وفاة المنصور رحمه الله
كان المنصور رحمه الله بعد فراغه من قضية ابنه المأمون قد عزم على الرجوع إلى مراكش فلما بلغه ظهور الوباء بتلك الناحية تربص إلى أن دخلت سنة اثنتي عشرة وألف فانتشر الوباء في بلاد الغرب أيضا فكان مصاب المنصور به على ما نذكره قال صاحب الأصليت وهو الفقيه أبو العباس أحمد بن عبد الله السجلماسي المعروف بأبي محلي كنا نسمع أن السلطان المنصور إذا خرج من مراكش قاصدا مدينة فاس لا يرجع إلى مراكش وذاع هذا الخبر في الناس قبل نزوله فكان الأمر كذلك ثم لا أدري من أين للناس بذلك هل أنطقهم الله به أو عن علم تلقوه عن أربابه وكأنه الأشبه والله أعلم قال ومن هذا ما ذكره بعضهم أيضا لكن بعد الوقوع والنزول أن دخول رايات أبي العباس المنصور في حياته للسودان واستيلاءه على سلطانها سكية في دار إمارته كاغو مع تنبكتو وأعمالها كل ذلك من أمارات خروج الإمام المهدي الفاطمي وكذلك الوباء المنتشر في هذه الأعوام وكثرة الهرج والغلاء في سائر البلاد حتى الآن وبقي من إمارات خروجه فيما نسمع فتح وهران إما على يده أو بإذنه فيما يقوله من لا علم عنده بحقيقة الأمر اه وكان ابتداء مرض المنصور بمحلته خارج فاس الجديد قرب سيدي عميرة يوم الأربعاء حادي عشر ربيع النبوي سنة اثنتي عشرة وألف ودخل إلى داره بالمدينة البيضاء عشية ذلك اليوم واحتل بها بعد الغروب وتوفي هنالك ليلة الاثنين الموالي لتاريخه ودفن بإزاء مقصورة الجامع الأعظم هنالك ضحوة يوم الاثنين المذكور وحضر جنازته ولده زيدان وقدم للصلاة مفتي فاس وخطيب جامع القرويين بها الفقيه أبو عبد الله محمد بن قاسم القصار قال اليفرني كانت وفاة المنصور بالوباء وقال الشيخ أبو محمد عبد الله بن يعقوب السملالي في شرحه لجامع شامل بهرام كان بالمغرب وباء استطال به من سنة سبع إلى سنة ست عشرة وألف وعم سهل المغرب وجبله حتى أفنى أكثر الخلق ومات به جمع من الأعيان وبه مات السلطان أبو العباس أحمد المنصور رحمه الله ونحوه ذكره صاحب الفوائد وغيره قال اليفرني وبه تعلم ما شاع على الألسنة من أن المنصور سمه ولده زيدان بإشارة من أمه الشبانية في باكور أوائل ظهوره وقطع عنه الأطباء إلى أن هلك وأن المنصور لما أحس بذلك قال استعجلتها يا زيدان لا هناك الله بها أو كلاما هذا معناه قالوا وبسبب ذلك لم تنصر لزيدان راية فإنه انهزم في زهاء سبع وعشرين معركة كله كذب لا أصل له لأن المنصور طعن بالوباء ولم يذكر أحد ممن يوثق به ما شاع على ألسنة العامة وأضرابهم من الطلبة اه ثم نقل المنصور رحمه الله بعد دفنه إلى مراكش فدفن بها في قبور الأشراف قبلي جامع المنصور من القصبة وقبره هنالك شهير عليه بناء حفيل ومما نقش على رخامة قبره هذه الأبيات ( هذا ضريح من غدت % به المعالي تفتخر ) ( أحمد منصور اللوا % لكل مجد مبتكر ) ( يا رحمة الله اسرعي % بكل نعمى تستمر ) ( وباكري الرمس بماء % من رضاه منهمر ) ( وطيبي ثراه من % ندى كذكره العطر ) ( وافق تاريخ الوفاة % دون تفنيد ذكر ) ( مقعد صدق داره % عند مليك مقتدر )
بقية أخبار المنصور وبعض سيرته
كان المنصور رحمه الله حسن السياسة حازما يقظا مشاورا في مهمات الأمور وكان قد اتخذ يوم الأربعاء للمشورة وسماه يوم الديوان تجتمع فيه وجوه الدولة ويتطارحون فيه وجوه الرأي فيما ينوب من جلائل الأمور وعظيم النوازل وهنالك يظهر شكايته من لم يجد سبيلا للوصول إلى السلطان قالوا ومن حزمه انه كان متطلعا لأخبار النواحي بحاثا عنها غير متراخ في قراءة ما يرد عليه من رسائل عماله ولا يبطئ بالجواب ويقول كل شيء يقبل التأخير إلا مجاوبة العمال عن رسائلهم وكان الكتاب لا يفارقون مراكزهم إلا في أوقات مخصوصة قال الفشتالي ولقد كنا بالباب يوما يعني معشر الكتاب قبل أن يخرج المنصور فورد النذير على الكاتب أبي عبد الله محمد بن علي الفشتالي بأن ولدا له في النزع فلم يملك نفسه أن ذهب إلى داره فخرج المنصور على أثره فسأل عنه فقيل إنه ذهب إلى داره فاستشاط غضبا وبعث إليه فجيء به مزعجا وما شككنا في عقوبته فلما مثل بين يديه قال له ما الذي ذهب بك فذكر له أمر ولده وأنه اشتد به المرض ولم ينجع فيه دواء طبيب فرق له وقال إن أمراض الصبيان قلما ينجع فيها إلا طب العجائز ولا كعجائز دارنا فابعث من يسألهن ومن حزمه أنه اخترع أشكالا من الخط على عدد حروف المعجم وكان يكتب بها فيما يريد أن لا يطلع عليه أحد يمزج فيها الخط المتعارف فيصير الكتاب مغلقا فإذا سقط ووقع في يد عدو أو غيره لا يدري ما فيه ولا يعرف معنى ما اشتمل عليه فكان إذا جهز أحد أولاده ناوله خطا من تلك الخطوط يفك بها رسائله إليه ويكتب عنوانه كذلك ومن ضبطه أنه تعلم الخط المشرقي فكان يكاتب به علماء المشرق كتابة كأحسن ما يوجد في خط المشارقة ومما وقع له في ذلك أنه بعث بطاقة بخط يده على طريقة أهل المشرق لكاتبه أبي عبد الله بن عيسى يستدعي منه كتابا فبعثه ابن عيسى إليه وبعث معه بهذين البيتين ( سقتني كؤس السرور دهاقا % خطوط أتتني في مهرق ) ( رأت كف أحمد في الغرب بحرا % فجاءت إليه من المشرق ) وكان المنصور على ما هو عليه من ضخامة الملك وسعة الخراج يوظف على الرعية أموالا طائلة يلزمهم بأدائها وزاد الأمر على ما كان عليه في عهد أبيه حسبما مر وكانت الرعية تشتكي ذلك منه ونالها إجحاف منه ومن عماله وكان غير متوقف في الدماء ولا هياب للوقيعة فيها قال اليفرني وتتبع ما وقع في ذلك يناقض المقصود من الإغضاء عن العورات والستر على الفضائح وقد ألمعنا لك بما يكون دالا على ما وراءه وذكر أن بعض عمال المنصور عدا على امرأة من دكالة فأخذ منها أموالا فقدمت المرأة على المنصور بمراكش تشكو له ما نالها من عامله فلم يشكها ولا كشف ظلامتها فخرجت إلى أولادها بالباب وقالت لهم انصرفوا فإني كنت أظن أن رأس العين صافية فإذا بها مكدرة فلذا تكدرت مصارفها ويحكى أن الفقيه القاضي أبا مالك عبد الواحد الحميدي قد سافر في جمع من فقهاء فاس وأعيانها إلى مراكش بقصد العيد مع المنصور كما هي العادة فمروا في طريقهم على جماعة رجال ونساء قد سلكوا في سلسلة واحدة وفيهم امرأة أخذها الطلق وهي في كرب المخاض فرأوا من ذلك ما أهمهم وأحزنهم فبقي ذلك في نفس القاضي فلما جلس إلى المنصور ذكره له وأظهر الشكاية منه فسكت المنصور عن جوابه وهجره على ذلك أياما ثم إن القاضي تلطف في القول وأظهر التوبة مما صدر منه وعدها بادرة فقال له المنصور لولا ما رأيت ما أمكنك أن تجيء مع أصحابك مسيرة عشرة أيام في أمن ودعة فإن أهل المغرب مجانين مارستانهم هي السلاسل والأغلال ولقد وفد القاضي المذكور على المنصور في بعض المواسم مع الفقهاء فلما انصرفوا من الحضرة جمعتهم الطريق بأرباب الموسيقى وأصحاب الأغاني من أهل فاس وقد كانوا وفدوا أيضا على المنصور على سبيل العادة فأخرج بعضهم شبابة من الإبريز مرصعة أعطاه إياها المنصور وبعضهم قال أعطاني كذا وقال الآخر أجازني بكذا مما لم يعط مثله للقاضي وشيعته من الفقهاء فقال القاضي لئن بلغت فاسا لأردن أولادي إلى صنعة الموسيقى فإن صنعة العلم كاسدة ولولا أن الموسيقى هي العلم العزيز ما رجعنا مخفقين ورجع المغني بشبابة الإبريز فنقل إلى المنصور هذا الكلام فلذعه عليه بيسير من الملام وذكر أبو زيد في الفوائد ما صورته عدا محمد الكبير خال المنصور على رجل بدرعة في ضيعة له فشكاه إلى المنصور فقال له كم تساوي ضيعتك قال سبعمائة أوقية قال خذها وقل لخالي الموعد بيني وبينك الموقف الذي لا أكون أنا فيه سلطان ولا أنت خال السلطان فرجع صاحب الضيعة وأبلغ إلى العامل كلام المنصور فأمسك برأسه ساعة ثم قال له الحق بضيعتك وغرم له كل ما أكل منها اه وقال في المناهل كان للمنصور مصانع اخترعها ومآثر خلفها منها المعقلان الكبيران اللذان أنشأهما بفاس أحدهما خارج باب عجيسة والأخر قبالته بباب الفتوح وهذان المعقلان يعرفان عند العامة بالبستيون وهما من الإتقان بحيث لا يعرف قدرهما إلا من وقف عليهما وكان الشروع في بنائهما يوم الاثنين الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة تسعين وتسعمائة ومن ذلك الحصنان اللذان بناهما بثغر العرائش أحدهما يعرف بحصن الفتح وهما أيضا في نهاية الوتاقة والحسن ومن ذلك معاصر السكر فإنه أحدثها بمراكش وبلاد حاحة وشوشاوة قال الفشتالي وكان ابتدأ ذلك والده أبو عبد الله الشيخ فكثر السكر في أيامه بالبلاد المغربية حتى لم تكن له قيمة وقد تقدم أنه كان يشتري الرخام من النصارى بالسكر ومن مآثره النبيلة العظمي مع كرسيها من المرمر بجامع القرويين تحت منار الجامع المذكور وقد تقدم الخبر عنها وقال ابن القاضي في المنتقى المقصور إن اللباس المسمى بالمنصورية وهو لباس من الملف لم يكن مستعملا قبله وهو أول من اخترعه وأضيف إليه فقيل المنصورية وكان في مدة المنصور من الأحداث أنه في سنة سبع وثمانين وتسعمائة وقع غلاء عظيم بالمغرب حتى عرف ذلك العام بعام البقول قال في المرآة لما انتهب الناس غنيمة وادي المخازن كان الناس يتوقعون مغبتها لاختلاط الأموال بالحرام فظهر أثر ذلك من غلاء وغيره وكنا نسمع أن البركة رفعت من الأموال من يومئذ وفي هذه السنة أيضا أصاب الناس في بعض فصولها سعال كثير قل من سلم منه وكان الرجل لا يزال يسعل إلى أن تفيض نفسه فسمى العامة تلك السنة سنة كحيكحة وفي سنة إحدى وتسعين وتسعمائة توفي الشيخ العارف بالله تعالى الكبير الشأن أبو النعيم رضوان بن عبد الله الجنوي نسبة إلى جنوة من بلاد الفرنج كان أبوه نصرانيا وأمه يهودية وسبب إسلام والده ما حكاه أبو العباس الأندلسي في رحلته أنه كان له فرس ببلده جنوة فانطلق ليلا ودخل الكنيسة العظمى وراث فيها من غير أن يشعر بذلك أحد من السدنة ولا غيرهم ثم بادر بإخراج الفرس ولما أصبح أهل الكنيسة ورأوا الروث قالوا إن المسيح جاء البارحة على فرسه إلى الكنيسة وراث فيها فاهتز البلد لذلك وتنافس النصارى في شراء ذلك الروث حتى بيع قدر الذرة منه بمال جزيل فعلم أن النصارى على ضلال وهاجر إلى بلاد الإسلام فنزل برباط الفتح من أرض سلا فوجد هنالك امرأة يهودية فتزوج بها وولدت له الشيخ أبا النعيم فنشأ مثلا في العلم والولاية ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم وكان رضي الله عنه يقول خرجت من بين فرث ودم أخذ الطريقة عن أبي محمد الغزواني وقدم عليه مراكش ثم عاد إلى فاس فمات بها في السنة المذكورة ودفن خارج باب الفتوح وفي سنة خمس وتسعين وتسعمائة توفي الشيخ العلامة الإمام أبو العباس أحمد بن علي المنجور كان متبحرا في العلوم خصوصا أصول الفقه أخذ عن اليسيتني وأبي زيد سقين العاصمي وأبي الحسن بن هارون وأبي مالك الوانشريسي وغيرهم
وفي سنة سبع وتسعين وتسعمائة توفي الشيخ أبو الشتاء الشباوي دفين جبل آمركو من بلاد فشتالة ويقال اسمه محمد بن موسى وكني بأبي الشتاء لأن الناس قحطوا ولجؤوا إليه فسقوا في الحين وهو من أصحاب الشيخ الغزواني ويقال ما لقيه إلا مرة بقبيلتهما الشاوية فعينه ومكنه فهام على وجهه وكان من أمره ما كان وفي ثامن عشر ربيع الثاني سنة ثلاث وألف توفي القاضي أبو محمد عبد الواحد بن أحمد الحميدي ودفن بروضة الشيخ أبي زيد الهزميري خارج باب مصمودة من عدوة فاس الأندلس وقد تقدمت بعض أخباره وفي سنة أربع وألف توفي الشيخ أبو الحسن علي بن منصور البوزيدي المعروف بأبي الشكاوي دفين شالة وبها كان سكناه أخذ عن الشيخ المجذوب وأبي الرواين المحجوب وغيرهما وأولاده ينتسبون إلى عيسى بن إدريس الحسني دفين آيت عتاب والله تعالى أعلم وفي سنة ست وألف توفي الشيخ الرباني أبو عبد الله محمد بن مبارك الزعري دفين تاستاوت من مشاهير الأولياء كان أول نشأته بمكناسة الزيتون ثم خرج إلى البادية بعد أن صعبت عليه القراءة ورأى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له إنك لن تقرأ ولكنك شيخ فخرج إلى البادية وكان يظن أنه يكون من أشياخ القبائل حتى هبت عليه نفحة رحمانية فقدم مراكش وأخذ عن الشيخ أبي عمرو القسطلي ورجع إلى باديته فبنى مسجدا في الموضع الذي عين له شيخه لسكناه فيقال إنه لما قيل له جعلت محرابه منحرفا عن القبلة أشار بيده إلى جهة مكة فتزحزحت الجبال حتى شاهد الحاضرون مكة والله على كل شيء قدير وكان الشيخ أبو عبد الله محمد الشرقي معاصرا له فقيل له إن الشيخ ابن مبارك قال أهل زماننا محسوبون علينا فقال اشهدوا أنا من أهل زمان ابن مبارك وفي هذه السنة أيضا كان الطاعون العظيم بمراكش وغيرها بحيث عم تلول المغرب واستطال فيها ومات به جمع من الأعيان منهم الشيخ ابن مبارك المذكور وفي سنة تسع وألف في جمادى الآخرة منها كان سيل عظيم بفاس ثم في شعبان من السنة المذكورة كان سيل أعظم من الأول تهدمت منه الدور والحوانيت وتهدم سد الوادي بفاس على وثاقته وإحكامه وهذا السد هو الذي كان جدده السلطان أبو العباس أحمد الوطاسي ثم جدده المنصور في هذه المرة من أحباس القرويين وفي سنة عشر وألف توفي الشيخ العارف بالله الرباني أبو عبد الله ويقال أبو عبد الله محمد فتحا الشرقي ابن الولي الصالح أبي القاسم الزعري الجابري ثم الرثمي هكذا نسبه صاحب المرآة وغيره ورفع أبو علي المعداني في كتابه الروض الفائح نسبه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم نقل عن حفيده العارف بالله تعالى أبي عبد الله محمد الصالح بن المعطي ما نصه إن الشيخ سيدي محمد الشرقي لم توجد هذه النسبة العمرية بخطه فيما عثرنا عليه أما بنو أخيه وبنوه وحفدته فقد وجدت بخط الثقة منهم وتواتر نقلها عنهم وكتبت في إجازاتهم وكذا في تمليكاتهم اه وهذا الشيخ أعني أبا عبد الله الشرقي كان من أكابر أهل وقته يقال إنه بلغ درجة القطبانية وتخرج به جماعة من الأولياء وبعث إليه المنصور جماعة يختبرونه فظهرت لهم كراماته واتفقت له مع الشيخ المنجور كرامة حملته على أن وفد عليه زائرا ومدحه بقصيدة ذكر بعضها اليفرني في الصفوة وله مع أبي المحاسن الفاسي مراسلات ومواصلات ووقع بينهما كلام طويل انظر ابتهاج القلوب أخذ رضي الله عنه عن والده عن الشيخ التباع واعتمد على الشيخ الكبير أبي عبد الله محمد بن عمرو المختاري من أحواز مكناسة وأخذ أيضا عن ابن مبارك الزعري وأبي محمد بن ساسي وتوفي أوائل المحرم من السنة المذكورة ودفن بجعيدان وقبره شهير نفعنا الله به وبسائر أهل الله
6 | بسم الله الرحمن الرحيم الدولة السعدية القسم الثاني
الخبر عن دولة السلطان أبي المعالي زيدان بن أحمد المنصور رحمه الله تعالى
لما توفي المنصور رحمه الله وفرغ الناس من دفنه اجتمع أهل الحل والعقد من أعيان فاس وكبرائها والجمهور من جيش المنصور على بيعة ولده زيدان وقالوا إن المنصور استخلفه في حياته ومات في حجره وكان ممن تصدى لذلك القاضيان قاضي الجماعة بفاس أبو القاسم بن أبي النعيم والقاضي أبو الحسن علي بن عمران السلاسي والأستاذ أبو عبد الله محمد الشاوي والشيخ النظار أبو عبد الله محمد بن قاسم القصار وغيرهم ويحكى أن القاضي ابن أبي النعيم قام في الناس خطيبا وقال أما بعد السلام عليكم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مات اجتمع الناس على أبي بكر رضي الله عنه ونحن قد مات مولانا أحمد وهذا ولده مولانا زيدان أولى بالملك من إخوته فبايعه الحاضرون يوم الاثنين السادس عشر من ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وألف قالوا وكان زيدان لما توفي والده كتم موته وبعث جماعة للقبض على أخيه الشيخ المسجون بمكناسة فمنعهم من ذلك الباشا جؤذر كبير جيش الأندلس وحمل الشيخ موثقا إلى مراكش حتى دفعه إلى أخيه أبي فارس وكان شقيقا له فلم يزل مسجونا عنده إلى أن كان من أمره ما يأتي كذا قال بعضهم وقال في شرح زهرة الشماريخ إن زيدان لما اشتغل بدفن والده احتال القائد أبو العباس أحمد بن منصور العلج فذهب بنصف المحلة إلى مراكش نازعا عن زيدان إلى أبي فارس ومر في طريقه بمكناسة فأخرج الشيخ من اعتقاله واحتمله معه إلى أبي فارس فسجنه فلم يزل مسجونا عنده إلى أن كان من أمره ما نذكره والله تعالى أعلم
انحراف أهل مراكش عن طاعة زيدان وبيعتهم لأبي فارس وما نشأ عن ذلك من الفتنة
كان المنصور رحمه الله قد فرق عمالات المغرب على أولاده كما مر فاستعمل الشيخ على فاس والغرب وولاه عهده واستعمل زيدان على تادلا وأعمالها واستخلف عند نهوضه إلى فاس ابنه أبا فارس على مراكش وأعمالها وكان يكاتبه بما مر بعضه من الرسائل فلما اتصل بأهل مراكش وفاة المنصور وكتب إليهم أهل فاس بمبايعتهم لزيدان امتنعوا وبايعوا أبا فارس لكونه خليفة أبيه بدار ملكه التي هي مراكش ولأن جل الخاصة من حاشية أبيه كان يميل إلى أبي فارس لأن زيدان كان منتبذا عنهم بتادلا سائر أيام أبيه فلم يكن لهم به كثير إلمام ولا مزيد استئناس مع أنه كان جديرا بالأمر لعلمه وأدبه وكمال مروءته رحمه الله إلا أن السعد لم يساعده وقد قيل في المثل قديما قاتل بسعد وإلا فدع ولما شق أهل مراكش العصا على زيدان كثر في ذلك القيل والقال حتى صدرت فتوى من قاضي فاس ابن أبي النعيم ومفتيها أبي عبد الله القصار تتضمن التصريح بحديث ( إذا بويع خليفتين فاقتلوا الآخر منهما ) وكانت بيعة أبي فارس بمراكش يوم الجمعة أواخر ربيع الأول من سنة اثنتي عشرة وألف وهو شقيق الشيخ المأمون أمهما أم ولد اسمها الجوهر ويقال الخيزران واسم أبي فارس هذا عبد الله وتلقب بالواثق بالله وكان أكولا عظيم البطن مصابا بمس الجن ويقال إنه لذلك ابتنى المسجد الجامع بجوار ضريح الشيخ أبي العباس السبتي وشيد منارة وشحن الخزانة التي بقبلي الجامع المذكور بمنتخب الكتب ونفيس الدفاتر كل ذلك رجاء أن تعود عليه بركة ذلك الشيخ بالبرء من تلك العلة وكان مع ذلك يميل إلى المروءة والرفق وحسن السيرة رحمه الله
نهوض السلطان زيدان لحرب أبي فارس وانهزامه بأم الربيع ثم فراره إلى تلمسان
لما بايع أهل مراكش أبا فارس بن المنصور عزم زيدان على النهوض إليه فخرج من فاس يؤم بلاد الحوز واتصل الخبر بأبي فارس فجهز لقتاله جيشا كثيفا وأمر عليهم ولده عبد الملك إلى نظر الباشا جؤذر فقيل له إن زيدان رجل شجاع عارف بمكايد الحرب وخدعه وولدك عبد الملك لا يقدر على مقاومته فلو سرحت أخاك الشيخ لقتاله كان أقرب للرأي لأن أهل الغرب لا يقاتلونه لأنه كان خليفة عليهم مدة فهم آنس به من زيدان فأطلق أبو فارس أخاه المأمون من ثقاف السجن وأخذ عليه العهود والمواثيق على النصح والطاعة وعدم شق العصا ثم سرحه في ستمائة من جيش المتفرقة الذين كان المنصور جمعهم ليبعث بهم إلى كاغو من أعمال السودان وقال له ولأصحابه جدوا السير الليلة كي تصبحوا بمحلة جؤذر على وادي أم الربيع فلما انتهى الشيخ إلى المحلة المذكورة وعلم الناس به أهرعوا إليه واستبشروا بمقدمه ثم كانت الملاقاة بينه وبين السلطان زيدان بموضع يقال له حواتة عند أم الربيع ففر عن زيدان أكثر جيشه إلى المأمون وحنوا إلى سالف عهده وقديم صحبته فانهزم زيدان لذلك ورجع أدراجه إلى فاس فتحصن بها وكان أبو فارس قد تقدم إلى أصحابه في القبض على الشيخ متى وقعت الهزيمة على زيدان فلما فر زيدان انعزل الشيخ فيمن انضم إليه من جيش أهل الغرب وامتنع على أصحاب أبي فارس فلم يقدروا منه على شيء وانتعش أمره واشتدت شوكته ثم سار إلى فاس يقفو أثر السلطان زيدان ولما اتصل بزيدان خبر مجيئه إليه راود أهل فاس على القيام معه في الحصار والذب عنه والوفاء بطاعته التي هي مقتضى بيعتهم التي أعطوا بها صفقتهم عن رضى منهم فامتنعوا عليه وقلبوا له ظهر المجن وأعلنوا بنصر الشيخ وبيعته لقديم صحبتهم له ولما آيس زيدان من نصرهم وقد أرهقه الشيخ في جموعه خرج من فاس بحشمه وثقله ناجيا بنفسه وتبعه جمع عظيم من أصحاب الشيخ فلم يقدروا منه على شيء وذهب إلى تلمسان فأقام بها إلى أن كان من أمره ما نذكره وأما الشيخ فإنه لما وصل إلى فاس تلقاه أهلها ذكورا وإناثا وأظهروا الفرح بمقدمه فدخلها ودعا لنفسه فأجيب واستبد بملكها ثم أمر جيش أهل مراكش أن يرجعوا إلى بلادهم فانقلبوا إلى صاحبهم مخفقين وكان الشيخ لما تم غرضه من الاستبداد بالأمر والانفراد بالسلطنة دعا بالشيخين الفقيهين قاضي الجماعة أبي القاسم بن أبي النعيم ومفتيها أبي عبد الله محمد بن قاسم القصار فلامهما على مبايعة زيدان وقولهما فيه وفي أخيه أبي فارس إن أولاد الإماء لا يتقدمون في الأمر على أولاد الحرائر وكان أبو فارس والشيخ ولدي أمه اسمها الخيزران كما مر وزيدان أمه حرة من الشبانات وعزم أن ينكل بهما ثم بعث بهما مع جيش مراكش إلى أخيه أبي فارس ليرى فيهما رأيه فأما الشيخ القصار فتوفي رحمه الله على مقربة من مراكش بزاوية الشيخ ابن ساسي وحمل إلى مراكش فدفن بقبة القاضي عياض وذلك في أواسط سنة اثنتي عشرة وألف وأما القاضي أبو القاسم فاجتمع بأبي فارس فقبل عذره وصفح عنه ورده مكرما إلى فاس هكذا ذكره بعضهم وقيل إن الذي بعث بالشيخ القصار إلى مراكش هو السلطان زيدان على وجه يخالف هذا والله أعلم
نهوض عبد الله بن الشيخ لحرب عمه أبي فارس واستيلاؤه على مراكش
ثم إن الشيخ المتغلب على فاس دعا بتجار أهلها فاستسلف منهم مالا كثيرا وأظهر من الظلم وسوء السيرة وخبث السريرة ما هو شهير به ثم تتبع قواد أبيه فنهب ذخائرهم واستصفى أموالهم وعذب من أخفى من ذلك شيئا منهم ثم جهز جيشا لقتال أخيه أبي فارس بمراكش وكان عدد الجيش نحو الثمانية آلاف وأمر عليه ولده عبد الله فسار بجيوشه فوجد أبا فارس بمحلته في موضع يقال له إكلميم ويقال في مرس الرماد فوقعت الهزيمة على أبي فارس وقتل نحو المائة من أصحابه ونهبت محلته وفر هو بنفسه إلى مسفيوة ودخل عبد الله بن الشيخ مراكش فأباحها لجيشه فنهبت دورها واستبيحت محارمها وا شتغل هو بالفساد ومن يشابه أباه فما ظلم حتى حكي أنه زنى بجواري جده المنصور واستمتع بحظاياه وأكل رمضان وشرب الخمر فيه جهارا وعكف على اللذات وألقى جلباب الحياء عن وجهه وكان دخوله مراكش في العشرين من شعبان سنة خمس عشرة وألف
مجيء السلطان زيدان إلى المغرب واستيلاؤه على مراكش وطرده عبد الله بن الشيخ عنها
كان السلطان زيدان لما فر من فاس إلى تلمسان كما مر أقام بها مدة وكان قد بعث إلى ترك الجزائر يستمدهم ويستعديهم على أخويه فأبطؤوا عليه وطال عليه انتظارهم فلما يئس منهم توجه إلى سجلماسة فدخلها من غير قتال ولا محاربة ثم انتقل عنها إلى درعة ومنها إلى السوس فكتب إليه أهل مراكش وقد ندموا على ما فرطوا فيه من أمره والدخول في طاعته أن يأتيهم ولو وحده فتوجه إليهم ودخل عليهم ليلا فلم يفجأ عبد الله بن الشيخ إلا نداء أهل مراكش بنصر السلطان زيدان وتحزبوا معه وتقدموا إلى قائدهم عبد الله آعراس الذي ولاه عليهم الشيخ فقتلوه وخرج عبد الله فارا بجموعه من أهل فاس والغرب فحاصرهم أهل مراكش بين الأسوار والجنات وقتلوا من أصحاب عبد الله بموضع يعرف بجنان بكار نحو الخمسة آلاف وخمسمائة وأمر زيدان بقتل كل من تخلف عن عبد الله من جيشه فأتى القتل على جميع من وجد بمراكش من جيش أهل فاس وذلك في أواخر سنة خمس عشرة وألف وفر عبد الله بن الشيخ ناجيا بنفسه حتى قدم على أبيه بفاس في أسوأ الحالات مفلول العساكر مهزوم الجموع معتاضا عن جيش النصر بجيش الدموع
عودة عبد الله بن الشيخ إلى مراكش واستيلاؤه عليها وطرده زيدان عنها
لما قدم عبد الله بن الشيخ على أبيه بفاس سليبا مهزوما قامت قيامته ورأى أن يهيئ عسكرا آخر ويجدد جمعا ثانيا فلم يجد لذلك طاقة لفراغ يده من المال وقلة جبايته واستحيى أن يستسلف من التجار لأنه كان استسلف منهم فلم يرد لهم شيئا ولما أعيته الحيلة رجع على قواده فقلب لهم ظهر المجن ونهب أموالهم واستلب ذخائرهم وصار يفرقها على التجار فاجتمع له من ذلك أموال عريضة فرقها في جيشه وتهيأ عبد الله للمسير إلى مراكش وكان أهل فاس قد غضبوا لمن قتل من إخوانهم بها ونادوا بأخذ ثأرهم حتى إن بعضهم خرج مع عبد الله من غير أخذ مرتب ولا جامكية فخرج عبد الله بجموع عديدة وجيوش حفيلة ولما بلغ خبره للسلطان زيدان بعث إليه العلج مصطفى باشا في جيوش كثيرة قال في شرح زهرة الشماريخ كان بعث مصطفى باشا وخروجه من مراكش في شعبان سنة ست عشرة وألف فالتقى الجمعان بموضع يقال له تافلفلت على طريق سلا فهزم مصطفى باشا وقتل من جيش مراكش نحو التسعة آلاف وبعث الشيخ جماعة من عدول فاس إلى موضع المعركة حتى أحصوا القتلى ثم توجه عبد الله إلى مراكش فبرز إليه أهلها في ستة وثلاثين ألف مقاتل والتقى الجمعان بموضع يقال له رأس العين فانهزم أهل مراكش وتقدم عبد الله بن الشيخ فاقتحمها بجيشه وفر زيدان إلى المعاقل المنيعة والجبال الشامخة فبقي منتقلا هنالك إلى أن كان من أمره ما نذكره
ثورة محمد بن عبد المؤمن ابن السلطان محمد الشيخ وانقراض أمره وعود زيدان إلى مراكش
لما دخل عبد الله بن الشيخ مراكش واستولى عليها فعل فيها أعظم من فعلته الأولى وهربت شرذمة من أهل مراكش إلى جبل جيليز واجتمع هنالك منهم عصابة من أهل النجدة والحمية واتفق رأيهم على أن يقدموا للخلافة محمد بن عبد المؤمن ابن السلطان محمد الشيخ وكان رجلا خيرا دينا صينا وقورا فبايعه أهل مراكش هنالك والتفوا عليه فخرج عبد الله بن الشيخ لقتال من بجبل جيليز والقبض على أميرهم المذكور ولما التقى الجمعان انهزم عبد الله وولى أصحابه الأدبار فخرج من مراكش مهزوما سادس شوال سنة ست عشرة وألف وترك محلته وأنفاضه وعدته وجل الجيش وأخذ على طريق تامسنا وامتحن أصحابه في ذهابهم حتى كان مد القمح عندهم بثلاثين أوقية والخبزة من نصف رطل بربع مثقال ولم يزل أصحابه ينتهبون ما مروا عليه من الخيام والعمود ويسبون البنات إلى أن وصلوا إلى فاس في الرابع والعشرين من شوال من السنة المذكورة وأما محمد بن عبد المؤمن فإنه لما دخل مراكش واستولى عليها صفح عن الذين تخلفوا بها من أهل الغرب من جيش عبد الله بن الشيخ وأعطاهم الراتب فلم يعجب ذلك أهل مراكش ونقموا عليه إبقاءه عليهم وكانوا نحو الألف ونصف فكتبوا سرا إلى السلطان زيدان بالجبل فأتاهم وخيم نازلا بظاهر البلد فخرج محمد بن عبد المؤمن إلى لقائه فانهزم ابن عبد المؤمن ودخل السلطان زيدان مراكش واستولى عليها وصفح هو أيضا عن الفئة المتخلفة عن عبد الله بن الشيخ وذكر في شرح زهرة الشماريخ إن هذا الثائر بجبل جيليز اسمه أبو حسون من أولاد السلطان أبي العباس الأعرج والله أعلم ولعل هذا الصواب بدليل ما يأتي في رسالة زيدان إن شاء الله
خروج جالية الأندلس من غرناطة وأعمالها إلى بلاد المغرب وغيرها
قد قدمنا ما كان من استيلاء الطاغية صاحب قشتالة على غرناطة وأعمالها سنة سبع وتسعين وثمانمائة وإن أهل غرناطة التزموا طاعته والبقاء تحت حكمه على شروط اشترطوها عليه قد ذكرنا بعضها فيما سلف وأن عدو الدين قد نقض تلك الشروط عروة عروة وكان أهل الأندلس من أجل ذلك كثيرا ما يهاجرون من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام أثناء هذه المدة السالفة غير أن عامتهم كانوا قد تخلقوا بأخلاق العجم وأثر فيهم ذلك أثرا ظاهرا لطول صحبتهم لهم ونشأة أعقابهم بين أظهرهم فكانت تصدر منهم في بعض الأحيان مقالات قبيحة في حق ولاة المسلمين من أهل المغرب وعامتهم لا سيما إذا نالهم منهم بعض الظلم ولقد رأيت في كتاب المعيار وغيره سؤالات وفتاوى صدرت عن علماء المغرب في حق هؤلاء الصنف منهم وكان الملوك السعديون قد جمعوا منهم جندا كبيرا وبهم فتح المنصور إقليم السودان واستمر الحال على ذلك إلى أن كانت سنة ست عشرة وألف فهاجر جميع من لم يتنصر منهم إلى بلاد المغرب وغيرها قال في نفح الطيب كان النصارى بالأندلس قد شددوا على المسلمين بها في التنصر حتى أنهم أحرقوا منهم كثيرا بسبب ذلك ومنعوهم من حمل السكين الصغير فضلا عن غيرها من الحديد وقاموا في بعض الجبال على النصارى مرارا ولم يقيض الله لهم ناصرا إلى أن كان إخراج النصارى إياهم أعوام سبعة عشرة وألف فخرجت ألوف بفاس وألوف أخر بتلمسان ووهران وخرج جمهورهم بتونس فتسلط عليهم الأعراب ومن لا يخشى الله تعالى في الطرقات ونهبوا أموالهم وهكذا كان ببلاد تلمسان وفاس ونجا القليل منهم من هذه المضرة وأما الذين خرجوا بنواحي تونس فسلم أكثرهم وهم لهذا العهد قد عمروا قراها الخالية وبلادها اه وقال صاحب الخلاصة النقية في أمراء إفريقية ما نصه وفي سنة ست عشرة وألف قدمت الأمم الجالية من جزيرة الأندلس فأوسع لهم صاحب تونس عثمان داي كنفه وأباح لهم بناء القرى في مملكته فبنوا نحو العشرين قرية واغتبط بهم أهل الحضرة وتعلموا حرفهم وقلدوا ترفهم اه ثم قال في نفح الطيب وكذلك خرج طوائف منهم بتطاوين وسلا والجزائر ولما استخدم سلطان المغرب الأقصى منهم عسكرا جرارا وسكنوا سلا كان منهم من الجهاد في البحر ما هو مشهور الآن وحصنوا قلعة سلا وبنوا بها القصور والحمامات والدور وهم الآن بهذا الحال ووصل جماعة منهم إلى القسطنطينية العظمى وإلى مصر والشام وغيرها من بلاد الإسلام اه كلام نفح الطيب وقوله وحصنوا قلعة سلا يعني بها رباط الفتح إذ هي يومئذ مضافة إلى سلا ومعدودة منها والله تعالى أعلم
استيلاء السلطان زيدان على فاس وفرار الشيخ بن المنصور عنها إلى العرائش ثم إلى طاغية الإصبنيول
كان الشيخ بن المنصور عفا الله عنه على ما تقدم من قبح السيرة والإساءة إلى الخاصة والعامة حتى ملته النفوس ورفضته القلوب وضاق أهل فاس بشؤمه ذرعا وكان قد بعث ابنه عبد الله مرة ثالثة إلى حرب السلطان زيدان بمراكش وأعمالها فخرج عبد الله من فاس آخر ذي الحجة سنة ست عشرة وألف فالتقى الجمعان بوادي بوركراك فكانت الهزيمة على عبد الله وفر في رهط من أصحابه وترك محلته بما فيها بيد السلطان زيدان فاستولى عليها وانضم إليه جيش عبد الله من أهل فاس وغيرهم ميلا إليه ورغبة في صحبته فعفا عنهم وتألفهم واستفحل أمر السلطان زيدان وتكلم به أهل فاس وسائر بلاد الغرب واتصل الخبر بالشيخ وعرف أن قلوب الناس عليه فخاف الفضيحة وأصبح غاديا في أهله وحشمه إلى ناحية العرائش فاحتل بالقصر الكبير وهناك لحق به ابنه عبد الله مهزوما من وقعة بوركراك وانضم إليهما أبو فارس بن المنصور فإنه بعد فراره من مرس الرماد إلى مسفيوة أقام بها مدة ولما استولى السلطان زيدان على مراكش كما مر شدد في طلبه ففر إلى السوس ولما أعيت عليه المذاهب وزيدان في طلبه لحق بشقيقه الشيخ فكان معه إلى هذا التاريخ ثم إن السلطان زيدان بعث كبير جيشه مصطفى باشا إلى فاس فانتهى إليها ونزل مخيما بظهر الزاوية ووجد لأصحاب الشيخ زروعا كثيرة فأرسل مصطفى باشا عليها جيشه فانتسفوها ودخلت فاس في طاعته ثم نهض إلى ناحية القصر الكبير ناويا القبض على الشيخ وحزبه واتصل بالشيخ خبره ففر إلى العرائش ومنها ركب البحر إلى طاغية الإصبنيول مستصرخا به على السلطان زيدان وحمل معه أمه الخيزران وبعض عياله وجماعة من قواده وبطانته وذلك في ذي القعدة سنة سبع عشرة وألف وانتهى مصطفى باشا إلى القصر الكبير فقبض على من وجد به من أصحاب الشيخ وفر عبد الله وأبو فارس فنزلا بموضع يقال له سطح بني وارتين فبلغ خبرهما إلى السلطان زيدان فجاء حتى نزل قبالتهما بموضع يقال له آرورات ففر من كان معهما إلى السلطان زيدان ولما بقيا أوحش من وتد بقاع فرا إلى دار اليهودي ابن مشعل من بلاد بني يزناسن فأقاما بها واختصر صاحب المرآة هذا الخبر فقال كان السلطان أبو المعالي زيدان بن المنصور التقى مع ابن أخيه عبد الله بن الشيخ صاحب فاس برؤوس الشعاب يوم الخميس السابع والعشرين من شوال سنة سبع عشرة وألف فانهزم عبد الله بن الشيخ وفر إلى محلة أبيه بالعرائش ثم رجع إلى جهة فاس وانتهى إلى دار ابن مشعل واستولى عمه السلطان زيدان على محلته وسار إلى فاس فدخلها وأقام بها اه وفي دخلة السلطان زيدان هذه إلى فاس قبض على الفقيه القاضي أبي الحسن علي بن عمران السلاسي رحمه الله قال اليفرني في الصفوة كان القاضي المذكور ممن أخذ عن الشيخ القصار وكان مع ذلك لما ولي القصار الفتوى والخطابة بجامع القرويين يسعى عند السلطان في تأخيره حتى أخر وولي هو مكانه مدة يسيرة ثم أعيد القصار وكانت بينهما شحناء عظيمة بسبب فتوى تنازعا فيها ثم أفضت الحال بالقاضي أبي الحسن إلى أن قبض عليه السلطان زيدان بسبب أنه عثر له على كتاب كتبه إلى بعض إخوته ينتقصه فيه ويوهن أمره فأوغر ذلك قلب السلطان عليه فسطا به وسجنه ونهب داره وأثاثه ثم سقاه سما على ما قيل فكان فيه حتفه وقد حكي هذا الخبر في موضع آخر من الصفوة مطولا فقال كان القاضي أبو الحسن علي بن عمران السلاسي شديد الانحراف عن الشيخ العارف بالله أبي زيد عبد الرحمن بن محمد الفاسي سيئ الإعتقاد فيه ولم يزل يسعى به ويكيده فاتفق أن اجتمع بالشيخ في بعض الليالي بعض من يتعاطى العلم فتكلموا في مسائل من صفات الله فنقل كلام الشيخ إلى القاضي على غير وجهه فأنكر ذلك وركب من حينه إلى السلطان زيدان وهو يومئذ بفاس منتهزا للفرصة فقال إن ههنا رجلا يعلم الناس البدع ويلقنهم آراء الفرق الضالة فقال له السلطان من هو قال فلان قال أخو سيدي يوسف قال نعم قال سمعنا أنه أعلم من أخيه ثم بعث السلطان إليه وهو مستشيط غضبا لخبر بلغه من ثورة بعض أقاربه عليه فجاء الشيخ أبو زيد ولم يخلع نعله حتى بلغ بساط السلطان فسلم عليه ومد يده فصافحه ثم تكلموا في المسألة فانقطع القاضي ولم يجد ما يقول إلا أن الناقل لم يحسن نقلها فقال له الشيخ فهلا تثبت وكان بعض علماء مراكش حاضرا فبالغ في عتاب القاضي وقيل للشيخ ما سبب الوحشة بينك وبين هؤلاء فقال لا شيء إلا الاستغناء عنهم فقالوا يا سيدي هذا وصف يوجب الحب فما انفصل الشيخ عن السلطان حتى اطلع على ما يوجب القبض على القاضي فقبض عليه ونهب داره في الحين فنزل الشيخ من فاس الجديد فلقي أثاث القاضي في الطريق جيء به منهوبا وبقي في السجن إلى أن مات مسموما رحمه الله وكان الأديب الكاتب أبو عبد الله المكلاثي قد كتب إليه بأبيات يقول فيها ما نصه ( أما لهلال غاب عنا سفور % فيجلى به خطب دجاه تثور ) ( فصبرا لدهر رام يمنحك الأسى % فأنت عظيم والعظيم صبور ) ( سيظهر ما عهدته من جمالكم % فللبدر من بعد الكسوف ظهور ) ( وتحيى رسوم للمعالي تغيرت % فللميت من بعد الممات نشور ) ( أبا حسن إني على الحب لم أزل % مقيما عليه ما أقام ثبير ) ( ففي الفم ماء من بقايا ودادكم % وذلك عندي سائغ ونمير ) ( عليكم سلام الله ما هطل الحيا % وغنت بأغصان الرياض طيور ) قال منشئها وقد أنشدتها بين يديه بمحبسه فبكى حتى ظننت أنه سيهلك ثم أفاق وقال @QB@ لله الأمر من قبل ومن بعد @QE@ الروم 4 فراجعني رضي الله عنه بأبيات يقول فيها ( تفتق عن زهر الربيع سطور % فما هي إلا روضة وغدير ) ( هزمت من الصدر الجريح همومه % فأنت على جند الكلام أمير ) ( محمد هل في العصر غيرك شاعر % له معكم في الخافقين ظهور ) ( فإني على صفو الوداد وإنني % سأشدوا وقلبي بالهموم كسير ) ( متى وعسى يثني الزمان عنانه % بنهضة جد والزمان عثور ) ( فتدرك آمال وتقضي مآرب % وتحدث من بعد الأمور أمور ) ( عليك سلام الله مني فإنني % غريب بأقصى المغربين أسير ) وكانت وفاة القاضي المذكور رحمه الله في جامع المشور في مهل ربيع الثاني سنة ثمان عشرة وألف
عود عبد الله بن الشيخ إلى فاس واستيلاؤه عليها ومقتل مصطفى باشا رحمه الله
لما دخل السلطان زيدان حضرة فاس واستولى عليها أقام بها إلى أن دخلت سنة ثمان عشرة وألف فاتصل به خبر قيام بعض الثوار عليه بناحية مراكش فنهض إليها مزعجا واستخلف على فاس مولاه مصطفى باشا ولما اتصل خبر نهوضه بعبد الله بن الشيخ وهو بدار ابن مشعل زحف إلى فاس فيمن انضم إليه فبرز إليه مصطفى باشا وضرب محلته بظاهر فاس من ناحية باب الفتوح قال في المرآة وعرض لأبي الحسن علي بن يوسف الأندلسي المعروف بالبيطار غرض من أمور العامة كان يتردد فيه إلى المحلة فركب إليها يوم الاثنين السابع عشر من ربيع الثاني سنة ثمان عشرة وألف فالتقى الجمعان يومئذ بين الظهرين فأجلت الحرب عن مقتل مصطفى باشا وفقد أبو الحسن ابن البيطار وقال في النزهة لما رحل زيدان إلى مراكش بسبب ما بلغه من قيام بعض الثوار عليه هنالك قدم عبد الله بن الشيخ وعمه أبو فارس إلى فاس فخرج مصطفى باشا لمقاتلتهما فعثر به فرسه وقتل وأخذت محلته بأسرها وهلك ما لا يحصى من الناس ووقع النهب حتى انتهب من البقر التي تحلب نحو ستة آلاف ودخل عبد الله بن الشيخ فاسا مع عمه أبي فارس وذلك سابع عشر ربيع الثاني سنة ثمان عشرة وألف
تلخيص خبر أبي فارس ومقتله رحمه الله تعالى
تقدم لنا أن أبا فارس بن المنصور بويع بمراكش وبعث أخاه الشيخ لقتال السلطان زيدان فنكث الشيخ عهده واستبد عليه ثم بعث إليه ابنه عبد الله فهزمه إلى مسفيوة ثم فر منها إلى السوس فأقام عند حاجب أبيه عبد العزيز بن سعيد الوزكيتي ثم لما بالغ زيدان في طلبه فر إلى أخيه الشيخ فلم يزل مع ابنه عبد الله بن الشيخ إلى أن قتل مصطفى باشا ودخل عبد الله فاسا فاستولى عليها كما ذكرناه آنفا فاتفق رأي قواد شراكة على قتل عبد الله وتولية عمه أبي فارس فبلغ ذلك عبد الله فدخل على عمه أبي فارس ليلا مع حاجبه حمو بن عمر فوجده على سجادته وجواريه حوله فأخرجهن وأمر بعمه فخنق وهو يضرب برجليه إلى أن مات وذلك في جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وألف هذا هو الصواب لا ما في نشر المثاني على اضطرابه فأسف الناس عليه لأنه كان يرده عن المناكر ويزجره عن كثير من القبائح وذكر في المنتقى أبياتا من إنشاء الكاتب أبي محمد عبد القادر بن أحمد بن القاسم الفشتالي مما كتب تطريزا على نجاد الواثق بالله أبي فارس المذكور وهي ( أتيه وأزرى بكل نجاد % يروق على حلة اللابس ) ( إذا كنت يوم الوغى محملا % لعضب حكى شعلة القابس ) ( على عاتق الملك المرتضى % سليل الوصي أبي فارس )
عودة السلطان زيدان إلى فاس واستيلاؤه عليها ثم إعراضه عنها سائر أيامه
لما سمع السلطان زيدان وهو بمراكش بمقتل مصطفى باشا نهض إلى فاس وجاء على طريق الجبل وكان نصارى الإصبنيول يومئذ قد نزلوا على العرائش وحاولوا الاستيلاء عليها وذلك بإذن الشيخ كما سيأتي وكان عبد الله بن الشيخ بفاس فسمع بنزول النصارى على العرائش فاستنفر الناس وحضهم على الجهاد فتهيؤوا لذلك وعزموا على النهوض إليها فما راعهم إلا السلطان زيدان قد أقبل من ناحية أدخسان وقد أنزل به محتله وتقدم إلى جهة فاس وضرب بأنفاضه فأنهزم الناس عن عبد الله ودخل شراكة فاسا فبعث زيدان قائده عبد الصمد لتسكين روعة أهل البلد وأمر المنادي أن ينادي بنصره فنزل المنادي إلى أن بلغ باب السلسلة فقام في وجهه بعض السياب من أهل العدوة وضربه فجرحه ورجع المنادي وبطل الأمر فبلغ الخبر السلطان زيدان فأمر بإطلاق السبيل في أهل فاس وتحكيم السيف فيهم ثم ندم فأمنهم وسكن روعتهم ونزل زيدان بوادي فاس فخرج الناس للقائه وهو غضبان عليهم وقد استولى على فاس وتمكن منها فأخذ يسب أعيانهم وهم بقتلهم ولكن الله سلم ثم إن العرب اجتمعوا عند قنطرة المهدومة في نحو ثمانية آلاف فخرج إليهم زيدان ومعه عرب الشرق فانهزموا عنه ولم يبق معه إلا رهط يسير فرأى زيدان أمامه خيلا قليلة فقصدها فإذا فيها عبد الله بن الشيخ وقد رأى زيدان مقبلا إليه ففر مع أن زيدان إنما قصد الفرار إليه من غير علم له به فاستتب أمر زيدان وتراجع إليه أصحابه ومن الغد رجع إلى فاس فخرج إليه أهل فاس يهنئونه كبارا وصغارا فاتهمهم بأنهم يستهزئون به فأمر بهم فسلبوا رجالا ونساء فكان بعضهم ينظر إلى عورة بعض وكان عدد السلب نحو عشرة آلاف كسوة ودخل أصحاب زيدان فاسا فنهبوها وفعلوا فيها الأفاعيل ثم أمر زيدان بتسكين الروعة والأمان وكان ذلك كله سادس رجب سنة تسع عشرة وألف فلما كان اليوم الحادي عشر من الشهر المذكور نزل عبد الله بن الشيخ برأس الماء فخرج إليه زيدان واقتتلوا فانهزم زيدان وقتل من أصحابه نحو الخمسمائة وفر إلى محلته التي ترك بأدخسان وكان ذلك آخر رجوع زيدان إلى فاس فإنه لما أعياه أمر الغرب أعرض عنه وصرف عنايته إلى ضبط ما خلف وادي أم الربيع إلى مراكش وأعمالها وتوارث بنوه سلطنته على ذلك النحو من بعده وبقي عبد الله بن الشيخ يقطع الأيام بفاس إلى أن هلك وقام بأمر فاس من بعده ثوارها وسيابها على ما نذكر وفي كتاب ابتهاج القلوب في أخبار الشيخ المجذوب ما صورته تكلم الشيخ سيدي كدار يوما في ملوك وقته فقال أما الشيخ معطي العرائش فإن أهل الله قد دقوا أوتاده هنالك حتى يموت فلم يتجاوز محله إلى أن قتل به حوز تطاوين كما سيأتي وأما زيدان فإنه لما أطلق السبيل في أهل فاس ضربه مولاي إدريس بركلة صيرته وراء أم الربيع فلم يتجاوزه بعد ذلك اه
استيلاء نصارى الإصبنيول على العرائش والسبب في ذلك
قد تقدم لنا ما كان من خبر الشيخ المأمون من أنه فر إلى العرائش ومنها ركب البحر إلى طاغية الإصبنيول مستصرخا به على أخيه السلطان زيدان فأبى الطاغية أن يمده فراوده الشيخ على أن يترك عنده أولاده وحشمه رهنا ويعينه بالمال والرجال حتى إذا ملك أمره بذل له ما شارطه عليه ولم يزل به إلى أن شرط عليه الطاغية أن يخلي له العرائش من المسلمين ويملكه إياها فقبل الشيخ ذلك والتزمه وخرج حتى نزل حجر باديس في ذي الحجة سنة ثمان عشرة وألف ثم تقدم فنزل ببلاد الريف ولما سمع ذلك أهل فاس خافوا من شوكته وذهب جمع من علمائهم وأعيانهم كالقاضي أبي القاسم بن أبي النعيم والشريف أبي إسحاق إبراهيم الصقلي الحسيني وغيرهما لملاقاته وتهنئته بالقدوم فلما وصلوا إليه فرح بهم وأمر قبطان النصارى أن يخرج مدافعه وأنفاضه إرهابا وإظهارا لقوة النصارى الذين استنصر بهم ففعل حتى اصطكت الآذان وارتجت الجبال ونزل القبطان من السفينة للسلام على الأعيان فلما رأوه مقبلا أمرهم الشيخ بالقيام له فقاموا إليه أجمعون وجازوه خيرا على ما فعل مع الشيخ من الإحسان والنصرة وسلم هو عليهم بنزع قلنسوته على عادة النصارى وأنكر الناس على أولئك الأعيان قيامهم للكافر وضربوا بعصى الذل حتى أنهم في رجوعهم إلى فاس تعرض لهم عرب الحياينة فسلبوهم وأخذوا ما معهم وجردوهم من ملابسهم جميعا ما عدا القاضي ابن أبي النعيم فإنه عرف بزي القضاء فاحترموه ثم إن الشيخ انتقل إلى القصر الكبير وهو قصر كتامة وقصر عبد الكريم فأقام به مدة وراود قواده ورؤساء جيشه أن يقفوا معه في تمكين النصارى من العرائش ليفي له الطاغية بما وعده من النصرة فامتنع الناس من إسعافه في ذلك ولم يوافقه على غرضه إلا قائده الكرني فإنه ساعده على ذلك فبعثه الشيخ إليها وأمره أن يخليها ولا يدع بها أحدا من المسلمين فذهب الكرني المذكور وكلم أهلها في ذلك فامتنعوا من الجلاء عنها فقتل منهم جماعة وخرج الباقون وهم يبكون تخفق على رؤوسهم ألوية الصغار ولما خرج منها المسلمون أقام بها القائد الكرني إلى أن دخلها النصارى واستولوا عليها في رابع رمضان سنة تسع عشرة وألف ووقع في قلوب المسلمين من الامتعاض لأخذ العرائش أمر عظيم وأنكروا ذلك أشد الإنكار وقام الشريف أبو العباس أحمد بن إدريس العمراني ودار على مجالس العلم بفاس ونادى بالجهاد والخروج لإغاثة المسلمين بالعرائش فانضاف إليه أقوام وعزموا على التوجه لذلك ففت في عضدهم قائدهم حمو المعروف بأبي دبيرة وصرف وجوهم عما قصدوه في حكاية طويلة وكان الشيخ لما خاف الفضيحة وأنكار الخاصة والعامة عليه إعطاءه بلدا من بلاد الإسلام للكفار احتال في ذلك وكتب سؤالا إلى علماء فاس وغيرها يذكر لهم فيه أنه لما وغل في بلاد العدو الكافر واقتحمها كرها بأولاده وحشمه منعه النصارى من الخروج من بلادهم حتى يعطيهم ثغر العرائش وأنهم ما تركوه خرج بنفسه حتى ترك لهم أولاده رهنا على ذلك فهل يجوز له أن يفدي أولاده من أيدي الكفار بهذا الثغر أم لا فأجابوه بأن فداء المسلمين سيما أولاد أمير المؤمنين سيما أولاد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم من يد العدو الكافر بإعطاء بلد من بلاد الإسلام له جائز وإنا موافقون على ذلك ووقع هذا الاستفتاء بعد أن وقع ما وقع وما أجاب من أجاب من العلماء عن ذلك إلا خوفا على نفسه وقد فر جماعة من تلك الفتوى كالإمام أبي عبد الله محمد الجنان صاحب الطرر على المختصر وكالإمام أبي العباس أحمد المقري مؤلف نفح الطيب فاختفيا مدة استبراء لدينهما حتى صدرت الفتوى من غيرهما وبسبب هذه الفتوى أيضا فر جماعة من علماء فاس إلى البادية كالشيخ أبي علي الحسن الزياتي شارح جمل ابن المجراد والحافظ أبي العباس أحمد بن يوسف الفاسي وغيرهما
بقية أخبار الشيخ ومقتله رحمه الله وتجاوز عنه
ثم إن الشيخ ابن المنصور نزل بالفحص واجتمعت عليه لمة من أهل الذعارة والفساد على شاكلته فنهض بهم إلى تطاوين فاستولى عليها وأخرج منها كبيرها المقدم المجاهد أبا العباس أحمد النقسيس ولم يزل الشيخ يجول في بلاد الفحص ويعسف أهلها إلى أن ملته القلوب وتمالأ أشياخ الفحص على قتله لما رأوا من انحلال عقيدته ورقة ديانته وتمليكه ثغر الإسلام للكفار ففتك به المقدم أبو الليف في وسط محلته بموضع يعرف بفج الفرس وبقي صريعا مكشوف العورة أياما حتى خرج جماعة من أهل تطاوين فحملوه مع من قتل معه من أصحابه كالدبيريين وبعض أولاده ودفنوهم خارج تطاوين إلى حمل الشيخ إلى فاس الجديد مع أمه الخيزران فدفنا به وكان مقتله خامس رجب سنة اثنتين وعشرين وألف وقال منويل إنه وصل إلى قرب تطاوين وبنى هنالك أفراكا وأقام ينتظر اجتماع الجيوش عليه ثم سكر ذات يوم على عادته وخرج إلى عين ماء هنالك فاستلقى قربها في نبات أخضر أعجبته خضرته فجاءه أناس من أهل تلك البلدة فعرفوه وشدخوا رأسه بصخرة فقتلوه ويقال إن قتله كان بإشارة الثائر أبي محلي الآتي ذكره وإنه كتب إلى المقدمين النقسيس وأبي الليف يحضهما على قتله فقتلوه وانتهبوا ماله وكان شيئا كثيرا ومن جملة ما نهب منه نحو المد من الياقوت وبقي من أثاثه نحو وسق سفينة كان قد تركه بطنجة فاستولى عليه نصاراها من البرتغال لما قتل وكان للشيخ عفا الله عنه مشاركة في العلم ويد في مبادئ الطب أخذ عن أشياخ الحضرتين وله شعر متقارب ومن كتابه الأديب المتفنن أبو العباس أحمد بن محمد الغرديس التغلبي وكان من أهل الإجادة والتبريز في صناعة الإنشاء قال الشيخ أبو محمد العربي الفاسي في شرحه لدلائل الخيرات عند قوله وكان لي جار نساخ ما نصه وقد كان الشيخ الكاتب الرئيس أبو العباس أحمد الغرديس شيخ كتاب الإنشاء بحضرة فاس رحمه الله استعار مني كتاب الأنباء في شرح الأسماء للإقليشي ثم مرض مرض موته فعدته فوجدت الكتاب عند رأسه ومعه كراريس منسوخة وأخرى معدة للنسخ فقال لي إني إذا وجدت راحة كتبت منه ما قدرت عليه فإذا غلبني ما بي أمسكت فقال له ولم تتكلف هذا فقال إني عصيت الله بهذه الأصابع ما لا أحصيه فرجوت أن يكون ما أعانيه على هذه الحال من نسخ هذا الكتاب خاتمة عملي وكفارة لذلك فكمل الله قصده وأتم الكتاب وتوفي من مرضه ذلك وقد طال به سنة عشرين والف اه ولهذا الكاتب يقول الشاعر ( تمتعت يا غرديس والدهر راقد % وأنت بفاس وابن حيون واجد ) ( بسعدك راحت خيزران لقبرها % مصائب قوم عند قوم فوائد )
رياسة ولي الله تعالى أبي عبد الله سيدي محمد العياشي على الجهاد ومبدأ أمره في ذلك
هذا الرجل هو ولي الله تعالى المجاهد في سبيله أبو عبد الله محمد فتحا ابن أحمد المالكي الزياني المعروف بالعياشي ونسبته إلى بني مالك ابن زغبة الهلاليين وهم اليوم قبيلة من عرب الغرب كان رحمه الله مستوطنا مدينة سلا وكان من تلامذة الولي العارف بالله تعالى أبي محمد عبد الله بن حسون السلاسي دفين سلا وكان ابتداء أمر أبي عبد الله أنه كان ملازما لشيخه المذكور من أقرب التلامذة إليه وأسرعهم إلى خدمته وأولهم دخولا عليه وآخرهم خروجا عنه وكان مع ذلك كثير الورع قليل الكلام مديما للصيام وقراءة القرآن فكان الشيخ ابن حسون ملتفتا إليه ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن شاعت مناقب الشيخ وكثر غاشيه فأهدى له يوما بعض أشياخ القبائل فرسا فأمر الشيخ بإسراجه وقال أين محمد العياشي فقال ها أنا ذا يا سيدي فقال الشيخ اركب بحول الله فرسك ودنياك وآخرتك فتفهقر تأدبا فحلف عليه ليركبن وحبس له الركاب بيده وقال له ارتحل عني إلى آزمور وانزل على أولاد أبي عزيز ولا بد لك من الرجوع إلى هذه البلاد وسيكون لك شأن عظيم فودعه أبو عبد الله ووضع الشيخ يده على رأسه وبكى ودعا له بخير فقصد ناحية آزمور ونزل حيث عين له شيخه المذكور وذلك لأول دولة السلطان زيدان سنة ثلاث عشرة وألف فلم يزل أبو عبد الله العياشي مثابرا على الجهاد شديد الشكيمة على العدو عارفا بوجوه المكايد الحربية بطلا شهما مقداما في مواطن الإحجام وقورا صموتا عن الكلام فطار بذلك في البلاد صيته وشاع بين الناس ذكره لما هو عليه من التضييق على نصارى الجديدة وكانوا يومئذ قد أمر أمرهم ففرح بذلك قائد آزمور ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن توفي قائد الفحص والبلاد الآزمورية فسأل السلطان زيدان عمن يليق بتولية ذلك الثغر فقيل له سيدي محمد العياشي فكتب إليه بالتولية فقبل ونهض بأعباء ما حمل من ولاية الفحص وجهاده وكانت له مع نصارى الجديدة وقائع وضيق عليهم حتى منعهم من الحرث والرعي فبعث النصارى إلى حاشية السلطان زيدان بالتحف ونفائس الهدايا ليعزلوا عنهم أبا عبد الله المذكور لمضايقته لهم فخوفوا السلطان زيدان عاقبته وحضوه على عزله وأظهروا له أنه مسموع الكلمة في تلك النواحي وأنه يخشى على الدولة منه وكان أبو عبد الله العياشي كلما بعث بالغنائم وما يفتح الله به عليه من الأسارى إلى مراكش ازدادت شهرته وتناقل الناس حديثه فوغر بذلك قلب زيدان وحنق عليه فبعث إليه قائده محمد السنوسي في أربعمائة فارس وأمره بالقبض عليه وقتله وألقى الله في قلب القائد المذكور الشفقة عليه لما يعلم من براءته مما قذف به فبعث إليه خفية أن أنج بنفسك فإنك مغدور فخرج أبو عبد الله العياشي في أربعين رجلا فرسانا ومشاة قاصدين سلا فاستقر بها سنة ثلاث وعشرين وألف ولما انتهى السنوسي إلى آزمور ولم يجد له أثرا أظهر العناية بالبحث عنه وعاقب شرذمة من أهل الفحص على إفلاته تعمية على السلطان وإقامة لعذره عنده فقبل السلطان زيدان ذلك والله غالب على أمره
ثورة الفقيه أبي العباس أحمد بن عبد الله السجلماسي المعروف بأبي محلي
قال في كتابه أصليت الخريت ما ملخصه كانت ولادتي سنة سبع وستين وتسعمائة بسجلماسة والذي تلقيته من أبي وكافة عمومتي أن أولاد أبي محلي من ذرية العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وأما جدنا الأشهر المكنى بأبي محلي فتح الميم والحاء وكسر اللام المشددة بعدها ياء تحتية ساكنة مع كبير شهرته لا علم لي الآن بسبب تكنيته بذلك ولا بتفاصيل أحواله بعد البحث عنه قال وبخطة القضاء اشتهر نسبنا فنعرف بأولاد القاضي وزاويتنا بزاوية القاضي ولم تزل بقية العلم في دورنا وخصوصا دار أبي اه وقال صاحب البستان أبو محلي هذا اسمه أحمد بن عبد الله وينتسب إلى بني العباس ويعرفون في سجلماسة بأولاد ابن اليسع أهل زاوية القاضي انتهى قلت أما الانتساب إلى العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فقد أنكر ابن خلدون وجود النسبة العباسية في المغرب قال في فصل اختلاط الأنساب وما بعده ما نصه ولم يعلم دخول أحد من العباسيين إلى المغرب لأنه كان منذ أول دولتهم على دعوة العلويين أعدائهم من الأدارسة والعبيديين فكيف يسقط العباسي إلى أحد من شيعة العلويين اه ثم قال أبو محلي في الكتاب المذكور فلما نشأت في حجر والدي بذل مجهوده في تعليمي وقد كانت أمي رأت وهي حامل بي وليا من أولياء الله تعالى أحد شيوخ التربية ببلدنا وهو الشيخ أبو الحسن علي بن عبد الله السجلماسي قد سقاها قدحا من لبن وأرجو الله صدق تأويلها بالعلم والدين وحق اليقين قال وكان خروجي لطلب العلم بفاس في حدود الثمانين وتسعمائة وأنا يومئذ مراهق أو بالغ الحلم لا همة لي إلا في العلم فأقمت بفاس نحو خمس سنين إلى أن جاء النصارى إلى وادي المخازن فدهش الناس واستشرت أخا من الطلبة فدلني على الخروج إلى البادية حتى ينجلي نهار الأمن فخرجت إلى كريكرة فحفظت فيها الرسالة وقد كنت ما حصلت بفاس إلى النحو ثم رجعت إلى فاس بعد أن زال الدهش بهزيمة النصارى وولاية المنصور والنحو صنعتي وفي الفقه رغبتي وقد كنت في الخرجة الأولى إلى البادية زرت قبر الشيخ أبي يعزى رضي الله عنه فطلبت الله عنده أن أكون من الراسخين في العلوم بأسرها وتوبة يتقبلها فما دار علي الحول إلا وأنا بزاوية الشيخ أبي عبد الله سيدي محمد بن مبارك الزعري لا عن قصد لكوني إذ ذاك مولعا بالعلم أما طريق الفقر فلا تخطر لي ببال لأن المعتمد يومئذ في فقراء الوقت أخلاق الضلال فكنت أشد الناس حذرا منهم إلى أن انكشف الستر فرأيت ما رأيت ووعيت فصاحبت شيخي الذي لولاه مع فضل الله لهلكت ولولا هدايته بإذن الله لضللت أعني أبا عبد الله مولاي محمد بن مبارك الزعري القبيل الجراري السبيل وهو رضي الله عنه من قبيلة عرب بالمغرب يقال لهم زعير بصيغة التصغير والنسب إليها زعرى على التكبير وهي قبيلة من عرب السوس بالمغرب الأقصى قال فبقيت في صحبة شيخي المذكور نحوا من ثمان عشرة سنة وما فارقته إلا عن أمره إذ هو الذي وجهني إلى بلدي سجلماسة من غير اختيار قائلا لي صلاحهم فيك ثم ناولني عصاه وبرنسه ونعله من غير طلب مني لشيء من ذلك وجعل في رأسي قلنسوة كالخرقة بيده اليمنى عند الوداع فلما استوطنت بلدي عن إذنه زرته منه إحدى عشرة مرة وفي الأخيرة منها وذلك بعد مقفلي من الحجة الأولى التي كانت سنة اثنتين بعد الألف دعا لي بقوله بلاك الله أكثر مما بلاني فتأولتها بإقبال الخلق كما ترى وقد صاح عندها صيحة عظيمة لم أر مثلها منه منذ صحبته إذ عادته كانت الطمأنينة ولما توفي رحمه الله بقيت نحوا من ثلاث سنين عاطلا ثم تحلى النحر بدرر لطائفه الموعود بها فله الحمد على ما أسدى وله الشكر فيما أولى ثم ذكر بقية أشياخه كالشيخ أبي العباس المنجور والشيخ أبي العباس السوداني والشيخ سالم السنهوري وغيرهم ممن يطول ذكرهم قال ثم كملت الفائدة بعد المقفل من الحج فرجعت إلى الديار المغربية ونزلت بوادي الساورة ثم تحولت بجميع عيالي إلى الوادي المذكور هذا ملخص أوليته منقولا من كتابه المذكور وقال الشيخ أبو العباس أحمد التواتي رحمه الله تعالى في رسالته التي سماها مقامة التحلي والتخلي من صحبة الشيخ أبي محلي وهي رسالة طويلة مسجعة قال كان الفقيه أبو محلي في أول أمره فقيها صرفا ثم انتحل طريقة التصوف مدة حتى وقع على بعض الأحوال الربانية ولاحت له مخايل الولاية فانحشر الناس لزيارته أفواجا وقصدوه فرادى وأزواجا وبعد صيته وكثرت أتباعه قال فلما سمعت بذلك ذهبت إليه وجلست عنده إلى أن وجدته يشير إلى نفسه بأنه المهدي المعلوم المبشر به في صحيح الأحاديث فتركته وراء ونبذته بالعراء اه وقال الشيخ اليوسي في محاضراته وقد تكلم على الدعوى الفاطمية ما نصه وممن ابتلي بها قريبا أحمد بن عبد الله بن أبي محلي التستاوتي خاض في الطريق حتى حصل له نصيب من الذوق وألف فيها كتابا يدل على ذلك ثم نزغت به هذه النزغة فحدثونا أنه كان في أول أمره معاشرا لمحمد بن أبي بكر الدلائي وكان البلد إذ ذاك قد كثرت فيه المناكر وشاعت فقال ابن أبي محلي لابن أبي بكر ذات ليلة هل لك في أن نخرج غدا إلى الناس فنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر فلم يساعفه لما رأى من تعذر ذلك لفساد الوقت وتفاقم الشر فلما أصبحا خرجا فأما ابن أبي بكر فانطلق إلى ناحية النهر فغسل ثيابه وازال شعثه بالحلق وأقام صلاته وأوراده في أوقاتها وأما ابن أبي محلي فتقدم لما هم به من الحسبة فوقع في شر وخصام أداه إلى فوات الصلاة عن الوقت ولم يحصل على طائل فلما اجتمعا بالليل قال له ابن أبي بكر أما أنا فقد قضيت مآربي وحفظت ديني وانقلبت في سلامة وصفاء ومن أتى منكرا فالله حسيبه أو نحو هذا من الكلام وأما أنت فانظر ما الذي وقعت فيه ثم لم ينته إلى أن ذهب إلى بلاد القبلة ودعا لنفسه وادعى أنه المهدي المنتظر وأنه بصدد الجهاد فاستخف قلوب العوام واتبعوه اه وصار ابن أبي محلي يكاتب رؤساء القبائل وعظماء البلدان يأمرهم بالمعروف ويحضهم على الاستمساك بالسنة ويشيع أنه الفاطمي المنتظر وأن من تبعه فهو الفائز ومن تخلف عنه فموبق وربما كان يقول لأصحابه محرضا لهم على نصرته أنتم أفضل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لأنكم قمتم بنصر الحق في زمن الباطل وهم قاموا به في زمن الحق ونحو هذا من زخارف كلامه وإلى ذلك أشار الفقيه أبو زكرياء يحيى بن عبد المنعم الحاحي في بعض قصائده معرضا بأبي محلي المذكور فقال ( يا أمة المصطفى الهادي أليس لكم % فيمن مضى أسوة من سائر العلما ) ( نسيتم دين خير الخلق وافترقت % آراؤكم فغدا الإسلام منقسما ) ( أتحسبون بأن الله تارككم % سدى وخلقكم قد تعلمون لما ) ( ناشدتكم بالذي في العرض يجمعنا % أما فطنتم ومالاه كمن فهما ) ( بأن مغربكم قد عمه سخط % من المهيمن يا لله معتصما ) ( إن قيل للناس إن الهرج يوبقكم % قالوا الفقيه فلان قبلنا اعتزما ) ( لو لم يكن جاز ما أفتى الإمام به % ولا أتاه ألا تبنوا الذي انهدما ) ( ومن يقل قال خير الخلق قيل له % ها صاحب الوقت يكفينا الذي علما ) ( ونحن أفضل من صحب الرسول لنا % أجر يضاعف في أجفارنا نظما ) ( وزخرفوا ترهات القول فانفعلت % لهم نفوس عوام رشدها عدما )
نهوض ابن أبي محلي إلى سجلماسة ودرعة واستيلاؤه عليها ثم على مراكش بعدهما
كان أبو العباس بن أبي محلي عفا الله عنه لما كثرت جموعه وانثال الناس عليه يصرح بوجوب القيام بتغيير المنكر الذي شاع في الناس ويقول إن أولاد المنصور قد تهالكوا في طلب الملك حتى فنى الناس فيما بينهم وانتهبت الأموال وانتهكت المحارم فيجب الضرب على أيديهم وكسر شوكتهم ولما بلغه ما فعل الشيخ من إجلاء المسلمين عن العرائش وبيعها للعدو الكافر استشاط غضبا وأظهر انه غضب لله لا لشيء سواه فخرج يؤم سجلماسة وكان خليفة زيدان عليها يومئذ يسمى الحاج المير فخرج عامل زيدان لمصادمته وهو في نحو أربعة آلاف وابن أبي محلي في نحو أربعمائة فلما التقى الجمعان كانت الدبرة على جيش زيدان وأشاع الناس أن الرصاص يقع على أصحاب أبي محلي باردا لا يضرهم ونفخ الشيطان في هذه الفرية فسكنت هيبته في القلوب وتمكن ناموسه منه ولما دخل سجلماسة أظهر العدل وغير المناكر فأحبته العامة وقدمت عليه وفود أهل تلمسان والراشدية يهنئونه وفيهم الفقيه العلامة أبو عثمان سعيد الجزائري المعروف بقدورة شارح السلم وهو من تلامذة ابن أبي محلي كما ذكره في الأصليت ولما بلغ خبر الهزيمة إلى زيدان وانتهى إليه فلها جهز إليه من مراكش جيشا وأمر عليه أخاه عبد الله بن المنصور المعروف بالزبدة فسمع به أبو محلي فسار إليه فكان اللقاء بينهما بدرعة فوقعت الهزيمة على عبد الله بن المنصور ومات من أصحابه نحو الثلاثة آلاف فقوي أمر ابن أبي محلي واشتدت شوكته وجمع بين سجلماسة ودرعة وكان القائد يونس الأيسي قد هرب من زيدان لأمر نقمه عليه وقصد إلى أبي محلي فجاء معه يقوده ويطلعه على عورات زيدان ويهون عليه أمره وما زال به إلى أن أتى به إلى مراكش فبعث إليه زيدان جيشا كثيفا فهزمه أبو محلي وتقدم فدخل مراكش واستولى عليها وفر زيدان إلى ثغر آسفي وهم بركوب البحر إلى بر العدوة هكذا في النزهة وذكر الوزير البرتغالي في كتابه الموضوع في أخبار الجديدة إن نصارى الجديدة بعثوا إلى السلطان زيدان بمائتين من مقاتلتهم إعانة له على عدوه من غير أن يطلب منهم ذلك فلما وصلوا إليه أنف من الاستعانة بهم على المسلمين لكنه أحسن إليهم وأطلق لهم بعض أسراهم وردهم مكرمين هذا كلامه والحق ما شهدت به الأعداء وذلك هو الظن بزيدان رحمه الله ولما دخل أبو محلي قصر الخلافة بمراكش فعل فيه ما شاء وولد له هنالك مولود سماه زيدان ويقال إنه تزوج أم زيدان وبنى بها ودبت في رأسه نشوة الملك ونسي ما بنى عليه أمره من الحسبة والنسك وفي المحاضرات للشيخ اليوسي رحمه الله ما صورته وزعموا أن إخوانه من الفقراء ذهبوا إليه حين استولى على مراكش برسم زيارته وتهنئته فلما كانوا بين يديه أخذوا يهنئونه ويفرحون له بما حاز من الملك وفيهم رجل ساكت لا يتكلم فقال له ما شأنك لا تتكلم وألح عليه في الكلام فقال الرجل أنت اليوم سلطان فإن أمنتني على أن أقول الحق قلته قال له أنت آمن فقل فقال إن الكرة التي يلعب بها الصبيان يتبعها المائتان وأكثر من خلفها وينكسر الناس وينجرحون وقد يموتون ويكثر الصياح والهول فإذا فتشت لم يوجد فيها إلا شراويط أي خرق باليه ملفوفة فلما سمع ابن أبي محلي هذا المثل وفهمه بكى وقال رمنا أن نجبر الدين فأتلفناه انتهى
استصراخ السلطان زيدان بأبي زكرياء يحيى بن عبد المنعم الحاحي ومقتل أبي محلي رحمه الله
لما التف الرعاع من العامة على أبي محلي وكثرت جموعه وعلم زيدان ضعفه عن مقاومته كتب إلى الفقيه أبي زكرياء يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد المنعم الحاحي ثم الداودي مستغيثا به ثم وفد عليه بنفسه وكان يحيى بزاوية أبيه من جبل درن وله شهرة عظيمة بالصقع السوسي وله أتباع فأتاه السلطان زيدان وقال له إن بيعتي في أعناقكم وأنا بين أظهركم فيجب عليكم الذب عني ومقاتلة من ناوأني فلبي أبو زكرياء دعوته وحشر الجيوش من كل جهة وخرج يؤم مراكش في ثامن رمضان سنة اثنتين وعشرين وألف ولما انتهى إلى فم تانوت موضع على مرحلتين من مراكش كتب إليه أبو محلي بما نصه بسم الله الرحمن الرحيم من أحمد بن عبد الله إلى يحيى بن عبد الله أما بعد فقد بلغني أنك جندت وبندت وفي فم تانوت نزلت اهبط إلى الوطاء ينكشف بيننا الغطاء فالذئب ختال والأسد صوال والأيام لا تستقيم إلا بطعن القنا وضرب الحسام والسلام فأجابه يحيي بما نصه من يحيى بن عبد الله إلى أحمد بن عبد الله أما بعد فليست الأيام لي ولا لك إنما هي للملك العلام وقد أتيتك بأهل البنادق الأحرار من الشبانة ومن انتمى إليهم من بني جرار ومن أهل الشرور والبؤس من هشتوكة إلى بني كنسوس فالموعد بيني وبينك جيليز هنالك ينتقم الله من الظالم ويعز العزيز ثم زحف يحيى إلى مراكش في جموعه فنزل بقرب جيليز جبل مطل على مراكش وبرز إليه أبو محلي والتحم القتال بينهما فكانت أول رصاصة في نحر أبي محلي فهلك مكانه وانذعرت جموعه ونهبت محلته واحتز رأسه وعلق على سور مراكس فبقي معلقا هنالك مع رؤوس جماعة من أصحابه نحوا من اثنتي عشرة سنة وحملت جثته فدفنت بروضة الشيخ أبي العباس السبتي تحت المكتب المعلق هنالك عند المسجد الجامع وزعم أصحابه أنه لم يمت ولكنه تغيب قال اليفرني وحدثني من أثق به من أهل وادي الساورة أن فيهم إلى الآن من هو على هذا الإعتقاد وذكر الشيخ اليوسي في المحاضرات أن أبا محلي كان ذات يوم عند أستاذه ابن مبارك فورد عليه وارد حال فتحرك وجعل يقول أنا سلطان أنا سلطان فقال له الأستاذ يا أحمد هب أنك تكون سلطانا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ووقع في يوم آخر للفقراء سماع فتحرك أبو محلي وجعل يقول أنا سلطان أنا سلطان فتحرك فقيرا آخر وجعل يقول ثلاث سنين غير ربع ثلاث سنين غير ربع قال وهذه هي مدة ملكه اه ويذكر انه لما طاف بالبيت في وجهته الحجازية سمع وهو يقول يا رب إنك قلت وقولك الحق @QB@ وتلك الأيام نداولها بين الناس @QE@ آل عمران 140 فاجعل لي يا رب دولة بينهم قالوا ولم يسأل حسن العاقبة فرزق الدولة وآل به الأمر إلى ما أبرمته يد القدرة وكان أبو محلي رحمه الله فقيها محصلا له قلم بليغ ونفس عال وله تآليف منها الوضاح والقسطاس والأصليت والهودج ومنجنيق الصخور في الرد على أهل الفجور وجواب الخروبي عن رسالته الشهيرة لأبي عمرو القسطلي وغير ذلك وقد وقعت بينه وبين يحيى بن عبد الله مراسلات ومهاجيات نظما ونثرا كقوله ( أيحيى الخسيس النذل مالك تدعي % بزور شعارا للفحول الأوائل ) ( كدعواك في بيت النبوة نسبة % وأنت دنيء من أخس القبائل ) ( ووجهك وجه القرد قبح صورة % ورأسك رأس الديك بين المزابل ) ويزعمون أن يحيى كان معاشرا لأبي محلي أيام الطلب بالمدرسة بفاس قال اليفرني وحدثني صاحبنا القاضي أبو زيد السكتاني أنه وقف على تأليف كبير مشتمل على ما وقع بين يحيى وأبي محلي من الشعر في غرض الهجاء وغيره وقد رمز تاريخ ثورة أبي محلي ووفاته الشيخ الفقيه أبو العباس أحمد المريدي المراكشي فقال قام طيشا ومات كبشا ولا يخفى ما فيه بعد إفادة التاريخ من حسن التلميح وبديع التورية ولما قتل ابن أبي محلي دخل يحيى مراكش واستقر بدار الخلافة منها وألقى بها عصا تسياره ورام أن يتخذها دار قراره فكتب إليه السلطان زيدان يقول أما بعد فإنا كنت إنما جئت لنصرتي وكف يد ذلك الثائر عني فقد أبلغت المراد وشفيت الفؤاد وإن كنت إنما رمت أن تجر النار لقرصك وتجعل الملك من قنصك فأقر الله عينك به والسلام فتجهز يحيى للعود إلى وطنه وأظهر العفة عن الملك وأنه إنما جاء ليدافع عن السلطان الذي بيعته في عنقه وانقلب إلى بلاده ورجع زيدان إلى مراكش فاستقر بدار ملكه وقد قيل إن يحيى رام الملك وأن أجناده من البربر لم يساعدوه في قصة طويلة والله أعلم
بقية أخبار أبي زكرياء يحيى بن عبد المنعم الحاحي وما دار بينه وبين السلطان زيدان رحمه الله
هو يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد المنعم الحاحي الداودي المناني وكان جده سعيد واحد وقته علما ودينا وهو الذي أحيا الله به السنة بالسوس وانتعش به الإسلام فيه وتوفي سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة فخلفه ولده أبو محمد عبد الله وجرى على نهجه وسبيله بل كان بعض الناس يفضله على أبيه وتوفي سنة اثنتي عشرة وألف ودفن بزداغة من جبل درن حيث كانت زاويته ولما مات جلس ولده أبو زكرياء يحيى موضعه وانتهج سبيله وكان فقيها مشاركا رحل إلى فاس وأخذ عن شيوخها كالمنجور وغيره وعن الشيخ العارف بالله أبي العباس أحمد الحسني على ما وجد بخطه السوساني الشهير بأدفال دفين درعة وهو معتمده أخذ عنه كثيرا من الفنون وأجازه في علوم الحديث إجازة عامة وكان يحيى شاعرا محسنا وكانت له شهرة عظيمة بالصلاح وله أتباع كوالده وجده وتوجهت إلى زيارته الهمم وركبت إليه النجائب إلا أنه وقع له قريب مما وقع لأبي محلي فتصدى للملك وخاض في أمور السلطنة فتكدر مشربه وقد قال بعض العلماء إن الرياسة إذا دخلت قلب رجل لا تقصر عن إذهاب رأسه ولذلك قال صاحب الفوائد في حقه إنه قام لجمع الكلمة والنظر في مصالح الأمة فاستمر به علاج ذلك إلى أن توفي ولم يتم له أمر وكان يراسل السلطان زيدان ويكثر عليه ويجير عليه من استجار به ويروم إلى مناصحته ابتغاء ويحسو من ذلك حسوا في ارتغاء وكان زيدان يتحمل منه أمرا عظيما فمما كتب به يحيى إليه ما نصه من يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد المنعم كان الله له بجميل لطفه آمين اللهم إنا نحمدك على كل حال ونشكرك يا ولي المؤمنين على دفع اللاواء والمحال و صلى الله عليه وسلم ونستوهبك يا مولانا جميل لطفك وجزيل فضلك في المقام والترحال عائذين بوجهك الكريم من مؤاخذتنا بسوء أعمالنا يا شديد المحال هذا وسلام الله الأتم ورضوانه الأعم ورحمته وبركاته على المولى الإمام العلم المقدام العلوي الهمام كيف أنتم وكيف أحوالكم مع هذا الزمان الذي شمر عن ساقه لسلب الأديان وألح في اقتضاء هواه على كل مديان فإنا لله ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل وبعد فالباعث به إليكم في هذه البطاقة أمور ثلاثة مدارها على قوله صلى الله عليه وسلم ( الدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولخاصة المسلمين وعامتهم ) فالأول بيان سبب الركون إلى جانبكم والثاني الحامل على دفع مناويكم والثالث ملازمة نصحكم وتذكيركم والضجر مما يصدر منكم ومن أعوانكم للرعية أما الأول فله أسباب كثيرة منها مراعاة الجناب النبوي الكريم في أهل بيته ورضي الله عن أبي بكر الصديق القائل ارقبوا محمدا في أهل بيته والقائل لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي ( يا أهل بيت رسول الله حبكم % فرض من الله في القرآن أنزله ) ( يكفيكم من عظيم المجد أنكم % من لم يصل عليكم لا صلاة له ) ومنها نصح خاصة المسلمين الذي هو الدعاء بالهداية لهم ورد القلوب النافرة إليهم و نصحهم بقدر الإمكان مشافهة ومراسلة ومكاتبة وقد بذلنا الجهد في الجميع أخلص الله القصد في الجميع وأما الثاني فلما جرى القدر بتغلب ذلك الإنسان المتسلط على النفس والحريم والأموال وأدخل بتأويلاته البعيدة عن الصواب ما ليس في المذهب وتعدى خصوص الولاة إلى سائر الرعية فاضلها ومفضولها ومد مع ذلك يد الوعيد المؤكد بالإيمان إلينا في الأنفس والأموال فناشدناه كما تقرر في فتاوى الأئمة رضي الله عنهم حيث توفرت فيه فصول الصائل كلها بشاهد العيان فكان الأمر كما قدر الله تعالى @QB@ لله الأمر من قبل ومن بعد @QE@ الروم 4 وأما الثالث فالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فسورة والعصر قائمة البرهان في كل أوان وعصر وقال تعالى في قضية كليمه @QB@ رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين @QE@ القصص 17 وقد استشهد به بعض العلماء في بري قلم لكاتب بعض الأمراء المتقدمين وحسبنا الله ونعم الوكيل وقوله جل من قائل @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان @QE@ المائدة 2 وأما السنة فالحديث الأول قوله صلى الله عليه وسلم ( المعين شريك ) وقوله ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) وقد كنا مقتصرين على التغيير باللسان والقلم لكون التغيير العملي إليكم حتى جذبتمونا إليه ودللتمونا بارتكاب أصعب مرام عليه وقوله ( من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله ) وقد قال المواق في شرحه على المختصر من أعان على عزل إنسان وتولية غيره ولم يأمن سفك دم مسلم فهو شريك في دمه إن سفك ثم أتى بالحديث المتقدم استعظاما لذلك الأمر الفظيع فإنا لله وإنا إليه راجعون على أنا انخدعنا بالله حتى كنا نأمن بالقطع سفك الدماء إذ ذاك حيث كتبت إلينا مرارا وأمنت وأرسلت وكنت أتخوف من هذا الواقع اليوم بآزمور وآسفي ومراكش والغرب ولذلك كنت ألححت عليكم في تقرير العهد حتى أتاني القائد عبد الصادق بمصحف ذكر انه لسلطان تلمسان في جرم صغير وقال لي أمرني السلطان أن أحلف لك فيه نيابة عنه على بقائه على العهد فيما بينك وبينه من تأمين كل من أمنته وإمضاء كل ما رأيته صلاحا للأمة ثم لم أكتف حتى أتى القاضي فكتبت إلي معه إن كل ما رأيت فيه الصلاح للأمة أمضيته وأنك آمنت كل من أمنته ثم بعد استقرارك في دارك كتبت إلي كتابا إنك باق على ما تعاهدنا معك عليه من الأمور كلها على معيار الشريعة فما راعني إلا وقد أخفرت في ذمة الله وأماني الذي عقدته للناس فمن مأسور ومقيد ومطلوب بمال ومطرود عن بلد وأخبار آخر ترد علينا من جهة السواحل وأن الناس تباع فيها للعدو دمره الله ولم نر من اهتبل بذلك ممن قلدتموه أمور الثغور فلم ندر هل بلغك ذلك فتسقط عنا ملامة الشرع أو لم يبلغك فأعلمنا الله لتطمئن قلوبنا فإني أكاتبك في ذلك فلا أرى جوابا فقضيت والله من الأمر عجبا فإن عددت ما من الله به عليك من رجوعك إلى سرير ملكك واجتماعك بسربك آمنا من قبيل النعم فقيده بما تقيد به كما في كريم علمك وإن رأيته بنظر آخر فإن لله ما في السموات وما في الأرض وأما الإجماع فلم نر من العلماء من نهى عن نصح خاصة المسلمين وتنبيههم على ما يصلح بهم وبالرعية بل عدوه من الدين للحديث الأول وغيره وأما استشعرناه من امتعاضكم من عدم الأنة القول في مكاتبتنا لكم فما خاطبناكم قط رعيا لذلك ولو بنصف ما خاطب به الأئمة الأول أهل زمانهم اتكالا على مطالعتكم لكتبهم وعلمكم بما لم نعلمه من ذلك ولم نروه ويكفيكم نصح الفضيل وسفيان وإمامنا مالك رضي الله عنهم لمعاصريهم من الولاة ومنهم من بكى وانتفع ومنهم من غشي عليه وتوجع ومنهم من ندم واسترجع إلى غير ما ذكرنا على اختلاف الأعصار وتنوع الدول والأقطار فبذلك اقتدينا وبما كان عليه أشياخنا وأسلافنا لكم ولأسلافكم عملنا كالفقيه شيخ والدنا رحمه الله سيدي عبد الله الهبطي لجدكم المرحوم بكرم الله فطمعت بنجح النصح ونفعه دنيا وأخرى فهذا أصل قضيتنا معكم وهلم جرا والذكرى تنفع المؤمنين على كل الأحوال والحمد لله على كل حال و صلى الله عليه وسلم وبتاريخ أواخر ربيع النبوي الأنور كتبه عن إذنه رضي الله عنه عبد ربه محمد بن الحسن بن أبي القاسم لطف الله به بمنه اه فأجابه السلطان زيدان رحمه الله بما نصه بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله عليه وسلم من عبد ربه تعالى المقترف المعترف زيدان بن أحمد بن محمد بن محمد بن محمد إلى السيد أبي زكرياء يحيى بن السيد أبي محمد عبد الله ابن سعيد أعاننا الله وإياكم على اتباع الحق ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا وسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فقد ورد علينا كتابكم ففضضنا ختامه ووقفنا على سائر فصوله ثم إننا إن جاوبناكم على ما يقتضيه المقام الخطابي ربما غيركم ذلك وأدى إلى المباغضة والمشاحنة فيحكى عن عثمان رضي الله عنه أنه بعث إلى علي رضي الله عنه وأحضره عنده وألقى إليه ما كان يجده من أولاد الصحابة الذين اعصوصبوا بأهل الردة الذين كان رجوعهم إلى الإسلام على يد الصديق رضي الله عنه وهو في كل ذلك لا يجيبه فقال له عثمان رضي الله عنه ما أسكتك فقال يا أمير المؤمنين إن تكلمت فلا أقول إلا ما تكره وإن سكت فليس لك عندي إلا ما تحب ولكن لما لم أجد بدا من الجواب أرى أن أقدم لك مقدمة قبل الجواب فلتعلم أن الحجاج لما ولاه عبد الملك العراق وكان من سيرته ما يغني اشتهاره عن تسطيره هنا فتأول ابن الأشعث الخروج عليه وتابعه على ذلك جماعة من التابعين كسعيد بن جبير وأمثاله من أولاد الصحابة رضي الله عنهم ولما قوي عزمهم على ذلك استدعوا الحسن البصري لذلك فقال لا أفعل فإنني أرى الحجاج عقوبة من الله فنفزع إلى الدعاء أولى قال بعض فضلاء العجم يؤخذ من هذا أن الخروج على السلطان من الكبائر وجواز المقام تحت ولاية الظلم والجور وقد علمت ما كان من أمر عبد الرحمن بن الأشعث وسعيد وأمثاله وعلمت قضية أهل الحرة لما أوقع بهم جند يزيد بن معاوية بالحرم الشريف ولما بلغه الخبر أنشد
( ليت أشياخي ببدر شهدوا % جزع الخزرج من وقع الأسل ) وشاع ذلك عنه وذاع وكان على عهد أكابر الصحابة وأولادهم ولا تعرض أحد منهم لنكير عليه ولا تصدى لقيام ولا خاطبه بملام وأما ما يرجع إلى جواب الكتاب فأما ما حكيت عن الصديق رضي الله عنه في أهل البيت والأحاديث الواردة فيهم وأنه يجب تعظيمهم واحترامهم وتبجيلهم لأجل النبي صلى الله عليه وسلم فإن كان يجب عليكم تعظيمهم فإن تعظيمهم يجب على أولى وأولى عملا بقوله تعالى @QB@ قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى @QE@ الشورى 23 وأجرى الله تعالى عادته أنه ما تصدى أحد لعداوة هذا البيت النبوي إلا كبه الله لوجهه وأما ما أوردتم من الأحاديث في النصح فإني والله أحب أن تنصحني سرا وعلانية مع زيادة شكري عليه وأراها منك مودة وأعدها محبة ولكني أفعل ما أقدر عليه لأن الله سبحانه يقول @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ البقرة 286 ولهذا قال أكثر العلماء في صدور تصانيفهم ولم آل جهدا في كذا لأن النفوس الشريفة العالية لا تترك من فعل الخير والجد في اكتسابه إلا ما عز تناوله عليها وصعب اكتسابه وأما ما ذكرتم من أمر أبي محلي وسيرته وما كان تسلط عليه أما ما كان من استنهاضكم إليه المرة بعد المرة وتكررت في ذلك إليكم الرسل حتى أجبت إليه فلا نحتاج فيه إلى إقامة حجة غير كونه خرج عن الجماعة وقد قال صلى الله عليه وسلم ( من أراد أن يشق عصاكم فاقتلوه كائنا من كان ) وإلا فلو دخل الملك من بابه وبايعه أهل الحل والعقد وأخذ ذلك بوسائط مثل بيعة جدنا المرحوم التي تضافرت عليها علماء المغرب وأهل الدين المشاهير فلو كان وصل إلى ذلك بمثل هذه الوسائط لم يجب حربه ولا القيام عليه بما ذكرتم لأن السلطان لا ينعزل بالفسق والجور وإلا فإن الصحابة في زمن يزيد بن معاوية لا يحصى عددهم وما تصدى أحد للقيام عليه ولا قال بعزله وإلا فإنهم لا يقيمون على الضلالة ولو نشروا بالمناشير وأما أبو محلي فبمجرد قيامه يجب عليك وعلى غيرك إعانتنا عليه لأنك في بيعتنا وهي لازمة لك فالطاعة واجبة عليك واعلم أيضا أن والدك أفضل منك بدليل @QB@ آباؤكم وأبناؤكم @QE@ من أبنائكم إلى يوم القيامة ) وكان عمنا مولاي عبد الملك رحمه الله وسامحه على ما كان عليه واشتهر به إعلانا وكان والدك في دولته وبيعته ووفد عليه ولم يستنكف من ذلك ولا ظهر منه ما يخالف السلطنة ولا أنكر ولا عرض بما يسوء سلطان الوقت ولا سمع ذلك منه فإن كان راضيا بفعله فهو مثله وإن لم يرض فما وجه سكوته والوفادة عليه وقد تحققت وعلمت أن ولاية أحمد ابن موسى الجزولي كادت تكون قطعية واشتهر أمره عند الخاص والعام حتى أطبق أهل المغرب على ولايته وقد كان على عهد مولاي عبد الله برد الله صريحه وكان المولى المذكور على ما كان عليه واشتهر عنه وما برح الشيخ المذكور يدعو له ولدولته بالبقاء ويظهر حبه وكان المولى المذكور يعزل ويولي ويقتل وكان قد شرد منه إلى زاوية الشيخ المذكور المرابط الأندلسي وولد آضاك وأمثالهم وكان الشيخ المذكور يقدم للشفاعة فيشفع ولا يتعقب ولا يبحث عما وراء ذلك باق على عهده ومودته وكان المولى المذكور بعث لابن حسين بسد داره فما فتحها حتى أمره ولا استعظم أحد ذلك ولا أكثر فيه ولا جعله سببا لفتح الفتنة وكان قواد المذكور مثل وزيره ابن شقراء وعبد الكريم بن الشيخ وعبد الكريم بن مؤمن العلج والهبطي والزرهوني وعبد الصادق بن ملوك وغيرهم ممن لم يحضرني ذكرهم لبعد عصرهم قد انغمسوا في شرب الخمور واتخاذ القيان وبسط الحرير وغير ذلك من آلات الفضة والذهب وكان في عصره أحمد بن موسى المذكور وابن حسين ومحمد الشرقي وأبو عمرو القسطلي ومحمد بن إبراهيم التامنارتي والشيظمي وغير هؤلاء من المشايخ وأهل الدين الذين لا يسع من يدعي هذه الطريقة التقدم عليهم ولا اكتساب الفضيلة دونهم فأحسنوا السيرة ولا تعرضوا للسلطنة ولا سمع منهم ما يقدح في ولادة الأمر وقادة الأجناد ممن ذكر الذين كان الملك يدور عليهم ويرجع في تدبيره إليهم ومثل من ذكر من الأولياء كان علامة الزمان وواحد وقته شيخ مشايخ إفريقية وبعض أهل المغرب عبد العزيز القسنطيني الشيخ المتكلم الصوفي صاحب الآيات البينات قد كان من سكان تونس وكان ملوك تونس ومن انضاف إليهم على الفساد الذي لا ينحصر واشتهر أمرهم حتى عرفوا به في المشارق والمغارب ولم يبرح الشيخ المذكور من بينهم ولا تصدى لتغيير المنكر والأمر بالمعروف حتى قبضه الله إليه وأما ما ذكرتم من أن من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله هذه حجة عليك لا علينا لأني ما سعيت في قتل أحد يعلم الله ولا قتل من قتل إلا بأمر القضاة وأهل العلم إن كان واعلم أنه إذا كان هذا يكون وعيدا في قتل الواحد فما بالك بمن يريد فتح باب الفتنة حتى لا يقف القتل على المئين والآلاف ونهب الأموال وكشف الحريم إلى غير ذلك أما تعلم أن فتنة أبي محلي قد هلك بسببها من النفوس والأموال ما لا يحصى عدده ولا يستوفى نهايته كاتب وكان كل ذلك على رقبته لأنه هو المتسبب الأول الفاتح أبواب الفتنة لأنه كان يقتل كل من انتمى إلينا حتى قتل بسببه في يوم واحد بمكان واحد خمسمائة قتيل ولولا أبو محلي ما قتلوا وأعظم في حرمة النفوس من هذا الذي قلت قوله تعالى @QB@ كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا @QE@ المائدة 32 وليس في قول المواق ما يحتج به على السلطان وإنما هو في أصحاب الخطط على الترتيب الذي كان على عهده مثل أصحاب الشرط كصاحب الشرطة الذي ينفذ أحكام القاضي وصاحب شرطة السوق الذي ينفذ الأحكام عن قاضي الحضرة وغير ذلك من الولايات وولاية أبي محلي لا تعد ولاية حتى يعتبر عزله وما عند المواق وغيره وقفنا عليه وعرفناه وتلقيناه عن الأشياخ الجلة وعرفنا ما عند الشافعية والحنفية ودرسناه المرة بعد المرة ولست ممن ينطبق عليه قوله ( أشقى الناس عالم لم ينفعه الله بعلمه ) ولكن لماذا تحتج بقول المواق لغرضك وتجعله حجة ولم تجبنا نحن فيما كتبنا إليك به في يونس اليوسي وقلنا لك صلى الله عليه وسلم ( الحرم لا يجير عاصيا ) قال الأبي وهذا يحتج به على أهل الزوايا وأضربت عن الجواب وليس ذلك من أدب الجدل ولكن أخبرنا عن الوجه الذي منعت به يونس اليوسي من الشرع فإن متاعنا عنده وإماء أهلنا في داره إلى يوم الوقعة وترتب في ذمته للمسلمين من الأموال والدماء ما علمت فإن كنت ممن يريد العدل فهلا عدلت فيه فحينئذ نعلم أنك لا تريح جهته ولا تذهب بك النفس مذهبها لا جرم حينئذ نكون عند ما تريد ومع هذا لما أمسكنا زوجته وكتبت لنا فيها سرحناها ساعة وصول خطابك من غير توقف فلو كنت عناديا لعبثت بها عبثه هو بإماء أهلي وأهل داري على أني ما رددت شفاعتك منذ عرفتك بعثت لي إبراهيم بن يعزى فسرحناه لغرضك على أنه ترتب في ذمته ما ينيف على خمسين ألف أوقية وذلك المال إنما يقال له بيت مال المسلمين وإنما كان يجب تخليده في السجن وأهل الحصن أخرجناهم منه عن آخرهم وأنفذتم كتابكم بردهم فأمرنا بردهم عن آخرهم وابن يعقوب أوزال حاكم البلد وشبه الخليفة تركناه على دارنا وحرك من غير إذننا ولا مشورتنا وبعثنا مكانه فأنفذت الكتاب فيه فرد لمكانه ما هو الأمر الذي سافرت كتبك فيه ولا أسرعنا فيه خفافا وأما مسألة أهل آزمور فلما جاء كتابكم عزلنا صاحبه وسرحنا من كان عنده ورددنا الخيل وقضية الحناشة الناس في شأنهم بالاجتهاد وقضية العرب اعلم أن العرب قد أفسدوا الأرض واستطالوا سواء هذه البلاد والغرب والذي يليق بهم ما أفتى به سحنون في عرب إفريقية والمغرب ولو طالبناهم بمجرد العشر مدة هذه الفتنة في المغرب لأتى ذلك على أموالهم والناس قد خرجوا عن أطوارهم وأحبوا الفتن طلبا للراحة وانظر كتاب الإفادة كذا للقاضي واستطالتهم فيه عليه في قضية شرعية مشروحة في رسمها القديم على أنهم أضعف الناس قلوبا انظر ما صدر منهم فما بالك بالعرب الذين خرجوا عن الطاعة وتساوى الشيخ والصغير في ذلك فإن كنت تصغي لمقالاتهم وإسعاف شهواتهم والتعرض للسلطان دونهم فهذا نفس خراب العالم وطالع كتاب صاحبنا من عند الرحامنة وما صدر منهم لخديمكم ورأيت أن أقدم لك مقدمة أمام هذا وإن كانت أدبية قيل لابن الرومي وهو علي بن العباس لم لم تقل كقول ابن المعتز ( كان آذريوننا والشمس فيه عاليه % مداهن من ذهب فيها بقايا غاليه ) فأجاب بأن قال لا يقدر أن يقول هو في مثل قولي في وصف الرقاقة ( ما أنس لا أنس خبازا مررت به % يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر ) ( ما بين رؤيتها في كفه كرة % وبين رؤيتها فوراء كالقمر ) ( إلا بمقدار ما تنداح دائرة % في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر ) وقال كل منا وصف أواني بيته ورب البيت أعلم بما فيه وأهل مكة أدرى بشعابها والصيرفي أعرف بنقد الدينار وقصة الخضر والكليم صلوات الله على نبينا وعليهم فيها كفاية لمن يعتبر في خرقه السفينة وقتله الغلام وإقامته الجدار والكليم يرد عليه في كل ذلك حتى أنبأه الله بسر ما لم يعلم على أن علم الخضر في علم موسى كحلقة ملقاة في فلاة هكذا قال بعض العلماء وقال بعضهم كل منهم على علم خصه الله تعالى به ومن هنا جوز ابن عربي الحاتمي في بعض كتبه وأحسب أن ذلك في الفصوص أن الولي الذي يتخذه الله ويصطفيه بمحبته يطلعه على علم لم يطلع عليه الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فقال مشيرا إلى نفسه أطلعني الله على علم لم يطلع عليه آدم فمن دونه واعلم أن السلطنة لها أسرار لا بد منها وسياسة ينكر ظاهرها ولكن نرجع إلى غرضك ومرادك أخبرنا كيف تحب أن يسلك الناس في العرب فإن كنت تحب أن يسلك الناس فيهم مسلك مولاي عبد الله فالزمان غير الزمان والأسعار قد طلعت وبلغت النهاية والله تعالى قد بعث أنبياءه وأنزل كتبه بحسب ما يقتضيه الزمان وهذا يعرفه من خالط الشرائع والكتب المنزلة وأخذ العلم من أفواه الرجال وأدبته مجالس العلم ونحن نلخص لكم الكلام على بعض ما أورد الناس في الخارج أما ما بنوا عليه فرضه في صدر الإسلام والدول العظام فلا نطيل بذكره لشهرته وأما في المغرب خصوصا فأول من فرضه عبد المؤمن بن علي وجعله على أقطاع الأرض بناء على أن المغرب فتح عنوة وإليه ذهب بعض العلماء ومنهم من يقول إن السهل فتح عنوة والجبل فتح صلحا فإذا تقرر هذا وعلمت أن أهل ذلك العصر قد بادوا واندثروا وبقي السهل كله إرثا لبيت المال تعين أن يكون الخراج فيه على ما يرضي صاحب الأرض وهو السلطان والجبل تتعذر معرفة ما كان الصلح عليه ولا سبيل إلى الوقوف عليه فيرجع فيه إلى الاجتهاد وقد اجتهد سلفنا الكرام رضوان الله عليهم في فرضه لأول الدولة الشريفة على حسب وفق أئمة السنة ومشايخ أهل العلم والدين في ذلك العهد فجرى الأمر على السنن القويم إلى أن هبت عواصف الفتنة لأيام ابن عمنا صاحب الجبل وإدالة مولانا الإمام وصنوه المرحوم على حواضر المغرب وسهله عند الزحف بالأتراك وامتدت به الفتنة في الجبل إلى أن هلك مع النصارى في الغزوة الشهيرة وجاء الله من مولانا المقدس بالجبل العاصم للإسلام من طوفان الأهوال فقدر رضي الله عنه الأشياء حق قدرها ورأى أن المغرب غب تلك الفتن قد فغر فمه لالتهامه عدوان عظيمان الترك وعدو الدين الطاغية فاضطر رحمه الله إلى الاستكثار من الأجناد لمقاومة العدو والذب عن الدين وحماية ثغور الإسلام فدعا تضاعف الأجناد إلى تضاعف العطاء وتضاعف العطاء إلى تضاعف الخراج وتضاعف الخراج إلى الإجحاف بالرعية والإجحاف بالرعية أمر يستنكف رضي الله عنه من ارتكابه ولا يرضاه في سيرة عدله طول أيامه فلم يمكن له حينئذ إلا أن أمعن النظر رحمه الله في أصل الخراج فوجد بين السعر الذي بنى عليه في قيمة الزرع والسمن والكبش الذي تعطيه الرعية منذ زمن الفرض وبين سعر الوقت أضعافا فحينئذ تحرى رحمه الله العدل فخير الرعية بين دفع كل شيء بوجهه ودفع ما يساويه بسعر الوقت فاختاروا السعر مخافة أن يطلع إلى ما هو أكثر فأجابهم إليه رضي الله عنه وعرف الناس الحق فلم ينكره أحد من أهل الدين ولا من أهل السياسة ليت شعري لو طلبنا نحن الرعية بسعر الوقت الذي طلع اليوم إلى أضعاف مضاعفة ماذا تقولون وقد انتقدتم علينا ما هو أخف من ذلك والحاصل راجعوا رضي الله عنكم ما عند الإمام الماوردي في الأحكام السلطانية في ضرب الخراج فقد استوفى الكلام في ذلك وأما ما تقضيه من العجب لتعطل أجوبتنا عنك فنحن نراجع أقل منك ولكن كتابك آكد مبناه على قصة أهل آزمور فأنفذنا من أخرج الذي كان به وأقصاه عنه وشرد من كان عنده فتوقف الجواب حتى رجع الخديم فحينئذ أجبناكم بما وصلكم وتعجيل الأجوبة وبطؤها فاعلم أن الذي يقتضي ذلك أمور منها أن يكون الأمر الذي ورد الخطاب فيه منكم ما سمعت به ولا بلغني فنتوجه للبحث عنه والفحص عن أسبابه فربما أوجب ذلك البطء بحسب الأماكن والبلدان فيكون جوابنا على أساس وبيان وإن كان عندنا خبر ما ورد فيه خطابكم فالجواب لا يتأخر وقد وقع هذا منا غير مرة وكون تعطيله منشأه ما من الله به علينا من رجوعنا إلى سرير ملكنا واجتماعنا بسربنا آمنين اعلم أن أهل هذا المغرب لما تمالؤوا علي وخرجت إلى المشرق والتقيت بالترك والأروام وجالسوني وجالستهم وخاطبوني وخاطبتهم فمنهم مشافهة ومنهم مراسلة وكنت أيام مقامي في أرضهم كمقامي على سرير ملكي لأن كبيرهم وصغيرهم ورئيسهم ومرؤوسهم كان ينتجع فضلي ويمد كفه رغبة في نعمتي وواسيت الجميع عطاء مترفا مع قلة الزاد والذخيرة وترفعت عن مواساة الأماثل والأكابر من العجم والعرب ولا ركنت لأحد بل تجودت بما قدرت عليه من الأخبية حتى جعلت محلة برماتها وخيلها فترامت علي العجم بالرغبة وبسطوا أكف الضراعة في المقام عندهم والدخول في جملتهم وعرضوا علي الإقطاعات السنية والبلادات الملوكية بلطف مقال وأدب خطاب حتى قال لي القبطان مراد رئيس المجاهدين وما مثلك يكون مع العرب ها نحن نخدمك بأموالنا وأنفسنا وبمالنا من السفن حيث أردت وأحببت وما انفصلت عنهم حتى كتبت لهم بخطي إني احمل أهلي وحاشيتي وأرجع إليهم إلا إن تمكن لي الدخول في الملك والغلبة على البلاد أو بعضها وقفلت من عندهم ولم يتعلق بثوب عفافي ما يشينه معهم ولا مع العرب ولا كان لأحد علي منة ولا نعمة إلا فضل الله سبحانه وكان فضل الله علينا عظيما ثم إني دخلت سجلماسة على رغم أنف أهلها وواليها ومنها دخلت السوس وجعلت ولي الله العارف به أبا محمد عبد الله بن المبارك واسطة بيني وبين أخي حتى اجتمعت بأهلي ومالي ثم بعث إلي الترك بأحد بلكباشات اسمه مصطفى صولجي إلى السوس راغبين في إنجاز الوعد وجنحت للمسير إليهم فرأيت الأهل والأتباع قد عظم الأمر عليهم واستعظموا الخروج فأسعفت رغبتهم في المقام بالمغرب وشيعت الرسول قافلا إلى قومه من سجلماسة عند الدخول الثاني لها ومغالبة أهلها عليها وعززته برسول من عندي إليهم بتحف وأموال ورد بها عليهم مع رسولهم ثم إني اقتحمت مراكش على أهل فاس على كثرة عددهم وعددهم وقلتي ففتح الله ثم خرجت إلى السوس مرة أخرى وأوقعت بولد مولاي أحمد الشريف وجموع مراكش وقد تعصبوا عليه لأنهم شيعة جده ففضضته على رغمهم ونازلته بالسهل والحزن حتى أمكن الله منه وحكم بيني وبينه ثم نجم الغوى أبو محلي وغلبت على الرأي وقد قال من هو أفضل مني مولانا علي كرم الله وجهه لا رأي لمن لا يطاع ودخل هذه البلاد وخرجت أنا إلى السوس ريثما تجتمع قبائلنا في المكان الذي كان اجتماعهم فيه إلى أن بلغتهم وقصد إليهم أبو محلي فقاتلوه ورحل عنهم بعد أن أثخنوا فيه بالقتل ثم وافيتهم فكان الحرب بيننا سجالا فهل سمعتم خلال هذه الأحوال أني احتجت إلى أحد فيما قل أو جل وهذا كله بحيث لا يخفى عليك اللهم أن تعدوا الوفادة التي وفدنا عليك من قبيل الاضطرار والاحتياج فلا أدري على أني ما قصدتك لطلب دنيا لأني كنت أسمع ما أنت عليه من متانة الدين والصلاح والإقبال على طاعة الله والتمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا غرو أن من كان هذا وصفه كان جديرا بأن يقصد للدعاء ولإصلاح القلب ولا شك أننا نزلنا دارك وحللنا بمكانك ولما وقع الاجتماع بك جرت المذاكرة في أبي محلي وغيره حتى كتبت الكتاب الذي علمنا عليه وها هو بخط يدك فإن نسينا بعض ما فيه ولا فعلنا فأخبرنا به نستدركه وهذه مراكش التي ذكرتم قد كنت فيها ما ذكرتم ووقفت على عبد المؤمن بن ساسي وعدته مرة أخرى في مرضه وهل قصدته لطلب دنيا أو عرفته لأجلها ومحمد بن أبي عمرو لما وقفت على المدرسة التي من بناء مولاي عبد الله وقفت عليه في داره وكل ذلك إنما نفعله تأكيدا للمحبة وزيادة في المعرفة بالله ولو علمت أن ذلك يعد عيبا ويظن أنه نوع من الاحتياج ما كنت والله لأقف على أحد ولو أنه يملكني الدنيا بحذافيرها لأن الخير والشر بيد الفاعل المختار فهو أولى بالاضطرار إليه وأما سربي فما تروع قط حتى يأمن وأما من كان بالدار التي ذكرتم فإنما هم أهلي ومتروك أعمامي وهذه الدار التي ذكرتم فها نحن ننتقل عنها إلى بعض البلاد الغربية البحرية كما قلت لك ذلك مشافهة ساعة قلت لي ينبغي للأشراف بناء بالجبل لوقت ما وحكيت ذلك عن والدك وأما ما أخبركم به القاضي أيام ورودي إلى السوس وقت بلغني كتابكم الذي نصه قد اجتمعت أناس وفسدت النيات وتعينت المطامع وأردنا تدبيركم لأن الملوك أهل التدبير والمراد رجوعنا لأوكارنا من غير وصمة تلحق الجانبين فكلما حمل فهو عني والتزمته إلى الآن إلا ما طرأ علينا فيه النسيان فذكرونا به فإنا لا نخرج عنه وأما يمين المصحف وأني حلفت فيه للقائد عبد الصادق فلا والله ما حلفت فيه ولا أحلف لأحد إلى لقاء الله أما علمت أني حضرت بيعة الشيخ المأمون صاحب الغرب سامحه الله وحضر أولاد السلطان واستحلفهم له إلا أنا رضي الله عنه فإنه قال فلان لا يحلف لا يحتاج إليه فيما نأمره به ونفعله وعظم ذلك على إخوتي وظهرت في وجوههم لأجله الكراهية ولكن الذي قلت لعبد الصادق أحلف للمرابط فإني أوفى لك به ولا زلت على ذلك لأن الذي كنت تقول في ذلك الوقت أخاف أن تقع في أهل مراكش والأكابر ونحوهم مثل حكومة عبد القادر ونحوها أما أهل مراكش فما تعرضنا لأحد منهم حتى تركنا متاعنا لأجلكم كولد المولوع وغيره وهذا الميدان والشقراء فابعث من رضيت ينادي فيهم من له حق علينا ننصفه منه ومن خدامي أيضا وإن كنت سمعت قضية منصور العكاري فالعكاري نزل أهلنا في خيمته عند وقعة رأس العين فلما أرادوا الطلوع إلى الجبل تركوا أكثر مالهم في خيمته مع بعض الخدم خوفا من غائلة البربر لما كان وقع منهم لأهل بابا أبي فارس فأخذ سماطا من ذهب يزيد على ستين ألف أوقية وكان أيام أبي حسون معه وفي جملته حتى مات القائم فبذل حجته بإنجازه عشرين ألفا والباقي حتى يؤديه على سعة وطلب منا أن يتعمل ويتولى بعض الخطط لينتفع ويجمع بعض ذلك فصرفناه حتى إذا جاء أبو محلي ووقع ما وقع طالبناه بمتاعنا وهو لا يسعه إنكاره وهكذا عبد الكريم الذي في زاويتك بنفسه يعلم أن إخوته أخذوا لي سلعة في وسط حلتهم وأنا بين بيوتهم تزيد على خمسين ألفا وأخذوا الإبل وها نحن سكتنا عنهم ولا طالبناهم بها وأيضا قال لك انظر ما فعل بإخوتي وصرت تكاتبنا وأنت لا علم عندك بأصل المسألة وأما الأموال فإن الله سبحانه قد وسع علينا من فضله وعندنا ما يكفي الخامس والسادس من الولد وعرفنا الناس وعرفونا وعاملناهم وعاملونا ولو أردت خمسمائة ألف مثقال من أصحاب أفلا منك أو من أصحاب الإنجليز وكتبت إليهم في ذلك ما تأنوا في بعثه ولا لاذوا فيه بمعذرة وقد كفانا الله به والحمد لله على ذلك واعلم أن الظن فيك جميل ولولا ذلك ما أعطيتك خمسة آلاف مثقال وسمحت بالمال الذي حمل إليكم ابن عبد الواسع أولا وسلعة السفن أخيرا وبهذا كله تستدل على صفاء السريرة وصالح النية والله سبحانه يعلم ذلك وأما الامتعاض من عدم الأنة القول وحسن الخطاب فكما قال تعالى @QB@ وقولوا للناس حسنا @QE@ البقرة 83 وإنك لم تبلغ ولو نصف ما خاطب به الأئمة رضوان الله عليهم أهل زمانهم اتكالا على علمنا به وحسبي نصح الفضيل ابن عياض وسفيان ومالك رضوان الله عليهم فهذه المسألة حسبي في الجواب منك انتهى ما وقفنا عليه من هذه الرسالة وهي دالة على براعة الرجل فقها وأدبا وكمال مروءة وعلو همة رحمه الله وغفر ذنوبه
استيلاء نصارى الإصبنيول على المعمورة ونهوض أبي عبد الله العياشي لجهادهم وانتفاض أندلس سلا على السلطان زيدان رحمه الله
قد قدمنا في أخبار الوطاسيين ما كان من استيلاء البرتغال على المعمورة المسماة اليوم بالمهدية ومقامهم بها سنين قلائل ثم جلائهم عنها ثم لما استولى الإصبنيول خذله الله في هذه المدة على العرائش كما مر طمحت نفسه إلى الاستيلاء على غيرها وتعزيزها بأختها فرأى أن المهدية أقرب إليها فبعث إليها الطاغية فيليبس الثالث من جزيرة قادس تسعين مركبا حربية فانتهوا إليها واستولوا عليها من غير قتال لفرار المسلمين الذين كانوا بها عنها هكذا في تواريخ الفرنج وقال شارح الزهرة كان نزول النصارى بمرسى الحلق سنة اثنتين وعشرين وألف وقيل سنة ثلاث وعشرين بعدها وقيل غير ذلك وكان عدو الله الإصبنيول أراد أن يضمها إلى العرائش لينضبط له ما بينهما من السواحل وتتقوى عساكره بهما فخيب الله ظنه ولقي من أهل الإسلام عرق القربة وكان أبو عبد الله العياشي بعد رجوعه من آزمور وسلامته من اغتيال قائد زيدان دخل سلا في نحو أربعين رجلا وزار ضريح شيخه أبي محمد بن حسون وبات عنده فجاءه أهل سلا وذكروا له ما هم فيه من الخوف من نصارى المعمورة وأن مسارحهم قد امتدت إلى الغابة وأن النصارى ألفان من الرماة سوى الفرسان فأمرهم بالتهيؤ إليهم وفي نشر المثاني ما نصه وفي أواخر جمادى الثانية سنة ثلاث وعشرين وألف أخذ النصارى المهدية فكتب أهل سلا إلى السلطان زيدان فبعث إليهم أبا عبد الله العياشي الذي كان مقدما بوكالته على الجهاد بدكالة وهو يقتضي أن مجيء العياشي إلى سلا كان بإذن السلطان لا فرارا منه والأول أصح اللهم إلا أن يكون مجيئه فارا كان بعد هذا التاريخ والله أعلم وأمر أبو عبد الله العياشي أهل سلا بالتهيؤ للغزو واتخاذ العدة فلم يجد عندهم إلا نحو المائتين منها وكانت السنون والفتن قد أضعفتها فحضهم على الزيادة والاستكثار منها فكان مبلغ عدتهم بما زادوه زهاء أربعمائة ثم نهض بهم إلى المعمورة فصادف بها من النصارى غرة فكانت بينه وبينهم حرب قربها إلى أن غربت الشمس فقتل من النصارى زهاء أربعمائة ومن المسلمين مائتان وسبعون وهذه أول غزوة أوقعها في أرض الغرب بعد صدوره من ثغر آزمور ومنها أقصرت النصارى عن الخروج إلى الغابة وضاق بهم الحال ثم إن السلطان زيدان لما بلغه اجتماع الناس على سيدي محمد العياشي بسلا وسلامته من غدرة قائده السنوسي بعث إلى قائده على عسكر الأندلس بقصبة سلا المعروف بالزعروري وأمره باغتياله والقبض عليه ففاوض الزعروري أشياخ الأندلس في ذلك فاتفق رأيهم على أن يكون مع العياشي جماعة منهم عينا عليه وطليعة على نيته واستخبارا لما هو عازم عليه وما هو طالب له فلازمه بعضهم وشعر العياشي بذلك فانقبض عن الجهاد ولزم بيته ثم إن الله أوقع النفرة بين السلطان زيدان وبين أهل الأندلس وذلك أن السلطان المذكور كان قد بعث قبل ذلك إلى القائد الزعروري أن يجهز إلى درعة أربعمائة من أندلس سلا فجهزهم إليها وطالت غيبتهم بها ففر أكثرهم ونفرت قلوبهم عن الزعروري وسلطانه فكان زيدان يبعث إلى أهل الأندلس بسلا بتجديد البعث إلى درعة فيأبون الانقياد إليه في ذلك وكرهوه وأزمعوا على خلع طاعته ثم وشوا إليه بقائده الزعروري فبعث زيدان بالقبض عليه فقبض عليه ونهب أهل الأندلس داره وكتبوا إلى السلطان بذلك مظهرين طاعته مكيدة ونفاقا فبعث إليهم مولاه وقائده المملوك عجيبا فمكث بين أظهرهم مدة فلم يعبؤوا به وصاروا يهزؤون به ثم عدوا عليه فقتلوه فظهر منهم شق العصا على السلطان زيدان وأظلم الجو بينه وبينهم وبقي أهل سلا فوضى لا والي عليهم وكثر النهب وامتدت أيدي اللصوص إلى المال والحريم وسيدي محمد العياشي ساكت لا يتكلم واستمر الحال على ذلك إلى أن كان من أمره ما نذكره بعد هذا إن شاء الله
انعطاف إلى خبر عبد الله بن الشيخ بفاس والثوار القائمين بها وما تخلل ذلك
قد قدمنا ما كان من قدوم السلطان زيدان إلى فاس أواسط سنة تسع عشرة وألف واستيلائه عليها ثم خروجه عنها وإعراضه عنها وعن أعمالها إلى آخر دولته وكان عبد الله بن الشيخ حياة أبيه الشيخ تحت أمره يصغي إليه ولا يقطع أمرا دونه وقيل إنه خرج عن طاعته سنة عشرين وألف ولما قتل أبوه ببلاد الهبط كما مر استبد عبد الله هذا بفاس وما انضاف إليها على وهن وفشل ريح وكان غالب جنده من شراقة وشراقة هؤلاء هم عرب بادية تلمسان وما انضاف إليها وسموا بذلك لأنهم في ناحية الشرق من المغرب الأقصى فأهل تلمسان وأعمالها يسمون أهل المغرب الأقصى مغاربة وأهل المغرب الأقصى يسمون أهل تلمسان وأعمالها مشارقة لكن العامة يلحنون في هذه النسبة فيقولون شراقة فكان غالب جند عبد الله من هؤلاء العرب ومن انضم إليهم فهم حماته وأنصاره وبهم كان يعتصم حتى أعطاهم أجنة الناس ودورهم فكان الرجل من أهل فاس يأتي بستانه فيجد الأعرابي بخيمته في وسطه فيقول له أعطانيه السلطان ومدوا أيديهم إلى حريم الناس ونهبوا الأسواق وجاهروا بالفساد وأظهروا السكر في الطرقات واقتحموا على الناس دورهم حتى أن امرأة كانت تطبخ خليعا وولدها رضيع عندها فاقتحم عليها الدار أحد شراقة فهربت المرأة وأغلقت عليها مشربة لها فلم يقدر لها على شيء فراودها على النزول فأبت فقال لها إن لم تنزلي رميت الولد في الطنجير فتمادت على الامتناع فرمى به فيه فما هو إلا أن رأت ولدها في وسط الطنجير صاحت وألقت بنفسها عليه فاندقت رقبتها وماتت فغاظ الناس ذلك وأعظموه وقام رجل منهم يقال له أبو الربيع سليمان بن محمد الشريف الزرهوني محتسبا على شراقة واعصوصب عليه كثير من العامة وقاموا بنصرته فقتل شراقة والتلمسانيين بفاس حيث وجدوا وحكم السيف في رقابهم ونفاهم عن فاس وحماها من إذايتهم وطهرها من رجسهم فاستحسن الناس أمره وأذعنوا إليه قال في المرآة وفي يوم الجمعة الحادي والعشرين من ربيع الأول يعني سنة عشرين وألف ثار بفاس الشريف أبو الربيع سليمان بن محمد الزرهوني وعضده الفقيه أبو عبد الله محمد اللمطي المعروف بالمربوع وتبعهما أهل فاس بأجمعهم وأخرجوا من كان بها من جيش السلطان وقتلوا كثيرا منهم وجرت في ذلك خطوب آلت بعد سنين إلى انقطاع الملك بفاس وبقي الناس فوضى إلى الآن اه كلام المرآة وكان ابتداء أمر شراقة واشتداد شوكتهم سنة ست عشرة و ألف كانوا إدالة على أهل فاس نازلين بقصبة الطالعة وبقصبة أخرى وببعض الفنادق وقرب باب المسافرين إلى أن قام عليهم الشريف أبو الربيع في التاريخ المتقدم وكان عبد الله بن الشيخ يوم ثورة أبي الربيع وفتكه بشراقة غائبا في سلا فلما بلغه الخبر قدم ورام أن يصلح بين أهل فاس وبين شراقة وراودهم على ذلك فقالوا لا لا فسميت تلك السنة سنة لا لا ثم أمر أبو الربيع أهل فاس بشراء العدة والتهيؤ لقتال شراقة وخرج إليهم فاقتتلوا خارج باب الجيسة فانهزمت شراقة واستتب أمر أبي الربيع وسكنت أحوال المدينة وأمن الناس أمانا لم يعهد من زمان السلطان الغالب بالله وفي يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الثانية سنة عشرين وألف كانت وقعة المترب موضع خارج باب الفتوح وسببها أن أهل فاس استغاث بهم الملالقة واستصرخوهم على شراقة مكيدة وحيلة فخرجوا في يوم شديد الريح وكمن لهم شراقة بخولان وأغاروا عليهم بغتة فانهزم الناس وقتل من أهل فاس نحو الألفين وفي نشر المثاني سبعمائة فقط قال وجلهم هلك بالعطش وغلقت الأبواب واضطربت المدينة وهاج الشر بسبب ذلك مدة ثم خرج أهل فاس مرة أخرى لقتال عبد الله بن الشيخ فهزموه وأسروه وبقي في أيديهم فعفوا عن قتله وأطلقوه وذهبوا خلفه حتى دخل داره من فاس الجديد ولما قتل أبوه الشيخ سنة اثنتين وعشرين كما مر واتصل خبر مقتله بابنه عبد الله عزم على الأخذ بثأره من قاتليه أولاد أبي الليف وأزمع المسير إليهم ووافقه على ذلك الشريف أبو الربيع والفقيه المربوع وأصحابهما وامتنعت العامة من الذهاب معهم لأن الشيخ لم تبق له في نفوس المسلمين مودة حيث باع العرائش للنصارى فاجتمعت العامة بجامع القرويين وقالوا لا نقبل سليمان ولا المربوع وحاصوا حيصة حمر الوحش واتخذوا رؤساء آخرين فوقع بسبب ذلك شر عظيم أدى إلى قتل الشريف مولاي إدريس بن أحمد الجوطي العمراني التونسي وسبب ذلك أن منادي أبي الربيع مر ينادي في السوق باستنفار الناس مع عبد الله بن الشيخ فقام إليه الشريف مولاي إدريس وضربه بعصا وسبه فأقبل أبو الربيع ومن معه واقتحموا على مولاي إدريس دار القيطون وقتلوه على خصتها ولما كان صباح القبر من الغد قام ولد مولاي إدريس وشكا هضيمته لعلماء فاس فأمروه بالصبر ثم التف عليه أهل العدوة وقصدوا دار أبي الربيع وناوشوه الحرب فرجعوا مفلولين وقتل بعضهم والأمر لله وحده ووقع الغلاء حتى بيع القمح بأوقيتين وربع للمد وكثرت الأموات حتى أن صاحب المارستان أحصى من الأموات من عيد الأضحى من سنة اثنتين وعشرين وألف إلى ربيع النبوي من السنة بعدها أربعة آلاف وستمائة وخربت أطراف المدينة وخلت المداسر ولم يبق بلمطة إلا الوحوش وكثر النهب في القوافل ولما كان المحرم فاتح سنة ست وعشرين وألف قبض الشريف أبو الربيع على أربعة من كبار شراقة ثم قتلهم فوجم لها اللمطيون وخاف الناس على المدينة وتوقعوا الشر وعظم الرعب في القلوب حتى وقعت بسبب ذلك الهزيمة في كل مسجد من مساجد الخطبة بفاس وذلك أنه كان إمام جامع القرويين ذات يوم يخطب والناس في صحن المسجد فوقع شؤبوب من المطر غزير فابتدر من في الصحن الدخول إلى تحت السقف فظن الناس أن أبا الربيع قد قصده شراقة فانهزموا وخرجوا من المسجد لا يلوي أحد على أحد فبلغ الخبر إلى أهل جامع الأندلس فاقتدوا بهم وبلغ الخبر إلى أهل الطالعة فكان كذلك وتتابعت الهزائم بالمساجد وفي يوم السبت الخامس من صفر سنة ست وعشرين وألف قتل الشريف أبو الربيع غدرا في جنازة رجل لمطي خرج إليها فقتله الفقيه المربوع وقتل أباه وأبناء عمه وستة من أصحابه ودفن مع والده بمسجد الجرف ولما قتل أبو الربيع بقيت فاس في يد المربوع واعصوصب عليه اللمطيون واشتدت شوكته ثم قدم جمع من عشيرة أبي الربيع من زرهون وحاولوا الفتك بالمربوع ففطن بهم ووقع بينه وبينهم قتال هلك فيه نحو مائة وثلاثين رجلا وسلم المربوع منها وقال صاحب معتمد الراوي لما قتل أبو الربيع الزرهوني قام أخوه مولاي أحمد يطلب بثأره وساق معه نحو أربعمائة من الزراهنة واقتحم بهم فاس وقاتلوا الفقيه المربوع وشيعته من اللمطيين فالتف أهل فاس على المربوع وقاتلوا معه الشريف يدا واحدة فانهزم الشريف وقتل جل من معه وكاد يقبض عليه باليد ففر إلى روضة سيدي أحمد الشاوي ومعه نحو الثمانين من أصحابه فتبعهم الفقيه المربوع في جمع عظيم من اللمطيين واقتحم عليهم الروضة ففر الزراهنة إلى بيوت دار الشيخ فهجم عليهم المربوع بجنده وقتلهم أجمعين ثم إن المربوع واللمطيين جاؤوا برجل يقال له عبد الرحمن الخنادقي كان يتعبد بزرهون فاستقدموه في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وألف وراموا أن يملكوه ويجتمعوا عليه فأنزلوه مع أصحابه في روضة الشيخ أبي الحسن علي بن حرزهم واتصل الخبر بالقائد أحمد بن عميرة وزير عبد الله بن الشيخ فأتى وفتك بأصحاب الرجل المذكور ولجأ هو إلى ضريح الشيخ ابن حرزهم فرموه من طاق هنالك فقتلوه وسقط ميتا على القبر وبطل أمره ولما سئم أهل فاس من الفتن وكثرة الحصار وضاق بهم الحال من غارات الأعراب ذهبوا إلى عبد الله بن الشيخ بفاس الجديد ونصروه وأظهروا المحبة له ففرح بهم غاية وتحالفت العامة والخاصة على نصره والإذعان إليه فصفح عنهم وعفا لهم عما سلف وبعث وزيره إلى المربوع بالأمان فلم يأمن وخاف على نفسه وصمم مع اللمطيين على قتال عبد الله وتهيؤوا له حتى لم تصل الصلوات الخمس بالقرويين ثم إن القائد حمو بن عمرو وزير عبد الله أمر بأن ينادى بأمان اللمطيين ففر اللمطيون عن المربوع حينئذ حتى لم يبق معه إلا قليل ثم بعث إليه عبد الله بسبحته وخاتمه أمانا فلم يأمن وفر ليلا إلى بني حسن فأخذه شيخهم سرحان وأتى به إلى عبد الله فعفا عنه وعادت دولة عبد الله إلى شبابها واستتب أمره وتمهدت له البلاد وذلك في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وألف فجمع الجيوش وبعث بعض جنده لحصار تطاوين وبعضهم لقبض الأعشار وبعث وزيره حمو بن عمرو مع المربوع لأرجين موضع من جبال الزبيب فغدر المربوع بالوزير وقتله اعتمادا على كلام سمعه من عبد الله فغضب عبد ا لله وأسرها في نفسه ثم في يوم الاثنين ثالث ربيع النبوي سنة ثمان وعشرين وألف قتل المربوع اللمطي ونهبت داره وقال في نشر المثاني قتله عبد الله بن الشيخ وعلقه على البرج الجديد خارج باب السبع ثم أنزله ولعبت عليه خيله ثم بعد أيام وظف عبد الله على اللطميين ثمانين ألفا فثقل عليهم أمرها فهربوا في كل وجه فأسقط عنهم نصفها والله تعالى أعلم
ثورة محمد بن الشيخ المعروف بزغودة على أخيه عبد الله بن الشيخ وما وقع في ذلك
قال في شرح زهرة الشماريخ لما رأى أهل بلاد الهبط ما وقع من افتراق الكلمة وتوقد الفتن بايعوا محمد بن الشيخ المعروف بزغودة على ضريح الشيخ عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه وكان الذي قام بدعوته الشريف أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن عيسى بن عبد الرحمن الإدريسي المحمدي اليونسي المعروف بابن ريسون وهي أم جده علي نزيل تاصروت وبايعوه على الكتاب والسنة وعلى إحياء الحق وإماتة الباطل فلما بلغ خبره أخاه عبد الله خرج لقتاله فالتقى الجمعان بوادي الطين واقتتلوا فانهزم عبد الله وتقدم محمد إلى فاس فدخلها واستولى عليها في شعبان سنة ثمان وعشرين وألف وقبض على بعض عمال عبد الله فقتلهم واستصفى أموالهم وفي آخر شعبان المذكور وقعت الحرب بينهما بمكناسة فانهزم محمد ودخل عبد الله فاسا في مهل رمضان من السنة وأظهر العفو عن الخاص والعام ثم قتل أهل فاس قائده ابن شعيب وأخذوا حذرهم من عبد الله ثم وقع قتال بين أهل الطالعة وأهل فاس الجديد ودام أياما عديدة حتى اصطلحوا لتاسع رجب من سنة تسع وعشرين وألف ثم إن عبد الله خرج لقتال أخيه محمد فوقعت المعركة بينهما بوادي بهت فانهزم محمد وفر شريدا إلى أن قتله ابن عمه كما سيأتي إن شاء الله وفي يوم الجمعة خامس ذي القعدة من سنة اثنتين وثلاثين وألف قتل الفقيه العالم القاضي أبو القاسم بن أبي النعيم بعد أن نزل من صلاة الجمعة بفاس الجديد فقتلته اللصوص بباب المدرسة العنانية وفي نشر المثاني قتله اللمطيون بالزربطانة لأنهم اتهموه بالميل إلى عبد الله بن الشيخ فوقع بسبب قتله شر عظيم بين أهل العدوتين من فاس ولم يزل عبد الله في معالجة أهل فاس فتارة يميلون إليه وتارة ينحرفون عنه لفساد سيرته وقبح طويته حتى كان قائده مامي العلج ينهب الدور جهارا ويعطي عبد الله كل يوم على ذلك عشرة آلاف مما ينهب من الناس من غير جريمة ولا ذنب وقام عليه بمكناسة أيضا رجل يقال له الشريف آمغار وقام عليه بتطاوين المقدم أبو العباس أحمد النقسيس ولم يبق في يده إلا فاس الجديد وأما فاس القديم فتارة وتارة كما ذكرنا آنفا لأنه استولى عليها الشريف أبو الربيع والفقيه المربوع ولما قتلا كما ذكرناه آنفا قام بفاس محمد بن سليمان اللمطي المدعو الأقرع وعلي بن عبد الرحمن فقتل ابن سليمان وقام أحمد بن الأشهب مع ابن عبد الرحمن المذكور فوقعت فتن وحروب ثم قام الحاج على سوسان وابن يعلى وتولى أيضا يزرور ومسعود ابن عبد الله وغيرهم من الثوار وكانت فاس أيام هؤلاء على فرق وشيع لا يأمن التاجر على نفسه إلا إن استجار بأحد من هؤلاء ووقع من الفتن ما أظلم به جو فاس ونتن أفقها العاطر الأنفاس وخلا أكثر المدينة واستولى عليها الخراب ودام الشر بين أهل العدوتين حتى كادت فاس تضمحل ويعفو رسمها وحدث غير واحد من الثقات أنه لما دامت الحرب بين أهل العدوتين ولم يكن لأهل الأندلس غلبة على اللمطيين قال الشيخ أبو زيد عبد الرحمن ابن محمد الفاسي لا يغلب أحد اللمطيين ما داموا مواظبين على قراءة الحزب الكبير للإمام الشاذلي رضي الله عنه وكانت طائفة من اللمطيين يقرؤونه كل صباح بزاوية سيدي رضوان الجنوي من عدوة اللمطيين فسمع ذلك أهل عدوة الأندلس فاحتالوا على إبطال قراءة ذلك الحزب بأن بعثوا أحدا فاحتال على أولئك الذين يقرؤونه فاستضافهم فباتوا عنده جميعا في منزله فلما طلع الفجر أو كاد زعم أن مفتاح الدار قد سقط منه وتلف ولم يزل يعاني فتحها إلى أن طلعت الشمس فخرجوا ولم يقرأوا الحزب ذلك اليوم وأخبر أهل الأندلس بذلك فحملوا على أهل عدوة اللمطيين فهزموهم وتحكموا فيهم مع أنهم كانوا لم يجدوا إليهم سبيلا قبل ذلك ببركة حزب الشاذلي رضي الله عنه وذكر بعضهم أن سبب هذه الفترة ما حكي أن عبد الله بن الشيخ عزم على التنكيل بأهل فاس في بعض غلباته عليهم أيام خروجهم عليه فاستشفعوا إليه بالصالحين المجذوبين سيدي جلول بن الحاج وسيدي مسعود الشراط وكان من الملامتية فلما وقفا بين يديه قال أما وجد أهل فاس شفيعا غير هؤلاء الخراءين في ثيابهما فغضب سيدي جلول وقال والله لا تصرف فيها يعني فاسا أحد أربعين سنة وانصرفا فيقال إن عبد الله بن الشيخ انقلبت معدته فخرج غائطه من فمه أياما إلى أن أتى بالشيخين فاسترضاهما فكان أمر فاس كما قال سيدي جلول لم يطأطئ رؤوس أعيانها سلطان إلى أن جاء الله بالمولى الرشيد بن الشريف السجلماسي رحمه الله كما سيأتي وإنما كان يتصرف فيها رؤساء أهل فاس الذين يسمونهم السياب قال اليفرني وهذه حكاية صحيحة سمعتها من غير واحد بفاس ملخصها ما ذكرنا ولم يزل عبد الله في محاربة أهل فاس القديم من سنة عشرين وألف إلى أن توفي يوم الاثنين الثالث والعشرين من شعبان سنة اثنتين وثلاثين وألف بسبب مرض اعتراه من إسرافه في الخمر وإدمانه عليه وكان لا يفارقه ليلا ولا نهارا ويتعاطاه سرا وجهارا قال في شرح زهرة الشماريخ ولما توفي عبد الله ولي بعده أخوه عبد الملك في شعبان سنة اثنتين وثلاثين وألف ولم يزل مقتصرا على ما كان قد صفا لأخيه إلى أن توفي في ذي الحجة سنة ست وثلاثين وألف ومن آثار عبد الله بن الشيخ القبة التي على الخصة الكائنة أسفل المنارة التي بوسط صحن جامع القرويين فإنه لم يكن في القديم إلا الخصة المقابلة لها شرقي الجامع المذكور
غريبة
قال اليفرني حدثني شيخنا الفقيه أبو الحسن علي بن أحمد قال كان شيخ شيوخنا الفقيه الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد ميارة يقول إن أحمد ابن الأشهب الذي تقدم ذكره قبل في الثوار أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم قال والحديث بذلك مذكور في كتاب الجامع الكبير للحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله اه وقتل ولد ابن الأشهب رابع جمادى الأولى سنة خمس وأربعين وألف فتك به علي بن سعد في جامع القرويين وهو في صلاة العصر وقامت بسبب ذلك حرب بين أهل الأندلس واللمطيين وانتهبت السلع التي بسوق القيسارية وسوق العطارين وبنى اللمطيون الدرب الذي بباب العطارين واستمرت الحرب نحو ثمانية أيام ثم اصطلحوا
ثورة أبي زكرياء بن عبد المنعم بالسوس ومغالبته لأبي حسون السملالي المعروف بأبي دميعة على تارودانت
كان الفقيه أبو زكرياء يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد المنعم الحاحي لما رجع من مراكش إلى السوس حسبما مر بدا له في طلب الملك وجمع الكلمة لما رأى من افتراقها في حواضر المغرب وبواديه وكان المرابط أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن الولي الصالح أبي العباس أحمد بن موسى السملالي ويقال له أيضا أبو حسون قد ظهر بالصقع السوسي عند فشل ريح السلطان زيدان به واستولى على تارودانت وأعمالها فلما ثار الفقيه أبو زكرياء سار إلى تارودانت فتغلب عليها وملكها من يد أبي حسون المذكور وبعد أن وقع بينه وبينه معارك ومقاتلات كبيرة وكان القاضي بتارودانت يومئذ الفقيه العالم أبو مهدي عيسى بن عبد الرحمن السكتاني وكان أبو زكريا قد استشاره فيما عزم عليه فلم يوافقه على ذلك ولم يساعده على مراده لما فيه من الخروج على السلطان بلا موجب فغضب عليه الفقيه أبو زكرياء حتى أمر بقتله غيله فيما قيل فخرج القاضي من المدينة خائفا يترقب وذهب إلى مراكش فاستقر بها وعصمه الله منه وكتب إلى أبي زكرياء برسالة يعظه فيها وينهاه عن الخروج على السلطان ونصها بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله عليه وسلم يقول الفقير الشديد الحاجة إلى رحمة مولاه الغني به عمن سواه السائل منه التوفيق واللطف في ظعنه ومأواه كاتبه عيسى بن عبد الرحمن السكتاني عفا الله عنه وسمح له الحمد لله الذي جعل الصدع بالحق وظيفة الأنبياء وأورثه بعدهم من خلقه فريق العلماء و صلى الله عليه وسلم على من أكد أمر الصلح وقال ( الدين النصيحة ) فقيل لمن يا رسول الله فقال ( لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) والرضا على آله وصحبه الذين سلكوا سبيله وانتهجوا من المناهج طريقه وعن التابعين وتابع التابعين لهم إلى وقوع القصاص بين الخليقة وبعد فإني لما قفلت بحمد الله بسلامة وعافية إلى جبلي وجدت أهلي وأولادي مستوحشين من البادية وإن كانت محل سلفي ومقر تلادي بعد أن ألفوا الحواضر وطبعوا على طباعها فكانوا أحق بها وكنت في غاية الضيق والتأسف لما حل بالأولاد فتذكرت قول بعض فقهاء الأندلس ممن نابه مثل ما نابني وأصابه مثل ما أصابني ( أليس من القبيح مقام مثلي % بدار الخسف منكسف الجمال ) ( أخالط أهل سائمة وسرح % وأرتع بين راعية الجمال ) فأجلت فكري وإن كان الكل بقدر الله وإرادته فرأيت أن ذلك وفي القضاء لطف أمر أنتجه كما لا يخفى على ذي بصيرة ما حل بالمغرب من افتراق الكلمة وتلاعب شياطين الإنس والجن بذوي العقول منهم فصاروا أحزابا وفرقا فاتبعت كل طائفة من هواها ما كانت تعبد حتى إذا عرض لعاقل أو عرض عليه منهم الإقلاع بادره الشياطين فسدوا عليه بابه وأروه بإغوائهم وزينوا له أن ذلك يشينه لدى العامة ويوجب له السقوط من أعين الناس مع أنه لا يعده من السقوط إلا @QB@ الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس @QE@ الناس 6 - 4 وأين يغيب عن الموفق أن السقوط من عين الله هو الطامة الكبرى وأين غاب عنه أن العبرة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا بكلام الهمج الرعاع ممن لا يزال الشيطان يلعب به آخذا بزمامه ساكنا على قلبه ولسانه وأين يغيب عنه من كتاب الله @QB@ فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى @QE@ النازعات 37 - 41 فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون هذه مصيبة عظيمة نزلت بمغربنا فافترق ملأهم وقتلت سرواتهم وانتهبت أموالهم وهتكت حرمهم ومزقت أعراضهم وفسدت أديانهم واختلت وبدت عن التوفيق آراؤهم وكادت تطمع بل طمعت فيهم أعداؤهم اللهم يا ذا الطول والامتنان يا حنان يا منان يا ذا الجلال والإكرام تداركنا بألطافك الخفية في ديننا ودنيانا يا خالق الأرض والسماء فإن قلت ما ذكرته من أن خروجك من الحواضر إلى البوادي هو نتيجة افتراق الكلمة كما فعله من يقتدي به من الصحابة رضي الله عنهم فتبدى صحيح وما دليلك على التلاعب قلت ما خرجه أئمة الصحاح من منع الخروج على الأئمة وأن الواجب في حق من رأى منهم ما يكره الصبر والاحتساب إذ غائلة الجور وإن تفاحش أقل بكثير من غائلة الخروج الذي يترتب عليه فساد المهج والأموال والأعراض والأديان وهتك الحرم ولهذا صبر على الحجاج من علماء الصحابة والتابعين من صبر حتى لقوا الله تعالى سالمي الأديان وبعبادته مغتنمي الزمان وتذكر فما بالعهد من قدم بالمرابط أبي محلي كان في قطره عالي الصيت يقصد ويتبرك به ويعتقد فيه أنه من قطب زمانه وبلغ به الحال إلى أن سولت له نفسه أو سول لها أنه يصلح به ما لم يصلح بغيره من أهل الزمان فقام وأعانه عليه قوم آخرون حتى ملأ الدنيا صياحا ودعاوى وعياطا وأكاذيب لا يشهد لها عقل ولا نقل فتمرد على المسلمين حتى لم يسلموا من لسانه ويده فقتل ونهب وسب واغتاب وحمل نفسه ما لا تطيقه فاستهوته شياطين الإنس والجن والنفس والهوى ثم بعد ذلك كله لم يحصل من سعيه على طائل وآفته الغفلة عن الكتاب والسنة والرضا عن النفس حتى أنه حكمها فصارت تلعب به إلى أن فاه وادعى بدعاوى استبيح بها ما كان معصوما من دمه وهلكت بسببه بعده نفوس وأموال وغير ذلك أيشك من ارتاض بالكتاب والسنة ونظر بعين الشريعة إن فعله ذلك مما حمله عليه من تجب مخالفته من الشيطان والنفس والهوى وربما اسحسن فعله ذلك من شيعته من ابتلي به أو قلده تقليدا رديا في فعله فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين وإلى الآن كانوا يستصوبون فعله ويستحسنون قوله مع أنه بمعزل عن الكتاب والسنة فإن قلت وهذه طائفة الفقراء ما بين متعصب متحزب ومتحيل متصيد ومتسور على ما استأثر به الباري من الغيوب مرتكب للآثام مصر على العيوب قلت وهذه طائفة الفقراء فيها جل ما تقدم وزيادات تضيق عن الإحاطة بها السطور والطروس قد بددتها والعياذ بالله الفتن وشردها ما تخوفته من المحن بانت العلوم واضمحلت الفهوم وتعطلت الرسوم فلا منطوق يذكر ولا مفهوم ( هذا الزمان الذي كنا نحاذره % في قول كعب وفي قول ابن مسعود ) وقلت وهذا الشيخ أبو زكرياء وهو الذي يساق إلى نصحه الحديث كنا نستسقي به ونستشفي وكانت تشد إليه الرحال ولا يأنف من إتيانه النساء والرجال قد أتته من أقطار مغربنا الوفود ودانت له الذئاب والأسود وكان يعلم الجهال ويهدي الضلال ويطعم الجائع ويكسو العريان ويعين ذا الحاجة ويغيث اللهفان وهي سبيل يا لها من سبيل وطريقة ما أحسنها من طريقة ثم صارت تلك الجموع وكان أمر الله قدرا مقدورا أيدي سبا وتلاشت شذر مدر ما لها من نبا أيها الشيخ أكرمك الله بتسديده أو تجد في الوجود ملكا أعظم من ذلك الملك فتطلبه أو سلطانا يوازيه أو يقاربه فتحاوله أين خفي عليك الشيء وهو ضروري أم أين ضلت عنك النصوص من الكتاب والسنة وأنت منقولي معقولي @QB@ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق @QE@ الحديد 16 @QB@ لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم @QE@ غافر 10 و ( إن أبغض الكلام إلى الله أن يقول الرجل للرجل اتق الله فيقول عليك نفسك ) وهو طرف من حديث خرجه النسائي وقد وعظتك وذكرتك إن نفعت الذكرى قال جل من قائل @QB@ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين @QE@ الذرايات 55 ( فقلت من التعجب ليت شعري % أأيقاظ أمية أم نيام ) فإن قال شيطان من شياطين الإنس أو الجن هذا ما أريد به وجه الله قلت الله الموعد إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وإن خطر هذا وهجس بقلب الشيخ أكرمه الله والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم قلت أدل دليل على أني قصدت محض النصيحة هو أنه استنصحني على دفاع أبي محلي فنصحته وقلت له إن هذا لا تستقيم معه الديانة فكأنه ما قبل فانفصلت عنه وهو يقول استخر لي الله فكاتبته بأن لا يفعل ثم لما نزل وكان على باب الغزو من تارودانت خلوت به فقلت له إذ ذاك إن الناس يقولون كذا وكذا وعرفته إذ ذاك بما عرفته من أبناء الزمان فجمعنا في رملة إلى الآن أتخيل حرها وتبرأ من كل ما يقال وما زلت على المنع إلى أن جاءت كراريس من قبل أبي محلي فتأملتها فوجدتها مشتملة على كفريات في جزئيات فيحنئذ شرح الله صدري لإباحة دفاعه ثم وإن قلت ذلك فنفسي آمرة ولا أقول في نفسي ما كان يقوله سحنون في قضية ابن أبي الجواد مالي وله الشرع قتله ولو قلت أو غششت لغششت في قضية ذلك الرجل وزينت لك قتاله أولا لأن ذلك هو مقتضى التعصب للأمير وإذا لم أتعصب إذ ذاك فكيف أستسهله الآن فتعين أني نصحت لكم أن قبلتم وإلا فكما قال تعالى عن نبي من أنبيائه @QB@ ولكن لا تحبون الناصحين @QE@ الأعراف 79 أنشدك الله الذي بإذنه تقوم السماوات والأرض أما قلت لك بعد رجوعي العام الأول من مراكش بل الذي قبله إن العذر لا يحسن وصرحت ولوحت بأن شق العصا لا يحل غيرة مرة وما كفاني القول الدال على ذلك إلى أن زدت الفعل بالخروج من مدينة لا أبغضها كما قال ( فوالله ما فارقتها عن قلي لها % وإني بشطي جانبيها لعارف ) ورضيت بالبادية مع جفائها فرارا من الفتن وعملا بقوله صلى الله عليه وسلم ( يوشك أن يكون خير مال الرجل غنما يتبع به سعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن ) ثم بعد فعلى هذا كله نصحت فلم أفلح وخانوا فأفلحوا وعدوا علي من القبائح طاعتي للأئمة مع أنك يوم جاء إلى دارك قلت لهم هذا أميركم ونحن لا نشك أنك من المعتبرين في مغربنا وأن بيعتك لأحد لازمة لنا وكذلك حين ذهبت إلى مراكش في وقعة أبي محلي قد أراد أهل مراكش فأبيت وأبحت البلاد لخدم الأمير وقلت لهم إنه الأمير وفهمه الناس عنك بلسان الحال وبلسان المقال ونصروه بمرأى منك ومسمع أفتشك بعد أن كان منك هذا أنك مبايع وأنت قدوة وإذا كان هذا فأي حجة لك على الأمير ولا على المأمورين فمن زين لك قتاله فقد غشك إذ هو مسلم وابن مسلمين فإن قلت موافقتي مشروطة بشروط لم يوف لي بها قلت هب أنه لم يوف لك أفتستبيح قتاله لأجل ذلك والرسول صلى الله عليه وسلم يقول ( إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار ) الحديث فبالله أيها الشيخ ما تقول في هذا الحديث وأنظاره وما تقول فيما انتهب أو عسى أن ينتهب من أموال الناس وأخذ بغير حق وأنفق في سبيل الطاغوت والرسول صلى الله عليه وسلم يقول ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس ) أو ما تستحي من ربك يوم تسأل عن النقير والقطمير ولست ممن خفي عليه ذلك كله فتعذر عند المخلوقين أو ما علمت أن كثيرا من العوام يعتقد جواز ذلك إذ رآك ارتكبته فتكون قد سننت هذه السنة وضل بسبب ذلك كثير من الناس أو ما خشيت دعوة المظلوم التي ما بينها وبين الله حجاب أو ما كنت تعير من يرتكب مثل ذلك من الولاة وتتأسف عليه ( لا تعير أخاك المؤمن ) الحديث ( لا تنه عن خلق وتأتي مثله % عار عليك إذا فعلت عظيم ) أما انتبهت لما وقع لأهل درعة من النهب والسلب واسترقاق الأحرار وهتك الحرم ( إن دماءكم وأعراضكم عليكم حرام ) الحديث وقد أتانا السؤال من قبل الشيخ عن صنيع سكتانة ذلك ولم يستطع إذ ذاك من نظر بنور العلم أن يقول لهم في وزر نظرا إلى ما آل إليه الحال في أهل درعة مع أن جلهم حملة القرآن وعامتهم بله ( وأكثر أهل الجنة البله ) أفيليق بحق الصلحاء أن يسلط عليهم من لا يرحمهم ( ولا تنزع الرحمة إلا من قلب شقي ) ( إنما يرحم الله من عباده الرحماء ) ( من لا يرحم لا يرحم ) ( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) أو نسيت أنه يقتص للجماء من القرناء وأن الظلم الذي لا يتركه الله ظلم الناس بعضهم لبعض أفي علمك أن حسناتك تفي بما عليك من التبعات أو أنه لا تباعة لأحد عليك ولو كنت بدريا لاحتمل أن يقال في شأنك ما قاله صلى الله عليه وسلم لعمر ( وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر ) فقال ( اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) أو كما قال صلى الله عليه وسلم ( والظلم ظلمات يوم القيامة ) أو تستطيع أن تقتحم ظلمات الصراط وأنت مسؤول عن القيراط وحتى أهل تارودانت بلغنا أنه لم يغن في شأنهم الترويع بل بلغ بهم الحال والجور إلى التقريع فاتق الله أيها الشيخ ولا تكن كمن إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم هذا ما يتعلق ببعض حقوق الناس على العموم ويتعلق بحق كاتبه على الخصوص إنك أخذت عليه أن يؤدي الطاعة للأمير ويرعى ما هو من شيم المؤمنين من حسن العهد والتبري من الغدر وشق العصا بعد أن بذل وسعه في نصحك ونصح الأمير وحاول بكليته على جمع الكلمة وتعب في ذلك واقتحم فيه عقبات لا يقطعها إلا بازل ولا سبيل إليها لمن يكون في دينه وعمله مثلي ممن هو نازل ( لعمر أبيك ما نسب المعلى % إلى كرم وفي الدنيا كريم ) ( ولكن البلاد إذا اقشعرت % وصوح نبتها رعى الهشيم ) ( إذا غاب ملاح السفينة فارتمت % بها الريح هوجا دبرتها الضفادع ) ولكن ليس من شرط النصيحة كمال الناصح كما أنه ليس من شرط تغيير المنكر عدم ارتكاب المغير ما غير لأن هذه طاعة وتلك أخرى والتوفيق بيد الله سبحانه نعم بلغني مع ذلك وجزم لي به أنك مع بذل النصح لك وللأمير أصلح الله الجميع وأصلح ذات بينهم أخذت علي بالرصد في قفولي لصبيتي والرجوع إليهم رعاية لما يجب ويندب من حقوقهم وهل هذا إلا حكم الهوى والشيطان أعندك ما تستبيح به ذلك مع أني والحمد لله أينما كنت لا أسعى إلا في مصلحة جهد الاستطاعة أو بث نصيحة حين لا أرى من يبثها أو إغاثة ملهوف حين تجب إغاثته @QB@ لئن بسطت إلي يدك لتقتلني @QE@ المائده 28 الآية ولكن الله عز وجل يقول @QB@ ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله @QE@ فاطر 43 وفي التوراة من حفر حفرة فليوسعها ولا تحفرن بئرا تريد بها أخا فأين وجدت ما يسوغ لك ارتكاب مثل هذا قولا أو فعل أو إشارة أو تصريحا أو تلويحا وأي جريمة توازي هذه الجريمة أو كبيرة من الآثام أكبر منها والله الموعد @QB@ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون @QE@ الشعراء 227 هذا والسعاية المصحوبة بسؤالي عن دفاع سكتانه أين تجدون ما يوجب إباحتها أين غاب عنكم إنها من الكبائر وأين غاب عنكم قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الرجل ليتكلم بكلمة يهوي بها في النار سبعين خريفا ) أهذا من أخلاق المؤمنين والصالحين وأنت من بيت الصلاح ما كان جدك يرضى مثل هذا @QB@ ما كان أبوك امرأ سوء @QE@ مريم 28 وهذا والله أعلم نتيجة قرناء السوء ولا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله وإلى هذا ينتهي حق الصحبة أعني بذل النصح إن الله يسأل عن صحبة ساعة ونحن صحبناك واعتقدناك ونصحناك ووعظناك ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) فنصرناك بالرد إلى الجادة أين أنت من مولانا الحسن بن علي إذ تخلى عن الأمر لابن عمه معاوية مع أنه هاشمي علوي فاطمي إحدى ريحانتي النبي صلى الله عليه وسلم ومعاوية أموي يجمعهما عبد مناف فتخلى عن الإمارة مع أنه إمام وابن إمام وأصلح الله به وهو سيد بين فئتين عظيمتين من المسلمين بعد أن كان يلقب بأمير المؤمنين فقال له بعض أصحابه إذ سلم عليه يا عار المؤمنين فلم يكترث بذلك وقال النار أشد من العار ألهمنا الله وإياكم رشد أنفسنا وجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه انتهى ولم يزل الفقيه أبو زكرياء مصمما على طلب جمع الكلمة إلى أن اخترمته المنية قال صاحب الفوائد ما صورته قام الشيخ أبو زكرياء بجمع الكلمة والنظر في مصالح الأمة واستمر به علاج ذلك إلى أن توفي ولم يتم له أمر انتهى وكانت وفاته ليلة الخميس سادس جمادى الثانية من سنة خمس وثلاثين وألف بقصبة تارودانت وحمل من الغد إلى رباط والده فدفن بجنبه رحمه الله
بقية أخبار السلطان زيدان وذكر وفاته رحمه الله
قد ذكر المؤرخ لويز البرتغالي في كتابه الموضوع في أخبار الجديدة شيئا من أخبار السلطان زيدان رحمه الله فقال كان السلطان زيدان صاحب مراكش مسالما لنا كافا عن حربنا وكانت القبائل تفتات عليه في غزونا فكانت غاراتهم لا تنقطع عنا وكان هو أيضا معهم في شدة ومكابدة من أجل اعوجاجهم عليه ثم ذكر أن من جملة من غزاهم في دولته السيد سعيد الدكالي قلت وأظنه والد السيد إسماعيل صاحب الزاوية المشهورة ببلاد دكالة قال فنهض سعيد بحال وغيرة وامتعاض للإسلام وسار إلى الجبل الأخضر وغيره فجمع الجموع نحو اثني عشر ألفا وزحف بهم إلى الجديدة ووافقه على ذلك قائد آزمور وبعض أشياخ الشاوية وكانوا في نحو مائتين وخمسين من الخيل وارتاع النصارى منهم وخافوا خوفا شديدا وأمرهم قائدهم بالجد في حراسة الأسوار والأنقاب وأن يسدوا باب الجديدة ولا يفتحوا منه إلا خوخته وحاصرهم المسلمون ثلاثا ثم قضى الله بوفاة السيد سعيد فافترق ذلك الجمع قال لويز مات أسفا على ما فاته من الفتك بالنصارى كما يحب وفي سنة أربع وثلاثين وألف خرج السلطان زيدان من مراكش وقصد ناحية آزمور ولما انتهى إلى الموضع المعروف بأم كرس من بلاد دكالة حمل إليه نصارى الجديدة هدية نفيسة ثم قدم ثغر آزمور في نحو أربعين ألفا من الخيل على ما زعم لويز ودخل البلد وأخرج أهل آزمور عدة مدافع من البارود فرحا به ولما سمع نصارى الجديدة بذلك أخرجوا مدافعهم أيضا فرحا بالسلطان وأدبا معه
وفي سنة ست وثلاثين وألف ثار على السلطان زيدان الفقير إبراهيم كانوت هكذا سماه لويز ولم أدر من هو قال وفي خامس عشر من دجنبر من السنة تواقف جيش الثائر المذكور مع جيش السلطان للحرب ببلاد دكالة وكان جيش السلطان يومئذ ألفا وخمسمائة فقط وجعل على مقدمته ابنه عبد الملك فانهزم إبراهيم وقتل وقتل جماعة كثيرة من أصحابه وقبض على ولده فبعثه السلطان مع عدد وافر من رؤوس أصحابه إلى مراكش وأخرج نصارى الجديدة المدافع أيضا فرحا بهذا الخبر فبعث إليهم السلطان زيدان بفرس أحمر لقائدهم إكراما له وكتب إليهم بكتاب تاريخه سادس رمضان سنة ست وثلاثين وألف مكافأة لهم على أدبهم معه انتهى كلام لويز وقال اليفرني رحمه الله كان السلطان زيدان من لدن مات أبوه المنصور وبويع هو بفاس في محاربة مع إخوته وأبنائهم ومقاتلة مع القائمين عليه من الثوار الذين تقدم ذكر بعضهم ولم يخل قط في سنة من سني دولته من هزيمة عليه أو وقيعة بأصحابه ووقعت بينه وبين إخوته معارك يشيب لها الوليد وكان ذلك سبب خلاء المغرب وخصوصا مدينة مراكش ومما عد عن نحس زيدان واستدل به على فشل ريحه أنه في بعض الوقائع بعث كاتبه عبد العزيز بن محمد التغلبي بعشرة قناطير من الذهب إلى صاحب القسطنطينية العظمى وطلب منه أن يمده ببعض أجناده كما فعل مع عمه عبد الملك الغازي فجهز له السلطان العثماني اثني عشر ألفا من جيش الترك وركبوا البحر فلما توسطوه غرقوا جميعا ولم ينج منهم إلا غراب واحد فيه شرذمة قليلة وقال منويل إن قراصين الإصبنيول غنمت في بعض الأيام مركبا للسلطان زيدان فيه أثاث نفيسة من جملتها ثلاثة آلاف سفر من كتب الدين والأدب والفلسفة وغير ذلك قال اليفرني وكان زيدان غير متوقف في الدماء ولا مبال بالعظائم قلت وهو مخالف لما ذكره زيدان في رسالته التي خاطب بها أبا زكرياء المتقدمة من أنه ما سعى في قتل أحد إلا بفتوى أهل العلم والظن بزيدان أنه ما قال ذلك إلا عن صدق وإلا فمن البعيد أن يفخر على خصمه ويدلي بشيء هو متصف بضده وكان زيدان فقيها مشاركا متضلعا في العلوم وله تفسير على القرآن العظيم اعتمد فيه على ابن عطية والزمخشري قال اليفرني وكان كثير المراء والجدال كما وقع له مع الشيخ أبي العباس الصومعي قلت الذي وقع له مع الصومعي هو أنه لما ألف كتابه الموضوع في مناقب الشيخ أبي يعزى رضي الله عنه وسماه المعزى بضم الميم وفتح الزاي بصيغة اسم المفعول من الرباعي عارضه زيدان وهو يومئذ بتادلا واليا عليها من قبل أبيه بأنه لم يسمع الرباعي من هذه المادة وإنما قالت العرب عزاه يعزوه ثلاثيا فأصر أبو العباس رحمه الله على رأيه إلى أن لطمه زيدان على وجهه بالنعل فشكاه إلى المنصور فقال له لو لطمك وهو المخطئ لعاقبته أما إذا كان الصواب معه فلا قلت كان زيدان يومئذ في عنفوان الشبيبة فصدر منه ما صدر ( فإن يك عامر قد قال جهلا % فإن منظمة الجهل الشباب ) ومع ذلك فما كان من حقه أن يفعل وأظن أن انتكاس رايته سائر أيامه إنما هو أثر من آثار تلك اللطمة فإن لله تعالى غيرة على المنتسبين إلى جنابه العظيم وإن كانوا مقصرين فنسأله سبحانه أن يجنبنا موارد الشقاء ويسلك بنا مسالك الرفق في القضاء وللسلطان زيدان شعر لا بأس به منه قوله ( فتنتنا سوالف وخدود % وعيون مدعجات رقود ) ( ووجوه تبارك الله فيها % وشعور على المناكب سود ) ( أهلكتنا الملاح وهي ظباء % وخضعنا لها ونحن أسود ) وقوله ( مررت بقبر هامد وسط روضة % عليه من النوار مثل النمارق ) ( فقلت لمن هذا فقالوا بذلة % ترحم عليه إنه قبر عاشق ) وكانت وفاته رحمه الله في المحرم فاتح سنة سبع وثلاثين وألف ودفن بجانب قبر أبيه من قبور الأشراف قبلي جامع المنصور من قصبة مراكش ومما نقش على رخامة قبره قول القائل ( هذا ضريح من به % تفتخر المفاخر ) ( حامي حمى الدين % بكل ذابل وباتر ) ( لا زال صوب رحمة % الله عليه ماطر ) ( أرخ وفاة من غدا % جارا لرب غافر ) ( زيدان سبط أحمد % مبتكر المآثر ) ( أجل من خاض الوغا % وللأعادي قاهر ) ( ومن شذا رضوانه % نفحة كل عاطر ) ( بمقعد الصدق علا % أبو المعالي الناصر ) ووزراؤه الباشا محمود ويحيى آجانا الوريكي وغيرهما وكتابه عبد العزيز الفشتالي كاتب أبيه وعبد العزيز بن محمد التغلبي وغيرهما وقضاته أبو عبد الله الرجراجي وغيره وترك عدة أولاد منهم عبد الملك والوليد ومحمد الشيخ وهؤلاء ولوا الأمر بعده وأحمد وغيرهم رحم الله الجميع
الخبر عن دولة السلطان أبي مروان عبد الملك بن زيدان رحمه الله
لما توفي السلطان زيدان رحمه الله في التاريخ المتقدم بويع بعده ابنه عبد الملك ولما تمت له البيعة ثار عليه أخواه الوليد وأحمد فوقعت بينه وبينهما معارك وحروب إلى أن هزمهما واستولى على ما كان بيدهما من العدة والذخيرة وفر أحمد إلى بلاد الغرب فدخل حضرة فاس يوم الجمعة الخامس والعشرين من صفر بعد وفاة أبيه بستة وأربعين يوما فاتسم بسمة السلطان وضرب سكته وفي ثالث عشر شوال من السنة عدا على ابن عمه محمد بن الشيخ المعروف بزغودة فقتله غدرا بالقصبة ولما كان الحادي عشر من ذي الحجة سنة سبع وثلاثين وألف أخذ أحمد المذكور وسجن بفاس الجديد على يد قائدهم عبو وباها وبقي مسجونا سبع سنين ثم خرج من السجن مستخفيا بين نساء في سابع رجب سنة أربع وأربعين وألف وأعلن العامة بنصره ولم يتم له أمر ثم توفي قتيلا في الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وألف رمي برصاصة من بعض العامة فكان منها حتفه وذلك بفاس الجديد ولم يتم له أمر
ظهور أبي عبد الله العياشي بسلا ومبايعة أكابر عصره له على الجهاد والقيام بالحق
قد تقدم لنا انتقاض أندلس سلا على السلطان زيدان وقتلهم مولاه عجيبا فبقيت سلا فوضى لا والي بها فكثر النهب وامتدت أيدي اللصوص إلى المال والحريم وسيدي محمد العياشي ساكت لا يتكلم وكثرت الشكايات من التجار والمسافرين بمخافة السبل وقطع الطرقات فأهرع الناس إلى أبي عبد الله المذكور من كل جانب وكثرت وفوده وأشرقت في الجو السلاوي أنواره فشمر عن ساعد الجد وأظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولما طالبه الناس بالتقدم عليهم والنظر في مصالح المسلمين وأمور جهادهم مع عدوهم أمر أشياخ القبائل وأعيانها من عرب وبربر ورؤساء الأمصار أن يضعوا خطوطهم في ظهير بأنهم رضوه وقدموه على أنفسهم والتزموا طاعته وأن أي قبيلة خرجت عن أمره كانوا معه يدا واحدة على مقاتلتها حتى تفيء إلى أمر الله فأعطوا بذلك خطوطهم في ظهير وأنهم رضوه وقدموه على أنفسهم ووافق على ذلك قضاة الوقت وفقهاؤه من تامسنا إلى تازا وكان الحامل له على طلب ذلك منهم أنه بلغه عن بعض طلبة الوقت أنه قال لا يحل الجهاد إلا مع الأمير ففعل ذلك خروجا من تلك الدعوى الواهية وإلا فقد كتب له علماء الوقت كالإمام أبي محمد عبد الواحد بن عاشر والإمام أبي إسحاق إبراهيم الكلالي بضم الكاف المعقودة والإمام أبي عبد الله محمد العربي الفاسي وغيرهم بأن مقاتلة العدو الكافر لا تتوقف على وجود السلطان وإنما جماعة المسلمين تقوم مقامه ولما كمل أمره وبايعه الناس على إعلاء كلمة الله ورد الظلم عن ضعفاء الأمة ضاق الأمر على عرب المغرب لاعتيادهم الفساد وعدم الوازع ومحبتهم الخلاف والفتنة فنكث بيعته جماعة منهم وكان من نكث الناصر بن الزبير في لمة من شراقة فقاتلهم أبو عبد الله حتى ظفر بهم ثم عفا عنهم ونكث أيضا الطاغي بالتاء بدل الطاء في لسانهم مع جموعه أولاد سجير فغلبهم وعفا عنهم وكذلك عرب الحياينة طغوا على أهل فاس وعاثوا خلال تلك البلاد بإغراء ولد السلطان زيدان فقاتلهم أبو عبد الله فكانت الدبرة عليهم وتاب على يده جماعة من رؤساء شراقة الذين كانوا مع الحياينة وكانت عاقبة كل من بغى عليه خسرا وكان أهل سلا قد لقوا من نصارى المعمورة مضرة وشدة فلما اجتمعت الكلمة على أبي عبد الله العياشي ورد الله كيد من نكث في نحره كان أول ما بدأ به أنه تهيأ للخروج إلى حلق المعمورة واستعد لقتاله ومنازلة من فيه من النصارى طمعا في فتحه فيتقوى المسلمون بذخائره وكان المسلمون قد حاصروه قبل ذلك فلم يقدروا منه على شيء وصعب عليهم أمره وكان أبو عبد الله إذا أراد الله أن يظفره بغنيمة رأى في منامه أنه يسوق خنازير أو نحوها ولما سار بجموعه إلى الحلق ونزل عليه رأى قطعتين من الخنازير معها عنوز فكان من قضاء الله وصنعه أنه في صبيحة تلك الليلة قدمت أغربة من سفن النصارى بقصد الدخول إلى الحلق فضيق عليهم رماة المسلمين الذين بالخندق فأرادوا أن ينحرفوا إلى البحر فردهم البحر إلى ساحل الرمل هنالك فتمكن المسلمون منهم وقتلوا وسبوا ووجدوا في الأغربة زهاء ثلاثمائة أسير من المسلمين فأعتقهم الله وأسر يومئذ من النصارى أكثر من ثلاثمائة وقتل منهم أكثر من مائتين وظفر المسلمون بقبطان من عظمائهم ففدى به الرئيس طابق رئيس أهل الجزائر وكان عندهم محبوسا في قفص من حديد واستقامت الأمور لأبي عبد الله العياشي بسلا وبنى داره داخل باب المعلقة منها وبنى برجين على ساحل مرسي العدوتين من ناحية سلا وهما المعروفان اليوم بالبساتين ثم كانت غزوة الحلق الكبرى وكان من خبرها أن جيش أهل فاس خرجوا بقصد الجهاد فنزلوا بموضع يعرف بعين السبع وكمنوا فيه ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع خرج النصارى إلى تلك الجهات على غرة فظفر بهم المسلمون وكان النصارى لما خرج جيش أهل فاس أعلمهم بذلك مسلم عندهم مرتد فأعطوه سلعا وجاء بها إلى سلا بقصد بيعها والتجسس لهم على الخبر فأخذ وقتل وعميت عليهم الأنباء إذ كانوا ينتظرون من يرد عليهم فيخبرهم ولما أبطأ عليهم خرجوا فلم يشعروا إلا بالخيل قد أحاطت بهم وقتل منهم نحو الستمائة ولم ينج إلا القليل حتى لم يبت في الحلق تلك الليلة إلا نحو أربعين رجلا منهم وغنم المسلمون منهم أربعمائة من العدة ولم يحضر أبو عبد الله العياشي في هذه الوقعة لأنه كان قد ذهب إلى طنجة حنقا على يوم المسامير لأن النصارى خذلهم الله كانوا قد صنعوا نوعا من المسمار بثلاثة رؤوس تنزل على الأرض والرابع يبقى مرفوعا وثبوا ذلك في مجالات القتال مكيدة عظيمة تتضرر منها الفرسان والرجالة فلما رجع وأعلم بضعف من بقي بالحلق بعث إلى أهل الأندلس بسلا يصنعون له السلالم كي يصعد بها إلى من بقي في الحلق فيستأصلهم فتثاقلوا عن صنعها غشا للإسلام ومناواة لأبي عبد الله حتى جاء المدد لأهل الحلق وكانت تلك الرابطة بين أهل الأندلس والنصارى متوارثة من لدن كانوا بأرضهم فكانوا آنس بهم من أهل المغرب فلما أتى أبو عبد الله بالسلالم لم تغن بعد شيئا ومن هنالك استحكمت البغضاء بينه وبين أهل الأندلس وكان أهل الأندلس قد أعلموا النصارى بأن محلة أبي عبد الله النازلة لمحاصرة الحلق ليست لها إقامة فبلغ ذلك أبا عبد الله فأقام عليهم الحجة وشاور العلماء في قتالهم فأفتى أبو عبد الله العربي الفاسي وغيره بجواز مقاتلتهم لأنهم حادوا الله ورسوله ووالوا الكفار ونصحوهم ولأنهم تصرفوا في مال المسلمين ومنعوهم من الراتب وقطعوا البيع والشراء عن الناس وخصوا به أنفسهم وصادقوا النصارى وأمدوهم بالطعام والسلاح وكان سيدي عبد الواحد بن عاشر لم يجب عن هذه القضية حتى رأى بعينه حين قدم إلى سلا بقصد المرابطة فرأى أهل الأندلس يحملون الطعام إلى النصارى ويعلمونهم بعورة المسلمين فأفتى حينئذ بجواز مقاتلتهم فقاتلهم أبو عبد الله وحكم السيف في رقاب هم أياما إلى أن أخمد بدعتهم وجمع الكلمة بهم ولما وقعت غزوة الحلق الكبرى قدمت الوفود على أبي عبد الله بقصد التهنئة بما منحه الله من الظفر فحض الناس على استئصال شافة من بقي بالحلق من النصارى وعير العرب بترك الكفار في بلادهم وكان ممن حضر من العرب جماعة من الخلط وبني مالك والتاغي والدخيسي وغيرهم فقال لهم أبو عبد الله والله والله والله إن لم تأخذكم النصارى لتأخذنكم البربر فقالوا يا سيدي كيف يكون هذا وأنت فينا فقال لهم اسكتوا أنتم الذين تقطعون رأسي فكان كذلك وهذا من كراماته رضي الله عنه ثم صرف عزمه إلى التضييق على نصارى العرائش وشن الغارات عليهم فتقدم في جمع من المسلمين وكمن بالغابة نحوا من سبعة أيام فخرجوا على حين غفلة فمكن الله من رقابهم وكان في مدة كمونه بالغابة أخذ حناشا من عرب طليق يقال له ابن عبود والحناش في لسان عامة أهل المغرب هو الجاسوس فأراد عبد الله قتله فقال له اسبقني وأنا تائب إلى الله وأنا أنفع المسلمين إن شاء الله فتركه فذهب إلى النصارى وكان موثوقا به عندهم حتى كانوا يؤدون إليه الراتب فقال لهم إن أحياء العرب وحللها قد نزلوا بوادي العرائش فلو أغرتم عليهم لغنمتموهم فخرجوا فمكن الله منهم وطحنهم المسلمون في ساعة واحدة طحت الحصيد ولم ينج منهم إلا الشريد وكان ابن عبود قد بقي بأيديهم فأخذوه ومثلوا به ونزعوا أسنانه وأرادوا قتله لولا أنه رفعهم إلى شرعهم وكان عدد من قتل من النصارى نحو ألف وكانت هذه الوقعة سنة أربعين وألف
بقية أخبار السلطان عبد الملك بن زيدان ووفاته
قال اليفرني كان عبد الملك بن زيدان فاسد السيرة مطموس البصيرة وبلغ من قلة ديانته أنه تزايد له مولود فأظهر أنه أراد أن يحتفل لسابعه فبعث إلى نساء أعيان مراكش ونساء خدامه أن يحضرن وصعد هو إلى منارة في داره فنظر إلى النساء وهن منتشرات قد وضعن ثيابهن فأيتهن أعجبته بعث إليها وكان مدمنا على شرب الخمر إلى أن قتله العلوج بمراكش وهو سكران يوم الأحد سادس عشر شعبان سنة أربعين وألف ودفن إلى جانب قبر أبيه وبسط منويل خبر مقتله فقال لما ثار الوليد على أخيه عبد الملك وعادت الكرة عليه بقي متنقلا في البلاد ثم رغب إلى أخيه حتى رده إلى مراكش فأخذ الوليد يستميل رؤساء الدولة ووجوهها وتجارها ويعدهم بالإحسان حتى وافقوه على الفتك بأخيه فترصدوه حتى غفل البوابون ودخلوا عليه قبته وهو متكئ على طنفسة فرموه برصاصة وتناولوه بالخناجر المسماة عند المغاربة بالكميات وقامت الهيعة بالمشور والقصبة فخاف الوليد على نفسه من بعض قواد الجند فأخرج جنازة أخيه إلى المشور حتى شاهده الناس ميتا فسكنوا وانقطع أملهم وبايعوه انتهى قال اليفرني ومما رأيته منقوشا على رخامة قبره هذان البيتان
( لا تقنطن فإن الله منان % وعنده للورى عفو وغفران ) ( إن كان عندك إهمال ومعصية % فعند ربك أفضال وإحسان ) ومن وزرائه محمد باشا العلج ويحيى آجانا الوريكي وجؤذر وغيرهم وقاضيه الفقيه أبو مهدي عيسى بن عبد الرحمن السكتاني قاضي مراكش ومفتيه أبو العباس أحمد السملالي رحم الله الجميع
الخبر عن دولة السلطان أبي يزيد الوليد بن زيدان رحمه الله
لما قتل السلطان عبد الملك بن زيدان في التاريخ المتقدم بويع أخوه الوليد بن زيدان فلم يزل مقتصرا على ما كان لأخيه وأبيه من قبله لم يجاوز سلطانه مراكش وأعمالها وعظمت الفتن بفاس حتى عطلت الجمعة والتراويح من جامع القرويين مدة ولم يصل به ليلة القدر إلا رجل واحد من شدة الهول والحروب التي كانت بين أهل المدينة واقتسم المغرب في أيام أولاد زيدان طوائف فكان حاله كحال الأندلس أيام طوائفها كما ذكرنا ونذكر بعد إن شاء الله
ظهور أبي حسون السملالي المعروف بأبي دميعة بالسوس ثم استيلاؤه على درعة وسجلماسة وأعمالها
هذا الرجل هو أبو الحسن ويقال أبو حسون علي بن محمد بن محمد بن الولي الصالح أبي العباس أحمد بن موسى السملالي وكان بدء أمره أنه لما ضعف أمر السلطان زيدان بالصقع السوسي وفشل ريحه فيه نبغ هو فدعا لنفسه وجر نار الرياسة إلى قرصه وتألبت عليه البرابرة من بسائط جزولة وجبالها والتفت عليه غالب القبائل السوسية فاستولى على تارودانت وأعمالها إلى أن أخرجه عنها الفقيه أبو زكرياء بن عبد المنعم بعد حروب وفتن عظيمة حسبما مرت الإشارة إليه ولما توفي أبو زكرياء في التاريخ المتقدم صفا لأبي حسون قطر السوس ونفذ فيه أمره وسمعت كلمته ثم بعد مهلك زيدان مد يده إلى درعة فاستولى عليها ثم استولى سجلماسة ونواحيها فاستحكم أمره وتقوى عضده ولم يزل أمره نافذا في سجلماسة إلى أن ثار عليه الأسد الهصور المولى محمد بن الشريف فأخرجه من سجلماسة بعد حروب يشيب لها الوليد ثم أخرجه من درعة أيضا على ما نذكره بعد وقد وقفت على سؤال رفع من جانب أبي حسون إلى القاضي أبي مهدي السكتاني في شأن مدينة إيليغ دار رياسته ومقر عزه يستفتيه في إحداث كنيسة اليهود بها هل يجوز أم لا وفيه مع ذلك بعض الكشف عن حال هذه المدينة فلنذكره ونصه الحمد لله الذي ارتضى للإسلام دينا وأنزل به على خيرة خلقه كتابا مبينا الفقيه الأجل العلامة الأحفل القاضي الأعدل خاتمة المحققين ومعتمد الموثقين أبا مهدي عيسى بن عبد الرحمن السكتاني وفقه الله لما يرضيه وأعانه على ما هو متوليه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فقد تقرر عند سيدنا أمر هذه الحضرة العلية العلوية إيليغ أدم بهجتها كما رفع كغيرها من الحواضر درجتها وأنها محدثة فتوفرت ببركة بانيها عمارتها ومبانيها فاتخذها مسكنا أهل السهول والحزون وجمعت لطيب تربتها بين الضب والنون فنزلها برسم الاستيطان أو شاب من أهل الذمة بإذن مختطها الإمام العالي الهمة فاختطوا بها عن إذنه منازلهم وبنوا بفنائها كنيستهم وصيروها متعبدهم فاتفق والحديث شجون أن جرى ببعض أندية علمائها ومحضر جمع من نبهاء البلدة وفقهائها كلام أفضى بهم إلى ذكر الكنيسة المذكورة والمجادلة في محصل الحكم الشرعي فيها في الدواوين المسطورة فأفتى بعضهم بوجوب هدمها لأنها محدثة ببلاد الإسلام ولما في تركها من المفاسد العظام وأنها لا تترك لهم متعبدا وجزم الكلام وقال هذا محصل ما ذكره في مثل هذه القضية الأعلام وأفتى فريق بجواز إبقائها وأنه لا ينبغي تقويض بنائها ولا التعرض لهم في إحداثها إذ على مثل هذا من دينهم الفاسد أقروا وأعطوا الذمة فأعطوا الجزية صاغرين ولم يرد منع اجتماع دينين إلا في جزيرة العرب وكم من بلد إسلامي محدث مشحون بالعلماء أحدثت فيه ولم يقولوا بمنعه وتواطؤهم على تركها كالنص والدليل على جواز إحداثها وإبقائها بعده واستمر الحجاج وكثر اللجاج ولم يقنع كل فريق بما أبداه الآخر من الاحتجاج فعطلت لذلك إلى أن تفرقوا فيها بعلمكم النافع بين العذب والأجاج بفتوى تبين صحيح الأقوال من سقيمها وتفصل بين ليلى وغريمها ولولا محل النازلة من الدين ما رفعت إليكم فلذلك وجب الجواب عنها عليكم مع مسألة أخرى وهي أنهم طلبوا أن تترك لهم بقعة يوارون فيها جيف موتاهم لأن مسافة ما بينهم وبين أفران التي هي مقبرة قديمة لهم بعيدة هل يساعفون أم لا والله يبقيكم ومجدكم محروس وظل من استزلكم مكنوس والسلام عليكم الجواب الحمد لله وعلى فقهاء بلادنا السوسية حرسها الله وأكرمهم باتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام ورحمة الله وبركاته أما بعد فقد وقف كاتبه عفا الله عنه على نازلة أهل الذمة النازلين بإيليغ مختط أولاد السيد البركة قطب بلادنا سيدي أحمد بن موسى نفعنا الله ببركاته وبارك في ذريته وسددهم لما فيه رضاه آمين ولما وقفت عليها وتأملتها فرأيت أن الصواب فيها الفتوى بمنع إحداث أهل الذمة الكنائس فيها وبهدم ما بنى فيها بعد إحداثه لأن إيليغ من بلاد الإسلام ولا فيه شبهة لأهل الذمة الطارين عليه لا باعتبار الفتح العنوي ولا باعتبار الصلحي على الخلاف في المغرب باعتبار فتحه وحاصل أمرها خفاء الحال فيها وإذا كان الأمر هكذا فالحكم أنها ملك لمدعيها الحائز لها والأراضي أقسام أرض إسلام لا يجوز إحداث الكنائس بها باتفاق ثم إن وقع شيء من ذلك هدم وأرض إيليغ من هذا القسم فإن ملكوا الأرض التي بنوا فيها الكنيسة بوجه من وجوه التملك كالعطية وجب هدمها ونقضها ويكون لهم ما يسوغ من المنافع وإن كان بناء الكنيسة شرطا ردت العطية وفسخ البيع إن كان به لأنه في معنى التحبيس على الكنيسة والحاصل أن وجه دخول اليهود إيليغ معلوم وأن بلده ملك للإسلام فبناء اليهود فيها الكنائس معصية وتمكينهم منه إعانة عليها وهذا لا يخفى وأما الجواز والإفتاء به في النازلة فبمعزل عن الصواب والاستدلال على الجواز بحواضر المغرب وسكوت علمائها وموافقة أمرائها لا يتم لأن أصل تمكينهم من الكنائس مجهول إذ يحتمل أمورا منها أنه يحتمل أن يكون بعهد كان لهم في غير تلك البلاد من إقرارهم على بلد يسكنونه مع بقائهم على متعبداتهم ثم نقلوا لمصلحة اقتضت ذلك أو أرجح ولأن البلاد تقدم فيها اليهود وغيرهم من أهل الصلح والحاصل أن وجه دخولهم مجهول في هذه البلاد بخلاف إيليغ ونازلة إيليغ معلومة الدخول فبينهما بون فقياس إحداهما على الأخرى لا يصح وبالله التوفيق وكتب عيسى بن عبد الرحمن وفقه الله آمين ولما علم المرابط بالحكم أمر بهدمها ومنع اليهود مما أرادوه
بقية أخبار السلطان الوليد ابن زيدان ووفاته رحمه الله
قال في شرح الزهرة كان الوليد بن زيدان متظاهرا بالديانة لين الجانب حتى رضيته الخاصة والعامة وكان مولعا بالسماع لا ينفك عنه ليلا ولا نهارا إلا أنه كان يقتل الأشراف من إخوته وبني عمه حتى أفنى أكثرهم وكان مع ذلك محبا في العلماء مائلا إليهم بكليته متواضعا لهم وله ألف القائد أبو الحسن علي بن الطيب منظومته المشهورة في الفواكه الصيفية والخريفية وألف القاضي أبو مهدي السكتاني شرح صغرى الصغرى للسنوسي برسمه والقصبة المعروفة بالوليدية على ساحل البحر المحيط فيما بين آسفي وتيط هي منسوبة إليه وأظنها من بنائه والله أعلم وأما وفاته فسببها أن جنده من العلوج طالبوه بمرتبهم وأعطياتهم على العادة وقالوا له أعطنا ما نأكل فقال لهم على طريق التهكم كلوا قشر النارنج بالمسرة فغضبوا لذلك وكمن له أربعة منهم فقتلوه غدرا يوم الخميس الرابع عشر من رمضان المعظم سنة خمس وأربعين وألف وقال منويل لما ولي الوليد قتل أخاه إسماعيل واثنين من أولاد أخيه عبد الملك وسبعة من بني عمه ولم يترك إلا أخاه الشيخ بن زيدان استصغارا له إذ كان سنه يومئذ إحدى عشرة سنة وكانت أمه تخاف عليه من الوليد فكانت تحرسه منه حراسة شديدة وألقى الله محبته في قلب سائر نساء القصر لما رأين من هلاك الأعياص وعرضه الملك للزوال وكن حازمات يقمن مقام الرجال حتى إن بعضهن كانت لها طبنجات في حزامها دائما تحرس الشيخ من أخيه الوليد ثم إن رؤساء الدولة سئموا ملكته فاتفقوا مع نساء القصر على قتله وكان الوليد عازما على قتل أخيه الشيخ أيضا فاحتال بأن صنع ذات ليلة صنيعا عظيما وطعاما كثيرا دعا إليه وجوه الدولة وأعيان مراكش وكان أخوه الشيخ عنده في الدار لا يتركه يخرج بحال وعزم أنه إذا اشتغل نساء القصر بأمر الطعام ونحوه خالف إليه وقتله فكان من قدر الله أن العلوج قد عزموا في تلك الليلة على اغتيال الوليد فكمنوا له في الحجرة التي كان الشيخ محبوسا فيها ثم لما جاء الوقت واجتمع الناس في القبة التي أعدها لهم الوليد قام ودخل إلى الحجرة التي فيها الشيخ للفتك به فوجد الأعلاج كامنين له هناك فلما رآهم فزع وقال ما لكم فرموه بالرصاص ثم تناولوه بالخناجر حتى فاظ انتهى
الخبر عن دولة السلطان أبي عبد الله محمد الشيخ بن زيدان رحمه الله
لما قتل السلطان الوليد في التاريخ المتقدم اختلف الناس فيمن يقدمونه للولاية عليهم ثم أجمع رأيهم على مبايعة أخيه محمد الشيخ وإلقاء القيادة إليه فأخرجوه من السجن وكان أخوه الوليد قد سجنه إذ كان يتخوف منه الخروج عليه فبويع بمراكش يوم الجمعة الخامس عشر من رمضان سنة خمس وأربعين وألف ولما بويع سار في الناس سيرة حميدة وألان الجانب للكافة وكان متواضع في نفسه صفوحا عن الهفوات متوقفا عن سفك الدماء مائلا إلى الراحة والدعاء متظاهرا بالخير ومحبة الصالحين وهو الذي بنا على قبر الشيخ أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الدلائي بزاويته قبة حافلة البناء رائقة الصنعة إلا أنه كان مكنوس الراية مهزوم الجيش وبسبب ذلك لم يصف له مما كان بيد أبيه وإخوته إلا مراكش وبعض أعمالها وقد ثار عليه رجل من هشتوكة خارج باب الخميس من مراكش وقاسى في محاربته تعبا شديدا ولم يزل يناوشه القتال إلى أن كانت له عليه الكرة ففرق جمعه ثم خرجت عليه أيضا قبيلة الشياظمة فقصدهم وكانت الملاقاة بينه وبينهم عند جبل الحديد فانهزم هزيمة شنعاء ثم حدث بينه وبين أهل زاوية الدلائي ما نذكره بعد إن شاء الله ومما ذكره منويل من أخباره أنه كان محسنا لسائر رعيته وكان حاله على الضد من جور أخيه الوليد وعسفه قال وسرح الفرايلية الذين كانوا في سجن مراكش وأعطاهم الكنيسة التي بالسجينة منها وخالفت عليه سلا وأعمالها انتهى
بقية أخبار أبي عبد الله العياشي بسلا والثغور وما يتبع ذلك
كان أمر أبي عبد الله العياشي بسلا وسائر بلاد المغرب على ما وصفناه قبل من جهاد العدو والتضييق عليه والمصابرة له والإبلاغ في نكايته فانتعش به الإسلام وازدهرت الأيام ودخلت في طاعته القبائل والأمصار من تامسنا إلى تازا كما قلنا لا سيما فاس وأعلامها فإنهم قد شايعوه وتابعوه على ما كان بصدده من الجهاد والرباط وحصل لهم بصحبته وولايته أتم اغتباط ولم يزل في نحر العدو إلى أن أمن سرب المسلمين وحق القول على الكافرين
وفادة أعلام فاس وأشرافها على أبي عبد الله العياشي بسلا
هذه الوفادة قد ذكرها الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن أحمد ميارة الفاسي في فاتحة شرحه الصغير على المرشد المعين قال في نشر المثاني وسببها ما وقع من الحرب بين أهل فاس وبين الحياينة وشراقة على قنطرة وادي سبو وقتل فيها من أهل فاس خمسة وأربعون رجلا فخرج شرفاء فاس وفقهاؤها إلى سلا مستغيثين بأبي عبد الله العياشي قال وكان الذي أغرى الحياينة بفاس هو أحمد بن زيدان التفوا عليه وقاموا بدعوته ووصلوا أيديهم بشراقة وفعلوا بفاس وأهلها الأفاعيل حتى اختطفوا في بعض الأيام نساءهم من الجنات وباعوهن في القبائل وفعلوا بهن ما لا يجوز قال الشيخ ميارة قد من علي ذو العظمة والجلال الكريم المتفضل المتعال بزيارة الولي الصالح العالم العامل السائح قطب الزمان وكهف الأمان المجاهد في سبيل رب العالمين المرابط في الثغور مدة عمره لحياطة المسلمين ذي الكرامات الشهيرة العديدة والفتوحات العظيمة الحميدة من لا شبيه له في عصره وما قرب منه ولا نظير ولا معين له على نصرة الإسلام ولا نصير إلا الله الذي تفضل به علينا وأقره بمنه وجوده بين أظهرنا فهو كما قيل ( حلف الزمان ليأتين بمثله % حنثت يمينك يا زمان فكفر ) البركة القدوة المجاب الدعوة أبي عبد الله سيدي محمد بن أحمد العياشي أبقى الله بركته وعظم حرمته وبلغه من خير الدارين أمنيته وأطال للمسلمين عمره وقواه وجعل الجنة نزله ومأواه مع جماعة من أعيان السادة من الشرفاء والفقهاء القادة وذلك أواسط ذي الحجة الحرام متم سبعة وأربعين وألف عام وهو رزقنا الله رضاه بثغر سلا أمنها الله من كل مكروه وبلا فاجتمعت إذ ذاك بنجله السعيد الموفق الرشيد العالم الهمام حجة الله في الإسلام ذي العقل الراجح والهدي الواضح عهود من الآباء توارثتها الأبناء المتواضع الخاشع صاحب القلم البارع سيدي وسندي أبي محمد عبد الله سلمه الله من كل مكروه ووقاه فحضني حفظه الله على اختصار الشرح المذكور يعني شرحه الكبير على المرشد المعين بعد أن طالع جله وسر به كل السرور وحث علي في تقديم ذلك على جميع الأمور فلما قفلت من وجهتي شرعت في ذلك تاركا للتسويف طالبا من المولى سبحانه السلامة من الخطأ والتحريف انتهى المقصود منه قال في نشر المثاني إن أبا عبد الله العياشي قدم فاسا ونظر في أمرها وغزا عرب الحياينة مرارا وأثخن فيهم حتى خضعوا للطاعة
إيقاع أبي عبد الله العياشي بنصارى الجديدة
سبب هذه الغزوة كما ذكره الفقيه العلامة قاضي تامسنا أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد الغنامي الشاوي المعروف بسيدي رحو الغنامي أن نصارى الجديدة عقدوا المهادنة مع أهل آزمور مدة فكان من عزة النصارى وذلة المسلمين في تلك المدة ما تنفطر منه الأكباد وتخر له الأطواد فمن ذلك أن زوجة قبطانهم خرجت ذات يوم في محفتها ومعها صواحباتها إلى أن وصلت حلة العرب فتلقاها أهل الحلة بالزغاريت والفرح وصنعوا لها من الأطعمة وحملوا لها من هدايا الدجاج والحليب والبيض شيئا كثيرا فظلت عندهم في فرح عظيم ولما كان الليل رجعت ووقع لها أيضا أنها أمرت القبطان زوجها أن يخرج بجيشه ويبعث إلى قائد آزمور أن يخرج بجيش المسلمين فيلعبوا فيما بينهم وهي تنظر إليهم بقصد الفرجة والنزهة فكان كذلك فجعلوا يلعبون وهي تتفرج فيهم فما كان بأسرع من أن حمل نصراني على مسلم فقتله فكلم قائد المسلمين القبطان وأخبره بما وقع فقال له القبطان فما يضركم إن مات شهيدا يهزأ بالمسلمين ويسخر منهم قال وكان الولي الصالح العابد الناسك الزاهد المجاهد رافع لواء الإسلام ومحيي منهاج النبي صلى الله عليه وسلم سيدي محمد العياشي كلما سمع شيئا من ذلك تغير وبات لا يلتذ بطعام ولا منام وهو يفكر كيف تكون الحيلة في زوال المعرة عن المسلمين بتلك الجهة وغسل أعراضهم من وسخ الإهانة وهو مع ذلك يخاف من العيون الذين يرصدونه من صاحب مراكش وقائد آزمور ومن قبطان الجديدة إذ كان ما خلف وادي أم الربيع إلى مراكش باقيا في دعوة السلطان لم يدخل في دعوة أبي عبد الله المذكور فمكث كذلك ثلاث سنين ولما رأى أن الأمر لا يزيد إلا شدة أوعز إلى بعض أولاد ذؤيب من أولاد أبي عزيز أن يجلبوا إلى النصارى شيئا من القمح خفية وأن يكون ذلك شيئا فشيئا حتى تطمئن نفوسهم ويذوقوا حلاوته ويوهمهم النصح والمحبة فلما حصل ذلك جاءه جماعة منهم وأخبروه الخبر وأطلعوه على غرة النصارى خذلهم الله فعزم على قصد الجديدة ثم بدا له في تقديم غزو العرائش ثم يأتي الجديدة بغتة ففعل رحمه الله وكان ذلك أوائل صفر سنة تسع وأربعين وألف ثم عزم على قصد الجديدة فذكروا له أن وادي أم الربيع في نهاية المد والامتلاء فلم ينته عن ذلك وسار حتى بلغ الوادي المذكور على مشرع أبي الأعوان فوجده ممتلئا جدا لا يكاد يدخله أحد إلا غرق فقال لأصحابه وسائر من معه توكلوا على الله واجتهدوا في الدعاء ثم اقتحم الوادي بفرسه وتبعه الناس فعبروا جميعا ولم يتأذ منهم أحد وكان الماء يصل إلى قريب من ركب خيلهم مع أن مد ذلك الوادي حين امتلائه لا يدرك له قعر عند الناس كما هو شهير وهذه كرامة عظيمة وقعت له رضي الله عنه وكان القاضي أبو زيد الغنامي حاضرا لها وشاهدها ولم يقع مثل هذا فيما علمناه إلا للصحابة رضي الله عنهم مثل ما وقع لسعد بن أبي وقاص في عبوره دجلة لفتح المدائن ومثل ما وقع للعلاء بن الحضرمي في فتح بعض بلاد فارس وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ولما وصل أبو عبد الله إلى الجديدة وجد طائفة من أولاد أبي عزيز قد نذروا به ولجؤوا إلى القبطان خوفا منه أن يوقع بهم لأجل مهادنتهم للكفار واتصالهم بهم فخرج القبطان في خيله وكان سيدي محمد كامنا بإزاء الجديدة بالغابة التي كانت هناك وقد زالت اليوم فلما انفصل القبطان بجيشه عن الجديدة حمل عليهم أبو عبد الله فقطعهم عنها ففروا إلى جهة البحر فأوقع بهم فهلكوا ولم ينج منهم إلا سبعة وعشرون رجلا فتغير صاحب مراكش من ذلك وأنكر ما صنع أبو عبد الله وكذا أنكره قاضيه الفقيه أبو مهدي السكتاني وقد ذكر لويز مارية خبر هذه الوقعة فقال إن طائفة من المسلمين قدموا على قائد البرتغال بالجديدة وقالوا له إنا قد جئناك من عند المولى محمد بن الشريف يطلب منك تعينه بجماعة من عسكرك على بعض عدوه فأسعفهم بذلك وكان شابا غرا لم يجرب الأمور فنهاه بعض كبار عسكره وحذره عاقبة الغدر فأبى وعزم على الخروج مع أولئك المسلمين وتقاعد عنه عسكره فقال لهم إني أخرج وحدي وذهب ليخرج وحده فتبعوه حينئذ وكانوا مائة وأربعين فارسا فلما انفصلوا عن الجديدة بمسافة وجدوا خيلا كثيرة كامنة لهم فلم يشعروا حتى أحاطت بهم نصف دائرة منهم فما كلموهم حتى كملت الدائرة عليهم وصاروا مركزها فحينئذ التفت قائد العسكر إلى ذلك الرجل الذي نهاه عن الخروج وقال له ما الحيلة فأجابه بأن الحيلة القتال حتى نموت ثم أنشد له شعرا مضمنه إني أشرت عليك وأنت أعظم جاها مني فلم تسمع والآن نقتل معا وتختلط دماؤنا حتى لا يتميزان ولا يعرف دم الشريف من الوضيع والحاصل أن المسلمين أوقعوا بهم حتى لم يرجع منهم إلى الجديدة إلا ثلاثة وأسر منهم خمسة عشر أحياء والباقي أتى عليه القتل وقامت بالجديدة مناحة عظيمة لم يتقدم مثلها وسجن الأسارى بسلا سنين في بعض دهاليزها حتى افتداهم سلطانهم خوان الذي جمع مملكتهم من يد الإصبنيول انتهى
ولما قدم سيدي محمد العياشي من هذه الغزوة سار إلى فاس للنظر في أمرها لما هاج من الحرب بين أهلها وذلك أن رجلا منهم يقال له ابن الزين عدا على رجل آخر يقال له أحمد عميرة فرماه برصاصة من علية مسجد فوق سويقة ابن صافي فقتله وهاجت الحرب بفاس بين أهل عدوة الأندلس وكان المقتول رئيسهم وبين اللمطيين فقدم سيدي محمد العياشي فاسا في آخر جمادى سنة خمسين وألف فأصلح بينهم وأقاد من قاتل عميرة كبير الأندلسيين وبالجملة فغزوات سيدي محمد العياشي رحمه الله كثيرة وذبه عن الإسلام وحمايته للدين مما هو شهير عند الخاص والعام وفي هذه الغزوة يقول الكاتب الأديب أبو عبد الله محمد بن أحمد الكلاني مادحا لسيدي محمد العياشي ومشيرا إلى الكرامة التي وقعت له في عبور النهر ( حديث العلا عنكم يسير به الركب % وينقله في صحفه الشرق والغرب ) ( وحبكم فرض على كل مسلم % تنال به الزلفى من الله والقرب ) ( فأنت رفيع من أصول رفيعة % نجوم الدياجي في الأنام لها سرب ) ( سمي رسول الله ناصر دينه % تجلى بكم عن أفقه الشك والريب ) ( ولم أر بحرا جاوز البحر قبلكم % تجود لمستجد أنامله السحب ) ( وما يستوي البحران عندي فإن ذا % أجاج لعمري في المذاق وذا عذب ) وكان رحمه الله عازما على أخذ العرائش فحال بينه وبينها انصرام الأجل وكذلك كان ملحا على أخذ طنجة فلم تساعده الأقدار
مقتل أبي عبد الله العياشي رحمه الله والسبب فيه
قدمنا أن أهل الأندلس بسلا تحزبوا على أبي عبد الله العياشي ورموه عن قوس واحدة وأنه كان قد اطلع على خبثهم ونصحهم للكفر وأهله وأنه استفتى العلماء فيهم فأفتوه بإباحة قتال من هذه صفته فأطلق فيهم السبيل أياما فقتل من وجد منهم وهرب أكثرهم فهربت طائفة منهم إلى مراكش وهربت طائفة إلى الجزائر وأخرى إلى النصارى وفرقة إلى زاوية الدلاء فجاء أهل الدلاء يشفعون في أهل الأندلس فأبى أبو عبد الله أن يقبل فيهم الشفاعة وقال إن الرأي في استئصال شأفتهم فلما رأى أهل الدلاء امتناعه ورد شفاعتهم غضبوا لذلك وأجمعوا على حربه ومن قبل ما كانت القوارص تسري منهم إليه يدل على ذلك الرسالة التي كتب بها الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الدلائي إلى أبي عبد الله العياشي ونصها الحمد لله الحليم العفو الرؤوف المنزه عن صفات من وصف بها مؤف و صلى الله عليه وسلم مدينة العلم المسورة بسور السماحة والحلم وعلى ساداتنا آله وصحبه وكل من انتظم في سلك أتباعهم من أهل حزبه هذا وإن المجلى بنور طلعته ظلم الظلم والفساد المحلي خزائن المعالي بموجبات النفاق على حين الكساد المستوطن حبه بسويداء الفؤاد من ألقت إليه المكارم أزمة الانقياد وصلحت به بحمد الله العباد والبلاد حوطة الإسلام وحمايته وخديم الدين المحمدي وكفايته سيدي محمد بن أحمد العياشي المحمود الأوصاف بشهادة من يعد من أهل الإنصاف زاده الله من المكارم أعلاها ومن نفائس درر المجد أغلاها وتوجه بتاج الكرامة والرضى وأمده بدائم مدده السرمدي حتى يرضى وسلم جنابه القدسي العلمي العملي المرابطي المجاهدي من جميع البلايا وأتحفه من تحفه الفاضلة الوهبية بأعلى المزايا وأهدى إليه من طيب بركاته ورحماته ما يرضاه دينه العلمي لحماته قد شهدنا على أنفسنا بالإقرار بفضله علينا وأن ما يسره يسرنا وما يضره يضرنا علم ذلك منا يقينا من له معنا أدنى مخالطة بحيث لا يمكنه أن يدفع ذلك بنوع من المغالطة وإن الضار بالعين ضار بإنسانها لكن النفوس الإنسانية محل لخطاها ونسيانها ومن أقمناه لديكم مقام الخادم والولد قد ساءنا منه ما ساءكم مما عنه ورد وطلبنا من جميل أوصافكم معاملته بالصفح والجميل فلن يزال الإنسان إلا من عصمه الله يستمال أو يميل ولولا الحرارة ما عرف الظل ولولا الوابل لقيل النهاية في الطل وما عرف العفو لولا الإساءة ولا يقال صبر المرء إلا فيما ساءه وما عرفنا صاحبه إلا محبا لجانب كل من للدين ينتسب فإن خرج عن نظركم فقد أتاه الغلط من لا يحتسب انتهى وكان الشيخ ابن أبي بكر رحمه الله يطيل الثناء على أبي عبد الله العياشي ويذيع محاسنه وكان يقول في دعائه اللهم أجز عنا سيدي محمد العياشي أفضل المجازاة وكافه أحسن المكافأة واجعل مكافأتك له كشف الحجب عن قلبه حتى تكون أقرب إليه منه اللهم لا تحرمه توجهه إليك وانقطاعه لخدمتك اللهم نفس كربته وكمل رغبته وأجب دعوته وسدد رميته واردد له الكرة على من عداه في الحق إنك على كل شيء قدير انتهى فهذا حال الشيخ ابن أبي بكر رحمه الله مع أبي عبد الله العياشي ثم قدر الله أن حدث بين أولاده وبين العياشي من النفرة ما أفضى إلى المقاتلة وذلك بسبب رده شفاعتهم في أهل الأندلس وأمور أخر فأجمعوا على حربه كما قلنا فخرج إليهم أبو عبد الله العياشي فأوقع بهم وهزم جموعهم وفتك بالعرب الذين كانوا مع التاغي فتفرقت الجموع وتبرأ التابع من المتبوع ثم ذهب أبو عبد الله العياشي إلى طنجة بقصد الجهاد فلما قفل من غزوه وجد البربر من أهل الدلاء قد وصلوا إلى أطراف أزغار ومعهم التاغي والدخيسي وأهل حزبهم من الكدادرة وغيرهم وعزموا على مصادمة أبي عبد الله فأراد أن يغض الطرف عنهم ويصرف عنانه عن جهتهم فلم يزل أصحابه به إلى أن برز لمقاتلتهم فلما التقى الجمعان كانت الدبرة على أبي عبد الله العياشي وقتل فرسه تحته فرجع إلى بلاد الخلط وكان رؤساء الخلط أكثرهم في حزب التاغي وعلى رأي الكدادرة فرجعت البربر إلى أوطانهم وبقي أبو عبد الله العياشي عند الخلط أياما ثم غدروا به فقتلوه بموضع يسمى عين القصب واحتزوا رأسه وحمله بعضهم إلى سلا وكأنه حمله إلى أهل الأندلس إذ هم أعداؤه بها قال في شرح المثاني ودفنت جثته بإزاء روضة أبي الشتاء رضي الله عنه ومن كراماته المتواترة أنهم لما حملوا الرأس سمعوه ليلا وهو يقرأ القرآن جهارا حتى علمه جميع من حضر فردوه إلى مكانه وتاب بسببه جماعة من الناس وأما القبة المنسوبة إليه بقبيلة أولاد أبي عزيز من بلاد دكالة فالظاهر أنها متخذة على بعض معاهده التي كان يأوي إليها أيام كونه بالقبيلة المذكورة في ابتداء أمره كما مر وليس هناك قبر له على الصحيح ولما قتل أبو عبد الله العياشي فرح النصارى بمقتله غاية الفرح وأعطوا البشارة على ذلك وعملوا المفرحات ثلاثة أيام وكان مقتله رحمه الله تاسع عشر المحرم سنة إحدى وخمسين وألف وقد رمزوا لتاريخ وفاته بقولهم مات زرب الإسلام بإسقاط ألف الوصل وحدث رجل أنه كان بالإسكندرية فرأى النصارى يومئذ يفرحون ويخرجون أنفاضهم فسألهم فقالوا له قتل سانطو بالمغرب وفي الرحلة لأبي سالم العياشي قال أخبرني الشيخ محمد الفزاري بمكة قال كان بالمدينة المشرفة رجل مغربي من أهل القصر في السنة التي قتل فيها الولي الصالح المجاهد سيدي محمد بن أحمد العياشي قال فجاءني ذات يوم وقال لي إني رأيت في النوم أختي ورأيت رجلا جالسا مقطوع اليد تسيل دما فقلت له من أنت قال الإسلام قطعت يدي بسلا قال فلما أخبرني قلت له الذي يظهر لي من رؤياك أن الرجل الصالح المجاهد الذي كان بسلا قد قتل قال وبعد ذلك في آخر السنة قدم حجاج المغرب فأخبرونا بموته وقد رثي رحمه الله بقصائد كثيرة منها قصيدة الأديب البليغ أبي العباس أحمد الدغوغي التي ذكرها في النزهة ويحكى أنه وجد مقيدا بخط أبي عبد الله العياشي المذكور أن جملة ما قتله من الكفار في غزواته سبعة آلاف وستمائة وسبعون ونيف ومما مدحه به العلامة الإمام الشهير أبو محمد عبد الواحد بن عاشر قوله ( يا حادي الأظعان في الرياشي % أبلغ سلامي فخرنا العياشي ) ( من نوره بدا وفضله غدا % تحدو به الركبان والمواشي ) ( طود الهدى عين الندى فرد الورى % فريد وقته الإمام الخاشي ) ( لله سيف صارم وقاصم % ظهر العدا كبيرهم والناشي ) ( يتركهم عند اللقا رهن الشقا % صرعى على الأرض كما الكباشي ) ( يا مسلمين تهنيكم حياتكم % ما عاش فيكم سيدي العياشي ) ( أنام لا شك الأنام الكل في % ظل الأمان لين الفراش ) ( يا عاذلي في حبه عذلك دع % ولا تحدثني حديث الواشي ) ( إني امرء بالحسن مفتون وعن % جميع لوم لائمي عاشي ) ( هديتي إلى الكرام أبرزت % سلامها للسامعين فاشي ) وثناء الناس عليه كثير فقد أثنى عليه الشيخ ميارة كما مر وأبو عبد الله محمد العربي الفاسي وابن أبي بكر الدلائي وغيرهم وكان رحمه الله مجاب الدعوة ما دعا الله في شيء إلا استجيب له شوهد ذلك منه مرارا ومن أدعيته المحفوظة عنه اللهم إني أسألك باسمك السريع المجيب الذي خزنت فيه فواتح رحمتك وخواتم إرادتك وسرعة إجابتك يا سريع لمن قصده يا قريب ممن سأله يا مجيب من دعاه أسرع لي بقضاء حاجتي وبلوغ إرادتي يا سميع يا مجيب يا سريع يا قريب آمين آمين آمين يا رب العالمين وكان فقيها مشاركا في الفنون وله أتباع ظهرت عليهم بركاته ولاح عليهم سره ومن أتباعه الشيخ أبو الوفاء إسماعيل بن سعيد الدكالي القاسمي صاحب الزاوية المشهورة ببلاد دكالة ومن أتباعه أيضا المقدم المجاهد أبو العباس الخضر غيلان الجرفطي وقد ذكر ذلك الشيخ أبو عبد الله محمد بن ناصر الدرعي في رسالة كتب بها إلى المجاهد المذكور يقول فيها ما نصه من عبيد الله تعالى محمد بن ناصر كان الله له إلى الفارس القائم بنصر دين الله البائع نفسه في إعلاء كلمة الله الخضر غيلان سلام عليك ورحمة الله وبركاته وإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإني احبك في الله وإن لساني لهج بالتضرع إلى الله تعالى في نصرك على الكافرين منذ خرج النجليز والباعث على إعلامك بهذا أمران أحدهما قوله صلى الله عليه وسلم ( إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه ) والثاني استنهاض همتك للجد فيما أنت بصدده من الجهاد وعدم الالتفات إلى ما تورط فيه غيرك من الاغترار بالفاني فأنت ما دمت في هذا على طريق صالحة وعباد الله الصالحون كلهم معك ورحم الله صاحبك الذي أسس لك هذه الطريق الصالحة ورباك عليها أعني أمير المؤمنين نور البلاد المغربية سيدي محمد العياشي جزاه الله عنا وإياك عن المسلمين خيرا فهو سيدنا وسيد غيرنا الذي ندين الله بمحبته ويجب علينا وعلى المسلمين تعظيمه وتعظيم من هو منه بسبيل ثم قال الشيخ ابن ناصر رحمه الله بعد كلام ما نصه وتستوصي بآل سيدنا وسيد المسلمين في زمانه كافة خيرا سيدي محمد العياشي فهو عزك وبتعظيمهم قوام أمرك وهذا من نصيحتي إليك التي هي من نتيجة محبتنا لك فعاملهم بالوفاء ولا تؤاخذهم بالجفاء انتهى المقصود منه ولولد سيدي محمد العياشي وهو الفقيه العلامة سيدي عبد الله أرجوزة نظم فيها أهل بدر وتوسل بهم إلى الله تعالى في هلاك الذين تمالؤوا على قتل أبيه فلم تمض إلا مدة يسيرة حتى دارت عليهم دائرة السوء ولم ينج منهم أحد وفي البستان إن أبا عبد الله محمد الحاج الدلائي دخل بلاد الغرب وذلك بعد مقتل أبي عبد الله العياشي فلقيه ولده سيدي عبد الله المذكور بجموع الغرب بوادي الطين فوقعت الحرب في قبائل وانتهبت حللهم ومواشيهم انتهى وكان ذلك في أوائل ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وألف ولسيدي عبد الله ابن سيدي محمد العياشي في بعض زياراته لأبيه قوله ( أتينا إليك وأنفسنا % تكاد من الخوف منك تذوب ) ( ولم ندر أين هواك الذي % تحب فتنحو إليه القلوب ) ( أقمنا فخفنا وجئنا فخفنا % فمن خوفنا قد دهتنا خطوب ) ( فها نحن من خوفنا منك حيرى % وها نحن من خوفنا منك شيب ) قال اليرفني في الصفوة وأخبرني حافده العلامة قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد العياشي أن جده سيدي عبد الله المذكور كان قد أصابه مرض أعيى الأطباء علاجه فلما طال عليه أمره رغب منهم أن يحملوه إلى ضريح الشيخ سيدي الحاج أحمد بن عاشر بسلا فلما وقف على الضريح أنشد ارتجالا ( أقول لدائي إذ تفاقم أمره % وعز الدوا من كل من هو ناصري ) ( إلا فانصرف بالله عني إنني % أنا اليوم جار للولي ابن عاشر ) قال فكأنما نشط من عقال وانقشع عنه سحاب ذلك الضرر في الحال وكانت وفاة سيدي عبد الله المذكور ليلة عرفة سنة ثلاث وسبعين وألف ودفن بجوار الولي الأشهر الشيخ أبي سلهام من بلاد الغرب وبنيت عليه قبة صغيرة وأخبار العياشيين ومحاسنهم كثيرة وبيتهم بيت خير وصلاح رحمهم الله ونفعنا بهم آمين
ظهور أهل زاوية الدلاء وأوليتهم بجبال تادلا وما يتبع ذلك
أما نسبتهم فهم من برابرة مجاط بطن من صنهاجة حسبما ذكره ابن خلدون وغيره وكان مبدأ أمر أهل زاوية الدلاء أن جدهم الولي الأشهر سيدي أبا بكر بن محمد وهوا لمعروف بحمي بن سعيد بن أحمد بن عمر بن يسري المجاطي كان ممن أخذ عن الشيخ الصالح أبي عمرو القسطلي دفين مراكش وسكن الدلاء واتخذ هنالك زاوية فجاء ولده الولي الأظهر أبو عبد الله محمد بن أبي بكر فكمل من الفضائل ما بقي وأبدى من الأسرار ما خفي فتناقل الركبان حديث هذه الزاوية وقصدها الناس من كل ناحية إلى أن كان من أولاد الرجلين ما نذكره وأخذ الشيخ محمد فتحا بن أبي بكر عن الشيخ أبي عبد الله محمد الشرقي فحصل له من الحظوة والوجاهة فوق ما كان لسائر من عاصره وكان أعلام الوقت كالحافظ أبي العباس المقري والحافظ أبي العباس بن يوسف الفاسي والإمام أبي محمد بن عاشر والفقيه العلامة أبي عبد الله محمد ميارة وغيرهم يقصدون زيارته والتبرك به ويراجعونه في عويص المسائل العلمية وكان رحمه الله عالما حافظا دراكا متوسعا في علمي التفسير والحديث وعلم الكلام حسن المشاركة فيها وفي غيرها وكانت وفاته سنة ست وأربعين وألف قال اليفرني وحدثني غير واحد من أشياخنا أنه لما دنت وفاته جمع أولاده وعشيرته وقال لهم @QB@ إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده @QE@ البقرة 249 وأنا أقول لكم ولا ومن اغترف غرفة بيده يشير بذلك إلى ما تجاذبوه من أمر الرياسة بعده وذلك من مكاشفاته رضي الله عنه وقد اعترض عليه بعض الطلبة في قوله وأنا أقول بأنه سوء أدب لمقابلة كلام الله بكلامه وأجاب عنه حافده وهو الفقيه العلامة الشهير أبو عبد الله محمد بن أحمد بن المسناوي بن محمد بن أبي بكر برسالة مستقلة ولما توفي خلف من الأولاد عدة فكان أكبرهم أبو عبد الله محمد الملقب بالحاج لأنه حج مع أبيه ووحده مرارا ويقال إنه خطب الناس يوم عرفة على ظهر الجبل لأمر اقتضاه الحال ولم يكن ذلك لأحد من أهل المغرب قبله وفي أيامه تكامل أمر أهل الدلاء وشاع ذكرهم وكان للزاوية في أيامه وأيام أبيه صيت عظيم وكان بها من معاطاة العلوم والدؤوب على درسها وإقرائها وقراءتها ليلا ونهارا ما تخرج به جماعة من صدور العلماء وأعيانهم كالشيخ اليوسي وأضرابه حتى كانت إليها الرحلة في المغرب لا يعدوها الطالب ولا يأمل سواها الراغب وتمهد الأمر بها لأبي عبد الله محمد الحاج وأولاده وإخوانه وبني عمه إلى أن تملك مدينة فاس ومدينة مكناسة وأحوازهما وكافة القطر التادلي قال في نشر المثاني وفي سنة ست وأربعين وألف كان قيام محمد الحاج الدلائي على الشيخ ابن زيدان قلت ولعل المكاتبة الآتي بيانها بعد إنما كانت في هذا التاريخ وقال في البستان وفي سنة خمسين وألف زحف محمد الحاج الدلائي بعساكر البربر إلى مكناسة فاستولى عليها ثم زاد إلى فاس فاعترضه أبو عبد الله العياشي بجموع أهل الغرب ووقعت الحرب بينهما فانهزم العياشي وسار محمد الحاج لحصار فاس فرجع العياشي وأعاد حربا ثانية فانهزم محمد الحاج وعاد إلى بلاده وفي سنة إحدى وخمسين وألف بعد موت العياشي نزل محمد الحاج على فاس وحاصرها ستة أشهر وقطع عنها المواد وجميع المرافق إلى أن لحقهم الجهد وارتفعت الأسعار فدخلوا تحت حكمه ولما قام اجتمعت عليه برابرة ملوية وأذعنوا له واعصوصبوا عليه وقد كانت بينه وبين السلطان محمد الشيخ بن زيدان وقعة أبي عقبة فانهزم فيها السلطان المذكور وانتشر جمعه وذلك في سنة ثمان وأربعين وألف ومن ثم قطع النظر عما وراء وادي العبيد