هدية السلطان أبي الحسن إلى ملك مالي من السودان المجاورين للمغرب
اعلم أن أرض السودان المجاورة للمغرب تشتمل على ممالك منها مملكة غانة ومنها مملكة مالي ومنها مملكة كاغو ومنها مملكة برنو وغير ذلك وكان ملك مالي وهو السلطان منسى موسى بن أبي بكر من أعظم ملوك السودان في عصره ولما استولى السلطان أبو الحسن على المغرب الأوسط وغلب بني زيان على ملكهم عظم قدره وطال ذكره وشاعت أخباره في الآفاق فسما هذا السلطان وهو منسى موسى إلى مخاطبة السلطان أبي الحسن وكان مجاورا لمملكة المغرب على نحو مائة مرحلة في القفر فأوفد عليه جماعة من أهل مملكته مع ترجمان من الملثمين المجاورين لبلادهم من صنهاجة فوفدوا على السلطان أبي الحسن في سبيل التهنئة بالظفر فأكرم وفادتهم وأحسن مثواهم ومنقلبهم ونزع إلى مذهبه في الفخر فانتخب طرفا من متاع المغرب وماعونه وشيئا من ذخيرة داره وأسنى الهدية وعين رجالا من أهل دولته كان فيهم كاتب الديوان أبو طالب بن محمد بن أبي مدين ومولاه عنبر الخصي فأوفدهم بها على ملك مالي منسى سليمان لمهلك أخيه موسى قبل مرجع وفده وأوعز إلى أعراب الفلاة من بني معقل بالسير معهم ذاهبين وجاءين فشمر لذلك علي بن غانم أمير أولاد جرار من معقل وصحبهم في طريقهم امتثالا لأمر لسلطان وتوغل ذلك الركب في القفر إلى بلد مالي بعد الجهد وطول الشقة فأحسن منسى سليمان مبرتهم وأعظم موصلهم وأكرم وفادتهم ومنقلبهم وعادوا إلى مرسلهم في وفد من كبار مالي يعظمون السلطان أبا الحسن ويوجبون حقه ويؤدون طاعته ويذكرون من خضوع مرسلهم وقيامه بحق السلطان أبي الحسن واعتماله في مرضاته ما استوصاهم به واعلم أن منسى موسى الذي ذكرناه كان من كبار الملوك كما قلنا وهو الذي صحبه أبو إسحاق الساحلي المعروف بالطويجي من شعراء الأندلس كان قد لقيه في لموسم بعرفة فحلى بعينه وحظيت منزلته عنده فصحبه إلى بلاده وأقام عنده مصحوبا بالبر والكرامة وبنى للسلطان المذكور قبة رائعة فازدادت حظوته عنده قال ابن خلدون أطرف أبو إسحاق الطويجن السلطان منسى موسى ببناء قبة مربعة الشكل استفرغ فيها إجادته وكان صناع اليدين وأضفى عليها من الكلس ووالى عليها بالأصباغ المشبعة فجاءت من أتقن المباني ووقعت من السلطان منسى موسى موقع الاستغراب لفقدان صنعة البناء بأرضهم ووصله باثني عشر ألفا من مثاقيل التبر مثوبة عليها اه وكانت وفاة أبي إسحاق بتنبتكوا يوم الاثنين السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وسبعمائة
مصاهرة السلطان أبي الحسن ثانيا مع السلطان أبي بكر الحفصي رحمهما الله
قد تقدم لنا ما كان من وقعة طريف وإنه هلك فيها حرم السلطان أبي الحسن من جملتهن فاطمة بنت السلطان أبي بكر الحفصي فلما فقدها أبو الحسن بقي في نفسه منها حنين إلى ما شغفته به من خلالها ولذادة العيش في عشرتها فسما له من الإعتياض عنها ببعض أخواتها فأوفد في خطبتها وليه عريف بن يحيى أمير عرب سويد من بني زغبة الهلاليين وكاتب الجباية والعسكر بدولته أبا الفضل بن محمد بن أبي مدين وفقيه الفتوى بمجلسه أبا عبد الله محمد بن سليمان السطي ومولاه عنبر الخصي فوفدوا على السلطان أبي بكر سنة ست وأربعين وسبعمائة فأنزلهم منزل البر والكرامة ثم دس إليه حاجبه أبو محمد عبد الله بن تافراجين غرض وفادتهم وأنهم قدموا خاطبن بعض كرائمه لسلطانهم فأبى من ذلك صونا لحرمه عن جولة الأقطار وتحكم الرجال مثل ما وقع في ابنته الأولى فلم يزل حاجبه المذكور يخفض عليه الشأن ويعظم عليه حق السلطان أبي الحسن في رد خطبته مع ما بينهما من الصهر السابق والمخالصة القديمة والعهود المتأكدة إلى أن أجاب وأسعف من الصهر السابق والمخالصة القديمة والعهود المتأكدة إلى أن أجاب وأسعف وجعل ذلك للحاجب المذكور فانعقد الصهر بين السلطانين على ابنته عزونه شقيقة ابنه أبي العباس الفضل بن أبي بكر صاحب بونة وأخذ الحاجب في شوار العرس وتأنق فيه واحتفل واستكثر وطال مقام الرسل بتونس إلى أ ، استكمل الجهاز فارتحلوا منها في ربيع سنة سبع وأربعين وسبعمائة وأوعز السلطان أبو بكر إلى ابنه الفضل شقيق العروس المذكورة أن يزفها على السلطان أبي الحسن قياما بحقه وبعث من بابه جماعة من مشيخة الموحدين فوفدوا جميعا على السلطان أبي الحسن واتصل بهم الخبر في طريقهم بوفاة السلطان أبي بكر فجأة ليلة الأربعاء ثاني رجب من السنة المذكورة فعزاهم السلطان أبو الحسن عنه عند ما وصلوا إليه واستبلغ في إكرامهم وأجمل موعد أخيها الفضل بسلطانه ومظاهرته على تراث أبيه فاطمأنت به الدار عند السلطان أبي الحسن إلى أن سار في جملته وتحت لوائه إلى إفريقية كما نذكره إن شاء الله
غزو السلطان أبي الحسن إفريقية واستيلاؤه على تونس وأعمالها
كان السلطان أبو بكر الحفصي رحمه الله قد عهد بالأمر بعده لابنه أبي العباس أحمد وكان أوفد على السلطان أبي الحسن حاجبه أبا القاسم بن عتو في غرض له وأصحبه كتاب العهد إلى السلطان المذكور ليوافق عليه فوقف عليه السلطان أبو الحسن وكتب على حشايته بخطه ووافقه عليه رحمه الله وأحكم العقد في ذلك ولما مات السلطان أبو بكر كان ولي العهد غائبا عن الحضرة فبايع أبو محمد بن تافراجين لابنه عمر ذكر الشيخ أبو العباس الوانشريسي في أقضية المعيار عن الشيخ ابن عرفة أن سلطان إفريقية أبا بكر الحفصي كتب العهد لولده أحمد فلما توفي السلطان المذكور أحضر أبو محمد بن تافراجين قاضيي تونس قاضي الجماعة أبا عبد الله محمد بن عبد السلام وقاضي الأنكحه أبا عبد الله الآجمي وأمرهما أن يبايعا ولد الخليفه عمر فقالا كيف نبايعه ونحن شهدنا بيعة أخيه أحمد والتزمناها وكان الحاجب ابن تافراجين نبيلا فلما دخلا أحضر الحاجب المذكور أهل العقد والحل وأمرهم أن يباييعوا عمر فبايعوه فلما خرج القاضيان وجدا البيعة قد حصلت وكان في انتظار أحمد المشهود له بالعهد وهو غائب بقفصة خوف الفتنة فبايع القاضيان وكان ابن عرفة يستصوب فعل الحاجب وامتناع القاضيين أولا وبيعتهما ثانيا ثم قدم ولي العهد ووقع بينه وبين أخيه قتال وجرت خطوب كان في آخرها قتل ولي العهد وقتل وليه أبي الهول بن حمزة أمير الكعوب من عرب سليم في آخرين منهم وقطع عمر أيضا أخويه عبد العزيز وخالدا من خلاف فهلكا وكان الحاجب أبو محمد بن تافراجين قد حس بالشر من جهة عمر المتغلب وتوقع النكبة من جانبه فتسلل إلى قصره و أخذ ما خف من ذخيرته ولحق بالسلطان أبي الحسن وقص عليه الخبر وأغراه بتملك إفريقية وأوجب عليه النظر للمسلمين فيها وكان السلطان أبو الحسن يتمنى ذلك لولا مكان صهره أبي بكر فأقام بتحين لها الأوقات ويترقب لها الفرص حتى كانت هذه وإنما تنجع المقالة في المرء إذا صادقت هوى في القؤاد فأظهر أبوا لحسن الإمتعاض لما فعله عمر بأخيه ولي العهد من منعه من حقه أولا ثم غراقة دمه ثانيا لا سيما وقد كان أعطى خط يده بالموافقة على العهد المذكور فأجمع الحركة إلى إفريقية ولحق به خالد بن حمزة بن عمر أخو أبي الهول المقتول مع ولي العهد فاستعداه على عدوه ففتح السلطان أبوة الحسن ديوان الطعاء ونادى في الناس بالمسير إلى إفريقية وأزاح عللهم وعسكر بظاهر تلمسان ثم نهض في صفر من سنة ثمان وأربعين وسبعمائة يجر الدنيا بما حملت بعد أن عقد لابنه الأمير أبي عنان على المغرب الأوسط وعهد إليه بالنظر في أموره كافة وجعل إليه جبايته وقدمت عليه في طريقه أعراب إفريقية وولاة قابس وبلاد الجريد وأطاعته طرابلس والزاب وبجاية وصاحبها يومئذ أبو عبد الله محمد بن أبي زكرياء بن أبي بكر ولما وصل قسنطينة خرج غليه أبناء الأمير أبي عبد الله بن أبي بكر ولما وصل إلى قسنطينة خرج إليه أبناء الأمي أبي عبد الله بن أبي بكر فبايعوه فأقبل عليهم وصرفهم إلى المغرب وأنزلهم بوحدة وأقطعهم جبايتها وأنزل بقسنطينة خلفاءه وعماله وقد كان صرف أبا عبد الله صاحب بجاية إلى ندرومة فأنزله بها وأقطعه الكفاية من جبايتها ثم وفد عليه بنو حمزة بن عمر أمراء الكعوب من سليم فأخبروه بإجفال عمر المتغلب بتونس مع ظاعنة أولاد مهلهل واستحثوه في اعتراضهم قبل لحاقهم بالقفر فسرح معهم العساكر في طلبه لنظر حمو بن يحيى العسكري وتلوم السلطان أبو الحسن بقسنطينة وعرض جيوشه بسطح الجعاب منها ثم ارتحل على أثرهم وأغذ حمو بن يحيى السير مع ناجعة أولاد أبي الليل فلحقوا بعمر صاحب تونس بأرض الحامة من ناحية قابس فدافعوا عن أنفسهم بعض الشيء ثم انهزموا وكبا بعمر جواده في نافقاء بعض اليرابيع وانجلى الغبار عنه وعن مولاه ظافر راجلين فتقبض عليهما وأوثقهما قائد العسكر بيده حتى إذا جن الليل ذبحهما خوفا من أن تفتكهما العرب من يده وبعث برأسيهما إلى السلطان أبي الحسن فوصلا إليه بباجية وخلص الفل من تلك الوقعة إلى قابس فتقبض عبد ا لملك بن مكي صاحبها على رجالات من أهل الدولة كان فيهم أبو القاسم بن عتو من مشيخة الموحدين وصخر بن موسى من رجالات سدويكش وغيرهما من أعيان الدولة فبعث بهم ابن مكي إلى السلطان أبي الحسن ممقرنين في الأصفاد فأما ابن عتو وصخر بن موسى وعلي بن منصور فقطعهم من خلاق لفتيا الفقهاء بجرابتهم واعتقل الباقي وسرح السلطان عساكره إلى تونس وعقد عليهم لصهره على ابنته يحيى بن سليمان من بني عسكر فاحتلوا بتونس ثم جاء السلطان على أثرهم فنزل بظاهرها يوم الأربعاء الثامن من جمادى الآخرة من سنة ثمان وأربعين وسبعمائة وتلقاه وفد تونس وشيوخها من أهل الفتيا وأرباب الشورى فآتوه طاعتهم وانقلبوا مسرورين بولايته مغتبطين بملكته وكانت تونس يومئذ مشحونة بالأعلام الأكابر منهم ابن عبد السلام وابن عرفة وابن عبد الرفيع وابن راشد القفصي وابن هارون وأعلام آخرون ثم عبا السلطان أبو الحسن يوم السبت مواكبه لدخول الحضرة فصف جنوده سماطين من معسكره بسيجوم إلى باب البلد نحو أربعة أميال وركبت بنو مرين من مراكزهم من جموعهم وتحت راياتهم وركب السلطان من فسطاطه وعن يمينه وليه عريف بن يحييى كبير سويد ويليه أبو محمد عبد الله بن تافراجين وعن يساره الأمير أ [ و عبد الله محمد بن أبي زكرياء وهو أخو السلطان أبي بكر ويليه الأمير أبو عبد الله ابن أخيه خالد كانا معتقلين بقسنطينة فأطلقهما السلطان أبو الحسن وصحببوه إلى تونس فكانوا طراز ذلك الموكب فيمن لا يحصى من أعياص بني مرين وكبرائهم وهدرت طبوله وخفقت راياته وكانت يومئذ نحو المائة وجاء السلطان والمواكب تجتمع عليه صفاصفا إلى أن وصل إلى البلد وقد ماجت الأرض بالجيوش قال ابن خلدون وكان يوما لم ير مثله فيما عقلناه قلت كان سن أبن خلدون يومئذ ست عشرة سنة لأنه ولد غرة رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة وكان قدم في جملة السلطان أبي الحسن جماعة كبيرة من أعلام المغرب كان يلزمهم شهود مجلسه ويتجمل بمكانهم نيه ثم دخل القصر الخلافي وخلع على أبي محمد بن تافراجين وقرب إليه فرسا بسرجه ولجامه وطعم الناس بين يديه وانتشروا إلى منازلهم ثم دخل السلطان أبو الحسن مع ابن تافراجين إلى حجر القصر ومساكن الخلفاء فطاف عليها ودخل منها إلى الرياض المتصلة بها المدعوة برأس الطابية فطاف على تلك البساتين وسرح نظره فيها واعتبر بحالها ثم أفضى منها إلى معسكره وأنزل يحيى بن سليمان بقصبة تونس في عسكر لحمايتها ثم ارتحل من الغد إلى القيروان فجال في نواحيها ووقف على اثار الأولين ومصانع الأقدمين والطلول الماثلة لصنهاجة والعبيديين والتمس البركة في زيارة القبور التي نذكر للصحابة والسلف من التابعين والأولياء في ساحتها ثم سار إلى سوسة ثم إلى المهدية ووقف على ساحل البحر منها وتطوف في معالمها ونظر في عاقبة الذين كانوا من قبله أشد قوة وآثارا في الأرض واعتبر باحوالهم ومر في طريقه بقصر الأجم ورباط المنستير وانكفأ راجعا إلى تونس فاحتل بها غرة رمضان من السنة ونزل المسالح على ثغور إفريقية وأقطع بني مرين البلاد والضواحي وأمضى إقطاعات العرب التي كانت لهم من قبل الحفصيين واستعمل على الجهات وخفتت الأصوات وسكنت الدهماء وانقبضت أيدي أهل الفساد وانقرض أمر الحفصيين في هذه المدة إلا أنه عقد على بونة لصهره الفضل ابن السلطان أبي بكر إكراما لصهره ووفادته عليه واتصلت ممالك السلطان أبي الحسن ما بين مسراته إلى السوس الأقصى من هذه العدوة وإلى رندة من عدوة الأندلس ودخل المغرب بأسره في طاعته وحذر ملوك مصر والشام ما شاع من بسطته وانفساخ دولته ونفوذ كلمته والملك لله يؤتيه من يشاء من عبادة والعاقبة للمتقين وقد كان الشعراء رفعوا إليه قصائد في سبيل التهنئة بالفتح وكان سابق الحلبة يومئذ أبو القاسم الرحوي في قصيدة يقول في مطلعها ( أجابك شرق إذ دعوت ومغرب % فمكة هشت للقاء ويشرب ) وهي طويلة تخطيناها اختصارا والله تعالى ولي التوفيق بمنه
انتقاض عرب سليم بإفريقية على السلطان أبي الحسن وما نشأ عن ذلك
قد تقدم لنا عند الكلام على العرب الداخلين إلى المغرب أن جمهورهم كان من بني جشم بن معاوية بن بكر وبني هلال بن عامر بن صعصعه وبني سليم بن منصور وإن الذين بقوا منهم بإفريقية هم بنو سليم وبعض هلال وكان لهم استطالة على الدول واعتزاز عليها فكان ملوك الحفصيين يتألفونهم بالولايات والإقطاعات ونحو ذلك وكان السلطان أبو الحسن المريني حاله مع عرب المغرب الأقصى غير حال الحفصين مع عرب إفريقية وملكته لأهل باديته غير ملكتهم لأهل باديتهم فلما ورد إفريقية واستولى عليها رأي من اعتزاز العرب بها على الدولة وكثرة إقطاعاتهم من الضواحي والأمصار ما تجاوز الحد المعتاد عنده فأنكر ذلك وضرب على أيديهم وعوضهم عنه بأعطيات فرضها لهم في الديوان من جملة الجند واستكثر جبايتهم فنقصهم الكثير منها ثم شكا إليه الرعية من أولئك العرب وما ينالونهم به من الظلامات وضرب الإتاوة التي يسمونها الخفارة فقبض أيديهم عن ذلك كله وتقدم إلى الرعايا بمنعهم منها فارتابت العرب لذلك وفسدت ضمائرهم وثقلت وطأة الدولة المرينية عليهم فتربصوا بها وتحزبوا لها وتعاوت ذئابهم في بواديهم فاجتمعوا وأغاروا على قياطين بني مرين ومسالحهم في ثغور إفريقية حتى أنهم أغاروا على ضواحي تونس فاستاقوا الظهر الذي كان في مرعاها والسلطان يومئذ بها فعظم عليه ذلك وحقد على كبرائهم وأظلم الجو بينه وبينهم ثم وفد عليه أيام الفطر من رجالاتهم خالد بن حمزة أمير بني كعب وأخوه أحمد وخليفة بن عبد الله من بني مسكين وابن عمه خليفة بن أبي زيد أولاد القوس فأنزلهم السلطان أبو الحسن وأجمل لقاءهم مغضبا عما صدر من غوغاتهم ثم رفع إليه عبد الواحد بن اللحياني من أولاد الملوك الحفصيين أنهم بعثوا إليه مع بعض حاشيته يطلبون منه الخروج معهم لينصبوه للأمر بإفريقية وأنه خشي على نفسه بادرة السلطان فتبرأ إليه من ذلك فقامت قيامة السلطان أبي الحسن عند سماعه ذلك فأحضرهم وأحضر الحفصي معهم وقرره بما دار بينه وبينهم فبهتوا وأنكروا فوبخهم وأمر بهم فسحبوا إلى السجن ثم فتح ديوان العطاء وعرض الجند لغزوهم وعسكر بسيجوم من ظاهر تونس وذلك بعد قضاء نسك الفطر من سنة ثمان وأربعين وسبعمائة واتصل الخبر بأولاد أبي الليل وأولاد القوس باعتقال وفدهم وجمع السلطان لغزوهم فضاقت عليهم الأرض بما رحبت وانطلقوا في إحيائهم يحزبون الأحزاب ويستشيرون الثوار وعطفوا على أعدائهم من أولاد مهلهل فوصلوهم بعد القطيعة وكانوا بعد مقتل سلطانهم عمر بن أبي بكر قد لحقوا بالقفر خوفا من أبي الحسن لأنهم كانوا شيعة لعمر المذكور فلما وقع بين أبي الحسن وبين أولاد أبي الليل ما وقع ركب قتيبة بن حمزة إليهم ومعه أمه ونساء أولادها فتطارحوا عليهم ورغبوا إليهم في الإجتماع معهم على الخروج على السلطان ومنابذته فكان أولاد مهلهل إليها مسرعين فارتحلوا معهم وتوافت أحياء سليم من بني كعب وبني حكيم بتوزر من بلاد الجريد فتذامروا وتصافوا وأهدروا الدماء بينهم وتبايعوا على الموت وصاروا نفسا واحدة على تباين أغراضهم وفساد ذات بينهم والتمسوا من أعياص الملك من ينصبونه للأمر فدلهم بعض سماسرة الفتن على رجل من ببني عبد المؤمن وهو أحمد بن عثمان بن أبي دبوس آخر ملوك بني عبد المؤمن وكان يحترف بالخياطة في توزر بعد ما طوحت به الطوائح فانطلقوا إليه وجاؤوا به ونصبوه للأمر وجمعوا له شيئا من الفساطيط والخيل والآلات والكسوة وأقاموا له رسم السلطان وعسكروا عليه بقياطينهم وحللهم وتحالفوا على نصره ولما قضى السلطان أبو الحسن نسك عيد الأضحى من السنة المذكورة ارتحل من ساحة تونس يريد العرب فوافاهم بالموضع المعروف بالتينة بين بسيط تونس وبسيط القيروان فأجفلوا أمامه فأتبعهم وألح عليهم إلى أن وصلوا إلى القيروان فلما رأوا أن لا ملجأ لهم منه عزموا على الثبات له وتحالفوا على الإستماتة وكان عسكر السلطان أبي الحسن يومئذ مشحونا بأعدائه من بني عبد الواد المغلوبين على ملكهم ومغراوة وبني توجين وغيرهم فدسوا إلى العرب أثناء هذه المناوشة بأن يناجزوا السلطان غدا حتى يتميزوا إليهم ويجروا عليه الهزيمة فأجابوهم إلى ذلك وصبحوا معسكر السلطان من الغد فركب إليهم في التعبية ولما تقابلوا تحيز إليهم الكثير ممن كان معه واختل مصافه فانهزم هزيمة شنعاء وبادر إلى القيروان فدخلها فيمن معه من الفل مستجيرا بها ودافع عنه أهلها وتسابقت العرب إلى معسكره فانتهبوه بما فيه من المضارب والعدد والآلات ودخلوا فسطاط السلطان فاستولوا على ذخيرته والكثير من حرمه وأحاطوا بالقيروان وزحفت إليها حللهم فدارت بها سياجا واحدا وتعاوت ذئابهم بأطراف البقاع وأجلب ناعق الفتنة منهم بكل قاع واضطرمت إفريقية نارا وكانت الهزيمة يوم الإثنين سابع محرم من سنة تسع وأربعين وسبعمائة وبلغ الخبر إلى تونس وكان السلطان قد خلف بها عند رحيله الكثير من أبنائه وحرمه ووجوه قومه وأمناء بيت ماله وبعض الحاشية من جنده فتحصنوا بالقصبة وأحاط بهم الغوغاء كي يستنزلوهم عنها فامتنعوا عليهم وكانوا بها أملك منهم وكان الأمير أبو سالم إبراهيم بن السلطان أبي الحسن قد جاء من المغرب في هذا التاريخ فوافاه الخبر قرب القيروان فانفض معسكره ورجع إلى تونس فكان معهم في القصبة ثم نزع أبو محمد بن تافراجين عن السلطان أبي الحسن وكان محصورا معه بالقيروان وكان قد سئم صحبته ومل خدمته لأنه كان أيام حجابته للسلطان الحفصي مستبدا عليه مفوضا إليه في جميع أموره فلما استوزره السلطان أبو الحسن لم يجره على تلك العادة لأنه كان قائما على أموره بنفسه وليس التفويض للوزراء من شأنه وكان ابن تافراجين يظن أنه سيوكل إليه أمر إفريقية وينصب معه لملكها الفضل ابن السلطان أبي بكر شقيق زوجته وربما زعموا أنه عاهده على ذلك فكان في قلبه من الدولة المرينية مرض وكان العرب أيام عزمهم على الخروج يفاوضونه بذات صدورهم فلما حصلوا على البغية من الظهور على السلطان وحصاره بالقيروان احتالوا في أمر ابن تافراجين فبعثوا إلى السلطان يطلبون منه بعثه إليهم ليفاوضوه في الرجوع إلى الطاعة والانخراط في سلك الجماعة فأذن له فخرج إليهم ووصل يده بيدهم ولم يرجع إلى السلطان أبي الحسن فقلدوه حجابة سلطانهم ابن أبي دبوس ثم سرحوه إلى حصار من بالقصبة من بني مرين وطمعوا في الإستيلاء عليها وفض ختامها فسار ابن تافراجين إليها وانضم إليه أشياخ الموحدين في زعانف من الغوغاء وأحاطوا بالقصبة ثم لحق بهم ابن أبي دبوس فعاودوها القتال ونصبوا عليها المجانيق فامتنعت عليهم ولم يغنوا شيئا وابن تافرجين في أثناء ذلك يحاول الفرار بنفسه لاضطراب الأمور واختلال الرسوم إلى أن بلغه خلوص السلطان أبي الحسن من القيروان إلى سوسة وكان من خبره أن العرب بعد حصارهم إياه بالقيروان اختلفت كلمتهم لديه وكان قد دخل أولاد مهلهل في الإفراج عنه واشترط لهم على ذلك أموالا ونذر بنو أبي الليل بذلك فاضربت كلمتهم ودخل عليه قتيبة بن حمزة منهم بمكانه من القيروان زعيما بالطاعة فتقبله وأطلق أخويه خالدا وأحمد ومع ذلك فلم يطمئن إليهم ثم جاء إليه محمد بن طالب من أولاد مهلهل وخليفة بن أبي زيد وأبو الهول بن يعقوب من أولاد القوس وعاهدوه على الإفراج عنه والقيام معه حتى يصل إلى مأمنه فخرج معهم ليلا على التعبية وذؤبان العرب تطأ أذياله وضباعها تنوشه إلى أن استقر بسوسة وأمن على نفسه وقد أتى النهب على جل ما كان معه ولما سمع ابن تافراجين وهو محاصر للقصبة بوصول السلطان إلى سوسة تسلل من أصحابه وركب البحر إلى الإسكندرية فأصبحوا وقد فقدوه فاضطرب أمرهم وارتاب سلطانهم ابن أبي دبوس لما علم بخبره فانفض جمعهم عن القصبة وأفرجوا عنها وخرج بنو مرين فملكوا البلد وخربوا منازل الحاشية بها ثم ركب السلطان أبو الحسن من سوسة البحر فاحتل بتونس في ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبعمائة فاجتمع شمله واستتب أمره وكتب إلى صاحب مصر في التقبض على ابن تافراجين فأجاره بعض الأمراء وانصرف لقضاء فريضة الحج واعتمل السلطان أبو الحسن في إصلاح أسوار تونس وإدارة الخندق عليها وأقام لها من الصيانة والحصانة رسما دفع به في نحر عدوه وبقي له ذكره من بعده ثم أجلب العرب وسلطانهم ابن أبي دبوس على تونس ونازلوا أبا الحسن بها واستبلغوا في حصاره وخلصت ولاية أولاد مهلهل للسلطان فعول عليهم ثم راجع بنو حمزة بصائرهم وصاروا إلى مهادنته فعقد لهم السلم ودخل عليه عمر بن حمزة وافدا فحبسه حتى قبض إخوانه على أميرهم ابن أبي دبوس وقادوه إليه استبلاغا في الطاعة وإمحاضا للولاية فتقبل فئتهم وأودع ابن أبي دبوس السجن وعقد الصهر بينه وبين عمر بن حمزة فزوج ابنه عمر بابنه أبي الفضل واختلفت أحوال هؤلاء العرب على السلطان أبي الحسن في الطاعة تارة والانحراف أخرى مدة إقامته بتونس إلى أن كان ما نذكره والله غالب على أمره
انتقاض الأطراف وثورة أبي عنان ابن السلطان أبي الحسن واستيلاؤه على المغرب
قد تقدم لنا أن السلطان أبا بكر الحفصي رحمه الله لما زوج ابنته من السلطان أبي الحسن بعث معهما في زفافها شقيقها أبا العباس الفضل بن أبي بكر وأن خبر وفاة والده أدركه وهو بالطريق ولما وصل إلى السلطان أبي الحسن عزاه عن مصاب أبيه ووعده بالمظاهرة على ملكه فبقي عنده بتلمسان إلى أن نهض في صحبته إلى إفريقية فلما غلب السلطان أبو الحسن على بجاية وقسنطينة وارتحل إلى تونس عقد له على بونة التي كان يلي عملها أيام أبيه فانقطع أمله وفسد ضميره وطوى على البث حتى إذا كانت نكبة القيروان سما إلى التوثب على ملك سلفه وكان أهل قسنطينة وبجاية قد سئموا ملكة بني مرين وبرموا بولايتهم لمخالفتهم بعض العوائد التي كانت لهم مع الملوك الحفصيين ولأن الصبغة الحفصية كانت قد رسخت في نفوسهم جيلا بعد جيل فصعب عليهم نزعها ( نقل فؤادك حيث شئت من الهوى % ما الحب إلا للحبيب الأول ) ( كم منزل في الأرض يألفه الفتى % وحنينه أبدا لأول منزل ) فأشرأبوا إلى الثورة على المرينيين لما سمعوا بنكبة القيروان واتفق أن قدم قسنطينة ركب من أهل المغرب قاصدين إلى السلطان أبي الحسن وكان فيهم عمال الجباية قدموا بجبايتهم عند راس الحول كما جرت به عادتهم في ذلك ومعهم ابن صغير للسلطان اسمه عبد الله وفيهم وفد من رؤساء الفرنج بعثهم طاغيتهم بقصد التهنئة بفتح إفريقية ومعهم تاشفين ابن السلطان الذي أسر يوم طريف أطلقه الطاغية بعد أن أصابه خبال في عقله وأرسل معه بهدية نفيسة وفيهم وفد من أهل مالي بعثهم السلطان منسا سليمان بقصد التهنئة أيضا فتوافت هؤلاء الوفود بقسنطينة وقد طم عباب الفتنة على إفريقية فأراد غوغاؤها وانتهاب ما معهم ثم تخلصوا منهم في خبر طويل وفي أثناء ذلك ثار الفضل بن السلطان أبي بكر صاحب بونة فراسله أهل قسنطينة في القدوم عليهم والقيام بأمرهم فقدمها وجرت خطوب واتصل بأهل بجاية ما فعله أهل قسنطينة فتبعوهم على رأيهم من الانتقاض ووثبوا على من كان عندهم من حامية بني مرين فاستلبوهم وأخرجوهم عراة واستدعوا الفضل بن أبي بكر من قسنطينة فبادر إليهم واستولى على بجاية واستتب أمره بها وأعاد ألقاب الخلافة وبينما هو يحدث نفسه بغزو تونس ثار عليه أبناء أخيه أبي عبد الله بن أبي بكر فانتزعوا منه بجاية وردوه إلى عمله الأول وانتقض على السلطان أبي الحسن أيضا سائر زناتة من بني عبد الواد ومغراوة وبني توجين وبايع بنو عبد الواد لعثمان بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيان وساروا إلى تلمسان فاستجدوا بها ملك سلفهم في أخبار طويلة وجرت هذه الخطوب والسلطان أبو الحسن مقيم بتونس تغاديه العرب بالقتال وترواحه وتعوج عليه تارة وتستقيم أخرى وطال مقامه بها وعميت أنباؤه على أهل المغرب وحدث في الخلق الوباء العظيم الذي عم المشرق والمغرب فأرجف بموته واضطربت الأحوال بالمغارب الثلاثة الأدنى والأوسط والأقصى واتصل ذلك بالأمير أبي عنان وهو يومئذ بتلمسان كان أبوه قد ولاه عليها عند ذهابه إلى إفريقية حسبما مر فلما أرجف بمهلك أبيه وتساقط إليه الفل من عسكره عراة زرافات ووحدانا تطاول إلى الاستئثار بملك أبيه دون سائر إخوته وكان مرشحا عنده لذلك لمزيد فضله عليه في غير وصف واتفق أن كان عنده رجل من بني عبد الواد اسمه عثمان بن يحيى بن محمد بن جرار وكان ينسب إلى علم الحدثان ولما سافر السلطان إلى إفريقية كان هذا الرجل أول المرجفين به وأنه لا يرجع من سفرته وأن الأمر صائر إلى أبي عنان ونجع ذلك في أبي عنان لموافقته هواه فاشتمل على ابن جرار وخلطه بنفسه فلما ورد الخبر بنكبة السلطان وانحصاره أولا بالقيروان ثم بتونس لم يستزب أبو عنان في صدق ابن جرار وأنه على بصيرة من أمره فتحفز للوثبة وصمم على الثورة ثم أكد عزمه على ذلك ما اتصل به من خبر ابن أخيه منصور بن أبي مالك عبد الواحد بن أبي الحسن بفاس الجديد وأنه ثار بها وفتح ديوان العطاء واستلحق واستركب ورام التغلب على المغرب واحتياز الأمر لنفسه دون غيره وروى في ذلك بأنه إنما عزم على الذهاب إلى إفريقية لاستنفاذ السلطان من هوة الحصار يسر من ذلك حسوا في ارتغاء وتفطن لشأنه الحسن بن سليمان بن يزريكن عامل القصبة بفاس وصاحب الشرطة بالضواحي فاستأذنه في اللحاق بالسلطان فأذن له راحة منه فلحق بأبي عنان على حين أمضى عزيمته على التوثب فأخرج ما كان بقصر السلطان بالمنصورة من المال والذخيرة وجاهر بالدعاء لنفسه وجلس للبيعة بمجلس السلطان من قصره في ربيع الثاني من سنة تسع وأربعين وسبعمائة فبايعه الملأ وقرأ كتاب بيعتهم على الأشهاد ثم بايعه العامة وانفض المجلس وقد استتب سلطانه ورست قواعد ملكه وركب في التعبية والآلة حتى نزل بقبة الملعب وطعم الناس وانتشروا وعقد على وزارته للحسن بن سليمان بن يرزيكن القادم عليه ثم لفارس بن ميمون بن وردار وجعله رديفا له ورفع مكان ابن جرار عليهم كلهم واختص لمناجاته كاتبه أبا عبد الله محمد بن محمد بن أبي عمرو ثم فتح الديوان وجعل يستركب كل من تساقط إليه من قبل أبيه ويخلع عليهم وارتحل إلى المغرب وعقد على تلمسان لابن جرار وأنزله بالقصر القديم منها فاستمر بها واستبد إلى أن قدم عليه بنو عبد الواد مجتمعين على سلطانهم عثمان بن عبد الرحمن فقتلوه غرقا في خبر طويل ولما انتهى الأمير أبو عنان إلى وادي الزيتون وشى إليه بالوزير الحسن بن سليمان وأنه عازم على الفتك به بتازا تقربا إلى السلطان أبي الحسن ووفاء بطاعته وأنه قد داخل في ذلك حافده منصور بن أبي مالك الثائر بفاس وأطلعه هذا الواشي على كتاب الوزير في ذلك فلما قرأه تقبض عليه ثم قتله خنقا في مساء ذلك اليوم وأغذ السير إلى المغرب وانتهى الخبر إلى منصور صاحب فاس فزحف للقائه والتقى الجمعان بوادي أبي الأجراف من ناحية تازا فاختل مصاف منصور وانهزمت جموعه ولحق بفاس الجديد فتحصن بها وتبعه أبو عنان فأناخ عليه خارجها وقد تسايل الناس على طبقاتهم إليه وآتوه طاعتهم وكان قد سلك مع الرعية والجند من البذل والاستيلاف طريقا لم يسبق إليه وكانت منازلته لفاس الجديد في ربيع الآخر من السنة المذكورة فأخذ بمخنقها وأجمع الأيدي والفعلة على الآلات لحصارها ثم أرسل إلى مكناسة بإطلاق أولاد أبي العلاء المعتقلين بالقصبة منها فأطلقوا ولحقوا به وحاصروا معه فاس الجديد وضيقوا عليها إلى أن ضاقت أحوال أهلها واختلفت أهواؤهم ونزع إلى أبي عنان أهل الشوكة منهم ثم إن إدريس بن عثمان بن أبي العلاء احتال في فتح البلد بأن أظهر النزوع عن أبي عنان إلى منصور المحصور فدخل البلد وتمكن منه وثار به فيمن معه من حاشيته واقتحمه الأمير أبو عنان عليهم ونزل منصور على حكمه فاعتقله إلى أن قتله بمحبسه واستولى على ذلك الملك وتسابقت إليه وفود الأمصار للتهنئة بالبيعة وتمسك أهل سبتة بطاعة السلطان أبي الحسن ثم رجعوا عن ذلك وثاروا على عاملهم عبد الله بن علي بن سعيد من طبقة الوزراء فقبضوا عليه وقادوه إلى أبي عنان مبايعين له متقربين به إليه وتولى كبر ذلك فيهم زعيمهم الشريف أبا العباس أحمد بن محمد بن رافع الصقلي من آل الحسين السبط رضي الله عنه كان سلفه قد انتقلوا من صقلية ( ) إلى سبتة فاستوطنوها ثم استوطنوا بعدها حضرة فاس واستوسق للأمير أبي عنان ملك المغرب واجتمع إليه قومه من بني مرين إلا من أقام مع أبيه بتونس وفاء بحقه وحص جناح أبيه عن الكرة على بني كعب الناكثين لعهده الناكبين عن طاعته فأقام السلطان أبو الحسن رحمه الله بتونس يرجو الأيام ويأمل الكرة والأطراف تنتقض والخوارج تتجدد وقنط من كان معه من حاشيته وسئموا المقام بأرض ليست لهم بدار مقام فحسنوا له النهوض إلى المغرب فأسعفهم وعزم على الرحلة كما نذكره إن شاء الله وفي هذه المدة كتب إليه السلطان أبو الحجاج يوسف بن الأحمر كتابا من إنشاء وزيره لسان الدين ابن الخطيب يسائله عن أحواله ويعزيه عن مصابه ويتأسف له ونص الكتاب المقام الذي أقمار أسعده في انتظام واتساق وجياد عزه إلى الغاية القصوى ذات استباق والقلوب على حبه ذات اتفاق وعناية الله تعالى عليه مديدة الرواق وأياديه الجمة في الأعناق ألزم من الأطواق وأحاديث مجده سمر النوادي وحديث الرفاق مقام محل أبينا الذي شأن قلوبنا الاهتمام بشأنه وأعظم مطلوبنا من الله تعالى سعادة سلطانه السلطان الكذا ابن السلطان الكذا إبن السلطان الكذا أبقاه الله تعالى والصنائع الإلهية تحط ببابه والألطاف الخفية تعرس في جنابه والنصر العزيز يحف بركابه وأسباب التوفيق متصلة بأسبابه والقلوب الشجية لفراقه مسرورة باقترابه معظم سلطانه الذي له الحقوق المحتومة والفواضل المشهورة المعلومة والمكارم المسطورة المرسومة والمفاخر المنسوقة المنظومة الداعي إلى الله تعالى في وقاية ذاته المعصومة وحفظها على هذه الأمة المرحومة الأمير عبد الله يوسف بن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر سلام كريم طيب عميم كما سطعت في غياهب الشدة أنوار الفرج وهبت نواسم ألطاف الله عاطة الأرج يخص مقامكم الأعلى ورحمة الله وبركاته أما بعد حمد اله جالي الظلم بعد اعتكارها ومقيل الأيام من عثارها ومزين سماء الملك بشموسها المحتجبة وأقمارها ومريح القلوب من وحشة أفكارها ومنشئ سحاب الرحمة على هذه الأمة بعد افتقارها وشدة اضطرابها ومتداكها باللطف الكفيل بتمهيد أوطانها وتيسير أوطارها والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله صفوة النبوة ومختارها ولباب مجدها السامي ونجارها نبي الملاحم وخائض تيارها ومذهب رسوم الفتن ومطفئ نارها الذي لم ترعه الشدائد باضطراب بحارها حتى بلغت كلمة الله ما شاءت من سطوع أنوارها ووضوح أثارها والرضا عن آله وأصحابه الذين تمسكوا بعهده على إجلاء الحوادث وإمرارها وباعوا نفوسهم في إعلاء دعوته الحنيفية وإظهارها والدعاء لمقامكم الأعلى باتصال السعادة واستمرارها وانسحاب العناية الإلهية وإسدال أستارها حتى تقف الأيام بباكم موقف اعتذارها وتعرض على مثابتكم ذنوبها راغبة في اغتفارها فإنا كتبناه إليكم كتب الله تعالى لكم أوفى ما كتب لصالحي الملوك من مواهب السعادة وعرفكم عوارف الآلاء في إصدار أمركم الرفيع وإيراده وأجرى الفلك الدوار بحكم مراده وجعل لكم العاقبة الحسنى كما وعد به في محكم كتابه المبين للصالحين من عباده من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى وليس بفضل الله الذي عليه في الشدائد الاعتماد وإلى كنف فضله الاستناد ثم ببركة جاه نبينا الذي وضح بهدايته سبيل الرشاد إلا الصنائع التي تشام بوراق اللطف من خلالها وتخبر سيماها بطلوع السعود واستقبالها وتدل مخايل يمنها على حسن مآلها لله الحمد على نعمه التي نرغب في كمالها ونستدر عذب زلالها وعندنا من الاستبشار باتساق أمركم وانتظامه والسرور بسعادة أيامه والدعاء إلى الله تعالى في إظهاره وإتمامه ما لا تفي العبارة بأحكامه ولا تتعاطى حصر أحكامه وإلى هذا أيد الله تعالى أمركم وعلاه وصان سلطانكم وتولاه فقد علم الحاضر والغائب وخلص الخلوص الذي لا تغيره الشوائب ما عندنا من الحب الذي وضحت منه المذاهب وإنه لما اتصل بنا ما جرت به الأحكام من الأمور التي صحبت مقامكم فيها العناية من الله والعصمة وجعل على العباد والبلاد الوقاية والنعمة لا يستقر بقلوبنا القرار ولا تتأتى بأوطاننا الأوطار تشوفا لما تتيحه لكم الأقدار ويبرزه من سعادتكم الليل والنهار ورجاؤنا في استئناف سعادتكم يشتد على الأوقات ويقوي علما بأن العاقبة للتقوى وفي هذه الأيام عميت الأنباء وتكالبت في البر والبحر الأعداء واختلفت الفصول والأهواء وعاقت الوارد الأنواء وعلى ذلك من فضل الله الرجاء ولو كنا نجد للاتصال بكم سببا أو نلقي لإعانتكم مذهبا لما شغلنا البعد الذي بيننا اعترض والعدو بساحتنا في هذه الأيام ربض وكان خديمكم الذي رفع من الوفاء راية خافقة واقتنى منه في سوق الكساد بضاعة نافقة الشيخ الأجل الأوفى الأود الأخلص الأصفى على أبو محمد بن آجانا سنى الله مأموله وبلغه من سعادة أمركم سؤله وقد ورد على بابنا وتحيز إلى اللحاق بجانبنا ليتيسر له من جهتنا القدوم ويتأتى له بإعانتنا الغرض المروم فبينما نحن ننظر في تتميم غرضه وإعانته على الوفاء الذي قام بمفترضه إذا اتصل بنا خبر قرقورتين من الأجفان التي استعنتم بها على الحركة والعزمة المقترنة بالبركة حطت إحداهما بمرسى المنكب والأخرى بمرسى المرية في كنف العناية الإلهية فتلقينا من الواصلين فيها الأنباء المحققة بعد التباسها والأخبار التي يغني نصها عن قياسها وتعرفنا ما كان من عزمكم على السفر وحركتكم المقرونة باليمن والظفر وإنكم استخرتم الله تعالى في اللحاق بالأوطان التي يؤمن قدومكم خائفها ويؤلف طوائفها ويسكن راجفها ويصلح أحوالها ويذهب أهوالها وإنكم سبقتم حركتها بعشرة أيام مستظهرين بالعزم المبرور والسعد الموفور واليمن الرائق السفور والأسطول المنصور فلا تسألوا عن انبعاث الآمال بعد سكونها ونهوض طيور الرجاء من وكونها واستبشار الأمة المحمدية منكم بقرة عيونها وتحقق ظنونها وارتياح البلاد إلى دعوتكم التي ألبستها ملابس العدل والإحسان وقلدتها قلائد السير الحسان وما منها إلا من باح بما يخفيه من وجده وجهر بشكر الله تعالى وحمده وابتهل إليه في تيسير غرض مقامكم الشهير وتتميم قصده واستئناس نور سعده وكم مطل الانتظار بديون آمالها والمطاولة من اعتلالها وأما نحن فلا تسألوا عمن استشعر دنو حبيبه بعد طول مغيبه إنما هو صدر راجعه فؤاده وطرف ألفه رقاده وفكر ساعده مراده فلما بلغنا هذا الخبر بادرنا إلى إنجاز ما بذلنا لخديمكم المذكور من الوعد واغتنمنا ميقات هذا السعد ليصل سببه بأسبابكم ويسرع لحاقه بجنابكم فعنده خدم نرجو أن ييسر الله تعالى بحوله أسبابها ويفتح بنيتكم الصالحة أبوابها وقد شاهد من امتعاضنا لذلك المقام الذي ندين له بالتشيع الكريم الوداد ونصل له على بعد المزار ونزوح الأقطار سبب الاعتداد ما يغني عن القلم والمداد وقد القينا إليه من ذلك كله ما يلقيه إلى مقامكم الرفيع العماد وكتبنا إلى من بالسواحل من ولاتنا نحد لهم ما يكون عليه عملهم في بر من يرد عليهم من جهة أبوتكم الكرمية ذات الحقوق العظيمة والأيادي الحديثة والقديمة وهم يعملون في ذلك بحسب المراد وعلى شاكلة جميل الإعتقاد ويعلم الله تعالى أننا لو لم تعق العوائق الكبيرة والموانع الكثيرة والأعداء الذين غصت بهم في الوقت هذه الجزيرة ما قدمنا عملا على اللحاق لكم والاتصال بسببكم حتى نوفي لأبوتكم الكريمة حقها ونوضح من المسرة طرقها لكن الأعذار واضحة وضوح المثل السائر وإلى الله تعالى نبتهل في أن يوضح لكم من التيسير طريقا ويجعل لكم السعد مصباحا ورفيقا ولا يعدمكم عناية منه وتوفيقا ويتم سرورنا عن قريب بتعريف أنبائكم السارة وسعودكم الدارة فذلك منه سبحانه غاية آمالنا وفيه أعمال ضراعتنا وابتهالنا هذا ما عندنا بادرنا لإعلامكم به أسرع البدار والله تعالى يوفد علينا أكرم الأخبار بسعادة ملككم السامي المقدار وييسر ما له من الأوطار ويصل سعدكم ويحرس مجدكم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته اه
ركوب السلطان أبي الحسن البحر من تونس إلى المغرب وما جرى عليه من المحن في ذلك
كان الأمير أبو العباس الفضل أبو السلطان أبي بكر الحفصي بعد أن لحق بعمله القديم من بونة قد وفد عليه مشيخة العرب من اولاد أبي الليل وأغروه بملك إفريقية والنهوض إلى تونس ومحاصرة السلطان أبي الحسن بها فأجابهم إلى ذلك ونهض إليها بعد عيد الفطر سنة تسع وأربعين وسبعمائة فحاصرها مدة ثم انفض عنها ثم عاود حصارها ثم انفض عنها ودخل الفقر مع أولاد أبي الليل إلى أن بايعه أهل بلاد الجريد بإشارة أبي القاسم بن عتو المقطوع ودخل في طاعته توزر وقفصة ونفطة والحامة وقابس وجربة وانتهى الخبر إلى السلطان أبي الحسن باستيلاء الفضل على هذه الأمصار واستفحال أمره بها وأنه ناهض إلى تونس فأهمه شأنه وخشي على الأمر وكانت بطانته توسوس إليه بالرحلة إلى المغرب لاسترجاع نعمتهم باسترجاع ملكه مع ما أصابهم بتونس من الغلاء والموت الذريع فاجابهم إلى ذلك وشحن أساطيله بالأقوات وأزاح علل المسافرين ولما قضى نسك عيد الفطر من سنة خمسين وسبعمائة ركب البحر في فصل الشتاء وهيجان البحر وكلب البرد بعد أن عقد لابنه أبي الفضل على تونس ثقة بما بينه وبين عمر بن حمزة من المصاهرة وتفاديا بمكانه من معرة الغوغاء وثورتهم به وكانت مدة محاصرة السلطان أبي الحسن بتونس سنة ونصفا واتصل خبر رحيله بالفضل بن أبي بكر وهو ببلاد الجريد فأغذ السير إلى تونس ونزل بها على أبي الفضل المريني ومن كان معه من حاشيته وأهل دولته ثم اقتحمها واتصلت يده بيد أهد البلد ثم أحاطوا بالقصبة يوم منى حتى استنزلوا أبا الفضل على الأمان فخرج إلى دار أصهاره من بني حمزة فبقي عندهم حتى أنفذوا معه من أوصله إلى أبيه فلحق به بثغر الجزائر وأما السلطان أبو الحسن وجيشه الراكب البحر معه فإنهم لما لججوا احتاجوا إلى الماء فدخلوا مرسى بجاية لخمس ليال من إقلاعهم عن تونس فمنعهم صاحب بجاية الحفصي من الورود وأوعز إلى سائر سواحله بمنعهم فزحفوا إلى الساحل وقاتلوا من صدهم عن الماء إلى أن غلبوهم واستقوا وأقلعوا ثم عصفت بهم الريح في تلك الليلة وجاءهم الموج من كل مكان وتكسرت الأجفان وغرق الكثير من بطانة السلطان وعامة الناس وقذف الموج بالسلطان فألقاه على حجر قرب الساحل من بلاد زواوة عاري الجسد مباشرا للموت وقد هلك من كان معه من الفقهاء والعلماء والكتاب والأشراف والخاصة وهو يشاهد مصارعهم واختطاف الموج لهم من فوق الصخور التي تعلقوا بها فمكثوا ليلتهم على ذلك وصبحهم جفن من بقيه الأساطيل كان قد سلم من ذلك العاصف فبادر أهل الجفن إليه حين رأوه فاحتملوه وقد تصايح به البربر من الجبال وتواثبوا إليه حين وضح النهار وأبصروه فتداركه الله بهذا الجفن فاحتملوه وقذفوا به في مدينة الجزائر وفي نفح الطيب أن أساطيل السلطان أبي الحسن كانت نحو الستمائة فغرقت كلها ونجا هو على لوح وهلك من كان معه من أعلام المغرب وهم نحو أربعمائة عالم منهم أبو عبد الله محمد بن سليمان السطي شارح الحوفي وأبو عبد الله محمد بن الصباغ المكناسي الذي أملى في مجلس درسه بمكناسة على حديث يا أبا عمير ما فعل النغير أربعمائة فائدة والأستاذ الزواوي أبو العباس وغير واحد وكان غرق الأسطول على ساحل تدلس وذكر الشيخ أبو عبد الله الأبي في شرح مسلم كلامه على أحاديث العين ما معناه أن رجلا كان بتلك الديار معروفا بإصابة العين فسأل منه بعض الموتورين للسلطان أبي الحسن أن يصيب أساطيله بالعين وكانت كثيرة نحو الستمائة فنظر إليها الرجل العائن فكان غرقها بقدرة الله الذي يفعل ما يشاء ونجى السلطان بنفسه وجرت عليه محن اه ولما احتل بالجزائر وقد تمسك أهلها بطاعته استنشق ريح الحياة ولأم الصدع وأقام الرسم وخلع على من وصل إليه من قل الأساطيل واستلحق واستركب ولحق به ابنه الناصر من بسكرة والتف عليه بعض العرب من أحواز الجزائر ووفد عليه أولياؤه من عرب سويد فنهض إلى جهة تلمسان وقد استولى عليها بنو زيان وسلطانهم عثمان بن عبد الرحمن فبرز إليه أبو ثابت أخو عثمان المذكور ولما التقى الجمعان اختل مصاف السلطان أبي الحسن واستبيح معسكره وانتبهت فساطيطه وقتل ابنه الناصر وظهر يومئذ من بسالته وصدق دفاعه وشدة حملاته حتى أنه أركب ظعائنه وخلص محاميا عنها واحتمل ولده جريحا فتوفي بالطريق فواراه في التراب وأخفى قبره ثم خلص إلى الصحراء مع وليه ونزمار بن عريف بن يحيى السويدي ولحق بحلل قومه قبلة جبل وانشريس وأجمع أمره على قصد المغرب موطن قومه ومنبت عزه ودار ملكه فارتحل معه وليه ونزمار بالناجعة من قومه وخرجوا إلى جبل راشد ثم قطعوا المفاوز إلى سجلماسة في القفر فلما أطلوا عليها وعاين أهلها السلطان تهافتوا عليه تهافت الفراش على ضوء السراج حتى خرج إليه العذارى من ستورهن ميلا إليه ورغبة في ولايته وفر العامل بسجلماسة إلى منجاته وكان الأمير أبو عنان لما بلغه الخبر بقصد أبيه سجلماسة نهض إليه في قومه وجموعه بعد أن أزاح عللهم وأفاض عطاءه فيهم وكانت بنو مرين نافرة عن السلطان أبي الحسن حاذرة من عقوبته لجنايتهم بالتخاذل في المواقف والفرار عنه في الشدائد ولما كان يبعد بهم في الأسفار ويتجشم بهم المهالك والأخطار فكانوا لذلك مجمعين على منابذته ومخلصين في طاعة ابنه ولما اتصل خبر قدومهم بالسلطان أبي الحسن علم من حاله أنه لا يطيق دفاعهم وكان ونزمار قد أجفل عنه في قومه سويد لأن أباه عريف بن يحيى كان قد نزع إلى أبي عنان قبل قدوم السلطان من تونس فأكرم محله ورفع منزلته فكتب إلى ابنه ونزمار ينهاه عن ولاية السلطان أبي الحسن ومظاهرته له وأقسم له لئن لم يفارق السلطان ليوقعن بابنه عنتر وكان معه في جملة الأمير أبي عنان فآثر ونزمار رضا أبيه وعلم أن غناءه عن السلطان في وطن المغرب قليل فأجفل عنه ولحق بسكرة فكان بها إلى أن رجع إلى أبي عنان بعد هذا ولما قرب أبو عنان من سجلماسة أجفل السلطان عنها إلى ناحية مراكش ودخل أبو عنان سجلماسة فثقف أطرافها وسد فروجها وعقد عليها ليحتاتن بن عمر بن عبد المؤمن كبير بني ونكاسن وبلغه أن أباه قد سار إلى مراكش فاعتزم على اتباعه إليها فلم تطاوعه بنو مرين فرجع بهم إلى فاس إلى أن كان ما نذكره
استيلاء السلطان أبي الحسن على مراكش ثم انهزامه عنها إلى هنتاته أهل جبل درن ووفاته هناك
لما أجفل السلطان أبو الحسن عن سجلماسة سنة إحدى وخمسين وسبعمائة قصد مراكش وركب إليها الأوعار من جبال المصامدة ولما شارفها تسارع إليه أهل جهاتها بالطاعة من كل أوب ونسلوا إليه من كل حدب وفر عامل مراكش إلى أبي عنان ونزع إلى السلطان أبي الحسن صاحب ديوان الجباية أبو المجد بن محمد بن أبي مدين بما كان في الخزانة من مال الجباية فاختصه واستكتبه وجعل إليه علامته واستركب واستلحق وجبى الأموال وبث العطاء ودخل في طاعته قبائل العرب من جشم وسائر المصامدة وثاب له بمراكش ملك رجى معه أن يستولي على سلطانه ويرتجع فارط أمره وكان أبو عنان لما رجع إلى فاس عسكر بساحتها وشرع في العطاء وإزاحة العلل ثم ارتحل في جموع بني مرين إلى مراكش وبرز السلطان أبو الحسن للقائه وانتهى كل واحد من الفريقين إلى وادي أم الربيع وتربص كل واحد بصاحبه عبور الوادي فعبره أبو الحسن وكان اللقاء بتامد غوست في آخر صفر من سنة إحدى وخمسين وسبعمائة فاختل مصاف السلطان وانهزم عسكره ولحق به أبطال بني مرين ثم راجعوا عنه حياء وهيبة وكبى به فرسه يومئذ في مفره فسقط إلى الأرض والفرسان تحوم حوله فاعترضهم دونه أبو دينار سليمان بن علي بن أحمد أمير الذواودة من عرب رياح ورديف أخيه يعقوب كان هاجر مع السلطان من الجزائر ولم يزل في جملته إلى هذا اليوم فدافع عنه حتى ركب وسار من ورائه ردا له وأسر حاجبه علال بن محمد فأودعه أبو عنان السجن ثم امتن عليه بعد وفاة أبيه وخلص السلطان أبو الحسن رحمه الله إلى جبل هنتانة من جبال درن ومعه كبيرهم عبد العزيز بن محمد بن علي الهنتاني فنزل عليه وأجاره واجتمع إليه الملأ من قومه هنتانة ومن انضاف إليهم من المصامدة وتآمروا وتعاهدوا على المدافعة عنه وبايعوه على الموت وجاء أبو عنان على أثره حتى احتل بمراكش وأنزل عساكره على جبل هنتانة ورتب المسالح لحصاره وحربه وطال عليه ثواؤه حتى طلب السلطان من ابنه الإبقاء عليه وأن يبعث إليه حاجبه أبا عبد الله محمد بن محمد بن أبي عمر فحضر عنده وأحسن العذر عن الأمير أبي عنان والتمس له الرضا منه فرضي عنه وكتب له بولاية عهده وأوعز إليه بأن يبعث له مالا وكسى فسرح الحاجب ابن أبي عمر بإخراجها من المودع بدار ملكهم واعتل السلطان خلال ذلك فمرضه أولياؤه وخاصته وافتصد لإخراج الدم ثم باشر الماء للطهارة فورم محل الفصادة ومات رحمه الله في الثالث والعشرين من ربيع الثاني سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة هكذا عند ابن خلدون وابن الخطيب وغيرهما والذي رأيته مكتوبا بالنقش على رخامة قبره بشالة أن وفاته كانت ليلة الثلاثاء السابع والعشرين من ربيع الأول من السنة المذكورة وبعث أولياء السلطان بالخبر إلى ابنه وهو بمعسكره من ساحة مراكش ورفعوه على أعواد نعشه إليه فتلقاه حافيا حاسرا وقبل أعواده وبكى واسترجع ورضني عن أوليائه وخاصته وأنزلهم بالمحل الذي رضوه من دولته ثم دفن أباه بمراكش قبلي جامع المنصور من القصبة بالموضع الذي به اليوم قبور الملوك الأشراف السعديين ثم لما نهض أبو عنان إلى فاس احتمل شلو أبيه معه حتى دفنه بشالة مقبرة سلفهم ولا زال ضريحه قائم العين والأثر إلى الآن رحمه الله تعالى
بقية أخبار السلطان أبي الحسن وسيرته
كان السلطان أبو الحسن رحمه الله أسمر طويل القامة عظيم الهيكل معتدل اللحية حسن الوجه وكان عفا مائلا إلى التقوى مولعا بالطيب لم يشرب الخمر قط لا في صغره ولا في كبره محبا للصالحين عدلا في رعيته يحب الفخر ويعنى به وقال بعض المشارقة في حقه ما صورته ملك أضاء المغرب بأنوار هلاله وجرت إلى المشرق أنواء نواله وطابت نسماته واشتهرت عزماته كان حسن الكتابة كثير الإنابة ذا بلاغة وبراعة وشهامة وشجاعة اه وبنى رحمه الله عدة مدارس منها المدرسة العظمى بمراكش قبلي جامع ابن يوسف قال العلامة اليفرني في النزهة إن الذي بناها هو السلطان أبو الحسن المذكور قلت ومن وقف على هذه المدرسة وتأمل تنجيدها وتنميقها قدر هذا السلطان وعلم عظم أهميته ومحبته للعلم وأهله ومنها المدرسة العظمى بطالعه سلا قبلي المسجد الأعظم منها بناها رحمه الله على هيئة بديعة وصنعة رفيعة وأودع جوانبها من أنواع النقش وضروب التخريم ما يحير البصر ويدهش الفكر ووقف عليها عدة أوقاف رصع أسماءها بالنقش والأصباغ على رخامة عظيمة ثم نصب الرخامة بالحائط الجوفي منها كل ذلك محافظة على تلك الأوقاف أن تغير وأما المسجد الأعظم ومدرسته الجوفية فهما من بناء يعقوب المنصور الموحدي حسبما تقدم ذلك في أخباره وعندي أن السور المحمول عليه الماء الداخل إلى سلا المعروف عندهم بسور الأقواس من بناء السلطان أبي الحسن رحمه الله ولي في ذلك مستند غريب وهو أني كنت ذات يوم أفاوض بعض القناقنة بسلا ممن كان يباشر أمر المياه بها ويصلح ما احتاج إلى الإصلاح منها فقلت كالمستفهم لنفسي من غير قصد توجيه الخطاب إليه يا ترى من الذي بنى سور الماء الداخل إلى البلد فقال على البديهة الذي بنى المدرسة هو الذي بنى سور الماء فقلت له وكنت متشوفا يومئذ لتحقيق ذلك وما علمك بهذا فقال إن بيلة المدرسة بنيت يوم بنيت المدرسة بدليل الزليج المرصوف حولها بالعمل الكبير الموجود نظيره في سائر حيطان المدرسة وسواريها وهذه البيلة لم تتغير عن حالها إلى أن باشرت إصلاحها في هذه الأيام فحفرت عن قنواتها وتتبعت مادة الماء الواصل إليها فإذا عمل تلك القوادس وصنعة بنائها حتى الكلس المفرغ عليها الجامع بينها مماثل لعمل قنوات مبنية بالسور المذكور داخلة فيه بحيث بنى عليها يوم تأسيسه من غير فوق بين هذه وتلك في جميع عملهما وليس بشيء من القنوات الحادثة بعدهما يشبههما فعلمت أن الذي بناهما واحد فأعجبني كلامه وباحثته في ذلك فصمم على معتقده وحاولت تشكيكه بكل وجه فلم يتشكك فظهر لي صدق دليله وغلب على ظني ما جزم به وعند الله علم حقيقة الأمر واعلم أن هذا السور من المباني العادية والهياكل العظيمة التي تدل على فخامة الدولة وكمال قوتها مثل ما يقال عن حنايا قرطاجنة ونحوها وهذا السور مسوق من عيون البركة خارج مدينة سلا على أميال كثيرة ممتدا من القبلة إلى الجوف على أضخم بناء وأحكمه موزون سطحه بالميزان الهندسي ليأتي جريان الماء فوقه على استواء ولذلك ينخفض إلى الأرض متى ارتفعت ويعلو عنها إذا انخفضت ويجري على متنه من الماء مقدار النهر الصغير في ساقيه قد اتخذت له ولما شارف البلد عظم ارتفاعه جدا لأجل انخفاض الأرض عنه وكلما مر في سيره بطريق مسلوك فتحت له فيه أقواس فسمي لذلك سور الأقواس وبالجملة فهو شاهد لبانية بضخامة الدولة وعظم الهمة وللسلطان أبي الحسن رحمه الله بفاس ومكناسة وغيرهما من بلاد المغرب آثار كثيرة فمن آثاره بفاس بيلة الرخام الأبيض المجلوبة من المرية زنتها مائة قنطار وثلاثة وأربعون قنطارا سيقت من المرية إلى موسى العرائش ثم طلعت في وادي قصر كتامة ثم حملت على عجل الخشب تجرها القبائل إلى منزل أولاد محبوب الذين على ضفة وادي سبو فوسقت فيه إلى أن وصلت إلى ملتقاه مع وادي فاس ثم حملت على عجل الخشب أيضا يجرها الناس إلى أن وصلت إلى مدرسة الصهريج التي بعدوة الأندلس ثم نقلت منها بعد ذلك بأعوام إلى مدرسة الرخام التي أمر رحمه الله ببنائها جوف جامع القرويين المعروفة اليوم بمدرسة مصباح ومصباح هذا هو أبو الضياء مصباح بن عبد الله الياصلوتي الفقيه المشهور وإنما نسبت إليه لأن السلطان أبا الحسن لما بناها كان أبو الضياء أول من تصدى للدرس بها فنسبت إليه وقد تقدم لنا خبر المدرسة التي بناها غربي جامع الأندلس أيام أبيه وأنفق عليها أكثر من مائة ألف دينار ومن آثاره بمكناسة الزيتون الزاويتان القدمى والجديدة وكان بنى القدمى في زمان أبيه والجديدة حين ولي الخلافة وله في هذه المدينة عدة آثار سوى الزاويتين من القناطر والسقايات وغيرها ومن أجل ذلك المدرسة الجديدة بها وكان قدم للنظر على بنائها قاضيه على المدينة المذكورة ولما تم بناؤها جاء إليها من فاس ليقف عليها ويرى عملها وصنعتها فقعد على كرسي من كراسي الوضوء حول صهريجها وجيء بالرسوم المتضمنة للتنفيذات اللازمة فيها فغرقها من الصهريج قبل أن يطالع ما فيها وأنشد ( لا بأس بالغالي إذا قيل حسن % ليس لما قرت به العين ثمن ) وكان له معرفة بالشعر فمن شعره قوله ( أرضي الله في سر وجهر % وأحمي العرض عن دنس ارتياب ) ( وأعطي الوفر من مالي اختيارا % وأضرب بالسيف طلي الرقاب ) وأخباره كثيرة ومن أراد الوقوف على تفاصيلها فعليه بكتاب الخطيب بن مرزوق الذي ألفه في دولته وسيرته وسماه المسند الصحيح الحسن من أحاديث السلطان أبي الحسن ولما ذكر الوزير ابن الخطيب في كتابه رقم الحلل هذا السلطان وصفه بقوله ( الملك المعدود من خير سلف % ومجموع القول إذا القول اختلف ) ( الدين والعفاف والجلالة % والعز والقدرة والجزالة ) ( والعلم والحلم وفضل الدين % وصفوه الصفوة من مرين ) ( ممهد الملك ومسدي المنن % وواحد الدهر وفخر الزمن ) ( باني المباني النخبة الشريفة % بمقتضى همته المنيفة ) ( وتارك المدارس الظريفة % شاهدة بأنه الخليفة ) ( وقاطع الدهر بغير لهو % في مجلس معظم أو بهو ) ( أما لتدريس وعلم يدرس % أو لبلاد من عدو تحرس ) ( أو لأياد في عباد ثغرس % أو لثواب ورضا يلتمس ) ( أو نسخ قرآن وعرض حزب % أو عدة معدة لحرب ) ومن أعيان وزرائه عامر بن فتح الله السدراتي وعبد الله بن إبراهيم الفودودي ومن أعيان كتابه أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي وأبو محمد بن عبد الله بن أبي مدين العثماني وأبو الحسن علي بن القبايلي التينمللي رحم الله الجميع بمنه ولنذكر ما كان من الأحداث في هذه المدة ففي سنة سبعمائة أسس السلطان يوسف بن يعقوب بن عبد الحق تلمسان الجديدة المسماة بالمنصورة حسبما تقدم الخبر عنها مستوفى وفي سنة إحدى عشرة وسبعمائة كان القحط بالمغرب فاستسقى الناس وخرج السلطان أبو سعيد ماشيا على قدميه لإقامة سنة الاستسقاء وذلك يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شعبان من السنة المذكور وتقدمت أمامه الصلحاء والفقهاء والقراء يدعون الله تعالى وقدم بين يدي نجواه صدقات وفرق أموالا وفي يوم السبت بعده خرج في جنده إلى قبر الشيخ أبي يعقوب الأشقر بجبل الكندرتين فدعا هنالك ورحم الله تعالى عباده وغاث أرضه وبلاده وفي سنة تسع عشرة وسبعمائة توفي الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الحق الزرويلي المعروف بالصغير بضم الصاد وفتح الغين وكسر الياء المشددة قال ابن الخطيب في الإحاطة وكان ربعة آدم اللون خفيف العارضين يلبس أحسن زي ويدرس بجامع الأجدع من فاس يقعد على كرسي عال ليسمع القريب والبعيد على انخفاض كان في صوته وكان حسن الإقراء وقورا صبورا ثبتا وكان أحد الأقطاب الذين تدور عليهم الفتيا بالمغرب فيحسن التوقيع عليها على طريق الاختصار وترك فضول القول ولاه السلطان أبو الربيع القضاء بفاس وشد عضده فجرى في العدل على صراط مستقيم وفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة توفي الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن عثمان الأزدي المراكشي المعروف بابن البناء الإمام المشهور في علم التعاليم والهيئة والنجوم والأزياج وغير ذلك وكان رحمه الله عز وجل معروفا باتباع السنة موسوما بطهارة الإعتقاد منعوتا بالصلاح وكان انتفاعه بصحبة الشيخ أبي زيد الهزميري رضي الله عنه وفي سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة في ذي القعدة منها هبت ريح شديدة بفاس ومكناسة وأحوازهما واستمر هبوبها يومين وليلتين فعاقت عن الأسفار وهدمت الدور وقلعت الأشجار وفي سنة ثلاث وعشرين بعدها في المحرم منها جرت العين الموالية للمشرق من عيون صنهاجة بأحواز فاس بدم عبيط من وقت العصر إلى نصف الليل ثم عادت إلى حالها وفيها كان المطر العظيم والثلج الكثير بالمغرب وعدم الفحم والحطب حتى بيع الفحم بفاس بدرهمين للرطل وفي جمادى الأولى منها احترق سوق العطارين الكبرى بفاس فجدده السلطان أبو سعيد من باب مدرسة العطارين إلى رأس عقبة الجزارين وعقد عليه هنالك بابا ضخما وأفرده للعطارين دون غيرهم وفي سنة أربع وعشرين وسبعمائة كانت المجاعة بالمغرب وارتفعت الأسعار في جميع البلاد فبلغ المد من القمح بفاس خمسة عشر درهما والصحفة منه تسعين دينارا وغلا الإدام وعدمت الخضر بأسرها وكسى السلطان أبو سعيد وأطعم في هذه المسغبة شيئا كثيرا ودام ذلك إلى قرب منتصف السنة بعدها وفيها في يوم الثلاثاء ثالث عشر رمضان منها نشأ خارج فاس من جهة جوفيها سحاب عظيم وظلمة شديدة ورياح عاصفة أعقب ذلك برد كثير عظيم الجرم تزن الواحدة منه ربع رطل وأقل وأكثر ونزل في خلاله مطر وابل جاءت منه السيول طامية حملت الناس والدواب وأهلكت جميع ما بجبل زالغ من الكروم والزيتون وسائر الشجر
وفي سنة خمس وعشرين بعدها ليلة الجمعة السادس والعشرين من جمادى منها دخل السيل العظيم مدينة فاس وكاد يأتي عليها بحيث هدم الدور والمساجد والأسواق وأهلك آلافا من الخلق حتى خيف على البلد التلف وفي سنة ست وعشرين وسبعمائة انتهى تاريخ ابن أبي زرع المسمى بالأنيس المغرب القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس ومما هو الغاية في باب الأغراب ما ذكره ابن خلدون قال حضر أشياخنا بمجلس السلطان أبي الحسن وقد رفع إليه امرأتان من أهل الجزيرة الخضراء ورندة حبستا أنفسهما عن الأكل جملة منذ سنين وشاع أمرهما ووقع اختبارهما فصح شأنهما واتصل على ذلك حالهما إلى أن ماتتا وذكرهما أيضا الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد المقري في كتابه المسمى بالمحاضرات قال وردت على تلمسان في العشرة الخامسة من المائة الثامنة امرأة من رندة لا تأكل ولا تشرب ولا تبول ولا تتغوط وتحيض فلما اشتهر هذا من أمرها أنكره الفقيه أبو موسى ابن الإمام وتلى كانا يأكلان الطعام فأخذ الناس يبثون ثقات نسائهم ودهاتهن إليها فكشفوا عنها بكل وجه يمكنهن فلم يقفن على غير ما ذكر وسئلت هل تشتهين الطعام فقالت هل تشتهون التبن بين يدي الدواب وسئلت هل يأتيها شيء فأخبرت أنها صامت ذات يوم فأدركها الجوع والعطش فنامت فأتاها آت في النوم بطعام وشراب فأكلت وشربت فلما أفاقت وجدت نفسها قد استغنت فهي على تلك الحال تؤتى في المنام بالطعام والشراب إلى الآن ولقد جعلها السلطان في موضع بقصره وحفظها بالعدول ومن يكشف عما عسى تجيء أمها بها إذا أتت إليها أربعين يوما فلم يوقف لها على أمر قال بيد أني أردت أن يزاد في عدد العدول ويضم إليهم الأطباء ومن يخوض في المعقولات من علماء الملل المسلمين وغيرهم ويوكل من نساء الفرق من يبالغ في كشف من يدخل إليها ولا يترك أحدا يخلو بها وبالجملة يبالغ في ذلك ويستدام رعيها عليه سنة لاحتمال أن يغلب عليها طبع فتستغني في فصل دون فصل ثم يكتب هذا في العقود ويشاع أمره في العالم وذلك لأنه يهدم حكم الطبيعة الذي هو أضر الأحكام على الشريعة ويبين كيفية غذاء أهل الجنة وأن الحيض ليس من فضلات الغذاء ويبطل التأثير والتولد ويوجب ان الاقترانات بالعادات لا باللزوم وعند الأسباب لا بها إلى غير ذلك إلا إني لما أشرت بهذا انقسم من أشرت عليه بتبليغه إلى من لم يفهم ما قلت ومن لم يرفع به رأسا لإيثار الدنيا على الدين فإنا لله وإنا إليه راجعون قال المقري وقد ذكر أن امرأة أخرى كانت معها على تلك الحالة وحدثني غير واحد من الثقات ممن أدرك عائشة الجزرية أنها كانت كذلك وإن عائشة بنت أبي بكر يعني زوجة السلطان أبي الحسن التي استشهدت في طريف اختبرتها أربعين يوما أيضا وكم من آية أضيعت وحجة نسيت مما لم يعرف مثله قبل المائة الثامنة وكذلك الوباء العام القريب فروطه يوشك أن يطول أمره فينسى ذكره ويكذب المحدث به اذا انقضى عصره وكم فيه من أدلة على أصول الملة اه كلام الشيخ أبي عبد الله المقري رحمه الله ويعني بالوباء القريب فروطه وباء منتصف المائة الثامنة أيام كان السلطان أبو الحسن بتونس فإنه كان وباء عظيما لم يعهد مثله قد عم أقطار الأرض وتحيف العمران جملة حتى كاد يأتي على الخليقة أجمع والأمور كلها بيد الله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون
الخبر عن دولة السلطان المتوكل على الله أبي عنان فارس بن أبي الحسن رحمه الله
كان هذا السلطان محبوبا في قومه وعشيرته أثيرا عند والده متميزا بذلك عن سائر اخوته لفضله وعمله وصيانته وعفافه واستظهار القرآن الكريم وغير ذلك من الأوصاف الحسنة أمه أم ولد رومية اسمها شمس الضحى وقبرها بشالة معروف إلى الآن رأيت مكتوبا عليه بالنقش أنها توفيت ليلة السبت رابع رجب الفرد سنة خمسين وسبعمائة ودفنت إثر صلاة الجمعة في الخامس والعشرين من الشهر المذكور وحضر لدفنها أعيان المشرق والمغرب اه وكان مولد السلطان أبي عنان بفاس الجديد في الثاني عشر من ربيع الأول سنة تسع وعشرين وسبعمائة وبويع في حياة والده يوم ثار عليه بتلمسان حسبما فدمنا الخبر عنه وذلك يوم الثلاثاء منسلخ ربيع الأول سنة تسع وأربعين وسبعمائة ولما هلك والده أبو الحسن بجبل هنتانة وانقضى شأن الحصار ارتحل السلطان أبو عنان إلى فاس ونقل شلو أبيه إلى شالة فدفنه بها وأغذ السير إلى فاس وقد استتب أمره وخلا له الجو فاحتل بدار ملكه وأجمع أمره على غزو بني عبد الواد لارتجاع ما بأيديهم من الملك الذي تطاولوا إليه ولما دخلت سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة نادى بالعطاء وأزاح العلل وعسكر بساحة البلد الجديد وعرض جيشه ثم نهض يريد تلمسان واتصل خبره بسلطانها أبي سعيد عثمان بن عبد الرحمن الزياني فجمع له قومه ومن شايعهم من زناتة والعرب ثم نهض إليه ومعه أخوه ووزيره أبو ثابت فكان اللقاء ببسيط أن كاد آخر ربيع الثاني من السنة المكذورة وأجمع بنو عبد الواد على صدمة المرينيين وقت القائلة وعند ضرب الأبنية وسقاء الركاب وافتراق أهل المعسكر في حاجاتهم فحملوا عليهم وأعجلوهم عن ترتيب المصاف وركب السلطان أبو عنان لتلافي الأمر وخاض بحر القتال وقد أظلم الجو بالغبار حتى إذا خلص إليهم وخالطم في صفوفهم ولوا الأدبار واتبع بنو مرين آثارهم فاستولوا على معسكرهم واستباحوهم قتلا وسبيا وصفدوهم أسرى ولم يزالوا في اتباعهم إلى الليل وتقبضوا على سلطانهم أبي سيعد فساقوه إلى السلطان أبي عنان فاعتقله وتقدم على التعبية إلى تلمسان فدخلها في ربيع المذكور واستوت في ملكها قدمه وأحضر أبا سعيد فوبخه وأراه أعماله حسرات عليه ثم أحضر الفقهاء وأرباب الفتيا فافتوا بحرابته وقتله فأمضى حكم الله فيه فذبح فيمحبسه لتاسعة من أعتقاله وفر أخوه الزعيم أبو ثابت إلى قاصية الشرق بعد أن احتمل معه حرمه وحرم أخيه ومتخلفهم واحتل بوادي شلف من بلاد مغرواة فعسكر هنالك واجتمع عليه أو شاب من زناتة وحدث نفسه باللقاء ووعدها بالصبر والثبات واتصل خبره بالسلطان أبي عنان فسرح إليه وزيره فارس بن ميمون في عساكر بني مرين والجند فأغذ السير إليهم ثم ارتحل السلطان أبو عنان من تلمسان على أثره ولما تراءى الجمعان تصادقا الحملة وخاض النهر بعضهم إلى بعض ثم صدق بنو مرين الحملة فاجتازوا النهر وانكشفت بنو عبد الواد واتبع بنومرين آثارهم فاستلحموهم ثانية واستباحوا معسركهم واستاقوا نساءهم وأموالهم ودوابهم وكتب الوزير بالتفح إلى السلطان أبي عنان وفر أبو ثابت إلى قاصية الشرق في نفر من عشيرته وبني أبيه فاعترضتهم قبائل زواوة فانتهبوا أسلابهم وأرجلوهم عن خيولهم ومروا على وجوهم حفاة عراة لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا وكتب الوزير إلى أمراء الثغور في شأن أبي ثابت وأصحابه فأذكوا العيون عليهم وقعدوا لهم بالمراصد حتى عثر عليهم بعض الحشم فقبضوا على أبي ثابت وابن أخيه أبي زيان بن أبي سعيد المقتول ووزيرهم يحيى بن داود فرفعوهم إلى أمير بجاية أبي عبد الله محمد بن أبي زكرياء بن أبي بكر الحفصي وكان خالصة للسلطان أبي عنان منذ أيام والده فاعتقلهم عنده حتى وفد بهم عليه بالمدية فأكرم السلطان أبو عنان وفادته وركب للقائه لما تراءيا نزل الحفصي عن فرسه إعظاما للسلطان فنزل السلطان مكافأة له ولقاه مبرة وكرامة وأودع أبا ثابت السجن وتوافت إليه وفود الذواودة بمكانه من لمدية فأكرم وفادتهم وأسنى عطاياهم من الخلع والحملان والذهب والفضة وانقلبوا خير منقلب ووافته بمكانه ذلك بيعة ابن مزني عامل بسكرة والزاب مع وفدهم فأكرمهم ووصلهم وفرغ السلطان أبو عنان من شأن المغرب الأوسط وبث عماله في نواحيه وثقف أطرافه وسمى إلى تملك إفريقية على ما نذكره إنشاء الله
تملك السلطان أبي عنان بجاية وتولية عمر بن علي الوطاسي عليها
لما وفد أبو عبد الله الحفصي على السلطان أبي عنان بلمدية في شعبان من سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة وبالغ في إكرامه ناجاه بذات صدره وشكا إليه ما يلقاه من رعيته من الامتناع من الجباية والسعي في الفساد وما يتبع ذلك من شقاق الحامية واستبداد البطانة وكان السلطان أبو عنان متشوفا لمثلها فأشار عليه بالنزول عنها وأن يعوضه عنها ما شاء من بلاده فسارع إلى قبول ذلك ودس إليه السلطان مع حاجبه محمد بن أبي عمرو أن يشهد بذلك على رؤوس الملأ ففعل وعوضه عنها مكناسة الزيتون ونقم بطانة الحفصي عليه ونزع بعضهم عنه إلى إفريقية وأمره السلطان أبو عنان أن يكتب بخطه إلى عامله على بجاية بالنزول عنها وتمكين عمال السلطان منها ففعل وعقد أبو عنان عليها لعمر بن علي الوطاسي من بني الوزير الذين قدمنا خبر ثورتهم بحصن تازوطا أيام يوسف بن يعقوب ولما قضى السلطان أبو عنان حاجته من المغرب الأوسط واستولى على بجاية ثغر إفريقية انكفأ راجعا إلى تلمسان لشهود عيد الفطر بها ودخلها في يوم مشهود حمل أبا ثابت الزياني ووزيره يحيى بن داود على جملين ودخل بهما تلمسان يخطوان بهما في ذلك المحفل بين السماطين فكانا عبرة لمن حضر ثم جنبا من الغد إلى مصارعهما فقتلا قعصا بالرماح وإلى الله عاقبة الأمور
ثورة أهل بجاية ومقتل عمر بن الوطاسي بها
لما قدم عمر بن علي الوطاسي بجاية واستقر بها ثقل أمره على نفوس أهلها لألفهم ملكة الحفصيين وانصباغهم بالميل إليهم فتربصوا بالوطاسي الدوائر وكان أبو عبد الله الحفصي قد استصحب معه في وفادته على السلطان أبي عنان حاجبه فارحا مولى ابن سيد الناس فلما نزل للسلطان عن بجاية نقم فارح عليه ذلك وأسرها في نفسه إلى أن بعثه الحفصي المذكور مع الوطاسي لينقل حرمه ومتاعه وماعون داره إلى المغرب فانتهى إلى بجاية وبينما هو يحاول ما أرسل في شأنه شكا إليه الصنهاجيون سوء ملكة بني مرين فنجع كلامهم فيه ونفث لهم بما عنده من الضغن ودعاهم إلى الثورة بالمرينيين والقيام بدعوة الحفصيين فأجابوه إلى ذلك وتواعدوا للفتك بعلي بن عمر الوطاسي بمجلسه من القصبة وتولى كبرها منصور بن إبراهيم بن الحاج من مشيختهم وباكره في داره على عادة الأمراء ولما أكب عليه ليلثم أطرافه طعنه بخنجره ثم ولج عليه الباقون فاستلحموه وذلك في ذي الحجة من سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة وثارت الغوغاء بالبلد وهتف الهاتف بدعوة أبي زيد بن محمد بن أبي بكر الحفصي صاحب قسنطينة وطيروا إليه بالخبر واستدعوه فتثاقل عنهم وبلغ الخبر إلى السلطان أبي عنان فاتهم أبا عبد الله الحفصي بمداخلة حاجبه فارح في ذلك فاعتقله بداره واعتقل وفدا من أشراف بجاية كانوا ببابه ثم راجع شيوخ بجاية بصائرهم وتداركوا أمرهم في الرجوع إلى طاعة السلطان أبي عنان واتفق رأيهم على أن يرقعوا هذا الخرق ويسدوا هذه الثلمة براس الحاجب فارح وصنهاجة الثائرين معه وداخلهم في ذلك القائد هلال مولى ابن سيد الناس ولما عزموا على أمرهم دعوا الحاجب فارحا إلى المسجد ليفاوضوه فيما نزل بهم فأحس بالشر ولجأ إلى دار الشيخ أبي العباس أحمد بن إدريس البجائي إمام بجاية ومفتيها فاقتحموا عليه الدار وباشره مولاه محمد بن سيد الناس بطعنة فأنفذه ورمى بشلوه من أعلى الدار فاحتزوا رأسه وبعثوا به إلى السلطان أبي عنان وفر منصور بن إبراهيم بن الحاج وقومه صنهاجة عن البلد وسرح السلطان أبو عنان إليها حاجبه أبا عبد الله محمد بن أبي عمرو في الكتائب فدخلها فاتح سنة أربع وخمسين وسبعمائة وذهبت صنهاجة في كل وجه ولحق أصحاب الفعلة منهم بتونس وتقبض الحاجب ابن أبي عمرو على جماعة من غوغاء بجاية المتهمين بالخوض في الفتنة يناهزون المائتين فاعتقلهم وأركبهم الأسطول إلى المغرب فاطمأن الناس وسكنوا وتوافت لديه وفود الذواودة من كل جهة فأجزل صلاتهم ووفد عليه عامل الزاب يوسف بن مزني فأكرم وفادته ثم ارتحل إلى تلمسان غرة جمدى الأولى من السنة ومعه شيوخ الذواودة ووجوه بجاية قال ابن خلدون وكنت يومئذ في جملتهم فجلس السلطان للوفد وعرض ما جنب إليه من الجياد والهدايا وكان يوما مشهودا وانصرفوا إلى مواطنهم فاتح شعبان من السنة المذكورة قال وانقلبت مع الحاجب بعد إسناء الجائزة والخلع والحملان من السلطان والوعد الجميل بتجديد ما إلى قومي ببلدي من الإقطاعات ولما احتل الحاجب ابن أبي عمرو ببجاية ضبط أمرها وأقام أودها وألح على قسنطينة بترديد البعوث وتجهيز الكتائب إلى أن أذعنوا للطاعة ومكنوه من تاشفين ابن السلطان أبي الحسن المنصوب هناك للفتنة وأوفد أبو زيد الحفصي صاحب قسنطينة ابنه على السلطان أبي عنان فقبل وفادته وشكر سعيه وانكفأ الحاجب ابن أبي عمرو إلى بجاية وأقام بها إلى أن هلك في المحرم سنة ست وخمسين وسبعمائة فذهب حميد السيرة عند أهل البلد وعقد السلطان أبو عنان على بجاية لعبد الله بن علي بن سعيد أحد وزرائه فنهض إليها في ربيع من سنة ست وخمسين المذكورة فاستقر بها وسلك سنن الحاجب قبله وسيرته وجهز العساكر إلى حصار قسنطينة إلى أن كان من فتحها ما نذكره بعد إن شاء الله
خروج أبي الفضل ابن السلطان أبي الحسن ببلاد السوس ثم مقتله عقب ذلك
قد تقدم لنا أن السلطان أبا الحسن لما ركب البحر من تونس إلى المغرب عقد على تونس لابنه أبي الفضل هذا وأنه لما أقلع عنها ثار أهل البلد وشيعة الحفصيين عليه فأخرجوه عنها ولحق بأبيه فكان معه إلى أن هلك وخلص الأمر إلى السلطان أبي عنان فلحق به هو وأخوه أبو سالم ففكر أبو عنان في أمرهما وخشي عاقبة ترشيحهما فأشخصهما إلى الأندلس ليكونا مع الغزاة والقرابة في إيالة السلطان أبي الحجاج يوسف بن الأحمر ثم ندم على ذلك ولما استولى على تلمسان والمغرب الأوسط ورأى أن قد استفحل أمره واعتز سلطانه أنفذ الرسل إلى أبي الحجاج في أن يشخصهما إليه لأن مقامهما عنده أحوط لجمع الكلمة بخلاف ما إذا غابا عن حضرته وخشي أبو الحجاج غائلته عليهما فأبى من إسلامهما اليد وأجاب الرسل بأنه لا يخفر ذمته ولا يسيء جوار المسلمين المجاهدين لديه فغضب السلطان أبو عنان لذلك وقام وقعد وأمر حاجبه ابن أبي عمرو أن يكتب إله ويبالغ في التوبيخ واللوم ففعل الحاجب المذكور قال ابن خلدون وقد أوقفني الحاجب على ذلك الكتاب ببجاية فقضيت عجبا من فصوله وأغراضه ولما قرأه أبو الحجاج ابن الأحمر دس إلى أبي الفضل وكان أكبر الأخوين باللحاق بالطاغية وكانت بينهما ولاية ومخالصة فنزع إليه أبو الفضل وجهز الطاغية له أسطولا أركبه فيه وأنزله بساحل السوس من أرض المغرب ونذر السلطان أبو عنان بذلك فأوعز إلى قائد أسطوله باعتراض أسطول الطاغية فاعترضه وأوقع به وكتب ابن الأحمر أثناء ذلك كتابا إلى السلطان أبي عنان يعتذر عن أمر أبي الفضل من إنشاء وزيره لسان الدين ابن الخطيب ونصه المقام الذي شهد الليل والنهار بأصالة سعادته وجرى الفلك الدوار بحكم إرادته وتعود الظفر بمن يناويه فاطرد والحمد لله جريان عادته فوليه متحقق لإفادته وعدوه مرتقب لإبادته وحلل الصنائع الإلهية تضفو على أعطاف مجادته مقام محل أخينا الذي سهم سعده صائب وأمل من كاده خاسر خائب وسير الفلك المدار في مرضاته دائب وصنائع الله تعالى له تصحبها الألطاف العجائب فسيان شاهد منه في عصمة وغائب السلطان الكذا ابن السلطان الكذا أبقاه الله تعالى مسددا لسهم ماضي العزم تجل سعوده عن تصور الوهم ولا زال مرهوب الحد ممتثل الرسم موفور الحظ من نعمة الله تعالى عند تعدد القسم فائزا بفلج الخصام عند لد الخصم معظم قدره وملتزم بره مبتهج بما يسببه الله تعالى له من إعزاز نصره وإظهار أمره فلان سلام كريم طيب بر عميم يخص مقامكم الأعلى ومثابتكم الفضلى التي حازت في الفخر الأمد البعيد وفازت من التأييد والنصر بالحظ السعيد ورحمة الله تعالى وبركاته أما بعد حمد الله الذي فسح لملككم الرفيع في العز مدى وعرفه عوارف آلائه وعوائد النصر على أعدائه يوما وغدا وحرس سماء علائه بشهب من قدره وقضائه فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا وجعل نجح آماله وحسن مآله قياسا مطردا فرب مريد ضره ضر نفسه وهاد إليه الجيش أهدى وما هدي والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد نبيه ورسوله الذي ملأ الكون نورا وهدى وأحيا مراسم الحق وقد صارت طرائق قددا أعلى الأنام يدا وأشرفهم محتدا الذي بجاهه نلبس أثواب السعادة جددا ونظفر بالنعيم الذي لا ينقطع أبدا والرضا عن آله وأصحابه الذين رفعوا لسماء سنته عمدا وأوضحوا لسبيل اتباعه مقصدا وتقبلوا شيمه الطاهرة ركعا وسجدا سيوفا على من اعتدى ونجوما لمن اهتدى حتى علت فروع ملته صعدا وأصبح بناؤها مديدا مخلدا والدعاء لمقامكم الأسمى بالنصر الذي يتوالى مثنى وموحدا كما جمع لملككم ما تفرق من الألقاب على توالي الأحقاب فجعل سيفكم سفاحا وعلمكم منصورا ورأيكم رشيدا وعزمكم مؤيدا فإنا كتبناه إليكم كتب الله تعالى لكم صنعا يشرح للإسلام خلدا ونصرا يقيم للدين الحنيفي أوادا وعزما يملأ أفئدة الكفر كمدا وجعلكم ممن هيأ له من أمره رشدا ويسر لكم العاقبة الحسنى كما وعد به في كتابه العزيز والله أصدق موعدا من حمراء غرناطة حرسها الله ولا زائد بفضل الله سبحانه إلا استطلاع سعودكم في آفاق العناية واعتقاد جميل صنع الله في البداية والنهاية والعلم بأن ملككم تحدى من الظهور على أعدائه بآية وأجرى جياد السعد في ميدان لا يحد بغاية وخرق حجاب المعتاد بما لم يظهر إلا لأصحاب الكرامة والولاية ونحن على ما علمتم من السرور بما يهز لملككم المنصور عطفا ويسدل عليه من العصمة سجفا فقاسمه الارتياح لمواقع نعم الله تعالى نصفا و نصفا ونعقد بين أنباء مسرته وبين الشكر لله حلفا ونعد التشيع له مما يقربنا إلى الله زلفى ونؤمل من إمداده ونرتقب من جهاده وقتا يكفل به الدين ويكفى وتروى غلل النفوس وتشفى وإلى هذا وصل الله سعدكم ووالى نصركم وعضدكم فإنا من لدن صدر عن أخيكم أبي الفضل ما صدر من الانقياد لخدع الآمال والاغترار بموارد الآل وقال رأيه في اقتحام الأهوال وتورط في هفوة حار فيها حيرة أهل الكلام في الأحوال وناصب من أمركم السعيد جبلا قضى الله له بالاستقرار والاستقلال ومن ذا يزاحم الأطواد ويزحزح الجبال وأخلف الظن منا في وفائه وأضمر عملا استأثر عنا بإخفائه واستعان من عدو الدين بمعين فلا ورى لمن استنصر به زند ولا خفق لمن تولاه بالنصر بند وإن الطاغية أعانه وأنجده ورأى أنه سهم على المسلمين سدده وعضب للفتنة جرده فسخر له الفلك وأمل أن يستخدمه بسبب ذلك الملك فأورده الهلك والظلم الحلك علمنا أن طرف سعادته كاب وسحائب آماله غير ذات انسكاب وقدم عزته لم يستقر من السداد في غرز ركاب فإن نجاح أعمال النفوس مرتبط بنياتها وغايات الأمور تظهر في بداياتها وعوائد الله تعالى فيمن نازع قدرته لا تجهل ومن غالب أمر الله خاب منه المعول فبينما نحن ترنقب خسار تلك الصفقة المعقودة وخمود تلك الشعلة الموقودة وصلنا كتابكم يشرح الصدور ويشرح الأخبار ويهدي طرف المسرات على أكف الاستبشار ويعرب بلسان حال المسارعة والابتدار عن الود الواضح وضوح النهار والتحقق بخلوصنا الذي يعلمه عالم الأسرار فأعاد في الإفادة وأبدأ وأسدى من الفضائل الجلائل ما أسدى فعلم منه مآل من رام يقدح زند الشتات من بعد الالتئام ويثير عجاجة المنازعة من بعد ركوب القتام هيهات تلك قلادة الله تعالى التي ما كان ليتركها بغير نظام ولم يدر أنكم نصبتم له من الحزم حبالة لا يفلتها قنيص سددتم له من السعد سهما ما له عنه من محيص بما كان من إرسال جوارح الأسطول السعيد في مطاره حائلا بينه وبين أوطاره فما كان إلا التسمية والإرسال ثم الإمساك والقتال ثم الاقتيات والاستعمال فيا له من زجر استنطق لسان الوجود مجدله واستنصر البحر فخذله وصارع القدر فجدله لما جد له وإن خدامكم استولوا على ما كان فيه من مؤمل غاية بعيدة ومنتسب إلى نسبة غير سعيدة وشانئ غمرته من الكفار خدام الماء وأولياء النار تحكمت فيهم أطراف العوالي وصدور الشفار وتحصل منهم من تخطاه الحمام في قبضة الأسار فعجبنا من تيسير هذا المرام وإخماد الله لهذا الضرام وقلنا تكييف لا يحصل في الأوهام وتسديد لا تستطيع إصابته السهام كلما قدح الخلاف زندا أطفأ سعدكم شعلته أو أظهر الشتات ألما أبرأ يمن طائركم علته ما ذاك إلا لنية صدقت معاملتها في جنب الله تعالى وصحت واسترسلت بركتها وسحت وجهاد نذرتموه إذا فرغت شواغلكم وتمت واهتمام بالإسلام يكفيه الخطوب التي أهمت فنحن نهنيكم بمنح الله ومننه ونسأله أن يلبسكم من إعانته أوقى جننه فأملنا أن تطرد آمالكم وتنجح في مرضات الله أعمالكم فمقامكم هو العمدة التي يدافع العدو بسلاحها وتنبلج ظلماته بصفاحها وكيف لانهنئكم بصنع على جهتنا يعود وبشابقنا تطلع منه السعود فتيقنوا ما عندنا من الإعتقاد الذي رسومه قد استقلت وكتفت وديمه بساحة الود قد وكفت والله عز وجل يجعل لكم الفتوح عادة ولا يعدمكم عناية وسعادة وهو سبحانه يعلي مقامكم وينصر أعلامكم ويهني الإسلام أيامكم والسلام الكريم يخصكم ورحمة الله وبركاته اه ولما نزل أبو الفضل بساحل السوس لحق بعبد الله السكسيوي صاحب الجبل المنسوب إليه ودعا لنفسه وكان ذلك إثر مقدم الحاجب ابن أبي عمرو من فتح بجاية سنة أربع وخمسين وسبعمائة فجهز السلطان أبو عنان إليه عسكره من تلمسان وعقد على حرب السكسيوي وابي الفضل لوزيره فارس بن ميمون بن وردار فسار حتى نزل على جبل السكسيوي وأحاط به وأخذ بمخنقه واختط مدينة لمعسكره وتجمير كتائبه بسفح ذلك الجبل سماها القاهرة ولما اشتد الحصار على السكسيوي بعث إلى الوزير يسأله الرجوع إلى طاعته المعروفة وأن ينبذ العهد إلى أبي الفضل ففارقه وانتقل إلى جبال المصامدة ودخل الوزير فارس أرض السوس فدوخ أقطارها ومهد أكنافها وسارت الألوية والجيوش في جهاتها ورتب المسالح في ثغورها وأمصارها وسار أبو الفضل ينتقل في جبال المصامدة إلى أن انتهى إلى صناكة وألقى بنفسه على ابن الحميدي منهم مما يلي بلاد درعة فأجاره وقام بأمره ونازله عامل درعة يومئذ عبد الله بن مسلم الزردالي من مشيخة بني عبد الواد كان السلطان أبو الحسن رحمه الله قد اصطنعه أيام فتحه لتلمسان فاستقر في دولتهم واندرج في صنائعهم فأخذ بمخنق ابن الحميدي وأرهبه بوصول العساكر والوزراء إليه وداخله في التقبض على أبي الفضل وأن يبذل له من المال في ذلك ما أحب فأجاب ولاطف عبد الله بن مسلم الأمير أبا الفضل ووعده من نفسه الدخول في الأمر وطلب لقاءه فركب إليه أبو الفضل ولما استمكن منه ابن مسلم تقبض عليه ودفع لابن الحميدي ما اشترط له من المال وأشخصه معتقلا إلى أخيه السلطان أبي عنان سنة خمس وخمسين وسبعمائة فأودعه السجن وكتب بالفتح إلى القاصية ثم قتله لليال يسيرة من اعتقاله خنقا بمحبسه وانقضى أمر الخوارج وتمهدت الدولة إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله
وفادة الوزير ابن الخطيب من قبل سلطانه الغني بالله على السلطان أبي عنان رحمهم الله
كان السلطان أبو الحجاج يوسف بن الأحمر قد أوفد وزيره لسان الدين ابن الخطيب على السلطان أبي عنان إثر مهلك السلطان أبي الحسن معزيا له بمصابه فقدم ابن الخطيب وأدى الرسالة وجلى في اغراض تلك السفارة وعاد إلى غرناطة ثم هلك السلطان أبو الحجاج سنة خمس وخمسين وسبعمائة بمصلى عيد الفطر وهو ساجد طعنه بعض الزعانف فأصماه لوقته وبايع الناس ابنه محمد بن يوسف الغني بالله وقام بأمر دولته مولاه رضوان الراسخ القدم في قيادة عساكرهم وكفالة الأصاغر من ملوكهم واستبد بالأمر وانفرد ابن الخطيب بوزارته كما كان لأبيه من قبل واتخذ لكتابته غيره وجعل ابن الخطيب رديفا لرضوان في أمره وتشاركا في الاستبداد معا فجرت الدولة على أحسن حال ثم إن السلطان الغني بالله بعث وزيره ابن الخطيب سفيرا عنه إلى السلطان أبي عنان مستمدا له على عدوه الطاغية على عادة سلفه في ذلك قال ابن الخطيب لما أشرفت على مدينة فاس في غرض هذه الرسالة خاطبني الخطيب الرئيس أبو عبد الله محمد بن مرزوق التلمساني بمنزل الشاطبي على مرحلة منها بما نصه ( ( يا قادما وافي بكل نجاح % أبشر بما تلقاه من أفراح ) ( هذي ذرى ملك الملوك فلذ بها % تنل المنى وتفز بكل سماح ) ( مغنى الإمام أبي عنان يممن % تظفر ببحر بالندا طفاح ) ( من قاس جود أبي عنان في الندا % بسواه قاس البحر بالضحضاح ) ( ملك يفيض على العفاة نواله % قبل السؤال وقبل بسطة راح ) ( فلجود كعب وابن سعد في الندا % ذكر محاه عن نداه ماح ) ( ما أن سمعت ولا رأيت بمثله % من أريحي للندا مرتاح ) ( بسط الأمان على الأنام فأصبحوا % قد ألحفوا منه بظل جناح ) ( وهم على العافين سيب نواله % حتى حكى سح الغمام الساح ) ( فنواله وجلاله وفعاله % فاقت وأعيت السن المداح ) ( وبه الدنا أضحت تروق وأصبحت % كل المنى تنقاد بعد جماح ) ( من كان ذا ترح فرؤية وجهه % متلافة الأحزان والأتراح ) ( فانهض أبا عبد الإله تفز بما % تبغيه من أمل ونيل نجاح ) ( لا زلت ترتشف الأماني راحة % من راحة المولى بكل صباح ) فالحمد لله يا سيدي وأخي على نعمه التي لا تحصى حمد يؤم به جميعنا المقصد الأسنى فيبلغ الأمد الأقصى فطالما كان معظم سيدي للأسى في خبال وللأسف بين اشتغال بال واشتعال بلبال ولقدومكم على هذا المحل المولوي في ارتقاب ولمواعيدكم بذلك في تحقق وقوعه من غير شك ولا ارتياب فها أنت تجتني من هذا المقام العلي بتشيعك وجوه المسرة صباحا وتتلقى أحاديث مكارمه ومواهبه مسندة صحاحا بحول الله تعالى ولسيدي الفضل في قبول مركوبة الواصل إليه بسرجه ولجامه فهو من بعض ما لدى المعظم من إحسان مولاه وإنعامه ولعمري لقد كان وافدا على سيدي في مستقره مع غير فالحمد لله الذي يسر في إيصاله على أفضل أحواله قال ابن الخطيب فراجعته بما نصه ( راحت تذكرني كؤوس الراح % والقرب يخفض للجنوح جناح ) ( وسرت تدل على القبول كأنما % دل النسيم على انبلاج صباح ) ( حسناء قد غنيت بحسن صفاتها % عن دملج وقلادة ووشاح ) ( أمست تحض على اللياد بمن جرت % بسعوده الأقلام في الألواح ) ( بخليفة الله المؤيد فارس % شمس المعالي الأزهر الوضاح ) ( ما شئت من شيم ومن همم غدت % كالزهر أو كالزهر في الأوداح ) ( فضل الملوك فليس يدرك شأوه % أنى يقاس الغمر بالضحضاح ) ( أسنى بني عباسهم بلوائه % المنصور أو بحسامه السفاح ) ( وغدت مغاني الملك لما حلها % تزري ببدر هدى وبحر سماح ) ( وحياة من أهداك تحفة قادم % في العرف منها راحة الأرواح ) ( ما زلت أجعل ذكره وثناءه % روح وريحاني الأريح وراح ) ( ولقد تمازج حبه بجوارحي % كتمازج الأجسام بالأرواح ) ( ولو أنني أبصرت يوما في يدي % أمري لطرت إليه دون جناح ) ( فالآن ساعدني الزمان وأيقنت % من قربه نفسي بفوز قداح ) ( إيه أبا عبد الإله وإنه % لنداء ود في علاك صراح ) ( أما إذا استنجدتني من بعد ما % ركدت لما جنت الخطوب رياح ) ( فإليكها مهزولة وأنا امرؤ % قررت عجزي وأطرحت سلاح ) سيدي أبقاك الله لعهد تحفظه وولاء بعين الوفاء تلحظه وصلتني رقعتك التي ابتدعت وبالحق من مولى الخليفة صدعت والفتنى وقد سطت بي الأوحال حتى كادت تتلف الرحال والحاجة إلى الغداء قد شمرت عن كشح البطين وثانية العجماوين قد توقع فوات وقتها وإن كانت صلاتها صلاة الطين والفكر قد غاض معينة وضعف وعلى الله جزاء المولى الذي يعينه فغزتني بكتيبتي بيان أسدها هسور وعلمها منصور وألفاظها ليس فيها قصور ومعانيها عليها الحسن مقصور واعتراف مثلي بالعجز في المضايق حول ومنه وقول لا أدري للعالم فكيف بغيره جنة لكنها بشرتني بما يقل لمؤديه بذل النفوس وإن جلت وأطلعتني من السراء على وجه تحسده الشمس إذا تجلت بما أعلمتني به من جميل اعتقاد مولانا أمير المؤمنين أيده الله في عبده وصدق المخيلة في كرم مجده وهذا هو الجود المحض والفضل الذي شكره هو الفرض وتلك الخلافة المولوية تتصف بصفات من يبدأ بالنوال من قبل الضراعة والسؤال من غير اعتبار للأسباب ولا مجازات للأعمال نسأل الله تعالى أن يبقي منها على الإسلام أو في الظلال ويبلغها من فضله أقصى الآمال ووصل ما بعثه سيدي صحبتها من الهدية والتحفة الودية وقبلتها امتثالا واستجليت منها عتقا وجمالا وسيدي في الوقت أنسب باتخاذ ذلك الجنس وأقدر على الاستكثار من إناث البهم والإنس وأنا ضعيف القدرة غير مستطيع لذلك إلا في الندرة فلو رأى سيدي ورايه سداد وقصده فضل ووداد أن ينقل القضية إلى باب العارية من باب الهبة مع وجود الحقوق المترتبة لبسط خاطري وجمعه وعمل في رفع المؤنة على شاكلة حالي معه وقد استصحبت مركوبا يشق علي هجره ويناسب مقامي شكله ونجره وسيدي في الإسعاف على الله أجره وهذا أمر عرض وفرض فرض وعلى نظره المعول واعتماد إغضائه هو المعقول الأول والسلام على سيدي من معظم قدره وملتزم بره ابن الخطيب في ليلة الأحد السابع والعشرين لذي القعدة سنة خمس وخمسين وسبعمائة والسماء قد جادت بمطر سهرت منه الأجفان وظن أنه طوفان واللحاق في غدها بالباب المولوي مؤمل بحول الله اه ولما قدم الوزير المذكور على السلطان المذكور تقدم الوفد الذين معه من وزراء الأندلس وفقهائها وممثل بين يديه واستأذنه في إنشاد شيء من الشعر يقدمه بين يدي نجواه فأذن له وأنشد وهو قائم ( خليفة الله ساعد القدر % علاك ما لاح في الدجى قمر ) ( ودافعت عنك كف قدرته % ما ليس يستطيع دفعه البشر ) ( وجهك في النائبات بدر دجى % لنا وفي المحل كفك المطر ) ( والناس طرا بأرض أندلس % لولاك ما أوطنوا ولا عمروا ) ( ومن به مذ وصلت حبلهم % ما جحدوا نعمة ولا كفروا ) ( وجملة الأمر أنه وطن % في غير علياك ما له وطر ) ( وقد أهمتهم نفوسهم % فوجهوني إليك وانتظروا ) فاهتز السلطان أبو عنان لهذه الأبيات وأذن له في الجلوس وقال له قبل أن يجلس ما ترجع إليهم إلا بجميع طلباتهم ثم أدى الرسالة ودفع الكتاب ولما عزموا على الانصراف أثقل كاهلهم بالإحسان وردهم بجميع ما طلبوه قال ابن خلدون قال شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف وكان معه في ذلك الوفد لم نسمع بسفير قضى سفارته قبل أن يسلم على السلطان إلا هذا ونص الكتاب الذي قدم به ابن الخطيب المقام الذي يغني عن كل مفقود بوجوده ويهز إلى جميل العوائد أعطاف بأسه وجوده ونستضيء عند إظلام الخطوب بنور سعوده ونرث من الاعتماد عليه أسنى ذخر يرثه الولد عن آبائه وجدوده مقام محل أبينا الذي رعى الأذمة شأنه وصلة الراعي سجية انفرد بها سلطان ومواعد النصر ينجزها زمانه والقول والفعل في ذات الله تعالى تكفلت بهما يده الكريمة ولسانه وتطابق فيهما إسراره وإعلانه السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا أبقاه الله تعالى محروسا من غير الأيام جنابه موصولة بالوقاية الإلهية أسبابه مسدولا على ذاته الكريمة ستر الله تعالى وحجابه مصروفا عنه من صروف القدر ما يعجز عن رده بوابه ولا زال ملجأ تنفق لديه الوسائل التي تدخرها لأولادها أولياؤه وأحبابه ويسطر في صحف الفخر ثوابه وتشتمل على مكارم الدين والدنيا أثوابه وتتكفل بنصر الإسلام وجبر القلوب عند طوارق الأيام كتائبه وكتابه معظم ما عظم من حقه السائر من إجلاله وشكر خلاله على لاحب طرقه المستضيء في ظلمة الخطب بنور أفقه الأمير عبد الله محمد بن أمير المسلمين أبي الحجاج ابن أمير المسلمين أبي الوليد بن فرج بن نصر سلام كريم بر عميم يخص مقامكم الأعلى ورحمة الله تعالى وبركاته أما بعد حمد الله الذي لاراد لأمره ولا معارض لفعله مصرف الأمر بقدرته وحكمته وعدله الملك الحق الذي بيده ملاك الأمر كله مقدر الآجال والأعمار فلا يتأخر شيء عن ميقاته ولا يبرح عن محله جاعل الدنيا مناخ نقله لا يغتبط العاقل بمائة ولا بظله وسبيل رحلة فما أكثب ظعنه من حله والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد صفوة خلقه وخيرة أنبيائه وسيد رسله الذي نعتصم بسببه الأقوى ونتمسك بحبله ونمد يد الافتقار إلى فضله ونجاهد في سبيله من كذب به أو حاد عن سبله ونصل إليه ابتغاء مرضاته ومن أجله والرضا عن آله وأحزابه وأنصاره وأهله المستولين من ميدان الكمال على خصله والدعاء لمقامكم الأعلى بعز نصره ومضاء فضله فإنا كتبناه إليكم كتب الله تعالى لكم وقاية لا تطرق الخطوب حماها وعصمة ترجع عنها سهام النوائب كلما فوقها الدهر ورماها وعناية لا تغير الحوادث اسمها ولا مسماها وعزا يزاحم أجرام الكواكب منتماها من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى ونعم الله سبحانه تتواتر لدينا دفعا ونفعا وألطافه نتعرفها وترا وشفعا ومقامكم الأبوي هو المستند الأقوى والمورد الذي ترده آمال الإسلام فتروي وتهوي إليه أفئدتهم فتجد ما تهوى ومثابتكم العدة التي تأسست مبانيها على البر والتقوى وإلى هذا وصل الله تعالى سعدكم وأبقى مجدكم فإنا لما نعلم من مساهمة مجدكم التي يقتضيها كرم الطباع وطباع الكرم وتدعو إليها ذمم الرعي ورعي الذمم نعرفكم بعد الدعاء لملككم بدفاع الله تعالى عن إرتقائه وامتاع المسلمين ببقائه بما كان من وفاة مولانا الوالد نفعه تعالى بالسعادة التي ألبسه حلتها والشهادة التي في أعمالها الزكية كتبها والدرجة العالية التي حتمها له وأوجبها وبما تصير لنا من أمره وضم بنا من نشره وسدل على من خلفه من ستره وإنها لعبرة لمن ألقى السمع وموعظة تهز الجمع وترسل الدمع وحادثة أجمل الله تعالى فيها الدفع وشرح مجملها وإن اخرس اللسان هولها وأسلم العبارة قوتها وحولها إنه رضي الله تعالى عنه لما برز لإقامة سنة هذا العيد مستشعرا شعار كلمة التوحيد مظهرا سمة الخضوع للمولى الذي تضرع بين يديه رقاب العبيد آمنا بين قومه وأهله متسربلا في حلل نعم الله تعالى وفضله قرير العين باكتمال عزه واجتماع شمله قد احترس بأقصى استطاعته واستظهر بخلصان طاعته والأجل المكتوب قد حضر والإرادة الإلهية قد أنفذت القضاء والقدر وسجد بعد الركعة الثانية من صلاته أتاه أمرالله لميقاته على حين الشباب غض جلبابه والسلاح زاخر عبابه والدين بهذا القطر قد أينع بالأمن جنابه وأمر من يقول للشيء كن فيكون قد بلغ كتابه ولم يرعه وقد اطمأنت بذكر الله تعالى القلوب وخلصت الرغبات إلى فضله المطلوب إلا شقي قيضه الله تعالى لسعادته غير معروف ولا منسوب وخبيث لم يكن بمعتبر ولا محسوب تخلل الصفوف المعقودة وتجاوز الأبواب المسدودة وخاض الجموع المشهودة والأمم المحشورة إلى طاعة الله المحشودة لا تدل العين عليه شارة ولا بزة ولا تحمل على الحذر من مثله أنفه ولا عزة وإنما هو خبيث ممرور وكلب عقور وحية سمها وحي محذور وآلة مصرفة لينفذ بها قدر مقدور فلما طعنه وأثبته وأعلق به شرك الحين فما أفلته قبض عليه من الخلصان الأولياء من خبر ضميره وأحكم تقريره فلم يجب عند الاستفهام جوابا يعقل ولا عثر على شيء عنه ينقل لطفا من الله أفاد براءة الذمم وتعاورته للحين أيدي التمزيق واتبع شلوه بالتحريق واحتمل مولانا الوالد رحمه الله إلى القصر وبه ذماء لم يلبث بعد الفتكة العمرية إلا أيسر من اليسير وتخلف الملك ينظر من الطرف الحسير وينهض بالجناح الكسير وقد عاد جمع السلامة إلى جمع التكسير إلا أن الله تعالى تدارك هذا القطر الغريب أن أقامنا مقامه لوقته وحينه ورفع عماد بناء ملكه ولم شعث دينه وكان جميع من حضر المشهد من شريف الناس ومشروفهم وأعلامهم ولفيفهم قد جمعه ذلك الميقات وحضر الأولياء الثقات فلم تختلف علينا كلمة ولا شذت منهم عن بيعتنا نفس مسلمة ولا أخيف بري ولا حذر جري ولا فرى فري ولا وقع لبس ولا استوحشت نفس ولا نبض للفتنة ولا أغفل للدين حق فاستند النقل إلى نصه ولم يعدم من فقيدنا غير شخصه وبادرنا إلى مخاطبة البلاد نمهدها ونسكنها ونقرر الطاعة في النفوس ونمكنها وأمرنا الناس بها بكف الأيدي ورفع التعدي والعمل من حفظ شروط المسالمة المعقودة بما يجدي من شره منهم للفرارا عاجلناه بالإنكار وصرفنا على النصارى ما أوصاه مصحبا بالإعتذار وخاطبنا صاحب قشتالة نرى ما عنده في صلة السلم إلى أمدها من الأخبار واتصلت بنا البيعات من جميع الأقطار وعفى على حزن المسلمين بوالدنا ما ظهر عليهم بولايتنا من الإستبشار واستبقوا تطير بهم أجنحة الإبتدار جعلنا الله تعالى ممن قابل الحوادث بالإعتبار وكان على حذر من تصاريف الأقدار واختلاف الليل والنهار وأعاننا على إقامة دينه في هذا الوطن الغريب المنقطع بين العدو الطاغي والبحر الزخار وألهمنا من شكره ما يتكفل بالمزيد من نعمه ولا قطع عنا عوائد كرمه وإن فقدنا والدنا فأتم لنا من بعده الوالد والذخر الذي تكرم منه العوائد و الحب يتوارث كما ورد في الأخبار التي صحت منها الشواهد ومن أعد مثلكم لبنيه فقد تيسرت من بعد الممات أمانيه وتأسست قواعد ملكه وتشيدت مبانيه فالإعتقاد الجميل موصول والفروع لها في التشيع إليكم أصول وفي تقرير فخركم محصول وأنتم ردء المسلمين بهذه البلاد المسلمة الذي يعينهم بإرفاده وينصرهم بإنجاده ويعامل الله تعالى فيها بصدق جهاده وعندما استقر هذا الأمر الذي تبعت المحنة فيه المنحة وراقت من فضل الله تعالى ولطفه فيه الصفحة وأخذنا البيعة من أهل حضرتنا بعد استدعاء خواصهم وأعيانهم وتزاحمت على رقها المنشور خطوط أيمانهم وتأصلت قواعد ألفاظها ومعانيها في قلوبهم وآذانهم وضمنوا الوفاء بما عاهدوا الله عليه وقد خبر سلفنا والحمد لله وفاء ضمانهم بادرنا تعريف مقامكم الذي نعلم مساهمته فيما ساء وسر أحلى وأمر عملا بمقتضى الخلوص الذي ثبت واستقر والحب الذي ما مال يوما ولا أزور وما أحق تعريف مقامكم بوقوع هذا الأمر المحذور وانجلاء ليله عن صبح الصنع البادي السفور وإن كنا قد خاطبنا من خدامكم من يبادر إعلامكم بالأمور إلا أنه أمر له ما بعده وحادث يأخذ حده ونبعث إلى بابكم من شاهد الحال ما بين وقوعها إلى استقرارها رأي العيان وتولى تسديد الأمور بأعماله الكريمة ومقاصده الحسان ليكون أبلغ في البر وأشرح للصدر وأوعب للبيان فوجهنا إليكم وزير أمرنا وكاتب سرنا الفقيه الأجل أبا عبد الله محمد بن الخطيب وألقينا إليه من تقرير تعويلنا على ذلك المقام الأسنى واستنادنا من التشيع إليه إلى الركن الوثيق المبني ما نرجو أن يكون له فيه المقام الأغنى والثمرة العذبة المجني فلاهتمامه بهذا الغرض الأكيد الذي هو أساس بنائنا وقامع أعدائنا آثرنا توجيهه على توفر الاحتياج إليه ومدار الحال عليه والمرغوب من أبوتكم المؤملة أن يتلقاه قبولها بما يليق بالملك العالي والخلافة السامية المعالي والله عز وجل يديم أيامكم لصلة الفضل المتوالي ويحفظ مجدكم من غير الأيام والليالي وهو سبحانه يصل سعدكم ويحرس مجدكم ويوالي نصركم وعضدكم والسلام الكريم يخصكم ورحمة الله وبركاته اه وللسلطان الغني بالله هذا مع السلطان أبي عنان رحمهما الله مراسلات عديدة ومكاتبات مديدة قد ذكر صاحب نفح الطيب منها جملة وافرة مع التنبيه على أسبابها فانظرها فيه إن شئت وأكرم السلطان أبو عنان الوزير ابن الخطيب في هذه الوفادة وغيرها إكراما بليغا ولما انصرف عنه مدحه بقصيدة طويلة طنانة يقول في أولها ( أبدى لداعي الفوز وجه منيب % وأفاق من عذل ومن تأنيب ) ويقول في أثنائها ( يا ناصر الدين الحنيف وأهله % إنضاء مسغبة وفل خطول ) ( حقق ظنون بنيه فيك فإنهم % يتعللون بوعدك المرقوب ) ( ضاقت مذاهب نصرهم فتعلقوا % بجناب عز من علاك رحيب ) ( ودجا ظلام الكفر في آفاقهم % أو ليس صبحك منهم بقريب ) ( فانظر بعين العز من ثغر غدا % حذر العدا يرنو بطرف مريب ) ( نادتك أندلس ومجدك ضامن % ألا يخيب لديك ذو مطلوب ) وهي طويلة
وفي سنة ست وخمسين وسبعمائة انتقض على السلطان أبي عنان وزيره وصاحب شواره عيسى بن الحسين بن علي بن أبي الطلاق من شيوخ بني مرين ووجوها وكان السلطان أبو عنان قد استعمله على جبل طارق فتمكنت رياسته به وانتقض على السلطان لأسباب يطول شرحها ثم التاثت حاله وضاقت مذاهبه فقبض عليه وأحضر بين يدي السلطان أبي عنان هو وابنه يوم منى من سنة ست وخمسين المذكورة فتنصلا واعتذرا فلم يقبل منهما وأودعهما السجن وضيق عليهما ولما كان آخر السنة أمر بهما فجنبا إلى مصارعهما وقتل عيسى قعصا بالرماح وقطع ابنه أبو يحيى من خلاف وأبى من مداواة قطعه فلم يزل يتخبط في دمه إلى أن هلك بعد ثلاثة أيام من قطعه وعقد السلطان على جبل طارق وسائر ثغور الأندلس لسليمان بن داود ثم عقد بعده لولده أبي بكر السعيد وهو الذي تولى الملك بعده والله أعلم
رحلة السلطان أبي عنان إلى سلا وتطارحه على وليها الأكبر أبي العباس بن عاشر رضي الله عنه
كان لبني مرين عموما وللسلطان أبي عنان خصوصا جنوح إلى الخير ومحبة في أهله وتعرض لمن يشار إليه بالصلاح واستمطار لطله ووبله وكان الشيخ الأشهر أبو العباس أحمد بن عاشر الأندلس رضي الله عنه قد استوطن في هذا التاريخ مدينة سلا وكان من الأفراد الجامعين بين العلم والعمل المتمسكين بالكتاب والسنة الناهجين سنن السلف الصالح في الزهد والورع والإنقطاع عن الخلق جملة بحيث طار ذكره وعظم لدى الخاص والعام قدره فتحركت همة السلطان أبي عنان لزيارته والإقتباس مما يفتح الله به من وعظه وإشارته فارتحل سنة سبع وخمسين وسبعمائة إلى سلا فقدمها وحرص على الإجتماع بالشيخ المذكور ووقف ببابه مرارا فلم يأذن له وترصده يوم الجمعة بعد الصلاة ولما انفض الناس تبعه على قدميه والناس ينظرون إليه وهو لا يراه فقال السلطان عند ذلك لقد منعنا من هذا الولي ثم أرسل إليه ولده راغبا ومستعطفا فأجابه بما قطع رجاءه من لقائه غير أنه كتب إليه كتابا وعظه فيه وذكره فسر السلطان أبو عنان بذلك الكتاب وحزن لما فاته من الإجتماع بالشيخ وقد ذكر الفقيه العلامة البركة أبو العباس أحمد بن عاشر بن عبد الرحمن السلاوي المدعو بالحافي في كتابه تحفة الزائر في مناقب الشيخ ابن عاشر نص هذا الكتاب ولم يحضرني الآن فانظره فيه وبالله تعالى التوفيق
غزوة السلطان أبي عنان إفريقية وفتح قسنطينة ثم فتح تونس بعدها
لما كان أيام التشريق من سنة سبع وخمسين وسبعمائة اعتزم السلطان أبو عنان على النهوض إلى إفريقية واضطرب معسكره بساحة فاس الجديد وبعث في الحشد إلى مراكش وأوعز إلى بني مرين بأخذ الأهبه للسفر وجلس للعطاء وعرض الجنود من لدن عزمه على النهوض إلى شهر ربيع الأول من سنة ثمان وخمسين بعدها ثم ارتحل من فاس وسرح في مقدمته وزيره فارس بن ميمون في العساكر وسار هو في ساقته على التعبية إلى أن احتل ببجاية وتلوم لإزاحة العلل ثم نازل الوزير قسنطينة وجاء السلطان على أثره ولما أطلت راياته وماجت الأرض بجنوده ذعر أهل البلد وألقوا بأيديهم إلى الأذعان وانفضوا من حول سلطانهم أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر الحفصي وجاؤوا مهطعين إلى السلطان أبي عنان وتحيز الحفصي في خاصته إلى القصبة ثم طلبوا الأمان من السلطان أبي عنان فبذله لهم وخرجوا وأنزلهم بمعسكره أياما ثم بعث بأبي العباس في الأسطول إلى سبتة فاعتقله بها وعقد على قسنطينة لمنصور بن الحاج خلوف الياباني من شيوخ بني مرين وأهل الشورى منهم وأنزله بالقصبة في شعبان من السنة المذكورة ووصلت إليه بيعات أمراء الأطراف من توزر ونفطة وقابس وغيرها ووفد عليه أولاد مهلهل أمراء بني كعب من سليم وأقبال بني أبي الليل منهم يستحثونه لملك تونس فسرح معهم العساكر وعقد عليها ليحيى بن عبد الرحمن بن تاشفين وبعث أسطوله في البحر مددا لهم وعقد عليه للرئيس محمد بن يوسف المعروف بالأبكم من أمراء بني الأحمر وكان سلطان تونس يومئذ أبا إسحاق إبراهيم بن أبي بكر الحفصي ولما اتصل به خبر بني مرين أخرج حاجبه أبا محمد بن تافراجين لقتالهم فزحفت الجيوش إلى تونس ووصل الأسطول إلى مرساها فقاتلهم ابن تافارجين يوما أو بعض يوم ثم ركب الليل إلى المهدية فتحصن بها ودخل أولياء السلطان إلى تونس في رمضان من سنة ثمان وخمسين وسبعمائة وأقاموا بها الدعوة المرينية واحتل يحيى بن عبد الرحمن بالقصبة وأنفذ الأوامر وكتب إلى السلطان أبي عنان بالفتح فعظم سروره ونظر بعد ذلك في أحوال ذلك القطر وقبض أيدي العرب من رياح عن الإتاوة التي يسمونها الخفارة فارتابوا وطالبهم بالرهن عن الطاعة فأجمعوا الخلاف والتفوا على أميرهم يعقوب بن علي ولحقوا بالزاب وارتحل السلطان في اثرهم فأجفلوا أمامه إلى القفر فخرب حصونهم التي بالزاب ورجع عنهم وحمل له ابن مزني عامل بسكرة والزاب جبايته وأطلق المؤن للعسكر من الإدام والحنطة والحملان والعلوفة ثلاثة أيام وكافأه السلطان على صنيعه فخلع عليه وعلى أهله وولده وأسنى جوائزهم ورجع إلى قسنطينة واعتزم على الرحلة إلى تونس وضاقت العساكر ذرعا بشأن النفقات والإبعاد في الرحلة وارتكاب الخطر في دخول إفريقية فتمشت رجالاتهم في الانفضاض عن السلطان وداخلو الوزير فارس بن ميمون في ذلك فوفقهم ثم أذن شيوخ العسكر ونقباؤه لمن تحت أيديهم من القبائل في اللحاق بالمغرب حتى يبقو منفردين وأنهى إلى السلطان أبي عنان أن شيوخ العسكر قد عزموا على قتله ونصب إدريس بن عثمان بن أبي العلاء للأمر فأسرها في نفسه ولم يبدها لهم ورأى قلة من معه من الجند فارتاب وكر راجعا إلى المغرب بعد أن كان ارتحل عن قسنطينة إلى جهة تونس مرحلتين فانكفأ وأغذ السير إلى فاس فاحتل بها غرة ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين المذكورة وتقبض يوم دخوله على وزيره فارس بن ميمون لأنه اتهمه بمداخلة بني مرين في شأنه وقتله رابع أيام التشريق قعصا بالرماح وتقبض على مشيخة بني مرين فاستلحمهم وأودع طائفة منهم السجن ولما رجع السلطان أبو عنان من إفريقية بلغ خبره إلى الجهات فارتحل أبو محمد بن تافرجين من المهدية إلى تونس ولما أطل عيها ثارت شيعة الحفصيين على من كان بها من جيش بني مرين فنجوا إلى السفن وركبوا البحر إلى المغرب وجاء على أثرهم يحيى بن عبد الرحمن فيمن كان معه من العساكر وأولاد مهلهل وكان يوم الهيعة بناحية الجريد لاقتضاء جبايته فصوب إلى المغرب واجتمعوا كلهم بباب السلطان أبي عنان فأرجأ حركته إلى العام لقابل وكان ما نذكره إن شاء الله
وزارة سليمان بن داود ونهوضه بالعساكر إلى إفريقية
لما رجع السلطان أبو عنان من إفريقية ولم يستتم فتحها بقي في نفسه منها شيء وخشي على ضواحي قسنطينة من يعقوب بن علي ومن معه من الذواودة المخالفين فأهمه شأنهم واستدعى سليمان بن داود من مكانه بجبل طارق وعقد له على وزارته وسرحه في العساكر إلى إفريقية فنهض إليها في ربيع من سنة تسع وخمسين وسبعمائة وكان السلطان أبو عنان لما خالف عليه يعقوب بن علي وفر إلى القفر أقام مكانه أخاه المنازع له في رياسة رياح ميمون بن علي وقدمه على أولاد محمد من الذواودة وأحله بمكانه من رياسة البدو فنزع إليه عن أخيه يعقوب الكثير من قومه وتمسك بطاعة السلطان أيضا طوائف من أولاد سباع بن يحيى فانحاشوا جميعا للوزير ونزلوا بحللهم على معسكره ثم ارتحل السلطان أبو عنان من فاس حتى احتل بتلمسان فأقام بها لمشارفة أحوال الوزير المذكور واحتل الوزير بوطن قسنطينة وبعث إلى عامل بسكرة والزاب يوسف بن مزني بأن تكون يده معه وأن يفاوضه في أحوال الذواودة لرسوخه في معرفتها فارتحل إليه من بسكرة ونازلوا جبل أوراين واقتضوا جبايته ومغارمه وشردوا المخالفين من الذواودة عن العيث في الوطن فتم غرضهم من ذلك وانتهى الوزير وعساكر السلطان إلى أول أوطان إفريقية من آخر مجالات رياح وانكفأ راجعا إلى المغرب فوافى السلطان أبا عنان بتلمسان ووصلت معه وفود العرب الذين أبلوا في الخدمة فوصلهم السلطان وخلع عليهم وحملهم وفرض لهم في العطاء بالزاب وكتب لهم بذلك وانقلبوا إلى أهليهم فرحين مغتبطين ووفد على اثرهم أحمد بن يوسف بن مزني اوفده أبوه بهدية إلى السلطان من الخيل والرقيق والدرق فتقبلها السلطان وأكرم وفادته ثم استصحبه إلى فاس ليريه أحوال كرامته وليستبلغ في الاحتفاء به واحتل بدار ملكه منتصف ذي القعدة من سنة تسع وخمسين وسبعمائة
وفاة السلطان أبي عنان رحمه الله
لما وصل السلطان أبو عنان إلى دار ملكه بفاس احتل بها بين يدي العيد الأكبر حتى إذا قضى الصلاة من يوم الأضحى أدركه المرض بالمصلى وأعجله طائف الوجع عن الجلوس للناس يوم العيد على العادة فدخل قصره ولزم فراشه
وذكر ابن خلدون ما حاصله إنه كانت بين الوزير حسن بن عمر الفودودي وبين ولي العهد أبي زيان محمد بن السلطان أبي عنان نفرة مستحكمة لسوء طويته وشر ملكته فاتفق الوزير المذكور مع من كان على رأيه من أهل مجلس السلطان على تحويل الأمر عنه إلى غيره من أبناء السلطان فأجمعوا الفتك به والبيعة لأخيه أبي بكر السعيد طفلا خماسيا ثم أغروا الوزير مسعود بن عبد الرحمن بن ماساي بتطلب أبي زيان ولي العهد في نواحي القصر والتقبض عليه فدخل إليه وتلطف في إخراجه من بين الحرم وقاده إلى أخيه السعيد فبايع وثل إلى بعض حجر القصر فاتلفت فيها مهجته واستقل الحسن بن عمر بالأمر يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ذي الحجة والسلطان أبو عنان أثناء ذلك يجود بنفسه وارتقب الناس دفنه يوم الأربعاء والخميس بعده فلم يدفن فارتابوا وفشى الكلام فدخل الوزير زعموا إليه بمكانه من قصره ثم غطه حتى أتلفه ودفن يوم السبت وحجب الحسن بن عمر الولد المنصوب للأمر وأغلق عليه بابه وتفرد بالأمر والنهي دونه انتهى وهذا أول مرض نزل بالدولة المرينية وقال في الجذوة توفي السلطان أبو عنان قتيلا خنقه وزيره الحسن بن عمر الفودودي يوم السبت الثامن والعشرين من ذي الحجة متم سنة تسع وخمسين وسبعمائة وسنة يوم توفي ثلاثون سنة
بقية أخبار السلطان أبي عنان وسيرته
كان السلطان أبو عنان رحمه الله أبيض اللون تعلوه صفرة طويل القامة يشرف على الناس بطوله نحيف البدن عالي الأنف حسنه أعين أدعج جهوري الصوت في كلامه عجلة حتى لا يكاد السامع يفهم ما يقول عظيم اللحية تملأ صدره أسودها وإذا مرت بها الريح تفرقت نصفين حتى يستبين موضع الذقن وكان فارسا شجاعا يقوم في الحرب مقام جنده وكان فقيها يناظر العلماء الجلة عارفا بالمنطق وأصول الدين وله حظ صالح من علمي العربية والحساب وكان حافظا للقرآن عارفا بناسخه ومنسوخه حافظا للحديث عارفا برجاله فصيح القلم كاتبا بليغا حسن التوقيع شاعرا أنشد له صاحب الجذوة اشعارا حسنة من ذلك في الحكمة قوله ( وإذا تصدر للرياسة خامل % جرت الأمور على الطريق الأعوج ) وقال ابن الأحمر كنت يوما جالسا معه بمقعد ملكه من المدينة البيضاء بفاس فدخل عليه رجل يتصلح فلما نظر إليه قال بديهة تراهم في ظواهرهم كراما % ويخفون المكيدة والخداعا ) وللسلطان أبي عنان رحمه الله آثار دينية من بناء المدارس والزوايا وغير ذلك ومدرسته العنانية بفاس مشهورة إلى الآن ومن مدارسه المدرسة العجيبة بحومة باب حسين من سلا وقد صارت اليوم فندقا يعرف بفندق أسكور ومما قاله أبو بكر بن جزي في بعض ما أنشأه السلطان المذكور من الزوايا قوله ( هذا محل الفضل والإيثار % والرفق بالسكان والزوار ) ( دار على الإحسان شيدت والتقى % فجزاؤها الحسنى وعقبى الدار ) ( هي ملجأ للواردين ومورد % لابن السبيل وكل ركب ساري ) ( آثار مولانا الخليفة فارس % أكرم بها في المجد من آثار ) ( لا زال منصور اللواء مظفرا % ماضي العزائم سامي المقدار ) ( بنيت على يد عبدهم وخديم % بابهم العلي محمد بن حدار ) ( في عام أربعة وخمسين انقضت % من بعد سبعمئين في الأعصار ) وقال صاحب الجذوة حدثني شيخنا أبو راشد اليدري أن السلطان أبا عنان هو الذي أحدث بفاس العلم الأزرق في الصومعة يوم الجمعة وقال في موضوع آخر منها حكي أن السلطان أبا عنان المريني صعد الصومعة يعني بالقرويين ليعتبر المدينة وترتيبها ووقف على المنجانة وما اتصل بها فاستحسن ذلك وأنعم على الناظر فيها بمرتب وسع عليه فيه ليستعين به على القيام بشعائر الإسلام وذلك في سنة تسع وأربعين وسبعمائة قال وأمر بإثر ذلك بأن ينصب بأعلى الصومعة صاري من خشب وينشر فيه علم في الأوقات التي يصلى فيها وفنار فيه سراج مزهر في أوقات صلاة الليل ليستدل بذلك من بعد ومن لم يسمع النداء وفي ذلك اعتناء بأمور الأوقاف وما يتعلق بها من وجوب الصلوات ويترتب عليها من وجوه الحقوق في العادات و العبادات ومما قيل في ذلك ( نور به علم الإيمان مرتفع % للمهتدين به للحق إرشاد ) ( يأتون من كل صوب نحوه فلهم % لديه للرشد إصدار وإيراد ) وقد لخص ابن الخطيب رحمه الله في رقم الحلل سيرة السلطان أبي عنان فقال ( وخلص الأمر لكف فارس % باني الزوايا الكثر والمدارس ) ( الأسد المفترس المصنوع له % من نال من كل المساعي أمله ) ( واحد آحاد الملوك العظما % ومطلع النصر إذا ما أقدما ) ( ومخجل الغيث إذا الغيث هما % الملك وملك العلما ) ( أوجب حق الشعر والكتابة % فأملت أعلامها جنابه ) ( واستجلب الأماثل الكبارا % النبهاء العلية الأخيارا ) ( يجبرهم على حضور الدولة % فهم بدور وشموس حوله ) ( وكان جبارا على خدامه % ينالهم في القسر في أحكامه ) ( مذهبه ألا يقيل عثره % حتى لأرباب التقى والثرة ) ( فطرة السيف تناغي الدرة % إذ غلبت على المزاج المرة ) ( ومات فيما قيل شر ميتة % بغيلة لنفسه مفيته ) ( لم يغن عنه البأس والبسالة % وأصبحت مهجته مسالة ) ( وألقيت أزمة التدبير % من بعده في راحة الوزير ) ومن أعيان كتابه أبو القاسم بن رضوان وأبو القاسم البرجي ومن أعيان قضاته أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد المقري وهو جد أبي العباس المقري صاحب نفح الطيب وغيره من التآليف الحسان وأبو عبد الله محمد بن أحمد الفشتالي وغيرهما رحم الله الجميع ** الدولة المرينية القسم الثاني
الخبر عن دولة السلطان السعيد بالله أبي بكر بن أبي عنان بن أبي الحسن المريني
هذا السلطان أول من استبد عليه من ملوك بني مرين أمه أم ولد اسمها الياسمين كنيته أبو يحيى وهي كنية كل من اسمه أبو بكر لقبه السعيد بالله صفته دري اللون مستدير الوجه حسن الأنف ألعس الشفتين براق الثنايا جعد الشعر بويع وأبوه مريض في التاريخ المتقدم وكان محجوبا بوزيره حسن بن عمر الفودودي لا يملك معه ضرا ولا نفعا ولما بويع لحق أخوه عبد الرحمن بن أبي عنان بجبل الكاي وكان أسن منه وإنما آثروه لمكان ابن عمه مسعود بن عبد الرحمن بن ماساي من وزارته فبعثوا إليه من لاطفه واستنزله على الأمان وجاء به إلى أخيه فاعتقله الحسن ابن عمر بقصبته من فاس وبعث على أبناء السلطان الأصاغر الأمراء بالثغور فجاء المعتصم من سجلماسة وامتنع المعتمد بمراكش وكان بها في كفالة عامر بن محمد الهنتاتي وكان عامر هذا من بيوتات هنتاتة وأهل الرياسة والشرف فيهم وكان السلطان أبو عنان قد أوصى إليه بولده المذكور وجعله هنالك لنظره فلما بعثوا عليه منعه من الوصول إليهم وخرج به من مراكش إلى حصنه من جبل هنتاتة فجهز إليه الوزير حسن بن عمر الجيوش لنظر الوزير سليمان بن داود مشاركة في الاستبداد وسرحه في المحرم سنة ستين وسبعمائة فسار إلى مراكش فاستولى عليها ثم تخطى إلى الجبل فأحاط به وضيق على عامر حتى أشرف على اقتحام الحصن إلى أن بلغه خبر افتراق بني مرين بفاس وظهور منصور بن سليمان بها على ما نذكره فانفض العسكر من حوله وتسابقوا إلى منصور فلحقوا به ولحق به سليمان ابن داود أيضا وتنفس الحصار عن عامر ومكفوله والله غالب على أمره
ظهور أبي حمو موسى بن يوسف الزياني واستيلاؤه على تلمسان ونهوض مسعود بن عبد الرحمن إليه وطرده عنها
كان بنو عامر بن زغبة من عرب هلال خارجين على السلطان أبي عنان منذ استيلائه على تلمسان وكانت رياستهم إلى صغير بن عامر بن إبراهيم ولما رجع أبو عنان إلى فاس اعتزم صغير على الرحلة بقومه إلى وطنهم من صحراء المغرب لأنهم كانوا منتبذين عنها بأطراف إفريقية فدعوا أبا حمو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن بن زيان إلى الرحلة معهم لينصبوه للأمر ويجلبوا به على تلمسان فأجابهم إلى ذلك وأغذوا السير إلى المغرب للعيث في نوا حيه فجمع لهم أعداؤهم من سويد وكانوا خالصة لبني مرين فالتقوا بقبلة تلمسان فانهزمت سويد وهلك كبيرهم عثمان بن ونزمار واتصل بهم في أثناء ذلك خبر وفاة السلطان أبي عنان بفاس فأغذوا السير إلى تلمسان وقاتلوا علهيا حامية بني مرين ثم اقتحموها عليهم لليال خلون من ربيع الأول سنة ستين وسبعمائة واستباحوا من كان بها منهم وامتلأت أيديهم من أسلابهم واستولى أبو حمو على ملك تلمسان واستأثر بما ألفاه بها من متاع بني مرين ومن جملته هدية كان السلطان أبو عنان أعدها هنالك ليبعث بها إلى طاغية برشلونة وفيها فرس أدهم من مقرباته بمركب ولجام مذهبين ثقيلين فاتخذ أبو حمو الفرس لركوبه وصرف باقي الهدية في وجوه مقاصده ولما انتهى إلى الوزير حسن بن عمر خبر تلمسان واستيلاء أبي حمو عليها جمع شيوخ بني مرين وأخبرهم بالنهوض إليها فأبوا عليه من النهوض بنفسه وأشاروا بتجهيز العساكر ووعدوه من أنفسهم المسير كافة ففتح ديوان العطاء وفرق الأموال وأسنى الصلات وأزاح العلل وعسكر بساحة البلد الجديد ثم عقد عليهم لمسعود بن عبد الرحمن بن ماساي وحمل معه المال وأعطاه الآلة وسار في العساكر والألوية ولما اتصل خبر مسيره بأبي حمو أفرج له عن تلمسان ودخلها مسعود في ربيع الثاني من السنة المذكورة فاستولى عليها وخرج أبو حمو إلى الصحراء إلى أن كان ما نذكره
ظهور منصور بن سليمان وبيعة مسعود ابن عبد الرحمن له وما نشأ عن ذلك
منصور هذا هو منصور بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب ابن عبد الحق وكان الناس يرجفون بأن ملك المغرب سائر إليه بعد وفاة أبي عنان وشاع ذلك على ألسنة الناس حتى تحدث به السمر والندمان وخشي منصور على نفسه من ذلك فجاء إلى الوزير حسن بن عمر وشكا إليه ذلك فنهاه أن يختلج بفكرة هذا الوسواس وانتهره انتهارا خلا عن وجه السياسة فانزجر واستكان قال ابن خلدون ولقد شهدت هذا الموطن فرحمت ذلة انكساره وخضوعه في موقفه ثم لما نهض مسعود بن عبد الرحمن إلى تلمسان واستولى عليها كان منصور هذا في جملته ولما فر أبو حمو إلى الصحراء اجتمعت عليه جموع العرب من بني زغبة وبني معقل ثم خالفوا بني مرين إلى المغرب واحتلوا بانكاد بحللهم وظواعنهم فجهز إليهم مسعود بن عبد الرحمن عسكرا من جنوده انتقى فيه مشيخة بني مرين وأمراءهم وعقد عليهم لابن عمه عامر بن عبد الله بن ماساي وسرحه فزحف إلى العرب بساحة وجدة فصدقه العرب القتال فانكشفت بنو مرين واستبيح معسكرهم واستلبت مشيختهم وأرجلوا عن خيولهم ودخلوا إلى وجدة عراة وبلغ الخبر إلى بني مرين الذين بتلمسان وكان في قلوبهم مرض من استبداد حسن بن عمر عليهم وحجره لسلطانهم فكانوا يتربصون بالدولة الدوائر فلما بلغهم هذا الخبر حاصوا حيصة حمر الوحش وخلصوا نجيا بساحة البلد فاتفقوا على البيعة ليعيش بن علي بن أبي زيان بن يوسف بن يعقوب فبايعوه وانتهى الخبر إلى مسعود بن عبد الرحمن وكان في جملته منصور بن سليمان كما قلنا فأكرهه على البيعة وبايعه معه الرئيس الأبكم من بني الأحمر وقائد النصارى والقهردور وتسايل إليه الناس من كل جانب وتسامع الملأ من بني مرين بالخبر فتهاروا إليه وذهب يعيش بن علي لوجهه فركب البحر إلى الأندلس واستتب أمر منصور بن سليمان واجتمع بنو مرين على كلمته فارتحل بهم من تلمسان يريد المغرب واعترضتهم جموع العرب في طريقهم فأوقعت بهم بنو مرين وامتلأت أيديهم من أسلابهم وظعنهم ثم أغذوا السير إلى المغرب فاحتلوا بوادي سبو في منتصف جمادى الآخرة من سنة ستين وسبعمائة وبلغ الخبر إلى الحسن بن عمر فبرز واضطرب معسكره بساحة البلد وأخرج السلطان السعيد في الآلة والتعبية إلى أن أنزله بفسطاطه ولما غشيهم الليل انفض عنه الملأ إلى منصور فأوقد الوزير الشموع وأذكى النيران وجمع الموالي والجند حول الفسطاط حتى أركب السلطان وعاد به إلى قصره وتحصن بالبلد الجديد وأصبح منصور بن سليمان فارتحل في التعبية حتى نزل بكدية العرائس في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة وغدا على فاس الجديد بالقتال وجمع الأيدي على اتخاذ الآلات للحصار وانثالت عليه وفود الأمصار بالمغرب للبيعة ولحقت به كتائب بني مرين التي كانت مجمرة على حصن عامر بن محمد الهنتاني ولحق به أيضا قائدها سليمان بن داود وكاد أمره يتم وأقام على فاس الجديد يغاديها القتال ويراوحها ثم بدا الخلل في عسكره ونزع عنه إلى الوزير حسن بن عمر طائفة من بني مرين ولحق آخرون ببلادهم ووقفوا ينتظرون مآل أمره واستمر هذا الحال إلى غرة شعبان فبينما الناس في ذلك إذ ظهر السلطان أبو سالم بجبال غمارة فانصرفت إليه وجوه أهل المغرب وبطل أمر السلطانين أبي بكر السعيد ومنصور بن سليمان معا وذابا كما يذوب الملح فأما منصور بن سليمان فإنه فر إلى بادس فقبض عليه وجيء به إلى السلطان أبي سالم فقتله وأما السعيد فإن وزيره الحسن بن عمر لما سمع بظهور السلطان أبي سالم واستفحال أمره نبذ دعوة سلطانه المذكور وبعث بطاعته إلى أبي سالم ووعده بالتمكين من دار الملك إن قدم عليه فكان الأمر كذلك وخلع السعيد يوم الثلاثاء الثاني عشر من شعبان سنة ستين وسبعمائة ثم قتل بعد ذلك غرقا في البحر فإن السلطان أبا سالم بعثه في جملة الأبناء المرشحين من بني أبي الحسن إلى الأندلس ووكل بهم من يحرسهم ثم بعد ذلك بعث إلى الموكل بهم فحملهم في سفينة كأنه يريد بهم المشرق ثم غرقهم في البحر والأمر لله وحده
الخبر عن دولة السلطان المستعين بالله أبي سالم إبراهيم بن أبي الحسن المريني
كان هذا السلطان جوادا جم العطاء معروفا بالوفاء كثير الحياء كنيته أبو سالم لقبه المستعين بالله أمه أم ولد رومية اسمها قمر صفته آدم اللون معتدل القامة رحب الوجه واسع الجبين بادن الجسم أعين أدعج معتدل اللحية أسودها وكان بعد مهلك والده السلطان أبي الحسن رحمه الله قد استقر بالأندلس بعثه إليها أخوه أبو عنان كما مر ولما مات أبو عنان المذكور وولي ابنه الصبي طمع أبو سالم هذا في الملك فاستأذن الحاجب رضوان مدبر دولة ابن الأحمر بالأندلس في اللحاق ببلاده فأبى عليه فغاضه ذلك ونزع عنه إلى طاغية قشتالة وتطارح عليه في أن يحمله إلى بر العدوة يطلب ملك أبيه فأسعفه وأمر به فحمل في مركب وألقى به ملاحه في ساحل بلاد غمارة بعد أن تردد في أي السواحل يلقيه ووافق ذلك اختلاف الكلمة بفاس ومحاصرة منصور بن سليمان للمدينة البيضاء فتسامع الناس بخروجه ببلاد غمارة أحوج ما كانوا إليه فتسايلوا إليه من كل وجه وانفض الناس من حول منصور ومشى أهل معسكره بأجمعهم على التعبية فلحقوا بالسلطان أبي سالم واستغذوه إلى دار ملكه فأغذ السير إليها وخلع الحسن بن عمر سلطانه السعيد من الأمر لتسعة أشهر من خلافته وأسلمه إلى عمه فخرج إليه وبايعه ودخل السلطان أبو سالم البلد الجديد يوم الجمعة منتصف شعبان من سنة ستين وسبعمائة واستولى على ملك المغرب وتوافت وفود النواحي بالبيعات وعقد للحسن بن عمر على مراكش وجهزه إليها بالعساكر تخففا منه وريبة بمكانه من الدولة واستوزر مسعود بن عبد الرحمن بن ماساي والحسن بن يوسف الورتاجني واصطفى من خواصه خطيب أبيه الفقيه أبا عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق وجعل إلى أبي زيد عبد الرحمن بن خلدون صاحب التاريخ توقيعه وكتابة سره قال وكنت نزعت إليه من معسكر منصور بن سليمان بكدية العرائس لما رأيت من اختلاف أحواله ومصير الأمر إلى السلطان أبي سالم فأقبل علي وأنزلني بمحل التنويه واستخلصني لكتابته أه
قدوم الغني بالله ابن الأحمر ووزيره ابن الخطيب مخلوعين على السلطان أبي سالم والسبب في ذلك
قد قدمنا أن السلطان أبا الحجاج قتل يوم عيد الفطر بالمصلى سنة خمس وخمسين وسبعمائة وولي الأمر من بعده ابنه الغني بالله محمد بن يوسف وكان له أخ اسمه إسماعيل فجعله الغني بالله في بعض القصور من حمراء غرناطة احتفاظا به إلى أن كان رمضان من سنة ستين وسبعمائة فخرج الغني بالله إلى بعض منتزهاته خارج القصبة ولما كانت ليلة سبع وعشرين من رمضان المذكور أو ثمان وعشرين منه تسور جماعة من شيعة إسماعيل المحبوس عليه القصبة ليلا وأخرجوه من محبسه وأعلنوا بدعوته ثم اقتحموا على حاجبه رضوان داره فقتلوه على فراشه وبين نسائه وضبطوا القصبة وأعلنوا بالدعوة ولم يرع الغني بالله إلا قرع الطبول بالقصبة في جوف الليل فاستكشف الخبر وتسمع فعلم بما تم عليه من خلعه وتولية أخيه فركب فرسه وخاض الليل إلى وادي آش فاستولى عليها وضبطها وبايعه أهلها على الموت ثم عمد شيعة إسماعيل الثائر إلى الوزير ابن الخطيب فأودعوه السجن بعد أن أغروا به ثائرهم واكتسحوا داره واصطلموا نعمته وأتلفوا موجوده وكان شيئا يجل عن الحصر واتصل ذلك كله بالسلطان أبي سالم وكانت له مصافاة مع ابن الأحمر من لدن كان عنده بالأندلس فكتب إسماعيل الثائر وشيعته يأمرهم بتخلية طريق الغني بالله للقدوم عليه ويشفع في تسريح ابن الخطيب وتخلية سبيله فأجابوا إلى ذلك وقدم الغني بالله بن الأحمر ووزيره ابن الخطيب على السلطان أبي سالم في السادس من محرم فاتح سنة إحدى وستين وسبعمائة فأجل السلطان أبو سالم قدومه وركب للقائه ودخل به إلى مجلس ملكه وقد احتفل في ترتيبه وقد غص بالمشيخة والعلية ووقف وزيره ابن الخطيب على قدميه فأنشد السلطان أبا سالم قصيدته الرائية يستصرخه لسلطانه ويستحثه لمظاهرته على أمره واستعطف واسترحم بما أبكى الناس شفقة له ورحمه ونص القصيدة ( سلا هل لديها من مخبرة ذكر % وهل أعشب الوادي ونم به الزهر ) ( وهل باكر الوسمي دارا على اللوا % عفت آيها إلا التوهم والذكر ) ( بلادي التي عاطيت مشمولة الهوى % بأكنافها والعيش فينان مخضر ) ( وجوى الذي ربى جناحي وكره % فها أنا ذا ما لي جناح ولا وكر ) ( نبت بي لا عن جفوة وملالة % ولا نسخ الوصل الهني بها هجر ) ( ولكنها الدنيا قليل متاعها % ولذاتها دأبا تزور وتزور ) ( فمن لي بقرب العهد منها ودوننا % مدى طال حتى يومه عندنا شهر ) ( ولله عينا من رآنا وللأسى % ضرام له في كل جانحة جمر ) ( وقد بددت در الدموع يد النوى % وللشوق أشجان يضيق لها الصدر ) ( بكينا على النهر الشروب عشيه % فعاد أجاجا بعدنا ذلك النهر ) ( أقول لأظعاني وقد غالها السرى % وآنسها الحادي وأوحشها الزجر ) ( رويدك بعد العسر يسران أبشري % بإنجاز وعد الله قد ذهب العسر ) ( ولله فينا علم غيب وربما % أتى النفع من حال أريد بها الضر ) ( وإن تخن الأيام لم تخن النهى % وأن يخذل الأقوام لم يخذل الصبر ) ( وإن عركت مني الخطوب مجربا % نقابا تساوى عنده الحلو والمر ) ( فقد عجمت عودا صليبا على الردى % وعزما كما تمضي المهندة البتر ) ( إذا أنت بالبيضاء قررت منزلي % فلا اللحم حل ما حييت ولا الظهر ) ( زجرنا بإبراهيم برء همومنا % فلما رأينا وجهه صدق الزجر ) ( بمنتخب من آل يعقوب كلما % دجا الخطيب لم يكذب لعزمته فجر ) ( تناقلت الركبان طيب حديثه % فلما رأته صدق الخبر الخبر ) ( ندى لو حواه البحر لذ مذاقه % ولم يتعقب مده أبدا جزر ) ( وبأس غدا يرتاع من خوفه الردى % وترفل في أذياله الفتكة البكر ) ( أطاعته حتى العصم في قنن الربا % وهشت إلى تأميله الأنجم الزهر ) ( قصدناك يا خير الملوك على النوى % لتنصفنا مما جنى عبدك الدهر ) ( كففنا بك الأيام عن غلوائها % وقد رابنا منها التعسف والكبر ) ( وعدنا بذلك المجد فانصرم الردى % ولدنا بذاك العزم فانهزم الذعر ) ( ولما أتينا البحر يرهب موجه % ذكرنا نداك العمر فاحتقر البحر ) ( خلافتك العظمى ومن لم يدن بها % فإيمانه لغو وعرفانه نكر ) ( ووصفك يهدي المدح قصد صوابه % إذا ظل في أوصاف من دونك الشعر ) ( دعتك قلوب المؤمنين وأخلصت % وقد طاب منها السر لله والجهر ) ( ومدت إلى الله الأكف ضراعة % فقال لهن الله قد قضى الأمر ) ( وألبسها النعمى ببيعتك التي % لها الطائر الميمون والمحتد الحر ) ( فأصبح ثغر الثغر يبسم ضاحكا % وقد كان مما نابه ليس يفتر ) ( وآمنت بالسلم البلاد وأهلها % فلا ظبة تعرى ولا روعة تعرو )
( وقد كان مولانا أبوك مصرحا % بأنك في أولاده الولد البر ) ( وكنت حقيقا بالخلافة بعده % على الفور لكن كل شيء له قدر ) ( فأوحشت من دار الخلافة هالة % أقامت زمانا لا يلوح بها البدر ) ( فرد عليك الله حقك إذ قضى % بأن تشمل النعمى وينسدل الستر ) ( وقاد إليك الملك رفقا بخلقه % وقد عدموا ركن الإمامة واضطروا ) ( وزادك بالتمحيص عزا ورفعة % وأجرا ولولا السبك ما عرف التبر ) ( وأنت الذي يدعى إذا دهم الردى % وأنت الذي يرجى إذا أخلف القطر ) ( وأنت إذا جار الزمان محكم % لك النقض والإبرام والنهي والأمر ) ( وهذا ابن نصر قد أتى وجناحه % مهيض ومن علياك يلتمس الجبر ) ( غريب يرجي منك ما أنت أهله % فإن كنت تبغي الفخر قد جاءك الفخر ) ( ففز يا أمير المؤمنين ببيعة % موثقة قد حل عروتها الغدر ) ( ومثلك من يرعى الدخيل ومن دعا % بيا لمرين جاءه العز والنصر ) ( وخذ يا إمام الحق ثاره % ففي ضمن ما تأتي به العز والأجر ) ( وأنت لها يا ناصر الحق فلتقم % بحق فما زيد يرجى ولا عمرو ) ( فإن قيل مال مالك الدثر وافر % وإن قيل جيش عندك العسكر المجر ) ( يكف بك العادي ويحيا بك الهدى % ويبني بك الإسلام ما هدم الكفر ) ( أعده إلى أوطانه عنك راضيا % وطوقه نعماك التي ما لها حصر ) ( وعاجل قلوب الناس فيه بجبرها % فقد صدهم عنه التغلب والقهر ) ( وهم يرقبون الفعل منك وصفقة % تحاولها يمناك ما بعدها خسر ) ( مرامك سهل لا يؤودك كلفة % سوى عرض ما إن له في العلا خطر ) ( وما العمر إلا زينة مستعارة % ترد ولكن الثناء هو العمر ) ( ومن باع ما يفنى بباق مخلد % فقد أنجح المسعى وقد ربح التجر ) ( ومن دون ما تبغيه يا ملك الهدى % جياد المذاكي والمحجلة الغر ) ( وراد وشقر واضحات شياتها % فأجسامها تبر وأرجلها در ) ( وشهب إذا ما ضمرت يوم غارة % مصممة غارت بها الأنجم الزهر ) ( وأسد رجال من مرين أعزة % عمائمها بيض وآسالها سمر ) ( عليها من المأذي كل مفاضة % تدافع في أعطافها اللجج الخضر ) ( هم القوم إن هبوا لكشف ملمة % فلا الملتقى صعب ولا المرتقى وعر ) ( إذا سئلوا أعطوا وإن نوزعوا سطوا % وإن واعدوا وفوا وإن عاهدوا بروا ) ( وإن مدحوا اهتزوا ارتياحا كأنهم % نشاوى تمشت في معاطفهم خمر ) ( وإن سمعوا العوراء فروا بأنفس % حرام على هاماتها في الوغى الفر ) ( وتبسم ما بين الوشيج ثغورهم % وما بين قضب الدوح يبتسم الزهر ) ( أمولاي غاضت فكرتي وتبلدت % طباعي فلا طبع يعين ولا فكر ) ( ولولا حنان منك داركتني به % وأحييتني لم يبق عين ولا أثر ) ( فأوجدت مني فائتا أي فائت % وأنشرت ميتا ضم أشلاءه قبر ) ( بدأت بفضل لم أكن لعظيمه % بأهل فجل اللطف وانشرح الصدر ) ( وطوقتني النعمى المضاعفة التي % يقبل عليها مني الحمد والشكر ) ( وأنت بتتميم الصنائع كافل % إلى أن يعود الجاه والعز والوفر ) ( جزاك الذي أسنى مقامك رحمة % يفك بها عان وينعش مضطر ) ( إذا نحن أثنينا عليك بمدحة % فهيهات يحصى الرمل أو يحصر القطر ) ( ولكننا نأتي بما نستطيعه % ومن بذل المجهود حق له العذر ) ثم انفض المجلس وانصرف ابن الأحمر إلى منزله المعد له وقد فرشت القصور وقربت له الجياد بالمراكب المذهبة وبعث إليه بالكسا الفاخرة ورتبت الجرايات له ولمواليه من المعلوجي وبطانته من الصنائع وانحفظ عليه رسم سلطانه في الراكب والراجل ولم يفقد من ألقاب ملكه إلا الأداة أدبا مع السلطان واستقر في جملته إلى أن لحق بعد بالأندلس وعاد له ملكه سنة ثلاث وستين وسبعمائة وأرغد السلطان أبو سالم عيش ابن الخطيب وأفاض عليه الجرايات ورتب له الإقطاعات غير أنه كان مضمرا لمفارقة السلطان والتخلي عن خدمته والانفراد بنفسه لاغتنام ما بقي من عمره في طاعة الله تعالى فكان من أمره في ذلك ما نذكره
سفر ابن الخطيب إلى مراكش وأعمالها وزيارته لأوليائها ورجالها والسبب في ذلك
كان ابن الخطيب رحمه الله عندما حصلت له هذه النكبة وخلصه الله منها بانتقاله إلى بلاد العدوة قد عن له رأي في التزهد والانقطاع إلى الله تعالى واغتنام بقية العمر فيما يعود نفعه في العاجل والآجل ورفض السلطان وأسبابه وترك ما يلجئه للوقوف ببابه فتلطف في استئذان السلطان أبي سالم رحمه الله وطلب منه الإذن في الذهاب إلى جهات مراكش والوقوف على آثار الأقدمين بها والتطارح على أوليائها والمثول بأعتابها والتعلق بأذيالها والتمسك بأسبابها جاعلا ذلك مفتاح العزلة والتخلي عن الدولة فأذن له وكتب إلى العمال بإتحافه والاعتناء به فتباروا في ذلك كما يفصح عنه بعض شعره الآتي وجعل طريقه على مدينة سلا فتأمل أحوالها ورآها أوفق لمراده في العزلة فأضمر الاستيطان بها عند عوده من وجهته ولما دخل مدينة أنفى وهي الدار البيضاء مر بها على دار عظيمة تنسب إلى والي جبايتها عبو من بني الترجمان قارون قومه وغني صنفه وكان قد هلك قبل ذلك فقال ابن الخطيب ( قد مررنا بدار عبو الوالي % وهي ثكلى تشكو صروف الليالي ) ( أقصدت ربها الحوادث لما % رشقته بصائبات النبال ) ( كان بالأمس واليا مستطيلا % وهو اليوم ما له من والي ) وأظنه في هذه الوجهة خاطب شيخ العرب مبارك بن إبراهيم بن عطية ابن مهلهل الخلطي ونص ما خاطبه به ( ساحات دارك للضياف مبارك % وبضوء نار قراك يهدي السالك ) ( ونوالك المبذول قد شمل الورى % طرا وفضلك ليس فيه مشارك ) ( قل للذي قال الوجود قد انطوى % والبأس ليس له حسام فاتك ) ( والجود ليس له غمام هاطل % والمجد ليس همام باتك ) ( جمع الشجاعة والرجاحة والندى % والبأس والرأي الأصيل مبارك ) ( للدين والدنيا وللشيم العلا % والجود إن شح الغمام السافك )
( عند الهياج ربيعة بن مكدم % والفضل والتقوى الفضيل ومالك ) ( ورث الجلالة عن أبيه وجده % فكأنهم ما غاب منهم هالك ) ( فجياده للآملين مراكب % وخيامه للقاصدين أرائك ) ( فإذا المعالي أصبحت مملوكة % أعناقها بالحق فهو المالك ) ( يا فارس العرب الذي من بيته % حرم لها حج به ومناسك ) ( يا من يبشر باسمه قصاده % فلهم إليه مسارب ومسالك ) ( أنت الذي استأثرت فيك بغبطتي % وسواك فيه مآخذ ومتارك ) ( لا زلت نورا يهتدي بضيائه % من جنه للروع ليل حالك ) ( ويخص مجدك من سلامي عاطر % كالمسك صاك به الغوالي صائك ) الحمد لله تعالى الذي جعل بيتك شهيرا وجعلك للعرب أميرا وجعل اسمك فالا ووجهك جمالا وقربك جاها ومالا وآل رسول الله صلى الله عليه وسلم آلا أسلم عليك يا أمير العرب وابن أمرائها وقطب سادتها وكبرائها وأهنيك بما منحك الله تعالى من شهرة تبقى ومكرمة لا يضل المتصف بها ولا يشقى إذ جعل خيمتك في هذا المغرب على اتساعه واختلاف أشياعه مأمنا للخائف على كثرة المذاهب والطوائف وصرف الألسنة إلى مدحك والخلود إلى حبك وما ذلك إلا لسريرة لك عند ربك ولقد كنت أيام تجمعني وإياك المجالس السلطانية على معرفتك متهالكا وطوع الأمل سالكا لما يلوح لي على وجهك من سيما المجد والحياء والشيم الدالة على العلياء وزكاء الأصول وكرم الأباء وكان والدي رحمه الله قد عين للقاء خال السلطان قريبكم لما توجه في الرسالة إلى الأندلس نائبا في تأنيسه عن مخدومه ومنوها حيث حل بقدومه واتصلت بعد ذلك بينهما المهاداة والمعرفة والرسائل المختلفة فعظم لأجل هذه الوسائل شوقي إلى التشرف بزيارة ذلك الجناب الذي حلوله شرف وفخر ومعرفته كنز وذخر فلما ظهر الآن لمحل الأخ القائد فلان اللحاق بك والتعلق بسببك رأيت أنه قد اتصل بهذا الغرض المؤمل بعضي والله تعالى ييسر في البعض عند تقرير الأمر وهدنة الأرض وهذا الفاضل بركة حيث حل لكونه من بيت أصالة وجهاد وماجدا وابن أمجاد ومثلك لا يوصى بحسن جواره ولا ينبه على إيثاره وقبيلك من العرب في الحديث والقديم وهو الذي أوجب لها مزية التقديم لم تفتخر قط بذهب يجمع ولا ذخر يرفع ولا قصر يبنى ولا غرس يجنى إنما فخرها عدو يغلب وثناء يجلب وجزر تنحر وحديث يذكر وجود على الفاقة وسماحة بحسب الطاقة فلقد ذهب الذهب وفنى النشب وتمزقت الأثواب وهلكت الخيل العراب وكل الذي فوق التراب تراب وبقيت المحاسن تروى وتنقل والأعراض تجلى وتصقل ولله در الشاعر إذ يقول ( إنما المرء حديث بعده % فكن حديثا حسنا لمن وعى ) ( هذه مقدمة إن يسر الله بعد لقاء % الأمير فيجلى اللسان عما في الضمير ) ( ومدحي على الأملاك وقف وإنما % رايتك منها فامتدحت على وسمي ) ( وما كنت بالمهدي لغيرك مدحتي % ولو أنه قد حل في مفرق النجم ) وقال في الشيخ ابن بطان الصنهاجي صنهاجة آزمور ( لله درك يا ابن بطان فما % لشهير جودك في البسيطة جاحد ) ( إن كان في الدنيا كريم واحد % يزن الجميع فأنت ذاك الواحد ) ( أجريت فضلك جعفرا يحيى به % ما كان من مجد فذكرك خالد ) ( فالقوم منك تجمعوا في مفرد % ولد كما شاء العلاء ووالد ) ( وهي الليالي لا تزال صروفها % يشقى بموقعها الكريم الماجد ) ( وبمستعين الله يصلح منك ما % قد كان أفسده الزمان الفاسد ) وقال رحمه الله عندما توسط بسيط تامسنا ( كأنا بتامسنا نجوس خلالها % وممدودها في سيرنا ليس يقصر ) ( مراكب في البحر المحيط تخبطت % ولا جهة تدري ولا البر يبصر ) وقال رحمه الله يخاطب أبا العباس أحمد بن يوسف حفيد المولى الصالح سيدي أبي محمد صالح النائم في ظل صيته رضي الله عنه ( يا حفيد الولي يا وارث الفخر % الذي نال في مقام وحال ) ( لك يا أحمد بن يوسف جبنا % كل قطر يعي أكف الرحال ) وقال في نفاضة الجراب لما خرجت من آسفي سرت إلى منزل ينسب إلى أبي حدو وفيه رجل من بني المنسوب إليه اسمه يعقوب فألطف وأجزل وآنس في الليل وطلبني بتذكرة تثبت عندي معرفة فكتبت له ( نزلنا على يعقوب نجل أبي حدو % فعرفنا الفضل الذي ما له حد ) ( وقابلنا بالبشر واحتفل القرى % فلم يبق لحم لم ننله ولا زبد ) ( يحق علينا أن نقوم بحقه % ويلقاه منا البر والشكر والحمد ) وقال رحمه الله وقد انتابه البرغوث ( زحفت إلي ركائب البرغوث % نم الظلام بركبها المحثوث ) ( بالحبة السوداء قابل مقدمي % لله أي قرى أعد خبيث ) ( كسحت بهن ذباب سرح تجلدي % ليلا فحبل الصبر جد رثيث ) ( إن صابرت نفسي أذاه تعبدت % أو صحت منه أنفت من تحنيثي ) ( جيشان من ليل وبرغوث فهل % جيش الصباح لصرختي بمغيث ) وقال رحمه الله وقد أشرف على الحضرة المراكشية حاطها الله تعالى ( ماذا أحدث عن بحر سبحت به % من البحار فلا إثم ولا حرج ) ( دعاه مبتدع الأشياء مستويا % ما إن به درك كلا ولا درج ) ( حتى إذا ما المنار الفرد لاح لنا % صحت أبشري يا مطايا جاءك الفرج ) ( قربت من عامر دارا ومنزلة % والشاهد العدل هذا الطيب والأرج ) ولما وقف على مصانع مراكش وقصورها وقصبتها واعتبر ما صار إليه حالها بعد الموحدين قال ( بلد قد غزاه صرف الليالي % وأباح المصون منه مبيح ) ( فالذي خر من بناة قتيل % والذي خر منه بعض جريح ) ( وكأن الذي يزور طبيب % قد تأتي له بها التشريح ) ( أعجمت منه أربع ورسوم % كان قدما بها اللسان الفصيح ) ( كم معان غابت بتلك المغاني % وجمال أخفاه ذاك الضريح ) ( وملوك تعبدوا الدهر لما % أصبح الدهر وهو عبد صريح ) 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 * وأصبحت ديار الأندلس وهي البلاقع وحسنت من استدعائك إياي المواقع وقوي العزم وإن لم يكن ضعيفا وعرضت على نفسي السفر بسببك فألفيته خفيفا والتمست الإذن حتى لا نرى في قبلة السداد تحريفا واستقبلتك بصدر مشروح وزند للعزم مقدوح والله سبحانه وتعالى يحقق السول ويسهل بمثوى الأمائل المثول ويهيئ من قبيل هنتاتة القبول بفضله انتهى ولما ذهب إلى عامر بن محمد المذكور ورقي الجبل زار الموضع الذي توفي به السلطان أبو الحسن رحمه الله وقد ألم بذكر ذلك في نفاضة الجراب إذ قال وشاهدت بجبل هنتاتة محل وفاة السلطان المقدس أمير المسلمين أبي الحسن رحمه الله حيث أصابه طارق الأجل الذي فصل الخطة وأصمت الدعوة ورفع المنازعة وعاينته مرفعا عن الابتذال بالسكنى مفروشا بالحصباء مقصودا بالابتهال والدعاء فلم أبرح يوم زيارته أن قلت ( يا حسنها من أربع وديار % أضحت لباغي الأمن دار قرار ) ( وجبال عز لا تذل أنوفها % إلا لعز الواحد القهار ) ( ومقر توحيد واس خلافة % آثارها تبنى عن الأخبار ) ( ما كنت أحسب أن أنهار الندى % تجري بها في جملة الأنهار ) ( ما كنت أحسب أن أنوار الحجا % تلتاح في قنن وفي أ حجار ) ( مجت جوانبها البرود وإن تكن % شبت بها الأعداء جذوة نار ) ( هدت بناها في سبيل وفائها % فكأنها صرعى بغير عقار ) ( لما توعدها على المجد العدا % رضيت بعيث النار لا بالعار ) ( عمرت بحلة عامر وأعزها % عبد العزيز بمرهف بتار ) ( فرسا رهان أحرزا قصب الندى % والباس في طلق وفي مضمار ) ( ورثا عن الندب الكبير أبيهما % محض الوفاء ورفعة المقدار ) ( وكذا الفروع تطول وهي شبيهة % بالأصل في ورق وفي أثمار ) ( أزرت وجوه الصيد من هنتاتة % في جوها بمطالع الأقمار ) ( لله أي قبيلة تركت لها النظراء % دعوى الفخر يوم فخار ) ( نصرت أمير المسلمين وملكه % قد أسلمته عزائم الأنصار ) ( وارت عليا عند ما عظم الردى % والروع بالأسماع والأبصار ) ( وتخاذل الجيش اللهام وأصبح % الأبطال بين تقاعد وفرار ) ( كفرت صنائعه فيمم دارها % مستظهرا منها بعز جوار ) ( وأقام بين ظهورها لا يتقي % وقع الردى وقد ارتمى بشرار ) ( فكأنها الأنصار لما أن سمت % فيما تقدم غربة المختار ) ( لما غدا لحظا وهم أجفانه % نابت شفارهم عن الأشفار ) ( حتى دعاه الله بين بيوتهم % فأجاب ممتثلا لأمر الباري ) ( لو كان يمنع من قضاء الله ما % خلصت إليه نوافذ الأقدار ) ( قد كان يأمل أن يكافئ بعض ما % أولوه لولا قاطع الأعمار ) ( ما كان يقنعه لو امتد المدى % إلا القيام بحقها من دار ) ( فيعيد ذاك الماء ذائب فضة % ويعيد ذاك الترب ذوب نضار ) ( حتى تفوز على النوى أوطانها % من ملكه بجلائل الأوطار ) ( حتى يلوح على وجوه وجوههم % أثر العناية ساطع الأنوار ) ( ويسوغ الأمل القصي كرامها % من غير ما ثنيا ولا استعصار ) ( ما كان يرضى الشمس أو بدر الدجا % عن درهم فيهم ولا دينار ) ( أو أن يتوج أو يقلد هامها % ونحورها بأهلة ودراري ) ( حق على المولى ابنه إيثار ما % بذلوه من نصر ومن إيثار ) ( فلمثلها ذخر الجزاء ومثله % من لا يضيع صنائع الأحرار ) ( وهو الذي يقضي الديون وبره % يرضيه في علن وفي أسرار ) ( حتى تحج محلة رفعوا بها % علم الوفاء لأعين النظار ) ( فيصير منها البيت بيتا ثانيا % للطائفين إليه أي بدار ) ( تغني قلوب القوم عن هدى به % ودموعهم تكفي لرمي جمار ) ( حييت من دار تكفل سعيها المحمود % بالزلفى وعقبى الدار ) ( وضفت عليك من الإله عناية % ما كر ليل فيك أثر نهار ) ويعني بالمولى ابنه السلطان أبا سالم بن أبي الحسن ثم سار ابن الخطيب إلى أغمات فزار مشاهدها وشاهد معاهدها فحكى عن نفسه رحمه الله قال وقفت على قبر المعتمد بن عباد في مدينة أغمات في حركة أعملتها إلى الجهات المراكشية باعثها لقاء الصالحين ومشاهدة الآثار سنة إحدى وستين وسبعمائة وهو بمقبرة أغمات في نشز من الأرض وقد حفت به سدرة وإلى جنبه قبر اعتماد حظيته مولاة رميك وعليهما أثر التغرب ومعاناة الخمول من بعد الملك فلم تملك العين دمعها عند رؤيتهما فأنشدت في الحال ( قد زرت قبرك عن طوع بأغمات % رأيت ذلك من أولى المهمات ) ( لم لا أزورك يا أندى الملوك يدا % ويا سراج الليالي المدلهمات ) ( وأنت من لو تخطى الدهر مصرعه % إلى حياتي لجادت فيه أبيات ) ( أناف قبرك من هضب يميزه % فتنتحيه حفيات التحيات ) ( كرمت حيا وميتا واشتهرت علا % فأنت سلطان أحياء وأموات ) ( مارئي مثلك في ماض ومعتقدي % ألا يرى الدهر في حال ولا آت ) ولما انكفأ ابن الخطيب رحمه الله راجعا من سفرته هذه وانتهى إلى سلا أقام بها منتبذا عن سلطانه رافضا للملك وأسبابه طول مقامه بالمغرب على ما نذكره إن شاء الله
بقية أخبار ابن الخطيب بسلا حرسها الله
قد قدمنا أن ابن الخطيب كان قد عزم على التخلي عن الدنيا والانقطاع إلى الله تعالى وأنه اختار أن يكون مقامه بسلا لكونها يومئذ أعون له على مراده من غيرها حسبما يؤخذ ذلك من مواضع من كلامه من ذلك أنه لما وصف أمصار الأندلس والمغرب في مقاماته المشهورة وصف مدينة سلا بقوله العقيلة المفضله والبطيحة المخضله والقاعدة المؤصله والسورة المفصله ذات الوسامة والنضارة والجامعة بين البداوة والحضارة معدن القطن والكتاب والمدرسة والمارستان والزاوية كأنها البستان والوادي المتعدد الأجفان القطر الأمين عند الرجفان والعصير العظيم الشأن والأسواق السارة حتى برقيق الحبشان اكتنفها المسرح والخصب الذي لا يبرح والبحر الذي يأسو ويجرح وشقها الوادي الذي يتمم محاسنها ويشرح وقابلها الرباط الذي ظهر به من المنصور الاغتباط حيث القصبة والساباط ثم يقع الانحطاط إلى شالة مرعى الذمم ونتيجة الهمم ومشمخ الأنوف ذوات الشمم وعنوان الرمم حيث الحسنات المكتتبة والأوقاف المرتبة والقباب كالأزهار مجودة بذكر الله آناء الليل وأطراف النهار وطلل حسان المثل في الاشتهار وهي على الجملة من غيرها أوفق ومغارمها لاحترام الملوك الكرام أرفق ومقبرتها المنضدة عجب في الانتظام معدودة في المواقف العظام ويتأتى بها للعباد الخلوة وتوجد عندها للهموم السلوة كما قال ابن الخطيب ( وصلت حثيث السير فيمن فلى الفلا % فلا خاطري لما نأى وانجلا انجلا ) ( ولا نسخت كربي بقلبي سلوة % فلما سوى فيه نسيم سلا سلا ) وكفى بالشابل رزقا طريا وسمكا بالتفضيل حريا يبرز عدد قطر الديم ويباع ببخس القيم ويعم المجاشر النائية والخيم أه وما قاله في حق سلا من كونها تتأتى بها للعباد الخلوة هو كذلك معروف عند صلحاء المغرب وعباده من لدن قديم ولذا لما قدم أبو العباس بن عاشر رضي الله عنه من الأندلس وتنقل في بلاد المغرب مثل فاس ومكناسة لم يطب له القرار إلا بسلا وقد صرح رضي الله عنه بذلك حيث قال ( سلا كل قلب غير قلبي ما سلا % أيسلو بفاس والأحبة في سلا ) ( بها خيموا فالقلب خيم عندهم % فأجروا دموعي مرسلا ومسلسلا ) ولما ذكر أبو العباس الصومعي رحمه الله في كتابه الموضوع في مناقب الشيخ أبي يعزى رضي الله عنه استحباب زيارة الأولياء قال ما نصه ولا سيما في مشاهد الأخيار إذا اجتمعوا في مكان من الأمكنة المشرفة كما كانوا يجتمعون قبل هذا برباط شاكر وبساحل دكالة وبسلا وبجبل العلم وعند الشيخ أبي يعزى في أيام الربيع وغير ذلك أه وأقول على ذكر سلا فقد كتب إلي وأنا بمراكش حرسها الله الأخ في الله الفقيه الأديب المحاضر أبو عبد الله محمد بن عزوز الرباطي أصلا المراكشي دارا بطاقة يقول فيها ما نصه الحمد لله وحده السيد الأخ الذي ثوب إخائه ما اتسخ الفقيه العلامة اللابس من أسلحة العلوم الدرع واللامة أبا العباس السيد أحمد الناصري سلام عليك سلاما ذكي العرف رائج الصرف وبعد فقد اشتقنا إلى لذيذ مذكراتكم وحلو فكاهتكم والآن نحب من السيادة أن تشرفونا بنقل قدمكم وتكرمونا بطلعتكم السعيدة بكرة غد إن شاء الله وعلى المحبة والسلام في فاتح رجب الفرد سنة أربع وتسعين ومائتين وألف وألحق بأسفلها ما نصه ( سلا البحر ما بحر بنيت بشطه % كبحر علوم فيك أنشئ صالحا ) ( فهذا هو الفياض بالعلم والتقى % وذاك هو الفياض بالماء مالحا ) ولم ندر هل البيتان له أو تمثل بهما وعلى كل حال فما قاله حفظه الله إنما حمله عليه حسن نيته وصفاء طويته وأما المكتوب إليه بهما فلا والله لا علم ولا تقى إلا أن يتغمدنا الله برحمته ثم إني أجبته بنثر تركته للاختصار ووصلته بأبيات أقول فيها ما نصه ( بعثت أبا عبد الإله مدائحا % هو الدر حسنا والشذور لوائحا ) ( فنبهت فكرا طالما بات نائما % وروضت ذهنا طالما ظل جامحا ) ( وشيدت من ذكري وقد كان خاملا % وهيجت من قلبي الشجي القرائحا ) ( وطوقتني النعمى بتقريضك الذي % به ظل مجدي للنجوم مصافحا ) ( وإلا فما قدري وإن جد جده % وما قيمتي لو لم تكن لي مادحا ) ( فأنت أديب العصر حقا ومن غذا % لعمري لأبواب المعارف فاتحا ) ( فخذ من أخيك العي واستر عيوبه % وسامح فظني أن تكون مسامحا ) ( فوصفك يعيي كل أشدق بارع % ولو ظل في بحر البلاغة سابحا ) ( فلقيت من ذي العرش كل كرامة % ووقيت من هذا الزمان الطوائحا ) 4 ( ولا زال هذا الدهر طوعك خادما % علاك وطرف السعد نحوك طامحا ) ومما مدح به سلا وأهلها قول الإمام العلامة الهمام أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي رضي الله عنه ( مرسى سلا مأوى الشمم % والمجد عن طول الأمم ) ( بلد بحسبك منظر منه ومخبره أتم % مسري الهموم ومسرح الأبصار مسلاة الغمم ) ( مترفلا في حلة من حسنه جنب العلم % كالحرة الحسناء في كنف الهمام المحترم ) ( وتراه من جناته متلألئا بين الأجم % كالدر بين زمرد في قرط مارية انتظم ) ( وكوجه خود حفه السوالف في دلم % ? < وكغرة في أدهم والصبح في حنج الإحم ) ( والثغر من زنجية ترنو إليه وقد بسم % والبدر ما بين الدجى والشيب في سود اللمم ) ( يعلو فويق جنبه علم تدلى من أمم % فكأنه تاج اللجين على جبيني ذي عظم ) ( أو كالكبير مزملا أودى بنهضته الهرم % في رأسه صلع وفيما تحت جبهته غمم ) ( أو كالجواد بأنفه من ذلك القصر الرثم % يكفيك منه هواؤه لا خبث فيه ولا وخم ) ( عجبا صحيح والهوى أبدا عليل ذو سقم % وزلاله العذب الذي يشفي الفؤاد من الضرم ) ( حاكى العقار وفاقها بصفاء لون الشيم % أبناء مجد في الألى كانوا يراعون الذمم ) ( من نبلهم دون العويص ونبلهم خلف الحرم % ونفيسهم فقع الفلا ونفوسهم بيض الرخم ) ( من كل أبيض وجهه تجلى به سدف الظلم % في الخطب بدر لامع ولدى الندى بحر خضم ) ( وأحبة كانوا لنا كالماء بالراح التأم % لم يعد بين بيننا ولو الفراق بنا ألم ) ( البين بين جسومنا لا بين أنفسنا يحم % والعهد حبل ما انفصا عنه الوداد ولا انفصم ) ( والصدق نهج قد علا في كل أوجهه علم % والبر مرعاة قرى من فيه للحسنى قرم ) ( والنفس أرض قد كرا المعين ذوو الكرم % والدين روض قد رعى فيه من العقبى رعم ) ( والعلم ورد ما حلا إلا لمن نزع الحلم % والسر برق ما أضا إلا لمن غسل الإضم ) ( والدهر دولاب شما فيه سوى أهل الشمم % من ذاق مورده الصري يوما فللدنيا صرم ) ولنرجع إلى بقية أخبار ابن الخطيب ولما استقر بسلا واطمأن جنبه بها قال ( يا أهل هذا القطر ساعده القطر % بليت فدلوني لمن يرفع الأمر )
( تشاغلت بالدنيا ونمت مفرطا % وفي شغلي أو نومتي سرق العمر ) ثم حرص على لقاء الشيخ ابن عاشر رضي الله عنه حتى ظفر به فعظم سروره بذلك وتبجح به إذ قال في نفاضة الجراب ولقيت من أولياء الله تعالى بسلا الولي الزاهد الكبير المنقطع القرين فرارا عن زهرة الدنيا وعزوفا عنها وإغراقا في الورع وشهرة بالكشف وإجابة الدعوة وظهور الكرامات أبا العباس بن عاشر يسر الله تعالى لقاءه على تعذره لصعوبة تأتيه وكثافة هيبته قاعدا بين القبور في الخلاء رث الهيثة مطرق اللحظ كثير الصمت مفرط الانقباض والعزلة قد ضرسه أهل الدنيا وتطارحهم فهو شديد الاشمئزاز من قاصده مجرمز للوثبة من طارقه نفع الله تعالى به أه كلامه في النفاضة وقال رحمه الله من قصيدته العينية السلاوية التي وجهها إلى سلا أيام خلف بها أهله وولده ( بولي الله فابدأ وابتدر % واحدا الأحاد في باب الورع ) ومراده بولي الله ابن عاشر المذكور ثم إن ابن الخطيب بعد رجوعه من مراكش جعل ينتاب رباط شالة مدفن الملوك من بني مرين ومنهم السلطان أبو الحسن رحمه الله للدعاء وقراءة القرآن بها وتعاهدها وقد كتب بذلك إلى السلطان أبي سالم وطلب منه أن يشفع له عند أهل الأندلس في رد متاعه الذي أتلفوه عليه أيام النكبة ونص الكتاب مولاي المرجو لإتمام الصنيعة وصلة النعمة وإحراز الفخر أبقاكم الله تعالى تضرب بكم الأمثال في البر والرضا وعلو الهمة ورعي الوسيلة مقبل موطئ قدمكم المنقطع إلى تربة المولى والدكم ابن الخطيب من الضريح المقدس بشالة وقد حط رحل الرجاء في القبة المقدسة وتيمم بالتربة الزكية وقعد بإزاء لحد المولى أبيكم ساعة إيابه من الوجهة المباركة وزيارة الربط المقصودة والترب المعظمة وقد عزم أن لا يبرح طوعا من هذا الجوار الكريم والدخيل المرعى حتى يصله من مقامكم ما يناسب هذا التطارح على قبر هذا المولى العزيز على أهل الأرض ثم عليكم والتماس شفاعته في أمر سهل عليكم لا يجر إنفاد مال ولا اقتحام خطر إنما هو إعمال لسان وخط بنان وصرف عزم وإحراز فخر وإطابة ذكر وأجر وذلك أن العبد عرفكم يوم وداعكم أنه ينقل عنكم إلى المولى المقدس بلسان المقال ما يحضر مما يفتح الله تعالى فيه ثم ينقل عنه لكم بلسان الحال ما يتلقى عنه من الجواب وقال لي صدر دولتكم وخالصتكم وخالصة المولى والدكم سيدي الخطيب يعني ابن مرزوق سنى الله تعالى أمله من سعادة مقامكم وطول عمركم أنت يا فلان والحمد لله ممن لا ينكر عليه الوفاء بهذين الفرضين وصدر عنكم من البشر والقبول والإنعام ما صدر جزاكم الله تعالى جزاء المحسنين وقد تقدم تعريف مولاي بما كان من قيام العبد بما نقله إلى التربة الزكية عنكم حسبما أداه من حضر ذلك المشهد من خدامكم والعبد الآن يعرض عليكم الجواب وهو أني لما فرغت من مخاطبته بمرأى من الملأ الكبير والجم الغفير أكببت على اللحد الكريم داعيا ومخاطبا وأصغيت بإذني نحو قبره وجعل فؤادي يتلقى ما يوحيه إليه لسان حاله فكأني به يقول لي قل لمولاك يا ولدي وقرة عيني المخصوص برضاي وبري وستر حريمي ورد ملكي وصان أهلي وأكرم صنائعي ووصل عملي أسلم عليك وأسأل الله تعالى أن يرضى عنك ويقبل عليك الدنيا دار غرور @QB@ والآخرة خير لمن اتقى @QE@ وما الناس إلا هالك وابن هالك ولا تجد إلا ما قدمت من عمل يقتضي العفو والمغفرة أو ثناء يجلب الدعاء بالرحمة ومثلك من ذكر فتذكر وعرف فما أنكر وهذا ابن الخطيب قد وقف على قبري وتهمم بي وسبق الناس إلى رثائي وأنشدني ومجدني وبكى لي ودعا لي وهنأني بمصير أمري إليك وعفر وجهه في تربتي وأملني لما انقطعت مني آمال الناس فلو كنت يا ولدي حيا لما وسعني أن أعمل معه إلا ما يليق بي وأن أستقل فيه الكثير وأحتقرن العظيم لكن لما عجزت عن جزائه وكلته إليك وأحلته يا حبيب قلبي عليك وقد أخبرني أنه سليب المال كثير العيال ضعيف الجسم قد ظهر في عدم نشاطه أثر السن وأمل أن ينقطع بجواري ويستتر بدخيلي وخدمتي ويرد عليه حقه بخدمتي ووجهي ووجوه من ضاجعني من سلفي ويعبد الله تعالى تحت حرمتك وحرمتي وقد كنت تشوفت إلى استخدامه في الحياة حسبما يعلمه حبيبنا الخاص المحبة وخطيبنا العظيم المزية القديم القربة أبو عبد الله بن مرزوق فاسأله يذكرك واستخبره يخبرك فأنا اليوم أريد أن يكون هذا الرجل خديمي بعد الممات إلى أن نلحق جميعا برضوان الله تعالى ورحمته التي وسعت كل شيء وله يا ولدي ولد نجيب يخدم ببابك وينوب عنه في ملازمة بيت كتابك وقد استقر ببابك قراره وتعين بأمرك مرتبه ودثاره فيكون الشيخ خديم الشيخ والشاب خديم الشاب هذه رغبتي منك وحاجتي إليك واعلم أن هذا الحديث لا بد أن يذكر ويتحدث في الدنيا وبين أيدي الملوك والكبراء فاعمل ما يبقى لك فخره ويتخلد ذكره وقد أقام مجاورا ضريحي تاليا كتاب الله تعالى على منتظرا ما يصله منك ويقرأه على من السعي في خلاص ماله والاحتجاج بهذه الوسيلة في جبره وإجراء ما يليق بك من الحرمة والكرامة والنعمة فالله الله يا إبراهيم اعمل ما يسمع عني وعنك فيه ولسان الحال أبلغ من لسان المقال أه والعبد يا مولاي مقيم تحت حرمته وحرمة سلفه منتظر منكم قضاء حاجته ولتعلموا وتتحقوا أنني لو ارتكبت الجرائم ورزأت الأموال وسفكت الدماء وأخذت خسائف الملوك الأعزة ممن وراء النهر من التتار وخلف البحر من الروم ووراء الصحراء من الحبشة وأمكنهم الله تعالى مني من غير عهد بعد أن بلغهم تذلمي بهذا الدخيل ومقامي بين هذه القبور الكريمة ما وسع أحد منهم من حيث الحياء والحشمة من الأحياء والأموات وإيجاب الحقوق التي لا يغفلها الكبار للكبار إلا الجود الذي لا يتعقبه البخل والعفو الذي لا تفسده المؤاخذة فضلا عن سلطان الأندلس أسعده الله تعالى وعلا بموالاتكم فهو فاضل وابن ملوك أفاضل وحوله أكياس ما فيهم من يجهل قدركم وقدر سلفكم لا سيما مولاي والدكم الذي أتوسل به إليكم وإليهم فقد كان يتبنى مولاي أبا الحجاج ويشمله بنظره وصارخه بنفسه وأمده بأمواله ثم صير الله تعالى ملكه إليكم وأنتم من أنتم ذاتا وقبيلا فقد قرت يا مولاي عين العبد بما رأت في هذا الوطن المراكشي من وفور حشودكم وكثرة جنودكم وترادف أموالكم وعددكم زادكم الله تعالى من فضله ولا شك عند عاقل أنكم إن انحلت عروة تأميلكم وأعرضت عن ذلك الوطن الأندلسي استوت عليه يد عدوه وقد علم تطارحي بين الملوك الكرام الذين خضعت لهم التيجان وتعلقي بثوب الملك الصالح والد الملوك الكرام مولاي والدكم وشهرة حرمة شالة معروفة حاش الله أن يضيعها أهل الأندلس وما توسل إليهم قط بها إلا الآن وما يجهلون اغتنام هذه الفضيلة الغريبة وأملي منكم أن يتعين من بين يديكم خديم بكتاب كريم يتضمن الشفاعة في رد ما أخذ لي ويخبر بمثواي متراميا على قبر والدكم ويقرر ما ألزمتكم بسبب هذا الترامي من الضرورة المهمة والوظيفة الكبيرة عليكم وعلى قبيلكم حيث كانوا وتطلبون منه عادة المكارمة بحل هذه العقدة ومن المعلوم أني لو طلبت بهذه الوسائل من صلب ما وسعهم بالنظر العقلي إلا حفظ الوجه مع هذا القبيل وهذا الوطن فالحياء والحشمة يأبيان العذر عن هذا في كل ملة ونحلة وإذا تم هذا الغرض ولا شك في إتمامه بالله تعالى تقع صدقتكم على القبر الكريم بي وتعينوني لخدمة هذا المولى وزيارته وتفقده ومدح النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المولد في جواره وبين يديه وهو غريب مناسب لبركم به إلى أن أحج بيت الله بعناية مقامكم وأعود داعيا مثنيا مستدعيا للشكر والثناء من أهل المشرق والمغرب وأتعوض من ذمتي بالأندلس ذمة بهذا الرباط المبارك يرثها ذريتي وقد ساومت في شيء من ذلك منتظرا ثمنه مما يباع بالأندلس بشفاعتكم ولو ظننت أنهم يتوقفون لكم في مثل هذا أو يتوقع فيه وحشة أو جفاء والله ما طلبته لكنهم أسرى وأفضل وانقطاعي أيضا لوالدكم مما لا يسع مجدكم إلا عمل ما يليق بكم فيه وها أنا أترقب جوابكم بما لي عندكم من القبول ويسعني مجدكم في الطلب وخروج الرسول لاقتضاء هذا الغرض والله سبحانه يطلع من مولاي على ما يليق به والسلام وكتب في الحادي عشر من رجب سنة إحدى وستين وسبعمائة وفي مدرج الكتاب بعد نثر هذه القصيدة ( مولاي ها أنا في جوار أبيكا % فابذل من البر المقدر فيكا ) ( أسمعه ما يرضيه من تحت الثرى % والله يسمعك الذي يرضيكا ) ( واجعل رضاه إذا نهدت كتيبة % تهدي إليك النصر أو تهديكا ) ( واجبر بجبري قلبه تنل المنا % وتطالع الفتح المبين وشيكا ) ( فهو الذي سن البرور بأمه % وأبيه فاشرع شرعه لبنيكا ) ( وابعث رسولك منذرا ومحذرا % وبما تؤمل نيله يأتيكا ) ( قد هز عزمك كل قطر نازح % وأخاف مملوكا به ومليكا ) ( فإذا سموت إلى مرام شاسع % فغصونه ثمر المنا تجنيكا ) ( ضمنت رجال الله منك مطالبي % لما جعلتك في الثواب شريكا ) ( فلئن كفيت وجوهها في مقصدي % ورعيتها بركاتها تكفيكا ) ( وإذا قضيت حوائجي وأريتني % أملا فربك ما أردت يريكا ) ( واشدد على قولي يدا فهو الذي % برهانه لا يقبل التشكيكا ) ( مولاي ما استأثرت عنك بمهجتي % إني ومهجتي التي تفديكا ) ( لكن رأيت جناب شالة مغنما % يضفي على العز في ناديكا ) ( وفروض حقك لا تفوت فوقتها % باق إذا استجزيته يجزيكا ) ( ووعدتني وتكرر الوعد الذي % أبت المكارم أن يكون أفيكا ) ( أضفى عليك الله ستر عناية % من كل محذور الطريق يقيكا ) ( ببقائك الدنيا تحاط وأهلها % فالله جل جلاله يبقيكا ) وقال أيضا في الغرض المذكور ( عن باب والدك الرضي لا أبرح % يأسو الزمان لأجل ذا أو يجرح ) ( ضربت خيامي في حماه فصبيتي % تجني الحميم به وبهمي بشرح ) ( حتى يراعي وجهه في وجهتي % بعناية تشفي الصدور وتشرح ) ( أيسوغ عن مثواه سيري خائبا % ومنابر الدنيا بذكرك تصدح ) ( أنا في حماه وأنت أبصر بالذي % يرضيه منك فوزن عقلك أرجح ) ( في مثلها سيف الحمية ينتضى % في مثلها زند الحفيظة يقدح ) ( وعسى الذي بدأ الجميل يعيده % وعسى الذي سدا المذاهب يفتح ) فأجابه السلطان أبو سالم رحمه الله بما صورته من عبد الله المستعين بالله إبراهيم أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي الحسن ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي سعيد ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين يوسف بن يعقوب بن عبد الحق أيد الله أمره وأعز نصره إلى الشيخ الفقيه الأجل الأسنى الأعز الأحظى الأوجه الأنوه الصدر الأحفل المصنف البليغ الأعرف الأكمل أبي عبد الله ابن الشيخ الأجل الأعز الأسنى الوزير الأرفع الأنجد الأصيل الأكمل المرحوم المبرور أبي محمد بن الخطيب وصل الله عزته ووالى رفعته سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد حمد الله تعالى و صلى الله عليه وسلم والرضا على آله وصحبه أعلام الإسلام وأئمة الرشد والهدى وصلة الدعاء لهذا الأمر العلي العزيز المنصور المستعيني بالنصر الأعز والفتح الأسنى فإنا كتبناه إليكم كتب الله تعالى لكم بلوغ الأمر ونجح القول والعمل من منزلنا الأسعد بضفة وادي ملوية يمنه الله وصنع الله جميل ومنه جزيل والحمد لله ولكم عندنا المكانة الواضحة الدلائل والعناية المتكفلة برعي الوسائل ذلك بما تميزتم به من التمسك بالجناب العلي المولوي العلوي جدد الله تعالى عليه ملابس غفرانه وسقاه غيوث رحمته وحنانه وبما أهديتم إلينا من التقرب لدينا بخدمة ثراه الطاهر والاشتمال بمطارف حرمته السامية المظاهر وإلى هذا وصل الله حظوتكم ووالى رفعتكم فإنه ورد علينا خطابكم الحسن عندنا قصده المقابل بالإسعاف المستعذب ورده فوقفنا على ما نصه واستوفينا ما شرحه وقصه فآثرنا حسن تلطفكم في التوسل بأكبر الوسائل إلينا ورعينا أكمل الرعاية حق ذلكم الجناب العزيز علينا وفي الحين عينا لكمال مطلبكم وتمام مأربكم والتوجه بخطابنا في حقكم والاعتمال بوفقكم خديمينا أبا البقاء بن تاشكورت وأبا زكرياء بن فرقاجة أنجدهما الله وتولاهما وأمس تاريخه انفصلا مودعين إلى الغرض المعلوم بعد التأكيد عليهما فيه وشرح العمل الذي يوفيه فكونوا على علم من ذلكم وابسطوا له جملة آمالكم وإنا لنرجو ثواب الله في جبر أحوالكم وبرء اعتلالكم والله سبحانه يصل مبرتكم ويتولى تكرمتكم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته كتب في الرابع والعشرين من رجب سنة إحدى وستين فراجعه ابن الخطيب بما نصه مولاي خليفة الله بحق وكبير ملوك الأرض عن حجة ومعدن الشفقة والحكمة ببرهان وحكمة أبقاكم الله تعالى على الدرجة في المنعمين وافري الحظ عند جزاء المحسنين وأراكم ثمرة بر أبيكم في البنين وصنع لكم في عدوكم الصنع الذي لا يقف عند معتاد وأذاق العذاب الأليم من أراد في مثابتكم بإلحاد عبدكم الذي ملكتم رقه وآويتم غربته وسترتم أهله وولده وأسنيتم رزقه وجبرتم قلبه ويقبل موطئ الأخمص الكريم من رجلكم الطاهرة المستوجبة بفضل الله تعالى لموقف النصر الفارغة هضبة العز المعملة الخطوة في مجال السعد ومسير الحظ ابن الخطيب من شالة التي تأكد بملككم الرضى احترامها وتجدد برعيتكم عهدها واستبشر بملككم دفينها وأشرق بحسناتكم نورها وقد ورد على العبد الجواب المولوي البر الرحيم المنعم المحسن بما يليق بالملك الأصيل والقدر الرفيع والهمة السامية والعزة القعساء من رعي الدخيل والنصرة للذمام والاهتزاز لبر الأب الكريم فثاب الرجاء وانبعث الأمل وقوي العضد وزار اللطف فالحمد لله الذي أجرى الخير على يدكم الكريمة وأعانكم على رعي ذمام الصالحين المتوسل إليكم أولا بقبورهم ومتعبداتهم وتراب أجداثهم ثم بقبر مولاي ومولاكم ومولى الخلق أجمعين الذي تسبب في وجودكم واختصكم بحبه وغمركم بلطفه وحنانه وعلمكم آداب الشريعة وأورثكم ملك الدنيا وهيأتكم دعواه بالاستقامة إلى ملك الآخرة بعد طول المدى وانفساخ البقاء وفي علومكم المقدسة ما تضمنت الحكايات عن العرب من النصرة عن طائر داست أفراخه ناقة في جوار رئيس منهم وما انتهى إليه الامتعاض لذلك مما أهينت فيه الأنفس وهلكت الأموال وقصارى من امتعض لذلك أن يكون كبعض خدامكم من عرب تامسنا فما الظن بكم وأنتم الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم فيمن لجأ أولا إلى حماكم بالأهل والولد عن حسنة تبرعتم بها وصدقة حملتكم الحرية على بذلها ثم فيمن حط رحل الاستجارة بضريح أكرم الخلق عليكم دامع العين خافق القلب واهي الفزعة يتغطى بردائه ويستجير بعليائه كأنني تراميت عليهم في الحياة أمام الذعر يذهل العقل ويحجب عن التميز بقصر داره ومضجع رقاده ما من يوم إلا وأجهر بعد التلاوة ياليعقوب يالمرين نسأل الله تعالى أن لا يقطع عني معروفكم ولا يسلبني عنايتكم ويستعملني ما بقيت في خدمتكم ويتقبل دعائي فيكم ولحين وصول الجواب الكريم نهضت إلى القبر المقدس ووضعته بإزائه وقلت يا مولاي يا كبير الملوك وخليفة الله وبركة بني مرين صاحب الشهرة والذكر في المشرق والمغرب عبدك المنقطع إليك المترامي بين يدي قبرك المتوسل إلى الله ثم ولدك بك ابن الخطيب وصله من مولاه ولدك ما يليق بمقامه من رعي وجهك والتقرب إلى الله برعيك والاشتهار في مشرق الدنيا ومغربها ببرك وأنتم من أنتم من إذا صنع صنيعه كملها وإذا من منة تممها وإذا أسدى يدا أبرزها طاهرة بيضاء غير معيبة ولا ممنونة ولا منتقصة وأنا بعد تحت ذيل حرمتك وظل دخيلك حتى يتم أملي ويخلص قصدي وتحف نعمتك بي ويطمئن إلى مأمنك قلبي ثم قلت للطلبة أيها السادة بيني وبينكم تلاوة كتاب الله تعالى منذ أيام ومناسبة النحلة وأخوة التأليف بهذا الرباط المقدس والسكنى بين أظهركم فأمنوا على دعائي بإخلاص من قلوبكم واندفعت في الدعاء والتوسل الذي أرجو أن يتقبله الله تعالى ولا يضيعه وخاطب العبد مولاه شاكرا لنعمته مشيدا بصنيعته ومسرورا بقبوله وشأنه من التعلق والتطارح شأنه حتى يكمل القصد ويتم الغرض معمور الوقت بخدمة يرفعها ودعاء يردده والله المستعان أه ولما وصل كتاب السلطان أبي سالم إلى أهل الأندلس أعظموا وسيلته وقبلوا شفاعته وردوا إلى ابن الخطيب ما تأتى رده مما كان ضاع له وأتلف عليه واستمر مقيما بسلا سنتين وزيادة ثم استدعاه سلطانه الغني بالله إلى الأندلس بعد رجوعه إليها واحتوائه على ملكها فأجاب حياء لا رغبة ومكرها لا بطلا إلى كان ما نذكره من شأنه بعد ذلك إن شاء الله ونوادره بسلا وما جرياته كثيرة وفيما ذكرناه كفاية
انتقاض الحسن بن عمر الفودودي وخروجه بتادلا ثم مقتله عقب ذلك
قد قدمنا أن السلطان أبا سالم لما استولى على ملك فاس والمغرب عقد للحسن بن عمر على مراكش ووجهه إليها تخففا منه وريبة بمكانه من الدولة فاستقر بها وتأثلت له بها رياسة نفسها عليه أهل مجلس السلطان وسعوا فيه عنده حتى تنكر له وأظلم الجو بينهما وأحس الحسن بن عمر بذلك فخشي على نفسه وخرج من مراكش في صفر سنة إحدى وستين وسبعمائة فلحق بتادلا منحرفا عن السلطان ومرتكبا للخلاف فتلقاه بنو جابر من عرب جشم وأجاروه واعصوصبوا عليه فسرح إليه السلطان أبو سالم وزيره الحسن بن يوسف الورتاجني فاحتل بتادلا وانشمر الحسن بن عمر إلى الجبل بها فاعتصم به ومعه كبير بني جابر الحسن بن علي الورديغي فأحاطت بهم العساكر وأخذوا بمخنقهم وداخل الوزير بعض أهل الجبل من برابرة صناكة في الثورة بهم وسرب إليهم المال فثاروا بهم وانفض جمعهم وتقبضوا على الحسن بن عمر وقادوه برمته إلى الحسن بن يوسف فاعتقله وانكفأ راجعا به إلى الحضرة فدخلها في يوم مشهود استركب السلطان فيه الجند وجلس ببرج الذهب مقعده من ساحة البلد وحمل الحسن بن عمر على جمل فطيف به بين تلك الجموع ولما قرب من مجلس السلطان أومأ إلى تقبيل الأرض من فوق جمله ثم ركب السلطان إلى قصره وانفض الجمع وقد شهر الحسن بن عمر وأصحابه فصاروا عبرة لمن اعتبر ولما دخل السلطان قصره جلس على كرسيه واستدعى خاصته وجلساءه وأحضر ابن عمر فوبخه وقرر عليه ذنوبه فتلوى بالمعاذير وفزع إلى الإنكار قال ابن خلدون وحضرت هذا المجلس يومئذ فيمن حضره من الخاصة فكان مقاما تسيل فيه العيون رحمة وعبرة ثم أمر به السلطان فسحب على وجهه ونتفت لحيته وضرب بالعصى وثل إلى محبسه ثم قتل بعد ليال قعصا بالرماح خارج البلد ونصب شلوه بباب المحروق رحمه الله تعالى
نهوض السلطان أبي سالم إلى تلمسان واستيلاؤه عليها
لما استوسق للسلطان أبي سالم ملك المغرب ومحا أثر الخوارج منه سمت همته إلى تملك تلمسان كما كان لأبيه وأخيه من قبل وأكد عزمه على ذلك ما كان من فرار عبد الله بن مسلم الزرد إلى عاملهم على درعة إليها فأجمع السلطان أبو سالم النهوض إليها وعسكر بظاهر فاس الجديد منتصف سنة إحدى وستين وسبعمائة ولما توافت لديه الحشود وتكاملت بسدته الجنود ارتحل إلى تلمسان واتصل خبر نهوضه بسلطانها أبي حمو بن يوسف الزياني ووزيره عبد الله بن مسلم الزردالي فنادوا في العرب من بني عامر بن زغبة وبني معقل فأجابوهم كافة الأشرذمة قليلة من الأحلاف ثم خرج أبو حمو وشيعته عن تلمسان إلى الصحراء والتفت عليه العرب بحللها ولما دخل السلطان أبو سالم تلمسان واستولى عليها خالفه أبو حمو في عربه إلى المغرب فنزلوا آكرسيف ووطاط وبلاد ملوية وحطموا زروعها وانتسفوا بركتها وخربوا عمرانها وبلغ السلطان أبا سالم ما كان من إفسادهم فأهمه أمر المغرب وكان في جملته من بني زيان محمد بن عثمان ابن السلطان أبي تاشفين ويكنى أبا زيان فعقد له على تلمسان وأعطاه الآلة وجمع له جيشا من مغراوة وبني توجين ودفع لهم أعطياتهم وانكفأ راجعا إلى فاس فأجفل أبو حمو والعرب أمامه ثم خالفوه إلى تلمسان فطردوا عنها أبا زيان واستولوا عليها وثبت قدم أبي حمو بها وعاد أبو زيان إلى المغرب لاحقا بالسلطان أبي سالم قبله وعقد المهادنة مع أبي حمو واستقر الأمر على ذلك وقد كان ابن الخطيب عندما بلغه استيلاء السلطان أبي سالم على تلمسان هنأه بقصيدة طويلة يقول في مطلعها ( أطاع لساني في مديحك إحساني % وقد لهجت نفسي بفتح تلمسان ) ويقول في أثنائها وقد ألم بشيء من علم الأحكام النجومية لميل السلطان إليه ( ولله من ملك سعيد ونصبة % قضى المشتري فيها بعزلة كيوان ) ( وسجل حكم العدل من بيوتها % وقوفا مع المشهور من رأي يونان ) ( فلم تخشى سهم القوس صفحة بدرها % ولم تشك فيها الشمس من بخس ميزان ) ( ولم يعترض مبتزها قطع قاطع % ولا نازعت نوبهرها كف عدوان ) ( تولى اختيار الله حسن اختيارها % فلم يحتج الفرغان فيها لفرغان ) ( ولا صرفت فيها دقائق نسبة % ولا حققت فيها طوالع بلدان )
وفادة السودان من أهل مالي على السلطان أبي سالم وإغرابهم في هديتهم بالزرافة الحيوان المعروف
قد تقدم لنا ما جرى من المواصلة بين السلطان أبي الحسن والسلطان منسا موسى وأخيه أو ابنه من بعده منسا سليمان وتردد الوفود وإسناء الهدايا بينهم وقد كان السلطان منسا سليمان قد هيأ هدية نفيسة بقصد أن يبعثها إلى السلطان أبي الحسن مكافأة له على هديته فهلك السلطان أبو الحسن خلال ذلك ثم هلك السلطان منسا سليمان بعده واختلف أهل مالي وافترق أمرهم وتقاتلوا على الملك إلى أن جمع الله كلمتهم على السلطان منسا زاطة واستوسق له الأمر ثم نظر في أعطاف ملكه وأخبر بشأن الهدية التي كان منسا سليمان قد هيأها لملك المغرب فأمر بإنفاذها إليه وضم إليها الزرافة الحيوان الغريب الشكل العظيم الهيكل المختلف الشبه بالحيوانات وفصلوا بها من بلادهم فوصلوا إلى حضرة فاس في صفر من سنة اثنتين وستين وسبعمائة قال ابن خلدون وكان يوم وفادتهم يوما مشهودا جلس لهم السلطان ببرج الذهب بمجلسه المعد لعرض الجنود ونودي في الناس بالبروز إلى الصحراء فبرزوا ينسلون من كل حدب حتى غص بهم الفضاء وركب بعضهم بعضا في الازدحام على الزرافة إعجابا بخلقتها وحضر الوفد بين يدي السلطان وأدوا رسالتهم بتأكيد الود والمخالصة والعذر عن إبطاء الهدية بما كان من اختلاف أهل مالي وتواثبهم على الأمر وتعظيم سلطانهم وما صار إليه والترجمان يترجم عنهم وهم يصدقونه بالنزع في أوتار قسيهم عادة معروفة لهم وحيوا السلطان بأن جعلوا يحثون التراب على رؤوسهم على سنة ملوك العجم وأنشد الشعراء في معرض المدح والتهنئة ووصف الحال ثم ركب السلطان إلى قصره وانفض ذلك الجمع وقد طار به طائر الاشتهار واستقر الوفد تحت جراية السلطان أبي سالم إلى أن هلك قبل انصرافهم فوصلهم القائم بالأمر من بعده وانصرفوا إلى مراكش ثم منها إلى ذوي حسان عرب السوس الأقصى من بني معقل المتصلين ببلادهم ومن هناك لحقوا بسلطانهم والأمر كله لله وكان مما قيل من الشعر في ذلك اليوم قول ابن خلدون من قصيدة يقول في مطلعها ( قدحت يد الأشواق من زند % وهفت بقلبي زفرة الوجد ) إلى أن قال في وصف الزرافة ( ورقيمة الأعطاف حالية % موشية بوشائع البرد ) ( وحشية الأنساب ما أنست % في موحش البيداء بالقرد ) ( تسمو بجيد بالغ صعدا % شرف الصروح بغير ما جهد ) ( طالت رؤوس الشامخات به % ولربما قصرت عن الوهد ) ( قطعت إليك تنائفا وصل % أسئادها بالنص والوخد ) ( تحدى على استصعابها ذللا % وتبيت طوع القن والقد ) ( بسعودك اللائي ضمن لنا % طول الحياة بعيشة رغد ) ( جاءتك في وفد الأحابش لا % يرجون غيرك مكرم الوفد ) ( وافوك أنضاء تقليبهم % أيدي السرى بالغور والنجد ) ( كالطيف يستقري مضاجعه % أو كالحسام يسل من غمد ) ( يثنون بالحسنى التي سبقت % من غير إنكار ولا جحد ) ( ويرون لحظك من وفادتهم % فخرا على الأتراك والهند ) ( يا مستعينا جل في شرف % عن رتبة المنصور والمهدي ) ( جازاك ربك عن خليقته % خير الجزاء فنعم ما تسدى ) ( وبقيت للدنيا وساكنها % في عزة أبدا وفي سعد ) وقول الكاتب البارع أبي عبد الله بن زمرك الأندلسي من قصيدة يقول في مطلعها ( لولا تألق بارق التذكار % ما صاب واكف دمعي المدرار ) ( لكنه مهما تعرض خافقا % قدحت يد الأشواق زند أواري ) إلى أن قال في الغرض المذكور ( وغريبة قطعت إليك على الونى % بيدا تبيد بها هموم الساري ) ( تنسيه طيته التي قد أمها % والركب فيها ميت الأخبار ) ( يقتادها من كل مشتمل الدجى % فكأنما عيناه جذوة نار ) ( تشدو بحمد المستعين حداتها % يتعللون به على الأكوار ) ( إن مسهم لفح الهجير أبلهم % منه نسيم ثنائك المعطار ) ( خاضوا بها لجج الفلا فتخلصت % منها خلوص البدر بعد سرار ) ( سلمت بسعدك من غوائل مثلها % وكفى بسعدك حاميا لذمار ) ( وأتتك يا ملك الزمان غريبة % قيد النواظر نزهة الأبصار ) ( موشية الأعطاف رائقة الحلى % رقمت بدائعها يد الأقدار ) ( راق العيون أديمها فكأنه % روض تفتح عن شقيق بهار ) ( ما بين مبيض وأصفر فاقع % سال اللجين به خلال نضار ) ( يحكي حدائق نرجس في شاهق % تنساب فيه أراقم الأنهار ) ( تحدو قوائم كالجذوع وفوقها % جبل أشم بنوره متواري ) ( وسمت بجيد مثل جذع مائل % سهل التعطف لين خوار ) ( تستشرف الجدرات منه ترائبا % فكأنما هو قائم بمنار ) ( تاهت بكلكلها وأتلع جيدها % ومشى بها الإعجاب مشي وقار ) ( خرجوا لها الجم الغفير وكلهم % متعجب من لطف صنع الباري ) ( كل يقول لصحبه قوموا انظروا % كيف الجبال تقاد بالأسيار ) ( ألقت ببابك رحلها ولطالما % ألقى الغريب به عصا التسيار ) ( علمت ملوك الأرض أنك فخرها % فتسابقت لرضاك في مضمار ) ( يتبوؤون به وإن بعد المدى % من جاهك الأعلى أعز جوار ) ( فارفع لواء الفخر غير مدافع % واسحب ذيول العسكر الجرار ) ( واهنأ بأعياد الفتوح مخولا % ما شئت من نصر ومن أنصار ) ( وإليكها من روض فكري نفحة % شف الثناء بها على الأزهار ) ( في فصل منطقها ورائق رسمها % مستمتع الأسماع والأبصار ) ( وتميل من أصغى لها فكأنني % عاطيته منها كؤوس عقار )
مقتل السلطان أبي سالم رحمه الله والسبب في ذلك
كان السلطان أبو سالم رحمه الله قد غلب على هواه الخطيب أبو عبد الله بن مرزوق وألقى زمام الدولة بيده فنقم خاصة السلطان وحاشيته ذلك عليه وسخطوا الدولة من أجله ومرضت قلوب أهل الحل والعقد من تقدمه فتربصوا بالدولة الدوائر إلى أن كانت أواخر سنة اثنتين وستين وسبعمائة فتحول السلطان أبو سالم عن دار الملك من فاس الجديد إلى القصبة من فاس القديم واختط بها إيوانا فخما لجلوسه فلما استولى عمر بن عبد الله ابن علي بن سعيد الفودودي أحد كبراء الدولة ووزرائها على دار الملك إذ كان السلطان أبو سالم قد خلفه أمينا عليها حدثته نفسه بالتوثب وسهل ذلك عليه ما كان قد عرفه من مرض القلوب على السلطان لمكان ابن مرزوق فداخل قائد جند النصارى غرسية بن أنطول واتعدوا لذلك ليلة الثلاثاء السابع عشر من ذي القعدة من السنة المذكورة فعمدوا إلى تاشفين الموسوس ابن أبي الحسن فخلعوا عليه وألبسوه شارة الملك وقربوا له مركبا وأجلسوه مجلس السلطان وأكرهوا شيخ الحامية والناشبة محمد بن الزرقاء على البيعة وجاهروا بالخلعان وقرعوا الطبول ودخلوا إلى بيت المال ففرضوا العطاء من غير تقدير ولا حساب وماج الجند بفاس الجديد بعضهم في بعض واختطفوا ما وصلوا إليه من العطاء ثم انتهبوا ما كان بالمخازن الخارجية من السلاح والعدة وأضرموا النيران في بيوتها سترا على ما ضاع منها وأصبح السلطان أبو سالم بمكانه من قصبة فاس القديم وكان قد تحول إليها فرارا من قاطع فلكي خوفه إياه بعض منجميه فكان البلاء فيه موكلا بالمنطق فلما علم بالكائنة ركب واجتمع إليه من حضر من أوليائه وغدا على فاس الجديد وطاف بها يروم اقتحامها فامتنعت عليه ثم اضطرب معسكره بكدية العرائس لحصارها ونادى في الناس بالاجتماع إليه ولما كان وقت الهاجرة دخل فسطاطة للقيلولة فتسايل الناس عنه إلى فاس الجديد فوجا بعد فوج بمرأى منه إلى أن انفض عنه خاصته وأهله مجلسه فطلب النجاء بنفسه وركب في لمة من الفرسان وفيهم وزيراه سليمان بن داود ومسعود بن عبد الرحمن بن ماساي ومقدم الموالي والجند ببابه سليمان بن ونصار وأذن لابن مرزوق في الدخول إلى داره ومضى هو على وجهه فيمن معه ولما غشيهم الليل انفضوا عنه حتى بقي وحده ورجع الوزيران إلى دار الملك فتقبض عليهما رئيس الثورة عمر بن عبد الله الفودودي ومشاركه فيها غرسية بن أنطول النصراني واعتقلاهما متفرقين وبعث عمر بن عبد الله الطلب في أثر السلطان أبي سالم فعثروا عليه نائما من الغد في بعض المجاشر بوادي ورغة وقد غير لباسه اختفاء بشخصه وتواريا عن العيون بمكانه فتقبضوا عليه وحملوه على بغل وطيروا بالخبر إلى عمر بن عبد الله فأزعج لتلقيه شعيب بن ميمون بن داود وفتح الله بن عامر بن فتح الله السدراتي وأمرهما بقتله وإنفاذ رأسه فلقياه بخندق القصب إزاء كدية العرائس فأمرا بعض جند النصارى أن يتولى ذبحه ففعل وحملوا رأسه في مخلاة ووضعوه بين يدي الوزير الثائر ومشيخته وكان ذلك يوم الخميس الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة اثنتين وستين وسبعمائة ودفن بالقلة خارج باب الجيسة بأعلى جبل العرض المعروف بجبل الزعفران قال ابن الخطيب في الإحاطة كان السلطان أبو سالم رحمه الله بقية البيت وآخر القوم دماثه وحياء وبعدا عن الشرور وركونا للعافية قال وأنشدت على قبره الذي ووريت به جثته قصيدة أديت فيها بعض حقه ( بنى الدنيا بني لمع السراب % لدوا للموت وابنوا للخراب ) ومن أعيان وزرائه أبو عبد الله بن محمد بن أحمد بن مرزوق العجيسي الخطيب المشهور الذي مر ذكره آنفا ومن قضاة عسكره أبو القاسم محمد بن يحيى الأندلسي البرجي ومن أعيان كتابه الرئيس أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون صاحب التاريخ وأبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان النجاري من أهل مالقة صاحب كتاب السياسة وغيره ومما نظمه هذا الفاضل عن إذن السلطان أبي سالم رحمه الله ليكتب في طرة قبة رياض الغزلان من حضرته قوله ( هذا محل المنى بالأمن مغمور % من حله فهو بالأمان محبور ) ( مأوى النعيم به ما شئت من ترف % تهوى محاسنه الولدان والحور ) ( ويطلع الروض منه مصنعا عجبا % يضاحك النور من لألائه النور ) ( ويسطع الزهر من أرجائه أرجا % ينافح الندى نشر منه منشور ) ( مغنى السرور سقاه الله ما حملت % غر الغمام وحلته الأزاهير ) ( انظر إلى الروض تنظر كل معجبة % مما ارتضاه لرأي العين تحبير ) ( مر النسيم به يبغي القرا فقرا % دراهم النور تبديد وتنثير ) ( وهامت الشمس في حسن الظلال به % ففرقت فوقه منها دنانير ) ( كأنما الطير في أفنائها صدحت % بشكر مالكها والفضل مشكور ) ( والدوح ناعمة تهتز من طرب % همسا وصوت غناء الطير مجهور ) ( والنهر شق بساط الأرض تحسبه % سيفا ولكنه في السلم مشهور ) ( ينساب للجنة الخضراء أزرقه % كالأيم جد انسياب وهو مذعور ) ( هذي مصانع مولانا التي جمعت % شمل السرور وأمر السعد مأمور ) ( وهذه القبة الغراء ما نظرت % لشكلها العين إلا عز تنظير ) ( ولا يصورها في الفهم ذو فكر % إلا ومنه لكل الحسن تصوير ) ( ولا يرام بحصر وصف ما جمعت % من المحاسن إلا صد تقصير ) ( فيها المقاصير تحميها مهابته % لله ما جمعت تلك المقاصير ) ( كأنها الأفق تبدو النيرات به % ويستقيم بها في السعد تسيير ) ( وينشأ المزن في أرجائه وله % من عنبر الشحر إنشاء وتسخير ) ( وينهمي القطر منه وهو منسكب % ماء من الورد يذكو منه تعطير ) ( وتخفق الريح منه وهي ناسمة % مما أهب به مسك وكافور ) ( ويشرق الصبح منه وهو من غرر % غر تلألأ منهن الأسارير ) ( وتطلع الشمس فيه من سنا ملك % تبسم الدهر منه وهو مسرور ) ومضى في مدح السلطان والله تعالى يتغمد الجميع برحمته بمنه وكرمه
الخبر عن دولة السلطان أبي عمر تاشفين الموسوس ابن أبي الحسن المريني
هذا السلطان كان محجوبا لوزيره عمر بن عبد الله الفودودي لا يملك معه ضرا ولا نفعا أمه أم ولد اسمها ميمونة صفته طويل القامة عظيم الهيكل بعيد ما بين المنكبين أعين أدعج وكان فارسا بطلا قوي الساعد إلا أنه كان ناقص العقل ولما ثار عمر بن عبد الله بالسلطان أبي سالم وسعى في هلاكه إلى أن قتل كما مر استبد بأمر الدولة ونصب هذا الموسوس يموه به على الناس فبويع ليلة الثلاثاء التاسع عشر من ذي القعدة سنة اثنتين وستين وسبعمائة حسبما سبق وكان نقصان عقل تاشفين من أجل الأسر الذي أصابه بوقعة طريف أيام والده السلطان أبي الحسن إلى أن افتدي وبقي ناقص العقل مختل المزاج إلى أن كان من أمره ما كان
الفتك بغرسية بن أنطول قائد النصارى ومقتل جنده معه والسبب في ذلك
لما قبض عمر بن عبد الله على الوزيرين مسعود بن عبد الرحمن بن ماساي وسليمان بن داود سجنهما متفرقين فأخذ إليه ابن ماساي لمكان صهره منه ودفع لغرسية سليمان بن داود وكان سليمان بن ونصار قد فر مع السلطان أبي سالم كما مر ولما رجع عنه فيمن رجع نزل على غرسية فقبله وأكرمه وكان يعاقره الخمر ففاوضه ذات ليلة في الثورة بعمر بن عبد الله واعتقاله وإقامة سليمان بن داود المسجون بداره مقامه لما هو عليه من السن ورسوخ القدم في الأمر ونما الخبر بذلك إلى عمر بن عبد الله فارتاب وكان خلوا من العصبية ففزع إلى قائد المركب السلطاني من ناشبة الأندلس ورماتها وهو يومئذ إبراهيم البطروجي فعاقده على أمره وبايعه على الاستماتة دونه ثم رأى أن ذلك لا يكفيه ففزع ثانيا إلى يحيى بن عبد الرحمن شيخ بني مرين وصاحب شوارهم فشكا إليه فأشكاه ووعده الفتك بابن أنطول وأصحابه وانبرم عقد ابن أنطول وسليمان بن ونصار أيضا على عمر بن عبد الله وغدوا إلى القصر وداخل ابن أنطول طائفة من النصارى استظهارا بهم وتوافت بنو مرين بمجلس السلطان على عادتهم وحضر ابن أنطول والبطروجي ويحيى بن عبد الرحمن وغير هؤلاء من الوجوه فسأل عمر بن عبد الله من ابن أنطول تحويل سليمان بن داود من داره إلى السجن فأبى وضن به عن الإهانة حتى سأل مثلها من ابن ماساي صاحبه فأمر عمر بالتقبض عليه فكشر في وجوه الرجال واخترط سكينه للمدافعة فتواثبت بنو مرين عليه وقتلوه لحينه واستلحموا من وجدوا بالدار من جنده النصارى عند دخولهم مع قائدهم وفر بعضهم إلى معسكرهم ويعرف بالملاح جوار فاس الجديد وأرجف الغوغاء بالمدينة أن ابن أنطول قد غدر بالوزير فقتلوا جند النصارى حيث وجدوهم من سكك المدينة وتزاحفوا إلى الملاح لاستلحام من بقي به منهم وركبت بنو مرين لحماية جندهم من معرة الغوغاء وانتهب يومئذ الكثير من أموالهم وآنيتهم وأمتعتهم وقتل النصارى أيضا كثيرا من مجان المسلمين كانوا يعاقرون الخمر بالملاح ثم سكنت الهيعة وما كادت واستبد عمر بن عبد الله بدار الملك واعتقل سليمان بن ونصار إلى الليل ثم بعث من قتله بمحبسه وحول سليمان بن داود إلى بعض الدور من دار الملك فاعتقله بها واستولى على أمره ثم خاطب عامر بن محمد الهنتاتي في اتصال اليد به واقتسام ملك المغرب بينه وبينه وبعث إليه بأبي الفضل ابن السلطان أبي سالم اعتده عنده ليوم ما ثم فسد ما بينه وبين مشيخة بني مرين فاجتمعوا على كبيرهم يحيى بن عبد الرحمن وعسكروا بباب الفتوح واستدعوا عبد الحليم بن أبي علي ابن السلطان أبي سعيد من تلمسان على ما نذكره