بقية أخبار السلطان أبي مروان وسيرته
قال ابن القاضي كان سبب وفاة السلطان أبي مروان رحمه الله أنه سقي سما وذلك أن قائد الترك الذين كانوا معه واسمه رمضان العلج بعث إلى بعض قواده أن يتلقاه بكعك مسموم هدية للسلطان المذكور وقت مرورهم عليه وقصد بذلك قتله وذلك بعد أخذه به مدينة فاس ليثبت لهم الملك بها فلم يكمل الله مرادهم لما شهدوه من عظيم جيش المغرب فهذا كان سبب في موته رحمه الله اه ولما توفي حمل إلى مراكش فقبر بها وكانت مدة خلافته أربع سنين ومن حجابه القائد رضوان العلج وكتابه محمد بن عيسى ومحمد بن عمر الشاوي وقضاته قضاة ولد أخيه وكان يتزيا بزي الترك ويجري مجراهم في كثير من شؤونه وكان يتهم بالميل إلى الأحداث وربما كان يظهر ذلك وكان أخوه أبو العباس المنصور خليفته على فاس كما مر وكانت له فيه محبة تامة وكان يظهر أنه ولي عهده ويرشحه لذلك كثيرا حسبما أفصحت عنه رسائله التي كان يبعث بها إليه ولنذكر ما كان في هذه المدة من الأحداث ففي سنة ثمان وعشرين وتسعمائة كان الوباء بالمغرب كما قدمنا وفي سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة نزل مطر غزير بمراكش حتى امتلأت منه الآبار وتهدمت الدور وصار الناس يؤرخون بعام الآبار وفي سنة إحدى وستين وتسعمائة توفي الشيخ أبو محمد عبد الله بن ساسي من أولاد أبي السباع ودفن بزاويته على ضفة وادي تانسيفت من أعمال مراكش وقبره مزارة مشهورة وعليه بناء حفيل وفي سنة ثلاث وستين وتسعمائة توفي الشيخ الإمام أبو محمد عبد الله ابن محمد الصنهاجي الطنجي المعروف بالهبطي وكانت وفاته في ذي القعدة من السنة المذكورة وكان رحمه الله من أهل الورع والدين والاتباع للسنة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن فوائده ما حكاه عنه في الدوحة قال سألت شيخنا الإمام أبا محمد عبد الله الهبطي عن الشيخ أبي محمد الغزواني وكان من أصحابه فقلت له يا سيدي ما لسائر المشايخ من أصحاب الشيخ الغزواني كأبي الحجاج التليدي وأبي البقاء اليالصوتي وأبي الحسن علي بن عثمان وغيرهم يصرحون بقبطانية الشيخ وينسبونك أنت إلى التقصير في حقه حيث لم تقل بما يقولونه فقال لي رضي الله عنه قد علمت معنى الشهادة في الشرع ما هي فقلت نعم فقال لي كيف لي أن أشهد لأحد بمقام معين وأنا لم أسلكه ولم أتحققه ولم يكشف لي عنه فإن فعلت فقد شهدت شهادة الزور فقلت له وأي شهادة تشهد في الشيخ فقال لي أشهد أنه من العارفين بالله تعالى وأنه كان يجيب بالحال أكثر مما يجيب بالمقال انتهى قلت وهذا شأن أهل الدين والورع المحتاطين لدينهم لا يقدمون على أمر ولا يتفوهون به حتى يكونوا منه على بصيرة وتجد كثيرا ممن عقله وراء لسانه يتقولون على الله في غيبه ويخبطون خبط العشواء وينسبون المقامات والأحوال لمن ليس منها في قبيل ولا دبير نسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا بمنه وفي سنة أربع وستين وتسعمائة في يوم الأربعاء الثامن والعشرين من رمضان منها كسفت الشمس الكسوف الكلي العظيم وفي سنة خمس وستين وتسعمائة كان بالمغرب وباء عظيم كسا سهله وجباله وأفنى كماته وأبطاله واتصل أمره إلى سنة ست وستين بعدها وفي سنة إحدى وسبعين وتسعمائة توفي الشيخ أبو العباس أحمد بن موسى الجزولي ثم السملالي الشهير ببلاد السوس أخذ عن الشيخ أبي فارس عبد العزيز التباع والشيخ أبي العباس أحمد بن يوسف الراشدي ثم الملياني وفي سنة ست وسبعين وتسعمائة ليلة عبد الأضحى منها توفي الشيخ أبو زيد عبد الرحمن بن عياد الصنهاجي ثم الفرجي الدكالي المعروف بالمجذوب الولي المشهور دفين مكناسة الزيتون كان مأوى سلفه بمدينة تيط قرب آزمور ثم رحل هو ووالده إلى مكناسة فمات بها وفي سنة سبع وسبعين وتسعمائة بعد صلاة الجمعة من أول يوم من المحرم منها زلزلت الأرض زلزالا شديدا وفزع الناس لذلك وفي هذه السنة في الحادي والعشرين من ربيع الأول منها توفي الشيخ أبو محمد عبد الله بن حسين من شرفاء بني آمغار دفين تامصلوحت وقد تقدم ما جرى بينه وبين السلطان الغالب بالله وفي سنة ثمان وسبعين وتسعمائة وذلك أواخر شوال منها الموافق لأواسط مارس العجمي حدث بالمغرب جراد كثير وفي أيام السلطان الغالب بالله ظهر نجم لم يكن معهودا ثم ظهرت في أيام ابنه محمد بن عبد الله أعلام حمر في الجو من الناحية الشرقية تبعتها في الأرض أجناد الترك التي جاء بها السلطان أبو مروان من الجزائر كما مر وفي أيام السلطان أبي مروان المذكور ظهر الكوكب ذو الذنب الكبير في برج العقرب وطلع أياما ثم غاب وظهر بعده كوكب آخر ذو ذنب أصغر منه وعلى أثره كان خروج البرتغال من طنجة ووقعة وادي المخازن كما مر والله تعالى أعلم بغيبه
الخبر عن دولة السلطان أبي العباس أحمد المنصور بالله السعدي المعروف بالذهبي وأوليته ونشأته
كانت ولادة السلطان أبى العباس أحمد المنصور بالله ابن السلطان أبي عبد الله الشيخ بفاس سنة ست وخمسين وتسعمائة وأمه الحرة مسعودة بنت الشيخ الأجل أبي العباس أحمد بن عبد الله الوزكيتي الوارززاتي وكانت من الصالحات الخيرات وستأتي بقية أخبارها وذكر في المنتقى قال مرض المنصور في صغره مرضا شديدا حتى أيس منه فرأت أمه في النوم شخصا يقول لها أزيريه الشيخ أبا ميمونة فإنما أصابته عين فأزارته إياه فعوفي وكان أبوه المهدي ينبه على أنه واسطة عقد أولاده قال في مناهل الصفا حدثني الشيخ المسن القائد أبو محمد مؤمن ابن الغازي العمري أن المنصور أقبل يوما في حياة أبيه وهو صبي والمجلس غاص بالأكابر فاندفع يخترق الصفوف قال فصاح بي المهدي إذ ذاك وأنا أصغر القوم فقال يا مؤمن ارفعه فيسنفعك أو ينفع عقبك فابتدرت حمله وكان كذلك فإن المنصور لما أفضت إليه الخلافة كان القائد مؤمن ابن الغازي عنده بالحظوة الرفيعة والمنزلة العالية ونشأ المنصور رحمه الله في عفاف وصيانة وتعاط للعلم ومثافنة لأهله عليه وكانت مخايل الخلافة لائحة عليه من لدن عقدت عليه التمائم إلى أن تم أمره حدثنا الفقيه العالم سفير الخلفاء أبو محمد عبد الله بن محمد بن محمد بن علي الجزولي الدرعي أنه اجتمع ببعض أهل المكاشفة بمصر فسأله عن السلطان أبي عبد الله الشيخ وأولاده قال فسميتهم له واقتصرت على الكبار منهم فلم أذكر المنصور لأنه كان أصغرهم سنا يومئذ فقال لي بقي منهم من لم تذكره فقلت له أحمد فقال ذاك واسطة عقدهم ووجه صفقتهم فكان كذلك وقال الشيخ أبو فارس عبد العزيز الفشتالي لما أخذ المهدي البيعة لولده السلطان الغالب بالله كما تقدم استقدمه من فاس وأوصاه بالمنصور جدا وقال له إن الفائدة فيه أو كما قال وهكذا كان ينبه على أنه واسطة عقد أولاده وكان المنصور رحمه الله يحدث أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وأنواره تشرق قال فوقع في نفسي أن أسأله عن نصيبي من الخلافة فكاشفني صلى الله عليه وسلم بما في خاطري وأجابني بما حقق لي نيلها ثم أشار لي بأصابعه الثلاثة الشريفة ضاما الإبهام منها إلى السبابة والوسطى وقال أمير المؤمنين اه وقال الإمام أبو زيد عبد الرحمن بن محمد التامنارتي في كتابه الفوائد الجمة بإسناد علوم الأمة أخبرني الفقيه أبو العباس أحمد بن عبد الله الدغوغي صاحب الحسبة بتارودانت أنه رأى في منامه كأنه في حلقة يسرد فيها صحيح البخاري بموضع من دار الخلافة بها وأبو العباس المنصور يومئذ بها وذلك قبل ولايته قال فرأيت في طرة الكتاب هذا اللفظ ورى الزند فكنت أتأمل معناه فالتفت فإذا برجل انعزل ناحية على طنفسة فوقع في نفسي أن أسأله فأتيته بالكتاب وقلت له يا سيدي ما معنى هذه الكلمة التي في طرة هذا الكتاب فقال لي قل لمولاك أحمد أنا الذي أوريت زندك ما دمت على الحق فإن عدلت عنه فأنا بريء منك فقلت له ومن أنت يا سيدي فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمض إلا قليل حتى ولي الخلافة وحمدت سيرته قال أبو زيد وناهيك بزند أوراه النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على أن ولاية الإسلام لا تنعقد إلا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وقد اشتهرت المرائي بذلك ويقرب من هذا ما ذكره صاحب ابتهاج القلوب في مناقب الشيخ المجذوب أن الشيخ الصالح أبا عبد الله الملقب بكدار ابن الشيخ أبي زكرياء يحيى بن علال المالكي البوخصيبي رأى النبي صلى الله عليه وسلم يوم فشكا إليه أولاد مطاع لما رآهم عليه من الفساد في الأرض فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يأتيهم أحمد فكان كذلك أتاهم عقب ذلك السلطان أبو العباس المنصور فأخذهم وفل جمعهم اه وأخبار المنصور من هذا النمط كثيرة وكان رحمه الله طويل القامة ممتلئ الخدين واسع المنكبين تعلوه صفرة رقيقة أسود الشعر أدعج أكحل ضيق البلج براق الثنايا حسن الشكل جميل الوجه ظريف المنزع لطيف الشمائل وكانت بيعته بعد الفراغ من قتال النصارى بوادي المخازن يوم الاثنين منسلخ جمادى الأولى سنة ست وثمانين وتسعمائة واجتمع عليها من حضر هناك من أهل الحل والعقد ثم لما قفل المنصور من غزوته تلك ودخل حضرة فاس يوم الخميس عاشر جمادى الآخرة من السنة المذكورة جددت له البيعة بها ووافق عليها من لم يحضرها يوم وادي المخازن ثم بعث إلى مراكش وغيرها من حواضر المغرب وبواديه فأذعن الكل للطاعة وسارعوا إلى الدخول فيما دخلت فيه الجماعة قال الفشتالي لما كانت وقعة وادي المخازن ونصر الله دينه وكبت الكفر وأهله واستوسق الأمر للمنصور كتب إلى صاحب القسطنطينية العظمى وهو يومئذ السلطان مراد بن سليم العثماني وإلى سائر ممالك الإسلام المجاورين للمغرب يعرفهم بما أنعم الله به عليه من إظهار الدين وهلاك عبدة الصليب واستئصال شأفتهم فوردت عليه الأرسال من سائر الأقطار مهنئين له بما فتح الله على يده وكان أول من وفد عليه رسول صاحب الجزائر ثم تلته أرسال طاغية البرتغال وهو الريكي القائم بأمرهم بعد هلاك سبستيان وليس خاله وإنما خاله طاغية الإصبنيول فيليب الثاني الذي جمع المملكتين معا بعد هلاك الريكي المذكور وبعد وقعة وادي المخازن بثلاث سنين فقدموا بهدية عظيمة وضعوها يوم دخولهم إلى فاس على الكراريص والعجل فعجب الناس منها عجبا بليغا وكان ذلك اليوم يوما مشهودا وكان من جملة ما فيها ثلاثمائة ألف دكات من ريال الفضة وأما الطرف النفيسة والأثاث الرفيع فشيء لا يحصى ثم وردت أرسال طاغية الإصبنيول صاحبة قشتالة بهدية عظيمة منها اليواقيت الكبار التي انتزعها الطاغية من تاج آبائه وصنيديق مملوء من الدر الفاخر وقضب الزمرد وغير ذلك وتكلم الناس فيما بين الهديتين أعني هدية البرتغالي وهدية الإصبنيولي أيهما أعظم ولم يهتد أهل العقل والمعرفة إلى مقدار التفاوت بينهما ثم قدمت أرسال السلطان مراد العثماني ومعهم هدية وهي سيف محلى لم ير مثله مضاء وصفاء متن ثم قدمت أرسال طاغية أفرانسة ومعهم هدية عظيمة ولم تزل الوفود مترادفة بباب المنصور والأرسال تصبح وتمسي على أعتاب تلك القصور إلى أن لم يبق أحد ممن تتشوف النفوس إليه وحينئذ اطمأنت بالمنصور الدار وطاب المقام وتم القرار وفي جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وتسعمائة مرض المنصور مرضا مخوفا وطال به حتى كادت الأمور تختل ثم تداركه الله على يد الحكيم الماهر أبي عبد الله محمد الطبيب ولما أبل من مرضه أحسن إلى الطبيب المذكور ونثر عليه خروجه من الخلع ما لا يحصى وكان يوم خروجه يوما مشهودا وفي ذلك يقول الفقيه الأديب أبو عبد الله محمد بن علي الهوزالي المعروف بالنابغة ( تردى أذى من سقمك البر والبحر % وضجت لشكوى جسمك الشمس والبدر ) ( وبات الهدى خوفا عليك مسهدا % وأصبح مذعور الفؤاد الندى الغمر ) ( فلما أعاد الله صحتك التي % أفاق بها من غمه البدو والحضر ) ( تراءت لنا الدنيا بزينة حسنها % وعاد إلى إبانه ذلك البشر ) ( وصار بك الإسلام في كل بلدة % يهني ويدعي أن يطول لك العمر ) ( وصحت لنا الآمال بعد اعتلالها % وعادت إلى الإيناع أغصانها الخضر ) ( ولا غرو إن صامت على سمط الندى % إذا اغبر وجه الأرض واحتبس القطر ) ( لبيت أبي العباس أنضت عجافها % قديما فخافت أن يعاودها الضر ) ( لئن صدئت بيض المعالي لقد غدت % تسيء الكماة البيض واللدن السمر )
( بقيت لهذا الدين تحمي ذماره % ويحميك رب العرش ما بقي الدهر )
عقد المنصور ولاية العهد لابنه محمد الشيخ المدعو المأمون
قال الفشتالي لما أبل المنصور من مرضه المذكور وعاد إلى حاله من الصحة أجمع رأي أعيان الدولة واتفقت كلمة كبرائها على أن يطلبوا منه تعيين من يلي الأمر بعده ويكون ولي عهده وكان المنصور مهيبا لا يقدر أحد على مواجهته بمثل هذا فاتفقوا على أن يكون البادئ لذلك القائد المؤمن بن الغازي العمري لما له من الإدلال على المنصور بطول الخدمة وسالف التربية فقال له القائد المذكور يا مولانا الله تعالى حفظ الإسلام بإبلالك من هذا المرض وعصم الدين بإبقائه عليك وقد بقي الناس في أيام سقمك في حيرة عظيمة ودخلهم من الدهش ما لا يخفى عليك فلو عينت لنا من أبنائك القساورة من تجتمع كلمة الإسلام عليه ويشار بالخلافة إ ليه لكان أولى وأليق بسياسة الملك وإن ابنك الأبر أبا عبد الله محمد المأمون حقيق بذلك وجدير بسلوك تلك المسالك لما فيه من خلال الخير وخصال السيادة زيادة على ما هو عليه من التيقظ في أموره والحزم في شؤونه وقد ظهرت للناس محاسن سيرته واطلعوا على جميل سريرته فاستحسن المنصور ذلك وأعجبه ما أشار عليه به فقال له سوف أستخير الله في ذلك فإن يكن من عند الله يمضه قلت هذا الذي حكاه الفشتالي على لسان القائد مؤمن في حق المأمون المذكور هو بخلاف الواقع كما ستقف عليه من أحوال المأمون بعد هذا إن شاء الله ولكن المؤرخين والشعراء يمدحون ويقدحون بحسب أغراضهم لا بحسب الواقع غالبا لا سيما إذا كان من يعنونه بذلك مخدوما لهم ومنعما عليهم فلا ينبغي لمن وقف على كلام هؤلاء الصنف منهم أن يعتمد عليه إلا بعد التثبت والتبصر والله تعالى الهادي إلى الصواب بمنه ثم لبث المنصور بعد هذه الإشارة أيام يستخير ربه في ذلك ويستشير من يعلم أهليته للمشورة من أهل العلم والصلاح فلما انقضت أيام الاستخارة وتواطأت الآراء على حسن تلك الإشارة جمع المنصور أعيان حاضرة مراكش وأعيان مدينة فاس وغيرهم من أشياخ القبائل بوجوه الناس من أهل الحواضر والبوادي وأوصى بالعهد لولده المذكور أبي عبد الله محمد المأمون وذلك يوم الاثنين منسلخ شعبان سنة سبع وثمانين وتسعمائة وكان المأمون إذ ذاك خليفة أبيه على فاس فلم يحضر هذه البيعة فبعث إليه المنصور بعد ذلك ليقدم من فاس ويبايع بحضرته ولم يقنعه ما كان عقد له من البيعة وهو غائب ولما بعث إليه خرج المنصور بعسكره إلى تانسيفت خارج مراكش ثاني عشر صفر سنة تسع وثمانين وتسعمائة ولم يزل بعسكره هناك متلوما ومنتظرا لقدوم المأمون إلى أن قدم غرة جمادى الثانية من السنة المذكورة فكانت ملاقاتهما من عجائب الزمان ولما اصطف جيش المنصور وجيش المأمون ترجل المأمون عن فرسه وتقدم حافي القدم فعفر وجهه بين يدي والده ثم قبل رجله والمنصور على فرسه واقفا بين الصفين فدعا له بخير وأظهر الفرح بمقدمه وكان المأمون قد عبأ جيشه تعبية لم ير مثلها ورتبهم ترتيبا حسنا في لباسهم وسائر أمورهم فسر المنصور بذلك وبعد أيام من بلوغه أمر به فأجلس في سرادقه الأعظم الذي لم يكن للملوك قبله مثله كما سيأتي وأمر أهل الحل والعقد فازدحموا على تقبيل يده واقتضيت منهم الأيمان بحضرته وقام الشعراء فأفصحوا عن وصف الحال وغمر المنصور الناس بالنوال وكان ذلك اليوم يوما مشهودا وبعد أيام منه أمر المنصور المأمون أن يرجع إلى حضرة فاس فرجع ودخل المنصور حضرته وتم غرضه الذي قصده
ثورة داود بن عبد المؤمن بن محمد الشيخ والسبب في ذلك
قال الفشتالي لما وقعت البيعة للمأمون وتكامل أمرها ثار الرئيس الأجل أبو سليمان داود بن عبد المؤمن ابن السلطان محمد الشيخ وهو ابن أخي المنصور وفر إلى جبل سكسيوة وشق العصا ودعا إلى نفسه فانثالت عليه أوشاب من البربر وغيرهم ونجم أمره وأثرت في إذن الرعية جعجعته فبعث إليه المنصور قائده الزعيم أبا عبد الله محمد بن إبراهيم بن بجة فناوشه القتال بجبل سكسيوة فهزمه وفر إلى جبل هوزالة فتحزبوا عليه وقويت بهم شوكته وأخذ يشن لهم الغارات على أهل درعة إلى أن ضاقوا به ذرعا فشكوا أمره إلى المنصور فبعث إليه قائده الذي ذكر فلم يزل في مقابلته ومقاتلته إلى أن شرده عن جبل هوزالة ففر داود منه إلى الصحراء واستقر به الرحيل بها عند عرب الودايا من بني معقل فلم يزل عندهم إلى أن هلك سنة ثمان وثمانين وتسعمائة وكفى المنصور أمره
حدوث النفرة بين المنصور والسلطان مراد العثماني وتلافي المنصور لذلك
قد علمت ما كان من التجاء عبد الملك المعتصم وأحمد المنصور إلى السلطان سليمان العثماني وتطارحهما عليه حتى أمدهما بالجيش الذي كان سببا في تملكهما المغرب ولما صفا الأمر لعبد الملك أهمل جانب العثماني ولم يكاتبه بشيء ولا عرج عن ساحته ثم لما ملك المنصور وكتب إلى النواحي بخبر وقعة وادي المخازن كتب إلى السلطان مراد في جملتهم فبعث السلطان المذكور إلى المنصور بالهدية التي تقدم ذكرها وكان المنصور استقلها و أنف منها فتشاغل عن الوفد وتركهم مهملين بحضرته وتأخر عن جواب السلطان مراد فكان ذلك سببا للنفرة وكان وزير البحر للعثماني واسمه الرئيس علي علوج يبغض المنصور فلم يزل يسعى به عند سلطانه ويذكره ما كان من أبيه الشيخ من القدح في ولاية الترك والطعن عليهم وقال له في ذلك قد ضاع صنيعك في هذا الغادر وصنيع والدك من قبلك ولم يزل يفتل له في الذروة والغارب ويهون عليه أمر المغرب حتى أذن له في توجيه العمارة إليه ومنازلته والأخذ بآفاقه إلى أن يستأصل أمر المنصور ويخمد جمرته ويقال إن السلطان مرادا أمر وزيره المذكور أن يذهب بالعمارة إلى الجزائر فتكون هنالك ثم يتقدم بالعساكر في البر إلى المغرب فأخذ الوزير في التأهب لذلك واتصل الخبر بالمنصور على يد بعض قناصل النجليز فارتحل إلى فاس من حينه وشحن الثغور وملأ المراسي وكان على أهبة وكمال استعداد وبعث أرساله إلى السلطان المذكور بهدية عظيمة تلافيا لما فرط واعتذارا عما سلف وكان من جملة أرساله القائد الأنجد أبو العباس أحمد بن ودة العمراني والكاتب الشهير أبو العباس أحمد بن يحيى الهوزالي فركبوا البحر من مرسى تطاوين قاصدين القسطنطينية العظمى وبينما هم في أثناء الطريق على ثبج البحر لقيهم الوزير علوج في أسطوله قاصدا ديار المغرب عازما على منازلة المنصور به فلما رآهم سقط في يده وأيقن بخيبة مسعاه فرام صدهما عما قصدا إليه وأيأسهما من تدارك الأمر وقال لهما إن الخرق قد اتسع على الراقع ولو كان لصاحبكم غرض في المسألة ما بقي أصحابنا بأبوابه كالكلاب والبادي أظلم فلم يزل الوزير علوج بالقائد ابن ودة إلى أن صرفه عن رأيه ورده معه وترك الهوزالي يبلغ الرسالة والهدية ظنا منه أن صغير السن لا يحسن مخاطبة الملوك العظام وابن ودة الذي كان عنده مظنة لكمال التدبير ومثافنة الملوك رده معه فلما انتهى الهوزالي إلى السلطان مراد ودخل عليه أظهر من نبله ولطف مخاطبته ما خلب به قلب السلطان المذكور واستل السخيمة من صدره واعتذر له عن تأخر المنصور عن الجواب بما لا يعود بوهن على مخدومه ولا يفيد غلبة خصمه فقبل السلطان مراد الاعتذار وتقبل الهدية بقبول حسن وكتب مع الهوزالي إلى الوزير علوج بالرجوع عن منازلة المنصور فرجع بها الهوزالي يطير سرورا ولم يغب عن علوج إلا نحو الشهر حتى قدم عليه بأمر الملك فقرع لها علوج سن الندم وأسف على تفريطه في الهوزالي وتركه وبعث السلطان مراد رسله مع الهوزالي إلى المنصور يلومه على التراخي في أمور الملوك فلما قدموا عليه أكرم وفادتهم وأحسن نزلهم وردهم مكرمين إلى مرسلهم وبعث معهم الفقيه الإمام قاضي الجماعة بحضرة مراكش أبا القاسم ابن علي الشاطبي والقائد الأنجد أبا زيد عبد الرحمن بن منصور الشيظمي المريدي فلما وردوا على خاقان الترك فرح بهم كل الفرح ورتب الشاطبي كلاما بليغا أعرب فيه عن فضل الدولتين وقرر فيه حق أهل البيت وأطرى المنصور وحض فيه على اتحاد كلمة الإسلام وقرأ ذلك على السلطان مراد فاهتز لسماعه ثم بعد أيام أحسن إليهم وأجزل صلتهم وردهم مكرمين إلى مرسلهم وقال صاحب خلاصة الأثر كان المنصور موادعا لسلاطين آل عثمان فيرسل إليهم بالهدايا في كل سنة وكانوا هم يرسلون إليه بالمكاتيب والخلع السنية حتى إن السلطان مراد بن سليم كتب إليه أثناء مكاتيبه ملك علي العهد أن لا أمد يدي إليك إلا للمصافحة وإن خاطري لا ينوي لك إلا الخير والمسامحة وكانت رسله دائما تأتي إلى القسطنطينية من جانب البحر ويمكثون زمانا طويلا ويتعهدون الوزراء ومن له قرب من الدولة من جملتهم الرئيس الأديب محمد الأمين الدفتري فقد ذكر صاحب خلاصة الأثر أن هذا الرئيس كان يجمع نفائس الكتب ويبعث بها إلى المنصور فبسبب ذلك كانت المراسلات بينهما غير منقطعة وقد ذكر صاحب خلاصة الأثر في ترجمة الرئيس المذكور بعض تلك المراسلات فانظره ولما تكامل هذا الغرض وصح جسم الدولة من المرض ورجعت الأرسال في أحسن الأحوال عاد المنصور إلى مراكش وفي يوم خروجه من فاس خرج أعيان أهلها ومشيخة العلم بها وقرئ البخاري بين يديه سردا على عادة الخلفاء في ذلك وكان ذلك كله سنة تسع وثمانين وتسعمائة
إيقاع المنصور بعرب الخلط والسبب في ذلك
قد قدمنا في أخبار الدولة المرينية ما كان لهؤلاء الخلط من الاعتزاز والدالة عليها بسبب ما كان لهم من الشوكة والمصاهرة مع ملوكها ولما أدبرت دولة بني مرين واستولى على ملكهم أبو عبد الله محمد الشيخ المهدي انحاشوا إليه وأظهروا الخدمة والنصيحة فلما جاء أبو حسون الوطاسي بجيش الترك حسبما شرحناه قبل أوقعوا الهزيمة على المهدي لأبي حسون كما مر فلما غلب المهدي على المغرب وصفا له أمره خلعهم من الجندية ووظف عليهم الخراج ومحا اسمهم من ديوان الخدمة ونقل أعيانهم إلى مراكش واتخذهم رهائن عنده ولم يزل الأمر على ذلك إلى أيام المنصور فرأى جلادهم يوم وادي المخازن وحسن بلائهم فاختار النصف منهم ورده إلى الجندية وأبقى نصفهم الآخر في غمار الرعية ونقلهم إلى آزغار فاستوطنوه حينا من الدهر ثم عاثوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد ومدوا أيديهم إلى أولاد مطاع فنهبوهم وضايقوا بني حسن فكثرت الشكاية بهم إلى المنصور فضرب عليهم سبعين ألفا غرامة فلم يزدادوا إلا عتوا وشدة فأرسل إليهم ليبعثوا طائفة منهم إلى تيكورارين فامتنعوا من ذلك فحينئذ بعث إليهم القائد موسى بن أبي جمدي العمري فانتزع منهم الخيل وأبقاهم رجالة ثم حكم السيف في رقابهم واستأصل جمهورهم فمن ثم خضدت شوكتهم ولانت للغامز قناتهم
استيلاء المنصور على بلاد الصحراء تيكورارين وتوات وغيرهما
لما استقر المنصور بمراكش مرجعه من فاس وأمن من هجوم الترك على المغرب طمحت نفسه إلى التغلب على بلاد تيكورارين وتوات من أرض الصحراء وما انضاف إلى ذلك من القرى والمداشر إذ كان أهل تلك البلاد قد انكفت عنهم أيدي الملوك ولم تسسهم الدول منذ أزمان ولا قادهم سلطان قاهر إلى ما يراد منهم فسنح للمنصور أن يجمع بهم الكلمة ويردهم إلى أمر الله فبعث إليهم القائد أبا عبد الله محمد بن بركة والقائد أبا العباس أحمد ابن الحداد العمري المعقلي في جيش كثيف فقطعوا إليهم القفر من مراكش وانتهوا إليهم على سبعين مرحلة منها فتقدموا إليهم أولا بالدعاء للطاعة والأعذار والأنذار فامتنعوا فنازلوهم وقاتلوهم وطالت الحرب بينهم ياما ثم كان الظهور لجيش المنصور فأوقعوا بهم وأثخنوا فيهم إلى أن أذعنوا للطاعة وصاروا في حزب الجماعة و أنهى خبر الفتح إلى المنصور فسر بذلك سرورا عظيما وقال الشعراء في ذلك وعم الفرح بلاد المغرب وكان ذلك سنة تسعين وتسعمائة وبعد هذا تشوفت نفس المنصور إلى الاستيلاء على بلاد السودان فكان من أمرها ما نذكره إن شاء الله اعلم أن هؤلاء السودان هم من نسل حام بن نوح عليه السلام باتفاق النسابين والمؤرخين ويجاور البربر بأرض المغرب منهم أمم كثيرة من أعظمها أهل مملكة غانة وهم المتصلون بالبحر المحيط من جهة الغرب على مصب النيل السوداني فيه وتتصل بهم من جهة الشرق أمة أخرى تعرف بصوصو بصادين أو سينين مهملتين مضمومتين ثم بعدها أمة أخرى يقال لها مالي ثم بعدها أمة أخرى تسمى كوكو ويقال كاغو ثم بعدها أمة أخرى تعرف بتكرور ويقال لهم أيضا سغاي ثم بعدها أمة أخرى تدعى كانم وهم أهل مملكة برنو المجاورة لإفريقية من جهة قبلتها ثم بعدها أرض النوبة المجاورة لبلاد مصر وهكذا إلى آخر الشرق أمم لا يحصيهم إلا خالقهم فأما أهل مملكة غانة فقد كانوا في صدر الإسلام من أعظم أمم السودان أسلموا قديما وكان لهم ملك ضخم وكانت حاضرة ملكهم هي غانة وهي مدينتان على ضفتي النيل السوداني من أعظم مدن العالم وأكثرها عمرانا ذكرها صاحب نزهة المشتاق وصاحب المسالك والممالك وغيرهما وقال الفقيه الأديب أبو العباس أحمد بن عبد المؤمن القيسي الشريشي في شرح المقامات الحريرية ما نصه غانة بلد من بلاد السودان وإليها ينتهي التجار يعني من المغرب والمدخل إليها من سجلماسة ومن سجلماسة إليها ذهابا مسيرة ثلاثة أشهر ومن غانة إلى سجلماسة إيابا مسيرة شهر ونصف ودون ذلك وسبب ذلك أن الرفاق تتجهز إليها من سجلماسة بالأمتعة والأثقال فتباع في غانة بالتبر فمن سافر إليها بثلاثين حملا يرجع منها بثلاثة أحمال أو بحملين واحد لركوبه وثان للماء بسبب المفازة التي في طريقها حدثني غير واحد من تجارها أنهم يقطعون المفازة في ستة عشر يوما لا يرون فيها ماء إلا على ظهور الإبل فأثمان أحمال الثلاثين جملا يجتمع فيها من التبر ما يجعل في مزود واحد فيطوون المراحل للخفة قال وغانة بلد مملكة السودان وانتشر الإسلام في أهلها وبها مدارس للعلم وبها من تجار المغرب كثير يدخلون للتجارة فيصيبون الخصب والأمن وكثرة المتاجر فيشترون بها خدما للتسري ويقيمون بها عند أميرها في غاية الكرامة والإماء فيها قد جعل الله فيهن من الخصال الكريمة في خلقهن وخلقهن فوق المراد من ملاسة الأبدان وتفتق السواد وحسن العينين واعتدال الأنوف وبياض الأسنان وطيب الروائح اه وقال ابن خلدون كان في غانة فيما يقال ملك ودولة لقوم من العلويين يعرفون ببني صالح وقال صاحب نزهة المشتاق أنه صالح بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم قال ولا يعرف صالح هذا في ولد عبد الله بن حسن وقد ذهبت هذه الدولة لهذا العهد اه ثم أن أهل غانة ضعف ملكهم وتلاشى أمرهم في المائة الخامسة واستفحل أمر الملثمين المجاورين لهم من جهة الشمال مما يلي البربر وزحف إليهم الأمير أبو بكر بن عمر اللمتوني فاتح المغرب ومستخلف يوسف بن تاشفين عليه حسبما مر ذلك في أخبارهم فلما رجع الأمير أبو بكر إلى الصحراء غزا بلاد السودان وفتح منها مسيرة ثلاثة أشهر واقتضى منهم الأتاوات وحمل الكثير منهم ممن لم يكن أسلم قبل ذلك على الإسلام فدا نوابه ثم اضمحل ملك أهل غانة بالكلية وتغلب عليهم أهل مملكة صوصو المجاورون لهم واستعبدوهم وصيروهم في جملتهم ثم إن أهل مالي كثروا أمم السودان في نواحيهم تلك واستطالوا على الأمم المجاورين لهم فغلبوا على صوصو وملكوا ما كان بأيديهم وبأيدي أهل غانة ثم افتتحوا بلاد كوكو وأضافوها إلى ملكهم وصارت دولة مالي متصلة فيما بين غانة في الغرب وأرض التكرور في الشرق واعتز سلطانهم وهابتهم أمم السودان ومن هذه الدولة كان السلطان منسا موسى بن أبي بكر وأخوه منسا سليمان اللذان كان بينهما وبين السلطان أبي الحسن المريني من المهاداة والمواصلة ما تقدم ذكره وكان مع السلطان منسا موسى المذكور الأديب الشاعر أبو إسحاق الطوبجن الأندلسي الذي بنى له القبة المربعة العجيبة الصنعة البديعة النقش والتخريم التي أجازه عليها باثني عشر ألف مثقال من التبر وغير ذلك مما مر ذكره في أخبار الدولة المرينية وكان منها أيضا السلطان ماري زاطة الذي هادى السلطان أبا سالم المريني وأغرب عليه بالزرافة حسبما تقدم قالوا وكان هذا السلطان مسرفا مبذرا بحيث أفسد ملكهم وأتلف ذخيرتهم وكاد أمر سلطانهم يختل حتى لقد انتهى الحال به في سرفه وتبذيره أن باع حجر الذهب الذي كان من الذخائر الموروثة عندهم وهو حجر يزن عشرين قنطارا من الذهب العين منقولا من المعدن كذلك من غير علاج ولا تصفية بالنار فكانوا يرونه من أنفس الذخائر وأكبر الغرائب لندور مثله في المعدن فعرضه منسا زاطة على تجار مصر المترددين إلى بلده فاشتروه منه بأبخس ثمن ثم أصابته علة النوم وهو مرض يطرق أهل ذلك الإقليم كثيرا وخصوصا الرؤساء منهم بحيث يعتاده غشي النوم عامة زمانه حتى لا يكاد يفيق ولا يستيقظ إلا في القليل من الأوقات ويضر بصاحبه غاية ويتصل سقمه إلى أن يهلك ودامت هذه العلة بهذا السلطان سنتين ثم هلك منها سنة خمس وسبعين وسبعمائة ثم توارث بنوه الملك من بعده فكانوا في تراجع وانتقاص إلى أن انقرض أمرهم شأن غيرهم من الدول وظهرت دولة آل سكية من أهل مملكة كوكو ويقال كاغو قال الإمام التكروري في كتابه نصيحة أهل السودان إن آل سكية أصلهم من صنهاجة وملكوا كثيرا من بلاد السودان وأول ملوكهم الحاج محمد سكية بضم السين وسكون الكاف بعدها ياء مفتوحة ثم هاء تأنيث وكان الحاج محمد المذكور رحل في أواخر المائة التاسعة إلى مصر والحجاز بقصد حج بيت الله الحرام وزيارة قبر نبيه صلى الله عليه وسلم فلقي بمصر الخليفة العباسي إذ كان رسم الخلافة العباسة لا زال قائما بها يومئذ حتى محاه السلطان سليم العثماني أيام تغلبه على مصر سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة فلما اجتمع الحاج محمد سكية بالخليفة المذكور طلب منه أن يأذن له في إمارة بلاد السودان وأن يكون خليفته هناك ففوض إليه الخليفة العباسي النظر في أمر ذلك الإقليم وجعله نائبه على من وراءه من المسلمين فرجع الحاج محمد سكية إلى بلاده وقد بنى أمر رياسته على قواعد الشريعة وجرى على منهاج أهل السنة ولقي بمصر أيضا الإمام شيخ الإسلام حافظ الحفاظ جلال الدين السيوطي فأخذ عنه عقائده وتعلم منه الحلال والحرام وسمع عليه جملا من آداب الشريعة وأحكامها وانتفع بوصاياه ومواعظه فرجع إلى السودان ونصر السنة وأحيى طريق العدل وجرى على منهاج الخليفة العباسي في مقعده وملبسه وسائر أموره ومال إلى السيرة العربية وعدل عن سيرة العجم فصلحت الأحوال وبرئ جسد الرشاد من الداء العضال وكان الحاج محمد المذكور سهل الحجاب رقيق القلب خافض الجناح شديد التعظيم لأئمة الدين محبا للعلماء مكرما لهم يفسح لهم في المجلس ويوسع عليهم في العطاء ولم يكن في أيامه كلها بؤس ولا بأس بل كانت رعيته في خفض عيش وأمن سرب وفرض عليهم شيئا خفيفا من المغارم وظفه عليهم وزعم أنه ما فعل ذلك حتى استشار الإمام السيوطي شيخه ولم يزل على سيرته المذكورة إلى أن اخترمته المنية فقام بالأمر بعده ولده داود بن محمد فأحسن ما شاء وتبع طريقة أبيه إلى أن لحق بربه ومضى لسبيله فقام بالأمر بعده ولده إسحاق بن داود فعدل عن بعض سيرة أبيه ولم يكن في أمره بالذميم واستمر حاله على الانتظام إلى أن غزته جيوش المنصور فنقضت ملكه ونثرت سلكه وانقرض عليه أمر آل سكية بعد أن كان تحت طاعتهم مسيرة ستة أشهر من بلاد السودان وسنذكر كيفية ذلك وأما مملكة التكرور وكانم فقال ابن خلكان ما نصه كانم بكسر النون جنس من السودان وهم بنو عم تكرور وكل واحدة من هاتين القبيلتين لا تنسب إلى أب ولا أم وإنما كانم اسم بلدة بنواحي غانة فسمي هذا الجنس باسم هذه البلدة وتكرور اسم للأرض التي هم فيها وسمي جنسهم باسم أرضهم اه قلت وكان من كانم الأديب أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الكانمي الأسود الشاعر وهو الذي دخل على يعقوب المنصور الموحدي فأنشده ( أزال حجابه عني وعيني % تراه من المهابة في حجاب ) ( وقربني تفضله ولكن % بعدت مهابة عند اقترابي ) وأهل كانم هم أهل مملكة برنو المجاورة لإفريقية من جهة قبلتها كما قلنا وكانت لهم مع الدولة الحفصية في المائة السابعة وما بعدها مهاداة ومواصلة كما كان لأهل مالي مع بني مرين قلت ومن أهل برنو الشيخ العارف بالله تعالى أبو محمد عبد الله البرنوي شيخ الولي العارف بالله تعالى أبي فارس عبد العزيز الدباغ الموضوع في مناقبه كتاب الذهب الإبريز واتصل أمر أهل برنو على الانتظام إلى أن كان من أمرهم مع المنصور ما نذكره وكل هؤلاء الأمم كانوا على دين الإسلام قديما كما رأيت وكان فيهم العلماء والصلحاء والأدباء والشعراء كما علمته آنفا وتعلمه فيما بعد إن شاء الله تعالى قال الشيخ أبو العباس أحمد بابا السوداني في تقييده المسمى بمعراج الصعود أن أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كنوا وكنتي وبرنو وسغاي ما سمعنا قط أن أحدا استولى عليهم قبل إسلامهم ومنهم من هم قدماء الإسلام كأهل مالي أسلموا في القرن الخامس أو قربه وكأهل برنو وسغاي اه وقد علمت أن أهل غانة تقدم إسلامهم على هذا التاريخ والله تعالى أعلم ولنرجع إلى ما كنا بصدده من أخبار المنصور فنقول
وصول هدية صاحب برنو إلى المنصور بحضرة فاس وما نشأ عن ذلك من بيعته له والتزام طاعته
كان المنصور رحمه الله مسعودا محظوظا كما أشرنا إليه سابقا وكان من سعادته ما هيأ الله له من مهاداة صاحب مملكة برنو ومخاطبته له حتى كان ذلك سببا في مبايعته له والدخول في طاعته وكان من خبر ذلك ما حكاه في مناهل الصفا قال وفي سنة تسعين وتسعمائة ورد على المنصور الخبر وهو بمدينة فاس بقدوم رسول صاحب مملكة برنو من ملوك السودان وجلب في هديته ما جرت عادتهم أن يجلبوه من فتيان العبيد والإماء وكساء السودان وطرفه وكان من ذلك عدد كثير يناهز المئين فوافى المنصور بعسكره على رأس الماء من ساحة فاس وكان يوم ملاقاته يوما مشهودا حسنا وأبهة وجلالة جلس نصره الله تعالى بالقبتين التوأمين المضروبتين أمام السياج المحيط بقبابه وهو آفراك واستوقف الموالي والمماليك سماطين من التوأمين إلى القبة العربية ثم منها إلى فسطاط الجلوس المعلوم بالديوان ثم منه إلى باب المعسكر القبلي وأتى بالرسول يخترق السماطين حتى نزل بالديوان وكان الملأ من أكابر الدولة وصدور المملكة جلوسا وكرسي المملكة وسرير الخلافة منصوبا به والمهابة قد أخرست الألسن وأخشعت القلوب والأبصار فجلس الرسول هنالك مليا ثم توجه به على سبيل الترقي إلى القبة العربية فجلس بها ثم جاء الإذن الكريم بإيصاله إلى مقر أمير المؤمنين بالتوأمتين فوقف بين يديه وتشرف بالنظر إلى طلعته السعيدة فأدى الرسالة وقضى فرض التهنئة وسنة الهدية وأعرب عن مقاصد مرسله واعترف للمملكة العظيمة بحقها وأظهر من الخضوع والتملق والاستكانة والخدمة والطواعية ما أوصاه به مرسله ثم توجه به إلى معسكر ولي العهد وتاج الإسلام وكافل الأمة بعد والده المولى الأمير أبي عبد الله محمد الشيخ المأمون بالله وكان لصق معسكر أمير المؤمنين برأس الماء فأشرف الرسول على دنيا أخرى وأبهة مدهشة ومحلة هائلة فوقف موقف الحيرة واستدرج إلى أن وصل لقباب ولي العهد ومضاربه وكان قد قعد له بفسطاط جلوسه أفخم قعود ولما استؤذن عليه ووقف بين يديه هنأ وحيى وفدى وانصرف عنه إلى محل نزوله بالقصبة من فاس وأدر عليه من الإنعام والإكرام ما لم يكن له في حساب وكان من أغراض الرسالة التي أنفذه بها سلطانه طلب المدد من أمير المؤمنين بالعساكر والأجناد وعدة البنادق ومدافع النار لمجاهدة من يليهم بقاصية السودان من الكفار وكان هذا الرسول قد وفد قبل على سلطان الترك بالإصطنبول السلطان مراد العثماني يطلب منه المدد لجهاز كفار السودان فأخفق سعيه ولم يحصل على طائل فوجهه في هذه النوبة إلى ملك المغرب يطلب منه المدد ولما قرئ كتابه على أمير المؤمنين اتفق أن وقع بينه وبين كلام الرسول اختلاف بين وتباين واضح فكان الذي دل عليه الكتاب خلاف ما دل عليه كلام الرسول جر إليهم ذلك توغلهم في الجهل والغباوة وعدم من يحسن الإعراب عن مقاصدهم من فرسان الإنشاء والكتابة لطموس معالم العلوم عندهم على الجملة وقارن ذلك ما كان من توجيه أمير المؤمنين عساكره لتدويخ قطري توات وتيكورارين وأمل أن يجعلهما ركابا لبلاد السودان والاستيلاء على ممالكها التي وجه إليها عساكره بعد ذلك فبلغت مملكة مالي عظيم السودان إلى أن وردت من نيلها على مائه مرحلة من ثغور المغرب فاغتنم المنصور لذلك اختلاف الرسول والرسالة وبنى عليه ما اعتد به على صاحب برنو ورجع الرسول إلى مرسله بعد مكافأته وتوجيه هدية من عتاق الخيل وأشرافها بكسي من ملابس الخلافة وأسباب أخر ولما بلغ الرسول وألقى المعذرة إلى سلطانه استأنف الهدية وأعرب إذ ذاك عن مراده ورد الرسول ثانية إلى باب أمير المؤمنين فوافاه بحضرته ودار خلافته من مراكش فأزال اللبس وبين الغرض وصرح بالمقصود فلما تحقق المنصور بقصده صدع له بالحق والدعاء إلى التي هي أقوم وطالبهم بالبيعة له والدخول في دعوته النبوية التي أوجب الله عليهم وعلى جميع العباد في أقطار البلاد الانقياد إليها وقرر لهم بلسان السنة الناطق والكتاب المنزل على جده الصادق أن الجهاد الذي ينتحلونه ويظهرون الميل إليه والرغبة فيه لا يتم لهم فرضه ولا يكتب لهم علمه ما لم يستندوا في أمرهم إلى إذن من إمام الجماعة الذي اختص الله أمير المؤمنين بوصفه إذ هو الكافل لهذه الأمة ووارث تراث النبوة وقيضه الله لحماية بيضة الإسلام وخصه بالشرف القرشي الذي هو شرط في الخلافة بإجماع من علماء الإسلام وأئمة السنة الأعلام وألزمهم القيام في أقطارهم بدعوته ومجاهدة أعدائهم الكفار بكلمته وعلق لهم أيده الله الإمداد على البيعة والوفاء بهذا الشرط فالتزمه بالرسول وزعم أيضا عن سلطانه بالقبول والإجابة وطلب من السلطان نسخة يتوجه بها من صورة البيعة إذ ليس ببلدهم من يحسن الإنشاء ويوفي الغرض لئلا يخلو بشيء من الشروط التي شارطتهم عليها أمير المؤمنين فأنشأها كاتب الدولة أبو فارس عبد العزيز الفشتالي ونصها الحمد الله الذي أعلى لكلمة الحق منارا يسامي في مطالعها النجوم وأزاح بها عن شمس الهداية المنيرة غياهب الغباوة المدلهمة وسحائب الغواية المركوم وحي على الفلاح بها داعي التوفيق الذي نشر للنجاح كتابه الموقوت واستنجز للسعادة أجلها المعلوم وشرف هذا الموجود والعالم الموجود بالخلافة النبوية والإمامة الحسنية العلوية التي صرفت الوجوه إلى قبلتها المشروعة واستبان الحق بتبلج الصباح في مبايعتها والانقياد لدعوتها المسموعة ونسخ بدولتها الغراء دول الحيف التي هي بسيف النبوة المصلت مقطوعه وبلسان السنة مدفوعه وقوض بها مباني الادعاء التي هي على غير أساس الشرع الصحيح مدفوعه وفرق بكلمتها المجموعة على التوحيد فرق التثليث التي هي على مشاقة الله ورسوله تابعة ومتبوعة وخلع بظهورها على أعطاف الحنيفية السمحة رداء العز الفضفاض واستل بتأييدها للدين المحمدي سيف الأنفة والامتعاض وأشار للأعادي من بأسها المروع بلسان الحية النضناض وفجر للمؤمنين ينبوع رحمتها الجاري على حصا عدلها الرضراض ومهد بسيوفها المنتضاة الآفاق والأقطار تمهيدا أزال عن حكمه الاعتراض وجلا بأنوارها المتألقة سدف الجهالة التي ادلهم جوها وغيم وأسعد الوجود بيمنها الذي لبث في أكناف مجدها وخيم وقضى لهاب بتراحم الأرض ومن عليها إن شاء الله إلى عيسى ابن مريم و صلى الله عليه وسلم الذي تعاضدت البراهين القاطعة على صدق رسالته البارعة ونهج الدين القويم طريقة الحق المثلى ومادته الشارعة وسوغ لمن آمن به مناهل الهدى النميرة الزلال وموارده العذبة ومشارعه نبي الرحمة وشفيع الأمة وعلى آله وأصحابه الكرام أئمة الهدى ومصابيح الظلام والدعاء لمولانا الإمام العلوي الهمام أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين نجل سيد المرسلين وخاتم النبيين وسليل الوصي والسبطين وبعد فإنه لما أذن الله في ليل الجهالة أن ينجاب وفي شمس الحق الوهاجة أن يرتفع عنها الحجاب وفي العز الخلق الجلباب أن يعود إلى الشباب وفي النجاح والاستقامة أن يفتح لهما الباب وفي الإمارة أن تستند إلى السنة والكتاب وتتعلق من الشرع بأسباب تدارك الله سبحانه الوجود وأعز العالم الموجود واستطارت الأنوار المضيئة للأغوار والنجود بطلوع شمس الخلافة النبوية والإمامة الهاشمية العلوية ففاضت على أديم البسيطة أنوارها وارتفع إلى حيث السها والفرقدين منارها وتبلج بالأصباح نهارها ولاحت في سماء المجد بدورها وأقمارها وكادت تنهب نجوم السماء أتباعها وأنصارها وانتشرت في الآفاق والأقطار على البعد والقرب آثارها وهزت عطف الزمان انتشاء مناقبها وأخبارها وفاض ببركتها على أكناف المعمور يمها الزاخر وتيارها خلافة ينتمي إلى النبوة عنصرها وتستنبط من رسالة الوحي أسطرها ويناط بعروتها الوثقى خنصرها وإمامة علي وليها والله نصيرها والسبط بدرها الذي حياه منبرها وسريرها والحمد لله الذي اصطفى من هذه الدوحة النبوية الشماء والشجرة الطيبة الهاشمية التي أصلها ثابت وفرعها في السماء إماما ألقى الله له في القلوب حبا جميلا ومولى جعله الله على مرضاته سبحانه علامة ودليلا وخليفة استرعاه فكان بحسن الرعي لخلقه وعباده كفيلا وانتضى من بأسه وبسالته لحماية حمى الشريعة حساما صقيلا مولانا أمير المؤمنين وخليفة الله في الأرضين وسليل خاتم النبيين ووارث الأنبياء والمرسلين المفترضة طاعته على الخلق أجمعين والممنون بإمامته المقدسة على العالمين بحر الندى والباس وعصمة الله للناس أمير المؤمنين المنصور بالله مولانا أبا العباس صلى الله عليه وسلم صلوات الله عليه وعلى آله الخلفاء الراشدين والأئمة الطيبين الطاهرين وطيب بأنفاس المغفرة لحودهم أجمعين إمام تهتز لذكره أعطاف المنابر وتتقلد من شريف دعوته أبهى من نفيس الجواهر وتستضيء البلاد بإكليل شرفه الزاهر وتسكن العباد تحت ظل رحمته الوارف الوافر أبقى الله أيامه الغر بقاء يصحب النصر دوامه وخلد له ولأعقابه هذا الأمر الكريم إلى يوم القيامة ولما طلعت أيده الله على هذه الأصقاع الزنجية طلائع إمامته النبوية وخلافته ولاحت في سمائها شهب مناقبه المنيفة الدالة على فخامة شرفه وأنافته وتليت لمجده الآيات البينات التي تشهد له بتراث الرسالة وتقضي له على الإسلام وعلى الأنام بحكم الولاء والكفالة وأوضح الله سبحانه للناس من اعتقاد وجوب طاعته والاقتداء بإمامته والانقياد لدعوته وتقليد بيعته ما جاء به كتابه الحكيم ووردت به سنة نبيه الكريم كما قال صلى الله عليه وسلم ( لا تزال الخلافة في قريش ما بقي منهم اثنان ) وكما ورد في صحيح الخبر ( إن الخلافة في قريش والقضاء في الأنصار وفي الحبشة الأذان ) ويدل على هذا تعاضد الخبر والعيان فلا ناكر أن ليس في المعمور على هذا الشرط غيره أيده الله من ثان فنهض بدليل الشرع أنه إمام الجماعة حقا المستوفي شروطها والوارث للخلافة النبوية والحريص على بيضة الإسلام أن يحوطها وأن القائم بهذا الأمر على الإطلاق غيره دعي ومحاوله دون إذنه المشروع بدعي فتعين لذلك أن الرجوع إلى الحق فريضة واستبان بما تقرر وعلم أن إمارة لا تلاقي في الشروع محلها المشروع منبوذة مرفوضة وعروتها لذلك مفصومة ومنقوضة فانتدب لهذه الآثار صحيح الأخبار وصرف إلى رضى الله العناية ووقف من الشرائع المشروعة حيث مركز الراية ومنتهى الغية الرئيس أبو العلاء إدريس أكرمه الله انتداب من وقفت به مطية التوفيق على حضرة الإخلاص والتصديق وأخذت بزمامه السعادة إلى حيث الفوز برضا الله ورضا رسوله حقيق والتأييد صاحب ورفيق وروض الآمال أنيق وراح الراحة والاطمئنان عتيق إلى تقلد إمام بيعة الجماعة أمير المؤمنين المنصور بالله زاده الله تقديسا وتشريفا التي تؤسس إن شاء الله على تقوى من الله ورضوان وتشهد عقدها الكريم ملائكة الرحمن وآثر أسعده الله أن يؤدي فرضها المعدود من فروض الأعيان وحكمها الذي توجه به خطاب الشرع العام إلى القاصي والدان وينشر سنتها المشروعة في صقعه وما يليه من الأصقاع والبقاع بالسودان تقلدا يستضيء إن شاء الله بأنواره ويستشرف به للعز المكين على مناره ويخمد به للجهل جذوة ناره وتنتظم به في اتباع الحق زمر أنصاره ويجتلي به صورة إنسانه ويستوجب من الله عوارف صنعه وإحسانه ويرهف به للعدو على العزمات حد سيفه وسنانه ويقرع به لرضا الله باب القبول ويتضاعف له ببركته العمل المقبول ويستنشق بمشهد عقده الكريم نواسم النبوة ويعود له به الزمان للشباب والفتوة ويرفع به منار الإمارة على قواعد الشرع الوثيقة ويعدل به في كل الأحوال عن المجاز إلى الحقيقة وتتسنى له به وهي المقصد الأسنى والخاتمة الحسنى الأسوة الحسنة بإمامي بني العباس السفاح والمنصور ويحيى سنتهما التي نقلها ثقات الأعلام والصدور في مبايعتهما الإمام الخليفة المهدي الأكبر سليل سيد المرسلين وجد مولانا أمير المؤمنين الذي رأى إمام دار الهجرة أنه بتراث الخلافة النبوية أولى وأحق وفي منصب الإمامة على شرطها أعرق وبسريرها ومنبرها أليق فتأكد للمنتدب أكرمه الله بهذه الآثار الشريفة والمناقب المنيفة العزم والقصد وأنجز له فيما أراده صادق الوعد وساعد نيته الصالحة فيه السعد فبايعه أعلى الله يده على الأمن والأمانة والعفاف والديانة والعدل الذي يشيد للمجد أركانه مبايعة شايعه على عقدها الكريم أكرمه الله أتباعه وجموعه وأشياعه بحكم الوفاق والاتفاق والمواثيق الشديدة الوثاق وبجميع الأيمان الصادقة الأيمان أعطوا بها صفقة أيديهم ورفع بها العقيرة مناديهم عارفين أن يد الله فيها فوق أيديهم وأمضوها على السمع والطاعة والانتظام في سلك الجماعة إمضاء يدينون به في السر والجهر واليسر والعسر والرخاء والشدة والأزمان المشتدة والتزموا شروطها طوعا واستوعبوها جنسا ونوعا بنيات منهم خالصة صادقة وعدة من الله لهم بالخير سابقة وسعادة بالحسنى لاحقة أبرموا عقدها وأحكموا وعدها وعهدها على حكم الكتاب والسنة والجماعة والأخذ بسنتها أعقابا من أعقاب وأحقابا أثر أحقاب إلى يوم القيامة واقتراب الساعة لا يلحق عقدها الكريم فسخ ولا يعقبه بحول الله نسخ ولا يتطرق إليه نقض ولا نكث ولا يشوبه بشوائب الشبهات بحث وأجمع على هذا أسعده الله بالمواثيق المستفيضة والأيمان اللازمة المغلظة هو وأتباعه إجماعا شرعيا وحتموه على أنفسهم حتما مقضيا واعتقده اعتقادا أبديا وعرضوا على التزامه بمشهد عقده المبارك أفرادا وأزواجا وحدانا وأفواجا وأشهدوا على الوفاء به بأيمانهم الصادقة البرور ومواثيقهم المثلجة للصدور قائلين بالله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس العليم بالخفيات والخبير بالآجال والوفيات وبجميع الرسل الكرام والأنبياء وملائكة الرحمن في الأرض والسماء وعلى أنهم إن حادوا عن هذا السبيل وانقادوا لدعاء داعي التغيير والتبديل أو انحرفوا عن هذا المنهاج وسنته فهم براء من حول الله وقوته ومن دينه وعصمته ومستوجبون لعذابه وغضبه وسخطه ونقمته وبعداء من رحمته ومن شفاعة نبيه الكريم يوم القيامة لأمته وأنهم خالعون لربقة الإسلام وخارجون عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أعلنوا بهذا إعلانا تعضده النجوى وأدوه بشروطه الجارية على مذاهب الفتوى وأحكامه اللازمة لكلمة التقوى استرضاء لله وللخلافة النبوية والإمامة العلوية ورياضة للنفوس على بيعتها المباركة الميمونة النقيبة واستيفاء لشروطها وأقسامها الواجبة والمستحبة والمندوبة مستسلمين إلى الله بالقلوب الخاشعة ومتضرعين إلى بابه الكريم بالأدعية النافعة في أن يعرفهم خير هذا العقد الكريم والعهد الصميم بدأ وختاما وأن يمنحهم بركته التي تصحبهم حالا ودواما لا رب غيره ولا خير إلا خيره أشهد على نفسه بما فيه وعلى رعيته الرئيس أبو العلاء إدريس أسعده الله وأكرمه وبتاريخ المحرم الحرام من عام تسعين وتسعمائة من الهجرة النبوية انتهى ولما كتبت هذه البيعة دفعت للرسول وأكرم وكافأه أمير المؤمنين على هدية سلطانه وتوجه إلى بلاده بجواب مرسله ولم يلبث أن رجعه سلطانه ثالثة ووجه معه هدية ورسالة وخاض القفر إلى دار الخلافة فوصل إلى بلاد تيكورارين وهناك اعترضته منيته فاعتل وهلك فأشخص أولو الأمر الذين بتيكورارين الهدية مع رفقائه القادمين معه من عند سلطانه فوصلوا بها إلى حضرة أمير المؤمنين بمراكش وقدموا إليه رسالتهم وهديتهم فتقبلها بقبول حسن وتم السرور وعظم الحبور واستقامت للمنصور الأمور
بعث المنصور ورسوله بالدعوة إلى آل سكية وكيفية ذلك
لما أدى الوفد الواردون على المنصور من السلطان أبي العلاء صاحب مملكة برنو ما قدموا لأجله ردهم المنصور إلى صاحبهم مكرمين وانتخب رسولا عارفا مجربا ممن لهم بصيرة بأحوال السودان فبعثه معهم عينا يأتيه بأخبار البلاد حتى كأنه يشاهدها وبعث معه رسالة إلى السلطان إسحاق بن داود من آل سكية صاحب مملكة كاغو من أرض السودان يأمره فيها أن يرتب على معدن الملح الذي بتغازي بين المغرب والسودان ومنه يحمل الملح إلى أقطار السودان وظيفا بأن يجعل كل من يحمل منه شيئا من الواردين عليه مثقالا من الذهب العين لكل حمل تستعين بذلك الخراج عساكر المسلمين على جهاد الكفار لأن ذلك بحر لا ساحل له وكان المنصور لم يكاتبه في ذلك حتى أستفتى علماء إيالته وأشياخ الفتيا بها فأفتوه بما هو المنصوص للعلماء رضوان الله عليهم من أن النظر في المعادن مطلقا إنما هو للإمام لا لغيره وأنه ليس لأحد أن يتصرف في ذلك إلا عن إذن السلطان أو نائبه وبعث إليه المنصور بتلك الفتاوى مع الرسالة الموجه بها مع الرسول وكانت من إنشاء العلامة الأديب مفتي الحضرة المراكشية المولى أبي مالك عبد الواحد بن أحمد الشريف السجلماسي لأن كاتب الإنشاء أبا فارس عبد العزيز بن محمد الفشتالي كان مريضا يومئذ ولما فرغ الشريف المذكور من إنشائها بقي عليه الصدر فلم يدر كيف يقول في مخاطبة إسحاق سكية ولا كيف يمدحه وهل يتوغل في المدح أو يتوسط فكتب أبو مالك حين تحير في ذلك إلى المنصور بما نصه أيدكم الله ونصر أعلامكم إن مخاطبة هذا الرجل الذي هو في مرتبة مماليك الحضرة المولوية أمر تلعثم فيه لساني ووقف عن خوض لجته بناني لأن النأي عن هذه المحجة قد مد بيني وبينها حجابا وأغلق في وجهي بابا فلا آمن من أن أقتحم الوقوع في تفريط أو إفراط وخير الأمور لو علمته الأوساط لكن لا سبيل إلى معرفته إلا بعد علم الطرفين والعبد محجوب عن ذلك دون مين فتركت أيدكم الله الصدر لمن هو به مني أقعد وتحاميت عقده لمن هو له أعقد أبي فارس عبد العزيز الذي فاضت عليه أنواركم وأضاءت له سبل هذا المخبر أقماركم وإلا قرعت هواتف لسان الحال سمعي بقول القائل ( يا باري القوس بريا ليس يحسنه % لا تظلم القوس أعط القوس باريها ) ولما بلغت رسالة المنصور إلى السلطان إسحاق سكية واطلع عليها شق عليه ذلك وماطل في الجواب وحيث أبطأ الرسول فطن المنصور لما انطوى عليه سكية من عدم إجابته لما طلب من الوظيف على الملاحة فاشتد غضبه وعزم على توجيه العساكر إلى السودان فهذا هو الحامل له على قصد تلك البلاد وتدويخها ولما فتح تيكورارين وتوات قوي عزمه على ذلك وطمحت نفسه للاستيلاء على ما هنالك على ما نذكره إن شاء الله
مفاوضات المنصور الملأ من أصحابه في غزو آل سكية وما دار بينهم في ذلك
قال الفشتالي رحمه الله لما رجعت أرسال المنصور إليه من عند إسحاق سكية وأعلموه بمقالته وامتناعه واحتجاجه بأنه أمير ناحية والمنصور أمير ناحية وأنه لا تجب طاعته عليه شاور المنصور أصحابه وجمع أعيان دولته والتقى أهل الرأي والمشورة فاجتمعوا وكان يوم اجتماعهم يوما مشهودا فقال لهم المنصور إني عزمت على منازلة أمير السودان صاحب كاغو وبعث الجيوش إليهم لتجتمع كلمة المسلمين وتتحد الرعية ولأن بلاد السودان وافرة الخراج كثيرة المال يتقوى بها جيش الإسلام ويشتد ساعد كتيبته مع أن صاحب أمرهم والمتولي لسلطنتهم اليوم معزول عن الإمارة شرعا إذ ليس بقرشي ولا اجتمعت شروط السلطنة فيه العظمى فلم نثل المنصور ما في كنانته وأبدى ما في خبيئته وعرض ما في عيبته سكت الحاضرون ولم يراجعوا بشيء فقال لهم أسكتم استصوابا لرأيي أو ظهر لكم خلاف ما ظهر لي فأجاب كلهم بلسان واحد ورأي متفق إن ذلك رأي عن الصواب منحرف وأنه بمهامه عن الآراء السديدة ولا يخطر ببال السوقة فكيف بالملوك وذلك لأن بيننا وبين السودان مهامه فيحا تقصر فيها الخطا وتحار فيها لقطا وليس فيها ماء ولا كلأ فلا يتأتى السفر فيها ولا اعتساف شيء من طريقها مع كونها مخوفة مملوءة الجوانب ذعرا وأيضا فإن دولة المرابطين على ضخامتها ودولة الموحدين على عظمها ودولة المرينيين على قوتها لم تطمح همة واحد منهم لشيء من ذلك ولا تعرضوا لما هنالك وما ذاك إلا لما رأوا من صعوبة مسالكها وتعذر مداركها وحسبنا أن نقتفي أثر تلك الدول فإن المتأخر لا يكون أعقل من الأول فلما قضى أولئك الأقوام كلامهم وأبدوا له رأيهم وملامهم قال لهم المنصور إن كان هذا غاية ما استضعفتم به أمري وفيلتم به رأيي فليس فيه حجة ولا ما يخدش فيما عندي أما قولكم بيننا وبينها صحار مخوفة ومفاوز مهلكة لجدوبتها وعطشها فنحن نرى التجار على ضعفهم وقلة استعدادهم يشقون تلك الطرق في كل وقت ويخوضون في أحشائها مشاة وركبانا وجماعة ووحدانا ولم تنقطع قط ركاب التجار عنها وأنا أقوى أهبة منهم وللجيش همة ليست للقوافل وأما قولكم إن من كان قبلنا من الدول الطنانة لم تطمح أبصارهم لذلك فاعلموا أن المرابطين صرفوا عنايتهم لغزو الأندلس ومقابلة الإفرنج ومن بذلك الساحل من الأروام والموحدون اقتفوا سبيلهم في ذلك وزادوا بحرب ابن غانية والمرينيون كانت غالب وقائعهم مع بني عبد الواد بتلمسان ونحن اليوم قد انسد عنا باب الأندلس باستيلاء العدو الكافر عليها جملة وانقطعت عنا حروب تلمسان باستيلاء الترك عليها ثم إن أهل تلك الدول لو أرادوا ما أردنا لصعب عليهم لأن جيوشهم كانت فرسانا رامحة ورماة ناشبة ولم يكن عندهم هذا البارود وعساكر النار المرهبة الصواعق وأهل السودان ليس عندهم الآن إلا الرماح والسيوف وهي لا تقاوم هذه المدافع المستحدثة فمقاتلتهم سهلة وحربهم أيسر من كل شيء وأيضا فإن بلاد السودان أنفع من إفريقية فالاشتغال بها أولى من منازلة الترك لأنه تعب كثير في نفع قليل فهذا جواب ما عرض لكم ولا يحملنكم ترك الملوك الأول ذلك على استبعاد القريب واستصعاب السهل فإنه كم ترك الأول للآخر وقد يفتح على المتأخر بما لم يفتح به على المتقدم فلما فرغ المنصور من خطابه وأبدى ما في وطابه استحسن الحاضرون جوابه واستملحوا إشارته واستجادوا رأيه وقالوا له قد طبقت المفضل وألهمت الصواب ولم تبق لأحد ما يقول وصدق من قال عقول الملوك ملوك العقول فانفصل الجمع على البعث إلى السودان ومناهضة أهله ومتابعة المنصور في رأيه عليه قلت وفي كلام المنصور أمران يحتاجان إلى مزيد بيان الأول ما قاله من أن الملثمين لم تكن لهم سلطنة على السودان يعني بهم الذين أقاموا بأرض المغرب ودبروا أمره مثل يوسف بن تاشفين وبنيه فلا يرد عليه أن الأمير أبا بكر بن عمر غزا السودان وفتح منه مسيرة ثلاثة أشهر لأن ذلك كان بعد رجوعه إلى الصحراء واستقراره بها وإعراضه عن ملك المغرب بالكلية كما مر الثاني ما قاله من أن البارود لم يكن في تلك الدول الفارطة يعني به لم يكن موجودا فيها بكثرة بحيث يستغني به الجيش عن غيره ساعة القتال فلا يرد عليه أن ظهوره كان في أوائل المائة السابعة لأول دولة بني مرين كما مر إذ ظهوره في تلك المدة كلا ظهور والله تعالى أعلم بحقائق الأمور
استجازة المنصور لعلماء مصر رضي الله عنهم وتلمذه لهم
قالوا ومن اعتناء المنصور رحمه الله أنه بعث إلى علماء مصر يستجيزهم رغبة في اتصال حبل السند واقتفاء لاحب ذلك الطريق الأسد وممن أجازه الإمام العارف بالله أبو عبد الله محمد ابن الشيخ أبي الحسن البكري رضي الله عنه ومن بعض فصول إجازته له قوله يمدح كتاب المنصور إليه ويثني عليه بالفصاحة والبلاغة ما نصه ولقد وصل إلى المثل العديم المثال المزري نظامه بعقود اللآل فإذا به السحر إلا أنه الحلال ولو ادعى أحد أن من معجزات أحمد صلى الله عليه وسلم أن يمد الله كراما كاتبين في زمان نجله أمير المؤمنين أحمد بكتاب كريم على أسلوب قويم يرسله إلى محب قديم من النبعة والصميم لم تكذب دعواه فما من خارق في الأمة إلا وهو من معجزاته صلى الله عليه وسلم دال على علاه وأما ما شرفني به من طلب الإجازة فالبيت والحديث له ولكن رب أب أرسل إلى ابنه على يد عبده عطاء فقبله وإليه بأمره حمله وحيث وقع الأمر فأمر مولانا حتم وطاعته غنم فمولانا مجاز من هذا العهد من جميع ما يجوز لهذا العبد بجميع ما يجوز له وعند روايته بشرطه المعتبر عند أهل الأمر وكذلك مجاز أهل العصر إجازة عام بعام ليكون أبناء الوقت جميعا على مائدة فضل مولانا وتحت ظلال ذلك الإنعام فإنه هو السبب في تحصيل ذلك المرام وكتب تحريرا في رابع عشرين ربيع الثاني سنة اثنتين وتسعين وتسعمائة محمد بن أبي الحسن الصديقي سبط آل الحسن اه وممن استجازه المنصور أيضا من علماء مصر الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن يحيى المصري الشهير ببدر الدين القرافي صاحب ذيل الديباج فأجازه إجازة عامة بسط فيها القول ثم ختمها بقوله ( أجزت لمن تفضل واستجازا % وبادر لاقتنا خير وحازا ) ( وأبرز في سلوك العلم حالا % به من فضل مولانا يجازى ) ( إمام كامل غوث البرايا % أمير المؤمنين حوى مجازا ) ( وذلك بعد تشريفي بأمر % وقصد للإجازة فاستجازا ) ( فبادرت امتثالا قدر وسعي % ومقتفيا مناهج من أجازا ) ( وقد أبديت حقا لا محالا % بما صار الإمام به مجازا ) ( بفاتحة وسنة خير هدى % وسلسلة لمن حاز امتيازا ) ( بدار الهجرة العليا إمام % بما أبداه من فضل مجازا ) ( وأرجو منه يهدي لي دعاء % لما أرجوه من خير مجازا ) ( بخاتمة تبلغني مراما % بجنات أراها لي مفازا ) ( وأشياخي يبلغهم رضاء % ويواصلهم إلى خير يجازا )
تجديد المنصور ولاية العهد لابنه المأمون وما وقع في ذلك
قالوا وفي شوال سنة اثنتين وتسعين وتسعمائة جدد المنصور البيعة لولده محمد الشيخ الملقب بالمأمون وأخذها له على إخوته خصوصا لأنهم كانوا في البيعة الأولى قبل البلوغ فأراد أن يستوثق له منهم بعد البلوغ حسما لمادة النزاع بينهم فارتحل المنصور من مراكش إلى تامسنا وبعث الباشا عزوز بن سعيد الوزكيتي ليأتيه بولي عهده المذكور من فاس فتوافى القصدان بتامسنا وباشر المنصور أخذ البيعة له بنفسه وحضر الأعيان وأهل الحل والعقد وأحضر المصحف الكريم الذي هو مصحف عقبة بن نافع الفهري رضي الله عنه وهو من ذخائر الخلفاء وأحضر الصحيحان للشيخين وقرئ ظهير البيعة فتولى قراءته الكاتب أبو فارس عبد العزيز الفشتالي وبجنبه القاضي أبو القاسم الشاطبي يفسر ما أشكل من لفظ الظهير ولما أخذ البيعة أخر أولاده إلى غد يومها فكتبوا خطوطهم عقبها بالموافقة على ذلك والالتزام له ووقع في رسالة السلطان زيدان لأبي زكرياء ابن عبد المنعم الإمام بذكر هذه البيعة فقال إني حضرت بيعة محمد الشيخ صاحب المغرب سامحه الله وحضر أولاد السلطان فاستحلفهم له إلا أنا فإنه رضي الله عنه قال فلان لا يحلف لا يحتاج إليه فيما نأمره به ونفعله وعظم ذلك على إخوتي وظهرت في وجوههم لأجله الكراهية اه ولما فرغ المنصور من تجديد البيعة رأى أن يرشح كلا من أولاده للإمارة ويقسم بينهم البلاد حتى لا تبقى في نفوسهم إحن ولا تنطوي قلوبهم على ضغائن فعقد لأبي فارس شقيق المأمون على السوس وسائر عمائره وعقد لأبي الحسن على مكناسة وما والاها وعقد لزيدان على تادلا ثم عكس ذلك لأمر اقتضاه الحال فنقل زيدان إلى مكناسة ونقل أبا الحسن إلى تادلا ولم يزالوا على ذلك إلى أن كان من أمرهم ما نذكره في محله إن شاء الله
ثورة الحاج قرقوش ببلاد غمارة ومقتله
قالوا وفي سنة ثلاث وتسعين وتسعمائة ثار رجل يقال له الحاج قرقوش بجبال غمارة وبلاد الهبط وتسمى بأمير المؤمنين وكان في ابتداء أمره حائكا فتلبس بالزهد والصلاح واعتقدته العامة ثم استحال أمره إلى ما ذكرنا فأخذ وقتل وحمل رأسه إلى مراكش وانقطعت مادة فساده فلم تبكه أرض ولا سماء
بناء المسجد الجامع بباب دكالة من حضرة مراكش حرسها الله
كانت الحرة مسعودة أم المنصور وهي بنت الشيخ الأجل أبي العباس أحمد بن عبد الله الوزكيتي الورززاتي من الصالحات حريصة على اقتناء المفاخر راغبة في فعل الخير قال في المنتقى وهي التي أنشأت المسجد الجامع بحومة باب دكالة داخل مدينة مراكش ووقفت عليه أوقافا عظيمة وكان ذلك سنة خمس وتسعين وتسعمائة قال وهي التي بنت جسر وادي أم الربيع وغير ذلك اه قلت المرقوم على رخامة قبرها أنها بنت جسرين بلفظ التثنية وتزعم العامة أنها بنت المسجد المذكور كفارة لما انتهكته من حرمة رمضان وذلك أنها دخلت بستانا من بساتين قصورها وهي في حال الوحم فرأت به خوخا ورمانا فتناولتهما وأكلت منهما في نهار رمضان ثم ندمت على ما صدر منها وفعلت أفعالا كثيرة من باب البر رجاء أن يتجاوز الله عنها ومنها الجامع المذكور ولا زال النساء والصبيان يسجعون بقضيتها إلى الآن فيقولون عودة أكلت رمضان بالخوخ والرمان في أسجاع غير هذه ولفظ عودة مخفف من مسعودة على طريقة البربر في مثل هذا والله تعالى أعلم
بعث المنصور ببيلة الرخام إلى جامع القرويين من فاس حرسها الله
قال ابن القاضي في المنتقى المقصور إن المنصور رحمه الله بعث الخصة العظيمة سنة ست وتسعين وتسعمائة إلى جامع القرويين من فاس مع كرسي من المرمر توضع عليه وزنهما معا مائة قنطار قال وهي الخصة التي تحت منار الجامع المذكور وقال ابن القاضي المذكور فيها نقش برقبتها ( إمام دار الهدى المنصور شيدني % بحر المكارم من أبناء عدنان ) ( حزت المفاخر بالمنصور أجمعها % ومن علاه سنام المجد أرساني ) ( من جاء يشكو الظما يوما وقبلني % أغناه ما قد همى من صوب أجفاني ) ( لا تنكرن وجود الدمع من فرح % فالعين تدمع من أفراط سلوان ) ( واشرب هنيئا من السلسال لا حرج % معين دمع جرى من فيض خلجاني ) ( فخر السلاطين من أبناء فاطمة % أشاع صيتي إلى أطراف عمان ) ( وقد جرت مقلتي تحكي سحائبها % كف الخليفة من أبناء زيدان ) ( لا زال للدين والدنيا يسوسهما % ما هيجت عاشقا ورق بأفنان ) ( إنشائي في زمن التاريخ وافقه % للدين والأجر بحر الجود سواني )
وفي هذه السنة أعني سنة ست وتسعين وتسعمائة في ذي الحجة منها سافر المنصور إلى فاس وبينما هو في الطريق وافته البشرى بالفتك بنصارى سبتة وأن زعيم الفئة الجهادية وهو المقدم أبو العباس أحمد النقسيس التطواني كمن لهم مع جماعة من الفرسان في موضع فخرج النصارى بأولادهم وحشمهم فحال النقسيس بينهم وبين سبتة وأوقع بهم وكاد يفتحها وسر المنصور بهذا الخبر وأنشده في ذلك الكاتب أبو عبد الله محمد بن علي الفشتالي بيتين زجر له منهما الفال باستيلائه عليها وهما ( هذه سبتة تزف عروسا % نحو ناديك في شباب قشيب ) ( وهي بشرى وأنت كفؤ اللواتي % كافأت بعلها بفتح قريب ) وفي سنة سبع وتسعين وتسعمائة في اليوم الثاني من ذي القعدة منها أخلى النصارى مدينة آصيلا حملهم الخوف من كتيبة المسلمين المرابطة هنالك على الفرار بأنفسهم فتركوها يبابا وذهبوا وفي ذلك يقول أبو العباس ابن القاضي ( يا أيها المنصور أبشر بالعلا % فالله أبلغ في العدا المأمولا ) ( أنضاكم سيفا لحتف عداته % وبكم غدا سيف الردى مفلولا ) ( وهزمتم الشرك المتين بعزمكم % من غير سيف لم يرى مسلولا ) ( وأذيتم كيد الخبيث بهمة % وفتحتم دار العدا آصيلا ) ( أكرم به من مالك بل صالح % أضحى لبارود العداة خليلا ) ( لا زال في أنف الهدى شمما وفي % عين العلاء يشاكل التكحيلا ) وأشار بقوله لبارود العداة خليلا إلى ما صنعه النصارى دمرهم الله حين أرادوا الخروج من آصيلا فإنهم حفروا تحت قصبتها وملؤوا الحفرة بالبارود وأوقدوا فتيلا تبلغه ناره عند دخول المسلمين فيهلكون ففر نصراني منهم وأخبر المسلمين بذلك فنجاهم الله تعالى من مكيدة الوبال وكفى الله المؤمنين القتال وقال في ذلك أيضا الكاتب البارع أبو فارس عبد العزيز الفشتالي شعرا ذكره صاحب نشر المثاني فانظره وكان في زمن المنصور رجال من بيوتات المغرب معروفون بالشجاعة والنجدة في قتال العدو ومنهم أولاد النقسيس التطوانيون ومنهم أولاد أبي الليف من أهل بلاد الهبط قال في المرآة لما كان المقدم المجاهد الشهيد أبو عبد الله محمد بن الحسن أبو الليف من الشهامة والصرامة على ما كان عليه ومن شدة نكايته في العدو الكافر الطنجي وبعد أثره فيهم جرت أمور بينه وبين صاحب عمل القصر فسعى به إلى المنصور فأمر برحيله إلى فاس هو وعشيرته مغربين عن وطنهم كأنهم في سجن فأقاموا بفاس مدة لا أدري هل هي سنة أ م أكثر إلا أني كنت أراه عند الشيخ سنة ثمان وتسعين وتسعمائة وأنا إذ ذاك صغير ويعني بالشيخ والده أبا المحاسن رحمه الله قال فضاقت عليهم أنفسهم من الاغتراب فقال يوما المقدم عمر لأخيه كبيره المقدم محمد لو زرنا الشيخ اليوم وتبركنا به لعل الله يفرج عنا فإن الناس كثيرا ما يقصدونه في المهمات فقال له لا أتحرك فقد غلب اليأس فسار المقدم عمر وحده فلما وصل إلى الشيخ قال له قنطتم قال نعم يا سيدي فقال له الشيخ غدا يخلي سبيلكم إن شاء الله فرجع إلى أخيه وأخبره فلما كان من الغد بعث إليهم القاضي أبو محمد عبد الواحد الحميدي فلما أتوه قال لهم أبشروا بالسراح والرجوع إلى الوطن إن شاء الله فإنه قد قرئ الآن بين يدي السلطان بعض الغزوات التي ذكرها ابن النحاس وغناء أبطال المسلمين فيها فقال السلطان أو غيره ترى هل بقي في هذا الزمان من يماثلهم فقالوا قد بقي من يفعل فعلهم وها هم أولاد أبي الليف المغربون هنا يفعلون مثل ذلك فقال السلطان سرحوهم إلى بلادهم ليحموا ثغورهم ويجاهدوا في سبيل الله فرجعوا إلى بلادهم وفعلوا الأفاعيل في عدو الدين إلى أن استشهد المقدم محمد في ربيع الثاني سنة اثنتين وألف اه
غزو السودان وفتح مدينة كاغو ومقتل سلطانها إسحاق سكية رحمه الله
قد تقدم لنا ما كان من مفاوضة المنصور لحاشيته في غزو السودان واستقرار رأيهم على ذلك فبقي المنصور يقدم رجلا ويؤخر أخرى إلى أن كانت سنة سبع وتسعين وتسعمائة فقوي عزمه واشتغل بتجهيز آلة الحرب وما يحتاج إليه الجيش من آلة السفر ومهماته وأمر القواد أن يقوموا حصص القبائل وما يحتاجون إليه من إبل وخيل وبغال وإن من أتى بجمل ضعيف يعاقب واشتغل هو بتقويم آلة الحرب من المدافع والعجلات التي تحملها والبارود والرصاص والكور وتقويم الخشب واللوح والحديد للغلائط والسفن والفلك والمجاذيف والقلوع والبراميل والروايا لحمل الماء وألف النجارون ذلك في البر إلى أن تألف ثم خلعوه وشدوه أحمالا واستمر الحال إلى أن استوفى المنصور أمر الغزو في ثلاث سنين ثم أمر بإخراج المضارب والمباني لوادي تانسيفت فخرجت الأحمال والأثقال من مراكش في اليوم السادس عشر من ذي الحجة سنة ثمان وتسعين وتسعمائة ونزلت العساكر وضربت أبنيتها خيلا ورجلا وجملتها عشرون ألفا ومعهم من المعلمين البحرية والطبجية ألفان فالمجموع اثنان وعشرون ألفا وعقد المنصور على ذلك الجيش لمولاه الباشا جؤذر وشد أزره بجماعة من أعيان الدولة فاختار منهم من يعلم نجدته ويعرف كفايته وتخير من الإبل كل بازل وكوماء ومن الخيل كل عتيق وجرداء ثم نهضوا في زي عظيم وهيئة لم ير مثلها وذلك في محرم فاتح سنة تسع وتسعين وتسعمائة وكتب المنصور إلى قاضي تنبكتو الفقيه العلامة أبي حفص عمر ابن الشيخ محمود ابن عمراء قيت الصنهاجي يأمره بحض الناس على الطاعة ولزوم الجماعة ولما نهضوا من تانسيفت جعلوا طريقهم على ثنية الكلاوي ثم على درعة ودخلوا القفر والفيافي فقطعوها في مائة مرحلة ولم يضع لهم عقال بعير ولا نقص منهم أحد فنزلوا على مدينة تنبكتو ثغر السودان فأراحوا بها أياما ثم صاروا قاصدين دار إسحاق سكية ولما سمع بقدومهم احتشد أمم السودان وقبائلها وقبائل الملثمين المهادنين لهم وخرج من مدينة كاغو يجر الشوك والمدر يقال إنه جمع مائة ألف مقاتل وأربعة آلاف مقاتل وقال الفشتالي ولم يقنع بالجيوش التي جمع حتى أضاف إليها أشياخ السحرة وأهل النفث في العقد وأرباب العزائم والسيمياء ظنا منه أن ذلك يغنيه شيئا وهيهات ويرحم الله أبا تمام إذ قال فيما يقرب من هذا الحال ( السيف أصدق إنباء من الكتب % في حده الحد بين الجد واللعب ) ( بيض الصفائح لا سود الصحائف في % متونهن جلاء الشك والريب ) ( والعلم في شهب الأرماح لامعة % بين الخميسين لا في السبعة الشهب ) ( أين الرواية بل أين النجوم وما % صاغوه من زخرف فيها ومن كذب ) ( تخرصا وأحاديثا ملفقة % ليست بنبع إذا عدت ولا غرب ) ولما تقارب الجمعان عبأ الباشا جؤذر عساكره وتقدم للحرب فدارت بهم عساكر السودان من كل جهة وعقلوا أرجلهم مع الإبل وصبروا مع الضحى إلى العصر وكانت سلاحهم إنما هي الحرشان الصغار والرماح والسيوف ولم تكن عندهم هذه المدافع فلم تغن حرشانهم ورماحهم مع البارود شيئا ولما كان آخر النهار هبت ريح النصر وانهزم السودان فولوا الأدبار وحق عليهم البوار وحكمت في رقابهم سيوف جؤذر وجنده حتى كان السودان ينادون نحن مسلمون نحن إخوانكم في الدين والسيوف عاملة فيهم وجند جؤذر يقتلون ويسلبون في كل وجه وفر إسحاق في شرذمة من قومه ولم يدخل قلعة ملكه وتقدم جؤذر فدخلها واحتوى على ما فيها من الأموال والمتاع وكان ذلك منتصف جمادى الأولى من سنة تسع وتسعين وتسعمائة ويقال إن جؤذرا لم يدخل مدينة كاغو وإنما تحصن بها إسحاق فحاصره جؤذر فيها وكتب إلى المنصور بخبر الفتح وبعث إليه بهدية فيها عشرة آلاف مثقال ذهبا ومائتان من خيار الرقيق وغير ذلك وامتدت العساكر المنصورة في بلاد آل سكية تعيث وتفسد وتسبي وتغنم إلى أن راسل إسحاق الباشا جؤذرا في تقرير الصلح على مال معين يدفعه الآن وضريبة يؤديها كل سنة فأجابه إلى ذلك على مشورة المنصور وإمضائه إياه ثم كتب إلى المنصور بذلك وكانت العساكر قد أصابتها الحمى ووخامة تلك الأرض فاتفق رأي الأمراء على الرجوع والإقامة بتنبكتو إلى أن يأتي جواب المنصور فرجعوا وأخذ جؤذر في إنشاء الغلائط والسفن وتركيبها ولما أكملها دفعها في النيل ولما بلغ المنصور خبر الصلح قام وقعد وقوم عسكرا خفيفا وبعث به مع مملوكه الآخر محمود باشا وهو أخو جؤذر وقلده أمر العساكر كلها وعزل جؤذرا عنها وأمر محمودا أن يبقيه معه وكتب إلى أمراء العسكر يعاتبهم يوبخهم على ما فعلوه مع إسحاق من الصلح ويؤكد عليهم في الرجوع إلى بلاده واتباعه حيثما توجه ولو عبر النيل إلى العدوة الأخرى وخرج محمود باشا فيمن عين له من العسكر في زمان الحر في وقت لا يقدر على الحركة فيه إلا القطا الكدري وقطع القفر في خمسين مرحلة أمر لم يسمع بمثله ونزل بالعساكر على ظاهر تنبكتو على رأس سنة الألف فأراح بها ثلاثا ثم شحن الغلائط والسفن والفلك بالرؤساء والملاحين ووجوه الجند فساروا في النيل وسار السواد الأعظم في البر إلى أن نزلوا على مدينة كاغو قاعدة ملك إسحاق سكية وكان إسحاق لما رجعت عنه العساكر إلى تنبكتو احتشد أمم السودان المجاورين له وتذامروا وأصفقوا معه على الموت فلما بلغه رجوع العساكر إلى كاغو قصدهم في جموعه ولما التقى الجمعان لم يكن إلا مقدار فواق ناقة حتى انهزم السودان من سماع رعد المدافع والمهاريس وارتفاع القنابل في الجو وهدير الطبول وتبعتهم العساكر يقتلون ويأسرون إلى أن غشيهم ظلم الليل ورجعوا بالغنائم والسبي فاستراحوا ثلاثا ثم أمر محمود أخاه جؤذرا أن يقيم بمدينة كاغو عامرا لها ويترك معه عددا من العسكر يكون ردءا لهم وسار هو في اتباع إسحاق إلى أن لحقه ببعض الجهات فأوقع به وقعة شنعاء وفر في فل من قومه فعبر النيل إلى العدوة الأخرى وتبعه محمود فعبر النيل بعساكره في السفن وسار خلفه إلى أن لحقه فأوقع به وقعة ثالثة احتوى فيها على ما معه من المال والحريم ودخل إسحاق القفر فهلك فيه ثم كانت لمحمود وقعة أخرى مع أخيه الذي كان ينازعه في الملك فإنه قام بعد مهلك أخيه وجمع الجموع وزحف إلى محمود باشا فنهض إليه محمود فهزمه وقتله فيمن معه من جنده وأتباعه وتمهدت له البلاد واستولى عليها استيلاء كليا وكتب بخبر الفتح إلى المنصور ولما بلغه هذا الفتح وصورته كان عنده ذلك اليوم عيدا من الأعياد أخرج فيه الصدقات وأعتق الرقاب وأقام مهرجانا عظيما بظاهر الحضرة خرج له عامة الناس للفرجة والنزهة وزينت الأسواق وأخرجت المدافع بالنفط وتسابقت الخيول وأطعم المنصور الناس عدة أيام ونظم الشعراء قصائدهم ورفعوا أمداحهم وأجازهم بما تحدث الناس به دهرا وكتب بخبر الفتح وصورته نسخ وجهت إلى جميع الآفاق وكان مما قيل في ذلك من الشعر ما أنشده الكاتب أبو فارس عبد العزيز الفشتالي فقال ( جيش الصباح على الدجا متدفق % فبياض ذا السواد ذلك يمحق ) ( وكأنه رايات عسكرك التي % طلعت على السودان بيضا تخفق ) ( لاحت وأفقهم ليال كله % كعمود صبح في الدجا يتألق ) ( نشرت لتطوي منه ليلا دامسا % أضحى بسيفك ذي الفقار يمزق ) ( أرسلتهن جوائحا وجوارحا % في كل مخلبها غراب ينعق ) ( وسرت فكان دليلهن إليهم % مشحوذ عزمك والسنان الأزرق ) ( لهي الليالي قد جلى أحلاكها % نور النبوة من جبينك يشرق ) ( صعقت بهن رعود نارك صعقة % رجت لصيحتها العراق وجلق ) ( سحقا لإسحاق الشقي وحزبه % فلقد غدا بالسيف وهو مطوق ) ( رام النجاة وكيف ذاك وخلفه % من جيش جؤذرك الغضنفر فيلق ) ( جيش أواخره ببابك سيله % عرم وأوله بكاغو محدق ) ( لم يشعروا إلا وأسوار الردى % ضربت عليهم من قناك وخندق ) ( كتب الإله على عداتك أنهم % قنص لسهمك غربوا أو شرقوا ) ( ضلت ملوك ساجلوك على العلا % سفها وشأوك في العلا لا يلحق ) ( أن يشبهوك ولا شبيه يرى لكم % في الخلق أين من اللجين الزئبق ) ( بشر ملوك الأرض أنك فاتح % بالمشرفي على الولا ما غلقوا ) ( وبقاصل لك ذي الفقار مفرق % ما جمعوه وجامع ما فرقوا ) ( دامت طيور السعد وهي غوارد % بالمشتهى لك والمسرة تنطق ) ( ما دام أصل علاك في صحف الثنا % أصل الفخار وكل غيرك ملحق ) والمشتهى والمسرة بستانان للمنصور ورى بهما هذا الشاعر وسيأتي الكلام عليهما وكان محمود باشا لما استوسق له الأمر هنالك بعث بنصف جيشه إلى المنصور مع هدية عظيم فيها من الذخائر ما لا يحصى من ذلك ألف ومائتان من متخير الرقيق الجواري والغلمان وأربعون حملا من التبر وأربعة سروج ذهبا خالصا وأحمال كثيرة من اليانبور وقطوط الغالية وغير ذلك ولما وافت المنصور سر بذلك سرورا عظيما وأمر بعمل المفرحات في بلاد المغرب وبتزيين الأسواق غدوة وعشية ثلاثة أيام ووفدت عليه الوفود من كل ناحية مهنئين له بما منحه الله من الظفر والنصر وانتظمت الممالك السودانية في سلك طاعته ما بين البحر المحيط من أقصى المغرب إلى بلاد برنو المتاخمة لبلاد النوبة المتاخمة لصعيد مصر قال الفشتالي فكلمة المنصور نافدة فيما بين بلاد النوبة إلى البحر المحيط من ناحية المغرب وهذا ملك ضخم وسلطان فخم لم يكن لمن قبله والله يؤتي ملكه من يشاء ولما فتح الله عليه ممالك البلاد السودانية حمل إليه من التبر ما يعيى الحاسبين ويحير الناظرين حتى كان المنصور لا يعطي في الرواتب إلا النضار الصافي والدينار الوافي وكان ببابه كل يوم أربع عشرة مائة مطرقة لضرب الدينار الوافي دون ما هو معد لغير ذلك من صوغ الأقراط والحلى وشبه ذلك ولأجل هذا لقب بالذهبي لفيضان الذهب في أيامه والأمور كلها بيد الله
وفاة أم المنصور الحرة مسعودة الوزكيتية رحمها الله
كانت الحرة مسعودة هذه من الخيرات الصالحات وتقدم بعض مآثرها من بناء المسجد الجامع بباب دكالة وغيره وكانت وفاتها سحر يوم الثلاثاء السابع والعشرين من المحرم فاتح سنة ألف ومن المستفيض أنها ريئت بعد موتها فسئلت ما فعل الله بها فقالت غفر لي بسبب أني كنت ذات يوم جالسة لقضاء الحاجة فسمعت المؤذن شرع في الآذان فرددت على ثيابي إعظاما لذكر الله تعالى حتى فرغ المؤذن من آذانه فشكر الله لي ذلك فغفر لي وفي سنة إحدى وألف أتي بالفيلة من بلاد السودان إلى المنصور وكان يوم دخولها لمراكش يوما مشهودا برز لرؤيتها كل من بالمدينة من رجال ونساء وشيوخ وصبيان ثم حملت إلى فاس في رمضان سنة سبع وألف قال في نشر المثاني كان دخول الفيل إلى فاس يوم الاثنين سادس عشر رمضان سنة سبع وألف وبعث المنصور مع الفيل إلى ولده المأمون بهدية سنية فيها تحف وأموال عريضة وخرج أهل فاس في ذلك اليوم للقاء الفيل بنحو مائة ألف نفس قال بعضهم وبسبب دخول هذه الفيلة إلى المغرب ظهرت هذه العشبة الخبيثة المسماة بتابغ لأن أهل السودان الذين قدموا بالفيلة يسوسونها قدموا بها معهم يشربونها ويزعمون أن فيها منافع فشاعت منهم في بلاد درعة ومراكش وغيرهما من بقاع المغرب وتعارضت فيها فتاوى العلماء رضوان الله عليهم فمن قائل بالتحريم ومن قائل بالتحليل ومتوقف والعلم فيها عند الله سبحانه قال اليفرني قلت من تأمل أدنى تأمل في قواعد الشريعة وآدابها علم يقينا أن تناول هذه العشبة حرام لأنها من الخبائث التي حرمها الله تعالى على هذه الأمة المطهرة وبذلك وصفها في الكتب السالفة إذ قال تعالى @QB@ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث @QE@ وبسط هذا المقام إن تعلم أن الله تعالى اختار هذه الأمة من بين سائر الأمم قال تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس @QE@ واختار لها من الطاعات وأنواع العبادات ما هو أفضلها قال تعالى @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ وأفضل تلك العبادات كلها الصلاة التي هي من الدين بمنزلة الرأس من سائر الجسد ثم إذا أمعنت النظر رأيت الشارع صلى الله عليه وسلم قد بالغ في الاحتياط لهذه العبادة الشريفة والاستعداد لها باستعمال كل طيب أمكن واجتناب كل خبيث أمكن فشرع أولا الطهارة الكبرى الشاملة لسائر البدن وحظر من مقاربة الصلاة وما هو في معناها حال الخلو عنها ثم شرع ثانيا الطهارة الصغرى المتعلقة بأطراف البدن زيادة في الاعتناء بها لأنها تبرز في غالب الأحوال فيعلق بها من الأقذار ما لا يعلق بغيرها وألزم المكلف استعمال هذه الطهارة عند عروض كل حدث مستقذر حتى الريح والسبب الداعي إلى خروجه ثم ندبه إلى استعمالها عند القيام إلى كل صلاة من الصلوات الخمس ثم إنا إذا تأملنا أفعال هذه الطهارة وجدناها تشتمل على مبالغات كثيرة تستدعي غاية النظافة وتنفي كل قذر وإن قل فشرع الغسل في أعضاء الوضوء مكررا وشرع مسح شعر الرأس بالماء دفعا لما يعلق به من الغبار وشرع تتبع مسام الوجه بالغسل والتنظيم كالمضمضة والاستنشاق ثلاثا تطييبا للنكهة وشرع مسح الأذنين من ظاهرهما وباطنهما حتى الصماخين إزالة لما بداخلهما من تلك الفضلة مع أن الحي ودمعه وعرقه ولعابه ومخاطه كلها طاهرة أو ليس في هذا دليل واضح على أن الحكمة في هذا كله إنما هو المبالغة في النظافة وتطييب الرائحة والنكهة إذ بذلك يستحق العبد أن يتلبس بالعبادة ويدخل حضرة الرب وشرط للدخول فيها طهارة البدن والثوب والمكان من سائر المستقذرات حتى يكون على أكمل الحالات بعيدا عن القذر بكل وجه ثم لم يكتف الشارع بهذا حتى شرع السواك عند القيام إلى كل صلاة وقال ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ) كل ذلك المقصود منه طيب النكهة فانظر وتأمل اعتناء الشارع بتطييب رائحة فم المؤمن ونكهته حتى في حق الصائم الذي ( خلوف فمه أطيب عند الله من ريح المسك ) هذا كله في حال الصلاة وأما خارجها فقد علم من الشرع علما ضروريا أن العبد مطلوب بالمحافظة على هذه الحال والبقاء عليها سائر أوقاته متى قدر على ذلك وتيسر له ومن هذا المعنى ما حرم الله تعالى على هذه الأمة من تناول المستقذرات كالميتة والدم وسائر النجاسات إذ علة حرمة الأشياء وتناولها إما كونها مستقذرة كالنجاسات إجماعا وكالحشرات وما تعافه النفوس على مذهب الشافعي رضي الله عنه أو مضرة كالسم والطين ونحوهما مما يضر بالبدن أو ببعض الأعضاء منه أو محترمة إما لذاتها كالأدمي أو لكونها ملكا للغير وهو ظاهر فالشارع له غرض أكيد في اجتلاب الطيبات واجتناب ما يضادها من المستخبثات وقد ثبت في الصحيح أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعملون في حوائطهم فإذا حضرت الجمعة أتوا إلى المسجد وأبدانهم سهكة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالاغتسال عند كل جمعة ثم منع كل من تلبس برائحة كريهة كالثوم والبصل والكراث من حضورها وحبب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من دنيانا النساء والطيب وندب أمته إلى استعماله في المشاهد العامة مثل الجمع والأعياد ونحوها وخصال الفطرة إنما شرعت لهذا المعنى ففيها كفاية لمن تأملها قوال صلى الله عليه وسلم ( إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ) دفعا للسرف والخيلاء ولئلا يعلق به شيء من النجاسات والأقذار إلى غير هذا مما لو استقصي لطال ودل دلالة قطعية على أن المطلوب من العبد أن يكون نظيفا طيب الرائحة حسن البزة طاهر البدن والثوب مجانبا لكل خبيث مستقذر وهذه حالة أهل الجنة والعكس بالعكس وأنت لا تجد أخبث ولا أقذر من رائحة أفواه شربة الدخان ولا أنتن ولا أعفن من نكهات المستفين لغبار تابغ وهذا النتن من أقبح العيوب في نظر الشرع حتى أنه جعل الخيار لأحد الزوجين إذا كان صاحبه أبخر فإذا لا نشك أن استعمال هذه العشبة الخبيثة في الفم أو الأنف من أعظم المحظورات لأنها تصدم غرضا كبيرا من أغراض الشارع وتضاده وتنفيه وأقول لو كان نتنها يعلق بعضو من الأعضاء غير الوجه لكان هين لكنه يعلق بالفم والأنف اللذين وضعهما الحكيم العلي في وسط الوجه الذي هو أشرف الأعضاء فأي مضمضة وأي استنشاق وأي سواك يزيل ذلك النتن الذي يرسخ في أنفاس أهلها وأفواههم وخياشيمهم رسوخا لا يماثله شيء ولقد أفصح العامة عن شدة نتن هذه العشبة وصادفوا الصواب حيث قالوا إن فضلة الدخان المسماة بالقير تنجس النجاسة هذا إلى ما يتبع ذلك من المفاسد المتعددة من تغيير عقل متعاطيها حتى أنه إذا انقطعت عنه صار كالمجنون لا يبالي بما يصدر منه ومن دخول الشك في صيامه لأن بقايا ذلك الدخان أو ذلك الغبار قد يمكث في حلقه إلى طلوع الفجر وما بعده لأن جلهم إذا قرب الفجر والوا استعماله حتى يكون هو خاتمة سحورهم وبالجملة فلا يستعمل ذلك إلا من لا خلاق له ولا يكترث بمروءه ولا دين وهو قادح في الشهادة والإمامة والله تعالى الموفق بمنه
نكبة الفقيه أبي العباس أحمد بابا السوداني وعشيرته من آل آقيت والسبب في ذلك
كان بنو آقيت التكروريون من أهل مدينة تنبكتو وممن لهم الوجاهة الكبيرة والرياسة الشهيرة ببلاد السودان دينا ودنيا بحيث تعددت فيهم العلماء والأئمة والقضاة وتوارثوا رياسة العلم مدة طويلة تقرب من مائتي سنة وكانوا من أهل اليسار والسؤدد والدين لا يبالون بالسلطان فمن دونه ولما فتح جيش المنصور بلاد السودان أبقاهم الباشا محمود على حالهم إلى أن كانت سنة اثنتين وألف فكان أهل السودان قد سئموا ملكة المغاربة وآنسوا منهم خلاف ما كانوا يعهدونه من سلطانهم الأول وكانت أذنهم مع ذلك صاغية لآل آقيت فتخوف المنصور منهم وربما وشي إليه بهم فكتب إلى عامله محمود بالقبض عليهم وتغريبهم إلى مراكش فقبض على جماعة كبيرة منهم كان فيها الفقيه العلامة أبو العباس أحمد بن أحمد بن أحمد ثلاثة أحامد ابن عمر بن محمد آقيت المدعو بابا صاحب تكميل الديباج وغيره من التآليف وكان فيها أيضا الفقيه القاضي أبو حفص عمر بن محمود بن عمر ابن محمد آقيت وغيرهما وحملوا مصفدين في الحديد إلى مراكش ومعهم حريمهم وانتهبت ذخائرهم وكتبهم قال في بذل المناصحة سمعت الشيخ أبا العباس أحمد بابا يقول أنا أقل عشيرتي كتبا وقد نهب لي ست عشرة مائة مجلد وكان القبض عليهم في أواخر المحرم سنة اثنتين وألف ووصلوا إلى مراكش في أول رمضان من السنة المذكورة واستقروا مع عيالهم في حكم الثقاف إلى أن انصرم أمد المحنة فسرحوا يوم الأحد الحادي والعشرين من رمضان سنة أربع وألف ففرحت قلوب المؤمنين بذلك ولما دخل الفقيه أبو العباس على المنصور بعد تسريحه من السجن وجده يكلم الناس من وراء حجاب وبينه وبينهم كلة مسدولة على طريقة خلفاء بني العباس ومن يتشبه بهم فقال الشيخ إن الله تعالى يقول @QB@ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب @QE@ وأنت قد تشبهت برب الأرباب فإن كانت لك حاجة في الكلام فانزل إلينا وارفع عنا الحجاب فنزل المنصور ورفعت الأستار فقال له الشيخ أي حاجة لك في نهب متاعي وتضييع كتبي وتصفيدي من تنبكتو إلى هنا حتى سقطت عن ظهر الجمل واندقت ساقي فقال له المنصور أردنا أن تجتمع الكلمة وأنتم في بلادكم من أعيانها فإن أذعنتم أذعن غيركم فقال الشيخ أبو العباس فهلا جمعت الكلمة بترك تلمسان فإنهم أقرب إليك منا فقال المنصور قال النبي صلى الله عليه وسلم اتركوا الترك ما تركوكم فامتثلنا الحديث فقال أبو العباس ذاك زمان وبعده قال ابن عباس لا تتركوا الترك وإن تركوكم فسكت المنصور وانفض المجلس ولما سرح الشيخ أبو العباس تصدر لنشر العلم وأهرع الناس إليه للأخذ عنه ولم يزل بمراكش إلى أن مات المنصور لأنه ما سرحهم حتى شرط عليهم السكنى بمراكش ولما توفي أذن ابنه زيدان لآل آقيت في الرجوع إلى بلادهم بعد أن مات جماعة منهم بمراكش وقد كان الشيخ أبو العباس يتشوق إلى رؤية بلدته ويسكب العبرات عند ذكرها ولم ييأس من روح الله في العود إليها وله في ذلك شعر على طريقة الفقهاء ولما خرج من مراكش قاصدا بلده شيعه أعيان طلبتها فأخذ بعضهم بيده عند الوداع وقرأ قوله تعالى @QB@ إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد @QE@ على ما جرت به العادة من قراءتها عند وداع المسافر فيرجع سالما فانتزع الشيخ أبو العباس يده بسرعة وقال لا ردني الله إلى هذا المعاد ولا رجعني إلى هذه البلاد ثم لحق بتنبكتو فاستقر بها إلى أن مات سنة ست وثلاثين وألف رحمه الله
تتمة
قد تبين لك بما قصصناه عليك من أخبار السودان ما كان عليه أهل تلك البلاد من الأخذ بدين الإسلام من لدن قديم وأنهم من أحسن الأمم إسلاما وأقومهم دينا وأكثرهم للعلم وأهله تحصيلا ومحبة وهذا الأمر شائع في جل ممالكهم الموالية للمغرب كما علمت وبهذا يظهر لك شناعة ما عمت به البلوى ببلاد المغرب من لدن قديم من استرقاق أهل السودان مطلقا وجلب القطائع الكثيرة منهم في كل سنة وبيعهم في أسواق المغرب حاضرة وبادية يسمسرون بها كما تسمسر الدواب بل أفحش قد تمالأ الناس على ذلك وتوالت عليه أجيالهم حتى صار كثير من العامة يفهمون أن موجب الاسترقاق شرعا هو اسوداد اللون وكونه مجلوبا من تلك الناحية وهذا لعمر الله من أفحش المناكر وأعظمها في الدين إذ أهل السودان قوم مسلمون فلهم ما لنا وعليهم ما علينا ولو فرضنا أن فيهم من هو مشرك أو متدين بدين آخر غير الإسلام فالغالب عليهم اليوم وقبل اليوم بكثير إنما هو الإسلام والحكم للغالب ولو فرضنا أن لا غالب وإنما الكفر والإسلام هنالك متساويان فمن لنا بأن المجلوب منهم هو من صنف الكفار لا المسلمين والأصل في نوع الإنسان هو الحرية والخلو عن موجب الاسترقاق ومدعي خلاف الحرية مدع لخلاف الأصل ولا ثقة بخبر الجالبين لهم والبائعين لهم لما تقرر وعلم في الباعة مطلقا من الكذب عند بيع سلعهم وإطرائها بما ليس فيها وفي باعة الرقيق خصوصا مما هو أكثر من ذلك كيف ونحن نرى أن الذين يجلبونهم أو يتجرون فيهم إنما هم من لا خلاق لهم ولا مروءة ولا دين والزمان كما علمت وأهله كما ترى ولا يعتمد أيضا على قول ذلك العبد نفسه أو الأمة نفسها كما نص عليه الفقهاء لاختلاف الأغراض والأحوال في ذلك فإن البائع لهم قد يضربهم حتى لا يقرون إلا بما لا يقدح في صحة بيعهم وقد يكون للعبد أو الأمة غرض في الخروج من ملك من هو بيده بأي وجه كان فيهون عليه أن يقر على نفسه بالرقية كي ينفذ بيعه عاجلا إلى غير ذلك من الأغراض وقد استفاض عن أهل العدل وغيرهم أن أهل السودان اليوم وقبل اليوم يغير بعضهم على بعض ويختطف بعضهم أبناء بعض ويسرقونهم من الأماكن النائية عن مداشرهم وعمرانهم وإن فعلهم ذلك كفعل أعراب المغرب في إغارة بعضهم على بعض واختطاف دوابهم ومواشيهم أو سرقتها والكل مسلمون وإنما الحامل لهم على ذلك قلة الديانة وعدم الوازع فكيف يسوغ للمحتاط لدينه أن يقدم على شراء ما هو من هذا القبيل وكيف يجوز له التسري بإناثهم وفي ذلك ما فيه من الإقدام على فرج مشكوك وقد قال الشيخ أبو حامد الغزالي رضي الله عنه في كتاب الحلال والحرام من إحياء علوم الدين ما نصه اعلم أن كل من قدم إليك طعاما أو هدية أو أردت أن تشتري منه أو تتهب فليس لك أن تفتش عنه وتسأل وتقول هذا مما لا أتحقق حله فلا آخذه بل أفتش عنه وليس لك أيضا أن تترك البحث فتأخذ كل ما لا تتيقن تحريمه بالسؤال واجب مرة وحرام مرة ومندوب مرة ومكروه مرة فلا بد من تفصيله والقول الشافي فيه هو أن مظنة السؤال مواقع الريبة ثم أطال رضي الله عنه في تقرير ذلك وصرح بأن البائع إذا كان متهما على ترويج سلعته لا يعتمد على قوله فإذا كان هذا في الأموال فكيف باسترقاق الرقاب وملك الأبضاع الذين للشارع بهما مزيد اعتناء كما هو معلوم من الشرع وأصوله وقد ذكر الشيخ أبو العباس أحمد بابا في تقييده الموضوع في هذه المسألة المسمى بمعراج الصعود تفصيلا ختم به كلامه وذكر قبائل من كفار السودان مثل موشى وبعض فلان وغيرهم وقال إن كل من كان من هؤلاء القبائل فيجوز استرقاقه وكذلك ذكر ولي الدين ابن خلدون إن وراء النيل قوما من السودان يقال لهم لملم قال وهم كفار ويكتوون في وجوههم وأصداغهم قال وأهل غانة والتكرور يغيرون عليهم ويسبونهم ويبيعونهم للتجار فيجلبونهم إلى المغرب وهم عامة رقيقهم وليس وراءهم في الجنوب عمران يعتبر إلى آخر كلامه لكن هذا التفصيل الذي ذكره الشيخ أبو العباس إنما ينفع أهل تلك البلاد المجاورين لهم والمطلعين على المجلوب منهم ومن غيرهم فأما أهل المغرب الذين هم من وراء وراء وبينهم وبين أرض السودان مهامه فيح وقفار لا يعمرها إلا الريح فمن الذي يحقق لهم ذلك وقد قلنا إنه لا يجوز الاعتماد على قول الجالبين لهم وأيضا فمن لنا بأن أولئك القبائل لا زالوا على كفرهم إلى الآن على أن الناس اليوم لا يلتفتون إلى ذلك أصلا ومهما رأى أحدهم العبد أو الأمة يسمسر في السوق إلا ويقدم على شرائه غافلا عن هذا كله لا يسأل إلا عن عيوب بدنه لا فرق في ذلك بين أسود أو أبيض وغيرهما بل صار الفسقة اليوم وأهل الجراءة على الله يختطفون أولاد الأحرار من قبائل المغرب وقراه وأمصاره ويبيعونهم في الأسواق جهارا من غير نكير ولا امتعاض للدين وصار النصارى واليهود يشترونهم ويسترقونهم بمرأى منا ومسمع وذلك عقوبة من الله لنا لو اعتبرنا فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما دهينا به في ديننا فالحاصل أنه لما كان الأصل في الناس هو الحرية كما قلنا وعلم تواترا أن أهل بلاد السودان الموالية لنا جلهم أو كلهم مسلمون واستفاض عن أهل العدل وغيرهم أنهم يغير بعضهم على بعض ويختطف بعضهم أبناء بعض ويبيعونهم ظلما وعدوانا ورأينا بالمشاهدة أن الجالبين لهم والمتجرين فيهم إنما هم من لا خلاق لهم ولا دين لهم لم يبق لنا توقف في أن الإقدام على شراء هذا الصنف محظور في الشرع والمقدم عليه مخاطر في دينه وأما وضع يد الجالبين لهم عليهم فلا تكفي شرعا في جواز الإقدام على شرائهم منهم لضعف هذه العلامة بما أحتف بها من القرائن المكذبة لها وليستفت المرء قلبه فقد قال صلى الله عليه وسلم استفت قلبك وإن أفتوك فإنه متى رجع إلى قلبه في هذه المعضلة إلا ولا يقدر أن يحوم حول هذا الحمى بحال ثم تنزل عن هذا كله ونقول لو لم يكن في ذلك إلا الشبهة القوية وفساد الزمان ورقة ديانة أهله لكان في هذه الأمور الثلاثة مع ملاحظة سد الذريعة الذي هو أحد أصول الشريعة لا سيما عند الإمام مالك رضي الله عنه ما يقتضي وجوب التخلي عن ملابسة هذه المفسدة المزرية بالعرض والدين فنسأله سبحانه أن يوفق من ولاه أمر العباد لحسم مادة هذه الفساد فإن سبب الاسترقاق الشرعي الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح مفقود اليوم وهو السبي الناشئ عن الجهاد المقصود به إعلاء كلمة الله تعالى وسوق الناس إلى دينه الذي اصطفاه لعباده هذا هو ديننا الذي شرعه لنا نبينا صلى الله عليه وسلم وخلافه خلاف الدين وغيره غير المشروع والتوفيق إنما هو بيد الله @QB@ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين @QE@
بناء قصر البديع بحضرة مراكش مرسها الله
قال في مناهل الصفا كان السبب الحامل للمنصور على بناء البديع وإنفاقه فيه جلائل الأموال ونفائس الذخائر هو أنه أراد أن تكون لأهل البيت به مأثرة وشفوف على دولة البرابر من المرابطين والموحدين ومن بعدهم فإن كلا من أهل تلك الدول أبقى بناء يحيا به ذكره ولم يكن لأهل البيت في ذلك المعنى شيء تزداد به حظوتهم مع أنهم أحق الناس بالمجد والسؤدد الأثيل فتصدى لبنائه بقصد تشريف أهل البيت لأن البناء كما قيل ( همم الملوك إذا أرادوا ذكرها % من بعدهم فبألسن البنيان ) ( إن البناء إذا تعاظم شأنه % أضحى يدل على عظيم الشأن ) قلت هذا اعتذار بارد كما لا يخفى ولما أراد المنصور أن يشرع فيه أحضر أهل العلم ومن يتسم بالصلاح فتحينوا أوان الابتداء ووقت الشروع فيه فكان ابتداء الشروع في تأسيسه في شوال خامس الأشهر من خلافته سنة ست وثمانين وتسعمائة واتصل العمل فيه إلى سنة اثنتين وألف ولم يتخلل ذلك فترة وحشد له الصناع حتى من بلاد الإفرنجية فكان يجتمع كل يوم فيه من أرباب الصنائع ومهرة الحكماء خلق عظيم حتى كان ببابه سوق عظيم يقصده التجار ببضائعهم ونفائس أعلاقهم وجلب له الرخام من بلاد الروم فكان يشتريه منهم بالسكر وزنا بوزن على ما قيل وكان المنصور قد اتخذ معاصر السكر ببلاد حاحة وشوشاوة وغيرهما حسبما ذكره الفشتالي رحمه الله في المناهل وأما جبصه وجيره وباقي أنقاضه فإنها جمعت من كل جهة وحملت من كل ناحية حتى أنه وجدت بطاقة فيها أن فلانا دفع صاعا من جير حمله من تنبكتو وظف عليه في غمار الناس وكان المنصور مع ذلك يحسن إلى الأجراء غاية الإحسان ويجزل صلة العارفين بالبناء ويوسع عليهم في العطاء ويقوم بمؤن أولادهم كي لا تتشوف نفوسهم وتتشعب أفكارهم وهذا البديع دار مربعة الشكل وفي كل جهة منها قبة رائقة الهيئة وأحتف بها مصانع أخر من قباب وقصور ودور فعظم بذلك بناؤه وطالت مسافته ولا شك أن هذا البديع من أحسن المباني وأعجب المصانع يقصر عنه شعب بوان وينسى ذكر غمدان ويبخس الزهراء والزاهره ويزري بقباب الشام وأهرام القاهرة وفيه من الرخام المجزع والمرمر الأبيض والأسود ما يحير الفكر ويدهش النظر وكل رخامة طلي رأسها بالذهب الذائب وموه بالنضار الصافي وفرشت أرضه بالرخام العجيب النحت الصافي البشرة وجعل في أضعاف ذلك الزليج المتنوع التلوين حتى كأنه خمائل الزهر أو برد موشى من عمل صنعاء وتستر وأما سقوفه فتجسم فيها الذهب وطليت الجدرات به مع بديع النقش ورائق الرقم بخالص الجبص فتكاملت فيه المحاسن وأجرى بين قبابه ماء غير آسن وبالجملة فإن هذا البديع كان من المباني المتناهية البهاء والإشراق المباهية لزوراء العراق ومن المصانع التي هي جنة الدنيا وفتنة المحيا ومنتهى الوصف وموقف السرور والقصف ( كل قصر بعد البديع يذم % فيه طاب المجنى وطاب المشم ) ( منظر رائق وماء نمير % وثرى عاطر وقصم أشم ) ( إن مراكشا به قد تباهت % مفخرا فهي للعلا الدهر تسمو ) وبه من الأشعار المرقومة في الأستار والأبيات المنقوشة في الجهات على الخشب والزليج والجبص ما يسر الناظر ويروق المتأمل ويبهر العقول وعلى كل قبة ما يناسبها وفي بعض القباب مفاخرة على لسانها لمقابلتها وتتبع ذلك يطول لكن لا بأس أن نلم هنا بثمالة من ذلك الحوض ونخوض في بحار تلك البدائع بعض الخوض إذ في ذلك عبرة لمن اعتبر وترويح للقلوب بكيفية فعل الدهر بمن غبر فمن ذلك ما نقش خارج القبة الخمسينية لأن فيها خمسين ذراعا بالعمل من إنشاء الكاتب البليغ أبي فارس عبد العزيز الفشتالي على لسان القبة المذكورة ( سموت فخر البدر دوني وانحطا % وأصبح قرص الشمس في أذني قرطا ) ( وصغت من الإكليل تاجا لمفرقي % ونيطت بي الجوزاء في عنقي سمطا ) ( ولاحت بأطواقي الثريا كأنها % نثير جمان قد تتبعته لقطا ) ( وعديت عن زهر النجوم لأنني % جعلت على كيوان رحلي منحطا ) ( وأجريت من فيض السماحة والندى % خليجا على نهر المجرة قد غطا ) ( عقدت عليه الجسر للفخر فارتمت % إليه وفود البحر تغرف ما أنطا ) ( ينضنض ما بين الغروس كأنه % وقد رقرقت حصباؤه حية رقطا ) ( حواليه من دوح الرياض خرائد % وغيد تجر من خمائلها مرطا ) ( إذا أرسلت لدن الفروع وفتحت % جنى الزهر لاح في ذوائبها وخطا ) ( يرنحها مر النسيم إذا سرى % كما مال نشوان تشرب اسفنطا ) ( يشق رياضا جادها الجود والندى % سواء لديها الغيث أسكب أم أبطا ) ( وسالت بسلسال اللجين حياضه % بحارا غدا عرض البسيط لها شطا )
( تطلع منها وسط وسطاه دمية % هي الشمس لا تخشى كسوفا ولا غمطا ) ( حكت وحباب الماء في جنباتها % سنا البدر حل من نجوم السما وسطا ) ( إذا غازلتها الشمس ألقى شعاعها % على جسمها الفضي نهرا بها لطا ) ( توسمت فيها من صفاء أديمها % نقوشا كأن المسك ينقطها نقطا ) ( إذا اتسقت بيض القباب قلادة % فأنى لها في الحسن درتها الوسطا ) ( تكنفني بيض الدمى فكأنها % عذارى نضت عنها القلائد والريطا ) ( قدود ولكن زادها الحسن عريها % وأجمل في تنعيمها النحت والخرطا ) ( سمت صعدا تيجانها فكسرت % فوارير أفلاك السماء بها ضغطا ) ( فيالك شأوا بالسعادة آهلا % بأكنافه رحل العلا والهدى حطا ) ( وكعة مجد شادها العز فانبرت % تطوف بمعناها أماني الورى شوطا ) ( ومسرح غزلان الصريم كناسها % حنايا قباب لا الكتب ولا السقطا ) ( فلكن به ما طاب لا الإثل والخمطا % ووسدن فيه الوشي لا السدر والأرطا ) ( ثراه من المسك الفتيت مدبر % إذا مازجته السحب عاد بها خلطا ) ( وإن باكرته نسمة ينسري بها % إلى كل أنف عرف عنبره قسطا ) ( أقرت له الزهراء والخلد وانثنت % أواوين كسرى الفرس تغبطه غبطا ) ( جناب رواق المجد فيه مطنب % على خير من يعزى لخير الورى سبطا ) ( إمام يسير الدهر تحت لوائه % وترسي سفائن العلا حيثما حطا ) ( وفتاح أقطار البلاد بفيلق % يفلق هامات العدا بالظبي خبطا ) ( تطلع من خرصاته الشهب فانثنت % ذوائب أرض الزنج من ضوءها شمطا ) ( كتائب نصران جرت لملمة % جرت قبلها الأقدار تسبقها فرطا ) ( إذا ما عقدن راية علوية % جعلن ضمان الفتح في عقدها شرطا ) ( فما للسما تلك الأهلة إنما % سنابكها أبقت مثالا بها خطا ) ( يطاوع أيدي المعلوات عنانها % فيعتاض من قبض الزمان بها بسطا ) ( يد لأمير المؤمنين بكفها % زمام يقود الروم والفرس والقبطا ) ( أدار جدارا للعلا وسرادقا % يحوط جهات الأرض من رعيه حوطا ) وقال أيضا مما كتب بداخل القبة المذكورة ( جمال بدائعي سحر العيونا % ورونق منظري بهر الجفونا ) ( وقد حسنت بقوسي واستطارت % سنا يغشى عيون الناظرينا ) ( وأطلع سمكي الأعلى نجوما % ثواقب لا تغور الدهر حينا ) ( وجوى من دخان الند ألقى % على أرضي الغياهب والدجونا ) ( علوت دوائر الأفلاك سبعا % لذاك الدهر ما ألفت سكونا ) ( فصغت من الأهلة والحنايا % أساور والخلاخل والبرينا ) ( تكنفني حياض مائحات % أمامي والشمائل واليمينا ) ( يقيد حسنها الطرف انفساحا % ويجري الفلك فيها والسفينا ) ( تدافع نهرها نحوي فلما % علاه البحر في غدا دفينا ) ( وقد نشر الحباب على سماها % لآلي تزدري العقد الثمينا ) ( فخرت وحق لي لما اجتباني % لمجلسه أمير المؤمنينا ) ( هو المنصور حائز فصل سبق % وباني المجد بنيانا مكينا ) ( وليث وغى إذا زأر امتعاضا % يروع زئيره هندا وصينا ) ( إذا أمت كتائبه الأعادي % بعثن برعبه جيشا كمينا ) ( يدير عليهم من كل حرب % تدقهم رحى أو منجنونا ) ( إمام بالمغارب لاح شمسا % بها الشرق اكتسى نورا مبينا ) ( بقيت بذي القصور الغر بدرا % تلوح بأفقهن مدى السنينا ) ( تحف بكم عواكف عند بابي % ملائكة كرام كاتبينا ) ( لك البشرى أمير المؤمنين ادخلوها % مع سلام آمنينا ) وقال أيضا مما كتب في بهوها بمرمر أسود في أبيض ( لله بهو عز منه نظير % لما غدا كالروض وهو نضير ) ( رصفت نقوش حلاه رصف قلائد % قد نضدتها في النحور الحور ) ( فكأنها والتبر سال خلالها % وشي وفضة تربها كافور ) ( وكأن أرض قراره ديباجة % قد زان حسن طرازها تشجير ) ( وإذا تصاعد نده نوأ ففي % أنماطه نور به ممطور ) ( شأو القصور قصورها عن وصفه % سيان فيه خورنق وسدير ) ( فإذا أجلت اللحظ في جنباته % يرتد وهو بحسنه محسور ) ( وكأن موج البركتين أمامه % حركات سحب صافحته دبور ) ( صفت بضفتها تماثل فضة % ملك النفوس بحسنها تصوير ) ( فتدير من صفو الزلال معللا % يسري إلى الأرواح منه سرور ) ( ما بين آساد يهيج زئيرها % وأساود يعلو لهن صفير ) ( ودحت من الأنهار أرض زجاجة % وأضلها فلك يضيء منير ) ( راقت فمن حصبائها وفواقع % يطفو عليها اللؤلؤ المنثور ) ( يا حسنه من مصنع فبهاؤه % باهى نجوم الأفق وهي تنور ) ( وكأنما زهر الرياض بجنبه % حيث التفت كواكب وبدور ) ( ولدسته الأسمى تخير رصفه % فخر الورى وإمامها المنصور ) ( ملك أناف على الفراقد رتبة % وأقله فوق السماك سرير ) ( قطب الخلافة تاج مفرق دولة % رميت بجحفلها اللهام الكور ) ( وجرى إلى أقصى العراق لرعبها % جيش على جسر الفرات عبور ) ( نجل النبي ابن الوصي سليل من % حقن الدماء وعف وهو قدير ) ( بحر الندى لكنه متموج % سيف العلا لكنه مطرور ) ( طود يخف لحلمه ووقاره % ولجيشه يوم النزال ثبير ) ( دامت معاليه ودام ومجده % طوق على جيد العلا مزرور ) ( وتعاهدته من الفتوح بشائر % يغدو عليه بها مسا وبكور ) ( ما زال منزل سعده يرتاده % نصر يرف لواؤه المنشور ) ( وجرت به مرحا جياد مسرة % وأدار كأس الأنس فيه سمير ) وقال بعض الكتاب مما نقش في عضادتي باب القبة الخمسينية المذكورة ( يا ناظرا بالله قف وتأمل % وانظر إلى الحسن البديع الأكمل ) ( وإذا نظرت إلى الحقيقة فلتقل % السر في السكان لا في المنزل ) وقال بعض الكتاب أيضا ما طرزت به الأستار المذهبة المحكمة الصنعة لتستر بها النواحي الأربعة من القبة الخمسينية وتسمى هذه الأستار عند أهل المغرب بالحائطي ففي الجهة الأولى ( متع جفونك في بديع لباسي % وأدر على حسني حميا الكاس ) ( هذي الربا والروض من جرعائها % لم تغتذي بالعارض البجاس ) ( أنى لروض أن يروق بهاؤه % مثلي وأن يجري على مقياسي ) ( فالروض تغشاه السوام وإنما % تأوي إلى كنفي ظباء كناس ) وفي الجهة الثانية ( من كل حسنا كالقضيب إذا انثنى % تزري بغصن البانة المياس ) ( ولقد نشرت على السماك ذوائبي % ونظرت من شرز إلى الكناس ) ( وجررت ذيلي بالمجرة عابثا % فخرا بمخترعي أبي العباس ) ( ما نيط مثلي في القباب ولا ازدهت % بفتى سواه مراتب وكراس ) وفي الجهة الثالثة ( ملك تقاصرت الملوك لعزه % ورماهم بالذل والإتعاس ) ( غيث المواهب بحر كل فضيلة % ليث الحروب مسعر الأوطاس ) ( فرد المحاسن والمفاخر كلها % قطب الجمال أخو الندى والباس ) ( ملك إذا وافى البلاد تأرجت % منه الوهاد بعاطر الأنفاس ) وفي الجهة الرابعة ( وإذا تطلع بدره من هالة % يعشى سناه نواظر الجلاس ) ( أيامه غرر تجلت كلها % أبهى من الأعياد والأعراس ) ( لا زال للمجد السني يشده % ويقيم مبناه على الأساس ) ( ما مال بالغصن النسيم وكللت % درر الندى في جيده المياس ) وقال أبو فارس الفشتالي مما كتب على المصرية المطلة على الرياض المرتفعة على القبة الخضراء من بديع المنصور وكان أنشأها في جمادى الأولى من سنة خمس وتسعين وتسعمائة ( باكر لدي من السرور كؤوسا % وأرض النديم أهله وشموسا ) ( وأعرج على غرفي المنيف سماؤها % تلق الفراقد في حماي جلوسا )
( وإذا طلعت بأوجها قمر العلا % لا ترتضي غير النجوم جليسا ) ( شرق القصور بريقها لما اجتلت % مني على بسط الرياض عروسا ) ( واعتضت بالمنصور أحمد ضيغما % وردا تخير من بديعي خيسا ) ( ملك أرى كل الملوك ممالكا % لعلاه والدنيا عليه حبيسا ) ( وهناك يا شرف الخلافة دولة % تلقى برايتها طلائع عيسا ) وقال أيضا مما كتب في بعض المباني البديعية ( معاني الحسن تظهر في المغاني % ظهور السحر في حدق الحسان ) ( مشابه في صفات الحسن أضحت % تمت بها المغاني للغواني ) ( بكل عمود صبح من لجين % تكون في استقامة خوط بان ) ( مفصلة القدود مثلثات % مواصلة العناق من التدان ) ( تردت سابري الحسن يزري % بحسن السابري الخسرواني ) ( وتعطو الخيزرانة من حماها % بسالفة القطيع البرهماني ) ( لمجدك تنتمي لكن نماها % إلى صنعاء ما صنع اليدان ) ( يدين لك ابن ذي يزن ويعنو % لهما غمدان في أرض اليماني ) ( غدت حرما ولكن حل فيها % لوفدكم الأمان مع الأماني ) ( مبان بالخلافة آهلات % بها يتلو الهدى السبع المثاني ) ( هي الدنيا وساكنها إمام % لأهل الأرض من قاص وداني ) ( قصور ما لها في الأرض شبه % وما في المجد للمنصور ثاني ) وقال مما نقش في بعض الأبواب ( هذي وفود السعد نحوي ترتمي % وطلائع البشرى لبابي تنتمي ) ( وسمت إلي عفاة عرفك مثل ما % يسمو الحجيج إلى سقاية زمزم ) ( حطت بمصراعي السعود بشائرا % لاحت على الشرفات مثل الأنجم ) ( وأوان صنعي أن تقول ولا تبل % ببديع أحمد جنة المتنعم ) وقال الفشتالي لما عرضت عليه هذه الأبيات استحسنها إلا أنه كره لفظة جنة وتغير منها كثيرا وقال الوزير الأديب أبو الحسن علي بن منصور الشيظمي مما كتب على مباح قبة الزجاج ( إن شئت تاريخ إكمال البديع فقل % إيوان أحمد إيوان السعادات ) وقال الوزير المذكور مما نقش على أحد أبواب البديع ( باب أتى كبراعة استهلال % وكأنما القصر القصيد التالي ) ( ولذاك سمي بالبديع وجاء بال % إغراق والتجنيس والإيفال ) ( وأتى التمام فقلت في تاريخه % بيتا بلا عقد ولا إشكال ) ( صرح على تقوى من الله انبنى % في طالع للسعد والإقبال ) وقال أيضا في تمام البديع مهنئا ( يا مليكا ملكه فيمن ملك % كطلوع الفجر من بعد الحلك ) ( تم هذا القصر فاسكنه على % حسن حال بدوام الملك لك ) وكان الفراغ من تمام البديع سنة اثنتين وألف وفي تاريخه يقول الوزير المذكور وهو مما نقش بباب الرخام أحد أبواب البديع ( الحسن لفظ وهذا القصر معناه % ياما أميلح مرآه وأبهاه ) ( فهو البديع الذي راقت بدائعه % وطابق اسم له فيه مسماه ) ( صرح أقيمت على التقوى قواعده % ودل منه على التاريخ معناه ) ( ولاح أيضا وعين الحفظ تكلاه % تاريخه من تمام قل هو الله ) قال في نفح الطيب اخترع المنصور من المصانع ثلاثة أشياء فجاءت غريبة الشكل بديعة الحسن وهي البديع والسمرة والمشتهى وفيهما يقول المنصور موريا ( بستان حسنك أبدعت زهراته % ولكم نهيت القلب عنه فما انتهى ) ( وقوام غصنك بالمسرة ينثني % يا حسن رمان به للمشتهى ) اه قال اليفرني والذي ذكره صاحب كتاب البيان المغرب عن أخبار المغرب وهو الشيخ أبو عبد الله محمد بن عذاري الأندلسي حسبما رأيته في السفر الثاني منه أن أول من أنشأ المسرة التي بظاهر جنان الصالحة عبد المؤمن بن علي كبير الموحدين قال وهو بستان طوله ثلاثة أميال وعرضه قريب منها فيه كل فاكهة تشتهى وجلب إليه الماء من أغمات واستنبط له عيونا كثيرة قال ابن اليسع وما خرجت أنا من مراكش في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة إلا وهذا البستان الذي غرسه عبد المؤمن يبلغ مبيع زيتونه وفواكهه ثلاثين ألف دينار مؤمنية على رخص الفاكهة بمراكش اه ولعل المنصور جدد معالم المسرة بعد اندراسها وأفاض سجال الحياة على ميت غراسها وكان المنصور يفتخر بالبديع كثيرا وينوه بقدره وفي ذلك يقول أبو فارس الفشتالي ( هذا البديع يعز شبه بدائع % أبدعتهن به فجاء غريبا ) ( أضنى الغزالة حسنه حسدا له % أبدى عليها للأصيل شحوبا ) ( وانقضت الزهر المنيرة إذ رأت % زهر الرياض به ينور عجيبا ) ( شيدتهن مصانعا وصنائعا % أنجزن وعدك للعلا المرقوبا ) ( وجريت في كل الفخار لغاية % أدركتهن وما مسست لغوبا ) ( فانعم بملكك دام فيه مؤبدا % تجني به فنن النعيم رطيبا ) ولما أكمل المنصور البديع وفرغ من تنميق بردته وتطريز حلته صنع مهرجانا عظيما ودعا الأعيان والأكابر فقدم لهم من ضروب الأطعمة وصنوف الموائد وأفرغ عليهم من العطايا ومنحهم من الجوائز ما لم يعهد منه قبل ذلك وكان ممن دخل في غمار الناس رجل من البهاليل ممن كانت له شهرة بالصلاح في الوقت فقال له المنصور مباسطا كيف رأيت دارنا هذه يا فلان فقال له إذا هدمت كانت كدية كبيرة من التراب فوجم لها المنصور وتطير منها وتحكى هذه الحكاية عن غير المنصور فالله أعلم قال اليفرني وقد ظهر مصداق ذلك على يد السلطان المظفر المولى إسماعيل بن الشريف فإنه أمر بهدمه سنة تسع عشرة ومائة وألف لموجب يطول شرحه فهدمت معالمه ومحيت مراسمه وفرق ما كان به من جموع الإنس وعاد حصيدا كأن لم يغن بالأمس حتى صار مرعى للكلاب والمواشي ووكرا للصدى والبوم وحق على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه ومن العجائب أنه لم يبق بلد من بلاد المغرب إلا ودخله شيء من أنقاض البديع ولقد تذكرت بهذا ما حكاه بعض مؤرخي الأندلس أن الزاهرة التي بناها المنصور بن أبي عامر وهي من عجائب الدنيا مر عليها في أيام المنصور بعض أهل البصائر وهي في نهاية العمران والازدهاء بسكانها فقال يا دار فيك من كل دار فجعل الله منك في كل دار قال فضرب الدهر ضرباته وسلط عليها أيدي العدوان فهدمت وخربت وتفرقت محاسنها حتى نقل بعض أنقاضها إلى العراق قال اليفرني ولما دخلت البديع مقفلي من الرحلة ورأيت ما هالني أنشدت أبياتا أنشدها الشيخ محيى الدين بن عربي في كتاب المسامرة لما دخل الزاهرة فوجدها متهدمة وهي ( ديار بأكناف الملاعب تلمع % وما أن بها من ساكن فهي بلقع ) ( ينوح عليها الطير من كل جانب % فتصمت أحيانا وحينا ترجع ) ( فخاطبت منها طائرا متفردا % له شجن في القلب وهو مروع ) ( فقلت على ماذا تنوح وتشتكي % فقال على دهر مضى ليس يرجع ) وأنشدت ما أنشده ابن الآبار في تحفة القادم ( قلت يوما لدار قوم تفانوا % أين سكانك الكرام علينا ) ( فأجابت هنا أقاموا قليلا % ثم ساروا ولست أعلم أينا ) ثم قال اليفرني رحمه الله لطيفة تأملت لفظ البديع فوجدت عدد نقط حروفه بحساب الجمل مائة وسبعة عشر وهذا القدر هو الذي بقي فيه البديع قائما فإنه فرغ منه سنة اثنتين وألف وشرع في هدمه سنة تسع عشرة ومائة وألف فمدة عمره مائة وسبع عشرة سنة على عدد اسمه وذلك من غريب الاتفاق فسبحان من دقت حكمته وجلت قدرته وعمت رحمته لا إله إلا هو الحكيم العليم
ثورة الناصر ابن السلطان الغالب بالله ببلاد الريف ومقتله
كان الناصر هذا في حياة أبيه عبد الله الغالب بالله خليفته على تادلا ونواحيها ولما توفي أبوه المذكور وقام بالأمر أخوه المتوكل كما استوفينا خبره قبض على الناصر فاعتقله فلم يزل معتقلا عنده سائر أيامه إلى أن قدم المعتصم بجيش الترك وانتزع الملك من يد المتوكل كما مر فسرح الناصر من اعتقاله وأحسن إليه فلم يزل عنده في أرغد عيش إلى أن توفي المعتصم يوم وادي المخازن وأفضى الأمر إلى المنصور ففر الناصر إلى آصيلا وكانت للنصارى يومئذ ثم عبر البحر منها إلى الأندلس فكان عند طاغية قشتالة مدة طويلة إلى أن سرحه الطاغية إلى المغرب بقصد تفريق كلمة المسلمين وإحداث الشقاق بينهم فخرج الناصر بمليلية ونزل بها لثلاث مضت من شعبان سنة ثلاث وألف وتسامعت به الغوغاء والطغام من أهل تلك البلاد فأقبلوا إليه يزفون فكثرت جموعه وتوفرت جيوشه واهتز المغرب بأسره لذلك وذكر اليفرني في الصفوة أن الفقيه أبا عبد الله محمد بن قاسم القصار كتب كتابا إلى الشيخ الصالح أبي عبد الله محمد بن علي بن ريسون من أهل بلاد غمارة وكان مسموع الكلمة بها يحضه على الاستمساك بدعوة المنصور وأن يلزم الطاغية له فوقع الكتاب في يد المنصور فعرف للشيخ القصار حقه ولما وفد عليه بعد ذلك وصله وولاه الفتوى والخطبة بجامع القرويين وتفرقة صدقة المساكين ثم إن الناصر خرج من مليلية قاصدا تازا فدخلها واستولى عليها ونزعت إليه القبائل المجاورة لها كالبرانس وغيرهم فتألبوا عليه وتمالؤوا على إعزازه ونصره ولما دخل تازا طالب أهلها بالمكس وقال لهم إن النصارى يغرمون حتى على البيض ولما سمع المنصور بخبره أقلقه ذلك وتخوف منه غاية لأن الناصر اهتز المغرب لقيامه وتشوفت النفوس إليه لميل القلوب عن المنصور لشدة وطأته واعتسافه للرعية قال في ابتهاج القلوب في ترجمة الولي الصالح أبي الحسن علي بن منصور البوزيدي المعروف بأبي الشكاوي دفين شالة إنه كان سائرا يوما على بغلة ومعه أصحابه فقال لهم يا فقراء أتسمعون ما تقول بغلتي إنها تصيح بالنصر لمولاي الناصر وكذلك الشجر والحجر وإني أرى غير ذلك فكان الأمر كما قال اهتز لقيام الناصر كل شيء ثم قتل عن قريب ولم يتم له أمر اه ثم إن المنصور بعث إليه جيشا وافرا فهزمهم الناصر واستفحل أمره وتمكن ناموسه من القلوب فأمر المنصور ولي عهده المأمون بمنازلته فخرج إليه من فاس في تعبية حسنة وهيئة تامة فلما التقى الجمعان كانت الدبرة على الناصر بالموضع المعروف بالحاجب ومر على وجهه فاحتل بالجاية بلدة من عمل بلاد الزبيب فلحق به ولي العهد فلم يزل في مقاتلته إلى أن قبض عليه فأزال رأسه وبعث به إلى مراكش وكان ذلك سنة خمس وألف وقيل سنة أربع وألف قال في نشر المثاني كان مقتل الناصر وإدخاله مقطوع الرأس إلى فاس يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من رمضان سنة أربع وألف وهو الأصح وذكر الشيخ أبو علي اليوسي في المحاضرات ما نصه حدثوا عن صلحاء تادلا أنه لما قام على السلطان أحمد المنصور ابن أخيه الناصر قال الشيخ أبو العباس أحمد بن أبي القاسم الصومعي إن الناصر يدخل تادلا يعني دخول الملك فلما بلغ الخبر إلى الشيخ أبي عبد الله محمد الشرقي التادلي قال مسكين بابا أحمد رأى رأس الناصر قد دخل تادلا فظنه الناصر يدخلها فكان الأمر كذلك فإنه هزم في نواحي تازا ثم قطع رأسه وحمل إلى مراكش فدخل تادلا في طريقه اه ولما قتل الناصر سر المنصور بذلك وأتته الوفود للتهنئة وقال الشعراء في ذلك منهم الكاتب أبو عبد الله محمد بن عمر الشاوي قال ( تهنأ أمير المؤمنين فقد جرت % بسطوتك الأقدار جري السوابق ) ( أضاءت لك الأيام واحلولكت على % عدوك وارتجت رؤوس الشواهق ) ( وذاك الذي قد خيب الله سعده % تردى فلم تنفعه نصرة مارق ) ( فكان كما قد قيل لكن رأسه % أتى سابقا والرجل ليست بسابق ) ضمن قول بعضهم في الوزير ابن الفرس وقد رآه مصلوبا منكوس الرأس ( لقد طمح المهر الجموح لغاية % تقطع أعناق الجياد السوابق ) ( جرى فجرت رجلاه لكن رأسه % أتى سابقا والرجل ليست بسابق ) وكتب المنصور بخبر هذا الفتح إلى الآفاق فمما كتبه للشيخين الإمامين أبي عبد الله محمد زين العابدين البكري وأبي عبد الله محمد بدر الدين القرافي رسالة يقول فيها ما نصه من عبد ربه المجاهد في سبيله أحمد المنصور بالله أمير المؤمنين الحسني إلى الفاضل الذي اعتجر بالتقوى وهو زين العابدين وتحلى بحلى المعارف الربانية وتلك حلى العارفين والسالك الذي برز في الطريقة وسلك على المجاز الواضح إلى الحقيقة ففات شأو السابقين والعارف الذي تجرد عن رعونة الأهواء النفسانية فكان سلوكه على التجريد إلى حضرة الواصلين الشيخ العالم الحجة الوافي السيد بدر الدين القرافي والشيخ العارف الواصل السر الكامل سلالة العلماء سبط الفضلاء أبي عبد الله زين العابدين ابن الشيخ السامي المقام قطب المشايخ الأعلام فخر علماء الإسلام الشهير البركة في الأنام أبي عبد الله محمد بن أبي الحسن الصديقي أبقاكما الله وأرواحكما تتعطر برياحين الإنس في حضرة القدس وتتنسم النفحات الهابة من رياض المشاهدة إلى مدارج الإنس ومعارج النفس وسلام عليكما ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد حمد الله مفيض أنوار عناية أحمد على صاحبه الصديق مظهر كنوز المعارف الربانية جيلا بعد جيل من بيت عتيق و صلى الله عليه وسلم الذي اختار لمرافقته صاحبه في الغار والعريش والطريق والرضا عن آله أئمة الخلق وسيوف الحق وأصحابه الذين فاضت أنوار هدايتهم على الغرب والشرق وببركتهم انتسق لنا الفتح انتساق الأسلاك وبفضلهم يعلو سعدنا على الكفر علو القطب على دائرة الأفلاك فكتبنا هذا إليكم من حضرتنا مراكش حاطها الله وصنع الله لها مفعم السجال وواسع المجال وعزمتها الماضية تبعث إلى العدا رسل الأوجال والأيام بعز صولتها ويمن دولتها بهذه المغارب باسمة الثغور مؤذنة باتصال أمرها العزيز بحول الله إلى أن تطوى ملاءة الدهر هذا وأنه اتصل بعلي مقامنا كتابكما الذي صدحت على أفنان البلاغة سواجعه وعذبت في موارد المحبة الصديقية مناهله ومشارعه ولطفت في كل معنى من المعاني أفانينه ومنازعه وتألفت على الإجادة في كل مقصد من المقاصد مواصله العذبة ومقاطعه وأينعت بأزهار العناية الربانية أباطحه الفيح وأجارعه ومعه المنظومات التي سحت بالحكم ديمها ورسا في البلاغة قدمها وربا في منبت المواهب الربانية يراعها الفصيح وقلمها وحل من نفوسنا موقعها العجيب محلا من دونه الثريا في مطلعها والبدر ليلة تمامه إعجابا بها وتنويها بمهديها وابتهاجا بالخوارق التي أطلق الله على لسان مبديها وإلى هذا فليحط علمكما بأن مقامنا تنفق فيه على الدوام إن شاء الله نفائس بضائعكم وتنمو فيه مع الأيام سعود مطالعكم وتسمو فيه على كل مقام مقاماتكم وتستوضح فيه على المحبة الصميمة أماراتكم الواضحة وعلاماتكم فعلى هذا تنعقد منكم الخناصر وتشتد الأواخي والأواصر بعز الله ومنه ثم مما نستطرد لكم ذكره على جهة البشرى وإهداء المسرة الكبرى إعلامكم أن عدو الدين طاغية قشتالة الذي هو اليوم العدو الكبير للإسلام وعميد ملل التثليث وعبدة الأصنام لما انس من تلقاء جنابنا نار العزم تلتهب منا التهابا وبحر الاحتفال تضطرب أمواجه الزاخرة بكل عدد وعدة اضطرابا وهممنا قد همت بتجديد الأسطول والاستكثار من المراكب المتكفلة للجهاد إن شاء الله بقضاء كل دين ممطول وعلم أن الحديث إليه يساق وإلى أرضه بالخسف والتدمير بحول الله يهفو كل لواء خفاق رام خذله الله مكافاتنا على ذلك بما أمل أن يفت به في عضدنا الأقوى وعزمنا الذي بعناية الله يزداد ويقوى فرمى بمخذول من أبناء أخينا عبد الله كان ربى لديه وطوحت به الطوائح منذ ثمانية عشر عاما إليه إلى مليلية إحدى الثغور المصاقبة لغرب ممالكنا الشريفة التي إلى كفالة ولدنا وولي عهدنا كافل الأمة من بعدنا الأمير الأجل الأرضى صارم العزم المنتضى وحسام الدين الأمضى أبي عبد الله محمد الشيخ المأمون بالله وصل الله لرايته التأييد والظهور والعز الذي يستخدم الأيام والدهور فالتف عليه من اغتر بأباطيله الواهية البناء من أوباش العامة والغوغاء ومن قضى له من أجناد تلك الناحية بالشقاء جموع تكاثر الرمل وتفوت الحصا والنمل لاح بها للشقي خلب بارق أكذبته أمنيته إذ صدقته منيته فصمم نحوه ولدنا أعزه الله بجنود الله التي إليه وبعساكر تلك الممالك التي ألقينا زمام تدبيرها في يديه فما راع الشقي إلا انقضاضه عليه من الجو انقضاض الأجدل وتصميمه إليه بعزائم تدك الطود وتفلق الصخر والجندل فاستولى عليه بحمد الله للحين وعلى جموعه الأشقياء في يوم أغر محجل وساعة أنزل الله فيها على الخوارج المارقين العذاب المعجل فاستأصلتهم الشفار وحصدت هشيمهم المصوح ألسنة النار وقبض على الشقي في يوم كان شفاء للصدور ومنتزها لحملة السيوف وربات الخدور وأحرز الله تعالى فخر هذا الفتح العظيم والمن الجسيم لولدنا أعزه الله عز وجل في خاصة أجناده ونهض وحده بأعبائه ونحن على سرير ملكنا وادعون مطمئنون وأجنادنا في أوطارنا لاهون ومفتنون فلم يحتج إلى أنجاده من قبلنا ولا إمداده والعاقبة للمتقين والحمد لله حمد الشاكرين وعرفناكم لتأخذوا بحظكم من السرور بهذه البشرى التي سرت الإسلام وساءت بحمد الله عبدة الأوثان والأصنام وتعلموا مع ذلك ما عليه الأحوال اليوم بحول الله لدينا من خفق رايات العزم وشحذ آراء الجزم وأعمال عوامل الجزم إلى مجازاة عدو الدين إن شاء الله على فعلته التي عادت عليه أسفا ولهفا وإعادة ما كان أسلف من ذلك إن شاء الله بالمكيال الأوفى وقدمنا إليكم التعريف لتمدونا إن شاء الله بأدعيتكم الصالحة في أوقات الإجابة وتحرصوا على التماسها هنالك وبالحرمين الشريفين من كل ذي خضوع وإنابة أن يؤيدنا الله على عدو الدين بفضله وينجز لنا وعده الصادق في إظهار دين الحق على الدين كله ويسهل علينا بفضله ومعونته أسباب فتح الأندلس وتجديد رسوم الإيمان بها وإحياء أطلاله الدرس حتى ينطق لسان الدين في أرضها بكلمة الله التي طالما سكت عنها نداؤه وخرس وشرق بريقه فغص وخنس فبيده الحول والقوة وعنايته العناية المرجوة ثم نوصيكم بحسن الوقوف مع أصحابنا فيما يشترى من الكتب العلمية برسم خزانتنا الكريمة الإمامية العلية ثم الإتحاف بديوان الشيخ والدكم التماسا لجميل بركاته وتمسكا بما سبق من الإجازة العامة في سائر منظوماته وموضوعاته ومروياته وهذا موجبه إليكم والسلام الأتم معاد عليكم ورحمه الله وبركاته في ربيع النبوي سنة خمس وألف اه وهذه الرسالة من إملاء المنصور على ما قيل ومما كتب به أيضا بخط يده إلى سلطان مكة والمدينة والحجاز الشريف أبي المحاسن حسن بن أبي نمي بن بركات ما نصه من عبد الله المجاهد في سبيله الإمام المنصور بالله أحمد أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين الشريف الحسني إلى الأصالة التي تبحبحت من ذؤابة هاشم في صميمها وتوغلت من غرفات حرمة الله بين زمزمها وحطيمها وتمتعت من عرارة نجد بانتشاق نفحاتها الأريجة وشميمها أصالة السلطان الأثيل الأثير الأسنى الأسمى الأزكى السلطان حسن بن أبي نمي أبقاكم الله والبيت ذو الأستار تتفيؤون ظلاله وتلثمون من الحجر الأسود الأسعد خاله وسلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد حمد الله الذي أعز هذه المثابة العلوية الإمامية النبوية العزيزة الأنصار السامية المحتد والنجار الساحبة أذيال عزها الوريف الظلال على أهل البيت السامي المقدار سكان الحمى والذين تبوءوا الدار و صلى الله عليه وسلم الذي أطلع شموس الهداية الساطعة الأنوار والرضا عن آله الذين تتضاءل لمجدهم السامي المنار الشموس والأقمار وعن أصحابه الذين استأصلوا شأفة الكفر بمواضي الشفار وصلة الدعاء لهذا المقام العلي الإمامي المنصوري الحسني بنصر تجني الفتوح من قضب رماحه وتجري الأقدار على وفق اقتراحه فكتابنا هذا إليكم من حضرة مراكش حاطها الله ووسع لها المجال في ميادين السجال والأيام بعز صولتها ويمن دولتها بهذه المغارب باسمة الثغور مؤذنة باتصال أمرها العزيز بحول الله إلى أن تطوى ملاءة الدهور بعز الله وعنايته هذا وإن شيخ الركب المغربي وهو المرابط الخير الحاج محمد بن عبد القادر لما أزمع إلى المعاهد الشريفة الرحيل لتجديد رسم الطاعة الذي ليس بعاف ولا محيل وهب له من محارم الله نسيم يميل وآن للمطايا أن تعمل الوخد والذميل مد إلى علي مقامنا أكف الرغبة في كتاب كريم يتشرف بحمله ويتعرف منه السعادة بحول الله في مرتحله وحله يتضمن الإيصاء به إليكم في المورد والمصدر ومدة مقامه من جواركم بحرم الله تجاه البيت والمشعر فحملناه هذه العجالة لترعوا له إن شاء الله عنها الحق المعتبر وتولوه من جانبكم بما يصدق به الخبر وتدنوا له من آماله قطوف كل فنن مهتصر ومما نكلفكم النهوض لأجل حقوق الأخوة بأعبائه ونطالبكم لوشائج الرحم بالاعتناء بأدائه التماس الدعاء مع الأحيان تجاه البيت الحرام وعند الملتزم والمقام أن يؤيدنا الله على عدو الدين بفضله وينجز لنا وعده الصادق في إظهار دينه على الدين كله ويسهل علينا بفضله ومعونته أسباب فتح الأندلس وتجديد رسوم الإيمان بها وإحياء أطلاله الدرس حتى ينطق لسان الدين فيها بكلمات الله التي طالما سكت عنها نداؤه وخرس وشرق بريقه فغص وخنس فذلك دعاء لا يرد لأنه جرى من أهله في محله ومعاد السلام الأثم عليكم ورحمة الله وبركاته انتهى وقوله حتى ينطق لسان الدين فيه تورية بابن الخطيب رحمه الله قال الفشتالي كان ترتيب المنصور في الاحتفال بالمولد النبوي الكريم أنه إذا طلعت طلائع شهر ربيع الأول صرف الرقاع إلى الفقراء أرباب الذكر على رسم الصوفية والمؤذنين النعارين في الأسحار فيأتون من كل جهة ويحشرون من سائر حواضر المغرب ثم يأمر الشماعين بتطريز الشموع وإتقان صنعتها فيتبارى في ذلك مهرة الشماعين من كل ما يباري النحل في نسج أشكالها لطفا وإدماجا فيصوغون أنواعا من الشمع التي تحير النواظر ولا تذبل زهورها النواضر فإذا كان ليلة المولد تهيأ لحملها وزفاف كواعبها الصحافون المحترفون بحمل خدور العرائس عند الزفاف فيتزينون لذلك ويكونون في أجمل شارة وأحسن منظر ويجتمع الناس من أطراف المدينة كلها لرؤيتها فيمكثون إلى حين يسكن حر الظهيرة وتجنح الشمس للغروب فيخرجون بها على رؤوسهم كالعذارى يرفلن في حلل الحسن وهي عدد كثير كالنحل فيتسابق الناس لرؤيتها وتمتد لها الأعناق وتبرز ذوات الخدور ويتبعها الأطبال والأبواق وأصحاب المعازف والملاهي حتى تستوي على منصات معدة لها بالإيوان الشريف فتصطف هنالك فإذا طلع الفجر خرج السلطان فصلى بالناس وقعد على أريكته وعليه حلة البياض شعار الدولة وأمامه تلك الشموع المختلفة الألوان من بيض كالدمى وحمر جليت في ملابس أرجوان وخضر سندسية واستحضر من أنواع الحسك والمباخر ما يلهي المحزون ويدهش الناظر ثم دخل الناس أفواجا على طبقاتهم فإذا استقر بهم المجلس تقدم الواعظ فسرد جملة من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته وذكر مولده ورضاعه وما وقع في ذلك باختصار فإذا فرغ اندفع القوم في الأشعار المولديات فإذا فرغوا تقدم أهل الذكر المزمزمون بكلام الششتري وأشعار الصوفية ويتخلل ذلك نوبة المنشدين للبيتين فإذا فرغوا من ذلك كله قام شعراء الدولة فيتقدم قاضي الجماعة الشاطبي بلبل منابر الجمع والأعياد فينشد قصيدة يفتتحها بالتغزل والنسيب فإذا تم تخلص لمدح النبي صلى الله عليه وسلم ثم يختم بمدح المنصور والدعاء له ولولي عهده فإذا قضى نشيده تقدم الإمام المفتي المولى أبو مالك عبد الواحد الشريف فينشد قصيدته على ذلك المنوال فإذا فرغ تلاه الوزير أبو الحسن علي بن منصور الشيظمي ثم تلاه الكاتب أبو فارس عبد العزيز الفشتالي ويليه الكاتب محمد بن علي الفشتالي ويليه الأديب محمد بن علي الهوزالي النابغة ويليه الأديب الفقيه أبو الحسن علي بن أحمد المسفيوي فإذا طوى بساط القصائد نشر خوان الأطعمة والموائد فيبدأ بالأعيان على مراتبهم ثم يؤذن للمساكين فيدخلون جملة فإذا انقضت أيام المولد الشريف برزت صلات الشعراء على أقدارهم هكذا كان دأبه في جميع الموالد ولا يحصى ما يفرغ فيه من أنواع الإحسان على الناس اه من كتاب مناهل الصفاء وقال صاحب النفحة المسكية في السفارة التركية وهو العلامة المشارك أبو الحسن علي بن محمد التامجروتي حضرت المولد الشريف بعد القفول من بلاد الترك فاستدعى المنصور الناس لإيوانه السعيد واستدخلهم لقصره البديع المشيد المحتوي على قباب متقابلة عالية وقد مد فيها من فرش الحرير وصفت النمارق وتدلت الأستار والكلل والحجال المخوصة بالذهب على كل باب قبة وحنية سرير ودار على الحيطان حائطيات الحرير التي هي كأزهار الخمائل ما رئيت قط في عهد الأوائل وتلك القباب مرفوعة الجوانب على قواعد وأساطين من رخام مجزع مطلية الرؤوس بالذهب الذائب مفروش جلها بالمرمر الأبيض مخططا بالسواد يتخلل ذلك ماء عذب فيدخل الناس على طبقاتهم ويأخذ كل مرتبته من قضاة وعلماء وصلحاء ووزراء وقواد وكتاب وأصناف الأجناد فيخيل لكل منهم أنه في جنة النعيم والسلطان جالس في فاخر ملابسه تعلوه الهيبة والوقار وترمقه الأبصار بالتعظيم والإكبار ويجلس من عادته الجلوس ويقف على رأس السلطان الوصفان والعلوج وعليهم الأقبية المخوصة والمناطق المرصعة والحزم المذهبة مما يدهش الناظر وركز أمامهم الشمع الملون وأذن لعامة الناس فدخلوا من أصناف القبائل على أجناسها من الأجناد والطلبة وسكنت بعد حين الجلبة وأوتي بأنواع الطعام في القصاع المالقية والبلنسية المذهبة والأواني التركية والهندية وأوتي بالطسوس والأباريق وصب الماء على أيدي الناس ونصبت مباخر العنبر والعود وأبرزت صحائف الفضة والذهب وأغصان الريحان الغض فرش بها البساط ورش من ماء الورد والزهر وأنشدوا قصائد وتكلم المنشدون وأحسن إليهم السلطان ثم ختموا المجلس بالدعاء للأمير وإذا كان يوم السابع يكون ترتيب أبدع من الأول وهذه سيرته دائما اه وهكذا كانت سيرته في شهر رمضان عند ختم صحيح البخاري وذلك أنه كان إذا دخل رمضان سرد القاضي وأعيان الفقهاء كل يوم سفرا من نسخة البخاري وهي عندهم مجزأة على خمسة وثلاثين سفرا في كل يوم سفرا إلا يوم العيد وتاليه فإذا كان يوم سابع العيد ختم فيه صحيح البخاري وتهيأ له السلطان أحسن تهيؤ إلا أن العادة الجارية عندهم في ذلك أن القاضي يتولى السرد بنفسه فيسرد نحو الورقتين من أول السفر ويتفاوض مع الحاضرين في المسائل ويلقى من ظهر له بحث أو توجيه ما ظهر له ولا يزالون في المذاكرة فإذا تعالى النهار ختم المجلس وذهب القاضي بالسفر فيكمله سردا في بيته ومن الغد يبتدئ سفرا آخر وهكذا والسلطان في جميع ذلك جالس قريب من حاشية الحلقة قد عين لجلوسه موضع قال الفشتالي وكان المنصور يعطي أموال لذوي الحاجات عند انقضاء رمضان ويقيم مهرجانا يوم عاشوراء لختان أولاد الضعفاء وكل من ختن منهم أعطي أذرعا من كتان وحصة من الدرهم وسهما من اللحم اه وأما ترتيب جيش المنصور وعادته في أسفاره فسنذكرها في الفصل بعد هذا إن شاء الله ولنذكر بعض القصائد الميلادية التي أنشدت بمجالس المنصور حسبما تقدمت الإشارة إليه فمن ذلك قول القاضي أبي القاسم بن على الشاطبي رحمه الله ( ما بال طيفك لا يزور لماما % وبمنحنى الأحشا ضربت خياما ) ( أيعيش فيك عواذلي لسلوهم % وأموت فيك صبابة وغراما ) ( وتبيح نهرك سائلا من أدمعي % أو ليس نهر السائلين حراما ) ( ما ذقت ماء لماك في سنة الكرى % إلا انتبهت فكان لي أحلاما ) ( عرض إذا حدثت عن بان الحمى % فحديث قلبي بالأوجاع هاما ) ( أروى حديث الرقمتين مسلسلا % عن دمع باكية الغمام سجاما ) ( وتلق من جيب النسيم تحية % أضحى الهوى بردا لها وسلاما ) ( يا جيرة العلمين دعوة شيق % للذيذ عيش بالغضا لو داما ) ( فخذوا بجرعاء الحمى قلبي فقد % ألف الإقامة بالحمى فأقاما ) ( وخذوا بثار أهل نجدانهم % سلبوا الفؤاد وأدنفوا الأجساما ) ( في كل غرب دموع عيني مشرق % لكواكب فيها أثرن ظلاما ) ( صليت بنار الشوق ثم رثت إلى % إنسانها في لجة قد عاما ) ( وتسلسلت عبراتها شوقا لمن % وقفت عليه صلاتها وسلاما ) ( خير الأنام محمد الهادي الذي % أردى الضلال وجب منه سناما ) ( كنز العوالم سر طينة آدم % ولحفظ ذاك السر جاء ختاما ) ( وأجل أرسال الإله ومن به % قد لاذ يونس حين خاض ظلاما ) ( وتقاصرت عن فرده أعدادهم % فلذا تقدم في الحساب إماما ) ( أسرى إلى السبع الطباق فأقبلت % زمر الملائك وفده إعظاما ) ( في ليلة غصت بأملاك السما % فتسير خلف ركابه وإماما ) ( يا خير من بهر المعاند شأنه % عجزا فغص بريقه إفحاما ) ( أعيى جلالك أن يحيط بوصفه % وصف البليغ وأخرس الأقلاما ) ( صلى عليك الله ما زار الحيا % روضا ففتح زهره الأكماما ) ( ما لذتي في مدح غير مخلصا % إلا بمدحي من بينك إماما ) ( خير الورى وإمامها المنصور من % في ظل دولته الأنام أناما ) ( أضفى على الأرضين ظل مهابة % فحمى بها حام العباد وساما ) ( وسما على الدنيا عقاب تنوفة % فانقض يفترس الأسود بهاما ) ( قل للملوك هبوا لمالككم فدى % وخذوا لأنفسكم لديه ذماما ) ( هذا الذي يحيى البلاد بعدله % ويعيدها نشرا وكن رماما ) ( هذا الذي وعد الإله بأنه % يطوي البلاد ويفتح الأهراما ) ( يا مشبه المهدي في آرائه % حزما وفي عزماته إقداما ) ( أنت الذي ببنيه أبناء العلا % أرسى البلاد ووطد الإسلاما ) ( فكأنها من حولك الأشبال في % غاب الوشيج تبوأت آجاما ) ( وأمينها المأمون عضب سمامها % علم أناف على الهضاب سناما ) ( وأجل مضطلع تخيره الورى % بعد الإمام فقدموه إماما ) ( وحباه أحمد عهد أمة أحمد % فوفى فكان لرعيه المعتاما ) ( لا يعدون النصر سيفك أنه % سيف يحوط الدين والإسلاما ) ( خذها ينم على العبير مديحها % ويفض عن مسك الختام ختاما ) وقال العلامة مفتي الحضرة أبو مالك المولى عبد الواحد بن أحمد الشريف الفيلالي ( أرقت وشاقتني البروق اللوامع % وذكرى خليط هيجتها المرابع ) ( مرابع عفتها الروامس والسما % تراق من الأشواق فيها المدامع ) ( كأن لم تكن من قبل قدما أو أهلا % إذ السلك منظوم وشملي جامع ) ( تذكرني عهد الأجازع واللوى % وأين اللوى مني وأين الأجازع ) ( سحبنا بها ذيل الصبابة برهة % وجفن الردى عنا وحاشاك هاجع ) ( وقفت بها بالبزل والليل دامس % أنازعها الشكوى بها وتنازع ) ( أسائلها عن جيرة بان حيهم % وضمت هواهم بعد ذاك الأضالع ) ( فهل قدموا نحو العقيق صدورهم % ولاح لهم برق من الغور لامع ) ( يخبر عن دار الرسول وقربها % عراص بها للوحي فاضت ينابع ) ( ديار بها حل الحمى سيد الورى % وهبت على الأشراك منها زعازع ) ( عليك صلاة الله يا خير مرسل % ويا خير من تثني عليه الأصابع ) ( فلولاك هذا الكون ما زال معدما % وأنت الذي يرجوه عاص وطائع ) ( لك الفخر في الدارين والموقف الذي % لأهواله كل النبيين جازع ) ( فآدمهم والكل تحت لوائكم % وليس لنا والله غيرك شافع ) ( فجازاك رب العرش ما أنت أهله % جزاء به يشجي المناوي المخادع ) ( وجازى إماما قد نمته إليكم % أصول وآباء كرام فوارع ) ( سميك وابن السبط حقا ومن له % عوارف في أعناقنا وصنائع ) ( فدم للعلا يا ابن الخلائف مفردا % إليك اشتراؤها وغيرك بائع ) ( ودام ولي العهد بعدك صارما % يخب إلى نيل العلا ويسارع ) ( هو الآمن المأمون من كل فتنة % لفيض الندى من راحتيه يدافع ) ( ففيك أقول والنصوص شواهد % أحاديث صحت ليس فيها منازع ) ( بكم رأس هذا القرن جدد ديننا % وفاضت بحور للعلوم هوامع ) أشار بهذا إلى ما أخرجه أبو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إن الله يبعث على رأس كل قرن من يجدد لهذه الأمة أمر دينها ) وحمله بعض الأئمة على أن المجدد من الملوك وقيل من العلماء وقيل من الأولياء والصواب الإطلاق وقال الوزير القائد أبو الحسن علي بن منصور الشيظمي رحمه الله تعالى ( من بعد أهل قبا وأهل كداء % شوقي يزيد وعز ذاك عزائي ) ( ولي الشفاء بقربهم وهم جلا % ما في الخواطر من صدى وصداء ) ( لكنه بعد المزار فأين من % تلك المعاهد ساكن الحمراء ) ( بانوا وهاج الشوق ذكر ربوعهم % ذات السنا والرند والأضواء ) ( وشدا بهم حادي الركاب فكاد أن % تدع القلوب جسومها بفضاء ) ( يا سعد لو أن الزمان مساعدي % ومجيب داعي البعد بعد ندائي ) ( لركبت حرفا كالهلال منافرا % للهمز إلا في المنادي النائي ) ( ولجبت أحياء الفلا وطوبتها % طي الملا بنجيبة فوداء ) ( تختاض في جوف الظلام كأنها % سري تولج في ضمير حجاء ) ( وتخال في لجج السراب سفينة % تجري القلوع بها بريح رخاء ) ( هل أنزلن بها المخصب من منى % وأزور بعد معاهد الزوراء ) ( فأحط عنها الرحل ثم مخيما % في ظل أحمد بغيتي ومنائي ) ( وامرغ الخدين ملتثما ترى % وطئته رجلا خاتم النبئاء ) ( محيى الهدى ماحي الضلالة والردا % بالبيض والخطية السمراء ) ( صلى عليه الله ما نسخ السخا % لؤما وما أجلى الدجا ابن ذكاء ) ( وعلى صحابته الكرام وآله % أكرم بهم من سادة فضلاء ) ( أكرم بوارث مجده وعلائه % سبط الرسالة غرة الأبناء ) ( خير الخلائف أحمد المنصور من % حاز الكمال وشرط كل علاء ) ( الصارم الهندي في يمنى الهدى % والكوكب الوقاد في الظلماء ) ( يا أيها الملك الذي بسيوفه % حاط الهدى وبرأيه الوضاء ) ( ذخر الإله لك الفتوح وصانها % كالزهر في الأكمام والأوعاء ) ( لا بد من فتح يروقك واضح % كالصبح يدرأ في نحور عداء ) ( وستملك الحرم الشريف وينتمي % للوائك المنصور دون مراء ) ( وترى الجهات وقد أتت منقادة % بظبي بنيك السادة النجباء ) ( وتقر عينا بالخليفة منهم % وزر البرية عدة الأمراء ) ( بمحمد المأمون خير من ارتقى % درج الكمال ودب للعلياء ) ( فرع سيحكي أصله ولقد حكى % بمقاصد قد سددت ودهاء ) وقال الكاتب أبو فارس عبد العزيز بن محمد الفشتالي رحمه الله تعالى ( هم سلبوني الصبر والصبر من شأني % وهم حرموا من لذة الغمض أجفاني ) ( وهم أخفروا في مهجتي ذمم الهوى % فلم يثنهم عن سفكها حبي الجاني ) ( لئن أترعوا من قهوة البين أكؤسي % فشوقهم أضحى سميري وندماني ) ( وإن غادرتني بالعراء حمولهم % كفى أن قلبي جاهد أثر أظعاني ) ( قف العيس واسأل ربعهم أية مضوا % أللجزع ساروا مدلجين أم البان ) ( وهل باكروا بالسفح من جانب اللوا % ملاعب آرام هناك وغزلان ) ( وأين استقلوا هل بهضب تهامة % أناخوا المطايا أم على كثب نعمان ) ( وهل سال في بطن المسيل تشوقا % نفوس ترامت للحمى قبل جثمان ) ( وإذا زجروها بالعشي فهل ثنى % أزمتها الحادي إلى شعب بوان ) ( وهل عرسوا في دير عبدون أم سروا % يؤم بهم رهبانهم دير نجران ) ( سروا والدجى صبغ المطارف فانثنى % بأحداجهم شتى صفات وألوان ) ( وأدلج في الأسحار بيض قبابهم % فلحن نجوما في معارج كثبان ) ( لك الله من ركب يرى الأرض خطوة % إذا زمها بدنا نواعم أبدان ) ( أرحها مطايا قد تمشي بها الهوى % تمشي الحميا في مفاصل نشوان ) ( ويمم بها الوادي المقدس بالحمى % به الماء صدا والكلا نبت سعدان ) ( واهد حلول الحجر منه تحية % تفاوح عرفا ذاكي الرند والبان ) ( لقد نفحت من شيخ يثرب نفحة % فهاجت مع الأسحار شوقي وأشجاني ) ( وفتت منها الشرق في الغرب مسكة % سحبت بها في أرض دارين أرداني ) ( وأذكرني نجدا وطيب عراره % نسيم الصبا من نحو طيبة حياني ) ( أحن إلى تلك المعاهد إنها % معاهد راحاتي وروحي وريحاني ) ( وأهفو مع الأشواق للوطن الذي % به صح لي أنسي الهني وسلواني ) ( وأصبوا إلى أعلام مكة شائقا % إذا لاح برق من شمام وشهلان ) ( أهيل الحمى ديني على الدهر زورة % أحث بها شوقا لكم عزمي الواني ) ( متى يشتفي جفني القريح بنظرة % يزج بها في نوركم عين إنساني ) ( ومن لي بأن يدنوا لقاكم تعطفا % ودهري عني دائما عطفه ثاني ) ( سقى عهدهم بالخيف عهد تمده % سوافح دمع من شؤوني هتان ) ( وأنعم في شط العقيق أراكة % بأفيائها ظل المنى والهوى داني ) ( وحيا ربوعا بين مروة والصفا % تحية مشتاق لها الدهر حيران ) ( ربوعا بها تتلو الملائكة العلا % أفانين وحي بين ذكر وقرآن ) ( وأول أرض باكرت عرصاتها % وطرزت البطحا سحائب إيمان ) ( وعرس فيها للنبوة موكب % هو البحر طام فوق هضب وغيطان ) ( وأدى بها الروح الأمين رسالة % أفادت بها البشرى مدائح عنوان ) ( هنالك فض ختمها أشرف الورى % وفخر نزار من معد بن عدنان ) ( محمد خير العالمين بأسرها % وسيد أهل الأرض الإنس والجان ) ( ومن بشرت بالبعث من قبل كونه % نوامس كهان وأخبار رهبان ) ( وحكمة هذا الكون لولاه ما سمت % سماء ولا غاضت طوافح طوفان ) ( ولا زخرفت من جنة الخلد أربع % تسبح فيها أدم حور وولدان ) ( ولا طلعت شمس الهدى غب دجية % تجهم من ديجورها ليل كفران ) ( ولا لحقت بالمذنبين شفاعة % يذود بها عنهم زباني نيران ) ( له معجزات أخرست كل جاحد % وسلت على المرتاب صارم برهان ) ( له انشق قرص البدر شقين وارتوى % بماء همي من كفه كل ظمآن ) ( وأنطقت الأوثان نطقا تبرأت % إلى الله فيه من زخارف ميان ) ( دعا سرحة عجما فلبت وأقبلت % تجر ذيول الزهر ما بين أفنان ) ( وضاءت قصور الشام من نوره الذي % على كل أفق نازح القطر أوداني ) ( وقد بهج الأنوار بدعوته التي % كست أوجه الغبراء بهجة نيسان ) ( وأن كتاب الله أعظم آية % بها افتضح المرتاب وابتأس الشاني )
( وعدى على شأو البليغ بيانه % فهيهات منه سجع قس وسحبان ) ( نبي الهدى من أطلع الحق أنجما % محا نورها أسداف إفك وبهتان ) ( بعزتها ذل الأكاسرة الألى % هم سلبوا تيجانها آل ساسان ) ( وأحرز للدين الحنيفي بالظبا % تراث الملوك الصيد من عهد يونان ) ( ونقع من سمر القنا السم قيصرا % فجرعه منه مجاجة ثعبان ) ( وأضحت ربوع الكفر والشرك بلقعا % يناغي الصدا فيهن هاتف شيطان ) ( وأصبحت السمحا تروق نضارة % ووجه الهدى بادي الصباحة للراني ) ( أيا خير أهل الأرض بيتا ومحتدا % وأكرم كل الخلق عجم وعربان ) ( فمن للقوافي أن تحيط بوصفكم % ولو سجلت سبقا مدائح حسان ) ( إليك بعثناها أماني أجدبت % لتسقى بمزن من أياديك هتان ) ( أجرني إذا أبدى الحساب جرائمي % وأنقلت الأوزار كفة ميزاني ) ( فأنت الذي لولا وسائل عزه % لما فتحت أبواب عفو وغفران ) ( عليك سلام الله ما هبت الصبا % وماست على كثبانها ملد قضبان ) ( وحمل في جيب الجنوب تحية % يفوح بمسراها شذا كل تربان ) ( إلى العمرين صاحبيك كليهما % وتلوهما في الفضل صهرك عثمان ) ( وحيي عليا عرفها وأريجها % ووالي على سبطيك أوفر رضوان ) ( إليك رسول الله صممت عزمة % إذا أزمعت فالشحط والقرب سيان ) ( وخاطبت مني القلب وهو مقلب % على جمرة الأشواق فيك فلباني ) ( فيا ليت شعري هل أزم قلائصي % إليك بدارا أو أقلقل كيراني ) ( وأطوي أديم الأرض نحوك راحلا % نواجي المهاري في صحاصح فيعان ) ( يرنحها فرط الحنين إلى الحمى % إذا غرد الحادي بهن وغناني ) ( وهل تمحون عني خطايا اقترفتها % خطى لي في تلك البقاع وأوطان ) ( وماذا عسى يثني عناني وإن لي % بآلك جاها صهوة العز أمطاني ) ( إذا صد عن زوارك الباس والعنا % فجود ابنك المنصور أحمد أغناني ) ( عمادي الذي أوطا السماكين أخمصي % وأوفى على السبع الطباق فأدناني ) ( متوج أملاك الزمان وإن سطا % أحل سيوفا في معاقد تيجاني ) ( وقاري أسود الغاب بالصيد مثلها % إذا أضرب الخطى من فوق جدران ) ( هز بر إذا زرا البلاد زئيره % تضاءل في أخياسها أسد خفان ) ( وإن اطلعت غيم القتام جيوشه % وارزم في مركومه رعد نيران ) ( صببن على أرض العداة صواعقا % أسلن عليهم بحر خسف ورجفان ) ( كتائب لو يعلون رضوى لصدعت % صفاه الجياد الجرد تعدو بعقبان ) ( عديد الحصا من كل أروع معلم % وكل كمي بالرديني طعان ) ( إذا جن ليل الحرب عنهم طلى العدا % هدتهم إلى أوداجها شهب خرصان ) ( من اللاء جرعن العدا غصص الردى % وعفرن في وجه الثرى وجه بستان ) ( وفتحن أقطار البلاد فأصبحت % تؤدي الخراج الجزل أملاك سودان ) ( إمام البرايا من على نجاره % ومن عترة سادوا الورى آل زيدان ) ( دعائم إيمان وأركان سؤدد % ذووهم قد عرست فوق كيوان ) ( هم العلويون الذين وجوههم % بدور إذا ما احلولكت شهب أزمان ) ( وهم آل بيت شيد الله ملكه % على هضبة العلياء ثابت أركان ) ( وفيهم أتى الذكر الحكيم وصرحت % بفضلهم آيات ذكر وقرآن ) ( فروع ابن عم المصطفى ووصيه % فناهيك من فخرين قربى وقربان ) ( ودوحة مجد معشب الروض بالعلا % يجاد بأمواه الرسالة ريان ) ( بمجدهم الأعلى الصريح تشرفت % معد على العرباء عاد وقحطان ) ( أولئك فخري إن فخرت على الورى % ونافس بيتي في الولا بيت سلمان ) ( إذا اقتسم المداح فضل فخارهم % فقسمي بالمنصور ظاهر رجحان ) ( إمام له في جبهة الدهر ميسم % ومن عزه في مفرق الملك تاجان ) ( سما فوق هامات النجوم بهمة % يحوم بها فوق السموات نسران ) ( وأطلع في أفق المعالي خلافة % عليها وشاح من علاه وسمطان ) ( إذا ما احتبى فوق الأسرة وارتدى % على كبرياء الملك نخوة سلطان ) ( توسمت لقمان الحجا وهو ناطق % وشاهدت كسرى العدل في صدر إيوان )
( وإن هزه حر الثناء تدفقت % أنامله عرفا تدفق خلجان ) ( أيا ناظر الإسلام شم بارق المنا % وباكر لروض في ذرا المجد فينان ) ( قضى الله في علياك أن تملك الدنا % وتفتحها ما بين سوس وسودان ) ( وإنك تطوي الأرض غير مدافع % فمن أرض سودان إلى أرض بغدان ) ( وتملأها عدلا يرف لواؤه % على الحرمين أو على رأس غمدان ) ( فكم هنأت أرض العراق بك العلا % ووافت بك البشرى لأطراف عمان ) ( فلو شارفت شرق البلاد سيوفكم % أتاك استلابا تاج كسرى وخاقان ) ( ولو نشر الأملاك دهرك أصبحت % عيالا على علياك أبناء مروان ) ( وشايعك السفاح يقتاد طائعا % برايته السوداء أهل خرسان ) ( فما المجد إلا ما رفعت سماكه % على عمدي سمر الطوال ومران ) ( وهاتيك أبكار القوافي جلوتها % تغازلهن الحور في دار رضوان ) ( أتتك أمير المؤمنين كأنها % لطائم مسك أو خمائل بستان ) ( تعاظمن حسنا أن يقال شبيهها % فرائد در أو قلائد عقيان ) ( فلا زلت للدنيا تحوط جهاتها % وللدين تحميه بملك سليمان ) ( ولا زلت بالنصر العزيز مؤزرا % تقاد لك الأملاك في زي عبدان ) انتهت القصيدة الفريدة قال في نفح الطيب أخبرني ناظمها أنه أ راد بقوله ونافس بيتي في الولا بيت سلمان قبيلة سلمان التي منها لسان الدين ابن الخطيب إشارة إلى ولاء الكتابة للخلافة كما كان لسان الدين رحمه الله وفيه مع ذلك تورية بسلمان الفارسي رضي الله عنه انتهى وهذه القصيدة على طولها من غرر القصائد ولذا لم يذكر في المنتقى من الأمداح المنصورية غيرها وقد أثنى عليها في نفح الطيب جدا وتتبع ما قيل في هذا الاحتفال وإقامة المولد العديم المثال من الأمداح يفضي إلى الطول وفي هذا القدر كفاية وبالله التوفيق
ذكر سيرة المنصور في ترتيب جيوشه وحالات أسفاره
قال الفشتالي كانت السيرة على عهد أبي عبد الله المهدي وولده الغالب بالله وابنه المتوكل سيرة العرب في الجيش والمأكل والملبس وغير ذلك ولما ولي المعتصم حمل الناس على السيرة العجمية وجنح إليها في سائر شؤونه لما رأى منها في بلاد الترك حيث كان بها فكره الناس ذلك وأنفوا منه وقوفا مع العوائد فلما جاء الله بالمنصور ألف بين سيرتي العرب والعجم واصطفى من العجم موالي رباهم بنعمته وأشملهم درور إحسانه منهم مصطفى باي ومعناه بلغة الترك قائد القواد ويختص به قائد الإصباحية وكان برسم حراسة الباب العالي ومنهم الباشا محمود وهو صاحب خزائن الدار بيده مفاتيح بيوت الأموال ومنهم القائد علوج قائد جيش العلوج والباشا جؤذر فاتح السودان وهو قائد جيش الأندلس وكان لأهل الأندلس جيش عظيم رماة وعمار قائد جيش السوس فهؤلاء أكابر العلوج وتليهم طائفة أخرى منها بختيار وبغا ثم إن جيش العجم من الأتراك والعلوج قسمه إلى أقسام منها البياك وهم أهل القلانس الصفرية المذهبة ذوات الأعراف من ريش النعام الملون يقفون سماطين أمام قبته أو فسطاطه والسلاق أهل القلانس الطويلة البيض المرسلة على المناكب ويناط بها من أعلى الجباه جعاب صفر مذهبة ويضيفون إليها وقت الحزام أجنحة طوالا يؤلفونها أيضا من ريش النعام الباقي على أصل خلقته ويركزونها في الجعاب المنوطة بالقلانس من أعلى الجباه ويرسلونها إلى وراء ويقف هؤلاء خلف البياك وبلبدروش وهم أهل اللقاقيف وهي رماح قصيرة غليظة العصى مغشاة بالحديد ومرصعة بالمسامير البيض ركبت عليها أسنة عظام وزجاج هائلة ينبت من ريشتي كل سنان منها أضلاع مستقيمة ويقف هؤلاء خلف السلاق والشنشرية وهم أهل الطعام وضعا ورفعا لا غير وقائدهم بختيار من سبي وادي المخازن والقبجية وهم أهل حفظ الأبواب وغلقها وفتحها وقائدهم مولود المشاوري وطائفة من هؤلاء تحرس ليلا وتطوف على مسايف السور المحيط بالدار ومن وظيفة هؤلاء خدمة الكرسي والسرير اللذين يجلس عليهما السلطان بالإيوان وتعاهد أنماط الجلوس وكنسها والشواش وهم الذين يتولون ضبط الجيوش في المصاف في حرب أو سلم وإنهاء الكتب والرسائل للجهات بخير أو شر قال الفشتالي وهذا مما زادت به دولته على سائر الدول فإذا خرج في يوم عيد أو ملاقاة أو تهنئة خرجوا متزينين وكل قائد يقف عند مبدأ انبعاث حبل جيشه تحت ألوية محفوفا بجيش من رؤساء جنده أهل الخيل وهم الذين يدعون عندهم بالبكباشات فاصلا بذلك بين جيشه وجيش من يردفه خلفه وهكذا يمتد إلى انبعاث الجيش من تلقاء أمير المؤمنين وكل يعرف مركزه ورتبته لا يتعداه إلى غيره بتقدم أو تأخر ولا يجد السبيل إلى ذلك لو أراده قال الفشتالي والترتيب الذي جرى به العمل في عساكر النار أن يتقدم أولا جيش السوس ثم يردفه جيش شراكة وكل منهما ينقسم حبلين ثم يردفهما العسكران العظيمان عسكر الموالي من المعلوجي ومن انضاف إليهم وعسكرك الأندلس ومن لبس جلدتهم ودخل في زمرتهم وهذان يسيران صفين متساويين لاستواء مرتبتهما وعند العطاء تارة يتقدم هؤلاء وتارة هؤلاء غير أن الموالي يكونون في الميمنة لمزية الولاء وكلاهما يحظى بموالاة ركاب السلطان ويتقدم قائدهما محمود قائد الموالى وجؤذر قائد الأندلس وترفع على رأس كل منهما الرايات ويحفه عسكر من بكباشات ثم يتصل بهذين العسكرين الدخلة العظيمة المؤلفة من البياك والسلاق وبلبدروش فتسير الفرق الثلاث أمام المنصور صفوفا متساوية فأما البياك فيلون ركابه يحفون به يمينا وشمالا ويرفع بالبعض رماحه اليزنية المنصوبة أمامه ومنهم صاحب المظل المرفوع على رأسه كالغمامة يحمله حالة ركوبه أقربهم درجة لقائدهم أبرويز وإذا مشى المنصور إلى جامع المنصور من جهة قبور الأشراف أو للمشتهى وهو الروض المتصل بقصر البديع على رجليه حمله أبرويز بنفسه ثم يسير عن يمينهم وشمالهم السلاق ويسير عن يمين هؤلاء وشمالهم بلبدروش أهل اللقاقيف وتتكيف من الجميع صورة تزرع الرعب في القلوب وتسير الجنائب فيما بين سماطي هذه الدخلة مجنوبة صفا صفا إلى ألوية عساكر النار ومنبعث حبالها الممدودة يقودها صنف يدعون السراجة ركبانا وكانت جنائب الخلفاء يقودها الرجل من الوزعة وهذا أكمل مزية وجيش الإصباحية الذي إلى نظر بيلارباي ينقسم كتيبتين عظيمتين تسير إحداهما ذات اليمين والأخرى ذات الشمال أمام الموكب الذي يرفع اللواء العظيم الأبيض المدعو باللواء المنصور علامة على شعار الدولة على رأس المنصور يسامته من خلفه وهناك ألوية كثيرة ذات ألوان مختلفة وأمامه الطبل العظيم الذي يسمع دويه من مسافة بعيدة ومن خلفه الطبول الأخر معها الغيطات واحدتها غيطة يتولى النفخ فيها قوم من العجم أساتيذ يتعلمونها فينفخون فيها فتنبعث منها أصوات وتلاحين لا تحرك الطباع ولا تبعثها على شيء دون الحرب فإنها تشجع الجبان وتقوي جأش الخائف حكمة فيلسوفية وهناك مزامير أخر وجعاب طوال صفرية على مقدار النفير تسمى الطرنباط مما أحدثه أيضا في دولته وزادت به دولته فخامة وضخامة ثم يردف هذه الألوية والآلات من خلف أمير المؤمنين موكبه العظيم فهذا ترتيب جيش المنصور انتهى باختصار من كتاب مناهل الصفا وليس اتخاذ المظل مما أحدثته الدولة السعدية كما زعم بعضهم بل كان ذلك موجودا في الدول القديمة شرقا وغربا قال اليفرني وما ذكره الإمام الفشتالي من توافر أجناد المنصور وتكاثر جيوشه هو كذلك وقد أولعت العامة في ذلك بأخبار واهية وزعموا أن المنصور خرج مرة إلى الرميلة بظاهر مراكش ولم تعلم أصحابه بخروجه فحين علموا بخروجه تبعوه خفافا وثقالا فأمر بعد ما معه هنالك من الجيش فوجد ثمانين ألفا فقال يا سبحان الله قد خاطرنا بأنفسنا حيث ركبنا في هذا العدد يستقله ولا يخفى ما في هذا الكلام من الإفراط والذي ذكره الشيخ أبو العباس أحمد أفقاي الأندلسي في كتابه المسمى ب رحلة الشباب إلى لقاء الأحباب ما معناه قال إن جزيرة الأندلس التي استردادها من أيدي الكفار سهل واسترجاعها منهم قريب لما دخلت مراكش في أيام المنصور وجدت عنده من الخيل نحوا من ستة وعشرين ألفا فلو تحركت همته لفتحها لاستولى عليها في الحين اه بالمعنى اه كلام اليفرني وأما بيان حالة المنصور في السفر فقد قال شارح زهرة الشماريخ إن المنصور كان قليل الأسفار وإنما سافر إلى فاس مرتين لا غير وإنما كان متفرغا للذاته واستيفاء شهواته مدة خلافته قال اليفرني وبه يعلم أن ما شاع على الألسنة من أنه كان يمكث بفاس ستة أشهر وبمراكش مثلها ليس بصحيح والله أعلم وكان المنصور إذا سافر استعد غاية الاستعداد وأحسن في التهيئة ما شاء قال صاحب النفحة المسكية كان له قصر من عود مسمر بمسامير ومخاطيف وحلق وصفائح مفضضة على هيئة عظيمة وقد أحدق بذلك كله سرادق كالسور من نسيج الكتان كأنه حديقة بستان وزخرفة بنيان وفي داخل القصر المذكور القباب الملونة بيضا وسودا وحمرا وخضرا كأنها أزاهير الرياض قد نقش ذلك أحسن النقش ومليء بأبهى الفرش وللسرادق الذي هو كالسور أبواب كأنها أبواب القصور المشيدة يدخل منها إلى دهاليز وتعاريج ثم ينتهي منها إلى القصر الذي فيه القباب وهذا القصر كأنه مدينة تنتقل بانتقاله وهو من الأبهات الملوكية التي لم يوجد مثلها عند الملوك الماضين اه ومما يتعلق به ما حكاه أبو فارس الفشتالي في المناهل قال خرج المنصور يوم الاثنين عاشر شعبان سنة اثنتين وتسعين وتسعمائة لزيارة أضرحة الصالحين بأغمات قال فتأخرت وراءه فلحقني المولى عبد الواحد بن أحمد الشريف وأنا في أخريات الناس فأنشده ( أبا فارس بان الخليط وودعوا % ) فقلت ( وولوا وحسن الصبر مني شيعوا % ) فقال ( وغرد حادي البين وانشقت العصا % وكاد فؤادي للنوى يتقطع ) فقلت ( إلى الله أشكو فرقة منهم وقد % تجرعت من كأس النوى ما تجرعوا ) ثم زدت ( لئن شرد السلوان عني بعدهم % ففي صحبة المنصور أنسي أجمع ) ثم قال ( تدور عليه هالة لقبابه % ومركزها قصر الخلافة يلمع ) فقلت ( سياج به بحر الندى متموج % ومن أفقه شمس الإمامة تطلع ) وكان المنصور خرج لزيارة أغمات في شارة حسنة فلما بلغ أغمات مكث فيه يومين وفي الثالث نهض إلى زيارة الإمام أبي عبد الله الهزميري وعاج على ضريح الشيخ سيدي عبد الجليل ووقف عند الجبانة الكبرى فدعا ما تيسر وفرق أمولا على ذوي الحاجات على يد القاضي الشابطي والفقيه الأمين أبي الحسن علي بن سليمان الثاملي وكان معه الفقيه القاضي أبو مالك عبد الواحد بن أحمد الحميدي كان قد استقدمه من فاس برسم القراءة معه وكان الحميدي لوذعيا خفيف الروح وفي هذه السفرة صدرت منه الأبيات التي تبارى في معارضتها شعراء الدولة وقد ذكرها في النزهة فلتنظر هنالك ومما يتعلق بأخبار الحميدي المذكور أن المنصور سافر مرة إلى تارودانت ومعه جماعة من الأعيان كالقاضي الحميدي وأبي العباس المنجور وغيرهما فخيم المنصور بباب تارودانت وضرب الناس أخبيتهم فمر رجل عليه أطمار بالية وهيئة رثة ويقال إن هذا الرجل هو أبو عثمان الهلالي الروداني فوطئ على طنب من أطناب خباء القاضي الحميدي فصاح القاضي من هذه البقرة التي قوضت على خيمتي متهكما بالرجل فألقى إليه الرجل قرطاسا فيه أبيات وقال البقرة من لا يجيب عن هذه ونص الأبيات ( إلى بابك العالي مسائل ترتقي % تفطن لهن يا حميدي واصدق ) ( فما الحكم في الأوزاغ هل ساغ أكلها % وما الحكم في موتى المجانين فانطق ) ( وهل جاز للمسبوق بعد تشهد % دعاء إذا ما رام إكمال ما بقي ) ( وما وزن ليس يا أديب وأصله % وما جمع قلة لصاع فحقق ) ( وما وزنه شمر ولاتن وائتنا % بجمع سواء والمقيد أطلق ) ( وبين لنا من في أعوذ بربنا % من إبليس والتخمين في الكل فاتق ) فبدا للحميدي ما لم يكن يحتسب وتوقف عن الجواب فرفعت القضية إلى المنصور فاستغربها وقال هذا رجل من أهل البادية فضح قاضي قضاة الحواضر وأمر المنجور فأجاب عنها يقال بعد أربع سنين وبعد موت السائل ونص الجواب ( جوابك في الأولى إباحة أكلها % بمذهبنا فأجزم بذاك وصدق ) ( كذا ابن حبيب في الخشاش أباحه % لمحتاجه مثل العقارب فاسبق ) ( وقد قيل في الأوزاغ يحرم أكلها % وذلك في الكافي ليوسف فاتق ) ( ومستقذر يحكي المخالف منعه % وأنكره التنبيه فافهم ودقق ) ( ورجح ما يحكي المخالف بعض من % له العزو للتحقيق لا للتشدق ) ( وميت مجنون جرى خلف حكمه % بعلم كلام لا تكن غير متق ) ( وتحقيقها إن الجنون الذي طرا % يصير كموت فصل الحق يعبق ) ( فآونة بعد البلوغ طروه % وحينا يرى قبل البلوغ فطبق ) ( وآونة إثر الصلاح وقوعه % وحينا بعصيان الكبيرة يلتقي ) ( وحينا يدوم للممات وتارة % يفيق فخذ حكم الجميع ووثق ) ( ويندب للمسبوق دعوى تشهد % وفاق إمام في المناجاة فارتق ) ( وليس له فعل كقال وأصله % بكسر لياء فاكسر العين ترتق ) ( وجمعك صاعا في القليل بأصوع % وأصؤع بهمز الواو فانهج ونمق ) ( وإن شئت فاقلبه فيرجع آصعا % لضابط تصريف فللعلم شوق ) ( وصاع كعام عينه فرع ضمة % وتحريكه فتح فزنه وحقق ) ( وجمع سواء فالذي منه جامد % يأسوية علم يقاس ففرق ) ( ومشتقه وزن الخطايا قياسه % سواسية ثقل فبالحق فانطق ) ( ومقصد من في العوذ بدء لغاية % فإبليس مبدأ العوذ عند الموفق )
انتقاض ولي العهد محمد الشيخ المأمون على أبيه المنصور وما آل إليه أمره في ذلك
كان المأمون كما تقدم ولي عهد أبيه المنصور وكان خليفته على فاس وأعمالها سائر مدة أبيه وكان للمنصور اعتناء تام به واهتمام بشأنه حتى قيل إن المنصور كان لا يختم على صندوق من صناديق المال إلا قال جعل الله فتحه على يد الشيخ رجاء أن يقوم بالأمر بعده فلم يساعد القدر وخرج الأمر كما قال القائل ( ما كل ما يتمنى المرء يدركه % تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ) فأساء المأمون السيرة وأضر بالرعية قال اليفرني وكان فسيقا خبيث الطوية مولعا بالعبث بالصبيان مدمنا للخمر سفاكا للدماء غير مكترث بأمور الدين من الصلاة وشرائطها ولما ظهر فساده وبان للناس عواره نهاه وزير أبيه القائد أبو إسحاق إبراهيم السفياني عن سوء فعله فلم ينته واستمر على قبح سيرته فأعاد عليه اللوم فلح في مذهبه ولما أكثر عليه من التقريع سقاه السم فكان فيه حتف القائد المذكور ومما أنكر عليه أنه قبض على كاتب أبيه أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عيسى وهو مؤلف كتاب الممدود والمقصود من سناء السلطان المنصور ووظف عليه أموالا وابتزه ذخائره حتى كان مما أخذ منه ثمانون حسكة مذهبة ومائة تخت من الملف المختلف الألوان فلما كثرت قبائحه وترددت الشكايات لأبيه كتب إليه لينكف عن غيه وينزجر عن خبثه فما زاده التحذير إلا إغراء فلما رأى المنصور أنه لم يكترث بأمره ولم ينزجر عن قبائحه عزم على التوجه إلى فاس بقصد أن يمكر به ويؤدبه بما يكون رادعا له فسمع الشيخ بذلك فجمع عساكره وهيأ جنده ودفع المرتب لأصحابه وكان عدد جيشه فيما قيل اثنين وعشرين ألفا كلهم بكساوى الملف والحرير على أحسن شارة وأكمل زي وعزم أنه إن بلغه خروج أبيه من مراكش أن يتوجه في أصحابه إلى تلمسان ويستجير بالترك فلما بلغ المنصور ما عزم عليه الشيخ من الذهاب إلى تلمسان تخلف عن الخروج من مراكش وكتب إلى الشيخ يلاطفه ويأمره أن لا يفعل وولاه سجلماسة ودرعة وتخلى له عن خراجهما وقال له قد سوغتكه ولا أطالبك فيه ومراده بذلك أن تسكن نفرته ويرجع إليه عقله فأظهر الشيخ امتثال الأمر وخرج يؤم سجلماسة فما انفصل عن فاس بشيء يسير حتى ندم ورجع إليها وعاد لما كان عاكفا عليه فبعث إليه المنصور أعيان مراكش وعلمائها فنصحوه ووعظوه وخوفوه سخط والده وحذروه عاقبة العقوق ولم يألوا جهدا في نصحه فوجوده مشغول القلب عن نصيحتهم مغمور الذهن بخلاف قولهم إلا أنه أظهر الرجوع عما كان عازما عليه من الفرار عن أبيه وأقصر في الظاهر عن بعض تلك المساوي فرجع الوفد إلى المنصور وقالوا له إنه قد تاب وحسنت حاله واطمأنت نفسه وأنه واقف عند الأمر والنهي فلم يطمئن المنصور لقولهم وقال لهم لعل هذا إطفاء لنار الشحناء وكذب لإصلاح الباطن وصممم على المكر بالشيخ فكتب إليه كتابا طويلا يلومه فيه على بعض الأشياء وفي ضمن ذلك تسكين خاطره حتى يبغته على حين غفلة ونص الكتاب من عبد الله تعالى المجاهد في سبيله الإمام المنصور بالله أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين أبي عبد الله محمد الشيخ الشريف الحسني أيد الله أوامره وظفر عساكره إلى ولدنا وولي عهدنا الأمير الأجل الأفضل الأكمل الأعز بابا الشيخ وصل الله كمالكم وسنى من خير الدارين آمالكم وسلام عليكم ورحمه الله أما بعد فكتابنا هذا إليكم من حضرة مراكش حاطها الله ولا جديد إلا ما عوده مولانا من الخير لله الحمد وله المنة هذا والذي أوجبه أسعدكم الله وكلاكم أنه بلغنا أنكم قد استخدمتم هناكم جماعة من أولاد طلحة كأولاد أخي علي بن محمد وأخي علي بن ملوك وغير هؤلاء وأنك قد فرضت لهم في أعطياتهم نحو خمسة آلاف وإلى هذا أي مصلحة ظهرت لك في استخدام هؤلاء القوم حتى تتحمل كلفة فرض هذه الفروض بل ما في ذلك إلا الفساد البين لأن هذا الذي تعرضتم له لا يفي به المغرب ولا يقوم معه بكم شيء ومسألة هؤلاء أولاد طلحة إن كنت رأيت استخدامنا وأردت تقليدنا في ذلك واقتفاء سيرتنا فيه فاعلم أن بيننا وبينكم في هذه المسألة فرقا من وجوه منها إن مراكش ليست كفاس وإن خدمتهم هنا لبعدهم عن بلادهم ليست كخدمتهم هناك وأيضا هؤلاء الناس أنا أعرفهم وكنت في بلادهم وهذه الخدمة كانوا قد طلبوها مني وأنا هناك فوعدتهم إذ لا يمكنني وأنا ببلادهم إلا مساعفتهم فلما جاؤوا اليوم وطالبونا بالوعد لم يمكن إلا الوفاء لهم به فعليه شرطنا عليهم مراكش وسكناها وعلى هذا الشرط استخدمناهم ومع هذه الوجوه كلها والاعتبارات فقد ندمت والله على استخدامهم غاية الندامة وكنت في ذلك على خطأ إذا كان الأولى إن كنا حاسناهم وتركناهم في الخدمة وأما أنت ففي مندوحة عن هذا كله لأنه لا وعد لك سابق حتى يلزمك الوفاء به ويمكنك أن تحيلهم على إذننا ومشورتنا فنكفهم عنك بالشرط الذي شرطنا عليهم من الخدمة هنا بمراكش وسكناها وعلى هذا الشرط استخدمنا منهم من استخدمنا وإلى هذا فالذي نؤكد به عليك أن تنقصهم من الخدمة ولا تستخدم منهم حتى فارسا واحدا أصلا من الذين ذكرنا لك ومن غيرهم من كافة أولاد طلحة وأمرناك أن تتنصل لهم فينا وتقول لهم إن السلطان منعني من استخدامكم هنا وتقرأ عليهم كتابنا الواصل إليكم صحبة هذا لتتفادى منهم ولكن الجفاء مع هذا كله لا تظهره بل تحسن اللقاء بهم وتواليهم بإظهار البشر والقبول وباب الطمع تسده دونهم والذي شق علينا أعظم من هذا كله واستنكرناه ولم نجد صبرا عليه هو ما وجدناهم قد اطلعوا عليه أعني أولاد طلحة علي بن محمد وغيره من أحوالكم وأخباركم وألفيناهم قد توصلوا من ذلك إلى ما لم يتوصل إليه أحد من كبار خدامكم أهل بلادنا وخواص أهل بساطنا لأن أهل بلادنا أحباء ما لهم بحث إلا في مصالح أنفسهم هؤلاء إنما ينتقدون ويبحثون عن الغرة وعورات المملكة فإذا بكم تتخذونهم بطانة وأصدقاء وتطالعونهم بأحوالكم وأموركم مع أن القوم لا زالوا ببلاد العدو وبين أظهرهم وما يطلعون عليه تحتاج تقطع وتجزم بأن الترك قد اطلعوا عليه حتى كأنهم شاهدوه ووقفوا بأنفسهم عليه وأيضا لو كانوا أصدقاء ولا يريدون بنا إلا خيرا فالقوم عرب لا يتحفظون على ما يطلعون عليه ولا يفهمون ما يحسن إخفاؤه ولا إبداؤه ولا يتمالكون قولا ولا نطقا وبالجملة فقد أحرقتنا هذه المسألة وتفطرت لها أكبادنا وصارت قلوبنا منها مطعونة وما عندكم علم بأن الناس كانوا يتحفظون في أقل الأمور أن يطلع عليها الأجانب وإن كانوا أحب من كل محب وأقرب من كل قريب وهل ما عندكم علم بأنا أخانا بابا منصور كان عرض له غرض ضعيف جدا أراد أن يطلبه من أخينا بابا عبد الله وحضر في المجلس منصور بن المزوار فلم يرد بابا منصور لفطنته أن يذكر ذلك حتى يشاور من بإزائه لئلا يكون عيب في ذكر ذلك بمحضره فعليه شاور القائد دحو بن فرج كان بإزائه فقال له هذا رجل براني فلا تطلب شيئا قدامه على أن منصور بن المزوار هذا كان مع أسلافنا من أقرب ما إليهم من خواص الخدام أهل بساطنا محبة وقربا لأنه أسلف معهم خدمة عظيمة فقد كان عدوا للترك وبينه وبينهم أرواح وحضر مع أخينا باب حمو الحران جميع ما كان في تلك البلاد أيام استيلائه على المغرب الأوسط ثم مع بابا عبد القادر كذلك وشرب معهم الحلوة والمرة ولما جاء من تلمسان جاء بأولاده منها راحلا كما جاء منها بابا عبد الله بأولاده وكما جاء معهم خدامنا أهل تلك البلاد وما زال على الخدمة والوفاء حتى حصلت له يد عظيمة مع أسلافنا وناهيك بمن بلغ إلى أن قلدوه حاضرة تازا ثم بلاد الفحص التي لا تعطى كلتاهما إلا لأقرب الخدام الموثوق بمحبتهم وخدمتهم وقربهم ومع بلوغه إلى هذا المبلغ كله محبة وصداقة وهجرة وانقطاعا حتى انه في دخول صالح رئيس مدينة فاس رحل بأولاده مع السلطان إلى هنا كما فعل أهل هذه البلاد وحين دخلنا نحن من جهة الشرق لفاس رحلوا أيضا مع صاحب الجبل إلى مراكش ولا يعدوا أنفسهم من هذا الجانب أبدا في الحديث القديم ثم إن الناس استبعدوا أن يطلبوا أقل المسائل بمحضره وقالوا إنه براني فضلا عن هؤلاء الذين ما زالوا إلى اليوم في بلاد العدو يباكرونه ويراوحونه فإذا بكم تنزلون معهم إلى أن تطالعوهم على أموركم ويتوصلوا إلى المعرفة بأحوالكم فما تمالكنا لهذه المسألة ولا وجدنا عليها صبرا ومن جملة الأمور التي غاظتنا وقلنا كيف يتوصل الرجل البراني إلى أمثال هذه الأمور أن علي بن محمد كان يتكلم يوما معنا وأخذ يثني عليكم في نجدتكم وصبركم عند الشدة وسخائكم عند الحاجة ثم قال إلا أن الخيل ليست عنده لا في الحركة الأولى ولا في الثانية لأن القبائل أهل الخيل امتنعوا من الحركة معه وهي التي غاظتني وقلت كيف يتوصل الرجل البراني إلى أمثال هذه الأمور حتى أننا ما وجدنا إلا الرد عليه وعكس ما عرفنا أنهم اعتقدوه وقلنا اللهم نسبة التقصير إليكم ولا اعتقادهم خلو البلاد من الخيل لأننا فهمنا منهم ذلك ولهذا أجبته وقلت له إن ولدنا لم يعطهم شيئا وأعطى من لا يستحق من ضعفاء القواد المعروفين بأكل المال وعدم المخزنية ولو أعطى تلك القبائل لحشرها عليه لأن أولاد مطاع عندهم من الخيل نحو الثلاثة آلاف وعند أولاد أبي عزيز نحو ألف ونصف وعند الغربية وعند أولاد عمران وعند عبدة وعند الشياظمة وعند أولاد أبي رأس وعند أحمر وعند المنابهة أهل سايس وعند المنابهة أصحاب عمر بن محمد عبو وجعلت أعدد له قبائل السوس وقبائل مراكش وأحصي له خيلهم بما بهته وقلت له لو أنصفهم لحرك منهم معه ستة عشر ألفا أو أكثر ويكون قد ملأ بهم تلك البلاد وسال عليها من سيل العرم لا في الحركة لأولى ولا في الثانية ولو وجه إليهم المحركين والرماة لأتوه أيضا بلا خلاص وإلى هذا نوصيكم على المحافظة من أولئك الناس ومن رفع الحجاب لهم عن أموركم والاطلاع على أحوالكم وعدم الغفلة عن أمثال هذا واعلم أن من جملة ما بلغنا أيضا أن الخلط رجعوا كلهم رماة على يد مصطفى باشا مع حديث عهدهم بالفساد والخلاف وكنا انتشبنا معهم بالعودات فإذا بهم اليوم بالمدافع وعدة النار وهل هذا يجوز عليكم حتى تسمحوا فيه مع أن هذه المسائل ليست بغائبة عنكم سمعتموها بالسماع فقط ولا طويلة عهد حتى تنساها بالأمس شاهدت وباشرت ورأيت فما الذي أنساك فعلهم وما زال جرحهم الآن لم يبرأ لأن خروج القائد مؤمن الخارج الآن ما كان إلا إليهم والآن نؤكد عليك أن تنقصهم من الخدمة ولا تسمع لمصطفى في هذه المسألة وقد سمعنا أيضا أن قواد الفساد الذين عندكم من أولاد حسين قد صارت جملتهم من باب الخميس إلى دار الدبيبغ وكأنكم نسيتم أيضا ما عمل أولاد حسين بالأمس دون بعد من النهب وأضرموا من الفساد في البلاد حتى ينزلوا تلك المنازل وإلى هذا فساعة وصله إليكم تقبض على قواد الفساد هؤلاء خصوصا أحمد بن عبد الحق من أولاد يحيى بن غانم الذي كان أبوه حاجبا عند المريني فهو أصل الفساد ثم لا تترك لقبائلهم جناحا واحدا وزد للقائد مؤمن بن ملوك ألف رام ليستوفي لكم الغرض في هؤلاء وأمثالهم من كل ما تأمره به لأن بقاء الرماة هنالك ما فيه إلا الاشتغال بالفساد في المدينة فتحتاج أن تتولاهم بالقتل كل يوم باطلا فكان خروجهم إذ ذاك دفعا لمضرتهم وجلبا للمصالح بهم وحتى الكاتب اللائق بأمثالكم ورسائلكم لم يكن عندكم لأن كتبكم تأتي بخط سالم وهو غير عارف بالإنشاء وتارة بخط الكريني وهو جاهل مع أنك لما كنت خليفتنا وولي عهدنا كنت بصدد أن يكتب لك كل أحد لا صاحب الجزائر ولا صاحب تونس وحتى صاحب الترك وصاحب النصارى وكل من يكتب لنا من ملوك الأرض بصدد أن يكتب لك فتحتاج حينئذ إلى من يحسن الجواب عنك لكل من يكتب إليك ويكون أيضا ممن يوثق به في المحافظة على أسراركم وإلى هذا فلا بد من تعيين قائد المحلة وحاجب وكاتب سرك وصاحب مشورك وصاحب المظالم كما هنا هو عندنا السيد علي بن سليمان واعلم أن مما تحتاج أن ننبهك عليه مسألة القواد الذين يريدون أن يحملوك أثقال أولادهم مثل ما فعلت في أولاد القائد بركة وإخوتهم الذين استخدمتهم وجعلت لهم خمسمائة أوقية فنؤكد عليك أن لا تستخدم منهم أحدا فما أعطيناه سلا إلا ليرفع فيها أولاده وإخوته وكذلك الحكم في أمثاله ممن أعطيناه عملا وقلدناه قيادة ومن جملة من نحذرك من استخدامهم في الرماية أهل الجبال من أهل الصحفة والدينار فلا تستخدموا منهم أحدا وإلا فاعلموا أنكم ما أردتم حينئذ أن يغرموا لكم ولا يعطوكم شيئا وإن أردتم الخدمة فهاهم أهل هذه البلاد مثل أهل السوس وأهل درعة وأهل مراكش فكل ما تستخدمون من هؤلاء فلا عليكم وإذا لم يكن من هؤلاء وكان ولابد من غيرهم فمن أهل فاس سكان الحاضرة وأما من عداهم فلا على أن الرماة أهل السوس ها هي عندنا كثيرة فكل ما تريد منهم عرفنا نبعثهم إليك ونضيفهم إلى خدمتك ونؤكد عليك أن تكتب بجواب هذه الأمور كلها فصلا فصلا مع المملوك الحامل لهذا الكتاب إن شاء الله ولابد ولابد وهذا موجبه إليكم والله يحرس بمنه علاكم والسلام وفي مهل جمادى الأولى من عام أحد عشر وألف اه ثم لم يلبث المنصور أن بعث إلى ولده زيدان وكان خليفته على تادلا يأمره أن يرسل مائة من الفرسان على طريق تاقبلات وكل من وجوده قاصدا للغرب من ناحية مراكش يردونه وأرسل مولاه مسعود الدوري على طريق سلا يفعل مثل ذلك وخرج المنصور من مراكش في اثني عشر ألفا أوائل جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وألف وجد السير فلم يمض إلا أيام قلائل حتى نزل بالدوح موضع قريب من فاس والشيخ في جميع ذلك لا شعور له بخروج أبيه ولا بما هو عليه فبعث يوما عيونه يرصدون له من قدم من مراكش ويكشفون عن الخبر فما راعهم إلا الأباطح تسيل بأعناق الجياد وأفواه الشعاب تقذف بالجيوش من بطون الأودية والوهاد لأنهم كانوا قد عميت عليهم الأنباء بقطع المنصور للسابلة فرجعوا إلى الشيخ مسرعين والرعب يفت في أعضادهم ويطفئ جذوة عزائمهم فقصوا عليه ما دهمهم وأخبروه بما رأوا فعلم أنه محاط به فلم يمكنه إلا الفرار فركب من حينه وفر إلى زاوية الشيخ الصالح أبي الشتاء من بلاد فشتالة قرب نهر ورغة وكان الشيخ أبو الشتاء قد توفي قبل ذلك سنة سبع وتسعين وتسعمائة كما في المرآة فنزل بالزاوية ومعه بطانته وأصحاب دخلته من الأحداث وقرناء السوء فبلغ خبره المنصور فبعث إليه الباشا جؤذرا مع القائد منصور النبيلي وحلف لهما بأغلظ الأيمان إن لم يأتياه به ليمكرن بهما ويجعلهما عبرة فذهبا إليه فامتنع من الدخول في يدهما وانعزل في أصحابه حتى ناوشوه القتال وتراموا بالنبال ثم قبضوا عليه وأتوا به إلى المنصور في خبر طويل فأمر به إلى مكناسة فسجن بها ودخل المنصور دار الملك من حضرة فاس الجديد وشكر الله على ما أولاه من الظفر والنصر من غير إراقة دم وتصدق في ذلك بأموال عظيمة وكتب بذلك إلى ولده أبي فارس خليفته على مراكش يعلمه بما كيف الله له من الظفر والنصر ونص الكتاب إلى ولدنا الأجل الأرضى الأكمل الأسعد الأصعد الأمجد الأسمى الأسنى بابا أبي فارس وصل الله كمالكم وسنى بمنه آمالكم وسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فكتابنا هذا إليكم أسعدكم الله من محلتنا السعيدة بالمستقى ولا شيء إلا ما جرت به الأقدار وحكم به الفاعل المختار وما جاء به من عجائب الدهر الليل والنهار وهي قضية أخيكم التي ثارت إلي بها صروف الدهر من مكمني وطلعت علي من مأمني إلا أن الله تعالى بصنعه الجميل كفانا أولا ثم شفانا آخرا لله الحمد دائما والشكر واظبا وشرح ذلك أسعدكم الله ووقاكم السوء إن الحال كان انتهى في معالجة أمره الذي تجاوزنا في وجوه الخير إليه حد الاستقصا وأتينا في محاولة استصلاحه من أحوال السياسة المرجوة النجح بما لا يحصى إلى ما كنا سوغناه من ولاية سجلماسة بخراجها وخراج درعة وأبحنا له التوجه إليها بجملته وجمعه رجاء أن تسكن بالانتباذ إليهما نفرته وتطمئن نفسه ويثوب إليه قلبه الطائر ويراجعه أنسه الحائر فأظهر أولا التوجه إليهما ونهض مرتحلا عن فاس موريا بالقدوم عليهما ثم بدا له على الحين فكر راجعا إلى فاس ورجونا أن يكون قد ذهب عنه النفار والشماس وثاب لنفسه السكون والاستئناس فإذا به قد انطوى برجوعه على خلاف ما أظهر فأبدى ما أضمر فما كان إلا أن طرأ عليه خبر نزولنا بالدوح فلم يتمالك أن أقلع ليلة الخميس خامس عشر شهر تاريخه إقلاعا أزعجه من الدار فريدا وطارت به النفرة إلى أن حل بزاوية الشيخ أبي الشتاء وحيدا فتلاحق به من جيش رماته اليكشارية ومتفرقة سماسرة الفتن وطلائع الشؤم والمحن جمع عظيم وعدد من كثرته لا يريم فبادرت حينئذ بتجهيز جؤذر باشا من غير إغفال في خمسمائة صبائحية ومعه القائد مؤمن بن ملوك في خمسمائة فارس ثم أردفناه ببعوث أخر تألبت إليه وتناثلت عليه تناهز الألفين ورماة بابا زيدان حفظه الله فأحدقت به من كل الجهات وملكوا عليه الفجاج والثنيات ونحن مع ذلك خلال هذه الأحوال لم نهمل مقابلة نفرته بالتسكين وما يخشن من أحواله بالتليين بإرسال المرابطين تجاهه بمواثيق تهنيه وعهود تؤنسه وتقرب أمانيه رجاء أن يثوب إليه ثائب استبصار أو يخطر له خاطر إقلاع عما هو عليه وإقصار وقرناء السوء المتلاحقون به من جيشه يقدحون للشر نارا ويزينون له عقوقا ونفارا فدهمتهم حينئذ عساكرنا المظفرة بالله في مصافهم دونه ودارت بين الفريقين حرب عظيمة فخمدت النار من وقت الظهر إلى العصر فأظهر الله تعالى فئة الحق على فئة الباطل وقضى بما جرى به القضاء المحتوم الحكم العادل وكتبناه إليكم وقد حصل في القبضة كما سبق به القضاء والقدر وجعل بمكان الاحتياط عليه من مكناسة فكانت مشيئة الله في ذلك من إحدى العجائب العبر وعرفناكم أسعدكم الله لتستشعروا صنع الله في هذه الداهية التي فجئت بها الأيام ودهمت والغاشية التي اعتكرت وادلهمت وتقدروا ما صنع الله في ذلك من حسن العاقبة حق قدره وتشكروه فهو الجدير بجميل حمد كل لسان وشكره ونسأله تعالى أن يجعلكم في حيز الكفاية وجانب الوقاية حتى لا تساؤوا بقريب مأمون ولا ببعيد مظنون وفي ليلة الثلاثاء الموفي عشرين من جمادى الأولى عام أحد عشر وألف اه ثم إن أم الشيخ واسمها الخيزران بعثت إلى أعيان مراكش الذين قدموا مع المنصور ترغب إليهم في أن يشفعوا لولدها عند أبيه ويعتذروا عنه بما يزيل ما في باطنه عليه فتقدموا إلى المنصور وقالوا له إن الشيخ قد صلحت حالته وتاب مما كان عازما عليه وأنه ندم على ما فرط منه فقال لهم اذهبوا إلى مكناسة واختبروا أمره كافيا وانظروا هل رجع عن أباطيله وتنصل من أضاليله فلما أتوه وجدوه أخبث مما تركوه وعاينوا منه من القبائح ما يقصر عن وصفه اللسان فلما جلسوا إليه في محبسه لم يسألهم إلا عن أصحاب بطانته وقرناء السوء من أهل غيه ولم يظهر الأسف إلا على تلك العصابة ورآهم أهل الإصابة وكان من الأعيان الذين وجههم المنصور أولا وآخرا أولاد الشيخ أبي عمرو القسطلي وأولاد الشيخ أبي محمد عبد الله بن ساسي وأولاد الشيخ أبي زكرياء يحيى بن بكار وغيرهم فلما رجعوا إلى المنصور من مكناسة سألهم عن الخبر فنافق بعضهم وقال وجدناه تائبا نادما على ما صدر منه وتكلم بعض أولا د الشيخ ابن ساسي فقال لا والله لا داهنت في حق الله ولا واجهت الأمير بالخديعة إن ولدك لا نأذن لك أن تؤمره على اثنين ولا تحكمه على عيال الله فإنا وجدناه خبيث الطوية قبيح السريرة لم يندم على ما فرط منه فسكت الحاضرون ولم يتكلم أحد فقال لهم المنصور افتوني في أمر هذا الولد فلم يجبه أحد إلا باشاه عبد العزيز بن سعيد الوزكيتي فإنه قال له الرأي أن تقتله فإنه لا ينجبر أمره ولا يرجى صلاحه وقد رأيت ما صنع فلم يعجب المنصور ذلك وقال كيف أقتل ولدي ثم بعث إلى مكناسة يأمر بالتضييق على الشيخ والزيادة عليه في ذلك ثم خرج المنصور فنزل بمحلته في ظهر الزاوية قاصدا مراكش بعد أن استخلف ابنه زيدان على فاس وأعمالها وقد كان كتب إلى ولده أبي فارس خليفته على مراكش برسالة أجابه فيها عما كتب به إليه في شأن الوباء الذي ظهر بالسوس ومراكش هل يفر منه أم لا ونصها من عبد الله تعالى المجاهد في سبيله الإمام الخليفة المنصور بالله أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين الشريف الحسني أيد الله بعزيز نصره أوامره وظفر عساكره وأسعد بمنه موارده ومصادره إلى ولدنا الأجل الأفضل الأكمل الأعز الأبر الأسعد الأمجد الأرضى بابا أبي فارس وصل الله تعالى عنايتكم ووالى بمنه رعايتكم وسلام عليكم ورحمه الله أما بعد فكتابنا هذا إليكم من حضرتنا العالية بالله المدينة البيضاء حاطها الله عن الخير والعافية ونعم الله المتوافية لله الحمد وله المنة وأنه اتصل بعلي مقامنا كتابكم الأعز عشية يوم الثلاثاء فكتبنا إليكم صبيحة يوم الأربعاء ولولا أنه وصل يوم الديوان ما كنا نؤخر كتب الجواب لكم عن ساعة وصوله في اليوم بنفسه حرصا منا بذلك على المبادرة بوصوله إليكم في الحين وإلى هذا أسعدكم الله أن أول ما تبادرون به قبل كل شيء هو خروجكم إذا لاح لكم شيء من علامات الوباء ولو أقل القليل حتى بشخص واحد ويبقى في القصبة وصيفنا مسعود مع القائد محمد بن موسى بن أبي بكر وتتركوا مائة رام تثقون بها من رماتكم مع أصحاب السقيف وتتكلون على الله وتخرجون بالسلامة ثم لا تعملوا كعملنا في الاقتصار على الرميلة والتقلب بها بل لا تزيدوا إذا خرجتم على المقام أكثر من يومين ثم اطووا المراحل إلى أن تنزلوا بسلا وتدخلوها دخول هناء وعافية إن شاء الله وهناك يكون لقاؤنا بكم لقاء يمن وسعادة إن شاء الله ثم لا تغفلوا عن استعمال الترياق أسعدكم الله فلازموه وإذا استشعرتم منه حرارة وتخوفتموها فاستعملوا من الوزن الوصف المعروف منه ولا تهملوه وأما ولدك حفظه الله فلما كان من سن الشبيبة بحيث منعه الحال من المداومة على الترياق فها هي الشربة المعروفة النافعة لذلك قد تركناها كثيرة هناكم عند التونسي فيكون يستعملها هو والأبناء الصغار المحفوظون بالله حتى إذا أحس ببرد المعدة من أجلها تعطوه الترياق المرة والمرتين على قدر الحاجة فيعود إليها والله تعالى بمنه وبحرمة صفوة خلقه خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم يتولى حمايتكم جميعا ويحلكم من جميل كلاءته ورعايته حصنا منيعا وأن يعافي البلاد والعباد بمنه وفضله والسلعة أسعدكم الله تبادرون بإرسالها إلينا وكذلك القائد مسعود النبيلي تعزمون بإرساله إلى حيث أمرناه بالمقام من خنق الوادي بالسوس وطريق تاحظيشت واعلم أسعدكم الله ما قط أرضانا أن أمرها يتم وقبل عقلنا الكريم إن أهل درن يتجرون بسببها ولكن هذا سبب يكون حجة عليهم إن شاء الله وأنتم تحاولون أسعدكم الله سلوك الناس على بويباون على العادة وتجهدوا في أن تكون إن شاء الله سابلة وأولائكم أعني أهل طريق تاحظيشت يسكت عنهم حتى نصل بخير وعافية لتلكم البلاد إن شاء الله ومسألة أيسي التي كتبت لكم من خنق الوادي على الزرع وأنه ما عندهم ما يكفيهم منه سوى شهر فلقد كنا كتبنا لكم أسعدكم الله على حمل الزرع إليهم على البحر فإن كان قد تيسر ذلك فيكون قد بلغ إليهم وإن لم يكن ذلك قد تيسر فلتأمر أيسي هذا بالتدبير على الزرع ولو بالشراء وألزموه عهدته وشددوا عليه في أمره وخالنا القائد حمو بن محمد الذي استأذنكم في الخروج عن ذلكم المرض من المحمدية فإذا تفاحش فلا عليه في الخروج ويلتحق بأهل تلك المحلة بخنق الوادي ويترك في القصبة أهل الأندلس مع قائدهم ومسألة مؤمن بن منصور مع هكسيمة التي ذكرتم أسعدكم الله إن مؤمنا قد تثاقل بدمنات بسبب مرض ألم به حتى جاء به شاوش وإن أخاه ذلكم المفسود بعث إليه يلتقي معه بتامصلوحت فعلى بركة الله والحاضر بصيرة وهذا موجبه إليكم والله يصل بمنه رعايتكم والسلام وفي يوم الأربعاء رابع عشر رمضان المعظم عام أحد عشر وألف عرفنا الله خيره وبركته وبعد أن كتبنا لكم هذا بلغنا كتابكم ونحن نجيبكم عما تحتاجون إلى الجواب عنه والبطاقة التي ترد عليكم من السوس من عند الحاكم أو ولد خالكم أو غيرهما لا تقرأ ولا تدخل دارا بل تعطى لكاتبكم هو يتولى قراءتها ويعرفكم مضمنها ولأجل إن كاتبكم يدخل مجلسكم ويلابس مقامكم حتى هو لا يفتحها إلا بعد أن تغمس في خل ثقيف وتنشر حتى تيبس وحينئذ يقرؤها ويعرفكم بمضمنها إذ ليس يأتيكم من السوس والله سبحانه أعلم ما يوجب الكتمان عن مثل كتابكم وقد طالعنا كتاب ولد خالكم أحمد بن محمد بن الصغير وصح عندنا من فحوى كلامه ما ذكرتم عنه من أنه أكثر من خبر الوباء ليجده ذريعة للخروج من السوس والذي تأمرونه به أنكم تحذرونه من القدوم عليكم بمراكش وإن ذلك لا يرضينا منه وكيف يروم الخروج من موضع عيناه له من غير أمرنا لا سيما مع غيبتنا عن البلاد وأنه إن فعل ذلك لا محالة تسقط منزلته عندنا ثم لا يعود أبدا إليها إلا أن تفاحش المرض بتلكم الناحية فلا عليه في الخروج والتنقل قرب البلاد أو يلتحق بمحلة أصحابه الذين بخنق الوادي وأما ما ذكرتم عن محمد بن عبد الرحمن الوردي فقد طالعنا الجريدة التي جرد لكم وتصفحناها ورأينا أن جل ما يطلبه بها لا يمكن مع غيبتنا والذي نأمركم به في مسألته أنكم تحاولون في رده لموضعه فإنه بذلك الموضع أليق من أخيه بكثير وكل ما يمكنكم من أغراضه المسطرة فاقضوه له وما لا يمكن عدوه به عند قدومنا إن شاء الله وأما أمر أخي أحمد بن الحسن الذي عيناه لجباية درعة وذكرتم أنه غير لائق بها وأنكم استصغرتموه عن تلك العمالة فلا شك أنه كما ذكرتم ولكن إنما وقع الاختيار عليه لأمرين الأول الذمة لأنه بماله ولا نخشى إن شاء الله على مالنا الثاني إن خراج درعة سهل معلوم ولعله يكره هذه الولاية ويحب الجلوس بداره ويغري من يتكلم فيه عندكم فإن كان من ذكره لكم مثل مسعود أوتاودي فاتهمه وقد طالعنا في جريدتكم أنكم وجهتم مع زرع المعاصر مائة رام وهذا الذي ذكرتم ما نعلم أنا كتبنا لكم عليه قط وإنما كتبنا لكم على الزرع تحملونه في البحر برسم المحلة التي هناكم بخنق الوادي فإن كان هو هذا فنحن أردناه للمحلة وإن كان غيره فعرفنا بقضيته فإن زرع المعاصر إنما يلزم اليهود والنصارى المكثرين للمعاصر وفيها أيضا ما أخبركم به أحمد بن محمد بن موسى بخبر ما سقط من القنطرة وإنكم عنفتموه على عدم المبادرة وقد أشكل علينا الأمر لأنكم لم تعرفوا مقامنا بالساقط هل هو من القديم أو من هذا الإصلاح الذي أمرنا به فعرفنا لنكون على بصيرة من ذلك وفيها أيضا مسألة أولاد طلحة فدبروا عليهم إما من عند أيسي أو غيره حتى لا يرجعون إلينا شاكين وولد إبراهيم بن الحداد إلى الآن لم يصل وزمام الأسرى وصل وأما الدراقة التي ذكرتم فها السلتة المعدة لها عند صاحب بيت ثيابنا فوجه ليوسف العبد حتى تكلمه ومره يخرجها من عنده وركبها في موضعها ولا تركب التي عندكم بل تمسكونها لأنفسكم واعلم أني تركت عند أولئك المعلمين أعني معلمي بركاضو سلاتي برسم ابنتنا العزيزة طاهرة صانها الله وكلاها وحيث يفرغون من الدراقة اجمعهم عليها كي نجد ذلك طالعا إن شاء الله فإنا قد أمرنا بنسج درارق تلكم السلاتي هذا والمراد أن تجد السلاتي قد فرغ منها إن شاء الله وقصر الخيل مع الحمام حرض المعلمين على المبادرة باشتغالهما بهما وحاول أن تسقفوا ذلك البلاط الذي يوالي سور القصبة من قصر الخيل والقبة التي فيه لنجده كاملا إن شاء الله عند قدومنا عليكم وحتى سواري الرخام ركبوها في تلك الجهة إذا سقفتم ولا تزالوا تعرفونا بما تزايد من الأشغال في الموضعين المذكورين وأوصيكم أعزكم الله أن تتفقدوا فرسنا الأحمر الصغير ولا تتركوهم يعطونه القصيل لئلا يكثر لحمه ويزداد ألمه بل انظر له من يركبه كل يوم بل لا تنزع السرج بالكلية عن ظهره بياض النهار كله أو أعطوه لصاحب المسرة يركبه في ذهابه وإيابه لداره والمسرة وأوصوه أن لا يركبه غيره ولا ينزل عن ظهره النهار كله وأوصيكم أيضا إذا ظهر المرض بتلكم الناحية وخرجتم خروج يمن وسلامة بحول الله وقوته أن لا تتركوا وراءكم بنت عمكم والدة ولدنا العزيز بابا عبد الملك حفظه الله وامر يوسف العبد أن يخرج لكم من عند صاحب بيت الثياب القدر المحتاج إليه من الترياق الجديد الذي كان بقبة المشور ويدخل على أيديكم لدارنا واستدعوا أم المال قهرمانة الدار وأعطها إياه برسم أهل دارنا وأمرها أن تعطيهم إياه في كل رابع من اليوم الذي يأكلونه فيه وهي أيضا تأكل منه والعبد يوسف أيضا يأكل منه وحتى صاحب السقيف أعطوه منه أعني مسعود بن مبارك والله سبحانه يرعاكم ويتولى حفظكم أنتم وأولادكم وقد استودعناكم الله الذي لا تضيع لديه الودائع وأنتم في أمان الله وحفظه والله سبحانه خليفتي عليكم أنتم في يمين الرحمن وكلتا يديه يمين والسلام الأتم عائد عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ونسلم على ولدنا الأعز الأرضى بابا عبد الملك وعلى ابنتنا الرضية سيدة الملك ونحن في غاية الاشتياق والتوحش لها جمع الله بكم الشمل جميعا آمين بحرمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله خير آل والسلام اه قال مؤلفه عفا الله عنه قد وقع في كلام المنصور رحمه الله أمران يحتاجان إلى التنبيه عليهما الأول إذنه لولده أبي فارس في الخروج من مراكش إذا ظهر بها أثر الوباء ولو شيئا يسيرا وهذا الأمر محظور في الشرع كما هو معلوم ومصرح به في الأحاديث والثاني أمره إياه أن لا يقرأ البطائق الواردة عليه من السوس وإنما يتولى قراءتها كاتبه بعد أن تغمس في الحل وهذا عمل من أعمال الفرنج ومن يسلك طريقهم في تحفظهم من الوباء المسمى عندهم بالكرنتينة وقد اتفق لي فيها كلام أذكره هنا تتميما للفائدة وذلك أنه لما كانت سنة ست وتسعين ومائتين وألف عرض لنا سفر إلى حضرة السلطان المولى أبي علي الحسن بن محمد الشريف أيده الله عز وجل بمراكش المحروسة بالله فخرجنا من سلا أواخر ربيع الأول من السنة المذكورة ومررنا في طريقنا على المحب القائد الأنبل أبي عبد الله محمد بن إدريس الجراري بثغر الجديدة وهو يومئذ متول لعملها فأجل قدومنا على عادته حفظه الله في محبة العلم ومن ينتمي إليه وحضر معنا عنده بعض فقهاء الوقت وكانت السنة سنة وباء فجرت المذاكرة فيما يستعمله النصارى في أمر الكرنتينة من حبس المسافرين وشذاذ الآفاق عن المرور بالسبل والدخول إلى الأمصار والقرى ومنع الناس من مرافقهم وأسباب معاشهم وحصل التوقف تلك الساعة في حكمها الشرعي ماذا يكون لو أجريت على قواعد الفقه ثم بعد ذلك بنحو ثلاثة أشهر وقفت على رحلة العلامة الشيخ رفاعة الطهطاوي المصري في أخبار باريز فرأيته ذكر في صدرها أنه وقعت المحاورة بين العلامة الشيخ أبي عبد الله محمد المناعي التونسي المالكي المدرس بجامع الزيتونة ومفتي الحنفية بها العلامة الشيخ أبي عبد الله محمد البيرم في إباحة الكرنتينة وحظرها فقال المالكي بحرمتها وألف في ذلك رسالة واعتماده في الاستدلال فيها على أن الكرنتينة من جملة الفرار من القضاء وقال الحنفي بإباحتها واستدل على ذلك من الكتاب والسنة أيضا فلما وقفت على هذا الكلام تجدد لي النظر في حكم هذه الكرنتينة وظهر لي أن القول بإباحتها أو حرمتها منظور فيه إلى ما اشتملت عليه من مصلحة ومفسدة ولو مرسلة على ما هو المعروف من مذهب مالك رحمه الله ثم يوازن بينهما وأيتهما رجحت على الأخرى عمل عليها فإن استوتا كان درء المفسدة مقدما على جلب المصلحة كما هو معلوم في أصول الفقه ونحن إذا أمعنا النظر في هذه الكرنتينة وجدناها تشتمل على مصلحة وعلى مفسدة أما المصلحة فهي سلامة أهل البلد المستعملين لها من ضرر الوباء وهذه المصلحة كما ترى غير محققة بل ولا مظنونة لأنه ليست السلامة مقرونة بها كما يزعمون وأنه مهما استعملها أهل قطر أو بلد إلا ويسلمون لا دائما ولا غالبا بل الكثير أو الأكثر أنهم يستعملونها ويبالغون في إقامة قوانينها ثم يصيبهم ما فروا منه كما هو مشاهد ومن زعم أن السلامة مقرونة بهذا دائما أو غالبا فعليه البيان إذ البينة على المدعي فنتج من هذا أن مصلحة الكرنتينة مشكوكة أو معدومة وإذا كانت كذلك فلا يلتفت إليها شرعا بل ولا طبعا لأنها حينئذ من قبيل العبث وأما المفسدة فهي دنيوية ودينية أما الدنيوية فهي الإضرار بالتجار وسائر المسافرين إلى الأقطار بحبسهم وتسويقهم عن أغراضهم وتعطيل مرافقهم على أبلغ الوجوه وأقبحها كما هو معلوم وأما الدينية فهي تشويش عقائد عوام المؤمنين والقدح في توكلهم وإيهام أن ذلك دافع لقضاء الله تعالى وعاصم منه وناهيك بهما مفسدتين محققتين ترتكبان لشيء يكون أو لا يكون فإن العامة لقصور أفهامهم قد تذهب أوهامهم مع هذه الظواهر فيقفون معها ويقعون في ورطة ضعف الإيمان عياذا بالله فإن قلت هذا الكلام فيه ميل إلى سوء الظن بالعامة وهم جمهور الأمة قلت ليس فيه ميل إلى سوء الظن بهم وإنما فيه تقرير الخوف عليهم والاحتياط لهم حتى لا نتركهم هملا يفعلون ما شاؤوا أو يفعل بهم ما يضرهم في دينهم ودنياهم مع أن سد الذريعة قاعدة من قواعد الشرع لا سيما في المذهب المالكي ولأمر ما جاءت الشريعة المطهرة ممتلئة من التحذيرات من مكامن هذه المفاسد ونحوها ورد الأسباب والمسببات كلها إلى الله تعالى مع ما في استعمال هذه الكرنتينة مع الاقتداء بالأعاجم والتزيي بزي الكفرة الضلال ورمقهم بعين التعظيم ونسبتهم إلى الإصابة والحكمة كما قد يصرح به الحمقى من العوام فأما إذا وافق قدر بالسلامة عند استعمالها فهي الفتنة والعياذ بالله فأي مفسدة أقبح من هذه فالحاصل أن الكرنتينة اشتملت على مفاسد كل منها محقق فتعين القول بحرمتها وجلب النصوص الشاهدة لذلك من الشريعة لا تعوز البصير وقد ذكر العلامة الحافظ القسطلاني في تفسير سورة النساء من الجامع الصحيح عند قوله تعالى @QB@ ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم @QE@ ما نصه دل على وجوب الحذر من جميع المضار المظنونة ومن ثم علم أن العلاج بالدواء والاحتراز عن الوباء والتحرز عن الجلوس تحت الجدار المائل واجب اه وهو يقتضي بظاهره أن الاحتراز عن الوباء واجب بأي وجه كان ولا يخفى أنه يتعين تقييده بالوجه الذي ليس فيه مفسدة شرعية كعدم القدوم على الأرض التي بها الوباء ونحو ذلك مما وردت به السنة ولا تأباه قواعده الشريعة كبعض العلاجات المستعملة في إبانة المنقولة عن أئمة الطب أما بالوجه الذي يشتمل على مفسدة أو مفاسد كهذه الكرنتينة فلا هذا ما تحرر في هذه المسألة والله أعلم ولما وقف على هذا الكلام أخونا في الله العلامة الأستاذ أبو محمد عبد الله بن الهاشمي ابن خضراء السلاوي وهو اليوم قاضي حضرة مراكش كتب إلي ما نصه وأما حكم الكرنتينه فهو ما ذكرتم من الحظر وبه أقول لما فيه من الفرار من القضاء مع المفاسد العظيمة التي لا تفي بها مصلحتها على فرض تحققها أو غلبة ظن حصولها سيما وقد انتفيا بعد التجربة المتكررة في الجهات المتعددة ولا يخالف في هذا الحكم إلا مكابر متبع للهوى فماذا بعد الحق إلا الضلال ثم جلب حفظه الله من النصوص ما يشهد لذلك تركناها اختصارا والله تعالى الموفق بمنه