القسم ٩ من ١٧

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

نهوض السلطان أبي عبد الله البرتغالي إلى مراكش ومحاصرته أبا العباس الأعرج السعدي بها

قد تقدم لنا أن ظهور الدولة السعدية ببلاد السوس كان في سنة خمس عشرة وتسعمائة وما زال أمرهم في الزيادة إلى أن كانت دولة أبي العباس الأعرج منهم فاستفحل أمره وبعد صيته وفتك بنصارى السوس فكاتبه أمراء هنتاتة أصحاب مراكش ودخلوا في طاعته فانتقل إليها وملكها في حدود الثلاثين وتسعمائة ولما اتصل خبره بالسلطان أبي عبد الله وهو يومئذ بفاس قامت قيامته وأقبل في جموع عديدة ومعه وزيره ابن عمه المسعود بن الناصر كذا في النزهة والذي عند غيره أن الوزير الذي جاء معه هو الناصر أخو السلطان المذكور ولما رأى أبو العباس السعدي ما لا قبل له به تحصن بمراكش وشحن أسوارها بالرماة فتقدم السلطان أبو عبد الله ونصب الأنفاض على مراكش ودام الحصار عليها أياما فيحكى أنه قيل للشيخ أبي محمد الغزواني وكان قد استوطن مراكش يومئذ أن أهل مراكش سئموا الحصار فركب الشيخ في جماعة من أصحابه وخرج من باب فاس المعروف اليوم بباب الخميس فوجد رماة السلطان أبي عبد الله يرمون من علا الأسوار من أهل البلد فوقف الشيخ ينظر فجاءت رصاصة ضربت صدره وخرقت الجبة التي عليه والتصقت بلحمه كأنها وقعت في صخرة صماء فقبض عليها بيده وقال هذه خاتمة حربهم ثم رجع إلى منزله فوردت الأنباء على السلطان أبي عبد الله في تلك الليلة بأن بني عمه قد قاموا عليه بفاس ونبذوا دعوته فأصبح من الغد راحلا إلى فاس وظهر مصداق ما قال الشيخ الغزواني ولم يعد لبني وطاس وصول بعدها إلى مراكش ولا إلى أعمالها والله تعالى أعلم

ذكر وزراء السلطان أبي عبد الله وما قيل فيهم

كان من جملة وزرائه ابن عمه المسعود بن الناصر وهو الذي زحف معه إلى مراكش على ما في النزهة وكان من جملة وزرائه القائمين بأمره أخوه الناصر بن محمد الشيخ المعروف عند عامة فاس بأبي علاقة وبالكديد على ما مر قال في الجذوة لقب بذلك لكثرة سفكه الدماء وإقدامه عليه فكان يقتل الناس ويجزرهم كثيرا وكذا بمكناسة أيام وزارته بها كذا حدث غير واحد ممن أدركه ورآه وتوفي الوزير المذكور سنة ثلاثين وتسعمائة

وفاة السلطان أبي عبد الله رحمه الله

كانت وفاة السلطان أبي عبد الله البرتغالي سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة على ما في الجذوة ويؤخذ من النزهة أنها كانت سنة اثنتين وثلاثين بعدها والله أعلم وولي الأمر من بعده أخوه أبو حسون بولاية عهده إليه

الخبر عن الدولة الأولى للسلطان أبي حسون بن محمد الشيخ الوطاسي

هو أبو الحسن علي بن محمد الشيخ ابن أبي زكرياء يحيى بن زيار الوطاسي ويعرف بأبي حسون البادسي قال في النزهة بويع بفاس سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة ثم قبض عليه ولد أخيه أبو العباس أحمد بن محمد البرتغال وخلعه وأشهد عليه بالخلع آخر ذي الحجة من السنة المذكورة انتهى

الخبر عن دولة السلطان أبي العباس أحمد بن محمد الوطاسي رحمه الله تعالى

هو أبو العباس أحمد بن أبي عبد الله محمد البرتغالي ابن أبي عبد الله محمد الشيخ ابن أبي زكرياء يحيى بن زيان الوطاسي بويع يوم خلع عمه أبي حسون آخر ذي الحجة من سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة قال ابن القاضي وقد رأيت البيعة التي كتبت له بخط الإمام أبي محمد عبد الواحد ابن أحمد الوانشريسي من إنشائه وعليها خطوط جماعة من فقهاء فاس كأبي العباس الحباك والفقيه أبي العباس أحمد الماواسي وغيرهما اه قال أبو عبد الله اليفرني في النزهة وانظر ما وجه كتب البيعة لأحمد مع أن خلع أبي حسون لم يكن لموجب والوانشريسي من أهل الورع وقال ولعله لأمر لم يظهر لنا والله أعلم اه وقال ابن عسكر في الدوحة لما توفي السلطان أبو عبد الله البرتغالي ودالت الدولة لولده السلطان أبي العباس أحمد وغص بالشرفاء القائمين عليه ببلاد السوس وزوحم بهم عقد الهدنة مع النصارى المحاورين له ببلاد الهبط وصاحبهم سلطان البرتغال فبلغ ذلك الشيخ أبا عبد الله محمد بن يحيى البهلولي وكان له رغبة في الجهاد وممن له وصلة بالسلطان أبي عبد الله فكان إذا جاءه زائرا حضه على الغزو فيساعده على ما أراد من ذلك فلما بلغ الشيخ المذكور ما عقده السلطان أبو العباس من الصلح آلى على نفسه أن لا يلقى السلطان المذكور ولا يمشي إليه ولا يقبل منه ما كان عينه له والده من جزية أهل الذمة بفاس لقوته وقوت عياله فمكث على ذلك إلى أن حضرته الوفاة وكان في النزع وأصحابه دائرون به فقال له بعضهم يا سيدي أخبرك أن السلطان أمر بالغزو وأمر بالنداء به وحض الناس عليه والمسلمون في شره لذلك وفرح ففتح الشيخ عينيه وتهلل وجهه فرحا وحمد الله وأثنى عليه ففاضت نفسه وهو مسرور بذلك اه

وقعة آنماي بين الوطاسيين والسعديين

قد تقدم لنا في خبر السلطان أبي عبد الله أنه لما حاصر مراكش وأصابت الرصاصة الشيخ الغزواني قال هذه خاتمة حربهم ولم يعد لبني وطاس وصول إلى مراكش ولا إلى أحوازها قال في النزهة فكان أبو العباس الأعرج يتلاقى مع أبي العباس الوطاسي بتادلا وأحوازها قال وكانت بينهما معركة بموضع يقال له آنماي وذلك في ذي القعدة سنة خمس وثلاثين وتسعمائة فافترقا على اصطلاح اه وآنماي موضع قرب مراكش به زاوية الشيخ أبي العزم رحال الكوش

عقد الصلح بين السلطانين أبي العباس الوطاسي وأبي العباس السعدي رحمهما الله تعالى

لما رأى أهل المغرب ما وقع بين السلطان أبي العباس أحمد الوطاسي صاحب فاس وأبي العباس أحمد السعدي المعروف بالأعرج صاحب مراكش من التقاتل على الملك والتهالك عليه وفناء الخلق بينهم دخلوا في الصلح بينهم والتراضي على قسمة البلاد وحضر لذلك جماعة من العلماء والصلحاء منهم أبو حفص عمر الخطاب دفين جبل زرهون وأبو الرواين المحجوب دفين مكناسة الزيتون وكان صاحب حال وجذب فجعل الناس يوصونه بالسكوت مخافة أن يفسد عليهم أمرهم فلما دخلوا على أبي العباس الأعرج وأخيه وزيره محمد الشيخ وتكلموا فيه جاءوا لأجله وجدوا فيهما شدة وغلظة وامتناعا من مساعدتهم على ما أرادوا فحلف أبو حفص الخطاب لا دخلوها يعني فاسا ما دمت على وجه الأرض فما دخلوها حتى مات بعد مدة فكان بعضهم يقول لو كان بنو وطاس يعرفون شيئا ما دفنوا أبا حفص الخطاب يعني لتركوه في تابوت على وجه الأرض لأنه حلف لا دخلوها ما دام على وجه الأرض حكاه صاحب ممتع الأسماع وذكر في شرح زهرة الشماريخ أن الصلح انبرم بين الطائفتين على أن للأشراف من تادلا إلى السوس ولبني وطاس من تادلا إلى المغرب الأوسط وإن ممن حضر الصلح المذكور قاضي الجماعة بفاس أبا الحسن علي بن هارون المطغري بالطاء المهملة مطغرة تلمسان والإمام الشهير أبا مالك عبد الواحد بن أحمد الوانشريسي وغيرهما من مشايخ فاس ويذكر أنه لما تواطأت كلمة الحاضرين على الصلح وعقدوا شروطه وهدأت الأصوات وسكن اللجاج أتى بدواة وقرطاس ليكتب الصلح فما وضعت الدواة بين يدي أحد الفقهاء الحاضرين إلا وجم وانقبض ودفعها عن نفسه استحياء في ذلك المحفل أن يكتب ما لا يناسب الجهتين فقام قاضي الجماعة المذكور وأخذ الدواة وأساودها ووضعها بين يدي أبي مالك المذكور فأنشأ أبو مالك في الحين خطبة بليغة ونسج الصلح على منوال عجيب واخترع أسلوبا غريبا تحير فيه الحاضرون وعجبوا من ثبات جأشه وجموم قريحته في مثل ذلك المشهد العظيم الذي تخرس فيه ألسن الفصحاء هيبة وإكبارا فقام قاضي الجماعة وقبله بين عينيه وقال جزاك الله عن المسلمين خيرا وما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر وكان ذلك كله في حدود أربعين وتسعمائة اه

غزوة الحمر قرب آصيلا حرسها الله

ذكر صاحب الدوحة في ترجمة الشيخ أبي الحسن علي بن عثمان الشاوي رحمه الله أنه استشهد في وقعة الحمر التي كانت في حدود أربعين وتسعمائة بين النصارى والقائد عبد الواحد بن طلحة العروسي على مقربة من آصيلا قال حدثني غير واحد ممن يوثق به ممن حضر الوقعة وبعضهم يصدق بعضا قالوا لما انهزم الناس استقبل الشيخ أبو الحسن النصارى وسيفه في يده وهو يتلو بردة البوصيري فكان ذلك آخر العهد به ولما رجع الناس من الغد ليحملوا قتلاهم لم يوقف له على عين ولا أثر وإنما وجد غنباز من لباسه عند النصارى وفيه أثر طعنة في صدره اه كلام الدوحة وفي المرآة أن الشيخ المذكور مات في حياة شيخه الغزواني شهيدا في الجهاد سنة خمس وعشرين وتسعمائة اه ولعله الصواب والعروسي المذكور هو من أمراء بني عبد الحميد العروسيين أصحاب قصر كتامة وكانت لهم رياسة وسياسة وجهاد في العدو إلى أن انقرض أمرهم أعوام الخمسين وتسعمائة قال في الدوحة أخبر غير واحد من فقهاء قصر كتامة أن الشيخ أبا الرواين جاء إلى القصر وصاحبه يومئذ القائد عبد الواحد العروسي في عصبة من أقاربه أولاد عبد الحميد فصعد أبو الرواين صومعة المسجد ثم نادى بأعلى صوته يا بني عبد الحميد اشتروا مني القصر وإلا خرجتم منه في هذه السنة فسمع القائد عبد الواحد ذلك فقال إن كان القصر له أو بيده فلينزعه منا ما بقي لنا إلا كلام الحمقى نلتفت إليه ومن الغد خرج الشيخ أبو الرواين من البلد وهو يقول القائد عبد الواحد وأهله يخرجون من القصر ولا يعودون إليه أبدا فكان كذلك بقدرة الله تعالى

وقعة أبي عقبة بوادي العبيد وما كان فيها بين الوطاسيين والسعديين من القتال الشديد

هذه الوقعة من أعظم الوقعات التي كانت تكون بين الوطاسيين والسعديين وما زالت العامة تتحدث بها في أنديتها إلى الآن ويبالغون في وصفها والأخبار عنها وقد ذكرها شعراؤهم في أزجالهم الملحونة وهي محفوظة فيما بينهم وذلك أنه لما طمى عباب السعديين على بلاد الحوز وكادوا يلجون على الوطاسيين دار ملكهم من فاس نهض إليهم السلطان أبو العباس الوطاسي أواخر سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة يجر الشوك والمدر في جمع كثيف من الجند وقبائل العرب في حللها وظعنها وجاء أبو العباس السعدي في قبائل الحوز بحللها وظعنها كذلك فكان اللقاء بمشروع أبي عقبة أحد مشارع وادي العبيد من تادلا فنشبت الحرب وتقاتل الناس وبرز أهل الحفائظ منهم والتراث وقاتل الناس على حرمهم وأحسابهم وعزهم فأفنى بعضهم بعضا إلا قليلا ودامت الحرب أياما على ما قيل إلى أن كانت الهزيمة على الوطاسيين عشية يوم الجمعة ثامن صفر سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة قال في الجذوة فرجع السلطان أبو العباس الوطاسي إلى فاس وبقيت محلته وقصبة تادلا بين الشريف السعيد قال وتسمى هذه السنة سنة أبي عقبة وقال في المرآة ومما اشتهر من كرامات الشيخ أبي طلحة محمد المصباحي الشاوي الزناتي أنه لما التقى مقاتلة فاس وسلطانهم أبو العباس أحمد الوطاسي ومقاتلة مراكش وسلطانهم أبو العباس أحمد الأعرج ومعه أخوه المتولي بعده أبو عبد الله محمد الشيخ سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة على مشرع أبي عقبة من وادي العبيد انهزم السلطان أبو العباس الوطاسي وتفرقت جموعه وتبعته الخيل فكادوا يقبضون عليه فحضر هنالك رجل على فرس أنثى فجعل يحول بينه وبينهم ويقول له سر يا أحمد ولا تخف ولم يزل معه إلى أن رجعوا عنه وأمن الطلب وقد عرف السلطان صفته وتحققها ولم يزل يسأل عن صاحب تلك الصفة حتى قيل له هذه صفة أبي طلحة المصباحي وتحقق ذلك ولما كان خروج السلطان المذكور الذي وصل فيه تطاوين وتزوج بها الحرة بنت الأمير السيد أبي الحسن علي بن موسى ابن راشد الشريف وذلك في ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وتسعمائة وبتطاوين بنى بها وقصد أبا طلحة المذكور ونزل عليه فلما رآه عرفه وأيقن أنه الرجل الذي أغاثه فأكب عليه السلطان وذكر ما وقع له معه فقال الشيخ يا رب كيف العيش مع هذه الشهرة فاقبضني إليك فمات عقب ذلك من سنته قال في المرآة سمعت هذه الحكاية من غير واحد وسألت شيخنا أبا القاسم بن أبي طلحة المذكور فقال لي أعقل مجيء السلطان وأنا صغير جدا أقعد في حجر أبي وعند ركبته اه قلت والأمير أبو الحسن بن راشد المذكور هو الذي اختط مدينة شفشاون كما مر وذكر في المرآة أن وفاته كانت سنة سبع عشرة وتسعمائة فيكون السلطان المذكور إنما تزوج ابنته بعد وفاته ولعله خطبها من أخيها الأمير أبي عبد الله محمد بن أبي الحسن والله أعلم واعلم أن ما سلكناه هنا من تقديم قضية الصلح على وقعة أبي عقبة هو ما يقتضيه التاريخ الذي صرحوا به وسيأتي بعد هذا ما ربما يفهم منه أن الأمر بالعكس والجواب أن قضية الصلح تكررت حسبما يؤخذ مما مر والله أعلم وفي هذه السنة أيضا عقد السلطان أبو العباس الوطاسي مع برتقال آسفي صلحا على ثلاث سنين ودخل في هذا العقد آسفي والجديدة وآزمور وكتب البرتغال بذلك إلى ملكهم ووقعت المحادة في البلاد وتفرغ الوطاسي لقتال السعديين

بناء السلطان أبي العباس الوطاسي قنطرة الرصيف بفاس حرسها الله

كان السلطان أبو العباس أحمد الوطاسي قد جدد بناء قنطرة الرصيف بحضرة فاس وذلك منتصف سنة إحدى وخمسين وتسعمائة وفي ذلك يقول الفقيه أبو مالك عبد الواحد بن أحمد الوانشريسي مشيرا إلى التاريخ المذكور ( جسر الرصيف أبو العباس جدده % فخر السلاطين من أبناء وطاس ) ( فجاء في غاية الإتقان مرتفقا % لمن يمر به من عدوتي فاس ) ( وكان تجديده في نصف عام غنا % من هجرة المصطفى المبعوث للناس ) وقال الفقيه أبو مالك أيضا ( أيا أهل فاس سدد الله سدكم % برأي أبي العباس حامي حمى فاس ) ( وأحيى به أشجاركم وثماركم % على رغم قوم منكرين من الناس ) ( فدام ودام السعد يخدم مجده % وفاز من الشكر الجميل بأجناس ) وقال الشيخ أبو زكرياء يحيى السراج ( ألا سدد الله رأي الذي % بتسديده سديدا حصينا ) ( وخلد في عزه ملكه % وأولاه فتحا ونصرا مبينا ) ( إمام الهدى أحمد المرتضى % مبيد العدا عدة المسلمينا ) وقال الإمام أبو الحسن علي بن هارون ( لقد سدد الله رأي العماد % وأبطل في السد رأي الجهول ) ( وقرب ما رامه من بعاد % بمولاي أحمد مدحي يطول ) ( فطردا وعكسا لساني يناد % عقول الملوك ملوك العقول )

وقعة وادي درنة بتادلا وأسر الأمير أبي زكرياء الوطاسي ومهلكه رحمه الله

ذكر في المرآة عند الكلام على أبي عبد الله محمد بن يوسف الفاسي وهو والد الشيخ أبي المحاسن رضي الله عنه أن أبا عبد الله المذكور كانت له وجاهة كبيرة عند أمير القصر أبي زكرياء يحيى بن أبي عبد الله البرتغالي وهو يومئذ أخو السلطان أبي العباس الوطاسي قال فانتفع بوجاهة أبي عبد الله الفاسي خلق كثير ولم يسامح هو نفسه في نيل شيء من الدنيا بسبب ذلك الجاه إلى أن أسر الأمير أبو زكرياء المذكور في وقعة وادي درنة من تادلا للشرفاء على بني وطاس في رجب سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة ومات في تلك الليالي القريبة غما وأسفا رحمه الله قلت وكان سلطان السعديين يومئذ محمد الشيخ الملقب بالمهدي فإنه تغلب على أخيه الأعرج وانتزع منه الملك وسجنه كما يأتي إن شاء الله تعالى

استيلاء السلطان محمد الشيخ السعدي على فاس وقبضه على بني وطاس ومهلك سلطانهم أبي العباس رحمه الله تعالى بفضله

لما غلب السلطان محمد الشيخ السعدي على أخيه أبي العباس الأعرج واستولى على مراكش طمحت نفسه للتوغل في بلاد الغرب وقراه فتفرغ لحرب بني وطاس ونكث ما كان بينه وبينهم من الصلح ورموا منه بحجر الأرض وردد إليهم البعوث والسرايا وأكثر فيهم من شن الغارات وصار يستلبهم البلاد شيئا فشيئا إلى أن استولى عليها وكان أول ما ملك من أمصار الغرب مكناسة الزيتون افتتحها عقب سنة خمس وخمسين وتسعمائة بعد حصار ومقاتلة ثم تقدم إلى فاس فألح عليها بالقتال وضايقها بالحصار مدة قريبة من السنة ثم استولى عليها بعد أن أسر سلطانها أبا العباس الوطاسي وصار في قبضته وكان دخوله إياها أوائل سنة ست وخمسين وتسعمائة ولما 4 دخلها تقبض على الوطاسيين أجمع وبعث بهم مصفدين إلى مراكش عدا أبا حسون المخلوع فإنه فر إلى الجزائر إلى أن كان من أمره ما نذكره ثم إن الشيخ السعدي غدر ببني وطاس فيما قيل بعد أن أظهر العفو عنهم وسرح سلطانهم أبا العباس من ثقافة والله أعلم وفي الجذوة كانت وفاة السلطان أبي العباس الوطاسي بمراكش قرب سنة الستين وتسعمائة اه وزعم منويل أنه قتل مذبوحا بدرعة قال زحف أبو عبد الله محمد الشيخ السعدي إلى فاس فبرز إليه أبو حسون الوطاسي وكان قائد جيش ابن أخيه ووقع بينهما قتال عظيم انهزم فيه أبو حسون إلى فاس وحاصره السعدي بها سنتين ولما قلت الأقوات وعجز الوطاسيون عن الدفاع نزلوا على حكم السعدي فقبض على أبي العباس الوطاسي وفر أبو حسون إلى الجزائر واستقل محمد الشيخ السعدي بأمر المغرب وغرب الوطاسيين إلى درعة فقتل أبا العباس الوطاسي الذي كان تلميذا له ذبحا اه كلامه

بقية أخبار السلطان أبي العباس الوطاسي وسيرته

كان من جملة وزراء السلطان أبي العباس المذكور ابنه محمد ومن أخباره ما ذكره في الدوحة في ترجمة الشيخ أبي عثمان سعيد بن أبي بكر المشترائي دفين مكناسة الزيتون قال من كراماته الشائعة ما اتفق له مع الوزير أبي عبد الله محمد بن السلطان أبي العباس أحمد الوطاسي لما استوزره أبوه وولاه على مكناسة فكان بها فغضب ذات يوم على أحد المشاورية فهرب المشاوري إلى زاوية الشيخ أبي عثمان فبعث الوزير إلى الشيخ بأن عليه الأمان ويبعثه إليه فقال له الشيخ إن شئت أن تذهب إلى سيدك فافعل فقال المشاوري يا سيدي أخاف أن يقتلني فقال الشيخ إن قتلك فالله يقتله فذهب المشاوري إلى الوزير وبقي عنده ليلتين وفي الثالثة قتله ولم يظهر له فجاءت أمه إلى الشيخ وقالت يا سيدي إن ولدي قد قتله الوزير فقال لها سبق ذلك في علم الله وإن الآخر سيلحقه الآن يعني الوزير فوعك الوزير تلك الليلة وسلط عليه آكال في جسمه فتمزق لحمه وتقطع شيئا فشيئا إلى أن هلك لليال قلائل من مرضه فاعتبر الناس والسلطان بذلك ومن ذلك الوقت زاد الأمراء وغيرهم في احترام حرم زاوية الشيخ المذكور اه وكان للسلطان أبي العباس اعتقاد في المتصلحين وأرباب الأحوال فمن فوقهم من أهل العلم والدين من ذلك ما حكاه في الدوحة أيضا في ترجمة أبي الحسن علي الصنهاجي المعروف بالدوار قال كان أبو الحسن المذكور من الملامتية وكان يدخل دور الملوك من بني وطاس فيتلقاه النساء والصبيان يقبلون يديه وقدميه فلا يلتفت إلى أحد ويعطونه الثياب الرفيعة والذخائر النفيسة ويلبسه السلطان يعني أبا العباس من أشرف لباسه فإذا خرج تصدق بجميع ذلك ويمر على حوانيت الزياتين فيغمس أكمام الحلة التي تكون عليه ويبرقعها بالزيت أو بالسمن ولا يزال يدور في الأماكن ويصرخ باسم الجلالة اه قالوا وكان السلطان أبو العباس المذكور واقفا عند إشارة الفقيه أبي مالك عبد الواحد بن أحمد الوانشريسي وهو ابن صاحب المعيار لا يتعدى أمره ولا يخالف رأيه كما وقع له في مسألة رجل إسلامي يعرف بعبد الرحمن المنجور وكان تاجرا جامعا للمال فشهد عليه في حكاية طويلة أربعون رجلا من العدول باستغراق ذمته فأخذه السلطان أبو العباس الوطاسي وقتله وصير أملاكه لبيت مال المسلمين فرغب أولاد المنجور من السلطان أن يؤدوا له عشرين ألف دينار ويرد إليهم أملاكهم ويسقط عنهم بينة الاستغراق فقال السلطان لحاجبه اذهب إلى الشيخ عبد الواحد الوانشريسي وشاوره في ذلك وعرفه بأني في الحاجة إلى هذا المال لأجل هذه الحركة التي عرضت لي فذهب الحاجب إليه وأخبره بمقالة السلطان ورغبته في قبول ذلك فقال الشيخ والله لا ألقى الله بشهادة أربعين رجلا من عدول المسلمين لأجل سلطانك اذهب وقل له إني لا أوافق على ذلك ولا أرضاه فرجع الحاجب إلى السلطان وأخبره بما قال الشيخ فرجع السلطان عما عزم إليه ونظير هذا ما اتفق له معه أيضا وهو أن الناس خرجوا يوم العيد للصلاة فانتظروا السلطان فأبطأ عليهم ولم يأت إلى خروج وقت الصلاة وحينئذ أقبل السلطان أبو العباس في أبهته فلما انتهى إلى المصلى نظر الشيخ أبو مالك فرأى أن الوقت قد فات فرقي المنبر وقال معشر المسلمين أعظم الله أجركم في صلاة العيد فقد عادت ظهرا ثم أمر المؤذن فأذن وأقام الصلاة فتقدم الشيخ أبو مالك وصلى الناس الظهر فخجل السلطان أبو العباس واعترف بخطيئته رحم الله الجميع

الخبر عن الدولة الثانية للسلطان أبي حسون الوطاسي رحمه الله

لما دخل السلطان أبو عبد الله محمد الشيخ السعدي إلى فاس سنة ست وخمسين وتسعمائة وقبض على بني وطاس بها حسبما تقدم فر أبو حسون هذا إلى ثغر الجزائر حقنا لدمه ومستجيشا لتركها ومستجيشا على السعدي وكان الترك قد استولوا على المغرب الأوسط وانتزعوه من يد بني زيان كما سيأتي فلم يزل أبو حسون عندهم يفتل لهم في الغارات والسنام ويحسن لهم بلاد المغرب الأقصى ويعظمها في أعينهم ويقول إن المتغلب عليها قد سلبني ملكي وملك آبائي وغلبني على تراث أجدادي فلو ذهبتم معي لقتاله لكنا نرجو الله تعالى أن يتيح لنا النصر عليه ويرزقنا الظفر به ولا تعدمون أنتم مع ذلك منفعة من ملء أيديكم غنائم وذخائر ووعدهم بمال جزيل فأجابوه إلى ما طلب وأقبلوا معه في جيش كثيف تحت راية باشاهم صالح التركماني المعروف بصالح رئيس إلى أن اقتحموا حضرة فاس بعد حروب عظيمة ومعارك شديدة وفر عنها محمد الشيخ السعدي إلى منجاته وكان دخول السلطان أبي حسون إلى فاس ثالث صفر سنة إحدى وستين وتسعمائة ولما دخلها فرح به أهلها فرحا شديدا وترجل هو عن فرسه وصار يعانق الناس كبيرا وصغيرا شريفا ووضيعا ويبكي على ما دهمه وأهل بيته من أمر السعديين واستبشر الناس بمقدمه وتيمنوا بطلعته وقبض على كبير فاس يومئذ القائد أبي عبد الله محمد بن راشد الشريف الإدريسي واطمأنت به الدار ثم لم يلبث السلطان أبو حسون إلا يسيرا حتى كثرت شكاية الناس إليه بالترك وأنهم مدوا أيديهم إلى الحريم وعاثوا في البلاد فبادر بدفع ما اتفق معهم عليه من المال وأخرجهم عن فاس وتخلف بها منهم نفر يسير

مجيء السلطان محمد الشيخ السعدي إلى فاس واستيلاؤه عليها ومقتل السلطان أبي حسون رحمه الله

لما فر السلطان محمد الشيخ السعدي من وقعة الأتراك بفاس وصل إلى مراكش فاستقر بها وصرف عزمه لقتال أبي حسون فأخذ في استنفار القبائل وانتخاب الأبطال وتعبية العساكر والأجناد فاجتمع له من ذلك ما اشتد به أزره وقوي به عضده ثم نهض بهم إلى فاس فخرج إليه السلطان أبو حسون في رماة فاس وما انضاف إليهم من جيش العرب فكانت الهزيمة على أبي حسون فرجع إلى فاس وتحصن بها فتقدم الشيخ السعدي وحاصره إلى أن ظفر به في وقعة كانت بينهما بالموضع المعروف بمسلمة فقتله واستولى على حضرة فاس وصفا له أمرها وكان استيلاؤه عليها يوم السبت الرابع والعشرين من شوال سنة إحدى وستين وتسعمائة على الصواب خلاف ما وقع في الدوحة والله أعلم وبمقتل السلطان أبي حسون رحمه الله انقرضت الدولة المرينية بالمغرب والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين وبقي علينا الإلماع بأواخر دولة بني زيان ملوك تلمسان وكيف كان انقراض أمرهم فلنشر إلى ذلك فنقول كانت دولة بني زيان على ما علمت من الاضطراب سائر أيام بني مرين وكان منهم في صدر المائة التاسعة السلطان الواثق بالله من أمثل ملوكهم وغلبهم على تلمسان في تلك المدة السلطان أبو فارس عبد العزيز بن أحمد الحفصي فأخذوا بطاعته ثم بعد موته سنة سبع وثلاثين وثمانمائة اعتزوا بعض الشيء إلى أن كانت دولة السلطان أبي عمرو عثمان بن محمد الحفصي فغزا تلمسان أعوام السبعين وثمانمائة مرتين وفي الثانية هدم أسوارها وعزم على استئصال أهلها إلى أن تشفع إليه علماؤها وصلحاؤها فعفا عنهم وكان الباعث له على غزوها أولا ما بلغه من أن الأمير محمد بن محمد بن أبي ثابت استولى عليها ففعل ما فعل وصاهرهم ببعض حفدته وقال صاحب بدائع السلك شاهدت بتلمسان وبعض أعمالها تصريح الخطيب باسم السلطان أبي عمرو عثمان صاحب تونس مقدما في الذكر على اسم صاحب تلمسان أبي عبد الله من أعقاب بني زيان لما بينهما من الشرط في ذلك وبقيت حال بني زيان متماسكة إلى أن ظهر جنس الإصبنيول في صدر المائة العاشرة بعد ما تم له ملك الأندلس وعظمت شوكته فطمح للتغلب على ثغور المغربين الأدنى والأوسط فاستولى على بجاية سنة عشر وتسعمائة ثم على وهران سنة أربع عشرة وتسعمائة وفعل بأهلها الأفاعيل ثم سما لتملك الجزائر وشره لالتهامها وضايق المسلمين في ثغورهم وضعف بنو زيان عن مقاومته وكان الشيخ الفقيه الصالح أبو العباس أحمد ابن القاضي الزواوي ممن له الشهرة والوجاهة الكبيرة في بسائط المغرب الأوسط وجباله وكانت دولة العثامنة من الترك في هذه المدة قد زخر عبابهم وملكت أكثر المسكونة وظهر من قواد عساكرهم البحرية قائدان عظيمان وهما خير الدين باشا وأخوه عروج باشا وكانا قد تابعا الغزو على بلاد الكفر برا وبحرا وأوقعا بأهل دول الأوروبا وقائع شهيرة وصار لهم ذكر في أقطار البلاد وتمكن ناموسهم من قلوب العباد فكاتبهم الفقيه أبو العباس المذكور وعرفهم بما المسلمون فيه من مضايقة العدو الكافر وقال إن بلادنا بقيت لك أو لأخيك أو للذئب فأقبل الترك نحوه مسرعين واستولى عروج على ثغر الجزائر بعد ما كاد العدو يملكه فتخلصه منه ثم استولى على تلمسان وغلب بني زيان على أمرهم وذلك سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة على ما في النزهة ثم إن أهل تلمسان أنكروا سيرة الترك وسئموا ملكتهم ويقال إن الترك عسفوهم وصادروهم على أموالهم وكان عروج قد أغرى بالفقيه أبي العباس المستدعي له فقتل شهيدا بعد الثلاثين وتسعمائة ورأى عروج أن أمر المغرب الأوسط لا يصفو له مع وجود الفقيه المذكور فدس عليه من قتله ثم نهض عروج إلى بني يزناسن فكان الكرة عليه وقتل هنالك مع جماعة من وجوه عسكره وتفرقت جموعه وعادت تلمسان إلى بني زيان فجددوا بها رياستهم وأحيوا رمق دولتهم إلى أن عاود الترك غزوها بعد حين وانتزعوها من يد صاحبها أبي العباس أحمد بن عبد الله من أعقاب يغمراسن بن زيان قال في المرآة ما نصه قال الشيخ الإمام قاضي الجماعة أبو محمد عبد الواحد بن أحمد الوانشريسي رحمه الله ومن خطه نقلت قدم حسن ابن خير الدين التركي فاستولى على تلمسان في أواسط شعبان سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة وأخرج منها الأمير أحمد ابن الأمير عبد الله ووزيره منصور بن أبي غانم ولحقا بدبدو مع من انضاف إليهما من أمراء تلمسان وكبرائها فغدر بهم عمر بن يحيى الوطاسي صاحب دبدو وأخذ أموالهم واعتقلهم وسرح منصورا في محرم من سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة اه واستمرت تلمسان في يد الترك إلى أواسط صدر المائة الثالثة عشرة فاستولى عليها الفرنسيس على ما نذكره إن شاء الله واعلم أنه كان في صدر هذه المائة العاشرة أمور عظام منها ظهور الفرنج بالديار المغربية واستيلاؤهم على ثغورها بما لم يعهد مثله قبل ذلك لا سيما البرتغال والإصبنيول حسبما تقدمت الإشارة إليه ومنها ظهور دولة آل عثمان ملوك التركمان بالديار المشرقية وما أضيف لها الظهور الذي لا كفاء له وابتداء هذه الدولة وإن كان قبل هذا التاريخ بنحو مائتي سنة لكن إنما كان عنفوان شبابها وفيضان عبابها في هذه المدة لا سيما في دولة سلطانهم الأعظم وخاقانهم الأفخم سليمان بن سليمان خان فإنه ملك أكثر المعمور وقام بدعوته من الأمم الجمهور وهجمت عساكره على ديار الأرنا فقاتلوهم في أعز بلادهم واستلبوهم من طارفهم وتلادهم وخضعت ملوكهم لعزته واستكانوا لصولته وأعطوه يد المقادة وآتوه من الطاعة والخضوع ما خالف العادة ثم أوطأ عساكره المغربيين الأدنى والأوسط فاستولى عليهما وكاد يتناول الأقصى ويضيفه إليهما على ما تقف عليه في أخبار السعديين إن شاء الله ومنها ظهور الأولياء وأهل الصلاح من الملامتية وأرباب الأحوال والجذب في بلاد الشرق والغرب لكنه انفتح به للمستورين على النسبة وأهل الدعوى باب متسع الخرق متعسر الرتق فاختلط المرعى بالهبل وادعى الخصوصية من لا ناقة له فيها ولا جمل وصعب على جل الناس التمييز حتى بين البهرج والإبريز لا سيما العامي الغمر الذي لا يفرق بين الحصباء والدر ويرحم الله الشيخ اليوسي إذ قال في محاضرته ما نصه وقد طرق أسماع القوم من قبل اليوم كلام أهل الصولة كفحول القادرية والشاذلية رضي الله عنهم وكلام أرباب الأحوال في كل زمان فتعشقت النفوس ذلك وأذعن له الجمهور وخاضوا في التشبيه بهم فما شئت أن تلقى جاهلا مسرفا على نفسه لم يعرف بعد ظاهر الشريعة فضلا عن أن يعمل فضلا عن أن يخلص إلى الباطن فضلا عن أن يكون صاحب مقام إلا وجدته يصول ويقول وينابذ المنقول والمعقول وأكثر ذلك في أبناء الفقراء يريد الواحد منهم أن يتحلى بحلية أبيه ويستتبع أتباعه بغير حق ولا حقيقة بل لمجرد حطام الدنيا فيقول خدام أبي وزريبة أبي ويضرب عليهم المغرم كمغرم السلطان ولا يقبل أن يحبوا أحدا في الله أو يعرفوه أو يقتدوا به غيره وإذا رأى من خرج يطلب دينه أو من يدله على الله تعالى يغضب عليه ويتوعده بالهلاك في نفسه وماله وقد يقع شيء من المصائب بحكم القضاء والابتلاء فيضيفه إلى نفسه فيزداد بذلك هو وأتباعه ضلالا ثم يخترق لهم من الخرافات والأمور المعتادة ما يدعيه سيرة ودينا يستهويهم به ثم يضمن لهم الجنة على مساوئ أعمالهم والشفاعة يوم المحشر ويقبض على لحمة من ذراعه فيقول للجاهل مثله أنت من هذه اللحمة فيكتفي جهال العوام بذلك ويبقون في خدمته ولدا عن والد قائلين نحن خدام الدار الفلانية وفي زريبة فلان فلا نخرج عنها وكذا وجدنا آباءنا وهذا هو الضلال المبين وهؤلاء قطاع العباد عن الله إلى آخر كلامه فقف عليه في الفصل الخامس والعشرين منها فإنه نفيس وبالله تعالى التوفيق وفي سنة إحدى عشرة وتسعمائة توفي الفقيه أبو العباس أحمد بن عيسى الماواسي البطوي الموقت المشهور وفي سنة اثنتي عشرة بعدها توفي الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن قاسم التجيبي المعروف بالزقاق فقيه فاس وهو صاحب المنظومة اللامية في علم القضاء وغيرها وفي سنة أربع وتسعمائة في يوم الثلاثاء العشرين من صفر منها توفي الشيخ الإمام أبو العباس أحمد بن يحيى الوانشريسي مؤلف المعيار وغيره من التآليف الحسان أصله من تلمسان واستوطن مدينة فاس إلى أن توفي بها في التاريخ المذكور وفيها أيضا توفي الشيخ الكبير أبو فارس عبد العزيز بن عبد الحق الحرار المعروف بالتباع دفين حومة الفحول من مراكش من أصحاب الشيخ الجزولي رضي الله عنهما وصفه شيخه المذكور بالكيمياء وكان يقال النظرة فيه تغني أفاض الله علينا من مدده وفي سنة تسع عشرة وتسعمائة توفي الشيخ الإمام العلامة النظار أبو عبد الله محمد بن أحمد بن غازي العثماني المكناسي ثم الفاسي وقد تقدم خبره مع الشيخ أبي محمد الغزواني رحمهما الله وفي سنة ست وعشرين وتسعمائة انحبس المطر بفاس والمغرب واضطر الناس إلى استخراج السواقي من الأودية والأنهار لسقي زرعهم وثمارهم وفي سنة سبع وعشرين بعدها كان الغلاء والجوع الكبير الذي صار تاريخا في الناس مدة وفي سنة ثمان وعشرين بعدها كان الوباء بالمغرب سنة الله في خلقه وفي هذه المدة أعني أعوام الثلاثين وتسعمائة على ما في الدوحة توفي الشيخ أبو عبد الله محمد بن منصور السفياني دفين جزيرة البسابس من بلاد أولاد جلون على مسيرة نصف يوم من مصب نهر سبو في البحر من جهة المشرق وكان من أصحاب الشيخ التباع والروضة التي عليها بناها الشيخ أبو زيد عبد الرحمن المجذوب يقال إنه لما أكملها رآه في المنام وألبسه حلة خضراء وفي سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة في ثاني يوم من ربيع الأول منها توفي الشيخ أبو محمد عبد الكريم بن عمر الحاجي المعروف بالفلاح ضجيع القاضي عياض في روضته بحومة باب إيلان من مراكش وهو من أصحاب الشيخ التباع أيضا وفي هذه المدة على ما في الدوحة توفي الشيخ أبو يشو مالك بن خدة الصبيحي من عرب صبيح كان من أهل العلم والفضل والدين ودفن على ضفة نهر سبو على نحو مرحلة من فاس وقبره مزارة إلى الآن وفي سنة خمس وثلاثين وتسعمائة توفي الشيخ أبو محمد الغزواني رضي الله عنه دفين حومة القصور من مراكش وقد تقدم شيء من خبره وفي أعوام أربعين وتسعمائة توفي الشيخ الكامل أبو عبد الله محمد بن عيسى السفياني المختار ثم الفهدي دفين مكناسة الزيتون وهو شيخ جليل القدر شهير الذكر رضي الله عنه ونفعنا به آمين | 5 |

بسم الله الرحمن الرحيم

الدولة السعدية

الخبر عن دولة الأشراف السعديين من آل زيدان وذكر أوليتهم وتحقيق نسبهم

اعلم أن هؤلاء السعديين كانوا يقولون إن أصل سلفهم من ينبع النخل من أرض الحجاز وأنهم أشراف من ولد محمد النفس الزكية رضي الله عنه وإليه كانوا يرفعون نسبهم ويقولون في أول ملوكهم القائم بأمر الله مثلا هو محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن علي بن مخلوف بن زيدان بن أحمد ابن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي محمد بن عرفة بن الحسن بن أبي بكر بن علي بن حسن بن أحمد بن إسماعيل بن قاسم ابن محمد النفس الزكية ابن عبد الله الكامل بن حسن المثنى بن الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم فهم بنو عم السادة العلويين أشراف سجلماسة يجتمعون معهم في محمد بن أبي القاسم المذكور في النسب قالوا والسبب في قدوم سلفهم من الحجاز إلى المغرب أن أهل درعة كانت لا تصلح ثمارهم وتعتريها العاهات كثيرا فقيل لهم لو أتيتم بشريف إلى بلادكم كما أتى أهل سجلماسة لصلحت ثماركم كما صلحت ثمارهم وقد كان أهل سجلماسة جاؤوا بالمولى الحسن بن قاسم بن محمد بن أبي القاسم من أرض ينبع في قصة ظريفة تأتي في محلها إن شاء الله قالوا فأتى أهل درعة بالمولى زيدان بن أحمد مضاهاة لأهل سجلماسة فعادت عليهم بركته واعلم أن هذا النسب الشريف المسرود آنفا فيه كما قال اليفرني بتر بين قاسم ومحمد النفس الزكية فإنه لا يعرف في أولاد النفس الزكية من اسمه قاسم وإنما هو قاسم بن محمد بن عبد الله الأشتر بن محمد النفس الزكية ولعله سقط عن ذهول من الناسخ وقيل الصواب إنه قاسم بن حسن بن محمد بن عبد الله الأشتر بن محمد النفس الزكية واعلم أيضا أن ما زعمه هؤلاء السعديون من انتسابهم لهذا البيت الكريم هو المعروف عند الكافة وتلقاه فضلاء عصرهم بالقبول وأثبتوه في تقريضاتهم ومؤلفاتهم الموضوعة في أخبارهم ومن الناس من يطعن في ذلك ونقله بعضهم عن الشيخ أبي العباس المقري صاحب نفح الطيب وأنه صحح أنهم من بني سعد بن بكر بن هوازن الذين منهم حليمة السعدية ظئر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا النقل ضعيف لأن الشيخ المقري صرح في نفح الطيب بشرف هؤلاء السادة في غير موضع وهو من آخر ما ألف وممن طعن في نسبهم المولى محمد فتحا بن الشريف السجلماسي أول ملوك السادة العلويين صرح بذلك في بعض الرسائل التي كانت تدور بينه وبين الشيخ ابن زيدان منهم قال فيها وقد اعتمدنا في ذلك يعني في عدم شرفهم على ما نقله الثقات المؤرخون لأخبار الناس من علماء مراكش وتلمسان وفاس ولقد أمعن الكل التأمل بالذكر والفكر فما وجدوكم إلا من بني سعد بن بكر اه ويحكى شائعا عن الفقيه الورع المولى أبي محمد عبد الله بن علي بن طاهر السجلماسي وكان من أهل الصلاح والدين أنه كان ذات يوم جالسا مع المنصور السعدي في بعض قصوره من حضرة مراكش وهما مجتمعان على خوان طعام فقال المنصور للشيخ أبي محمد أين اجتمعنا يا فقيه يعني في النسب فقال أبو محمد على هذا الخوان ويروى في هذا المشور فأسرها المنصور في نفسه ولم يبدها له إلى أن احتال عليه بما كان السبب في إتلاف مهجته فكان المنصور بعد ذلك يدعو الشيخ أبا محمد فيجلسه على الرخام في زمان كلب البرد وهيجانه من غير حائل وقد اتخذ المنصور فيما زعموا لبدة صوف داخل سراويله لا يحس معها بالبرد فإذا رآه أبو محمد جالسا معه تجلد واستحيى أن يقوم عن السلطان ويتركه ويستمران على المذاكرة في مسائل العلم فعل ذلك به أياما حتى سكنته علة البرد فلم يزل أبو محمد يشتكي من ذلك إلى أن قضت عليه وأنكر هذا صاحب نشر المثاني ورده بتأخر وفاة ابن طاهر عن وفاة المنصور بأكثر من ثلاثين سنة وجواب أبي محمد هذا من النوع البياني المسمى بتلقي المخاطر بغير ما يترقب على ما هو معروف في كتب الفن وإنما سأله المنصور لما مر من أن السعديين يزعمون أن جدهم قدم من ينبع أيضا كما قدم جد العلويين والعلويون ينكرون ذلك كل الإنكار ويقولون إنهم لم يجتمعوا معهم في قبيل ولا دبير قال اليفرني لكن صحح لنا غير واحد من أشياخنا أن الشيخ ابن طاهر رجع عن ذلك الإنكار وأن المنصور أطلعه بعد ذلك على ظهير فيه خط الإمام ابن عرفه وشيخه ابن عبد السلام بثبوت نسبهم فاطمأنت نفس ابن طاهر لذلك فكان يصرح بصحة نسبهم بعد ذلك ويزجر من يطعن فيه اه قلت وهذا هو الصواب إذ مستند من يطعن في نسبهم عدم وضوحه ولا يلزم من عدم وضوحه عدم ثبوته في نفس الأمر وإلا فيبعد أن يكون هؤلاء المنكرون قد اطلعوا على أحوال عمود نسبهم وما اشتمل عليه من الآباء والأجداد من لدن مبدئه إلى منتهاه مع طول المدة وتناسخ الأجيال فالتنقير عن ذلك عسير جدا ولذا وكل الشارع أمر الأنساب إلى أهلها وجعلهم مصدقين فيها إذ لا تعرف غالبا إلا من قبلهم فهؤلاء السادة الزيدانيون لو فرضنا أنهم ما كانوا ملوكا ولا بلغوا من الشهرة إلى حيث بلغوا ثم ادعوا هذا النسب الكريم فلا سبيل لأحد أن يدفعهم عنه إلا بقاطع ولا قاطع كما علمت نعم الحكاية المسوقة في سبب دخولهم إلى المغرب يظهر عليها أثر الصنعة والله أعلم بحقائق الأمور وأما تسميتهم بالسعديين فقد قال اليفرني إن هذه النسبة لم تكن لهم في القديم ولا وقعت بها تحليتهم في ظهائرهم ولا في سجلاتهم وصدور رسائلهم بل كانوا لا يقبلون ذلك ولا يجترئ أحد على مواجهتهم به لأنه إنما يصفهم بذلك من يقدح في نسبهم ويطعن في شرفهم ويزعم أنهم من بني سعد بن بكر كما قلنا وكثير من العامة وإخوانهم من الطلبة يعتقدون أنهم إنما سموا بذلك لأن الناس سعدوا بهم ونحو ذلك مما لا معنى له اه قلت وإنما نصفهم نحن بذلك لأنهم اشتهروا عند الخاصة والعامة به فصار كالعلم الصرف المرتجل مع أنه لا محذور بعد تحقيق النسب وثبوت الشرف والله تعالى يلهمنا الصواب بمنه وفضله

الخبر عن دولة الأمير أبي عبد الله محمد القائم بأمر الله وبيعته والسبب فيها

قال ابن القاضي درة السلوك لم يزل أسلاف السعديين مقيمين بدرعة إلى أن نشأ منهم أبو عبد الله محمد القائم بأمر الله فنشأ على عفاف وصلاح وحج البيت الحرام وكان مجاب الدعوة ولقي جماعة من العلماء الأعلام والصلحاء العظام في وفادته على الحرمين الشريفين أخبرني بعض الفضلاء أنه لقي رجلا صالحا بالمدينة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام فأشار له بما يكون منه ومن ولديه وكان قد رأى رؤيا وهي أن أسدين خرجا من إحليله فتبعهما الناس إلى أن دخلا صومعة ووقف هو ببابها فعبرت له رؤياه بأنه سيكون لولديه شأن وإنهما يملكان الناس ثم رجع إلى المغرب وهو معلن بالدعوة فيقول في كل محفل إن ولديه سيملكان المغرب وسيكون لهما شأن من غير تردد منه ثقة بخبر الرجل الصالح وبرؤياه المذكورة فما زال إلى أن قام سنة خمس عشرة وتسعمائة اه وقال صاحب زهرة الشماريخ ما صورته إن سبب قيام أبي عبد الله القائم أن أهل السوس أحاط بهم العدو الكافر ونزل بجوانبهم من كل جهة حتى أظلم الجو واستحكمت شوكة البرتغال وبقي المسلمون في أمر مريج لعدم أمير تجتمع عليه كلمة الإسلام لأن بني وطاس فشلت ريحهم يومئذ في بلاد السوس وإنما كان لهم الملك في حواضر المغرب ولم يكن لهم منه بالسوس إلا الاسم مع ما كانوا فيه من قتال العدو بطنجة وآصيلا وحجر بادس وغيرها من ثغور بلاد الهبط فلما رأى قبائل السوس ما دهمهم من تفاقم الأحوال وكثرة الأهوال وطمع العدو في بلادهم ذهبوا إلى الشيخ الصالح أبي عبد الله محمد بن مبارك الأقاوي نسبة إلى آقة من بلاد السوس فذكروا له ما هم فيه من افتراق الكلمة وانتشار الجماعة وكلب العدو على مباكرتهم بالقتال ومراوحتهم وطلبوا منه أن يعقدوا له البيعة وتجتمع كلمتهم عليه فامتنع من ذلك وقال إن رجلا من الأشراف بتاجمدارت من درعة يقول إنه سيكون له ولولديه شأن فلو بعثتم إليه وبايعتموه كان أنسب بكم وأليق بمقصودكم فبعثوا إليه وكان من أمره ما كان وقال اليفرني رأيت بخط الفقيه العلامة أبي زيد عبد الرحمن ابن شيخ الجماعة أبي محمد عبد القادر الفاسي ما صورته ذكر لنا الوالد عن سيدي أحمد بن علي السوسي البوسعيدي أن ابتداء دولة الشرفاء بالسوس أن بعض السادة وهو سيدي بركات توسط في فداء بعض الأسارى وأراد أن يكون مع النصارى اتفاق على أن لا يحبسوا أسيرا فكلمهم في ذلك فقالوا له حتى يكون لكم أمير فإن ملككم قد ذهب واضمحل قال ثم إن بعض أهل السوس ساروا إلى قبيلة جسيمة يكتالون الطعام فأخذتهم جسيمة وأكلوا متاعهم وبضاعتهم فذهبوا إلى شيخهم وكان ذا حزم وتدبير فرد عليهم كل ما ضاع لهم حتى لم يبق لهم شيء فلما رجعوا إلى بلادهم قالوا إن هذا الشيخ الرئيس هو الذي يليق أن نبايعه فاجتمعوا وأتوه وطلبوا منه أن يرأسهم فامتنع واحتاط لدينه واعتذر بتشويش هذا الأمر للدين ودلهم على رجل شريف كان مؤذنا بدرعة فقال لهم إن كان ولا بد فاقصدوا الشريف الفلاني فإنه يذكر أن ولديه يملكان المغرب فقصدوه وحملوه إلى بلادهم وبايعوه وفرضوا له من المؤنة ما يكفيه وأولاده وبقي هنالك في نحر العدو ويروى أنه لما بايعه أهل السوس ورأى قلة ما بيده مع أن الملك لا يقوم إلا بالمال احتال بأن أمر أهل السوس أن يأتوه ببيضة لكل كانون فاجتمع له من ذلك آلاف من البيض لا تحصى لأن الناس استهونوا أمر البيضة فلما اجتمع عنده البيض أمر أن كل من أتى ببيضة يأتي بدلها بدرهم ففعلوا فاجتمع له من ذلك مال وافر فأصلح به شأنه وقوى به جيشه وكانت تلك أول نائبة فرضت في دولة السعديين والله أعلم وقال ابن القاضي إن الأمير أبا عبد الله القائم لما اجتمع بالشيخ ابن مبارك ببلده آفة وذلك سنة خمس عشرة وتسعمائة على ما مر فاوضه في شأنه ثم عاد إلى مقره من درعة ثم في سنة ست عشرة بعدها بعث إليه فقهاء الصامدة وشيوخ القبائل ودعوه إلى توليته عليهم وتسليم الأمر إليه فلبى دعوتهم وجاء إلى قرية يقال لها تيدسي قرب تارودانت فبايعه الناس بها وأصبحوا معه بقلوب متفقة وأهواء على الجهاد مجتمعة اه وقد ساق منويل أولية هذه الدولة مساقا غريبا ولا يخلو عن فائدة فلنذكر منه ما يقرب إلى الصحة ويكون كالشرح لما مضى أو يأتي من أخبار هذه الدولة قال لما كان السلطان أبو عبد الله الوطاسي يعني البرتغالي أميرا بفاس ظهر في درعة رجل شريف يعني أبا عبد الله محمدا القائم بأمر الله قال وكان هذا الشريف من قراء القرآن ومن أهل العلم والدين والفقر والخمول ولم يكن من بيت الرياسة وكان له اطلاع على تواريخ قطره وعوائد جيله وأخلاقهم وطبائعهم ورأى ما وصل إليه ملك المغرب من الانحطاط والضعف وتيقن أنه لا يصعب عليه تناوله فأعمل في ذلك فكره ومكره وصار يحض الناس على القيام بأمور دينهم والامتعاض لها وكان قد بعث ثلاثة من أولاده وهم عبد الكبير وأحمد ومحمد إلى الحجاز بقصد الحج وكانت لهم فصاحة ورجاحة ومعرفة بإدارة الكلام فظهر لهم ناموس في تلك البلاد وأحبهم الناس لا سيما أحمد ومحمد ولما رجعا من مكة أقاما بفاس وهي يومئذ دار الملك وترتب أحمد في مجلس بالقرويين لتدريس العلم فاكتسب بذلك جاها وتقرب محمد إلى السلطان حتى صار مؤدبا لأولاده وبقيا على ذلك مدة وهما في ذلك كله يتحببان إلى الناس ويسعيان في مذاهب الشهرة والبرتغال في أثناء ذلك ملح على الثغور واستلابها من أهلها ولم تكن تقوم للمسلمين معه راية فدعا ذلك الأخوين أحمد ومحمدا إلى أن ندبا السلطان وهو أبو عبد الله البرتغالي إلى المناداة في الناس بالجهاد إظهارا للنصح وهما يسران حسوا في ارتغاء وقصدهما تفرقة الكلمة على السلطان لا غير فاغتر السلطان بنصحهما وقال لهما لا أحد أولى منكما بالقيام بهذه الوظيفة فأجاباه إلى ذلك عن توفر داعية وكمال رغبة فأرسلهما يناديان ويستنفران الناس في نواحي المغرب إلى الجهاد ويحضان الناس عليه ويخطبان بذلك في المحافل ويعظان وتتبعا الحواضر والبوادي وتقريا الأحياء والمداشر والقرى إلى أن وصلا إلى درعة حيث أبوهما وأخوهما عبد الكبير فاجتمعا بهما وذاكراهما في أمرهما وأنهما قد أشرفا على المراد وكادا يلجان الملك من بابه لأن أهل تلك البلاد كانوا سامعين لهم من قبل اليوم فكيف بهم اليوم فحينئذ أخذ الأب وأولاده في نشر معايب الدولة للعامة ويقررون ذلك بفصاحتهم ووجاهتهم وما أوتوه من القبول وعضدهم على ذلك شيوخ البلد وتبعهم الناس واجتمعوا عليهم من كل جهة وصار حالهم ينموا شيئا فشيئا إلى أن استبدوا على السلطان ولم يرجعوا إليه بعد وقال في نشر المثاني كان السبب في قيام الشرفاء الزيدانيين واستبدادهم بملك المغرب أن الحرب نشبت بين النصارى وأهل السوس ودامت وكان بنو وطاس يمدون أهل السوس بالمال والعدد فاتفق أن خرج الشريفان محمد الشيخ وأخوه أحمد الأعرج للجهاد مع أهل السوس فظهر مكانهما في الجهاد فلما وفدا على الوطاسي تلقاهما بالرحب وأقبل عليهما لأجل قيامهما بالجهاد وأعطاهما عدة وخيولا كثيرة فرجعا إلى جهادهما ثم عادا إليه مرة أخرى فأعطاهما مثل ذلك وكانت لهما وقائع في النصارى ونكاية وظهور وصارا يكتبان إلى القبائل فيساعدونهما على ذلك حتى اجتمعت عليهم جموع عديدة فحينئذ خلعا طاعة الوطاسي ودعوا لأنفسهما اه قال منويل وكان أكثر شهرة أمرهم بالسوس الأقصى ودرعة وأعمالهما وصاروا يرفعون إليهم زكواتهم وأعشارهم ثم بايعوهم ونهض هؤلاء الأشراف إلى تارودانت فاستولوا عليها وحصنوها ثم زحفوا إلى آكادير لحرب البرتغال فقاتلوه مدة ولم يفتح لهم وكانوا يشيعون أنهم لا قصد لهم إلا في الجهاد ومحاربة عدو الدين ومن هو سلم له من المسلمين إذ لم يتأت لهم إذ ذاك التصريح بخلع السلطان وفي سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة تجاوزوا جبل درن إلى بلاد حاحة والشياظمة ثم دخلوا بسيطة عبدة وكان بآسفي رجل تنصر اسمه يحيى بن تافوت احتمى بالبرتغال من السلطان وكان معروفا بالشجاعة واتصل خبره بطاغية البرتغال منويل فولاه على النصارى وعلى أتباعه من المسلمين تأليفا له ولما زحف الأشراف إلى بلاد عبدة كان بينهم وبين يحيى المذكور ونصاراه معركتان شديدتان كان الظهور فيهما ليحيى لكن أبو العباس أحمد الأعرج تدارك أمره فورا وجمع عسكرا آخر وخطبهم ووعظهم وزحف إلى يحيى المذكور ففضه وفض نصاراه إلى أن انجحروا بآسفي وأغلقوه عليهم وأتيح لأحمد عليهم ما لم يتقدم لغيره فيهم فبذلك تأتى له أن يتناول ملك المغرب ولما اتصل خبر هذا الظهور له بالسلطان الوطاسي لم يعجبه ذلك وظهر له أن ما كان أحمد وأخوه يحاولانه من أمر الجهاد لم يكن ظاهره كباطنه وحقق له ذلك ما فعلوه من تحصين تارودانت مع ما كان لأبيهم من نفوذ الكلمة بالسوس وكان في هذا التاريخ بمراكش وأعمالها عامل اسمه ناصر بوشتنوف وكان مستبدا على الوطاسي ويبذل له شيئا تافها يتقيه به ولما مر به هؤلاء الأشراف في أول أمرهم داعين إلى الجهاد أحسن إليهم غاية ولما أوقعوا وقعة آسفي أبرموا أمرهم مع ناصر أبي شتنوف وأظهروا له المحبة والموالاة وطلبوا منه أن يظاهرهم على جهاد العدو وأن يكونوا يدا واحدة وجندا واحدا عليه فأسعفهم وقدموا مراكش فدخلوها مرة ثانية وأحسن إليهم وبعد أيام خرجوا به للصيد فسموه في خبز صغير يسمى القريشلات فهلك للحين وصفا للأشراف مراكش وأعمالها إذا كان أهلها قد أحبوهم وشرهوا إليهم ولما تم لهم أمر درعة والسوس ومراكش تسمى أحمد باسم الأمير واستخلف أخاه محمدا الشيخ ولما اتصل الخبر بالوطاسي وأنهم استولوا على مراكش أقلقه ذلك ومن مكر أحمد أنه بعث إليه يقول ما أنا إلا واحد من أعمالك وما كان يعطيه أهل هذه البلاد أبذله لك مضاعفا ومع ذلك لم يطمئن إليه ثم هلك الوطاسي وولي مكانه ابنه أبو العباس أحمد وانقسمت مملكة المغرب فصارت فاس للوطاسي ومراكش وأعمالها لأبي العباس الأعرج وتارودانت والسوس ودرعة لمحمد الشيخ وأما عبد الكبير فإنه كان استشهد قبل هذا في حرب البرتغال قرب آسفي ولما رأى أبو العباس الوطاسي استفحال أمر الأشراف وأنهم أمسكوا عنه ما وعدوا بأدائه لأبيه عزم على حربهم فجمع عسكرا عظيما وزحف إلى مراكش فتحصن أحمد الأعرج بها وقدم عليه أخوه فظاهره على عدوه وفي أثناء حصاره الوطاسي لمراكش اتصل به الخبر بأن أهل فاس قد قاموا عليه وبايعوا بعض إخوته فرجع إلى فاس وقبض على أخيه الثائر عليه ثم كر إلى مراكش بعسكر أعظم من الأول وفي هذه المرة برز إليه الأشراف خارج البلد ثم تقدموا إليه فكان اللقاء على أبي عقبة من تادلا ووقعت بينهم حرب هائلة لأن الوطاسيين كانوا يرون أن هذه الحرب هي الفيصل بينهم وبين عدوهم والأشراف كذلك وحضر هذا الحرب أبو عبد الله ابن الأحمر سلطان الأندلس المخلوع وأبلى بلاء حسنا حتى قتل وكان الظهور للأشراف ورجع الوطاسي مفلولا إلى فاس وترك محلته بما فيها من مدافع وغيرها بيد عدوه وبعد هذه الوقعة استولى الأشراف على تافيلالت وملكوا آكادير وآسفي وآزمور لأن البرتغال كانوا قد تخلوا عنها ثم عن قريب حدث بين الأخوين النفرة وحاول رجال دولتهما الوفاق بينهما فلم يتفقا وكانت الكرة على أحمد وفر ابنه زيدان الذي كان عضد أبيه في الحروب إلى تافيلالت فاستولى عليها واقتطعها عن عمه محمد الشيخ ثم زحف الشيخ إلى فاس فحاصرها إلى أن قبض على الوطاسيين وغربهم إلى درعة اه كلام منويل ثم نرجع إلى سياقة الخبر عن هذه الدولة حسبما عند اليفرني وغيره

أخبار الأمير أبي عبد الله القائم في الجهاد وما هيأ الله له من النصر فيه

لما استتب أمر الأمير أبي عبد الله القائم واجتمعت كلمة القبائل السوسية عليه ندب الناس إلى مقارعة البرتغال وجهاده ونفيه عن ثغور المغرب وبلاده وكانت معه يومئذ جموع حافلة من المسلمين فصمدوا معه إلى النصارى وناوشوهم الحرب فأتاح الله للأمير أبي عبد الله الفتح والنصر ونثر أثلاء الكفار بمخالب الظفر وأخرج حية الغي من جحرها وأعاد كلمة الإسلام إلى مقرها فلما رأى المسلمون ذلك تيمنوا بطلعته وتفاءلوا بطائره الميمون ونقيبته وزادهم ذلك محبة في جانبه وتعظيما في مكانته ولما فصل من جهاده عاد إلى محله المذكور من تيدسي فوقع بينه وبين بعض الرؤساء هنالك منافرة أدت إلى ارتحاله عنها وعوده إلى درعة فلم يزل مقيما بها إلى سنة ثمان عشرة وتسعمائة فرجع إلى مكانه من تيدسي واطمأنت به دارها وأزال الله عنه ما كان أزعجه عنها والله غالب على أمره

عقد الأمير أبي عبد الله القائم ولاية العهد لابنه أبي العباس الأعرج رحمهم الله تعالى

قد تقدم لنا ما كان من أمر الرؤيا التي رآها الأمير أبو عبد الله القائم في شأن ولديه وأنهما يملكان المغرب وفي معنى ذلك أيضا ما يحكى شائعا أن ولدي أبي عبد الله المذكور وهما أبو العباس الأعرج وأبو عبد الله الشيخ كانا يقرآن في مكتب وهما صبيان فدخل ديك فوثب على رأس كل منهما وصرخ فأول ذلك مؤدبهما بأنهما سيكون لهما شأن فمن أجل هذا ونحوه كان والدهما يعلن بأن أمر المغرب صائر إليهما فلما قضى الله ببيعته واجتماع الناس عليه واطمأنت به في البلاد السوسية الدار وطاب له بها المقام والقرار ندب الناس إلى بيعة أكبر ولديه وهو الأمير أبو العباس أحمد المعروف بالأعرج فبايعوه وكان ذلك مبدأ ظهور أمره على ما نذكره إن شاء الله تعالى

انتقال الأمير أبي عبد الله القائم إلى أفغال من بلاد حاحة ووفاته بها رحمه الله

ثم إن أبا عبد الله القائم وفد عليه أشياخ حاحة والشياظمة لما بلغهم من حسن سيرته ونصرة لوائه فشكوا إليه أمر البرتغال ببلادهم وشدة شوكته واستطالته عليهم وطلبوا منه أن ينتقل إليهم هو وولده ولي العهد المذكور فأجابهم إلى ذلك ونهض معهم هو وابنه أبو العباس إلى الموضع المعروف بآفغال من بلاد حاحة وترك ولده الأصغر أبا عبد الله الشيخ بالسوس يرتب الأمور ويمهد المملكة ويباكر العدو بالقتال ويراوحه واستمر الأمير أبو عبد الله القائم بمكانه من آفغال مسموع الكلمة متبوع العقب إلى أن توفي به سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة ودفن هنالك بإزاء ضريح الشيخ أبي عبد الله محمد بن سليمان الجزولي رضي الله عنه إلى أن نقل إلى مراكش بنقل الشيخ المذكور على ما يأتي إن شاء الله

الخبر عن دولة السلطان أبي العباس أحمد الأعرج ابن الأمير أبي عبد الله القائم رحمه الله

كانت ولادة السلطان أبي العباس الأعرج فيما حققه ابن القاضي سنة إحدى وتسعين وثمانمائة وبويع بولاية العهد من أبيه سنة ثمان عشرة وتسعمائة كما مر ولما توفي أبوه في التاريخ المتقدم اجتمع الناس على بيعته من سائر الآفاق وآتوه طاعتهم عن رضا منهم وإصفاق فاستقام أمره وصرف عزمه إلى تمهيد البلاد واقتناء الأجناد وتعبية الجيوش إلى الثغور وشن الغارات على العدو في الآصال والبكور في أحواز تيلمست وآسفي وغيرهما وكان النصارى قد خيموا بشاطئ البحر وعاثوا في تلك السواحل فأجلاهم عنها وطهر تلك البقاع من رجسهم وأراح أهلها من شؤمهم ونحسهم وفي ذلك يقول البقاع مخلوف بن صالح يمدحه ( فلله هذا الهاشمي وفضله % فلولاه صال الكفر أعظم صولة )

دخول السلطان أبي العباس الأعرج مراكش واستيلاؤه عليها

لما كان من إيقاع السلطان أبي العباس بنصارى السوس وانتصاره عليهم ما ذكرناه بعد صيته وانتشر في البلاد ذكره وأهرع الناس إليه من كل جانب ودخلت في طاعته سائر البلاد السوسية فعند ذلك كاتبه أمراء هنتاتة ملوك مراكش يخطبون أمره ويرومون الدخول في طاعته فأجاب داعيهم وانتقل إلى مراكش فدخلها في حدود الثلاثين وتسعمائة واستولى عليها وكان من أمره ما نذكره

نقل الشيخ الجزولي رضي الله عنه من مدفنه بآفغال إلى مراكش والسبب في ذلك

قد تقدم لنا في أخبار عمرو السياف أنه كان في ابتداء أمره من أصحاب الشيخ الجزولي هذا وأنه لما توفي الشيخ المذكور جعل جثته في تابوت وصار يستنصر به في حروبه مدة من عشرين سنة أو نحوها ثم دفن بعد ذلك بآفغال وتقدم لنا أن الأمير أبا عبد الله القائم لما توفي دفنه ابنه أبو العباس بإزاء هذا الشيخ ثم لما ملك أبو العباس المذكور مراكش نقل الشيخ الجزولي إليها ونقل أباه معه فدفنه بقربه أيضا واختلف في سبب ذلك فقيل إن السلطان المذكور خاف أن يثور عليه أحد بتلك البلاد فيستخرج الشيخ من ملحده وينتصر عليه به فنقله إلى مراكش ليأمن من ذلك وقيل إن الحامل له على نقله أنه ذكر له أن تحته كنز فتعلل للنبش عنه بأنه قصد نقله إلى الحضرة تبركا به والله أعلم وكان ذلك كله في حدود الثلاثين وتسعمائة

مجيء السلطان أبي عبد الله الوطاسي إلى مراكش وحصاره للسلطان الأعرج بها ثم إقلاعه عنها

لما استولى السلطان أبو العباس الأعرج على مراكش وصفا له أمرها اتصل خبره بصاحب فاس أبي عبد الله الوطاسي المعروف بالبرتغالي فأقبل في جموع عديدة مع وزيره ابن عمه المسعود بن الناصر ويقال مع أخيه الناصر فلما رأى السلطان أبو العباس ما لا قبل له به تحصن بمراكش وشحن أسوارها بالرماة والمقاتلة وزحف الوطاسي إلى الحضرة فنصب الأنفاض عليها ووالى الرمي عليها أياما واشتد الأمر على الناس فكان من ذهابهم إلى الشيخ الغزواني وخروجه إلى باب الخميس وقوله عند إصابة الرصاصة له أنها خاتمة حربهم ما قدمناه في أخبار الوطاسيين مستوفى ثم كان اللقاء بعد ذلك بين الفريقين إنما يكون في تادلا وأعمالها على ما مر والله أعلم

خبر آسفي والثغور

رأيت في تواريخ الفرنج أن البرتغال خرجوا من آسفي سنة ألف وخمسمائة وثلاثين مسيحية وهذا التاريخ يوافقه من سني الهجرة سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة وهي وسط دولة السلطان أبي العباس وزعم هذا المؤرخ أنهم خرجوا منها من قبل أنفسهم ونقلوا جميع ما كان فيها من عدة وأثاث إلى الجديدة بعدما خربوها وأفسدوها وأوقدوا فيها النار قال وبقيت اثنتي عشرة سنة وهي مخربة إلى أن أصلحها السلطان محمد الشيخ يعني السعدي الآتي ذكره وفي النزهة ما يقرب من هذا فإنه قال بعد ذكر إيقاع السلطان أبي العباس بنصارى السواحل ما نصه ويقال إن النصارى لما رأوا ما فعل بمن كان منهم بالسوس من القتل والسبي أخلوا ثغر آزمور ورباط آسفي وآصيلا من غير قتال ثم نقل هذا الخبر في محل آخر عن ابن القاضي منسوبا إلى أبي عبد الله الشيخ وسيأتي ذكره في محله وأظن أن الإخلاء كان متكررا والله أعلم وعلى كل حال فذكر آصيلا هنا غير مناسب إذ هي يومئذ في جهة الوطاسيين وتخومهم فما بال نصاراها يخرجون فرارا منها خوفا من السعديين وليسوا مجاورين لهم ولا متوقعين هجومهم عليهم ثم كان بعد هذا بين أبي العباس السعدي وأبي العباس الوطاسي من الحرب والسلم ما تقدم بيانه كوقعة آنماي ووقعة أبي عقبة وغيرهما مما لا فائدة في إعادته

حدوث النفرة بين الأخوين السلطان أبي العباس الأعرج ووزيره أبي عبد الله الشيخ وما نشأ عن ذلك

كان السلطان أبو العباس رحمه الله من الشهامة والصرامة واستفحال الأمر بالمحل الذي وصفناه قبل وكان أخوه أبو عبد الله الشيخ أصغر سنا منه وكان تحت طاعته واقفا عند إشارته وكان السلطان أبو العباس يستشيره في أموره ويفاوضه في مهماته ويستعين بنجدته في الزحوف والمعارك ويستضيء برأيه في الحوادث الحوالك وكان الشيخ ثاقب الذهن نافذ البصيرة مصيب الرأي حازما شهما فكانت كلمتهما واحدة وأمرهما جميعا إلى أن دخل الوشاة بينهما فأفسدوا قلوبهما وأفضى الحال إلى المصافة والمقاتلة وانقسم الجند حزبين وانصرفت كل طائفة إلى متبوعها وصاحب أمرها وتقاتلا مدة وكانت جل القبائل السوسية صاغية إلى الشيخ لما كان نشأ بين أظهرهم وسبروه من نجابته وكفايته منذ تركه أبوه عندهم عند انتقاله إلى آفغال حسبما مر فاستفحل أمره وغلب على أخيه أبي العباس فقبض عليه واستولى على ما بيده واجتمعت كلمة أهل السوس عليه ثم أودع أخاه وأولاده السجن ووسع عليهم في الجرايات والنفقات وأصبح ملكا مستقلا بعد أن كان وزيرا وكان ذلك سنة ست وأربعين وتسعمائة وفي نشر المثاني أن قبض الشيخ على أخيه أبي العباس الأعرج كان سنة إحدى وخمسين وتسعمائة والأول أصح ولم يزل السلطان أبو العباس وأولاده في حكم الثقاف إلى أن قتل يوم مقتل أخيه الشيخ بعد ثمان عشرة سنة أو نحوها حسبما يأتي إن شاء الله وكانت دولته من يوم بويع إلى أن قبض عليه أخوه ثلاثا وعشرين سنة وكان من حجابه محمد بن علي الأنكراطي اليملالي ومحمد بن أبي زيد المنزاري ومن كتابه سعيد بن علي الحامدي رحمهم الله

أمر زيدان ابن السلطان أبي العباس وما كان منه

قال صاحب درة الحجال اختلف الناس هل بويع لزيدان بن الأعرج بعد وفاة أبيه أم لا وقال شارح زهرة الشماريخ كان زيدان بن أبي العباس بسجلماسة وبويع له بها فلم يتم أمره ونفي إلى أن توفي سنة ستين وتسعمائة

الخبر عن دولة السلطان أبي عبد الله محمد المهدي المعروف بالشيخ ابن الأمير أبي عبد الله القائم بأمر الله

كانت ولادة السلطان أبي عبد الله محمد الشيخ سنة ست وتسعين وثمانمائة ويلقب بالشيخ بآمغار وهو الشيخ بالبربرية ويلقب من الألقاب السلطانية بالمهدي لقبه به غير واحد من أئمة عصره ونشأ في عفاف وصيانة وعني بالعلم في صغره وتعلق بأهدابه فأخذ عن جماعة من الشيوخ وبلغ فيه إلى درجة الرسوخ

فتح حصن فونتي وآسفي وآزمور وما قيل في ذلك

لما استقل السلطان أبو عبد الله الشيخ بأمر السوس واجتمعت كلمته عليه صرف عزمه إلى جهاد العدو الذي بثغوره وحصونه وأرهف حده لتطهيرها من بقايا شغبه وزبونه فانتصر عليهم واستأصل شأفتهم وقطع من تلك النواحي دابرهم وحسم آفتهم قال ابن القاضي كان الشيخ رحمه الله ماضي العزيمة قوي الشكيمة عظيم الهيبة كثير الغزوات ذا همة عالية وشهامة عالية فعد قواعد الملك وأسس مبانيه وأحيى مراسم الخلافة الدارسة ومعالمها الطامسة وكان له سعد وبخت عظيم في الجهاد ويد بيضاء في الإسلام فتح حصن النصارى بالسوس يعني حصن فونتي بعد أن أقاموا فيه اثنتين وسبعين سنة وكان منصورا بالرعب حتى تركوا له آسفي وآزمور وآصيلا من غير قتال ولا إيجاف عليهم اه ونحوه في تاريخ البرتغاليين زاد مؤرخهم أن ذلك كان بإذن طاغيتهم صاحب أشبونة وقد تقدم نحو هذا في أخبار الأعرج والجواب عنه وكان فتح فونتي سنة سبع وأربعين وتسعمائة كما في النزهة وفتح آسفي سنة ثمان وأربعين بعدها كما في المرآة وعند البرتغاليين أن ذلك كان سنة ألف وخمسمائة واثنتين وأربعين مسيحية وهو موافق لهذا التاريخ الهجري وفي الدوحة لما أخلى النصارى آزمور تسارع إليها جماعة من الفقراء منهم الشيخ أبو محمد عبد الله الكوش دفين جبل العرض من فاس والشيخ أبو محمد عبد الله بن ساسي دفين تانسيفت قرب مراكش فقعدوا بها يحرسونها حتى يأتي مدد المسلمين ومن يعمرها منهم مخافة أن يرجع إليها العدو فإذا به قد رجع واقتحمها عليهم وأسرهم إلى أن افتكهم المسلمون قال منويل كان فداؤهما بألفي ريال ومائتي ريال بالتثنية فيهما ولما افتدى الشيخ الكوش وعزم على الخروج وكان أسيرا عند امرأة نصرانية ناولته كتبا للمسلمين وقالت له هذه كتب كانت عندي ولا حاجة لي بها فخذها إليك فأخذها وخرج بها في قفة على رأسه فكان من جملتها كتاب تنبيه الأنام الموضوع في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فكان ذلك أول دخوله لهذه البلاد على يد الشيخ المذكور اه

بناء حصن آكادير

قال الشيخ أبو العباس ابن القاضي في كتابه المنتقى المقصور كانت للأمير السلطان أبي عبد الله الشيخ مآثر حسنه منها أنه أول من اختط مرسى آكادير بالسوس الأقصى سنة سبع وأربعين وتسعمائة لما أجلى النصارى من الموضع المعروف بفونتي على مقربة من آكادير المذكور وكان له في اختطاطه رأي مصيب وفراسة تامة اه

استيلاء السلطان أبي عبد الله محمد الشيخ على مراكش وتجديد البيعة له بها

كان السلطان أبو عبد الله الشيخ بعد القبض على أخيه واستقلاله بالأمر قد أقام بالبلاد السوسية مثابرا على جهاد العدو إلى أن قلع عروق مفسدته منها وكانت مراكش في هذه المدة قد توقفت عن بيعته وتربصت عن الدخول في دعوته اتقاء للوطاسيين وارتياء في أمره إلى ماذا يؤول واستمر الحال إلى سنة إحدى وخمسين وتسعمائة فانقادت له حينئذ وبايعه أهلها فقدمها واستولى عليها وخلص له جميع ما كان بيد أخيه المخلوع من تادلا إلى وادي نول والله غالب على أمره

نهوض السلطان أبي عبد الله محمد الشيخ لحرب بني وطاس واستيلاؤه على مكناسة وما اتفق له في ذلك

لما استولى السلطان أبو عبد الله محمد الشيخ على مراكش وصفت له أعمالها طمحت نفسه للاستيلاء على بقية بلاد المغرب وأمصاره وقطع جرثومة الوطاسيين من سائر أقطاره فجمع الجموع وتقدم بها إلى أعمال فاس فلم يزل يستفتحها بلدا بلدا ومصرا مصرا إلى أن أتى عليها أجمع وكان أول ما ملك منها مكناسة الزيتون فإنه افتتحها عقب سنة خمس وخمسين وتسعمائة بعد حصار وقتال كبير

حصار السلطان أبي عبد الله الشيخ حضرة فاس ومقتل الشيخ عبد الواحد الوانشريسي رحمه الله

كان السلطان أبو عبد الله الشيخ قد ألح على فاس بالقتال وحاصرها حصارا طويلا ولما عسر عليه أمرها بحث عن ذلك فقيل له لا سبيل لك إليها ولا يبايعك أهلها إلا إذا بايعك ابن الوانشريسي يعنون الشيخ الفقيه أبا محمد عبد الواحد بن أحمد الوانشريسي رحمه الله فبعث إليه السلطان المذكور سرا ووعده ومناه فقال له الشيخ عبد الواحد بيعة هذا السلطان يعني أبا العباس الوطاسي في رقبتي ولا يحل لي خلعها إلا لموجب شرعي وهو غير موجود وزعم بعضهم أن السلطان المذكور كتب إلى أهل فاس يقول لهم إني إن دخلت فاسا صلحا ملأتها عدلا وإن دخلتها عنوة ملأتها قتلا فأجابه ابن الوانشريسي بأبيات أغلظ له فيها منها قوله ( كذبت وبيت الله ما تحسن العدلا % ولا خصك المولى بفضل ولا أولى ) كذا في النزهة قلت وهذا البيت من أبيات قديمة والوانشريسي إنما تمثل به لا غير فقد ذكر العلامة ابن خلدون في أخبار بني صالح بن منصور الحميري أصحاب قلعة نكور لأول الفتح أن عبيد الله المهدي العبيدي صاحب إفريقية لما تغلب على المغرب خاطب سعيد بن صالح منهم يدعوه إلى أمره وكتب له في أسفل كتابه ( فإن تستقيموا أستقم لصلاحكم % وإن تعدلوا عني أرى قتلكم عدلا ) ( وأعلوا بسيفي قاهرا لسيوفكم % وأدخلها عنوا وأملأها قتلا ) فأجابه سعيد بن صالح بأبيات من نظم شاعره الطليطلي نصها ( كذبت وبيت الله ما تحسن العدلا % ولا علم الرحمن من قولك الفصلا ) ( وما أنت إلا جاهل ومنافق % تمثل للجهال في السنة المثلى ) ( وهمتنا العليا بدين محمد % وقد جعل الرحمن همتك السفلى ) فلعل الشيخ كتب لأهل فاس بالبيتين الأولين والوانشريسي كان مطلعا على القضية فأجابه بجوابهما ولما بلغ ذلك السلطان الشيخ حقد على الوانشريسي ودس إلى جماعة من المتلصصة بأن يأخذوه ويأتوا به إلى محلته محبوسا من غير قتل وكان الشيخ عبد الواحد يقرأ صحيح البخاري بجامع القرويين بين العشاءين وينقل عليه كلام ابن حجر في فتح الباري ويستوفيه لأنه شرط المحبس فقال له ابنه يا أبت إني قد سمعت أن اللصوص أرادوا الفتك بك في هذه الليلة فلو تأخرت عن القراءة فقال له الشيخ أين وقفنا البارحة قال على كتاب القدر قال فكيف نفر من القدر إذا اذهب بنا إلى المجلس فلما افترق المجلس خرج الشيخ عبد الواحد من باب الشماعين أحد أبواب المسجد المذكور فثار به اللصوص وأرادوا حمله فأخذ بإحدى عضادتي الباب فضرب أحدهم يده فقطعها وأجهز عليه الباقون فقتلوه بباب المسجد المذكور في السابع والعشرين من ذي الحجة سنة خمس وخمسين وتسعمائة قال الشيخ المنجور في فهرسته واشتهر عن الفقيه الصالح أبي عبد الله محمد بن إبراهيم المدعو بأبي شامة أنه رأى الشيخ عبد الواحد في المنام بعد مقتله فسأله عن حاله فأنشأ يقول ( لقد عمني رضوان ربي وفضله % ولم أر إلا الخير في وحشة القبر ) ( وإني أسأل الإله بفضله % ليحفظني يوم الخروج إلى الحشر ) ( وما بعد ذاك من أمور عسيرة % كنشر الكتاب والمرور على الجسر )

استيلاء السلطان أبي عبد الله الشيخ على فاس وقبضه على الوطاسيين وتغريبهم إلى مراكش

ثم إن السلطان أبا عبد الله الشيخ جد في حصار فاس وألح عليها بالقتال إلى أن ملكها واحتوى عليها قال في الدوحة لما ألح السلطان الشيخ بالحصار على فاس جاءه الشيخ أبو الرواين المحجوب وقال له اشتر مني فاسا بخمسمائة دينار فقال له السلطان ما أنزل الله بهذا من سلطان هذا شيء لم تأت به الشريعة فقال والله لا دخلتها هذه السنة فبقي أشهرا والأمر لا يزداد إلا شدة فقال ابن السلطان وهو الأمير أبو محمد عبد القادر ابن الشيخ لأبيه يا أبت افعل ما قال لك الشيخ أبو الرواين فإنه رجل مبارك من أولياء الله تعالى ولم يزل به حتى أذن له في الكلام معه فكلمة الأمير عبد القادر فقال له ادفع المال فدفعه إليه فقال له عند تمام السنة يقضي الله الحاجة وأمري بأمره سبحانه ثم إن الشيخ أبا الرواين فرق المال من يومه ولم يمسك منه لنفسه حبة ومن ذلك اليوم والسلطان المذكور في الظهور إلى أن انقضت السنة فدخل فاسا كما قال اه وقال صاحب الممتع والشيخ أبو الرواين هو كان أحد الأسباب في تمكن السلطان المذكور من الملك وإخراج بني وطاس عنه فإنه لما رأى اضطراب أمر الناس وهيجان النصارى على المسلمين جعل ينادي يا حران جئ فإني قد أعطيتك الغرب وذلك قبل ظهور السعديين ولم يكن الناس يدرون ما يقول حتى ظهر الحران وهو أحد أولاد السلطان أبي عبد الله الشيخ وهو الذي كان يتقدم للحرب ولم يفتح والده من البلاد إلا ما فتح له على يده وكان دخول السلطان الشيخ إلى فاس سنة ست وخمسين وتسعمائة ولما دخلها تقبض على الوطاسيين أجمع وبعث بهم مصفدين إلى مراكش عدا أبا حسون منهم فإنه فر إلى الجزائر مستجيرا بتركها حسبما مر وقال اليفرني لما دخل الشيخ حضرة فاس دخلها وعليه وعلى أصحابه الدراعات الصفر وسمة البداوة لائحة عليهم فحملوا أنفسهم على التأدب بآداب الحاضرة والتخلق بأخلاقهم يعني حتى رسخ فيهم ذلك والله أعلم

نهوض السلطان أبي عبد الله الشيخ إلى تلمسان واستيلاؤه عليها

قد قدمنا ما كان من استيلاء حسن بن خير الدين التركي على تلمسان وانقراض دولة بني زيان منها سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة فلما فتح أبو عبد الله الشيخ حضرة فاس في التاريخ المتقدم تاقت نفسه إلى الاستيلاء على المغرب الأوسط وكان يعز عليه استيلاء الترك عليه مع أنهم أجانب من هذا الإقليم ودخلاء فيه فيقبح بأهله وملوكه أن يتركوهم يغلبون على بلادهم لا سيما وقد فر إليهم عدو من أعدائه وعيص من أعياص أقتاله وهو أبو حسون الوطاسي فرأى الشيخ من الرأي وإظهار القوة في الحرب أن يبدأهم قبل أن يبدؤوه فنهض من فاس قاصدا تلمسان في جموعه إلى أن نزل عليها وحاصرها تسعة أشهر وقتل في محاصرتها ولده الحران وكان نابا من أنيابه وسيفا من سيوفه ثم استولى الشيخ على تلمسان ودخلها يوم الاثنين الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وتسعمائة ونفى الترك عنها وانتشر حكمه في أعمالها إلى وادي شلف واتسعت خطة مملكته بالمغرب ودانت له البلاد ثم كرت عليه الأتراك وأخرجوه من تلمسان فعاد إلى مقره من فاس ثم عاود غزو تلمسان حين بلغه قيام رعاياها على الترك وانحصار الترك بقصبتها فأقام مرابطا عليها أياما فامتنعت عليه وأقلع عنها ولم يعاود غزوها بعد ذلك وخلص أمرها إلى الترك على ما نذكره

امتحان السلطان أبي عبد الله الشيخ أرباب الزوايا والمنتسبين والسبب في ذلك

لما كانت سنة ثمان وخمسين وتسعمائة أمر السلطان أبو عبد الله الشيخ بامتحان أرباب الزوايا والمتصدرين للمشيخة خوفا على ملكه منهم لما كان للعامة فيهم من الإعتقاد والمحبة والوقوف عند إشاراتهم والتعبد بما يتأولونه من عباراتهم ألا ترى أن بيعة و الده أبي عبد الله القائم لم تنعقد إلا بهم ولا ولج بيت الملك إلا من بابهم فامتحن جماعة منهم كالشيخ أبي محمد الكوش فأخلى زاويته بمراكش وأمر برحيله إلى فاس وفي الدوحة لما امتحن السلطان أبو عبد الله الشيخ زوايا المغرب قيل لأبي علي الحسن بن عيسى المصباحي دفين الدعادع التي على وادي مضي من عمل القصر ألا تخشى من هذا السلطان فقال إنما الخشية من الله ومع هذا فالماء والقبلة لا يقدر أحد على نزعهما والباقي متروك لمن طلبه وكان السلطان المذكور يطالب أرباب الزوايا بودائع أمراء بني مرين ويتهمهم بها وبعث خديمه يوما إلى الشيخ أبي عثمان سعيد بن أبي بكر المشترائي دفين مكناسة يطالبه بشيء من ذلك فوجده جالسا بناحية زاويته يضفر الدوم وإذا بطائر لعله اللقلاق سلح أمامه فما رفع أبو عثمان بصره حتى سقط الطائر ميتا متطاير الريش فلما رأى الخديم ذلك فزع وولى هاربا قاله في الممتع والله تعالى أعلم

وفادة الإمام أبي عبد الله الخروبي من جانب دولة الترك في شأن قسم البلاد وتحديدها

لما كان من السلطان أبي عبد الله الشيخ ما كان من غزوه تلمسان مرتين وكان يحدث نفسه بمعاودة غزو تلك البلاد عينت دولة الترك من جانبها الفقيه الصالح أبا عبد الله محمد بن علي الخروبي الطرابلسي نزيل الجزائر ودفينها للوفادة على السلطان المذكور في شأن عقد المهادنة وتحديد البلاد فقدم عليه الفقيه المذكور وهو بمراكش سنة إحدى وستين وتسعمائة في هذا الغرض فأكرم السلطان أبو عبد الله وفادته إلا أنه لم تظهر ثمرة لمقدمه وفي المرآة أن أبا عبد الله الخروبي قدم المغرب الأقصى مرتين في سبيل السفارة بين ملوك المغرب الأوسط والمغرب الأقصى فأخذ عنه كثير من أهل المغرب الأقصى وأخذ هو عن الشيخ زروق رحمه الله وفي قدمة الخروبي هذه إلى مراكش أنكر على الشيخ أبي عمرو القسطلي دفين رياض العروس من مراكش حلق شعر التائب الذي يريد الدخول في طريق القوم وقال إنه بدعة فقالوا له إن الشيخ الجزولي كان يفعله فقال لهم لعله بإذن والإذن له لا يعمكم فإن الإذن للنبي يعم أتباعه والإذن للولي لا يعم أتباعه وأنكر عليه مسائل كثيرة وبعث إليه رسالة أقذع له فيها وقد وقفت عليها رحم الله الجميع بمنه وتوفي الخروبي هذا سنة ثلاث وستين وتسعمائة ودفن خارج الجزائر والله أعلم

قدوم أبي حسون الوطاسي بجيش التراك واستيلاؤه على فاس ونفيه الشيخ عنها

قد قدمنا ما كان من استيلاء السلطان أبي عبد الله على فاس سنة ست وخمسين وتسعمائة وقبضه على بني وطاس وفرار أبي حسون إلى الجزائر فلم يزل أبو حسون عند تركها إلى أن قدم بهم مع باشاهم صالح التركماني فاستولى على فاس ثالث صفر سنة إحدى وستين وتسعمائة ونفى أبا عبد الله الشيخ عنها حسبما مر الخبر عنه مستوفى

عود السلطان أبي عبد الله الشيخ إلى فاس واستيلاؤه عليها

لما فر السلطان أبو عبد الله الشيخ من وقعة الترك بفاس ووصل إلى مراكش صرف عزمه لقتال أبي حسون فاستنفر قبائل السوس وجمع الجموع وزحف إلى فاس فدارت بينه وبين سلطانها أبي حسون حروب شديدة كان في آخرها الظفر للشيخ فقتل أبا حسون واستولى على فاس وصفا له أمر المغرب وقد تقدمت هذه الأخبار مستوفاة في محلها وكان استيلاء السلطان الشيخ على فاس يوم السبت الرابع والعشرين من شوال سنة إحدى وستين وتسعمائة وفي الدوحة أن دخول أبي حسون لفاس كان سنة ستين وتسعمائة وعود السلطان الشيخ إليها واستيلاؤه عليها كان في ذي القعدة سنة ستين أيضا والله تعالى أعلم

مقتل الفقيهين أبي محمد الزقاق وأبي علي حرزوز والسبب في ذلك

لما استولى السلطان أبو عبد الله الشيخ على فاس في هذه المرة أمر بقتل الفقيه الصالح قاضي الجماعة بفاس أبي محمد عبد الوهاب بن محمد ابن علي الزقاق لأنه اتهمه بالميل إلى أبي حسون ويحكى أنه لما مثل بين يديه قال له اختر بأي شيء تموت فقال له الفقيه اختر أنت لنفسك فإن المرء مقتول بما قتل به فقال لهم السلطان اقطعوا رأسه بشاقور فكان من حكمة الله وعدله في خلقه أن السلطان المذكور قتل به أيضا كما سيأتي وفي كتاب خلاصة الأثر أن الشيخ الزقاق كان يقول من قتل سوسيا كان كمن قتل مجوسيا فلما قبض عليه الشيخ قال له أنت زق الضلال فقال له لا والله بل أنا زق العلم والهداية ثم قتله وأمر أيضا بقتل خطيب مكناسة الزيتون الشيخ أبي علي حرزور المكناسي لكلام بلغه عنه وأنه كان يذكره في خطبه ويحذر الناس من اتباعه والانقياد إليه ويقول في خطبته جاءكم أهل السوس الأقصى البعاد ثم يذكر الشيخ ويقول @QB@ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد @QE@ في كلام غير هذا وكان مقتل الفقيهين المذكورين في ذي القعدة سنة إحدى وستين وتسعمائة

ترتيب السلطان أبي عبد الله الشيخ أمر دولته وما قيل في ذلك

قال اليفرني كان السلطان أبو عبد الله الشيخ مولعا بتدبير أمر الرعية مستيقظا في أموره حازما غير متوقف في سفك الدماء قال ويحكى أنه لما دخل فاسا دخلها وعليه وعلى أصحابه سمة البداوة فحملوا أنفسهم على التأدب بآداب أهل الحاضرة والتخلق بأخلاقهم وذكر أن ملك السعديين إنما تأنق على يد رجل وامرأة فأما الرجل فقاسم الزرهوني فإنه رتب للسلطان أبي عبد الله الشيخ هيئة السلاطين في ملابسهم ودخولهم وخروجهم وآداب أصحابهم وكيفية مثولهم بين أيديهم وأما المرأة فالعريفة بنت خجو فإنها علمته سيرة الملوك في منازلهم وحالاتهم في الطعام واللباس وعاداتهم مع النساء وغير ذلك فاكتسى ملك الشيخ بذلك طلاوة وازداد في عيون العامة رونقا وحلاوة بسبب جريانه على العوائد الحضرية لأن أهل البادية مسترذلون في عيون أهل الحاضرة قالوا ولم يزل السلطان أبو عبد الله الشيخ يدور على مدن المغرب وأمصاره ويطيل الإقامة بفاس قال في المنتقى ومن مآثره أنه بنى جسر وادي سبو وجسر وادي أم الربيع وتقدم بناؤه حصن آكادير والله تعالى أعلم

وضع الوظيف المسمى في لسان العامة بالنائبة

قد تقدم لنا في صدر هذا الكتاب اختلاف العلماء في أرض المغرب هل فتحت عنوة أو صلحا أو غير ذلك وعلى القول بأنها فتحت عنوة فهي خراجية كما هو مقرر في كتب الفقه وتقدم لنا أيضا أن أول من وظف الخراج على أرض المغرب عبد المؤمن بن علي وتبعه بنوه على ذلك وقفا نهجهم بنو مرين وفي الظهير الذي كتبه السلطان أبو زيان المريني لابن الخطيب أيام مقامه بسلا شاهد بذلك ولما جاء السعديون من بعدهم سلكوا هذا السبيل أيضا وقول اليفرني إن أبا عبد الله الشيخ أول من أحدث النائبة بالمغرب يحمل على أنه أول من أحدثها على الوجه الآتي بيانه وذلك أنه لما صفا للسلطان أبي عبد الله الشيخ أمر المغرب واستأصل جرثومة بني وطاس منه التفت إلى ترتيب ملكه وتهذيب أعطافه وتأسيس أمور دولته كما قلنا فمن ذلك أنه فرض على قبائل المغرب الضريبة المسماة في لسان العامة بالنائبة ولم ينزه عنها شريفا ولا مشروفا حتى أرباب الزوايا والمنتسبين ومنهم أولاد الشيخ أبي البقاء خالد المصمودي مع ما كان لأبيهم من الشهرة بالولاية والصيت في بلاده وكان قدر هذه النائبة صحفة من الشعير وعشرين مدا من القمح لكل نائبة وصاعا من السمن وكبشا لكل أربع نوائب وكانت تفرض في زمان الشيخ على الكوانين وتوظف على حسب السكان وتدفع بأعيانها وجرى على ذلك ولده الغالب بالله وأخوه المعتصم ولما جاء المنصور من بعدهم قوم تلك الأعيان بسعر الوقت وصارت تدفع دراهم ثم ازداد ذلك إلى أن خرج الأمر عن القياس واتسع الخرق على الراقع والله لا يظلم مثقال ذرة

مراسلة السلطان سليمان العثماني للسلطان أبي عبد الله الشيخ وما نشأ عن ذلك

قد قدمنا ما كان من غص السلطان أبي عبد الله الشيخ بمكان الترك من تلمسان والمغرب الأوسط وأنه غزاهم مرتين وقدم الإمام أبو عبد الله الخروبي ساعيا في الهدنة فلم يرجع بطائل وكان السلطان الشيخ يقول فيما زعموا لا بد لي أن أغزو مصر وأخرج الترك من أحجارها وكان يطلق لسانه في السلطان سليمان العثماني ويسميه بسلطان الحواتة يعني لأن الترك كانوا أصحاب أساطيل وسفر في البحر فأنهى ذلك إلى السلطان سليمان فبعث إليه رسله فهذا سبب المراسلة على ما في النزهة وأشبه منه بالصواب ما حكاه بعضهم قال لما بلغ خبر انقراض الدولة الوطاسية إلى السلطان سليمان العثماني واستيلاء السعديين على ملك المغرب الأقصى كتب إلى الشيخ يهنئه بالملك ويلتمس منه الدعاء له على منابر المغرب وبعث إليه بذلك رسولا في البحر فانتهى إلى الجزائر ومنها قدم إلى مراكش في البر ولما وصل إلى السلطان أبي عبد الله الشيخ أنزله على كبير الأتراك في محلته صالح باي المعروف بالكاهية وكان هؤلاء الأتراك قد انحاشوا إلى الشيخ من بقايا القادمين مع أبي حسون فضمهم إليه وجعلهم جندا على حدة وسماهم اليكشارية بالياء ثم الكاف ثم الشين وهو لفظ تركي معناه العسكر الجديد ولما قرأ السلطان أبو عبد الله الشيخ كتاب السلطان سليمان ووجد فيه أنه يدعو له على منابر المغرب ويكتب اسمه على سكته كما كان بنو وطاس حمى أنفه وأبرق وأرعد وأحضر الرسول وأزعجه فطلب منه الجواب فقال لا جواب لك عندي حتى أكون بمصر إن شاء الله وحينئذ أكتب لسلطان القوارب فخرج الرسول من عنده مذعورا يلتفت وراءه إلى أن وصل إلى سلطانه وكان من أمره ما نذكره

قدوم طائفة الترك من عند السلطان سليمان العثماني واغتيالهم للسلطان أبي عبد الله الشيخ رحمه الله

لما خرج رسول السلطان سليمان العثماني من عند السلطان أبي عبد الله الشيخ ووصل إلى الجزائر ركب البحر إلى القسطنطينية فانتهى إليها واجتمع بالوزير المعروف عندهم بالصدر الأعظم وأخبره بما لقي من سلطان المغرب فأنهى الوزير ذلك إلى السلطان سليمان فأمره أن يهيئ العمارة والعساكر لغزو المغرب فاجتمع أهل الديوان وكرهوا توجيهها واتفق رأيهم على أن عينوا اثني عشر رجلا من فتاك الترك وبذلوا لهم اثني عشر ألف دينار وكتبوا لهم كتابا إلى صالح الكاهية كبير عسكر الشيخ ووعدوه بالمال والمنصب إن هو نصح في اغتيال الشيخ وتوجيه رأسه مع القادمين عليه وفي النزهة أن صالحا هذا كان من ترك الجزائر جاء في جملة الطائفة الموجهين لاغتيال الشيخ والله أعلم ثم دخل الوزير على السلطان سليمان واعتذر إليه عن توجيه العمارة وقال هذا أمر سهل لا يحتاج فيه إلى تقويم عمارة وهذا المغربي الذي أساء الأدب على السلطان يأتي رأسه إلى بين يديك فاستصوب رأيهم وشكر سعيهم وأمر بتوجيه الجماعة المعينة في البحر إلى الجزائر ومنها يتوجهون إلى مراكش في البر ففعلوا ولما وصلوا إلى الجزائر هيؤوا أسبابا واشتروا بغالا وساروا إلى فاس في هيئة التجار فباعوا بها أسبابهم وتوجهوا إلى مراكش ولما اجتمعوا بصالح الكاهية أنزلهم عنده ودبر الحيلة في أمرهم إلى أن توجهت له وفي النزهة أن هؤلاء الأتراك خرجوا من الجزائر إلى مراكش مظهرين أنهم فروا من سلطانهم ورغبوا في خدمة الشيخ والاستيجار به ثم إن صالحا الكاهية دخل على السلطان أبي بعد الله الشيخ وقال يا مولاي إن جماعة من أعيان جند الجزائر سمعوا بمقامنا عندك ومنزلتنا منك فرغبوا في جوارك والتشرف بخدمتك وليس فوقهم من جند الجزائر أحد وهم إن شاء الله السبب في تملكها فأمره بإدخالهم عليه ولما مثلوا بين يديه رأى وجوها حسانا وأجساما عظاما فأكبرهم ثم ترجع له صالح كلامهم فأفرغه في قالب المحبة والنصح والاجتهاد في الطاعة والخدمة حتى خيل إلى الشيخ أنه قد حصل على ملك الجزائر فأمره بإكرامهم وأن يعطيهم الخيل والسلاح ويكونوا يدخلون عليه مع الكاهية كلما دخل فكانوا يدخلون عليه كل صباح لتقبيل يده على عادة الترك في ذلك وصار الشيخ يبعث بهم إلى أشياخ السوس مناوبة في الأمور المهمة ليتبصروا في البلاد ويعرفوا الناس وكان يوصي الأشياخ بإكرام من قدم عليهم منهم واستمر الحال إلى أن أمكنتهم فيه الفرصة وهو في بعض حركاته بجبل درن بموضع يقال له آكلكال بظاهر تارودانت فولجوا عليه خباءه ليلا على حين غفلة من العسس فضربوا عنقه بشاقور ضربة أبانوا بها رأسه واحتملوه في مخلاة ملؤوها نخالة وملحا وخاضوا به أحشاء الظلماء وسلكوا طريق درعة وسجلماسة كأنهم أرسال تلمسان لئلا يفطن بهم أحد من أهل تلك البلاد ثم أدركوا ببعض الطريق فقاتلت طائفة منهم حتى قتلوا ونجا الباقون بالرأس وقتل مع الشيخ تلك الليلة الفقيه مفتي مراكش أبو الحسن علي بن أبي بكر السكتاني والكاتب أبو عمران الوجاني ولما شاع الخبر بأن الترك قتلوا السلطان واستراب الناس بجميع من بقي منهم بالمغرب أغلق إخوانهم الذين كانوا بتارودانت أبوابها واقتسموا الأموال واستعدوا للحصار ولما بويع ابنه الغالب بالله وقدم من فاس نهض في العساكر إلى تارودانت للأخذ بثأر أبيه من الترك الذين بها فحاصرهم مدة ولما لم يقدر منهم على شيء أعمل الحيلة بأن أظهر الرحلة عنهم وأشاع أنه راجع إلى فاس لثائر قام بها ولما أبعد عنهم مسيرة يوم خرجوا في اتباعه ليلا والعيون موضوعة عليهم بكل جهة إلى أن شارفوا محلة السلطان الغالب بالله فعطف عليهم ولما لم يمكنهم الرجوع إلى تارودانت تحيزوا إلى الجبل وبنوا به قياطنهم وجعلوا عليها المتارزات من الأحجار وتحصنوا بها وأحاطت بهم العساكر من كل جهة فقاتلوا إلى أن فنوا عن آخرهم ولم يؤخذ منهم أسير وقتلوا من محلة الغالب بالله ألفا ومائتين وأما الذين نجوا بالرأس فانتهوا إلى الجزائر وركبوا البحر منها إلى القسطنطينية فأوصلوا الرأس إلى الصدر الأعظم وأدخله على السلطان سليمان فأمر به أن يجعل في شبكة نحاس ويعلق على باب القلعة فبقي هنالك إلى أن شفع في إنزاله ودفنه ابناه عبد الملك المعتصم وأحمد المنصور حين قدما القسطنطينية على السلطان سليم بن سليمان مستعديين له على ابن أخيهما المسلوخ كما يأتي وكان مقتل الشيخ رحمه الله يوم الأربعاء التاسع والعشرين من ذي الحجة سنة أربع وستين وتسعمائة ولما بلغ خبر مقتله إلى خليفته بمراكش القائد أبي الحسن علي بن أبي بكر آزناك بادر بقتل أبي العباس الأعرج المخلوع وأولاده ذكورا وإناثا كبارا وصغارا خشية أن يخرجه أهل مراكش فيبايعوه ولما قتلوا لم يتجرأ أحد على دفنهم فبقوا مصرعين حتى دفنهم الشيخ أبو عمرو القسطلي الولي الشهير بمقربة من ضريح الشيخ الجزولي وهي القبة التي قرب الضريح المذكور تسمى قبور الأشراف وأما السلطان أبو عبد الله الشيخ فإنهم حملوا جثته إلى مراكش فدفنت بها قبلي جامع المنصور بروضة السعديين وقبره شهير بها إلى الآن ومما نقش على رخامة قبره هذه الأبيات ( حي ضريحا تغمدته رحمات % وظلت لحده منها غمامات ) ( واستنشقن نفحة التقديس منه فقد % هبت من الخلد لي منها نسيمات ) ( بحر به كورت شمس الهدى فكست % من أجلها السبعة الأرضين ظلمات ) ( يا مهجة غالها غول الردى قنصا % وأثبتت سهمها فيها المنيات ) ( دكت لموتك أطواد العلا صعقا % وارتج من بعدك السبع السموات ) ( وشيعت نعشك المزجى إلى عدن % من الملائك ألحان وأصوات ) ( يا رحمة الله عاطيه سلاف رضا % تدور منها عليه الدهر كاسات ) ( قضى فوافق في التاريخ منه حلى % دار إمام الهدى المهدي جنات )

بقية أخبار السلطان أبي عبد الله الشيخ وسيرته

كان السلطان أبو عبد الله محمد الشيخ يلقب من الألقاب السلطانية بالمهدي ونشأ في عفاف وصيانة وعني بالعلم في صغره وتعلق بأهدابه فأخذ عن جماعة من الشيوخ وبلغ فيه درجة الرسوخ حتى كان يخالف القضاة في الأحكام ويرد عليهم فتاويهم فيجدون الصواب معه وقع ذلك منه مرارا وله حواش على التفسير وذلك مما يدل على غزارة علمه وقال في المنتقى كان السلطان أبو عبد الله الشيخ رحمه الله أديبا متفننا حافظا حدثني شيخنا أبو راشد أنه كان ممتع المجالسة والمذاكرة نقي الشيبة عظيم الهيبة ما رأيت بعد شيخي أبي الحسن علي بن هارون أحفظ منه للمقطعات الشعرية وكثيرا ما ينشد ( الناس كالناس والأيام واحدة % والدهر كالدهر والدنيا لمن غلب ) وكان حافظا للقرآن فهما جدا حافظ لصحيح البخاري ويستحضر ما للناس عليه ويقول في شرح ابن حجر ما صنف في الإسلام مثله عارفا بالتفسير وغيره وكان يحفظ ديوان المتنبي عن ظهر قلب وكان يحض على المشاورة ويقول لا سيما في حق الملوك وينشد قول المتنبي ( ومن جهلت نفسه قدره % رأى غيره منه ما لا يرى ) وكان يقول ينبغي للملك أن يكون طويل الأمل فإن طول الأمل وإن كان لا يحسن من غيره فهو منه صالح لأن الرعية تصلح بطول أمله وكان يقول من طول أمله أخذ تلمسان وسبتة وغيرهما انتهى وقوله إنه كان يحفظ ديوان المتنبي سببه ما ذكره في الدوحة قال أخبرني الوزير المعظم أبو عبد الله محمد بن الأمير أبي محمد عبد القادر بن السلطان أبي عبد الله محمد الشيخ الشريف قال لما غدرت قبيلة المنابهة بجد السلطان المذكور وأنجاه الله من غدرتهم عرف الشيخ أبا محمد عبد الله ابن عمر بذلك فكتب إليه يقول أين أنت من قول أبي الطيب المتنبي ( غاض الوفاء فما تلقاه في عدة % وأعوز الصدق في الإخبار والقسم ) قال فعكف السلطان المذكور على ديوان المتنبي حتى حفظه كله ولم يعزب عنه بيت واحد اه وابن عمر المذكور هو أحد أشياخ السلطان المذكور وهو أبو محمد عبد الله بن عمر المضغري الفقيه الفرضي الحاسب فقيه درعة وعالمها وكان قد وفد على السلطان المذكور أيام كونه بالسوس ولما عاد إلى درعة سأله فقهاؤنا كيف وجدت أهل السوس فقال وجدت فقهاءهم على ضعيف الفتاوي وفقراءهم على عظيم الدعاوي وعامتهم على كثير المساوي ومن أشياخ السلطان المذكور الإمام الشهير شيخ الجماعة بالصقع السوسي أبو الحسن علي بن عثمان الثاملي ذكره في المنتقى وأثنى عليه ومن أشياخه علامة فاس ومحققها أبو عبد الله محمد بن أحمد اليستني أخذ عنه علوما منها التفسير قال المنجور وكنت أنا قارئه بين يدي أمير المؤمنين أبي عبد الله الشيخ المذكور وكان شديد المحبة له قال ولما توفي الفقيه المذكور وذهبت مع ولده صبيحة تلك الليلة التي توفي بها لنخبر السلطان بوفاته وجدناه يقرأ ورده بحمام المريني فخرج السلطان إلينا وهو يبكي بصوت عال يفزع من سمعه حتى رأينا منه العجب وما سكت إلا بعد مدة لما كان يعلم منه من صحة الدين والنصح لخاصة المسلمين وعامتهم وحضر جنازته وكانت وفاته رحمه الله سنة تسع وخمسين وتسعمائة وللسلطان المذكور عدة أشياخ غير هؤلاء ومن وزرائه الرئيس أبو الحسن علي بن أبي بكر آصناك الحاحي وأبو عمران موسى بن أبي جمدي العمري وغيرهم ومن قضاته بفاس أبو الحسن علي بن أحمد الخصاصي وبمراكش أبوالحسن علي بن أبي بكر السكتاني رحم الله الجميع وكان للسلطان أبي عبد الله الشيخ عدة أولاد نجباء ومن أنجبهم أبو عبد الله محمد المعروف بالحران القتيل على تلمسان ومنهم أبو محمد عبد الله الغالب بالله وأبو مروان عبد الملك الغازي وأبو العباس أحمد المنصور وهؤلاء الثلاثة ولوا الأمر بعد أبيهم ومنهم الوزير أبو محمد عبد القادر وتوفي في حياة أبيه سنة تسع وخمسين وتسعمائة وفي نشر المثاني أنه قتل مخنوقا بأمر أخيه عبد الله الغالب بالله سنة خمس وسبعين وتسعمائة فالله أعلم ومنهم عثمان وعبد المؤمن وعمر وغيرهم قال المنجور في فهرسته حضرت يوما مجلس أمير المؤمنين أبي عد الله الشيخ وقد حضر عنده أولاده الصناديد الأمراء المولى محمد الحران والمولى عبد القادر والمولى عبد الله فدخل شيخنا الإمام أبو عبد الله اليستني فلما نظر إليهم حول أبيهم أنشد بيت تلخيص المفتاح ( فقلت عسى أن تبصريني كأنما % بنى حوالي الأسود الحوارد ) فأعجب ذلك السلطان وأولاده رحمة الله عليهم

الخبر عن دولة السلطان أبي محمد عبد الله الغالب بالله ابن السلطان محمد الشيخ رحمه الله

كانت ولادة السلطان أبي محمد عبد الله الغالب بالله كما رأيته مرقوما على الرخامة التي على قبره في رمضان سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة وكان رحمه الله أدعج العينين مستدير الوجه عريضه أسيل الخدين مشرف الوجنتين ربعة للقصر ونشأ في عفاف وصيانة وحفظ القرآن وأخذ بطرف صالح من العلم وكان ولي عهد أبيه وكان يلقب من الألقاب السلطانية بالغالب بالله لقبه به غير واحد من الأئمة ولما وافته الأنباء بمقتل أبيه وهو بفاس بايعه أهلها ولم يتخلف عن بيعته منهم أحد وذكر صاحب زهرة الشماريخ أن الفقيه الميقاتي المعدل بمنار القرويين أبا عبد الله المزوار وكان بصيرا بعلم الأحكام والحدثان بينما هو ذات ليلة يرقب الطالع والغارب وقد ابهار الليل واسود ديجوره رأى طالع السلطان الشيخ قد سقط وكانت بينه وبين ابنه أبي محمد عبد الله وصلة فأسرع في الذهاب إليه ليخبره بما رأى فلما بلغ باب فاس الجديد وجده مغلقا فاستأذن الموكلين به في فتحه فأبوا فقال لهم إني جئت إلى الخليفة يعني خليفة السلطان في أمر مهم عنده وإن لم تعلموه بمكاني الساعة لحقكم منه غدا ما تكرهون فأنذروا الخليفة المذكور به فحمل إليه وسأله عن قضيته فأخبره بما رأى ونعى إليه أباه فلم يكذب في ذلك وتهيأ واستعد فلم تمض إلا أيام قلائل حتى وافته الأنباء بمقتل أبيه في تلك الساعة التي قال له المعدل المذكور فصادفه الحال على أهبة واستعداد ولما بلغ أهل مراكش مبايعة أهل فاس له وافقوا عليها فاستوسق له الأمر وتمهد له ملك أبيه وكان ذلك كله في المحرم سنة خمس وستين وتسعمائة

مجيء حسن بن خير الدين التركي إلى فاس ورجوعه منهزما عنها

قال ابن القاضي لما ولي السلطان أبو محمد عبد الله الغالب بالله الخلافة اشتغل بتأسيس ما بيده وتحصينه بالعدد والعدة ولم تطمح نفسه إلى الزيادة على ما ملك أبوه من قبله وفي سنة خمس وستين وتسعمائة في جمادى الأولى منها غزاه حسن بن خير الدين باشا التركي صاحب تلمسان في جيش كثيف من الأتراك فخرج إليه السلطان الغالب بالله فالتقيا بمقربة من وادي اللبن من عمالة فاس فكانت الدبرة على حسن فرجع منهزما يطلب صياصي الجبال إلى أن بلغ إلى باديس وكانت يومئذ للترك ورجع الغالب بالله إلى فاس لكنه لم يدخلها لوباء كان بها يومئذ ولما رجع من حركته هذه أمر بقتل أخيه عثمان لأمر نقمه عليه فقتل في السنة المذكورة والله تعالى أعلم

بناء جامع المواسين بحضرة مراكش والبركة المتصلة به والمارستان وغير ذلك

قال اليفرني وفي عشرة السبعين وتسعمائة أنشأ السلطان الغالب بالله جامع الأشراف بحومة المواسين من مراكش والسقاية المتصلة به التي عليها مدار المدينة المذكور والمارستان الذي ظهر نفعه ووقف عليه أوقافا عظيمة قلت وهذا المارستان هو الذي بحومة الطالعة قرب السجن وقد اتخذ اليوم سجنا للنساء قال وهذا السلطان هو الذي جدد أيضا بناء المدرسة التي بجوار جامع ابن يوسف اللمتوني وليس هو الذي أنشأها كما يعتقده كثير من الناس بل الذي أنشأها أولا هو السلطان أبو الحسن المريني رحمه الله حسبما ذكره ابن بطوطة في رحلته وشاع على الألسنة أن السلطان الغالب بالله توصل إلى بنائها بصناعة الكيمياء وأن الشيخ أبا العباس أحمد بن موسى السملالي علمه إياها حين تلمذ له كما سيأتي قال اليفرني وهو كذب فإن المنقول عن الشيخ المذكور إنكارها وما كان ليفتح على مسلم بابا عظيما من أبواب الفتنة وسببا بليغا من أسباب المحنة لأن هذه الحرفة من أعظم أبواب الفتن وقد أجمع أرباب البصائر على التحذير من تعاطيها لوجوه ثلاثة أولها إنها من المستحيلات كما ذكره ابن سيناء مستدلا عليه بقوله تعالى @QB@ لا تبديل لخلق الله @QE@ وكما أنه ليس في قدرة المخلوق أن يحول القرد إنسانا والذئب غزالا كذلك ليس في قدرته أن يصير الرصاص فضة والنحاس ذهبا يعني لأن ذلك من باب قلب الحقائق وهو محال ولقد تناظر رجلان فيها فقال مجوزها أتنكر ما تشاهده في الصبغ وتصيير الجسد الأحمر أصفر والأبيض أسود فقال مانعها لا أنكر ذلك لأن الصبغ ليست تغيير أصل وإنما أنكر أن ثوب الصوف الأبيض ترده صناعة الصبغ قطنا أو حريرا أحمر أو أخضر وأما الصبغ فلا شك أن النحاس يصير أبيض ولا يخرجه ذلك عن أصله ولا يسلب عنه اسم النحاس بل يقال فيه نحاس أبيض كما لا يسلب صبغ الصوف عنه اسم الصوف ثانيها سلمنا أنها جائزة الوجود لكنها معدومة في الخارج كما ذهب إليه أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله إذ قال ثلاث متفق على وجودها في الغالب وقد اتفق على عدم رؤيتها أهل المشارق والمغارب الكيمياء والعنقاء والغول وأخبارها كلها على وجه السماع والإسنادات وحكايتها كالموضوعات عن العجماوات والجمادات ثالثها سلمنا أنها موجودة في الخارج لكنه يحرم تناولها والبيع والشراء بها وقد سئل عنها الشيخ أبو إسحاق التونسي رحمه الله فقيل له أحلال هي إذا كانت خالصة فقال لو دبر النحاس أو غيره من الأجساد حتى صار ذهبا خالصا لا شك فيه فمتى لم يقل بائعه لمبتاعه هذا كان نحاسا أو جسدا من الأجساد فدبرته حتى صار ذهبا كما ترى لكان غاشا مدلسا قال ومتى ذكره لم يشتر أحد منه ذلك بفلس ويقول فكما دبرته حتى صار ذهبا فكذلك يدبره غيرك حتى يرجع إلى أصله فمن لم يبين فيها فهو داخل في قوله صلى الله عليه وسلم من غشنا فليس منا فتكون صناعتها حراما وقيل لبعض الفضلاء لم لم تتعلل بهذه الصناعة فإنها تسلي الخاطر فقال قيل للحمار لم لم تجتر فقال أكره مضغ الباطل وأنشد ( فقلت لأصحابي هي الشمس ضوءها % قريب ولكن في تناولها بعد ) اه ما نقله اليفرني ملخصا مهذبا وهو الحق الذي لا عوج فيه ولا أمت ثم قال وبالجملة فما شاع عن السلطان الغالب بالله من ذلك لا أصل له ولقد كان أهل الورع يجتنبون الصلاة في جامع الأشراف بعد ما بنى مدة ويقال إن موضع ذلك الجامع كان مقبرة لليهود والله تعالى أعلم

فتح مدينة شفشاون وانقراض أمر بني راشد منها

تقدم أن مدينة شفشاون حرسها الله بناها بنو راشد من شرفاء العلم وكانوا أهل جهاد ومرابطة على العدو ببلاد غمارة والهبط ولما توفي مختطها الأمير أبو الحسن علي بن موسى بن راشد بقيت بيد أولاده يتولون رياستها قال في المرآة ولم يزالوا فيها بين سلم وحرب إلى أن حاصرهم بها الوزير أبو عبد الله محمد بن عبد القادر ابن السلطان محمد الشيخ السعدي بجيوش عمه السلطان أبي محمد عبد الله الغالب بالله وصاحب شفشاون يومئذ الأمير الفاضل أبو عبد الله محمد ابن الأمير أبي الحسن علي بن موسى بن راشد فلما اشتد عليه الحصار خرج فيمن إليه من أهله وولده وقرابته وصعدوا الجبل المطل على شفشاون في مسلك وعر صحبتهم فيه السلامة وذلك ليلة الجمعة الثاني من صفر سنة تسع وستين وتسعمائة وساروا إلى ترغة فركبوا منها البحر يوم الجمعة تاسع الشهر المذكور واستقر الأمير أبو عبد الله بالمدينة المنورة إلى أن مات بها رحمه الله

حصار البريجة المسماة اليوم بالجديدة

قد قدمنا ما كان من بناء البرتغال لمدينة الجديدة وتحصينهم لها بما فيه كفاية وكانت غارات المسلمين المجاورين لهم لا تنقطع عنهم وكذلك هم سائر مقامهم بها ولما كانت سنة تسع وستين وتسعمائة جهز إليها السلطان الغالب بالله جيشا كثيفا واستنفر لها قبائل الحوز وعقد عليهم لابنه محمد المعروف بالمسلوخ قتيل وادي المخازن وكان يومئذ ابن عشرين سنة على ما قيل واستوزر له القائد المجاهد الشاعر الفاضل أبا زيد عبد الرحمن بن تودة العمراني وجعل إليه أمر الحرب وابن السلطان صورة فزحف إليها وحاصرها أربعة وستين يوما وملك بعض أسوارها ولم يقض الله بفتحها وفي النزهة ذكر أن القائد ابن تودة دخل البريجة التي قرب آزمور وأخذ أسوارها وعزم على أن يستأصل في الغد بقيتها ولا يبقي للكفر بها أثرا فكتب إليه السلطان الغالب بالله ينهاه عنها فتراجع النصارى إليها بعد أن ركبوا البحر عازمين على الجلاء عنها اه وقد وقفت في التاريخ البرتغالي الموضوع في أخبار الجديدة واسم مؤلفه لويز مارية على أخبار هذا الحصار وقد استوعبها وبسطها وتتبع الوقائع فصلا فصلا ويوما يوما وأتى من ذلك بما يزيد على الكراسة فكان من جملة ما قال إنه لما عزم السلطان الغالب بالله على غزوهم وأخذ في تجهيز الجيوش إليهم أتاهم بعض المتنصرة قال وهو عبد أسود فأخبرهم بأن السلطان مستعد لحربهم وكانوا عازمين على التوثق من هذا الجاسوس فأفلت منهم فعلموا أن إظهاره للتنصر كان مكيدة ثم أخذوا في الاستعداد واشتروا من عند قائد آزمور ألفي سيف هكذا زعم قال وفي اليوم الرابع من مارس سنة ألف وخمسمائة واثنتين وستين مسيحية وصلت جموع المسلمين إلى حوز الجديدة وهذا التاريخ موافق للتاريخ العربي الذي قدمناه قال فكانت خيل المسلمين نحو ثلاثين ألف والرماة ضعف ذلك وكان فيهم عسكر الترك المعروف بالبلدروش وكانوا يومئذ جندا للسعديين وكان معهم عشرون مدفعا عشرة كبيرة وعشرة صغيرة وفيها واحد أعظم من الجميع يسمى ميمونا وكان معهم العلم الكبير الأبيض ورايات أخر ملونة وتقدموا إلى الجديدة فحاصروها حصارا شديدا وحاربوها حربا هائلة وصف هذا المؤرخ ذلك كله وصفا كاشفا وكانت الجديدة يومئذ في غاية الحصانة والمناعة فلم يتمكن المسلمون من النصارى على ما ينبغي وأرسل الترك عليهم أنواع الحراقيات وملكوا المتارزات التي كانت حول السور بعد أن هلكت عليها نفوس من الفريقين ثم صنع النصارى للمسلمين عندها مينا البارود مرتين ففي الأولى كانت المينا تسعة براميل نفط منهن سبعة فأهلكت خلقا من المسلمين والنصارى وفي الثانية كانت تسعة عشر برميلا أمام السور فنفطت بالمسلمين وأتلفت منهم عددا فبعضهم طار في الهواء وبعضهم تحت التراب وكان رماة المسلمين ينالون منهم نيلا عظيما واعترف النصارى لهم بجودة الرمي بحيث كانوا كلما ظهر منهم عسكري على السور اختطفته رصاصة في أخير موضع من بدنه من الرأس أو الصدر قال لويز المؤرخ ولقد قدم في بعض الأيام من أشبونة كبير من كبراء جندهم فقال لهم أروني كيف قتالكم لهؤلاء المسلمين وكيف مصافتكم لهم قال فما ظهر برأسه على السور ليرى محلة المسلمين حتى أصابته رصاصة نثرت دماغه كأن صاحبها كان ينتظره وكان ذلك بنفس نزوله من البحر قبل أن يذهب إلى منزله فعوضه منه المسلمون القبر قال فما كان النصارى بعدها يقدرون أن يظهروا على السور إلا في النادر ولما طال عليهم الحصار ندب كبيرهم جماعة منهم للخروج إلى السواحل البعيدة عن محلة المسلمين لعلهم يظفرون بأسير منهم يستكشفونه عن خبر الجيش المحاصر لهم هل هو مرتحل أو مقيم وما مدة الإقامة قال فخرجوا في فلك لهم ليلا وساروا حتى بلغوا ساحل طيط وهي يومئذ خالية وكان بقربها محلة لقائد آسفي فلما طلع الفجر تقدموا إلى البر وأرسوا فلكهم إلى جانب بعض الأحجار هنالك بحيث يخفى على المارين بالساحل ثم كمنوا هنالك فلما كان وقت الإسفار إذا برجل من محلة آسفي أتى على فرسه إلى شاطئ البحر لبعض حاجاته فلم يرعه إلا النصارى قد أحدقوا به وأخذوا بلجام فرسه وجعل بعضهم فم مكحلته في صدره فلم يملك المسلم من نفسه شيئا ثم أنزلوه عن الفرس وساقوه إلى الفلك أسيرا ولججوا به في البحر ولما بعدوا عن البر شيئا ما رمى أحدهم الفرس برصاص فقتله ثم أسرعوا إلى الجديدة فدخلوها واجتمع النصارى على المسلم وهو كالمبهوت بينهم ثم سألوه عن خبر الجيش المحاصر لهم فأخبرهم بأنهم يناجزونهم بعد هذا مرة أخرى أو مرتين فإن لم يظفروا بهم ارتحلوا عنهم فكان كذلك قال وكان ارتحال المسلمين من الجديدة في سابع مايه العجمي من السنة المذكورة فعمل النصارى لذلك عيدا وأحدثوا في كنائسهم صلوات لم تكن قبل وذلك بإشارة باباهم صاحب رومة ومما حكاه هذا البرتغالي فيما كان يجري بين أهل آزمور وبينهم من الحرب وذلك بعد هذا الحصار بمدة يسيرة أنه كان بآزمور امرأة حسناء وخطبها رجل من أهل البلد سماه لويز إلا أنه لم يحسن النطق به لعجمته وأظنه اسمه الميلودي لأن الحروف التي ذكر تقرب منه قال فامتنعت عليه فراودها أياما واشتد كلفه بها فلم تزدد عليه إلا تمنعا فبعث إليها ذات يوم يرغبها في نفسه ويدلي عليها بمآثره التي من جملتها الشجاعة حتى قال لها وإن شئت أن آتيك برأس أعظم نصراني بالجديدة وأشجعه فعلت ولعلها كانت موتورة لهم فقالت له إن أتيتني به تزوجتك فذهب الرجل المذكور إلى قائد آزمور ولم يسمه لويز وعرض عليه أن يكتب إلى كبير نصارى الجديدة وصاحب رأيهم بأن يعين من جانبه رجلا من شجعانهم ليبارزه إن شاء فأجابه القائد إلى مراده وذهب الرسول بالكتاب حتى وقف على نحو غلوة من المدينة وهذا الموضع هو الذي كانت تقف فيه رسل آزمور إذا قدمت لغرض فخرج إليه البريد من عند صاحب الجديدة وحاز الكتاب ورجع به إلى صاحبه فلما قرأه أحضر جماعة من وجوه جنده وعرض عليهم ما فيه فقام رجل منهم وقال أن صاحبه وهذا الرجل سماه لوزير وقال كان ابن ثلاثين سنة كامل القامة ممتلئ الأعضاء أسمر اللون كثير شعر البدن أسود اللحية وكان برأسه جرح لم يندمل من وقعة كانت بينهم وبين أهل أزمور قبل ذلك فكتب صاحب الجديدة إلى قائد آزمور إنا قد أجبناك إلى ما دعوت وقد أعجبنا ذلك وها نحن قد عينا لصاحبك قرنه فلتعينوا لنا اليوم والساعة التي تكون فيها الملاقاة فاتفقا على يوم معلوم وفي ذلك اليوم سار قائد آزمور في أصحابه ووجوه أهل بلده ومعهم الرجل المذكور إلى الجديدة فانتهوا إلى الموضع الذي جرت العادة أن يقف فيه المسلمون وخرج قائد النصارى في جماعته وشرطوا للمبارزة وكيفتها شروطا منها أن تبعد كل جماعة من صاحبها بخمسين خطوة ولا يلتقي إلا المتبارزان وحدهما بمرأى من الفريقين ومنها أن مساحة الموضع الذي يكون فيه مجالهما خمسون شبرا وسطا من الفريقين وإن من خرج عن هذا المحل منهما ولو قيد شبر كان رقا للآخر وأعطوا خطوطهم بذلك ولما حان وقت البراز خرج عدلان من جانب المسلمين حتى انتهيا إلى النصراني ففتشاه لينظرا ما عليه من السلاح وما معه لأن من جملة الشروط أن لا يتبارزا إلا بالسيف والرمح فقط فلم يجدا مع النصراني سواهما قال لويز وكان صاحبهم المذكور يحسن الضرب بكلتا يديه فشرط عليه العدلان أن لا يقاتل إلا باليمين فرضي ثم خرج شاهدان من جانب النصارى حتى انتهيا إلى المسلم ففتشاه فلم يجدا عنده سوى السيف والرمح أيضا غير أنه قد علق على ذراعه تمائم كثيرة مخروزة في الجلد فقال له الشاهدان لا بد أن تنزع هذه التمائم لأن صاحبنا ليس عنده شيء من هذا وأيضا فيمكن أن تقيك هذه التمائم بعض الوقاية فقال لهم لا أنزعها لأن مثل هذا لا يتقى به في الحرب ولا يغني في الظاهر من السيف والرمح شيئا وإنما فيها أسماء الله ولا يحسن بي أن أطرحها في هذه الحالة التي أنا مشرف فيها على الموت فيكون ذلك سوء أدب مني مع اسم الله تعالى وربما يكون سببا في خذلاني فرجع النصرانيان إلى قائدهما وأخبراه بالقضية فقال لا بد من نزعها فعادا إليه وزعم لويز أن المسلمين وافقوا على نزعها وقال له العدلان إن الحق مع النصارى لأنا كشفنا صاحبهم كشفا تاما وراوده القائد أيضا فأصر على الامتناع معتذرا بما سلف ولما لم يحصلوا على طائل رجع المسلمون إلى بلدهم ولم يكن براز قال لويز وعد النصارى ذلك غلبا وجعلوا يصيحون ويخرجون البارود قال وكان سور الجديدة مكسوا بالنساء والصبيان واغتاظ قائد آزمور فسجن المسلم المذكور لكونه جر هذه المذلة على المسلمين قلت من تأمل وأنصف علم أن الفشل إنما هو من جانب النصارى لأن تلك التمائم من حيث الظاهر لا تغني شيئا وكون بركتها تقيه من ضربات السيف وطعنات الرمح فهذا لا يعتقده النصارى بل ولا يسلمونه فلم يبق إلا الفشل والتعلل بما لا اعتبار به عند العقلاء ثم قال لويز وقد كانت بين المسلمين والنصارى بعد ذلك وقائع فأبلى فيها ذلك المسلم البلاء الحسن وعرف محله من الشجاعة اه والحق ما شهدت به الأعداء وإنما أثبت هذه الحكاية بطولها لغرابتها ولما اشتملت عليه من خلال الفتوة ومنازع النخوة الإيمانية فنسأله سبحانه وتعالى أن يعلي منار الدين ويكبت كيد الجاحدين والمعتدين آمين وفي سنة سبعين وتسعمائة ولى السلطان الغالب بالله الفقيه أبا مالك عبد الواحد بن أحمد الحميدي قضاء فاس فطالت مدته

وفادة السلطان الغالب بالله على الشيخ أبي العباس أحمد بن موسى السملالي رضي الله عنه

حكى صاحب الممتع أن السلطان أبا محمد عبد الله الغالب بالله قال للأستاذ أبي عبد الله الترغي إني أجد في نفسي إرادة وطلبا للشيخ فامض فاطلب لي شيخا فذهب يطوف على مشايخ المغرب وكانوا إذ ذاك متوافرين حتى أتى على الشيخ أبي العباس أحمد بن موسى الجزولي ثم السملالي فوجده شيخا جليلا سنيا متواضعا زاهدا ظاهر الورع حسن الأخلاق باهر الكرامات واضح الطريقة جامعا لمحاسن الخلال والأوصاف فرجع إليه وجعل يصف له كل من رأى من المشايخ بما ظهر له فيه حتى أتى على الشيخ المذكور فقال وهو ولي ثم ولي ثم ولي ثم ولي سبعا فقال له كأنك تدلني عليه وأنه مطلوبي وأنه المقدم على غيره فقال له لا أدلك عليه ولا عندي ما أعرفه به تقديمه غير أن هذا الذي ظهر لي فأزمع السلطان الغالب بالله الرحلة إليه فلما بلغ الشيخ المذكور مجيء السلطان إليه خرج يتلقاه وقد هيأ له النزل وما يصلحه وأعد له ما يناسبه من الأطعمة الرفيعة النفيسة وقدم إليه الثمر الجيد واللبن الحليب ولما خرج للقائه أتاه بعضهم بفرس وكان من عادته أن لا يركب وإذا أتاه أحد بمركوب لا يرده عليه بل يستصحبه معه ويعلفه له حتى يرجع ففعل ذلك ولقي السلطان ورجع به معه وأنزله عنده فمكث في ضيافته ثلاثة أيام ثم طلب منه أن يتخذه وسيلة إلى الله تعالى وسأله مع ذلك تمهيد الملك واعتذر إليه بأنه لا يمكنه العيش بدونه ولا يأمن على نفسه ولا تؤويه أرض إذا هو تخلى عنه فقال الشيخ يا عرب يا بربر يا سهل يا جبل أطيعوا السلطان مولاي عبد الله ولا تختلفوا عليه ثم بعد الثلاث انصرف السلطان إلى محله فبقي مدة وهو مسكن ممهد الملك في عافية ثم أتى الترك إلى بوغاز طنجة وسبتة فخافهم وتشوش منهم كثيرا ولم يهنأ له عيش فجعلت حاشيته يهونون عليه أمرهم فقال دعوني منكم حتى أستقي من رأس العين ثم أبرد بريدا إلى الشيخ فلما انتهى إليه سمعه يقول يا ترك ارجعوا إلى بلادكم ويا مولاي عبد الله هناك الله في بلادك بالعافية فتقدم الرسول وسلم على الشيخ وبلغه سلام السلطان ثم انقلب من فوره بعد ما ورخ وقت سماع مقالته فلما بلغ إلى السلطان أخبره بما كان من الشيخ من تلك المقالة وما كان منه من التاريخ وأقاموا ينتظرون ما يكون فإذا الخبر قد ورد على السلطان بأن الترك قد ارتحلوا وانصرفوا إلى بلادهم وإذا ارتحالهم كان وقت مقالة الشيخ المذكورة ثم إن الشيخ قدم مراكش في بعض الأيام زائرا من كان بها من أهل الله تعالى فرغب إليه السلطان الغالب بالله أن يدخل داره هو وأصحابه ويصنع لهما طعاما وشرط على نفسه أن لا يطعمهم إلا الحلال ولا يطعمهم ما فيه شبهة وحلف للشيخ على ذلك فأسعفه ولما حضر الطعام وضع الشيخ يده عليه ولم يصب منه فلما خرج قيل له مالك لا تتناول من طعام السلطان وقد حلف أن لا يطعمكم إلا الحلال فقال له من أكل طعام السلطان وهو حلال أظلم قلبه أربعين يوما ومن أكله وفيه شبهة مات قلبه أربعين سنة اه ومما ينخرط في هذا السلك أن السلطان المذكور كان له اعتقاد في الشيخ أبي عمرو القسطلي وكان يعظمه غاية وكانت عنده مظلة له من سعف النخل يتقي بها الحر تبركا بها ولما توفي الشيخ أبو عمرو المذكور وذلك يوم الجمعة منتصف شوال سنة أربع وسبعين وتسعمائة حضر السلطان المذكور جنازته وحثا التراب على قبره بيده ومن أخبار السلطان المذكور أن الشيخ أبا محمد عبد الله بن حسين المغاري كان ظهر بمراكش وكثرت الجموع عليه وقصده الناس من كل جهة فأرسل إليه السلطان المذكور إما أن تخرج عني أو أخرج عنك فقال الشيخ ابن حسين بل أنا أخرج وخرج من فوره إلى تامصلوحت فكان من أمره ما كان

استيلاء النصارى على حجر باديس والسبب في ذلك

قد تقدم لنا في أخبار الوطاسيين أن النصارى بنوا حجر باديس واستولوا على وهران سنة أربع عشرة وتسعمائة واستمروا بهما إلى أن انتزعهما الترك من أيديهم ولما كانت دولة السلطان الغالب بالله وطمع الترك في الاستيلاء على المغرب الأقصى أغرى السلطان المذكور النصارى بالاستيلاء على الثغور الهبطية وسد أنقابها دونه قال في النزهة ذكر بعضهم أن السلطان الغالب بالله لما رأى عمارة ترك الجزائر وأساطيلهم لا ينقطع ترددها عن حجر باديس ومرسى طنجة يعني البوغاز وتخوف منهم اتفق مع الطاغية أن يعطيه حجر باديس ويخليها لهم من المسلمين فتنقطع بذلك مادة الترك عن المغرب ولا يجدوا سبيلا إليه فنزل النصارى على حجر باديس وأخرجوا المسلمين منها ونبشوا قبور الأموات وحرقوها وأهانوا المسلمين كل الإهانة ولما بلغ خبر نزولهم عليها لولده محمد وكان خليفته على فاس خرج بجيوشه لإغاثة المسلمين فلما كان بوادي اللبن بلغه استيلاؤهم عليها فرجع وتركها لهم اه وذكر اليفرني أنه وجد هذه الأخبار في أوراق مجهولة والله تعالى أعلم

فتنة الفقيه أبو عبد الله الأندلسي ومقتله

كان الفقيه أبو عبد الله محمد الأندلسي نزيل مراكش متظاهرا بالزهد والصلاح حتى استهوى كثيرا من العامة فتبعوه وكانت تصدر عنه مقالات قبيحة من الطعن على أئمة المذاهب رضي الله عنهم ينحو فيها منحى ابن حزم الظاهري ويتفوه بمقالات شنيعة في الدين فأمر السلطان الغالب بالله بقتله فاستغاث بالعامة من أتباعه واعصوصبوا عليه ووقعت فتنة عظيمة بمراكش بسببه إلى أن قتل وصلب على باب داره برياض الزيتون من المدينة المذكورة وكان ذلك أواسط ذي الحجة من سنة ثمانين وتسعمائة

ظهور بدعة الشراقة من الطائفة اليوسفية وما قيل فيهم

قال في الدوحة كان الشيخ أبو العباس أحمد بن يوسف الراشدي نزيل مليانة تظهر على يده الكرامات وأنواع الانفعلات فبعد صيته وكثرت أتباعه فغلوا في محبته وأفرطوا فيها حتى نسبه بعضهم إلى النبوة قال وفشا ذلك الغلو على يد رجل ممن صحب أصحابه يقال له ابن عبد الله فإنه تزندق وذهب مذهب الإباضية على ما حكى عنه واعتقد هذا المذهب الخسيس كثير من الغوغاء وأجلاف العرب وأهل الأهواء من الحواضر وتعرف هذه الطائفة باليوسفية قال ولم يكن اليوم بالمغرب من طوائف المبتدعة سوى هذه الطائفة وسمعت بعض الفضلاء يقول إنه قد ظهر ذلك في حياة الشيخ أبي العباس المذكور فلما بلغه ذلك قال من قال عنا ما لم نقله يبتليه الله بالعلة والقلة والموت على غير ملة قال صاحب الدوحة ولقد أشار الفقهاء على السلطان الغالب بالله بالاعتناء بحسم مادة فساد هذه الطائفة فسجن جماعة منهم وقتل آخرين وهؤلاء المبتدعة ليسوا من أحوال الشيخ في شيء وإنما فعلوا كفعل الروافض والشيعة في أئمتهم وإنما أصحاب الشيخ كأبي محمد الخياط والشيخ الشطيبي وأبي الحسن علي بن عبد الله دفين تافلالت وأنظارهم من أهل الفضل والدين وإلا فالأئمة المقتدى بهم كلهم يعظم الشيخ ويعترف له بالولاية والعلم والمعرفة اه وقال في المرآة ما نصه والشيخ أبو العباس أحمد بن يوسف الراشدي الملياني من كبار المشايخ أهل العلم والولاية وعموم البركات والهداية وكان كثير التلقين فقال له الشيخ أبو عبد الله الخروبي أهنت الحكمة في تلقينك الأسماء للعامة حتى النساء فقال له قد دعونا الخلق إلى الله فأبوا فقنعنا منهم بأن نشغل جارحة من جوارحهم بالذكر قال الشيخ الخروبي فوجدته أوسع مني دائرة قال صاحب المرآة وانتسبت إليه الطائفة المعروفة بالشراقة بتشديد الراء وهو بريء من بدعتهم فما كان إلا إمام سنة وهدى مقتدى به في العلم والدين قد نزهه الله وطهر جانبه وقد أظهروا شيئا من ذلك في حياته فتبرأ منهم وقاتلهم وبلغ المجهود في تشريدهم قال وحدثني شيخنا أبو عبد الله النيجي أن الشيخ أبا البقاء عبد الوارث اليالصوتي لما ظهرت بدعة الشراقة وانتسابهم إليه وقع في نفسه من ذلك شيء فقيل له إن الشيخ أبا محمد الخياط من أصحابه فقال أنا تائب إلى الله كفى في طهارة جانبه أن يكون الخياط من أصحابه وكانت وفاة الشيخ الملياني سنة سبع وعشرين وتسعمائة لكن ما كان عنفوان تلك البدعة المدسوسة عليه إلا في دولة السلطان الغالب بالله كما مر والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء

احتيال النصارى بمكيدة البارود بجامع المنصور من مراكش وما وقى الله تعالى من شرها

كان بقصبة مراكش جماعة من أسارى النصارى من لدن أيام أبي العباس الأعرج وأخيه أبي عبد الله الشيخ فرأوا الجم الغفير من أعيان المسلمين وأهل الدولة يحضرون كل جمعة للصلاة مع السلطان بجامع المنصور من القصبة المذكورة فحدثتهم نفسهم الشيطانية بأن يصنعوا مكيدة يهلكون بها السلطان ومن معه فحفروا في خفية تحت الجامع المذكور حفرة ملأؤها من البارود ووضعوا فيها فتيلا تسري فيه النار على مهل كي ينقلب الجامع بأهله وقت الصلاة فنفطت المينا وانهدت بها القبة الواسعة من الجامع المذكور وانشق مناره شقا كبيرا ولا زال ماثلا به إلى الآن وكان ذلك مبلغ ضررهم وكفى الله المسلمين شر تلك المكيدة ولم يتمكن لهم الحال على وفق ما أرادوا وكان ذلك سنة إحدى وثمانين وتسعمائة

وفاة السلطان أبي محمد عبد الله الغالب بالله رحمه الله

قال الشيخ أبو العباس ابن القاضي في شرح درة السلوك توفي السلطان أبو محمد عبد الله الغالب بالله يوم الجمعة الثامن والعشرين من رمضان سنة إحدى وثمانين وتسعمائة بسبب غم كان يعتريه اه وهذا الغم هو الداء المسمى عند العامة بالضيقة أعاذنا الله منه وذكر غيره أنه توفي في شوال بسبب تكلفه للصيام فعدت عليه العلة المذكورة وشاع على ألسنة الناس أنه بات يصلي ليلة سبع وعشرين من رمضان فوافته ميتته وهو ساجد وذلك كذب ودفن رحمه الله عند ضريح أبيه بقبور الأشراف وقبره معروف ومما كتب بالنقش على رخامة قبره هذه الأبيات ( أيا زائري هب لي الدعاء ترحما % فإني إلى فضل الدعاء فقير )

( وقد كان أمر المؤمنين وملكهم % إلى وصيتي في البلاد شهير ) ( فها أنا ذا قد صرت ملقى بحفرة % ولم يغن عني قائد ووزير ) ( تزودت حسن الظن بالله راحمي % وزادي بحسن الظن فيه كثير ) ( ومن كان مثلي عالما بحنانه % فهو بنيل العفو منه جدير ) ( وقد جاء إن الله قال ترحما % إلى ما يظن العبد بي سيصير ) وحكى أنا ابنه أبا عبد الله المعروف بالمسلوخ لما قرأ هذه الأبيات عاقب ناظمها وقال له إن في قولك ملقى بحفرة دسيسة وتلويحا إلى الحديث ( القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ) فهلا قلت ببلقع أو نحوه

بقية أخبار السلطان الغالب بالله وسيرته

كان السلطان أبو محمد عبد الله الغالب بالله ذا سياسة وخبرة بأحوال الملك وتأن في الأمور ولما ولي الخلافة ألان الجانب وخفض الجناح وسار بسيرة حسنة حتى صلحت الرعية وازدانت الدنيا وانتعش الناس حتى كان يقال ثلاث عينات هم عيون الزمان السلطان المولي عبد الله والشيخ أبو محمد عبد الله بن حسين المغاري والشيخ أبو السرور عياد السوسي قال اليفرني ورأيت من جملة سؤال كتب به الفقيه الصالح خطيب الجامع الأعظم بتارودانت أبو زيد عبد الرحمن التلمساني إلى قاضي الجماعة أبي مهدي عيسى بن عبد الرحمن السكتاني يقول فيه ولا شك أن مولاي عبد الله مجمع على عدالته وبيعته وقد أخبرني الثقة من أصحاب الشيخ الجامع أبي العباس أحمد بن موسى السملالي أنه قال مولاي عبد الله ياقوتة الأشراف هو صالح لا سلطان وقد اشتهر بين الأنام وعلى ألسنة الخاص والعام أن السلطان الغالب بالله كان عدلا صالحا ووقع في الرسالة التي كتب بها ابن أخيه السلطان أبو المعالي زيدان بن منصور إلى الفقيه أبي زكرياء يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد المنعم الحاحي ما ظاهره يخالف ذلك ويؤذن بأنه كان كغيره من الملوك ونص المحتاج إليه من تلك الرسالة مخاطبا للفقيه المذكور يقول وقد تحققت وعلمت أن ولاية أحمد بن موسى السملالي كادت تكون قطعية واشتهر أمره عند الخاص والعام حتى أطبق أهل المغرب على ولايته وقد كان على عهد مولانا عبد الله برد الله ضريحه وكان المولى المذكور على ما كان عليه واشتهر عنه وما برح الشيخ المذكور يدعو له ولدولته بالبقاء ويظهر حبه وكان المولى المذكور يعزل ويولي ويقتل وكان شرد منه إلى زاويته المرابط الأندلسي وولد آصناك وأمثالهم وكان الشيخ يقدم للشفاعة فيشفع ولا يتعقب ولا يبحث عما وراء ذلك باق على عهده ومودته وكان المولى المذكور بعث لابن حسين بسد داره فما فتحها حتى أمره ولا استعظم أحد ذلك ولا أكثر فيه ولا جعله سببا لفتح الفتنة وكان قواد المذكور مثل وزيره ابن شقراء وبعد الكريم بن الشيخ وعبد الكريم بن مؤمن العلج والهبطي والزرهوني وعبد الصادق بن ملوك وغيرهم ممن لا يحضرني ذكرهم لبعد عصرهم قد انغمسوا في شرب الخمور واتخاذ القيان وبسط الحرير وغير ذلك من آلات الفضة والذهب وكان في عصره أحمد بن موسى المذكور وابن حسين والشرقي وأبو عمرو القسطلي وأبو محمد بن إبراهيم التامنارتي والشيظمي وغير هؤلاء من المشايخ وأهل الدين الذين لا يسع من يدعي هذه الطريقة التقدم عليهم ولا اكتساب الفضيلة دونهم فأحسنوا السيرة ولا تعرضوا للسلطنة ولا سمع منهم ما يقدح في ولاة الأمر وقادة الأجناد ممن ذكر الذين كان الملك يدور عليهم ويرجع إليهم في تدبيره اه القدر المحتاج إليه من الرسالة المذكورة قال اليفرني ومثل هذا ما ذكر بعضهم أن السلطان الغالب بالله أعطى حجر باديس للطاغية لتنقطع بذلك مادة الترك عنه ومثله ما ذكر عنه أيضا أن قائده ابن تودة أخذ بعض أسوار الجديدة وعزم على فتحها من الغد فكتب إليه السلطان المذكور ينهاه عن ذلك ونظيره أيضا قضيته مع أهل غرناطة وأطال فيها هذا البعض المنقول عنه بما استنكفت من ذكره هنا قال وهذه أمور شنيعة إن صح أنه فعلها ولست أدخل في عهدتها لأني إنما رأيتها في أوراق مجهولة المؤلف اشتملت على ذم هذه الدولة السعدية وظني أنها من وضع بعض أعدائهم لحطة من قدرهم وإخراجه إياهم من النسب الشريف ووصفه دولتهم بالدولة الخبيثة فلذا تجنبت منهم كثيرا من الأخبار التي لا تظن بأولئك السادة رحمهم الله فقد قال الشيخ تاج الدين السبكي رحمه الله في طبقاته إن المؤرخين على شفا جرف هار لأنهم يتسلطون على أعراض الناس وربما وضعوا من الناس تعصبا أو جهلا أو اعتمادا على نقل من لا يوثق به قال فعلى المؤرخ أن يتقي الله تعالى اه إلا أن الملوك لا يستغرب في حقهم أن يهدموا أساس الشريعة ليبنوا منار رياستهم ويستهونوا عظائم الأمور لتطيعهم الرعية ساعة كيف لا وشراع أفئدتهم تلعب به رياح الشهوات فتلقي سفينة قلوبهم على ساحل بحر القنوط من رحمة الله تعالى والله يسامح الجميع ويتجاوز عن كافة عصاة هذه الأمة بمنه وفضله اه كلام اليفرني رحمه الله ومن وزراء السلطان الغالب بالله ابن أخيه الأمير الأجل الأديب الأحفل أبو عبد الله محمد بن عبد القادر بن محمد الشيخ كان من أنبل الوزراء وألطفهم مسلكا وأخفهم روحا وله عارضة في النظم والنثر ذكر الأديب أبو محمد عبد الله بن محمد الفاسي في كتابه الأعلام بمن مضى وغبر من أهل القرن الحادي عشر ما صورته قدم الوزير أبو عبد الله محمد بن عبد القادر السعدي من مراكش إلى فاس ومعه الفقيه قاضي الجماعة أبو مالك عبد الواحد بن أحمد الحميدي والفقيه الإمام أبو العباس أحمد المنجوز فلما تبدت لهم معالم فاس الجديد وتلظى للشوق في جوانحهم أوار ( وأبرح ما يكون الشوق يوما % إذا دنت الديار من الديار ) وأنشد الوزير المذكور لنفسه ارتجالا ( أخلائي هذا المستقى وربوعه % وهذي نواعير البلاد تنوح ) ( وذاك المصلى مطرح الشوق والأسى % وتلك منازل الديار تلوح ) فقال القاضي الحميدي ارتجالا ( وتلك القباب الخضر شبه زبرجد % بهن غوان طرفهن جموح ) ( يمسن كأملود من الروض يانع % شذاهن من حول الديار يفوح ) فقال الفقيه أبو العباس المنجور ارتجالا أيضا ( ويرفلن في الحلات يختلن في الحلى % وفيهن أنواع الجمال وضوح ) ( يبادرن ترقيع الكوى بمحاجر % لإقبال حب طال منه نزوح ) ولما بلغت الأبيات إلى الأستاذ أبي العباس أحمد الزموري قال مذيلا ( تأمل سنا الحسناء تحت قبابها % كشمس غدت تحت السحاب تلوح ) ( تحلت ربوع المستقي بجمالها % وأنت إلى تلك القباب تروح ) وبعضهم جعل البيتين الأولين للمولى الأديب أبي محمد عبد الواحد بن أحمد الشريف السجلماسي وكان كاتبا للوزير المذكور ويجعل موضع أخلائي أمولاي والبيتين بعدهما للوزير والله تعالى أعلم والمستقى بصيغة اسم المفعول اسم بستان معروف ونظير هذا ما ذكره الأديب المذكور في أعلامه المذكور قال كان الوزير المذكور مع كاتبه المولى عبد الواحد الشريف في بعض الأسفار وأرسلت السماء بغيثها المدرار فقال الوزير المذكور ( لله أشكو غداة السفح إذ ركضت % أيدي المطايا وحادي الريح يحدونا ) فأجابه الكاتب المذكور ( والغيم في الأفق قد أرخى ذوائبه % بأسهم الودق لا ينفك يرمينا ) فقال الوزير ( حتى استوى الماء والآكام واستترت % معالم الرشد لا خريت يهدينا ) ( فطلت الخيل في الأمواج سابحة % سبح السلاحف نحو الدار يهوينا ) فقال الكاتب ( والنفس في قلق لبين مألفها % والشوق يحدو بنا والحال يقصينا )

فقال الوزير ( كأننا لم نبت والوصل ثالثنا % حتى غدا الطير فوق السرح يفشينا ) وأخبار هذا الوزير ونوادره كثيرة وهو الذي أخرج بني راشد من مدينة شفشاون حسبما مر وكانت وفاته في العشرين من جمادى الثانية سنة خمس وسبعين وتسعمائة ومن وزراء السلطان الغالب بالله أيضا القائد عبد الكريم بن مؤمن بن يحيى العلج الجنوي وعبد الرحمن بن تودة وقاسم الزرهوني وأحمد الهبطي ومن ولاة مظالمه أبو عمران موسى بن مخلوف الكنسوسي وهو والي الشرطة وكان فقيها مشاركا وذكر بعضهم أن الشيخ الصالح أبا العباس أحمد بن موسى السملالي كان في بعض قدماته على السلطان الغالب بالله قد انحشر الناس لزيارته بزاويته فوقف أبو عمران المذكور يذود الناس عنه ويقول رحمكم الله من زار خرج فسمعه الشيخ فقال له لا تقل ذلك وقل من جار خرج ومن كتاب السلطان المذكور محمد بن عبد الرحمن السجلماسي ومحمد بن أحمد بن عيسى وغيرهما ومن قضاته بمراكش الفقيه قاضي الجماعة أبو القاسم بن علي الشاطبي وبفاس أبو عبد الله العوفي وأبو مالك عبد الواحد الحميدي رحمهم الله

الخبر عن دولة السلطان أبي عبد الله محمد المتوكل على الله ابن السلطان عبد الله الغالب بالله رحمه الله

لما توفي السلطان الغالب بالله بحضرة مراكش كان ابنه محمد هذا بفاس وكان ولي عهد أبيه فاجتمع أهل العقد والحل بمراكش واستأنفوا له البيعة وكتبوا بها إليه فوصلت إليه وهو بفاس أوائل شوال سنة إحدى وثمانين وتسعمائة فبايعه أهل فاس وتم أمره قال ابن القاضي أمه أم ولد وكنيته أبو عبد الله ولقبه المتوكل على الله ويعرف عند العامة بالمسلوخ لأنه سلخ جلده وحشي تبنا كما سيأتي وكان مما وقع في أيامه أنه كانت بين المسلمين وبين نصارى طنجة وقعة بالرملة المسماة بأبي غاص من فحص طنجة قرب قنطرة عصماء وذلك يوم الأربعاء منتصف جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة وفي هذه الوقعة استشهد الشيخ أبو مهدي عيسى بن الحسن المصباحي دفين الدعادع على وادي مضي من عمل القصر فإنه حمل بعد استشهاده إلى الموضع المذكور فدفن بإزاء قبر أبيه في الروضة التي هنالك واستمر أمر أبي عبد الله المتوكل منتظما إلى أواخر سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة فقدم عليه عمه عبد الملك ابن الشيخ بجيش الترك فنثر سلكه وبدد ملكه على ما نذكره ويقال إنه كان أضمر الفتك بعميه أحمد وعبد الملك ففرا منه إلى ناحية الترك على ما سيأتي قالوا وكان السلطان المذكور فقيها أديبا مشاركا مجيدا قوي العارضة في النظم والنثر وكان مع ذلك متكبرا تياها غير مبال بأحد ولا متوقفا في الدماء عسوفا على الرعية ومن شعره قوله ( فقم بنا نصطبح صهباء صافية % في وجهها عسجد في وجهه نقط ) ( وانهض إليها على رغم العدا قلقا % فإن تأخير أوقات الصبا غلط ) ومن شعره أيضا قوله ( ساروا فسار فؤادي إثر ظعنهم % وخلفوني نحيل الجسم حيرانا ) ( لا افتر ثغر الثرى من بعد بينهم % ولا سقى هاطل وردا وريحانا ) وكان خليفته بمراكش القائد ابن شقراء وحاجبه أحمد بن حمو الدرعي وكتابه يونس بن سليمان الثاملي وعلي بن أبي بكر وغيرهما رحمهم الله تعالى

الخبر عن دولة السلطان أبي مروان عبد الملك المعتصم بالله ابن محمد الشيخ وأولية أمره ومآله

كان أبو مروان عبد الملك بن أبي عبد الله الشيخ السعدي وأخوه أبو العباس أحمد المدعو بعد بالمنصور مقيمين بسجلماسة سائر أيام أبيهما فلما توفي وولي الأمر بعده ابنه الغالب بالله فر عبد الملك وأحمد إلى تلمسان خوفا على أنفسهما منه فأقاما عند صاحبها حسن بن خير الدين مدة ولحق بهما أخوهما عبد المؤمن فصار ثالثة الأثافي ثم انتقلوا بعد ذلك إلى الجزائر ومنها ركب عبد الملك البحر إلى القسطنطينية متطارحا على صاحبها السلطان سليم بن سليمان العثماني رحمه الله فأمده بالجند حتى ملك المغرب كما سيأتي ولنذكر هنا كيفية استيلاء العساكر العثمانية على تونس وانقراض أمر الحفصيين منها ثم نرجع إلى بقية أخبار السلطان أبي مروان المعتصم بالله لأنها تنبني على ذلك فنقول اعلم أن أمر بني أبي حفص أصحاب تونس كان قد مرج في هذه المدة وتداعى إلى الاختلال وكان خير الدين باشا التركي المقدم ذكره في أخبار تلمسان قد استولى على تونس في حدود الأربعين وتسعمائة وغلب عليها صاحبها الحسن بن محمد الحفصي ففر الحسن المذكور إلى طاغية الإصبنيول صاحب قشتالة فأعطاه العساكر وجاء بها إلى تونس فنزل عسكر النصارى ببرج العيون قرب حلق الوادي وتقدموا إلى تونس فملكوها وانهزم خير الدين إلى الجزائر وشارك النصارى الحسن بن محمد في إمرة تونس واستباحوا أهلها قتلا وأسرا ونهبا يقال إنهم قتلوا من أهل تونس الثلث وأسروا الثلث وأبقوا الثلث وكل ثلث ستون ألفا هكذا عند صاحب الخلاصة النقية ثم ملكوا الموضع المسمى بحلق الوادي وليس هناك واد عذب وإنما هو جون دخل من البحر في البر وعليه مرسى تونس ثم بنى النصارى في الحلق المذكور حصنا عاديا أقاموا في بنائه نحو ثلاث وأربعين سنة بحيث عجز الترك عن هدمه لما ملكوه بعد ثم ثار على الحسن ابنه أحمد المدعو حميدة وملك الحضرة مدة وقاتل نصارى حلق الوادي فامتنعوا عليه ثم غزاه علي باشا صاحب الجزائر واستولى على تونس سنة سبع وسبعين وتسعمائة وطرد أحمد عنها فذهب أحمد إلى طاغية قشتالة مستغيثا به شأن أبيه من قبله هذا كله ونصارى الحلق لا زالوا متمكنين منه أي تمكين فأمد الطاغية أحمد المذكور بأسطول عظيم واشترط عليه أداء مال فالتزمه ولما وصل الأسطول إلى ظاهر تونس اطلع قائده السلطان أحمد على كتاب من الطاغية مضمنه المشاركة في الحكم فأنكر أحمد ذلك وأنف منه وذهب إلى صقلية فبقي بها إلى أن مات وحمل إلى تونس وكان هنالك أخوه محمد بن الحسن فرضي بالمقاسمة ودخل بالنصارى إلى تونس فاستولى عليها وملك قصبتها وجالسه شريكه النصراني بها وانتهبت المدينة وأهين الدين وعم الخراب وتكدر المشرب وتفرق الجمع وارتبطت خيل العدا بالجامع الأعظم وألقيت ما فيه من نفائس الكتب بالطرق ونبش قبر الشيخ أبي محفوظ محرز بن خلف فلم يوجد فيه إلا الرمل حماية من الله له وحاشا أن تعدو الأرض على جسد مثله وأرسل محمد بن الحسن إلى الناس بالأمان واستمالهم النصراني بعد بكاذب الرفق فأقاموا بدار مذلة وهوان واتصل ذلك كله بالسلطان سليم بن سليمان العثماني فأعظمه وجهز العمارة للحين مع الوزير سنان باشا يقال كانت أربعمائة وخمسين قطعة فخرج بها الوزير المذكور من القسطنطينية وهي إصطنبول غرة ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وتسعمائة ووصلوا إلى حلق الوادي في الرابع والعشرين منه وكان حيدر باشا صاحب القيروان ومصطفى باشا صاحب طرابلس محاصرين لتونس قبل ذلك حتى فتر عزمهم فلما قدم عليهم سنان باشا قويت نفوسهم واعصوصبوا عليه وتقدموا إلى الحصن الذي بحلق الوادي فحاصروه حتى اقتحموه عنوة سادس جمادى الأولى من السنة المذكورة أعني سنة إحدى وثمانين وتسعمائة واستلحموا من به وغنموا ما فيه والتجأ محمد بن الحسن الحفصي وأنصاره من النصارى إلى البستيون وهو حصن آخر كانوا قد بنوه خارج باب تونس فحاصرهم سنان باشا به حتى اقتحمه عنوة وقتلوا من به وامتلأت أيديهم من المغانم وطهر الله بهم البلاد وكانت إحدى الوقائع الجليلة القدر الباقية الذكر وظفر الوزير بمحمد بن الحسن فاحتمله معه إلى السلطان سليم فاعتقله في يد قلة أحد حصونه حتى هلك وانقرضت بمهلكه دولة بني أبي حفص التي هي بقية الموحدين إذا علمت هذا فاعلم أن استيلاء العساكر العثمانية على تونس كان قبل وفاة السلطان الغالب بالله بنحو خمسة أشهر لأن وفاته كانت في آخر رمضان سنة إحدى وثمانين وتسعمائة كما مر وفتح تونس كان في جمادى الأولى من السنة المذكورة ووقع في النزهة أن فتح تونس كان سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة وهو غير صواب والله تعالى أعلم

مجيء السلطان أبي مروان عبد الملك بن الشيخ السعدي بعسكر الترك واستيلاؤه على المغرب

اعلم أنه وقع في النزهة وغيرها أن عبد الملك بن الشيخ وأخاه أحمد كانا في ابتداء أمرهما بسجلماسة فلما توفي أبوهما وولي أخوهما الغالب بالله لحقا بتلمسان فأقاما بها مدة ثم انتقلا إلى الجزائر فلما اتصل بهما خبر وفاة أخيهما الغالب وولاية ابنه محمد المتوكل من بعده ركب عبد الملك البحر إلى القسطنطينية وتطارح على ملكها العثماني في أن يمده بجيش ليملك المغرب فتثاقل عنه العثماني إلى أن بعث بالعمارة لفتح تونس فشهد عبد الملك الفتح وعاد إليه بالبشارة فأسعفه وهذا غير صواب من جهة أن فتح تونس كان متقدما على وفاة الغالب بالله كما مر اللهم إلا إذا كان عبد الملك وفد على العثماني مستعديا على أخيه الغالب بالله وفي أثناء ذلك توفي وولي ابنه المتوكل فيكون الكلام صحيحا وأما ما في النزهة مما يقتضي تأخر فتح تونس عن وفاة الغالب بالله فغير صواب كما مر ولنذكر ما حكوه من ذلك فنقول لما بويع السلطان أبو عبد الله محمد المتوكل على الله كان عبد الملك بن الشيخ وأخوه أحمد المدعو بعد بالمنصور بالجزائر فركبا البحر إلى القسطنطينية العظمى قاصدين السلطان سليم بن سليمان العثماني رحمه الله ومع عبد الملك أمه سحابة الرحمانية وزعم بعضهم أن التي كانت معهما مسعودة الوزكيتية وهي أم أحمد منهما فانتهيا إلى القسطنطينية وتعلقا بكراء الدولة حتى أدخلوهما على السلطان سليم ودخلت أمهما داره وطلبوا منه أن يبعث معهم العساكر لتملك المغرب ويقوموا فيه بدعوته فتثاقل عنهم مدة إلى أن كان الغزو إلى تونس فكتب السلطان سليم إلى أهل الجزائر وأهل طرابلس أن يوجهوا قراصينهم لحصار تونس مع العمارة الموجهة من قبله فطلب عبد الملك وأخوه أحمد من الدولاتي وهو صاحب الجزائر أن يجعل لهما رياسة قرصان منهما يتوجهان فيه للجهاد معه فأعطاهما غليوطة فيها ستة وثلاثون رجلا فركباها ولحقا بعمارة السلطان سليم في جملة مراكب الجزائر هكذا وقع في سياقة هذا الخبر وهو يقتضي أنهما كانا يومئذ بالجزائر لا بالقسطنطينية فلعلهما عادا إليها من عند السلطان سليم إلى أن سافرا في جملة عسكر الجزائر والله تعالى أعلم ولما فتحوا تونس واستأصلوا من بها من الكفار حسبما مر عين رئيس العمارة العثمانية مركبين يتوجهان بكتاب الفتح إلى السلطان سليم فطلب منه عبد الملك وأحمد أن يأذن لهما في الذهاب معهما بالغليوطة ليأتيا بأمهما التي تركاها هنالك فلم يزالا بالرئيس المذكور حتى أسعفهما فكان من قدر الله تعالى أن هاج البحر عليهم ذات ليلة ففرق مراكبهم ولما أصبح عبد الملك وأحمد لم يجدا للمركبين أثرا فوافقهم السعد وساعدتهم الريح فوصلوا إلى القسطنطينية قبل المركبين بثلاث واتصل خبرهما بالصدر الأعظم فأحضرهما وسألهما عن العمارة وما كان منها فأخبراه بفتح تونس وقصا عليه الحديث من البدء إلى التمام فأعلم السلطان سليما بهما فأدخلهما عليه وسألهما كذلك فأخبراه وسألهما عن كتاب الفتح إن أمير العمارة قد بعث به مع مركبين صحبناهما إلى أن فرق بيننا البحر ولم ندر ما كان منهما بعد ذلك ولما رأيا من السلطان سليم تنازلا واهتزازا لكلامهما طلبا منه في بشارتهما أن يبعث معهم العساكر إلى الغرب وشفعا في إنزال رأس والدهما ودفنه فقبل شفاعتهما ثم أمر بهما إلى بعض المنازل فأنزلهما به وأكرمهما وبعث إليهما بالأم التي كانت هنالك وأرجأ أمرهما إلى قدوم الخبر اليقين وبعد ثلاث قدم المركبان ومعهما كتاب الفتح وظهر صدق عبد الملك الملك وأحمد فحينئذ أقبل عليهما السلطان سليم وأعطاهما مالا وسلاحا وزادا وكتب لهما فرمانا للدولاتي صاحب الجزائر ليبعث معهما خمسة آلاف من عسكر الترك تطأ معهما أرض المغرب الأقصى ولما قدما على الدولاتي بالفرمان وقرأه على أهل الديوان قالوا علينا الرجال وعليهما المال وهذه عادتنا مع السلطان ولما لم يكن عندهما مال يومئذ تطارحا على الخزندار وعلى الآغا والوكيل وأهديا إليهم ورغبا منهم أن يسلفوهما ما ينفقانه في وجهتهما تلك إلى أن يبعثا به إليهم من المغرب فسهلوا لهما وقوموا العسكر بما يحتاج إليه وفرضوا له المؤنة كل يوم بيومه إلى أن يرجع وأشهدوا عليهما بذلك في دفتر فقبلا وأعطوا خطوطهما به ثم نهض عبد الملك وأخوه إلى المغرب يجران عساكر الترك خلفهما وكتب عبد الملك إلى شيعته بالمغرب يعرفهم قدومه ويعدهم ويمنيهم إلى أن كان من أمره ما كان وساق اليفرني هذا الخبر وفيه بعض مخالفة لما تقدم قال لما فتحت تونس كان عبد الملك أول من أرسل البشارة مع أصحابه إلى السلطان العثماني فبلغت الرسالة أمه سحابة الرحمانية فأعطتها السلطان المذكور والتمست منه أن يعطيها في بشارتها أمر أهل الجزائر بالذهاب معها إلى المغرب فأعطاها ذلك فجاء عبد الملك مع أمه بكتاب السلطان إلى أهل الجزائر يأمرهم بالمسير معه لتملك ما كان بيد آبائه فطالبه أهل الجزائر بالراتب فقال لهم أسلفوني وعلي القضاء فاتفق معهم أن يعطيهم عشرة آلاف لكل مرحلة وكان عدد جيش الترك أربعة آلاف وقال في شرح الدرة إن عبد الملك طلب من رئيس الترك أن يعينه بحصة منهم توصله إلى تخم بلاده ليدخلها إذ الجند كله جند أبيه لا يمكن أن يقاتلوه ويضربوا في وجهه لتعظيمهم إياه فأسعفه على مراده وأرسل معه عصابة وحصة قليلة فأقبل بهم حتى انتهى إلى الموضع المعروف بالركن من أحواز فاس فلما سمع بذلك ابن أخيه محمد المتوكل خرج للقائه بنفسه ولما التقى الجمعان نزع رئيس جند الأندلس سعيد الرغالي إلى عبد الملك وكان عبد الملك يكاتب حاشية المتوكل وبطانته ورؤوس أجناده ويعد طائعهم ويوعد عاصيهم فلما سمع المتوكل بما فعله جند الأندلس فت ذلك في عضده وفشلت ريحه وأيقن بالنكبة ظنا منه أن جنده كله سيفعل فعل الرغالي فكان ذلك سبب جزعه وفراره من المعركة وسبب خراب ملكه وإقامة ملك عمه ويقال إن بعض الجند لما سمع بأن القائد جرمون وأولاد عمران نزعوا إلى عبد الملك أيضا جاء إلى المتوكل وقال له إن القائد ابن شقراء قد غدر وفر إلى عبد الملك وكان ابن شقراء هذا من أكبر قواده وأصدقهم لديه فارتاع المتوكل لذلك وانقلب منهزما وانتهبت خزائنه وأوقد فيها النار ونفط ما كان بها من البارود حتى رئي من رؤوس الجبال ولما انهزم المتوكل بالركن عطف على فاس الجديد فأخذ منها ما يعز عليه من الذخيرة ثم خرج على وجهه إلى مراكش لا يلوي على شيء فلحق به القائد ابن شقراء بوادي النجاة على مقربة من فاس وأغلظ له في القول ولامه على عدم التأني والتثبت وكان أمر الله قدرا مقدورا

استيلاء السلطان أبي مروان عبد الملك المعتصم بالله على حضرة فاس وما يتبع ذلك

لما انهزم المتوكل بالركن وأجفل إلى مراكش تقدم عمه أبو مروان إلى فاس فدخلها واستولى عليها يوم الأحد سابع ذي الحجة سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة من باب الفتوح وبعد أن دخلها وبايعه أهلها أقام بها أياما ثم طمحت نفسه إلى اتباع ابن أخيه إلى مراكش ولما عزم على النهوض إليه طالبه الترك بأن يردهم إلى بلادهم وأن يعطيهم المال الذي اتفق معهم عليه وهم يسمونه بلغتهم البقشيش فبذل لكل واحد منهم أربعمائة أوقية واستسلف المال من تجار أهل فاس حتى يتسع حاله فكان جملة ما أعطى الترك خمسمائة ألف وأعطاهم عشرة من الأنفاض منها النفض الكبير الذي له عشرة أفواه وزادهم من تحف المغرب وطرفه ما سلى به نفوسهم وركب لوداعهم بنفسه إلى نهر سبو ثم رجع إلى فاس وفي هذه المدة قبض على قاضيها الفقيه أبي مالك عبد الواحد بن أحمد الحميدي لأمر نقمه عليه وأودعه السجن فبعث الفقيه المذكور أولاده إلى الشيخ الصالح أبي النعيم رضوان بن عبد الله الجنوي يطلب منه أن يشفع له عند السلطان المعتصم بالله فكتب إليه الشيخ أبو النعيم يحضه على الاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم والاستمساك بحبله لأنه باب الله الأعظم فقبل القاضي إشارته وتوجه إلى ربه بكليته فأتاه الفرج من حينه رحم الله الجميع بمنه

نهوض السلطان أبي مروان إلى مراكش واستيلاؤه عليها وفرار ابن أخيه إلى السوس وما نشأ عن ذلك

ثم إن السلطان أبا مروان نهض من فاس في جنده الذي أقامه وكان غرس يده وفيما انضاف إليه من جند ابن أخيه وتقدم إلى البلاد المراكشية قاصدا حربه وتشريده عنها ولما سمع ابن أخيه بخروجه إليه وقصده إياه تهيأ لملاقاته وسار إلى منازلته فالتقى الجمعان بموضع يسمى خندق الريحان على مقربة من وادي شراط من أحواز سلا فكانت الهزيمة أيضا على المتوكل وفر برأس طمرة ولجام وأجفل كعادته إجفال النعام وتبعه أحمد المنصور خليفة أخيه أبي مروان يومئذ فلما سمع المتوكل باتباعه بعد بلوغه إلى مراكش فر عنها إلى جبل درن وأسلم له مراكش فدخلها أحمد نائبا عن أخيه وأخذ له البيعة على أهلها ثم لحق به السلطان أبو مروان فدخلها يوم الاثنين تاسع عشر ربيع الثاني سنة أربع وثمانين وتسعمائة وأقام بها أياما ثم خرج في طلب ابن أخيه فعميت عليه أنباؤه وسقط بين سمع الأرض وبصرها فعاد أبو مروان إلى مراكش فأقام بها إلى أن كان من أمره ما نذكره

استخلاف السلطان أبي مروان لأخيه أبي العباس أحمد على فاس وأعمالها

لما استقر السلطان أبو مروان بمراكش وانقطع خبر المتوكل عنه بالسوس تقدم إليه أخوه أحمد وسأله أن يستخلفه على فاس ليكفيه أمرها فأجابه إلى ذلك وولاه عليها ظنا منه أن أمر المغرب قد صفا له وإن المتوكل لا يعود إليه وكان الوزير أبو فارس عبد العزيز بن سعيد الوزكيتي حاضرا للطلبة والعطية فأنكر ذلك ولم يره صوابا وقال لا ينبغي لكما أن تقعدا حتى يحكم الله بينكما وبين ابن أخيكما فغاظ ذلك أحمد وظن أنه من سوء رأي عبد العزيز فيه وبغضه لجانبه فأعرض عن مقالة الوزير المذكور وذهب إلى فاس خليفة عليها وبقي السلطان أبو مروان بمراكش وفي هذه المدة كتب السلطان أبو مروان لأخيه أحمد برسالة يقول فيها بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله عليه وسلم من عبد الله المعتصم بالله المجاهد في سبيل الله أمير المؤمنين أبي مروان عبد الملك ابن أمير المؤمنين أبي عبد الله محمد الشيخ الشريف الحسني أيده الله وأعز نصره وأسعد زمانه المبارك وعصره وأبقى بمنه فخره من إملائه أيده الله ونصره إلى أخينا الأعز الأحظى بابا أحمد حفظه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد فاعلم أني لا أحب أحدا بعد نفسي كمحبتي لك ورغبتي في انتقال هذا الأمر بعدي إليك لا لغيرك غير أني أعتاد منك التراخي في الأمور حتى أنك لا تبالي بعظيم الأمر ولا تعتبره إلى أن يتطرق إلى ما لا يتلافى جبره من الأمور التي تكاد لولا لطف الله تذهب بهذا الملك وتهد أركانه ويبلغ العدو معها مناه ومراده من ذلك التراخي إهمالك أمر الجند الذي بالعرائش وإغفالك له مع ما يترادف عليك في كل ساعة من تلقائه من استدعاء ما دعت الحاجة إليه من المؤونة والبارود والرصاص الذي لا يستقيم لهم أمر في مقاومة العدو دون ذلك وجعلت تقابل خطابهم بالإهمال وعدم المبالاة والآن ساعة يرد عليك كتابنا هذا قبل وضعه من يدك ابعث إليهم مؤنة عشرة أيام بينما نصل إن شاء الله فيقع التدبير فيما يحتاجون إليه زائدا على ذلك مع ما عندكم هنالك من البارود والرصاص من غير عطلة ولا تراخ بحيث لا نقبل منك عذرا في هذه المسألة التي لا تحتاج إلى الإهمال ولا بد ولا بد فقد بلغنا أن صاحب النصارى بقرب آصيلا في خمس عشرة مائة من النصارى وتمنيت أن لو حركتك الهمة للاقتحام عليه في مكانه بجيش يكسوه أردية الصغار ويرجع ساعة رؤيته إلى عادته من الذل والفرار فانتبه من الغفلة وافتح عين الانتباه واليقظة فإن الساعة لا تقتضي إلا الحزم والتشمير عن ساعد الاجتهاد والعزم والسلام اه

ظهور أبي عبد الله المتوكل بالسوس ومجيئه إلى مراكش واستيلاؤه عليها

كان أبو عبد الله المتوكل بعد فراره من مراكش يجول في جبال السوس ويتنقل في قبائلها وأحيائها إلى أن اجتمعت عليه طائفة من الصعاليك وتأشب عليه ما يشبه أن يكون جيشا فاستهوتهم منه الأضاليل وقادهم قود الملك الضليل وجاء بهم إلى مراكش فسمع به السلطان أبو مروان فخرج للقائه فخالفه المتوكل وسلك طريقا غير طريقه وفجا غير فجه وقصد مراكش فدخلها باتفاق أهلها ونصروه وكتبوا له البيعة إلا أنه لم يتمكن من القصبة لأن السلطان أبا مروان كان قد ترك بها أخته الست مريم في نحو ثلاثة آلاف من الرماة فتحصنوا بها وبلغ الخبر أبا مروان باستيلاء المتوكل على مراكش فرجع عوده على بدئه إلى أن وافى الحضرة فحاصره بها وكتب إلى أخيه أحمد الخليفة على فاس أن يأتيه بجيش منها فأتاه به أحمد مسرعا وما انتهى إلى مراكش اجتمع بالوزير أبي فارس الوزكيتي فقال له أوقفت على الرأي أول الفكرة آخر العمل فبانت لأحمد نصيحته وزال ما كان يختلج بصدره عليه ولما جاء أحمد بجيش فاس أسلم المتوكل شيعته من أهل مراكش وفر إلى السوس فبقي أهل مراكش متمادين على الحصار إلى أن اتفق السلطان أبو مروان مع أعيان جراوة فأدخلوه من بعض الأسوار والأنقاب ولما فر المتوكل إلى السوس تبعه أحمد المنصور فكانت بينهما هنالك حروب عظيمة أتاح الله فيها النصر للمنصور منها وقعة تينزرت التي أنشده فيها وزيره الكاتب أبو الحسن علي بن منصور الشيظمي البيتين اللذين قالهما فيه الكاتب أبو عبد الله بن عيسى وهما ( هو الغيث والبحر الغطمطم في الندى % وليث إذا جد الطعان هصور ) ( يفوق السهام عزمه وانبعاثه % ويقصر عنه في الثبات ثبير ) فأجابه أحمد المنصور ببيتي أبي فراس الحمداني وهما ( ونحن أناس لا توسط عندنا % لنا الصدر دون العالمين أو القبر ) ( تهون علينا في المعالي نفوسنا % ومن خطب الحسناء لم يغله المهر ) ومنها الوقعة التي بعدها بأساطين المنصور وهو في نحو ثلاثة آلاف والمتوكل في نحو ستين ألفا ومع ذلك هزمه المنصور قلت كان أحمد المنصور هذا مجدودا محظوظا مسعودا بحيث أربت سعادته على شجاعته وما كان أخوه عبد الملك يسري إلا في ضوء طلعته ويمن نقيبته فلذا كان يقدمه في الحروب ويستكفي به في نوازل الخطوب ومن سعادته ما اتفق له في ذهابه إلى العثماني بخبر الفتح وتقدمه قبل الكتاب بثلاث حتى تسنى له من جانب السلطان المذكور ما كان سببا في استيلائهما على المغرب وستسمع في أخبار دولته من أنباء سعاداته ما تقف به على حقيقة الحال إن شاء الله وأما أمر المتوكل فإنه بعد توالي الهزائم عليه فر إلى جبل درن وتوغل في قننه ثم فر منه إلى باديس فأقام بها مدة ثم ذهب إلى سبتة ثم دخل طنجة مستصرخا بعظيم البرتغال والله تعالى لا يهمل من حقوق عباده وزن المثقال

الغزوة الكبرى بوادي المخازن من بلاد الهبط والسبب فيها

كان من خبر هذه الغزوة أن السلطان المخلوع أبا عبد الله محمد بن عبد الله السعدي لما دخل طنجة قصد طاغية البرتغال واسمه سبستيان بكسر السين وفتح الباء والسين وسكون التاء القريبة من الطاء وهو طاغيتهم الأعظم وليس قائد الجيش فقط على ما هو المحقق في تواريخهم وتطارح عليه وشكا إليه ما ناله من عمه أبي مروان المعتصم بالله وطلب منه الإعانة عليه كي يسترجع ملكه وينتزع منه حقه فأشكاه الطاغية ولبى دعوته وصادف منه شرها إلى تملك سواحل المغرب وأمصاره فشرط عليه أن يكون للنصارى سائر السواحل وله هو ما وراء ذلك فقبل أبو عبد الله ذلك والتزمه وللحين جمع الطاغية جموعه واستوعب كبراء جيشه ووجوه دولته وعزم على الخروج إلى بلاد الإسلام ومن المتواتر في تواريخ الإفرنج أن كبار دولته حذروه عاقبة هذا الخروج ونهوه عن التغرير ببيضة البرتغال وتوريطها في بلاد المغرب وقبائله فصم عن سماع قولهم ولج في رأيه وملك الطمع قلبه وأبى إلا الخروج فأسعفوه وخرج من طنجة في جيش قال ابن القاضي في المنتقى المقصور عدده مائة ألف وخمسة وعشرون ألفا وقال أبو عبد الله محمد العربي الفاسي في مرآة المحاسن يقال إن مجموعهم كان مائة ألف وعشرين ألفا وأقل ما قيل في عددهم ثمانون ألف مقاتل وكان مع محمد بن عبد الله نحو الثلاثمائة من أصحابه قال بعضهم وكان عدد الأنفاض التي يجرونها مائتين وقصدوا هلاك المغرب وحصد المسلمين وإدارة رحى الهوان على الدين فعظم ذلك على الناس وامتلأت صدورهم رعبا وقلوبهم كربا وبلغت القلوب الحناجر واتقدت بها نيران الهواجر وكان محمد بن عبد الله المذكور قد كتب عند خروجه بجيش البرتغال إلى بلاد الإسلام رسالة بعث بها إلى أعيان المغرب من علمائه وأشرافه وذوي رأيه يغمض عليهم بها في نكث بيعته ونقضها ومبايعة عمه من غير موجب شرعي وقال لهم ما استصرخت بالنصارى حتى عدمت النصرة من المسلمين وقد قال العلماء أنه يجوز للإنسان أن يستعين على من غصبه حقه بكل ما أمكنه وتهددهم فيها وأبرق وأرعد وقال فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وسمى النصارى أهل العدوة واستنكف من تسميتهم نصارى فأجابه علماء الإسلام رضوان الله عليهم عن رسالته تلك برسالة دامغة لجيش أباطيلة وفاضحة لركيك تأويله وهذا نص جواب تلك الرسالة حرفا حرفا الحمد الله كما يجب لجلاله و صلى الله عليه وسلم والرضى عن آله وأصحابه الذين هجروا دين الكفر فما نصروه ولا استنصروا به حتى أسس الله دين الإسلام بشروط صحته وكماله وبعد فهذا جواب من كافة الشرفاء والعلماء والصلحاء والأجناد من أهل المغرب وفقهم الله لمولانا محمد ابن مولانا عبد الله السعدي عن كتابه الذي استدعاهم فيه لحكم الكتاب والسنة واستدل بحججه الواهية المنكبة عن الصواب قائلين له عن أول حجة صدر بها الخطاب لو رجعت على نفسك اللوم والعتاب لعلمت أنك المحجوج والمصاب فقولك خلعنا بيعتك التي التزمناها وطوقناها أعناقنا وعقدناها فلا والله ما كان ذلك منا عن هوى متبع ولا على سبيل خارج عن طريق الشرع مبتدع وإنما ذلك منا على منهج الشرع وطريقه وعلى سبيل الحق وتحقيقه وسنشرح لك ذلك ونبينه ونسطره لك بالأدلة الشرعية التي ترقيه وتزينه نعم كنت سلطانا بما عقد لك والدك من البيعة وترك لك من الأموال والعدد والحصون مما لم يتهيأ مثله لأحد من أسلافكم الكرام رضوان الله عليهم فجاهدوا بما حصل لهم من ذلك في الله حق جهاده حتى استخلصوا من أيدي الكفار رقاب عباد الله وحصون بلاده وأسسوا لدين الله قواعد وأركانا وملكوا من المغرب بلادا معتبرة وأوطانا فلما وصل ذلك إليك ألقت إليك العباد أعنتها وملكتك أزمتها غير مبدلين ولا مغيرين ولا باغين ولا منكرين إلى أن قام عليك عمك بحجته التي لا يمكنك جحدها حسبما ثبت كما يجب عقدها فخرجت مبادرا له بدفعها ولقيته بها وأنت واسطة عقدها وحامل راية عهدها وعمك في فئة لا يخطر على بال عاقل أن يقابل جندا من جنودك أو يدافع ما تحت لواء من ألويتك وبنودك فما هو إلا أن جرى القتال وحضر النزال رجعت على عقبك هاربا هروب مطرود بقصاص وجنودك تناديك ولات حين مناص فتركت عددك ومحلتك بكل ما فيها وخلفتها لعدوك ينهبها ويسبيها وهربت عن مدينة فاس المحروسة وسكانها ينادونك لمن تركتنا وإلى من تكلنا فلم تلتفت إليهم وأسلمت بلادهم على ما فيها من خزائن ا لأموال والعدد الوافرة والرجال والأسوار المرتفعة المانعة والمدينة المشهورة الجامعة فأصبح أهلها واليد العادية من المفسدين تريد أن تمتد إلى الحريم والأولاد والطارف والتلاد ولا دافع عن الضعفاء والمساكين إلا الله تعالى الذي قال في مثلهم @QB@ ومن أصدق من الله قيلا @QE@ @QB@ لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا @QE@ فما أمكنهم بعد هروبك عنهم وإسلامك لهم فوضى مهملين إلا النظر في أمرهم وإعمال الفكر في التدبير على أنفسهم فبينما هم على ذلك إذا بعمك بجنوده على باب مدينتهم قائما بحجته سالكا في ذلك سبيل أبيه رحمه الله ومحجته حسبما تقرر ذلك عندكم وظهر ولم يخف عنكم منه عين ولا أثر إذ كان مولانا محمد الجد الأكبر عهد لأولاده مولانا أحمد ومولانا محمد الشيخ وإخوانهم لا يتولى الخلافة منهم ولا من أولادهم إلا الأكبر فالأكبر فالتزموا ذلك إلى أن كبر أولادهم فطلب جدك من عمك الوفاء بذلك فامتنع فقاتله على ذلك حتى تم له الأمر وانتظم فعهد لوالدك الذي كان أكبر أولاده فلم ينازعه أحد في ذلك إلى أن ألقى والدك رحمه الله ذلك وعهد إليك فلم ينازعكم أحد فأبى الله إلا الحق فأعطى ملكه لعمك الذي هو أكبركم بعد أبيك فإن سلمت هذا فأي حجة تدلي بها وأي طريق تعتمد عليها وإن أنكرت هذا فلا أثر لخلافة أبيك من قبلك ولا لجدك من قبله لثبوتها لعمكم مولانا أحمد إذ لا حجة حينئذ لجدك في القيام على عمك فخلافته صحيحة لبيعة جدك له فلم يبق إلا التغلب الذي تدلي به في مسألة عمك وفي قيامه عليك فإن كنت تريد أن تسقط حجته بالتغلب عليك فحجتك أبين في السقوط لعدم ثبوت الخلافة لمن عقدها لك إذ المعدوم شرعا كالمعدوم حسا فلم يبق بينكم إلا والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا فيلزمك على هذا أن تثبت ما عقده مولانا الجد رحمة الله وعليه فالخلافة لعمك القائم عليك إذ هو أكبركم في هذا التاريخ فإن قلت إن ما عقده الجد غير صحيح قلنا فقد ذكر الإمام الماوردي رحمه الله ورضي عنه في كتاب الأحكام السلطانية له في باب عقد الخلافة أن عبد الملك بن مروان رتبها في الأكبر فالأكبر من بنيه فلم ينازعه أحد في ذلك فإن قلت فعل عبد الملك ليس بحجة قلنا سكوت العلماء على ذلك وهم ما هم في زمانه هو الحجة إذ لا يمكن أن يسكتوا على باطل وإقرار أهل العصر الواحد على مسألة من المسائل واتفاقهم عليها يقوم مقام الإجماع الذي هو حجة الله في أرضه وكان أيضا من محفوظات علماء فاس المحروسة ما خرجه مسلم رضي الله عنه في صحيحه في كتاب الإمارة ما نصه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة عند رأسه يقال هذه غدرة فلان ابن فلان ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة ) قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله في كتاب إكمال المعلم على شرح فوائد مسلم يعني لم يحطهم ولم ينصح لهم ولم يف بالعقد الذي تقلده من أمرهم وفي الباب نفسه عنه صلى الله عليه وسلم ما نصه ( ما من أمير استرعاه الله رعية ثم لم ينصح لهم إلا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام ) وفي الإكمال نفسه قال القاضي والذي عليه الناس إن القوم إذا بقوا فوضى مهملين لا إمام لهم فلهم أن يتفقوا على إمام يبايعونه ويستخلفونه عليهم ينصف بعضهم من بعض ويقيم لهم الحدود فلما أسلمتهم وأضحوا بغير إمام وعمك يدلي بحجته التي ذكرنا لك مع ما حفظوه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام السلف الصالح وأيسوا من رجوعك إليهم وبقوا فوضى مهملين لم يسعهم إلا الرجوع إلى ما عليه الناس رضوان الله عليهم فاتفقوا على أن يبايعوا عمك لما ذكرنا لك من الحجج التي لا يسعك جحدها إلا على وجه المكابرة فاطمأن الناس وسكنوا وانفتحت السبل وأقيمت الحدود وارتفعت اليد العادية فإن قلت كان يجب على أهل فاس أن يقاتلوا على البيعة التي التزموها لك قلنا إنما يلزمهم القتال أن لو أقمت بين أظهرهم فيكون قتالهم على وجه شرعي لأن القتال على الحدود الشرعية إنما يكون بعد نصب إمام يصدر الناس عن رأيه ولا يمكنك أيضا جحدها إيه ثم وصلت إلى مراكش الغراء التي تجبى إليها الأموال من البوادي والأمصار وتشد إليها الرحال من سائر الأقطار فلقيك أهلها بالترحاب والسرور وأنواع الفرح والحبور فوجدت خزائنها تتدرج ملئا من كل شيء فأما أسوارها ورحابها فهي كما قيل تربة الولي ومدرج الحلي وحضرة الملك الأولي والبرج النير الجلي فحللتها وتمكنت من أموالها وخزائنها ووافقك أهلها فما نكثوا ولا غدروا ولا خرجوا عليك في سلطانك ولا أنكروا فطلبت أيضا قتال عمك وجندت جنودا لا يجمعها ديوان حافظ ولا يعهدها لسان لافظ فخرجت إليه تجر أعنة الخيل وراءك كالسيول والرماة قد ملأت الهضاب والتلول فما كان من حديثك إلا أن وقع القتال وحضر النزال بادرت هاربا محكما للعادة تاركا للرؤساء من أجنادك والقادة فحلت بهم الخطوب والرزايا واختطفتهم أيدي المنايا فتركت أيضا محلتك بما فيها من حريمك وأموالك وعدتك ثم أسرعت هاربا إلى مراكش فما صدك عنها أحد من أهلها ولا قال لك أحد لست ببعلها فعملوا على القتال معك والتمنع بأسوارها الحصينة والحصار داخل المدينة فلما كان الليل غدرتهم وغادرت بناتك وأخواتك وعماتك ونساءك وخرجت عنهم من القصبة وتركتهم لا بواب عليهم ولا حارس ولا راجل ولا فارس فيالها من مصيبة ما أعظمها ومن داهية ما أعضلها ولولا فضل الله ولطفه ووعده بتطهير أهل البيت لامتدت إليهم أيدي السفلة من الفسقة فأي حجة تبقى لك بعد هذا وأي كلام لك بين الرجال يا هذا ثم جاءك عمك أيضا بما سلف من الحجج فوجد أهلها في لطف الله سبحانه وهم يحرسون أولادهم وديارهم من اليد العادية فأنقذهم الله به أيضا فبايعوا عمك بما سلف من الحجج واطمأنوا وسكنوا ثم هربت للجبل عند صاحبه فصرتما في نهب أموال الرعية وسفك دمائهم وأكثر ما صفا لك من ذلك أهل الذمة المصغرون بحكم القرآن الداخلون تحت عهد سيد الثقلين في الأمن والأمان فأنت وهم في استيلائك عليهم وظلمك إياهما كما قيل ( إن هو مستوليا على أحد % إلا على أضعف المجانين ) ولم تبال بقول النبي صلى الله عليه وسلم أنا خصيم من ظلم ذميا يوم القيامة ثم خربت العامر وأفسدت ما شيدت الأسلاف للإسلام من المآثر فلما رأى أهل السوس الأقصى ذلك أيقنوا أنك إنما قصدت خراب الإسلام وأهله فنكب عنك أهل الدين والعلم منهم وبقيت كما قيل في خلف كجلد الأجرب فإن قلت إن أولئك الخلف لم يبايعوا عمك فتنقض بهم ما قررناه قلنا لم يطعن في خلافة أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من تخلف عنها من أهل الشام وفيهم من قد علمت من الناس والإجماع على صحة بيعته وسمي من تخلف عنها باغيا لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمار تقتلك الفئة الباغية فقتله أصحاب معاوية رضي الله عنه والحديث من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم والقاعدة أن ما اجتمع عليه من يعتبر من أهل العصر الواحد هو المعول عليه ولا يعد خلاف من خالفه خلافا وهذا كله بالنظر إلى ما كان من حديثك قبل التحزب مع عدو الدين والأخذ في التخليط العظيم على المسلمين فإنك اتفقت معهم على دخول آصيلا وأعطيتهم بلاد الإسلام فيالله ويا لرسوله لهذه المصيبة التي أحدثتها وعلى المسلمين فتقتها ولكن الله تعالى لك ولهم بالمرصاد ثم لم تتمالك أن ألقيت بنفسك إليهم ورضيت بجوارهم وموالاتهم كأنك ما طرق سمعك قول الله سبحانه @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم @QE@ قال أبو حيان رحمه الله أي لا تنصروهم ولا تستنصروا بهم وفي كتاب القضاء من نوازل الإمام البرزلي رحمه الله أن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين اللمتوني رحمه الله استفتى علماء زمانه رضي الله عنهم وهم ما هم في استنصار ابن عباد الأندلسي بالكتابة إلى الإفرنج على أن يعينوه على المسلمين فأجابه جلهم رضي الله عنهم بردته وكفره فتأمل هذا مع قضيتك تجدها أحروية مناسبة لقضية ابن عباد في عقدها ابتداء وأنه متى طرأ الكفر وجب العزل وناهيك بقول النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بالسمع والطاعة وبما أفتى العلماء رضوان الله عليهم بردة من استنصر بالنصارى على المسلمين فهو نص جلي في وجوب خلعك وسقوط بيعتك فلم يبق لك إلا منازعة الحق سبحانه في حكمه @QB@ ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب @QE@ وأما قولك في النصارى فإنك رجعت إلى أهل العدوة واستعظمت أن تسميهم بالنصارى ففيه المقت الذي لا يخفى وقولك رجعت إليهم حين عدمت النصرة من المسلمين ففيه محظوران يحضر عندهما غضب الرب جل جلاله أحدهما كونك اعتقدت أن المسلمين كلهم على ضلال وأن الحق لم يبق من يقوم به إلا النصارى والعياذ بالله والثاني أنك استعنت بالكفار على المسلمين وفي الحديث أن رجلا من المشركين ممن عرف بالنجدة والشجاعة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجده بحرة الوبرة موضع على نحو أربعة أميال من المدينة فقال له يا محمد جئت لأنصرك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إن كنت تؤمن بالله ورسوله فقال لا أفعل فقال له صلى الله عليه وسلم إني لا أستعين بمشرك وما سمعته من قول العلماء رضي الله عنهم في الاستعانة بهم إنما هو على المشركين بأن نجعلهم خدمة لأزبال الدواب لا مقاتلة فأما الاستعانة بهم على المسلمين فلا يخطر إلا على بال من قلبه وراء لسانه وقد قيل قديما لسان العاقل من وراء قلبه وفي قولك يجوز للإنسان أن يستعين على من غصبه حقه بكل ما أمكنه وجعلت قولك هذا قضية أنتجت لك دليلا على جواز الاستعانة بالكفار على المسلمين وفي ذلك مصادمة للقرآن والحديث وهو عين الكفر أيضا والعياذ بالله وقولك فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله إيه أنت مع الله ورسوله أو مع حزبه فتأمل ما قلت في الحديث يتكلم أحدكم بالكلمة تهوي به في النار سبعين خريفا ولما سمعت جنود الله وأنصاره وحماة دينه من العرب والعجم قولك هذا حملتهم الغيرة الإسلامية والحمية الإيمانية وتجدد لهم نور الإيمان وأشرق عليهم شعاع الإيقان فمن قائل يقول لا دين إلا دين محمد صلى الله عليه وسلم ومن قائل يقول سترون ما أصنع عند اللقاء ومن قائل يقول @QB@ وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين @QE@ ومن قائل يقول إنما قصد التشفي بالمسلمين إذ لو كان يطلب الصلاح لما صدرت منه هذه الأفعال القبيحة إلى غير ذلك فجزاهم الله عن الإسلام خيرا ورضي عنهم وبارك فيهم فلله درهم من رجال وفرسان وأبطال وشجعان فلو لم يكن منهم إلا ما غير قلوبهم على الدين لكان كافيا في صحة إيمانهم وعظيم إيقانهم فقد بلغ نور غضبهم لله سبحانه ساق العرش والحب في الله والبغض في الله من قواعد الإيمان وقولك أيضا متبرئا من حول الله وقوته فإن لم تفعلوا فالسيف فهو كلام هذيان يدل على حماقة قائله فقط أنبأ سيفك هذا وأنت مع المسلمين في أربع وعشرين معركة لم تثبت لك فيها راية ثم زال نبوه الآن بالكفار فهذه أضحوكة فتأملها وأما ما نسبته لإمام دار الهجرة فكفاك عجزا إن لم تعين لنا نصا جليا نعتمد عليه فيما تحتج به إلا أنك كثرت به سواد القرطاس مغربا بذكره لا معربا بنصه وما نسبته للحنفية من أكل الميتة عند الضرورة وتسويغ الغصة بخمر فهو ما نص عليه المالكية في مختصراتهم التي ألفوها للصبيان فعدولك عن ذلك إلى الحنفية إما قصور وإما إلغاء لمذهب مالك رضي الله عنه وهو النجم الثاقب وأما قولك أنتم أهل بغي وعناد فلا نسلم لك ذلك إلا لو أقمت بين أظهرنا وقاتلت معنا حتى ترى أنسلمك أم لا فأما إذا هربت عنا وتركتنا فالحجة عليك لا علينا على انك في كتابك تفسق الكل بذلك وتكفره وقد قال العلماء رضي الله عنهم من يقول بتكفير العامة فهو أولى بالتكفير وذلك معزو لزعيم العلماء القاضي أبي الوليد بن رشد والقاضي أبي الفضل عياض وكيف لا تنظر لقضايا تلمسان وتونس وغيرهما من سائر البلدان وكيف وقع لأمرائهم المستنصرين بالكفار على المسلمين هل حصلوا على شيء مما قصدوه أو بلغوا شيئا مما أملوه على أن أكثر العلماء حكموا بردتهم ففاتتهم الدنيا والآخرة والعياذ بالله وقد افتخرت في كتابك بجموع الروم وقيامهم معك وعولت على بلوغ الملك بحشودهم وأنى لك هذا مع قول الله تعالى @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ @QB@ ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون @QE@ وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ( لن تغلب هذه الأمة ولو اجتمع عليها من الكفار ما بين لابات الدنيا ) وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال سيقاتل آخر هذه الأمة الدجال وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته ألا يهلكهم بسنة عامة فأعطانيها وسألته ألا يغلبهم عدوهم الكافر فأعطانيها وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ) والكل عليك وإياك نعني وما ذكرته عن عمك فاعلم أنه لما بلغه خبرك واستنصارك بالكفار عقد ألويته المنصورة بالله في وسط جامع المنصور بعد أن ختم عليها أهل الله من حملة القرآن مائة ختمة وصحيح البخاري وضجوا عند ذلك بالتهليل والتكبير و صلى الله عليه وسلم والدعاء له وللأسلام بالنصر والتمكين والفتح الشامخ المبين فلو سمعت ذلك لعلمت وتحققت أن أبواب السماء انفتحت لذلك وقضى ما هنالك وبلغه كتابك الذي كان هذا جوبا عنه وهو بوسط تامسنا معه من جنود الله وأنصاره وحماة دينه ما يجعل الله فيه البركة ولولا أن الشرع العزيز أمر بتعظيم جنود الإسلام والمباهاة بها والافتخار بكثرتها لما قررنا لكم أمرها إذ لا اعتماد له أيده الله عليها وكذلك هم لا اعتماد لهم إلا على حول الله وقوته ونصره وتأييده والناس على دين الملك وقد قاتلت وأنت في وسط المسلمين في بضع عشرة معركة لم تنصر لك فيها راية فأي نحس وشؤم حلا بديار الروم فإن جلبتهم فالله لك ولهم بالمرصاد ارجع إلى الله أيها المسكين وتب إليه فإنه يقبل التوبة عن عباده في كل وقت وحين ودع عنك كلام من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله وهذه نصيحة إن قبلتها وموعظة إن وفقت إليها والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وهو نعم المولى ونعم النصير وهو حسبنا ونعم الوكيل والسلام انتهت الرسالة وكان خروج محمد بن عبد الله بجيش البرتغال وفصوله به من طنجة في ربيع الثاني سنة ست وثمانين وتسعمائة قال في المرآة إنهم لما خرجوا إلى بلاد الإسلام ضربوا محلاتهم بالفحص على أقل من مسيرة يوم من مدينة القصر وكانت آصيلا قد تصيرت إليهم قبل ذلك بأشهر يعني بعد فرارهم عنها أيام السلطان محمد الشيخ كما تقدم فعاين أهل القصر الهلكة لقرب العدو منهم وقوته التي لا طاقة لهم بها وفشا النفاق لأجل السلطان محمد بن عبد الله الذي معهم ولأجل بعد صريخ المسلمين فإن السلطان أبا مروان المعتصم بالله كان إذ ذاك بمراكش فاستبطؤوا وصول الخبر إليه ثم مجيئه بعد ذلك فلم يبق لهم تدبير إلا الفرار والتحصن بالجبال وغيرها فقال الشيخ أبو المحاسن يوسف الفاسي رحمه الله وكان إذ ذاك بالقصر لرجل من أصحابه ناد في الناس أن الزموا بلادكم ودوركم فإن عظيم النصارى مسجون حيث هو حتى يجيء السلطان من مراكش وإن النصارى غنيمة للمسلمين ومن شاء فليعط خمسين أوقية في النصراني يشير إلى مبلغ قيمة النصراني في الغنيمة فما انتقل النصارى من مكانهم ذلك أكثر من شهر حتى قدم السلطان أبو مروان وكان مريضا اه وقال في النزهة إن النصارى لما برزوا من طنجة شنوا الغارة على السواحل فأعلم أهلها السلطان أبو مروان وكان بمراكش وشكوا إليه كلب العدو عليهم فكتب السلطان أبو مروان من مراكش إلى الطاغية إن سطوتك قد ظهرت في خروجك من أرضك وجوازك العدوة فإن ثبت إلى أن نقدم عليك فأنت نصراني حقيقي شجاع وإلا فأنت كلب ابن كلب فلما بلغه الكتاب غضب واستشار أصحابه هل نقيم حتى يلحق بنا من خلفنا من أصحابنا فقال له محمد بن عبد الله الرأي أن نتقدم ونملك تطاوين والعرايش والقصر ونجمع ما فيها من العدة ونتقوى بما فيها من الذخائر فأعجب ذلك الرأي أهل الديوان ولم يعجب الطاغية وكتب السلطان أبو مروان لأخيه أبي العباس أحمد وكان نائبه على فاس وأعمالها أن يخرج بجيوش فاس وأحوازها ويتهيأ للقتال ثم كتب إليه أيضا في شأن مؤنة الجيش كتابا يقول فيه من عبد الله المعتصم بالله المجاهد في سبيل الله أمير المؤمنين أبي مروان عبد الملك بن أمير المؤمنين أبي عبد الله محمد الشيخ الشريف الحسني أيد الله أمره وأعز نصره إلى أخينا الأعز الأنجب بابا أحمد ابن مولانا الوالد حرس الله كريم إخائه سلام كريم ورحمة الله وبركاته أما بعد فإنا كتبناه إليكم من محلتنا السعيدة بتامسنا ولا زائد بحمد الله إلا الخير والعافية والنعم الضافية هذا وإنه ساعة وصوله إليكم تخرجون من الخدام لعمالة مكناسة وقبيلة آزمور وأولاد جلول من يفرض عليهم علف محلتنا المنصورة ومؤنتها ويأمرهم برفعه وإبلاغه إلى مدينة سلا وقدر ذلك صحفة شعير وعشرون مدا من القمح لكل نائبة وصاع من سمن وكبش لكل أربع نوائب ووكد عليهم رعاك الله أن يعتنوا بذلك وبإيصاله إلى المكان المذكور من غير عطلة وهذا ما وجب به الإعلام إليكم والله يرعاكم بمنه والسلام اه ثم كتب السلطان أبو مروان للطاغية ثانية وذلك بعد ما وصل إلى القصر إني رحلت إليك ست عشرة مرحلة أما ترحل إلى واحدة فرحل الطاغية من موضع يقال له تاهدارت ونزل على وادي المخازن بمقربة من قصر كتامة وكان ذلك من السلطان أبي مروان مكيدة ثم إن الطاغية تقدم بجيوشه وعبر جسر الوادي ونزل من هذه العدوة فأمر السلطان بالقنطرة أن تهدم ووجه إليها كتيبة من الخيل فهدموها وكان الوادي لا مشرع له سوى القنطرة ثم زحف السلطان أبو مروان إلى العدو بجيوش المسلمين وخيل الله المسومة وانضاف إليه من المتطوعة كل من رغب في الأجر وطمع في الشهادة وأقبل الناس سراعا من الآفاق وابتدروا حضور هذا المشهد الجليل فكان ممن حضره من الأعيان الشيخ أبو المحاسن يوسف الفاسي وغيره قال في المرآة كان الشيخ أبو المحاسن في ذلك اليوم في أحد الجناحين وأظنه الميسرة من عسكر المسلمين في مقابلة النصارى دمرهم الله قال فوقع في ذلك الجناح انكسار تزحزح به المسلمون عن مصافهم وحملت عليهم النصارى دمرهم الله فثبت الشيخ وثبت من كان معه إلى أن منح الله المسلمين النصر وركبوا أكتاف العدو يقتلون ويأسرون والشيخ لم يتزلزل ولم يلتفت منذ توجه إلى قتالهم حتى فتح الله عليهم اه ولما التقت الفئتان وزحف الناس بعضهم إلى بعض وحمى الوطيس واسود الجو بنقع الجياد ودخان المدافع وقامت الحرب على ساق توفي السلطان أبو مروان رحمه الله عند الصدمة الأولى وكان مريضا يقاد به في محفة فكان من قضاء الله السابق ولطفه السابغ أنه لم يطلع على وفاته أحد إلا حاجبه مولاه رضوان العلج فإنه كتم موته وصار يختلف إلى الأجناد ويقول السلطان يأمر فلانا أن يذهب إلى موضع كذا وفلانا أن يلزم الراية وفلانا يتقدم وفلانا يتأخر وقال شارح الزهرة لما توفي السلطان أبو مروان لم يظهر الذي كان سائس المحفة موته فصار يقدم دواب المحفة نحو العدو ويقول للجند السلطان يأمركم بالتقدم إليهم وعلم أيضا بموته أخوه وخليفته أبو العباس أحمد بن الشيخ فكتمها ولم يزل الحال على ذلك والناس في المناضلة والمقاتلة ومعانقة القواضب والاصطلاء بنار الطعان واحتساء كؤس الحمام إلى أن هبت على المسلمين ريح النصر وساعدهم القدر وأثمرت أغصان رماحهم زهر الظفر فولى المشركون الأدبار ودارت عليهم دائرة البوار وحكمت السيوف في رقاب الكفار ففروا ولات حين فرار وقتل الطاغية سبستيان عظيم البرتغال غريقا في الوادي وقصد النصارى القنطرة فلم يجدوا إلا آثارها فخشعت نفوسهم وتهافتوا في النهر تهافت الفراش على النار فكان ذلك من أكبر الأسباب في استئصالهم وأعظم الحبائل في اقتناصهم ولم ينج منهم إلا عدد نزر وشرذمة قليلة وقال في المنتقى المقصور كانت هذه الغزوة من الغزوات العظيمة الوقائع الشهيرة حضرها جم غفير من أهل الله تعالى حتى إنها أشبه شيء بغزوة بدر حدثنا شيخنا أبو راشد يعقوب البدري عمن يثق به أن الرجل من حاضري ذلك المعترك كان يستبق إلى النصراني لينتهز فيه الفرصة فما يصله حتى يجده ميتا اه وبحث في القتلى عن محمد بن عبد الله المستصرخ بهم والقائد لهم إلى مصارعهم فوجد غريقا في وادي المخازن وذلك أنه لما رأى الهزيمة فر ناجيا بنفسه واضطر إلى عبور النهر فتورط في غدير منه وغرق فمات فاستخرجه الغواصون وسلخ وحشي جلده تبنا وطيف به في مراكش وغيرها من البلاد وممن وجد صريعا في القتلى يومئذ الفقيه أبو عبد الله محمد بن عسكر السريفي الشفشاوني صاحب الدوحة فإنه كان هرب مع المسلوخ وكان من بطانته فدخل معه بلاد العدو فوجد بين جيف النصارى قتيلا وتكلم الناس في أمره حتى قيل إنه وجد على شماله مستدبر القبلة وفيه يقول الفقيه العلامة أبو عبد الله محمد ابن الإمام الشهير أبي محمد عبد الله الهبطي رحمه الله في منظومته التي نظم فيها أصحاب أبيه معتذرا عن ابن عسكر المذكور ومشيرا إلى توهين ما قيل فيه ( ومنهم الشيخ الذي لا ينكر % محمد أخو الدهاء عسكر ) ( وإن يكن أتى بذنب ظاهر % فعرضه من الشكوك طاهر ) ( رأيته في النوم ذا بشاره % وهيئة حسنة وشارة ) وكان التقاء الجمعين يوم الاثنين منسلخ جمادى الأولى سنة ست وثمانين وتسعمائة ويوافقه من التاريخ المسيحي اليوم الرابع من أغشت سنة ثمان وسبعين وخمس عشرة مائة قال في المنتقى وكان مقدار زمان المقاتلة خمسا وأربعين درجة وقيل اثنتين وخمسين على ما حدثني به بعض الميقاتيين وقال في المرآة وحصل المسلمون على غنيمة لم يكن قط مثلها بالمغرب إذ لم يتقدم للنصارى خروج به على هذه الصورة إلا أن الغنيمة لم تقسم وإنما انتهبها الناس كما اتفق لهم بحسب القوة والبخت الدنيوي وكان الناس يتوقعون مغبتها لاختلاط الأموال بالحرام فظهر ذلك من غلاء وغيره وكنا نسمع أن البركة رفعت من الأموال من يومئذ وقد حضر الشيخ أبو المحاسن هذه الغزوة وأبلى فيها بلاء حسنا وتورع عن الغنيمة فلم يتلبس منها بشيء وبلغت قيمة النصراني ما ذكره الشيخ وكان سبب عدم ضبط الغنيمة وقسمها على الوجه المشروع موت السلطان أبي مروان قبل هزيمة النصارى وكان مريضا فاشتغل أخوه أبو العباس أحمد بجمع الكلمة ولم يهتبل بأمر الغنيمة فتم له ما قصد وقد ساق منويل في تاريخه خبر هذه الوقعة مساقا حسنا فقال لما استولى عبد الملك السعدي المدعو عند أهل المغرب بمولاي ملوك على ملك المغرب وطرد ابن أخيه مولاي محمد المعروف بالأكحل يعني المسلوخ ذهب أولا إلى إصبانيا وتطارح على طاغية الإصبنيول فيليب الثاني في أن يعينه على استرجاع ملكه فامتنع ثم دخل أشبونة وتطارح على طاغية البرتغال سبستيان فأجابه وذهب إلى خاله طاغية الإصبنيول فيليب المذكور آنفا وطلب منه الإعانة على ما هو بصدده فوعده بأن يعطيه من المراكب والعساكر ما يملك به العرائش لأنه كان يرى أنها تعدل سائر مراسي المغرب ثم أمده بعشرين ألفا من عسكر الإصبنيول وكان سبستيان قد ساق معه اثني عشر ألفا من البرتغال وثلاثة آلاف من الطليان ومثلها من الألمان ومن متطوعة الإصبنيول وغيرهم عددا كثيرا وبعث إليه البابا صاحب رومة بأربعة آلاف أخرى وبألف وخمسمائة من الخيل واثني عشر مدفعا وجمع سبستيان نحو ألف مركب وجاء إلى قادس ولما عزم على اقتحام بلاد المغرب تشفعت إليه جدته وأرباب دولته وشيوخ دينه في الرجوع فصم عنهم وكذلك خاله فيليب حذره عاقبة التوغل في أرض المغرب فصم على ذلك كله وجاء إلى قادس ومنها خرج إلى طنجة وكان محمد بن عبد الله المسلوخ ينتظره هنالك فاجتمع به وزحفوا إلى بلاد المغرب وزحف إليهم السلطان عبد الملك في عساكر المسلمين وكانوا أربعين ألفا وزيادة ومدافعهم أربعة وثلاثين مدفعا وقواد الجيش أبو علي القوري والحسين العلج الجنوي ومحمد أبو طيبة وعلي بن موسى وأخوه أحمد بن موسى الذي كان عاملا على العرائش فجاء في جمعه إلى السلطان عبد الملك وانضم إليه ولما تقارب الجيشان جمع السلطان عبد الملك الناس وخطبهم ثم استدعى النصارى إلى القتال ونصب لهم علامته فأحجموا وكان قصدهم المطاولة وقصد السلطان عبد الملك المناجزة وذلك لأن محمد المسلوخ قد دس إليه من سمه قال منويل ولما أحس عبد الملك بذلك وأنه لا محالة هالك بذل نفسه للقتال ليموت في الجهاد وكان المسلوخ يتربص كي يهلك عمه قبل اللقاء فتقع الفتنة في عسكر المسلمين لكن جيش النصارى لم تكن لهم مؤنة يطاولون بها فألجأهم ذلك إلى المناجزة ولما انتشبت الحرب هلك عبد الملك للحين قال منويل وكان أمر هذا الرجل عجبا في الحزم والشجاعة حتى أنه لما مات مات وهو واضع سبابته على فمه كأنه يشير إلى جيشه أن يسكتوا عن الخوض في وفاته حتى يتم أمرهم ولا يضطربوا وكذلك كان فإنهم كتموا موته فانتصروا وظفروا بالنصارى ظفرا لا كفاء له فكانوا يذبحونهم مثل الكباش ودهش النصارى وتكبكبت جموعهم وتراكمت أمتعتهم وصناديقهم وخيلهم وسلاحهم بلا ترتيب وزادهم دهشا أن بعض طوابيرهم كان ينادي صاحب صفارته وراءكم وراءكم قطعكم العدو ووقدت النار في بارود النصارى فنفط وانهزموا إلى وادي المخازن فتهافت جلهم فيه فهلكوا والباقي أسره المسلمون وزعم أن سبستيان هلك تحته في ذلك اليوم أربعة أفراس وكان شابا حدثا وقال لأصحابه إن تروني تروني أمامكم وإن لم تروني فأنا في وسط العدو أقاتل عنكم قال وأبدأ وأعاد في ذلك اليوم إلى أن خر قتيلا وبقي مذكورا عند البرتغال يسمرون بأخباره وذكره شعراء الأوربا في أشعارهم ولا زالوا يذكرونه إلى الآن وخلفه في ملكه الطاغية الريكي البرتغالي فهو الذي ولي بعده وافتدى جنازته من المسلمين ونقلها إلى سبتة فبقيت هنالك إلى أن هلك الطاغية الريكي وتولى على البرتغال طاغية الإصبنيول فيليب الثاني فصار ملك الدولتين معا وهو خال سبستيان أخو أمه فنقل جنازته من سبتة إلى أشبونة ثم أرخ منويل الوقعة بالتاريخ العربي والعجمي موافقا لما مر فهذا ما ذكره في هذه الوقعة قال في النزهة توفي السلطان أبو مروان عبد الملك بن الشيخ في زوال اليوم المذكور وبايع الناس أخاه أبا العباس أحمد المنصور بالله كما سيأتي إن شاء الله قال في درة الحجال فانظر لحكمة الله الواحد القهار أهلك ثلاثة ملوك يوم واحد وهم أبو مروان الشيخ وولد أخيه محمد بن عبد الله المسلوخ والطاغية سبستيان وأقام واحدا وهو أبو العباس المنصور اه قلت وفي إهلاك الثلاثة وإقامة الواحد إشارة واضحة لإهلاك دين التثليث ونصر دين التوحيد في ذلك اليوم والله تعالى أعلم ولما بلغت الهزيمة إلى الطاغية الأعظم أعني القائم بالأمر بعد سبستيان لأن التحقيق أنه كان الأعظم يومئذ لما مر بعث إلى المنصور بعد استقلاله بالملك وعوده إلى فاس كما سيأتي يلتمس منه الفداء فيمن بقي بيده من الأسارى فأجابه إلى ذلك وحصل له بسببه أموال طائلة وذكر بعضهم أن الأسارى لما ذهبوا إلى بلادهم قال الطاغية لم لم تأخذوا تطاوين والعرائش والقصر قبل أن يصل ملكهم فقالوا له امتنع من ذلك الأمير الذي كان علينا فأمر بهم فأحرقوا جميعا مضحكة قال في النزهة ذكر بعضهم أن النصارى لما وقعت عليهم الكائنة المذكورة وفنى من فنى منهم ورأى أساقفتهم قلة عددهم وخلاء بلادهم لكثرة من مات منهم أباحوا للعامة فاحشة الزنى ليكثر التناسل ويخلف ما هلك منهم ورأوا ذلك من نصرة دينهم وتقويم أود ملتهم أخزاهم الله اه وقد وقفت على تاريخ لبعض مؤرخي الفرنج الإنجليزيين من أهل جزيرة مالطة فرأيته قد ألم بخبر هذه الوقعة وصرح بأنها كانت سبب هلاك البرتغال وتلاشي دولتهم وبطلان كرسي سلطنتهم حتى استضافهم إليه طاغية الإصبنيول بعد نحو سنتين وصيرهم من جملة رعيته ومن فصول كلامه بعد أن ذكر أن أكثر البرتغال قتلوا في ذلك اليوم ما نصه وكانت يعني الوقعة المذكورة وقعة هائلة ويوما مشؤوما وبالجملة فقد قتل في ذلك اليوم سائر أشراف البرتكيسيين ولم يتخلف منهم أحد فلما بطل كرسي سلطنتهم قام وقتئذ فيليبس الثاني ملك إصبانيا وتزوج ملكتهم وحكم على البلاد كلها اه كلامه إلا أنه ذكر أن السبب في استغاثة السلطان محمد بن عبد الله بالبرتغال هو تغلب الإصبنيوليين على مملكته وانتزاعها من يده وهو كذب أو غلط ولعله تصحف عليه لفظ الإصطنبوليين بالإصبنيوليين إذ قد تقدم أن السلطان أبا مروان إنما استولى على المغرب بجيش الترك المنفذ من قبل السلطان سليم العثماني والله أعلم وقد ألم بهذه الوقعة أيضا لويز مارية في كتابه الموضوع في أخبار الجديدة لكنه لم يبسطها على عادته في السكوت عن ما يكون من الظهور في جانب المسلمين وإشاعة ما يكون من ذلك في جانب النصارى بل والزيادة فيه ومع ذلك فقد قال في وصفها كلاما هذه ترجمته وقد كان مخبوءا لنا في مستقبل الأعصار العصر الذي لو وصفته كما وصفه غيري من المؤرخين لقلت هو العصر النحس البالغ في النحوسة الذي انتهت فيه مدة الصولة والظفر والنجاح وانقضت فيه أيام العناية من البرتغال وانطفأ مصباحهم بين الأجناس وزال رونقهم وذهبت النخوة والقوة منهم وخلفها الفشل وانقطع الرجاء واضمحل إبان الغنى والربح وذلك هو العصر الذي هلك فيه سبستيان في القصر الكبير من بلاد المغرب اه فهذا كلام هذا البرتغالي قد تحفظت عليه وأديت ترجمته كما هي ليعتبر به من يقف عليه والحق ما شهدت به الأعداء ولما تمت للسلطان أبي العباس المنصور البيعة بوادي المخازن طالبه الجيش بأرزاقهم واستنجزوا أعطياتهم حسبما جرت به عادة من قبله معهم فطالبهم هو بخمس الغنيمة لأنهم جعلوها نهبى ولم يقتسموها على الوجه الشرعي كما سبق فصعب استخراجها منهم لعدم التعيين وجرأة الناس على الغلول فسامحهم فيها وسامحوه في عطائهم ثم أمر المنصور بتوجيه كتب البشارات إلى الآفاق بهذا الفتح المبين فكتب إلى صاحب القسطنطينية العظمى وإلى سائر ممالك الإسلام المجاورين للمغرب يعرفهم بما أنعم الله به من إظهار الدين وهلاك عبدة الصليب واستئصال شوكتهم ورد كيدهم في نحرهم فوردت عليه الأرسال من سائر الأقطار مهنئين له بما فتح الله على يده حسبما نذكره بعد إن شاء الله