القسم ٨ من ١٧

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

ظهور عبد الحليم بن أبي علي بن أبي سعيد ومحاصرته لفاس الجديد ثم فراره عنها

قد قدمنا في أخبار السلطان أبي الحسن أن أخاه أبا علي صاحب سجلماسة كان قد انتقض عليه فأمكنه الله منه فقتله وكفل أولاده فلم يميز بينهم وبين أولاده في شيء من الأشياء ولما أفضى الأمر إلى أبي عنان بعث جماعة من إخوته وقرابته إلى الأندلس تحت حياطة ابن الأحمر وكان فيهم أولاد أبي علي هؤلاء ثم بعد حين سرحوا وقدموا تلمسان على سلطانها أبي حمو بن يوسف فكانوا عنده إلى هذا التاريخ فلما فسد ما بين عمر بن عبد الله وشيوخ بني مرين بعثوا إلى تلمسان جملة منهم لاستقدام عبد الحليم المذكور فسرحه أبو حمود وأعانه بشيء من الآلة وجمع عليه من رغب في طاعته وزحف إلى فاس فتلقته جماعة بني مرين بسبو ونزلوا على فاس الجديد يوم السبت سابع محرم سنة ثلاث وستين وسبعمائة واضطربوا معسكرهم بكدية العرائس وحاصروا دار الملك سبعة أيام وتتابعت وفودهم وحشودهم ثم إن عمر بن عبد الله برز يوم السبت القابل في مقدمة السلطان تاشفين بمن معه من جند المسلمين والنصارى رامحة وناشبة ووكل بالسلطان من جاء به في الساقة على التعبية المحكمة وناوشهم الحرب فزحفوا إليه فاستطرد لهم ليتمكن الناشبة من عقرهم من الأسوار حتى فشت فيهم الجراحات ثم صمم نحوهم فانفرج القلب وانفضت الجموع ثم زحف السلطان تاشفين في الساقة فابذعروا في الجهات وافترق بنو مرين إلى مواطنهم ولحق يحيى بن عبد الرحمن بمراكش مع مبارك بن إبراهيم شيخ الخلط ولحق عبد الحليم وإخوته بتازا بعد أن شهد لهم رجال الدولة بصدق الجلاد وحسن البلاء في ذلك المقام

ثم إن الوزير عمر بن عبد الله راجع بصيرته في تقديم المعتوه للأمر وعلم أن الأمر لا يستقيم له بذلك فبادر باستقدام أبي زيان محمد بن أبي عبد الرحمن يعقوب ابن السلطان أبي الحسن وكان عند الطاغية بدار الحرب فقدم وخلع الوزير المذكور سلطانه الموسوس يوم الاثنين الحادي والعشرين من صفر سنة ثلاث وستين وسبعمائة فكانت دولته ثلاثة أشهر ويومين ومات وسنه ستون سنة والله تعالى أعلم

الخبر عن دولة السلطان المتوكل على الله أبي زيان محمد بن أبي عبد الرحمن يعقوب بن أبي الحسن المريني

هذا السلطان كان محجوبا للوزير عمر بن عبد الله أيضا كنيته أبو زيان لقبه المتوكل على الله أمه أم ولد اسمها فضة صفته آدم اللون شديد الأدمة معتدل القامة منفرج الأنف دقيق العينين وقال ابن الخطيب في الإحاطة حاله فاضل سكون منقاد مشتغل بخاصة نفسه قليل الكلام حسن الشكل درب بركض الخيل مفوض للوزراء عظيم التأني لأغراضهم وكان قبل ولايته عند الطاغية بالأندلس فر إليه خوفا على نفسه ولما التبست الأمور على عمر بن عبد الله طلبه إلى الطاغية فسمح به بعد اشتراط واشتطاط وفصل من إشبيلية في المحرم فاتح سنة ثلاث وستين وسبعمائة ونزل بسبته وبها سعيد بن عثمان من قرابة الوزير عمر بن عبد الله أرصده لقومه فطير إليه بالخبر فحينئذ خلع عمر تاشفين الموسوس وبعث إلى السلطان أبي زيان بالبيعة والآلة والفساطيط ثم جهز عسكرا للقائه فتلقوه بطنجة وأغذ السير إلى الحضرة فنزل منتصف صفر بكدية العرائس واضطرب معسكره بها وتلقاه يومئذ الوزير عمر بن عبد الله الياباني وبايعه وأخرج فسطاطه فاضطرب بمعسكره وتلوم السلطان أبو زيان هنالك ثلاثا ثم دخل في اليوم الرابع إلى قصره واقتعد أريكته وتودع ملكه وقال ابن الخطيب في الإحاطة كان دخوله داره مغرب ليلة الجمعة بطالع الثامن من السرطان وبه السعد الأعظم كوكب المشتري من السيارة السبعة أه ولما تم له الأمر خاطبه ابن الخطيب من سلا مهنئا له بقوله ( يا ابن الخلائف يا سمي محمد % يا من علاه ليس يحصر حاصر ) ( أبشر فأنت مجدد الملك الذي % لولاك أصبح وهو رسم داثر ) ( من ذا يعاند منك وارثه الذي % بسعوده فلك المشيئة دائر ) ( ألقت إليك يد الخلافة أمرها % إذ كنت أنت لها الولي الناصر ) ( هذا وبينك للصريخ وبينها % حرب مضرسة وبحر زاخر ) ( من كان هذا الصنع أول أمره % حسنت له العقبى وعز الآخر ) ( مولاي عندي في علاك محبة % والله يعلم ما تكن ضمائر ) ( قلبي يحدثني بأنك جابر % كسرى وحظي منك حظ وافر ) ( بثرى جدودك قد حططت حقيبتي % فوسيلتي لعلاك نور باهر ) ( وبذلت وسعي واجتهادي مثل ما % يلقى لملكك سيف أمرك عامر ) ( فهو الولي لك الذي اقتحم الردى % وقضى العزيمة وهو سيف باتر ) ( وولي جدك في الشدائد عندما % خذلت علاه قبائل وعشائر ) ( فاستهد منه النصح واعلم أنه % في كل معضلة طبيب ماهر ) ( إن كنت قد عجلت بعض مدائحي % فهي الرياض وللرياض بواكر ) ثم أتبعها بنثر أضربنا عنه اختصارا والله تعالى الموفق

وفادة ابن الخطيب من سلا على السلطان أبي زيان بن أبي عبد الرحمن رحمهما الله

قال في الإحاطة وفدت على السلطان أبي زيان بن أبي عبد الرحمن ابن أبي الحسن من محل الانقطاع بسلا وأنشدته قولي ( لمن علم في هضبة الملك خفاق % أفاقت به من غشية الهرج آفاق ) ( تقل رياح النصر عنه غمامة % تمد لها أيد وتخضع أعناق ) ( وبيعة شورى أحكم السعد عقدها % وأعمل إجماع عليها وإصفاق ) ( قضى عمر فيها بحق محمد % فسجل عهد للوفاء وميثاق ) ( أحلما ترى عيناي أم هي فترة % أعندكما في مشكل الأمر مصداق ) ( وفاض لفضل الله في الأرض تبتغي % ومجتمعات لا تريب وأسواق ) ( وسرح تهنيه الكلاءة بالكلا % وفلح لسقي الغيث قام له ساق ) ( وقد كان طيف الحلم لا يعمل الخطا % وللفتنة العمياء في الأرض إطباق ) ( وللغيث إمساك وفي الأرض رجة % وللدين والدنيا وجوم وإطراق ) ( فكل فريق فيه للبغي راية % وكل طريق فيه للعيث طراق ) ( أجل إنه من آل يعقوب وارث % يحن له البيت العتيق ويشتاق ) ( له من جناح الروح ظل مسجف % ومن رفرف العز الإلهي رستاق ) ( أطل على الدنيا وقد عاد ضوءها % ودجى وعلى الأحداق للذعر إحداق ) ( فأشرقت الأرجاء من نور ربها % وساح بها لله لطف وإشفاق ) ( فمن ألسن بالشكر لله أعلنت % وكان لها من قبل همس وإطباق ) ( وليس لأمر أبرم الله ناقض % وليس لمسعى النجح في الله إخفاق ) ( محمد قد أحييت دين محمد % وللخلق أدماء تفيض وأرماق ) ( ولو لم تثبت غطى على شفق الضحا % دم لسيوف البغي في الأرض مهراق ) ( فأيمن بمشحون من الفلك سابح % له باختيار الله حط وإيساق ) ( أقلك والدأماء تظهر طاعة % إليك صفح الماء أزرق رقراق ) ( إلى هدف السعد انبرى منه والدجا % تضل الحجى سهم من السعد رشاق )

( فخطت لتقويم القوام جداول % وصحت من التوفيق واليمن أوفاق ) ( تبارك من أهداك للخلق رحمة % ومستبعد أن يهمل الخلق خلاق ) ( هو الله يبلو الناس بالخير فتنة % وبالشر والأيام سم وترياق ) ( سمت منك أعناق الورى لخليفة % له في مجال السعد عدو وأعناق ) ( وقالوا بنان ما استقل بكفه % تفيض على العافين أم هي أرزاق ) ( وأطنب فيك المادحون وأغرقوا % فلم يجد إطناب ولم يغن إغراق ) ( ألست من القوم الذين أكفهم % غمام ندى إن أخلف الغيث غيداق ) ( ألست من القوم الذين وجوههم % بدور لها في ظلمة الروع إشراق ) ( رياض إذا العافي استظل ظلالها % ففيها جنى ملء الأكف وإيراق ) ( أبوك ولي العهد لو سالم الردى % وجدك قد فاق الملوك وإن فاقوا ) ( فمن ذا له جد كجدك أو أب % لآلئ والمجد المؤثل نساق ) ( وحسب العلا في آل يعقوب أنهم % هم الأصل في العلياء والناس إلحاق ) ( أسود سروج أو بدور أسرة % فإن حاربوا راعوا وإن سالموا راقوا ) ( يطول لتحصيل الكمال سهادهم % فهم للمعالي والمكارم عشاق ) ومنها ( لقد نسيت إحسان جدك فرقة % تزر على أعناقهم منه أطواق ) ( أجازت خروج ابن ابنه عن تراثه % ولم تدر ما ضمت من الذكر أوراق ) ( ومن دون ما راموه لله قدرة % ومن دون ما أموه للفتح إغلاق ) ( خذ العفو وابذل فيهم العرف ولتسع % جريرة من أبدى لك العذر أخلاق ) ( فربما تنبو مهندة الظبي % وتهفو حلوم القوم والقوم حذاق ) ( وما الناس إلا مذنب وابن مذنب % ولله إرفاد عليهم وإرفاق ) ( ولا ترج في كل الأمور سوى الذي % خزائنه ما ضرها قط إنفاق ) ( إذا هو أعطى لم يضر منع مانع % وإن حشدت طسم وعاد وعملاق ) ( عرفت الردى واستأثرت بك للعدا % تخوم لمختط الصليب وأعماق ) ( فيسر لليسرى وأحيى بك الورى % وللروع إرعاد عليك وإبراق ) ( فجاز صنيع الله وازدد بشكره % مواهب جود غيثها الدهر دفاق ) ( وأوف لمن أوفى وكاف الذي كفى % فأنت كريم طهرت منك أعراق ) ( وتهنيك يا مولى الملوك خلافة % شجتها تباريح إليك وأشواق ) ( فقد بلغت أقصى المنى بك نفسها % وكم فاز بالوصل المهنا مشتاق ) ( فلا راع منها السرب للدهر رائع % ولا نال منها جدة السعد أخلاق ) ( أمولاي راع الدهر سربي وغالني % فطرفي مذعور وقلبي خفاق ) ( وليس لكسرى غيرك اليوم جابر % ولا ليدي إلا بمجدك أعلاق ) ( ولي فيك ود واعتداد غرسته % فراقت به من يانع الحمد أوراق ) ( وقد عيل صبري في ارتقابي خليفة % تحل به للضر عني أوهاق ) ( وأنت حسام الله والله ناصر % وأنت أمين الله والله رزاق ) ( وأنت الأمان المستجار من الردى % إذا راع خطب أو توقع إملاق ) ( وأهون ما يرجى لديك شفاعة % إذا لم يكن عزم حثيث وإرهاق ) ( ودونكها من ذائع الحمد مخلص % له فيك تقييد يروق وإطلاق ) ( إذا قال أما كل سمع لقوله % فمصغ وأما كل أنف فنشاق ) ( ودم خافق الأعلام بالنصر كلما % ذهبت لمسعى لم يكن فيه إخفاق ) قال وعدت منه ببر كبير واحترام شهير يشير بذلك إلى ما أكرمه به وكتب له من الظهير الذي يتضمن كمال الاحترام والتوقير ونصه هذا ظهير كريم من أمير المسلمين فلان أيده الله ونصره وسنى له الفتح المبين ويسره للشيخ الفقيه الأجل الأسنى الأعز الأحظى الأرفع الأمجد الأسمى الأوحد الأنور الأرقى العالم العلم الرئيس الأعرف المتفنن الأبرع المصنف المفيد الصدر الأحفل الأفضل الأكمل أبي عبد الله ابن الشيخ الفقيه الوزير الأجل الأسنى الأعز الأرفع الأمجد الوجيه الأنوه الأحفل الأفضل الحسيب الأصل الأكمل المبرور المرحوم أبي محمد ابن الخطيب قابله أيده الله بوجه القبول والإقبال وأضفى عليه ملابس الإنعام والإفضال ورعى له خدمة السلف الرفيع الجلال وما تقرر من مقاصده الحسنة في خدمة أمرنا العال وأمر في جملة ما سوغه من الآلاء الوارفة الظلال الفسيحة المجال بأن يجدد له حكم ما بيده من الأوامر المتقدم تاريخها المتضمنة تمشية خمسمائة دينار من الفضة العشرية في كل شهر عن مرتب له ولولده الذي لنظره من مجبي مدينة سلا حرسها الله ومن حيث جرت العادة أن تمشي له ورفع الاعتراض ببابها فيما يجلب من الأدم والأقوات على اختلافها من حيوان وسواه وفيما يستفيده خدامه بخارجها وأحوازها من عنب وقطن وكتان وفاكهة وخضر وغير ذلك فلا يطلب في شيء من ذلك بمغرم ولا وظيف ولا يتوجه فيه إليه بتكليف يتصل له حكم جميع ما ذكر في كل عام تجديدا تاما واحتراما عاما أعلن بتجديد الحظوة واتصالها وإتمام النعمة وإكمالها من تواريخ الأوامر المذكورة إلى الآن ومن الآن إلى ما يأتي على الدوام واتصال الأيام وأن يحمل جانبه فيمن يشركه أو يخدمه محمل الرعي والمحاشاة في السخر مهما عرضت والوظائف إذا افترضت حتى يتصل له تالد العناية بالطارف وتتضاعف أسباب المنن والعوارف بفضل الله وتحرر له الأزواج التي يحرثها بتالماغت من كل وجيبة وتحاشى من كل مغرم أو ضريبة بالتحرير التام بحول الله وعونه ومن وقف على هذا الظهير الكريم فليعمل بمقتضاه وليمض ما أمضاه إن شاء الله وكتب في العاشر من شهر ربيع الآخرة من سنة ثلاث وستين وسبعمائة وكتب في التاريخ أ ه وقوله وكتب في التاريخ هو العلامة السلطانية في ذلك الزمان يكتب بقلم غليظ وبعض ملوك المغرب يكتب عند العلامة صح في التاريخ

وفادة ابن محمد الهنتاتي على السلطان أبي زيان بن أبي عبد الرحمن رحمهما الله

كان الوزير عمر بن عبد الله الياباني مودة ومصافاة مع الرئيس الشهير أبي ثابت عامر بن محمد الهنتاتي كبير جبل درن والبلاد المراكشية وكان الوزير عمر المذكور قد بعث إليه بصهره وظهيره على الملك مسعود بن عبد الرحمن ابن ماساي يكون عنده عدة وعتادا ليوم ما فلما بويع السلطان أبو زيان استقدم عمر بن عبد الله صهره المذكور لوزارته وكان عامر بن محمد مجمعا القدوم على السلطان المذكور فقدم في صحبته مسعود ونزلا من الدولة بخير منزل وعقد السلطان أبو زيان لمسعود المذكور على وزارته بإشارة الوزير عمر بن عبد الله فاضطلع بها ودفعه عمر إليها استمالة اليد وثقة بمكانه واستظهارا بعصبيته وعقد مع عامر بن محمد الحلف على مقاسمة المغرب شق الأبلمة وجعل إمارة مراكش لأبي الفضل ابن السلطان أبي سالم إسعافا لغرض عامر بن محمد في ذلك وخطب إليهم عامر بنت السلطان أبي بكر الحفصي التي توفى عنها السلطان أبو عنان فأجابوه وحملوا أولياءها على العقد عليها وانكفأ راجعا إلى مكان عمله بمراكش يجر الدنيا وراءه عزا وثروة وتابعا وذلك في جمادى الأولى من سنة ثلاث وستين وسبعمائة فاستقل بأمر الناحية الغربية من مراكش وجبال المصامدة وما إليها من الأعمال واستبد بها ونصب أبا الفضل ابن السلطان أبي سالم صورة واستوزر له وتمكن سلطانه وعلا ذكره وصارت كأنها دولة مستقلة فصرف إليه النازعون من بني مرين عن الدولة وجوه مفرهم ولجؤوا إليه فأجارهم على السلطان واجتمع إليه منهم ملأ واتسع الخرق على الرافع واضطربت الأحوال بالمغرب وخرج على السلطان أبي زيان الأمير عبد الحليم بن أبي علي بن أبي سعيد وتغلب على سجلماسة وأعمالها ثم غلب عليه أخوه عبد المؤمن بن أبي علي فخرج عبد الحليم إلى المشرق لقضاء فريضة الحج واستمر عبد المؤمن بسجلماسة وأقام بها دولة كما كان لوالده من قبل إلى أن فتحها الوزير مسعود بن عبد الرحمن بن ماساي وأضافها إلى مملكة فاس ثم انتقض الوزير مسعود أيضا وبايع الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن بن أبي علي ونصبه للأمر وصار يشوش به على الدولة وشرق عمر بن عبد الله بدائه في أخبار طويلة ولما لم يتم له أمر عبر هو وسلطانه البحر من مرسى غساسة إلى الأندلس فاتح سنة سبع وستين وسبعمائة وأقبلا على الجهاد واستراح الوزير عمر وسلطانه أبو زيان من شغبهما والله غالب على أمره

مقتل السلطان أبي زيان بن أبي عبد الرحمن رحمه الله

لما طال استبداد الوزير عمر بن عبد الله على السلطان أبي زيان وحجره أباه إذ كان وضع عليه الرقباء والعيون حتى من حرمه وأهل قصره عزم على الفتك بالوزير المذكور وتناجى بذلك مع بعض ندمائه وأعد له طائفة من العبيد كانوا يختصون به فنما ذلك إلى الوزير بواسطة بعض الحرم كانت عينا له عليه فعاجله وكان قد بلغ من الاستبداد عليه أن كان الحجاب مرفوعا له عن خلوات السلطان وحرمه فدخل عليه وهو في وسط حشمه فطردهم عنه ثم غطه حتى فاظ وأمر به فألقي في بئر بروض الغزلان واستدعى الخاصة فأراهم مكانه بها وأنه سقط عن دابته وهو سكران وذلك في محرم فاتح سنة ثمان وستين وسبعمائة كذا عند ابن خلدون وقال في الجذوة توفي يوم الأحد الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة سبع وستين وسبعمائة وله ثمان وعشرون سنة ودفن بجامع قصره فكانت دولته أربع سنين وعشرة أشهر ويوما واحدا والله أعلم

الخبر عن دولة السلطان أبي فارس عبد العزيز بن أبي الحسن رحمه الله

هذا السلطان هو الذي أنعش دولة بني مرين بعد تلاشيها وأعاد إليها شبابها بعد هرمها وتقاضيها وأزال عنها وصمة الحجر والاستبداد وأعادها من العز إلى حالها المعتاد وهو الذي ذكره ابن خلدون في أول تاريخه الكبير وألفه برسمه وحلى ديباجته باسمه أمه مولدة اسمها مريم صفته أدم اللون شديد الأدمة طويل القامة يشرف على الناس بطوله نحيف الجسم أعين أدعج أخنس في وجهه أثر جدري وكان عفا متمسكا بالدين محبا في الخير وأهله لم يشرب خمرا ولا وقع في فاحشة قط وبالجملة فقد كان من صالحي الملوك رحمه الله ولما كان من الوزير عمر بن عبد الله الياباني إلى السلطان أبي زيان رحمه الله ما كان من الخنق والإلقاء في البئر استدعى عبد العزيز بن أبي الحسن هذا وكان في بعض الدور من القصبة بفاس محتاطا عليه من قبل الوزير المذكور فأحضره بالقصر وأجلسه على سرير الملك وبايعه وفتحت الأبواب لبني مرين وسائر الخاصة والعامة فازدحموا على تقبيل يده معطين الصفقة بطاعته فتم أمره وثبت ملكه وذلك يوم الأحد الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة سبع وستين وسبعمائة ثم إن الوزير عمر جرى معه على عادته من الاستبداد ومنع التصرف في شيء من أمور الملك فأنف السلطان عبد العزيز من ذلك وتأفف منه ودارت بينه وبين الوزير أمور إلى أن عمل السلطان على الفتك به فأعد له جماعة من الخصيان بزوايا داره ثم أحضره ووبخه وثار به أولئك الخصيان فتناولوه هبرا بالسيوف وصاح الوزير المذكور صيحة أسمع بها بطانته خارج الدار فوثبوا على الأبواب فكسروها واقتحموا الدار فإذا صاحبهم مضرج بدمائه قد فرغ منه فولوا الأدبار هاربين ثم تتبع السلطان عبد العزيز حاشية الوزير بالاعتقال والقتل حتى أتى على الجميع في خبر طويل واستبد بملكه واضطلع به وأدار الأمور فيه على ما ينبغي والله تعالى أعلم

انتقاض أبي الفضل بن أبي سالم ثم مقتله بعد ذلك

قد قدمنا أن أبا الفضل بن أبي سالم كان قد عقد له الوزير عمر بن عبد الله على مراكش إسعافا لكافله عامر بن محمد الهنتاتي فلما فتك السلطان عبد العزيز بالوزير المذكور سولت لأبي الفضل نفسه مثلها في عامر بن محمد لاستبداده عليه وأغراه بذلك بطانته فأحس عامر بالشر فتمارض بداره من مراكش ثم استأذنه في الصعود إلى معتصمه من الجبل ليمرضه هنالك حرمه وأقاربه فارتحل بجملته واحتل بحصنه وكان أعز من الأبلق الفرد فيئس أبو الفضل من الاستمكان منه ثم أغرته بطانته إذ فاتهم عامر بالفتك بعبد المؤمن بن أبي علي وكان قد انضاف إليه بعد إجفاله عن سجلماسة فسكر أبو الفضل ذات ليلة وبعث عن قائد الجند من النصارى فأمره بقتل عبد المؤمن بمكان معتقله من قصبة مراكش فجاء برأسه إليه وطار الخبر بذلك إلى عامر فارتاع وحمد الله إذ خلصه من غائلته وبعث ببيعته إلى السلطان عبد العزيز وأغراه بأبي الفضل ورغبه في ملك مراكش ووعده بالمظاهرة فأجمع السلطان أمره على النهوض إليها ونادى في الناس بالعطاء وقضى أسباب حركته وارتحل من فاس سنة تسع وستين وسبعمائة وقد استبد أبو الفضل بمراكش وأعملها وأقام بها رسم الملك واستوزر واستلحق وجعل شوراه لمبارك بن إبراهيم بن عطية الخلطي ولما نهض السلطان عبد العزيز من فاس اتصل خبره بأبي الفضل وهو منازل لعامر بن محمد فانفض معسكره ولحق بتادلا ليعتصم بجبل بني جابر منها فتبعه السلطان عبد العزيز إليها ونازله وأخذ بمخنقه وقاتله ففل عسكره ثم داخل بعض بني جابر في جر الهزيمة عليه على مال يعطيه لهم ففعلوا وانهزمت جيوشه وتقبض على أشياعه وسيق مبارك بن إبراهيم إلى السلطان عبد العزيز فاعتقله إلى أن قتله مع عامر بن محمد كما نذكر ولحق أبو الفضل بقبائل صناكة وراء بني جابر فداخل بنو جابر في شأنه وبذلوا لهم عن السلطان مالا دثرا في إسلامه فأسلموه وبعث السلطان إليهم وزيره يحيى بن ميمون فجاء به أسيرا وأحضره أمام السلطان فوبخه ثم اعتقله بفسطاط مجاور له ثم غط من الليل فكان مهلكه في رمضان سنة تسع وستين وسبعمائة لمضي ثمان سنين من إمارته على مراكش وبعث السلطان عبد العزيز إلى عامر بن محمد يختبر طاعته فأبى عليه وجاهر بالخلاف إلى أن كان من شأنه ما نذكره

انتقاض عامر بن محمد الهنتاتي وحصار السلطان عبد العزيز إياه وظفره به

كان عامر بن محمد الهنتاتي مجير السلطان أبي الحسن من ابنه أبي عنان على ما وصفنا من بلوغ الغاية في الرياسة والاعتزاز على الدولة وطول الاستبداد بمراكش وأحوازها وكان قد حصل في مدة رياسته على ثروة عظيمة وجاه كبير وكان له معتصم بجبل درن أعز من بيض الأنوق قد حصن فيه ماله وسلاحه وذخيرته وكان كلما هاجه هائج صعد إليه وأمن على نفسه فلما صفا الأمر للسلطان عبد العزيز جعل عامرا هذا من أهم أمره فنصب له واستعد لقتاله وعقد على وزارته لأبي بكر بن غازي بن يحيى بن الكاس ونهض إليه من فاس سنة سبعين وسبعمائة فحاصره في جبله سنة كاملة ولما طال الحصار على عامر وشيعته اختلفت كلمتهم عليه وفسد ما بينه وبين ابن أخيه فارس بن عبد العزيز بن محمد فبعث إلى السلطان وسهل له الطريق لاقتحام الجبل فزحفت العساكر والجنود وشارفت المعتصم ولما استيقن عامر أن قد أحيط به بعث إلى ابنه أبي بكر أن يلحق بالسلطان مختارا له ومشيرا عليه بالتي هي أحسن وأسلم فألقى الولد بنفسه إلى السلطان فقبله وبذل له الأمان وألحقه بجملته وانتبذ عامر عن الناس وذهب لوجهه ليخلص إلى السوس فرده الثلج وقد كانت السماء أرسلت به منذ أيام حتى تراكم بالجبل بعضه على بعض وسد المسالك فاقتحمه عامر حتى هلك فيه بعض حرمه ونفق مركوبه وعاين الهلكة العاجلة فرجع أدراجه مختفيا حتى آوى إلى غار مع أدلاء كان قد استخلصهم وبذل لهم مالا على أن يسلكوا به ظهر الجبل إلى صحراء السوس فأقاموا ينتظرون إمساك الثلج وقد شدد السلطان عبد العزيز في التنقير عنه والبحث فعثر عليه بعض البربر بالغار المذكور فسيق إلى السلطان فأحضره بين يديه ووبخه فاعتذر واعترف بالذنب ورغب في الإقالة فحمل إلى مضرب بني له بإزاء فسطاط السلطان واعتقل هنالك وانطلقت الأيدي على معاقل عامر ودياره فانتهب من الأموال والسلاح والذخيرة والزرع والأقوات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت واستولى السلطان على الجبل ومعاقله في رمضان من سنة إحدى وسبعين وسبعمائة لحول من يوم حصاره وعقد على هنتاتة لابن أخي عامر وهو فارس بن عبد العزيز بن محمد بن علي الهنتاتي وارتحل إلى فاس فاحتل بها آخر رمضان المذكور ودخلها في يوم مشهود برز فيه الناس وحمل عامر وسلطانه تاشفين من بني عبد الحق كان نصبه للأمر مموها به على عادته فحملا معا على جملين وقد أفرغ عليهما لباس رث وعبثت بهما أيدي الإهانة فكان ذلك عبرة لمن رآه ولما قضى السلطان عبد العزيز نسك عيد الفطر أحضر عامرا فقرعه بذنوبه وأتى بكتاب بخطه يخاطب فيه أبا حمو بن يوسف الزياني ويستنجده على السلطان فشهد عليه به وأمر السلطان بامتحانه فلم يزل يجلد حتى انتشر لحمه وضرب بالعصى حتى ورمت أعضاؤه وهلك بين يدي الوزعة وجنب تاشفين سلطانه إلى مصرعه فقتل قعصا بالرماح وجنب مبارك بن إبراهيم الخلطي من محبسه بعد الاعتقال فألحق بهم ولكل أجل كتاب وصفا الجو للسلطان عبد العزيز من المنازعين وتفرغ لغزو تلمسان على ما نذكره إن شاء الله

ارتجاع الجزيرة الخضراء من يد الإسبانيول

قد قدمنا ما كان من استيلاء الطاغية على الجزيرة الخضراء أيام السلطان أبي الحسن رحمه الله فاستمرت في ملكتهم إلى هذا التاريخ فنشأت بينهم فتنة وتقاتلوا على الملك وأعروا ثغورهم الموالية للمسلمين من الحامية والجند فبقيت عورة وتشوف المسلمون إلى ارتجاع الجزيرة الخضراء التي قرب عهدهم بانتظامها في ملكة المسلمين وكان السلطان عبد العزيز في شغل عن ذلك بفتنة أبي الفضل بن أبي سالم وعامر بن محمد وانتقاضهما فبعث إلى ابن الأحمر صاحب الأندلس أن يزحف إليها بعساكره وعليه عطاؤهم وإمدادهم بالمال والأساطيل على أن تكون مثوبة جهاده خالصة له فأجاب ابن الأحمر إلى ذلك وبعث إليه السلطان عبد العزيز بأحمال المال وأوعز إلى أساطيله بسبتة فانعمرت وأقلعت حتى احتلت بمرسى الجزيرة الخضراء لحصارها وزحف ابن الأحمر بعساكر المسلمين على أثرها بعد أن قسم فيهم العطاء وأزاح العدد وأعد الآلات للحصار فنازلها أياما قلائل ثم أيقن النصارى بالهلكة لبعدهم عن الصريخ ويأسهم من مدد ملوكهم فألقوا باليد وسألوا النزول على الصلح فأجابهم ابن الأحمر إليه ونزلوا عن البلد وأقيمت فيه شعائر الإسلام ومحيت منه كلمة الكفر وكتب الله أجرها لمن أخلص في معاملته وكان ذلك سنة سبعين وسبعمائة وولي ابن الأحمر عليها من قبله ولم تزل إلى نظره إلى أن وقع الاختيار على هدمها خشية استيلاء النصرانية عليها مرة أخرى فهدمت أعوام الثمانين وسبعمائة وأصبحت خاوية كأن لم تغن بالأمس

نهوض السلطان عبد العزيز إلى تلمسان واستيلاؤه عليها وفرار سلطانها أبي حمو بن يوسف عنها

كان أبو حمو بن يوسف الزياني قد فسد ما بينه وبين عرب سويد وقبض على بعض رؤسائهم محمد بن عريف فاستصرخوا عليه السلطان عبد العزيز وكانت القوارص لا تزال تسري إليه من أبي حمو المذكور فصادفوا منه صاغية إلى ما التمسوا منه واعتزم على النهوض إلى تلمسان وبعث الحاشرين إلى الجهات المراكشية فتوافى الناس إليه على طبقاتهم واجتمعوا عنده أيام منى سنة إحدى وسبعين وسبعمائة فأفاض العطاء وأزاح العلل ولما قضى نسك عيد الأضحى عرض الجند ونهض إلى تلمسان فاحتل بتازا واتصل خبره بأبي حمو فجمع الجموع وهم باللقاء ثم اختلفت كلمة أصحابه وتفرق عنه العرب من بني معقل فأجفل هو وأشياعه من بني عامر بن زغبة فدخلوا القفر وتقدم السلطان عبد العزيز فاحتل بتلمسان يوم عاشوراء من سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة فدخلها في يوم مشهود واستولى عليها وعقد لوزيره أبي بكر بن غازي بن الكاس على عساكر مرين والعرب وسرحه في اتباع أبي حمو فأدركه ببعض بلاد زناتة الشرق فأجهضوه عن ماله ومعسكره فانتهب بأسره واكتسحت أموال العرب الذين معه ونجا بذمائه إلى مصاب وتلاحق به ولده وقومه متفرقين على كل مفازة ثم دخلوا القفر بعد ذلك ودوخ الوزير المذكور بلاد المغرب الأوسط وشرد عصاته واستنزل ثواره في أخبار طويلة واستولى السلطان عبد العزيز على سائر الوطن من الأمصار والأعمال وعقد عليها للولاة والعمال واستوسق له ملك المغرب الأوسط كما كان لسلفه واستمر مقيما بتلمسان إلى أن كان ما نذكره

نزوع الوزير ابن الخطيب عن سلطانه الغني بالله إلى السلطان عبد العزيز بتلمسان

قد قدمنا ما كان من رجوع الغني بالله ابن الأحمر إلى ملكه بالأندلس سنة ثلاث وستين وسبعمائة ولما استولى على غرناطة وثبت قدمه بها بعث عن مخلفه بفاس من الأهل والولد والقائم بالدولة يومئذ عمر بن عبد ا لله فاستقدم عمر ابن الخطيب من سلا وبعثهم إلى نظره فسر السلطان ابن الأحمر بمقدمه ورده إلى منزلته ودفع إليه تدبير المملكة وخلط بينه بندمائه وأهل خلوته وانفرد ابن الخطيب بالحل والعقد وانصرفت إليه الوجوه وعلقت به الآمال وغشى بابه الخاصة والكافة وغصت به بطانة السلطان وحاشيته فتوافقوا على السعاية فيه وقد صم السلطان عن قبولها ونما بذلك الخبر إلى ابن الخطيب فشمر عن ساعده للرحلة عن الأندلس واللحاق بالمغرب وكان له حنين إليه ورغبة في الإيالة المرينية من قبل ذلك فقدم الوسائل إلى السلطان عبد العزيز وأوعز إليه بما عزم عليه من اللحاق بحضرته فوعده السلطان بالجميل وبسط أمله فحينئذ استأذن السلطان الغني بالله في تفقد الثغور الغربية من أرض الأندلس فأذن له وسار إليها في جماعة من فرسانه ومعه ابنه علي فلما حاذى جبل طارق مال إليه فخرج قائد الجبل لتلقيه وقد كان السلطان عبد العزيز أوعز إليه بذلك وجهز إليه الأسطول من حينه فاحتل بسبتة ثم سار منها فقدم على السلطان عبد العزيز بتلمسان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة فاهتزت له الدولة وأركب السلطان خاصته لتلقيه وأحله بمجلسه محل الأمن والغبطة ومن دولته بمكان الشرف والعزة وأخرج لوقته كاتبه أبا يحيى بن أبي مدين سفيرا إلى الأندلس في مطلب أهله وولده فجاء بهم على أكمل الحالات من الأمن والتكرمة ثم نزل بعد ذلك مدينة فاس القديمة فاستكثر بها من شراء الضياع وتأنق في بناء المساكن واغتراس الجنات وحفظت عليه رسومه السلطانية وتوقيراته وأقام مطمئنا بخير دار عند أعز جار

وفاة السلطان عبد العزيز بن أبي الحسن رحمه الله

كان السلطان عبد العزيز قد أصابه مرض النحول في صغره ولأجل ذلك تجافى السلطان أبو سالم عن بعثه مع الأبناء إلى الأندلس فأقام بالمغرب ولما شب أفاق من مرضه وصلح بدنه ثم عاوده وجعه في مثواه بتلمسان وتزايد نحوله ولما كمل الفتح واستفحل الملك اشتد به الوجع فصابره وكتمه عن الناس خشية الإرجاف ثم عسكر خارج تلمسان للحاق بالمغرب ولما كانت ليلة الخميس الثاني والعشرين من ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وسبعمائة قضى نحبه رحمه الله بظاهر تلمسان بين أهله وولده وسيق إلى فاس فدفن بجامع قصره وسنه يومئذ أربع وعشرين سنة وكانت دولته ست سنين وأربعة أشهر ومن نظمه ما ذكره ابن الأحمر في نثير الجمان مذيلا بيتي والده السلطان أبي الحسن اللذين هما قوله ( أرضي الله في سر وجهر % وأحمي العرض من دنس ارتياب ) ( وأعطي الوفر من مالي اختيارا % وأضرب بالسيوف طلي الرقاب ) فقال هو وأحسن ( وأرغب خالقي في العفو عني % وأطلب حلمه يوم الحساب ) ( وأرجو عونه في عز نصر % على الأعداء محروس الجناب ) ( وعبدك واقف بالباب فارحم % عبيدا خائفا ألم العقاب )

الخبر عن دولة السلطان السعيد بالله أبي زيان محمد بن عبد العزيز بن أبي الحسن

هذا السلطان ممن ولي الأمر وهو صبي وفيه ألف ابن الخطيب كتابه المسمى بأعلام الأعلام بمن بويع من ملوك الإسلام قبل الاحتلام كنيته أبو زيان أمه عائشة بنت القائد فارح العلج صفته آدم اللون شديد الأدمة ولما مات السلطان عبد العزيز رحمه الله بظاهر تلمسان خرج الوزير أبو بكر بن غازي بن الكاس على الناس وقد احتمل أبا زيان ابن السلطان عبد العزيز فعزاهم عن سلطانهم ثم طرح ابنه بين أيديهم فازدحموا عليه باكين متفجعين يعطونه الصفقة ويقبلون يديه للبيعة ثم أخرجوه للمعسكر وأنزلوه بفساطيط أبيه وتم أمره وكفله الوزير المذكور فكان إليه الإبرام والنقض والصبي كالعدم إذ لم يكن في سن التصرف ثم إن الوزير ارتحل بالناس وجد السير فدخل حضرة فاس وأجلس الصبي لبيعة العامة فبايعوا ثم توافت لديه وفود الأمصار على العادة واستبد الوزير أبو بكر واستعمل على الجهات وجلس بمجلس الفصل واشتغل بأمر المغرب إبراما ونقضا ولما فصل بنو مرين عن تلمسان عاد إليها سلطانها أبو حمو بن يوسف الزياني والتفت عليه بنو عبد الواد من كل جانب ومحا دعوة بني مرين من ضواحي المغرب الأوسط وأمصاره واتصل الخبر بالوزير أبي بكر بن غازي فهم بالنهوض إليه ثم ثنى عزمه ما كان من خروج الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن بن أبي علي بن أبي سعيد بناحية بطوية فإن السلطان ابن الأحمر كان قد سرحه من الأندلس صحبة وزيره مسعود بن عبد الرحمن بن ماساي لطلب ملك المغرب تشغيبا على الوزير أبي بكر بن غازي ثم أتبعه بالأمير أبي العباس أحمد بن السلطان أبي سالم الذي كان محتاطا عليه بطنجة فزحف الأمير أبو العباس المذكور إلى فاس وظاهره ابن عمه الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن فحاصروا الوزير أبا بكر بن غازي وسلطانه أبا زيان ابن عبد العزيز وضربوا على فاس الجديد سياجا بالبناء للحصار وأنزلوا به أنواع القتال بعد أن بعث ابن الأحمر رسله إلى الأمير عبد الرحمن باتصال اليد بابن عمه الأمير أبي العباس ومظاهرته على ملك سلفه بفاس واجتماعهما لمنازلتها وعقد بينهما الاتفاق والمواصلة وأن يختص عبد الرحمن بملك سلفه من سجلماسة وأعمالها فتراضيا وزحفا إلى فاس كما قلنا وأمدهم ابن الأحمر بجمع من جنده فاستمر الحال على حصار فاس إلى أن أذعن الوزير أبو بكر لخلع سلطانه أبي زيان ومبايعة الأمير أبي العباس فخلعه يوم الأحد السادس من محرم فاتح سنة ست وسبعين وسبعمائة وغرب إلى الأندلس فكانت دولته سنة وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما والله غالب على أمره

الخبر عن الدولة الأولى للسلطان المستنصر بالله أبي العباس أحمد بن أبي سالم بن أبي الحسن

هذا السلطان يقال له ذو الدولتين لأنه ولي الملك مرتين كما سيأتي أمه حرة بنت أبي محمد السبائي كنيته أبو العباس لقبه المستنصر بالله صفته أبيض اللون ربعة تعلوه صفرة رقيقة أدعج أسود الشعر أكحل الحاجبين ضيق البلج أسيل الخدين براق الثنايا جميل الوجه مليح الصورة ظريف المنزع لطيف الشمائل حسن الشكل إذا ركب بويع أولا بطنجة في شهر ربيع الآخر سنة خمس وسبعين وسبعمائة ثم بويع البيعة العامة بالمدينة البيضاء بعد استيلائه عليها يوم الأحد السادس من محرم سنة ست وسبعين وسبعمائة وكان الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن عندما أشرفوا على فتح فاس شرط عليهم ولاية مراكش عوضا عن سجلماسة فعقدوا له على كره مخافة أن تفترق كلمتهم ولا يتم أمرهم ففعلوا وطووا له على النكث فارتحل إلى مراكش واستولى عليها ثم فارقه وزيره مسعود بن عبد الرحمن وأجاز البحر إلى الأندلس فاستقر بها في إيالة ابن الأحمر واستقل السلطان أبو العباس بن أبي سالم بملك فاس وأعمالها واستوزر محمد بن عثمان بن الكاس وفوض إليه أموره فغلب على هواه وجعل أمر الشورى إلى سليمان بن داود فاستقل بها وحاز رياسة المشيخة واستحكمت المودة بينه وبين ابن الأحمر وجعلوا إ ليه المرجع في نقضهم وإبرامهم فصار له بذلك تحكم في الدولة المرينية وأصبح المغرب كأنه من بعض أعمال الأندلس وذلك بما كان لابن الأحمر من إعانة السلطان أبي العباس على ملك المغرب حتى تم له وبما كان تحت يده من أبناء الملوك المرشحين للأمر فكان أبو العباس وحاشيته يصانعونه لأجل ذلك والله تعالى أعلم

محنة الوزير ابن الخطيب ومقتله رحمه الله

لما لجأ ابن الخطيب إلى بني مرين وأصاب عندهم دارا وقرارا عز ذلك على ابن الأحمر وسعى بطانته عنده في ابن الخطيب لعداوتهم له ثم بلغه أنه يغري السلطان عبد العزيز بتملك أرض الأندلس وقطع دعوة بني الأحمر منها فعظم عليه ذلك ودبر الحيلة في قتل ابن الخطيب وتتبع أعداؤه كلمات زعموا أنها صدرت منه في بعض تآليفه فأحصوها عليه ورفعوها إلى قاضي غرناطة أبي الحسن النباهي فاسترعاها وسجل عليه بالزندقة وبعث ابن الأحمر برسم الشهادة مع هدية لم يسمع بمثلها إلى السلطان عبد العزيز وطلب منه إقامة الحد على ابن الخطيب أو إ سلامه إليه فصم السلطان عبد العزيز عن ذلك وأنف لذمته أن تخفر ولجواره أن يؤذى وقال للوفد هلا انتقمتم منه وهو عندكم وأنتم عالمون بما كان عليه وأما أنا فلا يخلص إليه بذلك أحد ما كان في جواري ثم وفر الجراية والإقطاع له ولبنيه ولمن جاء من فرسان الأندلس في جملته ثم لما مات السلطان عبد العزيز رحمه الله وولي ابنه أبو زيان وقام بأمره الوزير أبو بكر ابن غازي عاود ابن الأحمر الكلام في شأن ابن الخطيب وبعث بهدية أخرى إلى الوزير المذكور وطلب منه إسلامه إليه فأبى الوزير وأساء الرد وعادت رسل ابن الأحمر إليه مخفقين وقد رهبوا سطوته فعند ذلك عمد ابن الأحمر إلى الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن وكان عنده بالأندلس فأطمعه في ملك المغرب وأركبه البحر فقذف به بساحل بطوية من بلاد الريف تشغيبا على الوزير أبي بكر بن غازي كما مر ثم ثاب له رأي آخر فأغرى محمد بن عثمان بن الكاس وهو ابن عم أبي بكر بن غازي المذكور وكان يومئذ بسبتة قائما على ثغرها فداخله في البيعة لأبي العباس ابن أبي سالم وكان يومئذ بسبتة محتاطا عليه في جملة من القرابة والتزم أن يمده بالمال والرجال حتى يتم أمره لكن بشرط أن ينزل له عن جبل طارق ويبعث له بالقرابة الذين هم بطنجة ليكونوا تحت يده ويسلم إليه ابن الخطيب متى قدر عليه فكان الأمر كذلك فإن السلطان أبا العباس لما استولى على الأمر نزل لابن الأحمر عن جبل طارق فمحا دعوة بني مرين من وراء البحر ثم ملك بعد ذلك سبتة فاستولى عليها وبعث إليه بالقرابة المذكورين فأوسع لهم جنابه بغرناطة ثم قبض السلطان أبو العباس ووزيره محمد بن عثمان على ابن الخطيب وطيروا بالأعلام لابن الأحمر فحينئذ بعث وزيره أبا عبد الله بن زمرك وكان من تلاميذه ابن الخطيب وبه تخرج فقدم على السلطان أبي العباس وأحضروا ابن الخطيب بالمشور في مجلس الخاصة وأهل الشورى من الفقهاء وعرضوا عليه بعض كلمات وقعت له في بعض كتبه فعظم عليه النكير فيها فوبخ ونكل وامتحن بالعذاب بمشهد ذلك الملأ ثم ثل إلى محبسه وتفاوضوا في قتله بمقتضى تلك المقالات المسجلة عليه فأفتى بعض الفقهاء بقتله فدس سليمان بن داود إليه بعض الأوغاد حاشيته من حاشيته فطرقوا السجن ليلا ومعهم زعانفة من أهل الأندلس جاؤوا في لفيف ذلك الوفد فقتلوه خنقا في محبسه وأخرجوا شلوه من الغد فدفن في مقبرة باب المحروق ثم أصبح من الغد طريحا على شافة قبره وقد جمعوا له أعوادا فأضرموها عليه نارا فاحترق شعره واسود بشره وأعيد إلى حفرته وكان في ذلك انتهاء محنته وعجب الناس من هذه السفاهة التي جاء بها سليمان بن داود واعتدوها من هنتاته وعظم النكير فيها عليه وعلى قومه وأهل دولته وكان ابن الخطيب رحمه الله أيام مقامه بالسجن يتوقع مصيبة الموت فتجيش هواتفه بالشعر يبكي نفسه فمما قال في ذلك ( بعدنا وإن جاورتنا البيوت % وجئنا بوعظ ونحن صموت ) ( وأنفسنا سكنت دفعة % كجهر الصلاة تلاه القنوت ) ( وكنا عظاما فصرنا عظاما % وكنا نقوت فها نحن قوت ) ( وكنا شموس سماء العلا % غربنا فناحت عليها السموت ) ( فكم جدلت ذا الحسام الظبي % وذو البخت كم جدلته البخوت ) ( وكم سيق للقبر في خرقة % فتى ملئت من كساه التخوت ) ( فقل للعدا ذهب ابن الخطيب % وفات ومن ذا الذي لا يفوت ) ( فمن كان يفرح منكم له % فقل يفرح اليوم من لا يموت ) وكانت نكبته رحمه الله أوائل سنة ست وسبعين وسبعمائة وعند الله تجتمع الخصوم

بقية أخبار أمير مراكش عبد الرحمن بن أبي يفلوسن رحمه الله

قد تقدم لنا ما كان من معاقدة السلطان أبي العباس والأمير عبد الرحمن ابن أبي يفلوسن على ولاية سجلماسة أولا ثم التعويض عنها بمراكش ثانيا فلما فتح السلطان أبو العباس فاسا وفى للأمير عبد الرحمن بعقده فسار إلى مراكش واستولى عليها وعلى أعمالها واقتسمت مملكة المغرب الأقصى يومئذ بنصفين وكان الحد بين الدولتين ثغر آزمور فكانت في إيالة صاحب فاس وما وراءها إلى مراكش في إيالة صاحب مراكش ثم كانت بينهما بعد ذلك مواصلات ومناقضات ومسالمات ومحاربات يطول جلبها واتصل ذلك إلى منتصف سنة أربع وثمانين وسبعمائة فظفر السلطان أبو العباس بعبد الرحمن بعد محاصرته بقصبة مراكش تسعة أشهر ولما أشرف السلطان أبو العباس على فتحها وانفض الناس من حول الأمير عبد الرحمن ونزلوا من الأسوار ناجين إلى السلطان وبقي هو في قصبته منفردا بات ليلته يراود ولديه على الاستماتة وهما سليم وأبو عامر وركب السلطان أبو العباس من الغد في التعبية إلى القصبة فاقتحمها بمقدمته ولقيه الأمير عبد الرحمن وولداه مسابقين إلى الميدان ومباشرين القتال بين أبواب دورهم فجالوا معهم جولة قتل فيها الولدان قتلهم علي بن إدريس وزيان بن عمر الوطاسي قال ابن خلدون وطالما كان زيان يمتري ثدي نعمتهم ويجر ذيله خيلاء في جاههم فذهب مثلا في كفران النعمة وسوء الجزاء والله لا يظلم مثقال ذرة وكان ذلك خاتم جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين المذكورة لمضي عشر سنين من إمارة عبد الرحمن على مراكش ثم رحل السلطان أبو العباس منقلبا إلى فاس وقد استولى على سائر أعمال المغرب وظفر بعدوه ودفع النازعين عن ملكه والله غالب على أمره

ذكر الشاوية وبيان نسبهم وأوليتهم وشرح لقبهم وتسميتهم

ذكر ابن خلدون أن الشاوية من ولد حسان بن أبي سعيد الصبيحي نسبة إلى صبيح بالتصغير بطن من سويد وسويد إحدى قبائل بني مالك بن زغبة الهلاليين وكان دخول حسان وأخيه موسى ابني أبي سعيد إلى المغرب الأقصى أيام السلطان يعقوب بن عبد الحق رحمه الله قدموا في صحبة عبد الله بن كندوز العبد الوادي ثم الكمي وكان عبد الله هذا قد نزع عن يغمراسن بن زيان إلى السلطان يعقوب المذكور فقدم عليه قبل فتح مراكش فاهتز السلطان يعقوب لقدومه وأحله بالمكان الرفيع من دولته وأنزل قومه بجهات مراكش وأقطعهم البلاد التي كفتهم مهماتهم وجعل انتجاع إبله ورواحله وسائر ظهره في إحيائهم فقدم عبد الله بن كندوز على رعايتها حسان وأخاه موسى الصبيحيين وكانا عارفين برعاية الإبل والقيام عليها فأقاموا يتقلبون في تلك البلاد ويتعدون في نجعتها إلى أرض سوس وكانت ماشية السلطان يعقوب متفرقة في سائر المغرب فجمعها لعبد الله بن كندوز وجمعها عبد الله لحسان الصبيحي المذكور فكان حسان يباشر أمور السلطان في شأن تلك الماشية ويطالعه بمهماته فحصلت له مداخلة معه جلبت إليه الحظ حتى ارتفع قدره ونشأ بنوه في ظل الدولة وعزها وتصرفوا في الولايات منها وانفردوا بخطة الشاوية فلم تزل ولايتها متوارثة فيهم منقسمة بينهم لهذا العهد إلى ما كانوا يتصرفون فيه من غير ذلك من الولايات وكان لحسان من الولد علي ويعقوب وطلحة وغيرهم ومن حسان هذا تفرعت شعوبهم في ولده قال ابن خلدون وهم لهذا العهد يتصرفون في الدولة على ما كان لسلفهم من ولاية الشاوية والنظر في رواحل السلطان والظهر الذي يحمل من الإبل ولهم عدد وكثرة ونباهة في الدولة أه قلت ولفظ الشاوية نسبة إلى الشاء التي هي جماعة الغنم مثلا قال الصحاح والنسبة إلى الشاء شاوي قال الراجز ( لا ينفع الشاوي فيها شاته % ولا حماراه ولا علاته ) وإن سميت به رجلا قلت شائي وإن شئت شاوي اه واعلم أن الشاوية اليوم يطلقون على سكان تامسنا من قبائل شتى بعضها عرب وبعضها زناتة وبربر غير أن لسان الجميع عربي وكان أصل جمهورهم من هؤلاء الذين ذكر ابن خلدون ثم انضافت إليهم قبائل أخر واختلطوا بهم فأطلق على الجميع شاوية تغليبا وهكذا وقع في سائر عرب المغرب الأقصى المواطنين بتلوله فإنهم وقع فيهم اختلاط كبير حتى نسوا أنسابهم وأصولهم الأولى إلا في النادر وذلك بسبب تعاقب الأعصار وتناسخ الأجيال وتوالي المجاعات والانتجاعات ووقعات الملوك بهم في كثير من الأحيان وتفريق بعضهم من بعض ونقل بعضهم إلى بلاد بعض ومع ذلك فأسماؤهم الأولى لا زالت قائمة فيهم لن تتغير إلى الآن فمنها يهتدي الفطن إلى التنقير عن أنسابهم وإلحاق فروعهم بأصولهم متى احتاج إلى ذلك والله تعالى أعلم

نهوض السلطان أبي العباس إلى تلمسان وفتحها وتخريبها

لما نهض السلطان أبو العباس إلى مراكش وحاصر بها عبد الرحمن بن أبي يفلوسن خالفه إلى المغرب أبو حمو بن يوسف الزياني في جمع من أولاد حسين عرب معقل وذلك بإغراء عبد الرحمن المذكور فدخلوا إلى أحواز مكناسة وعاثوا فيها ثم عمدوا إلى مدينة تازا فحاصروها سبعا وخربوا قصر الملك هنالك ومسجده المعروف بقصر تازروت وبينما هم على ذلك بلغهم الخبر اليقين بفتح مراكش وقتل الأمير عبد الرحمن فأجفلوا من كل ناحية ومر أبو حمو في طريقه إلى تلمسان بقصر ونزمار بن عريف السويدي في نواحي بطوية المسمى بمرادة فهدمه ووصل السلطان أبو العباس إلى فاس فأراح بها أياما ثم أجمع النهوض إلى تلمسان فانتهى إلى تاوريرت وبلغ الخبر إلى أبي حمو فاضطرب رأيه واعتزم على الحصار وجمع أهل البلد عليه فاستعدوا له ثم بدا له فخرج في بعض تلك الليالي بولده وأهله وخاصته وأصبح مخيما بالصفيصف فأهرع أهل البلد إليه بعيالهم وأولادهم متعلقين به تفاديا من معرة هجوم العسكر عليهم فلم يزعه ذلك عن قصده وارتحل ذاهبا إلى البطحاء ثم قصد بلاد مغراوة فنزل في بني بو سعيد قريبا من شلف وأنزل أولاده الأصاغرة وأهله بحصن تاجحمومت وجاء السلطان أبو العباس إلى تلمسان فملكها واستقر بها أياما ثم هدم أسوارها وقصور الملك بها بإغراء وليه ونزمار جزاء بما فعله أبو حمو في تخريب قصر تازروت وحصن مرادة ثم خرج من تلسمان في اتباع أبي حمو ونزل على مرحلة منها وهنالك بلغه الخبر بإجازة موسى بن أبي عنان من الأندلس إلى المغرب وأنه خالفه إلى دار الملك فانكفأ راجعا عوده على بدئه ورجع أبو حمو إلى تلمسان فاستقر ملكه بها إلى أن كان ما نذكره إن شاء الله

خلع السلطان أبي العباس بن أبي سالم وتغريبه إلى الأندلس والسبب في ذلك

قد قدمنا ما كان من تحكم ابن الأحمر في مملكة المغرب ودالته على السلطان أبي العباس بما أنه كان السبب في ولايته وبما تحت يده من القرابة المرشحين الذين أرصدهم للتشغيب على دار الملك بالمغرب متى رأى من أحدهم ما لا يوافق هواه وكان مع كثرة تحكمه فيهم يتجنى عليهم في بعض الأوقات بما يأتونه من تقصير في شفاعة أو مخالفة في أمر لا يجدون عنها محيصا فيضطغن ذلك عليهم وكان يعتد على السلطان أبي العباس بشيء من هذه الهنات فلما نهض إلى تلمسان واستولى عليها سنة خمس وثمانين وسبعمائة اتصل بابن الأحمر أن دار الملك بفاس قد بقيت عورة من الجند والحامية فانتهز الفرصة وبادر بتسريح موسى ابن السلطان أبى عنان إلى المغرب واستوزر له مسعود بن عبد الرحمن بن ماساي رئيس الفتنة وقطب رحاها وكان عنده بالأندلس بعد مفارقة عبد الرحمن بن أبي يفلوسن فنزل موسى ابن أبي عنان سبتة فاستولى عليها وسلمها لابن الأحمر فدخلت في طاعته ثم تقدم إلى فاس فدخلها من يومه واستقر قدمه بها واتصل الخبر بالسلطان أبي العباس وهو بتلمسان فجاء مبادرا ونزل بتازا فأقام بها أربعا ثم تقدم إلى الموضع المعروف بالركن فانتقض عليه رؤساء جيشه وتسللوا إلى موسى طوائف وأفرادا ولما رأى ما نزل به رجع إلى تازا بعد أن انتهب معسكره وأضرمت النار في خيامه وذلك يوم الأحد الموفي ثلاثين من ربيع الأول سنة ست وثمانين وسبعمائة ثم بعث موسى بن أبي عنان من أتاه بالسلطان أبي العباس في الأمان فقدم عليه وقيده وبعث به إلى ابن الأحمر فبقي عنده محتاطا عليه إلى أن كان من أمره ما نذكره إن شاء الله وكانت دولته هذه عشر سنين وشهرين وأربعة وعشرين يوما ومن وزرائه في هذه الدولة محمد بن عثمان بن الكاس المجذولي ومن كتابه عبد المهيمن ابن أبي سعيد بن عبد المهيمن الحضرمي تغمد الله الجميع برحمته

الخبر عن دولة السلطان المتوكل على الله أبي فارس موسى ابن أبي عنان بن أبي الحسن

أمه مولدة اسمها تاملالت صفته أسمر مائل إلى السواد قصير القامة جاحظ العينين عظيم اللحية تملأ صدره قائم الأنف وإذا تكلم يملأ لسانه فمه فيخرج من بين شفتيه ويتحرك فيقبح كلامه بويع يوم الخميس الموفي عشرين من شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين وسبعمائة وقام بأمر دولته وزيره مسعود بن ماساي مستبدا عليه ولما استقر أمره بالحضرة وجه إليه ابن الأحمر أمه وعياله وكانوا عنده وهناه وزيره أبو عبد الله بن زمرك بتوشيح يقول في مطلعه

( قد نظم الشمل أتم انتظام % ولاحت الأقمار بعد المغيب ) ( وضاحك الروض ثغور الغمام % عن مبسم الزهر البرود الشيب ) إلى أن قال في آخره ( مولاي يهنيك وحق الهنا % قد نظم الشمل كنظم السعود ) ( قد فزت بالفخر ونيل المنى % وأنجز السعد جميع الوعود ) ( وقرت العين وزال العنا % وكلما مر صنيع يعود ) ( ولم يزل ملكك حلف الدوام % يحوز في التخليد أوفى نصيب ) ( يتلو عليك الدهر بعد السلام % نصر من الله وفتح قريب )

خروج الحسن بن الناصر بغمارة ونهوض الوزير ابن ماساي إليه

كان الحسن بن الناصر بن أبي علي بن أبي سعيد قد لحق من مقره بالأندلس بحضرة تونس في سبيل طلب الملك وكان الوزير مسعود بن ماساي قد قتل محمد بن عثمان بن الكاس وافترقت حاشيته في الجهات فطلبوا بطن الأرض دون ظهرها ولحق منهم ابن أخيه العباس بن المقداد بتونس فعثر على الحسن بن الناصر بها فثاب له رأي في الرجوع به إلى المغرب لطلب الأمر فخرج به من تونس وقطع المفاوز إلى أن انتهى إلى جبال غمارة ونزل على أهل الصفيحة منهم فأكرموا مثواه ومنقلبه وأعلنوا بالقيام بدعوته واستوزر العباس بن المقداد وبلغ الخبر إلى مسعود الوزير فجهز العساكر مع أخيه مهدي بن عبد الرحمن بن ماساي فحاصره بجبل الصحيفة أياما فامتنع عليه فنهض إليه مسعود بنفسه على ما نذكره

وفاة السلطان موسى بن أبي عنان رحمه الله

لما كان من استبداد ابن ماساي على السلطان موسى ما قدمناه استنكف من ذلك وداخل بطانته في الفتك به فنما ذلك إليه وحصلت له نفرة من السلطان طلب لأجلها البعد عنه وبادر إلى الخروج لدافعة الحسن بن الناصر القائم بغمارة واستخلف على دار الملك أخاه يعيش بن عبد الرحمن بن ماساي فلما انتهى إلى قصر كتامة بلغه الخبر بوفاة السلطان موسى وكانت وفاته في جمادى الآخرة طرقه المرض فهلك ليوم وليلة من مرضه وكان الناس يرمون يعيش أخا الوزير بأنه سمه قاله ابن خلدون وقال ابن القاضي في الجذوة توفي السلطان موسى بن أبي عنان مسموما يوم الجمعة الثالث من شهر رمضان سنة ثمان وثمانين وسبعمائة وله إحدى وثلاثون سنة فكانت دولته سنتين وأربعة أشهر وولي بعده محمد بن أحمد بن أبي سالم اه ومن كتابه أبو الفضل محمد بن محمد بن أبي عمرو التميمي وأبو القاسم محمد بن سودة المري ومن قضاته أبو عبد الله محمد بن محمد المغيلي والله تعالى أعلم

الخبر عن دولة المنتصر بالله السلطان أبي زيان محمد بن أبي العباس ابن أبي سالم بن أبي الحسن

أمه حرة وهي رقية بنت السلطان أبي عنان صفته أبيض اللون قائم الأنف أسيل الخدين بويع بعد خاله موسى بن أبي عنان يوم الجمعة الثالث من شهر رمضان سنة ثمان وثمانين وسبعمائة وسنه يوم بويع خمس سنين وخلع يوم الجمعة الخامس عشر من شوال من السنة المذكورة وغرب إلى الأندلس مع أبيه فكانت دولته ثلاثة وأربعين يوما تحت استبداد الوزير مسعود عفا الله عنه

الخبر عن دولة السلطان الواثق بالله أبي زيان محمد بن أبي الفضل بن أبي الحسن

أمه أم ولد اسمها عسيلة صفته أسود اللون عظيم الخلق رحب الوجه طويل القامة والساقين ممتلئ الأنف عظيم الساعدين وكان قبل ولايته عند ابن الأحمر بالأندلس في جملة القرابة ولما استوحش الوزير مسعود من السلطان موسى بن أبي عنان بعث ابنه يحيى إلى ابن الأحمر يسأل منه إعادة السلطان أبي العباس إلى ملكه فأخرجه ابن الأحمر من الاعتقال وجاء به إلى جبل الفتح يروم إجازته إلى العدوة فلما توفي السلطان موسى بدا للوزير مسعود في أمره ودس لابن الأحمر في رده وأن يبعث إليه بالواثق هذا ورآه أليق بالاستبداد والحجر فأسعفه ابن الأحمر في ذلك ورد السلطان أحمد إلى مكانه بالحمراء وجيء بالواثق فحضر بجبل الفتح عنده فأجازه إلى سبتة واتفق أن جماعة من الحاشية انتقضوا على الوزير مسعود ولحقوا بسبتة فقدم عليهم الواثق بها ورجعوا به إلى المغرب وتقلبوا في نواحيه إلى أن وصلوا إلى جبل مغيلة قرب فاس فبرز الوزير مسعود في العساكر ونزل قبالتهم وقاتلهم هنالك أياما ثم وقع الاتفاق على أن يبايع مسعود للواثق بشرط الاستبداد فتم العقد على ذلك قال في الجذوة بويع السلطان الواثق بالله أبو زيان محمد بن أبي الفضل يوم الجمعة الخامس عشر من شوال سنة ثمان وثمانين وسبعمائة وقام بأمره الوزير مسعود بن ماساي ثم حدثت الفتنة بين الوزير المذكور وابن الأحمر بسبب أن الوزير طلب منه إعادة سبتة إلى الإيالة المرينية وكان موسى ابن أبي عنان قد نزل له عنها كما مر وكان طلبه على سبيل الملاطفة فاستشاط ابن الأحمر غضبا وأساء الرد فجهز ابن ماساي العساكر لحصار سبتة مع العباس بن عمر بن عثمان الوسنافي ويحيى بن علال بن آمصمود والرئيس محمد بن أحمد الأبكم من بني الأحمر فاستولى عليها ثم سرح ابن الأحمر السلطان أبي العباس من اعتقاله وبعثه إلى المغرب لطلب ملكه وللتشغيب على ابن ماساي الجاحد لإحسانه فعبر السلطان أبو العباس البحر إلى المغرب فاحتل سبتة واستولى عليها ثم تقدم إلى فاس فحاصرها وضيق على ابن ماساي وسلطانه الواثق بالله وأهرع الناس إلى الدخول في طاعته حتى من مراكش فاستمر الحصار على فاس الجديد ثلاثة أشهر ثم أذعن الوزير مسعود للطاعة على شرط أن يبقى وزيرا ويغرب سلطانه إلى الأندلس فأجيب وخلع الواثق بالله ثم خرج إلى السلطان أبي العباس فبايعه وتقدم أمامه فدخل داخل ملكه يوم الخميس خامس رمضان سنة تسع وثمانين وسبعمائة ولحين دخوله قبض على الواثق بالله فقيده وبعث به إلى طنجة فقتل بها بعد ذلك وسنه يوم قتل ثمان وثلاثون سنة وبها قبر ومن وزرائه يعيش بن علي بن فارس الياباني ومسعود بن رحو بن ماساي ومن كتابه منصور بن أحمد بن محمد التميمي وأبو يحيى محمد ابن محمد بن أبي القاسم بن أبي مدين ومن قضاته أبو يحيى محمد بن محمد السكاك رحمهم الله تعالى بمنه

الخبر عن الدولة الثانية للسلطان أبي العباس بن أبي سالم بن أبي الحسن

لما دخل السلطان أبو العباس حضرة فاس الجديد في التاريخ المتقدم بويع البيعة العامة في اليوم الثالث من دخوله وهو يوم السبت السابع من رمضان سنة تسع وثمانين وسبعمائة لمضي ثلاث سنين وخمسة أشهر وستة أيام من خلعه ولما ملك أمر نفسه قبض على الوزير ابن ماساي وعلى إخوته وحاشيته وامتحنهم امتحانا بليغا فهلكوا من العذاب ثم سلط على مسعود من العذاب والانتقام ما لا يعبر عنه واعتد عليه بما كان يفعله في دور بني مرين النازعين عنه إليه فإنه كان متى هرب منهم أحد عمد إلى بيوته فنهبها فأمر السلطان أبو العباس بعقابه في أطلالها فكان يؤتى به إلى كل بيت فيها فيضرب عشرين سوطا إلى أن برح به العذاب وتجاوز الحد ثم أمر به فقطعت أربعته فهلك عند قطع الثانية وذهب مثلا للآخرين

ظهور محمد بن عبد الحليم بن أبي علي بسجلماسة ثم اضمحلاله بعد ذلك

قد قدمنا أن الأمير عبد الحليم بن أبي سعيد كان تغلب على سجلماسة ثم غلبه عليها أخوه عبد المؤمن وسافر عبد الحليم إلى المشرق فهلك في سفرته تلك وكان قد ترك ابنه محمدا هذا رضيعا فشب متقلبا بين الدول من ملك إلى آخر على أن أكثر مقامه إنما كان عند أبي حمو صاحب تلمسان ولما حاصر السلطان أبو العباس فاس الجديد كان محمد هذا عند العرب الأحلاف فلما اشتد الحصار على مسعود بن ماساي دس إلى الأحلاف أن ينصبوا محمد بن عبد الحليم للأمر ويجلبوا به على المغرب ليأخذ بحجزة السلطان أبي العباس عنه ففعلوا ودخل محمد بن عبد الحليم سجلماسة فملكها حتى إذا استولى السلطان أبو العباس على فاس الجديد وأوقع بمسعود ابن ماساي وإخوته خرج محمد بن عبد الحليم عن سجلماسة ولحق بأحياء العرب فسارت طائفة منهم معه إلى أن أبلغوه مأمنه ونزل على أبي حموا بتلمسان إلى أن هلك فسار إلى تونس ونزل على صاحبها أبي العباس الحفصي ثم ارتحل بعد وفاته إلى المشرق لحج الفريضة والله تعالى أعلم

نكبة الكاتب ابن أبي عمرو وحركات بن حسون ومقتلهما

كان محمد بن محمد بن أبي عمرو التميمي وقد تقدم ذكر والده في دولة السلطان أبي عنان كاتبا عند السلطان أبي العباس في دولته الأولى فلما خلع وولي موسى بن أبي عنان تقرب إليه بسالف المخالصة لأبيه من أبي عنان فقد كان أعز بطانته كما مر فاستخلصه السلطان موسى للشورى ورفع منزلته على منازل أهل الدولة وجعل إليه كتابة علامته على المراسم السلطانية كما كان لأبيه وكان يفاوضه في مهماته ويرجع إليه في أموره حتى غص به أهل الدولة وسعى هو عند السلطان موسى في جماعة من بطانة السلطان أبي العباس فأتى عليهم النكال والقتل لكلمات كانت تجري بينهم وبينه في مجالس المنادمة عند السلطان أبي العباس حقدها عليهم فلما ظفر بالحظ من السلطان موسى سعى بهم عنده فقتلهم وكان القاضي أبو إسحاق إبراهيم اليزناسني من بطانة السلطان أبي العباس وكان يحضر مع ندمائه فحقد عليه ابن أبي عمرو وأغرى به السلطان موسى فضربه وأطافه وجاء بها شنعاء غريبة في القبح ثم سفر ابن أبي عمرو عن سلطانه موسى إلى الأندلس فكان يمر بمجلس السلطان أبي العباس من محل اعتقاله فلا يلم به وربما يلقاه فلا يحييه ولا يوجب له حقا فأحفظ ذلك السلطان أبا العباس فلما رد الله عليه ملكه وفرغ من ابن ماساي قبض على ابن أبي عمرو هذا وأودعه السجن ثم امتحنه بعد ذلك إلى أن هلك تحت السياط وحمل إلى داره وبينما أهله يحضرونه إلى قبره إذا بالسلطان قد أمر بأن يسحب في نواحي المدينة إبلاغا في النكال فحمل من نعشه وقد ربط في رجله حبل وسحب في سكك المدينة ثم ألقي على بعض المزابل ثم قبض السلطان على حركات بن حسون شيخ العرب وكان مجلبا في الفتنة وكان العرب المخالفون من معقل لما أجاز السلطان أبو العباس إلى سبتة وحركات هذا بتادلا راودوه على طاعة السلطان فامتنع أولا ثم أكرهوه وجاؤوا به إلى السلطان فطوى على ذلك حتى إذا استقام أمره وملك حضرة فاس الجديد قبض عليه وامتحنه إلى أن هلك وإلى الله عاقبة الأمور

أخبار تلمسان واستيلاء السلطان أبي العباس عليها

كان السلطان أبو حمو بن يوسف الزياني قد عاد إلى تلمسان وثبت قدمه بها كما قلنا إلى أن خرج عليه ابنه أبو تاشفين آخر سنة ثمان وثمانين وسبعمائة فوقعت بينهما حروب وشرق أبوه بدائه ثم عادت له الكرة عليه في أخبار طويلة فاستمد أبو تاشفين السلطان أبا العباس فأمده بابنه الأمير أبي فارس ووزيره محمد بن يوسف بن علال عقد لهما على جيش كثيف من بني مرين وغيرهم فانتصر أبو تاشفين على أبيه فقتله وبعث برأسه إلى السلطان أبي العباس ثم تقدم فدخل تلمسان آخر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة واستمر بها مقيما لدعوة السلطان أبي العباس فكان يخطب له على منابر تلمسان ويبعث إليه بالضريبة كل سنة كما شرط على نفسه عند توجيه العساكر معه واستمر على ذلك إلى أن مات سنة خمس وتسعين وسبعمائة فتغلب على تلمسان أخوه الأخير يوسف بن أبي حمو ولما اتصل الخبر بالسلطان أبي العباس خرج من الحضرة إلى تازا ومن هنالك بعث ابنه الأمير أبا فارس في العساكر إلى تلمسان فاستولى عليها وأقام فيها دعوة والده وفر يوسف بن أبي حمو إلى بعض الحصون فاعتصم به إلى أن كان ما نذكره

وصول هدية صاحب مصر السلطان الظاهر برقوق إلى السلطان أبي العباس بتازا والسبب في ذلك

كان العلامة الرئيس ولي الدين ابن خلدون قد استوطن في آخر عمره مصر القاهرة ونزل من سلطانها بالمنزلة الرفيعة قال رحمه الله وكان يوسف ابن علي بن غانم أمير أولاد حسين من معقل ثم من أولاد جرار منهم قد حج سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة واتصل بصاحب مصر الملك الظاهر برقوق أول ملوك الجراكسة من الترك قال فتقدمت إلى السلطان المذكور فيه وأخبرته بمحله من قومه فأكرم تلقيه وحمله بعد قضاء حجه هدية إلى صاحب المغرب يطرفه فيها بتحف من بضائع بلده على عادة الملوك فلما قدم يوسف بها على السلطان أبي العباس أعظم موقعها وجلس في مجلس حفل لعرضها والمباهاة بها وشرع في المكافأة عليها بمتخير الجياد والبضائع والثياب حتى إذا استكمل من ذلك ما رضيه وعزم على بعثها مع يوسف بن علي حاملها الأول وإنه يبعثه بها من موضع مقامه بتازا اخترمته المنية دون ذلك

وفاة السلطان أبي العباس بن أبي سالم رحمه الله

كانت وفاة السلطان أبي العباس بمحل مقامه من تازا وهو يشارف أحوال ابنه أبي فارس ووزيره صالح بن حمو الياباني وكان قد قدمهما لفتح تلمسان والبلاد الشرقية فأصابه حمامه هنالك ليلة الخميس السابع من محرم فاتح سنة ست وتسعين وسبعمائة وحمل إلى فاس فدفن بالقلة وسنه يومئذ تسع وثلاثون سنة فكانت دولته الثانية ست سنين وأربعة أشهر ومن وزرائه في هذه الدولة صالح بن حمو الياباني ومحمد بن يوسف بن علال الصنهاجي ومن حجابه أبو العباس أحمد بن علي القبائلي ومن كتابه الشريف أبو القاسم محمد بن عبد الله الحسني السبتي والقائد محمد بن موسى بن محمود الكردي ويحيى بن الحسن بن أبي دلامة التسولي ومن قضاته القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم اليزناسني قال في الجذوة وكان السلطان أبو العباس شاعرا مفلقا بديع التشبيه فمن نظمه قوله ( أما الهوى يا صاحبي فألقته % وعهدته من عهد أيام الصبا ) ( ورأيته قوت النفوس وحليها % فتخذته دينا إلي ومذهبا ) ( ولبست دون الناس منه حلة % كان الوفاء لها طرازا مذهبا ) ( لكن رأيت له الفراق منغصا % لا بفراقنا لا مرحبا ) ومن أخبار السلطان أبي العباس ما حكاه في نفح الطيب أن الأديب الكاتب أبا الحسن علي ابن الوزير لسان الدين ابن الخطيب كان مصاحبا للسلطان أبي العباس هذا فحضر معه ذات يوم في بستان سح فيه ماء المذاكرة الهتان وقد أبدى الأصيل شواهد الاصفرار وأزمع النهار لما قدم الليل على الفرار فقال السلطان أبو العباس لما لان جانبه وسألت بين سرحات البستان جداوله ومذانبه ( يا فاس أني وأيم الله ذو شغف % بكل ربع به مغناه يسبيني ) ( وقد أنست بقربك منك يا آملي % ونظرة فيكم بالأنس تحييني ) فأجابه أبو الحسن ابن الخطيب بقوله المصيب ( لا أوحش الله ربعا أنت زائره % يا بهجة الملك والدنيا مع الدين ) ( يا أحمد الحمد أبقاك الإله لنا % فخر الملوك وسلطان السلاطين ) ومن أخباره أيضا أن كاتبه أبا زكرياء يحيى بن أحمد بن عبد المنان دخل عليه عشاء فقال له أنعم الله صباح مولانا فأنكر السلطان ذلك وظن أنه ثمل فتفطن أبو زكرياء لما صدر منه وتدارك ذلك فأنشد مرتجلا ( صبحته عند المساء فقال لي % ماذا الكلام وظن ذلك مزاحا ) ( فأجبته إشراق وجهك غرني % حتى توهمت المساء صباحا )

الخبر عن دولة السلطان المستنصر بالله أبي فارس عبد العزيز ابن أبي العباس بن أبي سالم رحمه الله

من الاتفاق الغريب أن سلطان فاس والمغرب في هذا التاريخ كان اسمه عبد العزيز بن أحمد وسلطان تونس وإفريقية كان اسمه أيضا عبد العزيز بن أحمد وكانت ولايتهما في سنة واحدة إلا أن مدة الحفصي طالت جدا أم هذا السلطان أم ولد اسمها جوهر صفته شاب السن ربعة من القوم أدعج العينين جميل الوجه لما توفي السلطان أبو العباس بن أبي سالم رحمه الله بتازا كان ابنه أبو فارس هذا بتلمسان فاستدعاه رجال الدولة منها فقدم عليهم بتازا وبايعوه بها يوم السبت التاسع من محرم سنة ست وتسعين وسبعمائة ولما تم أمره أطلق أبا زيان بن أبي حمو الزياني وكان معتقلا عنده بفاس لالتجائه إلى أبيه من قبل في خبر ليس تفصيله من غرضنا وبعثه إلى تلمسان أميرا عليها من قبله فسار إليها أبو زيان وملكها وأقام فيها دعوة السلطان أبي فارس ثم خرج عليه أخوه يوسف بن أبي حمو واتصل بأحياء بني عامر بن زغبة وعزم على الإجلاب عليه بهم فسرب أبو زيان فيهم الأموال فقتلوه وبعثوا إليه برأسه فسكنت أحوال تلمسان وذهبت الفتنة بذهاب يوسف واستقامت أمور دولة السلطان أبي فارس قاله ابن خلدون وهو آخر ما ورخه عن دولة المغرب واعلم أن ما نسوقه بعد هذا من الأخبار عن هذه الدولة المرينية لم يسمح لنا الوقت بالوقوف عليه في تأليف يخصها أو موضوع يقص أخبارها نسقا وينصها وإنما تتبعنا ما أثبتناه من ذلك في مواضع ذكرت فيها بحسب التبع لا بالقصد الأول وعلى الله تعالى في الهداية إلى الصواب المعول

بقية أخبار السلطان عبد العزيز ووفاته

قالوا كان السلطان عبد العزيز بن أبي العباس رحمه الله كثير الشفقة رقيق القلب منقبضا عن الغدر متوقفا في سفك الدماء وكان فارسا عارفا بركض الخيل ويحسن قرض الشعر ويحب سماعه فمن نظمه وقد نزل المطر يشكر الله تعالى عليه قوله ( الله يلطف بالعباد فواجب % أن يشكروا في كل حال نعمته ) ( فهو الذي فيهم ينزل غيثه % من بعد ما قنطوا وينشر رحمته ) توفي رحمه الله يوم السبت ثامن صفر سنة تسع وتسعين وسبعمائة ودفن مع أبيه بالقلة فكانت دولته ثلاث سنين وشهرا ومن وزرائه صالح بن حمو الياباني ويحيى بن علال بن آمصمود الهسكوري ومن كتابه يحيى بن الحسن ابن أبي دلامة ومن قضاته عبد الحليم بن أبي إسحاق اليزناسني رحمهم الله تعالى بمنه

الخبر عن دولة السلطان المستنصر بالله أبي عامر عبد الله ابن أبي العباس بن أبي سالم رحمه الله تعالى

هذا السلطان شقيق الذي قبله أمه الجوهر المتقدمة صفته أدعج العينين حسن الأنف لامي العذار بويع بعد أخيه عبد العزيز يوم السبت الثامن من صفر سنة تسع وتسعين وسبعمائة وكان التصرف والنقض والإبرام في هذه المدة كلها للوزراء وتوفي السلطان المذكور بعد صلاة العصر من يوم الثلاثاء الموفي ثلاثين من جمادى الآخرة سنة ثمانمائة فكانت دولته سنة وخمسة أشهر سوى أيام ومن وزرائه صالح بن حمو ويحيى بن علال ومن قضاته عبد الرحيم اليزناسني ومن حجابه أبو العباس أحمد بن علي القبائلي وفارح بن مهدي العلج والله تعالى أعلم وأما أخبار الغني بالله ابن الأحمر بالأندلس فإنه كان أسقط رياسة الجهاد من بني مرين بها ومحا رسمها من مملكته أيام أجاز عبد الرحمن بن أبي يفلوسن للتشغيب على أبي بكر بن غازي بن الكاس حسبما تقدم وصار أمر الغزاة والمجاهدين إليه وباشر أحوالهم بنفسه واستمر الحال على ذلك إلى أن هلك سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة فولي مكانه ابنه أبو الحجاج يوسف وبايعه الناس وقام بأمره خالد مولى أبيه وتقبض على إخوته سعد ومحمد ونصر فكان آخر العهد بهم ولم يوقف لهم بعد على خبر ثم سعى عنده في خالد القائم بدولته وأنه أعد السم لقتله وأن يحيى بن الصائغ اليهودي طبيب دارهم قد داخله في ذلك ففتك بخالد وتناوشته السيوف بين يديه لسنة أو نحوها من ملكه ثم حبس الطبيب المذكور فذبح في محبسه ثم هلك سنة أربع وتسعين وسبعمائة لسنتين أو نحوها من ولايته وقد وقفت لبعض الإصبنيوليين واسمه منويل باولو القشتيلي على كتاب موضوع في أخبار المغرب الأقصى فنقلت منه بعض أخبار لم أجدها إلا عنده وهو وإن كان ينقل الغث والسمين والرخيص والثمين إلا أن الناقد البصير يميز حصباءه من دره ويفرق بين حشفه وثمره فمن ذلك أنه حكى عن السلطان أبي الحجاج المذكور ما صورته قال كانت مراسلات السلطان المريني يعني السلطان أبا العباس مع السلطان يوسف بن الغني بالله صاحب غرناطة حسنة في الظاهر تدل على الموافقة والمحبة وكان المريني في الباطن يحب الاستيلاء على مملكة غرناطة ولما لم يمكنه ذلك بالسيف عدل إلى أعمال الحيلة فأهدى إلى السلطان أبي الحجاج كسى رفيعة أحدها مسمومة فلبسها فهلك لحينه ومع ذلك فلم يدرك المريني غرضه فإنه لم يلبث إلا يسيرا حتى توفي أيضا اه ولم توفي أبو الحجاج بويع ابنه محمد بن يوسف وقام بأمره القائد أبو عبد الله محمد الخصاصي من صنائع أبيه قال ابن خلدون والحال على ذلك لهذا العهد ولنذكر ما كان في هذه المدة من الأحداث ففي سنة خمسين وسبعمائة كان الوباء الذي عم المسكونة شرقا وغربا على ما نبهنا عليه فيما مضى وفي سنة خمس وستين وسبعمائة توفي الولي الزاهد أبو العباس أحمد ابن عمر بن محمد بن عاشر الأندلسي نزيل سلا العارف المشهور قال أبو عبد الله بن سعد التلمساني في كتابه النجم الثاقب فيما لأولياء الله من المناقب كان ابن عاشر أحد الأولياء الأبدال معدودا في كبار العلماء مشهورا بإجابة الدعاء معروفا بالكرامات مقدما في صدور الزهاد منقطعا عن الدنيا وأهلها ولو كانوا من صالحي العباد ملازما للقبور في الخلاء المتصل ببحر مدينة سلا منفردا عن الخلق لا يفكر في أمر الرزق وله أخبار جليلة وكرامات عجيبة مشهورة ممن جمع الله له العلم والعمل وألقى عليه القبول من الخلق شديد الهيبة عظيم الوقار كثير الخشية طويل التفكير والاعتبار قصده أمير المؤمنين أبو عنان وارتحل إليه سنة سبع وخمسين وسبعمائة فوقف ببابه طويلا فلم يأذن له وانصرف وقد امتلأ قلبه من حبه وإجلاله ثم عاود الوقوف ببابه مرارا فما وصل إليه فبعث إليه بعض أولاده بكتاب كتبه إليه يستعطفه لزيارته ورؤيته فأجابه بما قطع رجاءه منه وأيأسه من لقائه فاشتد حزنه وقال هذا ولي من أولياء الله تعالى حجبه الله عنا اه ومناقب الشيخ ابن عاشر وكراماته كثيرة وقد ألف فيها أبو العباس بن عاشر الحافي من علماء سلا كتابه المسمى بتحفة الزائر في مناقب الشيخ ابن عاشر فانظره وفي سنة ست وسبعين وسبعمائة وهي السنة التي قتل فيها ابن الخطيب كان الجوع بالمغرب قال أبو العباس ابن الخطيب القسنطيني المعروف بابن قنفذ في كتابه أنس الفقير ما حاصله أنه رجع من هجرته بالمغرب الأقصى في السنة المذكورة إلى بلده قسنطينة فاجتاز في طريقه بتلمسان قال وفي هذه السنة كانت المجاعة العظيمة وعم الخراب المغرب فأقمت بتلمسان نحو شهر أنتظر تيسر سلوك الطريق فالتجأت إلى قبر الشيخ أبي مدين ودعوت الله عنده فوقع ما أملته وارتحلت بعد أيام يسيرة فرأيت في الطريق من الخير ما كان يتعجب منه من شاهده وكان أمر الطريق في الخوف والجوع بحيث أن كل من نقدم عليه يتعجب من وصولنا سالمين ثم عند ارتحالنا من عنده يتأسف علينا حتى أن منهم من يسمعنا ضرب الأكف خلفنا تحسرا علينا حتى انتهى سفرنا على وفق اختيارنا والحمد لله وفي سنة ثمان وسبعين وسبعمائة توفي الشيخ الفقيه المحدث أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن عمران الفنزاري السلاوي المعروف بابن المجراد صاحب لامية الجمل وشرح الدرر وغيرهما من التآليف الحسان قال صاحب بلغة الأمنية ومقصد البيت فيمن كان بسبتة في الدولة المرينية من مدرس وأستاذ وطبيب في حق الشيخ المذكور كان محدثا حافظا راوية له معرفة بالرجال والمغازي والسير وكان رجلا صالحا حسن السيرة صادق اللهجة انتفع به الناس وظهرت بركته على كل من عرفه أو لازم مجلسه أو قرأ عليه من صغير أو كبير قال وذلك عندنا معروف بسبتة مشهور بين أهلها وانتقل إلى بلده سلا وتوفي بها في السنة المذكورة قلت وقبره مشهور بها إلى الآن وعليه قبة صغيرة وهو من مزارات سلا خارج باب المعلقة منها عن يمين الخارج على نحو غلوة وأهل سلا يسمونه سيدي الإمام السلاوي رحمه الله ورضي عنه وفي سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة توفي الشيخ الإمام العارف المحقق الرباني أبو عبد الله محمد بن إبراهيم النفزي المعروف بابن عباد شارح الحكم العطائية وأحد تلامذة الشيخ ابن عاشر المذكور آنفا قال صاحبه وأخوه في الله الشيخ أبو زكرياء السراج في حقه ما نصه كان حسن السمت طويل الصمت كثير الوقار والحياء جميل اللقاء حسن الخلق والخلق على الهمة متواضعا معظما عند الخاصة والعامة نشأ ببلدة رندة على أكمل طهارة وعفاف وصيانة وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين ثم اشتغل بعد بطلب العلوم النحوية والأدبية والأصولية والفروعية حتى رأس فيها وحصل معانيها ثم أخذ في طريق الصوفية والمباحثة عن الأسرار الإلهية حتى أشير إليه وتكلم في علوم الأحوال والمقامات والعلل والآفات وألف فيها تآليف عجيبة وتصانيف بديعة غريبة وله أجوبة كبيرة في مسائل العلوم نحو مجلدين ودرس كتبا وحفظها كلها أو جلها إلى أن قال ولقي بسلا الشيخ الحاج الصالح السني الزاهد الورع أحمد بن عاشر وأقام معه ومع أصحابه سنين عديدة قال رحمه الله قصدتهم لوجدان السلامة معهم وتوفي رحمه الله بفاس بعد صلاة العصر من يوم الجمعة ثالث رجب من السنة المذكورة وحضر جنازته السلطان أبو العباس بن أبي سالم فمن دونه وهمت العامة بكسر نعشه تبركا به رحمه الله ورضي عنه ومن فوائده التي نقلها عن شيخه ابن عامر ما ذكره في رسائله قال كنت قد ما خرجت في يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم صائما إلى ساحل البحر فوجدت هنالك سيدي الحاج أحمد بن عاشر رحمه الله ورضي عنه وجماعة من أصحابه ومعهم طعام يأكلونه فأرادوا مني الأكل فقلت إني صائم فنظر إلي سيدي الحاج نظرة منكرة وقال لي هذا يوم فرح وسرور يستقبح في مثله الصوم كالعيد فتأملت قوله فوجدته حقا وكأنه أيقظني من النوم اه واعلم أنه في آخر هذا القرن الثامن تبدلت أحوال المغرب بل وأحوال المشرق ونسخ الكثير من عوائد الناس ومألوفاتهم وأزيائهم قال ابن خلدون في مقدمة تاريخه بعد أن ذكر أن الأحوال العامة للآفاق والأجيال والأعصار هي أس المؤرخ الذي تنبني عليه أكثر مقاصده ما نصه وأما لهذا العهد وهو آخر المائة الثامنة فقد انقلبت أحوال المغرب الذي نحن شاهدوه وتبدلت بالجملة واعتاض من أجيال البربر أهله على القدم بمن طرأ فيه من لدن المائة الخامسة من أجيال العرب بما كثروهم وغلبوهم وانتزعوا منهم عامة الأوطان وشاركوهم فيما بقي من البلدان بملكتهم وبأسهم هذا إلى ما نزل بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون الجارف الذي تحيف الأمم وذهب بأهل الجيل وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها فقلص من ظلالها وفل من حدها وأوهن من سلطانها وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أحوالها وانتقص عمران الأرض بانتقاص البشر فخربت الأمصار والمصانع ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل وضعفت الدول والقبائل وتبدل الساكن وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب لكن على نسبته ومقدار عمرانه وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة والله وارث الأرض ومن عليها وإذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث إلى آخر كلامه رحمه الله فافهم هذه الجملة وتفطن لأحوال الدول التي سردنا أخبارها فيما مضى وأحوال التي نسرد أخبارها فيما بعد وتأمل الفرق بين ذلك والسبب فيه والله تعالى الموفق للصواب بمنه

الخبر عن دولة السلطان أبي سعيد عثمان بن أبي العباس ابن أبي سالم

هذا السلطان هو ثالث الإخوة الأشقاء من بني أبي العباس الذين ولوا الأمر من بعد ولاء أمه الجواهر أم أخويه قبله بويع بعد صلاة العصر له من يوم الثلاثاء الموفي ثلاثين من جمادى الآخرة سنة ثمانمائة وسنه يومئذ ست عشرة سنة وكان النقض والإبرام وسائر التصرفات في دولته للوزراء والحجاب والسلطان متفرغ لاستيفاء لذاته ومن أكبر حجابه أبو العباس القبائلي الذي نذكر خبره الآن

حجابة أبي العباس القبائلي ونكبته ومقتله والسبب في ذلك

بيت بني القبائلي بيت مشهور في الوزارة والحجابة والكتابة من لدن الدولة الموحدية بمراكش إلى هذا التاريخ وكان الرئيس الفقيه أبو العباس أحمد بن علي القبائلي كاتبا مشهورا وحاجبا مذكورا وكان قد بذ الأقران وتصدر الأعيان وبلغ من الجاه ونفوذ الكلمة مبلغا عظيما وكان يحابي بالخطط السلطانية الأقارب والأرحام لا يعدل بها عمن سواهم فاضطغنت عليه القلوب وكثرت فيه السعايات إلى أن نفذ أمر الله فأوقع به السلطان أبو سعيد وقعة شنعاء كان من خبرها أنه كان للحاجب المذكور ولد اسمه عبد الرحمن وكان من فضلاء وقته وكان لعبد الرحمن هذا ولد اسمه علي وكان من نجباء الأبناء فكان لجده أبي العباس لذلك ميل إليه ومحبة وافتتان به فاتفق أن مرض هذا الحافد ذات يوم فنزل جده أبو العباس من الحضرة بفاس الجديد لعيادته بدار ولده عبد الرحمن من عدوة القرويين من فاس القديم وكانت الدار بزنقة الجيلة من الطالعة فبات الشيخ عند حافده تلك الليلة وكان منذ ولي خطة الحجابة لم يغب عن دار الملك ليلة واحدة بل كان يأخذ في ذلك بالحزم بحيث يسد أبواب الحضرة ويفتحها ويباشر سائر الأمور السلطانية بنفسه فلما أراد الله إنفاذ قدره غطى على عقله وبصره فتساهل في تلك الليلة وبعث ولده أبا القاسم ليقوم مقامه في غلق الأبواب وفتحها مع صاحب السقيف ومساهمه في القيام بالأمور السلطانية أبي محمد عبد الله الطريفي الآتي ذكره فغلقا الأبواب على العادة ولما كان الصباح من الغد تقدم الولد أبو القاسم لأخذ المفاتيح من دار الخلافة فأخرجت إليه وتولى فتح الأبواب وحده دون أن يحضر الطريفي المشارك له في ولاية السقيف فلما جاء أبو محمد المذكور ورأى الأبواب مفتحة بدون حضوره أخذه من ذلك ما قدم وما حدث وأسرها في نفسه حتى إذا كان المساء وحضر الوقت المعهود لغلق الأبواب طلع للحضرة ولد آخر من ولد الحاجب القبائلي يعرف بأبي سعيد فبادر أبو محمد فسد الأبواب في وجهه قبل أن يصل إليه وأمسك المفاتيح عنده واستبد بها فطلب منه أبو سعيد أن يفتح له الباب فتجهمه وامتنع وكأنه أمر دبر بليل ثم تقدم القائد أبو محمد المذكور إلى السلطان أبي سعيد فأعلمه بما اتفق له مع أولاد الحاجب فأوعز إليه السلطان أن لا يفتح الباب بعد غلقه إلا وقت فتحه المعتاد وزاد في الوصية بأن لا يفتح ولا يغلق إلا بمحضر السعيد ابن السلطان أبي عامر رحمه الله ولما رجع أبو سعيد إلى والده بعدوة القرويين من فاس أعلمه بما اتفق له مع القائد الطريفي فامتلأ غيظا وقامت قيامته وكانت فيه دالة على السلطان فتخلف عن الحضور ولم يذكر ما قالته الحكماء إذا عاديت من يملك فلا تلمه إنه يهلكك ثم استعطفه السلطان فأبى أن يعطف ثم بعث إليه ببراءة بخطه ليزيل ما بصدره من الموجدة فكتب الحاجب جوابها وأقسم أن لا يطأ بساطا فيه فارح بن مهدي العلج وكان فارح هذا بعين التجلة من السلطان فلما وقف السلطان أبو سعيد على جواب الحاجب حمى أنفه وأظلمت الدنيا في عينيه وأمر بالإيقاع بالحاجب في الحين فذبح هو وولده عبد الرحمن يوم الخميس الموفي ثلاثين من شوال سنة اثنتين وثمانمائة وكان عبد الرحمن هذا فاضلا شاعرا فمن شعره في الغزل قوله ( اتسمع في الهوى قول اللواحي % وقد أبصرت خشف بني رياح ) ( غزال خلف الصب المعني % من الوجد المبرح غير صاح ) ( وقد قتلت ولا إثم عليها % مراض جفونه كل الصحاح ) ( يقول ولحظه بالعقل يزري % علام تطيل وصفي وامتداحي ) ( فقلت فنون سحر فيك راقت % قضت للقلب بالعشق الصراح ) ( جبينك والمقلد والثنايا % صباح في صباح في صباح ) وبقي الحافد أبو الحسن علي بن عبد الرحمن المذكور مرتبا في جملة الكتاب وكان فاضلا شاعرا أيضا ولما مرض السلطان أبو سعيد في شعبان سنة سبع وثمانمائة وصح من مرضه وهنأته الشعراء بقصائد كثيرة فكان من جملتهم أبو الحسن المذكور فقال ( هنيئا لنا ولكل الأنام % براحة فخر الملوك الهمام ) ( إمام أقام رسوم العلا % وحل من المجد أعلى السنام ) ( به قرت العين لما بدا % صحيحا وما إن به من سقام ) ( وهل هو إلا كبدر الدجا % يواري قليلا وراء الغمام ) ( ويظهر طورا فيجلو به % عن الناس يا صاح ساجي الظلام ) ( أو الليث يعكف في غيله % فتحذر منه السباح اهتجام ) ( أمولاي عثمان بحر الندى % ومردي العداة ونجل الكرام ) ( لقد رفع الله مقداركم % فنفسي الفداء لكم من إمام ) ( أمولاي عبدك قد ضره % أفول رضاكم وبعد المرام ) ( وأضحى كئيبا لإبعادكم % مشوقا لتقبيل ذاك المقام ) ( فكن راحما يا إمام الورى % عطوفا بمملوكك المستهام ) ( لعل الذي ناله ينقضي % وتشمل منك هبات جسام ) ( فأيدك الله بالنصر ما % ترنم فوق الغصون حمام )

حجابة فارح بن مهدي وأوليته وسيرته

قال ابن خلدون يا فراح بن مهدي من معلوجي السلطان يعني أبا العباس وأصله من موالي بني زيان ملوك تلمسان اه وقال في الجذوة هو من موالي السلطان أبي سعيد بن أبي العباس ولا منافاة بين الكلامين والله أعلم ولما قتل أبو العباس القبائلي ولي الحجابة من بعده فارح بن مهدي هذا قال في الجذوة ولم يكن من أهل العلم لكنه كان شيخا مجربا للأمور عارفا مجيدا في التدبير قد أعطى الرياسة حقها والخطط مستحقها وكان ممسكا عنانه فلا يميل مع نفسه ولا يسحب أردانه ولا يوحش سلطانه موسوما عند الخلافة بالأمانة ملحوظا لديها بعين المروة والصيانة وكان السلطان أبو سعيد يعتني به لأجل كبر سنه وتربيته الحرة آمنه بنت السلطان أبي العباس كانت تبدي له وجهها في حالي صغرها وكبرها فكانت له بذلك مزية لم تكن لغيره بهذا ذكره التاورتي ولعل فيه تعريضا بالحاجب قبله ولما تكلم أبو عبد الله محمد العربي الفاسي في كتابه مرآة المحاسن على مدينة تيجساس وصفها بقوله إنها في شرقي تطاوين على مسيرة يوم منها في موضع كثير الحجارة والصخر في سفح جبل من غربيها وتحتها من شمالها جرف كثير الصخر عظيمة على مكسر موج البحر ولها نهر نفاع يجلب إليها منه جدول ولها بسيط تركبه الجداول من كل جهة فتسقي الزرع والكتان والثمار فأهلها في أمن من القحط إلى أن قال ولم تزل عامرة إلى حدود ثمانمائة فجلا عنها أهلها بسبب جور فارح بن مهدي الوالي عليها من قبل بني مرين فخلت من سكانها وانتقلوا إلى القبائل وغيرها ولم يزل سورها ماثلا إلى الآن اه قلت وفي هذه المدة خربت تطاوين القديمة أيضا فزعم منويل في تاريخه أن قراصين المسلمين من أهل تطاوين وغيرهم كانت تغير على سواحل أصبانيا وتغنم مراكبها ولما كانت سنة ألف وأربعمائة مسيحية الموافقة لسنة ثلاث وثمانمائة هجرية بعث الطاغية الريكي الثالث شكوادرة لغزو تطاوين ومراكبها فانتهت إلى وادي مرتيل وأفسدت قراصين المسلمين التي به ثم نزلت عساكر الإصبنيول للبر فاقتحمت مدينة تطاوين بعد أن جلا أهلها عنها وخربتها وعاثت فيها وبقيت خربة نحو تسعين سنة ثم جدد بناؤها على يد الرئيس أبي الحسن علي المنظري الغرناطي كما سيأتي وكانت وفاة فارح بن مهدي في الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة ست وثمانمائة والله تعالى أعلم

حجابة أبي محمد الطريفي وسيرته

لما توفي الحاجب فارح بن مهدي ولي الحجابة من بعده أبو محمد عبد الله الطريفي وكان من فضلاء الحجاب وهو الذي بنى مسجد السوق الكبير بفاس الجديد وحبس عليه كتبا كثيرة فكان ذلك من حسناته الباقية نفعه الله بقصده

حدوث الفتنة بين السلطان أبي سعيد والسلطان أبي فارس الحفصي والسبب في ذلك

لما توفي السلطان أبو العباس الحفصي صاحب تونس ولي الأمر من بعده ابنه أبو فارس المذكور فوزع الوظائف من الإمارة والوزارة وولاية الأعمال على إخوته فاعتضد بهم وكان من جملتهم أخوه أبو بكر بن أبي العباس بقسنطينة فنازعه بها ابن عمه الأمير أبو عبد الله محمد بن أبي زكرياء الحفصي صاحب بونة وألح عليه في الحصار فصمد إليه السلطان أبو فارس الحفصي وأوقع به على سيبوس وقعة شنعاء انتهت به هزيمتها إلى فاس مستصرخا صاحبها وهو يومئذ أبو فارس المريني فأقام أبو عبد الله بفاس إلى سنة عشر وثمانمائة في دولة السلطان أبي سعيد فاتفق أن فسد ما بين السلطان أبي فارس الحفصي وبين أعراب إفريقية من سليم فقدمت طائفة منهم حضرة فاس مستنجدين السلطان أبا سعيد على صاحبهم أبي فارس فألفوا عنده الأمير أبا عبد الله المنهزم بسيبوس كما مر فعقد له السلطان أبو سعيد على جيش من بني مرين وغيرهم وبعثه مع العرب فلما انتهى إلى بجاية تلقته أعراب إفريقية طائعة وهون عليه المرابط شيخ حكيم منها أمر تونس فرد الجيش المريني وقصدها بمن انضم إليه من الحشود فأخذ بجاية من أبي يحيى وفر في البحر وعقد أبو عبد الله عليها لابنه المنصور ثم زحف إلى السلطان أبي فارس فخالفه إلى بجاية فافتكها من يد ابنه المنصور ووجه به مع جماعة من كبار أهلها معتقلين إلى الحضرة وعقد عليها لأحمد ابن أخيه ونهض لقتال ابن عمه أبي عبد الله المذكور فنزع المرابط عنه إلى السلطان أبي فارس لعهد كان بينهما فانفض جمع أبي عبد الله وقتل واحتز رأسه ووجهه السلطان أبو فارس مع من علقه بباب المحروق أحد أبواب فاس إغاظة للسلطان أبي سعيد وذلك سنة اثنتي عشرة وثمانمائة ثم تحرك السلطان أبو فارس إلى جهة المغرب قاصدا أخذ الثار من السلطان أبي سعيد فاستولى على تلمسان ثم قصد حضرة فاس فلما شارفها جنح السلطان أبو سعيد إلى السلم فوجه إليه بهدايا جليلة فقبل ذلك أبو فارس وكافأ عليه وانكفأ راجعا إلى حضرته ولحقته في طريقه بيعة أهل فاس وانتظم له ملك المغرب وبايعه صاحب الأندلس أيضا قاله صاحب الخلاصة النقية وهو الأديب أبو عبد الله محمد الباجي أحد كتاب الدولة التركية بتونس +

اسيتلاء البرتغال على مدينة سبتة أعادها الله

كان جنس البرتغال وهو البردقيز في هذه السنين قد كثر بعد القلة واعتز بعد الذلة وظهر بعد الخمول وانتعش بعد الذبول فانتشر في الأقطار وسما إلى تملك الأمصار فانتهى إلى أطراف السودان بل وأطراف الصين على ما قيل وألح على سواحل المغرب الأقصى فاستولى في سنة ثمان عشرة وثمانمائة على مدينة سبتة أعادها الله بعد محاصرته لها حصارا طويلا وسلطان المغرب يومئذ أبو سعيد بن أحمد صاحب الترجمة وسلطان البرتغال يومئذ خوان الأول وذكر منويل في تاريخه أن سلطان المغرب يومئذ عبد الله بن أحمد أخو أبي سعيد المذكور وسيأتي كلامه بتمامه وذكر صاحب نشر المثاني في كيفية استيلاء البرتغال على سبتة قصة تشبه قصة قصير مع الزباء قال رأيت بخط من يظن به التثبت والصدق أن النصارى جاؤوا بصناديق مقفلة يوهمون أن بها سلعا وأنزلوها بالمرسى كعادة المعاهدين وذلك صبيحة يوم الجمعة من بعض شهور سنة ثمان عشرة وثمانمائة وكانت تلك الصناديق مملوءة رجالا عددهم أربعة آلاف من الشباب المقاتلة فخرجوا على حين غفلة من المسلمين واستولوا على البلد وجاء أهله إلى سلطان فاس مستصرخين له وعليهم المسوح والشعر والوبر والنعال السود رجالا ونساء وولدانا فأنزلهم بملاح المسلمين ثم ردهم إلى الفحص قرب بلادهم لعجزه عن نصرتهم حتى تفرقوا في البلاد والأمر لله وحده قال وسمعت من بعضهم أن الذي جرأ النصارى على ارتكاب تلك المكيدة هو أنهم كانوا قد قاطعوا أمير سبتة على أن يفوض إليهم التصرف في المرسى والاستبداد بغلتها ويبذلوا له خراجا معلوما في كل سنة فكان حكم المرسى حينئذ لهم دون المسلمين ولو كان المسلمون هم الذين يلون حكم المرسى ما تركوهم ينزلون ذلك العدد من الصناديق مقفلة لا يعلمون ما فيها والله أعلم بحقيقة الأمر ولما استولى البرتغال على سبتة اعتنى بها وحصنها واستمرت في ملكتهم مدة تزيد على مائتين وخمسين سنة ثم ملكها منهم طاغية الإصبنيول في سبيل مهادنة وشروط انعقدت بينهم بمدنية أشبونة في حدود الثمانين وألف وأخبار السلطان أبي سعيد كثيرة وقد أرخ دولته وسيرته الكاتب أبو إسحاق إبراهيم ابن أحمد التاورتي رحمه الله وتوفي السلطان المذكور سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة وولي الأمر من بعده ابنه عبد الحق الأخير كذا ذكره في جذوة الاقتباس وقد ذكر منويل في أمر أبي سعيد ووفاته ما يخالف هذا قال لما كانت دولة السلطان أبي سعيد المريني كان المسلمون أهل جبل طارق قد سئموا ملكة ابن الأحمر صاحب غرناطة وتحققوا بأن المريني أقوى منه شوكة وأقدر على تخليصهم مما عسى أن ينالهم به الإصبنيول من حصار ونحوه فبعثوه إليه يخطبون ولايته ويعرضون عليه الدخول في طاعته إن هو أمدهم بما يدفعون به في نحر ابن الأحمر فأعجب أبا سعيد ذلك وللحين بعث إليهم أخاه عبد الله بن أحمد المعروف بسيدي عبو ومعه طائفة من الجيش إمدادا لهم وكان قصد أبي سعيد ببعث أخيه عبد الله الحصول على إحدى الفائدتين أما فتح جبل طارق إن كان الظهور له أو الاستراحة منه إن كان عليه لأنه كان يشوش عليه فجاء الأخ المذكور حتى نزل بإزاء جبل طارق ففتح أهل البلد الباب وأدخلوه وأدخلوا جنده وتحصن قائد الغرناطي وعسكره بقلعة الجبل وطير الأعلام بذلك إلى صاحبه فبعث إليه جيشا قويت به نفسه فنزل من القلعة وانضم إليه مدده وقاتلوا جيش المريني فهزموه وقبضوا على عبد الله باليد وعلى جماعة من أصحابه وبعثوا بهم أسرى إلى صاحب غرناطة فعمد صاحب غرناطة إلى عبد الله وأنزله في محل معتبر وأحسن إليه فتخلف ظن السلطان أبي سعيد فيما كان يحب لأخيه من التلف وغاظه فعل ابن الأحمر معه من الإحسان والإبقاء عليه ثم أن أبا سعيد دبر حيلة بأن بعث من قبله رجلا إلى أخيه ليسقيه السم ويستريح منه مع أن غوغاء أهل المغرب وقبائله المنحرفة عن السلطان كانوا قد تشوقوا لقدومه عليهم وقيامهم معه فبطلت حيلة أبي سعيد في السم ولم يحصل على طائل ثم إن ابن الأحمر اتفق مع عبد الله على أن يمده بالعسكر والمال ويسرحه إلى المغرب ليستولي على ملكه ويأخذ له بالثأر من أخيه فقبل عبد الله ذلك وأمده ابن الأحمر وسرحه إلى المغرب فلما احتل به تبعه عدد وافر من قبائله الذين كانوا مستثقلين لوطأة أبي سعيد فنهض إليه أبو سعيد فكانت الكرة عليه ورجع مفلولا في يسير من الجند إلى فاس فتقبض عليه أهلها وسجنوه وأعلنوا بنصر أخيه عبد الله وفتحوا الباب فدخل الحضرة واستولى عليها وتم أمره وسجن أخاه أبا سعيد إلى أن مات قال ولما استقل عبد الله بأمر المغرب كله هدأت الرعية واستقامت الأحوال إلا أنه تكدر عيشه بذهاب سبتة التي استولى عليها طاغية البرتغال خوان الأول بعد ما حاصرها أشد الحصار وكان ذلك على السلطان من أعظم النحوس وتكدر المسلمون غاية لفوات هذه المدينة العظيمة منهم ثم ثاروا على السلطان عبد الله واعتورته رماحهم حتى فاظ ولما قتل تنازع الملك بعده اثنان من اخوته وبعد قتال شديد ولم ينتصف أحد منهما من صاحبه اتفق أهل الحل والعقد على أن يولوا عبد الحق بن أبي سعيد اه كلام منويل وهذا السلطان عبد الله الذي زاده منويل بين أبي سعيد وعبد الحق لم يذكره صاحب جذوة الاقتباس ويبعد أن يكون هذا الخبر الذي ساقه منويل لا أصل له والله أعلم بحقيقة الأمر ومن جملة حجاب السلطان أبي سعيد الرئيس أبو فارس عبد العزيز بن أحمد الملياني قال في الجذوة أصله من زرهون وتولى حجابة السلطان المذكور قال فغدر مولاه ومخدومه وهتك ستره وخرب داره وعبث بحريمه وقتل أولاده وإخوانه ورفع الأذناب وحط الرؤساء وكان فساد المغرب على يده وقد ذكره التاورتي فأثنى عليه قال في الجذوة ووجدت في طرة ذمه وتنقيصه والله أعلم ومن وزراء السلطان أبي سعيد صالح بن حمو الياباني ويحيى بن علال بن آمصمود الهسكوري وقد تقدم ذكرهما ومن كتابه الفقيه الأديب أبو زكرياء يحيى بن أبي الحسن بن أبي دلامة وكان صاحب العلامة عند السلطان المذكور وممن شهد له أهل عصره بالتبريز في النظم الفائق ثم ابنه محمد من بعده ومن قضاته الفقيه أبو محمد عبد الرحيم بن إبراهيم اليزناسني وقد تقدم ذكره والله تعالى أعلم

الخبر عن دولة السلطان عبد الحق بن أبي سعيد ابن أبي العباس بن أبي سالم المريني رحمه الله

هذا السلطان هو آخر ملوك بني عبد الحق من بني مرين وهو أطولهم مدة وأعظمهم محنة وشدة وهو أبو محمد عبد الحق بن أبي سعيد عثمان ابن أبي العباس أحمد بن أبي سالم إبراهيم بن أبي الحسن علي بن أبي سعيد عثمان بن أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق الزناتي المريني أمه علجة إصبنيولية على ما ذكره منويل وفي أيامه ضعف أمر بني مرين جدا وتداعى إلى الانحلال وكان التصرف للوزراء والحجاب شأن دولة أبيه من قبله على نذكره

زحف البرتغال إلى طنجة ورجوعهم عنها بالخيبة

قال منويل كان لطاغية البرتغال خمسة إخوة شجعان فأرادوا أن يدركوا فخرا باستيلائهم على ثغر من ثغور المغرب يضيفونه إلى سبتة ويوسعون به ما ملكوه من أعمالها فركبوا قراصينهم في ستة آلاف عسكري ونزلوا بسبتة ثم زحفوا إلى طنجة سنة إحدى وأربعين وثمانمائة وحاصروها وضيقوا على أهلها ثم عاجلهم سلطان فاس وسلطان مراكش وأرهقوهم عن فتحها وأوقعوا بهم وقبضوا على كبير عسكرهم فرناندو وجماعة من أصحابه وعادوا بهم أسرى إلى فاس فلما صارت عظماء البرتغال في يد المسلمين وأسرهم جنحوا إلى السلم فسالمهم المسلمون على أن يردوا لهم سبتة ويسرحوا لهم كبيرهم وأصحابه الذين معه فرضي البرتغال بذلك وانعقد الصلح عليه ثم كان من قدر الله أن هلك كبير البرتغال الذي وقع الشرط عليه في سجن فاس واستمرت سبتة في يد العدو وعد ذلك من سوء بخت المسلمين والأمر لله وحده وقد ذكر صاحب المرآة أن البرتغال استولى على طنجة سنة إحدى وأربعين وثمانمائة وهو غير صواب وإنما كان الحصار فقط والله تعالى أعلم

أخبار الوزراء والحجاب وتصرفاتهم

كان من جملة وزراء السلطان عبد الحق الوزير صالح بن صالح بن حمو الياباني قالوا وهو الذي أوقع بالفقيه القاضي أبي محمد عبد الرحيم ابن إبراهيم اليزناسني قتله ذبحا سنة أربع وثلاثين وثمانمائة ومن وزراء السلطان المذكور الوزير أبو زكرياء يحيى بن زيان الوطاسي قالوا وفي سنة ست وأربعين وثمانمائة غزا الوزير المذكور الشاوية وكانوا قد تمردوا على الدولة وأعضل داؤهم ففل الوزير المذكور جمعهم وخرب منازلهم ثم كانت وفاته سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة قتله عرب أنكاد على سبيل الغدر قعصا بالرماح وحمل قتيلا إلى فاس فدفن بالقلة خارج باب الحبيسة وولي الوزارة بعده علي بن يوسف الوطاسي قالوا فكانت أيامه مواسم لديانته وصيانته وحفظه أمور الملك ورفقه بالرعية مع العدل وحسن الإدارة ثم توفي بتامسنا خامس رمضان سنة ثلاث وستين وثمانمائة وحمل إلى فاس فدفن بالقلة أيضا وفي هذه السنة أو التي قبلها استولى البرتغال على قصر المجاز وهو المعروف بقصر مصمودة والقصر الصغير وهو الآن خراب والله أعلم

وزارة يحيى بن يحيى الوطاسي ومقتله ومقتل الوطاسيين معه والسبب في ذلك

لما توفي الوزير علي بن يوسف رحمه الله قدم للوزارة بعده أبو زكرياء يحيى بن يحيى بن عمر بن زيان الوطاسي قالوا فكانت ولاية هذا الوزير هي مبدأ الشر ومنشأ الفتنة وذلك أنه لما استقل بالحجابة أخذ في تغيير مراسم الملك وعوائد الدولة وزاد ونقص في الجند ونقض جل ما أبرمه قبله الوزراء وعامل الرعية بالعسف ومن جملة ما نقم عليه أنه عزل قاضي فاس الفقيه أبا عبد الله محمد بن محمد بن عيسى بن علال المصمودي وقدم مكانه الفقيه يعقوب التسولي وكان المصمودي من الدين وتحرى المعدلة بمكان فلما رأى السلطان عبد الحق فعل الوزير واستحواذه على أمور الدولة وتبين له أن الوطاسيين قد التحقوا معه رداء الملك وشاركوه في بساط العز وكادوا يغلبونه على أمره سطا بهم سطوة استأصلت جمهورهم إلا من حماه الأجل منهم فتقبض على الوزير يحيى وعلى أخويه أبي بكر وأبي شامة وعلى عمهم فارس بن زيان وقريبهم محمد بن علي بن يوسف وأتى الذبح على جميعهم واستمر البحث عن محمد الشيخ ومحمد الحلو أخوي الوزير المذكور فلم يوجدا لذهاب الشيخ في ذلك اليوم للصيد واختفاء الحلو عند قيام الهيعة فكان ذلك من لطف الله بهما واتصل بهما ما جرى على عشيرتهم وبني أبيهم فذهبا إلى منجاتهما وكان من أمرهما ما نذكره وكانت هذه الحادثة الصماء بعد مضي سبعين يوما من وزارة يحيى بن يحيى المذكور وصفا للسلطان عبد الحق أمره ورأى أن قد شفا نفسه من الوطاسيين ونقى بساط حضرته من قضضهم وأبرأ جسم ملكه من مرضهم والله غالب على أمره

رياسة اليهوديين هارون وشاويل وما نشأ عن استبدادهما من المحنة والفتنة

قالوا كان السلطان عبد الحق منذ أوقع ببني وطاس لم تسمح نفسه بإعطاء منصب الوزارة لأحد ثم نما إليه أن العامة وكثيرا من الخاصة قد نقموا عليه إيقاعه بالوطاسيين وأن أذنهم صاغية إلى محمد الشيخ صاحب آصيلا وكان قد استولى عليها بعد فراره حسبما نذكر وربما شافهه البعض منهم بذلك فولى عليهم اليهوديين المذكورين تأديبا لهم وتشفيا منهم زعموا فشرع اليهوديان في أخذ أهل فاس بالضرب والمصادرة على الأموال واعتز اليهود بالمدينة وتحكموا في الأشراف والفقهاء فمن دونهم وكان اليهودي هارون قد ولى على شرطته رجلا يقال له الحسين لا يألو جهدا في العسف واستلاب الأموال واستمر الحال على ذلك والناس في شدة وفي سنة سبع وستين وثمانمائة انتزع الإصبنيول جبل طارق من يد ابن الأحمر

استيلاء البرتغال على طنجة

ثم في سنة تسع وستين وثمانمائة استولى البرتغال على طنجة زحفوا إليها من سبتة في ألوف من العساكر واستولوا عليها واستمرت بأيديهم أكثر من مائتين وخمس سنين ثم بذلوها لطاغية النجليز سنة أربع وسبعين وألف في سبيل المهاداة والصهر الذي انعقد بينهما كما سيأتي

مقتل السلطان عبد الحق بن أبي سعيد والسبب في ذلك

ثم إن اليهودي عمد إلى امرأة شريفة من أهل حومة البليدة فقبض عليها والبليدة حومة بفاس قالوا وكانت بدار الكومى قرب درب جنيارة فأنحى عليها بالضرب ولما ألهبتها السياط جعلت تتوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم فحمى اليهودي وكاد يتميز غيظا من سماع ذكر الرسول وأمره بالإبلاغ في عقابها وسمع الناس ذلك فأعظموه وتمشت رجالات فاس بعضهم إلى بعض فاجتمعوا عند خطيب القرويين الفقيه أبي فارس عبد العزيز بن موسى الورياكلي وكانت له صلابة في الحق وجلادة عليه بحيث يلقي نفسه في العظائم ولا يبالي وقالوا له ألا ترى إلى ما نحن فيه من الذلة والصغار وتحكم اليهود في المسلمين والعبث بهم حتى بلغ حالهم إلى ما سمعت فنجع كلامهم فيه وللحين أغراهم بالفتك باليهود وخلع طاعة السلطان عبد الحق وبيعة الشريف أبي عبد الله الحفيد فأجابوه إلى ذلك واستدعوا الشريف المذكور فبايعوه والتفت عليه خاصتهم وعامتهم وتولى كبر ذلك أهل حومة القلقليين منهم ثم تقدم الورياكلي بهم إلى فاس الجديد فصمدوا إلى حارة اليهود فقتلوهم واستلبوهم واصطلموا نعمتهم واقتسموا أموالهم وكان السلطان عبد الحق يومئذ غائبا في حركة له ببعض النواحي قال في نشر المثاني خرج السلطان عبد الحق بجيشه إلى جهة القبائل الهبطية وترك اليهودي يقبض من أهل فاس المغارم فشد عليهم حتى قبض على امرأة شريفة وأوجعها ضربا وحكى ما تقدم فاتصل ببعد الحق الخبر وانفض مسرعا إلى فاس واضطرب عليه أمر الجند ففسدت نياتهم وتنكرت وجوههم وصار في كل منزلة تنفض عنه طائفة منهم فأيقن عبد الحق بالنكبة وعاين أسباب المنية ولما قرب من فاس استشار هارون اليهودي فيما نزل به فقال اليهودي له لا تقدم على فاس لغليان قدر الفتنة بها وإنما يكون قدومنا على مكناسة الزيتون لأنها بلدنا وبها قوادنا وشيعتنا وحينئذ يظهر لنا ما يكون فما استتم اليهودي كلامه حتى انتظمه بالرمح رجل من بني مرين يقال له تيان وعبد الحق ينظر وقال وما زلنا في تحكم اليهود واتباع رأيهم والعمل بإشارتهم ثم تعاورته الرماح من كل جانب وخر صريعا لليدين والفم ثم قالوا للسلطان عبد الحق تقدم أمامنا إلى فاس فليس لك اليوم اختيار في نفسك فأسلم نفسه وانتهبت محلته وفيئت أمواله وحلت به الإهانة وجاءوا به إلى أن بلغوا عين القوادس خارج فاس الجديد فاتصل الخبر بأهل فاس وسلطانهم الحفيد فخرج إلى عبد الحق وأركبه على بغل بالبردعة وانتزع منه خاتم الملك وأدخله البلد في يوم مشهود حضره جمع كبير من أهل المغرب وأجمعوا على ذمه وشكروا الله على أخذه ثم جنب إلى مصرعه فضربت عنقه صبيحة يوم الجمعة السابع والعشرين من رمضان سنة تسع وستين وثمانمائة ودفن ببعض مساجد البلد الجديد ثم أخرج بعد سنة ونقل إلى القلة فدفن بها وانقرضت بمهلكه دولة بني عبد الحق من المغرب والبقاء لله وحده ونقل الثقات أن الشيخ أبا العباس أحمد زروق رحمه الله كان قد ترك الصلاة خلف الفقيه أبي فارس الورياكلي لما صدر منه في حق السلطان عبد الحق وكان يقول لا آمن الغندور على صلاتي يعيبه بذلك والغندور في لسان المغاربة ذو النخوة والإباية وما أشبه ذلك والله يتغمدنا والمسلمين برحمته آمين ولنذكر ما كان في هذه المدة من الأحداث فنقول في سنة سبع وثمانمائة توفي الشيخ أبو زيد عبد الرحمن بن علي بن صالح المكودي عالم فاس وأديبها ونحويها صاحب المقصورة وشرح الخلاصة وغير ذلك من التآليف قيل هو آخر من درس كتاب سيبويه في النحو بفاس وفي سنة ثمان عشرة وثمانمائة توفي الشيخ أبو عبد الله محمد بن عمر ابن الفتوح التلمساني ثم المكناسي يقال إن سبب انتقاله من تلمسان أنه كان شابا حسن الصورة جميل الشارة فمرت به امرأة جميلة فجعل ينظر إليها من طرف خفي فقالت اتق الله يا ابن الفتوح يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فتأثر لقولها واتعظ وتاب إلى الله تعالى وجعل من تمام توبته أن يهاجر من الأرض التي قارف الذنب فيها فارتحل إلى فاس فأقام بها مدة وانتفع الناس به ثم انتقل بعدها إلى مكناسة فتوفي بها في السنة المذكورة قالوا وهو أول من أدخل مختصر الشيخ خليل مدينة فاس والمغرب وفي سنة ست وأربعين وثمانمائة كان الوباء العظيم بالمغرب هلك فيه جمع من كبار العلماء والأعيان ويسمى هذا الوباء عند أهل فاس بوباء عزونة وفي سنة تسع وأربعين وثمانمائة في ذي القعدة منها توفي الشيخ أبو محمد عبد الله العبدوسي مفتي فاس وعالمها الكبير ومحدثها الشهير وكان من أهل الصلاح والخير والإيثار وفي سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة في أواخر ذي القعدة منها توفي إمام الجماعة بفاس الشيخ أبو عبد الله محمد بن قاسم الأندلسي الأصل المعروف بالقوري ودفن بباب الحمراء منها وفي سنة تسع وتسعين وثمانمائة في أواخر صفر منها توفي الشيخ العارف بالله المحق أبو العباس أحمد البرنسي الشهير بزروق وكانت وفاته بمسراته من أعمال طرابلس والله أعلم

بقية أخبار بني الأحمر واستيلاء العدو على غرناطة وسائر الأندلس منها وانقراض كلمة الإسلام منها

كانت دولة بني الأحمر في هذه المدة متماسكة والفتنة بين أعياصها متشابكة والعدو فيما بين ذلك يخادعهم عما بأيديهم ويراوغهم ويسالمهم تارة ويحاربهم إلى أن كانت دولة السلطان أبي الحسن علي ابن السلطان سعد ابن الأمير علي ابن السلطان يوسف ابن السلطان محمد الغني بالله فنازعه أخوه أبو عبد الله محمد بن سعد المدعو بالزغل قدم من بلاد النصارى وبويع بمالقة وبقي بها مدة وعظم الخطب واشتدت الفتن وشرق المسلمون بداء الخلاف الواقع بين هذين الأخوين وتكالب العدو عليهم ووجد السبيل إلى تفريق كلمتهم والتمكن من فسخ عهدهم وذمتهم وذلك أعوام الثمانين وثمانمائة ثم انقاد أبو عبد الله لأبي السحن فسكنت أحوال الأندلس بعض الشيء ثم خرج عليه ولده أبو عبد الله محمد بن أبي الحسن وأسره النصارى في بعض الوقعات فراجع الناس طاعة أبي الحسن ثم نزل لأخيه أبي عبد الله الزغل عن الأمر لآفة أصابته في بصره ثم إن العدو عمد لأسيره أبي عبد الله ابن الحسن فوعده ومناه وأظهر له من أكاذيبه وخدعه غاية مناه وبعثه للتشغيب على عمه طلبا لتفريق كلمة المسلمين وعكس مرادهم وتوصلا إلى ما بقي عليه من حصون المسلمين وبلادهم وطالت الفتنة بين العم وابن الأخ وكل عقد كان بين العدو وبينه انحل وانفسخ وخبت العامة الذين هم أتباع كل ناعق في ذلك ووضعت وكان ذلك من أعظم الأسباب المعينة للعدو على التمكن من أرض الأندلس والتهامها واستئصال كلمة الإسلام منها ثم إن ابن الأخ استولى على غرناطة بعد خروج العم عنها إلى الجهاد ففت ذلك في عضده وعطف إلى وادي آش فاعتصم بها وحاصر العدو مالقة فقاتله أهلها بكل ما أمكنهم حتى إذا لم يجدوا للقتال مساغا نزلوا على الأمان فاستولى العدو عليها أواخر شعبان سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة ثم استولى بعد ذلك على وادي آش وأعمالها صلحا ودخل في طاعته صاحبها أبو عبد الله العم بعد أن استهوى العدو قواده بالأموال الجزيلة ثم إن العدو خذله الله وأرسل أبا عبد الله بن أبي الحسن صاحب غرناطة وعرض عليه الدخول في الخطة التي دخل فيها عمه من النزول له عن البلاد على أموال جزيلة يبذلها له ويكون تحت حكمه مخيرا في أي بلاد الأندلس شاء فشاور رعيته فاتفق الناس على الامتناع والقتال فعند ذلك أرهف العدو حده وجعل غرناطة وأهلها من شأنه بعد أن استولى أثناء هذه الفتن والتضريبات على حصون كثيرة لم نتعرض لذكرها حتى لم يبق له إلا غرناطة وأعمالها وقد اختصرنا معظم هذه الأخبار إذ لم تكن من موضوع الكتاب وإنما ألممنا بهذه النبذة تتميما للفائدة وزيادة في الإمتاع ولما كان اليوم الثاني والعشرون من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين وثمانمائة خرج العدو بمحلاته إلى مرج غرناطة وأفسد الزرع ودوخ الأرض وهدم القرى وأمر ببناء موضع بالسور والحفير فأحكمه وكان الناس يظنون أنه عازم على الانصراف فإذا به قد صرف عزمه إلى الحصار والإقامة وصار يضيق على غرناطة كل يوم ودام القتال سبعة أشهر واشتد الحصار بالمسلمين غير أن النصارى على بعد الطرق بين غرناطة والبشرات متصلة بالمرافق والطعام يأتي من ناحية جبل شلير إلى أن تمكن فصل الشتاء وكلب البرد ونزل الثلج فانسد باب المرافق وانقطع الجالب وقل الطعام واشتد الغلاء وعظم البلاء واستولى العدو على أكثر الأماكن خارج البلد ومنع المسلمين من الحرث والسبب وضاق الحال وبان الاختلال وعظم الخطب وذلك أول سنة سبع وتسعين وثمانمائة وطمع العدو في الاستيلاء على غرناطة بسبب الجوع والغلاء دون الحرب والقتال ففر ناس كثيرون من الجوع إلى البشرات ثم اشتد الأمر في شهر صفر من السنة وقل الطعام وتفاقم الخطب فاجتمع ناس مع من يشار إليه من أهل العلم كأبي عبد الله الموافق شارح المختصر وغيره وقالوا انظروا لأنفسكم وتكلموا مع سلطانكم فأحضر السلطان أبو عبد الله بن أبي الحسن أهل دولته وأرباب مشورته وتكلموا في هذا الأمر وأن العدو يزداد مدده كل يوم ونحن لا مدد لنا وكنا نظن أنه يقلع عنا في فصل الشتاء فخاب الظن وبنى وأسس وأقام وقرب منا فانظروا لأنفسكم وأولادكم فاتفق الرأي على ارتكاب أخف الضررين وشاع أن الكلام وقع بين النصارى ورؤساء الأجناد قبل ذلك في إسلام البلد خوفا على نفوسهم وعلى الناس ثم عددوا مطالب وشروطا أداروها وزادوا أشياء على ما كان في صلح وادي آش منها أن صاحب رومة يوافق على الالتزام والوفاء بالشرط إذا مكنوه من حمراء غرناطة والمعاقل والحصون ويحلف على عادة النصارى في العهود وتكلم الناس في ذلك وذكروا أن رؤساء أجناد المسلمين لما خرجوا للكلام في ذلك امتن عليهم النصارى بمال جزيل وذخائر ثم عقدت بينهم الوثائق على شروط قرئت على أهل غرناطة فانقادوا إليها ووافقوا عليها وكتبوا البيعة لصاحب قشتالة فقبلها منهم ونزل سلطان غرناطة أبو عبد الله عن الحمراء ولا حول ولا قوة إلا بالله وفي ثاني ربيع الأول من السنة أعني سنة سبع وتسعين وثمانمائة استولى النصارى على الحمراء ودخلوها بعد أن استوثقوا من أهل غرناطة بنحو خمسمائة من الأعيان رهنا خوف الغدر وكانت الشروط سبعة وستين شرطا منها تأمين الصغير والكبير في النفس والأهل والمال وإبقاء الناس في أماكنهم ودورهم ورباعتهم وعقارهم ومنها إقامة شريعتهم على ما كانت ولا يحكم على أحد منهم إلا بشريعته وأن تبقى المساجد كما كانت والأوقاف كذلك وأن لا يدخل النصارى دار مسلم ولا يغصبوا أحدا وأن لا يولي على المسلمين نصراني أو يهودي ممن يتولى عليهم من قبل سلطانهم وأن يفتك جميع من أسر في غرناطة حيث كانوا وخصوصا أعيانا نص عليهم ومن هرب من أسارى المسلمين ودخل غرناطة لا سبيل عليه لمالكه ولا لغيره والسلطان يدفع ثمنه لمالكه ومن أراد الجواز إلى العدوة لا يمنع ويجوزون في مدة عينت في مراكب السلطان لا يلزمهم إلا الكراء ثم بعد تلك المدة يعطون عشر مالهم والكراء وأن لا يؤخذ أحد بذنب غيره وأن لا يجبر من أسلم على الرجوع للنصارى ودينهم وأن من تنصر من المسلمين يوقف أياما حتى يظهر حاله ويحضر له حاكم من المسلمين وآخر من النصارى فإن أبى الرجوع إلى الإسلام تمادى على ما أراد ولا يعاتب على من قتل نصرانيا أيام الحرب ولا يؤخذ منه ما سلب من النصارى أيام العداوة ولا يكلف المسلم بضيافة أجناد النصارى ولا يسفر لجهة من الجهات ولا يزيدون على المغارم المعتادة وترفع عنهم جميع المظالم والمغارم المحدثة ولا يطلع نصراني للسور ولا يتطلع على دور المسلمين ولا يدخل مسجدا من مساجدهم ويسير المسلم في بلاد النصارى آمنا في نفسه وماله ولا يجعل علامة كما يجعل اليهود وأهل الدجن ولا يمنع مؤذن ولا صائم ولا مصل ولا غيره من أمور دينه ومن ضحك منهم يعاقب ويتركون من المغارم سنين معلومة وأن يوافق على كل الشروط صاحب رومة ويضع خط يده وأمثال هذا مما تركنا ذكره وبعد انبرام ذلك ودخول النصارى للحمراء والمدينة جعلوا قائدا بالحمراء وحكاما ومقدمين بالبلد ولما علم بذلك أهل البشرات دخلوا في هذا الصلح وشملهم حكمه على هذا الوجه ثم أمر العدو ببناء ما يحتاج إليه في الحمراء وتحصينها وتجديد بناء قصورها وإصلاح سورها وصار الطاغية يختلف إلى الحمراء نهارا ويبيت بمحلته ليلا إلى أن اطمأن من خوف الغدر فدخل المدينة وتطوف بها وأحاط خبرا بما يرومه منها ثم أمر سلطان المسلمين أن ينتقل لسكنى البشرات وأنها تكون له في سكناه بأندرش فانصرف إليها وأخرج الأجناد منها ثم احتال عدو الله في نفيه لبر العدوة وأظهر أن السلطان المذكور طلب منه ذلك ثم كتب لصاحب المرية أنه ساعة وصول كتابي هذا لا سبيل لأحد أن يمنع مولاي أبا عبد الله من السفر حيث أراد من بر العدوة ومن وقف على هذا الكتاب فليصرفه وليقف معه وفاء بما عهد له فانصرف السلطان أبو عبد الله في الحين بنص هذا الكتاب وركب البحر فنزل بمليلة واستوطن فاسا وكان قبل ذلك قد طلب الجواز لناحية مراكش فلم يسعف بذلك وحين جوازه لبر العدوة لقي شدة وغلاء وبلاء ثم إن النصارى نكثوا العهد ونقضوا الشروط عروة عروة إلى أن آل الحال لحملهم المسلمين على التنصر سنة أربع وتسعمائة بعد أمور وأسباب أعظمها عليهم أنهم قالوا إن القسيسين كتبوا على جميع من أسلم من النصارى أن يرجع مهرعا لدينه ففعلوا ذلك وتكلم الناس ولا جهد لهم ولا قوة ثم تعدوا ذلك إلى أمر آخر وهو أن يقولوا للرجل المسلم إن جدك كان نصرانيا فأسلم فترجع أنت نصرانيا ولما تفاحش هذا الأمر قال أهل البيازين على الحكام فقتلوهم وهذا كان السبب الأعظم في التنصر قالوا لأن الحكم خرج من عند السلطان أن من قام على الحاكم فليس إلا الموت إلا أن يتنصر فينجو من الموت وبالجملة فإنهم تنصروا عن آخرهم بادية وحاضرة وامتنع قوم من التنصر واعتزلوا النصارى فلم ينفعهم ذلك وامتنعت قرى وأماكن كذلك منها بلفيق وأندرش وغيرهما فجمع لهم العدو الجموع واستأصلهم عن آخرهم قتلا وسبيا إلا ما كان من جبل بللنقة فإن الله تعالى أعانهم على عدوهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة مات فيها صاحب قرطبة وأخرجوا على الأمان إلى فاس بعيالهم وما خف من أموالهم دون الذخائر ثم بعد هذا كله كان من أظهر التنصر من المسلمين يعبد الله في خفية ويصلي فشدد النصارى في البحث عنهم حتى إنهم أحرقوا كثيرا منهم بسبب ذلك ومنعوهم من حمل السكين الصغيرة فضلا عن غيرها من الحديد وقاموا في بعض الجبال على النصارى مرارا فلم يقيض الله تعالى لهم ناصرا إلى أن كان إخراج النصارى إياهم جملة أعوام سبعة عشر وألف بعد أن ساكنوهم بغرناطة وأعمالها نحوا من مائة وعشرين سنة كانوا فيها تحت ذمة النصارى كما رأيت والأمر لله وحده ولما أجلاهم العدو عن جزيرة الأندلس خرجت ألوف منهم بفاس وألوف أخر بتلمسان ووهران وخرج جمهورهم بتونس فتسلط عليهم في الطرقات الأعراب ومن لا يخشى الله تعالى من الأوباش ونهبوا أموالهم وهذا ببلاد تلمسان وفاس ونجا القليل من هذه المضرة وأما الذين خرجوا بنواحي تونس فسلم أكثرهم وكذلك بتطاوين وسلا وبيجة الجزائر ولما استخدم سلطان المغرب الأقصى وهو المنصور السعدي منهم عسكرا جرارا وسكنوا سلا كان منهم من الجهاد في البحر ما هو مشهور وحصنوا قلعة سلا وهي رباط الفتح وبنوا بها القصور والحمامات والدور

قال أبو العباس المقري في نفح الطيب وهم الآن يعني في حدود الثلاثين وألف بهذا الحال ووصل جماعة منهم إلى القسطنطينية العظمى وإلى مصر والشام وغيرها من بلاد الإسلام وانقضى أمر الأندلس وعادت نصرانية كما كانت أول مرة والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين وفي السنة التي استولى الإصبنيول على غرناطة انكشفت لهم أرض ماركان التي كانت مجهولة قبل هذا التاريخ لسائر الأمم وذلك أن الحكماء الأقدمين من اليونان وغيرهم أجمعوا على أن شكل الأرض كرة وأن الماء قد غمر أحد جانبيها كله بحيث صارت الأرض فيه كأنها بيضة مغرقة في طست ماء قد رسب فيه أكثرها وبرز أقلها وأجمعوا على أن هذا البارز منها هو المسكون ببني آدم وغيرهم من الحيوانات وهو المقسم إلى سبعة أقسام تسمى الأقاليم ولم يهتدوا إلى أن الجانب الآخر منكشف عنه الماء ولا أنه مسكون كهذا الجانب بل جزموا بأنه ماء صرف يسمى البحر المحيط واستمر هذا الإعتقاد عندهم ونقله الخلف عن السلف ووضعوا فيه التآليف العديدة إلى أن كانت سنة سبع وتسعين وثمانمائة وهي السنة التي استولى فيها الإصبنيول على غرناطة وسائر الأندلس فاتفق أن ظهر في تلك المدة رجل من فرنج جنوة اسمه كلنب بضم الكاف واللام كانت حرفته الملاحة والسفر في البحر وكان بعيد الهمة مولعا بالشهرة مغرى بالذكر وحسن الصيت فخطر بباله أن جانب الأرض الذي أغفل الحكماء الأولون ذكره وزعموا أنه بحر صرف ربما يكون مسكونا كهذا الجانب وكان جنس البرتغال في هذه المدة قد كثرت أسفارهم في البحر وملكوا عدة محال من جزائره الخالدات فحصل لكلنب الجنويزي بعض غيرة ونفاسة منهم وأراد أن يأتي بأعظم مما فعلوا فعزم على التلجيج في البحر المحيط والإبعاد فيه عسى أن يظفر بمراده فتطارح على ملك البرتغال واسمه يومئذ يوحنا الثاني في أن يعينه على ما هو بصدده ويمده بما يكون سببا في نيل مقصده فلم يلتفت إلى قوله ولا عرج على رأيه ومن قبل ما كان أهل جنوة يحمقونه وينسبونه إلى التهور بمثل هذه الآراء فلما لم يجد عند ملك البرتغال مراده تطارح على ملكة الإصبنيول وهي يومئذ إيسابيلا الشهيرة الذكر عندهم فأسعفته وهيأت له ثلاث سفائن وشحنتها بالرجال والسلاح والزاد والمال ودفعت ذلك إليه فسافر بها كلنب في البحر المحيط على سمت المغرب حتى أرسى ببعض الجزائر الخالدات فأراح بها أياما ثم سافر على السمت المذكور ملججا مدة من شهرين ولما طال السفر على أصحابه الذين معه أرادوا قتله وبينما هم في ذلك ظهرت له أرض ماركان فسار حتى أرسى بأجفانه على ساحلها في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة سبع وتسعين وثمانمائة المذكورة فعثر منها على أرض واسعة ذات أقطار ونواحي وجبال وأنهار تفوت الحصر حتى قيل إنها تساوي نصف هذا المسكون من الأرض أو تزيد وإذا فيها خلق كثير من بني آدم كهذه إلا أنهم لم يفقهوا قوله ولا فقه قولهم فعاد كلنب إلى ملكة الإصبنيول بعد أن بنى هنالك حصنا وترك به بعض الجند وساق من تلك الأرض بعض الغرائب من حيوان وغيره إثباتا لمدعاه فلما قدم على الملكة بعد مغيبه سبعة أشهر وأحد عشر يوما أعظمت قدره ونوهت باسمه وسرت بما أتى به من ذلك كله وعدت ذلك من سعادتها إلى ما تسنى لها من الظفر بجزيرة الأندلس والاستيلاء عليها وتبين للفرنج حينئذ أن الأرض معمورة من كلا الجانبين لا من جانب واحد كما اعتقده الأقدمون فحينئذ تسارعت أجناسهم إلى أرض ماركان واقتسموها واعتنوا بعمرانها وسموها الدنيا الجديدة فكانت من أعظم الأسباب في انتعاشهم وتقويتهم وضخامة دولهم واتساع خطط ممالكهم والأمور كلها بيد الله ومن جملة ما كان مفقودا بأرض ماركان نوع الخيل وكذا غيرها من الحيوانات الأهلية ولما رأوا الأدمي راكبا على الفرس مسرجا ظنوه قطعة واحدة وأن الفارس وفرسه حيوان واحد خلق على تلك الكيفية إلى غير ذلك وأخبار أرض ماركان وكيفية العثور عليها ثم التردد إليها واعتمارها بعد ذلك طويلة وملخصها ما ذكرناه والله تعالى الموفق بمنه وهذا آخر النصف الأول من كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى قد شرعنا في إملائه منتصف رجب الفرد الحرام من سنة سبع وتسعين ومائتين وألف وفرغنا منه في منتصف ذي الحجة الحرام في السنة المذكورة ونشرع بعون الله تعالى في الجزء الثاني منه مفتتحا بما يكون كالتوطئة لدولة بني وطاس من أخبار البرتغال على الجملة وعلى الله تعالى الكمال بمنه وفضله

أخبار البرتغال بالمغرب الأقصى على الجملة

اعلم أن هذا المغرب الأقصى حرسه الله وكلأه بعين حفظه لم يزل بجميع ثغوره وسواحله وأقطاره منذ الفتح الإسلامي إلى المائة التاسعة محفوظا الجوانب من طروق أمم الفرنج وغيرهم من أعداء الدين محفوف الأكتاف بالحامية من جنود المسلمين مرهوبة شوكة ملوكه عند أمم النصرانية جيلا بعد جيل وأمة بعد أمة ودولة بعد دولة لم تكن الفرنج تحدث نفسها بغزو شيء من بلاده أو طرق ثغر من ثغوره أو الاستيلاء على شيء من سواحله ولم يكن أهله أيضا يتوقعون ذلك منهم ولا يخشونه بل هم الذين كانوا يغزون الفرنج في عقر ديارهم وأعز بلادهم ويحامون عن بلاد الأندلس وسواحل إفريقية وغيرها متى هاج أهلها هيج من ذلك حسبما تقدمت الأخبار المفصحة عن ذلك ولم يبلغنا أن جنسا من أجناس الفرنج فيما قبل المائة التاسعة غزا شيئا من أطراف المغرب الأقصى أو ثغرا من ثغوره بقصد الاستيلاء والتملك إلا ما كان من مدينة سلا التي دخلها الإصبنيول غدرا أيام الفتنة بين اليعقوبين ثم خرجوا عنها لمدة يسيرة حسبما مر وإلا ما كان من محاصرة أهل جنوة لسبتة ثم الإقلاع عنها كذلك ونحو هذا مما لا يعتبر فلما دخلت المائة التاسعة ومضى صدرها وتداعت دول المغرب من بني أبي حفص بإفريقية وبني زيان بالمغرب الأوسط وبني مرين بالمغرب الأقصى وبني الأحمر بالأندلس وأشرفت على الهرم وحدثت الفتن بين المسلمين ودامت فيهم واشتغلوا بأنفسهم دون الالتفات إلى جهاد العدو ومطالبته في أرضه وبلاده على ما كان لهم من العادة قبل ذلك وافق ذلك ابتداء ظهور الجلالقة وهم الإصبنيول والبرتغال وهم البرطقيز بجزيرة الأندلس واستفحال أمرهم فكثرت أسفار البرتغال في البحر المحيط ودام تقلبهم فيه ومرنوا عليه حتى حصلوا على عدة جزائر منه واكتشفوا بعض الرؤوس الساحلية من أرض السودان وغيرها ثم شرهوا لتملك سواحل المغرب الأقصى فهجموا عليها وجالدوا أهلها دونها حتى تمكنوا منها ونشبوا فيها فقويت شوكتهم وعظم ضررهم على الإسلام وطمحت نفوسهم للاستيلاء على ما وراء ذلك حسبما تقف عليه مبينا في مواضعه إن شاء الله فاستولوا في سنة ثمان عشرة وثمانمائة على مدينة سبتة بعد محاصرتهم لها ست سنين على ما في بعض تواريخ الإفرنج ثم في سنة اثنتين وستين وثمانمائة استولوا على قصر المجاز ثم استولوا في سنة تسع وستين وثمانمائة على طنجة ثم في حدود سنة ست وسبعين وثمانمائة ملكوا آصيلا وفي هذا التاريخ نفسه أو قبله بيسير استولوا على مدينة آنفا وبعض سواحل السوس ثم في حدود سنة سبع وتسعمائة نزلوا بأرض الجديدة فيما بين آزمور وتيط وبنوا بها حصن البريجة وطال مقامهم بها ثم في سنة عشر وتسعمائة استولوا على مدينة العرائش ثم بعد ذلك بيسير في حدود العشر وتسعمائة على ما تقتضيه تواريخ الفرنج ملكوا حصن آكادير وما اتصل به من سواحل السوس الأقصى ثم ملكوا في حدود اثنتي عشرة وتسعمائة رباط آسفي ثم عطفوا على ثغر آزمور فاستولوا عليه في سنة أربع عشرة وتسعمائة ثم المعمورة وهي المهدية ملكوها أيضا في حدود سنة عشرين وتسعمائة وفي هذا التاريخ نفسه رجعوا إلى مدينة آنفا بعد هدمها فبنوها وسكنوها وبالجملة فلم يبق من ثغور المغرب الأقصى بيد المسلمين إلا القليل مثل سلا ورباط الفتح وفجئ المسلمون من هذا البرتغال بالأمر العظيم ودهوا منه بالخطب الجسيم واستحوذ عدو الله على بلاد الهبط وضايقهم بها حتى انحازوا إلى الأمصار المنزوية عن الأطراف والقرى النائية عن السواحل وكان ذلك كله فيما بين انقراض دولة بني وطاس وظهور دولة الشرفاء السعديين ولقد ذكر في مرآة المحاسن أن قصر كتامة كان في صدر المائة العاشرة مقصدا للتجار وسوقا تجلب إليه بضائع العدوتين وسلعها قال إذ كان القصر المذكور ثغرا بين بلاد المسلمين وبين بلاد النصارى تحط به رحال تجار المسلمين من آفاق المغرب وتجار الحربيين من أصيلا وطنجة وقصر المجاز وسبتة ولأنه كان محل عناية سلطان المغرب إذ ذاك محمد الشيخ بن أبي زكرياء الوطاسي فإن القصر قاعدة بلاد الهبط التي كانت موقد شرارة السلطان المذكور ومشب ناره وموشج عصبيته مع مجاورته لبلاد الحرب فكان نظره مصروفا إليه واختصاصه موقوفا عليه وتقبل بنوه من بعده مذهبه فيه اه كلامه فهذا يدلك على ما كان عليه العدو خذله الله من المضايقة للمسلمين في ثغورهم وبلادهم ولله الأمر من قبل ومن بعد ولما نزل بأهل المغرب الأقصى ما نزل من غلبة عدو الدين واستيلائه على ثغور المسلمين تباروا في جهاده وقتاله وأعملوا الخيل والرجل في مقارعته ونزاله وتوفرت دواعي الخاصة منهم والعامة على ذلك وصرفوا وجوه العزم لتحصيل الثواب فيما هنالك فكم من رئيس قوم قام لنصرة الدين غيرة واحتسابا وكم من ولي عصر أو عالم مصر باع نفسه من الله ورأى ذلك صوابا حتى لقد استشهد منهم أقوام وأسر آخرون وبلغ الله تعالى جميعهم من الثواب ما يرجون فمن استشهد منهم في سبيل الله سيدي عيسى ابن الحسن المصباحي دفين الدعداعة بأرض البروزي من بلاد طليق وأبو الحسن علي بن عثمان الشاوي من أصحاب الشيخ أبي محمد الغزواني وأبو الفضل فرج الأندلسي ثم المكناسي وأبو عبد الله محمد القصري المعروف بسقين قتله النصارى عند ضريح الشيخ أبي سلهام وكان قد قصده للزيارة ففتكوا به هنالك وكل هؤلاء معدود في أولياء الله تعالى وممن أسر منهم ثم خلصه الله الشيخ أبو محمد عبد الله بن ساسي دفين تانسيفت من أحواز مراكش والشيخ أبو محمد عبد الله الكوش دفين جبل العرض من أحواز فاس ووالد صاحب دوحة الناشر وهو أبو الحسن علي بن مصباح الحسني عرف بابن عسكر والشيخ العلامة أبو العباس أحمد ابن القاضي المكناسي أحد قضاة سلا وهو صاحب جذوة الاقتباس والمنتقى المقصور وغيرهما من التآليف الحسان أسر وهو ذاهب إلى الحج وأبو عبد الله محمد بن أبي الفضل التونسي المعروف بخروف نزيل فاس وشيخ الجماعة بها هؤلاء كلهم أصابه الأسر ثم خلصه الله بعد حين وغير هؤلاء ممن لم يحضرنا ذكرهم أجزل الله ثوابهم ويسر بمنه حسابهم ولقد ألف الناس في ذلك العصر التآليف في الحض على الجهاد والترغيب فيه وقال الخطباء والوعاظ في ذلك فأكثروا ونظم الشعراء والأدباء فيه ونثروا فممن ألف في ذلك الباب فأفاد الشيخ المتفنن البارع الصوفي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم ابن يجيش التازي قال في الدوحة وقفت له على تأليف ألفه في الحض على الجهاد في سبيل الله فكان مما ينبغي أن يتناول باليدين ويكتب دون المداد باللجين أودعه نظما ونثرا وممن نظم في ذلك فأجاد الشيخ الصالح المتصوف المجاهد أبو عبد الله محمد بن يحيى البهلولي قال في الدوحة كان هذا الشيخ ممن لازم باب الجهاد وفتح له فيه وله في ذلك أشعار وقصائد زجليات وغيرها وكان معاصرا للسلطان أبي عبد الله محمد ابن محمد الشيخ الوطاسي المعروف بالبرتغالي فكان إذا جاءه زائرا حضه على الغزو فيساعده على ما أراد من ذلك ولما توفي السلطان المذكور ودالت الدولة لولده السلطان أحمد وغص بالشرفاء القائمين عليه ببلاد السوس عقد الهدنة مع النصارى المجاورين له ببلاد الهبط وصاحبهم سلطان البرتغال فبلغ ذلك الشيخ أبا عبد الله المذكور فآلى على نفسه أن لا يلقى السلطان المذكور ولا يمشي إليه ولا يقبل منه ما كان عينه له والده من جزية أهل الذمة بفاس لقوته وضرورياته فمكث على ذلك إلى أن حضرته الوفاة وكان في النزع وأصحابه دائرون به فقال له بعضهم يا سيدي أخبرك أن السلطان أمر بالغزو ونادى به وحض الناس عليه والمسلمون في شرح لذلك وفرح ففتح الشيخ عينيه وتهلل وجهه فرحا وحمد الله وأثنى عليه ففاضت نفسه وهو مسرور بذلك ولهذا الشيخ زجليات ومقطعات حسان في الحض على الجهاد منها اللامية المشهورة التي خاطب بها السلطان أبا عبد الله المذكور ومطلعها ( قل للأمير محمد % يا طلعة الهلال ) ( لويلة في السواحل % من أفضل الليال ) ومنها القصيدة التي مطلعها ( ظهر الرمل مرادي % والعسكر يا كرام ) ( نفسي على الجهاد % سبلت والسلام ) ومنها القصيدة التي أولها ( قم للجهاد رعاك الله منتهجا % نهج الرشاد إلى الأقوام لو فهموا ) ( من بعد أندلس ما زلت محتدما % لو كان يمكنني في الليل أحتزم ) إلى غير ذلك مما يطول ذكره قال صاحب الدوحة حدثني الفقيه العدل أبو العباس أحمد الدغموري القصري قال كان الشيخ أبو عبد الله يقول ما غزونا غزوة قط إلا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ويخبرني بجميع ما يتفق لي ولأصحابي في تلك الغزوة وله رضي الله عنه في شأن الجهاد والرجولية حكاية ظريفة وهي أنه غز مرة غزوة إلى الثغور الهبطية ثم قدم منها مع أصحابه فوجد زوجته فلانة بنت الشيخ أبي زكرياء يحيى بن بكار قد توفيت وصلى الناس عليها بجامع القرويين وإمامهم الشيخ غازي ابن الشيخ أبي عبد الله محمد بن غازي الإمام المشهور فوصل الشيخ أبو عبد الله ووجد جنازتها على شفير القبر والناس يحاولون دفنها فقال لهم مهلا ثم تقدم وأعاد الصلاة عليها مع أصحابه الذين قدموا معه فبادر الناس إليه بالإنكار في تكرير الصلاة في الجنازة بالجماعة مرتين فقال لهم على البديهة صلاتكم التي صليتم عليها فاسدة لكونها بغير إمام فقالوا له كيف ذلك يا سيدي قال لأن شرط الإمام الذكورية وهي مفقودة في صاحبكم لأن الذي لم يتقلد سيفا في سبيل الله قط ولم يضرب به ولا عرف الحرب كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم ولم يتعبد بالسيرة النبوية فكيف يعد إماما ذكرا بل إمامكم والله من جملة النساء اه وحكى أيضا في ترجمة الشيخ أبي محمد عبد الله الورياكلي الذي قال له العلامة ابن مرزوق وقد عزم على الرحلة إلى بلاد المشرق في طلب العلم ليس أمامك أحد أعلم منك قال فرجع من هنالك فوجد النصارى قد تغلبوا على طنجة وآصيلا فلازم الثغور الهبطية لأجل الرباط والجهاد في سبيل الله وبث العلم ونشره قال وكان من عادته أن يشتغل بالتدريس في فصلي الشتاء والربيع ويخرج في الصيف والخريف فيربط في ثغور القبائل الهبطية إلى آخر كلامه وأمثال هذا كثير ذكرنا منه هذه النبذة اليسيرة لتقف بها على أحوال القوم وما كانوا عليه من الرغبة في الجهاد والمثابرة عليه قدس الله أرواحهم وجعل في دار النعيم غدوهم ورواحهم وقد آن أن نشرع في الأخبار عن دولة بني وطاس بعد أن نذكر دولة الشريف العمراني الذي بايعه أهل فاس يوم مقتل السلطان عبد الحق بن أبي سعد رحمه الله

الخبر عن دولة الشريف أبي عبد الله الحفيد وأوليته

هذا الشريف هو أبو عبد الله محمد بن علي الإدريسي الجوطي العمراني من بيت بني عمران فرقة من أدارسة فاس وهم واسطة عقد البيت الإدريسي وأوضحهم نسبا وأعلاهم حسبا قال ابن خلدون ليس في المغرب فيما نعلمه من أهل البيت الكريم من يبلغ في صراحة نسبه ووضوحه مبلغ أعقاب إدريس رضي الله عنه قال وكبراؤهم لهذا العهد بنو عمران بفاس من ولد يحيى الجوطي بن محمد بن يحيى العدام بن القاسم بن إدريس بن إدريس وهم نقباء أهل البيت هناك والساكنون ببيت جدهم إدريس ولهم السيادة على أهل المغرب كافة اه والجوطي قال في المرآة نسبة إلى جوطة بجيم مضموم وواو مد وطاء مفتوحة وهاء تأنيث وهي قرية عظيمة على نهر سبو في العدوة الجنوبية خربت ولم يبق منها إلا أثار ولها مسيل شتوي يعرف بمخروط جوطة نزلها السيد يحيى فنسب إليها وقبره هنالك معروف اه

بيعة السلطان أبي عبد الله الحفيد والسبب فيها

كان بنو مرين أيام ولايتهم على المغرب يعظمون هؤلاء الأشراف الأدارسة ويوجبون حقهم ويتقربون إلى الله تعالى برفع منزلتهم وجبر خواطرهم لما فاتهم من رتبة الخلافة التي كانت تكون لهم بطريق الاستحقاق الشرعي فكان بنو مرين لما جبلوا عليه من الجنوح إلى مراسم الدين وانتحالها يرون في أنفسهم كأنهم متغلبون مع وجود هؤلاء الأشراف فلذا كانوا يخضعون لهم ويتأدبون معهم ما أمكن ولقد حكى أبو عبد الله بن الأزرق أن الشيخ الكبير أبا عبد الله المقري كان يحضر مجلس السلطان أبا عنان ليث العلم وكان نقيب الشرفاء بفاس إذا دخل مجلس السلطان يقوم له السلطان وجميع من في المجلس إجلالا له إلا الشيخ المقري فإنه كان لا يقوم له فجرت بين الشريف والفقيه المذكور معاتبة ومراجعة في حكاية مشهورة تركناها لعدم تعلق الغرض بها إذ الغرض هو الوقوف على ما كان عليه القوم من التجلة والتعظيم لأهل هذا البيت الكريم فلما اضطربت أحوال الدولة المرينية بفاس واجتمع رؤساء فاس إلى الفقيه أبي فارس الورياكلي في شأن اليهوديين اللذين كانا يحتكمان في المدينة ويعتسفان أهلها أجمع رأيهم على مبايعة هذا الشريف الحفيد وكان يومئذ على نقابة الأشراف بفاس فاستدعوه فحضر وبايعوه في العشر الأواخر من رمضان سنة تسع وستين وثمانمائة وتم أمره وكان من قتله للسلطان عبد الحق ما تقدم ذكره والله أعلم

فتنة الشاوية ووصولهم إلى بلاد الغرب

قد قدمنا ما كان من أمر الشاوية وفتنتهم في أيام السلطان عبد الحق ولما كانت أيام الحفيد هذا تزايد ضررهم واستطال شرهم فزحفوا إلى بلاد الغرب من أحواز مكناسة وفاس وعاثوا وأفسدوا ولما تكلم أبو عبد الله محمد العربي الفاسي في مرآة المحاسن على الشيخ عبد الوارث اليالصوتي وأنه أخذ من جماعة منهم أبو النجاء سالم الروداني الشاوي والشيخ أبو عبد الله الصغير السهلي والشيخ أبو محمد الغزواني قال وكان الشيخ أبو النجاء أولا يقرأ بالمدرسة العنانية فلما نزل الشاوية الغرب خرج من فاس خائفا يترقب وذلك في أيام الحفيد اه وبلاد الغرب تطلق في عرف أهله على خصوص بسيط أزغار وما اتصل به إلى ساحل البحر والله أعلم

استيلاء البرتغال على مدينة آنفي وآصيلا

رأيت في بعض تواريخ الفرنج أن استيلاء البرتغال على آنفي كان في حدود أربع وسبعين وثمانمائة وأنهم هدموها وبقيت كذلك مدة تزيد على أربعين سنة ثم شرعوا في تحصينها والبناء بها ولم يزالوا مقيمين بها إلى حدود أربع وخمسين ومائة وألف في سنة ست وسبعين وثمانمائة استولوا على آصيلا وظفروا فيها ببيت مال الوطاسي وأسروا ولده محمدا المدعو بالبرتغالي وابنته وزوجتيه وجماعة من الأعيان وكان الخطب عظيما وبقي ولد الوطاسي عند البرتغال سبع سنين ثم افتكه والده بعد وكان يوم أسر صبيا صغيرا وأما مدينة فضالة فلم يقع عليها استيلاء وإنما كانت بها كمبانية خمسة نفر من تجار مادريد قاعدة قشتالة نزلوها بقصد التجارة بإذن سلطان الوقت وكانت سلعهم توسق وتوضع من مرساها وبنوا بها البناء الموجود اليوم والله تعالى أعلم

خلع السلطان أبي عبد الله الحفيد وانقراض أمره

قال في الجذوة لما قامت عامة فاس على السلطان عبد الحق وأقاموا هذا النقيب من أهل مدينة فاس إماما استمر بها وابنه وزير له إلى سنة خمس وسبعين وثمانمائة فعزل عن الإمامة وكان الذي خلعه أبا الحجاج يوسف بن منصور بن زيان الوطاسي وكان ذلك سبب ذهاب الشريف المذكور إلى تونس لمدة يسيرة من خلعه وبقيت حضرة فاس الجديد في يد أخت أبي الحجاج المذكور وهي الزهراء المدعوة بزهور مع قائده السجيري إلى أن تولى الأمر أبو عبد الله محمد الشيخ الوطاسي والله غالب على أمره

الخبر عن دولة بني وطاس وذكر نسبهم وأوليتهم

اعلم أن بني وطاس فرقة من بني مرين غير أنهم ليسوا من بني عبد الحق ولما دخل بنو مرين المغرب واقتسموا أعماله حسبما تقدم كان لبني وطاس هؤلاء بلاد الريف فكانت ضواحيها لنزولهم وأمصارها ورعاياها لجبايتهم وكان بنو الوزير منهم يسمون إلى الرياسة ويروسون الخروج على بني عبد الحق وقد تكرر ذلك منهم حسبما مر ثم أذعنوا إلى الطاعة وراضوا أنفسهم على الخدمة فاستعملهم بنو عبد الحق في وجوه الولايات والأعمال واستظهروا بهم على أمور دولتهم فحسن أثرهم لديها وتعدد الوزراء منهم فيها وذكر ابن خلدون أن بني الوزير هؤلاء يرون أن نسبهم دخيل في بني مرين وأنهم من أعقاب يوسف بن تاشفين اللمتوني لحقوا بالبدو ونزلوا على بني وطاس ووشجت فيهم عروقهم حتى لبسوا جلدتهم ولم يزل السرو متربعا بين أعينهم لذلك والرياسة شامخة بأنوفهم اه ولما كانت دولة السلطان أبي عنان واستولى على بجابة عقد عليها لعمر بن علي الوطاسي من بني الوزير هؤلاء فثار عليه أهلها واستلحموه في خبر مر التنبيه عليه ثم لما كانت الدولة الأولى للسلطان أبي العباس بن أبي سالم وخلص ملك مراكش وأعمالها إلى ابن عمه الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن كان من جملة من تحيز إليه وصار في جملته زيان بن عمر بن علي المذكور فكانت له في دولته الوجاهة الكبيرة والمنزلة الرفيعة ثم لما فسد ما بين السلطان أبي العباس والأمير عبد الرحمن كان زيان بن عمر في جملة النازعين إلى السلطان أبي العباس فاتصل به وصار في جملته إلى أن حاصر السلطان أبو العباس قصبة مراكش وبها يومئذ الأمير عبد الرحمن فأبلى زيان بن عمر في ذلك الحصار وكان أحد الذين باشروا قتل ولدي الأمير عبد الرحمن قال ابن خلدون وطالما كان زيان هذا يمتري ثدي نعمتهم ويجر ذيله خيلاء في جاههم فذهب مثلا في كفران النعمة وسوء الجزاء والله لا يظلم مثقال ذرة ثم جاء بعده ابنه أبو زكرياء يحيى بن زيان فولي الوزارة للسلطان عبد الحق كما مر ثم بعده ابنه يحيى أيضا وهو الذي قتله السلطان عبد الحق في جماعة من عشيرته وفر أخوه أبو عبد الله محمد الشيخ إلى الصحراء وبقي متنقلا في البلاد إلى أن كان من أمره ما نذكره

الخبر عن دولة السلطان أبي عبد الله محمد الشيخ بن أبي زكرياء الوطاسي رحمه الله

قد تقدم لنا ما كان من إيقاع السلطان عبد الحق ببني وطاس وإفلات محمد الشيخ ومحمد الحلو من النكبة وأن الشيخ كان قد خرج للصيد فاتصل به الخبر فذهب على وجهه لا يلوي على شيء وأن الحلو اختفى حتى إذا سكنت الهيعة تسلل ولحق بالشيخ فسارا إلى جهة الصحراء وجعلا يترددان فيما بينها وبين البلاد الهبطية حتى ملكا آصيلا وذلك قبل استيلاء البرتغال عليها ولما ملك الشيخ آصيلا واستفحل أمره بها تشوفت إليه الأعيان من أهل فاس والرؤساء من أهل دولة السلطان عبد الحق وصاروا يكاتبونه ويقدمون إليه الوسائل سرا وربما دعوه إلى القدوم على أن يبذلوا له من الطاعة والنصرة ما شاء فاستمر الحال على ذلك إلى أن قتل عبد الحق وبويع الحفيد فحينئذ أرهف الشيخ حده واستفرغ في المطالبة جهده إلى أن استولى على الحضرة وصفا له ملك المغرب قال في المرآة لما بايع أهل فاس أبا عبد الله الحفيد قام محمد الشيخ الوطاسي في آصيلا واستتبع القبائل واستفحل أمره وحاصر فاسا وقتا بعد وقت إلى أن دخلت في طاعته في رمضان سنة ست وسبعين وثمانمائة وخرج عنها الحفيد ودخلها محمد الشيخ المذكور في أوائل شوال من السنة المذكورة وهو مورث الملك لبنيه بها اه وقد تقدم لنا أن الذي خلع الشريف من الملك هو أبو الحجاج يوسف بن منصور الوطاسي وأن حضرة فاس الجديد قد بقيت بعد ذهاب الشريف إلى تونس في يد زهور الوطاسية والقائد السجيري إلى أن قدم السلطان محمد الشيخ والله تعالى أعلم وقال منويل في أخبار محمد الشيخ هذا ما صورته كانت مملكة المغرب الأقصى في غاية الاضطراب والانتكاس حتى طمع في ملكها كل من كانت توسوس له نفسه بذلك واستولى ابن الأحمر على جميع الثغور التي كانت لبني مرين بأرض الأندلس ولم يترك لهم قيد شبر واشرأبت أجناس الفرنج للتغلب على المغرب وفي تلك المدة كان بآصيلا محمد الشيخ الوطاسي وكان شجاعا مقداما وأحس من نفسه بالقدرة على الاستيلاء على كرسي فاس وتنحية الشريف عنه لا سيما مع ما كان الناس فيه من افتراق الكلمة فجمع جندا صالحها وزحف إلى فاس فبرز إليه الشريف والتقوا بأحواز مكناسة فوقعت بينهما حرب عظيمة كانت الكرة فيها على الوطاسي ثم جمع عسكرا آخر وزحف به إلى فاس وحاصرها نحو سنتين والشريف فيها مع أرباب دولته وفي أثناء الحصار ورد عليه الخبر باستيلاء البرتغال على آصيلا وعلى بيت ماله الذي كان بها وعلى حظاياه وأولاده فأفرج عن فاس ورجع مبادرا إلى آصيلا فحاصرها ولما امتنعت عليه عقد مع البرتغال هدنة وعاد سريعا إلى فاس فحاصرها وضيق على الشريف بها حتى خرج فارا بنفسه وأسلمها إليه فدخلها محمد ا لشيخ وتمت بيعته وتفرغ لتدويخ القبائل التي بأحواز فاس وغيرها فدخلوا في طاعته واغتبطوا به اه كلامه

رياسة بني راشد من شرفاء العالم بغمارة وبناؤهم مدينة شفشاون وما يتبع ذلك

قال في نشر المثاني اختط بعض شرفاء العلم مدينة شفشاون بقصد تحصين المسلمين من نصارى سبتة إذ كانوا بعد استيلائهم عليها يتطاولون على أهل تلك المداشر في أواخر دولة بني وطاس وقال في المرآة كان ابتداء اختطاط مدينة شفشاون في الجهة المعروفة عندهم بالعدوة وهي عدوة وادي شفشاون في حدود سنة ست وسبعين وثمانمائة على يد الشريف الفقيه الصالح الناصح المجاهد أبي الحسن بن أبي محمد المعروف بأبي جمعة العلمي واسمه الحسن بن محمد ابن الحسن بن عثمان بن سعيد بن عبد الوهاب بن علال بن القطب أبي محمد عبد السلام بن مشيش ومات شهيدا قبل إتمام ما شرع فيه بتدبير النصارى دمرهم الله مع أهل النفاق إذ ذاك من أهل الخروب وقد جاءهم في سبيل الجهاد وبينما هو يتهجد من الليل في مسجد هنالك إذ أضرموا عليه نارا فمات رضوان الله عليه وقام مقامه فيما كان بسبيله من الجهاد والاستنفار له وتجييش الجيوش ابن عمه الأمير الجليل الفاضل الأصيل أبو الحسن علي بن موسى بن راشد بن علي بن سعيد بن عبد الوهاب إلى آخر النسب المتقدم فشرع في اختطاط مدينة شفشاون في العدوة الأخرى فبنى قصبتها وشيدها وأوطنها بأهله وعشيرته وزل الناس بها فبنوا وصارت في عداد المدن إلى أن توفي سنة سبع عشرة وتسعمائة وورثها بنوه من بعده ولم يزالوا فيها بين سلم وحرب إلى أن أخرجهم منها الشرفاء السعديون عند استيلائهم على بلاد المغرب والله تعالى أعلم

ثورة عمرو بن سليمان السياف ببلاد السوس وشيء من أخباره

هذا الرجل هو عمرو بن سليمان الشيظمي المغيطي المعروف بالسياف ويقال له المريدي بضم الميم وكان ابتداء أمره أنه كان من تلامذة الشيخ أبي عبد الله محمد بن سليمان الجزولي صاحب دلائل الخيرات نقل الثقات أنه كان يتردد إلى الشيخ المذكور أيام حياته ويأتيه بألواح فيها كلام كثير منسوب إلى الخضر عليه السلام فلا يقول له في ذلك شيئا غير انه أثنى عليه مرات كثيرة ثم لما مات الشيخ المذكور رحمه الله سنة سبعين وثمانمائة ثار عمرو المذكور مظهرا الطلب بثأر الشيخ والانتقام من الذين سموه إذ كان سمه بعض فقهاء عصره فتتبعهم حتى قتلهم ثم صار يدعو الناس إلى إقامة الصلاة ويقاتلهم عليها فانتصر عليهم وشاع ذكره وتمكن ناموسه ثم تجاوز ذلك إلى أن صار يدعو الناس إلى نفسه ويقتل المنكرين عليه وعلى شيخه وأصحابه وسمى أصحابه المريدين بضم الميم قال زروق وما أحقها بالفتح وسمى المخالفين له الجاحدين ثم جعل يتفوه بالمغيبات ويزعم أنه مأذون وربما ادعى النبوة وكان قد أخرج شلو الشيخ الجزولي من قبره وجعله في تابوت وصار يقدمه بين يديه في حروبه كتابوت بني إسرائيل فينتصر على من خالفه وقيل إنه لم يدفنه وإنما أخذه بعد موته فكفنه وجعله في التابوت وجمع الجموع وقاد الجيوش وسفك الدماء واستمرت فتنة في الناس عشرين سنة قال الشيخ زروق رحمه الله بلغني أن شيخنا الفقيه أبا عبد الله القوري ورد عليه سؤال في شأن عمرو بن سليمان السياف فبادرت إليه كي أراه فقال لي قد خرج من يدي فقلت له فما مقتضاه قال مقتضاه أنه يقول إن أحكام الكتاب والسنة ارتفعت ولم يبق إلا ما يقول له قلبه قال زروق وشاع من أمره أنه يقول إنه وارث النبوة وأن له أحكاما تخصه كما في قصة الخضر مع موسى عليهما السلام وأن الخضر حي ونبي مرسل وأنه يلقاه ويأخذ عنه بل يدعي ذلك من هو دونه من تلامذته وحكى بعضهم أن عمرا المذكور لما جعل شلو الشيخ في التابوت كان إذا رجع به من حربه وضعه في روضة عنده يسميها الرباط فإذا جنه الليل أطاف الحرس بالروضة يحرسون التابوت من السراق ويوقد عليه كل ليلة فتيلة عظيمة في مقدار الثوب مغموسة في نحو مدين من الزيت ليقوى الضوء وينتشر ويبلغ من كل الجهات إلى مسافة بعيدة فتنكشف الطرق عمن يأتي عليها كل ذلك مخافة أن يؤخذ منه شلو الشيخ فينتصر به عليه ويقال إن ثورة عمرو المذكورة وفتنته كانت أثرا من آثار دعوات الشيخ الجزولي رحمه الله فقد ذكر تلامذته كالشيخ التباع وغيره أن الشيخ الجزولي خرج عليهم من آخر الليلة التي قتل في صبيحتها فقالوا له يا سيدي الناس يزعمون أنك الفاطمي المنتظر فقال ما يبحثون إلا عمن يقطع رقابهم الله يسلط عليهم من يقطع رقابهم وكرر ذلك مرارا فكانوا يرون أن أثر دعوته ظهر في عمرو السياف والله أعلم وقتل عمرو المذكور سنة تسعين وثمانمائة واختلف فيمن قتله فقيل كان عمرو قد تزوج زوجة الشيخ الجزولي وبنته فلما رأتا ما هو عليه من الزندقة والفساد في الأرض قتلتاه امتعاضا للدين ترصدتاه حتى إذا نام عدتا عليه فقتلتاه ثم رمت إحداهما وهي بنت الشيخ بنفسها من كوة هنالك في البيت الذي كانوا به فوصلت إلى الأرض سالمة ونجت وبقيت الأخرى وهي الزوجة بالبيت فدخلوا عليها فقتلوها وقيل إنما قتلته زوجته وربيبته وقيل غير ذلك والله أعلم ولما هلك عمرو السياف دفن الناس الشيخ الجزولي وقيل هو دفنه بموضع يعرف بتاصروت ثم نقل بعد إلى مراكش على ما نذكر إنشاء الله ولما ذكر الشيخ أبو العباس الصومعي في كتابه الموضوع في مناقب الشيخ أبي يعزى قصة نقل الشيخ الجزولي إلى مراكش وأنه وجد طريا لم يتغير بعد وفاته بنحو سبعين سنة قال وأعجب من هذا أن عمرا المغيطي السياف زعموا أنه وجد كذلك ولعله أدركته بركة هذا الشيخ مع ما كان عليه والفضل بيد الله اه وفي سنة إحدى وتسعين وثمانمائة استدعى السلطان محمد الشيخ الإمام أبا عبد الله بن غازي من مكناسة إلى فاس فولي الخطابة أولا بالمسجد الجامع من فاس الجديد ثم ولي الإمامة والخطابة ثانيا بمسجد القرويين من فاس وصار شيخ الجماعة بها واستوطنها إلى أن مات رحمه الله وفي سنة خمس وتسعين وثمانمائة تحرك السلطان محمد الشيخ إلى دبدو ثم عاد إلى حضرته وفيها أيضا في يوم الخميس السابع من ذي القعدة توفي الوزير أبو عبد الله محمد الحلو الوطاسي ودفن بالقلة خارج باب الحبيسة وفي سنة سبع وتسعين وثمانمائة استولت الرينة إيسابيلا صاحبة مادريد قاعدة بلاد قشتالة على حمراء غرناطة ومحت دولة بني الأحمر من جزيرة الأندلس ولم يبق للمسلمين بها سلطان وتفرق أهلها في بلاد المغرب وغيرها أيادي سبا وقد تقدم الخبر عن ذلك مستوفى

بناء مدينة تطاوين

قال منويل لما استولى الإصبنيول على غرناطة خرج جماعة كبيرة من أهلها إلى المغرب فنزلوا في مرتيل قرب تطاوين ولما نزلوا به لم يقدموا شيئا على الوفادة على سلطان فاس محمد الشيخ الوطاسي فأجل مقدمهم ورحب بهم فقالوا إن ضيافتنا عندك أن تعين لنا موضعا نبني فيه بلدا يكننا ونحفظ فيه عيالنا من أهل الريف فأجابهم إلى مرادهم وعين لهم مدينة تطاوين الخربة منذ تسعين سنة وولى عليهم كبيرهم أبا الحسن عليا المنظري وكان رجلا شجاعا من كبار جند ابن الأحمر وكان قد أبلى معه في حرب غرناطة البلاء الحسن ثم انتقل إلى المغرب كما قلنا ولما عقد له الشيخ الوطاسي على أصحابه رجع بهم إلى تطاوين وشرع في بناء أسوار البلد القديم فجدده وبنى المسجد الجامع به واستوطنه هو وجماعته ثم أخذ في جهاد البرتغال بسبتة وبلاد الهبط إلى أن أسر منهم ثلاثة آلاف فاستخدمهم في إتمام ما بقي عليه من بناء تطاوين واتصلت الحرب بينهم وبين برتقال سبتة كاتصالها بين أهل آزمور وبرتقال الجديدة اه وقوله إن بناء تطاوين كان عقب أخذ غرناطة مخالف لما يقول أهل تطاوين من أن تاريخ بنائها رمز تفاحة وأن ذلك كان بإعانة الشريف أبي الحسن علي بن راشد فيظهر والله أعلم أن أبا الحسن المنظري كان قد قدم من الأندلس قبل أخذ غرناطة بسنين يسيرة موافق الرمز المذكور والله أعلم

قدوم أبي عبد الله بن الأحمر مخلوعا على السلطان محمد الشيخ الوطاسي رحمهما الله

لما استولى طاغية الإصبنيول على حضرة غرناطة وسائر الأندلس انتقل سلطانها أبو عبد الله بن الأحمر إلى حضرة فاس فاستوطنها تحت كنف السلطان محمد الشيخ بعد أن خاطبه من إنشاء وزيره أبي عبد الله محمد العربي العقيلي بقصيدة بارعة يقول في صدرها ( مولى الملوك ملوك العرب والعجم % رعيا لما مثله يرعى من الذمم ) ( بك استجرنا ونعم الجار أنت لمن % جار الزمان عليه جور منتقم ) ( حتى غدا ملكه بالرغم مستلبا % وأفظع الخطب ما يأتي على الرغم ) ( حكم من الله حتم لا مرد له % وهل مردا لحكم منه منحتم ) وهي طويلة ثم وصلها برسالة يقول فيها بعد الحمد لله والصلاة على نبيه ما نصه أما بعد فيا مولانا الذي أولانا من النعم ما أولانا لا حط الله لكم من العزة أرواقا ولا أذوى لدوحة دولتكم أغصانا ولا أوراقا ولا زالت مخضرة العود مبتسمة عن زهرات البشائر متحفة بثمرات السعود ممطورة بسحائب البركات المتداركات دون بروق ولا رعود هذا مقام العائذ بمقامكم المتعلق بأسباب ذمامكم المرتجي لعواطف قلوبكم وعوارف أنعامكم المقبل الأرض تحت أقدامكم المتلجلج اللسان عند محاولة مفاتحة كلامكم وماذا الذي يقول من وجهه خجل وفؤاد وجل وقضيته المقضية عن التنصل والاعتذار تجل بيد أني أقول لكم ما أقول لربي واجترائي عليه أكثر واحترامي إليه أكبر اللهم لا بريء فاعتذر ولا قوي فأنتصر لكني مستقيل مستعتب مستغفر وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء هذا على طريق التنازل والاتصاف بما تقتضيه الحال ممن يتحيز إلى حيز الإنصاف وأما على جهة التحقيق فأقول ما قالته الأم ابنة الصديق والله إني لأعلم أني إن أقررت بما يقوله الناس والله يعلم أني منه بريئة لا قول ما لم يكن ولئن أنكرت ما تقولون لا تصدقوني فأقول ما قاله أبو يوسف فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون على أني لا أنكر عيوبي فأنا معدن العيوب ولا أجحد ذنوبي فأنا جبل الذنوب إلى الله أشكو عجري وبجري وسقطاتي وغلطاتي نعم كل شيء ولا ما يقوله المتقول المشنع المهول الناطق بفم الشيطان المسول ومن أمثالهم سبني واصدق ولا تفتر ولا تخلق أفمثلي كان يفعل أمثالها ويحتمل من الأوزار المضاعفة أحمالها ويهلك نفسه ويحبط أعمالها عياذا بالله من خسران الدين وإيثار الجاحدين والمعتدين @QB@ قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين @QE@ وايم الله لو علمت شعرة في فودي تميل إلى تلك الجهة لقطعتها بل لقطفت ما تحت عمامتي من هامتي وقطفتها غير أن الرعاع في كل أوان أعداء للملك وعليه أحزاب وأعوان كان أحمق أو أجهل من أبي ثروان أو أعقل أو أعلم من أشج بني مروان رب متهم بريء ومسربل بسربال وهو منه عري وفي الأحاديث صحيح وسقيم ومن التراكيب المنطقية منتج وعقيم ولكن ثم ميزان عقل تعتبر به أوزان النقل وعلى الراجح الاعتماد ثم إساغة الأحماد المتصل المتماد وللمرجوح الإطراح ثم التزام الصراح بعد النفض من الراح وأكثر ما تسمعه الكذب وطبع جمهور الخلق إلا من عصمه الله تعالى إليه منجذب ولقد قذفنا من الأباطيل بأحجار ورمينا بما لا يرمى به الكفار فضلا عن الفجار وجرى من الأمر المنقول على لسان زيد وعمرو ما لديكم منه حفظ الجار وإذا عظم الإلكاء فعلى تكأة التجلد والاتكاء أكثر المكثرون وجهد في تعثيرنا المتعثرون ورمونا عن قوس واحدة ونظمونا في سلك الملاحدة أكفرا أيضا كفرا غفرا اللهم غفرا أعد نظرا يا عبد قيس فليس الأمر على ما خيل لك ليس وهل زدنا على أن طلبنا حقنا ممن رام محقه ومحقنا فطاردنا في سبيله عداة كانوا لنا غائظين فانفتق علينا فتق لم يمكنا له رتق @QB@ وما كنا للغيب حافظين @QE@ وبعد فاسأل أهل الحل والعقد والتمييز والنقد فعند جهينتهم تلقى الخبر يقينا وقد رضينا بحكمهم يوثمنا فيوبقنا أو يبرئنا فيقينا إيه يا من اشرأب إلى ملامنا وقدح حتى في إسلامنا رويدا رويدا فقد وجدت قوة وأيدا ويحك إنما طال لسانك علينا وامتد بالسوء إلينا لأن الزمان لنا مصغر ولك مكبر والأمر عليك مقبل وعنا مدبر كما قاله كاتب الحجاج المتبر وعلى الجملة فهنا صرنا إلى تسليم مقالك جدلا وذهبنا فأقررنا بالخطأ في كل ورد وصدر فلله در القائل إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر وكأنا بمعتسف إذا وصل إلى هنا وعدم إنصافا يعلمه الهنا قد أزور متجانفا ثم أفتر متهانفا وجعل يتمثل بقولهم إذا عيروا قالوا مقادير قدرت وبقولهم المرء يعجزه المحال فيعارض الحق بالباطل والحالي بالعاطل وينزع بقول القائل رب مسمع هائل وليس تحته طائل وقد فرغنا أول أمس من جوابه وتركنا الضغن يلصق حرارة الجوى به وسنلم الآن بما يوسعه تبكيتا ويقطعه تسكيتا فنقول له ناشدناك الله تعالى هل اتفق لك قط وعرض خروج أمر ما عن القصد منك فيه والغرض مع اجتهادك أثناءه في إصدارك وإيرادك في وقوعه على وفق اقتراحك ومرادك أو جميع ما تزاوله بإدارتك لا يقع إلا مطابقا لإرادتك أو كل ما تقصده وتنويه تحرزه كما تشاء وتحويه فلا بد أن يقر اضطرارا بأن مطلوبه يشذ عنه مرارا بل كثيرا ما يفلت صيده من أشراكه ويطلبه فيعجز عن إدراكه فنقول ومسألتنا من هذا القبيل أيها النبيه النبيل ثم نسرد له من الأحاديث النبوية ما شئنا مما يسايرنا في غرضنا منه ويماشينا كقوله صلى الله عليه وسلم ( كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس ) وقوله أيضا ( لو اجتمع أهل السموات والأرض على أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يقضه الله عليك لم يقدروا عليه ) أو كما قال صلى الله عليه وسلم فأخلق به أن يلوذ بأكناف الأحجام ويزم على نفث فيه كأنما الجم بلجام حينئذ نقول له والحق قد أبان وجهه وجلاه وقهره بحجته وعلاه ( ليس لك من الأمر شيئا ) ( قل إن الأمر كله لله ) وفي محاجة آدم وموسى ما يقطع لسان الخصم ويرخص عن أثواب أعراضنا ما عسى أن يعلق بها من دون الوصم وكيفما كانت الحال وإن ساء الرأي والانتحال ووقعنا في أوجال وأوحال فثل عرشنا وطويت فرشنا ونكس لوانا ومللت مثوانا فنحن أمثل من سوانا وما في الشر خيار ويد الألطاف تكسر من صولة الأغيار فحتى الآن لم نفقد من اللطيف تعالى لطفا ولا عدمنا أدوات أدعية تعطف بلا مهلة على جملتنا المقطوعة جمل النعم الموصولة عطفا وإلا فتلك بغداد دار السلام ومتبوأ الإسلام المحفوف بفرسان السيوف والأقلام مثابة الخلافة العباسية ومقر العلماء والفضلاء أولي السير الأويسية والعقول الأياسية قد نوزلت بالجيوش ونزلت وزوزلت بالزحوف وزلزلت وتحيف جوانبها الحيف ودخلها كفار التتار عنوة بالسيف ولا تسل إذ ذاك عن كيف أيام تجلت عروس المنية كاشفة عن ساقها مبدية وجرت الدماء في الشوارع والطرق كالأنهار والأودية وقيد الأئمة والقضاة تحت ظلال السيوف المنتضاة بالعمائم في رقابهم والأردية وللنجيع سيول تخوضها الخيول فتخضبها إلى أرساغها وتهم ظماؤها بوردها فتنكل عن تجرعها ومساغها فطاح عاصمها ومستعصمها وراح ولم يغد ظالمها ومتظلمها وخربت مساجدها وديارها واصطلم بالحسام أشرارها وخيارها فلم يبق من جمهور أهلها عين تطرف حسبما عرفت أو حسبما تعرف فلاتك متشككا متوقفا فحديث تلك الواقعة الشنعاء أشهر عند المؤرخين من قفا فأين تلك الجحافل والآراء المدارة في المحافل حين أراد الله تعالى بإدالة الكفر لم تجد ولا قلامة ظفر إذن من سلمت له نفسه التي هي رأس ماله وعياله وأطفاله اللذان هما من أعظم آماله وكل أوجل أو قل رياشه وأسباب معاشه الكفيلة بانتهاضه وانتعاشه ثم وجد مع ذلك سبيلا إلى الخلاص في حال مياسرة ومساهلة دون تعصب واعتياص بعد ما ظن كل الظن أن لا محيد ولا مناص فما أحقه حينئذ وأولاه أن يحمد خالقه ورازقه ومولاه على ما أسداه إليه من رفده وخيره ومعافاته مما ابتلي به كثير من غيره ويرضى بكل إيراد وإصدار تتصرف فيهما الأحكام الإلهية والأقدار فالدهر غدار والدنيا دار مشحونة بالأكدار والقضاء لا يرد ولا يصد ولا يغالب ولا يطالب والدائرات تدور ولا بد من نقص وكمال للبدور والعبد مطيع لا مطاع وليس يطاع إلا المستطاع وللخالق القدير جلت قدرته في خليقته علم غيب للأذهان عن مداه انقطاع ومالي والتكلف لما لا أحتاج إليه من هذا القول بين يدي ذي الجلالة والمجادة والفضل والطول فله من العقل الأرجح ومن الخلق الأسجح ما لا تلتاط معه تهمتي بصفره ولا تنفق عنده وشاية الواشي لا عد من نفره ولا فاز قدحه بظفره والمولى يعلم أن الدنيا تلعب باللاعب وتجر براحتها إلى المتاعب وقديما للأكياس من الناس خدعت وانحرفت عن وصالهم أعقل ما كانوا وقطعت وفعلت بهم ما فعلت بيسار الكواعب الذي جبت وجدعت ولئن رهصت وهصرت فقد نبهت وبصرت ولئن قرعت ومعضت ولقد أرشدت ووعظت ويا ويلنا من تنكرها لنا بمرة ورميها لنا في غمرة أي غمرة أيام قلبت لنا ظهر المجن وغيم أفقها المصمي وأدجن فسرعان ما عاينا حبالها منبته ورأينا منها ما لم نحتسب كما تقوم الساعة بغته فمن استعاذ من شيء فليستعذ مما صرنا إليه من الحور بعد الكور والانحطاط من النجد إلى الغور ( فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا % إذا نحن فيهم سوقة نتنصف ) ( فتبا لدينا لا يدوم نعيمها % تقلب تارات بنا وتصرف ) وأبيها لقد أرهقتنا إرهاقا وجرعتنا من صاب الأوصاب كأسا دهاقا ولم نفزع إلى غير بابكم المنيع الجناب المنفتح حين سدت الأبواب ولم نلبس غير لباس نعمائكم وحين خلعنا ما ألبسنا الملك من الأثواب وإلى أمه يلجأ الطفل لجأ اللهفان وعند الشدائد تمتاز السيوف من الأجفان ووجه الله تعالى يبقى وكل من عليها فان وإلى هنا ينتهي القائل ثم يقول حسبي هذا وكفان ولا ريب في اشتمال العلم الكريم على ما تعارفته الملوك بينها في الحديث والقديم من الأخذ باليد عند زلة القدم وقرع الإنسان وعض البنان من الندم دينا تدينته مع اختلاف الأديان وعادة أطردت على تعاقب الأزمان والأحيان ولقد عرض علينا صاحب قشتالة مواضع معتبرة خير فيها وأعطى من أمانة المؤكد فيه خطه بأيمانه ما يقنع النفوس ويكفيها فلم نر ونحن من سلالة الأحمر مجاورة الصفر ولا سوغ لنا الإيمان الإقامة بين ظهراني الكفر ما وجدنا عن ذلك مندوحة ولو شاسعة وأمنا المطالب المشاغب حمة شر لنا لا سعة وادكرنا أي ادكار قول الله تعالى المنكر لذلك غاية الإنكار @QB@ ألم تكن أرض الله واسعة @QE@ وقول الرسول صلى الله عليه وسلم المبالغ في ذلك بأبلغ الكلام ( أنا بريء من مؤمن مع كافر تتراءى ناراهما ) وقول الشاعر الحاث على حث المطية المتثاقلة عن السير في طريق منجاتها البطية ( وما أنا والتلذذ نحو نجد % وقد غصت تهامة بالرجال ) ووصلت أيضا من الشرق إلينا كتب كريمة المقاصد لدينا تستدعي الانحياز إلى تلك الجنبات وتتضمن مالا مزيد عليه من الرغبات فلم نختر إلا دارنا التي كانت دار آبائنا من قبلنا ولم نرتض الانضواء إلا لمن بحبله وصل حبلنا وبريش نبله ريش نبلنا إدلالا على محل إخاء متوارث لا عن كلالة وامتثالا لوصاة أجداد لا نظارهم وأقدارهم أصالة وجلالة إذ قد روينا عن سلف من أسلافنا في الإيصاء لمن يخلف بعدهم من أخلافنا أن لا يبتغوا إذا دهمهم أمر بالحضرة المرينية بدلا ولا يجدوا عن طريقها في التوجه إلى فريقها معدلا فاخترقنا إلى الرياض الأريضة الفجاج وركبنا إلى البحر الفرات ظهر البحر الأجاج فلا غرو أن نرد منه على ما يقر العين ويشفي النفس الشاكية من ألم البين ومن توصل هذا التوصل وتوسل بمثل ذلك التوسل تطارحا على سدة أمير المؤمنين المحارب للمحاربين والمؤمن للمستأمنين فهو الخليق الحقيق بأن يسوغ أصفى مشاربه ويبلغ أوفى مآربه على توالي الأيام والشهور والسنين ويخلص من الثبور إلى الحبور ويخرج من الظلمات إلى النور خروج الجنين ولعل شعاع سعادته يفيض علينا ونفحة قبول إقباله تسري إلينا فتخامرنا أريحية تحملنا على أن نبادر لإنشاد قول الشريف الرضي في الخليفة القادر ( عطفا أمير المؤمنين فإننا % في دوحة العلياء لا نتفرق ) ( ما بيننا يوم الفخار تفاوت % أبدا كلانا في المعالي معرق ) ( إلا الخلافة ميزتك فإنني % أنا عاطل منها وأنت مطوق ) لا بل الأحرى بنا والأحجى والأنجح لسعينا والأرجى أن نعدل عن هذا المنهاج ويقوم وافدنا بين يدي علاه مقام الخاضع المتواضع الضعيف المحتاج وينشد ما قال في الشيرازي ابن حجاج ( الناس يفدونك اضطرارا % منهم وأفديك باختياري ) ( وبعضهم في جوار بعض % وأنت حتى أموت جاري ) ( فعش لخبزي وعش لمائي % وعش لداري وأهل داري ) ونستوهب من الوهاب تعالى جلت أسماؤه وتعاظمت نعماؤه رحمة تجعل في يد الهداية أعنتنا وعصمة تكون في مواقف المخاوف جنتنا وقبولا يعطف علينا نوافر القلوب وصنعا يسني لنا كل مرغوب ومطلوب ونسأله وطالما بلغ السائل سؤلا ومأمولا متابا صادقا على موضوع الندم محمولا ثم عزاء حسنا وصبرا جميلا عن أرض أورثها من شاء من عباده معقبا لهم ومديلا وسادلا عليهم من ستور الإملاء الطويلة سدولا @QB@ سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا @QE@ فليطر طائر الوسواس المرفرف مطيرا @QB@ كان ذلك في الكتاب مسطورا @QE@ لم نستطع عن مورده صدورا @QB@ وكان أمر الله قدرا مقدورا @QE@ إلا وإن لله سبحانه في مقامكم العالي الذي أيده وأعانه سرا من النصر يترجم عنه لسان من النصل وترجع فروع البشائر الصادقة بالفتوحات المتلاحقة من قاعدته المتأصلة إلى أصل فبمثله يجب اللياد والعياذ ولشبهه يحق الالتجاء والارتجاء ولأمر ما آثرناه واخترناه بعد أن استرشدنا الله سبحانه واستخرناه ومنه جل جلاله نرغب أن يخير لنا ولجميع المسلمين ويأوب بنا من حمايته ووقايته إلى معقل منيع وجناب رفيع آمين آمين آمين ونرجو أن يكون ربنا الذي هو في جميع الأمور حسبنا قد خار لنا حيث أرشدنا وهدانا وساقنا توفيقه وحدانا إلى الاستجارة بملك حفي كريم وفي أعز جارا من أبي داود وأحمى أنفا من الحارث بن عباد ويشهد بذلك الداني والقاصي والحاضر والباد إن أغاث ملهوفا فما الأسود بن قنان يذكر وإن أنعش حشاشة هالك فما كعب بن مامة على فعله وحده يشكر جليسه كجليس القعقاع بن شور ومذاكره كمذاكر سفيان المنتسب من الرباب إلى ثور إلى التحلي بأمهات الفضائل التي أضدادها أمهات الرذائل وهي الثلاث الحكمة والعدل والعفة التي تشملها الثلاثة الأقوال والأفعال والشمائل وينشأ عنها ما شئت من عزم وحزم وعلم وحلم وتيقظ وتحفظ واتقاء وارتقاء وصول وطول وسماح نائل فبنور حلاه المشرق يفتخر المغرب على المشرق وبمجده السامي خطره في الأخطار وبيته الذي ذكره في النباهة والنجابة قد طار يباهي جميع ملوك الجهات والأقطار وكيف لا وهو الرفيع المنتمي والنجار الراضع من الطهارة صفو البان الناشئ من السراوة وسط أحجار في ضئضئ المجد وبحبوح الكرم وسرواة أسرة المملكة التي أكنافها حرم وذؤابة الشرف التي مجادتها لم ترم من معشر أي معشر بخلوا أن وهبوا ما دون أعمارهم وجبنوا إن لم يحموا سوى دمارهم بنو مرين وما أدراك ما بنو مرين سم العداة وآفة الجزر النازلون بكل معترك والطيبون معاقد الأزر لهم عن الهفوات انتفاء وعندهم من السير النبوية اكتفاء انتسبوا إلى بر بن قيس فخرجوا في البر عن القيس ما لهم القديم المعروف قد نفد في سبيل المعروف وحديثهم الذي نقلته رجال الزحوف من طريق القنا والسيوف على الحسن من المقاصد موقوف تحمد من صغيرهم وكبيرهم ذابلهم ولدنهم فلله آباء أنجبوهم وأمهات ولدنهم شم الأنوف من الطراز الأول إليهم في الشدائد والاستناد وعليهم في الأزمات المعول ولهم في الوفاء والصفاء والاحتفاء والعناية والحماية والرعاية الخطو الواسع والباع الأطول كأنما عناهم بقوله جرول ( أولئك قوم إن بنو أحسنوا البنا % وإن عاهدوا وفوا وإن عقدوا شدوا ) ( وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها % وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا ) ( وتعذلني أبناء سعد عليهم % وما قلت إلا بالذي علمت سعد ) وبقول الوثيق مبناه البليغ معناه ( قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم % شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا ) يزيحون عن النزيل كل نازح قاصم وليس له منهم عائب ولا واصم فهو أحق بما قاله في منقر قيس بن عاصم ( لا يفطنون لعيب جارهم % وهم لحفظ جوارهم فطن ) حلاهم هذه الغريزة التي ليست باستكراه ولا جعل وأمير المؤمنين دام نصره قسيمهم فيها حذو النعل بالنعل ثم هو عليهم وعلى من سواهم بالأوصاف الملوكية مستعل ارفض مزنهم منه عن غيث ملث يمحو آثار اللزبة وانشق عيلهم منه عن ليث ضار منقبض على براثنه للوثبة فقل لسكان الفلا لا تغرنكم أعدادكم وأمدادكم فلا يبالي السرحان المواشي سواء مشي إليها النقرا أو الجفلى بل يصدمهم صدمة تحطم منهم كل عرنين ثم يبتلع بعد أشلاءهم المعفرة ابتلاع التنين فهو هو كما عرفوه وعهدوه وألفوه وأخو المنايا وابن جلا وطلاع الثنايا مجتمع أشده قد احتنكت سنه وبان رشده جاد مجد محتزم بحزام الحزم مشمر عن ساعد الجد ( لا يشرب الماء إلا من قليب دم % ولا يبيت له جار على وجل ) ( أسدى القلب آدمي الروا لابس % جلد النمر يزني العناد والنوى ) ( وليس بشاري عليه دمامة % إذا ما سعى يسعى بقوس وأسهم ) ( ولكنه يسعى عليه مفاضة % دلاص كأعيان الجراد المنظم ) فالنجاء النجاء سامعين له طائعين والوجل الوجل لاحقين به خاضعين قبل أن تساقوا إليه مقرنين في الأصفاد ويعيي الفداء بنفائس النفوس والأموال على الفاد حينئذ يعض ذو الجهل والفدامة على يديه حسرة وندامة إذا رأى أبطال الجنود تحت خوافق الرايات والبنود قد لفحتهم نار ليست بذات خمود وأخذتهم صاعقة مثل صاعقة الذين من قبلهم عاد وثمود زعقات تؤز الكتائب أزا وهمزا محققا للخيل بعد المد المشبع للأعنة همزا وسلا للهندية سلا وهزا للخطية هزا حتى يقول النسر للذئب هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ثق خليفة الله بذاك في كل من رام أذى رعيتك أو أذاك فتلك عادة الله سبحانه في ذوي الشقاق والنفاق الذين يشقون عصا المسلمين ويقطعون طريق الرفاق وينصبون حبائل البغي والفساد في جميع النواحي والآفاق فلن يجعلهم الله عز وجل من الآمنين أنى وكيف وقد أفسدوا وخانوا وهو سبحانه @QB@ لا يصلح عمل المفسدين @QE@ و @QB@ لا يهدي كيد الخائنين @QE@ وها نحن قد وجهنا إلى كعبة مجدكم وجوه صلوات التقديس والتعظيم بعد ما زينا معاظفها باستعطافكم بدر ثناء أبهى من در العقد النظيم منتظمين في سلك أوليائكم متشرفين بخدمة عليائكم ولا فقد عزة ولا عدمها من قصد مثابتكم العزيزة وخدمها وأن المترامي على سنائكم لجدير بحرمتكم واعتنائكم وكل ملهوف تبوأ من كنفكم حصنا حصينا عاش بقية عمره محروسا من الضيم مصونا وقد قيل في بعض الكلام من قعدت به نكاية الأيام أقامته إغاثة الكرام ومولانا أيده الله تعالى ولي ما يزفه إلينا من مكرمة بكر ويصنعه لنا من صنيع حافل يخلد في صحائف حسن الذكر ويروي معنعن حديث حمده وشكره طرس عن قلم عن بنان عن لسان عن فكر وغيره من ينام عن ذلك فيوقظ ويسترسل مع الغفلة حتى يذكر ويوعظ وما عهد منذ وجد إلا سريعا إلى داعي الندى والتكرم بريئا من الضجر بالمطالبة والتبرم حافظا للجار الذي أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بحفظه مستفرغا وسعه في رعيه المستمر ولحظه آخذا من حسن الثناء في جميع الأوقات والآناء بحظه ( فهو من دوحة السنا فرع عز % ليس يحتاج مجتنيه لهز ) ( كفه في الأمحال أغزر ويل % وذراه في الجوف أمنع حرز ) ( حلمه يسفر اسمه لك عنه % فتفهم يا مدعي الفهم لغزي ) ( لا تسله شيئا ولا تستلنه % نظرة منه فيك تغني وتجزي ) ( فنداه هو الفرات الذي قد % عام فيه الأنام عوم الأوز ) ( وحماه هو المنيع الذي ترجع % عنه الخطوب مرجع عجز ) ( فدعوا ذهنه يزاول قولي % فهو أدرى بما تضمن رمزي ) ( دام يحيى بكل صنع ومن % ويعافى من كل بوس ورجز ) وكأنا به قد عمل على شاكلة جلاله من مد ظلاله وتمهيد خلاله وتلقى ورودنا بتهلله واستهلاله وتأنيسنا بجميل قبوله وإقباله وإيرادنا على حوض كوثره المترع بزلاله والله سبحانه يسعد مقامه العلي ويسعدنا به في حله وارتحاله ومآله وحاله ويؤيد جنده المظفر ويؤيدنا بتأييده على نزال عدوه واستنزاله وهز الذوابل لإطفاء ذباله وهو سبحانه وتعالى المسؤول أن يريه قرة العين في نفسه وأهله وخدامه وأمواله وأنظاره وأعماله وكافة شؤونه وأحواله وأحق ما نصل بالسلام وأولى على المقام الجليل مقام الخليفة المولى و صلى الله عليه وسلم صلاة وسلاما دائمين أبدا موصولين بدوام الأبد واتصاله ضامنين لمجددهما ومرددهما صلاح فساد أعماله وبلوغ غاية آماله وذلك بمشيئة الله تعالى وإذنه وفضله وأفضاله انتهت الرسالة وما كادت ووصل السلطان ابن الأحمر المخلوع بعد نزوله بمليلية إلى مدينة فاس بأهله وأولاده معتذرا عما أسلفه متلهفا على ما خلفه وبنى بفاس بعض قصور على طريق بنيان الأندلس وتوفي بها سنة أربعين وتسعمائة ودفن بإزاء المصلى خارج باب الشريعة وخلف ذرية من بعده قال في نشر المثاني انقرضوا ولم يبق منهم أحد وزعم منويل أنه هلك في وقعة أبي عقبة في حرب الوطاسيين مع السعديين قال ولم يحسن هذا الرجل أن يدفع عن ملكه فدفع عن ملك غيره

استيلاء البرتغال على ساحل البريجه وبناؤهم مدينة الجديدة صانها الله سبحانه وتعالى بمنه

قال مؤلفه عفا الله عنه قد وقفت لبعض البرتغاليين واسمه لويز مارية على تأليف في أخبار الجديدة من لدن بنوها إلى أن انتزعها المسلمون منهم فاقتطفت منه ما أثبته في هذه الترجمة قال هذا المؤلف لما كانت سنة ألف وخمسمائة واثنتين مسيحية قلت ويوافقها من تاريخ الهجرة سنة سبع وتسعمائة تقريبا بعث سلطان البرتغال واسمه منويل من دار ملكه أشبونة عمارة في البحر للاستيلاء على بعض ثغور المغرب فألجأهم هيجان البحر وموجه إلى ساحل البريجة فيما بين آزمور وتيط وكانت البريجة على ما يفهم من كلامه بناء متخذا هنالك للحراسة ونحوها كان يسمى برج الشيخ ولا زال مسمى بهذا الاسم إلى الآن فأرسى البرتغاليون على الساحل المذكور ونزلت طائفة منهم إلى البر فتطوفوا بالبريجة وما حولها وأعجبهم المكان فعزموا على المقام به واتفق رأيهم أن يتركوا جماعة هنالك يحفظون المحل ويرجع باقيهم إلى ملكهم يستأذنوه فيما عزموا عليه فتركوا اثني عشر رجلا بالبريجة بعد أن حصنوها وشحنوها بما يحتاجون إليه من عدة وقوت ونحوهما ورجع الباقون إلى الملك فأخبروه بشأنهم فأذن لهم وبعث معهم جماعة من البنائين والعملة ليبنوا لهم ما يتحصنون به فقدموا على إخوانهم وشرعوا في إدارة السور على قطعة من الأرض فنذر بهم أهل تلك البلاد من المسلمين وتسابقوا إليهم على الصعب والذلول ففر النصارى إلى البريجة وتحصنوا بها وأفسد المسلمون كل ما كانوا عملوه في تلك الأيام وأحجروهم بحصنهم ووضعوا عليهم الرصد إلى أن فتر عزمهم وأيسوا من نجاح سعيهم فعاد جلهم أو كلهم إلى أشبونة وأعادوا الكلام على ملكهم منويل في شأن البريجة ووصفوا له حسن البقعة وصحة هوائها ومنزلتها من البحر ومن قبائل أهل المغرب من أهل تامسنا ودكالة وغيرهم وأنها عسى أن تكون سلما للاستيلاء على غيرها من بلاد المغرب لا سيما ودولة المسلمين به يومئذ قد تلاشت وملكهم قد ضعف فوقر ذلك في نفس الملك واستأنف العزم وبعث معهم حصة من العسكر تحصل بها الكفاية وتتأتى بها المدافعة والممانعة مع جماعة وافرة من البنائين والمهندسين وحملهم ما يحتاجون إليه من آلة وغيرها فانتهوا إلى الموضع المذكور بعد سبع سنين من مقدمهم الأول وتحينوا غفلة أهل البلاد وشرعوا في بناء حصن مربع على كل ربع منه برج وثيق ودأبوا في العمل ليلا ونهارا فلم تمض مدة يسيرة حتى فرغوا منه وامتنعوا على المسلمين به وكان إنشاؤهم لهذا الحصن على البريجة القديمة بأن جعلوها أحد أرباعه وأضافوا إليها ثلاثة أرباع أخر وأداروا السور على الجميع واتخذوا في داخل هذا الحصن ماجلا عظيما لخزن الماء وهو النطفية في لسان الجيل بنوه مربعا بتربيع الحصن مساحة كل ربع منه مائة وثلاثون شبرا وجوانبه وقبوه من حجر النصف العجيب النحت المحكم الوضع والالتئام محمولا ذلك القبو على ستة أقواس في كل ربع قال هذا المؤلف وامتلاء نحو بلكاظة من هذا الماجن يسع عشرين بوطة من الماء ثم شيدوا على أحد أرباع هذا الحصن طريا عظيما مرتفعا جدا ليس صادق التربيع ولا الاستدارة غير مهندس الشكل ثم بنوا في أعلاه على أحد جوانبه بناء آخر لطيفا مستديرا صاعدا في الجويرقي إليه على مدارج لطيفة وجعلوا في أعلاه صاريا خارجا من جوفه وناقوسا للحراسة يشرف الحارس منه على نحو خمسة وعشرين ميلا من سائر جهاته وجميع هذه البناءات التي ذكرها المؤلف من الحصن وما معه لا زالت قائمة العين والأثر إلى الآن إلا الطري فإنه قد اتخذ في هذه الأيام التي هي سنة سبع وتسعين ومائتين وألف منارا للمسجد الجامع وذلك أن عامل الجديدة في هذا العصر وهو الرئيس الفاضل أبو عبد الله محمد بن إدريس الجراري حفظه الله استأذن الخليفة وهو السلطان الأعظم المولى الشريف أبو علي الحسن بن محمد العلوي نصره الله في جعله منارا لكون المنار القديم قصيرا لا يسمع الناس الأذان فأذن أعزه الله في ذلك وهذا العامل اليوم جاد في إصلاحه والزيادة فيه وقد أشرف على التمام وكذلك استأذن هذا العامل حضرة السلطان المذكور في إدارة جدار من داخل سور المدينة يكون سترة على منازل أهلها وبيوتهم لأن السور المذكور كان مرتفعا على البلد بحيث يكون الصاعد عليه متكشفا على البيوت واستأذنه في إصلاح القبة المشرفة على البحر المعروفة بقبة الخياطين وكانت قد تلاشت وباتخاذ سجن متسع محكم عن يمين الداخل من باب المدينة المذكورة لأنه لم يكن بها سجن معتبر فأجابه الخليفة المذكور إلى ذلك كله أدام الله علاه وقد تم جل ذلك وعادت القبة إلى أحسن حالاتها التي كانت عليها أيام البرتغال والله لا يضيع أجر من أحسن عملا ولنرجع إلى موضوعنا الذي كنا فيه فنقول ثم شرع نصارى البرتغال بعد الفراغ من الحصن المذكور في إدارة سور المدينة على أوثق وجه وأحكمه وذلك أنهم عمدوا إلى بقعة مربعة من الأرض مساحة كل ربع منها ثلاثمائة وخمس وسبعون خطوة وجعلوا مركزها الحصن المذكور ثم أداروا بها سورين عاديين ثخن الخارج منهما نحو خمسة عشر شبرا والداخل على نحو الثلثين منه وبينهما فضاء مردوم بالتراب والحجارة الصغيرة فصار السوران بذلك سورا واحد سعته خمسون شبرا وهذا في غير الربع الموالي للبحر أما هو فليس فيه ردم وإنما هو سور واحد مصمت أضيق مما عداه يسيرا وارتفاع هذه الأسوار من داخل البلد نحو ستين شبرا ومن خارجه نحو السبعين ثم أداروا خارج السور خندقا فسيحا وجعلوا عمقه أربعة عشر شبرا بحيث بلغوا به الماء وإذا فاض البحر ملأ ما بين جوانبه واتخذوا للمدينة ثلاثة أبواب أحدها للبحر وهو باب المرسى وقد سد بالبناء في هذه السنين واثنان للبر وجعلوا أمامهما قنطرتين بالعمل الهندسي بحيث ترفعان وتوضعان وقت الحاجة إلى ذلك فصارت المدينة بهذا كله في غاية المناعة

وكان بنو وطاس في هذه المدة أشغل من ذات النحيين مع برتقال سبتة وطنجة وسائر بلاد الهبط فلذا تأتي لهؤلاء النصارى أن يفعلوا ما فعلوه في هذه المدة اليسيرة وجعلوا داخل المدينة خمس حارات وسموا كل حارة باسم كبير من قدمائهم على عادتهم في ذلك واتخذوا بها أربع كنائس واتخذوا المخازن والأهراء للاختزان وسائر المرافق ومن جملتها هرى كان يسع ستمائة فنيكة من الحب وأوطنوها بأهلهم وعيالهم وكان فيها جماعة من أشرافهم وذوي بيوتاتهم من أهل أشبونه وغيرها وكانوا يعدون فيها أربعة آلاف نفس ما بين المقاتلة والعيال والذرية وكانوا يأملون الاستيلاء منها على مراكش فخيب الله رجاءهم ثم ذكر هذا المؤلف ما كان يقع بين المسلمين ونصارى الجديدة من الحروب والغارات مما لعلنا نشير إلى بعضه في محله إن شاء الله

استيلاء البرتغال على سواحل السوس وبناؤهم حصن فونتي قرب أكادير وما قيل في ذلك

ذكر بعض المؤرخين من الفرنج أن استيلاء البرتغال على آكادير كان في مدة ملكهم منويل المذكور آنفا وإن ذلك كان على حين غفلة من أهل تلك البلاد قال منويل لما علم طاغية البرتغال منويل أن مرسى آكادير جيدة لمناعتها وكثرة تجارتها بسبب مجاورتها لقبائل السوس أراد الاستيلاء عليها وكان يظن أن ذلك لا يتأتى له لحصانتها وكثرة القبائل المجاورين لها ثم خاطر وبعث إليها جيشا فاستولوا عليها على حين غفلة من أهلها وحصنوها وبنوا بها دورا وبرجا جيدا وأخذوا في التجارة بها مع أهل السوس وكثرت أرباحهم ثم لما ضعفت شوكتهم خرجوا عنها وعن آسفي وآزمور قلت مراده بآكادير حصن فونتي القريب منه وإلا فآكادير إنما بني بعد هذا التاريخ بكثير كما سيأتي ثم مقتضى ما ذكره أن يكون زمان استيلائهم عليه موافقا أو قريبا لزمان استيلائهم على البريجة ومقتضى ما نقله في النزهة عن ابن القاضي أن يكون استيلاؤهم عليه في حدود سنة خمس وسبعين وثمانمائة فإنه لما وصف حال السلطان محمد الشيخ السعدي الآتي ذكره إن شاء الله قال وكان له بخت عظيم في الجهاد فتح حصن النصارى بسوس بعد أن أقاموا به اثنتين وسبعين سنة اه وكان فتحه إياه في حدود سبع وأربعين وتسعمائة والظاهر أنهم استولوا على بعض حصون السوس في التاريخ الأول وعلى بعضها في الثاني والله أعلم

وفاة السلطان محمد الشيخ الوطاسي رحمه الله

ذكر ابن القاضي في الجذوة أن وفاة السلطان المذكور كانت سنة عشر وتسعمائة قال ومن حملة وزرائه أخوه الناصر بن أبي زكرياء والله أعلم وولي الأمر من بعده ابنه محمد البرتغالي على ما نذكره

الخبر عن دولة السلطان محمد بن محمد الشيخ الوطاسي المعروف بالبرتغالي رحمه الله

لما توفي السلطان محمد الشيخ بويع ابنه محمد البرتغالي في التاريخ المتقدم وكان نصارى سبتة وطنجة وآصيلا قد استحوذوا على بلاد الهبط وضايقوا المسلمين بها حتى ألجأوهم إلى قصر كتامة فكان هو الثغر يومئذ بين بلاد المسلمين وبلاد النصارى كما مر وكان السلطان محمد هذا قد عني بجهادهم وترديد الغزو إليهم والإجلاب عليهم حتى شغل بذلك عن البلاد المراكشية وسواحلها فكان ذلك سببا لظهور الدولة السعدية بها سنة خمس عشرة وتسعمائة على ما نذكره إن شاء الله

استيلاء البرتغال على ثغر آسفي حرسه الله

قال منويل كان البرتغال قد تشوفوا للاستيلاء على آسفي وكان أهلها فيهم شجاعة أكثر من غيرهم من أهل الثغور فزحفوا إليها وجرى بينهم وبين أهلها قتال شديد هلك فيه عدد كبير من البرتغال وعظم عليهم أن تمتنع منهم بلدة صغيرة ليس لها حامية سوى أهلها ثم طاولوها بالحصار حتى قل القوت عند أهل آسفي وأشرفوا على الهلاك فحينئذ شارطوا البرتغال وأسلموها إليهم على الأمان فاستولوا عليها وحصنوها غاية لتوقعهم كرة المسلمين عليهم فكان كذلك فإنهم زحفوا إليهم بعد ثلاث سنين من أخذها ووقع بينهم وبين البرتغال حرب شديدة كانت صفوف المسلمين تترادف فيها كأمواج البحر وقتل قواد عسكر البرتغال وكبارهم ثم قدمت عليهم شكوادره من مادرة بالعسكر والزاد فقويت نفوس البرتغال وارتحل المسلمون عنها بعد أن أشرفوا على الفتح وتبعهم البرتغال لينتهزوا فيهم الفرصة فكر المسلمون عليهم واستلبوهم وهذا أول حصار كان على آسفي ثم بعد سنين قلائل زحف المسلمون إليها أيضا ومعهم عدد من المدافع وقاتلوا قتالا صعبا وزحفوا إلى السور فهدموا منه ثلمة كبير واشتد القتال عليها بما خرج عن العادة ثم رحل المسلمون من غير فتح وأعرضوا عنها مدة لم يحدثوا أنفسهم بالقتال وعمرت آسفي بالنصارى وانتقل إليها التجار وبنوا بها الدور وكانوا يسقون منها الحب ويحملونه في السفن إلى بلادهم ولعل ذلك لهدنة كانت لهم مع المسلمين ثم عادت للمسلمين بعد نحو ثلاث وعشرين سنة وقال الشيخ أبو عبد الله محمد العربي الفاسي في مرآة المحاسن ما نصه قرأت بخط شيخنا أبي عبد الله القصار أن صاحب آسفي أخرج الشيخ أبا عبد الله محمد بن سليمان الجزولي منها فدعا عليهم فسئل منه العفو فقال أربعين سنة فأخذها النصارى بعدها اه وهذا يقتضي أن استيلاءهم عليها كان في حدود عشر وتسعمائة لأن وفاة الشيخ الجزولي رحمه الله كانت في سنة سبعين وثمانمائة كما مر وعند الفرنج ما يقتضي أن استيلاءهم عليها كان بعد ذلك بسنتين أو ثلاث والله أعلم

زحف السلطان أبي عبد الله البرتغالي إلى آصيلا

قال منويل لما أفضى الأمر إلى السلطان محمد بن محمد الشيخ الوطاسي أراد أن يأخذ بثأره من البرتغال الذين أسروه لسبع سنين فزحف إلى آصيلا في حدود أربع عشرة وتسعمائة وحاصرها وطال قتاله عليها ثم اقتحمها المسلمون عليهم اقتحاما واقتتلوا في وسط الأزقة والأسواق يومين ثم جاء المدد إلى البرتغال من طنجة وجبل طارق فقويت نفوسهم وخرج المسلمون عنهم لكن ما خرجوا حتى هدموها وأحرقوها ولم يتركوا لهم بها إلا الخربات ثم جد البرتغال في إصلاحها وأقاموا بها برهة من الدهر إلى أن رجعت للمسلمين

استيلاء البرتغال على ثغر آزمور حرسه الله

قال منويل بعث طاغية البرتغال أربع عشرة وتسعمائة إلى ثغر آزمور شكوادره فيها ألفان من العسكر وأربعمائة خيالة فدافعهم زيار الوطاسي ابن عم السلطان ونشبت مراكب البرتغال في الساحل وتكسر جلها وعاث فيها المسلمون ورجع الباقي مفلولا ثم بعد أربع سنين بعث إليها الطاغية منويل شكوادره فيها عشرون ألفا من العسكر وألفان وسبعمائة خيالة فانتهوا إلى آزمور وحاصروها بحرا وزحفوا إليها من الجديدة برا ووقع حرب شديدة بينهم وبين أهل آزمور وأهل البادية ثم انهزم المسلمون وخرجوا من باب تركه لهم البرتغال قصدا قال لأنه يقال في المثل الفار منك في الحرب اجعل له قنطرة من فضة يعبر عليها وقال في النزهة كان نزول النصارى بآزمور سنة أربع عشرة وتسعمائة قال وفي هذه السنة بنى النصارى حجر باديس وفي أواخر المحرم منها أخذ النصارى يعني الإصبنيول مدينة وهران ونكبوا أهلها فما منهم إلا أسير أو قتيل إلى أن أعادها الله للإسلام على يد الأتراك في حدود العشرين ومائة وألف اه قلت أهل آزمور يزعمون أن استيلاء البرتغال على مدينتهم كان متكررا وسيأتي ما يفهم منه ذلك والله أعلم ومن أخبار السلطان أبي عبد الله ما وقفت عليه في تاريخ البرتغاليين من أن السلطان المذكور كتب لطاغيتهم منويل يطلب منه أن يتقدم بالوصاة لأصحاب قراصينه البحرية أن لا يتعرضوا لمركبين له كان قد عزم على بعثهما إلى الجزائر ثم منها إلى تونس وكان الطاغية لم يجبه أو أبطأ بالجواب فكرر إليه الكتاب ثانيا في القضية المذكورة وسرد هذا المؤرخ نص الكتابين معا مترجمين بلغته وذكر أن تاريخ الأول منهما الثالث والعشرون من جمادى سنة عشرين وتسعمائة وتاريخ الثاني الثامن والعشرون من ذي القعدة من السنة اه

استيلاء البرتغال على ثغر المعمورة حرسه الله

قال في نشر المثاني إن الذي اختط حصن المعمورة هو المهدي الشيعي على يد بعض عماله وزعم بعض الفرنج أن المعمورة من بناء يعقوب المنصور الموحدي قال ولما كان زمن منويل البرتغالي بلغه أن مينا المعمورة جيدة وبلادها نفاعة فبعث إليها طائفة من جنده فوصلوا إلى ساحلها ونزلوا في البر المقابل لها وبنوا هنالك برجا لحصارها ثم أردفهم ملكهم المذكور بعمارة تشتمل على مائتي مركب مشحونة بثمانية آلاف من المقاتلة قال وكان خروج هذه العمارة من مدينة أشبونة في اليوم الثالث عشر من يونيه العجمي سنة ألف وخمسمائة وخمس عشرة مسيحية قلت يوافقها من تاريخ الهجرة تقريبا سنة إحدى وعشرين وتسعمائة فوافت مينا المعمورة في الثالث والعشرين من يوينه المذكور وحاصروها وألحوا عليها بالقتال أياما وبلغ الخبر بذلك إلى السلطان أبي عبد الله البرتغالي فبعث أخاه الناصر صريخا في جيش كثيف فوصل سادس أغشت من السنة المذكورة وقاتل البرتغال قتالا شديدا وهزمهم هزيمة قبيحة ثم كانت لهم الكرة على المسلمين فهزموهم واستولوا على المعمورة وثبت قدمهم بها وحصنوها بالسور الموجود بها الآن واستمروا بها نحو خمس سنين ثم استرجعها المسلمون منهم في دولة السلطان المذكور والله تعالى أعلم وفي السنة التي استولوا على المعمورة رجعوا إلى موضع مدينة آنفي فشرعوا في بنائها ومن يومئذ سميت الدار البيضاء وبقوا بها مدة طويلة إلى زمن السلطان المولى عبد الله بن إسماعيل على ما زعم منويل

أخبار السلطان أبي عبد الله البرتغالي مع الشيخ أبي محمد الغزواني رضي الله عنه

أصل الشيخ أبي محمد عبد الله الغزواني دفين حومة القصور من مراكش من غزوان قبيلة من عرب تامسنا وكان في ابتداء أمره يقرأ العلم بمدرسة الوادي من عدوة الأندلس بفاس فحصلت له إرادة فسافر إلى مراكش ولازم الشيخ التباع وتخرج به ثم انتقل إلى بلاد الهبط فنزل بها على قبيلة يقال لهم بنو فزنكار واجتمع عليه الناس واشتهر أمره وعظم صيته فبلغ ذلك السلطان أبا عبد الله وكان يومئذ ببلاد الهبط قد خرج إليها بقصد الغارة على نصارى آصيلا وكان معه في هذه الحركة الشيخ أبو عبد الله محمد بن غازي الإمام المشهور فتوهم السلطان المذكور من أمر الشيخ الغزواني وخشي على الدولة عاقبة أمره وأغراه به مع ذلك الفقيه ابن عبد الكبير البادسي السفياني الأصل وكان هذا الفقيه يصحب الولاة والعمال ويخرج في بعوثهم قاضيا فكثرت سعايته بالشيخ حتى وقر ذلك في نفس السلطان فبعث إ ليه فحضر وأمر بالقبض عليه بالموضع المعروف بتاجناوت وجعله في سلسلة وبعث به إلى فاس وتقدم في شأنه إلى ابن شقرون صاحب شرطته بقصبة فاس القديم وكان الشيخ ابن غازي قد مرض في هذه الغزوة وأمر السلطان بحمله إلى منزله من فاس فلما وصل إلى قرب عقبة المساجين اشتد به الحال وأمر أصحابه أن يريحوا به هنالك فبينما هو كذلك إذ مر به الشيخ الغزواني في سلسلته فسأل الموكلين به أن يعوجوا به على الشيخ ابن غازي كي يعوده ويؤدي حقه فلما وقف عليه طلب ابن غازي منه الدعاء فدعا له بخير وانصرف فلما غاب عنه قال ابن غازي لأصحابه احفظوا وصيتي فإني راحل عنكم إلى الله تعالى بلا شك قالوا له يا سيدي ما عندك باس فقال إن الله وعدني أن لا يقبض روحي حتى يريني وليا من أوليائه وقد أرانيه الساعة فدلني ذلك على انقضاء الأجل فحملوه من حينه إلى منزله فكان آخر العهد به هكذا ساق هذا الخبر صاحب الدوحة في ترجمتي الشيخين المذكورين وكانت وفاة ابن غازي أواخر جمادى الأولى سنة تسع عشرة وتسعمائة وقال صاحب المرآة عن بعض شيوخه بعد أن ذكر سعاية ابن عبد الكبير بالشيخ الغزواني ما نصه فتحرك الشيخ الغزواني لزيارة ضريح الشيخ أبي سلهام فعرض له العروسي قائد القصر الكبير وناوله كتاب السلطان يأمره فيه بقدوم الشيخ إلى فاس دار الملك إذ ذاك فقال له الشيخ طاعة السلطان واجبة وقال للزائرين معه بلغت النية فتوجه الشيخ إلى فاس من ذلك المكان وكلما بات في منزل ذهبت جماعة من الذين معه فلم يصل معه إلا القليل وكان الشيخ أبو البقاء عبد الوارث اليالصوتي إذ ذاك ساكنا بفاس ولم يكن صحب الشيخ قبل ذلك فلما دخل الشيخ حضرة فاس لقيه أبو البقاء المذكور فسلم عليه فشد الشيخ يده على يده فلم يرسلها حتى عاهده على الرجوع فلما انفصل عنه اشترى خبزا وعنبا وحمل ذلك إلى الشيخ وأصحابه فوجدهم عند القاضي أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله اليفرني المكناسي وهو مؤلف المجالس المكناسية فوجدهم في المسجد القريب من دار القاضي المذكور بدرب السعود فناولهم ما معه ووجد الشيخ موكلا به وأصحابه يدخلون ويخرجون ثم دخل القاضي على الشيخ بالمسجد فقال له ما هذا الذي يذكر عنك قال أبو البقاء فتكلمت أنا وقلت إن هذا الرجل قد نزل بلدا عظيمة المناكر وأخذت أعدد مناكرها وصار هذا السيد ينهاهم عن ذلك فهدى الله على يده من هدى وشنئه من أبى فقام القاضي وركب إلى دار السلطان ثم رجع إلى منزله فبات ومن الغدر ركب إلى دار السلطان أيضا ومعه الشيخ الغزواني فلما اطمأن بهم مجلس السلطان وكان فيه صاحب تازا وهو أبو العباس أحمد ابن الشيخ أخو السلطان المذكور سكت الجميع وتكلم كاتب السلطان وإمام صلاته قال صاحب المرآة ولم يسم لنا فقال للشيخ ما هذا الذي يذكر عنك فقال له الشيخ أنت لا تتكلم حتى تغتسل من جنابتك فاستشاط الكاتب غضبا فقال له أخو السلطان هؤلاء القوم يعنون الجنابة غير ما تعنيه العامة يشير إلى ما في الحكم فقال له السلطان ومن أين تعرف هذا فقال له من سيدي محمد بن عبد الرحيم بن يجيش ففرح السلطان بمعرفة أخيه ذلك وقال للشيخ نحن نريد قربك وأن تكون معنا في هذه المدينة فقال له على بركة الله فانتقل إلى فاس القديم وبنى خارج باب القليعة داخل باب الفتوح وأقام هنالك ما شاء الله قيل سبع سنين إلى أن كانت سنة تعذر فيها المطر وأخذ الناس في استخراج السواقي للحرث فأخرج الشيخ من وادي اللبن ساقية لم يكن في سواقي السلطان وغيره مثلها فبعث إليه أخوه السلطان وهو الناصر الملقب بالكديد بالكاف المعقودة والدال المشددة على لغة العامة وقال له نحن أحق بتلك الساقية فقال له الشيخ خذها وأخذ في الرحيل إلى مراكش ولما توجه تلقاءها أخذ خنيفه في يده وجعل يشير به من جهة فاس إلى جهة مراكش ويقول أيا يا سلطنة إلى مراكش قال صاحب المرآة هذا حديث شيخنا أبي عبد الله النيجي قال وآخنيف معروف وهو نوع من البرانس السود ومعنى أيا بلغة عامة المغرب سيري معي وموضع بني فزنكار أظنه تاصروت فإن بها رسما منسوبا إليه إلى الآن وأنه منزله الذي كان يأوي إليه وما زالت آثاره هنالك والدار التي بنى بباب القليعة هي المتصيرة إلى تلميذه الشيخ أبي عبد الله محمد بن علي الهروي المعروف بالطالب ولعل سنة إخراج السواقي هي سنة ست وعشرين وتسعمائة فإنه قد تعذر فيها المطر وحدث الغلاء الكبير المؤرخ بسنة سبع وعشرين وتسعمائة وكأنه أشار إلى انتقال السلطنة عن بني وطاس ملوك فاس إلى الشرفاء السعديين ملوك مراكش يومئذ والله أعلم