القسم ٦ من ١٧

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

الجواز الثالث للسلطان يعقوب إلى الأندلس مغيثا للطاغية ومغتنما فرصة الجهاد

لما كان السلطان يعقوب رحمه الله بمراكش سنة إحدى وثمانين وستمائة قدم عليه كتاب طاغية الإضبنيول واسمه هراندة مع وفد من بطارقته وزعماء دولته مستصرخا له على ابنه سانجة الخارج عليه في طائفة من النصارى وأنهم غلبوه على أمره زاعمين بأنه شاخ وضعف عن تدبيرهم ولم يقدر على القيام بنصرتهم فاستنصره عليهم ودعاه لحربهم وأمله لاسترجاع ملكه من يدهم فاغتنم السلطان يعقوب هذه الفرصة في الحال وجعل جوابه نفس النهوض والارتحال فسار معهم لم يعرج على شيء حتى أتى قصر المجاز وهو قصر مصمودة فعبر منه واحتل لوقته بالجزيرة الخضراء في ربيع الثاني من سنة إحدى وثمانين المذكورة وأوعز إلى الناس بالنفير إلى الجهاد واجتمعت عليه مسالح الثغور بالأندلس وسار حتى نزل صخرة عباد وهناك قدم عليه الطاغية هراندة ذليلا لعزة الإسلام مؤملا صريخ السلطان فأكرم موصله وأكرم وفادته وذكر ابن خلدون وابن الخطيب وغيرهما من الأثبات أن هذا الطاغية لما اجتمع بالسلطان يعقوب قبل يده إعظاما لقدره وخضوعا لعزه فدعا السلطان رحمه الله بماء فغسل يده من تلك القبلة بمحضر من كان هناك من جموع المسلمين والفرنج ثم التمس الطاغية من السلطان أن يمده بشيء من المال ليستعين به على حربه ونفقاته فأسلفه السلطان مائة ألف دينار من بيت مال المسلمين رهنة الطاغية فيها تاجه الموروث عن سلفه قال ابن خلدون وبقي هذا التاج بدار بني يعقوب بن عبد الحق فخرا للأعقاب لهذا العهد قلت وما أبعد حال هذا الطاغية المهين من حال عطارد بن حاجب التميمي الذي لم يسلم قوس أبيه على تطاول السنين والقصة مشهورة فانظر ما بين الهمم العربية والعجمية من البون وحال الفريقين في الابتذال والصون ثم إن السلطان يعقوب رحمه الله تقدم مع الطاغية ودخل دار الحرب غازيا حتى نازل قرطبة وبها يومئذ سانجة ابن الطاغية الخارج عليه مع طائفته فقاتلها أياما ثم أفرج عنها وتنقل في جهاتها وبعث سراياه إلى جيان فأفسدوا زروعها ثم ارتحل إلى طليطلة فعاث في جهاتها وخرب عمرانها حتى انتهى إلى حصن مجريط من أقصى الثغر فامتلأت أيدي المسلمين وضاق معسكرهم بالغنائم التي استاقوها فقفل السلطان من أجل ذلك إلى الجزيرة فاحتل بها في شعبان وأقام بها إلى آخر السنة المذكورة وكانت غزوة لم يسمح الدهر بمثلها وفي هذه السنة توفي يغمراسن بن زيان على ما في القرطاس وذكر ابن خلدون أنه لما حضرته الوفاة أوصى ابنه عثمان وقال له يا بني إن بني مرين بعد استفحال ملكهم واستيلائهم على حضرة الخلافة بمراكش لا طاقة لنا بلقائهم فإياك أن تحاربهم فإن مددهم موفور ومددك محصور ولا يغرنك أني كنت أحاربهم ولا أنكص عن لقائهم لأني كنت أخشى معرة الجبن عنهم بعد التمرس بهم والاجتراء عليهم وأنت لا يضرك ذلك لأنك لم تحاربهم ولم تتمرس بهم فعليك بالتحصن ببلدك متى زحفوا إليك وحاول ما استطعت الاستيلاء على ما جاورك من عمالات الموحدين أصحاب تونس يستفحل بها ملكك وتكافئ حشد العدو بحشدك قال فعمل ابنه عثمان على وصيته وأوفد أخاه محمد بن يغمراسن على السلطان يعقوب وهو بالأندلس في جوازه الرابع فعقد معه السلم على ما أحب وانكفأ راجعا إلى أخيه فطابت نفسه وتفرغ لافتتاح البلاد الشرقية

انعقاد الصلح بين السلطان يعقوب وابن الأحمر والسبب في ذلك

لما اتصلت يد السلطان يعقوب رحمه الله بيد الطاغية وقام معه في ارتجاع ملكه خشي ابن الأحمر عاديته فجنح إلى موالاة ابنه سانجة الخارج عليه ووصل يده بيده وأكد له العقد واضطرمت الأندلس نارا وفتنة بسبب هذا الخلاف ولما قفل السلطان يعقوب من غزوته مع الطاغية وقد ظهر على ابنه أجمع على منازلة مالقة التى استحوذ عليها ابن الأحمر وخدع عنها ابن محلي فنهض السلطان إليها من الجزيرة الخضراء فاتح سنة اثنتين وثمانين وستمائة فغلب أولا على الحصون الغربية كلها ثم أسف إلى مالقة فأناخ عليها بعساكره وضاق على ابن الأحمر النطاق ولم تغن عنه موالاة سانجة شيئا وبدا له سوء المغبة في شأن مالقة وندم على تناولها فأعمل نظره في الخلاص من ورطتها ولم ير لها إلا الأمير يوسف ابن السلطان يعقوب فخاطبه بمكانه من المغرب مستصرخا له لرقع هذا الخرق ورتق هذا الفتق وجمع كلمة المسلمين على عدوهم فأجابه واغتنم المثوبة في مسعاه وعبر البحر إلى الأندلس في صفر سنة اثنتين وثمانين المذكورة فوافى أباه بمعسكره على مالقة ورغب منه السلم لابن الأحمر في شأنها والتجافي له عنها فأسعف رغبة ابنه لما يؤمل في ذلك من رضى الله عز وجل في جهاد عدوه وإعلاء كلمته وانعقد السلم وانبسط أمل ابن الأحمر وتجددت عزائم المسلمين للجهاد وقفل السلطان يعقوب إلى الجزيرة الخضراء فبث السرايا في دار الحرب فأوغلوا وأثخنوا ثم أستأنف الغزو بنفسه إلى طليطلة فخرج من الجزيرة غازيا غرة ربيع الثاني من سنة اثنتين وثمانين المذكورة حتى انتهى إلى قرطبة فأثخن وغنم وخرب العمران وافتتح الحصون ثم ارتحل نحو البرت وترك محلته على بياسة بالمغانم والأثقال وترك معها خمسة آلاف فارس يحمونها من كرة العدو ثم أغذ السير في أرض قفرة ليلتين حتى انتهى إلى البرت من نواحي طليطلة فسرح الخيل في البسائط وجالت في أكنافها ولم تنته إلى طليطلة لتثاقل الناس بكثرة الغنائم وأثخن في القتل وقفل على غير طريقة فأثخن وخرب وانتهى إلى أبذة فوقف بساحتها وقاتلها ساعة من نهار فرماه علج من خلف السور بسهم أصاب فرسه فارتحل عنها إلى معسكره ببياسة فأراح بها ثلاثا ينسف آثارها ويقتلع أشجارها وقفل إلى الجزيرة وبين يديه من السبي والغنائم ما يعجز عنه الوصف فدخلها في شهر رجب من السنة المذكورة فقسم الغنائم ونفل من الخمس وولى على الجزيرة حافده عيسى بن عبد الواحد بن يعقوب فهلك شهيدا على شريش بسهم مسموم لشهرين من ولايته ثم عبر السلطان إلى المغرب فاتح شعبان ومعه ابنه أبو زيان منديل فأراح بطنجة ثلاثا ثم نهض إلى فاس فدخلها آخر شعبان ولما قضى صيامه ونسك عيده ارتحل إلى مراكش لتمهيدها وتفقد أحوالها وقسم من نظره لنواحي سلا حظا فأقام برباط الفتح شهرين اثنين وتوفيت في هذه المدة الحرة أم العز بنت محمد بن حازم العلوي وهي أم الأمير يوسف وكانت وفاتها برباط الفتح فدفنت بشالة ثم نهض السلطان يعقوب إلى مراكش فدخلها فاتح ثلاث وثمانين وستمائة وبلغه مهلك الطاغية هراندة بن أذفونش واجتماع النصرانية على ابنه سانجة الخارج عليه فحركت همته إلى الجهاد ثم سرح ابنه الأمير يوسف ولي عهده بالعسكر إلى بلاد السوس لغزو العرب الذين بها وكف عاديتهم ومحو آثار الخوارج المنتزين على الدولة فأجفلوا أمامه واتبع آثارهم إلى الساقية الحمراء آخر العمران من بلاد السوس فهلك أكثر العرب في تلك القفار جوعا وعطشا وقفل راجعا لما بلغه من اعتلال والده السلطان يعقوب فوصل إلى مراكش وقد أبل من مرضه وعزم على الجهاد شكرا لله تعالى على نعمة العافية وفي هذه السنة وصل ماء عين غبولة إلى قصبة رباط الفتح بأمر السلطان يعقوب وكان ذلك على يد المعلم المهندس أبي الحسن علي بن الحاج والله تعالى أعلم

الجواز الرابع للسلطان يعقوب إلى الأندلس برسم الجهاد

لما اعتزم السلطان يعقوب على العبور إلى الأندلس عرض جنوده وحاشيته وأزاح عللهم وبعث في قبائل المغرب بالنفير ونهض من مراكش في جمادى الآخرة لثلاث وثمانين وستمائة واحتل برباط الفتح منتصف شعبان فقضى به صومه ونسكه ثم ارتحل إلى قصر المجاز وشرع في إجازة العساكر والحشود من المرتزقة والمتطوعة خاتم سنته ثم أجاز البحر بنفسه غرة صفر من سنة أربع وثمانين بعدها واحتل بظاهر طريف ثم سار إلى الجزيرة الخضراء فأراح بها أياما ثم خرج غازيا حتى انتهى إلى وادي لك وسرح الخيول في بلاد العدو وبسائطه يحرق وينسف فلما خرب بلاد النصرانية ودمر أرضهم قصد مدينة شريش فنزل بساحتها وأناخ عليها في العشرين من صفر سنة أربع وثمانين المذكورة وبث السرايا والغارات في جميع نواحيها وبعث عن المسالح التي كانت بالثغور فتوافت لديه ولحقه حافده عمر بن عبد الواحد بجمع وافر من المجاهدين من أهل المغرب فرسانا ورجالا ووافته حصة العزفي صاحب سبتة غزاه ناشبة تناهز خمسمائة وأوعز إلى ولي عهده الأمير يوسف باستنفار من بقي من أهل العدوة وكان السلطان رحمه الله لما أناخ على شريش بعث وزيره محمد بن عطوا ومحمد بن عمران عيونا فوافوا حصن القناطر وروطة واستكشفوا ضعف الحامية واختلال الثغور وعادوا إلى السلطان فأخبروه ثم عقد السلطان لحافده منصور بن عبد الواحد على ألف فارس من بني مرين والغز وعرب العاصم والخلط والأثبج وأعطاه الراية وبعثه لغزو إشبيلية وذلك في يوم الأحد التاسع والعشرين من صفر من السنة المذكورة فغنموا ومروا بقرمونة في منصرفهم فاستباحوها وأثخنوا بالقتل والأسر ورجعوا وقد امتلأت أيديهم من الغنائم ثم عقد ثانية لحافده عمر بن عبد الواحد على مثلها من الفرسان في يوم الخميس الثالث من شهر ربيع الأول من السنة وأعطاه الراية وسرحه إلى بسائط وادي لك فرجعوا من الغنائم بما ملأ العساكر بعد أن أثخنوا فيها بالقتل والتخريب وتحريق الزروع واقتلاع الثمار وأبادوا عمرانها ثم سرح ثامن ربيع المذكور عسكرا من خمسمائة فارس للإغارة على حصن ركش فوافوه على غرة فاكتسحوا أموالهم وسبوا ثم عقد تاسع ربيع أيضا لابنه أبي معرف على ألف من الفرسان وسرحه لغزو إشبيلية فساروا حتى هجموا عليها يوم المولد الكريم وتحصنت منه حاميتها بالأسوار فخرب عمرانها وقطع أشجارها وامتلأت أيدي عسكره سبيا وأموالا ورجع إلى محلة السلطان وهي نازلة على شريش كما قدمنا مملوء الحقائب ثم عقد ثالثة لحافده عمر منتصف ربيع المذكور لغزو حصن كان بالقرب من معسكره كان أهله يقطعون الطريق على من خرج من المحله مفردا أو في قلة وسرح معه الرجل من الناشبة والفعلة بآلات من المساحي والفؤوس وأمده بالرجل من المصامدة وغزاة سبتة فاقتحموه عنوة على أهله وقتلوا المقاتلة وسبوا النساء والذرية وألصقوا خده بالتراب ونسفوا آثاره نسفا ولسبعة عشر من الشهر ركب السلطان إلى حصن مرتقوط قريبا من معسكره فخربه وحرقه بالنار واستباحه وقتل المقاتلة وسبى الأهل ولعشرين من شهره المذكور وصل ولي عهده الأمير يوسف من العدوة المغربية بنفير أهل المغرب وكافة القبائل في جيوش ضخمة وعساكر موفورة وركب السلطان للقائهم وبرور مقدمهم وعرض العساكر القادمة معه يومئذ فكانت ثلاثة عشر ألفا من المصامدة وثمانية آلاف من برابرة المغرب كلهم متطوع بالجهاد فعقد السلطان لولي العهد على خمسة آلاف من المرتزقة وألفين من المتطوعة وثلاثة عشر ألفا من الرجل وألفين من الناشبة وذلك في يوم الجمعة الخامس والعشرين من ربيع الأول المذكور وسرحه لغزو إشبيلية والإثخان في نواحيها فعبأ كتائبه ونهض لوجهه وبث الغارات بين يديه فأثخنوا وسبوا وقتلوا واقتحموا الحصون واكتسحوا الأموال وعاج ولي العهد على الشرف والغابة من بسيط إشبيلية فنسف قراها واقتحم بعض حصونها وقفل إلى معسكر السلطان وهو بمكانه من حصار شريش وفي يوم الاثنين السادس من ربيع الثاني قدم أبو زيان منديل ابن السلطان يعقوب من المغرب في جيش كثيف فيهم خمسمائة فارس من عرب بني جابر أهل تادلا مع كبيرهم يوسف بن قيطون وفيهم من المتطوعة والناشبة عدد كثير فعقد له السلطان غداة وصوله وأمده بعسكر آخر وأغزاه قرمونة والوادي الكبير فأغار على قرمونة وطمعت حاميتها في المدافعة فبرزوا له وصدقهم القتال فانكشفوا حتى أدخلوهم البلد ثم أحاطوا ببرج كان قريبا من البلد فقاتلوه ساعة من نهار واقتحموه عنوة ولم يزل يتقرى المنازل والعمران حتى وقف بساحة إشبيلية فأغار واقتحم برجا كان هنالك عينا على المسلمين وأضرمه نارا وامتلأت أيدي عساكره وقفل إلى معسكر السلطان على شريش ولثلاث عشرة ليلة من ربيع الثاني عقد السلطان لولي العهد الأمير يوسف لمنازلة جزيرة كبتور فصمد إليها وقاتلها واقتحمها عنوة وفي ثاني جمادى الأولى عقد السلطان للحاج أبي الزبير طلحة بن يحيى بن محلى وكان بعد مداخلته أخاه عمر في شأن مالقة سنة خمس وسبعين خرج إلى الحج فقضى فرضه ورجع ومر في طريقه بتونس فاتهمه الدعي ابن أبي عمارة كان بها يومئذ فاعتقله سنة اثنتين وثمانين ثم سرحه ولحق بقومه بالمغرب ثم عبر إلى الأندلس غازيا مع السلطان يعقوب فعقد له في هذا اليوم على مائتين من الفرسان وسرحه إلى إشبيلية ليكون ربيئة للمعسكر وبعث معه لذلك عيونا من اليهود والمعاهدين من النصارى يتعرفون أخبار الطاغية سانجة والسلطان يعقوب رحمه الله أثناء هذا كله يغادي شريش ويراوحها بالقتل والتخريب ونسف الآثار وبث السرايا كل يوم وليلة في بلاد العدو فلا يخلو يوم من تجهيز عسكر أو إغزاء جيش أو عقد راية أو بعث سرية حتى انتسف العمران في جميع بلاد النصرانية وخرب بسائط إشبيلية ولبلة وقرمونة وإستجة وجبال الشرف وجميع بسائط الفرنتيرة وأبلى في هذه الغزوات عياد بن أبي عياد العاصمي من شيوخ جشم والخضر الغزي من أمراء الأكراد بلاء عظيما وكان لهم فيها ذكر وصيت وكذلك غزاة سبتة وكذا سائر المجاهدين من عرب جشم وغيرهم مثل مهلهل بن يحيى الخلطي صهر السلطان ويوسف بن قيطون الجابري وغير هؤلاء ممن يطول ذكرهم فلما دمرها تدميرا وأوسعها تخريبا ونسفها نسفا واكتسحها غارة ونهبا وهجم فصل الشتاء وانقطعت الميرة عن العسكر اعتزم السلطان على القفول وأفرج عن شريش لآخر جمادى الأولى من السنة المذكورة بعد أن حاصرها نحوا من ثلاثة أشهر وعشرة أيام واتصل به أن العدو أوعز إلى أساطيله باحتلال الزقاق والاعتراض دون الفراض فأوعز السلطان إلى جميع سواحله من سبتة وطنجة وبلاد الريف ورباط الفتح والمنكب والجزيرة وطريف بتوجيه أساطيلهم فتوافت منها ستة وثلاثون أسطولا متكاملة في عدتها فأحجمت اساطيل العدو عنها وارتدت على أعقابها واحتل السلطان يعقوب بالجزيرة الخضراء وهي المسماة اليوم بخوزيرت غرة رمضان من سنة أربع وثمانين وستمائة ونزل بقصره من المدينة الجديدة التي بناها بإزائها فبرزت أساطيل المسلمين أمامه بالمرسى وهو جالس بمشور قصره فلعبوا بمرأى منه في البحر وتجاولوا وتناطحوا وتطاردوا كفعلهم ساعة الحرب فسر بذلك وأحسن إليهم وصرفهم إلى حال سبيلهم

وفادة الطاغية على السلطان يعقوب بأحواز الجزيرة الخضراء وعقد الصلح بينهما والسبب في ذلك

قال ابن خلدون رحمه الله لما نزل ببلاد النصرانية من السلطان يعقوب ما نزل من تدمير قراهم واكتساح أموالهم وسبي نسائهم وإبادة مفاتلتهم وتخريب معاقلهم وانتساف عمرانهم زاغت منهم الأبصار وبلغت القلوب الحناجر واستيقنوا أن لا عاصم لهم من أمير المسلمين فاجتمعوا إلى طاغيتهم سانجة خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة متوجعين مما أذاقهم جنود الله من سوء العذاب وأليم النكال وحملوه على الضراعة لأمير المسلمين في السلم وإيفاد الملأ من كبار النصرانية عليه في ذلك وإلا فلا تزال تصيبهم منه قارعة أو تحل قريبا من دارهم فأجاب إلى ما دعوه إليه من الخسف والهضيمة لدينه وأوفد على أمير المسلمين وهو بالجزيرة الخضراء وفدا من بطارقتهم وشمامستهم يخطبون السلم ويضرعون في المهادنة والإبقاء ووضع أوزار الحرب فردهم أمير المسلمين اعتزازا عليهم ثم أعادهم الطاغية بترديد الرغبة على أن يشترط ما شاء من عز دينه وقومه فأسعفهم أمير المسلمين وجنح إلى السلم لما تيقن من صاغيتهم إليه وذلهم لعز الإسلام وأجابهم إلى ما سألوه واشترط عليهم ما تقبلوه من مسالمة المسلمين كافة من قومه وغير قومه والوقوف عند مرضاته في ولاية جيرانه من الملوك أو عدواتهم ورفع الضريبة عن تجار المسلمين بدار الحرب من بلاده وترك التضريب بين ملوك المسلمين والدخول بينهم في فتنة واستدعى السلطان الشيخ أبا محمد عبد الحق الترجمان وبعثه لاشتراط ذلك وإحكام عقده فسار عبد الحق إلى الطاغية سانجة وهو بإشبيلية فعقد معه الصلح واستبلغ وأكد في الوفاء بهذه الشروط ووفدت رسل ابن الأحمر على الطاغية وهو عنده لعقد السلم معه على قومه وبلاده دون أمير المسلمين وأن يكون معه يدا واحدة عليه فأحضرهم الطاغية بمشهد عبد الحق وأسمعهم ما عقد مع أمير المسلمين على قومه وأهل ملته كافة وقال لهم إنما أنتم عبيد آبائي فلستم معي في مقام السلم والحرب وهذا أمير المسلمين على الحقيقة ولست أطيق مقاومته ولا دفاعه عن نفسي فكيف عنكم فانصرفوا ولما رأى عبد الحق ميله إلى رضا السلطان وسوس إليه بالوفادة عليه لتتمكن الألفة وتستحكم العقدة وأراه مغبة ذلك في سل السخيمة وتسكين الحفيظة فمال إلى موافقته وسأله لقي الأمير يوسف ولي عهد السلطان أولا ليطمئن قلبه فوصل إليه ولقيه على فراسخ من شريش وباتا بمعسكر المسلمين هنالك ثم ارتحلا من الغد للقاء السلطان يعقوب وكان قد أمر الناس بالاحتفال للقاء الطاغية وقومه وإظهار شعائر الإسلام وأبهته وأن لا يلبسوا إلا البياض فاحتفلوا وتأهبوا وأظهروا عز الملة وشدة الشوكة ووفور الحامية وقدم الطاغية في جماعته سود اللباس خاضعين ذليلين فاجتمعوا بالأمير بحصن الصخرات على مقرب من وادي لك وذلك يوم الأحد العشرين من شعبان سنة أربع وثمانين وستمائة وتقدم الطاغية فلقيه أمير المسلمين بأحسن مبرة وأتم كرامة يلقى بها مثله من عظماء الملل وقدم الطاغية بين يديه هدية من طرف بلاده أتحف بها السلطان وولي عهده كان فيها زوج من الخيول الوحشي المسمى بالفيل وحمارة من حمر الوحش إلى غير ذلك من الطرف فقبلها السلطان وابنه وأضعفوا له المكافأة وكمل عقد السلم وقبل الطاغية سائر الشروط ورضي بعز الإسلام عليه وانقلب إلى قومه بملء صدره من الرضى والمسرة وسأل منه السلطان أن يبعث إليه بكتب العلم التي بأيدي النصارى منذ استيلائهم على مدن الإسلام فبعث إليه منها ثلاثة عشر حملا فيها جملة من مصاحف القرآن الكريم وتفاسيره كابن عطية والثعلبي ومن كتب الحديث وشروحاتها كالتهذيب والاستذكار ومن كتب الأصول والفروع واللغة والعربية والأدب وغير ذلك فأمر السلطان رحمه الله بحملها إلى فاس وتحبيسها على المدرسة التي أسسها بها لطلبة العلم وقفل السلطان فاحتل بقصره من الجزيرة لليلتبن بقيتا من شعبان فقضى صومه ونسك عيده وجعل من قيام ليلة جزأ لمحاضرة أهل العلم وأعد الشعراء كلمات أنشدوها يوم عيد الفطر بمشهد الملأ في مجلس السلطان وكان من أسبقهم في ذلك الميدان شاعر الدولة أبو فارس عبد العزيز الملزوزي الأصل المكناسي الدار ويعرف بعزوز أتى بقصيدة طويلة من بحر الوافر على روي الباء المفتوحة المردوفة بالألف ذكر فيها سيرة السلطان وغزواته وغزوات بنيه وحفدته وامتدح قبائل مرين ورتبهم على منازلهم وذكر فضلهم وقيامهم بالجهاد وذكر قبائل العرب على اختلافها وأنشدت بمحضر السلطان والحاشية فأمر لمنشئها بألف دينار وخلعة ولمنشدها بمائتي دينار ثم أعمل السلطان نظره في الثغور فرتب بها المسالح وبعث ولده الأمر أبا زيان منديلا ليقف على الحد بين أرضه وأرض ابن الأحمر وعقد له على تلك الناحية وأنزله بحصن ذكوان قرب مالقة وأوصاه أن لا يحدث في بلاد ابن الأحمر حدثا وعقد لعياد بن أبي عياد العاصمي على مسلحة أخرى وأنزله بأسطبونة وأجاز ابنه الأمير يوسف إلى المغرب لتفقد أحواله ومباشرة أموره وأمره أن يبني على قبر والده أبي الملوك عبد الحق بتافر طاست زاوية فاختط هنالك رباطا حفيلا وبنى على قبر الأمير عبد الحق إدريس أسنمة من الرخام ونقشها بالكتابة ورتب عليها قراء لتلاوة القرآن ووقف على ذلك ضياعا وأرضا تسع حرث أربعين زوجا رحم الله الجميع بمنه

وفاة السلطان يعقوب بن عبد الحق رحمه الله

وفي آخر ذي القعدة من سنة أربع وثمانين وستمائة مرض السلطان يعقوب بن عبد الحق مرضه الذي توفي منه فلم يزل ألمه يشتد وحاله يضعف إلى أن توفي بقصره من الجزيرة الخضراء من ارض الأندلس في ضحى يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من المحرم فاتح سنة خمس وثمانين وستمائة وحمل إلى رباط الفتح من بلاد العدوة فدفن بمسجد شالة وقبره اليوم طامس الأعلام رحمه الله

بقية أخبار السلطان يعقوب بن عبد الحق وسيرته

كان السلطان يعقوب رحمه الله أبيض اللون تام القد معتدل الجسم حسن الوجه واسع المنكبين كامل اللحية معتدلها أشيب نقي البياض حليما متواضعا جوادا مظفرا منصور الراية ميمون النقيبة لم يقصد جيشا إلا هزمه ولا عدوا إلا قهره ولا بلدا إلا فتحه صواما قواما دائم الذكر كثير البر لا تزال سبحته في يده مقربا للعلماء مكرما للصلحاء صادرا في أكثر أموره عن رأيهم ولما استقام له الأمر بنى المرستانات للمرضى والمجانين ورتب لهم الأطباء لتفقد أحوالهم وأجرى على الكل المرتبات والنفقات من بيت المال وكذا فعل بالجذمى والعمي والفقراء رتب لهم مالا معلوما يقبضونه في كل شهر من جزية اليهود وبنى المدارس لطلبة العلم ووقف عليها الأوقاف وأجرى عليهم بها المرتبات كل ذلك ابتغاء ثواب الله تعالى نفعه الله بقصده

الخبر عن دولة السلطان الناصر لدين الله يوسف بن يعقوب بن عبد الحق رحمه الله تعالى

لما مرض السلطان يعقوب بقصره من الجزيرة الخضراء مرضه نساؤه وطيرن بالخبر إلى ولي عهده الأمير يوسف وكان يومئذ بالمغرب فاتصل به الخبر وهو بأحواز فاس فأسرع السير إلى طنجة وقد مات أبوه قبل وصوله فأخذ البيعة له الوزراء والأشياخ ولما عبر إليهم البحر واحتل بالجزيرة جددوا له البيعة غرة صفر سنة خمس وثمانين وستمائة وأخذوها له على الكافة فاستتب ملكه واستقام أمره ففرق الأموال وأجزل الصلات وسرح السجون ورفع عن الناس الأخذ بزكاة الفطر ووكلهم فيها إلى أمانتهم وكف أيدي الظلمة والعمال عن الناس وأزال المكوس ورفع الأنزال عن دور الرعية وصرف اعتناءه إلى إصلاح السابلة فأزال أكثر الرتب والقبالات التي كانت بالمغرب إلا ما كان منها في الأقطار الخالية والمفازات المخوفة فخضعت مرين تحت قهره وصلح أمر الناس في أيامه وكان أول شيء أحدث من أمره أن بعث إلى ابن الأحمر وضرب له موعدا للإجتماع به فبادر إليه ولقيه بظاهر مربالة في العشر الأول من ربيع الأول من السنة المذكورة فلقاه السلطان مبرة وتكريما وتجافى له عن جميع الثغور الأندلسية التي كانت في مكلة أبيه ونزل له عنها ما عدى الجزيرة ورندة وطريف وتفرقا من مكانهما على أكمل حالات المصافاة والوصلة ورجع السلطان يوسف إلى الجزيرة فقدم عليه بها وفد الطاغية سانجة مجددين عقد السلم الذي عقده لهم السلطان يعقوب رحمه الله ولما تمهد للسلطان يوسف أمر الأندلس عقد لأخيه أبي عطية العباس بن يعقوب على الثغور الغربية وأوصاه بضبطها وعقد للشيخ المجاهد أبي الحسن علي بن يوسف بن يزكاتن على مسلحتها وجعل إليه أمر الحرب وأعنة الخيل وأمده بثلاثة آلاف من بني مرين والعرب ثم عبر البحر إلى المغرب يوم الاثنين سابع ربيع الآخر من السنة المذكورة فنزل بقصر المجاز ثم سار إلى حضرة فاس فدخلها ثاني عشر جمادى الأولى منها ولحين استقراره بها خرج عليه محمد بن إدريس بن عبد الحق في بنيه وإخوته ومن انضم إليه ولحق بجبال ورغة ودعا لنفسه فسرح إليه السلطان يوسف أخاه أبا معرف محمد بن يعقوب فبدا له في النزوع إليهم فلحق بهم وشايعهم على رأيهم من الخلاف فأغزاهم السلطان يوسف عساكره وردد إليهم البعوث والكتائب ثم تلطف في استنزال أخيه حتى نزل على الأمان وفر بنو إدريس إلى تلمسان فقبض عليهم اثناء طريقهم وجيء بهم في الحديد إلى تازا فبعث السلطان يوسف أخاه أبا زيان فقتلهم خارج باب الشريعة منها في رجب من السنة ورهب الأعياص من بني عبد الحق يومئذ وخافوا بادرة السلطان يوسف فلحقوا بغرناطة ملتفين على بني إدريس منهم ثم ارتحل السلطان في رمضان من السنة المذكورة إلى مراكش لتمهيد نواحيها وتثقيف أطرافها فدخلها في شوال وأقام بها إلى رمضان القابل من سنة ست وثمانين وستمائة فنهض من مراكش لغزو عرب معقل بصحراء درعة لأنهم كانوا قد اضروا بالرعايا وأفسدوا السابلة فسار إليهم في اثني عشر الفا من الخيل ومر على بلاد هسكورة معترضا جبل درن وأدركهم نواجع بالقفر فأثخن فيهم بالقتل والسبي واستكثر من رؤوسهم فعلقت بشرفات مراكش وسجلماسة وفاس وقفل من غزوه آخر شوال من السنة المذكورة إلى مراكش فنكب محمد بن علي بن محلى عاملها القديم الولاية بها من لدن انقراض الدولة الموحدية لما وقع من الإرتياب بأولاد محلى بكثرة خروجهم على الدولة وكانت نكبته غرة محرم سنة سبع وثمانين وستمائة وهلك في السجن في صفر الموالي له وعقد السلطان يوسف على مراكش وأعمالها لمحمد بن عطوا الجاناتي من موالي دولتهم ولاء حلف وترك معه ابنه أبا عامر عبد بن يوسف ثم ارتحل السلطان يوسف إلى فاس فدخلها منتصف ربيع من السنة المذكورة

قدوم بني اشقيلولة على السلطان يوسف بسلا وإقطاعه إياهم قصر كتامة والسبب في ذلك

قد تقدم لنا أن بني اشقيلولة كانوا من وجوه الأندلس وأهل الرياسة بها حتى صاهرهم ابن الأحمر بابنته وأخته وقاموا معه في إثبات قواعد ملكه ثم انحرفوا عنه إلى موالاة بني مرين ونزل محمد بن عبد الله بن أبي الحسن منهم إلى السلطان يعقوب عن مالقة وكان عمه أبو إسحاق بن أبي الحسن صاحب وادي آش وأعمالها واتصل ذلك في بنيه إلى أن بويع السلطان يوسف فقاموا بدعوته فيها ثم حصلت المصافاة وتأكدت المودة بين السلطان يوسف وابن الأحمر على ما أسلفناه آنفا فطلب ابن الأحمر من السلطان يوسف أن ينزل له عن واد آش التي هي لبني اشقيلولة المتمسكين بدعوته كما نزل له عن غيرها من الثغور فأجابه السلطان إلى ذلك وكتب إلى أبي الحسن بن إسحاق بن اشقيلولة يأمره بالتخلي له عنها فتركها له وعبر هو وحاشيته البحر إلى السلطان يوسف سنة سبع وثمانين المذكورة فلقيه بمدينة سلا فأعطاه السلطان يوسف القصر الكبير وأعماله طعمه سوغه إياها فلم تزل ولايته متوارثة في بنيه حتى انقرضوا آخر دولة بني مرين واستمكن ابن الأحمر من وادي آش وحصونها ولم يبق له بالأندلس منازع من قرابته والله أعلم

حدوث الفتنة بين السلطان يوسف وعثمان بن يغمراسن بن زيان صاحب تلمسان

قد تقدم لنا أن يغمراسن لما حضرته الوفاة أوصى ابنه عثمان أن لا يحدث مع بني مرين حربا ولا يوافقهم في زحف ما استطاع لاستغلاظ أمرهم عليه بملكهم المغرب الأقصى وأعماله وأن عثمان قد عمل على ذلك فأوفد أخاه محمد بن يغمراسن على السلطان يعقوب بالأندلس وعقد معه السلم ورجع إلى أخيه كما تقدم ولما ولي السلطان يوسف وقفل من مراكش إلى فاس في هذه المرة بعد أن ترك ابنه أبا عامر عبد الله مع محمد بن عطوا عامل مراكش ثار أبو عامر المذكور بها وخلع طاعة أبيه ودعا إلى نفسه وشايعه ابن عطوا على ذلك واتصل الخبر بالسلطان يوسف وهو بفاس فأسرع السير إلى مراكش وبرز إليه ابنه أبو عامر فاقتتلوا ثم انهزم أبو عامر فعاد إلى مراكش واكتسح بيت المال بها وفر إلى تلمسان ومعه ابن عطوا المذكور فقدماها سنة ثمان وثمانين وستمائة فآواهم عثمان بن يغمراسن ومهد لهم المكان فلبثوا عنده مليا ثم عطف السلطان على ابنه الرحم فرضي عنه وأعاده إلى مكانه وطالب عثمان بن يغمراسن أن يسلم إليه ابن عطوا الناجم في النفاق مع ابنه فأبى من إضاعة جواره وإخفار ذمته وأغلظ له الرسول في القول فسطا به عثمان واعتقله فثارت من السلطان يوسف الحفائظ الكامنة وتحركت منه إلاحن القديمة والنزغات المتوارثة فاعتزم على غزو تلمسان ونهض إليها من مراكش في صفر من سنة تسع وثمانين وستمائة بعد أن عقد عليها لابنه الأمير أبي عبد الرحمن يعقوب بن يوسف ثم نهض من فاس إليها آخر ربيع الآخر من سنته في عساكره وجنوده وحشد القبائل وكافة أهل المغرب وسار حتى نازل تلمسان فتحصن منه عثمان وقومه بأسوارها فحاصره السلطان يوسف وضيق عليه ونصب عليه المجانيق وكان حصاره إياها في رمضان من السنة المذكورة ثم سار في نواحيها ينسف الآثار ويخرب القرى ويحطم الزروع ثم نزل بذراع الصابون من ناحيتها ثم انتقل منه إلى تامت وحاصرها أربعين يوما وقطع أشجارها وأباد خضراءها ولما امتنعت عليه أفرج عنها وانكفأ راجعا إلى المغرب وقضى نسك الفطر بعين الصفا من بلاد بني يزناسن ونسك الأضحى وقربانه بتازا وتلبث بها أياما ثم نهض منها إلى الأندلس بقصد الجهاد على ما نذكره

انتقاض الطاغية سانجة وإجازة السلطان يوسف إليه

لما رجع السلطان يسف من غزو تلمسان وافاه الخبر وهو بتازا أن الطاغية سانحة قد انتقض ونبذ العهد وتجاوز التخوم وأغار على الثغور فأوعز السلطان إلى قائد المسالح بالأندلس علي بن يوسف بن يزكاتن بالدخول إلى دار الحرب ومنازلة شريش وشن الغارات على بلاد الطاغية فنهض لذلك في ربيع الآخر من سنة تسعين وستمائة وجاس خلالها وتوغل في أقطارها وابلغ في النكاية ثم فصل السلطان يوسف من تازا غازيا أثره في جمادى الأولى من السنة المذكورة واحتل قصر مصمودة وهو قصر المجاز واستنفر أهل المغرب وقبائله فنفروا وشرع في إجازتهم البحر فبعث الطاغية أساطيله إلى الزقاق حجزا لهم دون الإجازة فأوعز السلطان يوسف إلى قواد أساطيله بالسواحل بمعمارتها لمقابلة أساطيل العدو ففعلوا وقدمت فالتقت مع أساطيل العدو ببحر الزقاق في شعبان من السنة فاقتتلوا وانكشف المسلمون ومحصهم الله وقتل قواد الأساطيل فأمر السلطان يوسف باستئناف العمارة ثم أغزاهم ثانية فخامت أساطيل العدو عن اللقاء وصاعدوا عن الزقاق فملكته أساطيل السلطان فأجاز أخريات رمضان من السنة واحتل بطريف ثم دخل دار الحرب غازيا فنازل حصن بجير ثلاثة أشهر وضيق عليهم وبث السرايا في أرض العدو وردد الغارات على شريش وإشبيلية ونواحيها إلى أن بلغ في النكاية والإثخان غرضه وقضى من الجهاد وطره وهجم عليه فصل الشتاء وانقطعت الميرة عن العسكر فأفرج عن الحصن ورجع إلى الجزيرة الخضراء ثم عبر إلى المغرب فاتح سنة إحدى وتسعين وستمائة فتظاهر ابن الأحمر والطاغية على منعه من الجواز مرة أخرى كما نذكره الآن

حدوث الفتنة بين السلطان يوسف وابن الأحمر واستيلاء الطاغية على طريف بمظاهرة ابن الأحمر له عليها

لما قفل السلطان يوسف من الأندلس وقد أبلغ في نكاية العدو كما قلنا عظم على الطاغية أمره وثقلت عليه وطأته فشرع في إعمال الحيلة في الإفساد بينه وبين ابن الأحمر وكان ابن الأحمر يتخوف من السلطان يوسف أن يغلبه على بلاده فخلص مع الطاغية نجيا وتفاوضا في أمر السلطان يوسف وأن تمكنه من الإجازة إليهم إنما هو لقرب مسافة بحر الزقاق وانتظام ثغور المسلمين حفافيه وتصرف شوانيهم وسفنهم فيه متى أرادوا فضلا عن الأساطيل الجهادية وأن أم تلك الثغور هي طريف وأنهم إذا استمكنوا منها منعوا السلطان من العبور وكانت عينا لهم على الزقاق وكان أسطولهم بمرفئها رصدا لأساطيل صاحب المغرب الخائضة لجة ذلك البحر فاعتزم الطاغية على منازلة طريف وبها يومئذ مسلحة بني مرين وتكفل له ابن الأحمر بمظاهرته على ذلك والتزم له بالمدد والميرة للعسكر أيام منازلتها على أن تكون له إن خلصت للطاغية وتعاهدوا على ذلك وأناخ الطاغية بعساكر النصرانية على طريف وألح عليها بالقتال ونصب الآلات من المجانيق والعرادات وأحاط بها برا وبحرا وانقطع المدد والميرة عن أهلها وحالت أساطيل العدو بينهم وبين صريخ السلطان واضطرب ابن الأحمر معسكره بمالقة قريبا من عسكر الطاغية وسرب إليه المدد من الرجال والسلاح والميرة وأصناف الأقوات وبعث عسكرا لمنازلة حصن إسطبونة فتغلب عليه بعد مدة من الحصار واتصلت هذه الحال أربعة أشهر حتى أصاب أهل طريف الجهد ونال منهم الحصار فراسلوا الطاغية في الصلح والنزول عن البلد فصالحهم واستنزلهم وتملكها آخر يوم من شوال سنة إحدى وتسعين وستمائة ووفى لهم بما عاهدهم عليه واستشرف ابن الأحمر إلى تجافي الطاغية له عنها حسبما تعاهدا عليه فأعرض عن ذلك واستأثر بها بعد أن كان نزل له عن ستة من الحصون عوضا عنها فخرج من يده الجميع ولم يحصل على طائل فكانت حاله في ذلك كحال صاحبة النعامة المضروب بها المثل عند العرب وبالله تعالى التوفيق

ثورة عمر بن يحيى بن الوزير الوطاسي بحصن تازوطا

اعلم أن بني وطاس فخذ من بني مرين لكنهم ليسوا من بني عبد الحق وكانت الرياسة فيهم لبني الوزير منهم وبنو الوزير يزعمون أن نسبهم دخيل في مرين وأنهم من أعقاب يوسف بن تاشفين اللمتوني لحقوا بالبادية ونزلوا على بني وطاس فالتحموا بهم ولبسوا جلدتهم وحازوا رياستهم ولما دخل بنو مرين المغرب واقتسموا أعماله كما قدمنا بقيت بلاد الريف خالصة لبني وطاس هؤلاء فكانت ضواحيها لنزولهم وأمصارها ورعاياها لجبايتهم وكان حصن تازوطا بها من أمنع معاقل المغرب ولما غلب الأمير أبو بكر بن عبد الحق على مكناسة وأقام فيها دعوة الحفصيين ونهض السعيد بن المأمون الموحدي من مراكش لغزوه فر أمامه إلى حصن تازوطا هذا ونزل به على بني الوزير هؤلاء لاجئا إليهم ومستجيرا بهم فأرادوا الفتك به غيرة منه وحسدا له فشعر بهم وتحول عنهم إلى عين الصفا من بلاد بني يزناسن حسبما تقدم ذلك كله ولما انقرض أمر بني عبد المؤمن واستقام ملك المغرب لبني مرين صرفوا عنايتهم إلى هذا الحصن فكانوا ينزلون به من الحامية من يثقون بغنائه واضطلاعه ليكون آخذا بناصية هؤلاء الرهط من بني وطاس لما يعلمون من سموهم إلى الرياسة وتطلعهم إليها وكان السلطان يوسف رحمه الله قد عقد على هذا الحصن لابن أخيه منصور بن عبد الواحد بن يعقوب وكان عمر وعامر ابنا يحيى ابن الوزير رئيسين على بني وطاس لذلك العهد فاستهونوا أمر السلطان يوسف بعد موت والده وحدثوا أنفسهم بالثورة في ذلك الحصن والاستبداد بتلك الناحية فوثب عمر بن يحيى منهم بمنصور بن عبد الواحد في شعبان من سنة إحدى وتسعين وستمائة وفتك بحاشيته ورجاله وأزعجه عن الحصن وغلبه على ما كان بقصره من مال وسلاح ومتاع وأعشار للروم كانت مختزنة هنالك وضبط الحصن وشحنه برجاله ووجوه قومه ولحق منصور بن عبد الواحد بعمه السلطان يوسف فهلك لليال أسفا على ما أصابه وسرح السلطان يوسف وزيره الناصح أبا عمر بن السعود بن خرباش الحشمي بالحاء المهملة في العساكر لمنازلة حصن تازوطا فأناخ عليه بكلكله ثم تبعه السلطان يوسف على أثره وفي صحبته عامر بن يحيى بن الوزير أخو عمر الثائر فإنه كان قد نزع إليه فأحاط السلطان بالحصن وضيق عليه حتى اشفق عمر لشدة الحصار ويئس من الخلاص وظن أنه قد أحبط به فدس إلى أخيه عامر في كشف ما نزل به فضمن عامر للسلطان يوسف نزول أخيه إن هو تركه يصعد إليه حتى يجتمع به فأذن له السلطان يوسف في ذلك فصعد إليه وتفاوضا في أمرهما وآخر الأمر أن عمر احتمل الذخيرة وفر ليلا إلى تلمسان وبدا لعامر في النزول عندما صار في الحصن فامتنع به قيل لأنه بلغه أن السلطان يوسف عزم على قتله أخذا بثار ابن أخيه منصور ولإفلاته أخاه من يده واستمر على ذلك إلى أن قدم على السلطان يوسف وفد الأندلس وفيهم الرئيس أبو سعيد فرج بن إسماعيل بن الأحمر صاحب مالقة راغبا في الصلح مع ابن عمه ومعتذرا عنه فأرسى أساطيله بمرسى غساسة ونزل إلى السلطان وقدم بين يده هدية تناسب الحال فسمع بهم عامر الوطاسي وهو في الحصن فبعث إليهم يسألهم الشفاعة له عند السلطان يوسف لوجاهتهم لديه فشفع له الرئيس أبو سعيد فقبل السلطان يوسف شفاعته بشرط أن ينتقل بحاشيته إلى المرسى وركب أكثرهم الأسطول وتأخر عامر إلى جوف الليل فنزل من الحصن وخاض الفلاة إلى تلمسان فتبعت الخيل أثره ففاتهم وأدركوا ولده أبا الخيل فجيء به إلى السلطان يوسف فبعث به إلى فاس فضربت عنقه وصلب هنالك وأنزل السلطان يوسف بقية الحاشية من الأسطول فأمر بهم فاستلحموا مع من كان من بالحصن من أتباعهم وقرابتهم وذرياتهم وتملك السلطان يوسف حصن تازوطا وأنزل به عماله ومسلحته وقفل إلى حضرته بفاس أخر جمادى الأولى من سنة اثنتين وتسعين وستمائة ولما كان السلطان نازلا على تازوطا قدم عليه رجل من فرنج جنوة بهدية جليلة فيها شجرة مموهة بالذهب عليها أطيار تصوت بحركات هندسية مثل ما صنع للمتوكل العباسي وفي هذه المدة سعي عند السلطان يوسف بأولاد الأمير أبي بكر بن عبد الحق وأنهم أرادوا الخروج عليه فحقد عليهم لذلك وأحسوا بالشر ففروا إلى تلمسان وأقاموا هنالك إلى أن بعث السلطان يوسف إليهم بالأمان فأقبلوا حتى إذا كانوا بصبرة من ناحية ملوية اعترضهم الأمير أبو عامر عبد الله ابن السلطان يوسف فاستلحمهم أجمعين وهو يرى أنه قد أرضى أباه بذلك الفعل واتصل الخبر بالسلطان يوسف فسخطه وأقصاه وتبرأ منه فلم يزل طريدا ببلاد الريف وجبال غمارة إلى أن هلك ببني سعيد منهم آخر سنة ثمان وتسعين وستمائة وحمل إلى فاس فدفن بالزاوية التي داخل باب الفتوح وخلف ثلاثة أولاد عامر وسليمان وداود فكفلهم جدهم السلطان يوسف إلى أن هلك فولي الأمر بعده حافده عامر وبعد عامر سليمان وسيأتي ذكرهما إن شاء الله

انعقاد الصلح بين السلطان يوسف وابن الأحمر ووفادته عليه بطنجة

لما استولى الطاغية على طريف بمظاهرة ابن الأحمر له عليها ونقض الطاغية عهد ابن الأحمر في النزول له عنها سقط في يد ابن الأحمر وندم على فعله ورجع إلى التمسك بالسلطان يوسف فأوفد عليه ابن عمه الرئيس أبا سعيد فرج بن إسماعيل ووزيره أبا سلطان عزيز الداني في وفد من أهل حضرته لتجديد العهد وتأكيد المودة وتقرير المعذرة عن شأن طريف فوافوه بمكانه من حصار تازوطا كما قدمنا فأبرموا العقد وأحكموا الصلح وانصرفوا إلى ابن الأحمر سنة اثنتين وتسعين وستمائة بإسعاف غرضه من المؤاخاة واتصال اليد فوقع ذلك منه أجمل موقع وطار سرورا من أعواده وأجمع الرحلة إلى السلطان لإحكام العقد والاستبلاغ في العذر عن واقعة طريف والرغبة إليه في نصره بلاد الأندلس وإغاثة المسلمين الذين بها فتهيأ لذلك وعبر البحر في ذي القعدة من سنة اثنتين وتسعين وستمائة واحتل بجبل بيونش من ناحية سبتة ثم ارتحل إلى طنجة فلقيه بها الأميران أبو عامر عبد الله وأبو عبد الرحمن يعقوب ابنا السلطان يوسف وكان أبو عامر لا زال يومئذ من أبيه بعين الرضا ولما علم السلطان يوسف بقدومه خرج من فاس للقائه وبرور مقدمه فوافاه بطنجة فقدم ابن الأحمر بين يدي نجواه هدية أتحف بها السلطان يوسف كان من أحسنها موقعا لديه المصحف الكبير الذي يقال إنه مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه كان بنو أمية يتوارثونه بقرطبة ثم خلص إلى ابن الأحمر فأتحف به السلطان يوسف في هذه المرة فقبل السلطان ذلك وكافأه بأضعافه وبالغ في تكرمته وأسعفه بجميع مطالبه وأراد ابن الأحمر أن يبسط العذر عن شأن طريف فتجافى السلطان يوسف عن سماع ذلك وأضرب عن ذكره صفحا وبر وأحفى ووصل وأجزل ونزل لابن الأحمر عن الجزيرة ورندة والغربية وعشرين حصنا من ثغور الأندلس كانت قبل في ملكته وملكة أبيه وعاد ابن الأحمر إلى أندلسه آخر سنة اثنتين وتسعين وستمائة محبوا محبورا وعبرت معه عساكر السلطان يوسف لحصار طريف ومنازلته وعقد على حربها لوزيره الشهير الذكر عمر بن السعود بن خرباش الحشمي فنازلها مدة فامتنعت عليه وأفرج عنها وفي سنة ثلاث وتسعين بعدها فرغ السلطان يوسف من بناء جامع تازا وعلقت به الثريا الكبرى من النحاس الخالص وزنها اثنان وثلاثون قنطارا وعدد كؤوسها خمسمائة كأس وأربعة عشر كأسا وأنفق السلطان في بناء الجامع وعمل الثريا المذكورة ثمانية آلاف دينار ذهبا وفي سنة أربع وتسعين بعدها خرج السلطان يوسف لغزو تلمسان فوصل إلى تاوريرت وكانت تخما لعمل بني مرين وبني عبد الواحد فنصفها للسلطان يوسف ونصفها لعثمان بن يغمراسن ولكل واحد منهما بها عامل من ناحيته فطرد السلطان يوسف عامل ابن يغمراسن وشرع في بناء الحصن الذي هنالك فأدار سوره وشيده وركب أبوابه مصفحة بالجديد وكان يقف على بنائه بنفسه من صلاة الغداة إلى المساء لا يغيب عن العملة إلا في أوقات الضرورة وفرغ من بنائه وتحصينه في رمضان من السنة المذكورة ولما تم شحنه بالعسكر والسلاح وعقد عليه لأخيه أبي بكر بن يعقوب ويكنى أبا يحيى وانكفأ راجعا إلى الحضرة ثم خرج من فاس سنة خمس وتسعين بعدها بقصد تلمسان فسار حتى نزل على ندرومة فحاصرها وشدد في قتالها ورماها بالمنجنيق أربعين يوما فامتنعت عليه فأفرج عنه ثاني عيد الفطر من السنة المذكورة ثم دخلت سنة ست وتسعين وستمائة فسار إلى تلمسان وبرز عثمان بن يغمراسن لمدافعته فانهزم وتحصن بالأسوار وتقدم السلطان يوسف حتى نزل على تلمسان وقتل من أهلها خلقا ثم أقلع عنها ورجع إلى المغرب فقضى نسك الأضحى من السنة المذكورة برباط تازا وأمر ببناء القصر بها وسار إلى فاس فدخلها فاتح سنة سبع وتسعين وستمائة ثم ارتحل إلى مكناسة فقضى بها بعض الوطر ثم عاد إلى فاس ثم خرج منها في جمادى الأولى من السنة المذكورة غازيا تلمسان ومر في طريقه بمدينة وجدة فأمر ببنائها وكان أبوه السلطان يعقوب قد هدمها كما مر فبناها السلطان يوسف في هذه المرة وحصن أسوارها وبنى بها قصبة ودارا لسكناه وحماما ومسجدا ثم سار إلى تلمسان فنزل بساحتها وأحاطت عساكره بها إحاطة الهالة بالقمر ونصب عليها القوس البعيدة النزع العظيمة الهيكل المسماة بقوس الزيار اخترعها المهندسون والصناع وتقربوا إلى السلطان بعملها فأعجبته وكانت تحمل على أحد عشر بغلا ولما امتنعت تلمسان عليه أفرج عنها فاتح سنة ثمان وتسعين وستمائة ومر في عوده إلى المغرب بوجدة فأنزل بها الحامية من بني عسكر بن محمد لنظر أخيه الأمير أبي بكر بن يعقوب كما كانوا بتاوريرت وأمرهم بشن الغارات على أعمال تلمسان مع الساعات والأحيان ففعلوا واستولى الأمير أبو بكر بذلك على أكثر تلك الجهات والله تعالى أعلم

فتكة ابن الملياني بشيوخ المصامدة وتزويره الكتاب بهم والسبب في ذلك

قد تقدم لنا عند الكلام على فتح جبل تنيملل أن أبا علي الملياني كان قد سعى في نبش قبور بني عبد المؤمن والعبث بأشلائهم وأن الناس قد غاظهم ذلك لا سيما المصامدة منهم ولما هلك السلطان يعقوب وولي بعده ابنه يوسف استعمل أبا علي الملياني على جباية المصامدة فباشرها مدة ثم سعى به شيوخ المصامدة عند السلطان بأنه احتجن المال لنفسه فأمر السلطان بمحاسبته فحوسب وظهرت مخايل صدقهم عليه فنكبه السلطان يوسف أولا ثم قتله ثانيا واصطنع ابن أخيه أبا العباس أحمد بن علي الملياني واستعمله في كتابته وأقامه ببابه في جملة كتابه وكان السلطان يوسف قد سخط على بعض شيوخ المصامدة منهم علي بن محمد كبير هنتانة وعبد الكريم بن عيسى كبير قدميوة وأوعز إلى ابنه الأمير علي بن يوسف بمراكش باعتقالهما فاعتقلهما فيمن لهما من الولد والحاشية وأحس بذلك أحمد بن الملياني فاستعجل الثأر الذي كان يعتده عليهم في عمه أبي علي وكانت العلامة السلطانية يومئذ موكولة إلى كتاب الدولة لم تختص بواحد منهم لما كانوا كلهم ثقات أمناء وكانوا عند السلطان كأسنان المشط فكتب أحمد بن الملياني إلى الأمير أبي علي كتابا على لسان والده يأمره فيه أمرا جزما بقتل مشيخة المصامدة ولا يمهلهم طرفة عين ووضع عليه العلامة التي تنفذ بها الأوامر السلطانية وختم الكتاب وبعث به مع البريد قال ابن الخطيب ولما أكد على حامله في العجل وضايقه في تقدير الأجل تأنى حتى إذا علم أنه قد وصل وأن غرضه قد حصل فر إلى تلمسان وهي بحال حصارها فاتصل بأنصارها حالا بين أنوفها وأبصارها وتعجب الناس من فراره وسوء اغتراره ورجمت الظنون في آثاره ثم وصلت الأخبار بتمام الحيلة واستيلاء القتل على أعلام تلك القبيلة فتركها شنعاء على الأيام وعارا في الأقاليم على حملة الأقلام اه ولما وصل الكتاب إلى ولد السلطان أخرج أولئك الرهط المعتقلين إلى مصارعهم وحكم السيف في رقاب جميعهم فقتل علي بن محمد الهنتاني وولده وعبد الكريم بن عيسى القدميوي وبنوه الثلاثة عيسى وعلي منصور وابن أخيه عبد العزيز بن محمد وطير الأمير علي بالأعلام إلى والده مع بعض وزرائه وهو يرى أنه قد امتثل الأمر واستوجب الشكر فلما وصل الرسول بالخبر إلى السلطان يوسف بطش به فقتله غيظا عليه وأنفذ البريد في الحال باعتقال ولده وقام وقعد لذك ومن ذلك الوقت قصر السلطان علامته على من يختاره من ثقات الكتاب وعدولهم وجعلها يومئذ للفقيه الكاتب أبي محمد عبد الله بن أبي مدين وكان من الكفاة المضطلعين بأمور الدولة المتحملين للكثير من أعبائها وأما ابن الملياني فإنه فر إلى تلمسان والسلطان يوسف محاصر لها ولما وقع الإفراج عنها بعد حين انتقل إلى الأندلس فبقي هنالك إلى أن توفي بغرناطة سنة خمس عشرة وسبعمائة ومن شعره يفخر بهذه الفعلة وغيرها قوله ( العز ما ضربت عليه قبابي % والفضل ما اشتملت عليه ثيابي ) ( والزهر ما أهداه غصن يراعتي % والمسك ما أبداه نقس كتابي ) فالمجد يمنع أن يزاحم موردي % والعزم يأبى أن يضام جنابي ) ( فإذا بلوت صنيعة جازيتها % بجميل شكري أو جزيل ثوابي ) ( وإذا عقدت مودة أجريتها % مجرى طعامي من دمي وشرابي ) ( وإذا طلبت من الفراقد والسهى % ثارا فأوشك أن أنال طلابي )

الحصار الطويل وما تخلل ذلك من الأحداث على تلمسان

تقدم لنا أن السلطان يوسف لما رجع من محاصرة تلمسان فاتح سنة ثمان وتسعين وستمائة مر في طريقه بوجدة فأنزل بها الحامية من بني عسكر إلى نظر أخيه الأمير أبي بكر وأمره بشن الغارات على أعمال بني زيان فامتثل الأمير أبو بكر أمره وألح على النواحي بالغارات وإفساد السابلة فضاق أهل ندرومة بذلك ذرعا وأوفدوا وفدا منهم على الأمير أبي بكر يسألونه الأمان لهم ولمن وراءهم من قومهم على أن يمكنوه من قياد بلدهم ويدينوا بطاعة السلطان يوسف فبذل لهم من ذلك ما ارضاهم ونهض إلى البلد فدخله بعسكره وتبعهم على ذلك أهل تاونت فأوفد الأمير أبو بكر جماعة من أهل البلدين على أخيه السلطان يوسف فقدموا عليه منتصف رجب من سنة ثمان وتسعين المذكورة فادوا طاعتهم فقبلها ورغبوا إليه في الحركة إلى بلادهم ليريحهم من ملكة عدوه وعدوهم عثمان بن يغمراسن ووصفوا له من عسفه وجورة وضعفه عن الحماية ما أكد عزمه على النهوض فنهض لحينه من فاس في رجب المذكور بعد أن استكمل حشده ونادى في قومه وعرض عسكره وأجزل أعطياتهم وأزاح عللهم وسار في التعبية حتى نزل بساحة تلمسان ثاني شعبان سنة ثمان وتسعين وستمائة فأناخ عليها بككله وربض قبالتها على ترائبه وأنزل محلته بفنائها وأحاط بجميع جهاتها وتحصن يغمراسن وقومه بالجدران وعولوا على الحصار ولما رأى السلطان يوسف ذلك أدار سورا عظيما جعله سياجا على تلمسان وما اتصل بها من العمران وصيرها في وسطه ثم أردف ذلك السور من ورائه بحفير بعيد المهوى وفتح فيه مداخل لحربها ورتب على ابواب تلك المداخل مسالح تحرسه وأوعد بالعقاب من يختلف إلى تلمسان برفق أو يتسلل إليها بقوت وأخذ بمخنقها من بين يديها ومن خلفها حتى لم يخلص إليها الطير لا بل الطيف واستمر مقيما عليها كذلك مائة شهر ولما دخلت سنة اثنتين وسبعمائة اختط إلى جانب ذلك السور بمكان فسطاطه وقبابه قصرا لسكانه واتخذ به مسجدا لصلاته وأدار عليهما سورا يحرزهما ثم أمر الناس بالبناء حول ذلك فبنوا الدور الواسعة والمنازل الرحيبة والقصور الأنيقة واتخذوا البساتين وأجروا المياه وأمر السلطان باتخاذ الحمامات والفنادق والمارستان وابتنى مسجدا جامعا أقامه على الصهريج الكبير وشيد له منارا رفيعا وجعل على رأسه تفافيح من ذهب صير عليها سبعمائة دينار ثم أدار السور على ذلك كله فصارت مدينة عظيمة استبحر عمرانها ونفقت أسواقها ورحل إليها التجار بالبضائع من جميع الآفاق وسماها المنصورة فكانت من أعظم أمصار المغرب وأحفلها إلى أن خربها آل يغمراسن عند مهلك السلطان يوسف وارتحال جيوشه عنها ولما تمكن السلطان يوسف من حصار تلمسان سرح كتائبه وسراياه في أعمالها وحصونها فاستولى في مدة قريبة على ندرومة وهنين ووهران وتالموت وتامزردكت ومستغانم وتنس وشرشال وبرشك والبطحاء ومازونة ووانشريس ومليانة والقصبات ولمدية وتافرجينت وجميع بلاد بني عبد الواد وبلاد بني توجين وبلاد مغراوة وبايعه ابن علان صاحب الجزائر وأخذ رعبه بملوك الناحي وكانت دولة بني أبي حفص يومئذ قد انقسمت بقسمين فصار كرسي منها بتونس وآخر ببجاية فتنافس صاحب تونس وصاحب بجاية في مصانعة السلطان يوسف والتقرب إليه بالهدايا والتحف وصار السلطان يوسف في ذلك الوقت ملك المغرب على الحقيقة والإطلاق والله غالب على أمره

نكبة بين وقاصة من يهود فاس

كان بنو وقاصة هؤلاء من يهود ملاح فاس وكانوا مداخلين للسلطان يوسف من صغره إلى كبره وكانوا يتولون قهرمة داره ويقضون أموره الخاصة به ويخلصون إلى الكثير من باطن أمره قد التحموا به التحاما وامتزجوا به امتزاجا يجالسونه في خلواته وينادمونه في أنسه فعظم جاههم عند الحاشية لإقبال السلطان عليهم واستتبعوا الوزراء فمن دونهم من رجال الدولة وتعددت فيهم الرؤساء والقهارمة فكان منهم خليفة بن وقاصة وأخوه إبراهم وصهره موسى بن السبتي وابن عمه خليفة الأصغر وغيرهم واستمروا على ذلك برهة من الدهر ثم إن السلطان يوسف استفاق استفاقة والتفت إليهم التفاتة وراجع بصيرته في شأنهم فأهمه أمرهم وشعر كاتبه بذلك القائم بأمور دولته أبو محمد عبد الله بن أبي مدين فسعى عنده فيهم وأوجده السبيل عليهم فسطا بهم سطوة منكرة واعتقلوا في شعبان من سنة إحدى وسبعمائة بمعسكره من حصار تلمسان وقتل خليفه الكبير وأخوه إبراهيم وموسى بن السبتي وإخوته بعد أن امتحنوا ومثل بهم وأتت النكبة على حاشيتهم وأقاربهم فلم تبق منهم باقية إلا أن السلطان استبقى مهم خليفة الأصغر احتقارا لشأنه حتى كان من قتله بعد ما نذكره وعبث بسائرهم وطهرت الدولة من رجسهم وأزيل منها معرة رياستهم والأمور بيد الله سبحانه ثم لما كانت سنة ثلاث وسبعمائة توفي عثمان بن يغمراسن في الحصار عقب شربة لبن يقال إنه جعل فيها سما وشربه فعل ذلك بنفسه تفاديا من معرة غلبه عدوه عليه فاجتمع بنو عبد الواد لحينهم وبايعوا ابنه محمد بن عثمان واجتمعوا عليه ثم برزوا إلى قتال عدوهم على العادة حتى كأن عثمان لم يمت وبلغ الخبر إلى السلطان يوسف فتفجع على عثمان وعجب من صرامة قومه من بعده

انتقاض ابن الأحمر واستيلاء الرئيس أبي سعيد على سبتة

كان محمد بن الأحمر المعروف بالفقيه قد هلك سنة إحدى وسبعمائة وولي الأمر بعده ابنه محمد المعروف بالمخلوع واستبد عليه كاتبه أبو عبد الله محمد بن الحكيم الرندي وكان من أول ما فعله محمد المخلوع بعد استقلاله بالأمر المبادرة إلى أحكام عقد الموالاة بينه وبين السلطان يوسف فأوفد عليه وزير أبيه أبا سلطان عبد العزيز بن سلطان الداني ووزيره الكاتب أبا عبد الله بن الحكيم فوصلا إلى السلطان يوسف بمعسكره من حصار تلمسان فتلقاهما بالقبول والمبرة وجددت لهما أحكام الود والولاية وانقلبا إلى مرساهما خير منقلب وطلب السلطان منهما أن يمدوه بالرجل من عسكر الأندلس وناشبتهم المعودين منازلة الحصون والمثاغرة بالرباط فأسعفوه ثم فسد ما بينهما لمنافسات جرت إلى ذلك فانتقض ابن الأحمر وعاد لسنة سلفه من موالاة الطاغية وممالاته على المسلمين أهل المغرب وأحكم العهد مع هراندة بن سانجة من بني أذفونش ملوك قشتالة خذلهم الله ثم أوعز ابن الأحمر إلى ابن عمه الرئيس أبي سعيد فرج بن إسماعيل صاحب مالقة في إعمال الحيلة في الغدر بأهل سبتة ففعل وداخل في ذلك بعض عمال بني العزفي بها فأمكنه من البلد فاقتحمها بأساطيله وجنده على حين غفلة من أهلها وتقبض على بني العزفي ولى حاشيتهم وأركبهم الأسطول وبعث بهم إلى مالقة ثم منها إلى غرناطة فتلقاهم ابن الأحمر واحتفل لهم وأنزلهم بقصوره وأجرى عليهم النفقة واستقروا بالأندلس برهة من الدهر ثم عادوا إلى المغرب كما نذكر وأسند الرئيس أبو سعيد بأمر سبتة وثقف أطرافها وسد ثغورها وبلغ الخبر بذلك إل السلطان يوسف فحمى أنفه وعظم عليه الأمر فبعث ولده الأمير أبا سالم إبراهيم في جيش كثيف إلى حصارها وحشد إليها قبائل الريف وقيائل تازا فلم يغن شيئا ورجع مهزوما فسخطه السلطان لذلك وأهمله وبقي على ذلك إلى وفاة السلطان رحمه الله وكان انتقاض ابن الأحمر سنة ثلاث وسبعمائة

ثورة عثمان بن أبي العلاء بجبال غمارة

كان عثمان بن أبي العلاء إدريس بن عبد الحق من أعياص الملك المريني وكان قد قدم من الأندلس في صحبة الرئيس أبي سعيد عند استيلائه على سبتة ثم ثار بعد ذلك ببلاد غمارة ودعا لنفسه وبقي متنقلا هنالك مدة فتغلب على تكساس وآصيلا والعرايش وانتهى إلى قصر كتامة وخب في الفتنة ووضع إلى أن لحق بالأندلس لأول دولة السلطان أبي الربيع فولي بها مشيخة الغزاة وكانت له في جهاد العدو اليد البيضاء كما سيأتي إن شاء الله وفي سنة ثلاث وسبعمائة بعث السلطان يوسف وهو محاصر لتلمسان ركب الحاج المغربي إلى الحرمين الشريفين واعتنى بشأن هذا الركب فبعث معهم حامية من زناتة تناهز خمسمائة فارس من الأبطال وخاطب صاحب الديار المصرية لعهده وهوالملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي من مماليك بني أيوب المعروفين بالبحرية واستوصاه بحاج أهل المغرب وأتحفه بهدية استكثر فيها من الخيل العراب والمطايا الفارهة يقال كان عدد الخيل والمطايا أربعمائة إلى غير ذلك ما يناسب من طرف المغرب وماعونه وبعث معهم إلى حرم مكة مصحفا ضخما اعتنى به واستكتبه وجعل له غشاء مكللا بنفيس الدر وشريف الياقوت ورفيع الأحجار ونهج السلطان يوسف رحمه الله بهذا الركب والهدية السبيل لحاج المغرب فأجمعوا الحج سنة أربع بعدها فاجتمع منهم عدد وافر وركب ضخم فعقد السلطان يوسف على دلالتهم لأبي زيد الغفاري وفصلوا من تلمسان في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة وفي شهر ربيع الآخر بعده قدم حاج الركب الأول الذين حملوا المصحف والهدية ووفد معهم على السلطان يوسف شريف مكة السيد لبيدة بن أبي نمي نازعا عن سلطان الترك صاحب مصر لما كان قد قبض على أخويه حميضة ورميثة بعد مهلك أبيهم أبي نمي صاب مكة فاستبلغ السلطان يوسف من إكرامه والتنويه بقدره وسرحه إلى المغرب ليجول في أقطاره ويطوف على معالم الملك وقصوره وأوعز إلى العمال بالبرور به وإتحافه على ما يناسب قدره ورجع هذا الشريف إلى حضرة السلطان من تلمسان سنة خمس وسبعمائة ثم فصل منها إلى مشرقه وفي شعبان من هذه السنة قدم أبو زيد الغفاري دليل ركب الحاج الثاني ومعه بيعة الشرفاء أهل مكة للسلطان يوسف لما كان صاحب مصر قد آسفهم بالتقبض على إخوانهم وكان ذلك شأنهم متى غاظهم السلطان وأهدوا إلى السلطان يوسف ثوبا من كسوة الكعبة أعجب به فاتخذ منه ثوبا للبوسه في الجمع والأعياد كان يتبطنه بين ثيابه تبركا به وأما الملك الناصر صاحب مصر فإنه كافأ السلطان يوسف على هديته بأن جمع من طرف بلاد المشرق ما يستغرب جنسه وشكله من الثياب والحيوانات ونحو ذلك مثل الفيل والزرافة ونحوهما وأوفد به مع عظماء دولته وفصلوا من القاهرة آخر سنة خمس وسبعمائة فوصلوا إلى السلطان يوسف وهو بالمنصورة في جمادى الآخرة سنة ست بعدها واهتز لقدومهم وأركب الناس للقيهم وأكرم وفادتهم وبعثهم إلى المغرب للتطوف به على العادة في مبرة أمثالهم وهلك السلطان يوسف أثناء ذلك وأفضى الأمر إلى حافده أبي ثابت فأحسن منقلبهم ملأ حقائبهم وفصلوا من المغرب إلى بلادهم في ذي الحجة من سنة سبع وسبعمائة ولما انتهوا إلى بلاد بني حسن في ربيع من سنة ثمان بعدها اعترضهم الأعراب بالقفر فانتهبوهم وخلصوا إلى مصر بجريعة الذقن فلم يعاودوا بعدها إلى المغرب سفرا ولا لفتوا إليه وجها وطالما أوفد عليهم ملوك المغرب بعدها من رجال دولتهم من يوبه له ويهادونهم ويكافئون ولا يزيدون في ذلك كله على الخطاب شيئا

وفاة السلطان يوسف رحمه الله

كان السلطان يوسف بن يعقوب بن عبد الحق رحمه الله قد اتخذ في جملة حاشيته ومماليكه خصيا اسمه سعادة وكان هذا الخصي قد تصير إليه من جهة أبي علي الملياني أيام كان عاملا له على مراكش وكان السلطان يوسف في ابتداء أمره يخلط الخصيان بأهله ولا يحجبهم عن حرمه وعياله ثم حدثت للسلطان ريبة في بعض الخصيان فأعتق جملة منهم كان فيهم عنبر الكبير عريفهم وحجب سائرهم فارتاعوا لذلك وفسدت نياتهم فسولت لهذا الخصي الخبيث نفسه الشيطانية الفتك بالسلطان فعمد إليه وهو في بعض حجر قصره فاستأذن عليه فأذن له فألفاه مستلقيا على فراشه مختضبا بحناء فوثب عليه وطعنه طعنات قطع بها أمعاءه وخرج هاربا وانطلق بعض الأولياء في أثره فأدركه من العشي بناحية تاسلت فقبض عليه وجيء به إلى القصر فقتلته العبيد والحاشية وصابر السلطان يوسف منيته إلى آخر النهار ثم قضى رحمه الله يوم الأربعاء سابع ذي القعدة من سنة ست وسبعمائة وقبر هنالك ثم نقل بعد ما سكنت الهيعة إلى مقبرتهم بشالة فدفن بها مع سلفه وأطلال ضريحه لا زالت مائلة إلى الآن وبموت السلطان يوسف انقضت مدة الحصار عن آل يغمراسن وقومهم من بني عبد الواد وسائر أهل تلمسان وكانت المدة في ذلك مائة شهر كما قلنا نالهم فيها من الجهد والشدة ما لم ينل أمة من الأمم واضطروا إلى أكل الجيف والقطوط والفيران حتى أنهم أكلوا فيها أشلاء الموتى من الناس وخربوا السقوف للوفود وغلت أسعار الأقوات والحبوب وسائر المرافق بما تجاوز حد العادة وعجز وجدهم عنها فكان ثمن مكيال القمح ومقداره اثنا عشر رطلا ونصف مثقالين ونصفا من الذهب العين وثمن الشخص الواحد من البقر ستين مثقالا ومن الضأن سبعة مثاقيل ونصفا وأثمان اللحم من الجيف الرطل من لحم البغال والحمير بثمن المثقال ومن الخيل بعشر المثقال والرطل من الجلد البقري ميتة أو مذكى بثلاثين درهما والهر الداجي بمثقال ونصف والكلب بمثله والفأر بعشرة دراهم والحية بمثل ذلك والدجاجة بثلاثين درهما والبيض واحدة بستة دراهم والعصافير كذلك والأوقية من الزيت باثني عشر درهما ومن السمن بمثلها ومن الشحم بعشرين درهما ومن الملح بعشرة دراهم ومن الحطب كذلك والأصل الواحد من الكرنب بثلاثة أثمان المثقال ومن الخس بعشرين درهما ومن اللفت بخمسة عشر درهما والواحدة من القثاء والفقوس بأربعين درهما والخيار بثلاثة أثمان الدينار والبطيخ بثلاثين ردهما والحبة من التين والإجاص بدرهمين واستهلك الناس أموالهم وموجودهم وضاقت أحوالهم وهلكت حاميتهم فاعتزموا على الإلقاء باليد والخروج للاستماتة فهيأ الله لهم الصنع الغريب ونفس عن مخنقهم بمهلك السلطان يوسف على يد الخصي المريب وأذهب الله العناء عن آل زيان وقومهم وخرجوا كأنما نشروا من القبور وكتبوا بعد هذه الحادثة في سكنهم ما أقرب فرج الله استغرابا لها قال ابن خلدون حدثني شيخنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الابلي قال جلس السلطان أبو زيان بن عثمان بن يغمراسن صبيحة يوم الفرج وهو يوم الأربعاء سابع ذي القعدة في زاوية من زوايا قصره يفكر واستدعى ابن جحاف خازن الزرع فسأله كم بقي من الأهراء والمطامير المختومة فقال له إنما بقي عولة اليوم وغد فاستوصاه بكتمان ذلك وبينما هم يتذاكرون في ذلك دخل عليهم أخوه أبو حمو فأخبروه بذلك فوجم وجلسوا سكوتا لا ينطقون وإذا بدعد قهرمانة القصر وكانت وصيفة من وصائف بنت السلطان أبي إسحاق حظية أبيهم قد خرجت من القصر إليهم وحيتهم وقالت لهم تقول لكم خطايا قصركم وبنات زيان حرمكم ما لنا وللبقاء وقد أحيط بكم وأسف عدوكم لالتهامكم ولم يبق الأفواق ناقة لمصارعكم فأريحونا من معرة السبي وقربونا إلى مصارعنا وأريحوا أنفسكم فينا فالحياة في الذل عذاب والوجود بعدكم عدم فالتفت أبو حمو إلى أخيه أبي زيان وكان من الشفقة بمكان فقال قد صدقتك الخبر فما تنتظر بهن فقال يا موسى أرجئني ثلاثا لعل الله يجعل بعد عسر يسرا ولا تشاورني بعدها فيهن بل سرح اليهود والنصارى إلى قتلهن وتعالى إلي نخرج مع قومنا إلى عدونا فنستميت ويقضي الله ما شاء فغضب أبو حمو وأنكر عليه التأخير في ذلك وقال إنما نحن والله نتربص المعرة بهن وبأنفسنا وقام عنه مغضبا وجهش السلطان أبو زيان بالبكاء قال أين جحاف وأنا بمكاني بين يديه لا أملك متأخرا ولا متقدما إلى أن غلب عليه النوم فما راعني إلا حرسي يالباب يشير إلي أن أعلم السلطان بمكان رسول جاء من محلة بني مرين وها هو بسدة القصر قال ابن جحاف فلم أطق رد جوابه إلا بالإشارة وانتبه السلطان من همسنا فزعا فأعلمته فاستدعاه للحين فلما وقف بين يديه قال إن السلطان يوسف بن يعقوب هلك الساعة وأنا رسول حافده أبي ثابت إليكم فاستبشر السلطان أبو زيان واستدعى أخاه وقومه حتى بلغ الرسول المذكور رسالته بمسمع منهم فكانت إحدى المغربات في الأيام وكان من خبر هذه الرسالة أن السلطان يوسف لما هلك تطاول للأمر بعده القربابه من إخوته وولده وحفدته وتحيز حافده أبو ثابت إلى بني ورتاجن لخؤلة كانت له فيهم فاستجاش بهم واعصوصبوا عليه وبعث إلى بني زيان أن يعطوه آلة الحرب ويكونوا مفزعا له إن أخفق مسعاه على أنه إن تم أمره قوض عنهم معسكر بني مرين وأفرج عنهم فعاقدوه على ذلك فوفى لهم لما تم أمره ونزل لهم عن جميع الأعمال التي كان السلطان يوسف غلب عليها من بلادهم ورحلوا إلى مغربهم والله غالب على أمره

بقية أخبار السلطان يوسف وسيرته

كان السلطان يوسف رحمه الله أبيض حسن القد مليح الوجه أقنى الأنف مهيبا لا يكاد أحد يبدأه بالكلام جوادا مشفقا على الرعية متفقدا لأحوالها شجاعا شهما ذا عزيمة ( إذا هم ألقى بين عينيه همه % ونكب عن ذكر العواقب جانبا ) وهو أول من هذب ملك بني مرين وأكسبه رون لحضارة وبهاء الملك وكان غليظ الحجاب لا يكاد يوصل إليه إلا بعد الجهد ومن أعيان كتابه الكاتب أبو محمد عبد الله بن أبي مدين العثماني ومن أعيان شعرائه أبو الحكم مالك بن المرحل السبتي وأبو فارس عبد العزيز الملزوزي المكناسي وغيرهما والله تعالى أعلم ولنذكر ما كان في هذه المدة من الأحداث ففي سنة ست وخمسين وستمائة وهي السنة التي بويع فيها السلطان يعقوب بن عبد الحق كان الرخاء المفرط بالمغرب بحيث كان الدقيق يباع بفاس وغيرها ربع منه بدرهم والقمح ستة دراهم للصحفة والشعير ثلاثة دراهم للصحفة وأما القطاني فلم يكن لها ثمن والعسل ثلاثة أرطال بدرهم والزيت أربعون أوقية بدرهم والزبيب درهم ونصف للربع والثمر ثمانية أرطال بدرهم واللوز صاع بدرهم والشابل الطري فردة بقيراط والملح حمل بدرهم ولحم البقر مائة أوقية بدرهم ولحم الضأن سبعون أوقية بدرهم والكبش بخمسة دراهم وهكذا وفي سنة إحدى وستين وستمائه ظهر النجم أبو الذوائب وكان ابتداء ظهوره ليلة الثلاثاء الثاني عشر من شعبان من السنة المذكورة وبقي يطلع كل ليلة وقت السحر نحوا من عشرين يوما وفي سنة أربع وستين وستمائة كان دخول الشريف المولى حسن بن قاسم الحسني من أرض ينبع الحجاز إلى سجلماسة وهذا الشريف هو جد الأشراف العلويين السجلماسيين ملوك المغرب الأقصى في عصرنا هذا أعلى الله تعالى قدرهم وخلد مجدهم وفخرهم وعند الكلام على دولتهم السعيدة نذكر كيفية دخول هذا الشريف إلى المغرب والسبب فيه إن شاء الله وفي سنة ست وستين وستمائة سرق من بيت المال بقصبة فاس اثنا عشر ألف دينار وثلاث قلائد يساوين أكثر من ذلك وفي حدود السبعين وستمائة كان ظهور البارود على ما مر من أن السلطان يعقوب بن عبد الحق فتح به سجلماسة في هذه المدة والله تعالى أعلم وفي سنة سبع وسبعين وستمائة بنى المسجد الجامع بفاس الجديد وفي سنة تسع وسبعين وستمائة علقت به ثرياه وذلك يوم السبت السابع والعشرين من ربيع الأول منها ووزن هذه الثريا سبعة قناطير وخمسة عشر رطلا وعدد كؤوسها مائتا كأس بالتثنية وسبع وثمانون كأسا وفيها كان الجراد العام بالمغرب أكل الجسر والزرع ولم يترك خضراء على وجه الأرض وبلغ القمح عشرة دراهم للصاع وفي سنة ثمانين وستمائة بنيت قنطرة وادي النجاة وقنطرة ماريج وفي سنة ثلاث وثمانين وستمائة كان بالمغرب قحط شديد لم ير الناس قطرة ماء حتى كان اليوم السابع والعشرون من رمضان وهو اليوم الذي توفيت فيه الحرة أم العز بنت محمد بن حازم العلوية من بني علي بن عسكر وهي أم السلطان يوسف فغاث الله العباد وأحيى برحمته البلاد وفي سنة خمس وثمانين وستمائة بنيت قصبة تطاوين وفيها ركبت الناعورة الكبرى على واد فاس شرع في عملها في رجب من السنة المذكورة ودارت في صفر من السنة بعدها وفي سنة ست وثمانين وستمائة بني سور قصر المجاز وركبت أبوابه وفيها غرس بستان المصارة بفاس الجديد وبنيت الدار البيضاء بها أيضا وفي سنة تسع وثمانين وستمائة كانت الريح الشرقية المتوالية الهبوب ونشأ عنها القحط الشديد واستمر ذلك إلى آخر سنة تسعين بعدها فرحم الله بلاده وعباده وفيها توفي الشيخ الصالح أبو يعقوب الأشقر بالكندرتين من بلاد بني بهلول من أحواز فاس ولعل أبا يعقوب هذا هو الذي تنسب إليه الحمة التي قدمنا الكلام عليها في أخبار المنصور الموحدي والله أعلم وفيها بني المسجد الجامع بمدينة تازا وبنيت قبة مكناسة الزيتون ورباعها وفي سنة إحدى وتسعين وستمائة أمر السلطان يوسف بن يعقوب بن عبد الحق بعمل المولد النبوي وتعظيمه والاحتفال له وصيره عيدا من الأعياد في جميع بلاده وذلك في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة وكان الأمر به قد صدر عنه وهو بصبره من بلاد الريف في آخر صفر من السنة فوصل برسم إقامته بحضرة فاس الفقيه أبو يحيى بن أبي الصبر واعلم أنه قد كان سبق السلطان يوسف إلى هذه المنقبة المولدية بنو العزفي أصحاب سبتة فهم أول من أحدث عمل المولد الكريم بالمغرب والله تعالى أعلم وفي سنة ثلاث وتسعين وستمائة كان كسوف الشمس وذلك قرب زوال يوم الأحد التاسع والعشرين من رجب من السنة المذكورة كسف منها نحو الثلثين وصلى بالناس صلاة الكسوف بجامع القرويين من فاس الخطيب أبو عبد الله بن أبي الصبر حتى انجلت فخرج من المحراب ووقف بإزائه فوعظ الناس وذكرهم في هذه السنة رفعت أيدي الموثقين من الشهادة بفاس ولم يبق بها منهم سوى خمسة عشر رجلا من أهل العدالة والمعرفة وكانوا قيل ذلك أربعة وتسعين وكان ذلك يوم الاثنين الحادي عشر من شوال من السنة المذكورة وفيها كانت الجماعة الشديدة والوباء العظيم عم ذلك بلاد المغرب وإفريقية ومصر فكانت الموتى تحمل اثنين وثلاثة وأربعة على المغتسل وبلغ القمح عشرة دراهم للمد والدقيق ست أواق بدرهم وأمر السلطان يوسف بتبديل الصيعان وجعلها على مد النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك بالحضرة على يد الفقيه أبي فارس عبد العزيز الملزوزي الشاعر المشهور ثم دخلت سنة أربع وتسعين وستمائة فيها صلح أمر الناس وانجبرت أحوالهم ورخصت الأسعار في جميع الأمصار فبيع القمح بعشرين درهما للصحفة وفي هذه السنة كسفت الشمس أيضا الكسوف الكلي بحيث غاب قرص الشمس كله وصار النهار ليلا كالحالة التي تكون ما بين العشاءين وظهرت النجوم وماج الناس وضاقت نفوسهم ولولا أن الله سبحانه تداركهم بسرعة انجلائها لهلكوا جزعا وكان ذلك بعد صلاة ظهر الثلاثاء الثامن والعشرين من ذي الحجة من سنة أربع وتسعين المذكورة وفي سنة سبعمائة أسس السلطان يوسف بن يعقوب مدينته المنصورة بإزاء تلمسان وهو محاصر لها الحصار الطويل حسبما مر الخبر على ذلك مستوفى وبالله تعالى التوفيق

الخبر عن دولة السلطان أبي ثابت عامر بن عبد الله ابن يوسف ابن يعقوب بن عبد الحق رحمه الله

قد تقدم لنا أن أبا عامر عبد الله ابن السلطان يوسف كان قد انتبذ عن أبيه وبقي متنقلا في جهات الريف وبلاد غمارة إلى أن هلك في بلاد بني سعيد منهم وأنه خلف ثلاثة أولاد أحدهم أبو ثابت عامر بن عبد الله هذا الذي ولي الأمر بعد جده وذلك أنه لما هلك السلطان يوسف رحمه الله بالمنصورة كما تقدم كان حافده أبو ثابت هذا في جملته وكان له في بني ورتاجن من أهل تلك البلاد خؤلة فلحق بهم ودعا لنفسه فبايعوه وقاموا معه في أمره وبايعه معهم أشياخ بني مرين والعرب بظاهر المنصورة يوم الخميس ثاني يوم وفاة جده يوسف وبادر الحاشية والوزراء ومن شايعهم بداخل المنصورة إلى بيعة الأمير أبي سالم بن السلطان يوسف وكاد أمر بني مرين يفسد وكلمتهم تتفرق فبعث السلطان أبو ثابت لحينه وكان شهما مقداما إلى صاحبي تلمسان أبي زيان وأبي حمو ابني عثمان بن يغمراسن فعقد لهما عهدا على أن يرحل عنهم بجموعه وأن يمدوه بالآلة ويرفعوا له كسر بيتهم ويضموه إليهم إن خاب أمله ولم يتم له أمر فأجابوه إلى ذلك وحضر العقد أبو حمو فأحكمه وشرط عليه السلطان أبو ثابت أن لا يتعرضوا لمدينة جده المنصورة بسوء وأن يتعاهدوا مساجدها وقصورها بالإصلاح وأن من أراد الإقامة بها من أهلها فما لأحد عليه من سبيل لأن الناس كانوا قد استوطنوها وألفوها وطاب مقامهم بها وتأثلوا بها الأثاث والمتاع والخرثي وسائر الماعون مما يثبط المرتحل ويثقل جناح الناهض فقبل أبو حمو ذلك كله وتفرغ السلطان أبو ثابت لشأنه وجمع كلمة قومه واختل أمر أبي سالم فلم يتم وكتب السلطان أبو ثابت إلى حامية بني مرين وحصصها التي كانت متفرقة في الثغور الشرقية التي استولى عليها السلطان يوسف أيام حياته فأقبلوا إليه ينسلون من كل حدث وأسلموا البلاد إلى أهلها من بني عبد الواد وقتل السلطان أبو ثابت عمه أبا سالم بن يوسف ثم أتبعه بعم أبيه أبي بكر بن يعقوب في آخرين من القرابة وغيرهم ممن يتوقع منه الشر وفر بقية القرابة خشية على أنفسهم من سطوة أبي ثابت فلحقوا بعثمان بن أبي العلاء الثائر بجبال غمارة من عهد السلطان يوسف فشايعوه على أمره وتقوى بهم على ما نذكره ثم ارتحل السلطان أبو ثابت قاصدا حضرة فاس في جموع لاتحصى وأمم لا تستقصى فعيد عيد الأضحى من سنة ست وسبعمائة في طريقه بن تلمسان ووجدة ثم نهض إلى فاس فدخلها فاتح سنة سبع وسبعمائة ثم نهض بعد ذلك إلى مراكش على ما نذكره ولما علم بنو يغمراسن أن أبا ثابت قد أبعد عنهم وأنه توغل في البلاد المراكشية واشتغل بحروب الثائرين بها عمدوا إلى المنصورة فجعلوا عاليها سافلها وطمسوا معالمها ومحوا آثارها فأصبحت كأن لم تغن بالأمس

ثورة يوسف بن محمد بن أبي عياد ابن عبد الحق وما كان من أمره

كان السلطان أبو ثابت لما فصل من تلمسان قدم بين يديه ابن عمه الحسن بن عامر بن عبد الله بن يعقوب وأمره بالنظر في أحوال فاس والمغرب وأمره بضبطها وتسريح سجونها ورد مظالمها وتفريق الأموال على الخاصة والعامة ففعل ولما قدم حضرة فاس عقد لابن عمه يوسف بن محمد بن أبي عياد بن عبد الحق على مراكش ونواحيها وعهد إليه بالنظر في أحوالها وضبطها صمد إليها واحتل بها وتمكن منها ثم حدثته نفسه بالإنتزاء فاستلحق واستركب واتخذ الآلة وجاهر بالخلعان وتقبض على الوالي بمراكش الحاج المسعود فقتله من تحت السياط في جمادى الآخرة سنة سبع وسبعمائة ودعا لنفسه واتصل الخبر بالسلطان أبي ثابت وهو بفاس فسرح إليه وزيره يوسف بن عيسى بن السعود بن خرباش الحشمي بالحاء المهملة ويعقوب بن آصناك في خمسة آلاف فارس فساروا إلى مراكش وبرز يوسف بن محمد بن أبي عياد إلى حربهم وعبر إليهم وادي أم الربيع فالتقوا معه على ضفته الشرقية فهزموه وعاد إلى مراكش واتبعه الوزير ودخل ابن أبي عياد مراكش فقتل جماعة من جند الفرنج الذين بها وسبى ذراريهم وخرج منها إلى أغمات فلم يستقر بها ثم إلى جبال هسكورة فنزل على كبيرها مخلوف بن هنو الهسكوري ولحق به موسى بن سعيد الصبيحي من أغمات تدلى من سورها فلحق به ودخل السلطان أبو ثابت مراكش منتصف رجب من سنة سبع وسبعمائة وأمر بقتل أوربة المداخلين لابن أبي عياد في انتزائه فاستلحموا جميعا ولما لحق ابن أبي عياد بمخلوف بن هنو الهسكوري واستجار به فلم يجره على السلطان أبي ثابت بل قبض عليه مع ثمانية من كبار أصحابه وبعثهم في الحديد إليه وهو بمراكش فقتلوا في مصرع واحد بعد أن مثل بهم بالسياط وبعث برأس ابن أبي عياد إلى فاس فطيف به ونصب على سورها ثم أثخن أبو ثابت في كل من كان على رأي ابن أبي عياد وخاض معه في الفتنة فاستلحم منهم بمراكش ما ينيف على الستمائة وصلبهم على سورها من باب الرب أحد أبواب مراكش إلى برج دار الحرة عزونه وقتل في أغمات منهم مثل ذلك وخرج منتصف شعبان إلى منازلة السكسيوي وتدويخ جهات مراكش فنزل بتامزوارت وتلقاه السكسيوي بالبيعة والهدية والضيافة فقبل السلطان أبو ثابت ذلك منه ثم بعث قائده يعقوب بن آصناك في جيش من ثلاثة آلاف فارس إلى بلاد حاحة برسم غزو قبائل زكنة ففروا بين يديه حتى دخلوا بلاد القبلة وانقطع أثرهم ورجع إلى معسكر السلطان بتامزوارت وأخبره بسكون البلاد وأمنها فانكفأ السلطان أبو ثابت راجعا إلى مراكش فدخلها غرة رمضان من سنة سبع وسبعمائة ثم خرج منها في منتصفه قاصدا رباط الفتح فاجتاز على بلاد صنهاجة وعبر وادي أم الربيع من مشرع كتامة في القوارب لزيادة الماء يومئذ ثم ارتحل فاجتاز ببلاد تامسنا فتلقاه بها عرب جشم من قبائل الخلط وسفيان وبني جابر والعاصم فاستصحبهم معه إلى مدينة آنفي بعد أن استأذنوه في الرجوع فلم يأذن لهم ولما أحتل بآنفي دعا بأشياخهم فحضروا عنده فقبض على ستين منهم أودعهم سجن آنفى وضرب أعناق عشرين من فسادهم القاطعين للسبل وصلبهم على سور آنفى ثم نهض إلى رباط الفتح فدخله في السابع والعشرين من رمضان فعيد هنالك عيد الفطر وقتل به ثلاثين من فتاك لعرب المتهمين بالحرابة وقطع الطريق وصلبهم على أسوار العدوتين ثم ارتحل منتصف شوال لغزو عرب رياح الموطنين بأبي طويل وفحص آزغار وبلاد الهبط فغزاهم وأخذهم بالإجن القديمة فقتل منهم خلقا وسبى ذراريهم وانتهب أموالهم ونهض إلى فاس فاحتل بها منتصف ذي القعدة وعيد بها عيد الأضحى ثم نهض إلى سبتة على ما نذكره

غزو السلطان أبي ثابت بلاد غمارة وسبتة ومحاصرته لعثمان بن أبي العلاء

قد تقدم لنا أن عثمان بن أبي العلاء كان قد ورد من الأندلس صحبة الرئيس أبي سعيد بن الأحمر المتغلب على سبتة أيام السلطان يوسف وأنه ثار بجبال غمارة ودعا لنفسه واستحوذ عليها وكان السلطان يوسف بلغه خبره وأهمه شأنه إلا أنه كان يرجو أن يفتح تلمسان عن قريب ثم ينهض إليه فعاجله الحمام دون ذلك ولما أفضى الأمر إلى السلطان أبي ثابت وقدم حضرة فاس شغله عن عثمان بن أبي العلاء ما كان من ثورة يوسف بن محمد بن أبي عياد بمراكش كما قدمناه فعقد على حرب عثمان بن أبي العلاء لابن عمه عبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق فزحف إليه ونهض عثمان بن أبي العلاء إلى لقائه منتصف ذي الحجة سنة سبع وسبعمائة فهزمه عثمان بن أبي العلاء واستلحم من كان معه من جند الفرنج وهلك في تلك الوقعة عبد الواحد الفودودي من رجالات الدولة المرشحين للوزارة وسار عثمان بن أبي العلاء إلى قصر كتامة فدخله واستولى على جهاته وكان بطلا من الأبطال وعلى أثر ذلك كان رجوع السلطان أبي ثابت من غزاة مراكش وقد حسم الداء ومحى أثر النفاق فاعتزم على النهوض إلى بلاد غمارة ليمحو منها أثر دعوة ابن أبي العلاء التي كادت تلج عليه دار ملكه ويستخلص سبتة من يد ابن الأحمر المتغلب عليها لأنها صارت ركابا لمن يروم الخروج على السلطان من القرابة المستقرين وراء البحر غزاة في سبيل الله فنهض السلطان أبو ثابت من فاس عقب عيد الأضحى من سنة سبع وسبعمائة حتى انتهى إلى قصر كتامة فتلوم به ثلاثا حتى تلاحق به قبائل مرين والعرب والرماة من سائر البلاد فعرض جيشه وارتحل قاصدا جبال غمارة وكان عثمان بن أبي العلاء قد فر أمامه إلى ناحية سبتة فسار السلطان أبو ثابت في أتباعه حتى نازل حصن علودان واقتحمه عنوة واستلحم به زهاء أربعمائة ثم نازل بلد الدمنة على شاطئ البحر فقتل الرجال وسبى النساء والذرية وانتهب الأموال وكانوا قد تمسكوا بطاعة ابن أبي العلاء وأجازوه إلى القصر في وسط بلادهم وبالغوا في تضييفه وإكرامه ودخلوا معه القصر وآصيلا ونهبوا كثيرا من مال أهلهما ثم ارتحل السلطان أبو ثابت إلى طنجة فدخلها فاتح سنة ثمان وسبعمائة وتحصن ابن أبي العلاء بسبتة مع أوليائه من ابن الأحمر وسرح السلطان أبو ثابت عسكره فتفرقت في نواحي سبتة بالغارات واكتساح الأموال

بناء مدينة تطاوين

ثم أمر السلطان باختطاط مدينة تطاوين لنزول عسكره وللأخذ بمخنق سبتة هكذا عند ابن أبي زرع وابن خلدون واعلم أن تطاوين هذه هي تطاوين القديمة وقد تقدم لنا أن قصبتها بنيت في سنة خمس وثمانين وستمائة وذلك لأول دولة السلطان يوسف بن يعقوب بن عبد الحق ثم بنى السلطان أبو ثابت هذه المدينة عليها في هذا التاريخ الذي هو فاتح سنة ثمان وسبعمائة وكان بناؤها خفيفا شبه القرية عدا قصبتها فإن بناءها كان محكما وثيقا واستمرت هذه المدينة عامرة إلى صدر المائة التاسعة فخربت ثم جدد بناؤها بعد نحو تسعين سنة حسبما يأتي الخبر عن ذلك مستوفى إن شاء الله تعالى قالوا ولفظ تطاوين مركب من كلمتين تبط ومعناها في لسان البربر العين ووين وهي كناية عن المخاطب نحو يا فلان وما أشبه ذلك قالوا والسبب في تسميتها بذلك أنهم في وقت اختطاطهم لها كانوا يضعون الحرس على تطاوين أي يا فلان افتح عينك لأن عادة الحارس أن يقول ذلك فصار هذا بعضهم تيط معناها العين ووين معناها المقلة ومعنى مجموع الكلمتين مقلة العين والإضافة مقلوبة كما هي في لسان بعض الأمم العجمية فإنه لا مستند له والله تعالى أعلم ولما شرع السلطان أبو ثابت في بناء مدينة تطاوين أوفد كبير الفقهاء بمجلسه أبا يحيى بن أبي الصبر إلى ابن الأحمر صاحب سبتة في شأن النزول له عن البلد وأقام هو بقصبة طنجة ينتظر الجواب بماذا يكون وفي أثناء ذلك مرض مرض موته وتوفي يوم الأحد الثامن من شهر صفر سنة ثمان وسبعمائة ودفن بظاهر طنجة ثم حمل شلوه بعد أيام إلى مدفن آبائه بشالة فووري هنالك رحمة الله عليه وعليهم

الخبر عن دولة السلطان أبي الربيع سليمان بن أبي عامر عبد الله بن يوسف بن يعقوب بن عبد الحق رحمه الله

لما هلك السلطان أبو ثابت تصدى للقيام بالأمر عمه علي بن يوسف المعروف بابن زريقاء وهي أمه وعلى هذا هو الذي قتل شيوخ المصامدة بكتاب ابن الملياني كما تقدم وخلص الملأ من بني مرين أهل الحل والعقد إلى أبي الربيع المذكور أخي أبي ثابت فبايعوه واستتب أمره فتقبض على عمه علي بن زريقاء وسجنه بطنجة فبقي مسجونا بها إلى أن هلك سنة عشر وسبعمائة وبث السلطان أبو الربيع العطاء في الناس وأجزل الصلات فأرضى الخاصة والعامة وصفا له الأمر ثم ارتحل نحو فاس واستدعى من كان بمحلة تطاوين من الجند فأقبلوا إليه وأرضاهم بالمال كذلك ولما فصل من طنجة تبعه عثمان بن أبي العلاء من سبتة في جيش كثيف ليضرب في محلته ليلا فنذر به عسكر السلطان أبي الربيع فأسهروا ليلتهم وباتوا على صهوات خيولهم فوافاهم عثمان بساحة علودان وهم على ذلك فناجزهم الحرب فهزموه وتقبض على ولده وكثير من عسكره وقتل آخرون وكان للسلطان أبي الربيع الظهور الذي لا كفاء له ووصل أبو يحيى بن أبي الصبر من الأندلس وقد أحكم عقدة الصلح مع ابن الأحمر صاحب غرناطة ولما رأى عثمان بن أبي العلاء ذلك سقط في يده وأيس من المغرب فعبر البحر فيمن معه من القرابة إلى الأندلس وولي مشيخة الغزاة بها فكانت له في جهاد العدو اليد البيضاء وعلا أمره بالأندلس وزاحم بني الأحمر ملوكها في رياستهم وجبايتهم حتى كاد يستولي على الأمر من أيديهم وشرقوا بدائه ومارسهم ومارسوه مدة طويلة وعدلوا في أمره إلى المصانعة والمجاملة في أخبار ليس جلبها من غرضنا إلى أن توفي لكنا نذكر من ذلك أنموذجا يستدل به الواقف عليه على ما وراءه فنقول لما توفي عثمان بن أبي العلاء رحمه الله كتب على قبره ما صورته هذا قبر شيخ الحماة وصدر الأبطال والكماة واحد الجلالة ليث الإقدام والبسالة علم الأعلام حامي ذمار الإسلام صاحب الكتائب المنصورة والأفعال المشهورة والمغازي المسطورة وإمام الصفوف القائم بباب الجنة تحت ظلال السيوف سيف الجهاد وقاصم الأعاد وأسد الآساد العالي الهمم الثابت القدم الهمام الماجد الأرضى البطل الباسل الأمضى المقدس المرحوم أبي سعيد عثمان ابن الشيخ الجليل الهمام الكبير الأصيل الشهير المقدس المرحوم أبي العلاء إدريس بن عبد الله بن عبد الحق كان عمره ثمانيا وثمانين سنة أنفقه ما بين روحة في سبيل الله وغدوة حتى استوفى في المشهورر سبعمائة واثنتين وثلاثين غزوة وقطع عمره مجاهدا مجتهدا في طاعة الرب محتسبا في إدارة الحرب ماضي العزائم في جهاد الكفار مصادما بين جموعهم تدفق التيار وصنع الله تعالى له فيهم من الصنائع الكبار ما سار ذكره في الأقطار أشهر من المثل السيار حتى توفي رحمه الله وغبار الجهاد طي أثوابه وهو مراقب لطاغية الكفار وأحزابه فمات على ما عاش عليه وفي ملحمة الجهاد قبضه الله إليه واستأثر به سعيدا مرتضى وسيفه على رأس ملك الروم منتضى مقدمة قبول وإسعاد ونتيجة جهاد وجلاد ودليلا على نيته الصالحة وتجارته الرابحة فارتجت الأندلس لبعده أتحفه الله برحمة من عنده توفي يوم الأحد الثاني لذي الحجة من سنة ثلاثين وسبعمائة رحمه الله وأما السلطان أبو الربيع فإنه لما سار عن طنجة دخل حضرة فاس حادي عشر ربيع الأول من سنة ثمان وسبعمائة فأقام بها سنة المولد الكريم وفرق الأموال واستقامت الأمور وتمهد الملك وعقد السلم مع صاحب تلمسان أبي حمو موسى بن عثمان بن يغمراسن وأقام وادعا بحضرته مجتنيا ثمرة ملكه وكان في أيامه غلاء إلا أن الناس انفتحت لهم فيها أبواب المعاش والترف حتى تغالوا في أثمان العقار فبلغت قيمتها فوق المعتاد حتى لقد بيع كثير من الدور بفاس بألف دينار من الذهب العين وتنافس الناس في البناء فاتخذوا القصور المشيدة وتأنفوا فيها بالزليج والرخام وأنواع النقوش وتناغو في لبس الحرير وركوب الفاره وأكل الطيب واقتناء الحلي من الذهب والفضة واستبحر العمران وظهرت الزينة والأمور كلها بيد الله تعالى

نكبة الفقيه الكاتب أبي محمد عبد الله بن أبي مدين واستئصال بني وقاصة اليهوديين بعد ذلك

كان الفقيه الكاتب أبو محمد عبد الله بن أبي مدين شعيب بن مخلوف من بني أبي عثمان إحدى قبائل كتامة المجاورين للقصر الكبير وكان بيته بيت العلم والدين واتصلوا خدمة بني مرين أيام دخولهم المغرب واستيلائهم عليه وكان أبو محمد هذا من خاصة السلطان يوسف بن يعقوب وجعل بيده وضع العلامة على الرسائل وفوض إليه في حسبان الخراج والضرب على أيدي العمال وتنفيذ الأوامر بالقبض والبسط فيهم واستخلصه لمناجاته والإفضاء إليه بسره ولما هلك السلطان يوسف وولي بعده السلطان أبو ثابت ضاعف رتبة هذا الرجل وشفع لديه حظه ومنصبه ورفع على الأقدار قدره ثم ولي بعده أخوه أبو الربيع فسلك فيه مذهب سلفه واضطلع أبو محمد بن أبي مدين بأمور دولته وكان بنو وقاصة اليهود حين نكبوا أيام السلطان يوسف يرون أن نكبتهم كانت بسعاية أبي محمد فيهم وكان خليفة الأصغر منهم قد أفلت من تلك النكبة كما ذكرناه فلما أفضى الأمر إلى السلطان أبي الربيع استعمل خليفة هذا بداره في بعض المهن فباشر الأمور وترقى فيها حتى اتصل بالسلطان فجعل غاية قصده السعاية بأبي محمد بن أبي مدين وكان يؤثر عن السلطان أبي الربيع أنه يختلي مع حرم حاشيته وتعرف خليفة ذلك من مقالات الناس فدس إلى السلطان بأن ابن أبي مدين يعرض باتهامك في ابنته وأن صدره قد وغر لذلك وأنه مترصد بالدولة ومتربص بها الدوائر فتمكنت سعايته من السلطان وظن أنه صادق وكان يخشى غائلة ابن أبي مدين بما كان له من الوجاهة في الدولة ومداخلة القبيل فاستعجل السلطان أبو الربيع دفع غائلته ودس إلى قائد جند الفرنج بقتله فسار إليه ولقيه بمقبرة الشيخ أبي بكر بن العربي فرصده وأتاه من خلفه فطعنه طعنة كبته على ذقنه واحتز رأسه وألقاه بين يدي السلطان أبي الربيع ودخل الوزير سليمان بن يرزيكن فوجد الرأس بين يديه فذهبت نفسه عليه وعلى مكانه من الدولة حسرة وأسفا وأيقظ السلطان لمكر اليهودي وأطلعه على خبثه وأخرج له براءة كان بعث بها ابن أبي مدين معه إلى السلطان يتنصل فيها ويحلف على كذب ما رمي به عنده فتنبه السلطان لمكر اليهودي وعلم أنه قد خدعه وندم حيث لم ينفعه الندم وفتك لحينه بخليفة بن وقاصة وحاشيته من اليهود المتصدين للخدمة وسطا بهم سطوة الهلكة فأصبحوا مثلا للآخرين

انتقاض أهل سبتة على بني الأحمر ومراجعتهم طاعة بني مرين

كان أهل سبتة قد سئموا ملكة أهل الأندلس وثقلت عليهم ولايتهم لا سيما حين رحل عنهم عثمان بن أبي العلاء وعبر البحر بقصد الجهاد كما مر واتصل خبر ذلك بالسلطان أبي الربيع فانتهز الفرصة فيهم وعقد لثقته تاشفين بن يعقوب الوطاسي أخي وزيره عبد الرحمن بن يعقوب على عسكر ضخم من بني مرين وسائر طبقات الجند وبعثه إلى سبتة فأغذ السير إليها ونزل بساحتها ولما أحس به أهل البلد تمشت رجالاتهم فيما بينهم وتنادوا بشعار بني مرين وثاروا على من كان بسبتة من حامية ابن الأحمر فأخرجوهم منها واقتحم تاشفين بن يعقوب البلد عاشر صفر من سنة تسع وسبعمائة وتقبض على قائد القصبة أبي زكرياء يحيى بن مليلة وعلى قائد البحر أبي الحسن بن كماشة وعلى قائد الحرب بها من القرابة عمر بن رحو بن عبد الله بن عبد الحق وطير تاشفين بالخبر إلى السلطان أبي الربيع فعم السرور وعظم الفرح واتصل ذلك بابن الأحمر فضاق ذرعه وخشي عادية بني مرين وجيوش المغرب حين انتهوا إلى الفرضة وملكوها فقلب رأيه ورأى أن يجنح إلى السلم مع السلطان أبي الربيع لشدة شوكته ولكلب الطاغية عليه في أرضه لولا أن غزاه بني مرين يكفون من غربه فبادر السلطان ابن الأحمر وهو أبو الجيوش نصر بن محمد أخو المخلوع الذي كان قبله وأوفد رسله على السلطان أبي الربيع راغبين في السلم خاطبين للولاية وتبرع بالنزول عن الجزيرة ورندة وحصونها ترغيبا للسلطان أبي الربيع في الجهاد فقبل منه ذلك وعقد له الصلح على ما أراد وخطب منه أخته فأنكحه ابن الأحمر إياها وبعث السلطان أبو الربيع إليه بالمدد للجهاد أموال و خيولا جنائب مع ثقته عثمان بن عيسى اليريناني أخي وزيره إبراهيم بن عيسى واتصلت بينهما الولاية إلى أن توفي السلطان أبو الربيع رحمه الله

انتقاض الوزير عبد الرحمن بن يعقوب الوطاسي على السلطان أبي الربيع ومبايعته لعبد الحق بن عثمان والسبب في ذلك

لما انعقد الصلح بين السلطان أبي الربيع وابن الأحمر وحصلت المصاهرة بينهما والمودة كانت رسل ابن الأحمر لا تزال تتردد إلى حضرة السلطان بفاس فقدم منهم ذات يوم بعض المنهمكين في اللهو المدمنين للشرب والقصف فكشف صفحة وجهه في معاقرة الخمر وتجاهر بذلك بين الناس وكان السلطان أبو الربيع قد عزل قاضي فاس أبا غالب المغيلي وولى القضاء مكانه الشيخ الفقيه أبا الحسن الزرويلي المعروف بالصغير صاحب التقييد على المدونة وكان رحمه الله قد شدد على أهل الفسوق والمناكر فسيق إليه ذات يوم هذا الأندلسي وهو سكران فأمر العدول فاستروحوه واشتموا منه رائحة الخمر وأدوا شهادتهم على ذلك فأمضى القاضي حكم الله فيه وجلده الحد فاضطرم الأندلسي غيظا وتعرض للوزير عبد الرحمن بن يعقوب الوطاسي ويقال له رحو باللسان الزناتي فكشف له عن ظهره يريه أثر السياط وينعي عليه سوء هذا الفعل مع رسل الدول فضجر الوزير من ذلك وأخذته العزة بالإثم ولعله كان في قلبه شيء على القاضي فأمر وزعته بإحضاره على أسوأ الحالات وعزم على البطش به فتبادروا إليه واعتصم القاضي بالمسجد الجامع ونادى في المسلمين فثارت العامة بهم ومرج أمر الناس وقامت الفتنة على ساق واتصل الخبر بالسلطان فتلافى الأمر وأحضر أصحاب الوزير فضرب أعناقهم وشرد بهم من خلفهم جزاه الله خيرا فأسرها الوزير في نفسه وداخل الحسن بن علي بن أبي الطلاق من بني عسكر بن محمد وكان من شيوخ بني مرين وأهل الشورى فيهم وداخل قائد الفرنج غنصالوا المنفرد برياسة العسكر وشوكة الجند وكان لهؤلاء الفرنج بالوزير اختصاص بحيث آثروه على السلطان فدعاهم لخلع طاعة السلطان أبي الربيع وبيعة عبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق كبير القرابة وأسد الأعياص فأجابوه وبايعوا له وتم أمرهم ولما كان يوم السبت الثالث والعشرون من ربيع الآخر من سنة عشر وسبعمائة فر الوزير المذكور وقائده الفرنجي ومن شايعهم على رأيهم فخرجوا إلى ظاهر البلد الجديدة وجاهروا بالخلعان وأقاموا الآلة والرسم وبايعوا سلطانهم عبد الحق على عيون الملأ وعسكروا بالعدوة القصوى من سبو ثم ساروا إلى ناحية تازا ولما استقروا برباطها أخذوا في جمع الجيوش ومكاتبة الخاصة من بني مرين والعرب يدعونهم إلى بيعة سلطانهم والمشايعة لهم على رأيهم وأوفدوا على أبي حمو موسى بن عثمان بن يغمراسن صاحب تلمسان يدعونه إلى المظاهرة على أمرهم واتصال اليد والمدد بالعسكر والمال فتوقف أبو حمو ولم يقدم ولم يحجم وبقي ينتظر عماذا ينجلي أمرهم واتصل خبر ذلك كله بالسلطان أبي الربيع فنهض إليهم وقدم بين يديه يوسف بن عيسى الحشمي وعمر بن موسى الفودودي في جيش كثيف من بني مرين وسار هو في ساقتهم واتصل خبر خروجه بعبد الحق بن عثمان ووزيره فانكشفوا عن تازا ولحقوا بتلمسان وكانوا يظنون أن السلطان لايخرج إليهم وحمد أبو حمو عاقبة توقفه عن نصرهم ويئسوا من صريخه إياهم ولما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت أجاز عبد الحق بن عثمان ووزيره إلى الأندلس ورجع الحسن بن علي ومن معه إلى السلطان أبي الربيع بعد أن أخذ منه الأمان وهلك رحو بن يعقوب بالأندلس لمدة قريبة ولما احتل السلطان أبو الربيع بتازا حسم الداء ومحا أثر الشقاق وأثخن في حاشية الخوارج وشيعتهم بالقتل والسبي ثم اعتل أياما أثناء ذلك فتوفي بتازا بين العشاءين ليلة الأربعاء منسلخ جمادى الأخيرة من سنة عشر وسبعمائة ودفن من ليلته تلك بصحن الجامع الأعظم من تازا رحمه الله

الخبر عن دولة السلطان أبي سعيد عثمان ابن يعقوب بن عبد الحق رحمه الله

كان هذا السلطان من أهل العلم والحلم والعفاف جوادا متواضعا متوقفا في سفك الدماء لقبه السعيد بفضل الله وأمه حرة اسمها عائشة بنت الأمير أبي عطية مهلهل بن يحيى الخلطي ولما هلك السلطان أبو الربيع بتازا في التاريخ المتقدم تطاول للأمر عمه أبو سعيد الأصغر وهو عثمان بن السلطان يوسف وخب في ذلك ووضع وأسدى وألحم فلم يحصل على شيء واجتمع الوزراء والمشيخة بالقصر بعد هدأة من الليل وتفاوضوا في أمرهم حتى وقع اختيارهم على أبي سعيد الأكبر وهو عثمان ابن السلطان يعقوب بن عبد الحق فاستدعوه فحضر فبايعوه ليلتئذ وتم أمره وأنفذ كتبه إلى النواحي والجهات باقتضاء البيعة وسرح ابنه الأكبر الأمير أبا الحسن علي بن عثمان إلى فاس فدخلها غرة رجب من سنة عشر وسبعمائة وملك قصر الخلافة بالحضرة واحتوى على أمواله وذخيرته وفي غد ليلته أخذت البيعة للسلطان أبي سعيد بظاهر تازا على بني مرين وسائر زناتة والعرب والعسكر والحاشية والموالي والصنائع والعلماء والصلحاء ونقباء الناس وعرفائهم والخاصة والدهماء فقام بالأمر واستوسق له الملك وفرق الأعطيات وأسنى الجوائز وتفقد الدواوين ورفع الظلامات وحط المغارم والمكوس وسرح السجون ورفع عن أهل فاس ما كان يلزم رباعهم من الوظائف المخزنية في كل سنة فصلح حال الناس في أيامه ثم ارتحل لعشرين من رجب من السنة فدخل حضرة فاس فاستقر بها وقدم عليه وفود التهنئة من جميع بلاد المغرب ثم خرج في ذي القعدة إلى رباط الفتح لتفقد الأحوال والنظر في أمور الرعية وإنشاء الأساطيل الجهادية فعيد هنالك عيد الأضحى وباشر أمور الناس وأمر بإنشاء الأساطيل بدار الصناعة من سلا برسم جهاد الفرنج ثم رجع إلى فاس فعقد سنة إحدى عشرة وسبعمائة لأخيه الأمير أبي البقاء يعيش على ثغور الأندلس الجزيرة ورندة وما إليهما من الحصون ثم نهض سنة ثلاث عشرة وسبعمائة إلى ناحية مراكش لما كان بها من اختلال الأحوال وخروج عدي بن هنو الهسكوري ونقضه للطاعة فنازله السلطان أبو سعيد وحاصره مدة ثم اقتحم عليه حصنه عنوة وقبض عليه وبعثه موثقا في الحديد إلى فاس فأودعه المطبق وقفل راجعا إلى حضرته فاحتل بها مؤيدا منصورا والله تعالى أعلم

غزو السلطان أبي سعيد ناحية تلمسان

كان بنو مرين قد حقدوا على أبي حمو صاحب تلمسان من أجل توقفه في أمر عبد الحق بن عثمان ووزيره رحو بن يعقوب الوطاسي وتسهيله الطريق لهم إلى الأندلس ومداهنته في ذلك وكان مقتضى الصلح المنعقد بينه وبين السلطان أبي الربيع أن يقبض عليهم ويبعث بهم إليه حالا فحقد بنو مرين على أبي حمو ووجدوا في أنفسهم عليه ولم أفضى الأمر إلى السلطان أبي سعيد واستوسق ملكه ودوخ الجهات المراكشية وفرغ من شأن المغرب اعتزم على غزو تلمسان فنهض إليها سنة أربع عشرة ولما انتهى إلى وادي ملوية قدم ابنيه الأميرين أبا الحسن وأبا علي في عسكرين عظيمين في الجناحين وسار هو في ساقتهما فدخل بلاد بني عبد الواد على هذه التعبية فاكتسح نواحيها واصطلم نعمتها ثم نازل وجدة فقاتلها قتالا شديدا فمتنعت عليه ثم نهض إلى تلمسان فنزل بالملعب من ساحتها وتحصن أبو حمو بالأسوار وغلب السلطان أبو سعيد على معاقلها وسائر ضواحيها فحطمها حطما ونسفها نسفا ودوخ جبال بني يزناسن وأثخن فيهم وانتهى في قفوله إلى وجدة ففر أخوه أبو البقاء يعيش وكان في معسكره من أجل استرابة لحقته من السلطان وسار إلى تلمسان فنزل على أبي حمو ورجع السلطان أبو سعيد على التعبية فانتهى إلى تازا فأقام بها وبعث ابنه الأمير أبا علي إلى فاس فكان من خروجه عليه ما نذكره

خروج الأمير أبي علي على أبيه السلطان أبي سعيد والسبب في ذلك

كان للسلطان أبي سعيد ولدان أحدهما وهو الأكبر من أمته الحبشية وهو أبو الحسن علي بن عثمان وثانيهما وهو الأصغر من علجة من سبي الفرنج وهو أبو علي عمر بن عثمان وكان هذا الأصغر أعلق بقلب السلطان وأحبهما إليه ولما استولى على ملك المغرب رشحه لولاية العهد وهو شاب لم يطر شاربه ووضع له ألقاب الإمارة وصير معه الجلساء والخاصة والكتاب وأمره باتخاذ العلامة في كتبه ولم يدخر عنه شيئا من مراسم الرياسة والملك وعقد على وزارته لإبراهيم بن عيسى اليريناني من كبار الدولة ووجوهها وكان أخوه الأكبر أبو الحسن شديد البرور بأبيه فلما رأى إقبال أبيه على أخيه علي انحاش هو أيضا إليه وصار في جملته وخلط نفسه بحاشيته طاعة لأبيه ومسارعة في هواه واستمرت حال الأمير أبي علي على هذا وخاطبه ملوك النواحي وخاطبهم وهادوه وهاداهم وعقد الرايات وأثبت في الديوان ومحا وزاد في العطاء ونقص وكاد يستبد بالأمر كله

ولما قفل السلطان أبو سعيد من تلمسان أواخر سنة أربع عشرة وسبعمائة أقام بتازا وبعث ولديه إلى فاس فلما استقر الأمير أبو علي بها حدثته نفسه بالقيام على أبيه وخلع طاعته فراوده المداخلون له على التربص حتى يمكر بأبيه ويقبض عليه باليد فابى واستعجل الأمر وركب الخلاف وجاهر بالخلعان ودعا لنفسه فأطاعه الناس ولم يتوقفوا عنه لما كان أبوه جعله إليه من أمرهم وعسكر بساحة البلد الجديد يريد غزو أبيه فبرز السلطان أبو سعيد من تازا في عسكره يقدم رجلا ويؤخر أخرى ثم بدا للأمير أبي علي في وزيره إبراهيم بن عيسى وعزم على القبض عليه لأنه بلغه أنه يكاتب أباه فبعث للقبض عليه عمر بن يخلف الفودودي وتفطن الوزير لما أراده من المكر به فقبض هو على الفودودي ونزع إلى السلطان أبي سعيد فتقبله ورضي عنه وكان الأمير أبو الحسن قد لحق بأبيه قبل ذلك نازعا عن جملة أخيه فقوي جناح السلطان بهما وارتحل إلى لقاء ابنه أبي علي ولما تراءى الجمعان بالمقرمدة ما بين فاس وتازا اختل مصاف السلطان وانهزم جريحا إلى تازا فتبعه ابنه أبو علي وحاصره بها ويقال إن أبا الحسن إنما لحق بأبيه بعد المحنة ثم سعى الخواص بين السلطان وابنه أبي علي بالصلح على أن يخرج له السلطان عن الأمر ويقتصر على تازا وجهاتها فقط فرضي السلطان بذلك وشهد الملأ من مشيخة العرب وزناتة وأهل الأمصار واستحكم العقد بينهما وانكفأ الأمير أبو علي راجعا إلى حضرة فاس مملكا على المغرب وتوافت إليه بيعات الأمصار ووفودهم واستوسق أمره ثم تدارك الله السلطان أبا سعيد بلطفه ورد عليه من حقه من حيث لا يحتسب وذلك أن الأمير أبا علي اعتل عقب وصوله إلى فاس واشتد وجعه حتى أشرف على الهلاك وخشي الناس على أنفسهم اختلال الأمر بموته فتسايلوا إلى والده السلطان أبي سعيد بتازا ولحق به سائر خواص الدولة وحملوه على تلافي الأمر وانتهاز الفرصة فنهض من تازا واجتمع إليه كافة بني مرين والجند وعسكر على البلد الجديد وأقام محاصرا له وابتنى دارا لسكناه وجعل لابنه الأمير أبي الحسن ما كان لأخيه أبي علي من ولاية العهد وتفويض الأمر ولما تبين للأمير أبي علي اختلاف أمره بعث إلى أبيه في الصلح على أن يعوض سجلماسة وما والاها فأجيب إلى ذلك وفى له السلطان بما اشترط وارتحل إلى سجلماسة سنة خمس عشرة وسبعمائة فأقام بها دولة فخيمة واستولى على بلاد القبلة ودون الدواوين واستلحق واستركب واستخدم ظواعن العرب من بني معقل وافتتح معاقل الصحراء وقصور توات وتيكرارين وتامنطيت وغير ذلك وأما السلطان أبو سعيد فإنه دخل إلى فاس الجديد ونزل بقصره وأصلح شؤون ملكه وأنزل ابنه الأمير أبا الحسن بالدار البيضاء من قصوره وفوض إليه في سلطانه تفويض الاستقلال وأذن له في اتخاذ الوزراء والكتاب ووضع العلامة على كتبه وسائر ما كان لأخيه ووفدت عليه بيعات الأمصار بالمغرب ورجعوا إلى طاعته وفي سنة خمس عشرة وسبعمائة أمر السلطان أبو سعيد ببناء الباب أمام القنطرة من الجزيرة الخضراء ثم بعد ذلك أدار الستارة بالمدينة المذكورة وفيها سار إلى مراكش فأقام بها أياما حتى اصلح شؤونها وعاد إلى الحضرة وفي سنة ثمان عشرة وسبعمائة نكب السلطان أبو سعيد كاتبه منديل بن محمد الكناني وكان السبب في ذلك أنه لما ثار الأمير أبو علي على أبيه وخلعه انحاش إليه منديل هذا ثم لما اختل أمر أبي على عاد منديل إلى السلطان أبي سعيد وترتب في منزلته التي كان عليها قبل وكان الأمير أبو الحسن يحقد عليه لأجل انحياشه إلى أخيه لما كان بينهما من المنافسة وكان هو كثيرا ما يوغر صدر أبي الحسن بإيجاب حق أخيه عليه وامتهانه في خدمته فطوى له أبو الحسن على البث حتى إذا فصل أبو علي إلى سجلماسة وانفرد أبو الحسن بمجلس أبيه وخلاله وجهه أحكم السعاية في منديل عند أبيه وكان منديل كثيرا ما يغضب السلطان في المحاورة والخطاب دالة عليه وكبرا فاعتد السلطان عليه بشيء من ذلك مع ما كان ابنه أبو الحسن يغريه به فسخطه سنة ثمان عشرة وسبعمائة وأذن لابنه أبي الحسن في نكبته فاعتقله واستصفى أمواله وطوى ديوانه وامتحنه أياما ثم قتله بمحبسه خنقا وقيل جوعا وذهب في الذاهبين وأبوه أبو عبد الله محمد الكناني هو الذي بعثه السلطان يعقوب بن عبد الحق إلى المستنصر الحفصي عند فتح مراكش وعاد إليه منه بالهدية صحبة وفد أهل تونس وتلطف أبو عبد الله الكناني حتى ذكر المستنصر في الخطبة على منبر مراكش وفرح الوفد بذلك حسبما تقدم الخبر عنه مستوفى ونشأ ابنه منديل هذا في ظل الدولة المرينية فكان من أمره ما قصصناه عليك

وفادة أهل الأندلس على السلطان أبي سعيد واستصراخهم إياه على الطاغية وما نشأ عن ذلك

كان الملوك من بني مرين قد انقطع غزوهم عن الأندلس برهة من الدهر منذ دولة السلطان يوسف بن يعقوب لاشتغاله في آخر أمره بحصار تلمسان واشتغال حفدته من بعده بأمر المغرب مع قصر مدتهم فتطاول العدو وراء البحر على المسلمين بسبب هذه الفترة واشتد كلبه كلبه على ثغورها مع أن القرابة من بني مرين كانوا شجى في صدره وقذى في عينيه في تلك البلاد حسبما ألمعنا إليه غير مرة ولما أفضى الأمر إلى السلطان أبي سعيد اشتغل في صدر دولته بأمر ابنه علي وخروجه عليه فاهتبل الطاغية الغرة في الأندلس وزحف في جموعه إلى غرناطة سنة ثمان عشرة وسبعمائة وكان من خبر هذه الوقعة أن الطاغية بطرة بن سانجة ويقال دون بطرة وقد نبهنا على لفظه دون فيما سبق ذهب إلى طليطلة ودخل على مرجعهم الذي يقال له البابا وسجد له وتضرع بين يديه وطلب منه استئصال ما بقي من المسلمين بأرض الأندلس وأكد عزمه وتأهب لذلك غاية الأهبة فوصلت أثقاله ومجانيقه وآلات الحصار والأقوات في المراكب وتقدم في جموعه حتى نزل بأحواز غرناطة وكان رديفه في ذلك الجند علجا آخر يقال له جوان وانضم إليهم ملوك آخرون من ملوك الأطراف قيل سبعة وقيل أكثر وامتلأت الأرض بهم وعزموا على استئصال بقية المسلمين بالأندلس وكان جيشهم فيما قيل يشتمل على خمسة وثلاثين ألفا من الفرسان وعلى نحو مائة ألف من الرجالة المقاتلة

ولما رأى أهل الأندلس ذلك بعثوا صريخهم إلى السلطان أبي سعيد فقدم عليه وفدهم بحضرته من فاس وفيهم من وجوه الأندلس وصلحائها الشيخ أبو عبد الله الطنجالي والشيخ ابن الزيات البلشي والشيخ أبو إسحاق بن أبي العاص وغيرهم فاعتذر إليهم السلطان أبو سعيد بمكان عثمان بن أبي العلاء من دولتهم ومحله من دار ملكهم وكان عثمان بن أبي العلاء يتولى يومئذ مشيخة الغزاة بالأندلس لأن وفاته تأخرت إلى سنة ثلاثين وسبعمائة حسبما مر فشرط عليهم السلطان أبو سعيد أن يمكنوه منه ليتأتى له العبور إلى تلك البلاد وجهاد العدو بها من غير تشويش وقال ادفعوه إلينا برمته حتى يتم أمر الجهاد ثم نرده عليكم حياطة على المسلمين وخشية من تفريق كلمتهم فاستصعب أهل الأندلس هذا الشرط لما يعلمونه من صرامة عثمان بن أبي العلاء وإدلاله ببأسه وبأس عشيرته فأخفق سعيهم ورجعوا منكسرين وأطالت الفرنج المقام على غرناطة وطمعوا في التهامها ثم إن الله تعالى نفس عن مخنقهم ودافع بقدرته عنهم وهيأ لعثمان بن أبي العلاء في الفرنج واقعة كانت من أغرب الوقائع وذلك أنه لما كان يوم المهرجان وهو الخامس من جمادى الأولى من سنة تسع عشرة وسبعمائة عمد عثمان بن أبي العلاء إلى جماعة جنده واختار من أنجاد بني مرين منهم نحو المائتين وقيل أكثر وتقدم بهم نحو جيش الفرنج فظن النصارى أنهم إنما خرجوا لأمر غير القتال من مفاوضة أو إبلاغ رسالة أو نحو ذلك حتى إذا سامتوا موقف الطاغية ورديفه جوان صمموا نحوهما حتى خالطوهما في مراكزهما فصرعوهما في جملة من الحاشية وانهزم ذلك الجمع من حينه وولوا الأدبار واعترضهم من ورائهم مسارب الماء للشرب على نهر شنيل فتطارحوا فيها وهلك أكثرهم واكتسحت أموالهم وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ثلاثة أيام وخرج أهل غرناطة لجمع الأموال وأخذ الأسرى فاستولوا على أموال عظيمة منها من الذهب فيما قيل ثلاثة وأربعون قنطارا ومن الفضة مائة وأربعون قنطارا ومن السبي سبعة آلاف نفس حسبما كتب بذلك بعض الغرناطيين إلى الديار المصرية وكان من جملة الأسارى امرأة الطاغية وأولاده فبذلت في نفسها مدينة طريف وجبل الفتح وثمانية عشر حصنا فيما حكى بعض المؤرخين فلم يقبل المسلمون ذلك قلت هذا خطأ في الرأي وضعف في السياسة قالوا وزادت عدة القتلى في هذه الغزوة على خمسين ألفا ويقال إنه هلك منهم بالوادي مثل هذا العدد لعدم معرفتهم بالطريق وأما الذين هلكوا بالجبال والشعاب فلا يحصون وقتل الملوك السبعة جميعهم وقيل خمسة وعشرون واستمر البيع في الأسرى والسبي والدواب ستة أشهر ووردت البشائر بهذا النصر العظيم إلى سائر البلاد ومن العجب أنه لم يقتل من المسلمين سوى ثلاثة عشر نفسا وقيل عشرة أنفس وسلخ الطاغية بطرة وحشى جلده قطنا وعلق على باب غرناطة وبقي معلقا سنين وطلبت النصارى الهدنة فعقدت لهم والله تعالى أعلم

انتقاض الأمير أبي علي على أبيه السلطان أبي سعيد وما نشأ عن ذلك

لما كانت سنة عشرين وسبعمائة انتقض الأمير أبو علي صاحب سجلماسة والصحراء على أبيه السلطان أبي سعيد وتغلب على درعة وسما إلى طلب مراكش فعقد السلطان أبو سعيد على حربه لأخيه الأمير أبي الحسن واغزاه إياه ثم نهض على اثره فاحتل بمراكش وثقف أطرافها وحسم عللها وعقد عليها لكندوز بن عثمان من صنائع دولتهم وقفل إلى الحضرة ثم لما كانت سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة نهض الأمير أبو علي في جموعه من سجلماسة وأغذ السير إلى مراكش فاقتحمها بعساكره قبل أن يجتمع لكندوز أمره وتقبض عليه وضرب عنقه ورفعه على القناه وملك مراكش وسائر ضواحيها وبلغ الخبر إلى السلطان أبي سعيد فخرج من حضرته في عساكره بعد أن احتشد وأزاح العلل واستوفى الأعطيات وقدم بين يديه ابنه الأمير أبا الحسن ولي عهده وجاء هو على ساقته وساروا على هذه التعبية ولما انتهوا إلى وادي ملوية اتصل بهم الخبر أن أبا علي يريد أن يبيتهم فأسهروا ليلتهم وباتوا على ظهور خيلهم وبعد مضي جزء من الليل طرقهم أبو علي في جموعه فكانت الدبرة عليه وفل عسكره وارتحلوا من الغد في أثره وكان قد سلك جبل درن فافترقت جنوده في أوعاره ولحقهم من المشاق ما يفوت الوصف حتى ترجل الأمير أبو علي عن فرسه وسعى على قدميه وخلص من ورطة ذلك الجبل بعد عصب الريق ولحق بسجلماسة ومهد السلطان أبو سعيد نواحي مراكش وعقد عليها لموسى بن علي الهنتاتي فعظم غناؤه في ذلك واضطلاعه وامتدت أيام ولايته وارتحل السلطان إلى سجلماسة فدافعه الأمير أبو علي بالخضوع ورغب إليه في الصفح والرضا والعود إلى السلم فأجابه السلطان إلى ذلك لما كان قد شغفه من حبه فقد كان يؤثر عنه من ذلك غرائب ورجع إلى الحضرة وأقام الأمير أبو علي بمكانه ومن مملكه القبلة إلى أن هلك السلطان أبو سعيد وتغلب عليه أخوه السلطان أبو الحسن كما نذكره إن شاء الله

بناء مدارس العلم بحضرة فاس حرسها الله

قد تقدم لنا أن السلطان يعقوب بن عبد الحق رحمه الله كان قد بنى مدرسته التي بفاس مع غيرها مما سبق التنبيه عليه ووقف عليها كتب العلم التي بعث بها إليه الطاغية سانجة عند عقد الصلح معه ووقف عليها غير ذلك واقتفى أثره في هذه المنقبة الشريفة بنوه من بعده فاستكثروا من بناء المدارس العلمية والزوايا والربط ووقفوا عليها الأوقاف المغلة وأجروا على الطلبة بها الجرايات الكافية فأمسكوا بسبب ذلك من رمق العلم وأحيوا مراسمه وأخذوا بضبعيه جزاهم الله عن نيتهم الصالحة خيرا ولما كانت سنة عشرين وسبعمائة أمر السلطان أبو سعيد رحمه الله ببناء المدرسة التي بفاس الجديد فبنيت أتقن بناء وأحسنه ورتب فيها الطلبة لقراءة القرآن والفقهاء لتدريس العلم وأجرى عليهم المرتبات والمؤن في كل شهر وحبس عليها الرباع والضياع ابتغاء ثواب الله ورغبة فيما عنده وفي سنة إحدى وعشرين بعدها بنى ولي عهده الأمير أبو الحسن المدرسة التي بغربي جامع الأندلس من حضرة فاس فجاءت على أكمل الهيئات وأعجبها وبنى حولها سقاية ودار الوضوء وفندقا لسكنى طلبة العلم وجلب الماء إلى ذلك كله من عين خارج باب الجديد أحد أبواب فاس وأنفق على ذلك أموالا جليلة تزيد عن مائة ألف دينار وشحنها بطلبة العلم وقراء القرآن وحبس عليها رباعا كثيرة ورتب فيها الفقهاء للتدريس وأجرى عليهم الإنفاق والكسوة نفعه الله بقصده وفي سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة في فاتح شعبان منها أمر السلطان أبو سعيد أيضا ببناء المدرسة العظمى بإزاء جامع القرويين بفاس وهي المعروفة اليوم بمدرسة العطارين فنيت على يد الشيخ أبي محمد عبد الله بن قاسم المزوار وحضر السلطان أبو سعيد بنفسه في جماعة من الفقهاء وأهل الخير حتى أسست وشرع في بنائها بمحضره فجاءت هذه المدرسة من أعجب مصانع الدول بحيث لم يبن ملك قبله مثلها وأجرى بها ماء معينا من بعض العيون هنالك وشحنها بالطلبة ورتب فيها إماما ومؤذنين وقومة يقومون بأمرها ورتب فيها الفقهاء لتدريس العلم وأجرى على الكل المرتبات والمؤن فوق الكفاية واشترى عدة أملاك ووقفها عليها احتسابا بالله تعالى وسيأتي التنبيه على ما بناه ابنه أبو الحسن من ذلك أيام ولايته وحافده أبو عنان وغيرهما إن شاء الله وبالجملة فقد كان لبني مرين جنوح إلى الخير ومحبة في العلم وأهله تشهد بذلك آثارهم الباقية إلى الآن في مدارسهم العلمية وغيرها وفي مثل ذلك يحسن أن ينشد ( همم الملوك إذا أرادوا ذكرها % من بعدهم فبألسن البنيان ) ( إن البناء إذا تعاظم شأنه % أضحى يدل على عظيم الشان )

أخبار بني العزفي أصحاب سبتة

قد تقدم لنا أن الرئيس أبا سعيد فرج بن إسماعيل بن الأحمر صاحب مالقة كان قد غدر بأهل سبتة وقبض على رؤسائها من بني العزفي وغربهم إلى غرناطة سنة خمس وسبعمائة فاستقروا هنالك في إيالة السلطان ابن الأحمر المعروف بالمخلوع مدة ولما استولى السلطان أبو الربيع المريني على سبتة ونفى بني الأحمر عنها استأذنه بنو العزفي في الرجوع إلى المغرب والقدوم عليه فأذن لهم واستقروا بفاس وكان أبو زكرياء يحيى وأبو زيد عبد الرحمن ابنا أبي طالب عبد الله بن أبي القاسم محمد بن أبي العباس أحمد العزفي من سرواتهم وأهل المروءة والدين فيهم وكانوا يغشون مجالس العلم بمسجد القرويين من فاس لما كانوا عليه من انتحاله وكان السلطان أبو سعيد أيام ولاية بني أبيه من قبله يحضر مجلس الشيخ الفقيه أبي الحسن الصغير وكان أبو زكرياء يحيى بن أبي طالب يلازمه ويتودد إليه فاتصل به وصارت له بذلك وسيلة عنده فلما أفضى الأمر إلى السلطان أبي سعيد رعى لبني العزفي تلك الوسيلة فأنعم عليهم وعقد لأبي زكرياء منهم على سبتة وردهم إلى موطن سلفهم ومقر رياستهم فقدموها سنة عشر وسبعمائة وأقاموا فيها دعوة السلطان أبي سعيد والتزموا طاعته ولما فوض السلطان أبو سعيد إلى ابنه أبي علي الأمر وجعل له الإبرام والنقض عقد أبو علي على سبتة لأبي زكرياء حيون بن أبي العلاء القرشي وعزل أبا زكرياء يحيى بن أبي طالب منها واستقدمه إلى فاس فقدمها هو وأبوه أبو طالب وعمه أبو حاتم واستقروا في جملة السلطان وهلك أبو طالب بفاس أثناء تلك المدة ثم كان من خروج الأمير أبي علي على أبيه وانتقاضه عليه ما قدمناه فلحق أبو زكرياء بن أبي طالب وأخوه أبو زيد بالسلطان أبي سعيد نازعين إليه ومفارقين لابنه الثائر عليه واستمروا في جملته إلى أن مرض الأمير أبو علي وزحف أبوه إليه وحاصره بفاس حسبما مر فحينئذ عقد السلطان أبو سعيد لأبي زكرياء على سبتة ثانيا وبعثه إليها ليقيم دعوته في تلك الجهات وترك ابنه محمد بن أبي زكرياء تحت يده رهنا على الطاعة فاستقل أبو زكرياء بإمارتها وأقام دعوة السلطان أبي سعيد بها واتصل ذلك منه نحو سنتين ثم هلك عمه أبو حاتم بسبتة سنة ست عشرة وسبعمائة وانتقض أبو زكرياء بن أبي طالب على السلطان أبي سعيد ورجع إلى حال سلفه من الاستبداد وإقامة الشورى بالبلد واستقدم من الأندلس عبد الحق بن عثمان الذي كان خرج على السلطان أبي الربيع مع الوزير عبد الرحمن الوطاسي فقدم عليه وعقد له على الحرب ليفرق به كلمة بني مرين بالمغرب ويوهن بأسهم فتخف عليه وطأتهم واتصل ذلك كله بالسلطان أبي سعيد فقام وقعد وجهز إلى سبتة العساكر من بني مرين وعقد على حربها للوزير إبراهيم بن عيسى اليريناني فزحف إليها وحاصرها فاعتذر إليه أبو زكرياء بحبس ابنه عنه ومفارقته له وأنه إذا رجع إليه ابنه بذل الطاعة وراجع الدعوة فأعلم الوزير السلطان بذلك فبعث إليه بالولد ليسلمه إلى أبيه بعد أن يقتضي منه موجبات الطاعة وأسبابها وجاء الخبر إلى أبي زكرياء بأن ابنه قد قدم وأنه كائن بفسطاط الوزير بساحل البحر بحيث تتأتى الفرصة في أخذه فبعث أبو زكرياء إلى عبد الحق بن عثمان قائد الحرب وأعلمه بمكان ابنه فواطأه عبد الحق على انتزاعه منهم ثم هجم ليلا في جماعة من حاشيته على فسطاط الوزير فاحتمل الولد وأصبح به عند أبيه وسمع أهل عسكر الوزير بالهيعة فركبوا وتبعوا الأثر فلم يقفوا على خبر وتفقد الوزير الولد الذي كان عنده فلم يجده واتهم الجيش الوزير بأنه مالأ شيعة أبيه على أخذه وإلا فلا يقدم أحد هذا الإقدام بدون مداخلة من بعض الجيش فتقبضوا على الوزير وحملوه إلى السلطان إبلاء في الطاعة وابلاغا في العذر فشكر لهم ذلك واطلق الوزير لعلمه ببراءته ونصحه ثم رغب أبو زكرياء بعدها في رضا السلطان وطاعته وولايته فنهض السلطان أبو سعيد رحمه الله سنة ست عشرة إلى طنجة لاختبار طاعة أبي زكرياء فبان له صدقه وعقد له على سبتة واشترط هو على نفسه حمل الجباية إلى السلطان وإسناء الهدية في كل سنة واستمر الحال على ذلك إلى أن هلك أبو زكرياء سنة عشرين وسبعمائة وقام بالأمر بعده ابنه محمد بن أبي زكرياء إلى نظر ابن عمه محمد بن علي بن الفقيه أبي القاسم شيخ قرابتهم وكان قائد الأساطيل بسبتة ولي النظر فيها بعد أن نزع القائد يحيى الرنداحي إلى الأندلس وتغلب محمد بن علي هذا بسبتة واختلفت كلمة الغوغاء واضطرب الأمر على بني العزفي بها فانتهز السلطان أبو سعيد الفرصة فيها وأجمع النهوض إليها فنهض سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ونزل عليها فبادر أهل سبتة بإيتاء طاعتهم وعجز محمد بن أبي زكرياء عن المناهضة وظنها محمد بن علي من نفسه فتعرض للأمر في أوغاد من لفيفها اجتمعوا إليه فدافعهم الملأ من أهل سبتة عن ذلك وحملوهم على الطاعة واقتادوا بني العزفي إلى السلطان أبي سعيد فانقادوا إليه واحتل السلطان بقصبة سبتة وثقف جهاتها ورم مثلما واصلح خللها واستعمل كبار رجالاته وخواص مجلسه في أعمالها فعقد لحاجبه عامر بن فتح الله السدراتي على حاميتها وعقد لأبي القاسم بن أبي مدين العثماني على جبايتها والنظر في مبانيها وإخراج الأموال للنفقات فيها وأسنى جوائز الملأ من مشيختها ووفر إقطاعاتهم وجراياتهم وأوعز ببناء البلد المسمى أفراك على سبتة فشرعوا في بنائها سنة تسع وعشرين وسبعمائة وانكفأ راجعا إلى حضرته وقد ذكر ابن الخطيب في كتاب الإكليل محمد بن أبي زكرياء هذا فقال فيه ما صورته فرع تأود من الرياسة في دوحة وتردد بين غدوة في المجد وروحة نشأ والرياسة العزفية تعله وتنهله والدهر ييسر أمله الأقصى ويسهله حتى اتسقت اسباب سعده وانتهت إليه رياسة سلفه من بعده فألقت إليه رحالها وحطت ومتعته بقربها بعد ما شطت ثم كلح له الدهر بعد ما تبسم وعاد زعزعا نسيمه الذي كان تنسم وعاق هلاله عن تمه ما كان من تغلب ابن عمه واستقر بهذه البلاد نازح الدار بحكم الأقدار وإن كان نبيه المكانة والمقدار وجرت عليه جراية واسعة ورعاية متتابعة إلى آخر كلامه ويعني بقوله هذه البلاد بلاد الأندلس والله أعلم

المصاهرة بين السلطان أبي سعيد في ابنه أبي الحسن وبين أبي بكر بن أبي زكرياء الحفصي والسبب في ذلك

كان أبو تاشفين عبد الرحمن بن أبي حمو موسى بن عثمان بن يغمراسن صاحب تلمسان قد ضايق بني أبي حفص أصحاب تونس وإفريقية في بلادهم واستولى على كثير من ثغورهم وردد البعوث والسرايا إلى أطراف ممالكهم وفي سنة تسع وعشرين وسبعمائة جهز أبو تاشفين إليهم جيشا كثيفا وعقد عليه ليحي بن موسى من صنائع دولته ونصب مع ذلك لملك تونس وإفريقية بعض أعقاب الحفصيين وهو محمد بن أبي عمران كان لجأ إليه في بعض الفتن التي كانت له مع بني عمه وتقدم هذا الجيش إلى أبي بكر بن أبي زكرياء الحفصي فهزموه واقتحموا مدينة تونس فاستولوا عليها ونصبوا لملكها والولاية عليها محمد بن أبي عمران المذكور ليس له من الملك إلا الاسم والأمر كله بيد يحيى بن موسى قائد الجيش وخلص السلطان أبو بكر بن أبي زكرياء الحفصي إلى بونة جريحا مطرودا عن كرسي ملكه ودار عزه فعزم حينئذ على الوفادة على السلطان أبي سعيد المريني ليأخذ له حقه من آل يغمراسن المتغلبين عليه وأراد مع ذلك تجديد الوصلة التي كانت لسلفه مع بني مرين فأشار عليه حاجبه محمد بن سيد الناس بإنفاذ ابنه الأمير أبي زكرياء صاحب الثغر استنكافا له عن مثلها فقبل إشارته وأركب ابنه المذكور البحر وبعث معه وزيره أبا محمد عبد الله بن تافراجين نافضا أمامه طرق المقاصد والمحاورات ونزلوا بمرسى غساسة من ساحل المغرب وقدموا على السلطان أبي سعيد بحضرته فأبلغوه رسالة أبي بكر الحفصي فاهتز لذلك هو وابنه الأمير أبو الحسن وقال لوفد الحفصيين والله لأبذلن في مظاهرتكم مالي وقومي ونفسي ولأسيرن بعساكري إلى تلمسان فأنازلها وكان فيما شرط عليهم السلطان أبو سعيد مسير أبي بكر الحفصي بعساكره إلى منازلة تلمسان معه فقبلوا وانصرفوا إلى منازلهم مسرورين ونهض السلطان أبو سعيد إلى تلمسان سنة ثلاثين وسبعمائة ولما انتهى إلى وادي ملوية وعسكر بصبره جاءه الخبر اليقين بعود أبي بكر الحفصي إلى تونس وجلوسه على كرسيه بها فاستدعى السلطان أبو سعيد ابنه أبا زكرياء ووزيره أبا محمد بن تافراجين وأعلمهما الخبر وأسنى جوائزهم وأمرهم بالانصراف إلى صاحبهم فركبوا أساطيلهم من غساسة وبعث معهم إبراهيم بن أبي حاتم العزفي والقاضي بحضرته أبا عبد الله بن عبد الرزاق يخطبون بنت السلطان أبي بكر الحفصي لابنه الأمير أبي الحسن فوصلوا إلى الحفصي وأدوا الرسالة وانعقد الصهر بينهم في ابنته فاطمة شقيقة الأمير أبي زكرياء وزفها إليهم في أساطيله مع مشيخة الموحدين وكبيرهم أبي القاسم بن عتو فوصلوا إلى مرسى غساسة سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة فقام بنو مرين لها على أقدام البر والكرامة وبعثوا بالظهر إلى غساسة لركوبها وحمل أثقالها صنعت حكمات الذهب والفضة ومدت ولايا الحرير المغشاة بالذهب واحتفل السلطان أبو سعيد رحمه الله لوفدها وأعراسها بما لم يسمع بمثله في دولتهم وتحدث الناس به دهرا وهلك السلطان أبو سعيد بين يدي موصلها كما نذكر

وفاة السلطان أبي سعيد بن يعقوب رحمه الله

كان السلطان أبو سعيد رحمه الله لما بلغه الخبر بوصول العروس فاطمة بنت السلطان أبي بكر بن أبي زكرياء الحفصي سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة ارتحل بنفسه إلى تازا ليشارف أحوالها كرامة لها ولأبيها وسرورا بعرس ابنه فاعتل هنالك وازداد مرضه حتى إذا أشفا على الهلكة ارتحل به ولي العهد لأمير أبو الحسن إلى الحضرة وحمله في فراشه على أكتاد الحاشية والجند حتى نزل بواد سبو ثم أدخله كذلك ليلا إلى قصره فأدركته المنية في طريقه فتوفي ليلة الجمعة الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة وكان مرضه بعلة النقرس فوضعوه بمكانه من بيته واستدعى ابنه أبو الحسن الصالحين لمواراته فدفن ببعض قبابه رحمه الله وكانت أيامه أعيادا ومواسم ومن أكابر كتابه الرئيس أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي السبتي

الخبر عن دولة السلطان المنصور بالله أبي الحسن علي ابن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق رحمه الله

هذا السلطان هو أفخم ملوك بني مرين دولة وأضخمهم ملكا وأبعدهم صيتا وأعظمهم أبهة وأكثرهم آثارا بالمغربين والأندلس ويعرف عند العامة بالسلطان الأكحل لأن لأمه كانت حبشية فكان أسمر اللون والعامة تسمي الأسمر والأسود أكحل وإنما الأكحل في لسان العرب أكحل العينين فقط وكان أخوه أبو علي لمملوكة من سبي النصارى فكان أبيض وانضاف لذلك أن كان أبو الحسن ملكا على الحضرة وأبو علي ملكا على بلاد القبلة فكانا أخوين ملكين في عصر واحد أحدهما أسمر والآخر أبيض فعرف هذا بالأكحل والآخر بالأبيض للمقابلة ولما هلك السلطان أبو سعيد رحمه الله اجتمع الخاصة من المشيخة ورجالات الدولة على ولي عهده أبي الحسن المذكور وعقدوا له على أنفسهم وآتوه طاعتهم فأمر للحين بنقل معسكره من ناحية سبو إلى الزيتون من ناحية فاس ولما فرغ من دفن أبيه خرج إلى معسكره بالمحل المذكور واجتمع الناس إليه على طبقاتهم لأداء البيعة بفسطاطة وتولى أخذ البيعة له يومئذ على الناس الشيخ أبو محمد عبد الله بن قاسم المزوار والمزوار في لسان زناتة معناه الرئيس وكان هذا الرجل رئيس الوزعة والمتصرفين وحاجب الباب السلطاني قديم الولاية في ذلك منذ عهد السلطان يوسف بن يعقوب ثم زفت على السلطان أبي الحسن زوجته الحفصية فبنى بها بمكانه من المعسكر المذكور وأجمع رأيه على الإنتقام لأبيها من عدوه أبي تاشفين الزياني على ما نذكره

حدوث الفتنة بين الأخوين أبي الحسن وأبي علي ثم مقتل أبي علي والسبب في ذلك

كان السلطان أبو سعيد رحمه الله لما عهد بالأمر لابنه أبي الحسن وتحقق مصيره إليه كثيرا ما يستوصيه بأخيه أبي علي لكلفه به وشفقته عليه فلما خلص الأمر إلى أبي الحسن وكان موثرا رضا أبيه جهده اعتزم على الحركة إلى سجلماسة لمشارفة أحوال أخيه واختيار أمره وما هو عليه من سلم أو حرب ليعمل على مقتضى ذلك فارتحل من معسكره بالزيتون قاصدا سجلماسة فتلقته وفود أخيه أبي علي أثناء الطريق مؤديا حقه وموجبا مبرته ومهنئا له بما آتاه الله من الملك ويعمله مع ذلك بأنه متجاف عن المنازعة له قانع من تراث أبيه بما في يده طالب منه أن يعقد له بذلك فأجابه السلطان أبو الحسن إلى ما سأل وعقد له على سجلماسة وما والاها من بلاد القبلة كما كان لعهد أبيه وأشهد على ذلك الملأ من بني مرين وسائر زناتة والعرب وانكفأ السلطان أبو الحسن راجعا إلى تلمسان عازما على الإنتقام من أبي تاشفين الزياني فسار حتى انتهى إلى تلمسان ثم تجوزها إلى جهة الشرق حتى نزل بتاسالت منتظرا لقدوم صهره السلطان أبي بكر الحفصي عليه وفاء بالعهد الذي كان انعقد له مع السلطان أبي سعيد أيام وفادة ابنه أبي زكرياء عليه من أنهما يكونان يدا واحدة على حصار تلمسان حتى يحكم الله بينهما وبين صاحبها فعسكر أبو الحسن بتاسالت ثم بعث بحصة من جنده في البحر إلى صهره الحفصي مددا له وهو يومئذ ببجايه يقاتل جيش بن زيان عليها ولم اتصل الخبر بأبي تاشفين صاحب تلمسان فكر في أمر أبي الحسن وأعمل الحيلة بأن دس إلى أخيه الأمير أبي علي صاحب سجلماسة في اتصال اليد به والاتفاق معه على أخيه أبي الحسن وأن يأخذ كل واحد منهما بحجزته عن صاحبه ويشغله عنه حتى يتمكنا منه ووعده أبو تاشفين ومناه ولم يزل به حتى انتقض على أخيه ونهض من سجلماسة إلى درعة فقتل عاملها وولى عليها عاملا من قبله ثم سرح العساكر إلى جهة مراكش وأجلب عليها بخيله ورجله واتصل الخبر بالسلطان أبي الحسن وهو بمعسكره من تاسالت ينتظر قدوم الحفصي عليه فانكفأ راجعا إلى الحضرة مجمعا الانتقام من أخيه ولما انتهى في طريقه إلى حصن تاوريرت شحنه بالعسكر وعقد عليه لابنه تاشفين بن أبي الحسن ووقف أمره على نظر منديل بن حمامة شيخ بني تيربعين ثم أغذ السير إلى سجلماسة فنزل عليها وأخذ بمخنقها وحشر الفعلة والصناع لصنع الآلات والبناء بساحتها وأقام عليها يغاديها بالقتال ويراوحها حولا كاملا ونهض أبو تاشفين في عساكره من تلمسان يريد الغارة على أطراف المغرب كي يشغل أبا الحسن عن أخيه بذلك فانتهى إلى تاوريرت فبرز إليه تاشفين بن أبي الحسن في عساكر مرين فهزموه وردوه على عقبه إلى تلمسان ثم بعث بحصة من جنده مددا للأمير أبي علي فتسربوا إلى سجلماسة جماعات وأفذاذا حتى تكاملوا لديه فلم يغنوا شيئا وطاولهم السلطان أبو الحسن الحصار أنزل بهم أنواع النكال حتى اقتحم البلد عنوة تاسع عشر محرم سنة أربع وثلاثين وسبعمائة وتقبض على الأمير أبي علي عند باب قصره وجيء به إلى أخيه أبي الحسن وقد خامره الجزع فلما مثل بين يديه تضرع إليه وقبل حافر فرسه فأمر أبو الحسن بتثقيفه وحمله على بغل إلى فاس وانكفأ هو راجعا إلى الحضرة فلما دخلها اعتقل أخاه ببعض حجر القصر أشهرا ثم قتله فصدا وخنقا وكانت سن أبي علي يومئذ سبعا وثلاثين سنة وكانت دولته بسجلماسة تسع عشرة سنة وأشهرا وكان رقيق الحاشية ينتمي إلى الأدب وهو الذي استقدم أبا محمد عبد المهيمن الحضرمي من سبتة واستكتبه أيام أبيه ومن شعر الأمير أبي علي يخاطب أخاه أبا الحسن أيام حصاره له بسجلماسة وقد أيقن بزوال أمره ( فلا يغرنك الدهر الخؤون فكم % أباد من كان قبلي يا أبا الحسن ) ( الدهر مذ كان لا يبقى على صفة % لابد من فرح فيه ومن حزن ) ( أين الملوك التي كانت تهابهم % أسد العرين ثووا في اللحد والكفن ) ( بعد الأسرة والتيجان قد محيت % رسومها وعفت عن كل ذي حسن ) ( فاعمل لأخرى وكن بالله مؤتمرا % واستغن بالله في سر وفي علن ) ( واختر لنفسك أمرا أنت آمره % كأنني لم أكن يوما ولم تكن )

وفادة السلطان ابن الأحمر على السلطان أبي الحسن بحضرة فاس وفتح جبل طارق

لما هلك السلطان أبو الوليد إسماعيل بن الرئيس أبي سعيد فرج بن الأحمر المتغلب على ملك الأندلس من يد ابن عمه أبي الجيوش قام بالأمر بعده ابنه محمد طفلا صغيرا واستبد عليه وزيره محمد بن المحروق فقتله بعدما شب وعقل وكان الطاغية قد استولى على جبل الفتح وهو جبل طارق سنة تسع وسبعمائة وزاحم الفرنج به ثغور المسلمين وصار شجى في صدر الدولتين المرينية والأحمرية واستمر الحال على ذلك إلى أن بويع الأمير السلطان أبو الحسن وكان له رغبة في الجهاد اقتداء بمذهب جده يعقوب بن عبد الحق فبادر السلطان محمد بن إسماعيل بن الأحمر إلى الوفادة عليه لإحكام عقد المودة معه وللمفاوضة في أمر الجهاد وغير ذلك مما فيه صلاح لدولته فقدم عليه بدار ملكه بفاس سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة فأكبر السلطان أبو الحسن موصله وأركب الناس للقائه وأنزله بروض المصارة لصق داره واستبلغ في إكرامه وفاوضه ابن الأحمر في شأن المسلمين وراء البحر وما أهمهم من عدوهم وشكى إليه حال الجبل واعتراضه شجى في صدور الثغور قبل وشكى إليه أمر بني عثمان بن أبي العلاء لأنهم كانوا قد استطالوا عليه في أرضه فأشكاه أبو الحسن وعامل الله تعالى في أسباب الجهاد وكان يومئذ مشغولا بفتنة أخيه أبي علي ومع ذلك فقد أمده بالجند وعقد لابنه أبي مالك على خمسة آلاف من آنجاد بني مرين وأنفذهم مع ابن الأحمر لمنازلة جبل الفتح فاحتل أبو مالك بالجزيرة الخضراء وتتابعت إليه الأساطيل بالمدد وأرسل ابن الأحمر في الأندلس حاشرين فتسايل الناس إليه من كل جهة وزحفوا جميعا إلى الجبل وأحاطوا به وأبلوا في منازلته البلاء الحسن إلى أن فتحوه سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة واقتحمه المسلمون عنوة ونفلهم الله من كان به من النصارى بما معهم وشرع المسلمون في شحنه بالأقوات ينقلونها من الجزيرة الخضراء على خيولهم خوفا من كرة العدو وباشر نقلها الأميران أبو مالك وابن الأحمر بأنفسهما ونقلها الناس عامة وتحيز الأمير أبو مالك إلى الجزيرة الخضراء وترك بالجبل يحيى بن طلحة بن محلي من وزراء أبيه ووصل الطاغية بعد ثلاث من فتحه فأناخ عليه وحاصره وبرز أبو مالك بعساكره من الجزيرة فنزل بإزائه وزحف ابن الأحمر فنزل بإزائه أيضا ثم خاف ابن الأحمر عادية العدو لقرب العهد بارتجاع الجبل وخفة من به من الحامية والسلاح فبادر إلى لقاء الطاغية وسبق الناس إلى فسطاطة عجلا بائعا نفسه من الله في رضا المسلمين وسد خلتهم فتلقاه الطاغية راجلا حاسرا إعظاما له وأجابه إلى ما سأل من الإفراج عن هذا المعقل وأتحفه بذخائر مما لديه وارتحل من فوره وشرع الأمير أبو مالك في تحصين ذلك الثغر وسد فروجه وقال أبو العباس المقري في النفخ ارتجع السطلان أبو الحسن جبل طارق بعد أن أنفق عليه الأموال وصرف إليه الجنود والحشود ونازلته جيوشه مع ولده وخواصه وضيقوا به إلى أن استرجعوه ليد المسلمين واهتم ببنائه وتحصينه وأنفق عليه أحمال المال في بنائه وحصنه وسوره وبنى أبراجه وجامعه ودوره ومحاربيه ولما كاد يتم ذلك نازله العدو برا وبحرا فصبر المسلمون وخيب الله سعي الكافرين فأراد السلطان المذكور أن يحصن سفح الجبل بسور محيط به من جميع جهاته حتى لا يطمع عدو في منازلته ولا يجد سبيلا للتضييق عليه بمحاصرته ورأى الناس ذلك من المحال فأنفق الأموال وأنصف العمال فأحاط بمجموعه إحاطة الهالة بالهلال وكان بقاء هذا الجبل بيد العدو نيفا وعشرين سنة وحاصره السلطان أبو الحسن ستة أشهر وزاد في تحصينه ابنه السلطان أبو عنان رحمهما الله تعالى وأما ابن الأحمر فإن أولاد عثمان بن أبي العلاء شيوخ الغزو بالأندلس لما رأوا ما حصل بينه وبين السلطان أبي الحسن من الوفاق واتصال اليد خافوا أن تعود موافقتهم بالضرر عليهم إذ كانوا أعداء للدولتين معا أما دولة المغرب فبخروجهم عليهم ومنابذتهم إياهم غير مرة وأما دولة الأندلس فباستحواذهم على أهلها ومزاحمتهم إياهم في رياستها فتشاوروا فيما بينهم وفتكوا بابن الأحمر يوم رحيله عن الجبل إلى غرناطة فتقاصفوه بالرماح وقدموا أخاه أبا الحجاج يوسف بن إسماعيل مكانه فقام بالأمر بعده وشمر للأخذ بثار أخيه فاحتال على بني أبي العلاء حتى قبض عليهم وأودعهم المطبق ثم غربهم إلى تونس إلى أن كان من أمرهم ما نذكره

فتح تلمسان ومقتل صاحبها أبي تاشفين وانقراض الدولة الأولى لبني زيان بمهلكه

لما استقام ملك المغرب للسلطان أبي الحسن بمقتل أخيه أبي علي صاحب سجلماسة ونصر الله جنده على الطاغية بالأندلس تفرغ لشأن تلمسان والانتقام من صاحبها أبي تاشفين الذي ضايق أصهاره من بني أبي حفص في أرضهم ونازعهم في ملكهم وكان السلطان أبو الحسن قد بعث لأول بيعته شفعاء إلى أبي تاشفين في أن يتخلى عن عمل الموحدين ويرجع إلى تخوم أعماله التي ورثها عن سلفه وقال له في جملة ذلك كف عنهم ولو سنة واحدة ليسمع الناس أني نافحت عن صهري ويقدروا قدري فاستنكف أبو تاشفين من ذلك وأغلظ للرسل في القول وأفحش بعض السفهاء من عبيده في الرد عليهم بمجلسه ونالوا من السلطان أبي الحسن بمحضره فعادت الرسل إليه وأعلموه بالقضية على وجهها فحمي لذلك وغضب وتأكد عزمه على النهوض إلى تلمسان فكان من نهوضه أولا وانتقاض أخيه عليه وعوده إليه من تاسالت ما قصصناه قبل مستوفى ثم عاود السلطان النهوض إلى تلمسان في هذه المرة فعسكر بظاهر فاس الجديد وبعث وزراءه ووجوه دولته إلى قاصية البلاد المراكشية لحشد القبائل والجموع ثم تعجل وعرض جنوده وأزاح عللهم وعبى مواكبه وفصل في التعبية من فاس أواسط خمس وثلاثين وسبعمائة فسار يجر الشوك والمدر من أمم المغرب وجنوده ومر بوجدة فجمر عليها الكتائب للحصار ثم مر بندرومة فقاتلها بعض يوم ثم اقتحمها عنوة فاستولى عليها وقتل حاميتها ثم سار على التعبية حتى أناخ على تلمسان ثم بلغه الخبر بتغلب عسكره على وجدة سنة ست وثلاثين وسبعمائة فأوعز إليهم بتخريب أسوارها فأضرعوها بالأرض وتوافت لديه أمداد النواحي وحشودها ووفدت عليه قبائل مغراوة وبنى توجين فأتوه طاعتهم وسرح كتائبه إلى القاصية فتغلب على وهران وهنين ثم على مليانة وتنس والجزائر وغيرها واستولى على الضواحي ونزع إليه يحيى بن موسى كبير قواد أبي تاشفين وصاحب الثغور الشرقية من أعماله فلقاه مبرة وكرامة ورفع بساطه ونظمه في طبقات وزرائه وجلسائه وعقد على فتح البلاد الشرقية ليحيى بن سليمان العسكري شيخ بني عسكر بن محمد وصهر السلطان على ابنته فسار في الألوية والجنود فطوع ضاحية الشرق وافتتح أمصاره حتى انتهى إلى لمدية ونظم البلاد في طاعة السلطان أبي الحسن واحتشد جموعها فلحقوا بمعسكره واستعمل السلطان أبو الحسن عماله على الجهات واختط بغربي تلمسان البلد الجديد لسكناه ونزول عساكره وأحيا معالم المنصورة التي كان اختطها عمه يوسف بن يعقوب وخربها بنو زيان من بعده فأدار عليها سياجا من السور ونطاقا من الخندق ونصب المجانيق وآلات من وراء خندقه وجعلت رماته تنضح رماة العدو بالنبل ويشغلونهم بأنفسهم حتى شيد برجا آخر يقرب منهم وترتفع شرفاته فوق خندقهم وتماصع المقاتلة بالسيوف من أعاليه ورتب المجانيق لرجمها وأحكم عملها لدكها فنالت من ذلك فوق الغاية وعظم أثرها في القصور العظيمة والقباب الرفيعة التي تأنق أبو تاشفين في تشييدها وكان السلطان أبو الحسن يصبح المقاتلة كل يوم ويطوف على البلد من جميع جهاته لتفقد رؤساء العسكر في مراكزهم وربما انفرد في طوافه فطاف في بعض الأيام منتبذا عن الحاشية فاهتبل بنو عبد الواد غرته حتى إذا سلك ما بين الجبل والبلد فتحوا أبوابها وأرسلوا عليه عقبان جنودهم يحسبونها فرصة كالتي كانت ليغمراسن بن زيان في السعيد الموحدي واضطروه إلى سفح الجبل حتى لحق بأوعاره وكاد ينزل عن فرسه هو ووليه عريف بن يحيى أمير عرب سويد وأحس أهل المعسكر بذلك فركبوا زرافات ووحدانا وركب ابناه الأميران أبو عبد الرحمن وأبو مالك وهما جناحا عسكره وعقابا جحافله وتهاوت إليهم صقور بني مرين من كل جو فانكشفت عساكر بني عبد الواد وولوا الأدبار منهزمين لا يلوي أحد منهم على أحد واعترضهم مهوى الخندق فتطارحوا فيه وتهافتوا على ردمه فكان الهالك يومئذ فيه أكثر من الهالك بالسلاح وهلك من بني توجين يومئذ عمر بن عثمان كبير الحشم وعامل جبل وانشريس ومحمد بن سلامة بن علي كبير بني يدللتن وصاحب قلعة تاوغروت وهما ما هما في زناتة إلى أشباه لهما استلحموا في هذه الوقعة فحص هذا اليوم من جناج دولة بني زيان وحطم منها واتصل الحصار مدة من ثلاث سنين حتى إذا كان السابع والعشرون من رمضان من سنة سبع وثلاثين وسبعمائة اقتحم السلطان أبو الحسن مدينة تلمسان عنوة ووقف أبو تاشفين رحمه الله عند باب قصره في جماعة من أصحابه منهم ولداه عثمان ومسعود ووزيره موسى بن علي ووليه عبد الحق بن عثمان وهو الذي كان خرج على السلطان أبي الربيع وبايعه عبد الرحمن بن يعقوب الوطاسي حسبما مر فإنه لحق به بعد تلك الوقعة بتلمسان ثم منها إلى الأندلس ثم حضر انتقاض العزفي بسبتة سنة ست عشرة كما مر ثم لحق بأبي بكر الحفصي ثم نزع عنه إلى أبي تاشفين واستمر عنده إلى هذا اليوم فشهده في جماعة من بنيه وبني أخيه وكانوا أحلاس حرب وفتيان كريهة فمانعوا دون القصر واستماتوا عليه إلى أن استلحموا ورفعت رؤوسهم على عصا الرماح فطيف بها وغصت سكك البلد من داخلها وخارجها بالعساكر وكظت أبوابها بالزحام حتى لقد كب الناس على أذقانهم وتواقعوا على مساربهم فوطئوا بالحوافر وتراكمت أشلاؤهم ما بين البابين حتى ضاق المسلك ما بين السقف ورحبة الباب وانطلقت الأيدي على المنازل نهبا واكتساحا وأما أبو تاشفين فإنه قاتل حتى قتل ابناه عثمان ومسعود أمامه وخلصت إليه جراحات فأثخنته وتقبض عليه بعض الفرسان فساقه إلى السلطان فلقيه ابنه الأمير أبو عبد الرحمن فأمر به فقتل في الحين واحتز رأسه وسخط السلطان ذلك من فعله لأنه كان حريصا على توبيخه وتقريعه وقال ابن الخطيب وقف أبو تاشفين وبنوه بإزاء القصر مدافعين عن أنفسهم وقاموا مقام الصبر والإستجماع وصدقوا عن أنفسهم الدفاع إلى أن كوثروا وأعجلتهم ميتة العز عن شد الوثاق وإمكان الشمات فكان في شأنهم عبرة رحمهم الله وخلص السلطان أبو الحسن إلى المسجد الجامع بحاشيته واستدعى شيوخ الفتيا بتلمسان وهما الإمامان الشهيران أبو زيد عبد الرحمن وأبو موسى عيسى ابنا الإمام فخلصوا إليه بعد الجهد ووعظوه وذكروه بما نال الناس من النهب والعيث فركب لذلك بنفسه وسكن الناس وقبض أيدي الجند عن الفساد وعاد إلى معسكره بالبلد الجديد وقد كمل الفتح وعز النصر واستولى السلطان أبو الحسن على تلك الإمارة المؤثلة بما اشتملت عليه من نفيس الحلى وثمين الذخيرة وفاخر المتاع وخطير العدة وبديعة الآلة وصامت المال وضروب الرقيق وصنوف الأثاث والماعون ورفع القتل عن بني عبد الواد أعدائه وشفا نفسه بقتل سلطانهم وعفا عنهم وأثبتهم في الديوان وفرض لهم العطاء واستتبعهم على راياتهم ومراكزهم وجمع كلمة بني واسين من بني مرين وبني عبد الواد وبني توجين وسائر زناتة وصاروا عصبا تحت لوائه وسد بكل طائفة منهم ثغرا من أعماله فأنزل منهم بقاصية السوس وبلاد غمارة وأجاز منهم إلى ثغور عمله بالأندلس حامية ومرابطين واندرجوا في جملته واتسع نطاق مملكته وأصبح أبو الحسن ملك زناتة بعد أن كان ملك بني مرين وسلطان العدوتين بعد أن كان سلطان المغرب فقط @QB@ إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين @QE@

مراسلة السلطان أبي الحسن لسلطان مصر وبعثه المصاحف من خطه إلى المساجد الثلاثة شرفها الله

كان للسلطان أبي الحسن مذهب ورأى في ولاية ملوك المشرق والمكلف بالمعاهد الشريفة اقتداء في ذلك بعمه يوسف بن يعقوب وغيره من سلفه وضاعف ذلك لديه متين ديانته ورفيع همته ولما قضى من أمر تلمسان ما قضى واستولى على المغربين خاطب لحينه صاحب مصر والشام والحجاز الملك الناصر محمد بن قلاوون وعرفه بالفتح وارتفاع العوائق عن ركب الحاج في سابلتهم وكان سفيره في ذلك فارس بن ميمون بن وردار وعاد بجواب الكتاب وتقرير المودة بين الخلف كما كانت بين السلف فأجمع السلطان أبو الحسن حينئذ على كتب نسخة عتيقة من المصحف الكريم بخط يده ليوقفها بالحرم الشريف حرم مكة قربة إلى الله تعالى وابتغاء للمثوبة فانتسخها بيده وجمع الوراقين لتنميقها وتذهيبها والقراء لضبطها وتهذيبها وصنع لها وعاء مؤلفا من الآبنوس والعاج والصندل فائق الصنعة وغشي بصفائح الذهب ورصع بالجوهر والياقوت واتخذ له أصونة الجلد المحكمة الصنعة المرقوم أديمها بخطوط الذهب ومن فوقها غلائف الحرير والديباج وأغشية الكتان وأخرج من خزائنه أملا عينها لشراء الضياع بالمشرق لتكون وقفا على القراء فيها وأوفد على الملك الناصر خواص مجلسه وكبار أهل دولته مثل عريف بني حيى أمير بني زغبة من عرب بني هلال ومثل السابق المقدم في بساطه على كل خالصة عطية بن مهلهل بن يحيى كبير أخواله من عرب الخلط وبعث كاتبه أبا الفضل بن محمد بن أبي مدين وعريف الوزعة ببابه الشيخ أبا محمد عبد الله بن قاسم المزوار واحتفل في الهدية للسلطان صاحب مصر احتفالا تحدث الناس به دهرا قال ابن خلدون وقفت على برنامج الهدية بخط أبي الفضل بن أبي مدين الرسول المذكور ووعيته ثم أنسيته وذكر لي بعض قهارمة الدار أنه كان فيها خمسمائة من عتاق الخيل المقربات بسروج الذهب والفضة ولجمها خالصا ومغشى ومموها وخمسمائة حمل من متاع المغرب وماعونه وأسلحته ومن نسج الصوف المحكم ثيابا وأكسية وبرانس وعمائم وإزرا معلمة وغير معلمة ومن نسج الحرير الفائق المعلم بالذهب ملونا وغير ملون وساذجا ومنمقا ومن الدرق المجلوبة من بلاد الصحراء المحكمة الدبغ المنسوبة إلى الملط ومن خرثي المغرب وما عونة ما تستطرف صناعته بالمشرق حتى لقد كان فيها مكيل من حصى الجوهر والياقوت واعتزمت حظية من حظايا أبيه على الحج في ذلك الركب فأذن لها واستبلغ في تكرمتها واستوصى بها وفده وسلطان مصر في كتابه وفصلوا من تلمسان سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة ووصلوا إلى مصر في الثاني والعشرين من رمضان من السنة المذكورة وأدوا رسالتهم إلى الملك الناصر وقدموا هديتهم إليه فقبلها وحسن موقعها لديه وكان يوم وفادتهم عليه بمصر يوما مشهودا تحدث الناس به دهرا ولقاهم سلطان مصر في طريقهم أنواع البر والكرامة حتى قضوا فرضهم ووضعوا المصحف الكريم حيث أمرهم صاحبه وأسنى الملك الناصر هدية السلطان من الفساطيط المشرقية الغريبة الشكل والصنعة بالمغرب ومن ثياب الإسكندرية البديعة النسج المرقومة بالذهب ورجعهم بها إلى مرسلهم وقد استبلغ في تكرمتهم وصلتهم وبقي حديث هذه الهدية مذكورا بين الناس لهذا العهد اه كلام ابن خلدون ببعض إيضاح وقد ذكر الإمام الخطيب أبو عبد الله بن مرزوق في كتابه المسند الصحيح الحسن من أخبار السلطان أبي الحسن هذه الهدية وفصل منها بعض ما أجمله إبن خلدون فقال أرسل السلطان أبو الحسن للناصر بن قلاوون صاحب الديار المصرية من أحجار الياقوت العظيم القدر و الثمن ثمانمائة وخمسة وعشرين ومن الزمرد مائة وثمانية وعشرين ومن الزبرجد مائة وثمانية وعشرين ومن الجوهر النفيس الملوكي ثلاثمائة وأربعة وستين وأرسل حللا كثيرة منها مذهبة ثلاثة عشر ومن الأنان عشرين مذهبة ومن الخلادي ستة وأربعين ومن القنوع ستة وعشرين مذهبة ومن المحرارت المختمة ثمانمائة ومن الرصان عشرين شقة ومن الأكسية المحررة أربعة وعشرين ومن البرانس المحررة ثمانية عشر ومن المشقفات مائة وخمسين ومن أحارم الصوف المحررة عشرين ومن شقق الملف الرفيع ستة عشر ومن الفضالي المنوعة والفرش والمخاد المنبوق والحلل ثمانمائة ومن أوجه اللحف المذهبة عشرين وحائطين حلة وحنابل مائة واثني عشر كلها حرير وفرش جلد مخروز بالذهب والفضة ومن السيوف المحلات بالذهب المنظم بالجوهر عشرة والسروج عشرة بركب الذهب كذلك ومهاميز الذهب وثلاثة ركب فضة وستة مزججة ومذهبة ومضمتان من ذهب مما يليق بالملوك وشاشية حديد بذهب مكلل بالجوهر ومن لزمات الفضة عشرة وسروج مخروزة بالفضة عشرة وعشر علامات مغشاة مذهبة وعشر رايات مذهبة وعشر براقع مذهبة وعشر أمثلة مرقومة وثلاثون جلدا شرك وأربعة آلاف درقة لمط منها مائتان بنهود الذهب وثمانمائة بنهود الفضة وخباء قبة كبيرة من مائة بنيقة لها أربعة أبواب وقبة أخرى مضربة من ست وثلاثين بنيقة مبطنة بحلة مذهبية وهي من حرير أبيض ومرابطها حرير ملون وعمودها عاج وآبنوس وأكبارها من فضة مذهبة ومن البزات الأحرار المنتقات أربعة وثلاثين ومن عتاق الخيل العراب ثلاثمائة وخمسا وثلاثين ومن البغال الذكور والإناث مائة وعشرين ومن الجمال سبعمائة وتوجهت مع هذه الهدية أمم برسم الحج مع الربعة المكرمة يعني ربعة المصحف الكريم وأعطى السلطان الحرة أم أخته أم ولد أبيه مريم ثلاثة آلاف وخمسمائة ذهبا ولقاضي الركب ثلاثمائة وكسوة ولقائد الركب أربعمائة وكساوى متعددة وبغلات وللرسول المعين للهدية ألفا ولشيخ الركب أحمد بن يوسف بن أبي محمد صالح خمسمائة ولجماعة الضعفاء من الحجاج ستمائة وبرسم العطاء للعرب ثلاثة آلاف وثمانمائة ولشراء الرباع ستة عشر ألفا وخمسمائة ذهبا اه وذكر في الكتاب المذكور أن السلطان أبا الحسن أهدى هدايا غير هذه لكثير من الملوك منها لصاحب الأندلس صلة وصدقة وهدية في مرات ومنها لملوك النصارى بعد هداياهم ومنها لسلاطين السودان كصاحب مالي ومنها لصاحب إفريقية ومنها لصاحب تلمسان اه وقال العلامة المقريزي مؤرخ مصر في كتاب السلوك ما نصه وفي ثاني وعشرين من رمضان سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة قدمت الحرة من عند السلطان أبي الحسن علي بن عثمان بن يعقوب المريني صاحب فاس تريد الحج ومعها هدية جليلة إلى الغاية نزل لحملها من الأسطول السلطاني ثلاثون قطارا من بغال النقل سوى الجمال وكان من جملتها أربعمائة فرس منها مائة حجرة ومائة فحل ومائتا بغل وجميعها بسروج ولجم مسقطة بالذهب والفضة وبعضها سروجها وركبها ذهب وكذلك لجمها وعدتها اثنان وأربعون رأسا منها سرجان من ذهب مرصع بجوهر وفيها اثنان وثلاثون بازا وفيها سيف قرابه ذهب مرصع وحياصة ذهب مرصع وفيها مائة كساء وغير ذلك من القماش العالي وكان قد خرج المهمندار إلى لقائهم وأنزلهم بالقرافة قريب مسجد الفتح وهم جمع كثير جدا وكان يوم طلوع الهدية من الأيام المذكورة ففرق السلطان الهدية على الأمراء بأسرهم على قدر مراتبهم حتى نفدت كلها سوى الجوهر واللؤلؤ فإنه اختص به فقدرت قيمة هذه الهدية بما يزيد على مائة ألف دينار ثم نقلت الحرة إلى الميدان بمن معها ورتب لها من الغنم والدجاج والسكر والجلواء والفاكهة في كل يوم بكرة وعشية ما عمهم وفضل عنهم فكان مرتبهم كل يوم عدة ثلاثين رأسا من الغنم ونصف أردب أرزا وقنطارا حب رمان وربع قنطار سكرا وثمان فانوسيات شمعا وتوابل الطعام وحمل إليها برسم النفقة مبلغ خمسة وسبعين ألف درهم وأجرة حمل أثقالهم مبلغ ستين ألف درهم ثم خلع على جميع من قدم مع الحرة فكانت عدة الخلع مائتين وعشرين خلعة على قدر طبقاتهم حتى خلع على الرجال الذين قادوا الخيول وحمل إلى الحرة من الكسوة ما يجل قدره وقيل لها أن تملي ما تحتاج إليه ولا يعوزها شيء وإنما تريد عناية السلطان إكرامها وإكرام من معها حيث كانوا فتقدم السلطان إلى النشو وإلى الأمير أحمد إن بغى بتجهيزها اللائق بها فقاما بذلك واستخدما لها السقائين والضوئية وهيأ كل ما تحتاج إليه في سفرها من أصناف الحلاوات والسكر والدقيق والبجماط وطلبا الحمالة لحمل جهازها وأزودتها وندب السلطان للسفر معها جمال الدين متولي الجيزة وأمره أن يرحل بها في مركب لها بمفردها قدام المحمل ويمتثل كلما تأمر به وكتب لأميري مكة والمدينة بخدمتها أتم خدمة اه وفيه بعض مخالفة لما وصفه ابن مرزوق في الهدية والخطب سهل ثم انتسخ السلطان أبو الحسن رحمه الله نسخة أخرى من المصحف الكريم على القانون الأول ووقفها على القراء بالمدينة وبعث بها من تخيره لذلك العهد من أهل دولته سنة أربعين وسبعمائة وفعل مثل ذلك بحرم بيت المقدس قال العلامة أبو العباس المقري في نفح الطيب كان السلطان أبو الحسن المريني قد كتب ثلاثة مصاحف شريفة بخطه وأرسلها إلى المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال ووقف عليها أوقافا جليلة كتب سلطان مصر والشام توقيعه بمسامحتها من إنشاء الأديب الشهير جمال الدين بن نباتة المصري ونص ما يتعلق به الغرض منه هنا قوله وهو الذي مد يمينه بالسيف والقلم فكتب في أصحابها وسطر الختمات الشريفة فأيد الله حزبه بما سطره من أحزابها واتصلت ملائكة النصر بلوائه تغدو وتروح وكثرت فتوحه لأملياء الغرب فقالت أوقاف الشرق لا بد للفقراء من فتوح ثم وصلت ختمات شريفة كتبها بقلمه المجيد المجدي وخط سطورها بالعربي وطالما خط في صفوف الأعداء بالهندي ورتب عليها أوقافا تجري أقلام الحساب في إطلاقها وطلقها وحبس أملاكا شامية تحدث بنعم الأملاك التي سرت من مغرب الأرض إلى مشرقها والله تعالى يمتع من وقف هذه الختمات بما سطر له في أكرم الصحائف وينفع الجالس من ولاة الأمور في تقريرها ويتقبل من الواقف اه قال المقري وقد رأيت أحد المصاحف المذكورة وهو الذي ببيت المقدس وربعته في غاية الصنعة اه والله تعالى أعلم واتصلت الولاية بين السلطان أبي الحسن وبين الملك الناصر إلى أن هلك سنة إحدى وأربعين وسبعمائة وولي أمر مصر من بعده ابنه أبو الفداء إسماعيل بن محمد بن قلاوون فخاطبه السلطان أبو الحسن أيضا على ما نذكره بعد إن شاء الله

نكبة الأمير أبي عبد الرحمن يعقوب ابن السلطان أبي الحسن وفرار وزيره زيان بن عمر الوطاسي والسبب في ذلك

كان السلطان أبو الحسن رحمه الله عندما نهض إلى تلمسان أولا وثانيا ينتظر قدوم صهره السلطان أبي بكر بن أبي زكرياء الحفصي عليه لما كان انعقد بينه وبين أبيه أبي سعيد رحمه الله من الاجتماع على تلمسان والتعاون على حصارها ولما فتح أبو الحسن تلمسان في التاريخ المتقدم كان وزير الحفصيين الشيخ أبو محمد بن تافرجين شاهدا لذلك الفتح قدم رسولا من عند مخدومه السلطان أبي بكر المذكور فأسر إلى السلطان أبي الحسن بأن مخدومه قادم عليه للقائه وتهنئته بالظفر بعدوه فتشوف السلطان أبو الحسن إليها لما كان يحب الفخر ويعنى به وارتحل عن تلمسان سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة وعسكر بمتيجة منتظرا لوفادة صهره عليه فتكاسل الحفصي عن القدوم بسبب تثبيط محمد بن الحكيم من رجال دولته إياه عن ذلك وقال له إن لقاء سلطانين لا يتفق إلا في يوم على أحدهما فكره الحفصي ذلك وتقاعد عنه وطال مقام السلطان أبي الحسن في انتظاره ثم طرقه بفسطاطه مرض ألزمه الفراش حتى تحدث أهل العسكر بمهلكه وكان ابناه الأميران أبو عبد الرحمن وأبو مالك متناغيين في ولاية عهد منذ أيام جدهما أبي سعيد وكان أبوهما قد جعل لهما لأول دولته ألقاب الإمارة وأحوالها من اتخاذ الوزراء والكتاب ووضع العلامة وتدوين الدواوين وإثبات العطاء واستلحاق الفرسان وانفراد كل بعسكره على حدة وجعل لهما مع ذلك الجلوس بمقعد فصله مناوبة لتنفيذ الأوامر السلطانية فكانا لذلك رديفين له في سلطانه ولما اشتد وجع السلطان في هذه المرة تمشت سماسرة الفتن بينهما وتحزب أهل العسكر لهما حزبين وشوشوا بواطنهما فبث كل واحد منهما المال وحمل على المقربات وصار الجيش شيعا وهم الأمير أبو عبد الرحمن بالتوثب على الأمر قبل أن يتبين حال السلطان بإغراء وزرائه وبطانته بذلك وتفطن خاصة السلطان لما وقع فأخبروه الخبر وحضوه على الخروج إلى الناس قبل أن يتفاقم الأمر ويتسع الخرق فبرز السلطان إلى فسطاط جلوسه وتسامع أهل المعسكر به فازدحموا إلى بساطة وتقبيل يده وتقبض على أهل الظنة من الجيش فأودعهم السجن وسخط على الأميرين وأمر برحيل من كان معهما من الجند فردهم إلى معسكره ثم رجع إلى فسطاطه وطفئت نار الفتنة وسكن سعي المفسدين وانتبذ الناس عن الأميرين المذكورين فبقيا أوحش من وتد بقاع فاشتد جزع الأمير أبي عبد الرحمن وركب من فسطاطه وخاض الليل فأصبح بحلة أولاد على أمراء بني زغبة من هلال الموطنين بأرض حمزة فتقبض عليه أميرهم موسى بن أبي الفضل ورده إلى أبيه فاعتقله بوجدة ورتب العيون لحراسته ولحق وزيره زيان بن عمر الوطاسي بالموحدين أصحاب تونس فأجاروه ورضي السلطان صبيحة فرار أبي عبد الرحمن عن أخيه أبي مالك وعقد له على ثغور عمله بالأندلس وصرفه إليها وانكفأ راجعا إلى تلمسان والله أعلم

ثورة ابن هيدور الجزار وما كان من أمره

لما تقبض السلطان أبو الحسن على ابنه عبد الرحمن وأودعه السجن تفرق خدمه وحشمه في الجهات وكان منهم رجل جزار مرتب في مطبخه يعرف بابن هيدور وكان له شبه في الصورة بأبي عبد الرحمن فلحق ببني عامر بن زغبة وكانوا لذلك العهد منحرفين عن طاعة السلطان أبي الحسن لاختصاصه عريف بن يحيى أمير بني سويد أعدائهم فلما لحق بهم ابن هيدور هذا انتسب لهم إلى السلطان أبي الحسن وأنه ابنه أبو عبد الرحمن فشبه لهم وبايعوه وأجلبوا به على نواحي لمدية فبرز إليهم قائدها فهزموه ثم جمع لهم ونزمار بن عريف بن يحيى فهزمهم وافترق جمعهم ونبذوا للجزار عهده فلحق ببني يزناتن من زواوة فنزل على شيختهم شمسي من بني عبد الصمد منهم وكانت هذه المرأة قد ملكتهم وغلبت عليهم بقومها ورجالها وكان لها بنون عشرة فاستفحل أمرها بهم ولما نزل عليها الجزار المذكور وانتسب لها إلى السلطان أبي الحسن قامت بأمره وشمرت عزائمها لإجارته وحملت قومها على طاعته وشاع في الناس خبره فمن مصدق ومن مكذب وسرب السلطان أبو الحسن الأموال في قومها وبنيها على إسلامه إليه فأبت ثم نمى إليها الخبر بكذبه وتمويهه فنبذت إليه عهده وخرج عنها إلى بلاد العرب فلحق بالذواودة أمراء رياح من بني هلال ونزل على سيدهم يعقوب بن علي وانتسب له في مصل ذلك فأجاروه إن صدق نسبه وأوعز السلطان أبو الحسن إلى صهره أبي بكر الحفصي في شأن الجزار فبعث الحفصي إلى يعقوب بن علي في ذلك فأشخصه إلى السلطان أبي الحسن مع بعض حاشيته فلحق به بمكانه بسبتة يريد الجهاد فامتحنه وقطعه من خلاف وانحسم داؤه وبقي المغرب تحت جراية من الدولة إلى أن هلك في بعض السنين وأما الأمير أبو عبد الرحمن فإنه لما سجن بوجدة بقي هنالك إلى سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة فوثب ذات يوم بالسجان فقتله واتصل الخبر بالسلطان أبي الحسن فأنفذ حاجبه علان بن محمد فقضى عليه رحم الله الجميع

أخبار السلطان أبي الحسن في الجهاد وما كان من وقعة طريف التي محص الله فيها المسلمين وغير ذلك

لما فرغ السلطان أبو الحسن من شأن عدوه وعلت على الأيدي يده وانفسح نطاق ملكه دعته همته إلى الجهاد وكان كلفا به فأوعز إلى ابنه الأمير أبي مالك أمير الثغور الأندلسية سنة أربعين وسبعمائة بالدخول إلى دار الحرب وجهز إليه العساكر من حضرته وأنفذ إليه الوزراء فشخص أبو مالك غازيا وتوغل في بلاد النصرانية واكتسحها وخرج بالسبي والغنائم إلى أدنى صدر من أرضهم وأناخ بها فاتصل به الخبر أن النصارى قد جمعوا له وأنهم أغذو السير في اتباعه فأشار عليه الملأ بالخروج من أرضهم وعبور الوادي الذي كان تخما بين أرض المسلمين ودار الحرب ويتحيز إلى مدن المسلمين فيمتنع بها فلج في إبايته وصمم على التعريس وكان قرما ثبتا إلا أنه غير بصير بالحرب لصغر سنه فصحبتهم عساكر النصرانية في مضاجعهم قبل أن يركبوا وخالطوهم في بياتهم وأدركوا الأمير أبا مالك بالأرض قبل أن يستوي على فرسه فجدلوه واستلحموا الكثير من قومه واحتووا على المعسكر بما فيه من أموال المسلمين وأموالهم ورجعوا على اعقابهم واتصل الخبر بالسلطان أبي الحسن فتفجع لهلاك ابنه واسترحم له واحتسب عند الله أجره ثم أنفذ وزراءه إلى سواحل المغرب لتجهيز الأساطيل وفتح ديوان العطاء وعرض الجنود وأزاح عللهم واستنفر أهل المغرب كافة ثم ارتحل إلى سبتة ليباشر أحوال الجهاد وتسامعت به أمم النصرانية فاستعدوا للدفاع وأخرج الطاغية أسطوله إلى الزقاق ليمنع السلطان من الإجازة واستحث السلطان أساطيل المسلمين من مراسي المغرب وبعث إلى أصهاره الحفصيين بتجهيز أسطولهم إليه فعقدوا عليه لزيد بن فرحون قائد أسطول بجاية ووافى سبتة في ستة عشر أسطولا من أساطيل إفريقية كان فيها من طرابلس وقابس وجربة وتونس وبونة وبجاية وتوافت أساطيل المغربين بمرسى سبتة تناهز المائة وعقد السلطان عليها لمحمد بن علي العزفي الذي كان صاحب سبتة يوم فتحها أيام السلطان أبي سعيد وأمره بمناجزة أسطول النصارى بالزقاق وقد تكامل عديدهم وعدتهم فاستلأموا وتظاهروا في السلاح وزحفوا إلى أسطول النصارى وتواقفوا مليا ثم قربوا الأساطيل بعضها من بعض وقرنوها للمصاف فلم يمض إلا كلا ولا حتى هبت ريح النصر وأظفر الله المسلمين بعدوهم وخالطوهم في أساطيلهم واستلحموهم هبرا بالسيوف وطعنا بالرماح وألقوا أشلاءهم في اليم وقتلوا قائدهم الملند واستاقوا أساطيلهم مجنوبة إلى مرسى سبتة فبرز الناس لمشاهدتها وطيف بكثير من رؤوسهم في جوانب البلد ونظمت أصفاد الأسرى بدار الإنشاء وعظم الفتح وجلس السلطان للتهنئة وأنشد الشعراء بين يديه وكان ذلك يوم السبت سادس شوال سنة أربعين وسبعمائة فكان من أعز أيام الإسلام ثم شرع السلطان أبو الحسن في إجازة العساكر من المتطوعة والمرتزقة وانتظمت الأساطيل سلسلة واحدة من العدوة إلى العدوة ولما تكاملت العساكر بالعبور وكانت نحو ستين ألفا أجازهو في أسطوله مع خاصته وحشمه آخر سنة أربعين وسبعمائة ونزل بساحة طريف وأناخ عليها ثالث محرم من السنة بعدها وشرع في منازلتها ووافاه سلطان الأندلس أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل بن الأحمر في عسكر الأندلس من غزاة بني مرين وحامية الثغور ورجالة البدو فعسكروا حذاء معسكره وأحاطوا بطريف نطاقا واحدا وأنزلوا بها أنواع القتال ونصبوا عليها الآلات وجهز الطاغية أسطولا آخر اعترض به الزقاق لقطع المرافق عن المعسكر وطال مقام المسلمين بمكانهم حول طريف ففنيت أزوادهم وقلت العلوفات فوهن الظهر واختلت أحوالهم ثم احتشد الطاغية أمم النصرانية وظاهره البرتقال صاحب أشبونة وغرب الأندلس وزحفوا إلى المسلمين لستة أشهر من نزولهم على طريف ولما قرب الطاغية من معسكر المسلمين سرب إلى طريف جيشا من النصارى أكمنه بها إلى وقت الحاجة إليه فدخلوها ليلا على حين غفلة من العسس الذين أرصدوا لهم وأحسوا بهم آخر الليل فثاروا بهم من مراصدهم وأدركوا أعقابهم قبل دخول البلد فقتلوا منهم عددا وقد نجا أكثرهم فلبسوا على السلطان أنه لم يدخل البلد سواهم حذرا من سطوته ثم زحف الطاغية من الغد في جموعه إلى المسلمين وعبأ السلطان مواكبه صفوفا وتزاحفوا ولما نشبت الحرب برز الجيش الكمين من البلد وهو الذي دخل ليلا وخالفوا المسلمين إلى معسكرهم وعمدوا إلى فسطاط السلطان فدافعهم عنه الناشبة الذين كانوا على حراسته فاستلحموهم لقلتهم ثم دافعهم النساء عن أنفسهم فقتلوهن كذلك وخلصوا إلى حظايا السلطان منهن عائشة بنت عمه أبي بكر بن يعقوب بن عبد الحق وفاطمة بنت السلطان أبي بكر بن أبي زكرياء الحفصي وغيرهما من حظاياه فقتلوهن واستلبوهن ومثلوا بهن وانتهبوا سائر الفسطاط وأضرموا المعسكر نارا ثم أحس المسلمون بما وراءهم في معسكرهم فاختل مصافهم وارتدوا على أعقابهم بعد أن كان تاشفين ابن السلطان أبي الحسن صمم في طائفة من قومه وحاشيته حتى خالطهم في صفوفهم فأحاطوا به وتقبضوا عليه وعظم المصاب بأسره وكان الخطب على الإسلام قلما فجع بمثله وذلك ضحوة يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة من سنة إحدى وأربعين وسبعمائة وولى السلطان أبو الحسن متحيزا إلى فئة المسلمين واستشهد كثير من الغزاة وتقدم الطاغية حتى انتهى إلى فسطاط السلطان من المحلة فأنكر قتل النساء والولدان وكان ذلك منتهى أثره ثم انكفأ راجعا إلى بلاده ولحق ابن الأحمر بغرناطة وخلص السلطان أبو الحسن إلى الجزيرة الخضراء ثم منها إلى جبل الفتح ثم ركب الأسطول إلى سبتة في ليلة غده ومحص الله المسلمين وأجزل ثوابهم

استيلاء العدو على الجزيرة الخضراء

لما رجع الطاغية من طريف استأسد على المسلمين بالأندلس وطمع في التهامهم وجمع عساكر النصرانية ونازل أولا قلعة بني سعيد ثغر غرناطة وعلى مرحلة منها وجمع الآلات والأيدي على حصارها وأخذ بمخنقها فأصابهم الجهد من العطش فنزلوا على حكمة سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة وأدال الله الطيب منها بالخبيث وانصرف الطاغية إلى بلاده وكان السلطان أبو الحسن لما أجاز إلى سبتة أخذ نفسه بالعود إلى الجهاد لرجع الكرة فأرسل في المدائن حاشرين وأخرج قواده إلى سواحل المغرب لتجهيز الأساطيل فتكامل له منها عدد معتبر ثم ارتحل إلى سبتة لمشارفة ثغور الأندلس وقدم عساكره إليها مع وزيره عسكر بن تاحضريت وعقد على الجزيرة الخضراء لمحمد بن العباس بن تاحضريت من قرابة الوزير وبعث إليها مددا من العسكر مع موسى بن إبراهيم اليريناني من المرشحين للوزارة نيابة وبلغ الطاغية خبره فجهز أسطوله وأجراه إلى بحر الزقاق لمدافعته وتلاقت الأساطيل ومحص الله المسلمين واستشهد منهم أعداد وتغلب اسطول الطاغية على بحر الزقاق فملكه دون المسلمين وأقبل الطاغية من إشبيلية في عساكر النصرانية حتى أناخ بها على الجزيرة الخضراء مرفأ أساطيل المسلمين وفرضة المجاز ورجا أن ينظمها في مملكته مع جارتها طريف وحشر الفعلة والصناع للآلات وجمع الأيدي عليها وطاولها الحصار واتخذ أهل المعسكر بيوتا من الخشب للمطاولة وجاء السطلان أبوالحجاج بن الأحمر بعساكر الأندلس فنزل قبالة الطاغية بظاهر جبل الفتح في سبيل الممانعة وأقام السلطان أبو الحسن بمكانه من سبتة يسرب إلى أهل الجزيرة المدد من الفرسان والمال والقوت في أوقات الغفلة من أساطيل العدو تحت جناح الليل وأصيب كثير من المسلمين في ذلك ولم يغن على أهل الجزيرة ذلك المدد شيئا واشتد عليهم الحصار وأصابهم الجهد وأجاز السلطان أبو الحجاج إلى السلطان أبي الحسن يفاوضه في شأن السلم مع الطاغية بعد أن أذن الطاغية له في الإجازة مكرا بها وأصدر له بعض الأساطيل في طريقه فصدقهم المسلمون القتال وخلصوا إلى الساحل بعد غص الريق وضاقت أحوال أهل الجزيرة ومن كان بها من عسكر السلطان فسألوا الطاغية الأمان على أن ينزلوا له عن البلد فبذله لهم وخرجوا فوفى لهم وأجازوا إلى المغرب سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة فأنزلهم السلطان ببلاده على خير نزل ولقاهم من المبرة والكرامة ما عوضهم بما فاتهم وخلع عليهم وحملهم ووصلهم بما تحدث الناس به وتقبض على وزيره عسكر بن تاحضريت عقوبة له على تقصيره في المدافعة مع تمكنه منها وانكفأ السلطان أبو الحسن راجعا إلى حضرته موقنا بظهور أمر الله وإنجاز وعده والله متم نوره ولو كره الكافرون

بقية أخبار بني أبي العلاء

قد تقدم لنا أن عثمان بن أبي العلاء كان يلي مشيخة الغزاة بالأندلس وأنه استشهد سنة ثلاثين وسبعمائة وقام بأمره ابنه أبو ثابت فاستحوذ بعصبيته وقومه على بني الأحمر فقتلوا محمد بن إسماعيل منهم مرجعه من فتح جبل الفتح ونصبوا للأمر أخاه يوسف بن إسماعيل حسبما تقدم الإلماع بذلك ثم إن السلطان أبا الحجاج هذا بقي بين جنبيه داء دخيل من بني أبي العلاء الذين فتكوا بأخيه فلم يزل يسعى في أمرهم حتى قبض عليهم وأودعهم المطبق ثم غربهم إلى تونس فنزلوا على السلطان أبي بكر بن أبي زكريا الحفصي واتصل الخبر بالسلطان أبي الحسن فكتب إليه باعتقالهم ففعل ثم بدا له فبعث إليه مع عريف الوزعة ببابه ميمون بن بكرون في إشخاصهم إلى حضرته فتوقف الحفصي عن ذلك وأبى من إخفار ذمتهم فأشار عليه وزيره أبو محمد بن تافراجين ببعثهم إليه وأنه لا يريد بهم إلا الخير فبعثهم وبعث كتابه بالشفاعة فيهم فقدموا على السلطان أبي الحسن مرجعه من الجهاد سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة فتلقاهم بالبر والكرامة إكراما لشفيعهم وأنزلهم بمعسكره وحملهم على الخيول المسومة بالمراكب الثقيلة وضرب لهم الفساطيط وأسنى لهم الخلع والجوائز وفرض لهم في أعلى رتب العطاء وصاروا في جملته ولما احتل بسبتة لمشارفة أحوال الجزيرة الخضراء سعى عنده فيهم بأن كثيرا من المفسدين يداخلونهم في الخروج والتوثب على الأمر فتقبض عليهم وأودعهم السجن بمكناسة الزيتون واستمروا هنالك إلى أن قام أبو عنان فأطلقهم واستعان بهم على أمره حسبما نذكره إن شاء الله

مراسلة السلطان أبي الحسن لصاحب مصر أبي الفداء إسماعيل بن محمد بن قلاوون

قد تقدم لنا أن السلطان أبا الحسن راسل الملك الناصر صاحب مصر وهاداه بما عظم وقعه عند الخاصة والعامة واتصلت الولاية بينه وبين الملك الناصر إلى أن هلك سنة إحدى وأربعين وسبعمائة وولي الأمر من بعده ابنه أبو الفداء إسماعيل فخاطبه السلطان أبو الحسن أيضا وأتحفه وعزاه عن أبيه وأوفد عليه كاتبه وصاحب ديوان الخراج أبا الفضل بن أبي عبد لله بن أبي مدين وفي صحبته الحرة أخت السلطان أبي الحسن فقضى من وفادته ما حمل وأصحبه السلطان أبو الحسن كتابا إلى الملك الصالح أبي الفداء وكان وصوله إلى مصر منتصف شعبان سنة خمس وأربعين وسبعمائة ونص الكتاب بعد البسملة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من عند أمير المسلمين المجاهد في سبيل الله رب العالمين المنصور بفضل الله المتوكل عليه المعتمد في جميع أموره لديه سلطان البرين حامي العدوتين مؤثر المرابطة والمثاغرة موازر حزب الإسلام حق الموازرة ناصر الإسلام مظاهر دين الملك العلام ابن أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين فخر السلاطين حامي حوزة الدين ملك البرين إمام العدوتين ممهد البلاد مبدد شمل الأعاد مجند الجنود المنصور الرايات والبنود محط الرحال مبلغ الآمال أبي سعيد ابن أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين حسنة الأيام حسام الإسلام أبي الأملاك مشجي أهل العناد والإشراك مانع البلاد رافع علم الجهاد مدوخ أقطار الكفار مصرخ من ناداه للانتصار القائم لله بإعلاء دين الحق أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق أخلص الله لوجهه جهاده ويسر في قهر عداة الدين مراده إلى محل ولدنا الذي طلع في أفق العلا بدرا تما وصدع بأنواع الفخار فجلى ظلاما وظلما وجمع شمل المملكة الناصرية فأعلى منها علما وأحيى رسما حائط الحرمين القائم بحفظ القبلتين باسط الأمان قابض كف العدوان الجزيل النوال الكفيل تأمينه بحياطة النفوس والأموال قطب المجد وسماكه حسب الحمد وملاكه السلطان الجليل الرفيع الأصيل الحافل العادل الفاضل الكامل الشهير الخطير الأضخم الأفخم المعان المؤزر المؤيد المظفر الملك الصالح أبي الوليد إسماعيل بن محل أخينا الشهير علاؤة المستطير في الآفاق ثناؤه زين الأيام والليال كمال عين إناس المجد وإنسان عين الكمال وارث الدول النافث بصحيح رأيه في عقود أهل الملل والنحل حامي القبلتين بعدله وحسامه النامي في حفظ الحرمين أجر اضطلاعه بذلك وقيامه هازم أحزاب المعاندين وجيوشها هادم الكنائس والبيع فهي خاوية على عروشها السلطان الأجل الهمام الأحفل الأفخم الأضخم الفاضل العادل الشهير الكبير الرفيع الخطير المجاهد المرابط المقسط عدله في الجائر والقاسط المؤيد المظفر المنعم المقدس المطهر زين السلاطين ناصر الدنيا والدين أبي المعالي محمد بن الملك الأرضى الهمام الأمضى والد السلاطين الأخيار عاقد لواء النصر في قهر الأرمن والفرنج والتتار محيي رسوم الجهاد معلي كلمة الإسلام في البلاد جمال الأيام ثمال الأعلام فاتح الأقاليم صالح ملوك عصره المتقادم الإمام المؤيد المنصور المسدد قسيم أمير المؤمنين فيما تقلد الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون مكن الله له تمكين أوليائه ونمى دولته التي أطلعها له السعد شمسا في سمائه وأحسن إيزاعه للشكر أن جعله وارث آبائه سلام كريم يفاوح زهر الربى مسراه وينافح نسيم الصبا مجراه يصحبه رضوان يدوم ما دامت تقل الفلك حركاته ويتولاه روح وريحان تحييه به رحمة الله وبركاته أما بعد حمد الله مالك الملك جاعل العاقبة للتقوى صدعا باليقين ودفعا للشك وخاذل من أسر النفاق في النجوى فاصر على الدخن والإفك والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله الذي محى بأنوار الهدى ظلم الشرك ونبيه الذي ختم به الأنبياء وهو واسطة ذلك السلك ودعا به حجة الحق فمادت بالكفرة محمولة الأفلاك وماجت بهم حاملة الفلك والرضا عن آله وصحبه الذين سلكوا سبيل هداه فسلك في قلوبهم أجمل السلك وملكوا أعنه هواهم فلزموا من محجة الصواب أنجح السلك وصابروا في جهاد الأعداء فزاد خلوصهم مع الابتلاء والذهب يزيد خلوصا على السبك والدعاء لأولياء الإسلام وحماته الأعلام بنصر لمضائه في العدي أعظم الفتك ويسر بقضائه درك آمال الظهور وأحفل بذلك الدرك فكتبناه إليكم كتب الله لكم رسوخ القدم وسبوغ النعم من حضرتنا مدينة فاس المحروسة وصنع الله سبحانه يعرف مذاهب الألطاف ويكيف مواهب تلهج الألسنة في القصور عن شكرها بالاعتراف ويصرف من أمره العظيم وقضائه المتلقى بالتسليم ما يتكون بين النون والكاف ومكانكم العتيد سلطانه وسلطانكم المجيد مكانه وولاؤكم الصحيح برهانه وعلاؤكم الفسيح في مجال الجلال ميدانه وإلى هذا زاد الله سلطانكم تمكينا وأفاد مقامكم تحصينا وتحسينا وسلك بكم من سنن من خلفتموه سبيلا مبينا فلا خفاء بما كانت عقدته أيدي التقوى ومهدته الرسائل التي على الصفاء تطوى بيننا وبين والدكم نعم الله روحه وقدسه وبقربه مع الأبرار في عليين أنسه من مؤاخاة أحكمت منها العهود تالية الكتب والفاتحة وحفظ عليها محكم الإخلاص معوذاتها المحبة والنية الصالحة فانعقدت على التقوى والرضوان واعتضدت بتعارف الأرواح عند تنازح الأبدان حتى استحكمت وصلة الولاء والتأمت كلحمة النسب لحمة الإخاء فما كان إلا وشيكا من الزمان ولا عجب قصر زمن الوصلة أن يشكوه الخلان ورد وارد أورد رنق المشارب وحقق قول ومن يسأل الركبان عن كل غائب أنبأ باستثارة الله تعالى بنفسه الزكية وإكنان درته السنية وانقلابه إلى ما أعد له من المنازل الرضوانية بجليل ما وقر لفقده في الصدور وعظيم ما تأثرت له النفوس لوقوع ذلك المقدور حنانا للإسلام بتلك الأقطار وإشفاقا من أن يعتور قاصدي بيت الله الحرام من جراء الفتن عارض الإضرار ومساهمة في مصاب الملك الكريم والوصي الحميم ثم عميت الأخبار وطويت طي السجل الآثار فلم نر مخبرا صدقا ولا معلما بمن استقر له ذلكم الملك حقا وفي أثناء ذلك حفزنا للحركة عن حضرتنا استصراخ أهل الأندلس وسلطانها وتواتر الأخبار بأن النصارى أجمعوا على خراب أوطانها ونحن أثناء ذلك الشأن نستخبر الوراد من تلكم البلدان عما أجلى عنه ليل الفتن بتلكم الأوطان فبعد لأي وقعنا منها على الخبير وجاءنا بوقاية حرم الله بكم البشير وتعرفنا أن الملك استقر منكم في نصابه وتداركه الله تعالى منكم بفاتح الخير من أبوابه فأطفأ بكم نار الفتنة وأخمدها منه أدواء النفاق ما أعل البلاد وأفسدها فقام سبيل الحج سابلا وعبر طريقه لمن جاء قاصدا وقافلا ولما احتفت بهذا الخبر القرائن وتواتر بنقل الحاضر المعاين أثار حفظ الإعتقاد البواعث والود الصحيح تجره حقا الموارث فأصدرنا لكم هذه المخاطبة المتفننة الأطوار الجامعة بين الخبر والإستخبار الملبسة من العزاء والهناء ثوبي الشعار والدثار ومثل ذلك الملك رضوان الله عليه من تجل المصائب لفقدانه وتحل عرى الإصطبار بموته ولات حين أوانه ولكن الصبر اجمل ما ارتداه ذو عقل حصين والأجر أولى ما اقتناه ذو دين متين ومثلكم من لا يخف وقاره ولا يشف عن ظهور الجزع الحادث اصطباره ومن خلفتموه فما مات ذكره ومن قمتم بأمره فما زال بل زاد فخره وقد طالت والحمد لله العيشه الراضية بالحقب وطاب بين مبداه ومحتضره هنيئا بما من الأجر اكتسب وصار حميدا إلى خير منقلب ووفد من كرم الله على أفضل ما منح موقنا ووهب فقد ارتضاكم الله بعده لحياطة أرضه المقدسة وحماية زوار بيته مقيلة أو معرسة ونحن بعد بسط هذه التعزية نهنيكم بما خولكم الله أجمل التهنية وفي ذات الله الإيراد والإصدار وفي مرضاته سبحانه الإضمار والإظهار فاستقبلوا دولة ألقى العز عليها رواقه وعقد الظهور عليها نطاقه وأعطاه أمان الزمان عقده وميثاقه ونحن على ما عاهدنا عليه الملك الناصر رضوان الله عليه من عهود موثقة وموالاة محققة وثناء كمائمه عن أذكى من الزهر غب القطر مفتقه ولم يغب عنكم ما كان من بعثنا المصحفين الأكرمين اللذين خطتهما منا اليمين وآوت بهما الرغبة من الحرمين الشريفين إلى قرار مكين وإنه كان لوالدكم الملك الناصر تولاة الله برضونه وأورده موارد إحسانه في ذلكم من الفعل الجميل والصنع الجليل ما ناسب مكانه الرفيع وشاكل فضله من البر الذي لا يضيع حتى طبق فعله الآفاق ذكرا وطوق أعناق الوراد والقصاد برا وكان من أجمل ما به تحفى وأتحف وأعظم ما بعرفه إلى الملك العلام في ذلك تعرف إذنه للمتوجهين إذا ذاك في شراء رباع توقف على المصحفين ورسم المراسم المباركة بتحرير ذلك الوقف مع اختلاف الجديدين فجرت أحوال القراء فيها بذلك الخراج السمتفاد ريثما يصلهم من خراج ما وقفناه عليهم بهذه البلاد على ما رسمه رحمة الله عليه من عناية به متصلة واحترام في تلك الأوقاف فوائدها به متوفرة متحصلة وقد أمرنا مؤدي هذا لكما لكم وموفده على جلالكم كاتبنا الأسنى الفقيه الأجل الأحظى الأكمل أبا المجد ابن كاتبنا الشيخ الفقيه الأجل الحاج الأتقى الأرضى الأفضل الأحظى الأكمل المرحوم أبي عبد الله بن أبي مدين حفظ الله عليه رتبته ويسر في قصد البيت الحرام بغيته بأن يتفقد أحوال تلك الأوقاف ويتعرف تصرف الناظر عليها وما فعله من سداد وإسراف وأن يتخير لها من يرتضي لذلك ويحمد تصرفه فيما هنالك وخاطبنا سلطانكم في هذا الشأن جريا على الود الثابت الأركان وإعلاما بما لوالدكم رحمه الله تعالى في ذلك من الأفعال الحسان وكما لكم يقتضي تخليد ذلكم البر الجميل وتجديد علم ذلك الملك الجليل وتشييد ما اشتمل عليه من الشراء الأصيل والأجر الجزيل والتقدم بالإذن السلطاني في إعانة هذا الوافد بهذا الكتاب على ما يتوخاه في ذلك الشأن من طرق الصواب وثناؤنا عليكم الثناء الذي يفاوح زهر الربا ويطارح نغم حمام الأيك مطربا وبحسب المصافاة ومقتضى الموالاة نشرح لكم المتزايدات بهذه الجهات وننبئكم بموجب إبطاء إنفاذ هذا الخطاب على ذلكم الجناب وذلك أنه لما وصلنا من الأندلس الصريخ ونادى منا للجهاد عزما لمثل ندائه يصيخ أنبأنا أن الكفار قد جمعوا أحزابهم من كل صوب وفرض عليهم باباهم اللعين التناصر من كل أوب وأن تقصد طوائفهم البلاد الأندلسية بإيجافها وتنقص بالمنازلة أرضها من أطرافها ليمحو كلمة الإسلام منها ويقلصوا ظل الإيمان عنها فقدمنا من يشتغل بالأساطيل من القواد وسرنا على اثرهم إلى سبتة منتهى الغرب الأقصى وباب الجهاد فما وصلناها إلا وقد أخذه العدو الكفور وسدت أجفان الطواغيت على التعاون مجاز العبور وأتوا من أجفانهم بما لا يحصى عددا وأرصدوها بمجمع البحرين حيث المجاز إلى دفع العدا وتقلصوا عن الانبساط في البلاد واجتمعوا إلى الجزيرة الخضراء أعادها الله بكل من جمعوه من الأعاد لكنا مع انسداد تلك السبيل وعدم أمور نستعين بها في ذلكم العمل الجليل حاولنا إمداد تلكم البلاد بحسب الجهد وأصرخناهم بما أمكن من الجند وجهزنا أجفانا مختلسين فرصة الإجازة تتردد على خطر بمن جهز للجهاد جهازه وأمرنا لصاحب الأندلس من المال بما يجهز به حركته لمداناة محلة حزب الضلال وأجرينا له ولجيشه العطاء الجزل مشاهرة وأرضخنا لهم من النوال ما نرجو به ثواب الآخرة وجعلت أجفاننا تتردد في مينا السواحل وتلج أبواب الخوف العاجل لإحراز الأمن الآجل مشحونة بالعدد الموفورة والأبطال المشهورة والخيل المسومة والأقوات المقومة فمن ناج حارب دونه الأجل وشهيد مضى لما عند الله عز وجل وما زالت الأجفان تتردد على ذلك الخطر حتى تلف منها سبع وستون قطعة غزوية أجرها عند الله يدخر ثم لم نقنع بهذا العمل في الإمداد فبعثنا أحد أولادنا أسعدهم الله مساهمة به لأهل تلك البلاد فلقي من هول البحر وارتجاجه وإلحاح العدو ولجاجه ما به الأمثال تضرب وبمثله يتحدث ويستغرب ولما خلص لتلك العدوة بمن أبقته الشدائد نزل بإزاء الكافر الجاحد حتى كان منه بفرسخين أو أدنى وقد ضرب بعطن يصابح العدو ويماسيه بحرب بها يمنى وقد كان من مددنا بالجزيرة جيش شريت شرارته وقويت في الحرب إدارته يبلون البلاء الأصدق ولا يبالون بالعدو وهم منه كالشامة البيضاء في البعير الأورق إلا أن المطاولة بحصارها في البحر مدة ثلاثة أعوام ونصف ومنازلتها في البر نحو عامين معقودا عليها الصف بالصف أدى إلى فناء الأقوات في البلد حتى لم يبق لأهليه قوت شهر مع انقطاع المدد وبه من الخلق ما يربى على عشرة آلاف دون الحرم والولد فكتب إلينا سلطان الأندلس يرغب في الأذن له في عقد الصلح ووقع الاتفاق على أنه لاستخلاص المسلمين من وجوه النجع فأذنا له فيه الإذن العام إذ في إصراخه وإصراخ من بقطره من المسلمين توخينا ذلك المرام هنالك دعا النصارى إلى السلم فاستجابوا وقد كانوا علموا فناء القوت وما استرابوا فتم الصلح إلى عشر سنين وخرج من بها من فرسان ورجال وأهل وبنين ولا رزئوا مالا ولا عدة ولا لقوا في خروجهم غير النزوح عن أول أرض مس الجلد ترابها شدة ووصلوا إلينا فأجزلنا لهم العطاء وأسليناهم عما جرى بالحباء فمن خيل تزيد على الألف عتاقها وخلع تربى على عشرة آلاف أطواقها وأموال عمت الغني والفقير ورعاية شملت الجميع بالعيش النضير كف الله ضر الطواغيت عما عداها وما انقلبوا بغير مدرة عفا رسمها وصم صداها وقد كان من لطف الله حين قضى بأخذ هذا الثغر أن قدر لنا فتح جبل طارق من أيدي الكفر وهو المطل على هذه المدرة والفرصة منه إن شاء الله تعالى متيسرة حتى يفرق عقد الكفار ويفرج بهذه الجهة منهم مجاورو هذه الأقطار فلولا إجلابهم من كل جانب وكونهم سدوا مسلك العبور بما لجميعهم من الأجفان والمراكب لما بالينا بأصفاقهم ولحللنا بعون الله عقد اتفاقهم ولكن للموانع أحكام ولا راد لما جرت به الأقلام وقد أمرنا لذلك الثغر بمزيد المدد وتخيرنا له ولسائر تلك البلاد العدد والعدد وعدنا لحضرتنا فاس لتستريح الجيوش من وعثاء السفر ونرتبط الجياد وننتخب العدد لوقت الظهور المنتظر ونكون على أهبة الجهاد وعلى مرقبة الفرصة عند تمكنها في الأعاد وعند عودنا من تلك المحاولة نيسر الركب الحجازي موجها إلى هناكم رواحله فأصدرنا إليكم هذا الخطاب إصدار الود الخالص والحب اللباب وعندنا لكم ما عند أحنى الآباء واعتقادنا فيكم في ذات الله لا يخشى جديده من البلاء ومالكم من غرض بهذه الأنحاء موفي قصده على أكمل الأهواء موالي تتميمه على أجمل الأراء والبلاد باتحاد الود متحدة والقلوب والأيدي على ما فيه مرضاة الله عز وجل منعقدة جعل الله ذلكم خالصا لرب العباد مدخورا ليوم التناد مسطورا في الأعمال الصالحة يوم المعاد بمنه وفضله هو سبحانه يصل إليكم سعدا تتفاخر به سعود الكواكب وتتضافر على الانقياد له صدور المواكب وتتقاصر عن نيل مجده متطاولات المناكب والسلام الأتم يخصكم كثيرا أثيرا ورحمة الله وبركاته وكتب في يوم الخميس السادس والعشرين لشهر صفر المبارك من عام خمسة وأربعين وسبعمائة وصورة العلامة وكتب في التاريخ المؤرخ قال ابن خلدون فقضى أبو الفضل بن أبي عبد الله بن أبي مدين من وفادته ما حمل وكان شأنه عجبا في إظهار أبهة سلطانه والإنفاق على المستضعفين من إلحاج في طريقه وإتحاف رجال الدولة التركية بذات يده والتعفف عما في أيديهم رحمه الله وقال العلامة المقريزي وفي منتصف شعبان من سنة خمس وأربعين وسبعمائة قدمت الحرة أخت صاحب المغرب في جماعة كثيرة وعلى يدها كتاب السلطان أبي الحسن يتضمن السلام وأن يدعو له الخطباء في يوم الجمعة ومشايخ الصلاح وأهل الخير بالنصر على عدوهم ويكتب إلى أهل الحرمين بذلك اه ولعل هذا الكتاب آخر غير الذي سردناه يتضمن ما ذكره والله أعلم ونشخة الجواب عن الكتاب الذي سردناه من إنشاء خليل الصفدي شارح لآمية العجم بعد البسملة في قطع النصف بقلم الثلث عبد الله ووليه صورة العلامة ولده إسماعيل بن محمد السلطان الملك الصالح السيد العالم العادل المؤيد المجاهد المرابط المظفر المنصور عماد الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين محيي العدل في العالمين منصف المظلومين من الظالمين وارث الملك ملك العرب والعجم والترك فاتح الأقطار واهب الممالك والأمصار إسكندر الزمان مملك أصحاب المنابر والأسرة والتخوت والتيجان ظل الله في أرضه القائم بسنته وفرضه مالك البحرين خادم الحرمين الشريفين سيد الملوك والسلاطين جامع كلمة الموحدين ولي أمير المؤمنين أبو الفداء إسماعيل بن السلطان الشهيد السعيد الملك الناصر ناصر الدنيا والدين أبي الفتح محمد بن السلطان الشهيد السعيد الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون خلد الله تعالى سلطانه وجعل الملائكة أنصاره واعوانه يخص المقام العالي الملك الأجل الكبير المجاهد المؤيد المرابط المثاغر المعظم المكرم المظفر المعمر الأسعد الأصعد الأوحد الأمجد السني السري المنصور أبا الحسن علي بن أمير المسلمين أبي سعيد عثمان بن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق أمده الله بالظفر وقرن عزمه بالتأييد في الآصال والبكر سلام وشت البروق وشائعه وادخرت الكواكب ودائعه واستوعب الزمان ماضيه ومستقبله ومضارعه وثناء اتخذ النفحات المسكية طلائعه ونبه بالتغريد في الروض سواجعه وجلى في كأسه من الشفق المحمر مدامه ومن النجوم فواقعه أما بعد حمد الله على نعم أدت لنا الأمانة في عود سلطنة والدنا الموروثة وأجلستنا على سرير مملكة زرابيها بين النجوم مبثوثة وأحسنت بنا الخلف عن سلف عهدوه في الأعناق غير منكورة ولا منكوثة وصلاته على سيدنا محمد عبده ورسوله وعلى آله وصحبه الذين بلغ بجهادهم في الكفرة غاية أمله وسؤله صلاة تحط بالرضوان سيولها وتجر بالغفران ذيولها ما تراسل أصحاب وتواصل أحباب فيوضح للعلم الكريم ورود كتابكم العظيم وخطابكم الفائق على الدر النظيم تفاخر الخمائل سطوره ويصبغ خد الورد بالخجل منثوره ويحكي الرياض اليانعة فالألفات غصونه والهمزات عليها طيوره ويخلع على الآفاق حلل الأيام والليالي فالطرس صباحه والنقس ديجوره لفظه يطرب ومعناه يعرب فيغرب وبلاغته تدل على أنه آية لأن شمس بيانها طلعت من المغرب فاتخذنا سطوره ريحانا ورجعنا ألفاظه ألحانا ورجعنا إلى الجد فشبهنا ألفاته بظلال الرماح وورقه بصقال الصفاح وحروفه المفرقه بأفواه الجراح وسطوره المنتظمة بالفرسان المزدحمة يوم الكفاح وانتهينا إلى ما أودعتموه من اللفظ المسجوع والمعنى الذي يطرب طائره المسموع والبلاغة التي فضح التطبع بيانها المطبوع فأما العزاء بأخيكم الوالد قدس الله روحه وسقى عهده وأحسن لسلفه خلفا بعده فلنا برسول الله أسوة حسنة ولولا الوثوق بأنه في عدة الشهداء ما رام القلب قراره ولا الطرف وسنة عاش سعيدا يملك الأرض ومات شهيدا . 000 يفوز بالجنة يوم العرض قد خلد الله ذكره يسير مسير الشمس في الآفاق ويوقف عند نضارة حدائقه الأحداق وورثنا منه حسن الآخاء لكم والوفاء بعهود مودة تشبه في اللطف شمائلكم وأما الهناء بوراثة ملكه والإنخراط مع الملوك في سلكه فقد شكرنا لكم منحى هذه المنحة وقابلناها بثناء يعطر النسيم في كل نفحه ووقفنا عليها حمدا جعل الود علينا إيراده وعلى أنفاس سرحة الروض شرحه وتحققنا به حسن ودكم الجميل وكريم إخائكم الذي لا يميد طود رسوخه ولا يميل وأما ما ذكرتموه من أمر المصحفين الكريمين الشريفين الذين وقفتموهما على الحرمين المنيفين وإنكم جهزتم كاتبكم الفقيه الأجل الأسنى الأسمى أبا المجد ابن كاتبكم أبي عبد الله بن أبي مدين أعزه الله لتفقد أحوالهما والنظر في أمر أوقافهما فقد وصل المذكور بمن معه في حرز السلامة وأكرمنا نزلهم وسهلنا بالترحيب سبلهم وجمعنا على بذل الإحسان إليهم شملهم وحضر المذكور بين أيدينا وقربناه وسمعنا كلامه وخاطبناه وأمرنا في أمر المصحفين الشريفين بما أشرتم ورسمنا لنوابنا في توخي أوقافهما بما ذكرتم وهذا الوقف المبرور جار على أحسن عادة ألفها وأثبت قاعدة عرفها مرعي الجوانب محمي المنازل والمضارب آمن إزالة رسمه أو إذالة حكمه بدره أبدا في مطالع تمه وزهرة دائما يرقص في كمه لا يزداد إلا تخليدا ولا إطلاق ثبوته إلا تقييدا ولا عنق اجتهاده إلا تقليدا جريا على قاعدة أوقاف ممالكنا وعادة تصرفاتنا في مسالكنا وله مزيد الرعاية وإفادة الحماية ووفادة العناية وأما ما وصفتموه من أمر الجزيرة الخضراء وما لاقاه أهلها ومني به من الكفار حزنها وسهلها فإنه شق علينا سماعه الذي أنكى أهل الإيمان وعدد به نوب الزمان كل قلب بأنامل الخفقان وطالما فزتم بالظفر ورزقتم النصر على عدوكم فجر ذيل الهزيمة وفر ولكن الحرب سجال وكل زمان لدوائره دولة ولرجائه رجال ولو أمكنت المساعدة لطارت بنا إليكم عقبان الجياد المسومة وسالت على عدوكم أباطحهم بقسينا المعوجة وسهامنا المقومة وكحلنا عين النجوم بمراود الرماح وجعلنا ليل العجاج ممزقا ببروق الصفاح واتخذنا رؤوسهم لصوالج القوائم كرات وفرجنا مضايق الحرب بتوالي الكرات وعطفنا عليهم الأعنة وخضنا جداول السيوف ودسنا شوك الأسنة وفلقنا الصخرات بالصرخات وأسلنا العبرات بالرعبات ولكن أين الغاية من هذا المدى المتطاول وأين الثريا من يد المتناول وما لنا غير إمدادكم بجنود الدعاء الذي نرفعه نحن ورعايانا والتوجه الصادق الذي تعرفه ملائكة القبول من سجايانا أما ما فقدتموه من الأجفان التي طرقها طيف الإتلاف وأم حرم فنائها الفناء وطاف به بعد الألطاف فقد روع هذا الخبر قلب الإسلام ونوع له الحزن على اختلاف الإصباح والإظلام وهذه الدار لا يخلو صفوها من كدر القدر وطالما انامت بالأمن أول الليل وخاطبت بالخطب في السحر ولكن في بقائكم ما يسلي عن خطب العطب ومع سلامة نفسكم الكريمة فالأمر هين لأن الدر يفدى بالذهب وأما ما رأيتموه من الصلح فرأى عقده مبارك وأمر ما فيه فارط عزم وإن كان فيتدارك والأمر يجيء كما يحب لا كما نحب والحروب يزورها نصرها تارة ويغب مع اليوم غدا وقد يرد الله الردى ويعيد الظفر بالعدا وأما عودكم إلى فاس المحروسة طلبا لإراحة من عندكم من الجنود وتجهيزا لمن يصل من عندكم إلى الحجاز الشريف من الوفود فهذا أمر ضروري التدبير سروري التثمير لأن النفوس تمل وثير المهاد فكيف ملازمة صهوات الجياد وتسأم من مجالسة الشرب فكيف بممارسة الحرب وتعرض عن دوام اللذة فكيف بمباشرة المنايا الفذة وهذا جبل طارق الذي فتح الله به عليكم وساق هدي هديته إليكم لعله يكون سببا إلى ارتجاع ما شرد وحسما لهذا الطاغية الذي مرد وردا لهذا النازل الذي كدرر ورد الصبر لما ورد فعادة الألطاف بكم معروفة وعزماتكم إلى جهات الجهاد مصروفة وقد تفاءلنا لكم من هذا الجبل بأنه طارق خير من الرحمن يطرق وجبل يعصم من سهم يمر من قسي الكفار ويمرق وأما ما منحتموه من الخيل العتاق والملابس التي تطلع بدور الوجوه من مشارق الأطواق والأموال التي زكت عند الله تعالى ونمت على الإنفاق فعلى الله عز وجل خلفها ولكم في منازل الدنيا والآخرة سرفها وشرفها وإليكم تساق هدايا أثنيتها وتحفكم تحفها وإذا وصل وفدكم الحاج وأنار له بوجه إقبالنا عليهم ليلهم الداج وكانوا مقيمين تحت ظل إكرامنا وشمول إسعافنا لهم وإنعامنا يتخولون تحفا أنتم سببها ويتناولون طرفا في كؤوس الاعتناء بهم ينضد حببها وإذا كان أوان الرحيل إلى الحج فسحنا لهم الطريق وسهلنا لهم الرفيق وبلغناهم بحول الله تعالى مناهم من منى وسألهم ممن إذا زاروا حجراته الشريفة حازوا الشريفة حازوا الراحة من العناء وفازوا بالغنى وإذا عادوا عاملناهم بكل جميل ينسبهم مشقة ذلك الدرب ويخيل إليهم أن لا مسافة لمسافر بين الشرق والغرب وغمرناهم بالإحسان في العود إليكم وأمرناهم بما ينهونه شفاها لديكم وعناية الله تعالى تحوط ذاتكم وتوفر لأخذ الثار حماتكم وتخصكم بتأييد تنزلون روضه الأنضر وتجنون به ثمر النصر اليانع من ورق الحديد الأخضر وتتحفكم بسعد لا يبلى قشيبه وعز لا يمحو شبابه مشيبة وتحيته المباركة تغاديكم وترواحكم وتفاوحكم أنفاسها المعتبرة وتنافحكم بمنه وكرمه في سادس رمضان سنة خمس وأربعين وسبعمائة قال ابن خلدون ثم شرع السلطان أبو الحسن بعد استيلائه على إفريقية كما نذكره في كتب نسخة أخرى من المصحف الكريم ليوقفها ببيت المقدس فلم يقدر إتمامها وهلك قبل فراغه من نسخها اه وهو يقتضي أن السلطان المذكور ماا كتب سوى مصحفين اثنين ويؤيده ظاهر الكتابين المسرودين آنفا مع أنه تقدم النقل عن الشيخ أبي العباس المقري أنه وقف على النسخة الموقوفة ببيت المقدس والله تعالى أعلم بحقيقة الأمر