ذكر ما وقع بين السلطان محمد الشيخ بن زيدان وبين أهل زاوية الدلاء من المراسلات والمعاتبات
قال في النزهة وفي أيام السلطان محمد الشيخ بن زيدان قويت شوكة أهل الدلاء وانتشرت كلمتهم في بلاد الغرب وضعف الشيخ عن مقاومتهم وعجز عن مقارعتهم وبعث إليهم قاضيه العلامة الفقيه أبا عبد الله محمد المزوار المراكشي يطلب منهم ترك الشنآن والرجوع إلى اجتماع الكلمة ويحتج عليهم بأن أباهم الولي الصالح سيدي محمد بن أبي بكر كان قد بايع أخاه الوليد بن زيدان والتزم طاعته وأنهم أولى الناس باقتفاء طريقته واتباع منهاجه فلما بلغهم القاضي المذكور وأدى الرسالة ونثل ما في العيبة وبين قصده اعتذروا إليه بمسائل وتعللوا بوجوه قال اليفرني وقد وقفت على رسالة كتب بها السلطان محمد الشيخ المذكور إليهم بعد رجوع القاضي من السفارة وهذا نص القدر المحتاج إليه منها بعد الخطبة ولنصرف عنان الغرض لمن عيناه لمسنون العتاب والمفترض من هم لدقائق المجاز ضابطون وفي حقائق الجواز خابطون أهل وطن الدلاء لمن هو لورود الشراب محتاج السيد أبو القاسم بن إبراهيم والسيد أبو عمرو والسيد محمد الحاج ومن لنشر صحف الإنصاف منهم مطابق كالسيد المسناوي والسيد عبد الخالق ولا زائد إلا قصد إيقاظكم من الغفوة التي طال كطلوع الشمس من المغرب ليلها وامتد كأرض المحشر فرسخها وميلها هل هذا منكم استخفاف بحضرة الخلائف أو تعام وتصام عما يجب على الرعايا من لازم الوظائف هذا من العار الماحي لصحف المناقب ولا يلوي بمن توخاه إلا للمهيع الذي لا تحمد لمنتجعه العواقب وخصوصا مثلكم الذي شق عصا الشقاق وشرع يمد أيدي الأطماع في استخلاص قبائل الآفاق وكنتم لا تدرون لباس القمصان ولا الشواشي إلى أن جسركم على وطء الغرب فأخذكم معه المعتر محمد العياشي فنبذتم موائد الضيوف وتقلدتم بلا حياء السيوف وأعانكم اضطراب القبائل مع وقوع الجوع ومن مضى إلى أي قطر تعذر عليه الرجوع إلى أن أمكنتم من أزمتها الرعايا وكل عنيد من رباط تازا إلى وادي العبيد فاستحليتم سكر الجبايات من الأبريز والفضة إلى أن جمعتم منه ما لا ينحصر في عد بواسطة القرافي والمنتصر من غير أن تنفقوه على إقامة جند ولا انتفع به إلا أشياع المومسات وشياطين الفساد والشر ولم ترقبوا مكر من رفعكم من غمار عموم البرابر وأقعدكم في القباب على الأسرة وفي بيوت الله على الكراسي والمنابر عويتم علينا معشر الثوار كالذئاب من كل عراء وشعبة لتكون عزيمة نهوضنا إليكم معطلة صعبة وأن لا ندري أين تميل النفوس ألتلك الصحارى أم إلى إيليغ السوس وهذا المغرب لا يخلو ملآن من نواميس كل كاهن ومدع قرقار تمسي فيه البومة خاملة وتصبح بالمخلب والمنقار ومعادين الهمز واللمز والمجون هم أهل الزوايا والديارات والفنادق والأسواق والسجون لكن من صفعته يمينه لا يبكي ومن ألقى بيده إلى التهلكة لا يشكي أهملناكم وأمهلناكم لعوائدكم من العبادة والطعام فطلعتم لنا في الحلوق عظاما ورعام لم تعلم الفقراء إلا بحرمة جاه الدخيل على صلح أو زواج أو لسماح البخيل وحتى الآن دعوناكم لعقد البيعة الواجبة لنا على كل من أطاع أو عصى من وجدة إلى حدود السوس الأقصى فنزهد لكم فيما يقوم بحق تلك الزاوية وأهلها بشرط أن تفيقوا من سنة الغفلة وجهلها وإن أمسكتم أقدام الانقياد عن سلوك سبيل السداد وقبول سوله فأذنوا بحرب من الله ورسوله فقد شيعنا لكم فقيهنا وقاضينا أبا عبد الله محمد المزوار فصددتموه أرهب صد وانقلب من المحاورة مردودا أقبح رد لو لم نبال بكم بالفكر والذكر ما صرفنا فيما سلف وصيفنا الأمين مباركا السوسي فشيد ضريح السيد محمد بن أبي بكر فدنستم خالص عرضه فإنه كان لكم علينا بريدا وبصيرة بما انطوت عليه منكم غرة السريرة فقص علينا دون أن نفحصه إن عين الجحش فراره ولا يسعنا أن تدعكم مع أشراف سجلماسة وبني موسى تلعبون بنا كهر الغالية في القفص لا يعطي غناء غلته إلا بوخز المسال التي تكلفه الرقص وحاصل الغرض تأدية البيعة كما عقدها أبوكم الأبر الجواد المرحوم الفاضل المجيد لأخينا الأرضى مولاي الوليد لتنتظم كلمة الإسلام في الأقطار إذ لو فعلتم لاقتفى أثركم جموع المنتجعين والأمصار وإن عظمت عليكم مفارقة تقبيل الرأس واليد والركبة فانتظروا صبيحة طلوعي عليكم طلوع الفجر على غسق الليل بخضرم خضرم من الرماة والخيل ونؤم بعدكم دولة الأشراف الصحراوية ونلوي على زاوية الساحل إلى أن تعود الإيالة الشيخية علوية عالية بالصيت والذكر أو تهوي إلى حضيض بني سعد بن بكر انتهى وكان جواب أهل زاوية الدلاء عن هذه الرسالة ما حاصله باختصار ولا زائد بعد حمد الله إلا أن مسطوركم الأحرش لما ورد ساحتنا سلب الأذهان والعقول فلا جارحة إلا ولها حصة من الطين فكادت الحبالى تسقط المشايم فضلا عن الجنين فياله من صوت زجر لا ينسى علينا طول السنين أسمعتنا غرائب لم تمر مرارتها على أهل الدهر الآتي والغابر لو صدح بها على جبانة لنهض أهل المقابر حتى سمتنا بالخسف في أسواق المذلة والهوان وما نحن الأعز وركن لكل من طرقته وصمة أو عمه وأنت تعمل بتدبير وإشارة الأعلاج المجبولين على طبائع الخداع والغش وتبني على قواعد ما لكم بها من عرين ولا عش ومن الدليل الشاهد والبرهان فتكهم بأخيك مع مشاورة النسوان على غيب من الجند والديوان فلا تدعهم يخدعونك وهم سلبوا روح جدك السمي من غمد الجسد وحملوا هامته في مخلاة من مسد وايم الله لئن داموا لك في الغرب بطانة لطلقوا عليك ثلاثا أوطانه وأما نحن فبيعة والدنا رحمه الله لم تزل لنا في الأعناق ولا ينبغي أن تعاد فتكرر كالظهير لمن تحرر وأيضا منعنا من تجديدها انسلال البربر عن ساحتنا فتكون أقوى سبب لفضيحتنا وأجلها هذا الأجدل الذي لا تؤده سموم الليالي ولا حرارة قيظ المصيف مولانا محمد بن مولانا الشريف عقاب أشهب على قنة كل عقبة لم يقنعه عد المال دون حسم الرقبة وربما غرتنا غفلة فيشن الغارة على شعوب شعاب ملوية أو ينشر جيوشه على رباط تازا بالرايات والألوية سيما وجناحاه ذوو النفوس النفيسة وبربر صنهاجة وعرب دخيسة بزاة النزوات بالحلة والمحال والغزوات والعياشي كما تعلمون كانت همه هجرته أولا لملة أهل الشرك ثم مد خطا العزم إلى درجة الملك وأما وصيفكم الأمين مبارك السوسي فحيث أناخ علينا ككل الإقامة لاختطاط ضريح الوالدين رحمهما الله قمنا بوظيف حقه الظاهر والباطن حيث اختبر بعين الحقيقة أرجاء أغوار المواطن ولا شك أن حال مطالعته هي التي أرخصت لنا في سوق خواطركم الأسعار إلى أن نصبتم لنا بعد الرضا حبائل الأذعار الجالية للعار وجد قبائلنا متبددة على ضم حبوب الصيف وأعيانهم مغتدين على الخيول بدون رمح ولا مدفع ولا سيف فخالهم على غرة غنيمة باردة وما علم أنهم أغوال الغيل صادرة وواردة فإن كانت معاينته هي التي أطمعتك أن يعودوا بعد العز نوائب فما درى أن منه كان الخاوي الخائب من ركب الخيل لنفسه دون راتب المخزن لا ترضى همته أن يهان فيحزن وقاضيك السيد محمد المزوار حيث عاين وفود الأقاليم منتشرة كالجراد على الأزقة والأدراب دون من لازم خدمة الأبواب تحقق عيانا أن انتظام شمل المالك والمملوك لا يكون إلا على عظماء الملوك فقص عليكم وعلى من حضر ما اعتقد وسمع ونظر وحتى الآن إن قصدتم الغرب أو حصن فاس لا تنالكم من جانبنا مساءة ولا بأس فبعد أن يكون لكم في المدينة البيضاء الجديدة والقديمة قرار يكون لنا بعد ذلك حكم الاختيار بين أن نؤمن لك أو نترك لك الديار أو نستصرخ بمن هو مثلك شريف حقيقي وسلطان له شغف أكثر منك في ضبط الأوطان فنقابل إذ ذاك القصورة بالساط ونلقي بطانة من شاط لأسنان الأمشاط أيهما للغرب غلب نؤدي له على الرغم ما طلب وإن قنعت بحوز الحمراء من مراش ورفضت عنك معاناة الهراش والتناوش فدعنا ومراعاة من تجارته الرئاسة وهمته اشتراء نفيس السياسة ضرغام غاب سجلماسة وأما صاحب إيليغ السوس فما مراده ومراد ذويه إلا غنيمة سلامة الأعراض وتجارة سلب النفوس وفيما تلوناه عليك من القصص كفاية فلئن غادرتنا مستترين في حرمة الاحترام والوقار فنعم وإن زاحمتنا بمنكب الهوان يدافعك عنا من ادعى أنه زعم وإن طرقنا مناخ عزمك على عبور وادي العبيد أو أم الربيع فهناك يجمع الله بين من يشتري ويبيع والسلام وكتب عن إذن جمهور إخوته عبد الله المسناوي بن محمد بن أبي بكر الدلائي في يوم الأحد الثاني والعشرين من رجب انتهى ولما رأى السلطان محمد الشيخ بن زيدان تعاصي أهل زاوية الدلاء عليه واستحكام أمر الغرب لهم وتقويهم بالعدد والعدد صرف عنانه عن مقارعتهم ومال إلى مسالمتهم وقطع النظر عما في أيديهم والأمر كله لله
ذكر ما دار بين السلطان محمد الشيخ ابن زيدان وبين الأمير المولى محمد بن الشريف رحمهما الله تعالى
كانت المكاتبات والمرسلات تقع بين السلطان محمد الشيخ بن زيدان السعدي وبين الأمير المولى محمد بن الشريف السلجماسي فمن ذلك رسالة بعث بها السلطان المذكور إلى الأمير المذكور فكان من فصولها أن قال له وبلغني أنك تعلن في النوادي من الحواضر والبوادي إن جرثومة انتمائنا لبني سعد بن بكر بن هوازن مع أنها في بني نزار بن معد وافية المكاييل ثقيلة الموازن وأننا من تيدسي أحد القصور بوادي درعة ومنها أنبت الله أصلنا فأزهر غصنه وأثمر فرعه فلئن كان غرضك حط منطقة قدرنا من اللبب فهذا من العلى عليك عار وأن تحاول محونا من صحيفة النسب فتلك دعوى لا تغلي أو ترخص أسواق الأسعار وقد صرفنا إليك نسخة من مناهج الصفاء في أخبار الشرفاء ليطلع عليها أنظارك من الملوك فيزول ما بالخاطر من إشراك الشكوك فأجابه المولى محمد بن الشريف عن هذا الفصل بأن قال له وعتابكم أننا عزوناكم لبني سعد بن بكر بن هوازن بن منصور وناشرون لذلك في الحلل والمدن والقصور تالله ما فهنا بذلك عن معايرة لكم ولا جهل ولا بأن نضيفكم لمن لا عشيرة له ولا أهل بل اعتمدنا في ذلك بحمد الله على ما نقله الثقات المؤرخون لأخبار الناس من علماء مراكش وتلمسان وفاس ولقد أمعن الكل التأمل بالذكر والفكر فما وجدكم إلا من بني سعد بن بكر ولا معول على كتاب المنصور من الفشاتلة ولا ابن القاضي المكناسي ولا ابن عسكر الشريف الشفشاوني وسواهم إذ الكل أهل بساطكم ومحل مزاحكم وانبساطكم ولقد بلغتنا نسخة مناهل الصفا فلم نجد فيها موردا عذب وصفا وكفى دليلا بالباطن والظاهر قول الثقة مولانا عبد الله بن طاهر ومع هذا فلم نعتمد دفعكم عن شرف النسب ولا رفعكم على ما وسمكم الله به من زينة الحسب انتهى الغرض من هذه الرسالة وأشار بقوله قول الثقة مولانا عبد الله بن طاهر إلى ما اتفق له مع المنصور حين جالسه على المائدة وقال له المنصور أين اجتمعنا فقال له ابن طاهر على هذا الخوان والحكاية قد مرت في صدر هذه الدولة السعدية ومما كتب به السلطان محمد الشيخ بن زيدان للأمير المذكور أيضا وذلك حين غلب المولى محمد على فاس وملكها فكتب إليه السلطان المذكور يحذره من عائلة أهل الغرب وغدرهم برسالة من إنشاء وزيره القائد أبي عبد الله محمد بن يحيى آجانا وفي آخرها قصيدة من إنشاء القائد المذكور وهي ( يا شبل مولانا الشريف محمدا % شمس السعادة والهلال الأكمل ) ( ملأت مهابتك الكبيرة مغربا % فزهت بمشرقة أصبهان وموصل ) ( صقر الصياصي على الأعادي صائل % طورا يغير وفي الملاحم سيتل ) ( أنيابه البيض الحداد صوارم % وبكل ظفر منه أبتر مقصل ) ( فجناحك الجرد العتاق وإن نظرت % إلى تلمسان يطيش الشمال ) ( هابتك ثوار الأقالم عنوة % والوحش فهي يغص منها المنهل ) ( قد طبت إن عرقت عروقك في الوغا % خلت العنابر ديف فيها المندل ) ( يا مالكا سعدت به أوطانه % فيما مضى وزها به المستقبل ) ( نادى بك النصر العزيز لمغرب % ولكم على فاس الجديد الكلكل ) ( فاحذر كما حذر الغراب ولا تكن % كالبط يطفو عن مطاه القوقل ) ( واعدل تفوز ولا تواخي طامعا % ترد العداة وتعم عنك العذل ) ( لا تصد من جبل البرابر واصطبر % حتى يهون على الجواسيس مدخل ) ( لا تأمن الأعراب في أقوالها % واقمع فضاضة من يجور ويختل ) ( وعليك بالغارات في أوطانها % بكتائب تسبي الأناث وتقتل ) ( واغضض ولا تردي تجار مدائن % يبقى عليك الستر دأبا يسبل ) ( لا تتخذ من حصن فاس صاحبا % أو حاكما يصل الأمور ويفصل ) ( كالبغل عادته الفرار وإن غدا % في مربط فمتى استغرك يركل ) ( لا تنقلن إلى الصحارى ذخائرا % فيقول أهل الغرب حتما يرحل ) ( واضرب لبيت الملك أوتاد الدها % تزداد صيتا في القلوب وتقبل ) ( ألف وفود الغرب واعرف قدرها % وقروم كل قبيلة لا تجهل ) ( وابسط يديك على العيال هنيئة % وإذا غرست عروق عدل تنقل ) ( هذي وصايا قد أضعنا حقوقها % في آخر مما نحاه الأول ) ( فمتى نشد إلى المعالي رحالنا % يأباه نصر والمقادير تخذل ) ( فرضينا متبعين أحكام القضا % والله يحكم ما يريد ويعدل ) فأجابه المولى محمد بن الشريف في سنة تسع وخمسين وألف بقصيدة ختم بها جوابه من إنشاء الفقيه أبي عبد الله محمد بن سودة الفاسي ونصها ( أمحمد الشيخ بن زيدان الرضا % فخر الخلائف والهمام الأكمل ) ( فلقد أجبتك عما قد كاتبتني % نظما ونثرا كي ترى ما يمثل ) ( إني أبث لكم وصايا جمة % إن أنت للنصح المصرح تقبل ) ( فإلى متى طول الرقاد أما ترى % أضعان ملكك كل يوم ترحل ) ( والدهر ينتف في رياش جناحكم % ويدنسن من الصفا ما تغسل ) ( ما من مليك ذاق لذة راحة % إلا تجلى له الهوان فيسفل ) ( أحرى الذي كثرت شقا ثواره % يعوي عليه لكل عاد معقل ) ( تحتال تخدعه بكل حباله % حتى يصاد كما يصاد النعثل ) ( فاستيقظن من الخمار ومن رعى % في أرض آساد الشرى لا يغفل ) ( وانفض غبار الذل واخلع ثوبه % يزداد وجهك بهجة ويهلل ) ( ضيعت ملكك في الرخا وتركته % للخزي في دار الهوان يذلل ) ( وركنت للظل الوريف وغادة % يزهو البديع بها إذا ما ترفل ) ( وإذا أردت دوام هيبة همة % وتدوم في ستر عليكم يسبل ) ( دع عنك في الحمرا مروق سفرجل % ومدربلا بالزعفران يفلفل ) ( واركب مطايا الصافنات إلى الوغا % أما تحوز مزية أو تقتل ) ( واقرع طبولا للرعاة وفي الوغا % يجبي إلى الحرب العوان الجحفل ) ( وخض القفار وهز رمحا وادرع % واثن العنان وفي يمينك منصل ) ( خاطر بنفسك في الفيافي جائلا % تردي العدو وكل ليل منزل ) ( واصطد نهارك بالسلاق وبعدها % عقبانها وكذاك صقر اجدل ) ( وقد الجيوش كما الوحوش ولا تدع % من يعص أمرك وازجرنه فيفعل ) ( جنب آجانا الجبن في تدبيره % واصحب شجاعا للذخائر يبذل ) ( لا تجمعن من العلوج بطانة % فطباعها الغدر البليغ الأعجل ) ( أما الشبانة فاحذرن من غيها % لا بد تغدر بالأخير وتخذل ) ( ترجو عواقب دولة لنفوسها % وتود من وافى جنابك يجفل ) ( يعطف عليك الدهر بعد نفوره % فتعود أيام السعود وتقبل ) ( ما ذاق زيدان أبوك حلاوة % من ملكه حتى غذاه الحنظل ) ( فإذا امتثلت صواب صدق وصيتي % يصغي الزمان لكم ويصفو المنهل ) واعلم أن هذه الرسائل والأشعار التي أثبتناها هنا نازلة كما ترى عن درجة البلاغة وعادمة لما تستحقه من فن الوزن ونقد الصناعة ولكن لما كان الكتاب كتاب تاريخ وأخبار لا كتاب أدب وأشعار لم نبال بذلك إذ كان المقصود منها ما تضمنته من بيان الأحوال والإفصاح عنها على أصح منوال فإن هذه الرسائل هي عماد التاريخ وملاكه ونازلة منه بالمحل الذي نزلت من الدار أسلاكه فلذا أكثرنا منها في هذا الكتاب والله تعالى الملهم للصواب
وفاة السلطان محمد الشيخ بن زيدان رحمه الله
كانت وفاة السلطان محمد الشيخ بن زيدان رحمه الله سنة أربع وستين وألف وفي نشر المثاني أنه توفي قتيلا سنة ثلاث وستين وألف ودفن بقبور الأشراف من قصبة مراكش في روضة أبيه وعشيرته ومما نقش على رخامة قبره قول القائل ( لبدر سموات المعالي أفول % وفي ذا الضريح كان منه نزول ) ( محمد الشيخ بن زيدان غاله % حمام فحزن العالمين طويل ) ( إمام الأنام ذو المآثر فعله % له غرة في الصالحات جميل ) ( حباه إله العرش رحمى تخصه % بما هو في الفردوس منه كفيل ) وزراؤه يحيى آجانا وولده محمد وغيرهما وقضاته أبو مهدي عيسى بن عبد الرحمن السكتاني وأبو عبد الله محمد المزوار رحم الله الجميع
الخبر عن دولة السلطان أبي العباس أحمد بن محمد الشيخ بن زيدان رحمه الله
لما توفي السلطان محمد الشيخ في التاريخ المتقدم بويع ابنه أبو العباس أحمد والعامة يقولون مولاي العباس بدون لفظ الكنية وقام مقام أبيه في جميع ما كان بيده إلا أن حي الشبانات وهم أخواله قويت شوكتهم في أيامه وغلظ أمرهم عليه ووثبوا على الملك وراموا الاستبداد به فضايقوه وحاصروه بمراكش أشهرا ولما رأت أمه أن الأمر لا يزيد إلا شدة كلمته في أن يذهب إلى أخواله ويأخذ بقلوبهم ويزيل ما في نفوسهم عليه فذهب إليهم فلما تمكنوا منه قتلوه غيلة وأقبلوا إلى مراكش مسرعين وبايعوا فيها لأميرهم عبد الكريم بن أبي بكر الشباني ثم الحريزي كما سيأتي وكان مقتل السلطان أبي العباس رحمه الله سنة تسع وستين وألف كذا في النزهة والذي في نشر المثاني أنه قتل سنة خمس وستين وألف والله أعلم بغيبه قال اليفرني رحمه الله وقد أذكرتني هذه الفعلة قول المولى محمد بن الشريف في قصيدته السابقة ( أما الشبانة فاحذرن من غيها % لا بد تغدر بالأخير وتخذل ) فإن الأمر وقع كما قال مع أن المولى محمد بن الشريف كتب بالقصيدة المذكورة للسلطان محمد الشيخ في سنة تسع وخمسين وألف وغدر الشبانات للسلطان أبي العباس كان سنة تسع وستين وألف ولعل المولى محمد بن الشريف تلقى ذلك من بعض أهل الكشف أو نحوهم فإن كلامه كثيرا ما يقع فيه مثل هذا وبمهلك السلطان أبي العباس رحمه الله انقرضت دولة السعديين من آل زيدان وانهار جرفها وانطوى بساطها وسبحان من لا يبيد ملكه ولا يزول سلطانه لا إله إلا هو العزيز الحكيم
الخبر عن دولة الشبانات بمراكش وأعمالها وما آل إليه أمرها من دثورها واضمحلالها
لما قتل السلطان أبو العباس أحمد بن محمد الشيخ بن زيدان في التاريخ المتقدم ثار كبير حي الشبانات بمراكش من عرب معقل وهو الرئيس عبد الكريم بن القائد أبي بكر الشباني ثم الحريزي وحريز فخذ منها هي النبعة والصميم فيها وعبد الكريم هذا يعرف عند العامة بكروم الحاج فدخل مراكش ودعا الناس إلى بيعته فبايعوه بها سنة تسع وستين وألف وانتظمت له مملكة مراكش ونواحيها وسار في الناس سيرة حميدة وكان في أيامه الغلاء المؤرخ بعام سبعين وألف وهو غلاء مفرط بلغ الناس فيه غاية الضرر حتى أكلوا الجيف ولم يزل مستقيم الرأي بمراكش إلى أن توفي بها سنة تسع وسبعين وألف قبل أن يدخلها المولى الرشيد بن الشريف بأربعين يوما وقال منويل لما بايع أهل مراكش عبد الكريم الشباني خالفت عليه آسفي وأعمالها فغزاهم ثم رجع مفلولا إلى مراكش وكانت المجاعة المشهورة عقب ذلك ثم قتله بعض أجناده دخل عليه فطعنه برمح فأتلفه ثم قبض على القاتل وقتل أيضا في الحين ولما توفي بايع الناس ولده أبا بكر ابن عبد الكريم فبقي إلى أن قدم المولى الرشيد وتقبض عليه وعلى عشيرته فقتلهم ثم تتبع الشبانات فأفناهم قتلا وأخرج عبد الكريم من قبره فأحرقه بالنار وانقرضت دولة الشبانات والبقاء لله وحده ولنذكر ما كان في هذه المدة من الأحداث فنقول في سنة ثلاث عشرة وألف في ثاني عشر محرم منها توفي الولي الكبير أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الحسن الخالدي السلاسي المعروف بابن حسون نسبة إلى جده الحسن المذكور وهذا الشيخ هو دفين سلا الشهير بها أصله من سلاس مدشر على مرحلة من فاس ثم انتقل إلى سلا وسبب انتقاله إليها أنه كان بين أهل سلاس حروب ومقاتلات فكان الشيخ أبو محمد عبد الله إذا غلب أهل مدشره فرح وإذا انهزموا حزن ففكر في نفسه وقال محبة الغلبة تستدعي محبة الشر للمسلمين وعلي عهد الله لا جلست في موضع أفرق فيه بين المسلمين وأبغي الشر لهم فارتحل إلى سلا ولما استقر بها أتاه جماعة من عشيرته يراودونه على الرجوع إلى بلادهم وحثوا عليه في ذلك فأخذ قدحا وملأه من ماء البحر ووضعه ثم قال لهم ما بال ماء البحر يضرب بعضه بعضا وتتلاطم أمواجه وما لهذا الماء الذي منه في القدح ساكن فقالوا له لأنه لم يبق في البحر فقال لهم الغربة تصفي وتسكن فعلموا مراده وانصرفوا آيسين قلت وفي انتقاله من سلاس إلى سلا إشارة لطيفة وهي أن لفظ سلاس باعتبار تفكيكه سلو موصول بحرف السين وهو حرف ذو قرون ثلاثة متشعبة فيؤخذ منه بطريق الإشارة أنه سلو موصول بكدر بخلاف لفظ سلا فإنه سلو محض وقد قدمنا في أخبار ابن الخطيب رحمه الله أن مدينة سلا كانت مقصدا للعبادة وأهل الخلوة والانفراد من لدن قديم أخذ الشيخ ابن حسون عن أبي محمد الهبطي عن أبي محمد الغزواني عن التباع عن الجزولي رضي الله عنهم وكان صاحب أحوال تهدى إليه الثياب الرفيعة فيأمر بها فتلقى في بيت مسدود فتبقى فبه حتى يأكلها السوس وتضيع وكان كل يوم يصبح على بابه أرباب الآلات بالطبول والأبواق يضربون عليه النوبة وغير ذلك وقد تكلم عليه الشيخ اليوسي في المحاضرات وحمله محملا جميلا وكرامات ابن حسون كثيرة شهيرة نفعنا الله به وبأمثاله وفي السنة المذكورة في ربيع الأول منها توفي الشيخ العارف بالله تعالى العلام الرباني أبو المحاسن يوسف بن محمد الفاسي جد السادة الفاسيين وأخباره ومناقبه شهيرة قد تكفل ببسطها كتاب مرآة المحاسن لابنه العلامة أبي عبد الله محمد العربي الفاسي الموضوع لهذا القصد بالخصوص وفي سنة أربع عشرة وألف كان الغلاء العظيم بفاس قال صاحب الممتع في ترجمة الشيخ أبي عبد الله محمد بن حكيم بالأندلسي أنه اعتراه ذات يوم حال فجاء إلى بعض أفران فاس وجعل يقول لصاحب الفرن أغلق فرنك أغلق فرنك ويصيح به فإذا بالغلاء العظيم حدث عقب ذلك وهو غلاء سنة أربع عشرة وألف فتعطل ذلك الفرن وغيره من أفران المدينة وكان يمر بالطرقات فيقول الناس يأكلون عن أولادهم ويكرر ذلك على جهة الإنكار فجاء الغلاء المذكور فكان الناس يأكلون في الأسواق عن أولادهم ولم يكن يعهد الأكل بالأسواق قبل ذلك وفي سنة خمس عشرة وألف في ثاني جمادى منها جاء بفاس سيل عظيم حتى غمر دور عمل الفخارين وذهب ببعض أنادر الزرع وحمل أمة من باب الفتوح فماتت وفي سنة اثنتين وعشرين وألف حدث الشر بفاس ووقع الغلاء حتى بيع القمح بأوقيتين وربع للمد وكثرت الموتى حتى أن صاحب المارستان أحصى من الموتى من عيد الأضحى من سنة اثنتين وعشرين وألف إلى ربيع النبوي من السنة بعدها أربعة آلاف وستمائة وخربت أطراف فاس وخلت المداشر ولم يبق بلمطة سوى الوحوش وفي سنة ثلاث وثلاثين وألف وذلك عند فجر يوم السبت الثاني والعشرين من رجب منها حدثت زلزلة عظيمة بفاس ذكر صاحب الممتع في ترجمة أبي عبد الله بن حكيم المذكور آنفا أنه كان قبل الزلزلة المذكورة يصيح المردومات المردومات فإذا بالزلزلة حدثت قال فما بقيت دار من دور فاس غالبا إلا دخلتها الفؤس وفي خامس شعبان من السنة المذكورة نزل برد عظيم قدر بيض الدجاج وأكبر وأصغر ورئي حجر عظيم منها نزل على خيمة فخرقها وفر أهلها عنها وبقي لم يذب نحو ثلاثة أيام وفي سنة ست وثلاثين وألف توفي الإمام العارف بالله تعالى أبو زيد عبد الرحمن بن محمد الفاسي المعروف بالعارف بالله وهو أخو أبي المحاسن المذكور آنفا ومناقبه شهيرة أيضا وفي السنة المذكورة كان الغلاء بفاس والمغرب وفي سنة أربعين وألف عشية يوم الخميس ثالث ذي الحجة منها توفي الشيخ الإمام العلامة الهمام أبو محمد عبد الواحد بن أحمد بن علي بن عاشر الأنصاري نسبا الأندلسي أصلا الفاسي منشأ ودارا الفقيه المشهور كان رحمه الله له الباع الطويل في المشاركة في العلوم مع غاية التحرير والتحقيق وله التأليف الحسان التي أغنى فيها عن الخبر والعيان وكان ورعا سنيا وكان لا يتخذ القراء على جنائز أقاربه ويقول يمنعني من ذلك أنهم يفسدون قراءة القرآن وقراءتهم تلك عذر في التخلف عن الجنائز وفي سنة اثنتين وخمسين وألف توفي الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد العربي بن أبي المحاسن يوسف الفاسي وكان رحمه الله متفننا عالما له عناية كبيرة بتحصيل المسائل وتفييدها والاطلاع على غريبها وشريدها وهو صاحب مرآة المحاسن وكان جوالا في بوادي المغرب وحواضره حتى أدته خاتمة المطاف إلى مدينة تطاوين فألقى بها عصا التسيار إلى أن توفي في السنة المذكورة ثم نقل إلى فاس بعد سنتين فوجد طريا رحمه الله وفي سنة ستين وألف كان بالمغرب رخاء مفرط وبلغ صاع البر بمدينة سلا مثقالا وكاد ينعدم بالكلية وهو غلاء لم يعهد مثله وانتشر الفساد في البلاد وحل بالمغرب وباء كبير حتى كان الناس يموتون في كل طريق رجالا ونساء نسأل الله العافية وفي سنة سبعين وألف كان الغلاء المفرط بالمغرب لا سيما بمراكش وهذه السنة هي المعروفة عند العامة بسنة كروم الحاج لا زالوا يضربون المثل بغلائها إلى اليوم والله تعالى يحفظ المسلمين ويحلهم من كنفه في حصن حصين آمين | 3 |
بسم الله الرحمن الرحيم
الدولة العلوية
الخبر عن دولة الأشراف السجلماسيين من ال علي الشريف وذكر نسبهم وأوليتهم
اعلم أن نسب هذه الدولة الشريفة العلوية من أصرح الأنساب وسببها المتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم من أمتن الأسباب وأول ملوكها كما سيأتي هو المولى محمد بن الشريف بن علي الشريف المراكشي بن محمد بن علي بن يوسف بن علي الشريف السجلماسي ابن الحسن بن محمد بن حسن الداخل ابن قاسم بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي محمد بن عرفة بن الحسن بن أبي بكر بن علي بن الحسن بن أحمد بن إسماعيل بن قاسم بن محمد النفس الزكية ابن عبد الله الكامل ابن الحسن المثنى ابن الحسن السبط ابن علي وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا ذكر هذا النسب الذي هو حقيق بأن يسمى سلسلة الذهب جماعة من العلماء كالشيخ أبي العباس أحمد بن أبي القاسم الصومعي والشيخ أبي عبد الله محمد العربي بن يوسف الفاسي والعلامة الشريف أبي محمد عبد السلام القادري في كتابه الدر السني فيما بفاس من النسب الحسني وغيرهم وقد تقدم في أخبار السعديين أن الصواب أن يزاد في عمود هذا النسب الشريف بعد قاسم الآخر ما نصه ابن الحسن بن محمد بن عبد الله الأشتر بن محمد النفس الزكية إلى اخر ما مر قال أبو عبد الله الفاسي في المراة إن الشرفاء الذين لا يشك في شرفهم بالمغرب كثيرون كالجوطيين من الحسينيين الإدريسيين وكشرفاء تافيلالت من الحسينيين أيضا المحمديين وكالصقليين والعراقيين وكلاهما من الحسينيين بالياء الساكنة بين السين والنون فإن شرف جميعهم لا يختلف فيه اثنان من أهل بلادهم ومن يعرفهم من غيرهم ا ه وعن شيخ الجماعة الإمام أبي محمد عبد القادر الفاسي رحمه الله أنه قسم شرفاء المغرب بحسب القوة والضعف إلى خمسة أقسام ومثل للقسم الأول المتفق على صحته بأصناف منهم هؤلاء السادة السجلماسيون وقال الشيخ أبو علي اليوسي رحمه الله شرف السادة السجلماسيين مقطوع بصحته كالشمس الضاحية في رابعة النهار وعن الشيخ أبي العباس أحمد بن عبد الله بن معن الأندلسي أنه كان يقول ما ولي المغرب بعد الأدارسة أصح نسبا من شرفاء تافيلالت وبالجملة فإن شرف هؤلاء السادة السجلماسيين مما لا نزاع في صراحته ولا خلاف في صحته عند أهل المغرب قاطبة بحيث جاوز حد التواتر بمرات رضي الله عنهم ونفعنا بهم وبأسلافهم امين
دخول المولى حسن بن قاسم إلى المغرب واستيطانه بسجلماسة والسبب في ذلك
قالوا إن أصل سلف هؤلاء السادة رضي الله عنهم من ينبع النخل من أرض الحجاز قالوا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقطع جدهم علي بن أبي طالب أرض ينبع فاستقرت ذريته به وتناسلت إلى هذا العهد وكان أول من دخل منهم المغرب المولى حسن بن قاسم فحكي عن الفقيه العالم أبي عبد الله محمد بن سعيد المرغيثي صاحب الرجز المسمى بالمقنع قال أخبرني الشيخ الإمام المولى أبو محمد عبد الله بن علي بن طاهر الحسني أن جده الداخل إلى المغرب هو المولى حسن بن قاسم قال وكان دخوله إليه في أواخر المائة السابعة وكان يومئذ من أبناء الستين ونحو ذلك وتوفي رحمه الله قبل انقضاء المائة المذكورة ا ه وخبر ابن طاهر هذا هو أصح ما ينقل في كيفية الدخول ووقته وذكر بعضهم عنه أن دخوله كان سنة أربع وستين وستمائة وقال الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن هلال أن دخوله كان في أوائل الدولة المرينية ذكر ذلك في منسكه فعلى هذا يكون دخوله في دولة السلطان يعقوب بن عبد الحق المريني وقد أشرنا إلى ذلك في محله فيما سلف وقال العلامة أبو سالم العياشي في رحلته إن المولى حسن بن قاسم دخل المغرب في المائة السابعة وكان سكناه من ينبع النخل بمدشر يعرف بمدشر بني إبراهيم فهؤلاء كلهم اتفقوا على أن الدخول كان في المائة السابعة وهو الصحيح الصواب إن شاء الله وزعم بعضهم أن ذلك كان في المائة السادسة وهو بعيد واختلفوا في السبب الداعي إلى دخول هذا السيد إلى المغرب فذكر صاحب كتاب الأنوار السنية فيما بسجلماسة من النسبة الحسنية أن سبب دخوله أن ركب الحاج المغربي كان يتوارد على الأشراف هنالك وكان شيخ الركب في بعض القدمات رجلا من أهل سجلماسة يظن أنه السيد أبو إبراهيم فلما حج اجتمع بالموسم بالسيد حسن المذكور وكانت سجلماسة وأعمالها يومئذ شاغرة من سكنى الأشراف فلم يزل أبو إبراهيم يحسن للمولى حسن موطن المغرب والسكنى بسجلماسة حتى استماله فأجمع السير مع الركب وقدم به أبو إبراهيم فاستوطن ببلدهم سجلماسة وقال حافده المولى أبو محمد عبد الله بن علي بن طاهر فيما قيد عنه وكان الذين أتوا به من أهل سجلماسة أولاد البشير وأولاد المنزاري وأولاد المعتصم وأولاد ابن عاقلة وصاهره منهم أولاد المنزاري ا ه وذكر صاحب الأرجوزة أن الشيخ أبا إبراهيم الذي جاء به من ذرية عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال بعضهم إن أهل سجلماسة لم تكن تصلح الثمار ببلدهم فذهبوا إلى الحجاز بقصد أن يأتوا برجل من أهل البيت تبركا به فأتوا بالمولى حسن المذكور فحقق الله رجاءهم وأصلح ثمارهم حتى عادت بلادهم هي هجر المغرب وقال غيره إن سبب إتيانهم به أن الأشراف من آل إدريس رضي الله عنه كانوا قد تفرقوا ببلاد المغرب وانتشر نظامهم واستولى عليهم القتل والصغار من أمراء مكناسة وغيرهم فقل الشرف بالمغرب وأنكره كثير من أهله حقنا لدمائهم فلما طلع نجم الدولة المرينية بالمغرب أكبروا الأشراف ورفعوا أقدارهم واحترموهم ولم يكن ببلد سجلماسة أحد من آل البيت الكريم فأجمع رأي كبرائهم وأعيانهم أن يأتوا بمن يتبركون به من أهل ذلك النسب الشريف فقيل إن الذهب يطلب من معدنه والياقوت يجلب من موطنه إن بلاد الحجاز هي مقر الأشراف ولذلك الجوهر النفيس من أجل الأصداف فذهبوا إلى الحجاز وجاؤوا بالمولى حسن على ما ذكرنا فأشرقت شمس البيت النبوي على سجلماسة وأضاءت أرجاؤها وظللتها من الشجرة الطيبة ظلالها وأفياؤها حتى قيل إن مقبرة أهل سجلماسة هي بقيع المغرب وكفاها هذا شرفا وفخرا ومزية وذخرا وذكر بعضهم أن أهل سجلماسة لما طلبوا من المولى قاسم بن محمد أن يبعث معهم أحد أولاده وكان يومئذ أكبر شرفاء الحجاز ديانة ووجاهة اختبر من أولاده من يصلح لذلك وكان له على ما قيل ثمانية من الولد فكان يسأل الواحد منهم بعد الواحد ويقول له من فعل معك الخير فما تفعل معه أنت فيقول الخير ومن فعل معك الشر فيقول الشر فيقول اجلس إلى أن انتهى إلى المولى حسن الداخل فقال له كما قال لإخوته فقال من فعل معي الشر أفعل معه الخير قال فيعود ذلك بالشر قال فأعود له بالخير إلى أن يغلب خيري على شره فاستنار وجه المولى قاسم وداخلته أريحية هاشمية ودعا له بالبركة فيه وفي عقبه فأجاب الله دعوته وكان المولى حسن الداخل رجلا صالحا ناسكا له مشاركة في العلوم خصوصا علم البيان فإنه كانت له فيه اليد الطولى ولما استقر بسجلماسة واطمأنت به الدار زوجه الشيخ أبو إبراهيم ابنته وسكن على ما قيل بموضع يقال له المصلح ولما توفي تنازع أهل سجلماسة في موضع دفنه حتى كادت نار الحرب تشب بينهم فأجمع رأيهم أن يدفنوه بمحل وسط هم فيه سواء فمسحوا أرض سجلماسة بالحبال وقسموها أرباعا ودفنوه بمكان سوي يتوسط جميع النواحي ولم يحفظ تاريخ وفاته وما استنبطه اليفرني في ذلك فمبني على غير أساس والله تعالى أعلم
ذكر ذرية المولى حسن بن قاسم وتناسلها بالمغرب والإلمام بشيء من مناقب المولى علي الشريف
لما توفي المولى حسن بن قاسم رحمه الله لم يخلف إلا ولدا واحدا وهو المولى محمد ثم خلف المولى محمد هذا ولدا واحدا ايضا وهو المولى الحسن يسمى باسم جده وهو المدفون حول المدينة الكبرى بإزاء الشيخ أبي عبد الله الخراز من أرض سجلماسة وخلف المولى الحسن المذكور ولدين أحدهما المولى عبد الرحمن المكنى بأبي البركات وهو أكبرهما ومن ذريته أولاد أبي حميد بالتصغير القاطنون بوادي الرتب بالقصر الجديد على مرحلة من سجلماسة ومنهم أيضا الشرفاء النازلون ببني زروال وثانيهما المولى علي المعروف بالشريف ومنه تفرعت فروع المحمديين وتكاثرت وكان رحمه الله رجلا صالحا مجاب الدعوة كثير الأوقاف والصدقات حاجا مجاهدا ذا همة سنية وأحوال مرضية رحل في بعض الأوقات إلى فاس واستوطنها مدة طويلة وكان سكناه منها بالحومة المعروفة بجزاء ابن عامر من عدوة القرويين وترك هنالك دارا ثم أقام مدة بقرية صفر وخلف بها عقارا وآثارا هي بها إلى الآن وأقام مدة أخرى ببلد جرس التي على مرحلتين ونصف من سجلماسة وترك بها مثل ذلك ودخل عدوة الأندلس برسم الجهاد مرارا وأقام بها مدة طويلة ثم عاد إلى سجلماسة فكاتبه أهل الأندلس يطلبون منه العود إليهم ويحضونه على الاعتناء بأمور الجهاد ويشكون إليه ضعف أهل الأندلس عن مقاومة العدو وأنها شاغرة ممن تجتمع عليه القلوب وقد كانوا راودوه وهو مقيم عندهم على أن يبايعوه ويملكوه عليهم والتزموا له الطاعة والنصرة فرغب عن ذلك ورعا وزهدا وعزوفا عن الدنيا وزهراتها قال اليفرني رحمه الله وقد وقفت على رسائل عديدة بعث بها إليه علماء غرناطة يحضونه على الجواز إليهم واستنفار المجاهدين إلى حماية بيضتهم ويذكرون له أن كافة أهل غرناطة من علمائها وصلحائها ورؤسائها قد وظفوا على أنفسهم من خالص أموالهم دون توظيف سلطان عليهم أموالا كثيرة برسم الغزاة الذين يردون معه من المغرب وحلوه في بعض تلك الرسائل بما نصه إلى الهمام الضرغام قطب دائرة فرسان الإسلام الشجاع المقدام الهصور الفاتك الوقور الناسك طليعة جيش الجهاد وعين أعيان الأنجاد المؤيد بالفتح في هذه البلاد المسارع إلى مرضاة رب العباد مولانا أبي الحسن علي الشريف اه نص التحلية وكتبوا مع ذلك إلى علماء فاس يلتمسون منهم أن يحضوا المولى عليا على العبور إلى العدوة فكتب إليه أعلام فاس بمثل ذلك وحثوه على المسارعة إلى إغاثتهم وذكروا له فضل الجهاد وأنه من أفضل أعمال البر وكان من موجبات تخلفه عن إغاثة أهل غرناطة أنه كان قد عزم على الذهاب إلى الحج فقالوا له في بعض تلك الرسائل وعوضوا هذه الوجهة الحجية التي أجمع رأيكم عليها وتوفر عزمكم لديها بالعبور إلى الجهاد فإن الجهاد أصلحكم الله في حق أهل المغرب أفضل من الحج كما أفتى به الإمام ابن رشد رحمه الله حين سئل عن ذلك وقد بسط الكلام عليه في أجوبته ووجه ما ذهب إليه من ذلك اه وكان ممن كتب إليه من علماء غرناطة جماعة منهم الفقيه أبو عبد الله محمد بن سراج شيخ المواق وقاضي الجماعة بها ومن شيوخ فاس الذين كتبوا إليه الفقيه أبو عبد الله العكرمي شيخ شيوخ الإمام ابن غازي وأبو العباس أحمد بن محمد بن ماواس وأبو زيد عبد الرحمن الرقعي صاحب الرجز المشهور وغيرهم ومما ضمنه أهل الأندلس في رسائلهم القصيدة الآتية في مدح المولى علي وصاحبه الفاضل أبي عبد الله محمد بن إبراهيم العمري وحثهما على إجابتهم وهي من إنشاء الفقيه أبي فارس بن الربيع الغرناطي يقول فيها ( أيا راكبا يطوي المفاوز والقفرا % رشدت ولقيت السلامة والخيرا ) ( ترحل وجد السير يوما وليلة % وسافر تجدها في مطالعها زهرا ) ( تحمل رعاك الله مني إلى الحما % تحية مشتاق تهيجه الذكرا ) ( وأم ديار الحي من سجلماسة % فتلك ديار تجمع العز والفخرا ) ( وسلم على تلك الديار وأهلها % سلام محب لم يطق عنهم صبرا ) ( فعندي لهم حب جرى في مفاصلي % ومازج مني العظم والدم والشعرا ) ( فتلك بقاع الدين والخير والهدى % فكم من تقي في سماها سما بدرا ) ( هم القوم لا يشقى بهم جلساؤهم % يضوع عبير الزهر من بينهم نشرا ) ( وقل يا أهيل القبلة السادة الأولى % إذا ما دعوا في حادث أسرعوا النفرا ) ( وخص سليل الهاشمي ابن صهره % علي الذي يعلو على زحل قدرا ) ( أبا الحسن المولى الشريف الذي به % على الغرب شمس النصر طبقت الصحرا ) ( ولاحت بآفاق القلوب عجائب % بها سلب الألباب تحسبها سحرا ) ( هو الصقر مهما اهتز كل مجلجل % هزبر إذا ما انشب الناب والظفرا ) ( هو الغوث إن دارت رحى الحرب للقا % وغيث إذ ما المزن ما أرسلت قطرا ) ( أغار على الأعلاج فاجتاح جمعهم % وجد لهم قتلا وشددهم أسرا ) ( بطنجة قد طاب الممات لزمرة % بنصرتها ترجو من الملك الأجرا ) ( دعاها بأقصى السوس قوم فأسرجوا % من الصافنات الجرد لم يأخذوا الحذرا ) ( فهبت ركاب القوم والشمس أشرقت % وأرهق جيش الله أعداءه خسرا ) ( ولا عجب أن الألى هو منهم % ليوث الشرى قد أوسعوا مرحبا شرا ) ( أجر جارك اللهفان من غمراته % أبا حسن وانصر جزيرتك الخضرا ) ( وناد أبا عبد الإله خليلكم % به تجلب السراء في حادث الضرا ) ( سليل أبي إسحاق أكرم به أبا % لقد خلف الفرع الزكي الرضي البرا ) ( أليس الذي لبى نداء أهل طنجة % وجمع أهل الغرب من حينه طرا )
( وأوقع بالكفار أي وقيعة % فمن لم يمت بالسيف ما له ذعرا ) ( وأصبح ثغر الدين أشنب باسما % وأرهق وجه الكفر من حزن قترا ) ( ونال من الله السعادة والرضى % وجنات عدن في المعاد له ذخرا ) ( وقل أيها العدل الذي اتخذ التقى % شعارا وسامى في منازلها الشعرا ) ( أرى كل ما في الغرب أصبح قانطا % لأندلس يرجو بطلعتكم نصرا ) ( وغرناطة الغراء نادتكما أقبلا % وبالراية البيضاء كي تنصر الحمرا ) ( فساكنها وقف عليكم رجاؤه % كبيرهم والطفل والكاعب العذرا ) ( فجئنا بمن في أرضكم حاميا لهم % رجالا وفرسانا غطارفة غرا ) ( حماة أباة الضيم من كل ماجد % كريم يباري الغيث والسيل والبحرا ) ( فدونكما الكفار تعني طغاتها % وتشبع من قتلاهم الوحش والطيرا ) ( لقد طمع الكفار ملك رقابنا % وإهلاكهم في أرضنا الحرث والثمرا ) ( منازلنا من كل حصن وقرية % تناديكما غوثا لخطب أتى أمرا ) ( فكم من ضعيف لا حراك بجسمه % وشيخ بها أربى على مائة عشرا ) ( وبيض وسمر من أوانس كالدمى % وصبية مهد لا تع النفع والضرا ) ( ومنبر جمع للخطابة والدعا % ومسجد دين للصلاة وللإقرا ) ( وكرسي علم مقعد لمهذب % تصدر يملي ما يضيء لنا الصدرا ) ( وأجداث أبناء الصحابة فوقها % وكل ولي أشعث لابس طمرا ) ( تناديكما غوثا من الله سرعة % فقد كاد أن يستأصل الكفر ذا البرا ) ( فحثوا لنا بالسير بعدا وقربة % أجيراننا من كيد من أضمر الجؤرا ) ( وعزما بأخرى مثل تلك التي مضت % ليبصر هذا الفنش مثلكم كبرا ) ( وأنتم بحمد الله تدرون ما أتى % عن المصطفى في الغزو من خبر خبرا ) ( فلله ما أسنى وددت لو أننى % قتلت فأحيى ثم أقتل مذ مرا ) ( وما في كتاب الله من آية أتت % كشمس الضحى في الصحو سافرة غرا ) ( خذاها بحمد الله عذرا جبينها % يضوع شذى تهدي لمغناكما عطرا ) ( وتبلغ عني للكرام تحية % من أندلس للغرب قد عبروا البحرا ) ( فعونا رجال الله عونا لعدوة % أحاطت بها البأساء واشتدت الضرا )
( فأنتم لنا الجند القوي ونحوكم % تشوفنا فاستجلوا نحونا السيرا ) ( ونثني على خير البرية ذي الهدى % محمد المبعوث بالملة اليسرا ) ( وآل وصحب ثم تال لنهجهم % ومن لذوي الإسلام قد قصد النصرا ) وبهذه الرسائل العذبة الألفاظ المستوقفة الألحاظ يعلم أن المولى عليا الشريف رحمه الله كان مشهورا في عصره متقدما على كافة أهل مصره وأنه كان ملحوظا بالإجلال عندهم والإكبار وأن هذه الدار العالية البناء والأسوار معظمة من لدن قديم مشهود لها بالخير والتقديم وأظن أن وقعة طنجة المشار إليها في هذه القصيدة هي وقعة سنة إحدى وأربعين وثمانمائة وقد تقدمت الإشارة إليها في محلها وقد كان للمولى علي المذكور جهاد في ناحية أكدج من بلاد السودان ورزق الظفر والفتح كما ذكره مبسوطا في النزهة فلينظر هناك وذكر صاحب كتاب الأنوار السنية أن المولى عليا مكث أربع عشرة سنة لا يولد له ثم ولد له بعد ذلك ولدان أحدهما المولى محمد بفتح الميم والثاني أبو المحاسن يوسف وهو أصغرهما أما المولى محمد فخلف أربعة أولاد وهم السيد الحسن والسيد عبد الله والسيد علي والسيد قاسم وهم على هذا الترتيب في السن ويقال لسائرهم أولاد محمد نسبة إلى هذا الجد وفروعهم كثيرة يطول تتبعها وأما المولى يوسف فإنه ولي زاوية أبيه واجمع الناس على أنه المتأهل لها دون غيره لرزانته ووفور عقله فتولاها بعد نزاع ورسم توليته لها لم يزل موجودا عند بعض حفدته وكان ذلك كله في دولة بني مرين وقال صاحب كتاب الأنوار وقد قيل إنه لم يكن له ولد حتى بلغ ثمانين سنة فولد له تسعة من الولد خمسة منهم أشقاء وأمهم حليمة من ذرية بعض المرابطين بسجلماسة وهم السيد علي وهو جد الملوك أبقى الله فضلهم والسيد أحمد والسيد عبد الواحد والسيد الطيب والسيد عبد الواحد المكنى بأبي الغيث جد الأشراف البلغيثيين وإنما كني بذلك لكثرة ما نزل من الغيث عند ولادته وكان الناس قبله في جدب شديد وهم على هذا الترتيب في السن وأربعة أشقاء أمهم طاهرة من ذرية بعض المرابطين أيضا وهم السيد الحسن بالتكبير والسيد الحسين بالتصغير والسيد عبد الرحمن والسيد محمد ومن منازل هؤلاء الأشقاء اليوم الموضع المعروف بأخنوس وتفصيل أنساب هؤلاء الأولاد الثمانية يطول فلنقتصر على ذكر المولى علي المثنى لأنه الغرض المقصود فنقول ولد للمولى علي المذكور ثلاثة من الولد وهم السيد محمد والسيد محرز والسيد هاشم جد الأشراف المرانيين أهل زاوية اللمراني وكلهم قد عقبوا فأما المولى محمد فولد له المولى علي الشريف المراكشي وهو المثلث مع عدة أولاد سواه والمولى علي هو جد الملوك أيضا وتوفي بمراكش وبنى عليه حافده أمير المؤمنين المولى الرشيد قبة بديعة تلقاء ضريح القاضي عياض رحمه الله وولد للمولى علي الشريف المذكور تسعة من الولد المولى الشريف اسما وكانت ولادته سنة سبع وتسعين وتسعمائة وهو جد الملوك والمولى الحفيد والمولى حجاج والمولى محرز والمولى حرون والمولى فضيل والمولى أبو زكرياء والمولى مبارك والمولى سعيد فهؤلاء هو أولاد المولى علي الشريف وكان المولى الشريف أفضلهم وأشرفهم وله رحمه الله عدة أولاد كلهم نجوم زاهرة ذوو همم باهرة منهم المولى محمد بفتح الميم وهو أكبرهم والمولى الرشيد والمولى إسماعيل وهؤلاء الثلاثة ولوا الأمر بالمغرب على هذا الترتيب ومنهم المولى الحران وسيأتي والمولى محرز والمولى يوسف والمولى أحمد والمولى الكبير والمولى حمادة والمولى عباس والمولى سعيد والمولى هاشم والمولى علي والمولى مهدي وهو شقيق إسماعيل من بينهم هذا ما تيسر ذكره من نسب هذه الدولة الشريفة ذات الظلال الوريفة وبالله التوفيق
الخبر عن رياسة المولى الشريف بن علي وما دار بينه وبين أبي حسون السملالي المعروف بأبي دميعة
قد قدمنا أن ظهور أبي حسون السملالي كان في أيام السلطان زيدان بن المنصور السعدي وأنه استولى على القطر السوسي أولا ثم تناول درعة وسجلماسة ثانيا قالوا وكان استيلاؤه على سجلماسة سنة إحدى وأربعين وألف باستدعاء المولى الشريف بن علي له واستصراخه إياه على بني الزبير أهل حصن تابوعصامت أعدائه كذا في البستان فقدمها أبو حسون واستولى عليها وولى عليها عاملا من قبله ورجع إلى مقره من أرض السوس وقال اليفرني في النزهة كان أبو الأملاك المولى الشريف بن علي وجيها عند أهل سجلماسة وسائر المغرب يقصدونه في المهمات ويستشفعون به في الأزمات ويهرعون إليه فيما جل وقل قال وكان قد مر ذات يوم وهو صبي على الإمام المولى أبي محمد عبد الله بن علي بن طاهر الحسني فسأل عنه إذ لم يكن يعرفه قبل ذلك فقيل له هو ابن المولى علي الشريف ففرح به أبو محمد ومسح على ظهره وقال ماذا يخرج من هذا الظهر من الملوك والسلاطين فعلم الناس أن ذلك كائن لا محالة لما يعلمون من صحة كشف أبي محمد وصدق فراسته فكان المولى الشريف بعد أن كبر وولد له الأولاد يشيع أن هذا الأمر لا بد أن يصير إلى بيته ويكون لهم شأن عظيم اعتمادا على فراسة أبي محمد بن طاهر رحمه الله ثم كان بين المولى الشريف المذكور وبين أهل تابوعصامت وهي حصن منيع من حصون سجلماسة عداوة تامة فاستصرخ عليهم أبا حسون السملالي صاحب السوس لصداقة كانت بينهما واستصرخ أهل تابوعصامت أهل زاوية الدلاء فأغاث كل منهما من استصرخه والتقى العسكران معا بسجلماسة لكنهما انفصلا على غير قتال حقنا لدماء المسلمين وكان ذلك سنة ثلاث وأربعين وألف ولما رأى أهل تابوعصامت ما بين المولى الشريف وأبي حسون من الصداقة والوصلة مالوا بكليتهم إلى أبي حسون وخدموه بأنفسهم وأولادهم وأظهروا له النصح وصدق المحبة طمعا في استفساده على المولى الشريف إذ كان ظاهرا عليهم به فلم يزالوا يسعون في ذلك إلى أن أظلم الجو بينهما واستحكمت العداوة وتوفرت دواعيها ولما رأى ابنه المولى محمد بن الشريف ذلك اهتبل الغرة في أهل تابوعصامت وخرج ليلا في نحو مائتين من الخيل مظهرا أنه قاصد لبعض النواحي ثم كبسهم على حين غفلة وتسور عليهم حصنهم فما راع أهل تابوعصامت إلا المولى محمد في جماعة قد وضعوا السيف فيهم وحكموه في رقابهم فلم يكن عندهم دفاع واستمكن منهم واستولى على ذخائرهم وشفى صدر أبيه مما كان يجده عليهم ولما انتهى الخبر بذلك إلى أبي حسون حمى أنفه واشتد غضبه وكتب إلى عامله بسجلماسة واسمه أبو بكر يأمره أن يحتال على المولى الشريف حتى يقبض عليه ويبعث إليه به حبيسا فامتثل أمره وتقبض على المولى الشريف غدرا بأن تمارض ثم استدعاه لعيادته والتبرك به ثم قبض عليه وبعث به إلى السوس فاعتقله أبو حسون في قلعة هنالك مدة إلى أن افتكه ولده المولى محمد بمال جزيل وعاد المولى الشريف إلى سجلماسة في خبر طويل وكان ذلك كله في حدود سنة سبع وأربعين وألف قال في البستان وأعطى أبو حسون المولى الشريف وهو معتقل عنده جارية مولدة من سبي المغافرة كانت تخدمه قال وهي أم المولى إسماعيل وأخيه المولى مهدي اه ولست أدري ما مراده بهذا فإن كانت الجارية نسيبة في المغافرة فهي حرة فيكون المولى الشريف قد وطئها بعقد النكاح وهذا هو الذي يغلب على الظن بدليل أن السلطان الأعظم المولى إسماعيل رحمه الله لما عزم على جمع جيش الودايا قال لهم أنتم أخوالي إشارة إلى هذا الصهر كما سيأتي وإن كانت مملوكة لهم ثم صارت إلى أبي حسون فالوط ء حينئذ كان بملك اليمين والله تعالى أعلم وصاحب البستان كثيرا ما يجازف في النقل ويتساهل فيه فلا ينبغي أن يعتمد على ما ينفرد به من ذلك وبالله التوفيق
الخبر عن إمارة المولى محمد بن الشريف وبيعته بسجلماسة والسبب في ذلك
لما قبض أبو حسون على المولى الشريف وسجنه عنده كان ولده المولى محمد بفتح الميم مجمعا على إهلاك من بقي من أهل تابوعصامت واستئصال شأفتهم وكان قد تقوى عضده بعض الشيء بما أخذ من أموالهم في الوقعة السالفة فاتخذ بعد تغريب أبيه إلى السوس جيشا لا بأس به وانضم إليه جمع من أهل سجلماسة وأعمالها وذلك سنة خمس وأربعين وألف وكان أصحاب أبي حسون قد أساؤوا السيرة بسجلماسة ونصبوا حبالة الطمع في الناس حتى ملتهم القلوب وزرعوا بغض الملكة السوسية في قلوب الخاصة والعامة ومن عسفهم أنهم كانوا قد ضربوا الخراج بسجلماسة وأعمالها على كل شيء حتى على من يجدونه في الشمس زمن الشتاء وفي الظل زمن الصيف وضيقوا على الناس حتى ازدرتهم العيون وملتهم النفوس فلما قام المولى محمد واجتمع عليه من ذكرناه آنفا دعاهم إلى الإيقاع بأهل السوس فأجابوه ووجد فيهم داعية لذلك فاعصوصبوا عليه وصرفوا عزمهم إلى محو دعوة أبي حسون من بلادهم فثاروا بعماله للحين وأخرجوهم عنها صاغرين بعد قتال شديد ثم أجمع رأيهم على بيعة المولى محمد فبايعوه سنة خمسين وألف في حياة أبيه ووافق على بيعته أهل الحل والعقد بسجلماسة فاستتب أمره واستحكمت بيعته ووافقه المقدر وساعده السعد وافتتح من ملك المغرب بابه وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه
استيلاء المولى محمد بن الشريف على درعه وطرده أبا حسون السملالي عنها
لما تمت البيعة للمولى محمد بن الشريف وجمع الله سبحانه شمله بأبيه كما مر شمر لمضايقة أبي حسون السملالي وأهل السوس ببلاد درعه إذ كانت تحت ولايته كما قلنا فنهض إليه في جمع كثيف ووقعت بينهما حروب فظيعة يشيب لها الوليد ثم انقشع سحاب تلك الفتنة عن انتصار المولى محمد وانهزام أبي حسون وفراره إلى مسقط رأسه من أرض السوس فاستولى المولى محمد على درعه وأعمالها واتسعت إيالته وتوفرت جموعه وعظمت جبايته وطار في بلاد المغرب صيته وكان من أمره ما نذكره
وقعة القاعة بين المولى محمد بن الشريف وأهل زاوية الدلاء وما نشأ عنها
لما صفا للمولى محمد بن الشريف قطر سجلماسة ودرعه حدثته نفسه بالاستيلاء على الغرب إذ هو يومئذ مقر الرياسة ومتبوأ الخلافة فما دام لم يحصل عليه استيلاء فالملك عرضة للزوال وصاحبه ناسج على غير منوال وكان الرئيس أبو عبد الله محمد الحاج الدلائي يومئذ مستوليا على فاس ومكناسة وأعمالهما وامتدت ولايته بعد مهلك أبي عبد الله العياشي إلى سلا وأعمالها فلما ظهر المولى محمد بالصحراء واستفحل أمره وقويت شوكته خاف محمد الحاج منه الوثوب على فاس فعاجله بالحرب وعبر إلية نهر ملوية وكان الدلائي أشد قوة من الشريف وأكثر جمعا فضايقه بإقليم الصحراء وقصد سجلماسة مرارا وكانت بينهما أثناء ذلك وقعة القاعة ضحى يوم السبت الثاني عشر من ربيع النبوي سنة ست وخمسين وألف فكانت الهزيمة فيها على الشريف وتقدم الدلائي إلى سجلماسة فافتتحها واستولى عليها وفعلت البربر فيها الأفاعيل العظيمة ثم انبرم الصلح بينهما على أن ما حازت الصحراء إلى جبل بني عياش فهو للمولى محمد وما دون ذلك إلى ناحية الغرب فهو لأهل الدلاء ثم استثنى أهل الدلاء خمسة مواضع أخر كانت في إيالة المولى محمد فجعلوها لهم وهي الشيخ مغفر في أولاد عيسى والسيد الطيب في قصر السوق وأحمد بن علي في قصر بني عثمان وقصر حليمة في وطن غريس وآسرير في فركلة فهذه الأماكن الخمسة شرطوا على المولى محمد أن لا يحرك لهم منها ساكنا وانبرم الصلح على ذلك ورجع أهل الدلاء في جموعهم فما كان غير بعيد حتى أطلع المولى محمد على ما أوجب الفتك بالشيخ مغفر وبعض من شرطوا عليه بقاءه ففتك بهم واصطلم نعمتهم فبلغ ذلك أهل الدلاء فجمعوا جموعهم ونهضوا إلى سجلماسة عازمين على استئصال المولى محمد وشيعته وأن لا يدعوا له قليلا ولا كثيرا وكتبوا إليه كتابا يتهددونه فيه ورموه بالغدر وأنه ناكث ومقسم حانث وأغلظوا له في الكلام وأفحشوا عليه في الملام فأجابهم المولى محمد برسالة يقول فيها إلى السيد محمد الملقب بالحاج ابن السيد محمد بن أبي بكر بن سيري الوجاري الزموري ومن شمله رداء الديوان من الأبناء والإخوان سلام على جلهم سلام استحباب وسنة فقد كتبناه إليكم من سجلماسة كتب الله لها من شركم أنفع التمائم وألبسها من الظفر بكم أرفع العمائم وبعد السلام فإن نيران هذه الفتن التي أضرمتموها بعد خمودها لستم لها بأهل إذ لم يعرفكم أهل المغرب إلا بإطعام قصاع العصائد وهجو بعضكم لبعض بما لا يسمع من بشيع القصائد أما العلوم فقد أقررنا لكم فيها إنصافا بالتسليم لو قصدتم بها العمل وأجر التعليم وايم الله لئن نظم فينا الديان يوما من الدهر شمل الديوان لتعاينن أنت أو بنوك ما يحبه لنا البنون والإخوان ولقد حدث السادة أهل البصيرة أن ستدور عليكم منا الدائرة المبيرة أتطمعون في النجاة بعد ترويعكم الشرفاء والشريفات والعابدين والعابدات فشمروا إن شئتم عن ساعد الجد للصلح واغتنموا السلم ما دام يساعدكم وقت النجح فإن الحرب نار والتخلف عنها بعد إيقادها شنار والله يعلم أن هذه المراودة ليست بجزع ولا وجل منكم وما نشبهكم عند الهراش إلا بما يطيش حول المصابيح من الفراش بل المراد الأكيد نشر رداء التبري ليلا تجأرون متى أنشبنا فيكم مخالب التجري وما قذفتم به أعراضنا من خسة القدر وأننا قساة لا نصغي لقبول العذر فأنتم تنهون عن الفحشاء وقد ملأتم منها الأجشاء وإن زجرتم عنها قلتم كلا وحاشا لكن من نتج نسلا نسب إليه ومن خاف من شيء يسلط عليه وأما ما احتوى عليه بساط الغرب ما بين بربر وعرب فقد طمعنا من الله كونه في القبضة عندما تمكن إليه النهضة إن لم أكنه بالذات والديوان فبالأبناء والإخوان كعوائد الدول يشيد الأخير منها ما أسسه الأول وانظر ما يكون لخاطركم به اطمئنان فنساعدكم عليه الآن فلله دره من دغوغي أشاع عارك بأبيات أنشدناها مولاي محمد بن مبارك ( واعلم بأنك من دجاجل مغرب % فبعيسى صولة نصره ستموت ) ( أنتم عكاكز خلفتكم عاهر % وأبو يسير جدكم جالوت ) ( شبانكم مرد وكل كهولكم % قرنان صنعة شيخكم ديوث ) ( ضجرت لدولتكم سموات العلى % واستثقلتها الأرض والبهموت ) وما أنت في الحقيقة إلا قرد من القرود والقراد اللاصق في كل كلب مجرود وما حرصتم به من الصلح بين الملوك مكيدة فقد سبقكم بها السلطان أبو حمو رحمه الله وحتى الآن رغبتم في الخير فهو مطلبي ومغناطيس طبي وإن عشقتم الغير فجوابي لكم قول المتنبي ( ولا كتب إلا المشرفية والقنا % ولا رسل إلا الخميس العرمرم )
استيلاء المولى محمد بن الشريف على فاس ثم رجوعه عنها
كان محمد الحاج الدلائي مستوليا على فاس بعد سيدي محمد العياشي كما قلنا وكان أهل فاس يمرضون في طاعته تارة ويستقيمون أخرى فولى عليهم قائده أبا بكر الثاملي وأنزله بدار الإمارة من فاس الجديد فاتفق أن وقعت بينه وبين أهل فاس القديم حرب فحاصرهم وقطع عنهم الماء فكتب أهل فاس إلى المولى محمد بن الشريف يستصرخونه ويضمنون له الطاعة والنصرة بما شاء من عدد وعدة متى قدم عليهم واحتل بين أظهرهم ووافقهم على ذلك عرب الغرب من الخلط وغيرهم فاغتنمها المولى محمد منهم وأقبل مسرعا حتى اقتحم دار الإمارة بفاس الجديد منسلخ جمادي الثانية سنة ستين وألف وقبض على أبي بكر الثاملي فسجنه وبايعه أهل البلدين فاس القديم وفاس الجديد معا واتفقوا على نصرته والقيام بأمره وكتبت له البيعة بفاس سابع رجب فأقام عندهم نحو أربعين يوما واتصل الخبر بمحمد الحاج فجهز إليه جيشا كثيفا فبرز إليهم المولى محمد ودافعهم يوما أو بعض يوم فضعف عنهم وانهزم بظهرالرمكة خارج فاس يوم الثلاثاء عاشر شعبان سنة تسع وخمسين وألف فأسلم فاسا وانكفأ راجعا إلى سجلماسة ودخل أهل فاس الذين كانوا معه مدينتهم فأغلقوها عليهم وحاصرهم الثاملي وأصحابه وقطع عنهم الماء وجرت خطوب هلك فيها جماعة من أعيان فاس منهم عبد الكريم اللايريني الأندلسي ومحمد بن سليمان وغيرهما وكان ذلك أواخر صفر سنة إحدى وستين وألف ثم راجعوا طاعة أهل الدلاء فولى عليهم الحاج ولده أحمد ولما استقر بفاس طالب أهلها بإخراج الجناة ورؤوس الفتنة من ضريح المولى إدريس رضي الله عنه فتعصب لهم الشريف أبو الحسن علي بن إدريس الجوطي وقام دونهم ثم عجز واختفى حتى أخرج بالأمان إلى زاوية أهل المخفية ومنها خرج عن فاس بالكلية وسكنت الفتنة وكان ذلك في رمضان سنة إحدى وستين وألف واستمر أحمد الدلائي أميرا على فاس إلى أن توفي في عشرين من ربيع الأول سنة أربع وستين وألف وخلفه أخوه محمد ومات سنة سبعين وألف رحم الله الجميع ثم وثب على فاس الجديد أبو عبد الله الدريدي فاستولى عليه
استيلاء المولى محمد الشريف على وجدة وشنه الغارات على تلمسان وأعمالها وما نشأ عن ذلك
لما أيس المولى محمد بن الشريف من فاس والمغرب صرف عزمه لتمهيد عمائر الصحراء وبلاد الشرق فسار يتقرى الحلل والمداشر والقرى إلى أن بلغ بسيط آنكاد فبايعته الأحلاف وهو العمارنة والمنبات من عرب معقل وبايعته سقونة منهم أيضا فسار بهم إلى بني يزناسن وكانوا يومئذ في ولاية الترك فأغار عليهم وانتهب أموالهم وامتلأت أيد العرب من مواشيهم ثم انثنى إلى وجدة وكان أهلها يومئذ حزبين بعضهم قائم بدعوة الترك وبعضهم خارج عنها فانحاز الخارجون إلى المولى محمد فأغزاهم بشيعة الترك فانتهبوهم وشردوهم عن البلد وصفت وجدة له فاستولى عليها وكان ذلك أعوام الستين وألف ثم دلته العرب على أولاد زكرى وأولاد علي وبني سنوس المجاورين لهم فشن عليهم الغارات وانتهبهم فدخلوا في طاعته ثم سار إلى ناحية ندرومة فشن الغارة على مضغرة وقديمة وطرارة وولهاصة ورجع إلى وجدة فأقام بها مدة ثم توجه إلى تلمسان فأغار على سرحها وسرح القرى المجاورة لها واكتسح بسائطها فبرز إليه أهلها ومعهم عسكر الترك الذي كان بالقصبة فأوقع بهم وقتل منهم عددا كثيرا ورجع عوده على بدئه إلى وجدة فشتى بها ولما انصرم فصل الشتاء خرج على طريق الصحراء فأغار على الجعافرة وانتهب أموالهم وقدم عليه هنالك محمود شيخ حميان من بني يزيد بن زغبة وهم اليوم في عداد بني عامر بن زغبة فقدم عليه محمود المذكور في قبيلته مبايعا له ومتمسكا بطاعته وقدمت عليه أيضا دخيسة ففرح بهم وأكرمهم ودلوه على الأغواط وعين ماضي والغاسول فنهب تلك القرى وأستولى على أموالها وفرت أمامه عرب الحارث وسويد وحصين من بني مالك بن زغبة فنزلوا بجبل راشد متحصنين به فرجع عنهم واضطربت أحوال المغرب الأوسط واشرأبت رعاياه إلى الانتفاض على الترك وأخذ باي معسكر يخندق على نفسه وبعث إلى صاحب الجزائر المسمى عندهم بالدولة يخبره بما لحق الرعايا من عيث صاحب سجلماسة فأخرج صاحب الجزائر عساكره وهيأ مدافعه واستعد لحرب المولى محمد وقدم نائبه بالعساكر إلى تلمسان فلما سمع به المولى محمد استمر راجعا إلى وجدة وفرق العرب الذين كانوا مجتمعين عليه ووعدهم لفصل الربيع القابل ثم قفل إلى سجلماسة بعد ما شب نيران الحرب في الإيالة التركية ونسفها نسفا وضرب أولها بأخرها ولما وصل عسكر الترك إلى تلمسان وأخبروا برجوع المولى محمد إلى تافيلالت سقط في أيديهم ووجدوا البلاد خالية وكل الرعايا قد أجفلت عن أوطانها وتحصنوا بالجبال ولم يأتهم أحد بمؤنة ولا خراج وانحرف عنهم أهل تلمسان أيضا وكانوا قد ركنوا إلى المولى محمد وخاطبوه فرأى الترك أنهم قد شوركوا في بلادهم وزوحموا في سلطانهم فرجعوا إلى الجزائر وكان من أمرهم ما نذكره الآن
مراسلة عثمان باشا صاحب الجزائر للمولى محمد بن الشريف وما دار بينهما في ذلك
لما رجع عسكر الترك إلى الجزائر وأخبروا صاحبها عثمان باشا الدولة بحال الرعايا وما نالها من صاحب سجلماسة جمع أهل ديوانه وأرباب مشورته وتفاوضوا في أمر المولى محمد وكيف التخلص من سطوته فلم يروا أجدى لهم من أن يبعثوا إليه برسالة مع اثنين من أعيان الجزائر وعلمائها واثنين من كبار الترك ورؤسائها لأنهم كانوا لا يتمكنون من حربه لو أرادوا ذلك لأنه يغير ويظفر وينتهب ثم يصحر فلا يمكنهم التعلق بأذياله ولا قطع فراسخه وأمياله فبعثوا إليه برسالة من إملاء الكاتب أبي الصون المحجوب الحضري مع الوفد المشار إليه يقول فيها الحمد لله الذي وصى ولا رخص في مدافعه اللص والصائل شريفا أو مشروفا ونص وهو الصادق سبحانه على فصم عرى أصله المتأصل مجهولا أو معروفا وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم وعلى آله تيجان العز وبراقع الجباه والخياشم وصحابته صوارم الصولة الحاسمة من الكفر الطلي والغلاصم بالرماح العاملة والسيوف القواصم ولا زائد بعد حمد الله إلا مقصد خطاب الشريف الجليل القدر الصادق اللهجة والصدر من رتق الله به فتوق وطنه وحمى به من أحزاب الأباطيل أنجاد أرضه وأغوار عطنه حافد مولانا علي وسيدتنا البتول وولد مولانا الشريف بن مولانا علي السيتل الصؤل سلام عليكم ما رصعت الجفان سموت البحور ولمعت الجواهر الحسان على بياض النحور ورحمة الله تعالى وبركاته ما أساغت محض الحلال ذكاته وبعد فقد كاتبناكم من مغني غنيمة المقيم والظاعن والزائر رباط الجريد مدينة ثغر الجزائر صان الله من البر والبحر عرضها وأمن من زعازع العواصف والقواصف أرضها إلماعا لكم معادن الرياسة وفرسان القيافة والعيافة والفراسة فضلا عن سماء صحا من الغيم والقتام جوه وضحى نشرت عليه الوديقة وشيا ففشا ضوءه بأن شؤون المملكة لم يتوان عن مكنون علمكم أمرها ولا أعوز عزائمكم زيدها وعمرها وذلك أن الوهاب سبحانه منحكم هيبة وهمة في الجود والحلم والحماسة واختار لكم عنوان عنايتها في غاب الصون سجلماسة لكن فاتكم سر رأي التدبير وأركبتم حزمكم جموع الجهل والتبذير مع أن ذلك في الحقيقة دأب كل مؤسس لدولة لا يجمعها إلا بجنايات الجولة والصولة فخرقت على الإيالة العثمانية جلباب صونها الجديد من وجدة الأبلق إلى حدود الجريد فشوشت علينا أخلاق أخلاط الأعراب إلى أن تعوقوا علينا في أرفق الآراب وشننت الغارة الشعواء على بني يعقوب فحسمت رسمهم على العقيب والعرقوب وغادرت جماهرهم تسعى على عيالهم الزياني والموزونة في أسواق مستغانم وديار مازونه وجررت ذيل المذلة على أطراف الغاسول والأغواط فالتقطتهم بطانتك التقاط سباع الطير الوطواط وقادك الجاهل الجهم محمود حيمان لعين ماضي و الصوانع وبني يطفيان فراحت رياح وسويد ينفض كل بطل منهم غباره وطينه على طود راشد وبليد قسطينة ولا كادنا إلا ما هتكتم من ستر السر على مرسى أبي الربيع السيد سليمان مع أنكم أولى من يراعي حرمته وتوقيره ويدافع عنه وعمن سواه ويرفد فقيره وتنسبون العجم للجهل وأنهم جفاة وأجلاف ثم صرتم بدلا وأخلاف خرج جيش قصبتنا بتلمسان بما لديهم من الرماة والفرسان فهزمتموهم بقرار وقتلتموهم قتل مذلة واحتقار فقلنا هذا أقل جزاء كل كلب حقير عقور يعرض عرضه لصولة الأسد الهصور ولا وافت الآفته في الغالب إلا الحضر مع شيع في الأجنة تجني الجنى والخضر كان أولاد طلحة وهداج وخراج يؤدون لهذه المثابة ما ثقل وخف من الخراج ولا يفوتنا من ملازمها وبر ولا شعر ولا صوف ولا سقب ولا جدي ولا خروف إلى أن طلعت علينا غرة شمسك السعيدة فعادت كل شيعة قريبة عنا بعيدة وأعانك افتراق الجفاة من أهل وجدة وأن نصيبك الأوفر منهم أهل جدة ونجدة ولولاك ما ثار علينا أهل تلمسان وأنكروا ما لنا عليهم من قديم الحنانة والإحسان وردوا عليك الساحة والبساط ومرغوبهم أن تزفر علينا بسطوة الثعبان والساط مع علمنا اليقيني أن شجرتنا لا تضعضع بزعازع حيان ولا تندرس ولو انهارت عليها جبال جيان وأن الحجر لا يدق بالطوب والخاطف لا يطأ أوطية الخطوب كذلك في المثل جندك خلال الصدر والورود لا يصبرون لصواعق البارود ولا تنجح حجة الدروع والذوابل إلا في سوق شن الغارات على حلل القبائل وأما أسوار الجحافل وأدوار الكتائب فلا يصدمها فيهدمها إلا سيول الخيول والرماة الرواتب وزنت صولتك لبني عامر لذاذة النفار لكنف الكافر وداخل الوسواس والسوس جبال طرارة ومضغرة وبني سنوس والرعايا تود أن يحتفل لبنها في ضروعها لتختزن في تبن الخداع سنبل زروعها وإن قبلت منهم الأقوال والأفعال تعل طباعها على الدولة فتصير كالأغوال وإياك إياك والغرر لما عثرت عليه في كتاب البوني وأوراق السيوطي وعلى بادي وابن الحاج ورسالة أهل سبتة لعبد الحق بن أبي سعيد المريني بأنك المخصوص بصعود تلك الأدراج ذلك منك بعيد الوصول لا تدركه بالمسرة ولا بقبائع النصول وإن أوتاد الروم والترك تتقوض من أرض الغرب ولا يبقى من ينازعكم فيها بحرب ولا ضرب ليس لك في غنيمة إدراكه طمع ولا سبيل لتبديد ما نظمه حازمنا وجمع وقد غرتك أضغاث الأحلام وأغواك ضباب الغيب فأصبح ظنك منه في غياهب الأظلام فإن حرمت به فأنت لا شك حانث وإن كان منكم يقينا فرابع أو ثالث أولكم ثائر والثاني مقتف له سائر والثالث لكما أمير نائر إما عادل أو جائر ولا تمدن باع المخاطرة إلى أوطاننا فتخشى مخالب سطوة سلطاننا أما الشجاعة الغريزة فقد علمنا أن لك منها بالمهيمن أوفر نصيب وممن ضرب فيها فأصاب الغرض بسهم مصيب لكن غاية كفاية الشجاع إذا حمي الوطيس الدفاع سيما في هذا الحين التي أبخستها عند الخلاص صناعة البارود والرصاص وجسرك علينا كونك عقابا على فرع شجر أو يعسوب نحل احتل صدع حجر لو رأيت ملوك آحاد أمصار البر والبحر لعلمت أنك محجوب ومحجور في حق ذلك الحجر وتحققت أن بين الأمراء مداراة ومراعاة وأن أحوال الدول أيام وساعات كل أحد يخاف على صدع فخاره ويطلق بخوره تحت نتن بخاره وما مرادنا إلا أمان العرب في المواضع ليطيب لها جولان الانتقال في المشتاة والمرابع ويجلب إليهم الغني والعديم ما يحصل له فيه ربح من الكساء والحناء والأديم فإن تعلقت همتك بالإمارة فعليك بالمدن التي حجرها عليك همج البرابر فصار يدعى لها بها على المنابر فشد لها حيازيمك لتذوق حلاوة الملك المعجونة بمرهم النجاة أو الهلك دع عنك وطن الرمال والعجاج ومخاطرة النفس في الفدافد والفجاج فناشدناك جدك من الأب والأم وما لك فيه من أخ وخال وعم إلا ما تجنبت ساحات تلمسان ولا زاحمتها بجموع رماة ولا فرسان وإن اشتهت الأعراب غارات بعضها على بعض فموعدها ما نأى عنا من مطلق الأرض وخمسنا أبدا على الغالب لتعلموا أن رأيهم عن معاني الصواب غائب إذ كلهم ذوو جفاء ونفار ويعمهم عند الدول ما يعم الكفار ليبقى بيننا وبينكم الستر المديد على الدوام ونلغي كلام الوشاة من الأقوام وقد شيعنا نحوكم أربعة صحاب تسر بمجالستهم الخواطر والرحاب الفقيه الوجيه السيد عبدالله النفزي والفقيه الأبر السيد الحاج محمد بن علي الحضري المزغنائي واثنين من أركان ديواننا وقواعد إيواننا أتراك سيوط وغاية غرضنا جميل الجواب بما هو أصفى وأصدق خطاب والله تعالى يوفقنا لأحمد طريق ويحشرنا مع جدك في خير فريق آمين والسلام وكتب في منتصف رجب الفرد الحرام عام أربعة وستين وألف اه ولما وصلت الرسل إلى المولى محمد وقرأ الكتاب اغتاظ مما تضمنه من العتاب فأحضر الرسل وعاتبهم على قول مرسلهم وتحامله عليه فقالوا له نحن أتيناك سفراء برسالة باشا الجزائر فاكتب لنا الجواب ولا تقابلنا بعتاب فقال صدقتم فكتب إليهم بكتاب يقول في أوله وبعد فقد كتبناه إليكم من غرة جبين الصحارى وصرة أمصار المغارب والبراري مغني سجلماسة التي هي قاعدة العرب والبربر المسماة في القديم كنز البركة حالتي السكون والحركة ومضى في كتابه إلى أن ختمه ولم يجبهم إلى ما أرادوا ولما رجعوا برسالته إلى صاحب الجزائر قرأها بمحضر أرباب الديوان ثم ردهم في الحين دون كتاب ولما قدموا على المولى محمد ثانية قالوا له إنه لم يكن لنا علم بما في الكتاب ولو اكتفينا به ما رجعنا إليك نحن جئناك لتعمل معنا شريعة جدك وتقف عند حدك فما كان جدك يحارب المسلمين ولا يأمر بنهب المستضعفين فإن كان غرضك في الجهاد فرابط على الكفار الذين هم معك في وسط البلاد وإن كان غرضك في الاستيلاء على دولة آل عثمان فابرز إليها واستعن بالرحيم الرحمن فلا يكن عليك في ذلك ملام فهذا ما جئنا له والسلام وأما إيقاد نار الفتنة بين العباد فليس من شيم أهل البيت الأمجاد ولا يخفى عليك أن ما تفعله حرام لا يجوز في مذهب من مذاهب المسلمين ولا قانون من قوانين الأعجام وهذان فقيهان من علماء الجزائر قد جاءا إليك حتى يسمعا منك ما تقوله ويحكم الله بيننا وبينك ورسوله فقد تعطلت تجارتنا وأجفلت عن وطننا رعيتنا فما جوابك عند الله في هذا الذي تفعله في بلادنا وأنت ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يعجزنا أن نفعله نحن في بلادكم ورعيتكم على أننا محمولون على الظلم والجور عندكم لكن تأبى ذلك همة سلطاننا فلما سمع المولى محمد كلامهم أثر فيه وعظهم وداخلته القشعريرة
وعلاه سلطان الحق فأذعن له وقال والله ما أوقعنا في هذا المحذور إلا شياطين العرب انتصروا بنا على أعدائهم وأوقعونا في معصية الله وأبلغناهم غرضهم فلا حول ولا قوة إلا بالله وإني أعاهد الله تعالى لا أعرض بعد هذا اليوم لبلادكم ولا لرعيتكم بسوء وإني أعطيكم ذمة الله وذمة رسوله لا قطعت وادي تافنا إلى ناحيتكم إلا فيما يرضي الله ورسوله وكتب لهم بذلك عهدا إلى صاحب الجزائر وقنع بما فتح الله عليه من سجلماسة ودرعة وأعمالهما ولم يعد يغزو الشرق ولا توجه إليه بعد ذلك إلى أن خرج عليه أخوه المولى الرشيد فكان من أمره معه ما نذكر بعد إن شاء الله
ثورة المقدم أبي العباس الخضر غيلان الجرفطي ببلاد الهبط
كان أبو العباس الخضر غيلان الجرفطي من أصحاب أبي عبد الله العياشي وكان مقدما على الغزاة ببلاد الهبط ولما قتل العياشي في التاريخ المتقدم استقل هو برياسة تلك الجهة واستمرت حاله إلى ثلاث وستين وألف فثار بالفحص وزحف إلى قصر كتامة فبرز إليه أهله فاقتتلوا مليا ثم انهزموا واتبعهم الخضر فاقتحم القصر عنوة وقتل جماعة وافرة من أعيانه وفر الكثير منهم إلى فاس منهم أولاد الفقيه عبد الله القنطري من أعيان القصر وبقي الخضر متغلبا على تلك الناحية وفي ذي الحجة سنة تسع وستين وألف خرج من فاس المرابط الرئيس أبو سلهام بن كدار واتصل بالخضر غيلان وصار في جملته وكان أبو سلهام المذكور ممن ظاهر الدلائيين على سيدي محمد العياشي فبقي ذلك في قلب الخضر غيلان حتى قبض على أبي سلهام المذكور واعتقله بآصيلا ثم سرحه بعد حين قاله في نشر المثاني
وفاة المولى الشريف بن علي رحمه الله
كان المولى الشريف بن علي بسجلماسة وأعمالها على ما وصفناه قبل من الوجاهة والرئاسة والسيادة ممتثل الأمر متبوع العقب منذ نشأ ثم بايعه أهل سجلماسة سنة إحدى وأربعين وألف ونازعه بنو الزبير أصحاب تابوعصامت وبذلك استصرخ عليهم أبا حسون السملالي حتى ملك سجلماسة كما مر ولما تخلص من نكبة السوس وعاد إلى سجلماسة وجد ابنه المولى محمدا قد قام بالأمر بعده فتخلى له عنه وقطع بقية عمره فيما يرضي الله تعالى إلى أن أتاه اليقين ثالث عشر رمضان سنة تسع وستين وألف بسجلماسة مسقط رأسه ومقر عزه ومنبت أشباله ومدرج ملوكه وأقياله وجددت البيعة للمولى محمد ففارقه أخوه المولى الرشيد فخرج إلى الجبال فبقي متنقلا في أحيائها إلى أن كان من أمره ما نذكره
إغارة المولى محمد بن الشريف على عرب الحياينة من أعمال فاس وما يتبع ذلك
لما كان آخر سنة ثلاث وسبعين وألف أغار المولى محمد بن الشريف على زرع الحياينة بأحواز فاس فانتسفه وأفسده ووقعت عقب ذلك مجاعة عظيمة أكل الناس فيها الجيف والدواب والآدمي وخلت الدور وعطلت المساجد وخرج أهل فاس يستغيثون بأهل الدلاء وكان الشريف أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن علي بن طاهر الحسني قد قدم فاسا بقصد أن يبايعه أهلها فلم يجيبوه وقيل بل نصره بعضهم وخرج إلى عرب الحياينة فذهب بهم إلى قتال المولى محمد بن الشريف فلم يلقه وفي أوائل سنة أربع وسبعين وألف حاز طاغية النجليز طنجة من يد البرتغال قال في البستان لضعفهم عن مقاومة المسلمين يومئذ بسبب أن المسلمين غزوهم في هذه الأيام فقتلوا منهم ستمائة مقاتل ثم غزوهم فقتلوا منهم أربعمائة أخرى وقال منويل القشتيلي في كتابه الموضوع في أخبار المغرب الأقصى سبب ذلك أن طاغية البرتغال وهو إخوان السادس يقال بالخاء والجيم أراد تأكيد المحبة بينه وبين طاغية النجليز وهو كارلوس الثاني فزوجه أخته وجهزها إليه بمفاتيح طنجة فبقيت بيده اثنين وعشرين سنة ثم تخلى عنها للمسلمين ا ه
قيام المولى الرشيد بن الشريف على أخيه المولى محمد ومقتل الأخ المذكور رحمه الله
قد قدمنا ما كان من فرار المولى الرشيد عن أخيه المولى محمد يوم وفاة أبيهما رحمه الله فذهب المولى الرشيد يومئذ إلى تدغة فأقام بها مدة ثم سار إلى دمنات فأقام بها مدة أيضا ثم أتى زاوية أهل الدلاء فأقام عندهم ما شاء الله فيقال إن بعض أهل الزاوية أشار عليه بالخروج منها خوفا عليه من الفتك به لأن الدلائيين كانوا يزعمون فيما عندهم من العلم أن خلاء زاويتهم يكون على يده فقبل المولى الرشيد إشارته ثم خرج إلى جبل آصرو فأقام به برهة من الدهر ثم توجه إلى فاس ومعه نفر قليل فبات بظاهر فاس الجديد فأكرم رئيسها أبو عبد الله الدريدي ضيافته ومن الغد ارتحل عنها إلى تازا ثم إلى عرب الأحلاف قال في النزهة إلى أن أدته خاتمة المطاف إلى قصبة اليهودي ابن مشعل وكان لهذا اليهودي أموال طائلة وذخائر نفسية ولع على المسلمين صولة وكان لهذا اليهودي أموال طائلة وذخائر نفيسة وله على المسلمين صولة واستهانة بالدين وأهله فلم يزل المولى الرشيد يفكر في كيفية اغتيال اليهودي المذكور إلى أن أمكنه الله منه في خبر طويل فقتله واستولى على أمواله وذخائره وفرقها فيمن تبعه وانضاف إليه من عرب آنكاد وغيرهم فقوي عضده وكثر جمعه ا ه وقال صاحب نشر المثاني إن المولى الرشيد لما رحل عن فاس قدم على الشيخ أبي عبد الله اللواتي بأحواز تازا وكان الشيخ المذكور ينتحل طريقة الفقر ويعظم أهل البيت فبالغ في إكرامه فبينما هو مقيم عنده إذ رأى ذات يوم رجلا ذا هيئة من مماليك وأتباع وخيل وهو يصطاد كهيئة الملوك فسأل عنه فقيل له هذا ابن مشعل من يهود تازا فانصرف المولى الرشيد وجعل مدية في فمه وجاء إلى الشيخ اللواتي فلما رآه الشيخ على تلك الحال أعظم ذلك وقال له المال والرقبة لك يا سيدي فما الذي دهاك قال تأمر جماعة من عشيرتك يسيرون معي حتى أفتك بهذا اليهودي غيرة على الدين فقال قد فعلت لا يتخلف عنك منهم أحد فاختار المولى الرشيد منهم جماعة وواعدهم على تبييت اليهودي واقتحام داره عليه وكان اليهودي قد اتخذ دارا بالبيداء على نحو مرحلة من تازا في جهة الشرق فلما كانت ليلة الموعد تقدم المولى الرشيد إلى دار ابن مشعل في صورة ضيف فأضافه ابن مشعل ولما انتصف الليل أحاط أصحابه بالدار وكبس المولى الرشيد اليهودي في بعض خلواته فقتله وأدخل الرجال فاستولى على دار ابن مشعل بعد الفتك بأصحابه وحراسه وعثر فيها على أموال كثيرة وذخائر نفيسة وقيل وهو الشائع عند بني يزناسن أن ابن مشعل المذكور كان مقيما بين أظهرهم قد اتخذ حصنا ببعض جبالهم وهم محدقون به فجاءهم المولى الرشيد ولم يزل يلاطفهم في شأن اليهودي حتى أثر كلامه فيهم ونما إلى اليهودي بعض ذلك وأنهم مسلموه فنزل إلى المولى الرشيد بهدية نفيسة يسترضيه بها فلم يكن بأسرع من أن قبض عليه وقتله وتقدم إلى الدار فاستولى عليها واستخرج ما فيها من الأموال فالله أعلم أي ذلك كان ثم إن المولى الرشيد دعا لنفسه أعراب الشرق وجمع كلمتهم ونزل وجدة واتصل ذلك كله بأخيه المولى محمد صاحب سجلماسة فتخوف منه لما يعلم من صرامته وشهامته فنهض لقتاله والقبض عليه فلما التقى الجمعان ببسيط آنكاد كانت أول رصاصة في نحر المولى محمد فكان فيها حتفه وذلك يوم الجمعة التاسع من المحرم سنة خمس وسبعين وألف ودفن بدار ابن مشعل فأسف المولى الرشيد لقتله وأظهر الحزن عليه وتولى تجهيزه بنفسه فحمله إلى بني يزناسن ووراه هنالك في رمسه رحمه الله وغفر له وكان المولى محمد شجاعا مقداما لا يبالي بالعظائم ولا يخطر بباله خوف الرجال ولا يدري ما هي النكبات والأوجال وتقدم وصف أهل الدلاء له بقولهم الأجدل الذي لا تؤده هموم الليالي ولا حرارة قيظ المصيف عقاب أشهب على قنة كل عقبة لا يقنعه المال دون حسم الرقبة وشجاعته شهيرة وكان مع ذلك قويا في بدنه أيدا في أعضائه وجسمه لا يقاوم في الصراع ولا يزاول في الدفاع حكي أنه في بعض أيام حصاره لتابوعصامت جعل يده في بعض ثقب الحصن وصعد عليها ما لا يحصى من الناس حتى كأنها خشبة منصوبة ولبنة مضروبة وكان سخيا جدا حتى أنه أعطى الأديب الشهير المتقدم في صناعة الشعر المعرب والملحون أبا عثمان سعيدا التلمساني صاحب القصيدة العقيقية وغيرها نحوا من خمسة وعشرين رطلا من خالص الذهب جائزة له على بعض أمداحه فيه وحكاياته في هذا المعنى شهيرة ولما قتل رحمه الله قام بسجلماسة ولده المولى محمد الصغير مقامه لكن لم يتم له أمر وسيأتي بعض خبره إن شاء الله
الخبر عن دولة أمير المؤمنين المولى الرشيد بن الشريف رحمه الله
لما قتل المولى محمد بن الشريف رحمه الله في التاريخ المتقدم وانحشرت جموعه كلها إلى أخيه المولى الرشيد فبايعوه البيعة العامة ودخل في طاعته الأحلاف وبنو يزناسن وغيرهم وبعث إلى أهل تلك النواحي كلها من العرب والبربر يدعوهم إلى الطاعة واجتماع الكلمة فقدمت عليه وفودهم بالهدايا وكتب من كان مع اخيه في ديوان جيشه وكساهم وأعطاهم الخيل والسلاح وعظم أمره وعلا كعبه ثم احتاج إلى المال وكان قد أخذ ولد اليهودي ابن مشعل يوم قتل أباه فجاءت أمه تطلب فداءه فتفرس فيها وماطلها به ثم قال لا أسرحه حتى تدليني على مال زوجك أو أقتله فأنعمت له بذلك وركب معها إلى القصبة فدلته على خزانة في بيت فنقب عنها فلقي فيها خوابي مملوءة ذهبا وفضة فاستخرجها وارتاش بتلك الأموال وفرق منها على من معه من العرب والبربر وسائر الأجناد فحسنت حاله وحالهم وعد ذلك من سعادته ولما قضى إربه ورتب جنده بعث رسله إلى الآفاق بالأعذار والإنذار والوعود والوعيد لأهل الطاعة والعصيان ثم سار على أثرهم قاصدا فتح المغرب الذي كان قد تعذر على أخيه من قبله فنزل على وادي ملوية وأقام به أياما للاستراحة وانتظار من يأتيه من أهل تلك النواحي مثل جاوت والريف وغيرهما فلم يأته أحد والله غالب على أمره
فتح مدينة تازا ثم سجلماسة وما تخلل ذلك
لما أقام المولى الرشيد رحمه الله على ملوية ولم يأته من أهل المغرب أحد تقدم إلى تازا فاقتحمها بعد محاربة طويلة وبايعه أهلها والقبائل التي حولها ولما اتصل خبر ذلك بأهل فاس اجتمعوا مع جيرانهم من عرب الحياينة والبهاليل وأهل صفر وغيرهم وتحالفوا على حرب المولى الرشيد وعدم بيعته بحال ظنا منهم أنه يفعل بهم ما فعله أخوه المولى محمد بالحياينة من النهب والقتل وأمر رؤساء فاس عامتها بشراء الخيل والعدة والإكثار منها ووظفوا على كل دار مكحلة ومن لم توجد عنده مكحلة منهم يعاقب فاشتروا من ذلك فوق الكفاية وخرجوا إلى باب الفتوح لعرض الخيل والسلاح وعملوا اللعب المسمى بالميز واجتمعوا أيضا مع الحياينة وأكدوا الحلف على حرب المولى الرشيد ولما بلغه خبرهم وما هم عليه أعرض عنهم وعدل إلى سجلماسة وكان ذلك منه صوابا في الرأي إذ قدم الأسهل فالأسهل وتناول الأخف فالأخف ولما أناخ على سجلماسة حاصرها نحو تسعة أشهر إلى أن فر عنها ابن أخيه المولى محمد الصغير المنتزى بعد أبيه كما مر فخرج منها ليلا ودخلها المولى الرشيد واستولى عليها وسد فرجها ورتب حاميتها ومهد أطرافها ورجع إلى تازا فاحتل بها ولكل أجل كتاب
حصار مدينة فاس ثم فتحها والإيقاع بثوارها
لما قفل المولى الرشيد رحمه الله من سجلماسة إلى تازا أقام بها أياما فاتفق أهل فاس مع أحلافهم من الحياينة أن يغيروا عليه بمستقره منها ويبدأوه بالحرب قبل أن يبدأهم ليكون ذلك كاسرا من شوكته وفاتا في عضده فتأهبوا للحرب وخرجوا في شوال سنة خمس وسبعين وألف ولما قابلوا محلته افترقت كلمتهم ورجعوا منهزمين من غير قتال فتبعهم المولى الرشيد إلى قنطرة نهر سبو خارج فاس ثم رجع عنهم فبعثوا إليه في الصلح فلم يتم بينه وبينهم صلح إلى أن ملك أطراف المغرب كله وكان ذلك من حسن تدبيره وترتيبه الأمور ثم دخلت سنة ست وسبعين وألف ففي صفر منها زحف إلى فاس وحاصرها وقاتلها ثلاثة أيام فأصابته رصاصة في طرف أذنه ورجع سالما ثم عاد إلى حصارها مرة أخرى في ربيع الأول من السنة المذكورة فقتل ونهب ورجع إلى تازا لأنه لم يأت بقصد فتحها ثم توجه إلى الريف بقصد الرئيس أبي محمد عبد الله آعراس الثائر به فكانت بينهما وقعات وحاصره في بعض حصونه إلى أن قبض عليه في رمضان من السنة فعفا عنه واستبقاه وكر راجعا إلى فاس فنزل عليها في أواخر ذي القعدة من السنة وقاتلها قتالا شديدا إلى ثالث ذي الحجة فاقتحم فاسا الجديد من أعلى السور من ناحية الملاح وفر أميرها يومئذ أبو عبد الله الدريدي وهذا الدريدي كان في جملة من إخوانه بني دريد بن أثبج الهلاليين وكانوا في ديوان السعديين ولما بايع أهل فاس الرئيس أبا عبد الله محمد الحاج الدلائي كان الدريدي هذا في عسكره فلما فشلت ريح أهل الدلاء بالمغرب نزع عنهم واستبد بفاس الجديد وحالف أهل فاس القديم على حرب الدلائيين ثالث جمادى الثانية سنة أربع وسبعين وألف وقد كان أحمد بن صالح الليريني رئيس أهل عدوة الأندلس قد خطب ابنة الدريدي لولده صالح بن أحمد فزوجه إياها والتحم ما بينهما فكان الدريدي يشن الغارات على قبائل البربر الذين بأحواز مكناسة وغيرها ويأتي بالنهب والطبل يقرع عليه إلى أن يدخل دار الإمارة واستمر على ذلك إلى أن اقتحم عليه المولى الرشيد فاسا كما قلنا ففر إلى منجاته وقال في النزهة بل قتله المولى الرشيد وسكن هيعة فاس الجديد ومن الغد زحف إلى فاس القديمة فحاصرها وقاتلها فضعفوا عن مقاومته وفر رئيس اللمطيين ابن الصغير وولده ليلا إلى بستيون باب الجيسة ولما طلع الفجر فر أيضا رئيس عدوة الأندلس أحمد بن صالح فرأى أهل فاس أن أمرهم قد ضعف وكلمتهم قد افترقت فخرجوا إلى المولى الرشيد وبايعوه واجتمعت كلمتهم عليه فبعث في طلب ابن صالح فوجد بحوز المدينة فجيء به وسجن بباب دار ابن شقراء لفاس الجديد ثم قتل وقتل معه عدة من أصحابه ثم قبض على ابن الصغير وولده وبعد سبعة أيام أمر السلطان بقتلهما فقتلا واستقام أمر فاس وصلحت أحوالها قال في النزهة افتتح أمير المؤمنين المولى الرشيد فاسا القديمة فحكم السيف في رؤسائها وأفناهم قتلا فتمهدت البلاد واجتمعت الكلمة وكان دخوله حضرة فاس القديمة صبيحة يوم الاثنين أوائل ذي الحجة سنة ست وسبعين وألف وبويع بها يومه ذلك ولما تمت له البيعة أفاض المال على علمائها وغمرهم بجزيل العطاء وبسط على أهلها جناح الشفقة والرحمة وأظهر إحياء السنة ونصر الشريعة فحل من قلوبهم بالمكان الأرفع وتمكنت محبته من قلوب الخاصة والعامة ا ه وولي قضاء فاس السيد حمدون المزوار ثم خرج إلى بلاد الغرب فقصد الخضر غيلان الثائر ببلاد الهبط وكان بقصر كتامة فزحف إليه المولى الرشيد فانهزم الخضر إلى آصيلا ورجع المولى الرشيد عنه إلى فاس أوائل ربيع الأول سنة سبع وسبعين وألف فكتبت له البيعة بفاس وقرئت بين يديه قبل زوال يوم السبت الثامن عشر من ربيع الأول المذكور ثم في شهر ربيع الثاني من السنة غزا المولى الرشيد أحواز مكناسة وقصد آيت واللال من البربر شيعة محمد الحاج الدلائي فأوقع بهم ورجع عوده على بدئه وبعد رجوعه نزل محمد الحاج بجموع البربر قرب وادي فاس بأبي مزورة من أحواز فاس فقاتله المولى الرشيد ثلاثا ورجع كل إلى وطنه ثم خرج المولى الرشيد إلى تازا وأعمالها حادي عشر رجب ففقدها ورجع إلى فاس في شوال من السنة المذكورة ثم عزل العقيد قائد مكناسة ثم خرج ثاني يوم النحر من السنة إلى بني زروال فأوقع بالشريف النابغ فيهم وبعث به محبوسا إلى فاس فدخلها ثاني محرم سنة ثمان وسبعين وألف ثم مال المولى الرشيد إلى تطاوين فقبض على رئيسها أبي العباس النقسيس في جماعة من حزبه وقدم بهم إلى فاس فسحبهم بها أوائل ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وألف إلى أن كان من أمرهم ما نذكره
فتح زاوية الدلائي وتغريب أهلها إلى فاس وتلمسان وما يتبع ذلك
لما كانت ضحوة يوم الخميس الثاني عشر من ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وألف خرج أمير المؤمنين المولى الرشيد رحمه الله غازيا زاوية أهل الدلاء وكان قد أسند الفتوى إلى الفقيه أبي عبد الله محمد بن أحمد الفاسي فلقي جموع الدلائيين وعليهما ولد محمد الحاج ببطن الرمان من فازاز فانتشبت الحرب بين الفريقين مليا ثم انهزم الدلائيون ورجعوا يقفون أثرهم إلى الزاوية قال الشيخ اليوسي رحمه الله في محاضراته كان الرئيس أبو عبد الله محمد الحاج الدلائي قد ملك الغرب بسنين عديدة واتسع هو وأولاده وإخوته وبنو عمه في الدنيا فلما قام السلطان المولى الرشيد بن الشريف ولقي جموعهم ببطن الرمان ففضها دخلنا على الرئيس أبي عبد الله المذكور وكان لم يحضر المعركة لعجزه وكبر سنه يومئذ فدخل عليه أولاده وإخوته وأظهروا له عجزا شديدا وضيقا عظيما فلما رأى منهم ذلك قال لهم ما هذا إن قال لكم حسبكم فحسبكم يريد الله تعالى قال اليوسي وهذا كلام عجيب وإليه يساق الحديث والمعنى إن قال الله تعالى لكم حسبكم من الدنيا فكفوا راضين مسلمين اه وكان استيلاء المولى الرشيد على الزاوية في ثامن المحرم سنة تسع وسبعين وألف ولما خرج إليه أهلها عفا عنهم ولم يرق منهم دما ولا كشف لهم سترا حلما وكرما منه رحمه الله قال في النزهة لما وقعت الهزيمة على أهل الدلاء دخل المولى الرشيد الزاوية وأمر بمحمد الحاج وأولاده وأقاربه أن يحملوا إلى فاس ويسكنوا بها فحملوا إليها واستوطنوها مدة ثم أمر أن يذهب بهم إلى تلمسان فغربوا إليها وسكنوها مدة وحدثوا أن محمدا الحاج رحمه الله لما دخل تلمسان قال كنت وجدت في بعض كتب الحدثان أني أدخل تلمسان فظننت أني أدخلها دخول الملوك فدخلتها كما ترون ولم يزل بها إلى أن توفي فاتح سنة اثنتين وثمانين وألف ودفن عند ضريح الإمام السنوسي رضي الله عنه ولما توفي المولى الرشيد رجع أولاده وأقاربه إلى فاس فاستوطنوها بإذن من السلطان المظفر المولى إسماعيل ولما دخل المولى الرشيد الزاوية غير محاسنها وفرق جموعها وطمس معالمها وصارت حصيدا كأن لم تغن بالأمس بعد أن كانت مشرقة إشراق الشمس فمحت الحوادث ضياءها وقلصت ظلالها وأفياءها وطالما أشرقت بأبي بكر وبنيه وابتهجت وفاحت من شذاهم وتأرجت ارتحل عنها فرسان الأقلام الذين ينجاب بوجوههم الظلام وبانت عنها ربات الخدور وأقامت بها أتافي القدور ولقد كان أهلها يعفون آثار الرياح فعفت آثارهم وذهبت الليالي بأشخاصهم وأبقت أخبارهم فثل ذلك العرش وعدا الدهر حين أمن من الأرش ولم يدفع الرمح ولا الحسام ولم تنفع تلك المنن الجسام فسحقا لدنيا ما رعت لهم حقوقا ولا أبقت لهم شروقا وهي الأيام لا تقي من تجنيها ولا تبقي على مواليها ومدانيها أذهبت آثار جلق وأخمدت نار المحلق وذللت عزة ابن شداد وهدت القصر ذي الشرفات من سنداد وكل يلقى معجله ومؤجله ويبلغ الكتاب يوما أجله ولقد أحسن ربي نعمتهم المقر بإحسانهم ومنتهم شيخ مشايخ المغرب على الإطلاق الإمام الذي وقع على علمه وعمله الاتفاق أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي رحمه الله في رائيته التي رثى بها الزاوية المذكورة وبكى أيامها يقول في مطلعها ( أكلف جفن العين أن ينثر الدرا % فيأبى ويعتاض العقيق بها خمرا ) وهي طويلة شهيرة قلت ولم يصرح فيها بأسمائهم مراعاة لجانب السلطان وذلك هو الواجب والمناسب فرحم الله الشيخ اليوسي ما كان أعرفه بمقتضيات الأحوال
فتح مراكش ومقتل الأمير أبي بكر الشباني وشيعته
لما فرغ المولى الرشيد رحمه الله من أمر الزاوية توجه إلى مراكش في الثاني والعشرين من صفر من السنة أعني سنة تسع وسبعين وألف فاستولى عليها وقتل رئيسها أبا بكر بن عبد الكريم الشباني وجماعة من أهل بيته وقال في النزهة لما بلغ أبا بكر الشباني وقومه مسير المولى الرشيد إليهم خرجوا فارين بأنفسهم من مراكش إلى شواهق الجبال لما خامر قلوبهم من رعبه فدخل المولى الرشيد مراكش وأفنى من وجد بها من الشبانات وقبض على أبي بكر وبني عمه فعرضهم على السيف واستنزل تلك الفئة الشريدة من الصياصي وأخذ منهم بالأقدام والنواصي وأخرج عبد الكريم من قبره فأحرقه بالنار ولما فتح مراكش قام بها نحو شهر ثم رجع إلى فاس فدخلها يوم الجمعة السابع والعشرين من ربيع الثاني من السنة المذكورة وفي هذه السنة خرج المولى محمد الصغير من تافيلالت في شيعته وخلى سبيل البلد وفيها أيضا ركب الخضر غيلان البحر إلى الجزائر وخلى سبيل آصيلا ولما رجع المولى الرشيد إلى فاس عزل أبا عبد الله الفاسي عن الفتوى وعزل الفقيه المزوار عن قضائها منسلخ جمادى الثانية من السنة وولى القضاء الفقيه أبا عبد الله محمد بن الحسن المجاصي والخطابة بجامع القرويين الفقيه أبا عبد الله محمدا البوعناني وفي منتصف رجب من السنة المذكورة غزا المولى الرشيد بلاد الشاوية ورجع إلى فاس في سابع رمضان العام فعفا عن بعض أهل الدلاء وبقي الآخرون بضريح الشيخ أبي الحسن علي بن حرزهم إلى تمام السنة فعفا عن الجميع وردهم إلى بلادهم إلا ما كان من محمد الحاج وبنيه فإنهم غربوا إلى تلمسان ومات هو هنالك ولما ولي الأمر المولى إسماعيل وقعت الشفاعة في الأولاد فرجعوا إلى فاس كما مر وفي يوم السبت سابع عشر ذي الحجة من السنة غزا المولى الرشيد آيت عياش من برابر صنهاجة وفيها أمر بضرب السكة الرشيدية وأقرض تجار فاس وغيرها اثنين وخمسين ألف مثقال بقصد التجارة إلى أن ردوها بعد سنة وفي هذه السنة أيضا حاز طاغية الإصبنيول مدينة سبته من يد البرتغال في سبيل مشارطة وقعت بينهم في مدينة أشبونة واستمرت في يد الإصبنيول إلى الآن
بناء قنطرة وادي سبو خارج فاس
وفي يوم السبت الرابع عشر من ذي القعدة سنة تسع وسبعين وألف أمر المولى الرشيد ببناء قنطرة نهر سبو الأقواس الأربعة خارج فاس فأخذوا في تهيئة الأسباب وحفر الأساس وفي منتصف جمادى الثانية سنة ثمانين وألف شرعوا في البناء بالآجر والجير فكملت على أحسن حال ولما تكلم الشيخ اليوسي في المحاضرات على الحديث الصحيح إن أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى بملك الأملاك قال ما نصه ومن البشيع الواقع في زماننا في الأوصاف أنه لما بنى السلطان المولى الرشيد بن الشريف جسر نهر سبو صنع بعضهم يعني القاضي أبا عبد الله المجاصي أبياتا كتبت فيه برسم الأعلام أولها ( صاغ الخليفة ذا المجاز % ملك الحقيقة لا المجاز ) قال فحمله اقتناص هذه السجعة والتغالي في المدح والاهتبال بالاسترضاء على أن جعل ممدوحه ملكا حقيقيا لا مجازيا وإنما ذلك هو الله وحده وكل ملك دونه مجاز الممدوح وغيره اه وفي هذه السنة وذلك يوم الاثنين الثاني والعشرين من رجب خرج المولى الرشيد غازيا الأبيض فقبض على أولاد أخي الأبيض ولما وصل إلى تازا أمر بقتلهم فقتلوا ثم مرض مرضا شديدا أشرف منه على الموت فأمر بتسريح المساجين وإخراج الصدقات فعافاه الله وفي منتصف ذي القعدة من السنة أمر بإعمال وليمة العرس لأخيه المولى إسماعيل بدار ابن شقراء من حضرة فاس الجديد قال اليفرني احتفل المولى الرشيد في ذلك العرس بما لم يعهد مثله اه وكانت العروس من بنات الملوك السعديين وفي شوال من السنة جدد قنطرة الرصيف بفاس والله أعلم
فتح تارودانت وإيليغ وسائر السوس
قد قدمنا أن أبا حسون السملالي كان مستوليا على بلاد السوس فاستمر حاله على ذلك إلى أن توفي سنة سبعين وألف وكان رحمه الله لين الجانب محمود السيرة موصوفا بالعفة متوقفا في الدماء ولما هلك خلفه ولده أبو عبد الله محمد بن أبي حسون فلما كانت سنة إحدى وثمانين وألف غزا المولى الرشيد رحمه الله بلاد السوس فاستولى على تارودانت رابع صفر من السنة وأوقع بهستوكة فقتل منهم أكثر من ألف وخمسمائة وأوقع بأهل الساحل فقتل منهم أكثر من أربعة آلاف وأوقع بأهل قلعة إيليغ دار ملك أبي حسون فاستولى عليها في مهل ربيع الأول من السنة وقتل منهم بسفح الجبل أكثر من ألفين وصفا أمر السوس للمولى الرشيد وفي هذه السنة أيضا في سابع ربيع الأول منها قتل المولى إسماعيل وكان نائبا عن أخيه بفاس ستين رجلا من أولاد جامع وكانوا يقطعون الطريق فقتلهم وصلبهم على سور البرج الجديد وفيها في جمادى الأخيرة منها أمر المولى الرشيد بضرب فلوس النحاس المستديرة وكانت قبل مربعة وهي الأشقوبية وجعل أربعة وعشرين في الموزونة وكانت قبل ثمانية وأربعين ورجع إلى فاس في ثالث رجب من السنة وفي أول شعبان منها شرع في بناء مدرسة الشراطين بدار الباشا عزوز من فاس وكان قد أمر ببناء مدرسة عظيمة بإزاء مسجد أبي عبد الله محمد بن صالح من حضرة مراكش والله لا يضيع أجر من أحسن عملا
تأليف جيش شراقة وأوليتهم وشرح لقبهم
قد قدمنا في أخبار السعديين أن لفظ شراقة في الأصل لقب لعرب بادية تلمسان ومن انضاف إليهم وسموا بذلك لأنهم في جهة الشرق عن المغرب الأقصى فأهل تلمسان مثلا يسمون أهل المغرب الأقصى مغاربة وأهل المغرب الأقصى يسمون أهل تلمسان مشارقة إلا أن العامة يلحنون في هذه النسبة فيقولون شراقة بتخفيف الراء وإيقاف المعقودة وقد كان للسعديين جند من هؤلاء العرب كما مر ولما جاء الله بدولة أمير المؤمنين المولى الرشيد رحمه الله واجتمع عليه من عرب آنكاد وغيرهم ما قدمنا ذكره نزع إليه من أهل تلك البلاد عدة قبائل
بعضها من العرب وبعضها من البربر أنفا من ولاية الترك فقبلهم فمن العرب أشجع وبنو عامر ومن البربر مديونة وهوارة وبنو سنوس فأمر رحمه الله ببناء القصبة الجديدة بفاس بديار لمتون وعرصة ابن صالح وبذل لأصحابه وقواده ألف مثقال لبناء سورها وأمرهم ببناء الدور فيها وأعطى شراقة هؤلاء ألف دينار لبناء قصبة الخميس بعد أن كان أنزلهم أولا بأحواز فاس فحصل منهم الضرر لأهل المدينة وشكوهم فأمرهم بالانتقال بحلتهم إلى بلاد صدينة وفشتالة بين النهرين سبو وورغه وأقطعهم تلك الأرض وعزل عزابهم وأمرهم ببناء بيوتهم على حدة ثم أعطاهم ألف دينار لبناء سور القصبة كما قلنا وجعلهم قبيلة واحدة فلم تتميز الآن عربهم من بربرهم ثم خرج المولى الرشيد رابع رمضان من السنة لزيارة الشيخ أبي يعزى رضي الله عنه ومنه ذهب إلى سلا فزار صلحاءها وعاد إلى فاس فدخلها منسلخ رمضان المذكور ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وألف في صفر منها بعث خيلا للجهاد على طنجة وفي منتصف جمادى الأولى بعث خيلا أخرى إلى السوس وعليهم أبو محمد عبد الله آعراس ثم خرج إلى الصيد بتافرطاست فبلغه هنالك خبر ثورة ابن أخيه المولى محمد بن محمد بمراكش فرجع إلى فاس فدخلها يوم السبت حادي عشر رمضان ثم خرج منها عصر يومه ذلك فلقيه ابن أخيه بفزارة مقبوضا عليه بيد أصحابه فبعث به إلى تافيلالت وسار هو إلى مراكش وبعث قائده زيدان العامري إلى فاس في ذي القعدة ليأتيه بالجيش لغزو السوس فأتاه أهل السوس طائعين ولم يبق للحركة محل بعد أن كانت الأخبية قد أخرجت إلى وادي فاس وضربت به فاستقرت قواعد الملك للمولى الرشيد وتمهدت أمور الدولة والله غالب على أمره
وفاة أمير المؤمنين المولى الرشيد رحمه الله
كان أمير المؤمنين المولى الرشيد رحمه الله في هذه المدة مقيما بمراكش كما قلنا إلى أن كان عيد الأضحى من سنة اثنتين وثمانين وألف فلما كان ثاني يوم النحر وهو يوم الخميس ركب فرسا له وأجراه فجمح به في بستان المسرة ولم يملك عنانه فأصابه فرع شجرة نارنج فهشم رأسه وقيل دخل في أذنه وكانت فيه منيته رحمه الله ودفن بمراكش بالقصبة منها ثم نقل إلى ضريح الشيخ أبي الحسن علي بن حرزهم بفاس لوصية منه بذلك ومات رحمه الله وسنه اثنتان وأربعون سنة لأنه ولد سنة أربعين وألف ورثاه بعضهم بقوله ( وما شج ذات الغصن رأس إمامنا % لسوء له خدن المحبة جاحد ) ( ولكنه قد غار من لين قده % وإن من الأشجار ما هو حاسد ) قلت لا يخفى أن مثل هذا الشعر لا يحسن أن تمدح به الملوك فإنه بالغزل أشبه منه بالرثاء وكان قد وقع بين المولى الرشيد رحمه الله وبين شيخ الوقت الإمام أبي عبد الله محمد بن ناصر الدرعي رضي الله عنه مكاتبات توعده أمير المؤمنين في بعضها فمات عقب ذلك وكفى الشيخ المذكور أمره ومن مآثره رحمه الله أنه لما مر في بعض حركاته بالموضع المعروف بالشط من بلاد الظهراء أمر بحفر آبار شتى فهي الآن تدعى بآبار السلطان إضافة له يستقي منها ركب الحجيج في ذهابه وإيابه فهي إن شاء الله في ميزان حسناته وكان رحمه الله محبا في جانب العلماء مؤثرا لأغراضهم مولعا بمجالستهم محسنا إليهم حيث ما كانوا ومن نوادره معهم ما حكي أن العلامة أبا عبد الله محمد المرابط بن محمد بن أبي بكر الدلائي حضر يوما بمجلس السلطان المذكور وذلك بعد الإيقاع بزاويتهم وتغريبهم إلى فاس فأنشد السلطان معرضا بالفقيه المذكور قول أبي الطيب المتنبي ( ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى % عدوا له ما من صداقته بد ) ففهم أبو عبد الله المرابط إشارته فقال أيد الله أمير المؤمنين إن من سعادة المرء أن يكون خصمه عاقلا فاستحسن الحاضرون حسن بديهته ولطف منزعه ومن تواضع المولى الرشيد رحمه الله مع أهل العلم ما حكاه صاحب الجيش من أنه بعث إلى بعض علماء عصره ليقرأ معه بعض الكتب فامتنع ذلك العالم وقال كما قال الإمام مالك رضي الله عنه العلم يؤتى ولا يأتي قال فكان المولى الرشيد رحمه الله يتردد لمنزل ذلك العالم للقراءة عليه وقد ذكر صاحب نشر المثاني أنه كان يحضر مجلس الشيخ اليوسي بالقرويين ا ه وهذه لعمري منقبة فخيمة ومأثره جسيمة فرحم الله تلك الهمم التي كانت تعرف للعلم حقه وتقدر قدره قالوا وكان رحمه الله جوادا سخيا رحل الناس إليه من المشرق فما دونه وقصده بعض طلبة ثغر الجزائر فامتدحه ببيتين وهما ( فاض بحر الفرات في كل قطر % من ندى راحتيك عذبا فراتا ) ( غرق الناس فيه والتمس الفقر % خلاصا فلم يجده فماتا ) فوصله بألفين وخمسين دينارا قال اليفرني وشأوه رحمه الله في السخاء لا يلحق والحكايات عنه بذلك شهيرة وفي أيامه كثر العلم واعتز أهله وظهرت عليهم أبهته وكانت أيامه أيام سكون ودعة ورخاء عظيم حتى قيل إنه في اليوم الذي بويع فيه بفاس كان القمح في أول النهار بخمس أواق للمد وصار في آخره بنصف أوقية فتيمن الناس بولايته وأغتبطوا بها والله تعالى أعلم
الخبر عن دولة أمير المؤمنين المظفر بالله أبي النصر المولى إسماعيل بن الشريف رحمه الله
لما توفي المولى الرشيد رحمه الله في التاريخ المقدم وكان أخوه المولى إسماعيل بمكناسة الزيتون خليفة على بلاد الغرب فبلغه خبر موته فاجتمع الناس عليه وبايعوه واتفقت كلمتهم عليه ثم قدم عليه أعيان فاس وأعلامها وأشرافها ببيعتهم وقدم عليه أهل بلاد الغرب من الحواضر والبوادي كذلك بهداياهم وبيعاتهم إلا مراكش وأعمالها فإنه لم يأت منها أحد فجلس رحمه الله للوفود إلى أن فرغ من شأنهم ورتب أموره بمكناسة وعزم على السكنى بها إذ كان لا يبغي بها بدلا حيث أعجبه ماؤها وهواؤها هكذا في البستان وقال أبو عبد الله اليفرني في النزهة ونحوه في نشر المثاني لما توفي المولى الرشيد رحمه الله اتصل خبر وفاته بالمولى إسماعيل وهو يومئذ خليفته بفاس الجديد ليلة الأربعاء السادس عشر من ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وألف فبويع رحمه الله وحضر بيعته أعيان المغرب وصلحاؤه بحيث لم ينازع في أنه أحق بها وأهلها أحد ممن يشار إليه زاد في الظل الظليل ووافق على بيعته أهل الحل والعقد من العلماء والأشراف كالشيخ أبي محمد عبد القادر بن علي الفاسي والشيخ أبي علي اليوسي وأبي عبد الله محمد بن علي الفيلالي وأبي العباس أحمد بن سعيد المكيلدي وأبي عبد الله محمد بن عبد القادر الفاسي وأخيه أبي زيد صاحب نظم العمل والقاضي أبي مدين وغيرهم من بقية الأعيان وكانت بيعته في السنة الثانية من يوم الأربعاء السادس عشر من ذي الحجة المذكور آنفا ووافق ذلك اليوم الثالث من شهر إبريل العجمي وكان سنه يوم بويع ستا وعشرين سنة لأن ولادته كانت عام وقعة القاعة وهي مؤرخة بخط من يوثق به سنة ست وخمسين وألف ولما تمت بيعته نهض بأعباء الخلافة وضبط الأمور وأحسن السيرة
ثورة المولى أبي العباس أحمد بن محرز بن الشريف وما كان من أمره
لما توفي المولى الرشيد رحمه الله واتصل خبر وفاته بأهل سجلماسة وغيرها أقبل ابن أخيه المولى أبو العباس أحمد بمن محرز مبادرا إلى مراكش طالبا للأمر وداعيا إلى نفسه والتفت عليه طوائف من عرب السوس وغيرهم وغلب على تلك النواحي ونشبت أهل مراكش بلامع برقه وبذلك تقاعدوا عن الوفادة على أمير المؤمنين المولى إسماعيل رحمه الله ولما صح عنده خبر ابن محرز وذلك في آخر ذي الحجة من السنة نهض إلى مراكش فوصل إليها وبرز إليه أهلها فيمن انضم إليهم من قبائل أحوازها وقاتلوه فانتصر عليهم وهزمهم ودخل مراكش عنوة يوم الجمعة سابع صفر سنة ثلاث وثمانين وألف فعفا عن أهلها وأجفل ابن محرز وشيعته إلى حيث نجوا ولما احتل المولى إسماعيل بمراكش أمر بنقل شلو أخيه المولى الرشيد في تابوته إلى فاس ليدفن بضريح الشيخ ابن حرزهم كما مر ثم قفل السلطان إلى مكناسة منسلخ ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وألف
انتقاض أهل فاس وقتلهم القائد زيدان وإعلانهم بدعوة ابن محرز وما نشأ عن ذلك من محاصرة السلطان لهم
لما قفل أمير المؤمنين المولى إسماعيل إلى مكناسة أخذ في ترتيب أمور دولته وفرق الراتب على الجند وكان عازما على غزو بلاد الصحراء فلم يرعه إلا الخبر بأن أهل فاس قد انتقضوا وقتلوا قائد الجيش زيدان بن عبيد العامري وكان مقتله ليلة الجمعة ثاني جمادى الأولى من السنة فزحف السلطان إليهم وحاصرهم واستمر القتال بينه وبينهم أياما ثم بعثوا إلى المولى أحمد بن محرز ليأتيهم فيجتمعوا عليه فقدم دبدو وأنزل على ملوية وبعث إليهم رسوله يعلمهم بمجيئه فأعلنوا بنصره وذلك يوم الخميس العشرين من جمادى الثانية من السنة وفي منسلخ الشهر المذكور بعثوا عشرة من الخيل للقائه بتازا ثم أصبح عليهم رسول الخضر غيلان يعلمهم بأنه قد قدم من ثغر الجزائر في البحر وأنه نزل بتطاوين مع رؤسائها أولاد النقسيس فتشعبت الآراء وتعددت أسباب الهراش وتكاثرت الظباء على خداش وهاجت فتنة بفاس قتل فيها نفر من أولاد الثائر المتقدم أبي الربيع سليمان الزرهوني على يد مولاي أحمد بن إدريس من شرفاء دار القيطون ثم قتل بعض شيعة الزرهوني مولاي حفيد بن إدريس أخا الشريف المذكور وكان ما كان مما لست أذكره ولما اتصل خبر ابن محرز بالمولى إسماعيل نهض إليه في جنوده قاصدا تازا فحاصرهم بها أشهرا ففر عنها ابن محرز ودخل الصحراء ولما علم السلطان بفراره عدل إلى ناحية الهبط بقصد الخضر غيلان فحاربه إلى أن ظفر به وقتله يوم الأحد العشرين من جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وألف وعاد إلى فاس الجديد أواسط جمادى الثانية من السنة وحاصر أهل فاس وطاولهم ولم يحدث معهم حربا إلى أن أذعنوا إلى الطاعة وراجعوا بصائرهم ففتحوا البلد وخرجوا إلى السلطان تائبين فعفا عنهم وذلك في سابع عشر رجب سنة أربع وثمانين وألف فكانت مدة انتقاضهم أربعة عشر شهرا وثمانية عشر يوما ذاقوا فيها وبال أمرهم ثم ولى عليهم القائد أبا العباس أحمد التلمساني وعلى فاس الجديد الوزير أبا زيد عبد الرحمن المنزاري وسار إلى مكناسة ثم عاد بالقرب إلا أن هذين الواليين قد جارا في الحكومة وعاثا في البلدين بضرب الأبشار ونهب الأموال وغير ذلك والله لايظلم مثقال ذرة وعزل أيضا عن خطابة القرويين الفقيه أبا عبد الله البوعناني وولاها القاضي أبا عبد الله المجاصي وذلك في أخر رجب من السنة والله أعلم
تجديد أمير المؤمنين المولى إسماعيل بناء مكناسة الزيتون واتخاذه إياها دار ملكه
كانت مدينة مكناسة الزيتون من الأمصار القديمة بأرض المغرب بناها البربر قبل الإسلام ولما جاءت دولة الموحدين حاصروا مكناسة سبع سنين ثم افتتحوها عنوة أواسط المائه السادسة وخربوها ثم بنوا مكناسة الجديدة المسماة بتاكرارت ومعناها المحلة واعتنى بها بنو مرين من بعدهم فبنوا قصبتها وشيدوا بها المساجد والمدارس والزوايا والربط وكانت يومئذ هي كرسي الوزارة كما أن حضرة فاس الجديد هي كرسي الإمارة واختصت مكناسة بطيب التربة وعذوبة الماء وصحة الهواء وسلامة المختزن من التعفين وغير ذلك وقد وصفها ابن الخطيب في مواضع من كتبه مثل النفاضة والمقامات وغيرهما واثنى عليها نظما ونثرا وأنشد قول ابن عبدون من أهلها فيها ( إن تفتخر فاس بما في طيها % وبأنها في زيها حسناء ) ( يكفيك من مكناسة أرجاؤها % والأطيبان هواؤها والماء ) فلما كانت بهذه المثابة كان أمير المؤمنين المولى إسماعيل رحمه الله لا
يبغي بها بدلا فلما فرغ من أمر فاس رجع إليها وشرع في بناء قصور بها بعد أن هدم ما يلي القصبة من الدور وأمر أربابها بحمل أنقاضها وبنى لهم سورا على الجانب الغربي وأمر ببناء دورهم به وهدم الجانب الشرقي كله من المدينة وزاده في القصبة القديمة ولم يبق أمامه إلا الفضاء فجعل ذلك كله قصبة وبنى سور المدينة وأفردها عن القصبة وأطلق أيدي الصناع في البناء ومداومة العمل وجلبهم من جميع حواضر المغرب ولما لم يقنعه ذلك فرض العملة على القبائل مناوبة فصارت كل قبيلة من قبائل المغرب تبعث عددا معلوما من الرجال والبهائم في كل شهر وفرض الصناع وأهل الحرف على الحواضر فصار أهل كل مصر يبعثون من البنائين والنجارين وغيرهم عددا معلوما كذلك وأسس المسجد الأعظم بداخل القصبة مجاورا لقصر النصر الذي كان أسسه في دولة أخيه المولى الرشيد رحمه الله ثم أسس الدار الكبرى التي بجوار الشيخ المجذوب واستمر البناء والغرس بمكناسة سنين كما سيأتي التنبيه على ذلك في مجلسه إن شاء الله
مجيء المولى أحمد بن محرز إلى مراكش واستيلاؤه عليها ونهوض السلطان إلى محاصرته بها
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وألف فيها ورد الخبر على السلطان المولى إسماعيل وهو بمكناسة بدخول ابن أخيه المولى أحمد بن محرز مراكش واستيلائه عليها وكان السلطان يومئذ متوجها إلى آنكاد لما بلغه من عيث العرب الذين به وقطعهم الطريق فلم يثنه ذلك عنهم بل سار إليهم وأوقع بسقونة منهم وقتل خلقا كثيرا ونهب ورجع مؤيدا منصورا ثم استعد لحرب ابن محرز وخرج في العساكر على طريق تادلا فكان اللقاء بينهما على أبي عقبة من وادي العبيد فاقتتلوا وانهزم ابن محرز وقتل كبير جيشه حيدة الطويري ورجع أدراجه إلى مراكش فتبعه السلطان المولى إسماعيل وألقى بكلكله على مراكش أوائل سنة ست وثمانين وألف ونما إليه أن بعض أهل محلته قد أضمروا الغدر منهم الشيخ عمر البطوئي وولده وعبد الله آعراس وإخوته هؤلاء كانوا أمراء عسكره فحنقهم وأتلف نفوسهم وبعث إلى من بقي منهم بفاس فقبض عليهم وقتلوا وحيزت دورهم وأموالهم واستمر السلطان محاصرا لمراكش إلى ربيع الثاني من سنة سبع وثمانين وألف فشدد في الحصار وازدلف إليها في جنوده فوقع قتال عظيم مات فيه من الفريقين ما لا يحصى وانحجر ابن محرز داخل البلد وبقي يقاتل من أعلى الأسوار ثم تمادى الحصار إلى ثاني ربيع الثاني من سنة ثمان وثمانين وألف فاشتد الأمر على ابن محرز وضاق ذرعا فخرج فارا عن مراكش ناجيا فيما أبقته الحرب من جموعه ودخل السلطان المولى إسماعيل المدينة عنوة فاستباحها وقتل سبعة من رؤسائها وكحل ثلاثين منهم وهدأت الفتنة وذهبت أيام المحنة والله غالب على أمره
تأليف جيش الودايا وبيان فرقهم وأوليتهم
هذا الجيش من أمثل جيوش هذه الدولة الشريفة أبقى الله فضلها وبسط على البلاد والعباد يمنها وعدلها وهو ينقسم إلى ثلاثة أرحاء رحى أهل السنوس ورحى المغافرة ورحى الودايا ويطلق على الجميع ودايا تغليبا فأما أهل السوس فمنهم أولاد جرار وأولاد مطاع وزرارة والشبانات وكلهم من عرب معقل وكانوا في القديم جندا للدولة السعدية وكان ملوكها يستنفرونهم للغزو بحللهم لاعتيادهم ذلك أيام كونهم بالصحراء ثم أنزلوهم ببسيط ازغار مراغمة لعرب جشم من الخلط وسفيان وغيرهم إذ كانت الخلط شيعة بني مرين وأصهارهم كما مر فلما جاءت الدولة السعدية بقوا منحرفين عنها وكلما طرقها خلل ثاروا عليها وخرجوا عن طاعتها فقيض لهم السلطان محمد الشيخ السعدي هؤلاء القبائل من معقل وزاحمهم بهم في بلادهم وشغلهم بهم فكانت تكون بينهم الحروب فتارة تنتصف معقل من جشم وتارة العكس حتى أوقع المنصور السعدي بالخلط وقيعته الشهيرة وأسقطهم من الجندية فنقل أولاد مطاع إلى زبيدة قرب تادلا ولما أشرفت الدولة السعدية على الهرم استطالت الشبانات عليها بما كان لهم من الخؤلة على أولاد السلطان زيدان فاستبدت فرقة منهم بمراكش كما مر وثارت أخرى بفاس الجديد مع أبي عبد الله الدريدي المتغلب بها حسبما سلف إلى أن نقل أمير المؤمنين المولى إسماعيل رحمه الله جميعهم إلى وجدة كما سيأتي ثم خلطهم بعد بإخوانهم من المغافرة والودايا وصير الجميع جيشا واحدا فهذه أولية أهل السوس وأما المغافرة فسيأتي بيان كيفية اتصالهم بالمولى إسماعيل ومصاهرتهم له وأما الودايا فكان السبب في جمعهم واستعمالهم في الجندية أنه لما فتح المولى إسماعيل رحمه الله مدينة مراكش الفتح الثاني وأجفل ابن محرز عنها أقام بها أياما ثم خرج إلى الصيد بالبسيط المعروف بالبحيرة من أحواز مراكش فرأى أعرابيا يرعى غنما له وبيده شفرة يقطع بها السدر ويضعه لغنمه لتأكل ورقة فقال للوزعة علي بأبي الشفرة فأسرعوا إليه وجاؤوا به إلى أن أوقفوه بين يديه فسأله فانتسب له إلى ودي كغني قبيلة من عرب معقل بالصحراء وأخبره بأنهم دخلوا من بلاد القبلة بسبب جدب أصابهم قال دخلنا السوس بنجع كبير فافترقنا وذهبت كل طائفة منا إلى قبيلة فنزلت عليها ونحن نزول مع الشبانات فقال له المولى إسماعيل رحمه الله أنتم أخوالي وسمعتم بخبري ولم تأتوني والآن أنت صاحبي وإذا رجعت بغنمك إلى خيمتك فاقدم علي إلى مراكش وأوصى به من يوصله إليه ثم بعد أيام قدم أبو الشفرة على السلطان فكساه وحمله وبعث معه خيلا يجمع بها إخوانه من قبائل الحوز فجمع من وجد منهم وجاء بهم إلى السلطان فأثبتهم في الديوان وكساهم وحملهم ثم نقلهم بحلتهم إلى مكناسة الزيتون دار الملك ومقر الخلافة ثم دخل نجع آخر بعدهم فأثبتهم في الديوان أيضا وبالغ في إكرامهم والإحسان إليهم وعين لسكناهم من مكناسة المحل المعروف بالرياض بجوار قصبتها وأمرهم ببناء الدور وأعطى أعيانهم ورؤساءهم النوائب وهي الزوايا التي لا تغرم مع القبائل ثم قدم نجع ثالث جاؤوا من جهة القبلة فأثبتهم كإخوانهم الذين قدموا قبلهم وسلك بهم مسلكهم ولما نقل رحمه الله زرارة والشبانات الذين كانوا بفاس الجديد مع الدريدي بعث بهم إليها أيضا ليجتمعوا مع إخوانهم ثم قسم الودايا الذين بالرياض قسمين فبعث نصفهم إلى فاس الجديد وعمره بهم وولى عليهم القائد أبا عبد الله محمد بن عطية منهم وأبقى النصف الآخر بالرياض من مكناسة وولى عليهم القائد أبا الحسن عليا المدعو بأبي الشفرة فكانا يتداولان القسمين مرة هذا ومرة هذا ثم استقر الأمر على أن صار أبو الشفرة بفاس وابن عطية بالرياض وأما خبر الخلط فإنه لما أوقع بهم المنصور السعدي تفرقوا في القبائل شذر مذر وصاروا عيالا على غيرهم ولما أشرفت الدولة السعدية على الهرم اجتمعوا ورجعوا إلى أزغاز فغلبوا عليه وعفوا وكثروا وتمولوا وأكثروا من الخيل والسلاح إلى أن جاء الله بالمولى إسماعيل رحمه الله فانتزع منهم خيلهم وسلاحهم كغيرهم من قبائل المغرب وضرب عليهم المغارم واستمروا على ذلك إلى أيام السلطان المرحوم المولى محمد بن عبد الله فظهروا في دولته وكانوا يعكسون معه في حروب ويغرمون ما وجب عليهم من الزكوات والأعشار وكذلك مع ابنه المولى سليمان وابن ابنه المولى عبد الرحمن بن هشام رحم الله الجميع بمنه وهم اليوم في عداد القبائل الغارمة وكذا قبائل الحوز الذين هم من عرب معقل كلهم غارمة والله تعالى المتولي لأمور العباد لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه
انتقاض البربر شيعة الدلائيين والتفافهم على أحمد بن عبد الله منهم وإيقاع السلطان بهم
لما كان أمير المؤمنين المولى إسماعيل رحمه الله مقيما بمراكش بعد فرار المولى أحمد بن محرز عنها بلغه اجتماع البربر الصنهاجيين على أحمد بن عبد الله الدلائي وعيثهم فيمن جاورهم من قبائل العرب من تادلا إلى سايس فبعث رحمه الله عسكرا إلى تادلا إعانة لأهلها على البربر فهزمتهم البربر وقتلوا يخلف وانتهبوا واستولوا على تادلا ثم بعث إليهم عسكرا آخر فيه ثلاثة آلاف من الخيل وعقد عليه ليخلف فهزمهم البربر وقتلوا يخلف وانتهبوا معسكره ثم أعقبهما بعسكر ثالث فوقع به ما وقع بالأولين هذا كله والسلطان مقيم بمراكش يرصد ابن محرز الذي بالسوس ثم بلغه قيام أخيه المولى حمادة بالصحراء وحربه لأخيه المولى محرز الثائر بها أيضا وهو والد المولى أحمد صاحب السوس فقدم السلطان رحمه الله الأهم ورجع إلى حرب البربر بتادلا خوفا من اتساع خرقهم على الدولة وهناك لقيه أخوه المولى الحران جاء مستصرخا له على أخيه المولى حمادة ثم تقدم السلطان رحمه الله إلى البربر فأوقع بهم وقعة شنعاء واستلحمهم وقطع منهم سبعمائة رأس بعث بها إلى فاس مع عبد الله بن حمدون الروسي وفي نشر المثاني أنه قتل من البربر يومئذ ثلاثة آلاف فزينت المدينة وأخرجت المدافع وكان يوما مشهودا ولما انقضت الوقعة فر المولى الحران من
المحلة إلى الصحراء ورجع السلطان إلى مكناسة فدخلها في أواسط شوال سنة ثمان وثمانين وألف وفي هذه الأيام ولي قضاء فاس الفقيه الورع أبا عبد الله محمد العربي بردلة بعد عزل القاضي أبي عبد الله المجاصي وولي مظالمها وجبايتها عبد الله الروسي وولي مواريثها أباه حمدون وأمر بقتل أهل تطاوين الذين كانوا بسجن فاس وهم عشرون فضربت أعناقهم ورفعت على الأسوار ثم جيء بالمولى الحران من الصحراء مقيدا مغلولا فلما قابله من عليه وأطلقه وأعطاه خيلا وأقطعه مداشر بالصحراء يتعيش بها وسرحه إلى حال سبيله
عود الكلام إلى بناء حضرة مكناسة الزيتون
واستمر السلطان المولى إسماعيل رحمه الله بمكناسة قائما على بناء حضرتها بنفسه وكلما أكمل قصرا أسس غيره ولما ضاق مسجد القصبة بالناس أسس الجامع الأخضر أعظم منه وجعل له بابين بابا إلى القصبة وبابا إلى المدينة وجعل رحمه الله لهذه القصبة عشرين بابا عادية في غاية السعة والارتفاع مقبوة من أعلاها وفوق كل باب منها برج عظيم عليه من المدافع النحاسية العظيمة الأجرام والمهاريس الحربية الهائلة الأشكال ما يقضي منه العجب وجعل في هذه القصبة بركة عظيمة تسير فيها الفلك والزوارق المتخذة للنزهة والأنبساط وجعل بها هريا عظيما لاختزان الطعام من قمح وغيره مقبو القنانيط يسع زرع أهل المغرب وجعل بجواره سواقي للماء في غاية المعمق مقبوا عليها وجعل في أعلاها برجا عظيما مستدير الشكل لوضع المدافع الموجهة إلى كل جهة وجعل بها إصطبلا عظيما لربط خيله وبغاله مسيرة فرسخ في مثله مسقف الجوانب بالبرشلة على أساطين وأقواس عظيمة في كل قوس مربط فرس وبين الفرس والفرس عشرون شبرا يقال إنه كان مربوطا بهذا الإصطبل اثني عشر ألف فرس مع كل فرس سائس من المسلمين وخادم من أسرى النصارى يتولى خدمته وفي هذا الإصطبل سانية من الماء دائرة عليه مقبوة الظهر وأمام كل فرس منها ثقب كالمعدة لشربه وفي وسط هذا الإصطبل قباب معدة لوضع سروج الخيل على أشكال مختلفة وفيه أيضا هري عظيم مربع الشكل مقبو الأعلى على أساطين عظيمة وأقواس هائلة لوضع سلاح الفرسان أصحاب الخيل وينفذ إليه الضوء من شبابيك في جوانبه الأربعة كل شباك ينيف وزنه على قنطار من حديد وفوق هذا الهري من أعلاه قصر يقال له المنصور ولا يقصر ارتفاعه من مائة ذراع خمسون في الأسفل وخمسون في الأعلى وفيه عشرون قبة في كل قبة طاق عليه شباك من حديد يشرف منه أهل القبة على بسيط مكناسة من الجبل إلى الجبل وكل قبة مسقفة بالبرشلة والقرمود وغير ذلك ثم أربع قباب منها متقابلة سعة كل واحدة منها سبعون شبرا في مثلها وباقي العشرين أربعون ويجاور هذا الإصطبل بستان على قدر طوله فيه من شجر الزيتون وأنواع الفواكه كل غريب طوله فرسخ وعرضه ميلان ويتخلل هذه القصور التي في داخل القلعة بشوارع مستطيلة متسعة وأبواب عظيمة فاصلة بين كل ناحية وبين الأخرى ورحاب عظيمة مربعة معدة لعمارة المشور في كل جانب إلى غير ذلك مما لا يحيط به الوصف قال صاحب البستان وقد شاهدنا آثار الأقدمين بالمشرق والمغرب وبلاد الترك والروم فما رأينا مثل ذلك في دولهم ولا شاهدناه في آثارهم بل لو اجتمعت آثار دول ملوك الإسلام لرجح بها ما بناه السلطان الأعظم المولى إسماعيل رحمه الله في قلعة مكناسة دار ملكه ولم تزل تلك البناءات على طول الدهر قائمة كالجبال لم تخلفها عواصف الرياح ولا كثرة الأمطار والثلوج ولا آفات الزلازل التي تخرب المباني العظام والهياكل الجسام قال ومن يوم مات المولى إسماعيل والملوك من بنيه وحفدته يخربون تلك القصور على قدر وسعهم وبحسب طاقتهم ويبنون بأنقاضها من خشب وزليج ورخام ولبن وقرمود ومعدن وغير ذلك إلى وقتنا هذا وبنيت من أنقاضها مساجد ومدارس ورباطات بكل بلد من بلدان المغرب وما أتوا على نصفها هذه مدة من مائة سنة وأما الجدرات فلا زالت ماثلة كالجبال الشوامخ وكل من شاهد تلك الآثار من سفراء الترك والروم يعجب من عظمته ويقول ليس هذا من عمل بني آدم ولا يقوم به مال ا ه
تأليف جيش عبيد البخاري وذكر أوليتهم وشرح تسميتهم
هذا الجيش من أعظم جيوش هذه الدولة السعيدة كما تقف عليه وكان السبب في جمعه ما وجد مفصلا في كناش كاتب الدولة الإسماعيلية ووزيرها الأعظم الفقيه الأديب أبي العباس أحمد اليحمدي رحمه الله قال لما استولى السلطان المولى إسماعيل بن الشريف على مراكش ودخلها أول مرة كان يكتب عسكره من القبائل الأحرار حسبما مر حتى أتاه الكاتب أبو حفص عمر بن قاسم المراكشي المدعو عليليش وبيتهم بيت رياسة من قديم وكان والده كاتبا مع المنصور السعدي ومع أولاده من بعده فتعلق أبو حفص هذا بخدمة السلطان المولى إسماعيل وأطلعه على دفتر فيه أسماء العبيد الذين كانوا في عسكر المنصور فسأله السلطان رحمه الله هل بقي منهم أحد قال نعم كثير منهم ومن أولادهم وهم متفرقون بمراكش وأحوازها وبقبائل الدير ولو أمرني مولانا بجمعهم لجمعتهم فولاه أمرهم وكتب له إلى قواد القبائل يأمرهم بشد عضده وإعانته على ما هو بصدده فأخذ عليليش يبحث عنهم بمراكش وينقر عن أنسابهم إلى أن جمع من بها منهم ثم خرج إلى الدير فجمع من وجد به ثم سار إلى قبائل الحوز فاستقصى من فيها حتى لم يترك بتلك القبائل كلها أسود سواء كان مملوكا أو حرطانيا أو حرا أسود واتسع الخرق وعسر الرتق فجمع في سنة واحدة ثلاثة آلاف رأس منهم المتزوج والعزب ثم كتبهم في دفتر وبعث به إلى السلطان بمكناسة فتصفحه السلطان وأعجبه ذلك فكتب إليه يأمره بشراء الإماء للأعزاب منهم ويدفع أثمان المماليك منهم إلى ملاكهم ويكسوهم من أعشار مراكش ويأتيه بهم إلى مكناسة فاجتهد عليليش في ذلك واشترى من الإماء ماقدر عليه وجمع من الحرطانيات عددا إلى أن استوفى الغرض وكساهم وألزم القبائل بحملهم إلى الحضرة فحملوا من قبيلة إلى أخرى إلى أن وصلوا مكناسة فأعطاهم السلطان السلاح وولى عليهم قوادهم وبعث إليهم إلى الموضع المعروف بالمحلة من مشرع الرملة من أعمال سلا ثم بعث السلطان كاتبه أبا عبد الله محمد بن العياشي المكناسي إلى قبائل الغرب وبني حسن وأمره بجمع العبيد الذين بها فمن لا ملك لأحد عليه يأخذه مجانا ومن كان مملوكا لأحد فليعط صاحبه ثمنه ويحوزه منه فخرج ابن العياشي وطاف في تلك القبائل واستقصى كل أسود بها وكان السلطان قد كتب أيضا إلى عماله بالأمصار بأن يشتروا له العبيد والإماء من فاس ومكناسة وغيرهما من حواضر المغرب عشرة مثاقيل للعبد وعشرة مثاقيل للأمة فاستوعبوا ما وجدوا حتى لم يبق عند أحد عبد ولا أمة فاجتمع مما اشتراه العمال ثلاثة آلاف أخرى فكساهم السلطان وسلحهم وبعث بهم إلى المحلة بعد أن عين لهم قوادهم ثم أن ابن العياشي قدم بدفتر فيه ألفان من العبيد فيهم المتزوج والعزب فكتب السلطان إلى القائد أبي الحسن علي بن عبد الله الريفي صاحب بلاد الهبط أن يشتري للأعزاب منهم الإماء ويكسوهم ويعطيهم السلاح من تطاوين ويعين لهم قوادهم ويبعث بهم إلى المحلة فصار المجموع ثمانية آلاف وهذا العدد هو الذي نزل أولا بها ثم ألزم السلطان قبائل تامسنا ودكالة أن يأتوا بعبيد المخزن الذين عندهم فلم يسعهم إلا الامتثال فجمعوا كل عبد في بلادهم وزادوا بالشراء من عندهم وأعطوهم الخيل والسلاح وكسوهم وبعثوا بهم إليه فمن تامسنا ألفان ومن دكالة ألفان فأنزلهم السلطان بوجه عروس من أحواز مكناسة إلى أن بنى قصبة آدخسان فأنزل عبيد دكالة بها وأنزل عبيد تامسنا بزاوية أهل الدلاء ثم دخلت سنة تسع وثمانين وألف فيها غزا السلطان المولى إسماعيل صحراء السوس فبلغ آقاوطاطا وتيشيت وشنكيط وتخوم السودان فقدمت عليه وفود العرب هنالك من أهل الساحل والقبلة ومن دليم وبربوش والمغافرة وودي ومطاع وجرار وغيرهم من قبائل معقل وأدوا طاعتهم وكان في ذلك الوفد الشيخ بكار المغفري والد الحرة خناثى أم السلطان المولى عبد الله بن إسماعيل فأهدى الشيخ المذكور إلى السلطان ابنته خناثى المذكورة وكانت ذات جمال وفقه وأدب فتزوجها السلطان رحمه الله وبنى بها وجلب في هذه الغزوة من تلك الأقاليم ألفين من الحراطين بأولادهم فكساهم بمراكش وسلحهم وولى عليهم وبعث بهم إلى المحلة وقفل هو إلى حضرته من مكناسة فكان عدد ما جمع من العسكر البخاري أربعة عشر ألفا عشرة آلاف منها بمشرع الرملة وأربعة آلاف بآدخسان وما والاها من بلاد البربر ثم عفوا وتناسلوا وكثروا حتى ما مات المولى إسماعيل إلا وقد بلغ عددهم مائة وخمسين ألفا كما سيأتي إن شاء الله واعلم أنه قد وقع في هذه الأخبار لفظ الحرطاني ومعناه في عرف أهل المغرب العتيق وأصله الحر الثاني كأن الحر الأصلي حر أول وهذا العتيق حر ثان ثم كثر استعماله على الألسنة فقيل الحرطاني على ضرب من التخفيف وأما سبب تسمية هذا الجيش بعبيد البخاري فإن المولى إسماعيل رحمه الله لما جمعهم وظفر بمراده بعصبيتهم واستغنى بهم عن الانتصار بالقبائل بعضهم على بعض حمد الله تعالى وأثنى عليه وجمع أعيانهم وأحضر نسخة من صحيح البخاري وقال لهم أنا وأنتم عبيد لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعه المجموع في هذا الكتاب فكل ما أمر به نفعله وكل ما نهى عنه نتركه وعليه نقاتل فعاهدوه على ذلك وأمر بالاحتفاظ بتلك النسخة وأمرهم أن يحملوها حال ركوبهم ويقدموها أمام حروبهم كتابوت بني إسرائيل وما زال الأمر على ذلك إلى هذا العهد فلهذا قيل لهم عبيد البخاري قال في البستان كان مآل هذا العسكر البخاري مع أولاد أمير المؤمنين المولى إسماعيل رحمه الله مثل مآل الترك مع أولاد المعتصم بن الرشيد العباسي في كونهم استبدوا عليهم وصاروا يولون ويعزلون ويقتلون ويستحيون إلى ان تم أمر الله فيهم وتلاشى جمعهم وتفرقوا في البلاد شذر مذر وما أحياهم إلا السلطان المرحوم المولى محمد بن عبد الله ولما عفوا وكثروا خرجوا عليه بابنه المولى يزيد وفعلوا فعلتهم التي فعلوها من قبل حسبما تسمعه بعد إن شاء الله
غزو أمير المؤمنين المولى إسماعيل بلاد الشرق وانعقاد الصلح بينه وبين دولة الترك أهل الجزائر
ثم غزا أمير المؤمنين المولى إسماعيل رحمه الله بلاد الشرق فترك تلمسان عن يساره وأصحر في ناحية القبلة فقدمت عليه هنالك وفود العرب من ذوي منيع ودخيسه وحميان والمهاية والعمور وأولاد جرير وسقونه وبني عامر والحشم فسار بهم إلى أن نزل القويعة على رأس وادي شلف المسمى اليوم بوادي صا وكان رائده إليها والدال له عليها هم بنو عامر بن زغبة فخرج جيش الترك مع ثغر الجزائر بقضهم وقضيضهم ومدافعهم ومهاريسهم ونزلوا على وادي شلف قبالة السلطان رحمه الله ولما كان وقت العشاء أرعدوا مدافعهم ليدهشوا العرب الذين مع السلطان فكان الأمر كذلك فإنه لما انتصف اليل انسل بنو عامر من محلة السلطان وأصبحت الأرض منهم بلاقع ولما أصبح بقية العرب وعلموا بفرار بني عامر انهزموا دون قتال ولم يبق مع السلطان إلا عسكره الذي جاء به من المغرب فكان ذلك سبب تأخره عن حرب الترك وقفو له إلى حضرته وكاتبه الترك في أن يتخلى لهم
عن بلادهم ويقف عند حد أسلافه ومن كان قبلهم من ملوك الدولة السعدية فإنهم ما زاحموهم قط في بلادهم وبعثوا إليه بكتاب أخيه المولى محمد بن الشريف الذي كان بعث به إليهم مع رسلهم حسبما تقدم وبكتاب أخيه المولى الرشيد الذي فيه الحد بينه وبينهم فوقع الصلح على ذلك الحد الذي هو وادي تافنا ولما قفل السلطان رحمه الله ومن في طريقه بمدينة وجدة أمر ببنائها وتجديد ما تثلم منها ثم قفل إلى فاس ثم منها إلى الحضرة بمكناسة الزيتون وكان ذلك كله سنة تسع وثمانين وألف
خروج الإخوة الثلاثة من أولاد المولى الشريف ابن علي بالصحراء وما كان من أمرهم
وفي أواخر رمضان سنة تسع وثمانين وألف بلغ السلطان رحمه الله وهو بمكناسة خروج إخوته الثلاثة المولى الحران والمولى هاشم والمولى أحمد بني الشريف بن علي مع ثلاثة آخرين من بني عمهم وأنهم تدرجوا إلى آيت عطاء من قبائل البربر فنهض إليهم السلطان رحمه الله بالعساكر وسلك طريق سجلماسة فكان اللقاء بجبل ساغرو في عشرين من ذي الحجة من السنة فالتقى جيش السلطان وجيش الخارجين وجلهم آيت عطاء فاقتتلوا وكان الظفر للسلطان بعد أن هلك من جيشه ثم من رماه فاس بالخصوص نحو أربعمائة دون من عداهم وهلك قائد العسكر موسى بن يوسف وانهزم الإخوة وأبعدوا المفر إلى الصحراء وكان في تلك السنة وباء عظيم قد انتشر في بلاد المغرب فرجع السلطان على طريق الفايجة فأصابه ثلج عظيم بثنية الكلاوي من جبل درن أهلك الناس وأتلف متاعهم وأخبيتهم وما تخلصوا منه إلا بمشقة فادحة ولما نزلت العساكر بزاوية الشيخ أبي العزم سيدي رحال الكوش مدوا
أيديهم إلى أموال الناس وزروعهم بالنهب لما مسهم من ضرر الجوع فشكا الناس ذلك إلى السلطان فأمر بقتل كل من وجد خارج المحلة فقتل في ذلك اليوم من الجيش نحو الثلاثمائة ثم أمر بجر الوزير أبي زيد عبد الرحمن المنزري لأمر نقمه عليه وقتل أصحابه بالرصاص فجر الوزير المذكور إلى فاس ومكناسة ولم يصل إليهما إلا بعض شلوه فطرح على المزبلة ووصل السلطان إلى مكناسة فاحتل بدار ملكه واقتعد أريكة عزه ثم دخلت سنة تسعين وألف ففي المحرم منها وقع الوباء بفاس وأعمالها فأمر السلطان العبيد أن يردوا الناس عن مكناسة فكانوا يتعرضون لهم في الطرقات بناحية سبو وسايس يردونهم عن مكناسة وكل من يأتي من ناحية القصر وفاس يقتلونه فانقطعت السبل وتعذرت المرافق وفي أواخر المحرم من هذه السنة أوقع جيش المسلمين بنصارى طنجة فقتلوا منهم نحو ثلاثمائة وخمسين وانتزعوا منهم قصبة بأربعة أبراج واستشهد من المسلمين نحو الخمسين رحمهم الله
نقل زرارة والشبانات إلى وجدة وبناء القلاع بالتخوم وما تخلل ذلك
وفي هذه السنة التي هي سنة تسعين وألف أمر أمير المؤمنين المولى إسماعيل رحمه الله بنقل عرب زرارة والشبانات قوم كروم الحاج من الحوز إلى وجدة لما كانوا عليه من الظلم والفساد في تلك البلاد فأنزلهم بوجدة ثغر المغرب وكتبهم في الديوان وولى عليهم أبا البقاء العياشي بن الزويعر الزراري وتقدم إليه في التضييق على بني يزناسن إذ كانوا يومئذ منحرفين عن الدولة ومتمسكين بدعوة الترك فكان زرارة والشبانات يغيرون عليهم ويمنعونهم من الحرث ببسيط آنكاد وأمر السلطان رحمه الله أن تبنى عليهم قلعة من ناحية الساحل قرينة وجدة بالموضع المعروف برفادة وأمر القائد العياشي أن ينزل بها خمسمائة فارس من إخوانه يمنعونهم النزول ببسيط تريفة والارتفاق به من حرث وغيره ثم أمر رحمه الله أن تبنى قلعة أخرى بطرف بلادهم بالعيون وينزل بها القائد المذكور خمسمائة أخرى من إخوانه أيضا وأمر أن تبنى قلعة ثالثة بطرف بلادهم على ملوية وينزل بها خمسمائة فارس كذلك وجعل للقائد العياشي المذكور النظر في القلاع الثلاث وهو بوجدة في ألف فارس فكانوا في الدفتر ألفين وخمسمائة ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وألف ففي جمادى الثانية منها خرج السلطان من الحضرة في الجنود قاصدا بني يزناسن الذين تمادوا على العصيان فاقتحم عليهم جبلهم واعتسف بروعهم وانتسف زروعهم وضروعهم وحرق قراهم وقتل رجالهم وسبى ذراريهم فطلبوا الأمان فأمن بقيتهم على أن يدفعوا الخيل والسلاح التي عندهم فدفعوها من غير توقف وقاموا بدعوته جبرا عليهم ثم نزل بسيط آنكاد وحضر عنده قبائل الأحلاف وسقونه فأرجلهم من خيولهم وجردهم من سلاحهم وانتزعها منهم وألزم أشياخهم أن يجمعوا له ما بقي بحلتهم منها ففعلوا ثم فعل بالمهاية وحميان كذلك وانكفأ راجعا إلى المغرب ولما نزل وادي صا أمر ببناء قلعة تاوريرت التي بناها السلطان يوسف بن يعقوب بن عبد الحق المريني فجددها وأنزل فيها مائة فارس من عبيده بعيالهم وأولادهم ولما نزل بوادي مسون أمر أن تبنى به قلعة أخرى بجوار القديمة وأنزل فيها مائة فارس من العبيد كذلك ثم أنزل بتازا ألفين وخمسمائة من خيل العبيد بعيالهم وولى عليهم منصور بن الرامي وجعل نظر القلاع التي بتازا ووادي صا للقائد منصور المذكور وعين لكل قبيلة من قبائل تلك البلاد قلعتها التي تدفع بها زكواتها وأعشارها لمؤنة العبيد وعلف خيولهم وهم حراس الطريق فمن وقع في أرضه شيء عوقب عليه قائد تلك القلعة ولما وصل السلطان إلى الكور أمر أن تبنى به قلعة أيضا وأنزل بها مائة فارس من عبيده بعيالهم ولما انتهى إلى فاس أنزل بقصبة الخميس التي بنى سورها المولى الرشيد خمسمائة من الخيل بعيالهم من شراقة العرب والبربر الذين قدموا مع المولى الرشيد رحمه الله حسبما تقدمت الإشارة إليه ثم أمر رحمه الله ببناء قلعة بالمهدومة وأخرى بالجديدة من أعمال مكناسة وأنزل بكل واحدة مائة من خيل العبيد بعيالهم لحراسة الطرقات وبكل قلعة فندق لمبيت القوافل وأبناء السبيل ثم دخل السلطان رحمه الله حضرته مؤيدا منصورا وذلك في خامس شعبان سنة إحدى وتسعين وألف
فتح المهدية ومحاربة ابن محرز بالسوس وما تخلل ذلك
قد تقدم لنا ما كان من استيلاء جنس الإصبنيول على المعمورة المسماة بالمهدية في حدود العشرين بعد الألف وما كان بينهم وبين أبي عبد الله العياشي وأهل سلا من الحروب واستمروا بها إلى أن كانت سنة اثنتين وتسعين وألف فافتتحها جيش السلطان المولى إسماعيل رحمه الله قال في النزهة ومن محاسن الدولة الإسماعيلية تنقية المغرب من نجاسة الكفر ورد كيد العدو عنه قال وقد فتح السلطان المولى إسماعيل عدة مدن من يد النصارى كانت من مفاسد المغرب ولم يهنأ للمسلمين معهم قرار من ذلك المعمورة فإنه رحمه الله قد افتتحها عنوة بعد أن حاصرها مدة وكان فتحها يوم الخميس رابع عشر ربيع الثاني سنة اثنتين وتسعين وألف وأسر بها نحو الثلاثمائة من الكفار ا ه وقال في نشر المثاني كان فتح المهدية عنوة عند صلاة الجمعة خامس عشر ربيع الثاني من السنة قيل بقتال وقيل بدون قتال وإنما أخذت بقطع الماء عنها وجيء بالنصارى الذين كانوا بها أسارى ولم يصب أحد من المسلمين وقال في البستان وفي سنة اثنتين وتسعين وألف ورد الخبر على السلطان إسماعيل بأن ابن أخيه المولى أحمد بن محرز الذي بالسوس قد استولى على بلاد آيت زينب وقويت شوكته فأمر السلطان رحمه الله بتفريق الراتب وتجهيز العساكر إليه من فاس وتوجهت في ثامن ربيع الأول من السنة ثم بلغه أن العسكر المحاصر للمهدية قد أشرف على فتحها وتوقفوا على حضوره فنهض رحمه الله إليهم حتى حضر الفتح وأخرج رئيس النصارى فأمنه وأمن أصحابه وكانوا ثلاثمائة وستة أنفس وأما الغنيمة فقد أحرزها المجاهدون من أهل الفحص والريف الذين كانوا مرابطين عليها مع القائد عمر بن حدو البطوئي ورجع السلطان إلى مكناسة بعد أن أنزل بالمهدية طائفة من عبيد السوس لعمارتها وسد فرجتها وحضر هذا الفتح جماعة من متطوعة أهل سلا منهم الولي الصالح أبو العباس سيدي أحمد حجي من صلحائها المشهورين بها واعلم أن السور العادي الذي اليوم بالمهدية هو من بناء البرتغال أيام استيلائهم عليها في دولة الوطاسيين كما مر ولما فرغ المجاهدون من أمر المهدية ارتحلوا مع أميرهم عمر بن حدو فأصابه الوباء فمات في الطريق وتولى رئاسة المجاهدين أخوه القائد أحمد بن حدو تقسمها هو والقائد أبو الحسن علي بن عبد الله الريفي وكان أولاد الريفي هؤلاء من الشهرة في الجهاد والمكانة في الشجاعة ومكائد الحرب بمنزلة أولاد النقسيس وأولاد أبي الليف وأضرابهم رحم الله الجميع ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وألف فيها غزا السلطان بلاد الشرق فنهب بني عامر ورجع إلى مكناسة وأمر بإخراج أهل الذمة من المدينة وبنى لهم حارة خارجها بالموضع المعروف ببريمة وكلف أهل تافيلالت الذين بفاس بالرحيل إلى مكناسة والسكنى بحارة اليهود القديمة التي أخليت فلم يزل أهل تافيلالت يذهبون أرسالا ويسكنونها بالكراء حتى ضاقت بهم ثم بلغه أن الترك قد خرجوا بعسكرهم واستولوا على بني يزناسن وعلى
دار ابن مشعل وأنهم قد مدوا يد الوفاق إلى ابن محرز وراسلوه وراسلهم وانبرم كلامهم معه على حرب السلطان وبلغه مثل ذلك من نائبه بمراكش فكتب إليه أن يحتاط في حراسة مراكش ويأخذ بالحزم في ذلك ويقيم في نحر ابن محرز إلى أن يرجع السلطان من غزو تلمسان ثم خرج رحمه الله بالعساكر لمصادمة الترك فوجدهم قد رجعوا إلى بلادهم لما بلغهم من خروج النصارى بشرشال فساروا إليهم وفتكوا فيهم فتكة بكرا وردوهم على أعقابهم صاغرين ورجع السلطان رحمه الله من وجهته وقد دخلت سنة أربع وتسعين وألف فسار على تفئته إلى مراكش فأراح بها ثم نهض منها إلى السوس فالتقى بابن أخيه المولى أحمد بن محرز في أواخر ربيع الثاني من السنة وقامت الحرب بينهما على ساق واستمر القتال نحوا من خمسة وعشرين يوما هلك فيها من الفريقين ما لا يحصى ودخل ابن محرز تارودانت فتحصن بها وكان الوقت وقت غلاء فضاق الأمر على أهل الحركة فجعلوا يهربون وكثر فيهم السجن والضرب والرد إليها في الحين ثم كان بينهما حرب أخرى هلك فيها خلق كثير نحو ألفين وجرح السلطان وجرح ابن محرز أيضا وذلك في أواسط جمادى الآخرة من السنة واستمر الحال على ذلك إلى رمضان من السنة قال أبو عبد الله أكنسوس حدثني بعض الثقات أن السلطان المولى إسماعيل رحمه الله لما أعياه أمر ابن أخيه المذكور أصبح ذات يوم دهشا كئيبا فقال لوزيره الفقيه أبي العباس اليحمدي إني رأيت في هذه الليلة رؤيا أحزنتني إلى الغاية فقال وما هي يا مولانا وعسى أن تكون خيرا قال رأيت كأن هذه الجنود التي معنا ما بقي منها أحد ولم يبق إلا أنا وأنت مختفيين في غار مظلم فسجد الوزير اليحمدي شكرا لله تعالى وأطال السجود ثم رفع رأسه وقال أبشر يا مولانا فقد نصرنا الله على هذا الرجل فقال له السلطان ومن أين لك ذلك فقال له من قوله تعالى @QB@ ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا @QE@ التوبة 40 قال عليه الصلاة والسلام فما ظنك باثنين الله ثالثهما فسر السلطان بذلك غاية السرور وانسرى عنه ما كان يجده من الغم وعلم أن رؤياه بشارة من الله تعالى له وعلى أثر ذلك وقع الصلح بينهما في رمضان ورجع السلطان إلى حضرته فدخلها في أواخر ذي القعدة من السنة المذكورة
امتحان القضاة والسبب فيه
قال العلامة القادري في الأزهار الندية وفي هذه السنة أعني سنة أربع وتسعين وألف أمر السلطان بالقبض على جميع القضاة وامتحنوا ووصفوا بالجهل وسجنوا في مشور فاس الجديد حتى يتعلموا ما لابد منه من أحكام ما هم مدفوعون إليه ثم أخرجوا أيام المولد الكريم إلى مكناسة فهددوا بها أيضا حتى أمر بحبس بعضهم أو قبله ثم أطلقوا معزولين اه قال أكنسوس ولعل المراد بهم قضاة البوادي ومن في معناهم قلت ولم أر في الأزهار شيئا من هذا ولعله في نسخة الأصل لأنهم ذكروا أنهما نسختان إحداهما مختصرة من الأخرى والله أعلم
غزو البربر وبناء القلاع بإزاء معاقلهم
ثم دخلت سنة خمس وتسعين وألف فيها خرج السلطان في العساكر إلى جبال فزاز لحرب صنهاجة من البربر الذين هنالك فلما سمعوا بخروج السلطان انهزموا إلى ملوية فدخل السلطان بلادهم واختط قلعة بعين اللوح بسفح جبلهم ثم نزل بعين آصرو فأمر ببناء قلعة هنالك بسفح الجبل أيضا ثم تبع آثارهم إلى أن دخلوا جبل العياشي وتربص رحمه الله بملوية إلى أن دخل فصل الشتاء وكان قصده بذلك التربص إتمام سور القلعتين ولما عزم على الرجوع أنزل بقلعة آصرو ألف فارس وبقلعة عين اللوح خمسمائة فارس فأخذوا بمخنقهم واستراح الناس من عيثهم ببسيط سائس ولما منعوا من السهل وانقطعت عنهم الميرة وقلت الأقوات خشعوا ونزل وفدهم فقدموا مكناسة على السلطان تائبين فأمنهم على شرط دفع الخيل والسلاح والاشتغال بالحرث والنتاج فدفعوها عن يد وهم صاغرون وهؤلاء هم آيت ادراسن فأعطاهم السلطان رحمه الله عشرين ألفا من الغنم ألزمهم برعايتها وحفظها وأسقط عنهم الوظائف فصلحت أحوالهم وصاروا في كل عام يدفعون صوفها وسمنها ويزيدهم الغنم إلى أن بلغ عددها ستين ألفا وقلت شوكتهم وذهب بأسهم
فتح طنجة
قد تقدم لنا أن طنجة صارت إلى جنس النجليز من يد البرتغال واستمرت بيده إلى سنة خمس وتسعين وألف فعقد السلطان المولى إسماعيل رحمه الله للقائد أبي الحسن علي بن عبد الله الريفي على جيش المجاهدين ووجهه لحصار طنجة فضيقوا على من بها من النصارى وطاولوهم إلى أن ركبوا سفنهم وهربوا في البحر وتركوها خاوية على عروشها وذلك في ربيع الأول سنة خمس وتسعين وألف قاله في النزهة وقال في البستان لما ضاق الأمر على النصارى الذين بطنجة وطال عليهم الحصار خربوها وهدموا أسوارها وأبراجها وركبوا سفنهم وتركوها فدخلها المسلمون من غير طعن ولا ضرب وشرع قائد المجاهدين علي بن عبد الله الريفي في بناء ما تهدم من أسوارها ومساجدها في فاتح جمادى الأولى من السنة قلت وأعقاب هذا القائد لا زالوا اليوم بطنجة وكثيرا ما تكون فيهم الرياسة هنالك ثم اتفق أن نشب بقرب ساحلها مركب قرصاني جاء مددا لأهل سبتة فيه أموال وبضائع فحارب المسلمون أهله عليه واحتووا على ما فيه وألزم السلطان قبيلة غمارة بجر مدافعه النحاسية إلى مكناسة وأرسل الرماة من أهل فاس لجرها أيضا فأتوا بها لأربعين يوما والله غالب على أمره
غزو البربر ثانيا وبناء القلاع في نحورهم
ثم دخلت سنة ست وتسعين وألف فيها خرج السلطان غازيا بلاد ملوية وجعل طريقه على مدينة صفرو ففرت قبائل البربر إلى رؤوس الجبال وهم آيت يوسي وشغروسن وأيوب وعلاهم وقادم وحيون ومديونة فأمر السلطان ببناء قلعة بآعليل وأخرى على وادي كيكو من أسفله وأخرى على وادي سكورة وأخرى على وادي تاشواكت ثم خرج السلطان بملوية ففرت القبائل المذكورة إلى جبل العياشي وتفرقوا في شعابه فأمر ببناء قلعة بدار الطمع وقلعة بتاببوست وقلعة بقصر بني مطير وقلعة بوطواط وقلعة بالقصابي وأقام على نهر ملوية يبث السرايا ويشن الغارات على البربر قريبا من سنة والعمل مستمر في بناء القلاع إلى أن أكملت أسوارها وأنزل رحمه الله بكل قلعة أربعمائة من خيل العبيد بعيالهم وجاءته وفود البربر تائبين طائعين فأمنهم على شرط دفع الخيل والسلاح فدفعوها وصفا له رحمه الله هذا الربع الشرقي من جبل درن والله ولي التوفيق بمنه
مقتل المولى أحمد بن محرز وفتح تارودانت وما يتصل بذلك
وفي هذه السنة أعني سنة ست وتسعين وألف بلغ السلطان المولى إسماعيل رحمه الله وهو بمكناسة أن أخاه المولى الحران وابن أخيه المولى أحمد بن محرز قد دخلا قصبة تارودانت واستحوذا على تلك الجهات فنهض إليهما ووالى السيرحتى أناخ بكلكله على تارودانت وحاصرهما بها أياما فاتفق أن ابن محرز خرج ذات يوم في جماعة من عبيده لزيارة بعض الأولياء فلقيه جماعة من زرارة أصحاب السلطان فلم يعرفوه وظنوا أنه بعض قواد ابن محرز فشدوا عليه فماصعهم هنيئة ثم قتلوه فإذا هو ابن محرز ولما اتصل الخبر بالسلطان خرج حتى وقف عليه فعرفه وأمر بتجهيزه ودفنه فدفن مع الغرناطي أحد قواد الجيش وكان قد قتل ذلك اليوم وكان مقتل المولى أحمد رحمه الله في أواسط ذي القعدة سنة ست وتسعين وألف بعد تشغيبه على السلطان أربع عشرة سنة ثم بعد أيام خرج أهل تارودانت ليلا إلى قبر المولى أحمد فنبشوه ونبشوا قبر الغرناطي لأنه كان قد التبس عليهم به فاستخرجوهما معا حتى عرفوا المولى أحمد فحملوه في تابوته وتركوا الغرناطي على شفير قبره واستمر المولى الحران محصورا بتارودانت والحرب قائمة على ساق إلى أن دخلت سنة سبع وتسعين وألف فكانت حرب هلك فيها نحو الستمائة نفس من الجند منهم القائد زيتون والباشا حمدان وغيرهما ثم كانت حرب أخرى أعظم من الأولى ثم ثالثة كذلك هلك فيها القائد أبو زيد عبد الرحمن الروسي وتولى مكانه ابن الغرناطي واستمر الحال بها إلى جمادى الأولى من سنة ثمان وتسعين وألف فاقتحم السلطان تارودانت عنوة بالسيف واستباحها واستولى عليها وفر المولى الحران إلى حيث أمن على نفسه ولما اتصل خبر الفتح بأهل فاس عينوا وفدا من كبرائهم وأشرافهم وغلمائهم فقدموا على السلطان بقصد التهنئة يقدمهم ولده المولى محمد بن إسماعيل فأكرم وفادتهم وخرج أولاد النقسيس من سبتة وكانوا قد لجؤوا إليها بعد مقتل الخضر غيلان فقدموا على السلطان بعسكره من تارودانت فأمر بردهم إلى تطاوين وقتلهم بها وأمر بقتل من كان منهم مسجونا بفاس فقتلوا أجمعون رحمهم الله ثم دخلت سنة تسع وتسعين وألف فيها قفل السلطان من السوس فدخل دار ملكه مكناسة واستقر بها وبعث إلى عامل فاس أن يخرج من بها من أهل الريف إلى تارودانت بقصد عمارتها والسكنى بها وفي خامس جمادى الأولى من السنة استدعى السلطان فقهاء فاس لحضور ختم التفسير عند قاضيه أبي عبد الله المجاصي فحضروا وأكرمهم ووصلهم
غزو برابرة فازاز وبناء قلعة آدخسان
لما تهيأ السلطان رحمه الله لغزو أهل جبل فازاز نهض إليهم وصعد الجبل من الناحية الغربية فأول من قدم عليه من برابرته بالطاعة زمور وبنو حكم فولى عليهم رئيسهم بايشي القبلي فاستصفى منهم الخيل والسلاح ثم تجاوزهما إلى المال فاستصفاه أيضا وجمع ذلك كله وقدم به على السلطان وهو ببسيط آدخسان فقدمه إليه فأنكر السلطان عليه ذلك وقال له ما حملك على ما فعلت ولم آمرك به فقال له يا مولانا إن كان غرضك في صلاحهم وفلاحهم فهو الذي فعلت لك ولهم وإن سرت معهم بغير هذا أتعبوك وأتعبوا أنفسهم وإنما طهرتهم من الحرام ليشتغلوا باكتساب الحلال فإنه ينمو ويزكو فاستحسن السلطان قوله وأمضى فعله وأقام رحمه الله بآدخسان يحارب آيت ومالو سنة كاملة حتى بنى قلعة آدخسان الجديدة بمحل القديمة التي كان بناها أمير المسلمين يوسف بن تاشفين رحمه الله وخربت ولما دخل فصل الشتاء أنزل بالقصبة ألفا وخمسمائة فارس من عبيد أهل دكالة الذين كانوا بوجه عروس نقلهم إليها بأولادهم وأنزل بزاوية أهل الدلاء ألفا وخمسمائة فارس من عبيد الشاوية الذين كانوا بوجه عروس أيضا نقلهم بعيالهم وأمرهم بحصار البربر ومنعهم من النزول للمرعى والحرث ونحوهما ثم قفل إلى مكناسة قال صاحب البستان وهو أبو القاسم الصياني وفي هذه المرة نقل معه جدنا الفقيه الأستاذ أبا الحسن علي بن إبراهيم بأولاده إلى مكناسة وسبب ذلك أنه لما نزل بآدخسان واجتمع عليه الأشراف الذين باركوا قال لهم دلوني على رجل صاحب فقه ودين يؤمني في الصلوات فقالوا له ليس بهذا الجبل أتقى من سيدي علي بن إبراهيم فأتوا به فكان إمامه في المحلة ولما قفل أخذه معه قال فهذا سبب انتقال جدنا من آركو إلى الحضر اه
بيان تربية أولاد عبيد الديوان وكيفية تأديبهم
قد قدمنا أن جمهور عبيد البخاري كانوا بالمحلة من مشرع الرملة وأنهم تناسلوا بها وكثروا إلى الغاية فلما كانت سنة مائة وألف أمر السلطان رحمه الله أولئك العبيد أن يأتوه بأبنائهم وبناتهم من عشر سنين فما فوق فلما قدموا عليه فرق البنات على عريفات داره كل طائفة في قصر للتربية والتأديب وفرق الأولاد على البنائين والنجارين وسائر أهل الحرف للعمل والخدمة وسوق الحمير والتدرب على ركوبها حتى إذا أكملوا سنة نقلهم إلى سوق البغال الحاملة للآجر والزليج والقرمود والخشب ونحو ذلك حتى إذا أكملوا سنة نقلهم إلى خدمة المركز وضرب ألواح الطابية حتى إذا أكملوا سنة نقلهم إلى المرتبة الأولى في الجندية فكساهم ودفع إليهم السلاح يتدربون به على الجندية وطرقها حتى إذا أكملوا سنة دفع إليهم الخيل يركبونها أعراء بلا سروج ويجرونها في الميدان للتمرس بها والتدرب على ركوبها حتى إذا أكملوا سنة وملكوا رؤوسها دفع إليهم السروج فيركبونها بها ويتعلمون الكر والفر والثقافة في المطاعنة والمراماة على صهواتها حتى إذا أكملوا سنة بعد ذلك صاروا في عداد الجند المقاتلة فيخرج لهم السلطان البنات اللاتي قدمن معهم ويزوج كل واحد من الأولاد واحدة من البنات ويعطي الرجل عشرة مثاقيل مهر زوجته ويعطي المرأة خمسة مثاقيل شورتها ويولي عليهم واحدا من آبائهم الكبار ويعطي ذلك القائد ما يبني به داره وما يبني به أخصاص أصحابه وهي المعروفة عندنا بالنواويل ويبعث بهم إلى المحلة بعد أن يكتبوا في ديوان العسكر واستمر الحال هكذا ففي كل سنة يأتي من المحلة عدد صغير ويتوجه إليها من عند السلطان عدد كبير من سنة مائة وألف إلى أن توفي السلطان رحمه الله في التاريخ الآتي فبلغ عدد هذا العسكر البخاري مائة ألف وخمسين ألفا منها ثمانون ألفا مفرقة في قلاع المغرب لعمارتها وحراسة طرقها وسبعون ألفا بالمحلة وعدد القلاع التي بناها المولى إسماعيل رحمه الله بالمغرب ست وسبعون قلعة لا زالت قائمة العين والأثر بآفاق المغرب يعرفها الخاص والعام إلى الآن هكذا وجد في كناش كاتب الدولتين الرشيدية والإسماعيلية الفقيه أبي الربيع سليمان بن عبد القادر الزرهوني المتوفى بتارودانت سنة ثمان وثلاثين ومائة وألف وكان عنده دفتر العسكر كله سواء السواد الأعظم والمتفرق في قلاع المغرب قال صاحب البستان وأين هذا مما نقله المؤرخون على وجه الغرابة من أن الخليفة المعتصم بن رشيد رحمهما الله بلغ عدد مماليكه الذين اشتراهم والذين جلبهم من بلاد الترك ثمانية عشر ألفا قال وهذا العدد الذي جمعه أمير المؤمنين المولى إسماعيل رحمه الله من العبيد لو خاض به البحر إلى الأندلس وكانت تلك القلاع سفنا ومراكب جهادية لاستولى عليها والتوفيق من الله اه قلت وهو لعمري كلام مقبول لكن الإنسان مجبور في قالب مختار وتصاريف الأمور جارية بيد الله لا بيد غيره وما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهره الله فيه وقال الشاعر ( لا يعرف الشوق إلا من يكابده % ولا الصبابة إلا من يعانيها ) وقال الآخر ( لا تعذل المشتاق في أشواقه % حتى يكون حشاك في أحشائه ) وقال ( واذا ما خلا الجبان بأرض % طلب الطعن وحده والنزالا ) ومن أمثال العامة القاعد على الجرف محسن للسباحة هذا كله بالنظر إلى الحقيقة فأما الشريعة فقد قال تعالى @QB@ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل @QE@ الأنفال 60 الآية وعلى كل حال فلا يسوغ للإنسان أن يهمل الاستعداد المأمور به شرعا ويكل الأمر إلى القدر وإلا فيكون مخطئا مخالفا للشرع والطبع قال صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي ترك ناقته مرسلة أعقلها وتوكل وقال الشاعر ( على المرء أن يسعى لما فيه نفعه % وليس عليه أن يساعده الدهر ) اللهم إنا نسألك العفو والعافية والتوفيق واللطف فيما جرت به المقادير يانعم المولى ونعم النصير
فتح العرائش
وفي هذه السنة أعني سنة مائة وألف في آخر شوال منها سار القائد أبو العباس أحمد بن حدو البطوئي في جماعة من المجاهدين لحصار العرائش وكان الإصبنيول خذله الله قد استولى عليها على يد الشيخ بن المنصور السعدي كما مر فنزل القائد أبو العباس المذكور عليها وضيق على الكفار الذين بها وحاصرهم نحوا من ثلاثة أشهر ونصف كذا في النزهة وقال المؤرخ منويل إن مدة الحصار كانت خمسة أشهر قال وكان طاغية الفرنسيس وهو لويز الرابع عشر قد أعان المولى إسماعيل على فتح العرائش وحاصرها بحرا بخمس فراقط وقطع عنها المادة مدة ثم أقلع عنها ثم بعد ذلك كان الفتح قال في النزهة فتحها المسلمون بعد معاناة شديدة وذلك أنهم حفروا المينات تحت خندق سورها الموالي للمرسى وملؤوها بارودا ثم أوقدوها بالنار فنفطت وسقط جانب من السور فاقتحم المسلمون منه وتسلقوا إلى ما كان من النصارى على الأسوار فوقعت ملحمة عظيمة وفر باقيهم إلى حصن القبيبات الذي بناه المنصور السعدي واعتصموا به يوما وليلة فخامر قلوبهم الجزع وطلبوا الأمان فأمنهم القائد أبو العباس المذكور على حكم السلطان فنزلوا عليه فأخذوا أسارى بأجمعهم ولم يعتق منهم إلا أميرهم وحده وتم الفتح وذلك يوم الأربعاء الثامن عشر من المحرم سنة إحدى ومائة وألف وما في البستان وقلده صاحب الجيش أن نصارى العرائش اعتصموا بحصن القبيبات سنة كاملة خطأ لا يعول عليه وكان عدد نصارى العرائش قبل الاستيلاء عليهم ثلاثة آلاف ومائتين
ولما ظفر بهم المسلمون أسروا منهم نحو ألفين وقتلوا منهم اثنتي عشرة مائة ووجد بها من البارود والعدة ما لا يحصى كثرة فمن المدافع نحو مائة وثمانين منها اثنان وعشرون من النحاس والباقي من الحديد ومنها مدفع يسمى الغصاب طوله خمسة وثلاثون قدما بالحساب ووزن كرته خمسة وثلاثون رطلا بحيث حلق عليه بقرب خزانته أربعة رجال كذا سمع من المشاهدين لذلك بعد السؤال كذا في النزهة قال منويل في كتابه إن النصارى ما أسلموا أنفسهم حتى شرطوا شروطا معتبرة لكن السلطان نكث اه قلت حكى أبو القاسم العميري في فهرسته ما حاصله أن نصارى العرائش ادعوا أن الفتح المذكور إنما كان صلحا وتأمينا لا عنوة ثم لما طال النزاع في ذلك أمر السلطان قاضي حضرته المكناسية أبا عبد الله محمد المعروف بأبي مدين ببيان الحكم في ذلك فأجاب جوابا طويلا حرر فيه حكم الشريعة المحمدية بما لاغاية فوقه وحكم على أولئك النصارى بالأسر وقد ذكر ذلك بتمامه في الفهرسة المذكورة فلينظر هنالك وأمر السلطان رحمه الله بإشخاص أولئك النصارى إلى مكناسة الزيتون وكانوا ألفا وثمانمائة على ما في البستان فكان يستخدمهم مع غيرهم من المساجين والأسرى في بناء قصوره بالنهار ويبيتون ليلا في الدهليز وهو في عرف المغاربة هري تحت الأرض وأسكن السلطان رحمه الله أهل الريف العرائش وأمر قائدهم أن يبني بها مسجدين وحماما ويبني داره بقلعتها وفي فتح العرائش أنشد الخطيب البليغ أديب فاس ومفتيها أبو محمد عبد الواحد بن محمد الشريف البوعناني فقال ( ألا أبشر فهذا الفتح نور % قد انتظمت بعزكم الأمور ) ( وطير السعد نادى حيث غنى % قد انشرحت بفتحكم الصدور ) ( وضوء النصر ساعده التهاني % ونور الفخر نحوكم يدور ) ( وقد وافتكم الخيرات طرا % وطاب العيش واتصل السرور ) ( حميتم بيضة الإسلام لما % بعين الحق قد حرس الثغور ) ( وجاهدتم وقاتلتم فأنتم % لدين الله أقمار تنير ) ( وأطلعتم صوارمكم نجوما % لدى هيجاء صاحبها كفور ) ( فأنت البدر يوم السلم حسنا % في يوم الوغا الأسد الهصور ) ( وفي ثغر العرائش قد تبدى % لقد ركم على الشعرى الظهور ) ( لقد كان الملوك فساوموها % وراموها وبان لها نفور ) ( فلما جاءها انقادت وقالت % إليك بحق مولانا المصير ) ( ملكت قياد عزتها بذل % فما أغنى الحصار ولا العبور ) ( قهرتم بأبطال ضخام % على الهيجاء كلهم جسور ) ( فكم رأس من الكفار أمسى % قطيع الرأس مجرورا يخور ) ( وكم نحر قلادته رماح % وسن الرمح مركزه النحور ) ( وكم أسرى وكم قتلى بأرض % وكم جرحى دماؤهم تفور ) ( تمر بها الطيور فتنتقيها % وبات الذئب وهو لها شكور ) ( وأضحى الناس كلهم نشاوى % على طرب وما شربت خمور ) ( فبشراكم بهذا الفتح نور % وبشراكم بما من الغفور ) ( به زادت مآثركم علوا % وقد عظمت به لكم الأجور ) ( ألا يا معشر الكفار هذا % يبددكم وليس له فتور ) ( ألا يا أهل سبتة قد أتاكم % بسيف الله سلطان وقور ) ( إذا ما جاء سبتة في عشي % تناديه إذا كان البكور ) ( ووهران تنادي كل يوم % متى يأتي الإمام متى يزور ) ( متى يأتي ويفتحها سريعا % ويلحق أهلها منه ثبور ) ( فيهزمهم ويقتلهم ويسبي % وسيف الحق في يده ينور ) ( أيا مولاي قم وانهض وشمر % لأندلس فأنت لها الأمير ) ( وجاهدهم وحاربهم وفرق % جموعهم فربكم النصير ) ( ولا يمنع بفضل الله منها % كما قد قيل بر أو بحور ) ( لسان الحال ينشد كل يوم % ومعنى الحال تفهمه الصدور ) ( بقرطبة تنال المجد طرا % ويأتي العز والملك الكبير ) ( وذلكم بعون الله سهل % ومن بركاتكم أمر يسير ) ( أيا مولاي إسماعيل هذا % عبيدكم الضعيف المستجير ) ( يناديكم بناديكم ويدعو % دعاء لا تعييه الدهور ) ( فيارب البرية ياإلهي % ويا رحمن يا نعم المجير ) ( أثب هذا الأمير بكل خير % ولا تجعل تجارته تبور ) ( وأبق الملك فيه وفي بنيه % ولو كرهت زيود أو عمور ) ( ونحن رعية نرجو هناء % وبالسلطان تنتظم الأمور ) ( عليكم من عبيدكم سلام % مدى الدنيا يضمخه العبير ) ( يعم جنابكم ما قال صب % ألا أبشر فهذا الفتح نور ) وقال في ذلك الفقيه العالم الورع الشيهر أبو محمد عبد السلام بن حمدون جسوس رحمه الله ( رفعت منازل سبتة أقوالها % تشكو إليكم بالذي قد هالها ) ( مع بادس وبريجة فتعطفوا % وتنبهوا كي تسمعوا تساءلها ) ( يابن النبي الهاشمي محمد % قل يا أمير المؤمنين أنا لها ) ( فلقد قضيتم للعرائش حاجة % مع طنجة فاقضوا لذي آمالها ) ( عار عليكم أن تكون أسيرة % بجواركم وجنودكم تغزى لها ) ( إن لم تكونوا آخذين بثأرها % من ذا يفك من الوثاق حبالها ) ( لا تسمعن من جاهل ومثبط % ومصعب من جهله أحوالها ) ( إن الذين تقدموا قد جاهدوا % بنفوسهم وبمالهم أمثالها ) ( فتملكوا أملاكها وديارها % وتقسموا أموالها ورجالها ) ( فابعث لها أهل الشجاعة عاجلا % حتى تراهم نازلين جبالها ) ( وأمدهم بمؤونة ومعونة % كيفما تقطع بالعدا أوصالها ) ( وارفع لهذا الغرب رأسا إنه % في الضعف ما دام العدا أنزالها ) ( أبقاك ربي للخلافة عدة % تقفو الشريعة مؤثرا أفعالها ) ( واقبل هدية من أتى بنصيحة % يبغي الثواب ولا تقل من قالها ) وقال في ذلك الشريف الأديب أبو محمد عبد السلام بن الطيب القادري
( علا عرش دين الله من كل العرائش % وهد بنصر الله قصر العرائش ) وهي طويلة انظرها في نشر المثاني إن شئت ثم في الثاني والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة نهى السلطان عن لبس النعال السود ونادى في سائر أمصار المغرب وأمر بلبس النعال الصفر مكانها لما قيل من أن الناس اتخذوا النعال السود منذ استولى النصارى على العرائش على يد المأمون السعدي كما تقدم وفي أوائل ذي الحجة من هذه السنة قتل السلطان ثلاثة وستين رجلا من الطائفة المسمون بالعكاكزة
فتح آصيلا
ولما فرغ المجاهدون من أمر العرائش عمدوا إلى مدينة آصيلا فنزلوا عليها وحاصروا النصارى الذين بها سنة كاملة وأظنهم الإصبنيول إلى أن بلغ بهم الحصار كل مبلغ فطلبوا الأمان فأمنوهم على حكم السلطان ولما لم يطمئنوا لذلك ركبوا من الليل سفنهم ونجوا إلى بلادهم ودخل المسلمون المدينة فملكوها وذلك سنة اثنتين ومائة وألف وعمرها أهل الريف أيضا وبنى بها قائدهم مسجدين ومدرسة وحماما وبنى داره بقلعتها والله أعلم
حصار سبتة
ثم سار المجاهدون بعد الفراغ من آصيلا إلى سبتة فنزلوا عليها وحاصروها واستأنفوا الجد في مقاتلتها وامدهم السلطان بعسكر من عبيده وأمر قبائل الجبل أن تعين كل قبيلة حصتها للمرابطة على سبتة وكذلك أمر أهل فاس أن يبعثوا بحصتهم إليها فكان عدد المرابطين عليها خمسة وعشرين ألفا وتقدم السلطان إليهم في الجد والاجتهاد فكان القتال لا ينقطع عنها صباحا ومساء وطال الأمد حتى أن السلطان رحمه الله اتهم القواد الذين كانوا على حصارها بعدم النصح في افتتاحها لئلا يبعث بهم بعدها إلى حصار البريجة فيبعدوا عن بلادهم مع أنهم قد سئموا كثرة الأسفار ومشقات الحروب واستمر الحال إلى أن مات القائد أبو الحسن علي بن عبد الله الريفي وولى بعده ابنه القائد أبو العباس أحمد بن علي والقتال لا زال والحال ما حال وفي كل سنة يتعاقب الغزاة عليها والسلطان مشتغل بتمهيد المغرب ومقاتلة برابرة جبل فازاز وغيرهم ولم يهيىء الله فتحها على يديه ودار القائد أحمد بن علي ومسجده اللذان بناهما بإزاء سبتة أيام الحصار لا زالا قائمي العين والأثر إلى اليوم وحكى الغزال في رحلته أنه رأى بأحد أبواب سبتة خرقا قديما لم يصلح فسأل أهلها عنه فقالوا إنه من أثر الرمي الذي كان يرميه الجيش الإسماعيلي وهو أثر كرة خرقت الباب ونفذت إلى داخل البلد وتركناه على حاله ليعتبر به من يأتي بعدنا ويزداد احتياطا وحزما أو كلاما هذا معناه والله تعالى أعلم
غزو السلطان المولى إسماعيل برابرة فازاز وإيقاعه بهم
كان السلطان المولى إسماعيل رحمه الله في هذه المدة مشتغلا بتمهيد المغرب واستنزال أممه من معاقلهم إلى أن فتح أقطاره كلها وبنى قلاعها ورتب حاميتها ولم يبق له بالمغرب كله إلا قنة جبل فازاز الذي فيه آيت ومالو وآيت يف المال وآيت يسرى فعزم على النهوض إليه وافتضاض عذرته ولما أراد الخروج إليهم استخلف على فاس الجديد كبير أولاده المولى أبا العلاء محرزا وبعث إلى مراكش ابنه المولى أبا اليمن المأمون وترك بمكناسة ابنه المولى محمد المدعو زيدان وكان فارس أولاده الموجودين يومئذ ولما ولي المأمون على مراكش أمر برئيس الحضرة وإمام الكتاب الفقيه أبا العباس أحمد اليحمدي أن يعطيه التقليد ويوصيه بما تنبغي الوصاية به
وكان المولى المأمون منحرفا عن الوزير المذكور فمشى إليه على كره منه وحاز منه التقليد واستمع لوصيته امتثالا لأمر والده ثم عاد إليه وقال يا مولانا إن اليحمدي ينقصك ويزعم أنه الذي علمك دينك في كلام آخر فقال له السلطان رحمه الله والله إن كان قد قال ذلك إنه لصادق فإنه الذي علمني ديني وعرفني بربي نقل هذه الحكاية صاحب البستان وصاحب الجيش وكلاهما قال إنه سمعها من السلطان المرحوم المولى سليمان بن محمد رحمه الله وهي منقبة فخيمة للمولى إسماعيل في الخضوع للحق والاعتراف به رحم الله الجميع ثم دخلت سنة ثلاث ومائة وألف والسلطان عازم على النهوض إلى فازاز وبعث مع ذلك بالراتب والعدة إلى أهل فاس وأمرهم بالنهوض إلى الترك مع ولده المولى زيدان فخرجوا في رمضان من السنة وبعد العيد أخذ السلطان في الاستعداد للنهوض إلى فازاز ثم بدا له فخرج في أثر المولى زيدان فلحق بأطراف المغرب الأوسط وأبرم الصلح مع الترك ورجع إلى الحضرة هكذا ساق صاحب البستان هذا الخبر والذي رأيته في نشر المثاني هو ما نصه قد اختار السلطان المولى إسماعيل الفقيه أبا عبد الله محمد الطيب الفاسي لعقد المهادنة مع الترك في حدود سنة ثلاث ومائة وألف بعد وقعة المشارع معهم لعلمه وفصاحته وبيته فذهب نحو الجزائر صحبة ولد السلطان وهو مولاي عبد الملك ومعهم الكاتب أبو عبد الله المدعو الوزير وغيرهم من وجوه الدولة الإسماعيلية فلما قاربوا الجزائر خرج صاحبها في جنده وقتل ونهب حتى انتهى الخبر إلى فاس بأنهم قتلوا أجمع وصادف ذلك يوم عاشوراء فحزن الناس لذلك وأمسكوا عن الإنفاق حتى بقي ما عهد أن يشتري في ذلك اليوم ملقى لما عرا الناس من الغم ثم جاء الخبر بأنهم قادمون بعافية وأنهم وصلوا إلى تازا ففرح الناس واستأنفوا الإنفاق كيوم عاشوراء ومات بايشي القبلي فولى السلطان علي زمور وبني حكم ولده أبا الحسن علي بن يشي ثم دخلت سنة أربع ومائة وألف وفيها تهيأ السلطان للنهوض إلى البربر
أهل فازاز فاستنفر القبائل وحشد الجيوش واستعد الاستعداد التام بالمدافع والمهاريس والمجانيق وسائر آلات الحصار فنزل رحمه الله في جند العبيد ببسيط آدخسان ورتب على البرابر العساكر من كل جهة فبعث الباشا مساهلا في خمسة وعشرين ألفا من الرماة طلع بها من تادلا على وادي العبيد حتى نزل خلف آيت يسري وبعث علي بن بركات مع آيت يمو وآيت أدراسن فنزلوا بتغالين وبعث علي بن يشي مع زمور وبني حكم وأمره أن ينزل بعين شوعة وبعث إلى أهل تدغة وفركلة وغريس والصباح أن يقدموا بجموعهم على علي بن يشي وبعث إليه مع ذلك بعسكر الطبجية بالمدافع والمهاريس وسائر آلات الحرب وبعث نصارى العرائش يجرونها على طريق آعليل ثم على قصر بني مطير إلى أن اجتمعوا بعلي بن يشي على عين شوعة وضرب السلطان لأمراء الجنود لإنشاب الحرب موعدا معلوما وقال لهم إذا كان وقت العشاء من ليلة كذا فليأخذ الطبجية في إخراج المدافع والمهاريس بالكور والبنب طول ليلتهم ليحصل للبربر الدهش فإذا أصبحتم فليقدم كل قائد من ناحيته ولينشب الحرب ليكون القتال في ساعة واحدة من جميع الجهات ففعلوا ما أشار به عليهم ولما كانت الليلة المعينة لم يرع البربر إلا رعود المدافع والمهاريس تصعق في الجو ونيرانها تنقدح في ظلمات الليل وأصداء الجبال تتجاوب من كل ناحية فقامت عليهم القيامة وظنوا أن الأرض قد زالت بهم فقوضوا أبنيتهم وحملوا عيالاتهم للفرار وصاروا لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ولما أصبحوا زحف إليهم السلطان من ناحيته وزحفت إليهم العساكر من باقي الجهات واشتد القتال فانهزموا وتفرقوا في الشعاب والأودية شذر مدر وصار كل من قصد منهم ثنية أو منفذا وجد العساكر مقبلة منها والمدافع مصوبة نحوها فحل بهم القضاء وتصرف فيهم البلاء كيف شاء فقتلت رجالهم وسبيت نساؤهم وأولادهم ونهب أثاثهم وحيزت مواشيهم وأنعامهم واستلبت خيلهم وسلاحهم واستحر القتل والنهب فيهم
ثلاثة أيام والعساكر تلتقطهم من الأودية والشعاب وتستخرجهم من الكهوف والغيران وأمر السلطان قواده مساهلا وعلي بن يشي وعلي بن بركات بجمع رؤوس القتلى وجمع الخيل والسلاح ويوافوه به لآدخسان فجمعوا ما عثروا عليه من ذلك فكان عدد الرؤوس ينيف على اثني عشر ألفا وعدد الخيل الفحول ينيف على عشرة آلاف وعدد المكاحل ينيف على ثلاثين ألفا وبالاستيلاء على هؤلاء البربر كمل للسلطان المولى إسماعيل رحمه الله فتح المغرب واستولى عليه كله ولم يبق به عرق ينبض وكتب في الديوان من آيت يمور ألف فارس أنزلهم مع علي بن بركات بقلعة تغالين وأنزل محلتهم على رأس منزل آيت ومالو ولم يترك لقبيلة من قبائل المغرب خيلا ولا سلاحا وإنما كانت الخيل والسلاح عند العبيد والودايا وآيت يمور وأهل الريف المجاهدين بسبتة قال أبو عبد الله أكنسوس رحمه الله وكان المولى إسماعيل رحمه الله ارتكب أخف الضررين وأدنى المفسدتين في إضعاف قبائل المسلمين بسلب الخيل والسلاح مع أن المطلوب هو تقويتهم بذلك لمقابلة العدو الكافر قال تعالى @QB@ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل @QE@ الانفال 60 الآية ورأى المولى إسماعيل أنه لما أعد ذلك العسكر القوي الشديد قام عن المسلمين بواجب وكفاهم كل مؤنة وأراحهم من كلفة القيام بالخيل والسلاح مع أن الفساد الذي يظهر منهم عند ملك الخيل والسلاح أعظم وذلك بقطع الطرقات ونهب الأموال وخلع اليد من الطاعة قال وهذا القدر الذي اعتذرنا به عن السلطان ظاهر غاية الظهور ولعله خفي على الشيخ اليوسي حتى كتب إليه برسالته المشهورة ا ه قلت ما فعله السلطان المولى إسماعيل رحمه الله من ذلك ظاهر المصلحة لا يخفى على أحد وجد استحسانه ولا يتوهم عاقل أن أهل فازاز ومن في معناهم يتخذون الخيل والسلاح للجهاد يوما ما فلا يحتاج السلطان رحمه الله في مثل ذلك إلى الاعتذار وقوله أن ذلك الاعتذار خفي على اليوسي ليس على ما ينبغي لأن الشيخ اليوسي رحمه الله ما تكلم مع السلطان في أمر أولئك القبائل ومن في معناهم وإنما كلامه معه في أمور ثلاثة الأول في جباية المال من وجهه وصرفه في وجهه الثاني في إقامة رسم الجهاد وشحن الثغور كلها بالمقاتلة والسلاح الثالث في الأنتصاف من الظالم للمظلوم وكف اليد العادية عن الرعية ونص هذه الرسالة الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين قطب المجد ومركزه ومحاز الفخر ومأرزه وأساس الشرف الباذخ ومنبعه ومناط الفضل الشامخ ومجمعه السلطان الأعظم الأجل الآفخم مولانا إسماعيل ابن مولانا الشريف لا زالت أعلامه منصورة وأيامه على العز واليمن مقصورة سلام على سيدنا ورحمة الله وبركاته هذا ولا زائد عندنا سوى المحبة لسيدنا وغاية التعظيم والإجلال والدعاء لسيدنا بصالح الأحوال وذلك بعض ما أوجبته يده المبسوطة علينا بالبر والإحسان والفضل والامتنان والتوقير والاحترام والإنعام والإكرام مع ما له علينا وعلى غيرنا من الحقوق التي أوجبتها منزلته السلطانية ومثابته الطوقية الفاطمية فكتبنا هذه البطاقة وهي في الوقت منتهى الطاقة وكنا كثيرا ما نرى من سيدنا التشوق إلى الموعظة والنصح والرغبة في استفتاح أبواب الربح والنجح فأردنا أن نرسل إلى سيدنا ما أن وفق إلى النهوض إليه رجونا له ربح الدنيا والآخرة والارتقاء إلى الدرجات الفاخرة ورجونا وإن لم نكن أهلا لأن نعظ أن يكون سيدنا أهلا لأن يتعظ وأن يحتمي من جميع المذام ويحتفظ فليعلم سيدنا أن الأرض وما فيها ملك لله تعالى لا شريك له والناس عبيد الله سبحانه وإماء له وسيدنا واحد من العبيد وقد ملكه الله عبيده ابتلاء وامتحانا فإن قام عليهم بالعدل والرحمة والإنصاف والإصلاح فهو خليفة الله في أرضه وظل الله على عبيده وله الدرجة العالية عند الله تعالى وإن قام بالجور والعنف والكبرياء والطغيان والإفساد فهو متجاسر على مولاه في ملكته ومتسلط ومتكبر في الأرض بغير الحق ومتعرض لعقوبة مولاه الشديدة وسخطه ولا يخفى على سيدنا حال من تسلط على رعيته يروم تملكهم بغير إذنه كيف يفعل به يوم يتمكن منه ثم نقول إن على السلطان حقوقا كثيرة لا تفي بها البطاقة ولنقتصر منها على ثلاثة هي أمهاتها الأول جمع المال من حق وتفريقه في حق الثاني إقامة الجهاد لإعلاء كلمة الله وفي معناه تعمير الثغور بما تحتاج إليه من عدد وعدة الثالث الانتصاف من الظالم للمظلوم وفي معناه كف اليد العادية عليهم منهم ومن غيرهم وهذه الثلاثة كلها قد اختلت في دولة سيدنا فوجب علينا تنبيهه لئلا يعتذر بعدم الاطلاع والغفلة فإن تنبه وفعل فقد فاز وذلك صلاح الوقت وصلاح أهله وسبوغ النعمة وشمول الرحمة وإلا فقد أدينا الذي علينا أما الأمر الأول فليعلم سيدنا أن المال الذي يجبى من الرعية قد أعد للمصالح التي ينتظم بها الدين وتصلح الدنيا من أهل البيت والعلماء والقضاة والأئمة والمجاهدين والأجناد والمساجد والقناطر وغير ذلك من المصالح ومثال هؤلاء كأيتام لهم ديون قد عجزوا عن قبضها إلا بوكيل ومثال الرعية مثل المديان والسلطان هو الوكيل فإن استوفى الوكيل الدين بلا زيادة ولا نقصان وأداه إلى اليتامى يحسب ما يجب لكل فقد برىء من اللوم ولم تبق عليه تباعة للمديان ولا لليتيم وحصل له أجران أجر القبض وأجر الدفع وإن هو زاد على الدين الواجب بغير رضى المديان فهو ظالم له أو نقص اليتيم من حقه الواجب له فهو ظالم له وكذا إن استوفى الديون وأمسكها ولم يدفعها لأربابها فهو ظالم فلينظر سيدنا فإن جباة مملكته قد جروا ذيول الظلم على الرعية فأكلوا اللحم وشربوا الدم وامتشوا العظم وامتصوا المخ ولم يتركوا للناس دينا ولا دنيا أما الدنيا فقد أخذوها وأما الدين فقد فتنوهم عنه وهذا شيء شهدناه لاشيء ظنناه ثم إن أرباب الحقوق قد ضاعوا ولم تصل إليهم حقوقهم فعلى السلطان أن يتفقد الجباة ويكف أيديهم عن الظلم ولا يغتر بكل من يزين له الوقت فإن كثيرا من الدائرين به طلاب الدنيا لا يتقون الله تعالى ولا يتحفظون من المداهنة والنفاق والكذب وفي أفضل منهم قال جده أمير المؤمنين مولانا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه المغرور من غررتموه اه وأن يتفقد المصالح ويبسط يد الفضل على خواص الناس من أهل الفضل والدين والخير ليكتسب محبتهم وثناءهم ونصرهم كما قيل ( أفاتكم النعماء مني ثلاثة % يدي ولساني والضمير المحجبا ) وقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها ولا يهملهم فيتمنوا غيره ويتطلبوا دولة أخرى كما قيل ( إذا لم يكن للمرء في دولة امرىء % نصيب ولا حظ تمنى زوالها ) ( وما ذاك من بغض لها غير أنه % يريد سواها فهو يهوى انتقالها ) وليعلم سيدنا أن السلطان إذا أخذ أموال العامة ونثرها في الخاصة وشيد بها المصالح فالعامة يذعنون ويعلمون أنه سلطان وتطيب قلوبهم بما يرون من إنفاق أموالهم في مصالحهم وإلا فالعكس وأيضا السلطان متعرض للسهام الراشقة من دعوة المظلومين من الرعية فإذا أحسن إلى الخاصة دعوا له بالخير والسلامة والبقاء فيقابل دعاء بدعاء والله الموفق وأما الأمر الثاني فقد ضاع أيضا وذلك أنه لم يتأت في الوقت إلا عمارة الثغور وسيدنا قد غفل عنها فقد ضعفت اليوم غاية وقد حضرت بمدينة تطاوين أيام مولانا الرشيد رحمه الله فكانوا إذا سمعوا الصريخ تهتز الأرض خيلا ورماة وقد بلغني اليوم أنهم سمعوا صريخا من جانب البحر ذات يوم فخرجوا يسعون على أرجلهم بأيديهم العصي والمقاليع وهذا وهن في الدين وغرر على المسلمين وإنما جاءهم الضعف من المغارم الثقيلة وتكليفهم الحركات وإعطاء العدة كسائر الناس فعلى سيدنا أن يتفقد السواحل كلها من قلعية إلى ماسة ويحرضهم على الجهاد والحراسة بعد أن يحسن إليهم ويعفيهم مما يكلف به غيرهم ويترك لهم خيلهم وعدتهم ويزيدهم ما يحتاجون إليه فهم حماة بيضة الإسلام ويتحرى فيمن يوليه تلك النواحي أن يكون أشد الناس رغبة في الجهاد ونجدة في المضايق وغيرة على الإسلام ولا يولي فيها من همته ملء بطنه والاتكاء على أريكته والله الموفق وأما الأمر الثالث فقد اختل أيضا لأن المشعبين للانتصاف بين الناس في البلدان وهم العمال وخدامهم هم المشتغلون بظلم الناس فكيف يزيل الظلم من يفعله ومن ذهب يشتكي سبقوه إلى الباب فزادوا عليه فلا يقدر أحد أن يشتكي فليتق الله سيدنا وليتق دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب وليجهد في العدل فإنه قوام الملك وصلاح الدين والدنيا قال تعالى @QB@ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز @QE@ الحج 40 ثم ذكر تعالى المنصورين وشروط النصر فقال @QB@ الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر @QE@ الحج 41 فضمن تعالى للملوك النصر وشرط عليهم هذه الأمور الأربعة فمتى اختل عليهم أمر الرعية وتسلط عليهم من يفسد عليهم الدولة فليعلموا أن ذلك من إخلالهم بهذه الأمور فكان عليهم الرجوع إلى الله تعالى وتفقد ما أمرهم به ورعاية ما استرعاهم إياه وقد اتفقت حكماء العرب والعجم على أن الجور لا يثبت معه الملك ولا يستقيم وأن العدل يستقيم معه الملك ولو مع الكفر وقد عاش الملوك من الكفرة المئين من السنين في الملك المنتظم والكلمة المسموعة والراحة من كل منغص لما كانوا عليه من العدل في الرعية استصلاحا لدنياهم فكيف بمن يرجو صلاح الدنيا والدين قال بعض الحكماء الملك بناء والجند أساسه وإذا ضعف الأساس سقط البناء فلا سلطان إلا بجند ولا جند إلا بمال ولا مال إلا بجباية ولا جباية إلا بعمارة ولا عمارة إلا بالعدل فالعدل أساس الجميع وقد صنع أرسطوطاليس الحكيم للملك الإسكندر الشكل المستند عنه وكتب عليه العالم بستان سياجه الدولة الدولة سلطان تعضده السنة السنة سياسة يسوسها الملك راع يعضده الجيش الجيش أعوان يكفلهم المال المال رزق يجمعه الرعية الرعية عبيد يقودهم العدل العدل مألوف وبه صلاح العالم العالم بستان إلى آخره وقال صلى الله عليه وسلم كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته وقال صلى الله عليه وسلم إن رجالا يخوضون في مال الله بغير حق لهم النار يوم القيامة أو كما قال وقال صلى الله عليه وسلم ما من وال يلي ولاية إلا جاء يوم القيامة ويداه مغلولتان فأما عدل يفكه وأما جور يوبقه وعن مولانا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال رأيت عمر على قتب يعدو به بعيره بالأبطح فقلت يا أمير المؤمنين أين تسير فقال بعيره من إبل الصدقة شرد أطلبه فقلت أذللت الخلفاء من بعدك فقال لا تلمني فوالذي بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق لو أن عناقا ضلت بشاطىء الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة إنه لا حرمة لوال ضيع المسلمين ولا لفاسق روع المؤمنين وقد رأى رضي الله عنه شيخا يهوديا يسأل على الأبواب فقال ما أنصفناك أخذنا منك الجزية ما دمت شابا ثم ضيعناك اليوم وأمر أن يجري عليه قوته من بيت المال وليعلم سيدنا أن أول العدل أن يعدل في نفسه فلا يأخذ لنفسه من المال إلا بحق وليسأل العلماء عما يأخذ وما يعطي وما يأتي وما يذر وقد كان بنو إسرائيل يكون فيهم الأمير على يد نبي فالنبي يأمر والأمير ينفذ لا غير ولما كانت هذه الأمة المرحومة انقطعت منها النبوة بنبيها خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم فلم يبق إلا العلماء يقتدى بهم قال صلى الله عليه وسلم علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل فكان حقا على هذه الأمة أن يتبعوا العلماء ويتصرفوا على أيديهم أخذا وعطاء وقد توفي صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر رضي الله عنه وكان قبل ذلك يبيع ويشتري في السوق على عياله فلما بويع أخذ ماله الذي للتجارة وذهب للسوق على عادته حتى رده علماء الصحابة وقالوا إنك في شغل بأمر الخلافة عن السوق وفرضوا له ما يكفيه مع عياله وجعلوا المال على يد أمين فكان هو وغيره فيه سواء يأخذ منه بما اقتضته الشريعة لنفسه ولغيره وهكذا سيرة الخلفاء الراشدين من بعده فعلى سيدنا أن يقتدي بهؤلاء الفضلاء ولا يقتدي بأهل الأهواء وليسأل من معه من الفقهاء الثقات كسيدي محمد بن الحسن وسيدي أحمد ابن سعيد وغيرهما من العلماء العاملين الذين يتقون الله ولا يخافون في الله لومة لائم فما أمروه به مما ذكرناه ومما لم نذكره فعله وما نهوه عنه انتهى هذه طريقة النجاة إن شاء الله تعالى نسأل الله تعالى أن يرزق سيدنا توفيقا وتسديدا وإرشادا وتأييدا وأن يصلح بوجوده البلاد والعباد وأن يحسم بسيفه أهل الزيغ والعناد آمين والحمد لله رب العالمين ولما فرغ السلطان رحمه الله من وقعة فازاز وآيت ومالو دعا علي بن يشي وعقد له على عشرة آلاف من الخيل وقال له لا أرى وجهك إلا إذا أغرت على كروان وأتيتني منهم بعدد هذه الرؤوس التي هنا لأنهم كانوا بوادي زيز يعيثون في طريق سجلماسة وينهبون الرفاق فسار علي بن يشي حتى صبحهم وهم عارون فنهب حللهم ومواشيهم وقتل منهم العدد الكثير ثم نادى في تلك القبائل كلها من أتى برأس كرواني فله عشرة مثاقيل فصار كل من انحاز إليه أحد منهم يقطع رأسه ويأتي به إليه واستمر البحث عنهم في المدر والوبر إلى أن قضى من جماجمهم الوطر ولما اجتمعت عنده أعطى كل من أتى برأس مثقالا واحدا وجاء إلى السلطان باثني عشر ألف رأس كما اقترح عليه وفق ما اجتمع منها بآدخسان فشكر له فعله وولاه على قبائل العرب والبربر ودخلت سنة خمس ومائة وألف فلم يكن فيها شيء يذكر ثم دخلت سنة ست ومائة وألف ففي ربيع منه خرج المولى زيدان ابن السلطان بالعساكر قاصدا ناحية تلمسان بعد أن قتل النائب بفاس أبا العباس أحمد السلاوي فقاتل الترك ونهب ورجع ثم دخل سنة سبع ومائة وألف فلم يكن فيها شيء يذكر ثم دخلت سنة ثمان ومائة وألف ففي يوم عرفة منها قدم عشرة رجال من إصطنبول ومعهم كتاب من السلطان مصطفى بن محمد العثماني صاحب القسطنطينية العظمى إلى السلطان المولى إسماعيل يندبه إلى الصلح مع أهل الجزائر فانتدب رحمه الله وامتثل
أمر السلطان المولى إسماعيل علماء فاس بالكتابة على ديوان العبيد وامتناعهم منها وما نشأ عن ذلك
وفي ذي القعدة من هذه السنة أعني سنة ثمان ومائة وألف ورد كتاب من حضرة السلطان على القاضي والعلماء بفاس يعاتبهم ويوبخهم على عدم موافقتهم على تمليك العبيد المثبتين في الديوان ثم ورد كتاب آخر من السلطان يمدح العامة ويذم العلماء ويأمر بعزل القاضي والشهود كذا في البستان قال أبو عبد الله أكنسوس هذا الكلام الذي نقله صاحب البستان عن السلطان المولى إسماعيل رحمه الله فيه نظر فإنه كلام مجمل وقضية جمع العبيد مذكورة مفصلة في الكناش الكبير الإسماعيلي وفيه تمييز المماليك الأرقاء الذين اشتروا بالثمن على الوجه الشرعي بخطوط العدول وهؤلاء لا كلام فيهم وأما غيرهم من أهل الديوان المجلوبون من القبائل العديدة فإن السلطان لم يدع فيهم الملكية وإنما الكلام في جبرهم على الجندية ووجه السلطان إلى علماء المشرق والمغرب السؤالات عن ذلك فكتبوا إليه الأجوبة المتضمنة للجواز بخطوطهم وكل ذلك في الكناش المذكور مبسوطا وهو شيء كثير وحاشى الله مقام السلطان المولى إسماعيل رحمه الله أن يدعى تملك الأحرار وقد تقدم كلام الشيخ اليوسي وبيان ما أنكر على السلطان ولو كان ما ذكر الصياني متصفا به السلطان المذكور لكان ذلك أول ما ينكره اليوسي ولا يسعه السكوت عليه مع أنه أنكر ما هو أقل من ذلك وأخف بمراتب نعم في الكناش طوائف معروفة متميزة ثبت عند السلطان المذكور أنهم كانوا أرقاء للمنصور السعدي فلما انقرضت الدولة السعدية تفرقوا في الأقطار وهم الذين تقدم الكلام عليهم في دفتر عليليش وقد وقع البحث عن رقيتهم وسئل أهل الأسنان من كل قبيلة فعينوا الرقيق من غيره فثبت ذلك كله عند السلطان ومع ذلك لم يدخلهم في الأرقاء الخلص الذين اشتروا بالثمن بل ميزهم على حدة فكان ذلك الجند عنده على ثلاث مراتب المرتبة الأولى خالص الرقية المرتبة الثانية خالص الحرية المرتبة الثالثة واسطة بينهما اه والله تعالى أعلم
تفريق المولى إسماعيل رحمه الله أعمال المغرب على أولاده وما نشأ عن ذلك
لما كانت سنة إحدى عشرة ومائة وألف فرق السلطان المولى إسماعيل رحمه الله أعمال المغرب على أولاده فعقد لابنه المولى أحمد على تادلا وأنزله بقصبتها ورتب معه ثلاثة آلاف من العبيد حامية بها وأمره أن يزيد في تلك القصبة فبنى قصبة جديدة وبنى بها قصره وبنى مسجدا أعظم من مسجد أبيه بالقصبة الأولى واستقر بها وعقد لابنه المولى عبد الملك على درعة وأعمالها وانزله بقصبتها ورتب معه ثلاثة آلاف من الخيل وعقد لابنه المولى محمد المدعو بالعالم على إقليم السوس ورتب معه ألف فارس وعقد لابنه المأمون الكبير الذي كان بمراكش على سجلماسة وأعمالها نقله من مراكش إليها وأنزله بقصبته التي بناها له بتيزيمي ورتب معه خمسمائة من الخيل وبعد سنتين توفي الملك المأمون فولى السلطان مكانه ابنه المولى يوسف وعقد لابنه المولى زيدان على بلاد الشرق فكان يغير على رعايا الترك إلى أن شردهم عن نواحي تلمسان وانتهى في بعض أيام غاراته إلى مدينة معسكر فاقتحمها وانتهب دار أميرها عثمان باي وأخذ ما فيها من الفرش والخرثى والأدام وغير ذلك لمغيب عثمان عنها في بعض غزواته فانتهز المولى زيدان فيها الفرصة فكان ذلك سبب عزله عن الشرى وتوليه أخيه المولى حفيد مكانه لأن السلطان رحمه الله لم يرض فعله ونهبه لدار الباي للصلح الذي كان انعقد بينه وبين السلطان مصطفى العثماني كما مر ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومائة وألف فيها غزا السلطان بلاد الشرق وحارب الترك بها لانتقاض الصلح الذي كان بينه وبينهم بسبب غارات المولى زيدان المتقدمة ولما قفل السلطان من وجهه هذه هلك من جنده أثناء الطريق عدد كبير من العطش فمن أهل فاس بالخصوص أربعون نفسا سوى من هلك من غيرهم وفي هذه السنة قتل القائد عبد الخالق بن عبد الله الروسي صاحب فاس عبدا من عبيد دار السلطان دخل عليه بغير إذنه فقتله فبعث السلطان ولده المولى حفيدا من مكناسة إلى فاس ليأتيه به فاستشفع إليه عبد الخالق بالعلماء والأشراف فلم يقيده المولى حفيد وذهب به مسرحا فلما دخل على السلطان بمكناسة عفا عنه ورجع إلى فاس سالما ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائة وألف فيها استدعى السلطان عبد الخالق الروسي من فاس فلما قدم عليه قتله وبعث ابنه المولى زيدان إلى فاس وبعث معه حمدون بن عبد الله الروسي واليا عليها بدلا من أخيه المقتول والله أعلم