ميله إلى الحكمة والفلسفة أكثر من ميله إلى الأدب وبقيه العلوم ويقال إنه كان يحفظ صحيح البخاري وكان يحفظ القرآن الكريم مع جملة صالحة من الفقه ثم طمح إلى علم الحكمة وبدأ من ذلك بعلم الطب وجمع من كتب الحكمة شيئا كثيرا وكان ممن صحبه من العلماء بهذا الشأن الوزير أبو بكر محمد بن طفيل كان متحققا بجميع أجزاء الحكمة قرأ على جماعة من أهلها منهم أبو بكر بن الصائغ المعروف بابن باجة وغيره ولابن طفيل هذا تصانيف كثيرة وكان يوسف بن عبد المؤمن حريصا على الجمع بين علم الشريعة والحكمة ولم يزل يجمع إليه العلماء من كل فن من جميع الأقطار ومن جملتهم القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد المعروف بالحفيد وكان يوسف بن عبد المؤمن شديد الملوكية بعيد الهمة جماعا مناعا ضابطا لخراج مملكته عارفا بسياسة رعيته وكان سخيا جوادا في محل السخاء والجود قد استغنى الناس في أيامه وكان من ضبطه وسياسته ربما يحضر حتى لا يكاد يغيب حتى لا يكاد يحضر وله في غيبته نواب وخلفاء وحكام قد فوض الأمور إليهم لما علم من صلاحهم وأهليتهم لذلك قال ابن خلكان والدنانير اليوسفية المغربية منسوبة إليه ومما يستطرف من أخباره رحمه الله أن الأديب أبا العباس أحمد بن عبد السلام الكرواني وكروان قبيلة من البربر منازلهم بضواحي فاس كان نهاية في حفظ الأشعار القديمة والمحدثة وتقدم في هذا الشأن وله فيه تآليف وكان مع ذلك صاحب نوادر جالس بها عبد المؤمن ثم ولده يوسف ثم ولده يعقوب فمن نوادره أنه حضر يوما إلى باب أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن المذكور وحضر إليه أيضا الطبيب سعيد الغماري فقال أمير المؤمنين لبعض خدمه انظر من بالباب من الأصحاب فخرج الخادم ثم عاد إليه فقال يا سيدي بهامد الكرواني وسعيد الغماري فقال أمير المؤمنين يوسف من عجائب الدنيا شاعر نم كروان وطبيب من غمارة فبلغ ذلك الكرواني وضرب لنا مثلا ونسي خلقه أعجب منهما والله خليفة من كومية فيقال إن أمير المؤمنين يوسف لما بلغه ذلك قال أعاقبه بالحلم عنه ففيه تكذيب له ومن شعر الكرواني من جملة قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين يوسف المذكور وهو بديع ( إن الإمام هو الطبيب وقد شفا % علل البرايا ظاهرا ودخيلا ص ) ( حمل البسيطة وهي تحمل شخصه % كالروح يوجد حاملا محمولا )
الخبر عن دولة أمير المؤمنين المنصور بالله يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي
قال ابن خلدون لما توفي الخليفة يوسف بن عبد المؤمن على حصن شنترين في التاريخ المتقدم بويع ابنه أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ورجع بالناس إلى إشبيلية فاستكمل البيعة واشتوزر الشيخ أبا محمد عبد الواحد بن أبي حفص الهنتاتي واستنفر الناس للغزو مع أخيه السيد يحيى فاستولى على بعض الحصون وأثخن في بلاد الكفارة ثم أجاز البحر إلى الحضرة ولقيه بقصر مصمودة السيد أبا زكريا ابن السيد أبي حفص قادما من تلمسان مع مشيخة بني زغبة من عرب هلال ومضى إلى مراكش فغير المناكر وبسط العدل ونشر الحكام اه وفيه نوع مخالفة لما قدمناه وقال ابن أبي زرع لما تمت له البيعة وطاعت له الأمة كان أول شيء فعله أن أخرج مائة ألف دينار ذهبا من بيت المال ففرقها في الضعفاء من بيوتات المغرب وكتب إلى جميع بلاده بستريح السجون ورد المظالم التي ظلمها العمال في أيام أبيه وأكرم الفقهاء وراعى الصلحاء وأهل الفضل وأجرى على أكثرهم الإنفاق من بيت المال وفرق في الموحدين وسائر الأجناد أموالا جمة وكان أول شيء حدث في دولته شأن بني غانية المسوفيين أصحاب جزيرة ميورقة وأعمالها فلنأت بشيء من ذلك
خروج علي بن إسحاق المسوفي المعروف بابن غانية على يعقوب المنصور
قد تقدم لنا في أخبار الدولة اللمتونية أن أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين اللمتوني كان قد استعمل على الجزائر الشرقية من بلاد الأندلس وهي ميورقة ومنورقة ويابسة محمد بن علي بن يحيى المسوفي المعروف بابن غانية وهي أهمهم فتوارثها بنوه من بعده إلى أيام يوسف بن عبد المؤمن فبعث إليه محمد بن إسحاق بن محمد المسوفي المذكور بالطاعة فقبل ذلك يوسف بن عبد المؤمن وبعث إليه قائده علي بن الروبرتير ليختبر أمره ويعقد له البيعة عليه ويؤكد الأمر في ذلك وكان لمحمد بن إسحاق المذكور عدة اخوة يساهمونه في الرياسة فلما انتهى إليهم ابن الروبرتير وعلموا الأمر الذي قدم لأجله أنكروا على أخيهم ذلك لأنه لم يكن أعلمهم بمكاتبة يوسف بن عبد المؤمن فخلصوا نجيا دونه وتقبضوا عليه وعلى ابن الروبرتير وقدموا مكانه أخاهم علي بن إسحاق بن محمد ثم بلغهم خبر وفاة يوسف بن عبد المؤمن وولاية ابنه يعقوب المنصور فركب علي بن إسحاق أسطوله وطرق بجاية على حين غفلة من أهلها وعليها يومئذ السيد أبو الربيع بن عبد الله بن عبد المؤمن وكان خارجا في بعض مذاهبه فاستولى عليها ابن غانية في صفر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وحكى ابن أبي زرع في استيلاء ابن غانية على بجاية وجها آخر قال دخل الميورقي وهو علي بن إسحاق المذكور مدينة بجاية يوم الجمعة السادس من شعبان سنة ثمانين وخمسمائة والناس في صلاة الجمعة وكان أبواب المدن قبل ذلك لا تغلق وقت صلاة الجمعة فارتقب ابن غانية الناس حتى أحرموا بصلاة الجمعة ثم اقتحم عليهم المدينة وعمد إلى الجامع الأعظم وأدار به الخيل والرجل فمن بايعه خلى سبيله ومن توقف عن بيعته ضرب عنقه قال وأقام بها سبعة أشهر ثم استرجعت من يده قال ومن ذلك اليوم اتخذ الناس غلق أبواب المدن يوم الجمعة وقت الصلاة والله أعلم ثم استولى علي بن إسحاق على الجزائر ثم على مازونة ثم على مليانة ثم على القلعة ثم نازل قسنطينة فامتنعت عليه واتصل الخبر بالمنصور فسرح السيد أبا زيد بن أبي حفص بن عبد المؤمن وعقد له على حرب ابن غانية وعقد لمحمد بن إبراهيم بن جامع على الأساطيل وإلى نظره أبو محمد بن عطوش وأحمد الصقلي فوصل السيد أبو زيد إلى أفريقية وشرد ابن غانية عنها إلى الصحراء في أخبار طويلة ثم عاود ابن غانية الإجلاب على بلاد إفريقية وظاهره على ذلك قراقوش الغزي من موالي السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب الكردي صاحب مصر وكان قد تغلب على طرابلس وما والاها وبلغ المنصور أن ابن غانية قد استولى على قفصة فنهض بنفسه من حضرة مراكش ثالث شوال سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة ووصل إلى فاس فأراح بها ثم سار إلى رباط تازا ثم سار على التعبية إلى تونس وجمع ابن غانية من إليه من الملثمين والعرب وجاء معه قراقوش الغزي صاحب طرابلس فسرح إليهم المنصور مقدمة من جيشه لنظر السيد أبي يوسف يعقوب ابن السيد أبي حفص عمر بن عبد المؤمن فلقيهم ابن غانية في جموعه فانتصر عليهم وانهزم الموحدون وقبل جماعة من وجوههم وأسر علي بن الروبرتير في آخرين وامتلأت أيدي العرب من أثاثهم وأسلابهم ووصل سرعان الناس إلى المنصور وهو بتونس فنهض إليهم في الحال ونزل القيروان ثم أغذ السير إلى الحامة فالتقى الجمعان وأنشبوا الحرب فكانت الهزيمة على ابن غانية وأحزابه وأفلت من المعركة بذماء نفسه ومعه خليله قراقوش وأتى القتل على أكثرهم ثم صبح المنصور مدينة قابس وكانت في يد قراقوش فافتتحها ونقل من كان بها من حرم ابن غانية وذويه في البحر إلى تونس وثنى العنان إلى توزر فافتتحها وقتل من وجد بها ثم إلى قفصة فنازلها أياما حتى نزلوا على حكمه فقتل من كان بها من الحشود وهدم سورها واستبقى أهلها وجعل أملاكهم بأيديهم على حكم المساقاة ولما فرغ من أمر قفصة نهض إلى عرب إفريقية ففتك بهم واستباح حللهم وأموالهم وشردهم في كل وجه ثم بعد ذلك جاؤوه تائبين خاضعين فنقل أهل الفتنة والخلاف منهم إلى المغرب الأقصى ورجع إلى مراكش فدخلها في رجب سنة أربع وثمانين وخمسمائة
الخبر عن انتقال العرب من جزيرتهم إلى ارض إفريقية ثم منها إلى المغرب الأقصى والسبب في ذلك
أعلم أن أرض إفريقية والمغرب لم تكن للعرب بوطن في الأيام السالفة لا في الجاهلية ولا في صدر الإسلام وإنما كان المغرب وطنا لأمة البربر خاصة لا يشاركهم فيه غيرهم ولما جاءت الملة الإسلامية وأظهرها الله على الدين كله زحفت جيوش المسلمين من العرب إلى أرض المغرب في جملة ما زحف إليه من أقطار الأرض لكن العرب الداخلون إلى أرض المغرب في ذلك العصر إنما كانوا يدخلون إليه غزاة مجاهدين على ظهور خيولهم فيقضون الوطر من فتح الأقطار والأمصار ثم ينقلب جمهورهم إلى وطنهم ومقرهم من جزيرة العرب وإن بقي القليل منهم به فإنما كانوا يستوطنون منه الأمصار دون البادية ويسكنون القصور دون الخيام فلم تكن العرب تسكن المغرب يومئذ بقبائلهم وخيامهم ولا استوطنوه بأحيائهم وحللهم كما هو شأنهم اليوم لأن الملك الذي حصل لهم والغلب الذي مكنهم الله منه كان يمنعهم من سكنى البادية ويعدل بهم إلى الحضارة ولا بد فكانت الخيمة بأرض المغرب معدومة رأسا أو قليلة جدا لبعض البربر ممن كان يتخذها منهم وهم قليل وإنما كان يسكن الجمهور منهم بالمداشر وكهوف الجبال واستمر الحال على ذلك إلى أواسط المائة الخامسة فدخلت العرب أرض إفريقية واستوطنها بحللهم وخيامهم ثم لما كانت أواخر المائة السادسة في دولة يعقوب المنصور رحمه الله نقل الكثير منهم إلى المغرب الأقصى فاستوطنوه بحللهم وخيامهم كذلك وصارت أرض المغرب منقسمة بين أمتين أمة العرب أهل اللسان العربي وأمة البربر أهل اللسان البربري بعد أن كانت بلاده خاصة بالبربر لا يشاركهم فيها غيرهم كما قلنا واعلم أن أمة العرب تنقسم أولا إلى قسمين عدنان وقحطان ثم ينقسم كل من عدنان وقحطان إلى شعبين عظيمين فأما عدنان وهم الإسماعيلية ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام فينقسمون إلى ربيعة ومضر و أما قحطان وهم اليمانية ذرية قحطان بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام فينقسمون إلى حمير وكهلان هذا هو المعروف المشهور من نسب الفريقين وقد يذكر النسابون لكل منهما شعوبا أخر لكنا لم نعتبرها إما لانقراضها أو لقوة الخلاف فيها أو لقلتها جدا واندراجها فيمن ذكرناه . ثم يتشعب كل من هذه الشعوب الأربعة إلى قبائل وعمائر وبطون وأفخاذ وفصائل لا حصر لها لكننا ننبه على الغرض المقصود منها فنقول من جملة قبائل مضر بنو سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر ومن قبائلها أيضا بنو جشم بن معاوية بن بكر بن هوازان بن منصور المذكور في النسب السابق وقد نسبت الخنساء جشم هذا إلى جده فقالت تهجو دريد بن الصمة ( معاذ الله ينكحني حبركي % قصير الشبر من جشم بن بكر ) ومن قبائلها أيضا بنو هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر المذكور أيضا ومن جملة قبائل كهلان القحطانيين بنو الحارث بن كعب بن عمرو بن علة بن جلد بن مذحج بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان وكهلان هو ابن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان واعلم أن هؤلاء القبائل الأربعة التي ذكرناها هي التي ذكر المؤرخون أنها انتقلت إلى أفريقية والمغرب وقد يضاف إليهم غيرهم من قبائل العرب لكنهم ليسوا بمشهورين كالأربعة المذكورة وأما خبر دخولهم إلى المغرب والسبب فيه فقد ذكر المؤرخون أن بني سليم بن منصور وبني هلال بن عامر لم يزالوا بجزيرة العرب برهة من الدهر إلى أن مضى الصدر من دولة بني العباس وكانوا أحياء ناجعة بأرض الحجاز ونجد فبنوا سليم مما يلي المدينة المنورة وبنو هلال في جبل غزوان عند الطائف ثم تحيز بنو سليم والكثير من هلال بن عامر إلى البحرين وعمان وصاروا جندا للقرامطة ثم غلب القرامطة على بلاد الشام وظاهرهم على ذلك بنو سليم وبنو هلال ثم انتقلت دولة العبيديين من إفريقية إلى مصر وغلبوا القرامطة على الشام وانتزعوه منهم وردوهم على أعقابهم إلى البحرين ونقلوا أشياعهم من بني سليم وبني هلال فأنزلوهم بصعيد مصر في العدوة الشرقية من بحر النيل فأقاموا هنالك وكان لهم أضرار بالبلاد ولما انتقلت الدولة العبيدية من إفريقية إلى مصر كما قلنا استنابوا على إفريقية بني زيري بن مناد الصنهاجيين فملكوها وكانوا يخطبون بملوك العبيديين على منابرهم ويضربون السكة بأسمائهم ويؤدون إليهم إتاوة معلومة وطاعة معروفة ولما انساق ملك إفريقية إلى المعز بن باديس بن المنصور بن بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي كان له رغبة في مذهب أهل السنة خالف فيه أسلافه الذين كانوا على مذهب الشيعة الرافضة وكان الخليفة من العبيديين بمصر يومئذ المستنصر بالله معد بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز لدين الله والمعز هذا هو الذي انتقل إلى مصر وبنى مدينة القاهرة وكان المعز بن باديس الصنهاجي لا تزال المراسلات والهدايا تختلف بينه وبين المستنصر العبيدي صاحب مصر كما كانت أسلافهما ثم إن المعز بن باديس ركب ذات يوم لبعض مذاهبه وذلك في أول ولايته فكبا به فرسه فنادى مستغيثا بالشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فسمعته العامة وكان جمهورهم سنيا فثاروا بالرافضة وقتلوهم أبرح قتل وأعلنوا بالمعتقد الحق ونادوا بشعار الإيمان وقطعوا من الأذان حي على خير العمل وكانت هذه الواقعة في أيام الظاهر العبيدي والد المستنصر فكاتب المعز بن باديس في ذلك فاعتذر إليه بالعامة فأغضى عنه واستمر ابن باديس على إقامة الدعوة لهم والمهاداة معهم وهو في أثناء ذلك يكاتب وزيرهم القائم بأمور دولتهم أبا القاسم علي بن أحمد الجرجرائي ويستميله ويعرض ببني عبيد وشيعتهم ويغض منهم ثم هلك الوزير أبو القاسم سنة ست وثلاثين وأربعمائة وولي الوزارة بعده أبو محمد الحسن بن علي اليازوري أصله من قرى فلسطين وكان أبوه فلاحا بها فلما ولي الوزارة خاطبه المعز بن باديس دون ما كان يخاطب به من قبله من الوزراء كان يقول في كتابه إليهم عبدكم وصار يقول في كتاب اليازوري صنيعتكم فحقد ذلك عليه وصارت القوارص تسري من بعضهم إلى بعض إلى أن أظلم الجو بين المعز بن باديس وبين المستنصر العبيدي ووزيره اليازوري فقطع ابن باديس الخطبة بهم على منابره سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة وأحرق بنود المستنصر ومحا اسمه من السبكة والطرز ودعا للقائم العباسي خليفة بغداد وجاءه خطابه وكتاب عهده فقرئ بجامع القيروان ونشرت الرايات السود وهدمت دور الإسماعيلية وبلغ الخبر بذلك كله إلى المستنصر بالقاهرة فقامت قيامته ففاوض وزيره أبا محمد الحسن بن علي اليازوري في أمر ابن باديس فأشار عليه بأن يسرح له العرب من بني هلال وبني جشم الذين بالصعيد وأن يتقدم إليهم بالاصطناع ويستميل مشايخهم بالعطاء وتولية أعمال إفريقية وتقليدهم أمرها بدلا من صنهاجة الذين بها لينصروا الشيعة ويدافعوا عنهم فإن صدقت المخيلة في ظفرهم بابن باديس وقومه صنهاجة كانوا أولياء للدولة وعمالا بتلك القاصية وارتفع عدوانهم من ساحة الخلافة وإن كانت الأخرى فلها ما بعدها وأمر العرب على كل حال أهون على الدولة من أمر صنهاجة الملوك فبعث المستنصر وزيره إلى هؤلاء الأحياء وأرضخ لأمرائهم في العطاء ووصل عامتهم ببعير ودينار لكل واحد منهم وأباح لهم إجازة النيل وقال لهم قد أعطيناكم المغرب وملك ابن باديس العبد الآباق فلا تفتقرون بعدها وكتب اليازوري إلى المعز أما بعد فقد أنفذنا إليكم خيولا فحولا وأرسلنا عليها رجالا كهولا ليقضي الله أمرا كان مفعولا فشرهت العرب إذ ذاك وعبروا النيل إلى برقة فنزلوا بها واستباحوها وافتتحوا أمصارها وأعجبتهم البلاد فكتبوا لإخوانهم الذين بقوا شرقي النيل يرغبونهم في البلاد فأجازوا إليهم بعد أن أعطوا للمستنصر لكل رأس دينارين فأخذ منهم أضعاف ما أخذوه وتقارعوا على البلاد فحصل لبني سليم شرقها ولبني هلال غربها ثم انتشروا في أقطار أفريقية مثل الجراد لا يؤمرون بشيء إلا أتوا عليه وبالجملة فلم تمر إلا مدة يسيرة حتى استولوا على ضواحي إفريقية ونازلوا أمصارها واقتضوا من أهلها الإتاوة وحضروا ابن باديس في مصره وصاهرهم ببناته تأليفا لهم ومع ذلك فلم يجد شيئا والحديث في ذلك طويل وليس تتبعه من غرضنا قال ابن خلدون ولهؤلاء الهلاليين في الحكاية عن دخولهم إلى إفريقية طرق يزعمون أن الشريف ابن هاشم كان صاحب الحجاز ومكة ويسمونه شكر بن أبي الفتوح وأنه أصهر إلى الحسن بن سرحان في أخته جازية فأنكحه إياها وولدت منه ولدا واسمه محمد وإنه حدث بينهم وبين الشريف المذكور مغاضبة وفتنة فأجمعوا الرحلة عن أرض نجد إلى إفريقية وتحيلوا عليه في استرجاع أختهم جازية المذكورة فطالبته بزيارة أبويها فأزارها إياهم وخرج بها إلى حللهم وأقام معها مدة الزيارة فارتحلوا به وبها وكتموا رحلتهم عنه وموهوا عليه بأنهم يباكرون به للصيد والقنص ويروحون به إلى بيوتهم بعد بنائها فلم يشعر بالرحلة إلى أن فارق موضع ملكه وصار حيث لا يملك أمرها عليهم ففارقوه ورجع إلى مكانه من مكة وبين جوانحه من حبها داء دخيل وأنها من بعد ذلك كلفت به مثل ما كلف بها إلى ان ماتت من حبه ويتناقلون من أخبارها في ذلك ما يعفي على خبر قيس وليلى ويروون كثيرا من أشعارها محكمة المباني مثقفة الأطراف وفيها المطبوع والمنتحل والمصنوع لم يفقد فيها من البلاغة شيء وإنما فقد منها الإعراب فقط ولا مدخل له في البلاغة وفي هذه الأشعار شيء كثير دخلته الصنعة وفقدت فيه صحة الرواية فلذلك لا يوثق به ولو صحت روايته لكانت فيه شواهد بآياتهم ووقائعهم مع زناتة وحروبهم وضبط لأسماء رجالاتهم وكثير من أحوالهم لكنا لا نثق بروايتها وربما يشعر البصير بالبلاغة بالمصنوع منها وغيره وهم متفقون على الخبر عن حال جازية هذه والشريف خلفا عن سلف وجيلا عن جيل ويكاد القادح فيها والمستريب في أمرها أن يرمى عندهم بالجنون لتواترها بينهم وهذا الشريف الذي يشيرون إليه هو من الهواشم وهو شكر بن أبي الفتوح الحسن بن جعفر بن أبي هاشم محمد بن الحسن بن محمد الأكبر ابن موسى الثاني ابن عبد الله أبي الكرام بن موسى الجون بن عبد الله الكامل بن حسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو الفتوح هو الذي خطب لنفسه بمكة أيام الحاكم العبيدي وبايع له بنو الجراح أمراء طيىء بالشام وبعثوا عنه فوصل إلى أحيائهم وبايع له كافة العرب ثم غلبتهم عساكر الحاكم العبيدي ورجع إلى مكة وهلك سنة ثلاثين وأربعمائة فولي بعده ابنه شكر هذا وهلك سنة ثلاث وخمسين وولي بعده ابنه محمد الذي يزعم هؤلاء الهلاليون أنه من جازية هذه وقال ابن حزم إن شكر بن أبي الفتوح لم يولد له قط وإنما صار أمر مكة من بعده إلى عبد كان له وقال ابن خلدون بل أخبرني من أثق به من الهلاليين لهذا العهد أنه وقف على بلاد الشريف شكر بن أبي الفتوح وأنها بقعة من أرض نجد مما يلي الفرات وإن ولده بها لهذا العهد والله أعلم واعلم أن جازية بنت سرحان هذه كانت من بني دريد بن أثبج بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة فهي هلالية أثبجية دريدية ومن مزاعمهم أنها لما صارت إلى إفريقية وفارقت الشريف ابن هاشم المذكور خلفه عليها منهم ماضي بن مقرب من رجالات دريد فأقامت عنده مدة ثم غاضبته ولحقت بأخيها الحسن بن سرحان فمنعها منه فقامت عشيرة ماضي بن مقرب معه وقاتلوا الحسن بن سرحان وعشيرته وثارت الفتنة بينهم وقتل فيها الحسن بن سرحان واستمرت العداوة بينهم إلى أيام الموحدين فهذا سبب انتقال هؤلاء العرب من الحجاز ونجد إلى إفريقية وأما سبب انتقالهم من إفريقية إلى المغرب الأقصى فقد ذكرنا أن بني سليم بن منصور وبني هلال بن عامر اقترعوا على بلاد إفريقية فكان لبني سليم شرقها ولبني هلال غربها ثم تغلبوا على ضواحيها وأمصارها وضايقوا ملوكها بها وانضم إلى بني هلال بن عامر بنو جشم بن معاوية بن بكر فعلت أيديهم على الجميع واستمر أمرهم على ذلك إلى أن كانت دولة يعقوب المنصور الموحدي رحمه الله وثار ابن غانية ببلاد إفريقية كما تقدم فظاهرته العرب من جشم وهلال على الموحدين وأوقعوا بمقدمة المنصور فنهض إليهم من تونس وأوقع بالملثمين أولا ثم بالعرب ثانيا وقل جمعهم واتبع آثارهم إلى أن شردهم إلى صحارى برقة وانتزع تلك البلاد من أيديهم ثم راجعوا بصائرهم فأتوه طائعين خاضعين حسبما قدمنا الخبر عن ذلك مستوفى وكان الذين قاتلوه أولا ثم راجعوا طاعته ثانيا هم قبائل هلال بن عامر وجشم بن معاوية بن بكر كما قلنا وهم أصحاب غرب إفريقية وأما بنو سليم بن منصور فلم يقاتله منهم أحد فلذلك بقي بنو سليم بأرض إفريقية ونقل المنصور رحمه الله بني هلال وبني جشم إلى المغرب الأقصى حين أتوه طائعين وكان ذلك سنة أربع وثمانين وخمسمائة فأنزل قبيلة رياح من بني هلال ببلاد الهبط فيما بين قصر كتامة المعروف بالقصر الكبير إلى أزغار البسيط الأفيح هناك إلى ساحل البحر الأخضر فاستقروا بها وطاب لهم المقام وأنزل قبائل جشم بلاد تامسنا البسيط الأفيح ما بين سلا ومراكش وهو أوسط بلاد المغرب الأقصى وأبعدها عن الثنايا المفضية إلى القفار لإحاطة جبل الدرن بها فلم ييمموا بعدها قفرا ولا أبعدوا رحلة واعلم أن هذين البسيطين يسميان اليوم في عرف عامة أهل المغرب بالغرب والحوز فالغرب عبارة عن بلاد الهبط وأزغار وما في حكمها و الحوز عبارة عن بلاد تامسنا وما اتصل بها إلى مراكش فكان لرياح بلاد المغرب وكان لجشم بلاد الحوز ثم أعلم أيضا أن قبيلة رياح هم بنو رياح بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة وهم بطون كثيرة وجلهم قد بقي بأرض إفريقية والذين انتقلوا منهم إلى المغرب الأقصى كان رئيسهم في ذلك العصر مسعود بن سلطان بن زمام الذوادي من بني ذواد بن مرداس بن رياح فأقام معهم مدة ثم جمع جماعة من قومه وفر إلى إفريقية وذلك في حدود التسعين وخمسمائة وأبدأ وأعاد هنالك في الإجلاب مع الثوار إلى أن هلك في بعض تلك المدة وأقام الباقون بعد فرار كبيرهم مسعود المذكور ببلاد الهبط وأزغار إلى أن انقرضت دولة الموحدين وكان عثمان بن نصر رئيسهم أيام المأمون الموحدي وقتله سنة ثلاثين وستمائة ولما تغلب بنو مرين على ضواحي المغرب ضرب الموحدون على رياح هؤلاء البعث مع عساكرهم فقاموا بحماية ضواحيهم وانضم إليهم بنو عسكر بن محمد المرينيون حين خالفوا إخوانهم بني حمامة بن محمد سلف الملوك منهم فكانت بين الفريقين جولة قتل فيها عبد الحق بن محيو بن أبي بكر بن حمامة أبو الملوك المرينيين وقتل معه ابنه إدريس فأوجدت رياح السبيل لبني مرين على أنفسهم في طلب الثأر فأثخنوا فيهم بعد أن ملكوا المغرب واستلحموهم قتلا وسبيا مرة بعد أخرى وكان آخر من أوقع بهم السلطان أبو ثابت المريني سنة سبع وسبعمائة تتبعهم بالقتل إلى أن لحقوا برؤوس الهضاب وأسنمه الربا المتوسطة في المرج المستبحر بأزغار فصاروا إلى عدد قليل ولحقوا بالقبائل الغارمة وذهبت رياح أدراج الرياح هذا خبرهم على الجملة وأما بنو جشم أصحاب تامسنا فإن المنصور لما نقلهم إليها نقل معهم قبائل أخرى كانوا قد قاتلوه معهم ولم يكونوا ن نسبهم ولكنهم كانوا مندرجين فيهم فكان يطلق على الجميع جشم وهؤلاء القبائل هم المقدم والعاصم من بني هلال بن عامر ثم من الأثبج منهم وقرة من بني هلال أيضا والخلط من بني عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر فهؤلاء القبائل ليسوا من جشم كما ترى ولكنهم لما انغمروا فيهم وانتقلوا إلى المغرب بانتقالهم أطلق على الجميع جشم فأما المقدم والعاصم فهما ابنا مشرف بن أثبج بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة وأما قرة فهم بنو قرة بن عبد مناف بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال فهؤلاء القبائل الثلاثة أعني المقدم والعاصم وقرة هلاليون وأما الخلط فهم بطن من بني عقيل بالتصغير قال أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني الخلط بنو عوف وبنو معاوية ابني المنتفق بن عامر بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة المذكور في الأنساب المتقدمة فقد بان لك بهذا أن هذه القبائل الأربع أعني العاصم ومقدما وقرة والخلط ليسوا من بني جشم بن معاوية بن بكر من حيث النسب وأن الثلاث الأول من بني هلال بن عامر وأن الرابعة وهي الخلط من بني عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر يجتمع الجميع كما ذكرناه أولا والله تعالى أعلم ولنتكلم الآن على أخبار جشم على الجملة فنقول لما نزل بنو جشم ببسيط تامسنا أقاموا به برهة من الدهر ثم تميز جمهورهم إلى العاصم ومقدم وبني جابر وسفيان والخلط فأما مقدم والعاصم فكانوا مع إخوانهم ببسيط تامسنا المذكور وكان للموحدين عليهم عسكرة وجباية وكان شيخ العاصم لعهد الموحدين ثم عهد المأمون بن المنصور منهم حسن بن زيد وكان له أثر في الفتنة التي ثارت بين المأمون وبين يحيى بن الناصر بن المنصور ولما هلك يحيى المذكور سنة ثلاث وثلاثين وستمائة أمر الرشيد بن المأمون بقتل حسن بن زيد المذكور مع قائد وقائد ابني عامر من شيوخ بني جابر كل منهما اسمه قائد فقتلوا جميعا ثم صارت الرياسة لأبي عياد وبنيه وكان رئيسهم لعهد بني مرين عياد بن أبي عياد وكان له تلون على الدولة في النفرة تارة والاستقامة أخرى فر إلى تلمسان ورجع منها أعوام تسعين وستمائة وفر إلى السوس ورجع منه سنة سبع وسبعمائة ولم يزل هذا دأبه وكانت له ولاية مع السلطان يعقوب بن عبد الحق المريني من قبل ذلك ومقاماته في الجهاد معه مذكورة وبقيت رياسته في بنيه إلى أن انقرض أمرهم وتلاشوا والله خير الوارثين وأما بنو جابر بن جشم فكانت لهم شوكة أيضا وكان لهم أثر في الفتنة الناشئة بين المأمون بن المنصور ويحيى بن الناصر بن المنصور فكانوا شيعة ليحيى ولما ولي الرشيد بن المأمون أمر بقتل قائد وقائد ابني عامر وهما يومئذ شيخا بني جابر فقتلا وقتل معهم حسن بن زيد شيخ العاصم كما تقدم وكانوا جميعا معتقلين عند الرشيد وولي أمر بني جابر بعدهما يعقوب بن محمد بن قيطون ثم قبض عليه قائد الموحدين أبو الحسن بن يعلو وكان ذلك بأمر أبي حفص المرتضى الموحدي وولي رياسة بني جابر بعده إسماعيل بن يعقوب بن قيطون ثم تحيز بنو جابر هؤلاء عن أحياء جشم إلى سفح الجبل بتادلا وما إليها يجاورون هنالك صناكة من البربر الساكنين بقنته وهضابه فيسهلون إلى البسيط تارة ويأوون إلى الجبل في حلف البربر وجوارهم أخرى إذا دهمتهم مخافة من السلطان قال ابن خلدون والرياسة فيهم لهذه العصور يعني أواخر المائة الثامنة في ورديغة من بطونهم قال أدركت شيخا عليهم لعهد السلطان أبي عنان حسين بن علي الورديغي ثم هلك وأقيم مقامه ابنه الناصر بن حسين ولحق بهم الوزير الحسن بن عمر عند نزوعه عن السلطان أبي سالم المريني سنة ستين وسبعمائة ونهضت إليهم عساكر السلطان فأمكنوا منه ثم لحق بهم أبو الفضل ابن السلطان أبي سالم عند فراره من مراكش سنة ثمان وستين ونازله السلطان عبدالعزيز المريني وأحاط به وبهم فلحق ببرابرة صناكة ثم أمكنوا منه على مال حمل إليهم ولحق بهم أثناء هذه الفتن الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن المريني على عهد الوزير عمر بن عبد الله المتغلب على المغرب وطلبه الوزير عمر فأخرجوه عنهم وطال بذلك مراس الناصر هذا للفتنة فنكرته الدولة وتقبضت عليه وأودعته السجن فمكث فيه سنين ثم تجافت عنه الدولة من بعد ذلك وأطلقته ثم رجع من المشرق فتقبض عليه الوزير أبو بكر بن غازي المستبد بالمغرب على ولد السلطان عبد العزيز وأودعه السجن ونقلوا الرياسة عن بيته إلى غيرهم والله تعالى مقلب الأمور وقد يزعم كثير من الناس أن ورديغة من بني جابر ليسوا من جشم وأنهم بطن من بطون سدراته إحدى شعوب لواتة من البربر ويستدلون على ذلك بموطنهم وجوارهم البربر والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك وأما سفيان فهم الذين كانت لهم الرياسة والشوكة عند دخول العرب إلى المغرب كانت رياستهم يومئذ في أولاد جرمون على سائر بطون جشم واستمروا على ذلك سائر أيام الموحدين ولما ضعف أمر بني عبد المؤمن استكثروا بهم في حروبهم فكانت لهم عزة ودالة على الدولة بسبب الكثرة وقرب العهد بالبداوة وخبوا ووضعوا في الفتن مع أعقاب الملوك من بني عبد المؤمن المتنازعين على الملك وظاهروا البعض منهم على البعض وساءت آثارهم بالمغرب وكان شيخهم المشهور على عهد يحيى بن الناصر الموحدي جرمون بن عيسى السفياني وكانت بينهم وبين الخلط عداوة فصارت الخلط شيعة للمأمون وبنيه وصارت سفيان بسبب ذلك شيعة ليحيى بن الناصر منازعة في الخلافة بمراكش ثم قتل الرشيد ن المأمون مسعود بن حمدان شيخ الخلط ربما نذكر بعد فصاروا إلى يحيى بن الناصر وصارت سفيان إلى الرشيد ثم ظهر بنو مرين بالمغرب واتصلت حروبهم مع الموحدين ونزع جرمون سنة ثمان وثلاثين وستمائة عن الرشيد ولحق بمحمد بن عبد الحق المريني حياء مما وقع له مع الرشيد وذلك أنه نادمه ذات ليلة حتى سكر فقام يرقص طربا ثم حمل عليه وهو سكران وعربد وأساء الأدب ثم أفاق فندم وفر إلى محمد بن عبد الحق وهلك سنة تسع وثلاثين بعدها وعلا كعب ابنه كانون بن جرمون عند السعيد بن المأمون ثم خالف عليه عند نهوضه إلى بني مرين سنة ثلاث وأربعين وستمائة ورجع إلى آزمور فملكها وفت ذلك في عضد السعيد فرجع عن حركته وقصد كانون بن جرمون ففر أمامه ثم حضر معه بعد ذلك حركته إلى تلمسان وقتل بحصن تامزردكت قبل مقتل السعيد بيوم واحد قتلته الخلط في فتنة وقعت بينهم في محلة السعيد وهي التي جرت عليها تلك الواقعة وقام بأمر سفيان من بعده أخوه يعقوب بن جرمون وقتل ابن أخيه محمد بن كانون وحضر مع عمر المرتضى الموحدي حركة أمان أيملولين سنة تسع وأربعين وستمائة فرحل يعقوب عن السلطان واختل عسكره بسبب ذلك فرجع واتبعه بنو مرين فكانت الهزيمة ثم عفا له المرتضى عنها ثم قتله مسعود وعلي ابنا أخيه كانون بثأر أخيهما محمد سنة تسع وخمسين وستمائة ولحقا بيعقوب بن عبد الحق المريني وقدم المرتضى ابنه عبد الرحمن فعجز عن القيام بأمره فقدم عمه عبد الله بن جرمون فعجز أيضا فقدم مسعود بن كانون فأقام شيخا على سفيان واستمرت حالهم مع الموحدين وبني مرين على هذا النحو من إخلاص الطاعة والنصرة تارة والتمريض فيهما أخرى وقال ابن خلدون واتصلت الرياسة على سفيان في بني جرمون هؤلاء إلى عهدنا قال وأدركت شيخا عليهم لعهد السلطان أبي عنان يعقوب بن علي بن منصور بن عيسى بن يعقوب بن جرمون بن عيسى وكانت سفيان هؤلاء أحياء حلوا بأطراف تامسنا مما يلي آسفي وغلبتهم الخلط على بسائطها الفسيحة وبقي من أحيائهم الحارث والكلابة ينتجعون أرض السوس وقفاره ويطلبون ضواحي بلاد حاحة من المصامدة فبقيت فيهم لذلك شدة وبأس ورياستهم في أولاد مطاع من الحارث وطال عيثهم في ضواحي مراكش وإفسادهم فلما استبد سلطان مراكش الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن المريني سنة ست وسبعين وسبعمائة كما نذكر استخلصهم ورفع منزلتهم ثم استقدمهم في بعض أيامه للعرض بخيلهم ورجلهم على العادة وشيخهم يومئذ منصور بن يعيش من أولاد مطاع فتقبض عليهم أجمعين وقتل من قتل منهم وأودع الآخرين سجونه فذهبوا مثلا لآخرين وخضضت شوكتهم والله قادر على ما يشاء وأما الخلط فقد كانوا ببسيط تامسنا أولي عدد وقوة وكان شيخهم هلال بن حميدان بن مقدم ولما ولي العادل بن المنصور الموحدي خالفوا عليه وهزموا عساكره وبعث هلال بيعته إلى المأمون بن المنصور سنة خمس وعشرين وستمائة وتبعه الموحدون على ذلك ثم جاء المأمون فظاهروه على أمره وتحيزت أعداؤهم إلى يحيى بن الناصر منازعه ولم يزل هلال بن حميدان مع المأمون إلى أن هلك في حركته سنته وبايع بعده لابنه الرشيد وجاء به إلى مراكش وهزم سفيان واستباحهم ثم هلك هلال بن حميدان فولي مكانه أخوه مسعود بن حميدان ثم خالف على الرشيد فاحتال الرشيد عليه حتى وفد عليه بمراكش فقتله في جماعة من قومه سنة اثنتين وثلاثين وستمائة وولي أمر الخلط بعده يحيى بن هلال وفر بقومه إلى يحيى بن الناصر وحاصروا مراكش ثم استولوا عليها وعاثوا فيها وخرج الرشيد إلى سجلماسة ثم عاد إليهم سنة ثلاث وثلاثين بعدها وغلبهم عليها ثم راجعوا طاعة الرشيد وطردوا يحيى بن الناصر إلى بني معقل عرب الصحراء فتقبض الرشيد على وشاح وعلي ابني هلال وسجنهم بآزمور سنة خمس وثلاثين وستمائة ثم أطلقهم ثم بعد ذلك غدر بمشيختهم بعد الاستدعاء والتأنيس وقتلهم أجمعين ثم بعد ذلك حضروا مع السعيد بن المأمون حركته إلى بني عبد الواد أصحاب تلمسان وجروا عليه الواقعة حتى قتل فيها بسبب فتنتهم مع سفيان يومئذ فلم يزل المرتضى يعمل الحيلة فيهم إلى أن تقبض على أشياخهم سنة اثنتين وخمسين وستمائة فقتلهم ولحق عواج بن هلال بن حميدان ببني مرين وقدم المرتضى عليهم علي بن أبي علي من بيت الرياسة فيهم ثم رجع عواد إلى الموحدين سنة أربع وخمسين وستمائة فأغزاه علي بن أبي علي فقتل في غزاته تلك ثم كانت واقعة أم الرجلين لبني مرين على المرتضى سنة ستين وستمائة فنزع علي بن أبي علي إلى بني مرين ثم صار الخلط كلهم إلى بني مرين وكانت الرياسة فيهم أول دولة بني مرين لأبي عطية مهلهل بن يحيى الخلطي وأصهر إليه السلطان يعقوب بن عبد الحق فأنكحه مهلهل ابنته عائشة التي كان منها ابنه السلطان أبو سعيد بن يعقوب ولم يزل مهلهل كبيرا عليهم إلى أن هلك سنة خمس وتسعين وستمائة ثم قام بأمر الخلط ابنه عطية وكان لعهد السلطان أبي سعيد وابنه السلطان أبي الحسن وبعثه السلطان أبو الحسن سفيرا عنه إلى سلطان مصر الملك الناصر محمد بن قلاوون ولما هلك عطية قام بأمر الخلط ابنه عيسى بن عطية ثم ابن أخيه رمام بن إبراهيم بن عطية وهو الذي بلغ المبالغ من العز والترف والدالة على السلطان والقرب من مجلسه إلى أن هلك فولي أمر الخلط بعده أخوه أحمد بن إبراهيم ثم أخوهما سليمان بن إبراهيم ثم أخوهم مبارك بن إبراهيم على مثل حالهم أيام السلطان أبي عنان المريني ومن بعده إلى أن كانت الفتنة بالمغرب بعد مهلك السلطان أبي سالم المريني واستولى على المغرب أخوه السلطان عبد العزيز وأقطع ابنه ناحية مراكش فكان إبراهيم بن عطية هذا معه ولما تقبض على أبي الفضل تقبض على مبارك المذكور وأودع السجن إلى أن غلب السلطان عبد العزيز على عامر بن محمد الهنتاتي وقتله فقتل معه مبارك بن إبراهيم هذا لما كان يعرف به من صحبته ومداخلته في الفتن كما يذكر في أخبار بني مرين وولي ابنه محمد بن مبارك على قبيل الخلط قال ابن خلدون إلا أن الخلط اليوم دثرت كأن لم تكن بما أصابهم من الخصب والترف منذ مائتين من السنين بذلك البسيط الأفيح زيادة على العز والدعة فأكلتهم السنون وذهب بهم الترف والله غالب على أمره أه ولما انقرضت الدولة المرينية من المغرب وجاءت دولة الشرفاء السعديين وقام منهم أبو عبد الله محمد الشيخ المعروف بالمهدي انحاشت الخلط إليه وأظهروا الخدمة والنصيحة وغلب محمد الشيخ المذكور على فاس وأخرج أبا حسون الوطاسي عنها فذهب أبو حسون المذكور إلى دولة الترك بالجزائر واستنصر بهم على السعديين فلبوا دعوته وقدم معه منهم عسكر جرار إلى فاس فأخرجوا محمد الشيخ السعدي عنها بعد حروب عظيمة جرت الخلط هؤلاء عليه فيها الهزيمة فلما استقل بالأمر محمد الشيخ المذكور خلع الخلط من الجندية ووظف عليهم الخراج ومحا اسمهم من ديوان الخدمة ونقل أعيانهم إلى مراكش واتخذهم رهائن عنده ولم يزل الأمر كذلك إلى دولة السلطان أبي العباس أحمد المنصور السعدي المعروف بالذهبي فرأى جلاد الخلط وقتالهم يوم وادي المخازن وإبلاءهم الإبلاء الحسن فاختار النصف منهم وردهم إلى الجندية وأبقى النصف الآخر في غمار الرعية ونقلهم إلى أزغار فاستوطنوه فعاثوا في تلك البلاد وأكثروا فيها الفساد ومدوا أيديهم إلى أولاد مطاع فنهبوهم وضايقوا بني حسن فكثرت الشكاية بهم إلى المنصور السعدي فضرب عليهم مغرما سبعين ألفا فلم يزيدوا إلا شدة فضرب عليهم بعثا إلى تكرارين من أرض الصحراء فامتنعوا من ذلك فبعث إليهم القائد موسى بن أبي جمادة العمري فانتزع منهم الخيل وأبقاهم رجالة ثم حكم فيهم السيف فمزقهم كل ممزق ومن ثم خمدت شوكتهم ولانت للغامز قناتهم ثم ختموا أعمالهم بفعلتهم الشنعاء التي ملأت الأفواه وأسالت من الجفون الأمواه وهي قتلتهم ولي الله تعالى المجاهد في سبيله أبا عبد الله سيدي محمد اليعاشي المالكي رحمه الله فما زلنا نسمع أن قبيلة الخلط إنما سلبوا العز منذ قتلهم للولي المذكور وكان ذلك في المحرم سنة إحدى وخمسين وألف والله تعالى أعلم
الخبر عن بني معقل عرب الصحراء من أرض المغرب وتحقيق نسبهم وبيان شعوبهم وبطونهم
قال ابن خلدون هذا القبيل لهذا العهد من أوفر قبائل العرب ومواطنهم بقفار المغرب الأقصى مجاورون لني عامر من زغبة الهلاليين في مواطنهم بقبلة تلمسان وينتهون إلى البحر المحيط من جهة الغرب وهي ثلاثة بطون ذوي عبيد الله وذوي منصور وذوي حسان فذوي عبيد الله منهم هم المجاورون لبني عامر ومواطنهم بين تلمسان وتاوريرت في التل وما يواجهها من القبلة ومواطن ذوي منصور من تاوريرت إلى بلاد درعة فيستولون على ملوية كلها إلى سجلماسة وعلى درعة وما يحاذيها من التل مثل تازا وغساسة ومكناسة وفاس وبلاد تادلا والمعدن ومواطن ذوي حسان من درعة إلى البحر المحيط وينزل شيوخهم بلاد بول قاعدة السوس فيستولون على السوس الأقصى وما إليه وينتجعون كلهم في الرمال إلى مواطن الملثمين من كدالة ومسوفة ولمتونة وكان دخولهم إلى المغرب مع الهلاليين في عدد قليل يقال إنهم لم يبلغوا المائتين واعترضتهم بنو سليم فأعجزوهم وتحيزوا إلى الهلالين منذ عهد قديم ونزلوا بآخر مواطنهم مما يلي ملوية ورمال تافيلالت وجاوروا زناتة في القفار فعفوا وكثروا وأثروا في صحارى المغرب الأقصى فغمروا رماله وتقلبوا في فيافيه وكانوا هنالك أحلافا لزناتة سائر أيامهم وبقي منهم بإفريقية جمع قليل اندرجوا في جملة بني كعب بن سليم وداخلوهم حتى كانوا وزراء لهم في الاستخدام للسلطان واستئلاف العرب فلما ملكت زناتة بلاد المغرب ودخلوا إلى الأمصار والمدن أقام بنو معقل هؤلاء في القفار وتفردوا في البيداء فنموا نموا لاكفاء له وملكوا قصور الصحراء التي اختطها زناتة بالقفر مثل قصور السوس غربا ثم توات ثم بودة ثم تمنطيت ثم واركلان ثم تاسبيبت ثم تيكرارين شرقا وكل واحدة من هذه وطن منفرد يشتمل على قصور عديدة ذات نخيل وأنهار وأكثر سكانها من زناتة وبينهم فتن وحروب على رياستها فحازت عرب معقل هذه الأوطان في مجالاتهم ووضعوا عليها الإتاوات والضرائب وصارت لهم جباية يعتدون فيها ملكا وكانوا في تلك المدة السالفة يعطون الصدقات لملوك زناتة ويأخذونهم بالدماء والطوائل ويسمونها جمل الرحيل وكان لهم الخيار في تعيينها ولم يكن هؤلاء العرب يحمون من أطراف المغرب وتلوله حمى ولا يعرضون لسابلة سجلماسة ولا غيرها من بلاد الصحراء بأذية ولا مكروه لما كان بالمغرب من اعتزاز الدين وسد الثغور وكثرة الحامية أيام الموحدين وزناتة من بعدهم وكان لهم بإزاء ذلك أقطاع من الدول يمدون إلى أخذه اليد السفلى وعددهم قليل كما قلنا وإنما كثروا بمن اجتمع إليهم من القبائل من غير نسبهم فإن فيهم من فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر وفيهم من أشجع بن ريث بن غطفان أحياء كبيرة يظغنون مع بني معقل بجهات سجلماسة ووادي ملوية ولهم عدد وذكر وفيهم الصباح من الأخضر ويقولون إنهم من ولد أخضر بن عامر وعامر هذا هو والله أعلم من ولد رياح الهلاليين وفيهم المهاية من عياض إحدى بطون الأثبج الهلاليين وفيهم العمور من الأثبج أيضا وفيهم بطون أخر من بني هلال وبني سليم وغيرها وأما أنسابهم عند الجمهور فخفية ومجهولة والنسابون من عرب هلال يعدونهم من بطونهم وهو غير صحيح وهم أعني بني معقل يزعمون أن نسبهم في أهل البيت إلى جعفر بن أبي طالب وليس ذلك أيضا بصحيح لأن الطالبيين والهاشميين لم يكونوا أهل بادية ونجعة هكذا ذكر ابن خلدون لكنه لم تكلم على جهينة إحدى بطون قضاعة وذكر أنهم نزلوا بلاد الصعيد وملؤوها قال ونزل معهم في تلك المواطن من أسوان إلى قوص بنو جعفر بن أبي طالب حين غلبهم بنو الحسن على نواحي المدينة وأخرجوهم منها فهم يعرفون بينهم بالشرفاء الجعافرة ويحترفون في غالب أحوالهم بالتجارة اه كلامه فعلى هذا لا يبعد أن تكون طائفة من هؤلاء الجعافرة قد انتقلوا من ارض الصعيد ودخلوا مع بني هلال إلى بلاد المغرب وأوطنوا صحراءه وهم بنو معقل المذكورون والناس مصدقون في أنسابهم والله تعالى أعلم بحقائق الأمور ثم قال ابن خلدون والصحيح والله أعلم من أمرهم أنهم من عرب اليمن فإن في اليمن بطنين يسمى كل واحد منهما معقل ذكرهما ابن الكلبي وغيره فأحدهما من قضاعة بن مالك بن حمير وهو معقل بن كعب بن عليم بن جناب وينتهي نسبه إلى قضاعة والآخر من بني الحارث بن كعب أصحاب نجران الذين كان منهم بنو عبد المدان ملوك نجران في الجاهلية والإسلام وهو معقل بن كعب بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب وينتهي نسبه إلى كهلان قال والأنسب أن يكونوا من هذا البطن الآخر وقد عده الإخباريون في بطون هلال الداخلين إلى إفريقية لمجاورتهم في الوطن قال ومن إملاء نسابهم أن معقلا جدهم له من الولد سجير ومحمد فولد سجير عبيد الله وثعلب فمن عبيد الله ذوي عبيد الله البطن الكبير منهم ومن ثعلب الثعالبة الذين كانوا ببسيط متيجة من نواحي الجزائر وولد محمد مختارا ومنصورا وجلالا وسالما وعثمان فولد مختار بن محمد حسان وشبانة فمن حسان ذوي حسان البطن المذكور أهل السوس الأقصى ومن شبانة الشبانات جيرانهم هنالك ومن جلال وسالم وعثمان الرقيطات بادية في ذوي حسان ينتجعون معهم وولد منصور بن محمد حسينا وأبا الحسين وهما شقيقان وعمران ومنبا وهما شقيقان أيضا وهما الأحلاف ويقال لعمران العمرانية ولمنبا المنبات ثم يقال لجميع البطون الأربعة ولد منصور بن محمد ذوي منصور وهم إحدى بطونهم الثلاث المذكورة والله تعالى أعلم بغيبه فهذه أصول عرب المغرب الأقصى وكيفية دخولهم إليه واستيطانهم إياه وبعض فصولهم قد ذكرناها ملخصة من تاريخ إمام الفن أبي زيد عبد الرحمن بن خلدون ومن جمهرة الأنساب لابن حزم وزدنا ما يحتاج منها إلى البيان بيانا والله تعالى الموفق ولنرجع إلى ما كنا بسبيله من أخبار أمير المؤمنين يعقوب المنصور رحمه الله فإنه لما رجع من إفريقية إلى مراكش سنة أربع وثمانين وخمسمائة رفع إليه أن أخاه السيد أبا حفص صاحب مرسية الملقب بالرشيد وعمه السيد أبا الربيع صاحب تادلا عندما بلغهما خبر الوقعة التي كانت على مقدمة المنصور بإفريقية حدثا أنفسهما بالتوثب على الخلافة فلما قدما عليه بالتهنئة أمر باعتقالهما خلال ما استملأ أمرهما ثم قتلهما وعقد للسيد أبي الحسن ابن السيد أبي حفص على بجاية وفي سنة خمس وثمانين وخمسمائة شرع المنصور في إدخال ساقية الماء إلى مراكش ثم تاقت نفسه إلى الجهاد فكان منه ما نذكره
الجواز الأول ليعقوب المنصور رحمه الله إلى الأندلس بقصد الجهاد
قال ابن أبي زرع وفي سنة خمس وثمانين وخمسمائة تحرك أمير المؤمنين يعقوب المنصور إلى الأندلس برسم غزو بلاد غربها وهي أولى غزواته فعبر من قصر المجاز إلى الخضراء يوم الخميس الثالث من ربيع الأول من السنة المذكورة ثم نهض من الخضراء حتى نزل شنترين وشن الغارات على مدينة أشبونة وأنحائها فقطع الثمار وحرق الزروع وقتل وسبا وأضرم النيران في القرى وأبلغ في النكاية وانصرف إلى العدوة بثلاثة عشر ألفا من السبي فدخل فاسا في آخر رجب من السنة المذكورة
مراسلة السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب مصر ليعقوب المنصور رحمهما الله والتماسه منه الأساطيل للجهاد
كانت الفرنج قد ملكوا سواحل الشام في آخر الدولة العبيدية منذ تسعين سنة قبل هذا التاريخ وملكوا معها بيت المقدس شرفه الله فلما استولى السلطان صلاح الدين رحمه الله على ديار مصر والشام اعتزم على جهادهم وصار يفتح حصونها واحدا بعد واحد حتى أتى على جميعها وافتتح بيت المقدس سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وهدم الكنيسة التي بنواحيه وانقضت أمم النصرانية من كل جهة وتتابعت أساطيلهم الكفرية بالمدد من كل ناحية لتلك الثغور القريبة من بيت المقدس واعترضوا أسطول صلاح الدين في البحر ولم تقاومهم أساطيل الإسكندرية لضعفها يومئذ عن ممانعتهم فبعث صلاح الدين صريحة إلى المنصور سنة خمس وثمانين وخمسمائة بطلب إعانته بالأساطيل لمنازلة عكا وصور وطرابلس الشام وأوفد عليه أبا الحارث عبد الرحمن بن منقذ من بيت بني منقذ ملوك شيزر من حصون الشام وكان صلاح الدين قد ملكها من أيديهم وأبقى عليهم في دولته فبعث صلاح الدين عبد الرحمن هذا إلى يعقوب المنصور طالبا مدد الأساطيل لتحول في البحر بين أساطيل الفرنج وبين أمداد النصرانية بالشام ولمنازلة الثغور التي ذكرنا وبعث معه إلى المنصور بهدية تشتمل على مصحفين كريمين منسوبين ومائة درهم من دهن البلسان وعشرين رطلا من العود وستمائة مثقال من المسك والعنبر وخمسين قوسا عربية بأوتارها وعشرين من النصول الهندية وسروج عدة مثقلة فوصل إلى المغرب فصادف المنصور بالأندلس فانتظره بفاس إلى أن رجع فلقيه وأدى الرسالة وقدم الهدية وكان الكتاب الذي بعث به صلاح الدين من إنشاء الأديب عبد الرحيم البيسني المعروف بالقاضي الفاضل وكان عنوان الكتاب من صلاح الدين إلى أمير المسلمين وفي أوله الفقير إلى الله تعالى يوسف بن أيوب وبعده الحمد لله الذي استعمل على الملة الحنيفة من استعمر الأرض وأغنى من أهلها من سأله القرض وأجرى من أجرى على يده النافلة والفرض وزين سماء الملة بدراري الذراري التي بعضها من بعض وهو كتاب طويل ولما وقف عليه المنصور ورأى تجافيهم فيه عن خطابه بأمير المؤمنين لم يعجبه ذلك وأسرها في نفسه وحمل الرسول على مناهج البر والكرامة ورده إلى مرسله ولم يجبه إلى حاجته ويقال إنه جهز له بعد ذلك مائة وثمانين أسطولا ومنع النصارى من سواحل الشام والله تعالى أعلم قال ابن خلدون وفي هذا دليل على اختصاص ملوك المغرب يومئذ بالأساطيل الجهادية وعدم عناية الدول بمصر والشام لذلك العهد بها وكان ابن منقذ المذكور قد مدح المنصور بقصيدة يقول فيها ( سأشكر بحرا ذا عباب قطعته % إلى بحر جود ما لأخراه ساحل ) ( إلى معدن التقوى إلى كعبة الندى % إلى من سمت بالذكر منه الأوائل ) ( إليك أمير المؤمنين ولم تزل % إلى بابك المأمول تزجي الرواحل ) ( قطعت إليك البر والبحر موقنا % بأن نداك الغمر بالنجح كافل ) ( وحزت بقصديك العلى فبلغتها % وأدنى عطاياك العلى والفواضل ) ( فلا زلت للعلياء والجود بانيا % تبلغك الآمال ما أنت آمل ) وعدتها أربعون بيتا فأعطاه بكل بيت ألفا وقال له إنما أعطيناك لفضلك ولبيتك يعني لا لأجل صلاح الدين
عود المنصور إلى إفريقية والسبب في ذلك
لما قدم المنصور من الأندلس إلى فاس وفرغ من شأن ابن منقذ تواترت إليه الأخبار بأن ابن غانية قد ظهر بإفريقية فنهض إليها من فاس في ثامن شعبان من تلك السنة فدخل تونس في أول ذي القعدة منها فألقى بلاد إفريقية ساكنة وقد فر ابن غانية عنها إلى الصحراء حين سمع بقدومه وفي سنة ست وثمانين وخمسمائة استولى الفرنج على مدينة شلب وباجة ويابورة من غرب الأندلس وذلك لما علموا أن المنصور قد أبعد عنهم واشتغل بأمر إفريقية فاغتنموا الفرصة فيها واتصل الخبر بالمنصور فغاظه ذلك وأعظمه وكتب إلى قواد الأندلس يوبخهم ويأمرهم بغزو بلاد الفرنج ويعلمهم أنه قادم عليهم في أثر كتابه فاجتمع قواد الأندلس إلى محمد بن يوسف والي قرطبة فخرج بهم في جيش كثيف من الموحدين والعرب وأهل الأندلس حتى نزل على شلب فشدد عليها الحصار وتابع عليها القتال حتى فتحها وفتح قصر أبي دانس ومدينة باجة ويابورة ورجع إلى قرطبة فدخلها بخمسة عشر ألفا من السبي وثلاثة آلاف أسير قدمهم بين يديه في القطائن خمسون علجا في كل قطينة وذلك في شوال سنة سبع وثمانين وخمسمائة وفي هذا الشهر رجع المنصور من إفريقية فانتهى إلى تلمسان فأقام بها إلى آخر السنة المذكورة وفي فاتح محرم من سنة ثمان وثمانين وهي سنة آكرواو خرج المنصور من تلمسان إلى فاس وهو مريض فكان يركب في آكرواو فدخل فاسا وأقام بها مريضا سبعة أشهر حتى أبل من علته ثم نهض إلى مراكش فأقام بها إلى سنة إحدى وتسعين وخمسمائة ثم نهض منها إلى الأندلس بقصد الجهاد وكان ما نذكره إن شاء الله
الغزوة الكبرى بالأرك من بلاد الأندلس
قال ابن خلكان كان يعقوب المنصور رحمه الله قد خافه الفنش صاحب طليطلة وسأله الصلح فصالحه إلى خمس سنين فلما انقضت مدة الهدنة ولم يبق منها إلا القليل خرجت طائفة من الفرنج في جيش كثيف إلى بلاد المسلمين فنهبوا وسبوا وعاثوا عيثا فظيعا فانتهى الخبر إلى أمير المؤمنين يعقوب المنصور وهو بمراكش فتجهز لقصدهم في جيش عرمرم من قبائل الموحدين والعرب واحتفل في ذلك وعبر البحر إلى الأندلس سنة إحدى وتسعين وخمسمائة واتصل بالفرنج عبوره إليهم فجمعوا خلقا كثيرا من أقصى بلادهم وأدانيها وأقبلوا نحوه قال ابن خلكان وقد رأيت بدمشق جزء بخط الشيخ الحافظ تاج الدين عبد الله بن حموية السرخسي وكان قد سافر إلى مراكش وأقام بها مدة وكتب فصولا تتعلق بتلك الدولة فمن ذلك فصل يتعلق بهذه الوقعة فينبغي ذكره ههنا قال لما انقضت الهدنة بين أمير المؤمنين يعقوب المنصور وبين الأذفونش الفرنجي صاحب غرب جزيرة الأندلس وقاعدة مملكته يومئذ طليطلة وذلك في أواخر سنة تسعين وخمسمائة عزم يعقوب المنصور وهو يومئذ بمراكش على التوجه إلى جزيرة الأندلس لمحاربة الفرنج وكتب إلى ولاة الأطراف وقواد الجيوش بالحضور وخرج إلى مدينة سلا ليكون اجتماع العساكر بظاهرها فاتفق أنه مرض مرضا شديدا حتى يئس منه أطباؤه فتوقف الحال عن تدبير تلك الجيوش وحمل يعقوب المنصور إلى مراكش وهو مريض فطمع المجاورون له من العرب وغيرهم في البلاد وعاثوا فيها وأغاروا على النواحي والأطراف وكذلك فعل الأذفونش فيما يليه من بلاد المسلمين بالأندلس واقتضى الحال تفرقة الجيوش التي جمعها يعقوب المنصور شرقا وغربا واشتغلوا بالمدافعة والممانعة فكثر طمع الأذفونش في البلاد وبعث رسولا إلى أمير المؤمنين يعقوب المنصور يهدد ويتوعد ويطلب بعض الحصون المتاخمة له من بلاد الأندلس وكتب إليه رسالة من إنشاء وزير له من ضعفاء المسلمين يعرف بابن الفخار وهي باسمك اللهم فاطر السموات والأرض وصلى الله على السيد المسيح روح الله وكلمته الرسول الفصيح أما بعد فإنه لا يخفى على ذي ذهن ثاقب ولا ذي عقل لازب إنك أمير الملة الحنيفية كما أني أمير الملة النصرانية وقد علمت الآن ما عليه رؤساء الأندلس من التخاذل والتواكل وإهمال أمر الرعية وإخلادهم إلى الراحة وأنا أسومهم بحكم القهر وخلاء الديار وأسبي الذراري وأمثل بالرجال ولا عذر لك في التخلف عن نصرهم إذا أمكنتك يد القدرة وأنتم تزعمون أن الله فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم فالآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منا لا تستطيعون دفاعا ولا تملكون امتناعا وقد حكي لي عنك أنك أخذت في الاحتفال وأشرفت على ربوة القتال وتماطل نفسك عاما بعد عام تقدم رجلا وتؤخر أخرى فلا أدري أكان الجبن قد أبطأ بك أم التكذيب بما وعد ربك ثم قيل لي إنك لا تجد إلى جواز البحر سبيلا لعلة لا يسوغ لك التقحم معها وها أنا أقول لك ما فيه الراحة لك وأعتذر لك وعنك على أن تفي بالعهود والمواثيق والاستكثار من الرهان وترسل إلي جملة من عبيدك بالمراكب والشواني والطرائد والمسطحات وأجوز بجملتي إليك فأقاتلك في أعز الأماكن لديك فإن كانت لك فغنيمة كبيرة جلبت إليك وهدية عظيمة مثلت بين يديك وإن كانت لي كانت يدي العليا عليك واستحققت إمارة الملتين والحكم على البرين والله تعالى يوفق للسعادة ويسهل الإرادة لا رب غيره ولا خير إلا خيره فلما وصل كتابه إلى أمير المؤمنين يعقوب المنصور مزقه وكتب على ظهر قطعة منه وكان المنصور يضرب به المثل في حسن التوقيع كما يأتي في بقية أخباره @QB@ ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة @QE@ وهم صاغرون ) ثم كتب الجواب ما ترى لا ما تسمع فهو أول من تكلم به فأرسله مثلا وأنشد متمثلا ( ولا كتب إلا المشرفية والقنى % ولا رسل إلا الخميس العرمرم ) ثم أمر بالإستنفار واستدعاء الجيوش من الأمصار وضرب السرادقات بظاهر البلد من يومه وجمع العساكر وسار إلى البحر المعروف بزقاق سبتة يريد الأندلس وقال ابن أبي زرع خرج أمير المؤمنين يعقوب المنصور من حضرة مراكش يوم الخميس الثامن عشر من جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وخمسمائة يولي السير ويطوي المناهل و لا يلوي على فارس ولا راجل والجيوش تتابع في أثره من سائر الأقطار فلما انتهى إلى قصر المجاز أخذ في إجازة الجيوش الواردة عليه لا يفرغ من طائفة إلا وقد لحقت بها أخرى فأجاز أولا قبائل العرب ثم زناتة ثم المصامدة ثم غمارة ثم المتطوعة من قبائل المغرب ثم الأغزاز والرماة ثم الموحدون ثم العبيد ثم أجاز أمير المؤمنين في أثرهم في موكب عظيم من أشياخ الموحدين وأهل النجدة والزعامة ومعه فقهاء المغرب وصلحاؤه واستقر بالجزيرة الخضراء بعد صلاة الجمعة الموفي عشرين من رجب من السنة المذكورة فأقام بها يوما واحدا ثم نهض إلى العدو قبل أن تخمد قرائح المجاهدين وتضعيف نياتهم فسار حتى بقي بينه وبين حصن الأرك الذي كان العدو نازلا بإزائه نحو مرحلتين فنزل هنالك وذلك يوم الخميس ثالث شعبان من السنة فجمع الناس ذلك اليوم وفاوضهم ووعظهم ثم اختص أهل الأندلس بمزيد المشورة وقال لهم إن جميع من استشرته وإن كانوا أولي بأس ومعرفة بالحرب لكنهم لا يعرفون من قتال الفرنج ما تعرفونه أنتم لتمرسكم بهم وتمرسهم بكم فأحالوه في الرأي على القائد أبي عبد الله بن صناديد فعول المنصور رحمه الله في ذلك على رأيه وقال ابن الخطيب في رقم الحلل إن أمير المؤمنين المنصور رحمه الله عرض جيشه وأخذ في تقريب القرب إلى الله تعالى بين يدي جهاده فسرح السجون وأدر الأرزاق وعين الصدقات ورحل فنزل الأرك وقد خيمت بأحوازه محلات العدو يضيق عنها المتسع وقام المنصور بعد أن اجتمع الناس فتحلل من المسلمين وقال أيها الناس اغفروا لي فيما عسى أن يكون صدر مني فبكي الناس وقالوا منكم يطلب الرضى والغفران وخطب الخطباء بين يديه محرضين ومذكرين فنشط الناس وطابت النفوس ومن الغد صدع المنصور بالنداء وأمر بأخذ السلاح والبروز إلى اللقاء فكانت التعبئة تحت الغلس وحكى ابن أبي زرع أن المنصور بات تلك الليلة عاكفا بمصلاه على الركوع والسجود وإنه أغفى إغفاءه فرأى ملكا نزل من السماء في صورة بشر وبيده راية خضراء وبشره بالفتح وأنشده في ذلك أبياتا بقيت على ذكر المنصور إلى أن استيقظ وقص رؤياه على وجوه الجند فازداد الناس طمأنينة وبصيرة فلما كان يوم السبت خامس شعبان جلس المنصور في قبته الحمراء المعدة للجهاد ثم دعا بكبير وزرائه الشيخ أبي يحيى بن أبي حفص وقدمه على ذلك الجيش وعقد له رايته وقدمه بين يديه فرفرفت على رأسه الرايات وقرعت بين يديه الطبول وسار في قبيل هنتاتة وبين يديه القائد ابن صناديد في جيش الأندلس ثم عقد المنصور لجرمون بن رياح على قبائل العرب ولمنديل بن عبد الرحمن المغراوي على قبائل مغراوة ولمحيو بن أبي بكر بن حمامة المريني جد الملوك المرينيين على قبائل بني مرين ولجابر بن يوسف العبد الوادي على قبائل بني عبد الواد ولعباس بن عطية التوجيني على قبائل بني توجين ولتلجين بن علي على قبائل هسكورة وسائر المصامدة ولمحمد بن منغفاد على قبائل غمارة وعقد للفقيه الصالح أبي خزر يخلف بن خزر الأوربي على المتطوعة وقال ابن خلدون إن الذي كان على المتطوعة يومئذ هو الشيخ أبو محمد عبد الواحد بن أبي حفص والكل إلى نظر الشيخ أبي يحيى بن أبي حفص وبقي المنصور رحمه الله في جيش الموحدين والعبيد وأمر الشيخ أبا يحيى بالرحيل والتقدم أمامه إلى جهة العدو وكان المنصور قد ضفر مع ابن صناديد من الرأي أن يبقى هو متأخرا في الموحدين والعبيد والجشم على مسافة يخفى بها عن أعين العدو ويقدم الشيخ أبا يحيى ببعض الرايات والطبول في هيئة السلطان فيلقى العدو فإن كانت للمسلمين فهو المطلوب وإن كانت عليهم كان المنصور ردأ لهم ثم يستأنف القتال مع العدو وقد انفل حده ولانت شوكته فسار الشيخ أبو يحيى على هذا الترتيب وابن صناديد أمامه في فرسان الأندلس وحماتها فكان الشيخ أبو يحيى إذا أقلع بجيشه عن موضع صباحا خلفه المنصور فيه بجيشه مساء حتى أشرف الشيخ أبو يحيى على جموع الفرنج وهي يومئذ إلى جنب حصن الأرك ويقال الأركو بزيادة الواو في آخرة قد ضربت أخبيتها على ربوة عالية ذات مهاو وأحجار كبار قد ملأت السهل والوعر ونزل الشيخ أبو يحيى بجيشه في البسيط ضحوة يوم الأربعاء التاسع من شعبان سنة إحدى وتسعين وخمسمائة وعند ابن خلكان أن ذلك كان يوم الخميس قال واقتفى المنصور في ذلك طريقة أبيه وجده فإنهم أكثر ما كانوا يصافون يوم الخميس ومعظم حركاتهم في صفر فعبأ الشيخ أبو يحيى عساكره تعبئة الحرب وعقد الرايات لأمراء القبائل وأوقف كل قبيلة في مركزها الذي عين لها فجعل عسكر الأندلس في الميمنة وجعل زناتة والمصامدة والعرب وسائر قبائل المغرب في المسيرة وجعل المتطوعة والأغزاز والرماة في المقدمة وبقي هو في القلب في قبيلة هنتاتة ولما أخذ الناس مراكزهم من حومة القتال خرج جرمون بن رياح يمشي في صفوف المسلمين ويحضهم على الثبات والصبر وبينما الناس على ذلك إذ انفصلت من جيوش العدو كتيبة عظيمة من نحو عشرة آلاف فارس كلهم مدجج في الحديد وكانت هذه الكتيبة هي شوكة ذلك الجيش وحده كان الفنش لعنه الله قد انتخبهم وصلت أقسته عليهم صلاة النصر ورشوهم بماء المعمودية وتحالفوا عند الصلبان أن لا يبرحوا حتى يقتلوا المسلمين أو يهلكوا دونهم فلما برزت هذه الكتيبة نادى منادي الشيخ أبي يحيى معشر المسلمين اثبتوا في مصافكم وأخلصوا لله تعالى ينتكم وأذكروا الله عز وجل في قلوبكم وبرز عامر الزعيم من أمراء العرب فحض الناس على الصبر وثبتهم وحملت كتيبة العدو حتى اندقت رماح المسلمين في صدور خيلها أو كادت ثم تقهقرت قليلا ثم عاودت الحملة فكانت كالأولى ثم تهيأت للحملة الثالثة فدفعت حتى خالطت صفوف المسلمين وخلص البعض منها إلى الشيخ أبي يحيى يطنونه المنصور فاستشهد رحمه الله بعد ما أحسن البلاء وقاتل قتالا شديدا واستشهد معه جماعة من المسلمين من هنتاتة والمتطوعة وغيرهم وسمي بنو الشيخ أبي يحيى ببني الشهيد وعرفوا به من يومئذ وأظلم الجو بالغبار واختلطت الرجال بالرجال وانفرد كل قرن بقرنه وأقبلت العرب والمتطوعة فأحاطوا بالكتيبة التي دفعت إلى الشيخ أبي يحيى وزحفت زناتة والمصامدة وغمارة إلى الربوة التي فيها الفنش وجموعه وكانت على ما قيل تنيف على ثلاثمائة ألف بين فارس وراجل فتوغل المسلمون في تلك الأوعار إليهم وخالطوهم بها واشتد القتال واستحر القتل في الكتيبة التي دفعت أولا وانقضت عليهم العرب والمتطوعة وهنتاتة فطحنوهم طحنا وانكسرت شوكة الفنش بهلاكهم إذ كان اعتماده ومعوله عليهم وأسرعت خيل من العرب إلى أمير المؤمنين المنصور فأعلموه بأن الله تعالى قد فل شوكة العدو وأشرف على الإنهزام فعندها أمر المنصور بالرايات فرفعت وبالطبول فقرعت ورفع المسلمون أصواتهم بالتكبير وتسابقوا لقتال العدو وخفقت البنود وزحف أمير المؤمنين نحو المعركة فلم يرع الفنش اللعين إلا الرايات قد أقبلت تخفق من كل جهة وزعقات الطبول والأبواق وأصوات المجاهدين بالتكبير قد زلزلت الأرض فقال ما هذا فقيل هذا المنصور قد أقبل في جيشه وما قاتلك سائر اليوم إلا طلائعه ومقدماته فقذف الله الرعب في قلبه وخشعت نفوس جموعه وزلزلت بهم الأرض زلزالها فولوا الأدبار لا يلوون على شيء وأسعدهم يومئذ من وجد في فرسه بقية تنجيه وأتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون وأحاط بعضهم بحصن الأراك يظنون أن الفنش قد تحصن به وكان عدو الله قد دخل على باب وخرج على آخر من الناحية الأخرى واقتحم المسلمون الحصن عنوة وأضرموا النيران في أبوابه واحتووا على جميع ما كان فيه وفي محلة العدو من الأموال والذخائر وأنواع السلاح التي تفوت الحصر وقلا ابن خلدون كان ملوك الفرنج الذين قاتلوا المنصور يومئذ ثلاثة ابن أذفونش وابن الرند والبيبوج قال واعتصم فلهم بحصن الأرك وكانوا خمسة آلاف من زعمائهم فاستنزلهم المنصور على حكمه حتى فودي بهم عددهم من المسلمين وفي القرطاس أن عدد أسارى الأرك كانوا أربعة وعشرين ألفا فمن عليهم المنصور وأطلقهم قال فعز ذلك على جميع الموحدين وسائر المسلمين وعدت للمنصور سقطة من سقطات الملوك وقال ابن الأثير كانت الدائرة يوم الأرك أولا على المسلمين ثم عادت على الفرنج وانهزموا أقبح هزيمة وكان عدد من قتل من الفرنج أزيد من مائة ألف وغنم المسلمون منهم شيئا كثيرا فمن الخيام مائة ألف وثلاثة وأربعون ألفا ومن الخيل ستة وأربعون ألفا وقيل ثمانون ألفا ومن البغال مائة ألف ومن الحمير أربعمائة ألف قال في نفح الطيب جاء بها الكفار لحمل أثقالهم لأنهم لا إبل لهم قال وأما الجواهر والأموال فلا تحصى وبيع الأسير بدرهم والسيف بنصف درهم والفرس بخمسة دراهم والحمار بدرهم وقسم المنصور الغنائم بين المسلمين بمقتضى الشرع كذا في نفح الطيب وفي كامل ابن الأثير أن يعقوب المنصور رحمه الله نادى في عسكره من غنم شيئا فهو له سوى السلاح وأحصى ما حمل إليه منه فكان زيادة على سبعين ألف لبس واستشهد من المسلمين نحو عشرين ألفا ثم تقدم المنصور بجيوشه إلى بلاد الفرنج وأخذ يخرب المدن والقرى ويفتح الحصون والمعاقل ويقتل ويسبي ويأسر حتى وصل إلى جبل سليمان ثم ثنى عنانة راجعا وقد أمتلأت أيدي المسلمين من الغنائم ولم يعارضه من الفرنج معارض حتى وصل إلى إشبيلية فاستقر بها وأما الفنش فإنه لما انهزم وصل إلى طليطلة في أسوأ حال فحلق رأسه ولحيته ونكس صليبه وركب حمارا وأقسم أن لا يركب فرسا ولا بغلا ولا ينام على فراش ولا يقرب النساء حتى تنصر النصرانية فجمع جموعا عظيمة وبلغ الخبر بذلك إلى المنصور فبعث إلى بلاد المغرب مراكش وغيرها يستنفر الناس من غير إكراه فأتاه من المتطوعة والمرتزقة جمع عظيم ثم نهض إلى الفنش فالتقوا في ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة فانهزم الفرنج هزيمة قبيحة وغنم المسلمون ما معهم من الأموال والسلاح والدواب وغيرها ثم تقدم المنصور إلى مدينة طليطلة فحاصرها وقاتلها قتالا شديدا وقطع أشجارها وشن الغارات على ما حولها من البلاد وفتح فيها عدة حصون مثل قلعة رباح ووادي الحجارة ومجريط وجبل سليمان وأفليج وكثير من أحواز طليطلة ثم ارتحل عن طليطلة إلى مدينة طلمنكة فدخلها عنوة بالسيف فقتل المقاتلة وسبا النساء والذرية وغنم أموالها وهدم أسوارها وأضرم النيران في جوانبها وتركها قاعا صفصفا وثنى عنانه إلى إشبيلية فدخلها غرة صفر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة فرفع إليه في القاضي أبي الوليد بن رشد المعروف بالحفيد مقالات نسب فيها إلى المرض في دينه ومعتقده وكان أحد فلاسفة الإسلام وربما ألفى بعضها بخط يده فحبس ثم أطلق وأشخص إلى مراكش وبها كانت وفاته رحمه الله ثم خرج المنصور من إشبيلة غازيا بلاد ابن أذفونش فسار حتى احتل بساحة طليطلة وبغله أن صاحب برشلونة قد أمد ابن أذفونش بعساكره وأنهم جميعا بحصن مجريط فنهض إليهم ولما أطل عليهم انفضت جموع ابن أذفونش من قبل القتال ثم انكفأ المنصور راجعا إلى إشبيلية ثم اجتمع ملوك الفرنج وأرسلوا يطلبون الصلح فأجابهم إليه وصالحهم على مدة خمس سنين بعد أن كان عازما على الامتناع مريدا لملازمة الجهاد إلى أن يفرغ منهم فأتاه خبر علي بن إسحاق المسوفي المعروف بابن غانية وأنه دخل إفريقية وأراد الاستيلاء عليها ففت ذلك في عزمه وصالحهم على المدة التي ذكرنا وعقد على إشبيلية للسيد أبي زيد بن الخليفة وعلى مدينة بطليوس للسيد أبي الربيع ابن السيد أبي حفص وعلى المغرب للسيد أبي عبد الله بن السيد أبي حفص ثم عبر البحر إلى المغرب فوصل إلى مراكش في شعبان سنة أربع وتسعين وخمسمائة وفي نفح الطيب أن يعقوب المنصور لما حاصر طليطلة وضيق عليها ولم يبق إلا فتحها خرجت إليه والدة الأذفونش وبناته ونساؤه وبكين بين يديه وسألنه إبقاء البلد عليهن فرق لهن ومن عليهن به ووهب لهن من الأموال والجواهر ما جل وردهن مكرمات وعفا بعد القدرة والله تعالى أعلم لطيفة قال الشيخ محيي الدين بن عربي الحاتمي رحمه الله في كتاب الفتوحات المكية ما نصه ولقد كنت بمدينة فاس سنة إحدى وتسعين وخمسمائة وعساكر الموحدين قد عبرت إلى الأندلس لقتال العدو حين استفحل أمره على الإسلام فلقيت رجلا من رجال الله ولا أزكى على الله أحدا وكان من أخص أودائي فسألني ما تقول في هذا الجيش هل يفتح له وينصر في هذه السنة أم لا فقلت له ما عندك في ذلك فقال إن الله تعالى قد ذكره في كتابه ووعد نبيه صلى الله عليه وسلم بهذا الفتح في هذه السنة وبشر نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك في كتابه الذي أنزله عليه وهو قوله @QB@ إنا فتحنا لك فتحا مبينا @QE@ فموضع البشرى فتحا مبينا من غير تكرار الألف فإنها لإطلاق الوقوف في تمام الآية فانظر أعدادها بحساب الجمل فنظرت فوجدت الفتح يكون في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة ثم جزت إلى الأندلس وقد نصر الله جيش المسلمين وفتح الله به قلعة رباح والأركو وكركرا وما انضاف إلى هذه القلاع من الولايات هذا عاينته من الفتح ممن هذه صفته فأخذت للفاء ثمانين وللتاء أربعمائة وللحاء المهملة ثمانية وللألف واحد وللميم أربعين وللباء اثنين وللياء عشرة وللنون خمسين وأما الألف فقد أخذ عددها وكان المجموع إحدى وتسعين وخمسمائة وهي سنو الهجرة إلى هذه السنة فهذا من الفتح الإلهي لهذا الشخص انتهى
ذكر ما شيده المنصور رحمه الله من الآثار بالمغرب والأندلس
كان يعقوب المنصور رحمه الله لما عزم عى المسير إلى الأندلس بقصد الجهاد أوصى إلى نوابه ووكلائه ببناء قصبة مراكش والاعتناء بتشييد قصورها فمن آثاره الباقية بها إلى الآن بابها المعروف بباب أكناور ولا مزيد على ضخامته وارتفاعه وأمرهم ببناء الجامع الأعظم بها المنسوب إليه إلى اليوم وتشييد مناره الماثل به ومنار جامع الكتبيين المضروب به المثل في الارتفاع وعظم الهيكل قال ابن سعيد طول صومعة الكتبيين بمراكش مائة ذراع وعشر أذرع
ولما اجتاز المنصور في سفره هذا بأرض سلا أمر أيضا ببناء مدينة رباط الفتح فأسست سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة وأكمل سورها وركبت أبوابها وأمر ببناء المسجد الأعظم بطالعة سلا ومدرسة الجوفية منه قال صاحب الروض المعطار كان يعمل في بنائه ونقل حجارته وترابه سبعمائة أسير من أسارى الفرنج في قيودها وأمر ببناء جامع حسان ومناره الأعظم المضروب به المثل في الضخامة وحسن الصنعة قالوا ولم يتم بناؤه ولما فرغ المنصور من وقعة الأرك واحتل بمدينة إشبيلية أخذ في إتمام بناء جامعها الأعظم وتشييد مناره المشاكل للمنارين المتقدمين فهو ثالثة الأثافي بالنسبة لهما بل قيل إنه ليس في بلاد الإسلام منار أعظم منه وعمل لهذا المنار تفافيح من أملح ما يكون قال في القرطاس بلغت من العظم إلى ما لا يعرف قدره إلا أن الوسطى منها لم تدخل على باب المنار حتى قلعت الرخامة من أسفله وزنة العمود الذي ركبت عليه أربعون ربعا من الحديد وكان الذي صنعها ورفعها في أعلى المنار المذكور المعلم أبو الليث الصقلي وموهت تلك التفافيح بمائة ألف دينار ذهبا ولما كمل جامع إشبيلية وصلى فيه أمر ببناء حصن البرج على وادي إشبيلية وقد تقدم لنا في أخبار عبد المؤمن أنه هدم أسوار مدينة فاس وأن حافده المنصور هذا شرع في بنائها ثم أتمها ابنه الناصر من بعده ولما رجع المنصور من الأندلس إلى مراكش وجد كل ما أمر به من البناءات قد تم على أكمل حال واحسنه مثل القصبة والقصور والجامع والصوامع وأنفق على ذلك كله من أخماس الغنائم وكان قد تغير على الوكلاء والصناع الذين تولوا بناء ذلك لأنه سعى إليه بأنهم احتجنوا الأموال وصنعوا للجامع سبعة أبواب على عدد أبواب جهنم فلما دخله المنصور وتطوف به أعجبه فسأل عن عدد أبوابه فقيل إنها سبعة أبواب والثامن هو الذي دخل منه أمير المؤمنين فقال المنصور عند ذلك لا بأس بالغالي إذا قيل حسن واتخذ المنصور رحمه الله في جامعه هذا لمصلاه به مقصورة عجيبة كانت مدبرة بحيل هندسية بحيث تنصب إذا استقر المنصور ووزراؤه بمصلاه منها وتختفي إذا انفصلوا عنها حكى الشريف الغرناطي شارح الحازمين عن الكاتب البارع أبي الحسن عبد الملك بن عياش أحد كتاب المنصور قال كانت لأبي بكر يحيى بن مجير الشاعر المشهور وفادة على المنصور في كل سنة فصادف في إحدى وفاداته فراغه من إحداث المقصورة التي كان أحدثها بجامعه المتصل بقصره في حضرة مراكش وكانت قد وضعت على حركات هندسية ترتفع بها لخروجه وتنخفض لدخوله وكان جميع من بباب المنصور يومئذ من الشعراء والأدباء قد نظموا أشعارا أنشدوه إياها في ذلك فلم يزيدوا على شكره وتجزيته الخير فيما جدد من معالم الدين وآثاره ولم يكن فيهم من تصدى لوصف الحال حتى قدم أبو بكر بن مجير فأنشد قصيدته التي أولها ( أعلمتني ألقي عصا التسيار % في بلدة ليست بدار قرار ) واستمر فيها حتى ألم بذكر المقصورة فقال يصفها ( طورا تكون بمن حوته محيطة % فكأنها سور من الأسوار ) ( وتكون حينا عنهم مخبوءة % فكأنها سر من الأسرار ) ( وكأنها علمت مقادير الورى % فتصرفت لهم على مقدار ) ( فإذا أحست بالإمام يزورها % في قومه قامت إلى الزوار ) ( يبدو فتبدو ثم تخفى بعده % كتكون الهلالات للأقمار ) فطرب المنصور لسماعها وارتاح لاختراعها قال أبو العباس المقري في نفح الطيب وقد بطلت حركات هذه المقصورة الآن وبقيت آثارهما حسبما شاهدته سنة عشر وألف والله وارث الأرض ومن عليها ومن شعر ابن مجير يصف خيل المنصور من قصيدة مدحه بها قوله ( له حلبة الخيل العتاق كأنها % نشاوى تهادت تطلب العزف والقصفا ) ( عرائس أغنتها الحجول عن الحلى % فلم تبغ خلخالا ولا التسمت وقفا ) ( فمن يقق كالطرس تحسب أنه % وإن جردوه في ملاءته التقا ) ( وأبلق أعطى الليل نصف إهابه % وغار عليه الصبح فاحتبس النصفا ) ( وورد تغشى جلده شفق الدجا % فإذ حازه دلى له الذيل والعرفا ) ( وأشقر مج الراح صرفا أديمه % وأصفر لم يمسح بها جلده صرفا ) ( وأشهب قضى الأديم مدثر % عليه خطوط غير مفهمة حرفا ) ( كما خطخط الراهي بمهرق كاتب % فجر عليه ذيله وهو ما جفا ) ( تهب على الأعداء منها عواصف % ستنسف أرض المشركين بها نسفا ) ( ترى كل طرف كالغزال فتمتري % أظبيا ترى تحت العجاجة أم طرفا ) ( وقد كان في البيداء يألف سربه % فربته مهرا وهي تحسبه خشفا ) ( تناوله لفظ الجواد لأنه % إذا ما أردت الجري أعطاكه ضعفا ) ومما مدح به المنصور رحمه الله قول بعض شعراء عصره حين طلب منه الفنش الصلح فأجابه إليه ( أهل بان يسعى إليه ويرتجى % ويزار من أقصى البلاد على الرجا ) ( من قد غدا بالمكرمات مقلدا % وموشحا ومختما ومتوجا ) ( عمرت مقامات الملوك بذكره % وتعطرت منه الرياح تأرجا ) ودخل عليه الأديب أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الكانمي الأسود الشاعر فأنشده ( أزال حجابه عني وعيني % تراه من المهابة في حجاب ) ( وقربني تفضله ولكن % بعدت مهابة عند اقترابي ) وكانم بكسر النون جنس من السودان وهم بنو عم تكروره وليس اسمهما للانتساب لأب أو أم وإنما كانم اسم بلدة بنواحي غانة فسمي هذا الجنس بها وكذلك تكرور اسم للأرض التي هم بها فسموا بها والله أعلم
بقية أخبار المنصور وسيرته
قال ابن أبي زرع كان المنصور رحمه الله ذا رأي وحزم ودين وسياسة قال وهو أول من كتب العلامة بيده ملوك الموحدين الحمد لله وحده فجرى عملهم على ذلك وقد تقدم لنا أن ذلك كان في دولة أبيه فالله أعلم وهو واسطة عقد ملوك الموحدين الذي ضخم الدولة وشرفها وكانت أيامه أيام دعة وأمن ورخاء ورفاهية وبهجة صنع الله عز وجل في أيامه الأمن بالمشرق والمغرب والأندلس فكانت الظعينة تخرج من بلاد نول فتنتهي إلى برقة وحدها لا ترى من يعرض لها ولا من يسومها بسوء ضبط الثغور وحصن البلاد وبنى المساجد والمدارس في بلاد إفريقية والمغرب والأندلس وبنى الموستانات للمرضى والمجانين وأجرى عليهم الإنفاق في جميع أعماله وأجرى المرتبات على الفقهاء وطلبة العلم كل على قدر مرتبته وبنى الصوامع والقناطر وحفر الآبار للماء في البرية واتخذ عليها المنازل من السوس الأقصى إلى سويقة بن مصكوك فكانت أيامه زينة للدهر وشرفا للإسلام وأهله وقال ابن خلكان كان يعقوب المنصور رحمه الله صافي السمرة جدا إلى الطول ما هو جميل الوجه أفوه أعين شديد الكحل ضخم الأعضاء جوهري الصوت جزيل الألفاظ من أصدق الناس لهجة وأحسنهم حديثا وأكثرهم إصابة بالظن مجريا للأمور ولي وزارة أبيه فبحث عن الأحوال بحثا شافيا وطالع مقاصد العمال والولاة وغيرهم مطالعة أفادته معرفة جزئيات الأمور فلما مات أبوه اجتمع رأي أشياخ الموحدين على تقديمه فقام بالأمر أحسن قيام ورفع راية الجهاد ونصب ميزان العدل وبسط أحكام الناس على حقيقة الشرع ونظر في أمور الدين والورع وأقام الحدود حتى في أهله وعشيرته الأقربين كما أقامها في سائر الناس أجمعين فاستقامت الأحوال في أيامه وعظمت الفتوحات وكان قد أمر لأول دولته بقراءة البسملة في أول الفاتحة في الصلوات وأرسل بذلك إلى سائر بلاد الإسلام التي في ملكه فأجاب قوم وامتنع آخرون وكان ملكا جوادا عادلا متمسكا بالشرع المطهر يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر كما ينبغي من غير محاباة ويصلي بالناس الصلوات الخمس ويلبس الصوف ويقف للمرأة والضعيف ويأخذ لهم بالحق قال ابن خلكان وسمعت عنه حكاية يليق أن نذكرها هنا وهي أن الشيخ أبا محمد عبد الواحد بن عاشر أبي حفص كان قد تزوج أخت يعقوب المنصور فأقامت عنده ثم جرت بينهما منافرة فجاءت إلى بيت أخيها يعقوب المنصور فسير الشيخ عبد الواحد في طلبها فامتنعت عليه فشكى الشيخ عبد الواحد ذلك إلى قاضي الجماعة بمراكش وهو أبو عبد الله محمد بن علي بن مروان فاجتمع القاضي المذكور بأمير المؤمنين يعقوب المنصور وقال له إن الشيخ أبا محمد عبد الواحد يطلب أهله فسكت عنه المنصور ومضت أيام ثم إن الشيخ أبا محمد اجتمع بالقاضي المذكور في قصر المنصور بمراكش وقال له أنت قاضي المسلمين وقد طلبت أهلي فما جاؤوني فاجتمع القاضي بالمنصور وقال له يا أمير المؤمنين الشيخ عبد الواحد قد طلب أهله مرة وهذه الثانية فسكت المنصور ثم بعد ذلك بمدة لقي الشيخ عبد الواحد القاضي بالقصر المذكور فقال له يا قاضي المسلمين قد قلت لك مرتين وهذه الثالثة أنا أطلب أهلي وقد منعوني منهم فاجتمع القاضي بالمنصور وقال له يا مولانا إن الشيخ عبد الواحد قد تكرر طلبه لأهله فأما أن تسير إليه أهله وإما أن تعزلني عن القضاء فسكت المنصور وقيل أنه قال له يا عبد الله ما هذا إلا جد كبير ثم استدعى خادما وأمره سرا بأن تحمل أهل الشيخ عبد الواحد إليه فحملت إليه في ذلك اليوم ولم يتغير على القاضي ولا قال له شيئا يكرهه وتبع في ذلك حكم الشرع المطهر وانقاد لأمره وهذه حسنة تعد له وللقاضي أيضا فإنه بالغ في إقامة منار الشرع والعدل وكان المنصور يشدد في إلزام الرعية بإقامة الصلوات الخمس وقتل في بعض الأحيان على شرب الخمر وقتل العمال الذين تشكوهم الرعايا أمر برفض فروع الفقه وإحراق كتب المذاهب وأن الفقهاء لا يفتون إلا من الكتاب والسنة النبوية ولا يقلدون أحدا من الأئمة المجتهدين بل تكون أحكامهم بما يؤدي إليه اجتهادهم من استنباطهم القضايا من الكتاب والحديث والإجماع والقياس قال ابن خلكان ولقد أدركنا جماعة من مشايخ المغرب وصلوا إلينا وهم على ذلك الطريق مثل أبي الخطاب بن دحية وأخيه أبي عمرو ومحيي الدين بن عربي نزيل دمشق وغيرهم وكان يعاقب على ترك الصلوات ويأمر بالنداء في الأسواق بالمبادرة إليها فمن غفل عنها أو اشتغل بمعيشته عزره تعزيرا بليغا وكان قد عظم ملكه واتسعت دائرة سلطنته حتى أنه لم يبق بجميع أقطار بلاد المغرب من البحر المحيط إلى برقة إلا من هو في طاعته وداخل في ولايته إلى غير ذلك من جزيرة الأندلس وكان محسنا محبا للعلماء مقربا للأدباء مصغيا إلى المدح مثيبا عليه وله ألف أبو العباس أحمد بن عبد السلام الجراوي كتابه الذي سماه صفوة الأدب وديوان العرب في مختار الشعر وهو مجموع مليح أحسن في اختياره كل الإحسان وكان المنصور يضرب به المثل في حسن التوقيع وإجادته وقد تقدم لنا ما وقع به على كتاب الفنش وحكى ابن الخطيب في رقم الحلل أن المنصور طلب يوما من قاضيه أن يختار له رجلين لغرضين من تعليم ولد وضبط أمر فعرفه برجلين قال في أحدهما وهو بحر في علمه وقال في الآخر وهو بر في دينه ولما خرج المنصور أحضرهما واختبرهما فقصرا بين يديه وأكذبا الدعوى فوقع المنصور على رقعة القاضي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ظهر الفساد في البر والبحر قال ابن الخطيب وهذا من التوقيع العريق في الإجادة والصنعة وكان مجلس المنصور رحمه الله مجلس الفضلاء والأدباء وأرباب المعارف والفنون حكى أبو الفضل التيفاشي قال جرت مناظرة بين يدي ملك المغرب يعقوب المنصور وكانت بين الفقيه أبي الوليد بن رشد المعروف بالحفيد والرئيس الوزير أبي بكر بن زهر بضم الزاي وكان الأول قرطبيا والثاني إشبيليا فقال ابن رشد لابن زهر في تفضيل قرطبة ما أدري ما تقول غير أنه إذا مات عالم بإشبيلية فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها وإن مات مطرب بقرطبة فأريد بيع آلاته حملت إلى إشبيلية وهذا الوزير ابن زهر هو أحد أعيان وزراء الدولة الموحدية وزير للمنصور ولأبيه من قبله قال ابن خلكان كان ابن زهر من أهل بيت كلهم علماء رؤساء حكماء وزراء نالوا المراتب وتقدموا عند الملوك ونفذت أوامرهم وكان يتكرر وروده على الحضرة بمراكش فيقيم بها ويرجع إلى الأندلس ومما قاله بمراكش يتشوق إلى ولد له صغير تركه بإشبيلية ( ولى واحد مثل فرخ القطا % صغير تخلف قلبي لديه ) ( نأت عنه داري فيا وحشتي % لذاك الشخيص وذاك الوجيه ) ( تشوقني وتشوقته % فيبكي علي وأبكي عليه ) ( لقد تعب الشوق ما بيننا % فمنه إلي ومني إليه ) قال العلامة الأديب أبو العباس المقري في نفح الطيب أخبرني الطبيب الماهر الثقة الصالح العلامة سيدي أبو القاسم بن محمد الوزير الغساني الأندلسي الأصل الفاسي المولد والنشأة حكيم حضرة السلطان أبي العباس المنصور بالله السعدي أن ابن زهر لما قال هذه الأبيات وسمعها يعقوب المنصور أرسل المهندسين إلى إشبيلية يعني من غير علم من ابن زهر وأمرهم أن يحيطوا علما ببيوت ابن زهر وحارته ثم يبنوا مثلها بحضرة مراكش ففعلوا ما أمرهم به في أقرب مدة وفرشها بمثل فرشه وجعل فيها مثل آلاته ثم أمر بنقل عيال ابن زهر وأولاده وحشمه وأسبابه إلى تلك الدار ثم احتال عليه حتى جاء إلى ذلك الموضع فرآه أشبه شيء ببيوته وحارته فاحتار لذلك وظن أنه نائم وأن ذلك أحلام فقيل له ادخل البيت الذي يشبه بيتك فدخله فإذا ولده الذي يتشوق إليه يلعب في البيت فحصل له من السرور ما لا مزيد عليه ولا يعبر عنه هكذا هكذا وإلا فلا لا ومن أطباء المنصور الوزير الطبيب الشهير أبو بكر بن طفيل من أهل وادي آش كان حاذقا بصناعة الطب والجراحات ومن أطبائه أيضا الحفيد بن رشد المتقدم الذكر ومن كتابه الكاتب البارع أبو الحسن عبد الملك بن عياش القرطبي النشأة اليابوري الأصل والفقيه البارع أبو الفضل بن طاهر من أهل بجاية ومن الفقهاء الذين كانوا يجالسونه ويسامرونه الفقيه الحافظ أبو بكر بن الجد والفقيه القاضي أبو عبد الله بن الصقر وغيرهم رحم الله الجميع
وفاة يعقوب المنصور رحمه الله
قال ابن أبي زرع لما رجع المنصور من الأندلس إلى مراكش أخذ البيعة لولده أبي عبد الله محمد الملقب بالناصر لدين الله فبايعه كافة الموحدين وسائر أهل الأمصار والأقطار فلما تمت البيعة للناصر المذكور وجلس في محل الخلافة وجرت الأحكام والأوامر باسمه وعلى يديه في حياة أبيه دخل المنصور قصره فلزمه وقال ابن خلكان لما وصل المنصور إلى مراكش يعني بعد قدومه من الأندلس أمر باتخاذ الأحواض والروايا وآلات السفر للتوجه إلى بلاد إفريقية فاجتمع إليه مشايخ الموحدين وقالوا له يا سيدنا قد طالت غيبتنا بالأندلس فمنا من له خمس سنين وغير ذلك فتنعم علينا بالمهلة هذا العام وتكون الحركة في أول سنة خمس وتسعين وخمسمائة فأجابهم إلى سؤالهم وانتقل إلى مدينة سلا وشاهد ما فيها من المنتزهات المعدة له وكان قد بنى بالقرب من المدينة المذكورة مدينة عظيمة سماها رباط الفتح على هيئة الإسكندرية في الإتساع وحسن التقسيم وإتقان البناء وتحصينه وتحسينه وبناها على البحر المحيط الذي هناك وهي على نهر سلا مقابلة لها من البر القبلي واطاف تلك البلاد وتنزه فيها ثم رجع إلى مراكش قال ابن خلكان وبعد هذا اختلفت الروايات في أمره فمن الناس من يقول إنه ترك ما كان فيه وتجرد وساح في الأرض حتى انتهى إلى بلاد الشرق وهو مستخف لا يعرف ومات خاملا ومنهم من يقول إنه لما رجع إلى مراكش كما ذكرناه توفي في غرة جمادى الأولى وقيل في ربيع الآخرة في سابع عشرة وقيل في غرة صفر ولم ينقل شيء من أحواله بعد ذلك إلى حين وفاته وقيل توفى بمدينة سلا قال ابن خلكان ثم حكى لي جمع كثير بدمشق أن بالقرب من المجدل البليدة التي من أعمال البقاع العزيزي قرية يقال له حمارة وإلى جانبها مشهد يعرف بقبر الأمير يعقوب ملك المغرب وكل أهل تلك النواحي متفقون على ذلك وليس عندهم فيه خلاف وهذا القبر بينه وبين المجدل مقدار فرسخين من جهتها القبلية بغرب قال وكان أوصى أن يدفن على قارعة الطريق ليترحم عليه من يمر به قال المقري في نفخ الطيب هذه عامية لا يتبتها علماء المغرب وسبب هذه المقالة تولع العامة به فكذبوا في موته وقالوا إنه ترك الملك وحكوا ما شاع إلى الآن وذاع مما ليس له أصل ثم نقل عن الشريف الغرناطي مثل ذلك فانظره قال مؤلفه عفا الله عنه وعندي أن إنكار ما حكاه ابن خلكان ليس بجيد وهب أن أهل المغرب قالوا ذلك تولعا به فما بال أهل المشرق يتولعون به ويتخذون له المشهد ثم يتفق كبيرهم وصغيرهم على أنه قبر يعقوب ملك المغرب من غير اصل ولا مستند هذا بعيد في العادة بل لا بد أن يكون لذلك أصل والله أعلم بحقيقته نعم ما تزعمه عامة المغرب في حمة أبي يعقوب التي بقرب مدينة فاس أنها منسوبة ليعقوب المنصور هذا وأنه رصد لها عفريتين يوقدان عليها إلى الأبد وأن حرارة مائها بسبب ذلك الإيقاد وأن الشفاء الذي حصل للمستحمين إنما هو ببركة يعقوب المنصور وجعلوا له زوجة أو بنتا اسمها شافية اشتقاقا من لفظ الشفاء الحاصل بتلك العين كله باطل وإنما حرارة العين لخاصية أودعها الله في أصلها ومنبعها وكذا الشفاء الحاصل بها إنما هو بخاصية في ذلك الماء ولعلها ما فيه من الكريتية فإنا نرى أصحاب الجرب يتلطخون بالكبريت المعالج فيشفون وكم من عين على وجه الأرض في المشرق والمغرب وبلاد المسلمين والكفار على هذه الحالة كما أخبر بذلك غير واحد وقال الجوهري في الصحاح الحمة العين الحارة يستشفي بها الأعلاء والمرضى وفي الحديث العالم كالحمة اه ومثله في القاموس بل ذكر فيه مدينة تفليس وهي قصبة كرجستان عليها سوران قال وحمامتها تنبع ماء حارا بغير نار وقد ذكر ابن أبي زرع في القرطاس حمة أبي يعقوب هذه وذكر معها حمتين أخريين فقال وبالقرب أيضا من مدينة فاس على ميسرة أربعة أميال منها حمة عظيمة تعرف بحمة خولان ماؤها في أشد ما يكون من السخونة وبالقرب أيضا منها حمة و شنانة وحمة أبي يعقوب وهي من الحمات المشهورة بالمغرب اه كلامه فقد ذكر أبا يعقوب بلفظ الكنية فهو غير يعقوب المنصور قطعا ولعله أبو يعقوب الأشقر الآتي ذكره في أحداث المائة السابعة ولنرجع إلى الكلام على وفاة المنصور عند علماء المغرب فنقول قال ابن الخطيب في رقم الحلل توفي يعقوب المنصور رحمة الله في الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وتسعين وخمسمائة ودفن بمجلس سكناه من مراكش وكذب العامة بموته ولوعا و تمسكا به فادعوا أنه ساح في الأرض اه وقال ابن أبي زرع لما حضرت المنصور الوفاة قال ما ندمت على شيء فعلته في خلافتي إلا على ثلاث وددت أني لم أفعلها الأولى إدخال العرب من إفريقية إلى المغرب مع إني أعلم أنهم أهل فساد والثانية بناء رباط الفتح أنفقت فيه بيت المال وهو بعد لا يعمر والثالثة إطلاقي أسارى الأرك ولا بد لهم أن يطلبوا بثأرهم قلت ما ذكره رحمه الله في رباط الفتح من أنه لا يعمر قد تخلف ظنه فيه فهو اليوم من أعمر أمصار المغرب وأحضرها حرسه الله وحرس سائر أمصار المسلمين من آفاق النقصان وطوارق الحدثان ولنذكر ما كان في هذه المدة من الأحداث فنقول في سنة أربعين وخمسمائة هدم علي بن عيسى بن ميمون وكان من رؤساء البحر في دولة اللمتونيين صنم قادس وقادس هذه هي الجزيرة المسماة في لسان العامة اليوم بقالص وكان بها صنم عظميم على صورة رجل وبيده مفتاح يقال إن حكماء اليونان انخذوه طلسما هناك كان من خاصيته أن يمنع هبوب الريح فيما جاوره من البحر المحيط فكانت السفن لا تجري هناك على ما قيل فلما ثار ابن ميمون المذكور بالجزيرة المذكورة ظن أن تحت الصنم مالا فهدمه فلم يجد شيئا وفي السنة المذكورة توفي أبو علي منصور بن إبراهيم المساطسي دفين آزمور وكان كبير الشأن من أهل العلم والعمل ومن اشياخ أبي شعيب السارية وفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة توفي الإمام الهمام الحافظ البارع أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي قال ابن خلكان توفي بمراكش يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة وقيل في شهر رمضان من السنة المذكورة ودفن بباب آيلان داخل المدينة وذلك في دولة عبد المؤمن بن علي وفي سنة تسع وخمسين وخمسمائة توفي الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله بن حرزهم ينتهي نسبه إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو من أهل مدينة فاس وبها توفي أخريات شعبان من السنة المذكورة وكان فقيها زاهدا صوفيا قال أبو الحسن المذكور اعتكفت على قراءة الإحياء سنة فجردت المسائل التي تنتقد عليه وعزمت على إحراق الكتاب فنمت فرأيت قائلا يقول جردوه واضربوه حد الفرية فضربت ثمانين سوطا فلما استيقظت جعلت أقلب ظهري ووجدت الألم الشديد من ذلك فتبت إلى الله ثم تأملت تلك المسائل فوجدتها موافقة للكتاب والسنة وقد تقدم لنا ما اتفق له مع السلطان في جنازة أبي الحكيم بن برجان وفي سنة إحدى وستين وخمسمائة توفي الشيخ أبو شعيب أيوب بن سعيد الصنهاجي الملقب بسارية من أهل مدينة آزمور وبها توفي يوم الثلاثاء عاشر ربيع الثاني من السنة المذكورة وكان رضي الله عنه شديد المراقبة والورع والخوف من الله تعالى وكان إذا وقف في صلاته يطيل القيام فلذلك لقب بالسارية ونقلت عنه في الورع والخوف حكايات انظر التشوف قال مؤلفه عفا الله عنه كنت زرت ضريح هذا الشيخ سنة ثمانين ومائتين وألف ومدحته بقصيدة سلكت فيها مسلك الأدباء من النسب وغيره وأنشدتها عند ضريحه فرأيت لها بركة والحمد لله فأحببت أن أذكرها هنا وهي هذه ( لله يا ربع ما هيجت من شجن % على الفؤاد ومن ضنى على البدن ) ( وقفت فيك ركابا طالما وقفت % على القصور على الأطلال والدمن ) ( أيام فيك حسان ما أشبهها % بالشمس حسنا ولا في اللين بالغصن ) ( وفيك أسد من الملوك عادتها % بذل النضار وصون البيض والحصن ) ( يحمون منك عراصا كنت أعهدها % مأوى السرور فعادت موقف الحزن ) ( عاثت يد الدهر فيهم منذ أزمنة % كأن بأسهم المحذور لم يكن ) ( قوم عرفت نداهم قبل معرفتي % نفسي وفاجأني في المهد بالمتن ) ( ومذ ترعرعت لم أعلق بغيرهم % حتى كأني رضعت الحب في اللبن ) ( قضيت حق الشباب في منازلهم % أيام عيش لنا أحلى من الوسن ) ( من ظن بالدهر خيرا فهو منخدع % فوده هدنة تبنى على دخن ) ( لا أنتحي منهلا إلا شرفت به % ولا احل مكانا ليس بالخشن ) ( ولا أصاحب من هذا الورى بشرا % إلا حصلت على رزق من الإحن ) ( حتى توهمت أنني جنيت لهم % حرب البسوس وأنني أبو الفتن ) ( وما لذي الفضل من ذنب يلام به % سوى فضيلته في دهره الزمن ) ( فعد يا قلب عن شكوى أضيق بها % ذرعا فشكواك لي ضرب من الوهن ) ( ولست أحسب هذا الدهر مرعويا % ولو تعلقت منه بابن ذي يزن ) ( حلا لقد علقت يدي بمن علقت % أيدي العفاة به في الشام واليمن ) ( بأعظم الناس منزلا ومنزلة % وأسمح الناس كفا بالندى الهتن ) ( وأشمخ الناس قدرا في الورى وعلا % وأحكم الناس للفروض والسنن ) ( ذاك الولي الذي كل الأنام غدا % يتلو مناقبه في السر والعلن ) ( أبو شعيب الذي من بحره انشعبت % جداول اليمن في الأحياء والمدن ) ( بدر غدا في سماء المجد مكتملا % به علا ذكر آزمور في الوطن ) ( أرض إذا الضرع المحروم يممها % ألفى بها بدل الأهلين والسكن ) ( أود من أجل ثاويها حجارتها % واجعل الترب لي مسكا بلا ثمن ) ( كيف لا تطبي قلبي منازل من % به أكون من الأحداث في جنن ) ( مجلي الغياهب مبذول المواهب مقفو % المذهب بالجنيد والقرني ) ( بحر الحقيقة والغوث الذي لهجت % به القبائل في المقام والظعن ) ( ما زال يرقى الذرى من كل صالحة % حتى اكتسى شهرة النيران في القنن ) ( يا خير من أمه العافي ولاذ به % أهل الجرائم والأوزار والمحن ) ( إني خدمتك في شعر عنيت به % وليس لولا حلاك الزهر بالحسن ) ( أشكو إليك سقاما أنت مبرئه % ولست أرجو سواك منه ينعشني ) ( وشد أزري فإني كنت معتقدا % إذا بلغتك قدت الدهر بالرسن ) ( وانظر بفضلك من وافك معتفيا % فإن نظرت فكل الخير يشملني ) ( وأعظم السؤال منك النفس تصلحها % وطهر القلب ما لأمراض والدرن ) ( وامنحه نورا وتوفيقا ومعرفة % أرى بها علمي والبر في قرن ) ( فجد بما رمت من جداوك يا أملي % فبحر جودك عذب ليس بالأجن ) ( سقى ضريحك غيث ما يزال به % بستان أنسك وهو مورق الفنن ) ( بجاه أفضل خلق الله كلهم % محمد ذي المزايا الغر والمنن ) ( عليه أزكى صلاة الله ما تليت % صحف وما نسج القريض ذو لسن ) ( والآل والصحب والأزواج قاطبة % ومن قفا نهجهم في كل ما زمن ) واعلم أن التعلق بأولياء الله رضي الله عنهم يجب أن يكون مع استحضار أن الله تعالى هو المطلوب على الحقيقة والفاعل للأشياء كلها لا معبود غيره ولا مرجو سواه وإنما التمسك بأهل الله لأجل التبرك بهم والاستشفاع بهم إلى الله تعالى لأنهم أبواب الله والدالون عليه نفعنا الله بهم وأفاض علينا من مددهم آمين وفي سنة تسع وستين وخمسمائة توفي الشيخ الفقيه العالم أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف المعروف بابن قرقول صاحب كتاب مطالع الأنوار الذي وضعه على مثال كتاب مشارق الأنوار للقاضي عياض كان من الأفاضل وصحب جماعة من علماء الأندلس وتوفي بمدينة فاس يوم الجمعة أول وقت العصر سادس شوال من السنة المذكورة وكان قد صلى الجمعة في الجامع ذلك اليوم فلما حضرته الوفاة تلى سورة الإخلاص وجعل يكررها بسرعة ثم تشهد ثلاث مرات وسقط على وجهه ساجدا فوقع ميتا رحمه الله وفي سنة سبعين بعدها توفي الفقيه أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد الأنصاري المعروف بالمتيطي ومتيطية قرية بأحواز الجزيرة الخضراء وهو الموثق المشهور لازم بمدينة فاس خاله أبا الحجاج المتيطي وبين يديه تعلم عقد الشروط وله كتاب كبير في الوثائق سماه النهاية والتمام في معرفة الوثائق والأحكام ثم انتقل إلى سبتة فاستوطنها ولازم مجالس علمائها بالمناظرة والتفقه ومهر في كتابه الشروط واشتغل بها حتى لم يكن في وقته أقدر منه عليها وكان له في السجلات اليد الطولى وطبع عليها حتى كاد طبعه لا يواتيه في سواها بل كان طبعه في ذلك أكثر من فقهه ثم ولي القضاء بشريش وأصابه خضر لازمه نحو السنتين ثم توفي مستهل شعبان من السنة المذكورة وفي سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة توفي وحيد عصره وأعجوبة دهره الولي العارف الشيخ أبو يعزى يلنور بن ميمون قال قوم إنه من هزميرة إيرجان وقيل من بني صبيح من هسكورة مات وقد نيف على المائة بنحو الثلاثين سنة ودفن بجبل إيرجان في أوائل شوال من السنة المذكورة كان الشيخ أبو مدين رضي الله عنه يقول رأيت أخبار الصالحين من زمن أويس القرني إلى زماننا هذا فما رأيت أعجب من أخبار أبي يعزى قال ونظرت في كتب التصوف فما رأيت مثل الإحياء للغزالي وكان لباس الشيخ أبي يعزى برنسا أسود مرقوعا إلى أسفل من ركبتيه وجبة من تليس مطرف وشاشية من عزف وكان يتعيش من نبات الأرض ولا يشارك الناس في معايشهم وكان طويلا رقيقا أسود اللون وكان إذا جنه الليل دخل غيضة كثيرة السباع يتعبد فيها فإذا قرب الفجر أعلم أصحابه به وأحواله رضي الله عنه وكراماته كثيرة وفي سنة ثلاث وسبعين بعدها توفي الشيخ العارف أبو الحسن علي بن خلف بن غالب القرشي دفين قصر كتامة نشأ بشلب من بلاد الأندلس وقرأ بقرطبة واستقر آخرا بقصر كتامة وبه توفي في السنة المذكورة وقيل إن وفاته كانت سنة ثمان وستين قبل هذا التاريخ والله أعلم وكان رضي الله عنه متمكنا في علوم القوم وكان الأولياء يحضرون مجلسه وهو من تلامذة أبي العباس بن العريف المتقدم الذكر وفي سنة ثمانين وخمسمائة توفي الشيخ أبو عبد الله التاودي العلم من أهل مدينة فاس ومن أصحاب الشيخ أبي يعزى وكان يعلم الصبيان فيأخذ الأجر من أولاد الأغنياء فيرده على أولاد الفقراء ومات بفاس في السنة المذكورة وهذه النسبة إلى بني تاودي وهي قبيلة بقرب فاس وفي سنة إحدى وثمانين بعدها توفي الإمام المشهور أبو زيد عبد الرحمن بن الخطيب أبي محمد عبد الله بن أحمد السهيلي الخثعمي صاحب كتاب الروض الأنف وغيره من التآليف الحسان وصاحب الأبيات المشهورة في الدعاء وهي ( يا من يرى ما في الضمير ويسمع % أنت المعد لكل ما يتوقع ) ( يا من يرجى للشدائد كلها % يا من إليه المشتكى والمفزع ) ( يا من خزائن رزقه في قول كن % أمنن فإن الخير عندك أجمع ) ( ما لي سوى فقري إليك وسيلة % فبالافتقار إليك فقري أدفع ) ( ما لي سوى قرعي لبابك حيلة % فلئن رددت فأي باب أقرع ) ( ومن الذي أدعو وأهتف باسمه % إن كان فضلك عن فقيرك يمنع ) ( حاشى لجودك أن تقنط عاصيا % الفضل أجزل والمواهب أوسع ) كان ببلدته سهيل وهي قرية بالقرب من مالقة يتسوغ بالعفاف ويتبلغ بالكفاف حتى نمى خبره إلى السلطان بمراكش فطلبه إليه وأحسن إليه وأقبل بوجهه غاية الإقبال عليه فأقام بها نحو ثلاث سنين ثم توفي بها يوم الخميس السادس والعشرين من شعبان من السنة المذكورة ودفن وقت الظهر خارج باب الرب أحد أبواب مراكش وكان رحمه الله ضريرا نفعنا الله تعالى به وفي سنة تسعين وخمسمائة توفي ولي الله تعالى أبو محمد عبد الحليم بن عبد الله المراسي المعروف بالغماد من صلحاء سلا كان رحمه الله عبدا صالحا يدور على المكاتب ويستوهب الدعاء من الصبيان ويبكي على نفسه وله كرامات وتوفي ببلده المذكور وقبره معروف ملاصق للمسجد الأعظم قرب بابه الكبير من جهة القبلة وفي سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة توفي الشيخ أبو يعقوب يوسف بن علي المبتلى المعدود في سبعة رجال من صلحاء مراكش كان رضي الله عنه كبير الشأن فاضلا صابرا راضيا على ربه فيما ابتلاه به من داء الجذم سقط بعد جسده ذات يوم فصنع طعاما كثيرا للفقراء شكرا لله تعالى على ذلك وكان يسكن بحارة الجذمي العتيقة قبلي مراكش وبها مات في شهر رجب من السنة المذكورة ودفن خارج باب أغمات عند رابطة الغار واحتفل الناس لجنازته رضي الله عنه وفي سنة أربع وتسعين بعدها توفي الشيخ العارف بالله تعالى أبو مدين شعيب بن الحسن الأنصاري الولي الكبير المشهور أصله من حصن قطنيانة من عمل إشبيلية ثم انتقل إلى العدوة فأخذ عن الشيخ أبي الحسن بن حزرهم وعن الشيخ أبي يعزى وبه انتفع وعليه تخرج وكان الشيخ أبو مدين رضي الله عنه من العارفين الراسخين قد خاض من الأحوال بحارا ومن المعارف أسرارا وجال في حداثة سنه في بلاد المغرب من سبتة ومراكش وفاس ولازم بفاس الشيخ ابن حرزهم كما قلنا ثم سمع بخبر الشيخ أبي يعزى فقصده وأخذ عنه وظهرت عليه بركته قال الشيخ أبو مدين لما قدمت فاسا لقيت بها الأشياخ فسمعت رعاية المحاسبي على أبي الحسن بن حرزهم وكتاب السنن للترمذي على أبي الحسن بن غالب وأخذت طريقة التصوف على أبي عبد الله الدقاق وأبي الحسن السلاوي قال وكنت أزور الشيخ أبي يعزى مرارا فقال لي جماعة من الفقهاء المجاورين لأبي يعزى قد ثبتت عندنا ولاية أبي يعزى ولكنا نشاهده يلمس بطون النساء وصدورهن ويتفل عليهن فيبرأن ونحن نرى أن لمسهن حرام فإن تكلمنا في هذا هلكنا وإن سكتنا حرنا فقلت لهم أرأيتم لو أن ابنة أحدكم أو أخته أصابها داء لا يطلع عليه إلا الزوج ولم يوجد من يعانيه إلا طبيب يهودي أو نصراني ألستم تجيزون ذلك مع أن دواءه مظنون ودواء أبي يعزى أنتم على يقين منه فبلغ كلامي أبي يعزى فاستحسنه قال محمد بن إبراهيم الأنصاري خرج الشيخ أبو مدين ألف تلميذ وجاءه رجل ليعترض عليه فجلس في الحلقة فقال له أبو مدين لم جئت قال لأقتبس من نورك فقال له ما الذي في كمك فقال له مصحف فقال له افتحه واقرأ أول سطر يخرج لك ففعل فخرج له قوله تعالى @QB@ الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين @QE@ فقال له أبو مدين أما يكفيك هذا فاعترف الرجل وتاب وكراماته رضي الله عنه كثيرة وكان استوطن في آخر عمره بجاية وكثر عليه الناس وظهرت على يده كرامات فوشى به بعض علماء الظاهر عند يعقوب المنصور وقال له إنا نخاف منه على دولتكم فإن له شبها بالإمام المهدي وأتباعه كثيرون بكل بلد فوقع منه ذلك فكتب لصاحب بجاية يبعثه إليه وأوصاه بالاعتناء به وأن يحمله إليه خير محمل ففعل ولما كان الشيخ أبو مدين رضي الله عنه بالطريق مرض مرض موته فلما وصل وادي يسر قرب تلمسان اشتد به مرضه فنزلوا به هنالك فكان آخر كلامه الله الحق فتوفي ودفن برابطة العباد قرب تلمسان وسمع أهل تلمسان بجنازته فحضروها وكانت من المشاهد العظيمة وفي سنة خمس وتسعين وخمسمائة توفي الشيخ الفقيه الصالح أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المهدوي صاحب كتاب الهداية أقام نحو أربعين سنة لم تفته صلاة في جماعة إلا يوما واحدا لعذر عاقه عن ذلك دخل مدينة فاس ومعه نحو من أربعين ألفا من المال فما زال ينفقها في سبيل الخير حتى لم يبق له إلا دار سكناه فباعها من بعض أهل فاس وأعمره المشتري لها فلما خرجت منها جنازته حازها المشتري المذكور وكانت وفاته يوم الجمعة الخامس والعشرين من جمادى الأولى من السنة المذكورة واعلم أنا قد قدمنا أن الشيخ أبا مدين كان تلميذا للشيخ أبي يعزى وكان الشيخ أبو يعزى تلميذا للشيخ أبي شعيب السارية وكان الشيخ أبو شعيب تلميذا للشيخ أبي ينور الدكالي نفعنا الله بجميعهم وأفاض علينا من مددهم آمين ولنرجع إلى أخبار الدولة الموحدية فنقول