الخبر عن دولة أمير المؤمنين أبي عبد الله محمد الناصر لدين الله بن يعقوب المنصور بالله
بويع لأبي عبد الله محمد الناصر لدين الله في حياة والده يعقوب المنصور ثم جددت له البيعة بعد وفاته وذلك يوم الجمعة الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة خمس وتسعين وخمسمائة وهو اليوم الذي توفي فيه أبوه فأقام بمراكش بقية ربيع الأول وربيع الثاني ثم نهض في فاتح جمادى الأولى إلى فاس فأقام بها بقية السنة المذكورة ثم غزا جبال غمارة من أجل علودان الغماري الثائر بها ففتحها ثم رجع إلى فاس فأتم بناء سورها الذي كان خربه عبد المؤمن وبنى قصبتها ورتب امورها وأقام بها إلى سنة ثمان وتسعين وخمسمائة فعاد إلى مراكش وأقام بها إلى أن كان ما نذكره
غزو الناصر بلاد إفريقية وولاية الشيخ أبي محمد بن أبي حفص عليها والسبب في ذلك
لما هلك المنصور رحمه الله قوي أمر يحيى بن إسحاق المعروف بابن غانية بإفريقية واستولى على أعمال قراقوش الغزي صاحب طرابلس وعلى المهدية وتغلب على بلاد الجريد ثم نازل تونس سنة تسع وتسعين وخمسمائة وافتتحها عنوة لأربعة أشهر من حصارها في ختام المائة السادسة وقبض على السيد أبي زيد وابنه ومن كان معه من الموحدين وطالب أهل تونس بالنفقة التي أنفق وبسط عليهم العذاب حتى هلك في الامتحان كثير من بيوتاتهم ثم دخل في دعوته أهل القيروان وغيرها من البلاد وانتظمت له أعمال إفريقية وفرق العمال وخطب للخليفة العباسي واتصل بالناصر وهو بمراكش هذا كله فامتعض لذلك وشاور الموحدين في أمر إفريقية فأشاروا عليه بمسالمة ابن غانية وأشار الشيخ أبو محمد عبد الواحد بن أبي حفص بالنهوض إليها والمدافعة عنها فعمل على رأيه ونهض إليها سنة ستمائة وبعث الأسطول في البحر لنظر يحيى بن أبي زكريا الهزرجي واتصل ذلك بابن غانية فبعث ذخائره وحرمه إلى المهدية مع علي بن الغاني من قرابته وولاه عليها ولما قرب الناصر من إفريقية خرج ابن غانية من تونس إلى القيروان ثم إلى قفصة واجتمع إليه العرب وأعطوه الرهائن على المظاهرة والدفاع وسار إلى حمامة مطماطة ثم إلى جبل بني دمر فتحصن به ووصل الناصر إلى تونس ثم سار في اتباع ابن غانية إلى قفصة ثم إلى قابس ثم عاد إلى المهدية فعسكر عليها واتخذ الآلة لحصارها وسرح الشيخ أبا محمد عبد الواحد لقتال ابن غانية في أربعة آلاف من الموحدين سنة اثنتين وستمائة فلقيه بجبل تاجورة من نواحي قابس وأوقع به وقتل أخاه جبارة بن إسحاق واستنفذ السيد أبا زيد من معتقله وأما الناصر فإنه استمر محاصرا للمهدية وبها يومئذ علي بن الغاني وكان يدعى بالحاج وكان شهما محاربا فامتنع على الناصر وأبدى من مكايد الحرب وخداعه ما يقصر عنه الوصف وأشجى الموحدين وبالغ في نكايتهم فكانوا يسمونه الحاج الكافر ثم نزل على الأمان وأحسن إليه الناصر إحسانا تاما وسماه بالحاج الكافي بالياء بدل الراء لما رأى من مراعاة لصاحبه وحسن عهده معه واستشهد الحاج الكافي هذا في وقعة العقاب الآتية وكان فتح المهدية في السابع والعشرين من جمادى الأولى سنة اثنتين وستمائة وولى الناصر عليها محمد بن يغمور الهرغي وارتحل عنها في عشرين من جمادى الثانية فدخل تونس غرة رجب وأقام بها بقية السنة وأكثر الذي بعدها ولما كان رمضان من سنة ثلاث وستمائة أشاع الناصر الحركة إلى المغرب واستخلف على إفريقية ثقته ووزيره الشيخ أبا محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص الهنتاني جد الملوك الحفصيين بعد مراجعة وامتناع قال ابن خلدون امتنع الشيخ أبو محمد إلى أن بعث إليه الناصر في ذلك بابنه يوسف فأكبر مجيئه وأذعن ويقال إن الناصر قال له يا أبا محمد أنت تعلم ما تجشمناه من المشاق والصوائر في استنقاذ هذا القطر ولا آمن عليه من عدو متوثب ولا يقوم بحمايته إلا أنا أو أنت فامض إلى حفظ ممالكنا المغربية وأقيم أنا أو قم أنت وارجع أنا فقنعه الحياء حينئذ وأذعن للإقامة واشترط شروطه المعروفة وهي أن يقيم ثلاث سنين ريثما تترتب الأحوال ثم يعود إلى وطنه وأن يحكمه الناصر فيمن يحبسه معه من الجند ويرضاه من أهل الكفاية وأن لا يتعقب أمره في ولاية ولا عزل فقبل الناصر شروطه ولما عزم الناصر على النهوض إلى المغرب خرج إليه أهل تونس رافعي أصواتهم بين يديه إشفاقا من عود ابن غانية إليهم فاستدعى وجوههم وكلمهم بنفسه وقال إنا قد اخترنا لكم من يقوم مقامنا فيكم وآثرناكم به على شدة حاجتنا إليه وهو فلان فيباشر الناس بولايته وشيع الناصر إلى باجة ورجع واليا على جميع بلاد إفريقية واستقل بأمرها ونهيها فمن هنا ورثت الملوك الحفصيون سلطنة تونس وإفريقية وقفل الناصر إلى المغرب فدخل مراكش في ربيع سنة أربع وستمائة ولما استقر بالحضرة وفدت عليه الوفود وهنأته الشعراء بالفتح فكان من ذلك ما أنشده ابن مرج الكحل وهو قوله ( ولما توالى الفتح من كل وجهة % ولم تبلغ الأوهام في الوصف حده ) ( تركنا أمير المؤمنين لشكره % بما أودع السر الإلهي عنده ) ( فلا نعمة إلا تؤدى حقوقها % علامته بالحمد لله وحده ) فاستحسن الكتاب منه ذلك ووقع أحسن موقع وأشار بذلك إلى العلامة السلطانية عند الموحدين فإنها كانت أن يكتب السلطان بيده بخط غليظ في رأس المنشور الحمد لله وحده وقد تقدم ذلك والله أعلم
فتح جزيرة ميورقة
كانت جزيرة ميورقة لبني غانية المسوفيين من عهد علي بن يوسف بن تاشفين اللمتوني وكان يعقوب المنصور قد بعث إليها أسطوله مرارا فامتنعت عليه ولما ولي ابنه الناصر وغزا إفريقية وجه إليها من ثغر الجزائر أسطولا مع عمه السيد أبي العلاء والشيخ أبي سعيد بن أبي حفص فنازلوها ثم اقتحموها عنوة وقتلوا صاحبها عبد الله بن إسحاق المسوفي وانصرف السيد إلى مراكش بعد أن ولي عبد الله بن طاع الله الكومي ووفد أهلها على الناصر فأكرم وفادتهم وولي القضاء عليهم الفقيه الجليل المحدث أبا محمد عبد الله بن سليمان الأنصاري المعروف بابن حوط الله ذكره ابن الخطيب في الإحاطة فقال كان مشهورا بالعقل والفضل معظما عند الملوك معلوم القدر لديهم يخطب في مجالس الأمراء والمحافل الجمهورية مقدما في ذلك ذا بلاغة وفصاحة إلى أبعد مضمار ولي قضاء إشبيلية وقرطبة ومرسية وسلا وميورقة فتظاهر بالعدل وعرف بما أبطن من الدين والفضل وكان من العلماء العاملين مجانبا لأهل البدع والأهواء بارع الخط حسن التقييد إلى غير ذلك ثم ولى الناصر على ميورقة عمه السيد أبا زيد وجعل ابن طاع الله على قيادة البحر وبعد السيد أبي زيد وليها السيد أبو عبد الله بن أبي حفص بن عبد المؤمن ثم أبو يحيى بن علي بن أبي عمران التينمللي ومن يده أخذها النصارى سنة سبع وعشرين وستمائة وكان الحادث بها عظيما
ثورة ابن الفرس وما كان من أمره
كان عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الفرس من طبقة العلماء بالأندلس ويعرف بالمهر وحضر مجلس يعقوب المنصور في بعض الأيام وتكلم بما خشي عاقبته في عقده فخرج من المجلس واختفى مدة ثم القحطاني المراد بقوله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه يملأها عدلا كما ملئت جورا الحديث وكان مما نسب إليه من الشعر قوله ( قولا لأبناء المؤمن بن علي % تأهبوا لوقوع الحادث الجلل ) ( قد جاء سيد قحطان وعالمها % ومنتهى القول والغلاب للدول ) ( والناس طوع عصاه وهو سائقهم % بالأمر والنهي بحر العلم والعمل ) ( وبادروا أمره فالله ناصره % والله خادع أهل الزيغ والميل ) فبعث الناصر إليه الجيوش فهزموه وقتل وسيق رأسه إلى مراكش فنصب بها وسكنت الفتنة وقد ثار أيضا في سنة ستمائة رجل من آل البيت من العبيديين واسمه محمد بن عبد الله بن العاضد وهذا العاضد هو آخر خلفاء الشيعة بمصر فثار حافده محمد بن عبد الله المذكور بجبال ورغة من أحواز فاس فظفر به وقتل وعلق رأسه بباب الشريعة أحد أبواب فاس وأحرق جسده في وسط الباب المذكور وركبت مصارعه فسمي الباب باب المحروق بعد أن كان يسمى باب الشريعة ثم في سنة عشر وستمائة ثار ولد هذا المحروق بجبال غمارة وادعى أنه الفاطمي وتبعه خلق كثير من أهل الجبل والبادية فبعث إليه الناصر جيشا فظفر به وقتل وفي سنة إحدى وستمائة بنى عامل الريف من قبل الناصر واسمه يعيش سور بادس ولمديه ومليلية حياطة وتحصينا من فجأة العدو وفي سنة أربع وستمائة أمر الناصر بتجديد سور مدينة وجدة وإصلاحها فشرع في ذلك في فاتح رجب من السنة المذكورة وفيها أيضا أمر الناصر ببناء دار الوضوء والسقاية بإزاء جامع الأندلس بفاس فبنيت وجلب إليها الماء من العين التي خارج باب الحديد وأمر ببناء الباب الكبير المدرج الذي بحصن الجامع المذكور وأنفق في ذلك كله من بيت المال وفيها أيضا أمر ببناء مصلى القرويين وأمر أن لا يصلى بمصلى الأندلس فأقام الناس يصلون بعدوة القرويين ثلاث سنين ثم عادوا يصلون بالأندلس والقرويين معا كما كانوا أولا بعد أن شهد أنها قديمة وفي شوال من السنة المذكورة نهض الناصر من فاس إلى مراكش فأقام بها إلى أن كان ما نذكره
غزوة العقاب التي محص الله فيها المسلمين
ثم اتصلت الأخبار بالناصر وهو بمراكش أن الفنش لعنه الله قد استطال على ثغور المسلمين بالأندلس وأنه يغير على قراها وينهب الأموال ويسبي النساء والذرية فأهمه ذلك وأقلقه وكتب إلى الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص صاحب إفريقية يستشيره في الغزو فأبى عليه فخالفه وأخذ في الحركة للجهاد وكان الناصر معجبا برأيه مستبدا بأموره ففرق الأموال على القواد والأجناد وكتب إلى جميع بلاد إفريقية والمغرب وبلاد القبلة يستنفر المسلمين لغزو الكفار فأجابه خلق كثير وألزم كل قبيلة من قبائل العرب بحصة من الخيل والرجل تخرج للجهاد فتقدمت عليه الجيوش من سائر الأقطار وتسارع الناس إليه خفافا وثقالا من البوادي والأمصار فلما تكاملت لديه الحشود وتوافت بحضرته الجنود خرج من مراكش في تاسع عشر شعبان سنة سبع وستمائة فانتهى إلى قصر المجاز فأقام به وشرع في إجازة الجيوش من أوائل شوال إلى أواخر ذي القعدة من السنة المذكورة فتلقاه هنالك قواد الأندلس وفقهاؤها ورؤساؤها وأقام بطريف ثلاثا ثم نهض إلى إشبيلية في أمم لا تحصى وجيوش لا تستقصى قد ملأت السهل والوعر حكى بعض الثقات من مؤرخي المغرب أنه اجتمع مع الناصر في هذه الغزوة من أهل المغرب والأندلس ستمائة ألف مقاتل وكان الناصر رحمه الله قد أعجبه ما رأى من كثرة جنوده وأيقن بالظفر فقسم الناس على خمس فرق فجعل العرب فرقة وزناتة وصنهاجة و المصامدة و غمارة وسائر أصناف قبائل المغرب فرقة وجعل المتطوعة فرقة وجعل جند الأندلس فرقة والموحدين فرقة وأمر كل فرقة أن تنزل ناحية واهتزت جميع بلاد الفرنج لجوازه وتمكن رعبه في قلوبهم فأخذوا في تحصين بلادهم وإخلاء ما قرب من المسلمين من قراهم وحصونهم وكتب إليه أكثر أمرائهم يسألونه السلم ويطلبون منه العفو ووفد عليه منهم ملك ينبلونة مستسلما خاضعا طالبا للصلح فيقال إنه قدم بين يديه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي كتبه إلى هرقل ملك الروم يستشفع به وقد كان هذا الكتاب وقع إليه وراثة من بعض سلفه فاحتفل الناصر لقدومه وصف له الجيوش من باب مدينة قرمونة إلى باب إشبيلية أربعين ميلا ثم عقد له الصلح ما دامت دولة الموحدين وصرفه إلى بلاده مكرما مسعفا بجميع مطالبه وعند ابن خلدون أن الذي وفد على الناصر في هذه الغزوة هو البيبوج أحد الملوك الثلاثة الذين شهدوا وقعة الأراك قال وهو الذي مكر بالناصر يوم العقاب قدم عليه وأظهر له التنصح وبذل له أموالا ثم غدر به وجر عليه الهزيمة والله أعلم ثم خرج الناصر من إشبيلية غازيا بلاد قشتالة في أوائل صفر سنة ثمان وستمائة فسار حتى نزل حصن سلبطرة وهو حصن منيع وضع على قمة جبل وقد تعلق بأكناف السحاب ليس له مسلك إلا من طريق واحد في مضائق وأوعار فنزل عليه لناصر وأدار به الجيوش ونصب عليه أربعين منجنيقا فهتك أرباضه ولم يقدر منه على شيء قالوا وكان وزيره أبو سعيد بن جامع قد تمكن من الناصر فأقصى شيوخ الموحدين وأعيانهم وذوي الحنكة والرأي منهم عن بساطه وانفرد هو به فكان يشير على الناصر في غزوته هذه بآراء كانت سبب الضعف والوهن وجلبت الكرة على المسلمين من ذلك أن الناصر لما أعياه أمر الحصن عزم على النهوض عنه إلى غيره فأشار عليه ابن جامع بأن لا يتجاوزه حتى يفتحه فيقال إنه أقام على ذلك الحصن ثمانية اشهر فنيت فيها أزواد الناس وقلت علوفاتهم وكلت عزائمهم وفسدت نياتهم وانقطعت الأمداد عن المحلة فغلت بها الأسعار ودخل فصل الشتاء فاشتد البرد وأصاب المسلمين كل ضر ويقال إنه من طول مقام الناصر على ذلك الحصن عشش الخطاف في جانب خبائه وباض وأفرخ وطارت فراخه وهو مقيم على حاله واتصل بالفنش لعنه الله ما آل إليه أمر المسلمين من الضجر وقلة المادة وتشوش البواطن واختلاف الرأي فاغتنم الفرصة وبعث الحاشرين في مدائنه ودعا كل من قدر على حمل السلاح من رعيته فاجتمع له من ذلك ما لا حصر له ثم خالف الناصر إلى قلعة رياح فنازلها وبها يومئذ أبو الحجاج يوسف بن قادس من قواد الأندلس وزعمائها كان قد ترتب في ذلك الحصن في جماعة من الخيل لحمايته وضبطه فحاصره الفنش وبالغ في التضييق عليه فكان ابن قادس يكتب لأمير المؤمنين الناصر يعلمه بحاله ويستمده على عدوه وهو على حصن سلبطرة فكان الوزير ابن جامع إذا وصلت إليه كتب ابن قادس أخفاها عن الناصر لئلا يرحل عن الحصن قبل فتحه فلما طال الحصار على ابن قادس وفنى ما عنده من الأقوات والسلاح ويئس من إمداد الناصر إياه وخشي على من في الحصن من النساء والذرية صالح الفنش على تسليم الحصن له وخروج المسلمين آمنين على أنفسهم ففعل واستولى الفنش على قلعة رباح وسار ابن قادس إلى الناصر ليجتمع به ويعلمه بالأمر على وجهه وسار معه صهر له بعد أن عزم ابن قادس عليه أن يرجع فأبى وقال إن قتلت قتلت معك ولما وصل إلى الوزير ابن جامع أمر بحبسه وحبس صهره معه ثم دخل على الناصر فقال له إن ابن قادس قد دفع الحصن إلى العدو ثم قدم عليك وأراد الدخول عليك وكان الناصر قد تغير باطنه على أهل الأندلس واتهمهم بكتمان أمر العدو عنه حين كان بمراكش فلما قدم ابن قادس في هذه المرة وقال له ابن جامع ما قال أمر بقتله هو وصهره قطعا بالرماح رحمهما الله فحقدت جيوش الأندلس على ابن جامع وفسدت نياتهم على الناصر وأحس ابن جامع بذلك فأمر بإحضار قوادهم فحضروا بين يديه فقال اعتزلوا جيش الموحدين فلا حاجة لنا بكم كما قال الله تعالى @QB@ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا @QE@ وسننظر بعد هذا في أمر كل فاجر ولما علم الناصر بحال الفنش وما هو عليه من القوة وكثرة الجموع واستيلائه على قلعة رياح التي هي أمنع ثغور المسلمين شق ذلك عليه وامتنع من الطعام والشراب حتى مرض من شدة الوجد ثم شدد في قتال سلبطرة وبذل الأموال الجليلة حتى فتحها صلحا وذلك في أواخر ذي الحجة من سنة ثمان وستمائة ثم زحف الفنش إلى الناصر ونهض الناصر إليه فالتقى الجمعان بموضع يعرف بحصن العقبان فضرب المصاف وضرب للناصر قبته الحمراء المعدة للقتال على رأس ربوة وقعد أمامها على درقته وفرسه قائم بإزائه ودارت العبيد بالقبة من كل ناحية ومعهم السلاح التام ووقفت الساقات والبنود والطبول أمام العبيد مع الوزير ابن جامع وأقبلت جموع الفرنج على مصافها كأنها الجراد المنشر فتقدمت إليهم المتطوعة وحملوا عليهم أجمعون وكانوا مائة وستين ألفا فغابوا في صفوفهم وانطبقت عليهم الفرنج فاقتتلوا قتالا شديدا فاستشهد المتطوعة عن آخرهم هذا وعساكر الموحدين والعرب والأندلس ينظرون إليهم لم يحرك إليهم منهم أحد ولما فرغ الفرنج من المتطوعة حملوا بأجمعهم على عساكر الموحدين والعرب حملة منكرة فلما انتشب القتال بين الفريقين فرقت قواد الأندلس وجيوشها لما كانوا قد حقدوه على ابن جامع في قتل ابن قادس أولا وتهديدهم وطرده لهم ثانيا فجروا الهزيمة على المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله وتبعهم قبائل البربر والموحدون العرب وركبتهم الفرنج بالسيف وكشفوهم عن الناصر حتى انتهوا إلى الدائرة التي دارت عليه من العبيد والحشم فألفوها كالبنيان المرصوص لم يقدروا منها على شيء ودفع الفرنج بخيلهم المدرعة على رماح العبيد وهي مشرعة إليهم فدخلوا فيها والناصر قاعد على درقته أمام خبائه يقول صدق الرحمن وكذب الشيطان حتى كانت الفرنج تصل إليه وحتى قتل حوله من عبيد الدائرة نحو عشرة آلاف ثم أقبل إليه بعض فرسان العرب على فرس له أنثى فقال له إلى متى قعودك يا أمير المؤمنين وقد نفذ حكم الله وتم أمره وفنى المسلمون فعند ذلك قام الناصر إلى جواد له سابق كان إمامه فأراد أن يركبه فترجل العربي عن فرسه وقال له اركب هذه الحرة فإنها لا ترضى بعار فلعل الله ينجيك عليها فإن في سلامتك الخير كله فركبها الناصر وركب العربي جواده وتقدم أمامه في كوكبة عظيمة من العبيد محيطة بهم والفرنج في أعقابهم تقتلهم ونادى منادي الفنش يومئذ ألا لا أسر إلا القتل ومن أتى بأسير قتل هو وأسيره فحكمت سيوف الفرنج في المسلمين إلى الليل وكانت هذه الرزية العظيمة يوم الاثنين خامس عشر صفر سنة تسع وستمائة فذهبت قوة المسلمين بالمغرب ولأندلس من يومئذ ولم تنصر لهم بعدها راية مع الفرنج إلى أن تدارك الله رمق الأندلس بالسلطان المنصور بالله يعقوب بن عبد الحق المريني رحمه الله كما سنقص خبر ذلك مستوفى عند الوصول إليه إن شاء الله قال ابن الخطيب لما لحق الناصر بإشبيلية حمل السيف على طائفة كبيرة ممن توجهت إليهم الظنة وقال ابن خلدون ثم رجعت الفرنج إلى ألأندلس بعد الكائنة للإغارة على بلاد المسلمين فلقيهم السيد أبو زكريا بن أبي حفص بن عبد المؤمن قريبا من إشبيلية فهزمهم وانتعش المسلمون بها واتصلت الحال على ذلك
وفاة الناصر رحمه الله
قال ابن أبي زرع لما قدم الناصر إلى مراكش منصرفا من وقعة العقاب أخذ البيعة لولده يوسف الملقب بالمنتصر فبايعه كافة الموحدين وخطب له على جميع منابر المغرب والأندلس في العشر الأواخر من ذي الحجة سنة تسع وستمائة ولما تمت له البيعة دخل الناصر قصره واحتجب فيه عن الناس وانغمس في لذاته مصطحبا ومغتبقا إلى شعبان من سنة عشر وستمائة فمات مسموما بتدبير وزرائه عليه في ذلك قال وكانت وفاته يوم الأربعاء الحادي عشر من شعبان المذكور وقال ابن خلكان تقول المغاربة إن الناصر رحمه الله كان قد أوصى إلى عبيده المشتغلين بحراسة بستانه بمراكش أن كل من ظهر لهم بالليل فهو مباح الدم لهم ثم أراد أن يختبر قدر أمره عندهم فتنكد وجعل يمشي في البستان ليلا فعندما رأوه جعلوه غرضا لرماحهم فجعل يقول أنا الخليفة أنا الخليفة فما تحققوه حتى فرغوا منه والله أعلم بصحة ذلك قلت الصحيح في وفاة الناصر ما ذكره الوزير ابن الخطيب في رقم الحلل قال ثم صرف الناصر وجهه إلى غزو الأندلس في عزم لم يبلغ إليه ملك قبله ولما احتل رباط الفتح من سلا نزل به الموت فتوفي ليلة الثلاثاء عاشر شعبان سنة عشر وستمائة فانحل العزم وتفرقت الجموع والبقاء له وحده
الخبر عن دولة أمير المؤمنين يوسف المنتصر بالله ابن الناصر بن المنصور رحمه الله
لما هلك محمد الناصر لدين الله بويع ابنه أبو يعقوب يوسف بن محمد بن يعقوب المنصور وهو ابن ست عشرة سنة ولقب بالمنتصر بالله وغلب عليه الوزير أبو سعيد بن جامع ومشيخة الموحدين فقاموا بأمره واستبدوا عليه وتأخرت بيعة الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص من إفريقية لصغر سن المنتصر ثم وقعت المحاولة من الوزير ابن جامع وصاحب الأشغال عبد العزيز بن أبي زيد فوصلت بيعته حينئذ واشتغل المنتصر عن تدبير الأمر والجهاد بما يقتضيه الشباب وعقد للسادات على عمالات ملكه فعقد للسيد أبي إبراهيم إسحاق بن يوسف بن عبد المؤمن ويلقب بالظاهر على فاس وأعمالها وهو أخو المنصور ووالد عمر المرتضى الآتي ذكره وعقد لعمه السيد أبي إسحاق بن المنصور على إشبيلية وما اضيف إليها ولعمه أبي عبد الله محمد بن المنصور على بلنسية وشاطبة وأعمالها ولعمه أبي محمد عبد الله بن المنصور على مرسية ودانية وأعمالها وبعث معه الشيخ أبا زيد بن يرجان وكان من أشياخ الموحدين ودهاتهم وفي دولة المنتصر هذا فشل أمر الموحدين وذهبت ريحهم وأشرفت دولتهم على الهرم واستولى الفنش على المعاقل التي أخذها المسلمون وهزم حامية الأندلس في كل جهة واستبدت السادة بالأطراف والتاثت الأمور بالأندلس والمغرب أجمع أما الأندلس فبتكالب العدو عليها وفناء حماتها وأما المغرب فبخلاء كثير من قراه وأمصاره من وقعة العقاب ثم ظهرت بنو مرين بجهة فاس سنة ثلاث عشرة وستمائة وكانوا موطنين بصحراء فيجيج وما والاها فاقتحموا المغرب في هذه السنين لخلائه من الحامية واكتسحوا بسائطه بالغارت وانحازت رعاياه إلى المعاقل والحصون وكثرت الشكايات بهم إلى المنتصر وهو مقيم بمراكش فكتب إلى السيد أبي إبراهيم صاحب فاس يأمره بغزوهم فخرج إليهم وهو ببلاد الريف فأوقعوا به وقعة شنعاء كانت باكورة فتحهم وعاد السيد مفلولا إلى فاس وأصحابه عراة بين يديه يخصفون عليهم من ورق النبات المعروف بالمشعلة فسميت السنة سنة المشعلة وكانوا قد أسروا السيد أبا إبراهيم ثم عرفوه فأطلقوه ثم صمدت بنو مرين بعدها إلى تازا ففلوا حاميتها وعظمت شوكتهم بالمغرب على ما نذكره بعد أن شاء الله وفي سنة أربع عشرة وستمائة هزم المسلمون بقصر أبي دانس من الأندلس وهي من الهزائم الكبار التي تقرب من هزيمة العقاب لأن العدو كان قد نزل قصر أبي دانس وحاصره فخرج إليه جيش إشبيلية وجيش قرطبة وجيش جيان وحشود بلاد غرب الأندلس لاستنقاذ قصر أبي دانس وكان ذلك بأمر المنتصر فساروا يؤمون العدو فلم تقع عينهم على عينه إلا وقد خامر قلوب المسلمين الرعب وولوا الأدبار لما كان قد رسخ في نفوسهم من بأسه يوم العقاب فتكالب العدو بعدها على المسلمين وتمرس بهم وهان عليه أمرهم وخشعت نفوسهم له ولما فروا منه في هذه الخرجة ركبهم بالسيف وقتلهم عن آخرهم ورجع الفنش إلى قصر أبي دانس فحاصره حتى اقتحمه عنوة وقتل جميع من به من المسلمين وفي سنة ثمان عشرة وستمائة توفي صاحب إفريقية الشيخ أبو محمد عبد الواحد بن أبي حفص فبايع الموحدون بإفريقية ابنه أبا زيد عبد الرحمن فقام بالأمر وأطفأ النائرة وافاض العطاء ومهد النواحي ورتب الأمور حتى ورد كتاب المنتصر من مراكش لثلاثة أشهر من ولايته بتأخيره وتولية السيد أبي العلاء الأكبر مكانه وهو إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن فقدم إفريقية في ذي القعدة سنة ثمان عشرة وستمائة ووالى الهزائم على ابن غانية الثائر بإفريقية حتى شرد إلى الصحراء وأبو العلاء هذا هو الذي بنى البرجين اللذين على باب المهدية وحصنها وهو الذي بنى برج الذهب بإشبيلية أيام ولايته عليها في دولة أبيه وأقام أبو العلاء بإفريقية إلى أن توفي بتونس منها في شعبان سنة عشرين وستمائة واستولى على إفريقية بعده ابنه أبو زيد بن إدريس وساءت سيرته في الناس وأقام على ذلك إلى دولة العادل عبد الله بن المنصور صاحب مراكش فعزله وولى مكانه عبد الله بن عبد الواحد بن أبي حفص ثم غلب عليه أخوه أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص وتداول ملك إفريقية بنوه من بعده واستبدوا بها واقتطعوها عن نظر بني عبد المؤمن أصحاب مراكش فلم تعد إليهم بعد وأما يوسف المنتصر فإنه استمر مقيما بمراكش على لذاته إلى أن توفي وكان من خبر وفاته أنه كان مولعا باتخاذ الحيوان واستنتاجه فكان يؤتى إليه بأصناف البقر من الأندلس فيرسلها في بستانه الكبير من حضرة مراكش ويحمل بعضها على بعض للتناسل فخرج ذات يوم للتطوف على تلك البقر والنظر إليها فتوسط قطيعا منها وقد ركب فنشيا فأنكرته بقرة شرود كانت في ذلك القطيع فطعنته في صدره طعنة أتت عليه من حينه وذلك في عشي يوم السبت الثاني عشرة من ذي الحجة سنة عشرين وستمائة ولم يخلف إلا حملا من جارية له قال ابن خلكان لم يكن في بني عبد المؤمن أحسن وجها من المنتصر ولا أبلغ في المخاطبة إلا أنه كان مشغوفا براحته فلم يبرح عن حضرته فضعفت الدولة في أيامه والله تعالى أعلم
الخبر عن دولة أمير المؤمنين عبد الواحد المخلوع ابن يوسف بن عبد المؤمن رحمه الله
لما هلك المنتصر في التاريخ المتقدم اجتمع الوزير ابن جامع والموحدون وبايعوا للسيد أبي محمد عبد الواحد بن يوسف وهو أخو المنصور قال ابن أبي زرع بايعوه على كره منه بقبة المنصور من قصبة مراكش وهو يومئذ في سن الشيخوخة وكان عالما فاضلا متورعا فاستقام له الأمر نحو شهرين وخطب له في جميع أعمال الموحدين ما عدا مرسية فإن ابن أخيه السيد أبا محمد عبد الله بن المنصور الملقب بالعادل كان واليا عليها وكان وزيره بها الشيخ أبا زيد بن يرجان المعروف بالأصفر وكان من دهاة الموحدين وكان المنصور رحمه الله إذا رآه يستعيذ بالله من شره ويقول ماذا يجري على يديك من الفتن يا اصفر وكان من خبره أنه لما بويع المخلوع أمر بإطلاق ابن يجارن لأنه كان محبوسا على ما عند ابن خلدون فأطلق ثم صده ابن جامع عن ذلك وأنفذ أخاه أبا إسحاق في الأسطول ليغربه إلى ميورقة فلاذ ابن يرجان حينئذ بعبد الله بن المنصور صاحب مرسية ونزل منه منزلة الوزير وأغراه بالتوثب على الأمر وشهد له أنه سمع من المنصور رحمة الله العهد له بالخلافة من بعد الناصر وقال له فيما قال إنك أحق بالخلافة من عبد الواحد أنت ولد المنصور وأخو الناصر وعم المنتصر ولك الرأي وحسن السياسة والحزم ولو دعوت الموحدين إلى بيعتك لم يختلف عليك اثنان وكان الناس على كره من ابن جامع وولاة الأندلس يومئذ كلهم بنو المنصور فأصغى إليه عبد الله هذا وكان مترددا في بيعة عمه فبرز إلى مجلس حكمه واستدعى من بمرسية وأعمالها من الموحدين والفقهاء والأشياخ فدعاهم إلى بيعته فبايعوه وتسمى بالعادل وكان إخوته أبو العلاء الأصغر صاحب قرطبة وأبو الحسن صاحب غرناطة وأبو موسى صاحب مالقة فبايعوه سرا وكان أبو محمد بن أبي عبد الله بن أبي حفص بن عبد المؤمن المعروف بالبياسي صاحب جيان وقد عزله المخلوع بعمه أبي الربيع بن أبي حفص فانتقض وبايع للعادل وزحف مع أبي العلاء صاحب قرطبة وهو أخو العادل إلى إشبيلية وبها عبد العزيز أخو المنصور والمخلوع فدخل في دعوتهم وامتنع السيد أبو زيد بن أبي عبد الله أخو البياسي عن بيعة العادل وتمسك بطاعة المخلوع وخرج العادل من مرسية إلى إشبيلية فدخلها مع أبي زيد بن يرجان وبلغ الخبر إلى مراكش فاختلف الموحدون على المخلوع وبادروا بعزل ابن جامع وتغريبه إلى هسكورة لكراهيتهم له وجرت خطوب أفضت إلى خلع عبد الواحد وقتله وفي القرطاس أن عبد الواحد العادل كتب إلى أشياخ الموحدين الذين بحضرة مراكش يدعوهم إلى بيعته وخلع عبد الواحد ووعدهم على ذلك الأموال الجزيلة والمنازل الرفيعة والولايات الجليلة فسارعوا إلى ذلك ودخلوا على عبد الواحد وتهددوه بالقتل إلا أن يخلع نفسه ويبايع للعادل فأجابهم إلى ذلك فخرجوا عنه ووكلوا بالقصر من يحفظه وكان ذلك يوم السبت الحادي والعشرين من شعبان سنة إحدى وعشرين وستمائة فلما كان يوم الأحد بعده دخلوا على عبد الواحد القصر وأحضروا القاضي والفقهاء والأشياخ فأشهد على نفسه بالخلع وبايع للعادل ثم دخلوا عليه بعد مضي ثلاث عشرة ليلة من خلعه فخنقوه حتى مات وانتهبوا قصره واستولوا على أمواله وحريمه فكان عبد الواحد هذا أول من خلع وقتل من بني عبد المؤمن وصار أشياخ الموحدين لخلفائهم كالأتراك لبني العباس فكان فعلهم ذلك سببا لذهاب ملكهم وانقراض دولتهم والله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وكانت وفاة عبد الواحد المخلوع خامس رمضان المعظم سنة إحدى وعشرين وستمائة
الخبر عن دولة أبي محمد عبد الله العادل ابن المنصور رحمه الله
بويع له البيعة الأولى بمرسية من بلاد الأندلس منتصف صفر سنة إحدى وعشرين وستمائة وتلقب بالعادل في أحكام الله ثم خلص له الأمر وبايعه كافة الموحدين وخطب له بحضرة مراكش أواخر شعبان من السنة المذكورة وتوقف عن بيعته السيد أبو زيد بن أبي عبد الله أخو البياسي كما ذكرناه آنفا وكان واليا على بلنسية وشاطبة ودانية ولما رأى السيد أبو محمد البياسي أخاه السيد أبا زيد توقف عن بيعة العادل وضبط بلاده ثار هو ببياسة وما انضاف إليها من قرطبة وجيان وقيجاطة وحصون الثغر الأوسط وتلقب بالظافر وإنما دعي البياسي لقيامه من بياسة فوصلت بيعة الموحدين من مراكش إلى العادل ومعها كتاب أبي زكريا يحيى ابن الشهيد شيخ هنتانة بقصة المخلوع وما كان من أمره فصادف وصولها هيجان هذه الفتنة فشغل العادل بها عن مراكش وبعث أخاه السيد أبا العلاء الأصغر وهو إدريس بن المنصور في جيش كثيف إلى البياسي فحاصره ببياسة ولما اشتد عليه الحصار أظهر الطاعة والانقياد وبايع للعادل حتى إذا أفرج عنه أبو العلاء عاد إلى النكث وبعث إلى الفنش يستنصره على العادل وضمن له أن ينزل له عن بياسة وقيجاطة فكان أول من سن إعطاء الحصون والبلاد للفرنج فوجه إليه الفنش بجيش من عشرين ألفا ولما توافت لديه جموع الفرنج نهض من قرطبة يريد إشبيلية حتى إذا دنا منها خرج إليه السيد أبو العلاء الأصغر وهو الذي دعي بعد بالمأمون فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم السيد أبو العلاء واستولى البياسي والفرنج على محلته بما فيها من أثاث وسلاح ودواب وغير ذلك ولما رأى العادل ما وقع بأخيه وجنده خشي أن يتفاقم داء البياسي ويمتد عباب فتنته إلى مراكش فترك أخاه أبا العلاء قبالته وعبر البحر إلى العدوة ولما احتل بقصر المجاز دخل عليه عبد الله بن عبد الواحد بن أبي حفص المدعو بعبو فقال له العادل كيف حالك فأنشده ( حال متى علم ابن المنصور بها % جاء الزمان إلي منها تائبا ) فاستحسن ذلك منه وولاه إفريقية وهذا البيت لأبي الطيب المتنبي وإنما تمثل به عبو لموافقة اسم منصور فيه لاسم والد العادل فحسن التمثيل به وانتهى العادل في سيره إلى سلا فأقام بها وبعث عن شيوخ جشم عرب تامسنا وكان لابن يرجان عناية واختصاص بهلال بن حميدان أمير الخلط فتثاقل جرمون بن عيسى أمير سفيان عن الوصول إلى العادل ثم بادر العادل إلى مراكش وقاسى في طريقه إليها من العرب شدائد ثم دخلها واستوزر أبا زيد بن عبد الواحد بن أبي حفص وتغير لابن يرجان ففسد باطنه وسعى في إفساد الدولة وغلب أبو زكريا بن الشهيد شيخ هنتاتة ويوسف بن علي شيخ تينملل على أمر العادل ثم خالفت عليه عرب الخلط وهسكورة وعاثوا في نواحي مراكش وخربوا بلاد دكالة فخرج إليهم ابن يرجان فلم يغن شيئا فأنفذ إليهم العادل عسكرا من الموحدين لنظر إبراهيم بن إسماعيل ابن الشيخ أبي حفص فانهزم وقتل واضطربت الأحوال على العادل وخرج ابن الشهيد ويوسف بن علي إلى قبائلهما للحشد ومدافعة هسكورة والعرب فاتفقا أيضا على خلع العادل واضطربت الأمور ولما انتهى إلى أبي العلاء صاحب الأندلس خبر أخيه العادل وما هو فيه بمراكش من الاضطراب دعا لنفسه بإشبيلية فبويع بها وأجابه أكثر أهل الأندلس وتلقب بالمأمون وبايع له السيد أبو زيد صاحب بلنسية وهو أخو البياسي وكان ذلك في أوائل شوال سنة أربع وعشرين وستمائة ولما تمت بيعته كتب إلى الموحدين الذين بمراكش يدعوهم إلى بيعته ويعلمهم باجتماع أهل الأندلس والموحدين الذين بها عليه ووعدهم في ذلك ومناهم فكان منهم بعض توقف ثم أجمع رأيهم على مبايعته وخلع أخيه العادل فدخلوا عليه قصره وسألوه أن يخلع نفسه فامتنع فوثبوا عليه ودسوا رأسه في خصة ماء كانت هناك وقالوا له لا نفارقك أو تشهد على نفسك بالخلع فقال اصنعوا ما بدا لكم والله لا أموت إلا أمير المؤمنين فوضعوا عمامته في عنقه وخنقوه ورأسه في الخصة حتى فاظ وكان خيرا فاضلا رحمه الله وكانت وفاته في الحادي والعشرين من شوال سنة أربع وعشرين وستمائة وكتبوا بيعتهم إلى أبي العلاء المأمون وبعثوا بها إليه مع البريد ثم بدا لهم في بيعة المأمون بعد انفصال البريد عنهم فنكثوها وبايعوا يحيى بن الناصر بن المنصور واضطربت الأحوال بالمغرب والأندلس وطما عباب الفتن وكان ما نذكره
الخبر عن دولة المأمون بن المنصور ومزاحمة يحيى بن الناصر له
كان المأمون وهو أبو العلاء إدريس بن يعقوب المنصور لما بلغه انتقاض الموحدين والعرب بالحضرة على أخيه وتلاشي أمره دعا لنفسه بإشبيلية وبايعه أهل الأندلس والموحدون بالحضرة كما قلنا ثم لما انفصل البريد ببيعته من الحضرة ندم الموحدون على ذلك لما يعلموه من شهامته وصرامته وتخلقه بأخلاق الحجاج بن يوسف وتخوفوا أن يأخذهم بدم عمه عبد المخلوع ثم أخيه عبد الله العادل فاتفق رأيهم على مبايعة يحيى بن الناصر بن المنصور وهو شاب غر كما يقل عذاره وإنما وقع اختيارهم عليه ليكون أطوع لهم فإن سنه يومئذ كانت ستة عشر سنة فبايعوه بجامع المنصور من قصبة مراكش بعد صلاة العصر من يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شوال سنة أربع وعشرين وستمائة وامتنع عرب الخلط وقبائل هسكورة من بيعته وقالوا قد بايعنا المأمون فلا ننكث بيعته وتأخر قدوم المأمون إلى مراكش وبقي بالأندلس لأسباب يأتي شرحها وأقام يحيى بمراكش واستتب أمره بها بعض الشيء وجهز جيشا من الموحدين والجند إلى قتال الخلط وهسكورة وهم يومئذ في طاعة المأمون فانهزم جيش يحيى وقتل منه خلق كثير وعاد مفلولا إلى مراكش ثم اطلع يحيى على مداخلة أبي زيد بن يرجان للعرب وهسكورة في الغارة على مراكش واطلع على ذلك أيضا أبو زكريا يحيى بن الشهيد فقتل أبا زيد بن يرجان وابنه عبد الله ونصب رؤوسهما على باب الكحل وطوف أجسادهما بأسواق المدينة ثم اضطربت الأحوال على يحيى وانتقضت البلاد وغلت الأسعار وعم الخراب والفساد بلاد المغرب واستحوذ بنو مرين على ضواحيه وضايقوا الموحدين في كثير في أمصاره واقتضوا جبايته ونبغت الثوار في الأقطار على ما نذكره
ثورة محمد بن أبي الطواجين الكتامي بجبال غمارة
ولما كانت سنة خمس وعشرين وستمائة ثار بجبال غمارة محمد بن أبي الطواجين الكتامي المتنبي وكان أبوه من قصر كتامة منقبضا عن الناس وكان ينتحل صناعة الكيمياء فكان يلقب بأبي الطواجين لكثرة الظروف التي كان يستعملها في ذلك بزعمه وتلقن ذلك عنه ابنه هذا ثم ارتحل إلى سبتة ونزل على بني سعيد بأحوازها وادعى صناعة الكيمياء فتبعه الغوغاء ثم ادعى النبوة وشرع الشرائع وأظهر أنواعا من الشعبذة فكثر تابعوه ثم اطلعوا على خبثه فنبذوا إليه عهده وزحفت إليه عساكر سبتة ففر عنهم ثم قتله بعض البرابرة غيلة بوادي لاو بين بلاد بني سعيد وبلاد بني زيات وابن أبي الطواجين هذا هو الذي تسبب في قتل الشيخ أبي محمد عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه على ما نذكره بعد إن شاء الله
أخبار الثوار وما آل إليه أمر الموحدين بها
لما ضعف أمر الموحدين بالمغرب وكثرت الفتن في أقطاره ونواحيه وانتزى السادات منهم بنواحي الأندلس كل في عمله واستظهر كل واحد منهم على أمره بالطاغية ونزلوا له عن كثير من الحصون فسدت من أجل ذلك ضمائر أهل الأندلس عليهم وتصدى للثورة على الموحدين محمد بن يوسف بن هود الجذاميين ملوك الطوائف بسرقسطة وكان يؤمل لها وربما امتحنه الموحدين لذلك مرات فخرج في نفر من الأجناد سنة خمس وعشرين وستمائة وجهز إليه والي مرسية يومئذ السيد أبو العباس بن أبي عمران موسى بن يوسف بن عبد المؤمن عسكرا فهزمهم وزحف إلى مرسية فدخلها واعتقل السيد بها وخطب للخليفة المستنصر العباسي صاحب بغداد وفي ذلك يقول ابن الخطيب في رقم الحلل عند ذكره لبني هود هؤلاء ( وكان من أعقابه الأمير % محمد بن يوسف الأخير ) ( وكان باسلا شديد البأس % وبايع المستنصر العباسي ) ثم زحف إليه السيد أبو زيد بن محمد بن أبي حفص بن عبد المؤمن وهو أخو البياسي المتقدم ذكره من شاطبة وكان واليا بها كما مر فهزمه ابن هود ورجع إلى شاطبة واستجاش بالمأمون وهو يومئذ بإشبيلية فخرج في العساكر ولقيه ابن هود فانهزم واتبعه المأمون إلى مرسية فحاصره مدة وامتنعت عليه فأقلع عنه ورجع إلى إشبيلية ثم انتقض على السيد أبي زيد ببلنسية زيان بن أبي الحملات مدافع بن أبي الحجاج يوسف بن سعيد بن مردنيش وخرج عنه إلى أبدة سنة ست وعشرين وستمائة وكان بني مردنيش هؤلاء أهل عصابة وأولي باس وقوه فتوقع أبو زيد اختلال أمره وبعث إليه ولاطفه في الرجوع فأبى فخرج أبو زيد من بلنسية ولحق بطاغية برشلونة ودخل في دين النصرانية والعياذ بالله وبايع أهل شاطبة لابن هود ثم تتابعت بلاد الأندلس على بيعته ودخل في طاعته أهل قرطبة وإشبيلية بعد رحيل المأمون عنه إلى مراكش ولم يبق للموحدين بالأندلس سلطان ثم في سنة تسع وعشرين وستمائة ثار محمد بن يوسف بن نصر المعروف بابن الأحمر بحصن أرجونة من أعمال قرطبة ودعا لأبي زكرياء الحفصي صاحب إفريقية ثم دخل في طاعته أهل قرطبة وتنازع ابن الأحمر وابن هود رئاسة الأندلس وتجاذبا حبل الملك بها وكانت خطوب استولى لطاغية فيها على كثير من حصون الأندلس ثم استقر قدم ابن الأحمر في الملك وأورثه بنيه من بعده والله غالب على أمره
قدوم أبي العلاء المأمون بن المنصور من الأندلس إلى مراكش وما اتفق له في ذلك
قد تقدم لنا أن الموحدين بمراكش خنقوا العادل وبايعوا أخاه المأمون وبعد انفصال البريد بالبيعة ندموا وبايعوا ابن أخيه يحيى بن الناصر فوصلت بيعة الموحدين إلى المأمون وهو يومئذ بإشبيلية فسر بها وأمر بإقرائها على منابر الأندلس ثم أخذ في التجهيز والحركة إلى مراكش دار ملكهم فسار حتى إذا وصل إلى الجزيرة الخضراء اتصل به الخبر أن الموحدين قد نكثوا بيعته وبايعوا ابن أخيه يحيى فوجم لذلك وأطرق مليا ثم أنشد متمثلا بقول حسان رضي الله عنه ( لتسمعن وشيكا في ديارهم % الله أكبر يا ثارات عثمانا ) ثم كتب من حينه إلى ملك قشتالة يستنصره على الموحدين ويسأله أن يبعث له جيشا من الفرنج يجوز بهم إلى العدوة لقتال يحيى ومن معه من الموحدين فشرط عليه صاحب قتشالة أن يعطيه عشرة حصون مما يلي بلاده يختارها هو وأن يبني بمراكش إذا دخلها لجيش النصارى الذين معه كنيسة يظهرون بها دينهم ويضربون فيها نواقيسهم لصلواتهم وأن من اسلم منهم لا يقبل منه إسلامه ويرد إلى إخوانه فيحكمون فيه بأحكامهم إلى غير ذلك فأسعفه المأمون في جميع ما طلبه منه وكان يحيى بن الناصر صاحب مراكش لما رأى اختلاف أحواله بها كما قلنا ومبايعته أكثر أهل المغرب لعمه المأمون خرج فارا بنفسه إلى تيمنلل وكان ذلك في جمادى الآخرة سنة ست وعشرين وستمائة ولما فر يحيى عن الحضرة قدم اشياخ الموحدين الذين بها واليا يضبطها للمأمون ريثما يقدم عليهم وجددوا له البيعة وكتبوا إليه يخبروه بفرار يحيى إلى الجبل ويرغبون إليه في القدوم عليهم وكتب إليه أيضا هلال بن حميدان أمير الخلط واستمر يحيى معتصما بالجبل أربعة اشهر ثم بدا له فعاد إلى مراكش وقتل عامل المأمون الذي قدمه الموحدين بها واستمر بها نحو سبعة أيام ثم خرج إلى جبل جليز وعسكر به وأقام منتظرا لقدوم المأمون ودفاعه عن مراكش ثم بعث صاحب قشتالة إلى المأمون جيشا من اثني عشر ألفا برسم الخدمة معه والمقاتلة دونه على الشروط المتقدمة وكان وصولهم إليه في رمضان سنة ست وعشرين وستمائة ثم عبر بهم من الجزيرة الخضراء إلى سبتة في ذي القعدة من السنة المذكورة وهو أول من أدخل عسكر الفرنج أرض المغرب واستخدمهم بها فأراح بسبتة أياما ثم نهض إلى مراكش حتى إذا دنى منها لقيه يحيى بجيوش الموحدين وذلك عشي يوم السبت الخامس والعشرين من ربيع الأول من السنة الداخلة فانهزم يحيى وفر إلى الجبل وقتل كثير من جيشه ودخل المأمون حضرة مراكش وبايعه الموحدون وصعد المنبر بجامع المنصور وكان علامة أديبا بليغا فخطب الناس ولعن المهدي على المنبر وقال لا تدعوه بالمهدي المعصوم وادعوه بالغوي المذموم ألا لا مهدي إلا عيسى وإنا قد نبذنا أمره النحس ولما انتهى إلى آخر خطبة قال معشر الموحدين لا تظنوا أني أنا إدريس الذي تندرس دولتكم على يده كلا إنه سيأتي بعدي إن شاء الله ثم نزل وأمر بالكتب إلى جميع البلاد بمحو اسم المهدي من السكة والخطبة وتغيير سننه التي ابتدعها للموحدين وجرى عليها سلفهم ونعى عليها النداء للصلاة باللغة البربرية وزيادته في أذان الصبح ولله الحمد وغير ذلك من السنن التي اختص بها المهدي وأمر بتدوير الدراهم التي ضربها المهدي مربعة وقال كل ما فعله المهدي وتابعه عليه أسلافنا فهو بدعة ولا سبيل إلى إبقائه وأبدا في ذلك وأعاد ثم دخل قصره فاحتجب عن الناس ثلاثا ثم خرج في اليوم الرابع فأمر بأشياخ الموحدين وأعيانهم فحضروا بين يديه فقال لهم يا معشر الموحدين إنكم قد أظهرتم علينا العناد وأكثرتم في الأرض الفساد ونقضتم العهود وبذلتم في حربنا المجهود وقتلتم الإخوان والأعمام ولم ترقبوا فيهم إلا ولا ذمام ثم أخرج كتاب بيعتهم الذي بعثوا به إليه واحتج عليهم بنكثهم الذي نكثوا بعده فقامت الحجة عليهم فبهتوا وسقط في أيديهم والتفت إلى قضية المكيدي وكان بإزائه قد قدم معه من إشبيلية فقال له ما ترى ايها القاضي في أمر هؤلاء الناكثين فقال يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول @QB@ فمن نكث فإنما ينكث على نفسه @QE@ فقال المأمون صدق الله العظيم فإنا نحكم فيهم بحكم الله @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون @QE@ ثم أمر بجميع أشياخ الموحدين وأشرافهم فسحبوا إلى مصارعهم وقتلوا من عند آخرهم ولم يبق على كبيرهم ولا صغيرهم حتى أنه أتي بابن أخت له صغير يقال إن سنه كان ثلاث عشرة سنة وكان قد حفظ القرآن فلما قدم للقتل قال له يا أمير المؤمنين اعف عني لثلاث قال ما هن قال صغر سني وقرب رحمي وحفظي لكتاب الله العزيز فيقال إن المأمون نظر إلى القاضي كالمستشير له وقال له كيف ترى قوة جأش هذا الغلام وإقدامه على الكلام في هذا المقام فقال القاضي يا أمير المؤمنين إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا فأمر به فقتل رحمه الله ثم أمر بالرؤوس فعلقت بدائر سور المدينة ذكر ابن أبي زرع أنها كانت تنيف على أربعة آلاف رأس وكان الزمان زمن قيظ فنتنت بها المدينة وتأذى الناس بريحها فرفع إليه ذلك فقال إن ههنا مجانين وأن تلك الرؤوس حروز لهم لا يصلح حالهم إلا بها وإنها لعطرة عند المحبين ونتنة عند المبغظين ثم أنشد ( أهل الحرابة والفساد من الورى % بالقطع والتعليق في الأشجار ) ( ففساده فيه الصلاح لغيره % يعزون في التشبيه للذكار ) ( فرؤوسهم ذكرى إذا ما أبصرت % فوق الجذوع وفي ذرى الأسوار ) ( وكذا القصاص حياة أرباب النهى % والعدل مألوف بكل جوار ) ( لو عم حلم الله سائر خلقه % ما كان أكثرهم من أهل النار ) وهذه الفتكة التي ارتكبها المأمون من الموحدين أنست فتكة الحارث بن ظالم والبراض الكناني والحجاف بن حكيم وهي التي استأصلت جمهورهم وأماتت نخوتهم وإذن المأمون للنصارى القادمين معه في بناء الكنيسة وسط مراكش على شرطهم المتقدم فضربوا بها نواقيسهم وكانت الكنيسة في الموضع المعروف بالسجينة وقبض على قاضي الجماعة بمراكش وهو أبو محمد عبد الحق بن عبد الحق فقيده ودفعه إلى هلال بن حميدان الخلطي فحبسه حتى أفتدي منه بستة آلاف دينار وأقام المأمون بمراكش خمسة أشهر ثم نهض إلى الجبل لقتال يحيى بن الناصر ومن معه من الموحدين وذلك في رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة فالتقى معه على الموضع المعروف بالكاعة فانهزم يحيى وقتل من عسكره ومن أهل الجبل خلق كثير سيق من رؤوسهم إلى مراكش أربعة آلاف رأس وفي هذه السنة استبد الأمير أبو زكريا ابن الشيخ أبي محمد بن حفص الهنتاتي بإفريقية وخلع طاعة الموحدين وفي سنة ثمان وعشرين بعدها نفذت كتب المأمون إلى سائر البلاد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيها خرجت بلاد الأندلس كلها من ملك الموحدين ونفاهم عنها ابن هود لثائر بها وقتلتهم العامة في كل وجه وفي سنة تسع وعشرين بعدها خرج على المأمون أخوه السيد أبو موسى عمران بن المنصور بمدينة سبتة وتسمى بالمؤيد فاتصل الخبر بالمأمون فخرج إليه وبلغه في طريقه أن قبائل بني فازاز ومكلاثه قد حاصروا مكناسة وعاثوا في نواحيها فسار إليهم وحسم مادة فسادهم وعاد إلى سبتة فحاصر بها أخاه السيد أبا موسى مدة فلم يقدر منه على شيء وكانت سبتة من أحصن مدن المغرب ولما طالت غيبة المأمون عن الحضرة اغتنم يحيى بن الناصر الفرصة فنزل من الجبل واقتحمها مع عرب سفيان وشيخهم جرمون بن عيسى ومعهم أبو سعيد بن وانودين شيخ هنتاتة وعاثوا فيها وهدموا كنيسة النصارى التي بنيت بها وقتلوا كثيرا من يهودها وسبوا أموالهم ودخل يحيى القصر فحمل منه جميع ما وجده به إلى الجبل واتصل الخبر بالمأمون وهو على حصار سبتة فارتحل عنها مسرعا إلى مراكش وذلك في ذي الحجة من السنة المذكورة ولما أبعد عن سبتة عبر أبو موسى صاحبها إلى الأندلس فبايعه ابن هود وأعطاه سبتة فعوضه ابن هود عنها بالمرية فكان السيد أبو موسى بها إلى أن مات وانتهى الخبر إلى المأمون وهو في طريقه بأن ابن هود قد ملك سبتة فتوالت عليه الفجائع فمرض أسفا ومات بوادي العبيد وهو قافل من حصار سبتة وكانت وفاته في آخر يوم من سنة تسع وعشرين وستمائة وكانت أيامه أيام شقاء وعناء ومنازعة افترقت دولة الموحدين فيها فرقتين فرقة معه وفرقة مع يحيى بن الناصر وكان محق دولة الموحدين واستئصال أركانها وذهاب نخوتها على يده قالوا ولولا أن الأمور قد استحالت إلى ما ذكر لكان المأمون موافقا لأبيه المنصور في كثير من الخلل ومتبعا سننه في الأحوال وكان المأمون فصيح اللسان فقيها حافظا للحديث ضابطا للرواية عارفا بالقراءات حسن الصوت والتلاوة مقدما في علم اللغة والعربية والأدب وأيام الناس كاتبا بليغا حسن التوقيع لم يزل سائر أيام خلافته يسرد كتب الحديث مثل البخاري والموطأ وسنن أبي داود وكان مع ذلك شهما حازما مقداما على عظائم الأمور ولي الخلافة والبلاد تضطرم نارا والممالك قد توزعتها الثوار فكان المأمون إذا فكر في حال الثوار وما آل إليه حال الدولة معهم وما دهاه من كثرتهم ينشد متمثلا ( تكاثرت الظبا على خداش % فما يدري خداش ما يصيد ) يشير إلى حاله معهم وأنه لم يدري ما يتلافى من ذلك والله تعالى أعلم
الخبر عن دولة أبي محمد عبد الواحد الرشيد ابن المأمون ابن المنصور رحمه الله
لما هلك المأمون بويع ابنه عبد الواحد ولقب بالرشيد قال ابن أبي زرع بويع له بالخلافة بوادي العبيد ثاني يوم من وفاة أبيه وهو الأحد فاتح محرم سنة ثلاثين وستمائة وسنه يومئذ أربع عشرة سنة وكان الذين أخذوا له البيعة كانون بن جرمون السفياني وشعيب بن أوقاليط الهسكوري وفرنسيل قائد جيش الفرنج فإنه لما مات المأمون كتمت جاريته بعد موته واسمها حباب وكانت فرنجية الأصل ومن دهاة النساء وعقلائهن وهي أم الرشيد فاستدعت هؤلاء النفر الثلاثة وكانوا عمدة جيش المأمون يركب كل واحد منهم في أزيد من عشرة آلاف من قومه وأعوانه ولأن أهل الحل والعقد من الموحدين قد أتت عليهم فتكت المأمون فجاؤوا إليه فأعلمتهم بموت الخليفة ورغبت إليهم في بيعة ابنها الرشيد والقيام معه وبذلت لهم على ذلك أموالا جمة ووعدتهم مع ذلك أنهم إذا فتحوا الحضرة وكان يحيى قد استولى عليها كما قلنا تجعلها لهم فيئا فبايعوه وأخذوا البيعة له على سواهم فبايع الناس طوعا وكرها خوفا من سيوفهم ولما تم أمره جعل أباه في تابوت وقدمه أمامه وسار إلى مراكش وسمع يحيى واهل مراكش بما شرطته حباب للقواد الثلاثة من جعل مدينتهم فيئا فخرجوا لقتال الرشيد بأجمعهم واستخلف يحيى على مراكش أبا سعيد بن وانودين والتقى الجمعان فاقتتلوا فانهزم يحيى وقتل أكثر من معه وصبح الرشيد مراكش فتحصن منه أهلها فأمنهم وصالح قائد الفرنج وأصحابه على فيئها بخمسة آلاف دينار ودخل الرشيد مراكش واستقر بها وكان قد وصل في صحبة عمه السيد أبو محمد سعد بن المنصور فحل من تلك الدولة بمكان وكان إليه التدبير والحل والعقد وبعد استقرار الرشيد بمراكش قدم عليه عمر بن أوقاريط الهسكوري صحبة أولاد المأمون الذين كانوا بإشبيلية ونفاهم ابن هود عنها وكان ابن أوقاريط هذا منحرفا عن المأمون ايام حياته فتذمم بصحبة هؤلاء الأولاد وقدم على الرشيد فتقبله واتصل بالسيد أبي محمد وحسنت منزلته لديه ثم لما هلك السيد أبو محمد لحق ابن أوقاريط بقومه ومعتصمه وكشف وجه الخلاف وأخذ بدعوة يحيى بن الناصر واستنفر له قبائل الموحدين ونهض إليهم الرشيد سنة إحدى وثلاثين وستمائة واستخلف على الحضرة صهره أبا العلاء إدريس وصعد إليهم الجبل فأوقع بيحيى وجموعه بمكانهم من هزرجة واستولى على معسكرهم ولحق يحيى ببلاد سجلماسة وانكفأ الرشيد راجعا إلى حضرته واستأمن له كثير من الموحدين الذين كانوا مع يحيى فأمنهم ولحقوا بحضرته وكان كبيرهم أبو عثمان سعيد بن زكريا القدميوي وجاء الباقون على أثره بعد أن شرطوا عليه إعادة ما كان أزاله المأمون من رسوم المهدي وسننه فأعيدت واطمأنوا لإعادة رسوم الدعوة المهدية واستقامت الأحوال في هذه الأيام إلى أن كان ما نذكره
فتنة الخلط مع الرشيد واستيلاؤهم على حضرة مراكش
كان مسعود بن حميدان كبير الخلط قد أغراه عمر بن أوقاريط بالخلاف لصحبة بينهما وكان مدلا ببأسه وكثرة جموعه يقال إن الخلط كانوا يومئذ يناهزون اثني عشرة ألف فارس سوى الرجل والأتباع والحشود فمرض مسعود في الطاعة وتثاقل عن الوفادة إلى الحضرة ولما علم بعقد الموحدين واجتماع كلمتهم على الرشيد غاظه ذلك وأخذ في السعي للفرقة والشتات بينهم فأعمل الرشيد الحيلة في استدعائه وصرف عساكره إلى بعض الجهات حتى خلا لمسعود الجو وذهب عنه الريب واستقدمه الرشيد فأسرع اللحاق بالحضرة وقدم معه معاوية عم عمر بن أوقاريط فقبض على معاوية وقتل لحينه واستدعى الرشيد ابن حميدان إلى المجلس الخلافي للحديث فتقبض عليه وعلى خمسة وعشرين من أصحابه من كبار الخلط وقتلوا ساعتئذ بعد جولة وهيعة وقضى الرشيد حاجة في نفسه منهم ولما بلغ خبر مقتلهم إلى قومهم قدموا عليهم يحيى بن هلال بن حميدان وأجلبوا على سائر النواحي وأعلنوا بدعوة يحيى بن الناصر واستقدموه من مكانه بقاصية الصحراء وداخلهم في ذلك عمر بن أوقاريط وزحفوا لحصار مراكش وخرجت العساكر لقتالهم ومعهم عبد الصمد بن يلولان فدافع ابن أوقاريط بجموعه في تلك العساكر فانهزموا وأحيط بجند النصارى فقتلوا وتفاقم الأمر بالحضرة وعدمت الأقوات واعتزم الرشيد على الخروج إلى جبل الموحدين فخرج إليها وسار منها إلى سجلماسة فملكها واشتد الحصار على مراكش واقتحمها يحيى بن الناصر وأنصاره من الخلط وهسكورة فنهبوها وساء أثرهم فيها واضطربت أحوال الخلافة بها وتغلب على السلطان السيد أبو إبراهيم بن أبي حفص الملقب بأبي حافة وهذه الفتن كانت سنة اثنتين وثلاثين وستمائة
هجوم نصارى جنوة على مدينة سبتة وحصارهم إياها
وفي هذه السنة أعني سنة اثنتين وثلاثين وستمائة نازل الفرنج الجنويون سبتة بأجفان لا تحصى ونصبوا عليها المنجنيقات والآلات المعدة للحصار واستمروا على ذلك إلى أن دخلت سنة ثلاث وثلاثين بعدها فلم يقدروا منها على شيء ولما اشتد الحصار على أهل سبتة صالحوا الفرنج في الإفراج عنهم بأربعمائة ألف دينار فقبلوا وأقلعوا عنهم بعد الحصار الشديد والتضييق العظيم
عود الرشيد إلى مراكش وفرار يحيى عنها إلى بني معقل ومقتله بهم
وفي هذه السنة أعني سنة ثلاث وثلاثين وستمائة خرج الرشيد من سجلماسة يقصد مراكش وخاطب جرمون بن عيسى وقومه من سفيان فأجابوه وعبروا وادي أم الربيع وبرز إليه يحيى في جموعه والتقى الفريقان فانهزمت جموع يحيى واستحر القتل فيهم ودخل الرشيد إلى الحضرة ظافرا وأشار ابن أوقاريط على الخلط بالاستصراخ بابن هود صاحب الأندلس والأخذ بدعوته بدعوته فنكثوا بيعة يحيى وبعثوا وفدهم إلى ابن هود صحبة ابن أوقاريط فاستقر هناك ولم يرجع إليهم قولا فعلم الخلط أنها حيلة من ابن أوقاريط وأنه تخلص من الورطة وخرج الرشيد من مراكش وفر الخلط أمامه وسار إلى فاس وأقام بها أياما وفرق في فقهائها وصلحائها أموالا ورباعا مغلة وسرح الوزير السيد أبا محمد إلى غمارة وفازاز لجباية أموالهما وكان يحيى بن الناصر لما نكث الخلط بيعته لحق بعرب معقل فأجاروه ووعدوه النصرة واشتطوا عليه في المطالب فأسف بعضهم بالمنع فاغتاله في جهة تازا وسيق رأسه إلى الرشيد بفاس فبعثه إلى مراكش وأوعز إلى نائبه بها أبي علي بن عبد العزيز بقتل العرب الذين كانوا في اعتقاله وهم حسن بن زيد شيخ العاصم وقائد ابنا عامر شيخا بنى جابر فقتلهم وانكفأ الرشيد راجعا إلى حضرته سنة أربع وثلاثين وستمائة وكان ابن أوقاريط لما فصل ابن هود صاحب الأندلس أقام عنده إلى هذه السنة فركب البحر في أسطول من أساطيل ابن هود وقصد مدينة سلا وبها يومئذ السيد أبو العلاء صهر الرشيد فنازلها وكاد يغلب عليها ثم رجع عنها بلا طائل وفي سنة خمس وثلاثين بعدها بايع أهل إشبيلية للرشيد ونقضوا طاعة ابن هود وتولى كبر ذلك أبو عمر بن الجد ووصل وفدهم إلى الحضرة ومروا في طريقهم بسبتة فافتدى أهلها بهم في بيعة الرشيد وقدموا على الحضرة وولى عليهم الرشيد أبا علي بن خلاص منهم وانصرف وفد إشبيلية وسبتة راضين واستقدم الرشيد رؤساء الخلط وكانوا راجعوا طاعته بعد مقتل يحيى فقدموا عليه وتقبض عليهم وبعث عساكره فاستباحوا حللهم وأحيائهم ثم أمر بقتل مشيختهم وقتل معهم ابن أوقاريط وكان أهل إشبيلية قد بعثوا به إليه فقطع دابرهم وفي سنة ست وثلاثين وستمائة وصلت بيعة محمد بن يوسف بن نصر المعروف بابن الأحمر الثائر بالأندلس على ابن هود وكان قد بايع أولا أبا زكريا الحفصي صاحب إفريقية ثم بدا له فرد البيعة إلى الرشيد
استيلاء العدو على قرطبة
وفي هذه السنة كان استيلاء العدو دمره الله على مدينة قرطبة قاعدة بلاد الأندلس ودار مملكتها وذلك يوم الأحد الثالث والعشرين من شوال من السنة المذكورة وفي سنة سبع وثلاثين بعدها انتشر بنو مرين ببلاد المغرب واشتدت شوكتهم به وزحف إليهم الرشيد فهزموه ثم زحف ثانية وثالثة فهزموه وأقام في محاربتهم سنتين ورجع عنهم إلى الحضرة فاشتد عدوانهم بالمغرب وألحوا على مكناسة حتى أعطوا الإتاوة لبني حمامة منهم واتصل أغلبهم في نواحيها وفي سنة تسع وثلاثين وستمائة قتل الرشيد كاتبه ابن المومياني لمداخلة له مع بعض السادة وهو عمر بن عبد العزيز بن يوسف ووقف الرشيد على كتب بخطه غلط الرسول بها فدفعها بدار الخلافة فوقعت إلى الرشيد فقتله
وفاة الرشيد رحمه الله
مات الرشيد رحمه الله غريقا في بعض صهاريج بستانه بحضرة مراكش وذلك يوم الخميس تاسع جمادى الآخرة سنة أربعين وستمائة ويقال إنه أخرج من الماء حيا فحم لوقته ومات وذكر أبو عبد الله أكنسوس أن غرق الرشيد كان في البركة الكبرى التي بدار الهناء من أجدال اليوم قال وكان يقال لها البحر الأصغر لأن ملوك بني عبد المؤمن الذين أنشؤوها كانوا يرسلون فيها الزوارق والفلك الصغار بقصد النزهة والفرجة والله تعالى أعلم
الخبر عن دولة أبي الحسن السعيد علي بن المأمون بن المنصور رحمه الله
لما هلك الرشيد بويع أخوه لأبيه أبو الحسن على المدعو السعيد بتعيين أبي محمد بن وانودين وتلقب بالمعتضد بالله واستوزر السيد أبا إسحاق ابن السيد أبي إبراهيم بن يوسف بن عبد المؤمن ويحي بن عطوش وتقبض على جملة من مشيخة الموحدين واستصفى أموالهم واصطنع لنفسه رؤساء العرب من جشم واستظهر بجموعهم على أمره وكان شيخ سفيان كانون بن جرمون كبير مجلسه وكان ضرر بني مرين قد تفاقم بالمغرب وداؤهم قد أعضل فخرج السعيد سنة اثنتين وأربعين وستمائة لتمهيد بلاد المغرب فانتهى إلى سجلماسة وكان صاحبها عبد الله بن زكريا الهزرجي قد انتقض عليه فقتله واستولى عليها ثم رجع حتى نزل المقرمدة من أرض فاس وعقد المهادنة مع بني مرين وقفل إلى مراكش فكانت هدنة على دخن فلم يلبث إلا يسيرا حتى عاود النهوض إليهم سنة ثلاثة وأربعين بعدها واستخلف السيد أبا زيد ابن السيد أبي إبراهيم أخا الوزير المذكور آنفا على مراكش واستعمل أخاهما السيد أبا حفص وهو المرتضى على سلا وسار نحو بني مرين فجمع له أميرهم أبو بكر بن عبد الحق جموع زناتة وصمد نحوه حتى إذا تراءى الجمعان وتهيأ القوم للقاء خالف كانون بن جرمون إلى آزمور فاستولى عليها وغلب الموحدين عليها فرجع السعيد أدراجه في أتباعه ففر كانون عنها فاعترضه السعيد فأوقع به واستلحم كثير من قومه سفيان واستولى على ما كان لهم من مال وماشية ولحق كانون ببني مرين ورجع السعيد إلى الحضرة ثم تقدم الأمير أبو بكر بن عبد الحق المريني إلى مكناسة فضايقها وخطب طاعة أهلها فثارت العامة بمكناسة على واليها من قبل السعيد فقتلوه
وحذر شيوخها وكبراؤها من سطوته فحولوا الدعوة إلى الأمير أبي زكريا الحفصي صاحب إفريقية وكان استبد على بني عبد المؤمن ورام التغلب حتى على كرسيهم بمراكش فبايعه أهل مكناسة بمواطأة الأمير أبي بكر بن عبد الحق فإنه كان يدعو إليه في أول أمره وكذا أخوه السلطان يعقوب بن عبد الحق من بعده ثم استقل بنفسه واستبد بأمره عندما تم له ملك المغرب حسبما نقصه بعد إن شاء الله وفي هذه السنة بعث أهل إشبيلية وأهل سبتة بطاعتهم للأمير أبي زكريا الحفصي أيضا وبعث أبو علي بن خلاص صاحب سبتة إليه بهدية مع ابنه في أسطول أنشأه لذلك فغرق عند إقلاعه من المرسى وقبل هذه المدة بيسير كان الأمير أبو زكريا الحفصي قد تغلب على تلمسان وبايعه صاحبها يغمراسن بن زيان العبد الوادي وهو جد ملك بني زيان أصحاب تلمسان والمغرب الأوسط فعظم قدر أبي زكريا بسبب هذه البيعات التي انثالت عليه من سائر الجهات وحدثته نفسه بالتوثب على كرسي الخلافة بمراكش وغص بنو عبد المؤمن بمكانه وعظم عليهم استبداده ثم طمعه في كرسيهم وقرارة عزهم مع أنه ما كان إلا جدولا من بحرهم وفرعا من دوحتهم والأمر كله لله
نهوض السعيد من مراكش إلى غزو الثوار بالمغربين ومحاصرته يغمراسن بن زيان وما آل إليه الأمر من مقتله رحمه الله
لما بلغ السعيد وهو بمراكش استبداد الأمير أبي زكريا بن أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص الهنتاتي بإفريقية ومبايعة أمراء الجهات له أعمل نظره في الحركة إلى هؤلاء الثوار والنهوض لتدويخ هذه الأقطار وكان السعيد شهما حازما يقظا بعيد الهمة فنظر في أعطاف دولته وفاوض الملأ من الموحدين في تثقيف أطرافها وتقويم أودها وحرك هممهم وأثار حفائظهم وأراهم كيف اقتطع عنهم الأمر شيئا فشيئا فابن أبي حفص اقتطع إفريقية ويغمراسن بن زيان اقتطع المغرب الأوسط ثم أقام فيه الدعوة الحفصية وابن هود اقتطع الأندلس وأقام فيها دعوة بني العباس وابن الأحمر بالجانب الآخر منها مقيم للدعوة الحفصية أيضا وهؤلاء بنو مرين قد تغلبوا على ضواحي المغرب ثم سموا إلى تملك أمصاره وإن سكتنا على هذا فيوشك أن يختل الأمر وتنقرض الدولة فتذامروا وتداعوا إلى النهوض إليهم فحشد السعيد الجنود وجهز العساكر وأزاح عللهم واستنفر عرب المغرب وما يليه واحتشد كافة المصامدة ونهض من مراكش آخر سنة خمس وأربعين وستمائة يريد مكناسة وبني مرين أولا ثم تلمسان ويغمراسن ثانيا ثم إفريقية وابن أبي حفص ثالثا ولما نزل بوادي بهت أخذ في عرض عساكره وتمييزها فخرج الأمير أبو بكر بن عبد الحق من مكناسة ليلا وحده يتجسس الأخبار فأشرف على جموع السعيد فرأى ما لا قبل له به فعاد إلى قومه وأفرج للسعيد عن البلاد وتلاحقت به بنو مرين من أماكنها التي كان الأمير أبو بكر أنزلهم بها واجتمعوا عليه بحصن تازا وطامن بلاد الريف وتقدم السعيد إلى مكناسة فخرج إليه أهلها يطلبون منه العفو وقدموا بين أيديهم الشيخ الصالح أبا علي منصور بن حرزوز وتلقوه بالصبيان من المكاتب على رؤوسهم الألواح وبين أيديهم المصاحف وخرج النساء حاسرات يطلبن العفو فعفا عنهم ثم ارتحل إلى تازا في أتباع بني مرين وانتقل أبو بكر بن عبد الحق إلى بني يزناسن ثم راجع نظره في مسالمة الموحدين والدخول في أمرهم فبعث ببيعته إلى السعيد وهو يومئذ بتازا مع جماعة من وجوه بني مرين فقبلها السعيد وعفا لهم عما سلف فسأله وفدهم أن يستكفي بالأمير أبي بكر في أمر تلمسان وصاحبها يغمراسن بن زيان وقد كتب إليه الأمير أبو بكر أيضا بذلك يقول يا أمير المؤمنين ارجع إلى حضرتك وقوني بالجيش وأنا أكفيك أمر يغمراسن وافتح لك تلمسان فاستشار السعيد وزراءه فقالوا لا تفعل فإن الزناتي أخو الزناتي لا يخذله ولا يسلمه فكتب إليه السعيد بأن يبعث إليه جماعة من قومه يعسكرون معه فأمده الأمير أبو بكر بخمسمائة من قبائل بني مرين وعقد عليهم لابن عمه أبي عياد بن أبي يحيى بن حمامة وخرجوا تحت رايات السعيد ونهض من تازا يريد تلمسان وعند ابن أبي زرع أن السعيد لما فرغ من أمر مكناسة عسكر بظاهر فاس وهنالك أتته بيعة بني مرين قال ثم ارتحل السعيد عن فاس في الرابع عشر من محرم سنة ست وأربعين وستمائة وخسف القمر تلك الليلة خسوفا كليا وأصبح السعيد غاديا يريد تلمسان فلما ركب فرسه انكسرت لؤلؤة المنصوري فتطير ونزل ولم يرتحل إلا في اليوم السادس عشر من الشهر المذكور ولما سمع يغمراسن بإقبال السعيد إليه خرج من تلمسان في عشيرته وقومه من سائر بني عبد الواد وتحملوا بأهليهم وأولادهم إلى قلعة تامزردكت قبلة وجدة فاعتصموا بها ووفد على السعيد الفقيه عبدون وزير يغراسن مؤديا للطاعة وساعيا في مذاهب الخدمة ومتوليا من حاجات الخليفة بتلمسان ما يدعوه إليه ويصرفه في سبيله ومعتذرا تخلف يغمراسن عن الوصول إلى حضرة السعيد فلج السعيد في شأنه ولم يعذره وأبى إلا مباشرة طاعته بنفسه وساعده في ذلك كانون بن جرمون السفياني صاحب الشورى بمجلسه ومن حضر من الملأ وردوا الفقيه عبدون إلى يغمراسن ليستقدمه فتثاقل يغمراسن عن القدوم خشية على نفسه واعتمد السعيد الجبل في عساكره حتى أناخ بها في ساحة القلعة وأخذ بمخنقهم ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع ركب مهجرا في وقت القيلولة على حين غفلة من الناس ليتطوف بالقلعة ويتقرى مكامنها فبصر به فارس من بني عبد الواد يعرف بيوسف الشيطان كان أسفل الجبل بقصد الحراسة واتفق أن يغمراسن بن زيان وابن عمه يعقوب بن جابر كانا قريبين منه فعرفوا السعيد فانفضوا عليه من بعض الشعاب أمثال العقبان وطعنه يوسف الشيطان فكبه عن فرسه وعمد يعقوب بن جابر إلى وزيره يحيى بن عطوش فقتله ثم استحلموا لوقتهم مواليه ناصحا من العلوج وعنبرا من الخصيان وقائد جند النصارى وهو أخو القمط ووليدا يافعا من ولد السعيد ويقال إنما كان ذلك يوم عبى السعيد العساكر وصعد الجبل للقتال وتقدم أمام الناس فاقتطعه بعض الشعاب المتوعرة في طريقه فتواثب عليه هؤلاء الفرسان وكان ما ذكرناه وذلك منسلخ صفر سنة ست وأربعين وستمائة وانتهى الخبر إلى المحلة فارتجت وماجت وأخذ أهلها في الفرار وبادر يغمراسن إلى السعيد فنزل إليه وهو صريع على الأرض فحياه وفداه وأقسم له على البراءة من دمه والسعيد رحمه الله واجم بمصرعه يجود بنفسه إلى أن فاظ وانتهب المعسكر بجملته واستولى بنو عبد الواد على ما كان به من الأخبية الحسنة والفازات الرفيعة واختص يغمراسن بفسطاط السلطان فكان له خالصة دون قومه واستولى على الدخيرة التي كانت فيه منها مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه يزعمون أنه أحد المصاحف التي انتسخت لعهد خلافته وإنه كان في خزائن قرطبة عند ولد عبد الرحمن الداخل ثم صار في ذخائر لمتونة فيما صار إليهم من ذخائر ملوك الطوائف بالأندلس ثم صار إلى خزائن الموحدين من يد لمتونة قال ابن خلدون وهو لهذا العهد في خزائن بني مرين فيما استولوا عليه من ذخيرة آل زيان وذلك عند غلب السلطان أبي الحسن المريني على تلمسان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة كما نذكره اه وقد تقدم لنا الخبر عن هذا المصحف العثماني وفيه مخالفة لبعض ما هنا وسيأتي لنا في دولة السلطان يوسف بن يعقوب بن عبد الحق المريني ما يخالف ذلك كله والله أعلم بحقيقة الأمر ومن الذخائر التي صارت ليغمراسن من فسطاط السعيد العقد المنتظم من خرزات الياقوت الفاخر والدر النفيس المشتمل على مئين متعددة من حصبائه وكان يسمى بالثعبان ثم صار إلى بني مرين أيضا إلى أن تلف في البحر عند غرق الأسطول بالسلطان أبي الحسن بمرسى بجاية مرجعة من تونس حسبما نذكره بعد إلى ذخائر من أمثاله وطرف من أشباهه مما يستخلصه الملوك لأنفسهم ويعتدونه من ذخائرهم ولما سكنت الفتنة وركد عاصف تلك الهيعة نظر يغمراسن في شأن مواراة الخليفة فجهزه ورفعه على أعواده فدفنه بالعباد بمقبرة الشيخ أبي مدين رضي الله عنه ثم نظر في شأن حرمه وأخته تاعزونت الشهيرة الذكر بعد أن جاءها واعتذر إليها مما وقع وأصحبهن جملة من مشيخة بني عبد الواد إلى مأمنهن فألحقوهن بدرعة من تخوم طاعتهم فكان ليغمراسن بذلك حديث جميل في الإبقاء على الحرم ورعي حقوق الملك وأما أهل محلة السعيد فإنهم بعد نهوضهم تداعوا واجتمعوا إلى عبد الله بن السعيد وقفلوا قاصدين مراكش واتصل الخبر بالأمير أبي بكر بن عبد الحق وهو يومئذ ببني يزنسن وقدمت عليه الحصة التي كان وجهها مع السعيد فتحقق الخبر وانتهز الفرصة في الموحدين فاعترض عسكرهم بجهات تازا فقتل عبد الله بن السعيد واستلبهم واستولى على ما بقي من أثاثهم ثم جد السير إلى مكناسة فدخلها وملكها ولحق فل الموحدين بمراكش فبايعوا عمر المرتضى كما نذكره إن شاء الله
الخبر عن دولة أبي حفص عمر المرتضى ابن السيد أبي إبراهيم بن يوسف بن عبد المؤمن رحمه الله
لما توفي أبو الحسن السعيد كان عمر المرتضى واليا من قبله بقصبة رباط الفتح من سلا كما قدمنا فاجتمع الموحدون بجامع المنصور من قصبة مراكش وعقدوا له البيعة وبعثوا بها إليه ونهض هو متوجها إلى مراكش فلقيه وفدهم أثناء طريقه بتامسنا واجتمع عليه أشياخ العرب فبايعوه أيضا واستقام أمره وتلقب بالمرتضى وعقد ليعقوب بن كانون على بني جابر ولعمه يعقوب بن جرمون على عرب سفيان بعد أن كان قومه قدموه عليهم ودخل الحضرة واستوزر أبا محمد بن يونس من قرابته وقبض على حاشية السعيد ثم وصل أخوه السيد أبو إسحاق الذي كان وزيرا للسعيد من قبل ناجيا من وقعة تامزردكت آخذا على طريق سجلماسة فاستوزره أيضا وأسند إليه أمره واستولى أبو بكر بن عبد الحق أمير بني مرين بعد مهلك السعيد على رباط تازا ومكناسة ثم استولى سنة سبع وأربعين وستمائة على فاس وأعمالها فاقتطع عن المرتضى بلاد الغرب كلها ولم يبق له إلا بلاد الحوز من سلا إلى السوس ولأول دولة المرتضى كان استيلاء العدو على إشبيلية إحدى قواعد الأندلس فإن طاغية قشتالة وهو الإصبنيول خذله الله حاصرها سنة خمس وأربعين وستمائة وفي يوم الاثنين الخامس من شعبان من السنة بعدها ملكها صلحا بعد منازلتها حولا كاملا وخمسة أشهر وانتقل كرسي المملكة الإسلامية بالأندلس إلى غرناطة وذلك في دولة بني الأحمر وفي سنة تسع وأربعين وستمائة ملك الأمير أبو بكر المريني سلا ورباط الفتح ووفد على المرتضى بمراكش موسى بن زيان الونكاسي وأخوه علي بن زيان من قبيل بني مرين وأغروه بقتال بني عبد الحق فأسعفهم ولما انتهى إلى أمان إيملولين أشاع يعقوب بن جرمون السفياني قضية الصلح بينهما وأصبح راحلا وقد استولى الجزع على قلوب الجيش فانفضوا ووقعت الهزيمة من غير قتال ووصل المرتضى إلى الحضرة وأغضى ليعقوب عما صدر منه وفي سنة خمسين وستمائة استرجع المرتضى سلا ورباط الفتح من يد بني مرين وفي سنة إحدى وخمسين بعدها فر من حاشية المرتضى علي بن يدر من بني باداسن ولحق ببلاد السوس وتحصن ببعض جبالها ثم حاصر تارودانت قاعدة بلاد السوس فاستولى عليها واستخدم الشبانات وذوي حسان من عرب معقل وأطاعته قبائل جزولة واستفحل أمره واستولى على بسائط السوس فوجه إليه المرتضى عدة جيوش فهزم البعض وقتل البعض ثم جاء أبو دبوس من بعد المرتضى فنهض إليه وحاصره ببعض حصونه قرب تارودانت ولما اشتد عليه الحصار رغب في الإقالة ومعاودة الطاعة فقبل ذلك منه أبو دبوس وأقلع عن حصاره وعاد إلى الحضرة ولما استولى بنو مرين على مراكش سنة ثمان وستين وستمائة استبد على بني يدر هذا عليهم وتملك قطر السوس واستولى على تارودانت وسائر قراه ومعاقله وأرهف حده للعرب وسامهم الهضيمة فزحفوا إليه وقتلوه في السنة المذكورة ثم توارث قطر السوس من بعده جماعة من عشيرته واستمر ملكهم عليه إلى زمان السلطان أبي الحسن المريني فغلبهم عليه وانقرض أمرهم
رجع إلى أخبار عمر المرتضى
وفي سنة اثنتين وخمسين وستمائة خرج أبو الحسن بن يعلو قائد المرتضى في جيش من الموحدين إلى تامسنا ليكشف أحوال العرب ومعه يعقوب بن شيخ بني جابر قبض عليه وعلى وزيره ابن مسلم وطير بهما إلى الحضرة معتقلين وفي سنة ثلاث وخمسين بعدها خرج المرتضى من مراكش لاسترجاع فاس وأعمالها من يد بني مرين المتغلبين عليها واحتفل في الاحتشاد وبالغ في الاستعداد فكان جيشه ثمانين ألف فارس من الموحدين والعرب والأغزاز وأهل الأندلس والفرنج فسار حتى نزل جبل بني بهلول قبلة فاس وكانت هيبة بني مرين وناموسهم قد تمكن من قلوب جيش المرتضى فكانوا منذ قربوا من أحواز فاس لا ينامون إلا غرارا فانطلق ذات ليلة فرس لبعض الجنديين وجرى بين الأخبية وجرى الناس خلفه ليأخذوه فظن أهل المحلة أن بني مرين قد أغاروا عليهم فركبوا خيولهم وماج بعضهم في بعض وانقلبوا منهزمين لا يلوون على شيء واتصل الخبر بأبي بكر بن عبد الحق وهو بفاس فخرج للوقت واحتوى على جميع ما في محلة الموحدين من الأخبية والأثاث والسلاح والمال ومر المرتضى على وجهه فدخل مراكش في جمع قليل من الأشياخ والإفرنج وأقام بها وأعرض عن بني مرين وتسلى عنهم سائر أيامه وازدادت شوكة الموحدين ضعفا واستبد أبو القاسم العزفي بسبتة واستتب أمره بها وتوارث الرياسة بها عشيرته من بعده زمانا إلى أن غلبهم عليها بنو مرين وفي سنة خمس وخمسين وستمائة استولى أبو بكر بن عبد الحق على سجلماسة وتقبض على واليها عبد الحق بن أصكوا بمداخلة خديم له يعرف بمحمد القطراني وشرط على الأمير أبي بكر أن يكون هو الوالي عليها فأمضى له شرطه وأنزل معه بها جماعة من رجالات بني مرين حتى إذا هلك أبو بكر بن عبد الحق أخرجهم محمد القطراني واستبد بأمر سجلماسة وراجع دعوة المرتضى واعتذر إليه واشترط عليه الاستبداد فأمضى له شرطه إلا في أحكام الشريعة وبعث أبا عمر بن حجاج قاضيا من الحضرة وبعض السادة للنظر في القضية وقائدا من النصارى بعسكر للحماية فأعمل القاضي ابن حجاج الحيلة في قتل القطراني وتولى الفتك به قائد النصارى واستبد السيد بأمر سجلماسة بدعوة المرتضى واستفحل أمر بني مرين أثناء ذلك ونزل الأمير يعقوب بن عبد الحق بسائط تامسنا فسرح إليهم المرتضى عساكر الموحدين لنظر يحيى بن عبد الله بن وانودين فأجفلوا إلى وادي أم الربيع واتبعهم الموحدون وألحوا عليهم فعطف عليهم بنو مرين واقتتلوا ببطن الوادي فانهزمت عساكر الموحدين وغدر بهم بنو جابر وكان في مسيل الوادي كدى يحسر عنها الماء فتبدو كأنها أرجل فسميت الواقعة من أجل ذلك بأم الرجلين وذلك في سنة ستين وستمائة وبقي المرتضى يعالج أمر علي بن بدر الثائر بالسوس إلى سنة اثنتين وستين وستمائة فأقبل الأمير يعقوب بن عبد الحق في جموع بني مرين حتى نزل على مراكش واتصل الحرب بينه وبين الموحدين بظاهرها أياما هلك فيها عبد الله بن يعقوب بن عبد الحق فبعث المرتضى إلى أبيه يعقوب بالتعزية ولاطفه وضرب إتاوة يبعث بها إليه في كل سنة فرضي يعقوب وارتحل عنها وقيل إن مقتل عبد الله بن يعقوب كان سنة ستين قبل وقعة أم الرجلين والله تعالى أعلم
انتقاض أبي دبوس على المرتضى واستيلاؤه على مراكش ومقتل المرتضى عقب ذلك
لما ارتحل بني مرين عن مراكش بعد مهلك عبد الله بن يعقوب فر من الحضرة قائد حروب المرتضى وابن عمه وهو السيد أبو العلاء إدريس الملقب بأبي دبوس ابن السيد أبي عبد الله محمد ابن السيد أبي حفص عمر بن عبد المؤمن لسعاية تمكنت فيه عند المرتضى وأنه يطلب الأمر لنفسه فاحس أبو دبوس بالشر ولحق بيعقوب بن عبد الحق فأدركه عند مقدمه إلى فاس قافلا من منازله مراكش فأقبل عليه الأمير يعقوب وبالغ في إكرامه فطلب منه أبو دبوس الإعانة على حرب المرتضى وكان بطلا محربا وضمن له فتح مراكش واشترط له المقاسمة فيما يغلب عليه من السلطان وما يستفيده من الذخيرة والمال فأمده الأمير يعقوب بخمسة آلاف من بني مرين وبالكفاية من المال وبالمستجاد من آلة الحرب من طبول وبنود ونحو ذلك وكتب له مع ذلك إلى عرب جشم وأميرهم يومئذ علي بن أبي الخلطي أن يكونوا معه يدا واحدة فسار أبو دبوس حتى وصل إلى سلا فكتب منها إلى العرب وأشياخ الموحدين والمصامدة الذين في طاعة المرتضى يدعوهم إلى بيعته ويعدهم ويمنيهم فتلقته وفود العرب والهساكرة وصنهاجة آزمور ببعض الطريق فبايعوه وساروا معه حتى نزل بلاد هسكورة ثم كتب إلى خاصته من وزراء المرتضى أن يعلموه بحال البلد والدولة فراجعوه أن أسرع السير وأقبل ولا تخشن شيئا فإنا قد فرقنا الجند في أطراف البلاد وهذا وقت انتهاز الفرصة فزحف أبو دبوس إلى مراكش حتى إذا انتهى إلى أغمات وجد بها الوزير أبا زيد بن يكيت في جيش من حاميتها فناجزه الحرب فانهزم ابن يكيت وقتل عامة أصحابه وسار أبو دبوس يؤم مراكش ومعه سفيان وبنى جابر وكبيرهم يومئذ علوش بن كانون السفياني فلما دنوا من مراكش أغار علوش على باب الشريعة منها والناس في صلاة الجمعة حتى ركز رمحه بمصراع الباب ودخلت سنة خمس وستين وستمائة والمرتضى بمراكش غافل عن شأن أبي دبوس والأسوار خالية من الحامية والحراص فقصد أبو دبوس باب أغمات وتسور البلد من هنالك ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها وصمد إلى القصبة فاقتحمها من باب الطبول واستولى عليها وقال ابن أبي زرع إن دخول أبي دبوس مراكش كان من باب الصالحة وذلك ضحى يوم السبت الثاني والعشرين من المحرم سنة خمس وستين وستمائة والصالحة التي اضيف إليها هذا الباب هي بستان كبير من جملة بساتين أجدال دار الخلافة بمراكش ولا زال هذا البستان مشهور بهذا الإسم إلى الآن وهو من إنشاء عبد المؤمن بن علي رحمه الله فقد ذ كر الشيخ أبو عبد الله بن محمد عذارى الأندلسي في كتاب البيان المعرب عن أخبار المغرب أن بستان المسرة الذي بظاهر جنان الصالحة أنشأه عبد المؤمن بن علي كبير الموحدين قال وهو بستان طوله ثلاثة أميال وعرضه قريب منها فيه كل فاكهة تشتهى وجلب إليه الماء من أغمات واستنبط له عيونا كثيرة قال ابن اليسع وما خرجت أنا من مراكش في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة إلا وهذا البستان الذي غرسه عبد المؤمن يبلغ مبيع زيتونه وفواكهه ثلاثين ألف دينار مؤمنية على رخص الفاكهة بمراكش اه قلت ولشهرة هذا البستان وموقعه من الناس لهجت به صبيانهم وسجعوا به فيقولون يا جردة مالحة أين بت سارحة في جنان الصالحة في أسجاع غير هذه تجري على ألسنة الصبيان والله أعلم
رجع إلى خبر أبي دبوس
قال ابن أبي زرع لما اقتحم أبو دبوس مراكش سار حتى وقف بباب البنود من القصبة فغلقت الأبواب دونه وقام عبيد المخزن عليها يقاتلونه ولما رأى المرتضى أن أبا دبوس قد التحف معه كساء دار الملك خرج من القصر ناجيا بنفسه من باب الفاتحة ومعه الوزير أبو زيد بن يعلو الكومي وأبو موسى بن عزوز الهنتاتي ثم انتقل منها إلى كدميوة ثم إلى شفشاوة ثم لحق آخرا بآزمور ونزل على صهر له من بني عطوش كان واليا عليها من قبله وكان ابن عطوش هذا قد أسره العدو فافتكه المرتضى بمال جسيم وزوجه ابنته وولاه آزمور فلما وقعت عليه الكائنة بمراكش ذهب إليه مستجيرا به ومطمئنا إليه فكان من جزائه له أن قبض عليه وقيده وكتب إليه أبي دبوس يعلمه بشأنه فكتب أبو دبوس إليه يستكشفه في شأن الذخيرة فأنكر المرتضى أن يكون قد أذخر شيئا وحلف على ذلك ومت إليه بالرحم حتى كاد أبو دبوس يعطف عليه ثم أغراه خاصته به فوجه إليه من قتله في الطريق وأتى إليه برأسه وسار ابن عطوش بفعلته هذه أظلم من الخيفقان وكان مقتل المرتضى في العشر الآواخر من شهر ربيع الأخر سنة خمس وستين وستمائة وكان رحمه الله ينتمي إلى التصوف والزهد والورع وتسمى بثالث العمرين وكان مولعا بالسماع لا يكاد يخلو منه ليلا ولا نهارا وكان في أيامه رخاء مفرط لم ير أهل مراكش مثله وقال ابن الخطيب كان المرتضى فاضلا خيرا عفيفا مغمد السيف مائلا إلى الهدنة رحمه الله
الخبر عن دولة أبي العلاء إدريس الواثق بالله المعروف بأبي دبوس
لما تقدم أبو دبوس حضرة الخلافة على المرتضى وفر المرتضى عنها ملكها أبو دبوس واستتب أمره بها وبايعه كافة الموحدين وأهل العقد والحل من الوزراء والفقهاء والأشياخ وكان ذلك بجامع المنصور يوم الأحد الثالث والعشرين من المحرم سنة خمس وستين وستمائة واستقل أبو دبوس بمملكة مراكش وأعمالها وتلقب بالواثق بالله والمعتمد على الله وبذل العطاء ونظر في الولايات ورفع المكوس عن الرعية ولما اتصل بالأمير يعقوب بن عبد الحق ما كان من أبي دبوس واستيلائه على المملكة كتب إليه يهنئه بالفتح ويطلب منه أن يمكنه من الشرط الذي شرط له فلما وصل إليه الكتاب أدركته النخوة وغلب عليه الكبر وقال للرسول قل ليعقوب بن عبد الحق يغتنم سلامته ويبعث إلي ببيعته حتى أقره على ما بيده وإلا غزوته بجنود لا قبل له بها فعاد الرسول إلى الأمير يعقوب وأبلغه الخبر ودفع إليه كتاب أبي دبوس فإذا هو يخاطبه مخاطبة الخلفاء لعمالهم والرؤساء لخدمهم فتحقق الأمير نكثه وغدره فنهض إليه في جموع بني مرين وعساكر المغرب فلما اشرف على مراكش خام أبو دبوس عن اللقاء وتحصن بداره ولجأ إلى أسواره فتقدم الأمير يعقوب حتى نزل على مراكش وحاصرها أياما وعادت في نواحيها وانتسف ما حولها ولما رأى أبو دبوس ما نزل به منه كتب إلى قريعه يغمراسن بن زيان صاحب تلمسان يطلب منه أن يشغل عنه الأمير يعقوب بما وراءه من أعمال فاس والمغرب وأسنى له الهدية في ذلك وأكد العهد في الموالاة والمناصرة فأجابه يغمراسن إلى ذلك نهض من حينه فشن الغارات على ثغور المغرب واضرم نار الفتنة بها واتصل ذلك بالأمير يعقوب وهو محاصر لمراكش فرجع عوده على بدنه وسار إلى يغمراسن فناجزه الحرب وانتصف منه على ما ينبغي وحسم مادة فساده ثم كر راجعا إلى مراكش في شعبان سنة ست وستين وستمائة ولما عبر وادي أم الربيع شن الغارات على النواحي وبث السرايا في الجهات وطال عيثه في البلاد وأبدأ في ذلك وأعاد حتى ضاقت صدور بني عبد المؤمن بمراكش وتكدر عيشهم فحرضهم أولياؤهم من عرب جشم وأغروهم باستنهاض أبي دبوس لمدافعة عدوه ووعدوهم النصر من أنفسهم فتحرك أبو دبوس لذلك واشرأبت نفسه إلى القتال فحشد وأبلغ وبرز من الحضرة في جيوش ضخمة وجموع وافرة ولما علم الأمير يعقوب بخروجه ودنوه منه أظهر من نفسه العجز عن لقائه وكر راجعا إلى جهة بلاده يستجره بذلك ليبعد عن الحضرة ومددها وتمادى أبو دبوس في اتباعه حتى انتهى إلى وادي ودغفو فكر عليه الأمير يعقوب والتحم القتال وقامت الحرب على ساق فلم تمض إلا ساعة حتى انهزم الموحدين وأطلق أبو دبوس عنانه للفرار يريد مراكش فأدركته خيل بني مرين وتناولته رماحهم وخر صريعا لليدين وللفم واحتز رأسه وجيء به إلى الأمير يعقوب فسجد شكرا لله تعالى ثم بعث به إلى فاس وتقدم هو إلى مراكش فاستولى عليها في أوائل محرم سنة ثمان وستين وستمائة وفر الموحدون الذين كانوا بمراكش إلى جبل تينملل فبايعوا إسحاق بن أبي إبراهيم أخا المرتضى فبقي ذبالة هنالك إلى سنة أربع وسبعين وستمائة فقبض عليه وجيء به إلى السلطان يعقوب بن عبد الحق هو وابن عمه السيد أبو سعيد بن أبي الربيع ووزيره القبائلي وأولاده فقتلوا جميعا وانقرضت دولة بني عبد المؤمن من الأرض وذهبت محاسن مراكش يومئذ بذهاب دولتهم والبقاء لله وحده لا رب غيره ولا معبود سواه ولنذكر ما كان في هذه المدة من الأحداث ففي سنة إحدى وستمائة توفي الشيخ أبو العباس أحمد بن جعفر الخزرجي المعروف بالسبتي دفين مراكش وذلك يوم الاثنين الثالث من جمادى الآخرة من السنة المذكورة ودفن خارج باب تاغزوت وكان شيخه أبو عبد الله الفخار من أصحاب القاضي أبي الفضل عياض وكان الشيخ أبو العباس رضي الله عنه جميل الصورة أبيض اللون حسن الثياب فصيح اللسان قادرا على الكلام لا يناظره أحد إلا أفحمه حتى كأن مواقع الحجج من الكتاب والسنة موضوعة على طرف لسانه وكان مع ذلك حليما صبورا عطوفا يحسن إلى من يؤذيه ويحلم عمن يسفه عليه برا باليتامى والمساكين رحيما بهم يجلس حيث أمكنه الجلوس من الأسواق والطرقات ويحض الناس على الصدقة ويأتي بما جاء في فضلها من الآيات والآثار فتنثال عليه من كل جانب فيفرقها على المساكين وينصرف وكان له مع الله تعالى في التوكل عليه عقد أكيد ومقام حميد قد ظهر أثره على روضته المباركة بعد وفاته حدث أبو القاسم عبد الرحمن بن إبراهيم الخزرجي قال بعثني أبو الوليد بن رشد من قرطبة وقال لي إذا رأيت أبا العباس السبتي بمراكش فانظر مذهبه واعلمني به قال فجلست مع السبتي كثيرا إلى أن حصلت على مذهبه فأعلمته بذلك فقال لي أبو الوليد هذا رجل مذهبه أن الوجود ينفعل بالجود وقال الوزير ابن الخطيب كان سيدي أبو العباس السبتي رضي الله عنه مقصودا في حياته مستغاثا به في الأزمات وحاله من أعظم الآيات الخارقة للعادة ومبنى أمره على انفعال العالم عن الجود وكونه حكمة في تأثر الوجود له في ذلك أخبار ذائعة وأمثال باهرة ولما توفي ظهر هذا الأثر على تربته وانسحبت على مكانه عادة حياته ووقع الإجماع على تسليم هذه الدعوى وتخطى الناس مباشرة قبره بالصدقة إلى بعثها له من أماكنهم على بعد المدى وانقطاع الأماكن القصى تحملهم أجنحة نياتهم فتهوي إليه بمقاصدهم من كل فج عميق فيجدون الثمرة المعروفة والكرامة المشهورة وفي سنة عشر وستمائة كان الوباء العظيم بالمغرب والأندلس وفي سنة ست عشرة وستمائة توفي الشيخ الفقيه الصالح أبو إسحاق إبراهيم بن محمد السلمي البلفيقي ينتهي نسبه إلى العباس بن مرداس السلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبو إسحاق رحمه الله من كبار العلماء العاملين والزهد المحققين مثابرا على الاجتهاد والانقطاع إلى الله تعالى وظهرت عليه ببلده المرية من عدوة الأندلس كرامات واجتمع عليه خلق كثير وشاع ذكره هنالك فوشوا به إلى الخليفة صاحب مراكش وهو يوسف المنتصر الموحدي فكتب إلى عامله على المرية يأمره بتوجيهه الشيخ أبي إسحاق مكرما غير مروع ولما عزم العامل على توجيهه قام العامة والأتباع دون الشيخ وأرادوا أن يحولوا بينه وبين العامل فقال لهم الشيخ طاعة السلطان واجبة ولما انتهى إلى مراكش ودخل على المنتصر هابه وجله وندم على ما كان منه إليه ثم بالغ في إكرامه وبعد ذلك مرض الشيخ أبو إسحاق وتوفي في السنة المذكورة واحتفل الناس لجنازته وحضرها الأمراء والكبراء وكسر العامة نعشه واقتسموا أعواده تبركا به وقبره مشهور بمراكش بسوق الدقيق منها وبقرب ضريحه مسجد جامع ينسب إليه والعامة تقول جامع سيدي إسحاق بدون لفظ الكنية وليس كذلك وفي سنة سبع عشرة وستمائة كان الجراد والقحط والغلاء الشديد بالمغرب وفيها ألف الفقيه أبو يعقوب يوسف بن يحيى التادلي المراكشي الدار عرف بابن الزيات كتابه المسمى بالتشوف إلى رجال التصوف وذكر فيه أنه لم يتعرض لذكر أحد من أولياء زمانه الأحياء غير أنه ذكر أن من جملة أولياء زمانه الذين كانوا قيد الحياة الشيخ الصالح الصوفي أبا محمد صالح بن ينضارن بن عفيان الدكالي ثم الماجري نزيل ربط آسفي قال وهو الآن يفتر من الجهاد والمحافظة على المواصلة والأوراد ومن كلامه الفقير ليس له نهاية إلا الموت قال وحدثني عنه تلامذته بعجائب من الكرامات والكلام على الخواطر وهو على سنن المشايخ الأول رضي الله عنه وفي سنة اثنتين وعشرين وستمائة توفي الشيخ أبو محمد عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه وقيل فيما بعد إلى سنة خمس وعشرين وتوفي رضي الله عنه شهيدا بجبل العلم من جبال غمارة وقبره هناك مشهور من أعظم مزارات المغرب وكان سبب شهادته أن محمدا بن أبي الطواجين الكتامي كان قد ثار بتلك البلاد وانتحل صناعة الكيمياء ثم ادعى النبوة حسبما سلف وتبعه على ضلالته طغاة غمارة والبربر فكان عدو الله يغص بمكان الشيخ رضي الله عنه لما آتاه الله من شرف التقوى والاستقامة المؤيد بشرف النسب الصميم والعنصر الكريم فسول له الشيطان أنه لا يتم أمر مخرقته في تلك الناحية إلا بقتل الشيخ فدس له جماعة من أتباعه وأشياعه فرصدوا الشيخ حتى نزل من خلوته في سحر من الأسحار إلى عين هنالك قرب الجبل المذكور فتوضأ منها وولى راجعا إلى محل عبادته وارتقاب فجره فعدوا عليه وقتلوه ومن الشائع أنه ألقي عليهم ضباب كثيف أضلهم عن الطريق ودفعوا إلى شواهق تردوا منها في مهاوي سحيقة تمزقت فيها أشلاؤهم ولم يرجع منهم خبر والشيخ عبد السلام هذا هو ابن مشيش بن أبي بكر بن علي بن حرمة بن عيسى بن سلام بتشديد اللام بن مزوار بفتح الميم وبالراء المهملة أخيرا ابن حيدرة واسمه علي بن محمد بن إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى ابن الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وفي هذه السنة أيضا استأسد العدو الكافر على المسلمين بالأندلس وتوالت له عليهم الهزائم بمواضع متعددة واستولى على كثير من الحصون واستلحم منهم عدة ألوف حتى خلت المساجد والأسواق وفي سنة أربع وعشرين وستمائة اشتد الغلاء بالمغرب والأندلس حتى بيع القفيز من القمح بخمسة عشرة دينارا وعم الجراد بلاد المغرب وفي سنة ست وعشرين وستمائة كان السيل العظيم بفاس هدم من سورها القبلي نحو مسافتين وهدم من جامع الأندلس ثلاثة بلاطات وهدم دورا كثيرة وفنادق متعددة من عدوة الأندلس وفي سنة ثلاثين وستمائة كان الغلاء ببلاد المغرب وكثر بها الجوع والوباء حتى بلغ القفيز من القمح ثمانين دينارا وخلت الأمصار من أهلها وفي سنة خمس وثلاثين وستمائة عاود الغلاء والوباء أرض المغرب فأكل الناس بعضهم بعضا وكان يدفن في الحفير الواحد المائة من الناس وفي سنة ست وأربعين وستمائة وقع الحريق بأسواق فاس فاحترقت حارة باب السلسلة بأسرها إلى حمام الرحبة وبالله تعالى العصمة والتوفيق | 3 | بسم الله الرحمن الرحيم
الدولة المرينية
الخبر عن دولة بني مرين ملوك فاس والمغرب وذكر أوليتهم وأصلهم
اعلم أن العلامة الرئيس أبا زيد عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله قسم جبل زناتة إلى طبقتين الطبقة الأولى هي التي كان منها مغراوة ملوك فاس وبنو يفرن ملوك سلا وقد تقدم الكلام على دولتهم مستوفى والطبقة الثانية هي التي كان منهم بنو عبد الواد ملوك تلمسان والمغرب الأوسط وبنو مرين ملوك فاس والمغرب الأقصى وهؤلاء هم الذين تعلق الغرض الآن بذكرهم فاعلم أن جبل زناتة في المغرب كما قال الرئيس المذكور جبل قديم معروف العين والأثر وهم لهذا العهد آخذون من شعار العرب في سكنى الخيام واتخاذ الإبل وركوب الخيل والتقلب في الأرض وإيلاف الرحلتين وتخطف الناس من العمران والإباية من الانقياد إلى النصفة وشعارهم من بين البربر اللغة التي يتراطنون بها وهي مشتهرة بنوعها عن سائر رطانة البربر ومواطنهم في سائر مواطن البربر بإفريقية والمغرب فمنهم ببلاد النخيل ما بين غدامس والسوس الأقصى حتى أن عامة تلك القرى الجريدية بالصحراء منهم قوم بالتلول بجبال طرابلس وضواحي إفريقية وبجبل أوراس بقايا منهم سكنوا مع العرب الهلاليين لهذا العهد وأذعنوا لحكمهم والأكثر منهم بالمغرب الأوسط حتى أنه ينسب إليهم ويعرف بهم فيقال وطن زناته ومنهم بالمغرب الأقصى أمم أخر وكان بنو مرين منهم قبل استيلائهم على ملك المغرب أحياء ظواعن بمجالات الفقر من فيجج إلى سجلماسة إلى ملوية وربما يخطون في ظعنهم إلى بلاد الزاب ويذكر نسابتهم أن الرياسة كانت فيهم في تلك العصور لمحمد بن ورزيز بن فكوس بن كرماط بن مرين ومرين يتصل نسبه بزانا بن يحيى أبي الجيل وكان لمحمد المذكور سبعة من الولد اثنان منهم شقيقان وهم حمامة وعسكر وخمسة أبناء علات وكان يقال لهم بلسان زناتة تيربعين ومعناه الجماعة ويزعمون أن محمد بن ورزيز لما هلك قام بأمره من قومه ابنه حمامة بن محمد وكان الأكبر من ولده ثم من بعده شقيقه عسكر بن محمد ثم من بعده ابنه المخضب بن عسكر وهلك سنة أربعين وخمسمائة في بعض الحروب التي كانت بين عبد المؤمن والمرابطين ثم قام بأمر بني مرين بعد المخضب ابن عمه أبو بكر بن حماقة بن محمد إلى أن هلك فقام بأمرهم ابنه أبو خالد محيو بن أبي بكر ولم يزل مطاعا فيهم إلى أن استنفرهم يعقوب المنصور إلى غزوة الأرك بالأندلس فشهدوها وأبلوا فيها البلاء الحسن وأصابت محيو بن أبي بكر يومئذ جراحات هلك منها بصحراء الزاب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة وكان من رياسة عبد الحق ابنه من بعده وبقائها في عقبة ما نذكره إن شاء الله
الخبر عن دخول بني مرين أرض المغرب الأقصى واستيلائهم عليه والسبب في ذلك
كان السبب في دخول بني مرين لهذا القطر المغربي أنه لما كانت وقعة العقاب بالأندلس سنة تسع وستمائة وهزم الناصر وهلك الجمهور من حامية المغرب ورعاياه حتى خلت البلاد من أهلها ثم حدث عقب ذلك الوباء العظيم الذي تحيف الناس إلا قليلا وهلك الناصر سنة عشر بعدها فبايع الموحدون ابنه يوسف المنتصر وهو يومئذ صبي حدث لا يحسن التدبير وشغلته مع ذلك أحوال الصبا ولذات الملك عن القيام بأمر الرعية فتضافرت هذه الأسباب على الدولة الموحدية فأضعفتها لحينها وأمرضتها المرض الذي كان سببا لحينها وكان بنو مرين يومئذ موطنين ببلاد القبلة من زاب إفريقية إلى سجلماسة يتنقلون في تلك القفار والصحارى لا يدخلون تحت حكم سلطان ولا تنالهم الدولة بهضيمة ولا يؤدون إليها ضريبة كثيرة ولا قليلة ولا يعرفون تجارة ولا حرثا إنما شغلهم الصيد وطراد الخيل والغارات على أطراف البلاد وكانت طائفة منهم ينتجعون تخوم المغرب وتلوله زمان الربيع والصيف فيكتالون من أطراف البلاد ما يحتاجون إليه من الميرة ويرعون فيها تلك المدة أنعامهم وشاءهم حتى إذا أقبل فصل الشتاء اجتمع نجعهم بأكرسيف ثم شدوا الرحلة إلى بلادهم فكان ذلك دأبهم على مر السنين فلما كانت سنة عشر وستمائة أقبل نجعهم على عادته للارتفاق والمبرة حتى إذا أطلوا على المغرب من ثناياه ألفوه قد تبدلت أحواله وبادت خيله ورجاله وفنيت حماته وأبطاله وعريت من أهله أوطانه وخف منها سكانه وقطانه ووجدوا البلاد مع ذلك طيبة المنبت خصيبة المرعى غزيرة الماء واسعة الأكناف فسيحة المزارع متوفرة العشب لقلة راعيها مخضرة التلول والربى لعدم غاشيها فأقاموا بمكانهم وبعثوا إلى إخوانهم فأخبروهم بحال البلاد وما هي عليه من الخصب والأمن وعدم المحامي والمدافع فاغتنموا الفرصة وأقبلوا مسرعين بنجعهم وحللهم وانتشروا في نواحي المغرب وأوجفوا عليها بخيلهم وركابهم واكتسحوا بالغارات والنهب بسيطها ولجأت الرعايا إلى حصونها ومعاقلها وتم لهم ما أرادوا من الاستيلاء على بسيط المغرب وسهله وانتجاع مواقع طله ووبله
الخبر عن رياسة الأمير أبي محمد عبد الحق بن محيو المريني رحمه الله
لما دخل بنو مرين المغرب كان الأمير عليهم يومئذ عبد الحق بن محبو بن أبي بكر بن حمامة بن محمد المريني فكثر عيثهم وضررهم بالمغرب وأعضل داؤهم وتضاعف على الرعية بلاؤهم فرفعت الشكايات بهم إلى الخليفة بمراكش وهو يومئذ يوسف المنتصر بن الناصر بن المنصور فجهز لهم جيشا كثيفا من عشرين ألفا وعقد عليه لأبي علي بن وانودين وكتب له إلى صاحب فاس السيد أبي إبراهيم بن يوسف بن عبد المؤمن يأمره بالخروج معه لغزو بني مرين والإثخان فيهم وعدم الإبقاء عليهم مهما قدر على ذلك واتصل الخبر ببني مرين وهم في جهات الريف وبلاد بطوية فتركوا أثقالهم وعيالهم بحصن تازوطا من أرض الريف وصمدوا إلى الموحدين فالتقى الجمعان بوادي نكور فكان الظهور لبني مرين على الموحدين فهزموهم وقتلوهم وامتلأت الأيدي من أسلابهم وأمتعتهم ورجع الموحدون إلى فاس يخصفون عليهم من ورق النبات المعروف عند أهل المغرب بالمشعلة لكثرة الخصب يومئذ واعتمار الفدن بالزرع وأصناف الباقلي فسميت تلك السنة يومئذ بعام المشعلة وهي سنة ثلاث عشرة وستمائة ثم زحف الأمير عبد الحق في ذي الحجة من السنة المذكورة بجموع بني مرين إلى رباط تازة حتى وقف بإزاء زيتونها فخرج عاملها لحربه في جيش كثيف من الموحدين والعرب والحشد من قبائل تسول ومكناسة وغيرهم فقتلت بنو مرين العامل المذكور وهزموا جيوشه وجمع عبد الحق الأسلاب والخيل والسلاح وقسم ذلك كله في قبائل بني مرين ولم يمسك منها لنفسه شيئا وقال لبنيه إياكم أن تأخذوا من هذه الغنائم شيئا فإنه يكفيكم منها الثناء والظهور على أعدائكم
حرب بني مرين مع عرب رياح ومقتل الأمير عبد الحق رحمه الله
لما انتصر بنو مرين على أعدائهم الموحدين حصل في نفوس بني عسكر بن محمد من عشيرتهم نفاسة عليهم وضاقت صدورهم من استقلال بني عمهم حمامة بن محمد بالرياسة دونهم فخالفوا الأمير عبد الحق وعشيرته إلى مظاهرة الموحدين وأوليائهم من عرب رياح وكانت رياح يومئذ أشد قبائل المغرب قوة وأقواهم شوكة وأكثرهم خيلا ورجالا لحدوث عهدهم بالعز والبداوة فأغراهم الموحدون يومئذ ببني مرين لينتصفوا لهم منهم واتفقت كلمتهم عليهم وسمعت بنو مرين بإقبال العرب والموحدين وبني عسكر إليهم فاجتمعوا إلى أميرهم عبد الحق فقالوا له ما ترى في أمر هؤلاء العرب المقبلين إلينا فقال يا معشر مرين أما ما دمتم في أمركم مجتمعين وفي آرائكم متفقين وكنتم على حرب عدوكم أعوانا وفي ذات الله إخوانا فلا أخشى أن ألقى بكم جميع أهل المغرب وإن اختلفت أهواؤكم وتشتت آراؤكم ظفر بكم عدوكم فقالوا له إنا نجدد لك الآن بيعة على السمع والطاعة وأن لا نختلف عليك ولا نفر عنك أو نموت دونك فانهض بنا إليهم على بركة الله فنهض الأمير عبد الحق في جموع بني مرين فكان اللقاء بمقربة من وادي سبو على أميال من تافرطاست فكانت بينهم حرب بعد العهد بمثلها وقتل فيها الأمير عبد الحق وكبير أولاده إدريس ولما رأيت بنو مرين ما وقع بأميرها وابنه حميت وغضبت وأقسمت بأيمانها أن لا يدفن حتى يأخذوا بثاره فصمموا العزم لقتال رياح واستأنفوا الجد لقراعهم وصبروا صبرا جميلا فنصرهم الله على عدوهم فهزموا رياحا وقتلوا منهم خلقا كثيرا وشردوهم في الشعاب والأودية ورؤوس الهضاب واحتووا على ما كان في محلتهم من السلاح والخيل والأثاث وقام بأمر بني مرين بعد هلاك عبد الحق ابنه عثمان على ما نذكره إن شاء الله
بقية أخبار الأمير عبد الحق وسيرته
قالوا كان الأمير عبد الحق المريني مشهورا في قومه بالتقى والفضل والدين موسوما بالصلاح وصحة اليقين معروفا بالورع والعفاف موصوفا في سيرته بالعدل والإنصاف يطعم الطعام ويكفل الأيتام ويؤثر المساكين ويحنو على المستضعفين وكانت له بركة معروفة ودعوة مستجابة موصوفة وكانت قلنسوته وسراويله يتبرك بهما في جميع أحياء زناتة وكانوا يحملون فضلة وضوئه فيستشفون بها لمرضاهم وكان يسرد الصوم فلا يزال صائما طول عمره في الحر والبرد لا يرى مفطرا إلا في أيام الأعياد كثير الذكر والأوراد لا يفتر عنها في سائر الحالات متحريا لأكل الحلال لا يقتات إلا من لحوم إبله وألبانها أو ما يعانيه من الصيد معظما في بني مرين مطاعا فيهم يقفون عند أمره ولا يصدرون إلا عن رأيه حكى ابن أبي زرع عمن حدثه من الثقات أنه قدم على أمير المسلمين يعقوب بن عبد الحق في وفد من أعيان فاس وفقهائها وذلك في رمضان سنة ثلاث وثمانين وستمائة والأمير يعقوب يومئذ برباط الفتح يريد العبور إلى ألأندلس برسم الجهاد قال فجرى في مجلسه ذكر والده الأمير عبد الحق فقال الأمير يعقوب كان الأمير عبد الحق رحمه الله صادق القول إذا قال فعل وإذا عاهد وفى لم يحلف بالله قط بارا ولا حانثا ولم يشرب مسكرا قط ولا ارتكب فاحشة تضع الحوامل ببركة إزاره متى عسرت عليهن الولادة وكان يسرد الصوم ويقوم أكثر الليل وإذا سمع بخبر صالح أو عابد قصد لزيارته واستوهب منه الدعاء شديد الخوف من الصالحين متواضعا لهم وكان مع ذلك سما لأعدائه قاهرا لهم وما وجدنا إلا بركته وبركة من دعا له من الصالحين قالوا وكان الأمير عبد الحق في ابتداء أمره قليل الأولاد فرأى ذات ليلة في منامه كان شعلا أربعا من نار خرجن منه فعلون في جو المغرب ثم احتوين على جميع أقطاره فكان تأويلها تمليك بنيه الأربعة من بعده وهذا مثل الرؤيا التي رآها عبد الملك بن مروان من يوله في المحراب أربع مرات فكان تأويلها أن ولي الخلافة أربعة من بنيه الوليد وسليمان ويزيد وهشام وكان للأمير عبد الحق تسعة من الولد إدريس وهو أكبرهم وقتل معه في حرب رياح وعثمان ومحمد وأبو بكر ويعقوب وهؤلاء الأربعة هم الذين ولوا الأمر بعده وعبد الله وعبد الرحمن ويقال له بلسانهم رحو وزيان وأبو عياد وبنت هي العاشرة والله أعلم
الخبر عن رياسة الأمير أبي سعيد عثمان بن عبد الحق رحمه الله
لما فرغ بنو مرين من حرب رياح ورجعوا من اتباعهم اجتمعوا إلى الأمير أبي سعيد عثمان بن عبد الحق وكان أكبر بني أبيه بعد إدريس فعزوه بمصاب أبيه وأخيه وبايعوه عن رضى منهم فاجتمعت عليه كلمتهم ولما فرغ الأمير أبو سعيد من تجهيز أبيه وأخيه ودفنهما أقسم أن لا يرجع عن حرب رياح حتى يثأر بمائة شيخ منهم فسار إليهم وأثخن فيهم حتى شفى نفسه وأذعنوا إلى الطاعة ولاذوا بالسلم فسالمهم على إتاوة يؤدونها إليه كل سنة ثم ضعفت شوكة الموحدين وتداعى أمرهم إلى الاختلال واشرف ملكهم على ربوة الاضمحلال وتقلص ظل حكامهم عن البدو جملة وفسدت السابلة واختلط المرعى بالهمل فلما رأى الأمير أبو سعيد ما عليه أمر الموحدين من الضعف وما نزل برغايا المغرب من الجور والعسف جمع أشياخ مرين وندبهم إلى القيام بأمر الدين والنظر في مصالح المسلمين فأسرعوا إلى إجابته وبادروا لتلبية دعوته فسار بهم أبو سعيد في نواحي المغرب يتقرى مسالكه وشعوبه ويتتبع تلوله ودروبه ويدعو الناس إلى طاعته والدخول في عهده وحمايته فمن أجابه منهم أمنه ووضع عليه قدرا معلوما من الخراج ومن أبى عليه نابذه وأوقع به فبايعه من قبائل المغرب هوارة وزكارة ثم تسول ومكناسة ثم بطوية وفشتالة ثم سدرانة وبهلولة ومديونة ففرض عليهم الخراج وفرق فيهم العمال ثم فرض على أمصار المغرب مثل فاس ومكناسة وتازا وقصر كتامة ضريبة معلومة يؤدونها على رأس كل حول على أن يكف الغارة عنهم ويصلح سابلتهم ثم لما كانت سنة عشرين وستمائة غزا بلاد فازاز ومن بها من ظواعن زناتة فأثخن فيهم حتى أذعنوا للطاعة وقبض أيديهم عن إذابة الناس بالغارات والنهب في الطرقات ثم في سنة إحدى وعشرين بعدها غزا عرب رياح أهل أزغار وبلاد الهبط فأثخن فيهم حتى كاد يأتي عليهم ولم يزل دأبه ذلك من تدويخ بلاد المغرب وأقطاره حتى هلك باغتيال علج له كان رباه صغيرا فشب وسول له الشيطان الفتك به فترصد غرته وطعنه بحربة في منحره فمات لوقته سنة ثمان وثلاثين وكان ذا نجدة وشجاعة وعزم وكرم وإيثار مكرما للفقهاء وأهل الصلاح سالكا في ذلك سنن أبيه رحمه الله
الخبر عن رياسة الأمير أبي معرف محمد بن عبد الحق رحمه الله
لما هلك الأمير أبو سعيد قام بالأمر بعده أخوه أبو معرف محمد بن عبد الحق فاقتفى سنن أخبه في تدويخ بلاد المغرب وأخذ الضريبة من أمصاره وجباية المغارم من باديته وبعث الرشيد بن المأمون صاحب مراكش قائده أبا محمد بن وانودين لحرب بني مرين وعقد له على مكناسة فأجحف بأهلها في المغارم ثم نزل بنو مرين في بعض الأحيان بنواحيها وأجلبوا عليها فنادى أبو محمد في عسكره وخرج إليهم فدارت بينهم حرب شديدة هلك فيها خلق من الجانبين وبارز محمد بن إدريس بن عبد الحق قائدا من قواد الفرنج فاختلفا ضربتين هلك العلج بإحداهما وجرح محمد بالأخرى فاندمل جرحه وصار أثرا في وجهه لقب من أجله بأبي ضربة ثم شد بنو مرين على الموحدين فانكشفوا ورجع بن وانودين إلى مكناسة مفلولا
وبقي بنو عبد المؤمن من أثناء ذلك في مرض من الأيام وتثاقل عن الحماية ثم أومضت دولتهم إيماضة الخمود وذلك أنه لما هلك الرشيد بن المأمون سنة أربعين وستمائة وولي أخوه علي وتلقب بالسعيد وبايعه أهل المغرب انصرفت عزائمه إلى غزو بني مرين وقطع أطماعهم عما سمت إليه من تملك المواطن فجهز عساكر الموحدين لقتالهم ومعهم قبائل العرب والمصامدة وجموع الفرنج فنهضوا سنة اثنتين وأربعين وستمائة في جيش كثيف يناهز عشرين ألفا فسمع الأمير أبو معروف بإقبالهم فاستعد لقتالهم وزحف إليهم فكان اللقاء بموضع يعرف بصخرة أبي بياش من أحواز فاس فدارت بينهم حرب شديدة وصبر الفريقان ولما كان عشي النهار قتل الأمير أبو معرف بن عبد الحق في الجولة بيد زعيم من زعماء الفرنج تحاملا فعثر فرس أبي معرف به وأمكنت العلج فيه الفرصة فاغتنمها وطعنه فمات فانهزمت بنو مرين وتبعهم الموحدون فاتخذوا الليل جملا وأسروا طول ليلتهم بحللهم وعيالاتهم وأموالهم فأصبحوا بجبال غياثة من نواحي تازا فاعتصموا بها أياما ثم خرجوا إلى بلاد الصحراء وولوا عليهم أبا بكر بن عبد الحق على ما نذكره وكانت هذه الوقعة وهلاك الأمير أبي معرف عشية يوم الخميس تاسع جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وستمائة
الخبر عن دولة الأمير أبي بكر بن عبد الحق رحمه الله
هذا الأمير هو الذي رفع من راية بني مرين وسما بها إلى مرتبة الملك وكنيته أبو يحيى وهو أول من جند الجنود منهم وضرب الطبول ونشر البنود وملك الحصون والبلاد واكتسب الطارف والتلاد بايعه بنو مرين بعد مهلك أخيه أبي معرف في التاريخ المتقدم فكان أول ما ذهب إليه ورآه من النظر لقومه أن قسم بلاد المغرب وقبائل جبايته بين بني مرين وأنزل كلا منهم يناحية منه سوغهم إياها سائر الأيام طعمة لهم وأمر كل واحد من أشياخ بني مرين أن يستركب الرجل ويستلحق الأتباع فحسنت حالهم وكثرت غاشيتهم وتوفرت جموعهم
استيلاء الأمير أبي بكر على مكناسة وبيعة أهلها لابن أبي حفص بواسطته
ثم سار الأمير أبو بكر بمحلته فنزل جبل زرهون ودعا أهل مكناسة إلى بيعة الأمير أبي زكرياء بن أبي حفص صاحب إفريقية لأنه كان يومئذ على دعوته وفي ولايته وحاصرها وضيق عليها بمنع المرافق وترديد الغارات إلى أن أذعنوا لطاعته فافتتحها صلحا بمداخلة أخيه يعقوب بن عبد الحق لزعيمها أبي الحسن بن أبي العافية وبعثوا ببيعتهم إلى الأمير أبي زكرياء الحفصي وكانت البيعة من إنشاء أبي المطرف بن عميرة المخزومي وكان من أعلام ذلك العصر ومشاهيره ولي القضاء لبني عبد المؤمن بمدينة سلا ثم استقضوه بعدها بمكناسة فشهد هذه القضية وكتب البيعة ولما فتح الأمير أبو بكر مكناسة أقطع أخاه يعقوب ثلث جبايتها جزاء له على وساطته وكان فتح مكناسة سنة ثلاث وأربعين وستمائة ثم آنس الأمير أبو بكر من نفسه الاستبداد ومن قبيله الاستيلاء فاتخذ الآلة لذلك وسما بنفسه إلى مرتبة الملك وأعد له عدته وانتهى الخبر إلى السعيد صاحب مراكش بتغلب الأمير أبي بكر على مكناسة وصرفها لابن أبي حفص فوجم لها وفاوض الملأ من أهل دولته في أمره وأراهم كيف اقتطع الأمر عنهم شيئا فشيئا حتى لم يبق بيدهم إلا قرارة مراكش وما حولها بعد امتداد ظل ملكهم على المغربين وإفريقية والأندلس ثم نهض السعيد من مراكش سنة خمس وأربعين وستمائة يريد مكناسة وبني مرين أولا ثم تلمسان ويغمراسن بن زيان ثانيا ثم إفريقية وابن أبي حفص آخرا ولما وصل إلى وادي بهت عرض جيوشه وميزها واتصل الخبر بالأمير أبي بكر وهو بمكناسة فخرج وحده ليلا يتجسس الأخبار ويستطلع أحوال السعيد وجموعه فتقدم حتى أشرف على محلة السعيد من كثب ولا علم لأحد به فرأى ما لا طاقة له به ورأى من الرأي أن يتخلى للسعيد عن البلاد ولا يناجزه الحرب فلحق بمكناسة واستدعى بني مرين من أماكنهم التي عين لهم فتلاحقوا به وساروا إلى قلعة تازوطا من بلاد الريف فتحصنوا بها وتقدم السعيد إلى مكناسة فتلقاه أهلها خاضعين مستشفعين إليه بشيوخهم وصبيانهم فعفا عنهم ثم سار إلى فاس فنزل بظاهرها من ناحية القبلة وخرج إليه أشياخها فسلموا عليه وسألوه الدخول إلى البلد فتكرم عنهم وأبي ثم ارتحل إلى رباط تازا فنزل بظاهرها وهناك بعث إليه الأمير أبو بكر ببيعته فقبلها وكتب له ولقومه بالأمان وكان فيما خاطبه به الأمير أبو بكر أن قال له ارجع يا أمير المؤمنين إلى حضرتك وأنا أكفيك أمر يغمراسن وافتح لك تلمسان فشاور السعيد خاصته في ذلك فقالوا لا تفعل يا أمير المؤمنين فإن الزناتي أخو الزناتي لا يسلمه ولا يخذله وإنا نخاف أن يصطلحا على حربك فاسعفهم وكتب إلى الأمير أبي بكر يقول له أقم بموضعك وابعث إلي بحصة من قومك فأمده بخمسمائة من بني مرين وعقد عليها لابن عمه أبي عياد بن أبي يحيى بن حمامة وتقدم السعيد إلى تلمسان فكان من هلاكه على قلعة تامذردكت ما قدمناه في أخبار دولته وكان الأمير أبو بكر لما نزل حصن تازوطا وأهل ذلك الحصن يومئذ هم بنو وطاس بطن من بني مرين أجمعوا الفتك به غيره ونفاسة عليه فدس إليه بذلك بعض شيوخهم وأعلمه بما تواطؤوا عليه من غدره فارتحل الأمير أبو بكر عنهم إلى بني بزناسن وكانوا نازلين يومئذ بعين الصفا فأقام هنالك معهم حتى رجعت إليه الحصة التي كانت مع السعيد وأعلموه بمقتله وافتراق جموعه فانتهز الأمير أبو بكر الفرصة في فل الموحدين واعترضهم بأكرسيف فاستلبهم وانتزع الآلة من أيديهم وأدار إليه كتيبة الفرنج والناشبة من الأغزاز واتخذ المركب الملوكي من يومئذ ثم أغذ السير إلى مكناسة فدخلها واستولى عليها وأقام بها أياما ثم نهض إلى أعمال وطاط وحصون ملوية فافتتحها ودوخ جبالها وذلك أواخر صفر سنة ست وأربعين وستمائة
استيلاء الأمير أبي بكر على فاس وبيعة أهلها لها
لما فرغ الأمير أبو بكر من فتح حصون ملوية صرف عزمه إلى فتح فاس وانتزاعها من يد بني عبد المؤمن وكان العامل بها يومئذ السيد أبا العباس من بني عبد المؤمن فأناخ عليها الأمير أبو بكر بخيله ورجله وتلطف في مداخلة أهلها وضمن لهم جميل النظر وحميد السيرة وكف الأذى عنهم فأجابوه ووثقوا بعهده وغنائه وأووا إلى ظله وركنوا إلى طاعته وانتحال الدعوة الحفصية بأمره ونبذوا طاعة بني عبد المؤمن بأسا من صريخهم فبايعوه بالرابطة خارج باب الشريعة وحضر هذه البيعة الشيخ أبو محمد الفشتالي ونشده الله على الوفاء بما اشترط على نفسه من النظر لهم والذب عنهم وسلوك طريق العدل فيهم فكان حضوره ملاك تلك العقدة والبركة التي يتعرف أثرها خلفهم في تلك البيعة ودخل الأمير أبو بكر مدينة فاس زوال يوم الخميس السادس والعشرين من ربيع الآخر سنة ست وأربعين وستمائة بعد موت السعيد صاحب مراكش بشهرين ولما دخل الأمير أبو بكر قصبة فاس أمن السيد أبا العباس عامل الموحدين بها وأخرجه من القصبة بعياله وأولاده وبعث معه سبعين فارسا يبلغونه إلى مأمنه فأجازوه وادي أم الربيع ورجعوا ثم نهض الأمير أبو بكر إلى منازلة تازا وبها يومئذ السيد أبو علي بن محمد أخو أبي دبوس فنازلها أربعة أشهر حتى نزلوا على حكمه فقتل بعضهم ومن على آخرين منهم وسد ثغورها وأقطع أخاه يعقوب بن عبد الحق رباط تازا وحصون ملوية ورجع إلى فاس فأقام بها نحو سنة واستقامت له الأمور وقدمت عليه الوفود وأمر القبائل بالنزول في البسائط وعمارة القرى والمداشر وأمنت الطرقات وتحركت التجار ورخصت الأسعار وصلح أمر الناس واغتبطوا بولايته
انتقاض أهل فاس على الأمير أبي بكر ومحاصرته إياهم
لما استولى الأمير أبو بكر على المغرب وملك مدينة فاس كما ذكرنا نهض في ربيع الأول سنة سبع واربعين وستمائة إلى معدن العوام من بلاد فازاز لفتح بلاد زناتة وتدويخ نواحيها واستخلف على فاس مولاه السعود بن خرباش من جماعة الحشم أحلاف بني مرين وكان الأمير أبو بكر لما فتح فاسا استبقى من كان فيها من عسكر بني عبد المؤمن من غير نسبهم على الوجه الذي كانوا عليه من الخدمة مع الموحدين وكان من جملتهم طائفة من النصارى نحو المائتين وعليهم قائد منهم يقال له شريد الفرنجي فكانوا من حصة السعود هنالك فوقعت بينهم وبين شيعة الموحدين من أهل فاس مداخلة وعزم الفاسيون على الفتك بالسعود وتحويل الدعوة إلى المرتضى فاجتمعوا إلى القاضي أبي عبد الرحمن المغيلي وفاوضوه في ذلك فوافقهم على رأيهم فاستدعوا شريدا وقالوا له تقتل هذا الأسود وتضبط البلد حتى نكتب إلى المرتضى فيبعث إلينا من يقوم بأمرنا فأجابهم إلى ذلك وكان ميله إلى الموحدين وهواه معهم لكونه صنيعتهم وكان الذي مشى في هذه الثورة وتولى كبرها المشرف ولد القاضي المذكور وابن جشار وأخوه وابن أبي طاط وولده فلما كانت صبيحة الثلاثاء الموفي عشرين من شوال سنة سبع وأربعين وستمائة طلع الأشياخ المذكورون إلى القصبة للسلام على السعود على عادتهم في ذلك فدخلوا عليه بمجلس حكمه وهاجوه ببعض المحاورات فغضب وانتهرهم فوثبوا به ونادوا بشعارهم وكان شريد الفرنجي واقفا في عسكره أمام القصبة قد وأطأهم على ذلك فاقتحم على السعود فقتله وقتل معه أربعين من رجاله واحتز العامة رأسه ورفعوه على عصا وطافوا به في أسواق البلد وسككها واقتحموا القصر فانتهبوه وسبوا الحرم ونصبوا النصراني لضبط البلد وبعثوا ببيعتهم إلى المرتضى صاحب مراكش واتصل الخبر بالأمير أبي بكر وهو منازل بلاد فازاز فأفرج عنها وأخذ السير إلى فاس فأناخ عليها بعساكره وشمر لحصارها وقطع المادة عنها وبعث أهل فاس إلى المرتضى بالصريخ فلم يرجع إليهم قولا ولا ملك له ضرا ولا نفعا ولا وجد لكشف ما نزل بهم حيلة ولا وجها سوى أنه استجاش على الأمير أبي بكر بيغمراسن بن زيان صاحب تلمسان وأمله لكشف هذه النازلة عمن انحاش إلى طاعته فأجابه يغمراسن إلى ذلك وطمع أن يكون ذلك سببا له في تملك المغرب وسلما للصعود إلى ذروة ملكه فاحتشد لحركته ونهض من تلمسان للأخذ بحجزة الأمير أبي بكر عن فاس وأهلها واتصل بالأمير أبي بكر خبر نهوضه إليه لتسعة أشهر من منازلته فاسا فجمر الكتائب عليها وصمد إليه قبل فصوله عن تخوم بلاده فلقيه بوادي أيسلي من بسيط وجدة فتزاحف القوم وكانت ملحمة عظيمة هلك فيها عبد الحق بن محمد بن عبد الحق بيد إبراهيم بن هشام من بني عبد الواد ثم انكشفت بنو عبد الواد ونجا يغمراسن بن زيان إلى تلمسان برأس طمرة ولجام وترك محلته بما فيها فاحتوى عليها الأمير أبو بكر وانكفأ راجعا إلى فاس للأخذ بمخنقها فوصل إليها في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وستمائة وأناخ عليها بكلكله واستأنف الجد وأرهف الحد وشدد في الحصار وأيس أهل فاس من إغاثة المرتضى وسقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا ولم يجدوا وليجة من دون مراجعة طاعة بني مرين فسألوا الأمير أبا بكر الأمان فبذله لهم على غرم ما أتلفوا له بالقصر من المال يوم الثورة وقدره مائة ألف دينار فتحملوها وأمكنوه من قياد البلد فدخلها في الثالث والعشرين من الشهر المذكور فأقام بها إلى رجب الموالي له وطالبهم بالمال فسوفوه وتلووا في المقال فلما رأى ذلك منهم قبض على جماعة من أشياخها وأمنائها وأثقلهم بالحديد وطالبهم بالمال والأثاث الذي انتهبوه من القصر فقال له شيخ يعرف بابن الخبا إنما فعل الذنب منا ستة فكيف تهلكنا بما فعل السفهاء منا ولو فعل الأمير ما أشير به عليه لكان صوابا من الرأي فقال وما ذلك قال تعمد إلى هؤلاء النفر الستة والذين سعوا في الفتنة فتأخذ رؤوسهم وتشرد بهم من خلفهم ثم تأخذنا نحن بغرم المال فقال لعمري لقد أصبت ثم أمر بالقاضي المغيلي وابنه وابن أبي طاط وابنه وابن جشار وأخيه فقتلوا ورفعت على الشرفات رؤوسهم وأخذ الباقين بغرم المال طوعا وكرها قال ابن خلدون فكان ذلك مما عبد رعية فاس وقادها لأحكام بني مرين وضرب الرهب على قلوبهم فخشعت منهم الأصوات وانقادت منهم الهمم ولم يحدثوا بعدها أنفسهم بغمس يد في فتنة وكان مقتل النفر المذكورين خارج باب الشريعة يوم الأحد الثامن من رجب المذكور
استيلاء الأمير أبي بكر على مدينة سلا ثم ارتجاعها منه وهزيمة المرتضى بعد ذلك
لما أكمل الله للأمير أبي بكر فتح مدينة فاس واستوسق أمر بني مرين بها رجع إلى ما كان فيه من منازلة بلاد فازاز فافتتحها ودوخ أوطان زناتة واقتضى مغارمهم وحسم علل الثائرين بها ثم تخطى ذلك إلى مدينة سلا ورباط الفتح سنة تسع وأربعين وستمائة فملكها وتاخم الموحدين بثغرها واستعمل عليها ابن أخيه يعقوب بن عبد الله بن عبد الحق وعقد له على ذلك الثغر وضم الأعمال إليه وبلغ الخبر بذلك إلى المرتضى بمراكش فأهمه الشأن وأحضر الملأ من الموحدين وفاوضهم واعتزم على حرب بني مرين وسرح العساكر سنة خمسين وستمائة فأحاطت بسلا ثم افتتحوها وعادت إلى طاعة المرتضى وعقد عليها لأبي عبد الله بن يعلو من مشيخة الموحدين ثم اجمع المرتضى النهوض بنفسه إلى بني مرين فبعث في المدائن والقبائل حاشرين فأهرعت إليه أمم الموحدين والعرب والمصامدة وغيرهم وفصل من مراكش سنة ثلاث وخمسين وستمائة في نحو الثمانين ألفا وولى السير حتى انتهى إلى جبال بهلولة من نواحي فاس وصمد إليه الأمير أبو بكر في عساكر بني مرين ومن اجتمع إليهم من ذويهم والتقى الجمعان هنالك وصدقهم بنو مرين الجلاد فاختل مصاف الموحدين وانهزمت عساكر المرتضى وأسلمه قومه ورجع إلى مراكش مفلولا واستولى بنو مرين على معسكره واستباحوا سرادقة وانتهبوا فساطيطه وغنموا جميع ما وجدوا لها من المال والذخيرة واستاقوا سائر الكراع والظهر وامتلأت أيديهم من الغنائم واعتز أمرهم وانبسط سلطانهم وكان يوما له ما بعده وفي القرطاس أن انهزام جيش المرتضى في هذه المرة كان عن جولان فرس بين أخبيتهم ليلا فحسبوا أن بني مرين قد أغاروا عليهم فانهزموا لا يلوون على شيء والله أعلم ثم غزا الأمير أبو بكر بعد هذا بلاد تادلا فاستباح حاميتها من بني جابر عرب جشم واستلحم أبطالهم والآن من جدهم وخضد من شوكتهم وفي خلال هذه الحروب كان مقتل علي بن عثمان بن عبد الحق وهو ابن أخي الأمير أبي بكر شعر منه بفساد الدخيلة والإجماع للتوثب على الأمر فدس لابنه أبي حديد مفتاح بن أبي بكر بقتله فقتله في جهات مكناسة سنة إحدى وخمسين وستمائة والله تعالى أعلم
استيلاء الأمير أبي بكر على سجلماسة ودرعه وسائر بلاد القبلة
لما كانت سنة خمس و خمسين وستمائة نهض الأمير أبو بكر إلى محاربة يغمراسن بن زيان وسمع به يغمراسن فنهض إليه أيضا فكان اللقاء بأبي سليط فاقتتلوا وانهزم يغمراسن واعتزم الأمير أبو بكر على اتباعه فثناه عن رأيه في ذلك أخوه يعقوب بن عبد الحق لعهد تأكد بينه وبين يغمراسن فرجع ولما انتهى إلى المقرمدة من أحواز فاس بلغه أن يغمراسن قصد سجلماسة ودرعة لمداخلة كانت له من بعض أهلها وعورة أطمعته في ملكها فأسرع الأمير أبو بكر السير بجموعه إلى سجلماسة فدخلها قبل وصول يغمراسن إليها بيوم ثم جاء يغمراسن حتى نزل خارجها بباب تاحسنت وسقط في يده ويئس من غلبة الأمير أبي بكر عليها ودارت بينهما حرب تكافأ الفريقان فيها وهلك سليمان بن عثمان بن عبد الحق ابن أخي الأمير أبي بكر وانقلب يغمراسن إلى بلده وعقد الأمير أبو بكر على سجلماسة ودرعة وسائر بلاد القبلة ليوسف بن يزكاسن واستعمل على الجباية عبد السلام الأوربي وجعل مسلحة الجند بها لنظر أبي يحيى القطراني وملكه قيادتهم وانكفأ راجعا إلى فاس والله تعالى أعلم
وفاة الأمير أبي بكر رحمه الله
لما رجع الأمير أبو بكر من حرب يغمراسن على سجلماسة أقام بفاس أياما ثم نهض إلى سجلماسة أيضا متفقدا لثغورها فانقلب منها عليلا ووصل إلى فاس فتوفي بقصره من قصبتها أواسط رجب سنة ست وخمسين وستمائة ودفن داخل باب الجيزيين من أبواب عدوة الأندلس بإزاء الشيخ أبي محمد الفشتالي حسبما أوصى بذلك وتصدى للقيام بالأمر بعده ابنه عمر على ما نذكره
الخبر عن دولة أبي حفص الأمير عمر بن أبي بكر بن عبد الحق رحمه الله
لما مات الأمير أبو بكر رحمه الله اشتمل العامة من بني مرين على ابنه أبي حفص عمر فبايعوه ونصبوه للأمر وتباروا في خدمته ومالت المشيخة وأهل العقد والحل إلى عمه يعقوب بن عبد الحق وكان غائبا عند مهلك أخيه بتازا فلما بلغه الخبر أسرع اللحاق بفاس وتوجهت إليه وجوه الأكابر وأحس عمر بميل الناس إلى عمه يعقوب فقلق لذلك وأغراه أتباعه بالفتك بعمه فاعتصم بالقصبة ثم سعى الناس في الإصلاح بينهما فتفادى يعقوب من الأمر ودفعه إلى ابن أخيه على أن تكون له بلاد تازا وبطوية وملوية التي كان أقطعه إياها أخوه من قبل فانفصلوا على ذلك وخلص الأمر لعمر واستمر بفاس أشهرا إلى أن غلب عليه عمه المذكور حسبما نقص عليك
الخبر عن دولة السلطان المنصور بالله يعقوب بن عبد الحق رحمه الله
هذا السلطان جليل القدر عظيم الشان وهو سيد بني مرين على الإطلاق وستسمع من أخباره الحسنة ما يستغرق الوصف ويستوقف السمع والطرف وهو رابع الإخوة الأربعة الذين ولوا الأمر بالمغرب من بني عبد الحق وكانت أمه واسمها أم اليمن بنت علي البطوي رأت وهي بكر كأن القمر خرج من قبلها حتى صعد إلى السماء وأشرق نوره على الأرض فقصت رؤياها على أبيها فسار إلى الشيخ الصالح أبي عثمان الورياكلي فقصها عليه فقال إن صدقت رؤياها فستلد ملكا عظيما فكان كذلك ولما انفصل الأمير يعقوب بن عبد الحق عن ابن أخيه عمر بولاية تازا وما أضيف إليها اجتمع إليه كافة بني مرين وعذلوه فيما كان منه من التخلي عن الملك وحملوه على العود في الأمر ووعدوه من أنفسهم المظاهرة والنصر إلى أن يتم أمره فأجاب وبايعوه وصمد إلى فاس فبرز الأمير عمر للقائه ولما تراءى الجمعان خذل عمر جنوده وأسلموه فرجع إلى فاس مفلولا ووجه الرغبة إلى عمه أن يقطعه مكناسة وينزل له عن الأمر فأجابه إلى ذلك ودخل السلطان يعقوب مدينة فاس فملكها سنة سبع وخمسين وستمائة ونفذت كلمته في بلاد المغرب ما بين ملوية وأم الربيع وما بين سجلماسة وقصر كتامة واقتصر عمر على إمارة مكناسة فتولاها اياما ثم اغتاله بعض عشيرته فقتلوه لنحو سنة من إمارته فكفى الأمير يعقوب أمره واستقام سلطانه وذهب التنازع والشقاق عن ملكه وكان يغمراسن بن زيان لما سمع بموت قرنه الأمير أبي بكر سما له أمل في الإجلاب على المغرب فجمع لذلك قومه من بني عبد الواد واستظهر ببني توجين ومغراوة ووعدهم ومناهم وأطمعهم في غيل الأسد ثم نهض بهم إلى المغرب حتى إذا انتهوا إلى كلدمان صمد إليهم الأمير يعقوب ففلهم وردهم على أعقابهم ومر يغمراسن في طريقه بتافرسيت من بلاد بطوية فأحرق وانتسف واستباح وأعظم النكاية ورجع الأمير يعقوب إلى فاس واقتفى مذهب أخيه الأمير أبي بكر في فتح أمصار المغرب وتدويخ أقطاره وكان مما أكرمه الله به أن فتح أمره باستنقاذ مدينة سلا من أيدي نصارى الإصبنيول فكان له بها أثر جميل وذكر خالد رحمه الله
استيلاء نصارى الإصبنيول على مدينة سلا وإيقاع السلطان يعقوب بهم وطردهم عنها
كان يعقوب بن عبد الله بن عبد الحق قد استعمله عمه الأمير أبو بكر بن عبد الحق على مدينة سلا لما ملكها كما ذكرناه ولما استرجعها الموحدون من يده أقام يتقلب في جهاتها مترصدا للفرصة وإمكانها فيها ولما بويع عمه السلطان يعقوب بن عبد الحق آسفته بعض الأحوال منه فذهب مغاضبا حتى نزل عين غبولة وألطف الحيلة في تملك رباط الفتح وسلا ليعتدهما ذريعة لما اسر في نفسه من التوثب على الأمر فتمت له الحيلة وملك سلا وركب عاملها أبو عبد الله بن يعلو البحر فارا إلى آزمور وخلف أمواله وحرمه فتملك يعقوب بن عبد الله ذلك وتمكن من البلد وجاهر بالخلع وصرف إلى منازعة عمه السلطان يعقوب وجوه العزم وتمكنت الوحشة بين اليعقوبين وداخل يعقوب سلا تجار الحرب من الإصبنيول في الإمداد بالسلاح فتباروا في ذلك وكثرت سفن المترددين منهم إليها حتى كثروا أهلها وزاد عددهم فعزموا على الثورة بها واهتبلوا فيها غرة عيد الفطر من سنة ثمان وخمسين وستمائة عند اشتغال الناس بعيدهم وثاروا بسلا في اليوم الثاني من شوال فوضعوا السيف في أهلها وقتلوا الرجال وسبوا الحرم وانتهبوا الأموال وكان الحادث بها عظيما وضبطوا البلد وتحصن يعقوب بن عبد الله برباط الفتح وطار الصريخ إلى السلطان يعقوب بن عبد الحق وهو يومئذ بمدينة تازا دخلها أوائل شعبان من السنة المذكورة لاستشراف أحوال يغمراسن بن زيان فوصل إليه الخبر في اليوم الرابع من شوال المذكور فنهض السلطان يعقوب من فوره بعد أن صلى العصر بتازا من ذلك اليوم فأسرى ليلته تلك في نحو الخمسين فارسا ومن الغد صلى العصر بظاهر سلا فكان قطعه مسافة ما بينهما في يوم وليلة وهذا أمر خارق للعادة بلا شك أظهره الله على يد هذا السلطان لصدق عزمه وحسن نيته وإلا فالمسافة ما بين تازا وسلاست مراحل أو أكثر ثم تلاحقت به جيوش المسلمين من القبائل المتطوعة من جميع آفاق المغرب فحاصر النصارى بها وضيق عليهم ووالى القتال عليهم بالليل والنهار حتى اقتحمها عليهم عنوة لأربع عشرة ليلة من حصارها وأثخن فيهم بالقتل ونجا من نجا منهم إلى سفنهم فنشروا قلوعهم وذهبوا يلتفتون وراءهم ثم شرع السلطان يعقوب رحمه الله في بناء السور الغربي من سلا الذي يقابل الوادي منها فإنها كان لا سور لها من تلك الجهة من أيام عبد المؤمن بن علي فإنه كان قد هدم أسوار قواعد المغرب مثل فاس وسبتة وسلا حسبما قدمنا الخبر عنه في دولته ومن هذه التلمة كان دخول النصارى إلى سلا فشرع السلطان يعقوب رحمه الله في بنائه فبناه من أول دار الصناعة قبلة إلى البحر جوفا وكان رحمه الله يقف على بنائه بنفسه ويناول الحجر بيده ابتغاء ثواب الله وتواضعا وسعيا في صلاح المسلمين حتى تم السور المذكور على أحصن وجه وأكمله ودار الصناعة المذكورة في هذا الخبر هي الدار التي كانت تصنع بها الأساطيل البحرية والمراكب الجهادية يجلب إليها العود من غابة المعمورة فتصنع هنالك ثم ترسل في الوادي وكان ذلك من الأمر المهم في دولة الموحدين حسبما سلف قال في الجذوة دار الصناعة بسلا بناها المعلم أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن الحاج من أهل إشبيلية وكان من العارفين بالحيل الهندسية ومن أهل المهارة في نقل الأجرام ورفع الأثقال بصيرا باتخاذ الآلات الحربية الجافية اه وأما يعقوب بن عبد الله الثائر فإنه خشي بادرة السلطان يعقوب بن عبد الحق فخرج من رباط الفتح وأسلمه فضبطه السلطان وثقفه ثم نهض إلى بلاد تأمسنا فاستولى عليها وملك مدينة آنفى وهي المسماة الآن بالدار البيضاء فضبطها ولحق يعقوب بن عبد الله بحصن علودان من جبال غمارة فامتنع به وسرح السلطان ابنه أبا مالك عبد الواحد وعلي بن زيان لمنازلته وسار هو إلى لقاء يغمراسن فلقيه وعقد معه المهادنة وافترقا على السلم ووضع أوزار الحرب ورجع السلطان إلى المغرب فخرج عليه بنو أخيه إدريس على ما نذكره
خروج بني إدريس بن عبد الحق على عمهم السلطان يعقوب بن عبد الحق رحمه الله
قد تقدم لنا أن الأمير عبد الحق المريني كان له تسعة من الولد أكبرهم إدريس وقتل مع والده في حرب رياح وكان لإدريس هذا عدة أولاد بقوا في كفالة أعمامهم ولما أفضى الأمر إلى السلطان يعقوب وكان أولاد إدريس قد ملكوا أمر أنفسهم واشتدت شكيمتهم فنفسوا عليه ما أتاه الله من الملك ورأوا أنهم أحق به منه لأن أباهم هو الأكبر من ولد عبد الحق كما مر فخرجوا على عمهم يعقوب ولحقوا بقصر كتامة وتابعوا ابن عمهم يعقوب بن عبد الله على رأية واجتمعوا إلى كبيرهم محمد بن ادريس بن عبد الحق وانضم اليه من كان على رأيهم من عشيرتهم ومواليهم واعتصموا بجبال غمارة فنهض إليهم السلطان يعقوب وتلطف بهم حتى استنزلهم واسترضاهم وعقد لعامر بن إدريس منهم سنة ستين وستمائة على عسكر من ثلاثة آلاف فارس أو يزيدون من المتطوعة من بني مرين وأغزاهم الأندلس لجهاد العدو بها وحملهم وفرض لهم في العطاء وشفع بهذه الفعلة الحسنة عمله في واقعة سلا وهو أول جيش عبر البحر إلى الأندلس من بني مرين فكان لهم في الجهاد والمرابطة مواقف مذكورة ومقامات محمودة تبع الخلف فيها السلف ودام ذلك فيهم برهة من الدهر وقاموا عن أهل المغرب والأندلس بهذا الواجب العظيم رحمهم الله وجزاهم عن المسلمين خيرا وأما يعقوب بن عبد الله صاحب سلا فإنه أقام خارجا بالنواحي متنقلا في الجهات إلى أن قتله طلحة بن محلي من أولياء السلطان يعقوب على ساقيه غبولة من ناحية رباط الفتح سنة ثمان وستين وستمائة فكفى السلطان يعقوب أمره
حصار السلطان يعقوب حضرة مراكش ونزوع أبي دبوس منها إليه وهلاك المرتضى بعد ذلك
لما فرغ السلطان يعقوب من شأن الخارجين عليه من عشيرته أجمع رأيه لمنازلة المرتضى والموحدين في دارهم وحضرتهم ورأى أنه أوهن لشوكتهم وأقوى لأمره عليهم فبعث في قومه وحشد أهل مملكته واستكمل التعبئة وسار سنة ستين وستمائة حتى انتهى إلى جبل جيليز فشارف دار الخلافة ونزل بعقرها وأخذ بمخنقها وخفقت ألويته على جنباتها وعقد المرتضى على حربه لأبي دبوس إدريس بن محمد بن أبي حفص بن عبد المؤمن فعبأ كتائبه ورتب مصافه وبرز لمدافعتهم ظاهر الحضرة فكانت بينهم حرب بعد العهد بمثلها هلك فيها الأمير عبد الله بن يعقوب بن عبد الحق ففت مهلكه في عضدهم وارتحلوا عنها إلى أعمالهم واعترضتهم عساكر الموحدين بوادي أم الربيع وعليهم يحيى بن عبد الله بن وانودين فاقتتلوا في بطن الوادي وانهزمت عساكر الموحدين هزيمة شنعاء وتركوا الأموال والأثاث فاحتوى بنو مرين على ذلك كله وهي واقعة أم الرجلين ثم سعى سماسرة الفتن عند الخليفة المرتضى في ابن عمه وقائد حربه أبي دبوس بأنه يطلب الأمر لنفسه وشعر هو بالسعاية في جانبه فخشي بادرة المرتضى ولحق بالسلطان يعقوب سنة إحدى وستين وستمائة عند دخوله إلى فاس من محاصرته مراكش فأقام عنده مليا ثم سأله الإعانة على أمره بعسكر يمده به وآلة يتخذها لملكه ومال يصرفه في ضرورياته على أن يشركه في الفتح والغنيمة والسلطان فأمده السلطان يعقوب بخمسة آلاف من بني مرين وبالمستجاد من الآلة والكفاية من المال وأهاب له بالعرب والقبائل من أهل مملكته وغيرهم أن يكونوا معه يدا واحدة حتى يبلغ مراده في فتح مراكش وسار أبو دبوس في الكتائب حتى شارف الحضرة ودس إلى أشياعه من الموحدين بأمره فثاروا بالمرتضى فكان من فراره إلى آزمور ونزوله على صهره ابن عطوش ومقتله على يده ما قدمنا ذكره في دولته واستتب أمر أبي دبوس بمراكش وثبت قدمه بها فبعث إليه السلطان في الوفاء بالمشارطة فاستنكف واستكبر ونقض العهد وأساء الرد فنهض إليه السلطان يعقوب في جموع بني مرين وعساكر المغرب فخام عن اللقاء واعتصم بالأسوار فزحف إليه السلطان يعقوب وحاصره أياما ثم سار في الجهات والنواحي يحطم الزروع وينسف الأقوات وعجز أبو دبوس عن مدافعته فاستجاش عليه بيغمراسن بن زيان ليفت في عضده ويشغله عما أمامه بما وراءه فكان ما نذكره
وقعة تلاغ بين يعقوب بن عبد الحق ويغمراسن بن زيان
لما نزل السلطان يعقوب حضرة مراكش وربض على ترائبه للتوثب عليها لم يجد أبو دبوس ملجأ من دون الاستظهار عليه بيغمراسن بن زيان ليأخذ بحجزته عنها فبعث إليه بالصريخ في ذلك وأكد العهد وأسنى الهدية فشمر يغمراسن لاستنفاذه وجذب السلطان يعقوب عنه من خلفه بشن الغارات على ثغور المغرب وإيقاد نار الفتنة بها فهاج عليه من السلطان يعقوب ليث عاديا وأرهف منه حدا ماضيا فأفرج للوقت عن مراكش ورجع عوده على بدئه يريد تلمسان وصاحبها يغمراسن بن زيان فنزل فاسا وتلوم بها أياما حتى أخذ أهبة الحرب وعدة النزال ثم نهض إلى تلمسان منتصف محرم سنة ست وستين وستمائة وسلك على أكرسيف ثم على تافرطاست
وتزاحف الفريقان بوادي تلاغ وعبأ كل منهما كتائبه ورتب مصافه وبرز النساء في القباب سافرات على سبيل التحريش والتحريض والتحم القتال وطال القراع والنزال ولما فاء الفيء ومال النهار وكثرت حشود بني مرين جموع بني عبد الواد ومن إليهم انكشفوا ومنحوا العدو أكتافهم وهلك في الحومة أبو حفص عمر بن يغمراسن بن زيان وكان كبير أولاده وولي عهده وهلك معه جماعة من عشيرته ولما انهزم بنو عبد الواد بقي يغمراسن في ساقتهم حاميا لهم من بني مرين أن تركبهم من خلفهم فكان ردءا لهم إلى أن وصلوا إلى بلادهم وكانت وقعة تلاغ يوم الاثنين الثاني عشر من جمادى الأخيرة من السنة المذكورة ورجع السلطان يعقوب إلى مكانه من حصار مراكش والله غالب على أمره
فتح حضرة مراكش ومقتل أبي دبوس وانقراض دولة الموحدين بها
لما قفل السلطان يعقوب من حرب يغمراسن صرف عزمه إلى غزو مراكش والعود إلى حصارها كما كان أول مرة فنهض إليها من فاس في شعبان سنة ست وستين وستمائة ولما عبروا وادي أم الربيع بث السرايا وشن الغارات وأطلق الأعنة والأيدي للنهب والعيث فحطموا زروعها وانتسفوا آثارها وتقرى نواحيها كذلك بقية عامه ثم غزا عرب الخلط من جشم بتادلا فأثخن فيهم واستباحهم ثم نزل وادي العبيد فأقام هنالك أياما ثم غزا بلاد صنهاجة فاستباحها ولم يزل ينقل ركابه في أحواز مراكش ويجوس خلالها إلى آخر ذي القعدة من سنة سبع وستين وستمائة فاجتمع أشياخ القبائل من العرب والمصامدة عند أبي دبوس وقالوا له يا مولانا كم تقعد عن حرب بني مرين وقد ترى ما نزل بنا في حريمنا وأموالنا منهم فاخرج بنا إليهم لعل الله يجعله سبب الفتح فإنهم قليلون وجمهورهم وذوو الشوكة منهم قد بقوا برباط تازا لحراسة ذلك الثغر من بني عبد الواد ولم يزالوا يفتلون له في الذروة والغارب حتى أجابهم إلى رأيهم فاستعد للحرب وبرز من حضرة مراكش في جيوش ضخمة وجموع وافرة فاستجره السلطان يعقوب بالفرار أمامه ليبعد عن مدد الصريخ فيستمكن منه فلم يزل أبو دبوس يسعى خلفه حتى نزل ودغفوا فحينئذ كر عليه السلطان يعقوب فالتحمت الحرب واختل مصاف أبي دبوس وفر يسابق إلى مراكش وأين منه مراكش فأدركته الخيول وحطمته الرماح فخر صريعا واحتز رأسه وجيء به إلى السلطان يعقوب فسجد شكرا لله تعالى وذلك يوم الأحد ثاني محرم سنة ثمان وستين وستمائة ثم تقدم السلطان يعقوب نحو مراكش وفر من كان بها من الموحدين إلى تينملل وبايعوا إسحاق أخا المرتضى فبقي ذبالة هنالك إلى أن قبض عليه سنة أربع وسبعين وستمائة وجيء به في جماعة من قومه إلى السلطان يعقوب فقتلوا جميعا وانقرض أمر بني عبد المؤمن والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ثم خرج الملأ وأهل الشورى من الحضرة إلى لقاء السلطان يعقوب ففرح بهم وأمنهم ووصلهم ودخل مراكش في عسكر ضخم وموكب فخم يوم الأحد التاسع من محرم المذكور وورث ملك آل عبد المؤمن وتملاه واستوسق أمره بالمغرب وتطامن الناس لبأسه وسكنوا لظل سلطانه وأقام بمراكش إلى رمضان من سنته ثم أغزا ابنه الأمير أبا مالك عبد الواحد بن يعقوب بلاد السوس فافتتحها وأوغل في ديارها ودوخ أقطارها ورجع إلى أبيه واستمر السلطان يعقوب بمراكش يصلح شؤونها إلى رمضان من سنة تسع وستين وستمائة فخرج بنفسه إلى بلاد درعة فأوقع بعربها الوقيعة المشهورة التي خضدت من شوكتهم ورجع لشهرين من غزاته ثم أجمع الرحلة إلى دار ملكه بفاس فعقد على مراكش لمحمد بن علي بن يحيى من كبار أوليائهم ومن أهل خؤلته وكان من طبقة الوزراء وأنزله بقصبة مراكش وجعل المسالح في أعمالها لنظره وعهد إليه بتدويخ الأقطار ومحو آثار بني عبد المؤمن وفصل من مراكش قاصدا حضرة فاس في شوال من السنة المذكورة والله تعالى أعلم
مراسلة السلطان أبي عبد الله محمد المستنصر بالله الحفصي للسلطان المنصور بالله يعقوب بن عبد الحق رحمهما الله
كانت دولة بني أبي حفص أصحاب تونس وإفريقية فرعا من دولة بني عبد المؤمن وشعبة منها حسبما نبهنا عليه غير مرة ولما ضعفت دولة بني عبد المؤمن بمراكش والمغرب كان صاحب إفريقية أبو زكرياء يحيى بن عبد الواحد الهنتاني يأمل الاستيلاء عليها والتملك لها ويتمنى ذلك لو ساعده القدر لأنه كان يرى انه اولى بتلك الحضرة من غيره حتى من بني عبد المؤمن لأنها أرض سلفه وموطن أصله وعشيرته لأن عمالة مراكش لم تعرف إلا للمصامدة من قديم الزمان وقبيلة هنتانة هي صميمها وذؤابتها فبهذا ونحوه كان بنو أبي حفص يتطاولون إلى ملك مراكش ولما نبغ بنو مرين بالمغرب وغلبوا على الكثير من ضواحيه كانوا يدعون إلى أبي زكرياء الحفصي تأليفا لأهل المغرب واستجلابا لمرضاتهم وإتيانا لهم من ناحية أهوائهم إذ كانت صبغة الدعوة الموحدية قد رسخت في قلوبهم فلو دعوا إلى غيرها من أول الأمر لحاصوا عنها حيصة حمر الوحش ولما لم يمكن بني مرين أن يدعوا إلى بني عبد المؤمن لأنهم أقتالهم وإياهم ينازعون ولهم يحاربون ويجالدون دعوا إلى طاعة الحفصيين الذين هم فرع منهم والدعوة إلى الفرع كالدعوة إلى أصله فلم تنفر نفوس أهل المغرب عنها وإنما كان بنو مرين يسرون من ذلك حسوا في ارتغاء ولهذا لما استقل السلطان يعقوب بالأمر وتمكن له السلطان بالمغرب قطع دعوة الحفصيين حالا بعد أن كان أولا يدعو إليها هو وإخوته من قبله وكان بنو أبي حفص ينشطون لذلك ويهادون بني مرين ويمدونهم بالمال والسلاح وغير ذلك ولما عزم السلطان يعقوب على منازلة مراكش كتب إلى أبي عبد الله محمد المستنصر بالله بن أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص يخبره بذلك ويستمده حتى كأنه نائب عنه لا غير وأرسل بكتابه مع ابن أخيه عامر بن إدريس بن عبد لحق في جماعة من وجوه دولته فأكرم المستنصر وفادتهم ثم لما فتح السلطان يعقوب مراكش واستولى عليها بعث إليه المستنصر بهدية فيها من أصناف الخيل الجياد والسلاح والثياب الرفيعة ما اختاره واستحسنه وبعث بذلك مع جماعة من وجوه دولته أيضا وفيهم الكاتب أبو عبد الله محمد الكناني فتلطف الكاتب المذكور في ذكر المستنصر على منبر مراكش حتى تم له ذلك بمحضر وفد الموحدين فعظم سرورهم وانقلبوا إلى صاحبهم بالخبر واتصلت المودة والمهاداة بين المستنصر والسلطان يعقوب سائر أيامهم ولما هلك المستنصر وبويع ابنه أبو زكرياء يحيى المدعو بالواثق اقتفى سنن أبيه في ذلك فبعث إلى السلطان يعقوب بهدية حافلة مع قاضي بجاية أبي العباس الغماري سنة سبع وسبعين وستمائة فعظم موقعها من السلطان يعقوب وكان لأبي العباس الغماري هذا بالمغرب ذكر تحدث الناس به ذهرا وقطع السلطان يعقوب لأول أمره الدعوة إلى الحفصيين كما قلنا والله تعالى أعلم
عقد السلطان يعقوب ولاية العهد لابنه أبي مالك بسلا وما نشأ عن ذلك من خروج قرابته عليه
كان السلطان يعقوب حين خرج من مراكش بعد فتحها قاصدا حضرة فاس دار ملك بني مرين اجتاز بمدينة سلا فأراح بها أياما فطرقه مرض وعك منه وعكا شديدا فلما أبل من مرضه جمع قومه وعقد العهد لأكبر أولاده أبي مالك عبد الواحد بن يعقوب لما علم من أهليته لذلك وأخذ له البيعة عليم جميعا فأعطوها طواعية وعز ذلك على القرابة من بني عبد الحق وهم أولاد سوط النساء بنو إدريس بن عبد الحق وبنو عبد الله بن عبد الحق وبنو رحو بن عبد الحق وإنما قيل لهم أولاد سوط النساء لأن هؤلاء الثلاثة من بني عبد الحق كانوا أشقاء أمهم اسمها سوط النساء فلما بايع السلطان يعقوب لابنه أبي مالك بولاية العهد آسفهم ذلك لأنهم كانوا يرون أنهم أحق بالأمر حسبما سلف فارتدوا على أعقابهم وقلبوا لعمهم ظهر المجن وعادت هيف إلى أديانها وأسروا من ليلتهم من سلا ولم يصبحوا إلا بجبل علودان من بلاد غمارة عش خلافهم ومدرج فتنتهم وكان ذلك في عيد الفطر من سنة تسع وستين وستمائة وانضم إليهم بنو أبي عياد بن عبد الحق وشايعوهم على رأيهم فخرج السلطان يعقوب في أثرهم وقدم بين يديه ابنه لاأمير يوسف بن يعقوب في خمسة آلاف فأحاط بهم وأخذ بمخنقهم ولحق به أخوه أبو مالك في عسكره ومعه مسعود بن كانون شيخ سفيان ثم لحق بهم السلطان يعقوب في عساكره فحاصروهم ثلاثة ولما رأوا أن قد أحيط بهم سألوا الأمان فبذله لهم وأنزلهم ومسح صدورهم واسترضاهم واستل سخائمهم ووصل بهم إلى حضرته فسألوا منه الأذن في اللحاق بتلمسان حياء مما ارتكبوه من الخلاف فأذن لهم فأجازوا البحر إلى الأندلس وخالفهم عامر بن إدريس لما آنس من ميل عمه إليه فبقي بتلمسان حتى توثق لنفسه بالعهد وعاد إلى قومه بعد منازلة السلطان يعقوب لتلمسان حسبما نذكره عن قريب قال ابن خلدون واحتل هؤلاء القرابة من بني عبد الحق بأرض الأندلس على حين أقفر من الحامية جوها واستأسد العدو على ثغورها وتحلبت شفاهه لالتهامها فتبوءوها أسودا ضارية وسيوفا ماضيا معودين لقاء الأبطال وقراع الحتوف والنزال مستغلظين بخشونة البداوة وصرامة العز وبساله التوحش فعظمت نكايتهم في العدو واعترضوا في صدره سجى دون الوطن الذي كان طعمة له في ظنه وارتدوه على عقبه ونشطوا من همم المسلمين المستضعفين وراء البحر وبسطوا من آمالهم لمدافعة طاغيتهم وزاحموا أمير الأندلس قي رياستها بمنكب قوي فتجافى لهم عن خطة الحرب ورياسة الغزاة من أهل العدوة من أعياصهم وغيرهم من أمم البربر وثافنوه في مستقر عزه وساهموه في الجباية بفرض العطاء والديوان فبذله لهم واستعدوا على العدو وحسن أثرهم فيه حسبما تلمع بالبعض من ذلك إن شاء الله
هجوم النصارى على العرائش وتيشمس من ثغور المغرب
لما كان المحرم من سنة ثمان وستين وستمائة هجم النصارى على مدينة العرائش وتيشمس من ثغور العدوة المغربية فقتلوا رجالها وسبوا نساءها وانتهبوا أموالها وأضرموها نارا ورجعوا عودهم على بدءهم فركبوا أجفانهم ولحقوا ببلادهم ولم تنلهم شوكة السلطان يعقوب لأنه كان مشغولا بفتح مراكش في التاريخ المذكور ولم يبين في القرطاس هؤلاء النصارى من هم
وقعة إيسلي بين السلطان يعقوب ابن عبد الحق ويغمراسن بن زيان
لما أنعم الله على السلطان يعقوب بامتداد ظل ملكه في أقطار المغرب ونواحيه ونفوذ كلمته في حواضره وبواديه وتمم له الصنع بفتح مراكش ووراثة كرسي بني عبد المؤمن بها وعاد إلى فاس كما قلنا تحرك ما كان في نفسه من ضغائن يغمراسن بن زيان وما آسفه به من تخذيل عزائمه ومجاذبته عن قصده ورأى أن وقعة تلاغ لم تشف صدره ولا أطفأت نار موجدته فأجمع أمره لغزوة ونشطه لذلك ما صار إليه من الملك وسعة السلطان فحشد جميع أهل المغرب وعزم على استئصاله وقطع دابره فعسكر بفاس وبعث ولده أبا مالك إلى مراكش في جماعة من خواصة حاشرين في مدائنها وضواحيها فاجتمع عليه من قبائل العرب والمصامدة وصنهاجة وبقايا عساكر الموحدين بالحضرة وحامية الأمصار من جند الفرنج وناشبة الغزو استكثر من ذلك كله واحتفل السلطان يعقوب بفاس كذلك ثم نهض منها غرة صفر سنة سبعين وستمائة فسار حتى نزل وادي ملوية فأقام عليه أياما حتى لحقه ابنه أبو مالك في جموعه وتوافت لديه أمداد العرب من قبائل جشم أهل تامسنا الذين هم سفيان والخلط والعاصم وبنو جابر ومن معهم من الأثبج وقبائل ذوي حسان والشبانات من معقل أهل السوس الأقصى وقبائل رياح أهل أزغار وبلاد الهبط فعرض هنالك عساكره وميزها ورتبها فيقال إنها بلغت ثلاثين ألفا وارتحل يريد تلمسان ولما انتهى إلى أنكاد قدمت عليه رسل ابن الأحمر ووفد أهل الأندلس يستصرخونه على العدو ويسألونه الإعانة والنصر ويخبرونه بأنه قد كلب عليهم وشره لالتهام بلادهم فتحركت همته رحمه الله للجهاد ونصر المسلمين وإغاثة المستضعفين منهم ونظر في صرف الشواغل عن ذلك وجنح للسلم مع يغمراسن وعزم عليها واستشار الملأ من أشياخ العرب وبني مرين في ذلك فصوبوا رأيه لما كانوا عليه أيضا من إيثار الجهاد ومحبته فبعث السلطان يعقوب جماعة من أشياخ القبائل إلى يغمراسن يدعونه إلى الصلح واجتماع الكلمة وقال لهم في جملة قوله إن الصلح خير كله فإن جنح يغمراسن إليه وأناب فذاك وإلا فأسرعوا إلي بالخبر فسار الأشياخ إلى يغمراسن فوافوه بظاهر تلمسان وقد أخذ أهبته واستعد للقاء وحشد قبائل زناتة المجاورين له في تلك البلاد من بني عبد الواد وبني راشد وأحلافهم ومغراوة من عرب بني زغبة فبلغوه الرسالة وعرضوا عليه مقالة السلطان يعقوب فأبى واستكبر وصم عن سماع قولهم وموعظتهم وقال أبعد مقتل ولدي أصالحه والله لا كان ذلك أبدا حتى أثأر به وأذيق أهل المغرب النكال من أجله فرجعت الرسل إلى السلطان يعقوب بالخبر وتزاحف الفريقان فكان اللقاء على وادي ايسلي من بسيط وجدة وعبأ السلطان يعقوب كتائبه ورتب مصافه وجعل ابنه عبد الواحد في الميمنة وابنه يوسف في الميسرة ووقف هو في القلب ودارت بينهم رحى الحرب وركدت مليا وهلك في الحومة أبو عنان فارس بن يغمراسن بن زيان في جماعة من بني عبد الواد وهلك عامة عسكر الفرنج الذين كانوا معهم لثباتهم بثبات يغمراسن فطحنتهم رحى الحرب وتقبض على قائدهم برنيس وانهزم الباقون ونجا يغمراسن في فله حاميا لهم ومدافعا عنهم من خلفهم ومر في هزيمته بفساطيطه فأضرمها نارا تفاديا من حصرة استيلاء العدو عليها وانتهبت بنو مرين باقي معسكره واستبيحت حرمه وارتحل السلطان يعقوب من الغد في أثره حتى إذا انتهى إلى وجدة وقف عليها فأمر بهدمها فتسارعت أيدي الجند إليها وجعلوا عاليها سافلها وألصقوا بالرغام جدرانها وتركوها قاعا صفصفا وكانت هذه الوقعة منتصف رجب من سنة سبعين وستمائة ثم تقدم إلى تلمسان فنزل عليها وحاصرها أياما وأطلق الأيدي في ساحتها بالنهب والعيث ثم شن الغارات على البسائط فاكتسحها سببا ونسفها نسفا وهلك في طريقه إلى تلمسان وزيره عيسى بن ماساي وكان من عليه وزرائه وحماة ميدانه وله في ذلك أخبار مذكورة وكان مهلكه في شوال من السنة المذكورة وقدم عليه وهو محاصر لتلمسان الأمير أبو زيان محمد بن عبد القوي بن العباس بن عطية كبير بني توجين من زناتة في جيش كثيف من قومه مباهيا ببنوده وطبوله وآلة حربه وكان قدومه هذا بقصد مظاهرة السلطان يعقوب على يغمراسن وتلمسان لعداوة كانت بينهما فأكرم السلطان يعقوب وفادته واستركب الناس للقائه واتخذ رتبة السلاح لمباهاته واستمر الحصار على تلمسان وعظمت نكاية بني توجين فيها بتخريب الرباع وانتساف الجنات وقطع الثمار وإفساد الزرع وتحريق القرى والضياع لما كان يغمراسن يعاملهم في بلادهم بمثل ذلك أو أكثر ولما امتنعت تلمسان على السلطان يعقوب وأيس من فتحها لحصانتها واشتداد شوكة حاميتها عزم على الإفراج عنها وأشار على الأمير محمد بن عبد القوي بالقفول إلى مأمنه قبل أن ينهض هو عن تلمسان ووصله وقومه وملأ حقائبهم من التحف وجنب لهم مائة من الخيل المقربات الجياد بمراكبها وأراح عليهم ألف ناقة حلوب وعمهم بالخلع الفاخرة والصلات الوافرة واستكثر لهم من السلاح والفازات والفساطيط وحملهم على الظهر وارتحلوا إلى منجاتهم ومقرهم من جبل وانشريس وتلوم السلطان يعقوب عليهم أياما ريثما وصلوا حذرا عليهم من يغمراسن أن ينتهز الفرصة في اتباعهم ثم أقلع السلطان عن تلمسان وثنى عنانه إلى المغرب فوصل إلى رباط تازا في أول يوم من ذي الحجة من السنة المذكورة فعيد بها عيد النحر ثم ارتحل إلى فاس فدخلها فاتح سنة إحدى وسبعين وستمائة فأقام بها إلى اليوم الحادي عشر من صفر فتوفي ولده وولي عهده الأمير أبو مالك عبد الواحد بن يعقوب فأسف لفقده ثم صبر واحتسب ثم نهض إلى مراكش فدخلها أوائل ربيع الثاني من السنة المذكورة فأقام بها شهرا حتى أصلح من شأنها ثم نهض إلى طنجة وسبتة على ما نذكره
فتح طنجة وسبتة وما كان من أمر العزفي بهما
قد تقدم لنا في دولة أبي حفص عمر المرتضي أن الفقيه أبا القاسم العزفي استبد عليه بسبتة وتوارث ذلك بنوه من بعده وكان هؤلاء العزفيون من بيوتات سبتة وأهل الرياسة والعلم والدين فيهم ولما ضعف أمر بني عبد المؤمن بالمغرب استقل الفقيه أبو القاسم بن أبي العباس العزفي برياستها وضبطها وانتظم في طاعته سائر أعمالها ولما كانت سنة ثلاث وستين وستمائة بعث الفقيه المذكورة أجفانه إلى مدينة أصيلا فهدموا أسوارها ونقضوا قصبتها لأنه خاف عليها من خلائها أن يملكها العدو ويتمنع بها واستمرت أموره في سبتة ونواحيها على الشداد وكانت طنجة تالية لسبتة في سائر أحوالها وكانتا معا من أحصن بلاد المغرب فدخل صاحب طنجة وهو أبو الحجاج يوسف بن محمد الهمداني المعروف بابن الأمير في طاعة أبي القاسم المذكور ثم انتفض عليه لمضي سنة من طاعته واستبد وخطب لابن أبي حفص صاحب إفريقية ثم للخليفة العباسي صاحب بغداد ثم لنفسه وسلك في طنجة مسلك العزفي في سبتة ولبثوا على ذلك ما شاء الله حتى إذا ملك بنو مرين المغرب وافتتحوا معاقله وحصونه وهلك الأمير أبو بكر بن عبد الحق وابنه أبو حفص عمر من بعده فتحيز بنوه في أتباعهم وحشمهم إلى ناحية طنجة وأصيلا فأوطنوا ضاحيتها وعاثوا في نواحيها وضيقوا على أهل طنجة حتى شارطهم ابن الأميرعلى خراج معلوم على أن يكفوا الأذية ويحموا الحوزة ويصلحوا السابلة فاتصلت يده بيدهم وترددوا إلى البلد لاقتضاء حاجاتهم ثم مكروا وأضمروا الغدر فدخلوا في بعض الأيام متأبطين السلاح وفتكوا بابن الأمير غيلة فثارت بهم عامة أهل طنجة واستلحموهم لحينهم في مصرع واحد سنة خمس وستين وستمائة واجتمعوا على ولده فبايعوه وبقيت في ملكته خمسة أشهر ثم استولى عليها أبو القاسم العزفي فنهض إليها بعساكره من الرجل برا وبحرا وملكها وفر ابن الأمير فلحق بتونس ونزل على المستنصر الحفصي واستقرت طنجة في إيالة العزفي فضبطها وقام بأمرها وولي عليها من قبله وأشرك الملأ من أشرافها في الشورى ولما استولى السلطان يعقوب على حضرة مراكش ومحا دولة آل عبد المؤمن منها وفرغ من أمر عدوه يغمراسن هم بتلك الناحية وأحب أن يضيفها إلى ما بيده ليصفوا له أمر المغرب الأقصى كله فنهض إلى طنجة ونازلها مفتتح اثنتين وسبعين وستمائة لأنها كانت في البسيط دون سبتة فكان أمرها أسهل فحاصرها نحو ثلاثة أشهر فامتنعت عليه ويئس منها وعزم على الإفراج عنها فبينما هو يقاتل في عشي اليوم الذي عزم على النهوض في غده إذا بجماعة من رماتها قاموا على برج ورفعوا لواء أبيض ونادوا بشعار بني مرين وذلك لخلاف وقع بينهم داخل البلد فتسارع الجند إليهم فملكوهم البرج فتسوروا إليه الحيطان وقاتلوا عليه سائر ليلتهم إلى الصباح ثم تكاثرت جيوش بني مرين واقتحموا البلد عنوة ونادى منادي السلطان يعقوب بالأمان فلم يهلك من أهلها إلا نفر يسير ممن رفع يده للقتال وشهر السلاح ساعة الدخول وكان ذلك في ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين وستمائة ولما فرغ السلطان يعقوب من طنجة بعث ولده الأمير يوسف إلى سبتة فحاصر بها العزفي أياما ثم لاذ بالطاعة على أن يبقى ممتنعا بحصنه ويؤدي للسلطان خراجا معلوما كل سنة فقبل السلطان منه ذلك وأفرجت عنه عساكره وعاد إلى فاس والله غالب على أمره
فتح سجلماسة وما كان من أمرها
قد ذكرنا ما كان من استيلاء الأمير أبي بكر بن عبد الحق على سجلماسة ودرعة وأنه عقد على مسلحتها لأبي يحيى الفطراني الذي كان السبب في غلبه عليها المرتضى وقتل القطراني بواسطة القاضي ابن حجاج حسبما تقدم ذلك كله ثم غلب عليها بعد حين يغمراسن بن زيان بواسطة عرب المنبات من بني معقل أهل الصحراء وعقد عليها لعبد الملك بن محمد العبد الوادي المعروف بابن حنينة نسبة إلى أمه وهي أخت يغمراسن بن زيان ولما فتح السلطان يعقوب بلاد المغرب وانتظمها في ملكته وجه عزمه إلى افتتاح سجلماسة وانتزاعها من أيدي بني عبد الواد المتغلبين عليها فنهض إليها في رجب سنة اثنتين وسبعين وستمائة في جموع بني مرين وقبائل المغرب من العرب والبربر ونازلها ونصب عليها آلات الحصار من المجانيق والعرادات وغير ذلك قال ابن خلدون ونصب عليها هندام النفط القاذف بحصى الحديد ينبعث من خزانة أمام النار الموقدة في البارود بطبيعة غريبة ترد الأفعال إلى قدرة بارئها اه كلامه قلت وفيه فائدة أن البارود كان موجودا في ذلك التاريخ وأن الناس كانوا يقاتلون به ويستعملونه في محاصراتهم وحروبهم يومئذ وفيه رد لما نقله أبو زيد الفاسي في شرج منظومته الموضوعة في العمل الجاري بفاس قال كان حدوث البارود سنة ثمان وستين وسبعمائة حسبما ذكره بعضهم في تأليف له في الجهاد وأنه استخرجه حكيم كان يعمل الكيمياء ففرقع له فأعاده فأعجبه فاستخرج منه هذا البارود اه وصرخ الشيخ أبو عبد الله بناني في حاشيته على مختصر الشيخ خليل بأن حدوثه كان في وسط المائة الثامنة وهو غير صواب لما علمت من كلام ابن خلدون أنه كان موجودا قبل ذلك بنحو مائة سنة ويغلب على ظني أن لفظ الستمائة تصحف بالسبعمائة فسرى الغلط من ذلك والله أعلم وأقام السلطان يعقوب على حصار سجلماسة حولا كاملا وكان سفهاؤها يصعدون فوق الأسوار ويعلنون بالسب والفحش إلى أن هتك المنجنيق ذات يوم طائفة من سورها فدخلت من هنالك عنوة بالسيف وعاث الجند في أهلها فقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية وأتى القتل على عاملها عبد الملك بن حنينة ومن كان بها من أشياخ بني عبد الواد وعرب المنبات وكان فتحها آخر صفر وقيل يوم الجمعة ثالث ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين وستمائة وكمل بفتحها للسلطان يعقوب فتح بلاد المغرب وتمشت طاعته في أقطاره فلم يبق فيه أهل حصن يدينون بغير دعوته ولا جماعة تتحيز إلى غير فئته
أخبار السلطان المنصور بالله يعقوب بن عبد الحق المريني في الجهاد وما كان له بالأندلس من الذكر الجميل والفخر الجزيل رحمه الله
قد تقدم لنا ما كان للعدو الكافر على المسلمين في وقعة العقاب من الظهور والغلبة وأن تلك الوقعة كانت سبب ضعف المسلمين بالمغرب والأندلس واستيلاء العدو الكافر على جل ثغورها وحصونها ولما ضعف أمر الموحدين بالمغرب استبد السادة منهم بالأندلس وصاروا إلى المنافسة فيما بينهم واستظهار بعضهم على بعض بالطاغية وإسلام حصون المسلمين إليه في سبيل تلك الفتنة فمشت رجالات الأندلس بعضهم إلى بعض وأجمعوا على إخراج الموحدين من أرضهم فثاروا بهم لوقت واحد وأخرجوهم وتولى كبر ذلك محمد بن يوسف بن هود الجذامي ثم من بعده محمد بن يوسف بن نصر المعروف بابن الأحمر ونازع ابن هود الرياسة بالأندلس ولا الشهيرة التي منها قرطبة وإشبيلية قاعدتا أرض الأندلس كان كل واحد من هذين الثائرين يتقرب إلى الطاغية بما غلب عليه من ذلك ليعينه على صاحبه والأمر لله وحده وانقرض أمر ابن هود عن أمد قريب واستمرت دولة ابن الأحمر في عقبه إلى آخر المائة التاسعة ولما استتب أمر ابن الأحمر بالأندلس عقد السلم مع الطاغية على أن ينزل له عن جميع بسائط عرب الأندلس فنزل له عنها أجمع ولجأ بالمسلمين إلى سيف البحر معتصمين بأوعاره ومتشبثين بمعاقله وحصونه واختار ابن الأحمر لنزوله مدينة غرناطة واتخذها كرسي مملكته وابتنى بها لسكناه حصن الحمراء وكان ابن الأحمر هذا يدعى بالشيخ وكان قد عهد إلى ولده القائم من بعده محمد المعروف بالفقيه لانتحاله طلب العلم في صغره وأوصاه إذا نابه أمر من العدو أو وصل إليه مكروه أن يستنصر عليه ببني مرين ويدرا بهم في نحره ويجعلهم وقاية بين العدو وبين المسلمين فلما تكالب الطاغية على بلاد الأندلس بادر محمد الفقيه إلى العمل بإشارة والده وأوفد مشيخة الأندلس كافة على السلطان يعقوب رحمه الله فلقيه وفدهم منصرفا من فتح سجلماسة فتبادروا للسلام عليه وألقوا إليه كنه الخبر عن كلب العدو على المسلمين وثقل وطأته فحيا وفدهم واستبشر بمقدمهم وبادر لإجابة داعي الله وإيثار الجنة وكان السلطان يعقوب رحمه الله منذ أول أمره مؤثرا عمل الجهاد كلفا به مختارا له لو أعطي الخيار على سائر أعماله حتى لقد كان اعتزم على الغزو إلى الأندلس أيام أخيه الأمير أبي بكر وطلب إذنه في ذلك فلم يأذن له فكان في نفسه من ذلك شغل وله إليه صاغية فلما قدم عليه هذا الوفد نبهوا عزيمته وأيقظوا همته فأعمل في الاحتشاد وبعث في النفير ونهض من فاس في شوال سنة ثلاث وسبعين وستمائة فوصل إلى طنجة وأقام هنالك وجهز خمسة آلاف من قومه أزاح عللهم وأجزل أعطياتهم وعقد عليهم لابنه أبي زيان وأعطاه الراية واستدعى من العزفي صاحب سبتة السفن لإجازتهم فوافاه بقصر المجاز منه عشرون أسطولا فأجاز العسكر المذكور ونزل بطريف في السادس عشر من ذي القعدة من السنة المذكورة فأراح الأمير أبو زيان بطريف ثلاثا ثم دخل دار الحرب وتوغل فيها وأجلب على ثغورها وبسائطها وامتلات أيديهم من المغانم وأثخنوا بالقتل والأسر وتخريب العمران ونسف الآثار حتى نزل بساحة شريش فخام حاميتها عن اللقاء وتحصنوا بالأسوار وقفل الأمير أبو زيان الجزيرة الخضراء وقد أمتلأت أيدي عسكره من الأموال وحقائبهم من السبي وركائبهم من السلاح والأثاث ورأى أهل الأندلس أن قد ثأروا بعام العقاب بعد أن لم تنصر لهم راية من ذلك اليوم إلى الآن والله غالب على أمره
الجواز الأول للسلطان يعقوب إلى الأندلس برسم الجهاد
ثم اتصل الخبر بالسلطان يعقوب رحمه الله أن العدو قد أخذ في الاستعداد وعزم على الخروج إلى بلاد المسلمين فاعتزم على الغزو بنفسه وخشي على ثغور بلاده من عادية يغمراسن صاحب تلمسان فبعث حافده تاشفين بن عبد الواحد بن يعقوب في وفد من بني مرين لعقد السلم مع يغمراسن والرجوع للاتفاق والموادعة ووضع أوزار الحرب بين المسلمين للقيام بوظيفة الجهاد فأكرم موصله وموصل قومه وبادر إلى الإجابة والألفة وأوفد مشيخة بني عبد الواد على السلطان يعقوب لعقد السلم وبعث معهم الرسل وأسني الهدية وجمع الله كلمة الإسلام وعظم موقع هذا السلم من السلطان يعقوب لما كان في نفسه من الميل إلى الجهاد وإيثار مبرورات الأعمال فبث الصدقات شكرا لله تعالى على ما منحه من التفرغ لذلك ثم استنفر الكافة واحتشد القبائل والجموع ودعا المسلمين إلى جهاد عدوهم وخاطب في ذلك سائر أهل المغرب من زناتة والعرب والموحدين والمصامدة وصنهاجة وغمارة وأروبة ومكناسة وجميع قبائل البربر من المرتزقة والمتطوعة وأهاب بهم وشرع في عبور البحر فأجازهم من فرضة قصر المجاز في صفر سنة أربع وسبعين وستمائة واحتل بساحل طريف وكان السلطان يعقوب حين استصرخه ابن الأحمر وأوفد عليه مشايخ الأندلس اشترط عليه السلطان يعقوب النزول عن بعض الثغور بساحل الفرضة لاحتلال عساكره بها فتجافى له عن رندة وطريف ولما أحس الرئيس أبو محمد بن أشقيلولة بإجازة السلطان يعقوب قدم إليه الوفد من أهل مالقة ببيعتهم وصريخهم وكان أبو محمد بن أشقيلولة وأخوه أبو إسحاق من أصهار ابن الأحمر وكانا مستوليين على مالقة ووادي آش وقمارش ووقعت بينهما وبين ابن الأحمر منافسة فخرجا عن طاعته ولما عبر السلطان يعقوب إلى الأندلس بادر أبو محمد بن أشقيلولة إليه واتصل به وأمحضه الود والنصح وسابق ابن الأحمر في ذلك ونازعه في برور مقدمه والإذعان له وربما صدرت من ابن أشقيلولة في حق ابن الأحمر جفوة بمحضر السلطان يعقوب أدت إلى بعض الفساد وانصرف ابن الأحمر مغاضبا للسلطان من أجل ذلك ولما احتل السلطان بناحية طريف ملأت كتائبه ساحة الأرض ما بينها وبين الجزيرة الخضراء ثم نهض إلى العدو قبل أن يسبق إليهم الخبر فدخل دار الحرب وانتهى إلى الوادي الكبير فعقد هنالك لولده الأمير يوسف على خمسة آلاف من عسكره قدمها بين يديه ثم تبعه على أثره وسرح كتائبه في البسائط وخلال المعاقل تنسف الزروع وتخطم الغروس وتخرب العمران وتنتهب الأموال وتكتسح السرح وتقتل المقاتلة وتسبي النساء والذرية حتى انتهى إلى حصن المدور وبياسة وأبدة واقتحم حصن بلمة عنوة وأتى على سائر الحصون في طريقه فطمس معالمها واكتسح أموالها وقفل السلطان يعقوب رحمه الله والأرض تموج سبيا إلى أن عرس بأستجه من تخوم دار الحرب وجاءه النذير باتباع العدو آثاره لاستنقاذ أسراه واسترجاع أمواله وأن زعيم الفرنج وعظيمهم نونه خرج في طلبهم في أمم النصرانية من المحتلم إلى الشيخ فقدم السلطان الغنائم بين يديه وسرح ألفا من الفرسان أمامها وسار يقتفيها من خلفها حتى إذا أطلت رايات العدو مر ورائهم كان الزحف ورتب المصاف وجرد السيف وذكر اسم الله وراجعت زناتة بصائرها وعزائمها وتحركت هممها وأبلت في طاعة ربها والذب عن دينها وجاءت بما يعرف من بأسها وبلائها في مقاماتها ومواقفها فلم يكن إلا كلا ولا حتى هبت ريح النصر وظهر أمر الله وانكشفت جموع النصرانية وقتل الزعيم نونه وكان هذا اللعين زعيم النصرانية بالأندلس قد قدمه الفنش على جيوشه واستعمله على حروبه وفوض له في جميع أموره وكان النصارى قد سعدوا بطائرة وتيمنوا بنقيبته لأنه لم تهزم له قط راية وكان وبالا على بلاد الإسلام كثير الغارات عليها حتى جمع الله بينه وبين السلطان يعقوب فأراحه من تعب الحرب وكد الغارات وألحقه بأمه الهاوية ومنح المسلمين رقاب الفرنج واستحر فيهم القتل حتى بلغت قتلاهم عدد الألوف وجمعوا من رؤوسهم مآذن أذنوا عليها لصلاتي الظهر والعصر واستشهد من المسلمين ما يناهز الثلاثين أكرمهم الله تعالى بالشهادة وآثرهم بما عنده ونصر الله حزبه وأعز أوليائه وأظهر دينه وبدا للعدو ما لم يكن يحتسبه بمحاماة هذه العصابة عن الملة وقيامها بنصر الكلمة وبعث السلطان يعقوب رحمه الله برأس الزعيم نونه إلى ابن الأحمر فيقال إنه بعثه سرا إلى قومه بعد أن طيبه وأكرمه ولاية أخلصها لهم ومداراة وانحرافا عن السلطان يعقوب ظهرت شواهد ذلك عليه بعد حين واعلم أن هذا الزعيم يسميه كثير من المؤرخين دون نونه ولفظه دون معناها في لسانهم السيد أو العظيم أو ما أشبه ذلك فلذا أسقطناها وقفل السلطان يعقوب من غزاته هذه إلى الجزيرة الخضراء منتصف ربيع من السنة المذكورة فقسم في المجاهدين الغنائم وما نفلوه من أموال عدوهم وسباياهم وأسراهم وكراعهم بعد الاستئثار بالخمس لبيت المال على موجب الكتاب والسنة ليصرفه في مصارفه ويقال كان مبلغ الغنائم في هذه الغزاة مائة ألف من البقر وأربعة وعشرين ألفا من السبي ومن الأسارى سبعة آلاف وثمانمائة وثلاثون ومن الكراع أربعة عشر ألفا وستمائة وأما الغنم فاتسعت عن الحصر كثرة حتى لقد زعموا أنه قد بيعت الشاة الواحدة بدرهم وكذلك السلاح وأقام السلطان يعقوب بالجزيرة أياما ثم نهض في جمادى الأولى من السنة المذكورة غازيا إشبيليه فجاس خلالها وتقرى نواحيها وأقطارها وأثخن بالقتل والنهب في جهاتها وعاث في عمرانها وأوغل في مسيره حتى وقف على بابها وزعقت طبوله في جوها وخفقت ألويته على جنباتها ولجأت الفرنج إلى الأسوار واعتمدوا على الحصار ولم يخرج إليه منهم أحد ثم ارتحل إلى شريش فأذاقها من وبال العيث والاكتساح مثل ذلك أو أكثر ورجع إلى الجزيرة لشهرين من غزاته فبيعت الفرنجية من سبيه بها بمثقال ونصف لكثرة السبي حينئذ ودخل فصل الشتاء فنظر السلطان يعقوب في اختطاط مدينة بفرضة المجاز من العدوة لنزول عسكره منتبذا عن الرعية لما يلحقهم من ضرر العسكر وجفائهم وتخير لها مكانا ملاصقا للجزيرة فأوعز ببناء المدينة المشهورة بالبنية ثم أجاز البحر إلى المغرب في رجب من سنته أعني سنة أربع وسبعين وستمائة فكان مغيبه وراء البحر ستة أشهر واحتل بقصر مصمودة وأمر ببناء السور على باديس مرفأ السفن ومحل العبور من بلاد غمارة ثم رحل إلى فاس فدخلها في النصف من شعبان من السنة المذكورة
فتح جبل تينملل ونبش قبور بني عبد المؤمن على يد الملياني عفا الله عنه
قد تقدم لنا أن جبل تينملل كان حصنا للموحدين وملجأ لهم إذا نابهم مكروه وكان مسجده مزارا عظيما لهم لأنه مدفن إمامهم وملحد خلفائهم فكانوا يعكفون عليه ويلتمسون بركة زيارته ويقدمون ذلك بين يدي غزواتهم قربة يتقربون بها إلى الله تعالى ولما استولى السلطان يعقوب على مراكش فر من كان بها من الموحدين إلى الجبل المذكور واعتصموا به وبايعوا إسحاق أخا المرتضى وأملوا منه رجع الكرة وإدالة الدولة واستمر الحال على ذلك إلى هذه السنة فنهض عامل مراكش من قبل السلطان يعقوب وهو محمد بن علي بن محلي أحد خؤلته ونازل الجبل المذكور وحاصره مدة ثم اقتحمه عنوة وافتض عذرته وفك ختامه وتقبض عل خليفة الموحدين إسحاق وابن عمه السيد أبي سعيد بن أبي الربيع ومن معهما من الأولياء وجنبوا إلى مصارعهم بباب الشريعة من مراكش فضربت أعناقهم وصلبت أشلاؤهم وكان فيمن قتل منهم الكاتب القبائلي وأولاده وعاثت عساكر بني مرين في جبل تينملل واكتسحوا أمواله ونبشوا قبور خلفاء بني عبد المؤمن واستخرجوا أشلاءهم وكان فيها شلو يوسف بن عبد المؤمن وابنه يعقوب المنصور فقطعت رؤوسهم وتولى كبر ذلك أبو علي أحمد الملياني كان أبو علي هذا ثار على الحفصيين بمدينة مليانة فجهزوا إليه عساكره وأجهضوه عنها ففر إلى السلطان يعقوب فقبله وآواه وأقطعه بلد أغمات إكراما له فحضر هذه الوقعة في جملة العسكر وارتكب هذا الفعل الشنيع ورأى أنه قد شفى نفسه باستخراج هؤلاء الخلائق من أرماسهم والعبث بأشلائهم وقد أنكر الناس عامة والسلطان يعقوب خاصة هذه الفعلة منه ولم يرضوها ومع ذلك فقد تجاوز له السلطان يعقوب عنها تأنيسا لغربته ورعيا لجواره ولما توفي السلطان يعقوب وولي بعده ابنه يوسف سعى إليه في الملياني هذا فنبكه على ما نذكره إن شاء الله ولما وصل السلطان يعقوب من غزوته إلى فاس انتقض عليه طلحة بن محلي أحد أخواله وتمنع بجبل آصروا من بلاد فازاز فسار إليه لسلطان يعقوب وحاصره به فأناب إلى الطاعة ونزل على الأمان وذلك في منتصف رمضان سنة أربع وسبعين وستمائة وفي ثاني يوم من شوال من هذه السنة ثارت العامة باليهود بفاس بسبب حدث أحدثوه فقتلوا منهم أربعة عشر يهوديا ولولا أن السلطان ركب بنفسه ورد العامة عنهم لكانت إياها
بناء المدينة البيضاء المسماة اليوم بفاس الجديد
لما فتح جبل تينملل ومحيت منه بقية آل عبد المؤمن وتمهد ملك المغرب للسلطان يعقوب واستفحل أمره وكثرت غاشيته رأى أن يختط بلدا ينسب إليه ويتميز بسكناه وينزل فيه بحاشيته وأوليائه الحاملين لسرير ملكه فأمر ببناء المدينة البيضاء ملاصقة لمدينة فاس على ضفة واديها المخترق لها من جهة أعلاه وشرع في تأسيسها ثالث شوال من سنة أربع وسبعين وستمائة وركب السلطان بنفسه فوقف عليها حتى خطت مساحتها وأسست جدرانها وجمع الأيدي عليها وحشر الصناع والعملة لبنائها وأحضر لها أهل النجامة والمعدلين لحركات الكواكب فاختاروا لها من الطوالع ما يرضون أثره ويحمدون سيره وأسست فيه وكان في أولائك االمعدلين إمامان شهيران أبو الحسن بن القطان وأبو عبد الله بن الحباك المقدمان في الصناعة فكمل تشييد هذه المدينة على ما رسم رحمه الله وكما رضي ونزلها بحاشيته وذويه سنة أربع وسبعين المذكورة واختط الناس بها الدور والمنازل وأجريت فيها المياه إلى القصور وكانت من أعظم آثار هذه الدولة وأبقاها على الأيام قال ابن أبي زرع ومن سعادة طالعها أنه لا يموت فيها خليفة ولم يخرج منها لواء قط إلا كان منصورا ولا جيش إلا كان ظافرا ثم أمر رحمه الله ببناء قصبة مكناسة فشرع في بنائها وبناء جامعها في السنة المذكورة ثم استوزر صنيعته أبا سالم فتح الله السدراتي وأجرى له رزق الوزارة على عادتهم ثم كافأ يغمراسن بن زيان على هديته التي كان بعث بها إليه قبل إجازته إلى الأندلس فبعث إليه فسطاطا رائقا كان صنع له بمراكش وثلاثين من البغال الفارهة ذكرانا وإناثا وغير ذلك مما يباهي به ملوك المغرب وفي سنة خمس وسبعين وستمائة أهدى إليه الأمير محمد بن عبد القوي التوجيني صاحب جبل وانشريس أربعة من الجياد انتقاها من خيل المغرب كافة ورأى أنها على قلة عددها أحفل هدية وفي نفسه أثناء هذا كله من أمر الجهاد شغل شاغل يتخطى إليه سائر أعماله حسبما نذكره إن شاء الله
الجواز الثاني للسلطان يعقوب إلى الأندلس برسم الجهاد
لما قفل السلطان يعقوب من غزوته الأولى واستنزل الخوارج وثقف الثغور وهادى الملوك واختط المدينة البيضاء لنزوله كما ذكرنا خرج فاتح سنة خمس وسبعين وستمائة إلى جهة مراكش لسد ثغورها وتثقيف أطرافها وتوغل في أرض السوس وبعث وزيره فتح الله السدراتي في العساكر فجاس خلالها ثم انكفأ راجعا وهناك خاطب السلطان يعقوب رحمه الله قبائل المغرب كافة بالنفير إلى الجهاد فتثاقلوا عليه فلم يزل يحرضهم وهم يسوفون إلى أن دخلت سنة ست وسبعين بعدها ولما رأى تثاقل الناس عليه نهض إلى رباط الفتح وتلوم به أياما في انتظار الغزاة فأبطؤوا عليه فخف في خاصته وتقدم في حاشيته حتى انتهى إلى قصر المجاز وقد تلاحق به الناس من كل جهة لما رأوا من عزمه وتصميمه فأجاز بهم البحر واحتل بطريف آخر محرم من السنة المذكورة ثم ارتحل إلى الجزيرة الخضراء ثم إلى رندة فوافاه بها الرئيسان أبو محمد عبد الله بن أبي الحسن علي بن أشقيلولة صاحب مالقة وأخوه أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الحسن برسم الجهاد معه ثم ارتحل السلطان من رندة فاتح ربيع الأول من السنة المذكورة حتى انتهى إلى إشبيلية فعرس عليها يوم المولد النبوي وكان بها يومئذ ملك الجلالقة أن أذفونش فلم يجد بدا من الخروج إليه بعد أن خام عن اللقاء أولا فبرز في جموعه وصفها على ضفة الوادي الكبير من ناحية السلطان وأظهر من أبهة الحرب ما قدر عليه فكانت جيوشه كلها في الدروع السوابغ والبيض اللوامع والسيوف البواتر وغير ذلك من آلات الحرب التي يكاد شعاعها يدهش البصر وزحف إليه السلطان يعقوب رحمه الله بعد أن صلى ركعتين ودعا الله تعالى ووعظ الناس وذكرهم فرتب مصافه وجعل ولده الأمير يوسف في المقدمة وزحف على التعبية فاقتتلوا مليا ثم انهزمت الفرنج فتساقط بعضهم في الوادي وانحدر آخرون مع ضفته وتصاعد آخرون كذلك واقتحم المسلمون عليهم وسط الماء وقتلوهم في لجته حتى صار الماء أحمر وطفت جيفهم من الغد عليه فكان فيهم عبرة لمن اعتبر وبات السلطان والمسلمون تلك الليلة على صهوات خيولهم يقتلون ويأسرون وأضرموا النيران بساحة إشبيلية حتى صار الليل نهارا وباتت الفرنج على الأسوار ينفخون في القرون ويحترسون طول ليلتهم ثم ارتحل السلطان من الغد إلى جبل الشرف وبث السرايا في نواحيه فلم يزل يتقرى تلك الجهات حتى أباد عمرانها وطمس معالمها ودخل حصن قطنيانة وحصن جليانة وحصن القليعة عنوة وأثخن في القتل والسبي ثم ارتحل بالغنائم والأثقال إلى الجزيرة الخضراء فدخلها في الثامن والعشرين من ربيع الأول المذكور فأراح بها وقسم الغنائم في المجاهدين ثم خرج غازيا مدينة شريش منتصف ربيع الآخر فنازلها وأذاقها نكال الحرب ووبال الحصار وقطع الزياتين والأعناب وسائر الأشجار وأباد خضراءها وحرق ديارها وأثخن فيها بالقتل والأسر وكان السلطان يعقوب يباشر قطع الشجر والثمر بيده وسرح ولده الأمير يوسف من معسكره في سرية للغارة على إشبيلية وحصون الوادي الكبير فبالغ في النكاية واكتسح حصن روطة وشلوقة وغليانة والقناطر ثم صبح إشبيلية فاكتسحها وانكفأ راجعا بالمغانم والسبي إلى السلطان يعقوب فسر بمقدمه وقفلوا جميعا إلى الجزيرة الخضراء فأراح السلطان بها أياما وقسم في المجاهدين غنائمهم ثم جمع أشياخ القبائل وندبهم إلى غزو قرطبة وقال يا معشر المجاهدين إن إشبيلية وشريش وأحوازهما قد ضعفت وبادت ولم يبق لكم بها كبير نفع ولا نكاية وإن قرطبة وأعمالها بلاد حصينة عامرة وعليها اعتماد الفرنج ومنها معاشهم ومادتهم فإن عزوتموها واستأصلتم خضراءها مثل ما فعلتم بإشبيلية وشريش كان ذلك سبب ضعف النصرانية بهذا القطر فأجابوا بالسمع والطاعة فدعا لهم وفرق فيهم الأموال والخلع وخاطب ابن الأحمر يستنفره للجهاد معه وقال إن خروجك معي إلى قرطبة يكون لك مهابة في قلوب الفرنج ما عشت سوى ما تستوجبه من الله تعالى من الثواب في ذلك ونهض السلطان إلى قرطبة فاتح جمادى الأولى من سنة ست وسبعين المذكورة فوافاه ابن الأحمر بناحية شدونه فأكرم موصله وشكر خفوفه إلى الجهاد وبداره إليه ونازلوا حصن بني بشير فدخلوه عنوة وقتلت المقاتلة وسبيت النساء ونفلت الأموال وهدم الحصن حتى لم يبق له أثر ثم بث السلطان رحمه الله السرايا والغارات في البسائط فاكتسحها وامتلأت الأيدي وأثرى العسكر وفاض عليهم من الغنم والبقر والمعز والخيل والبغال والحمير والقمح والشعير والزيت والعسل ما لا يوصف ثم ساروا يتقترون المنازل والعمران في طريقهم حتى احتلوا بساحة قرطبة فنازلوها وخفقت ألوية السلطان في نواحيها وزعقت طبوله في فضائها وتقدم في أبطاله وحماته حتى وقف على بابها ثم داربأسوارها ينظر كيف الحيلة في قتالها ووقف ابن الاحمر بعساكر الأندلس أمام محلة المسلمين يحرسونها خوفا من كرة العدو وخنس الفرنج وراء الأسوار وانبثت بعوث المسلمين وسراياهم في نواحي قرطبة وقراها فنسفوا آثارها وخربوا عمرانها وترددوا على جهاتها ودخلوا حصن الزهراء بالسيف وأقام السلطان على قرطبة ثلاثا ثم ارتحل عنها إلى حصن بركونة فدخله عنوة ثم أرجونة كذلك ثم قدم بعثا إلى مدينة جيان فقاسمها حظها من الخسف والدمار وخام الطاغية عن اللقاء وأيقن بخراب عمرانه وإتلاف بلاده فجنح إلى السلم وخطبه من السلطان يعقوب ورغب فيه إليه وبعث الأقسة والرهبان للوساطة في ذلك فرفعهم السلطان يعقوب إلى ابن الأحمر وجعل الأمر في ذلك إليه تكرمة لمشهده ووفاء بحقه وقال لوفد الفرنج إنما أنا ضيف والضيف لا يصالح على رب المنزل فساروا إلى ابن الأحمر وقالوا له إن السلطان يعقوب قد رد الأمر إليك ونحن قد جئناك لنعقد معك صلحا مؤبدا لا يعقبه غدر ولا حرب وأقسموا له بصلبانهم إن لم يرضه الفنش ليخلعنه لأنه لم ينصر الصليب ولا حمى الحوزة فأجابهم ابن الأحمر إليه بعد عرضه على أمير المسلمين والتماس إذنه فيه لما فيه من المصلحة وجنوح أهل الأندلس إليه منذ المدد الطويلة فانعقد السلم في آخر شهر رمضان من السنة المذكورة وقفل السلطان يعقوب من غزاته هذه وجعل طريقه على غرناطة احتفاء بالسلطان وخرج له عن الغنائم كلها فاحتوى عليها ابن الأحمر وساقها إلى غرناطة وقال له السلطان يعقوب يكون حظ بني مرين من هذين الغزاة الأجر والثواب مثل ما فعل يوسف بن تاشفين رحمه الله مع أهل الأندلس يوم الزلاقة ولما قفل السلطان يعقوب من هذه الغزوة اعتل الرئيس أبو محمد بن أشقيلولة ثم هلك غرة جمادى من السنة المذكورة فلحق ابنه محمد بالسلطان يعقوب آخر شهر رمضان وهو متلوم بالجزيرة الخضراء منصرفة من الغزو كما ذكرناه فنزل له عن مالقة ودعاه إلى حوزها منه وقال له إن لم تحزها أعطيتها للفرنج ولا يتملكها ابن الأحمر فحازها السلطان يعقوب منه وعقد عليها لابنه أبي زيان منديل بن يعقوب فسار إليها وتملكها وعز ذلك على ابن الأحمر غاية لأنه لما بلغه وفاة أبي محمد بن أشقيلولة سما أمله إليها وأن ابن أخته وهو محمد الوافد على السلطان يعقوب شيعة له لا يبغي به بدلا فأخطأ ظنه وخرج الأمر بخلاف ما كان يرتقب ولما قضى السلطان يعقوب بالجزيرة الخضراء صومه ونسكه خرج إلى مالقة فدخلها سادس شوال من السنة ويرز إليه أهلها في يوم مشهود واحتفلوا له احتفال أيام الزينة سرورا بمقدم السلطان واغتباطا بدخولهم في دعوته وانخراطهم في سلك رعيته وأقام فيهم إلى خاتم سنته ثم عقد عليها لعمر بن يحيى بن محلي من صنائع دولتهم وأنزل معه المسالح وترك عنده زيان بن أبي عياد بن عبد الحق في طائفة لنظره من أبطال بني مرين واستوصاه بمحمد بن اشقيلولة وارتحل إلى الجزيرة الخضراء ثم أجاز منها إلى المغرب فاتح سنة سبع وسبعين وستمائة وقد اهتزت الدنيا لمقدمه وامتلأت القلوب سرورا بما هيأه الله من نصر المسلمين بالأندلس وعلو راية الإسلام على كل راية وعظمت بذلك كله موجدة ابن الأحمر ونشأت الفتنة كما نذكره إن شاء الله
حدوث الفتنة بين السلطان يعقوب وابن الأحمر وما نشأ عن ذلك من حصار الجزيرة الخضراء وغير ذلك
قد تقدم لنا أن بنو اشقيلولة كانوا أصهارا لابن الأحمر وانهم لما قدموا على السلطان يعقوب بالجزيرة الخضراء في جوازه الأول صدرت من ابن اشقيلولة كلمات أحفظت ابن الأحمر وغاظته فذهب لأجلها مغاضبا وانحرف عن السلطان يعقوب ولم يشهد معه الغزو ولا عرج على الجهاد ولما نصر الله السلطان يعقوب على عدوه وقتل العلج وبعث برأسه إلى ابن الأحمر طيبه وبعثه إلى قومه انحرافا عن السلطان وموالاة للعدو ولما جاز السلطان يعقوب الجواز الثاني انقض عنه ابن الأحمر ولم يلقه حتى خاطبه السلطان واستنفره إلى الجهاد فلحقه بشدونة كما مر ولما صنع الله للسلطان ما صنع من الظهور والعز الذي الذي لا كفاء له واستولى على مالقة من يد ابن اشقيلولة ارتاب ابن الأحمر بمكانه وظن به الظنون وتخوف منه ما كان من يوسف بن تاشفين للمعتمد بن عباد وغيره من ملوك الطوائف فغص بمكانه وأظلم الجو بينهما ودارت بينهما مخاطبات شعرية على ألسنة الكتاب في معنى العتاب ولم تزل القوارص بين السلطانين تجري وعقارب السعاية تدب وتسري وخوف ابن الأحمر على ملكه يشتد ويزيد وأواصر الأخوة الإسلامية تتلاشى وتبيد إلى أن استحكمت البغضاء وضاق بينهما رحب الفضاء ففزع ابن الأحمر إلى مداخلة الطاغية في شأنه واتصال يده بيده وحبله بحبله وأن يعود إلى منزله أبيه معه من ولايته ليدافع به السلطان يعقوب وقومه عن أرضه ويأمن معه من زوال سلطانه فاغتنم الطاغية هذه الفرصة ونكث عهد السلطان يعقوب ونقض السلم واعلن بالحرب وأغزا أساطيله الجزيرة الخضراء حيث كانت مسالح السلطان يعقوب وجنوده وأرست بالزقاق حيث فراض المجاز وانقطعت عساكر السلطان وراء البحر وحال العدو بينهم وبين إغاثته إياهم واتصلت يد ابن الأحمر بيد الطاغية واتفقا على منع السلطان يعقوب من عبور البحر وداخل ابن الأحمر عمر بن يحيى بن محلى صاحب مالقة في النزول له عنها بعوض ففعل واستولى ابن الأحمر عليها ثم راسل هو والطاغية يغمراسن بن زيان من وراء البحر وراسلهم هو في مشاقة السلطان وإفساد ثغوره وإنزال العوائق المانعة له من حركته والأخذ بأذياله عن النهوض إلى الغزو وأسنوا فيما بينهما الهدايا والتحف وجنب يغمراسن إلى ابن الأحمر ثلاثين من عتاق الخيل مع ثياب من عمل الصوف وبعث إليه ابن الأحمر مكافأة على ذلك عشرة آلاف دينار فلم يرض بالمال ورده وأصفقت آراؤهم جميعا على السلطان يعقوب ورأوا أن قد أبلغوا في أحكام أمرهم وسد مذاهبه إليهم واتصل خبر هذا كله بالسلطان وهو بمراكش كان خرج إليها مرجعه من الغزو في المحرم سنة سبع وسبعين وستمائة لما كان من عيث عرب جشم بتامسنا وإفسادهم السابلة فثقف أطرافها وحسم مادة فسادها ثم اتصل به خبر ابن محلي ونزوله عن مالقة لابن الأحمر ومنازلة الطاغية بأساطيله للجزيرة الخضراء وتضييقه على المسلمين بها فبلغ ذلك منه كل مبلغ ونهض من مراكش ثالث شوال من السنة يريد طنجة فوصل إلى قرية مكول من بلاد تامسنا فتوالت عليه بها الأمطار والسيول وعاقته عن النهوض وبينما هو في ذلك ورد عليه الخبر أيضا بنزول الطاغية على الجزيرة الخضراء برا وإحاطة عسكره بها بعد أن كانت أساطيله منازلة لها في البحر منذ ستة أشهر أو سبعة وأنه مشرف على التهامها وبعثوا إليه يستصرخونه ويخبرونه بالحال فاعتزم على الرحيل ثم اتصل به الخبر ثالثا بخروج مسعود بن كانون السفياني ببلاد نفيس من أرض المصامدة خامس ذي القعدة من السنة وأن الناس اجتمعوا إليه من قومه وغيرهم فانخرقت على السلطان الفتوق وتوالت عليه الخطوب ولم يدر ما يصنع إلا أنه رأى أن يقدم أمر ابن كانون والعرب فكر راجعا إليه وقدم بين يديه حافده تاشفين بن أبي مالك ووزيره يحيى بن حازم العلوي وجاء هو على ساقتهم وفر مسعود بن كانون وجموعه أمام السلطان فانتهب معسكرهم وحللهم واستباح عرب الحارث من سفيان ولحق مسعود بجبل سكسيوة فاعتصم به وشايع عبد الواحد السكسيوي القائم به على خلافه ونازله السلطان يعقوب بعساكره أياما وسرح ابنه الأمير أبا زيان منديل إلى بلاد السوس لتمهيدها وتدويخ أقطارها فأوغل في ديارها وقفل إلى أبيه في آخر يوم من السنة المذكورة واتصل بالسلطان ما تضاعف على أهل الجزيرة من ضيق الحصار وشدة القتال وإعواز الأقوات وأنهم ختنوا الأصاغر من أولادهم خشية عليهم من معرة الكفر فأهمه ذلك وكان أقسم أن لا يرتحل عن ابن كانون حتى ينزل على حكمه أو يهلك دون ذلك فأعمل النظر فيما يكون به خلاص أهل الجزيرة فعقد لولي عهده ابنه الأمير يوسف وكان بمراكش عل الغزو إليها وكان أهل الجزيرة كما قلنا قد أحاط بهم العدو برا وبحرا وانقطعت عنهم المواد وعميت عليهم الأنباء إلا ما يأتيهم به الحمام من جبل طارق وفني أكثرهم بالقتل والجوع وسهر الليل على الأسوار وشدة الحصار حتى أشرف بقيتهم على الهلاك وأيسوا من الحياة فحينئذ جمعوا صبيانهم وختنوهم كما مر وبينما هم على ذلك قدم الأمير يوسف بجيوشه إلى طنجة وكان قدومه في أوائل صفر من سنة ثمان وسبعين وستمائة وكان السلطان يعقوب لما بعث ابنه الأمير يوسف إلى طنجة قد كتب إلى الثغور بإعداد الأساطيل وعمارتها وتوجيهها إليه وقسم الإعطاءات وحض الناس على النهوض فتوفرت همم المسلمين على الجهاد وأجابوا من كل ناحية وأبلى الفقيه أبو خاتم العزفي صاحب سبتة لما بلغه الخطاب من السلطان في شأن الأساطيل البلاء الحسن وقام فيه المقام المحمود فهيأ خمسة وأربعين أسطولا واستنفر كافة أهل بلده من المحتلم إلى الشيخ فركبوا البحر أجمعون ولم يبق بسبتة إلا النساء والشيوخ والصبيان ورأى ابن الأحمر ما نزل بأهل الجزيرة وإشراف الطاغية على أخذها فندم على ممالاته إياه وأعد أساطيل سواحله من المنكب والمرية ومالقة فكانت اثني عشر أسطولا فبعثها مددا للمسلمين وقدم من بادس وسلا وآنفى خمسة عشر أسطولا فنهض في الوقت اثنان وسبعون أسطولا واجتمعت كلها بمرفأ سبتة وقد أخذت بطرفي الزقاق في أحفل زي وأكمل استعداد ثم تقدمت إلى طنجة ليراها الأمير يوسف فشاهدها وسر بها وعقد لهم رايته مع جماعة من أبطال بني مرين رغبوا في الجهاد ثم أقلعت الأساطيل عن طنجة ثامن ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وستمائة وانتشرت قلوعهم في البحر فأجازوه وباتوا ليلة المولد الكريم بمرفأ جبل الفتح وصبحوا العدو وأساطيله يومئذ تناهز أربعمائة فتظاهر المسلمون في دروعهم وأسبغوا من شكتهم وأخلصوا لله عزائمهم وتنادوا بالجنة وشعارها ووعظ خطباؤهم وذكر صلحاؤهم والتحم القتال ونزل الصبر فلم يكن إلا كلا ولا حتى نضحوا العدو بالنبل ففسدت أفروطتهم واختل مصافهم وانكشفوا وتساقطوا في عباب البحر فاستلحمهم السيف وغشيهم اليم واستولى المسلمون على أساطيلهم فملكوها وأسروا قائدها الملند في جماعة من حاشيته واستمر مثقفا بفاس حتى فر بعد ذلك وسر المسلمون الذين بداخل الجزيرة بفساد أفروطة العدو وهلاكها ولما رأى عسكر الطاغية الذي في البر ما أصاب أهل البحر منهم من القتل والأسر داخلهم الرعب وخافوا من هجوم الأمير يوسف عليهم إذ كان مقيما بساحل طنجة مستعدا للعبور فقوضوا أبنيتهم وأفرجوا عن البلد لحينهم وانتشر المسلمون والنساء والصبيان بساحة البلد كأنما نشروا من قبر وغلبت مقاتلتهم كثيرا من عسكر العدو على متاعهم فغنموا من الحنطة والإدام والفواكه ما ملأ أسواق البلد أياما حتى وصلتها الميرة من النواحي وأجاز الأمير يوسف البحر من حينه فاحتل بساحل الجزيرة وأرهب العدو في كل ناحية لكنه صده عن الغزو شأن الفتنة مع ابن الأحمر فرأى أن يعقد مع الطاغية سلما ويصل يده بيده لمنازلة غرناطة دار ابن الأحمر فأجابه الطاغية إلى ذلك رهبة من بأسه وموجدة على ابن الأحمر في مدد أهل الجزيرة وبعث أساقفته لعقد ذلك وإحكامه فأجازهم الأمير يوسف إلى أبيه وهو بناحية مراكش فغضب لها وأنكر على ابنه وزوى عنه وجه رضاه وأقسم أن لا يرى أسقفا منهم إلا أن يراه بأرضه ورجعهم إلى طاغيتهم مخفقي السعي كاسفي البال ووصلت في هذه السنة هدية السلطان أبي زكرياء يحيى الواثق الحفصي مع أبي العباس الغماري حسبما مرت الإشارة إليه قبل هذا ثم إن السلطان يعقوب رحمه الله رجع إلى فاس وبعث خطابه إلى الآفاق مستنفرا للجهاد وفصل عنها غرة رجب من سنة ثمان وسبعين وستمائة حتى انتهى إلى طنجة وعاين ما اختل من أحوال المسلمين في تلك الفترة وما جرت إليه فتنة ابن الأحمر من اعتزاز الطاغية وما حدثته نفسه من التهام الجزيرة الأندلسية ومن فيها وكان قد أمر أمره في هذه المدة وظاهره أعداء ابن الأحمر من بني اشقيلولة وغيرهم عليه حتى حاصروا غرناطة ومرج أمر الأندلس ونغلت أطرافها وأشفق السلطان يعقوب رحمه الله على المسلمين الذين بها وعلى ابن الأحمر مما ناله من خسف الطاغية فراسله في الموادعة واتفاق الكلمة على أن ينزل له عن مالقة التي خادع عنها ابن محلي كما تقدم فامتنع ابن الأحمر وأساء الرد في ذلك فرجع السلطان يعقوب إلى إزالة العوائق عن شأنه في الجهاد وكان من أعظمها فتنة يغمراسن واستيقن ما دار بينه وبين ابن الأحمر والطاغية ابن أذفونش من الاتصال والإصفاق على تعويقه عن الغزو فبعث إلى يغمراسن يسأله عن الذي بلغه عنه ويطلب منه تجديد الصلح وجمع الكلمة فلج في الخلاف وكشف وجه العناد وأعلن بما وقع بينه وبين أهل العدوة الأندلسية مسلمهم وكافرهم من الوصلة وأنه معتزم على وطء بلاد المغرب فصرف السلطان يعقوب عزمه إلى غزو يغمراسن وقفل إلى فاس لثلاثة أشهر من حلوله بطنجة فدخلها آخر شوال من السنة المذكورة وأعاد الرسل إلى يغمراسن لإقامة الحجة عليه وقال له فيما خاطبه به إلى متى يا يغمراسن هذا النفور والتمادي في الغرور أما آن أن تنشرح الصدور وتنقضي هذه الشرور في كلام غير هذا فصم يغمراسن عن ذلك كله ولم يرفع به رأسا ولما أيس السلطان يعقوب من إقلاعه ورجوعه نهض إليه من فاس آخر سنة تسع وسبعين وستمائة وقدم ابنه الأمير يوسف في العساكر وتبعه فأدركه بتازا ولما انتهى إلى ملوية تلوم أياما في انتظار العساكر ثم ارتحل حتى نزل وادي تافنا وصمد إليه يغمراسن بجموع زناتة والعرب بحللهم ونجعهم وشائهم ونعمهم والتقت طوالع القوم أولا فكانت بينهما حرب ثم ركب على آثارهما العسكران والتحم القتال سائر النهار وكان الزحف بالموضع المعروف بالملعب من أحواز تلمسان ثم انكشف بنو عبد الواد عندما أراح القوم وانتهب معسكرهم بما فيه من الكراع والسلاح والفساطيط والمتاع وبات عسكر السلطان يعقوب تلك الليلة على متون جيادهم واتبعوا من الغد آثار عدوهم واكتسحت أموال العرب الناجعة الذين كانوا مع يغمراسن وامتلأت أيدي بني مرين من شائهم ونعمهم وتوغلوا في أرض يغمراسن ووافاه هنالك محمد بن عبد القوي أمير بني توجين لقيه بناحية القصبات وعاثوا جميعا في بلاده تخريبا ونهبا ثم أذن السلطان يعقوب لبني توجين في اللحاق ببلادهم وأخذ هو بمخنق تلمسان محاصرا لها حتى يصل محمد بن عبد القوي إلى مأمنه من جبل وانشريس خوفا عليه من غائله يغمراسن واتباعه إياه ثم أفرج عنها وقفل إلى المغرب فدخل حضرة فاس في رمضان سنة ثمانين وستمائة ثم نهض إلى مراكش فدخلها فاتح سنة إحدى وثمانين بعدها فبنى بها بامرأة مسعود بن كانون السفياني لأنه كان قد هلك قبل هذه السنة وسرح ابنه الأمير يوسف إلى السوس لتدويخ أقطاره ثم وافاه وهو بمراكش صريخ الطاغية على ما نذكره الآن