القسم ١٣ من ١٧

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

تنازع أولاد السلطان وثورة المولى محمد العالم منهم بالسوس ومقتله

لما دخلت سنة أربع عشرة ومائة وألف وصل المولى عبد الملك بن السلطان صاحب درعة إلى ضريح المولى إدريس الأكبر بزرهون مهزوما لاستيلاء أخيه المولى أبي النصر على درعة وتغلبه على تلك النواحي فبعث السلطان ولده المولى الشريف إلى درعة واليا عليها فثار المولى محمد العالم ببلاد السوس ودعا لنفسه وزحف إلى مراكش فحاصرها في رمضان من السنة المذكورة وفي العشرين من شوال اقتحمها عنوة بالسيف فقتل ونهب ولما اتصل خبره بالسلطان بعث ولده المولى زيدان في العساكر لقتاله فقدم مراكش فصادف المولى محمدا قد خرج عنها وعاد إلى تارودانت ولما احتل المولى زيدان بمراكش عاثت عساكره فيها ثم تبع أخاه المولى محمدا العالم إلى السوس فنزل على تارودانت واتصلت الحرب بينهما إلى أن دخلت سنة خمس عشرة ومائة وألف وفيها قدم المولى حفيد حضرة فاس الجديد ووظف على أهل فاس مغرما ثقيلا وجاء الزعيم واليا عليها ثم عزل وولى مكانه أبو علي الروسي فقتل أناسا وصلبهم وفي متم شوال من السنة المذكورة مات المولى حفيد بفاس الجديد هذا كله والحرب قائمة بين المولى زيدان والمولى محمد العالم ثم دخلت سنة ست عشرة ومائة وألف ففي ثالث صفر منها ورد أمر السلطان على فاس بأن تعطى كل عتبة عظم سرج ولا يحرر من ذلك أحد كائنا من كان وفي الحادي والعشرين من صفر المذكور ورد الخبر باستيلاء المولى زيدان على تارودانت وقبضه على أخيه المولى محمد العالم بعد محاربته له ثلاث سنين هلك فيها أمم وقواد ورؤساء وأعيان يطول ذكرهم ولما دخلها المولى زيدان عنوة قتل جميع من بها حتى النساء والصبيان هكذا في البستان وفي رابع ربيع الأول من السنة وصل المولى محمد العالم مقبوضا عليه إلى وادي بهت فبعث السلطان من قطع يده ورجله من خلاف بعقبة بهت ولما وصل إلى مكناسة خامس عشر الشهر المذكور هلك رحمه الله قال أبو عبد الله أكنسوس لما توفي المولى محمد العالم صلى عليه القاضي أبو عبد الله محمد العربي بردلة فنقم عليه ذلك بعض الحسدة وأوغر قلب السلطان عليه وقال له إنه يبغضك ولولا شدة بغضه لك ما نازع إلى الصلاة على عدوك الذي ثار عليك ورام نزع الملك من يدك فكتب السلطان إلى القاضي بردلة يتهدده ويوبخه فأجابه القاضي بأن صلاته نظيرة صلاة الحسن البصري على الحجاج بن يوسف فلما ليم على ذلك قال استحييت من الله تعالى أن أستعظم ذنب الحجاج في جنب كرم الله الغفور الرحيم على أنني ما صليت عليه بغير إذن بل خرج الإذن من الدار المولوية وبلغ ذلك مبلغ الشهرة التي لم يبق معها شك وذلك على لسان مترجم ينسب الأمر إلى الجانب المولوي فلا افتيات بعد ذلك بل الواجب هو القيام بذلك ولو بغير إذن إجلالا وتعظيما لجانب مولانا نصره الله ولما قال صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في قضية الحديبيه امح لفظة رسول الله قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه والله لا أمحوه أبدا فتعارض وجوب امتثال أمر الرسول بالمحو ووجوب الإجلال لمقامه الأرفع فرجح رضي الله عنه وجوب الإجلال ثم الصحيح أن الحدود كفارات ففي الصحيح عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له اه باختصار قال أكنسوس وكانت هذه القضية من الفتن العظيمة بالمغرب عمت أهل القطر السوسي وخصت أعيان غيرهم من العلماء الذين كانوا يخالطون المولى محمد العالم لولا لطف الله تعالى فإن الشيخ أبا عبد الله المسناوي الدلائي كان من أخص الناس بالمولى محمد فوشى به إلى السلطان وقيل له إنه من شدة اتصاله به لا يغيب عنه عزمه على القيام عليك فهو إذا موافق له على ذلك فبادر بعض أصحاب السلطان ممن كان يجنح للمسناوي بالاعتذار عنه بأنه كان ينهاه عن القيام وأنشد للمسناوي في ذلك ( مهلا فإن لكل شيء غاية % والدهر يعكس حيلة المحتال ) ( فالبدر ليس يلوح ساطع نوره % والشمس فاهرة السنا في الحال ) ( فإذا توارت بالحجاب فعند ذا % يبدو بدو تعزز وجمال ) فوقع ذلك من السلطان وتحقق براءة الشيخ رحم الله الجميع قال أكنسوس وقولنا عمت أهل القطر السوسي لأن ظهوره التام إنما كان هنالك ولأن جل من ينتسب إلى العلم والصلاح منهم كانوا معه موافقين له ومؤيدين فعله اه قال في نشر المثاني كان المولى محمد العالم ماهرا في فنون شتى كالنحو والبيان والمنطق والكلام والأصول وكان ينفعل للشعر وتأخذه أريحية الأدب وكتب له أخوه مولاي الشريف في صدر كتاب بعث به إليه ما خاطب به سيف الدولة بن حمدان أخاه ناصر الدولة ( رضيت لك العليا وإن كنت أهلها % وقلت لهم بيني وبين أخي فرق ) ( أما كنت ترضى أن أكون مصليا % إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق ) فاقترح المولى محمد على الشيخ أبي عبد الله المسناوي أن ينوب عنه في الجواب لأنه كان في جملة الوافدين عليه حينئذ فقال رحمه الله ( بلى قد رضيت أن تكون مجليا % ويتلو نداكم في العلا من له السبق ) ( ومالي لا أرضى لك المجد كله % وأنت شقيق النفس إن عرف الحق ) ( ولكن ذوو الضغن انتحوا ذات بيننا % فغادرنا إفسادهم وبها رفق ) وفي هذا التاريخ أعني سنة سبع عشرة ومائة وألف انتزع النجليز جبل طارق من يد الإصبنيول حاصره ثلاثة أيام برا وبحرا في جند يسير فملكه لاشتغال الإصبنيول يومئذ عنه بأمر الفتنة التي حدثت في ملكه ولما ملكه النجليز عظم ذلك على أجناس الفرنج خصوصا الإصبنيول والفرنسيس ورأوا أن النجليز قد ملك عليهم باب أوروبا ولذا حاصروه مرارا فلم يحصلوا منه على طائل واستمر في يده إلى الآن ولما دخلت سنة تسع عشرة ومائة وألف ورد الخبر بموت المولى زيدان ابن السلطان بتارودانت وحمل في تابوت إلى مكناسة فدفن ليلا إلى جانب أخيه المولى محمد العالم وفي هذه السنة أمر السلطان بهدم قصر البديع الذي بناه المنصور السعدي بقصبة مراكش وقد تقدم الكلام عليه قال اليفرني في النزهة ومن العجائب أنه لم يبق بلد من بلاد المغرب إلا ودخله شيء من أنقاض البديع اه ثم دخلت سنة عشرين ومائة وألف فيها افتتح الترك مدينة وهران وكانت بيد الإصبنيول مدة فردها الله على المسلمين يومئذ وفيها أمر السلطان بقراءة حديث الإنصات يوم الجمعة عند خروج الخطيب وجلوسه على المنبر

محنة الفقيه أبي محمد عبد السلام ابن حمدون بسوس رحمه الله

قد تقدم لنا ما كان من أمر السلطان المولى إسماعيل رحمه الله لعلماء عصره بالكتابة على ديوان العبيد وامتناعهم من ذلك ولما كانت سنة عشرين ومائة وألف تجددت المحنة وألزم الرئيس أبو محمد عبد الله الروسي فقهاء فاس أن يكتبوا على الديوان المذكور فمن كتب نجا ومن أبى قبض عليه ثم قبض على أولاد جسوس واستلب أموالهم وأجلس فقيههم الشيخ أبا محمد عبد السلام بن حمدون جسوس بالسوق مقيدا يتطلب الفداء ثم حمل مسجونا إلى مكناسة ودخلت سنة إحدى وعشرين ومائة وألف فعفا السلطان عن الفقيه المذكور وسرحه وبعث به إلى فاس ليزعج الحراطين الذين بها إلى مكناسة فقدم وأزعجهم في ربيع الأول من السنة المذكورة ثم كان عاقبة الفقيه المذكور أن قتله القائد أبو علي الحسن بن عبد الخالق الروسي فمن الناس من يقول إن ذلك كان بأمر السلطان ومنهم من يقول بغير أمره اه وقد وقفت على تقييد بخط شيخنا الفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز محبوبة السلاوي رحمه الله وكان واعية يقول فيه إن امتحان الفقيه أبي محمد جسوس كان من أجل امتناعه من الموافقة على ديوان الحراطين الذي اخترعه عليليش المراكشي للسلطان الجليل المولى إسماعيل رحمه الله حسبما هو مشهور فهجاه بعض السفهاء وهجا فاسا من أجله وحقد عليه السلطان فاستصفى عامة أمواله وأجرى عليه أنواع العذاب وبيعت دوره وأصوله وكتبه وجميع ما يملك هو وأولاده ونساؤه ثم صار يطاف به في الأسواق وينادى عليه من يفدي هذا الأسير والناس ترمي عليه بالدراهم والحلى وغير ذلك من النفائس أياما كثيرة فيذهب الموكلون به بما يرمى عليه حيث ذهبوا بأمواله وبقي على ذلك قريبا من سنة فكان في ذلك محنة عظيمة له ولعامة المسلمين وخاصتهم ولما دنا وقت شهادته رحمه الله وقد أيس من نفسه كتب بخطه رقعة وأذاعها في الناس يقول فيها ما نصه الحمد لله يشهد الواضع اسمه عقبه على نفسه ويشهد الله تعالى وملائكته وجميع خلقه أني ما امتنعت من الموافقة على تمليك من ملك من العبيد إلا لأني لم أجد له وجها ولا مسلكا ولا رخصة في الشرع وأني إن وافقت عليه طوعا أو كرها فقد خنت الله ورسوله والشرع وخفت من الخلود في النار بسببه وأيضا فإني نظرت في أخبار الأئمة المتقدمين حين أكرهوا على ما لم يظهر لهم وجهه في الشرع فرأيتهم ما آثروا أموالهم ولا أبدانهم على دينهم خوفا منهم على تغيير الشرع واغترار الخلق بهم ومن ظن بي غير ذلك وافترى على ما لم أقله وما لم أفعله فالله الموعد بيني وبينه وحسبنا الله ونعم الوكيل والسلام وكتب عبد السلام بن حمدون جسوس غفر الله ذنبه وستر في الدارين عيبه صبيحة يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ربيع الثاني سنة إحدى وعشرين ومائة وألف اه ثم بعد ذلك بيومين أمر أبو علي الروسي بقتله فقتل رحمه الله خنقا بعد أن توضأ وصلى ما شاء الله ودعا قرب السحر من ليلة الخميس الخامس والعشرين من ربيع الثاني من السنة المذكورة ودفن ليلا على يد القائد أبي علي الروسي انتهى ما وجدناه مقيدا واعلم أن قضية الفقيه أبي محمد رحمه الله من القضايا الفظيعة في الإسلام والأسباب التي أثارتها أولا وأكدتها ثانيا حتى نفذ أمر الله فيما قضاه وقدره في أزله بعضها ظاهر وبعضها خفي الله أعلم بحقيقته غير أن المعروف من حال الفقيه المذكور هو الصلابة في الدين والورع التام وناهيك بشهادته هذه دليلا على ذلك وقضيته قد تعارضت فيها الأنقال ودخلها التعصب فلا يوقف منها على تحقيق وغفران الله وراء الجميع فإنه تعالى أهل التقوى وأهل المغفرة قال أبو عبد الله أكنسوس وقد جرى ذكر قضية الفقيه أبو محمد عبد السلام هذا بمجلس السلطان المرحوم المولى سليمان ابن محمد فقال ما قتله مولانا إسماعيل وإنما قتله أهل فاس قال ولم يمكنا أن نسأله عن حقيقة ذلك اه وفي شعبان من السنة المذكورة عزل السلطان أبا علي الروسي عن فاس وولي مكانه حمدون الروسي ثم بعد مدة يسيرة أخر حمدون وأعيد أبو علي وفيها قدم عبد الله الروسي ومعه أمر السلطان ببيع أصول المجاورين بالمشرق يعني بالحرمين الشريفين

ثورة المولى أبي النصر ابن السلطان بالسوس ومقتله رحمه الله

ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف فيها ثار أبو النصر ابن السلطان المولى إسماعيل ببلاد السوس وخب في الفتنة ووضع وفي سنة أربع وعشرين ومائة وألف سرح السلطان كاتبه الخياط بن منصور من السجن وولاه درعة وفي سنة خمس وعشرين بعدها قتل السلطان الخياط المذكور وأخاه عبد الرحمن وفيها ورد الخبر على السلطان بأن أولاد دليم من عرب السوس قد قتلوا ولده المولى أبا النصر الثائر بها وفي سنة ست وعشرين ومائة وألف قتل السلطان القائد أبا الدشيش وثلاثة من القواد معه وسبعة عشر من العبيد بمشرع الرملة وفي جمادى الأولى من سنة سبع وعشرين ومائة وألف توفيت الحرة عائشة مباركة زوج السلطان وهي أم ولده المولى أبي الحسن علي الآتي ذكره وفي سنة تسع وعشرين ومائة وألف سافر ولد السلطان وهو المولى أبو مروان بن إسماعيل إلى الحجاز بقصد الحج وفي رمضان منها بعث والي وجدة إلى الحضرة مائة رأس من رؤوس بني يزناسن وفي سنة ثلاثين ومائة وألف ورد كتاب من السلطان إلى فاس يتضمن تحرير أهل فاس من الكلف كلها ثم ورد عقبه كتاب آخر يوبخهم فيه ويخيرهم بين أن يكونوا جيشا أو نائبه فقال رجل منهم يدعى ولد الصحراوي إنما يكون الكلام أمام السلطان فقتل وأصبح مصلوبا فبلغ ذلك السلطان فقبض على أبي علي الروسي وأصحابه وولي على فاس حمدون الروسي ثم بعد ذلك عمد حمدون الروسي إلى عبد الخالق بن يوسف فقتله فقبض السلطان عليه وعلى أخيه مسعود وولي على فاس حمو قصارة ثم بعد أيام قدم أبو علي الروسي واليا على فاس وفي هذه السنة ورد الخبر بموت المولى أبي مروان بالمشرق وفيها عزل السلطان أولاده عن الأعمال كلها ولم يترك إلا ولي العهد المولى أحمد بتادلا ثم بعث ولده المولى عبد الملك إلى مراكش وولاه قطر السوس واستقامت الأمور وسكنت الرعية وهدأت البلاد واشتغل السلطان ببناء قصوره وغرس بساتينه والبلاد في أمن وعافية تخرج المرأة والذمي من وجدة إلى وادي نول فلا يجدان من يسألهما من أين ولا إلى أين مع الرجاء المفرط فلا قيمة للقمح ولا للماشية والعمال تجبي الأموال والرعايا تدفع بلا كلفة وصار أهل المغرب كفلاحي مصر يعملون ويدفعون في كل جمعة أو شهر أو سنة ومن نتج فرسا رباه حتى إذا بلغ أن يركب دفعه إلى العامل وعشرة مثاقيل معه ثمن سرجه هذا إذا كان المنتوج ذكرا فإذا كان أنثى ترك له ويدفع للعامل مثقالا واحدا ولم يبق في هذه المدة بأرض المغرب سارق ولا قاطع طريق ومن ظهر عليه شيء من ذلك وفر في القبائل قبض عليه بكل قبيلة مر عليها أو قرية ظهر بها فلا تقله أرض حتى يؤتى به أينما كان وكلما بات مجهول حال بحلة أو قرية ثقف بها إلى أن يعرف حاله ومن تركه ولم يحتط في أمره أخذ بما اجترحه وأدى ما سرقه أو اقترفه من قتل أو غيره وكانت أيامه رحمه الله غزيرة الأمطار كثيرة البركة في الحراثة والتجارة وغيرهما من أنواع المعاش مع الأمن والخصب والرخاء المحتد بحيث لم يقع غلاء طول أيامه إلا مرة واحدة فبلغ القمح في أيامه ست أواق للمد والشعير ثلاث أواق للمد ورأس الضأن ثلاث أواق ورأس البقر من المثقال إلى المثقالين سائر أيام الرخاء والسمن والعسل رطلان بالموزونة والزيت أربعة أرطال بالموزونة هكذا نقله صاحب البستان وهو مخالف لما سيأتي في الحوادث من أن الجدب والغلاء قد بلغا مبلغهما أعوام التسعين وألف ولعل ما ذكره صاحب البستان كان في آخر دولة السلطان المذكور حسبما هي عادة الله تعالى في مثل ذلك غالبا والله تعالى أعلم

بناء ضريحي الإمامين إدريس الأكبر والأصغر رضي الله عنهما

لما كانت سنة اثنتين وثلاثين ومائة وألف أمر السلطان رحمه الله بهدم قبة ضريح المولى إدريس الأكبر رضي الله عنه بزاوية زرهون وشراء الأصول المجاورة له من جهاته الأربع وهدمها وزيادتها فيه فهدمت القبة وجميع ما حولها وأعيدت على هيئة بديعة واستمر البناء والعمل في المشهد الشريف إلى أن تم سنة أربع وثلاثين ومائة وألف هكذا في البستان وغيره وقال في نشر المثاني وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة وألف أمر السلطان المظفر المولى إسماعيل بتجديد بناء مقام مولانا إدريس الأصغر باني فاس حيث ضريحه بها وأمر ببناء قبته التي هي عليه الآن بما اشتملت عليه من المحاسن التي يعز وجودها وأمر بتوسعة صحن المسجد على ما هو عليه اليوم من الهيئة التي لا نظير لها بفاس وتم تسقيف القبة في آخر ذي الحجة من العام المذكور ثم أمر رحمه الله بإقامة الجمعة فيه فهي تقام فيه من يومئذ جعل الله ذلك في ميزان الآمر به والمتولي له آمين وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف مات القائد عبد الله الروسي بمكناسة وفيها غضب السلطان على أهل فاس وبعث إليهم حمدون الروسي وأخاه أبا علي وأمرهم بمصادرتهم وقبض المال منهم فبعثوا علماءهم وأشرافهم للشفاعة فلم يقبل وشرعوا في دفع المال حتى لم يعرف له عدد ولم يسلم من الغرامة أحد وتغيب الناس في تلك المدة وخلت المدينة من ذوي اليسار وفي هذه السنة أيضا في المحرم منها خرج عسكر الإصبنيول من سبتة على حين غفلة من المسلمين فضربوا في محلتهم واستولوا عليها وعلى خباء القائد أبي الحسن علي بن عبد الله الريفي ونهبوا وقتلوا وسلبوا وحازوا شبارات المسلمين وعساتهم وحازوا قصبة آفراك واستشهد من المسلمين نحو ألف ورجعوا عودهم على بدئهم إلى سبته ومنها ركبوا البحر إلى جزيرتهم ولم يبق بسبتة إلا سكانها ثم كانت الكرة للمسلمين عليهم بعدها فبقي بأيدي المسلمين منهم نحو ثلاثة آلاف ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائة وألف ففي المحرم منها مات الباشا غازي بن شقراء صاحب مراكش بوجدة وفي صفر منها مات باعزيز بن صدوف صاحب تارودانت وفيها انتقل المولى عبد الملك بن السلطان إلى تارودانت فاستقر بها إلى أن كان من أمره ما نذكره عند التعرض لدولته إن شاء الله

وفاة أمير المؤمنين المولى إسماعيل رحمه الله

كانت أيام أمير المؤمنين المولى إسماعيل رحمه الله على ما ذكرنا من الأمن والعافية وتمام الضبط حتى لم يبق لأهل الذعارة والفساد محل يأوون إليه ويعتصمون به ولم تقلهم أرض ولا أظلتهم سماء سائر أيامه فقد كان خليفة ونائبا عن أخيه المولى الرشيد سبع سنين وسلطانا وملكا مستقلا سبعا وخمسين سنة حتى كان جهلة الأعراب يعتقدون أنه لا يموت ويقال إن البعض من أولاده كانوا يستبطئون موته ويعبرون عنه بالحي الدائم وهذه المدة التي استوفاها المولى إسماعيل في الملك والسلطان لم يستوفها أحد من خلفاء الإسلام وملوكه سوى المستنصر العبيدي صاحب مصر فإنه أقام في الخلافة ستين سنة لكن لا سواء فإن المولى إسماعيل رحمه الله استوفى مدة الخلافة بثمرتها وتملاها بكمال لذتها لأنه وليها في إبان اقتداره عليها واضطلاعه بها بعد سن العشرين كما مر لا في مدة النيابة ولا في مدة الاستقلال ولم يكن عليه استبداد لأحد ولا نغص عليه دولته منغص سوى ما كان من ثورة ابن محرز وابنه المولى محمد العالم ومن سلك سننهم من القرابة وكلهم كان يشغب في الأطراف لم يحصل منهم

كبير ضرر للدولة بخلاف المستنصر العبيدي فإنه ولي وهو ابن سبع سنين فكان في صدر دولته تحت الاستبداد وحدث في أيامه الغلاء العظيم قال ابن خلكان وهو غلاء لم يعهد مثله بمصر منذ زمان يوسف عليه الصلاة والسلام واستمر سبع سنين أكل الناس فيها بعضهم بعضا وبيع رغيف واحد بخمسين دينارا وكان المستنصر في هذه الشدة يركب وحده وكل من معه من الخواص مترجلون ليس لهم دواب يركبونها وكانوا إذا مشوا يتساقطون في الطرقات من الجوع إلى غير ذلك فلذا قلنا لا يستوي حال ملك المولى إسماعيل وملك المستنصر رحمهما الله ولما كانت سنة تسع وثلاثين ومائة وألف مرض أمير المؤمنين المولى إسماعيل مرض موته قال في نشر المثاني كان ابتداء مرضه في ثاني يوم من جمادى الأولى من السنة المذكورة ولما أحس بالضعف بعث إلى ولده المولى أحمد صاحب تادلا يستقدمه فقدم عليه وأقام ثلاثا ثم اخترمته المنية رحمه الله يوم السبت الثامن والعشرين من رجب سنة تسع وثلاثين ومائة وألف وتولى غسله الفقيه أبو العباس أحمد بن أبي القاسم العميري وصلى عليه الفقيه العلامة أبو علي الحسن بن رحال المعداني ودفن بضريح الشيخ المجذوب رضي الله عنه من حضرة مكناسة قال في البستان كان السلطان المولى إسماعيل قد عهد بالأمر إلى ولده المولى أحمد المذكور وكان يعبر عنه بولي العهد وأنكر أكنسوس أن يكون السلطان المذكور قد عهد لأحد من أولاده قال كما أخبرنا بذلك السلطان العالم المولى سليمان بن محمد رحمه الله مرارا وكان يحكى في ذلك خبرا وهو أن المولى إسماعيل لما أيقن بالموت دعا وزيره وعالم حضرته الكاتب أبا العباس اليحمدي وقال له إني في آخر يوم من أيام الدنيا فأحببت أن تشير علي بمن أقلده هذا الأمر من ولدي لأنك أعرف بأحوالهم مني فقال له يا مولانا لقد كلفتني أمرا عظيما وأنا أقول الحق أنه لا ولد لك تقلده أمر المسلمين كان لك ثلاثة المولى محرز والمولى المأمون والمولى محمد فقبضهم الله إليه فقال له السلطان جزاك الله خيرا وودعه وانصرف ولم يعهد لأحد وإنما العبيد كانوا يقدمون من شاؤوا ويؤخرون من شاؤوا وكان المولى سليمان رحمه الله يحكي ذلك عندما يعرض له ذكر أولاده هو والله أعلم

بقية أخبار المولى إسماعيل رحمه الله ومآثره وسيرته

قال اليفرني في النزهة لم يزل أمير المؤمنين إسماعيل رحمه الله في مقارعة أعدائه إلى أن دوخ بلاد المغرب كلها واستولى على سهلها ووعرها واستولى على تخوم السودان وانتهى منها إلى ما وراء النيل وانتشرت دولته في عمائرها وبلغ من ذلك ما لم يبلغه المنصور السعدي وامتدت مملكته في جهة الشرق إلى بسكرة من بلاد الجريد ونواحي تلمسان والله أعلم حيث يجعل رسالاته اه وقال في البستان كان للمولى إسماعيل من الولد على ما تواتر به الخبر خمسمائة ولد ذكر ومن البنات مثل ذلك أو قريب منه قال والذي عقب من أولاده على ما رأيناه عيانا في دفتر السلطان المولى محمد بن عبد الله إذ كان يصلهم في كل سنة وكان يبعثني لتفرقة الصلة عليهم بسجلماسة مائة دار وخمس دور كلها لأولاده لصلبه وأما الذين لم يعقبوا أو عقبوا وأنقطع نسلهم فليسوا في الدفتر وأما الحفدة والأسباط فكان عددهم في أيام السلطان المولى محمد بن عبد الله ألفا وخمسمائة وستين وقد زادوا اليوم في دولة السلطان المولى سليمان بن محمد ولم يزل يصلهم إلى الآن على ما في دفتر والده ومن زاد يزاد له قال وأما ما أدركناه من أولاد المولى إسماعيل لصلبه في دولة السلطان المولى محمد فثمانية وعشرون رجلا نعرفهم بالاسم والعين ومن بناته لصلبه مثل ذلك قد أنزلهن السلطان بقصر حمو بن بكة ورتب لهن المؤنة والكسوة والصلة في كل سنة وأنزل معهن الحوافد اللاتي لا أزواج لهن وكل واحدة من هذه الدور المائة والخمس التي بسجلماسة لواحد من أولاد صلبه لأنه كان رحمه الله إذا رأى أحدا من أولاده الذين لم يرد إقامتهم معه بالمغرب قد بلغ أرسله إلى سجلماسة وبني له بها قصرا أو دارا وأعطاه نخلا وأرضا للحراسة والفلاحة ومماليك يقومون له بخدمة أصله وحراثة أرضه في الشتاء والصيف ويعطي كل واحد من ذلك على قدر مرتبته عنده ومنزلة أمه منه فتناسلت أولادهم ونمت فروعهم ووفر الله جمعهم وحفظ نظامهم وكان رحمه الله سديد النظر في نقل أولاده بأمهاتهم من مكناسة إلى تافيلالت مع بني عمهم من الأشراف ليتدربوا على معيشتها التي تدوم لهم فكان ذلك صونا لهم من نكبات الدهر وفضيحة الخصاصة بعد موته وزوال النعمة وانزواء رداء الملك الساتر لهم بين العامة فنجحوا وأفلحوا بخلاف إخوانهم الذين ربوا بمكناسة واستمروا بها إلى أن توفي والدهم وألفوا عوائدهم ومرنوا على شهواتهم فإنهم لم ينم لهم نسل كإخوانهم الذين بالصحراء هذا ما يتعلق بنسل السلطان المولى إسماعيل وأما مبانيه بقلعة مكناسة وقصوره ومساجده ومدارسه وبساتينه فشيء فوق المعهود بحيث تعجز عنه الدول القديمة والحادثة من الفرس واليونان والروم والعرب والترك فلا يلحق ضخامة مصانعه ما شيده الأكاسرة بالمدائن ولا الفراعنة بمصر ولا ملوك الروم برومة والقسطنطينية ولا اليونان بأنطاكية والإسكندرية ولا ملوك الإسلام ودولة العظام كبني أمية بدمشق وبني العباس ببغداد والعبيديين بإفريقيا ومصر والمرابطين والموحدين وبني مرين والسعديين بالمغرب وما بديع المنصور بقصر من قصوره ولا بستان المسرة بأحد بساتينه فقد كان عنده بجنان حمرية مائة ألف قعدة من شجر الزيتون وحبسه كله على الحرمين الشريفين ومرت عليه بعد وفاته العصور وأيام الفترة والفتن والناس يحتطبونه فلم يظهر فيه أثر من ذلك ولما بويع السلطان المولى محمد بن عبد الله أحياه وأجرى الماء إليه وأمر بإحصاء ما بقي من شجرة فوجدوه ستين ألفا فكان رحمه الله يبعث بثمن غلته إلى الحرمين تنفيذا لمراد جده وكذا ابنه المولى سليمان رحمه الله قال صاحب البستان ولقد شاهدت الكثير من آثار الدول فما رأيت أثرا أعظم من آثاره ولا بناء أضخم من بنائه ولا أكثر عددا من قصوره لأن هؤلاء الدول كان من اعتنى منهم بأمر البناء غاية أمره أن يبني قصرا ويتأنق في تشييده وتنجيده وهذا السلطان لم يقتصر على قصر ولا على عشرة ولا عشرين بل جعل مباني العالم كلها في بطن تلك القلعة المكناسية كما قيل كل الصيد في جوف الفرأ هذا كلام صاحب البستان رحمه الله ثم قال وكان في سجونه من الأسارى خمسة وعشرون ألفا ونيفا كانوا يعملون في بناء قصوره منهم الرخامون والنقاشون والنجارون والحدادون والمنجمون والمهندسون والأطباء ولم تسمح نفسه قط بفداء أسير وكان في سجونه من أهل الجرائم كالقاتل والمحارب والسارق نحو الثلاثين ألفا تظل في العمل مع أسرى الكفار ويبيتون في السجون والأهراء تحت الأرض ومن مات منهم دفن في البناء حتى لم يبق بالمغرب من أهل الفساد عرق ينبض ومما مدح به المولى إسماعيل رحمه الله قول الفقيه الأديب أبي عبد الله محمد بن عبد الله الجزولي من قصيدة له ( مولاي إسماعيل يا شمس الورى % يا من جميع الكائنات فدى له ) ( ما أنت إلا سيف حق منتضى % الله من دون البرية سله ) ( من لا يرى لك طاعة فالله قد % أعماه عن طرق الهدى وأضله ) ولنذكر ما سلف في هذه المدة من الأحداث ففي سنة إحدى وسبعين وألف توفي الشيخ أبو عبد الله سيدي محمد المفضل بن الشيخ أبي العباس أحمد المرسي ابن الشيخ الأكبر أبي عبد الله سيدي محمد الشرقي كان رحمه الله صالحا خيرا من فضلاء عصره حافظا للقرآن بالسبع قد اشتهر قدره في الناس كثيرا وكان يفر من ذلك وإذا سأله أحد أن يتخذه شيخا يقول نحن إخوة في الله والدرهم الكامل ينفق منه أخذ القراءات عن الفقيه الأستاذ أبي عبد الرحمن بن القاضي وكتب له الإجازة بذلك وكان له نصيب من العلوم سوى القراءات وانتسب في الطريق للولي الصالح أبي عبد الله محمد الحفيان الرتبي السجلماسي من أصحاب الشيخ أبي عبيد الشرقي وتخرج عليه نجباء من طلبة القراءات وكان رحمه الله كثير الطعام بزاوية جده أبي عبيد الشرقي ثم انتقل إلى ناحية سلا فسكن بأحوازها وبقي هنالك إلى أن مات في التاريخ المذكور فحمل إلى المدينة المذكورة ودفن بطالعتها قرب المسجد الأعظم وقبره اليوم مزارة عظيمة وكان له كلام كثير على طريق العروبي الملحون خاطب به الرئيس محمد الحاج الدلائي حين مشت الوشاة بينهما فوقعت من أجل ذلك بينهما مكاتبات ومعاتبات رحمهما الله وفي سنة اثنتين وسبعين وألف توفي الشيخ الرباني أبو إسحاق إبراهيم ابن أحمد بن عبد الله بن حسين المصلوحي دفين تامصلوحت من أعمال مراكش وقد تقدم التنبيه على وفاة جده أبي محمد عبد الله بن حسين المذكور وكانت له شهرة عظيمة وكان ابتداء أمره أنه تلمذ له طائفة من الفقراء بمراكش واجتمع عليه ناس فأنكر ذلك السلطان زيدان بن المنصور وأمر بالقبض عليه فخرج إلى قبيلة سكتانة حيث ضريحه اليوم فاستقر بها إلى أن توفي وكان يقول لا يأتينا إلا من أمنه الله لأن مقامنا هذا مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا وكان يقول دارنا دار سر لا دار علم وكان إذا دخل شهر المحرم ترك حلق الشعر والزينة فإذا ليم على ذلك قال ما فعلنا هذا الا امتعاضا لقتل الحسين رضي الله عنه وأسفا على ما وقع به وكان يعمل السماع ويجتمع أصحابه على الحضرة على الكيفية المعهودة وربما تواجد فدخل معهم وكانت له مشاركة في العلوم أخذ عن الشيخ المنجور وأبي محمد بن طاهر الحسني وأبي مهدي السكتاني وغيرهم وتوفي في التاريخ المتقدم عن سن عالية يقال أناف على المائة وبنيت عليه قبة حافلة وقبره اليوم مزارة عظيمة وفي أواخر سنة ثلاث وسبعين وألف مع السنة التي بعدها حدثت مجاعة عظيمة بالمغرب لا سيما فاس وأعمالها أكل الناس فيها الجيف والدواب والآدمي وخلت الدور وعطلت المساجد ثم تدارك الله عباده بلطفه وفي سنة خمس وسبعين وألف في عاشر رمضان منها وقعت زلزلة عظيمة بفاس وغيرها من بلاد المغرب قال الفقيه أبو العباس أحمد بن عبد الهادي الشريف السجلماسي وقعت الزلزلة في التاريخ المذكور ونحن بمجلس البخاري عند شيخ الجماعة الإمام أبي محمد عبد القادر الفاسي رحمه الله فقام كل من بالمجلس حتى الشيخ ظنا منا أن السقف يسقط علينا لأن خشبه صوتت وخرج سرعان الناس يلتمسون الخبر فأخبر بها كل من كان راقدا أو جالسا حتى النائم انتبه ومن كان ماشيا لم يشعر بها فسئل الشيخ عن ذلك وهل هو كما تزعم العامة من أن الثور الذي عليه الدنيا أو الحوت يتحرك فأجاب بأن ذلك باطل لا أصل له وتلا قوله تعالى @QB@ وما نرسل بالآيات إلا تخويفا @QE@ الاسراء 59 وقال أيضا ذكر بعض الحكماء أن ذلك يقع في اختناق الريح في جوف الأرض وفي يوم الأثنين الثامن والعشرين من رجب سنة سبع وسبعين وألف توفي البهلول المتبرك به سيدي قاسم بن أحمد بوعسرية المعروف بابن اللوشة دفين ضفة وادي أرضم من بلاد آزغار ولم يتزوج قط فلم يكن له عقب هكذا في نشر المثاني ولعله تصحيف والصواب ما يأتي من أنه توفي سنة سبع وتسعين بمثناة بمهملتين والله أعلم وفي سنة خمس وثمانين وألف توفي شيخ السنة وإمام الطريقة أبو عبد الله سيدي محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن ناصر بن عمرو الدرعي ثم الأغلاني الشهير بابن ناصر نسبة إلى جده المذكور في النسب قال تلميذه الشيخ أبو علي اليوسي في فهرسته كان الشيخ رضي الله عنه مشاركا في فنون من العلم كالفقه والعربية والكلام والتفسير والحديث والتصوف عابدا ناسكا ورعا زاهدا عارفا قائما بالطريقة شاربا من عين الحقيقة وكان رضي الله عنه مع إكبابه على علوم القوم وانتهاجه منهج الطريقة لا يخل بعلم الظاهر تدريسا وتأليفا وتقييدا وضبطا فنفع الله به الفريقين وصحبه الناس شرقا وغربا فانتفع به الخلق قائما بالتعليم والتربية للمريدين بقوله وفعله والترقية بهمته عن همة عالية وحالة مرضية وعلم صحيح وبصيرة ونورانية مع التمكن والرسوخ فكان إذا تكلم انتقش كلامه في القلب وإذا وعظ وضع الهناء مواضع النقب ثم أطال الشيخ اليوسي في ترجمته وذكر له كرامات عديدة وقد أفصح عن حاله ووصفه في قصيدته الدالية المشهورة الموضوعة في مدحه وأتى فيها من الإجلال لهذا الشيخ والتعظيم بما كان سبب ربحه ولهذا الشيخ شيوخ وأتباع معروفون في كتب الأئمة الذين تعرضوا لبيان ذلك وطريقته المتصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم معروفة أيضا وكان والده سيدي محمد بن أحمد من أكابر الأولياء كثير الأوراد لا يفتر لسانه عن الأذكار حسبما نقله غير واحد والله تعالى أعلم قال مؤلفه عفى الله عنه وهذا الشيخ هو جدنا وإليه ننتسب فأنا أحمد بن خالد بن حماد بن محمد الكبير بن أحمد بن محمد الصغير بفتح الميم ابن محمد بن ناصر الشيخ المذكور نفعنا الله به وأفاض علينا من مدده ومدد أمثاله وأسلافنا ينتسبون بعد الشيخ المذكور إلى سيدنا جعفر ابن أبي طالب رضي الله عنه ولست الآن من ذلك على تحقيق ولعلنا نحققه في موضع آخر إن شاء الله وفي حدود التسعين وألف كان انحباس المطر والغلاء قال الشريف أبو عبد الله محمد الطيب القادري في الأزهار الندية أن القمح قد بلغ في هذه المدة إلى أربعين أوقية للمد بسبب تأخر المطر والمد صاع ونصف وصلى الناس صلاة الاستسقاء فأول إمام خطب فيها القاضي أبو عبد الله محمد العربي بردلة وكررها ثلاث مرات فنزل مطر يسير لم يكف ثم أعيدت الصلاة رابعة فكان الخطيب فيها الفقيه أبو عبد الله محمد البوعناني ثم أعيدت خامسة والخطيب القاضي بردلة ثم أعيدت سادسة والخطيب أبو عبد الله محمد المرابط الدلائي وفيها بلغ القمح ستين أوقية وهو غلاء لم يسمع بمثله ثم أعيدت الصلاة سابعة والخطيب أبو عبد الله البوعناني ثم أعيدت ثامنة والخطيب الشيخ الولي الزاهد أبو عبد الله محمد العربي الفشتالي وفي عشية غده نزل المطر مع رعد وبرق ففرح المسلمون وأكثروا من حمد الله تعالى ثم أعيدت الصلاة تاسعة والخطيب القاضي بردلة وخرج يومئذ في جملة الناس شيخ الإسلام وبركة الأمة الإمام أبو محمد سيدي عبد القادر الفاسي راكبا على حمار جاعلا الأشراف من أهل البيت الطاهر أمامه مستشفعا بهم إلى الله تعالى فنزل عند الرجوع مطر قليل ومن الغد نزل المطر الغزير الكافي النافع فانحطت الأسعار ونزل القمح إلى خمس وثلاثين أوقية بعدما كررت الصلاة تسع مرات وكانت الصلاة التاسعة يوم الاثنين خامس المحرم فاتح سنة إحدى وتسعين وألف وفي سنة تسع وثمانين وألف في ليلة الجمعة الثاني عشر من شعبان منها توفي الشيخ المولى أبو محمد عبد الله الشريف الوزاني الشهير وكان عمره يوم توفي خمسا وثمانين سنة وتوفي ولده الشيخ المولى أبو عبد الله محمد وقت العشاء ليلة الجمعة الثامن والعشرين من المحرم سنة عشرين ومائة وألف وعمره يومئذ ثمانون سنة وتوفي ابنه الشيخ القطب المولى التهامي ابن محمد طلوع شمس يوم الاثنين فاتح المحرم من سنة سبع وعشرين ومائة وألف وعمره ست وستون سنة وتوفي الشيخ مولاي الطيب ابن محمد يوم الأحد وقت طلوع الفجر ثامن عشر ربيع الثاني سنة إحدى وثمانين ومائة وألف وعمره نيف وثمانون سنة وتوفي ابنه الشيخ مولاي أحمد ضحوة يوم السبت الثامن عشر من صفر سنة ست وتسعين ومائة وألف وتوفي ابنه الشيخ مولاي علي بن أحمد يوم الثلاثاء آخر يوم من ربيع الأول سنة ست وعشرين ومائتين وألف وتوفي ابنه الشيخ سيدي الحاج العربي بن علي يوم الأربعاء فاتح سنة سبع وستين ومائتين وألف وقد أتينا بوفاة هؤلاء السادة الوازانيين مجموعة هنا لما في ذلك من المناسبة والتقريب ويتصل نسبهم بالمولى يملح بن مشيش أخي المولى عبد السلام بن مشيش ثم بالمولى إدريس بن إدريس رضي الله عنهم وأماتنا على محبتهم وحشرنا في زمرتهم وفي سنة تسعين وألف وقع الوباء العظيم بالمغرب فكان عبيد السلطان يردون الواردين من الآفاق على مكناسة الزيتون كما مر وفي سنة إحدى وتسعين وألف بعد ظهر الأربعاء الثامن من رمضان منها توفي شيخ الجماعة بفاس والمغرب الإمام الكبير العالم الشهير الشيخ أبو محمد عبد القادر بن علي بن يوسف الفاسي ولا يحتاج مثله رضي الله عنه إلى تعريف فإن مآثره أشهر من قفا نبك قالوا ومع غزارة علمه وانتفاع أهل المغارب الثلاثة به لم ينضد لجمع كتاب مخصوص ولا شرح متن من المتون وإنما كانت تصدر عنه أجوبة يسأل عنها فيجيب ويجيد وجمعها بعض أصحابه فجاءت في مجلد وفي سنة خمس وتسعين وألف توفي الولي الصالح أبو محمد عبد الله العوني دفين سلا من أصحاب الشيخ سيدي محمد المفضل وفي سنة ست وتسعين وألف توفي الشيخ العلامة المشارك أبو زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي صاحب نظم عمل فاس و الأفنوم في مبادىء العلوم وغيرهما من التآليف الحسان وفي سنة سبع وتسعين وألف توفي الشيخ العارف بالله تعالى ذو الأحوال الربانية والمواهب العرفانية أبو القاسم بن أحمد الوشة السفياني المعروف بأبي عسرية لأنه كان يعمل بشماله أكثر من يمينه كان من المولهين في ذات الله تعالى ومن أهل الأحوال والشطحات يقال إنه حمل وهو صبي إلى الشيخ أبي عبيد الشرقي فبرك عليه ودعا بقرب من ماء فصبت عليه وقال لولا أنا بردنا هذا الصبي لأحرقته الأنوار ولذا كان يهتف بأبي عبيد كثيرا وينادي باسمه وينسب جميع ما يظهر على يده له وفي سنة إحدى مائة وألف أمر السلطان الناس بأن لا يلبسوا النعال السود ولا يلبسها إلا اليهود وتقدم التنبيه على ذلك عقب فتح العرائش وفي سنة اثنتين ومائة وألف توفي الشيخ الإمام على الأعلام أخر علماء المغرب على الإطلاق الذي وقع على علمه وصلاحه الاتفاق أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي نسبة إلى آيت يوسي قبيلة من برابر ملوية وأصله اليوسي كان رضي الله عنه غزالي وقته علما وتحقيقا وزهدا وورعا قال في فهرسته كانت قراءتي كلها أو جلها فتحا ربانيا ورزقت ولله الحمد قريحة وقادة فكنت بأدنى سماع ينفعني الله فقد أسمع بعض الكتاب فيفتح الله علي في جميعه فتحا ظاهرا وأبلغ فيه ما لم يبلغه من سمعته منه ورب كتاب لم أسمعه أصلا غير أن سماع البعض في كل فن صار مبدأ للفتح وتتميما لحكمة الله في سنة الأخذ عن المشايخ ولا تستوحش مما ذكرناه ظنا منك أن الربح أبدا يكون على قدر رأس المال كلا فقد يبلغ الدرهم الواحد ألف مثقال وما ذلك على الله بعزيز وكان معظم قراءته بالزاوية الدلائية لم يزل مقيما بها عاكفا على بث العلم ونشره إلى أن استولى عليها المولى الرشيد بن الشريف فنقله إلى فاس فأقام بها مدة ثم خرج إلى البادية فاستوطن بقبيلته إلى أن مات رحمه الله وكان رضي الله عنه متضلعا من العلوم العقلية والنقلية حتى قال في تأليفه المسمى بالقول الفصل في الفرق بين الخاصة والفصل أنه بلغ درجة الشيخ سعد الدين التفتازاني والسيد الجرجاني وأضرابهما وسأله يوما سائل بمجلس درسه فقال له اسمع ما لا تسمعه من إنسان ولا تجده محررا في ديوان ولا تراه مسطرا ببنان وإنما هو من مواهب الرحمن ولما دخل مراكش تصدر بها لإقراء علم التفسير بجامع الأشراف فمكث في تفسير الفاتحة قريبا من ثلاثة أشهر وهو يبدي كل يوم أسلوبا غريبا وتحقيقا عجيبا فعجب الناس من غزارة مادته مع أنه ربما بات في ضريح بعض الأولياء والناس معه فلا يطالع كتابا ولا يراجع مؤلفا فإذا أصبح وجلس على الكرسي أطلق لسانه بما يبهر العقول وكان الشعر عنده أسهل من النفس وشعره كله حكم وأمثال كشعر العرب القدماء وقصيدته الدالية في شيخه ابن ناصر دالة على امتداد باعه ورسوخ قدمه في المعارف الفنون ولله در الإمام أبي سالم العياشي إذ قال ( من فاته الحسن البصري يصحبه % فليصحب الحسن اليوسي يكفيه ) وبالجملة فهو آخر العلماء الراسخين بل خاتمة الفحول من الرجال المحققين حتى كان بعض الشيوخ يقول هو المجدد على رأس هذه المائة لما اجتمع فيه من العلم والعمل بحيث صار إمام وقته وعابد زمانه رحمه الله ورضي عنه وفي سنة ثلاث ومائة وألف في ليلة الأربعاء السابع من شهر ربيع الأول منها توفي الولي الصالح أبو العباس سيدي أحمد حجي قال الشيخ أبو العباس سيدي أحمد بن عبد القادر التستاوتي في حقه ما نصه رجل خير صالح ولقد اجتمعت به بمكناسة سنة ست وتسعين وألف فما رأيت منه إلا خيرا اه ولما توفي خلفه ولده ووارث سره وضجيعه في قبره الولي الصالح سيدي أبو محمد عبد الله حجي المعروف بالجزار وضريحهما مزارة شهيرة بسلا وفي سنة تسع أو عشر ومائة وألف توفي الفقيه العدل النوازلي الفارض الحاسب أبو الحسن علي بن محمد المعروف بأبي شعرة السلاوي ودفن قريب ضريح الشيخ ابن عاشر رضي الله عنه وفي سنة خمس عشرة ومائة وألف توفي الإمام الفقيه الأديب الناظم الناثر أبو القاسم بن الحسين الغريسي ثم السلاوي المعروف بأبي زائدة وذلك في جمادى الأولى من السنة ودفن قرب ضريح الشيخ ابن عاشر رضي الله عنه وفي سنة ثمان عشرة ومائة وألف في ضحى يوم الأربعاء الثامن والعشرين من المحرم منها كسفت الشمس كسوفا كليا وسمي ذلك العام عام الظليماء وفي سنة تسع عشرة ومائة وألف توفي الشيخ الإمام العلامة الهمام ذو التصانيف المفيدة في كل فن الحجة المتبرك به حيا وميتا أبو سرحان سيدي مسعود جموع الفاسي ثم السلاوي وذلك يوم الثلاثاء سابع جمادى الأولى من السنة ودفن بزاوية الشيخ سيدي أحمد حجي داخل مدينة سلا وفي سنة عشرين ومائة وألف توفي الولي الصالح العابد الناصح أبو العباس أحمد بن عبد الله معن الأندلسي نزيل المخفية من فاس حرسها الله وفي هذه السنة أيضا كان إحداث قراءة المسمع الحديث المتضمن لأمر الناس بالإنصاف وقوله أنصتوا رحمكم الله ثلاثا عند خروج الإمام يوم الجمعة من المقصورة وجلوسه على المنبر وفي سنة أثنتين وعشرين ومائة وألف وذلك وقت عصر الثلاثاء الثاني والعشرين من صفر منها توفي الولي الصالح سيدي أبو محمد عبد الله بن سيدي أحمد حجي المعروف بالجزار ودفن بإزاء قبر أبيه كما مر وفي يوم الأربعاء العشرين من ربيع الثاني من السنة المذكورة توفي الفقيه العلامة أبو عبد الله محمد بن الأمين الحاج محمد الصبيحي السلاوي ورثاه الشيخ أبو العباس سيدي أحمد بن عبد القادر التستاوتي بقوله ( جزعنا وإن كنا على العلم أنه % إذا ما أراد الله أمرا تعجلا ) ( لفقد الإمام المجتبى العالم الرضي % الصبيح ومن في وقته قد تنبلا ) ( وإلا فمختار الإله اختيارنا % ونرجو له خيرا عميما مكملا ) ورثاه أيضا صديقه الملاطف الشيخ أبو العباس أحمد بن عاشر الحافي السلاوي رحم الله الجميع وفي سنة سبع وعشرين ومائة وألف ليلة الأربعاء فاتح رجب منها توفي الولي الصالح العالم العامل العارف الشهير الشيخ أبو العباس أحمد بن عبد القادر التستاوتي من كبار أصحاب الشيخ ابن ناصر ومن حفدة الشيخ أبي عبد الله محمد بن مبارك الزعري المتقدم الذكر ومآثر هذا الشيخ أشهر من أن تذكر وزواياه عميمة النفع والبركة بالمغرب وكانت وفاته بمكناسة الزيتون وضريحه بها شهير عند روضة الشيخ سيدي عبد الله بن حامد رضي الله عنهم ونفعنا بهم وفي سنة تسع وعشرين ومائة وألف في الثامن عشر من ربيع الأول منها توفي الشيخ القدوة الإمام السني أبو العباس سيدي أحمد بن محمد بن ناصر الدرعي وهو ولد الشيخ ابن ناصر المتقدم وخليفته ووارث سره وفضله رضي الله عنه أشهر من أن ينبه عليه ومن ذلك ما حكاه الشيخ أبو علي الحسن بن محمد المعداني في كتابه الروض اليانع الفائح في مناقب الشيخ أبي عبد الله الصالح قال حدث بعض العلماء الأجلة أنه لما دخل الشيخ أبو العباس أحمد بن ناصر الدرعي المدينة المشرفة في حجته الأخيرة جلس تجاه الحجرة النبوية والناس يزدحمون عليه لأخذ العهد وتلقين الأوراد وهو منبسط لذلك فقلت في نفسي إن هذا الرجل مغرور راض عن نفسه كيف يتصدى في هذا المكان الذي تخضع فيه الملوك وجميع الإنس والجن والملائكة وإذا طلعت الشمس اختفى السراج قال فكاشفني بما في نفسي والتفت إلي وقال والله ما جلست لما ترون حتى أمرني النبي صلى الله عليه وسلم وما أذعنت له حتى هددت بالسلب قال فسقطت على يديه أقبلها وقلت له يا سيدي أنا تائب إلى الله تعالى فدعا لي وانصرفت ومما حكاه صاحب الكتاب المذكور قال حدث الرجل الصالح البركة الفقيه الناصح سيدي محمد بن إبراهيم المجاصي قال كان السلطان المولى إسماعيل بن الشريف رحمه الله قد استدعى الشيخ سيدي أحمد بن ناصر وكان به حنق عظيم عليه وعزم إذا وصل إليه أن يفعل به مكروها لا تدرى حقيقته غير أن الأمر شديد فجاء إلى الشيخ جماعة من العلماء الأعلام واصحابه الملازمين له وقد تخوفوا عليه وعلى أنفسهم غاية فكلموا الشيخ في ذلك واستفهموه ليعلموا ما عنده من عادة الله تعالى مع أوليائه من النصرة لهم والذب عنهم فلم يسمعوا منه كلمة ثم راجعوه في ذلك حتى هابوه وسكتوا عنه وقدم الشيخ المذكور على السلطان فلما انتهى إلى قصبة آكراي قرب مكناسة الزيتون إذا برجل مجاطي يقال له الحاج عمرو لقيه هنالك فلما رآه الشيخ نزل عن فرسه ليسلم عليه فقال الشيخ ما الخبر يا ولدي فقال الرجل ما الخبر يا سيدي والله لوددت أن سيدي لم يصل إلى هنا ولم يخرج من داره يعني أن الأمر عظيم فقال له الشيخ رضي الله عنه بلسان العناية الربانية ولا ما يشوش إذا كان في رقبتك شبر وأشار بيده فاعمل فيها ذراعا ومد ذراعه ففرح العلماء الذين معه وكل من حضر بتلك المقالة وتيقنوا الأمن على الشيخ وعلى أنفسهم لما يعلمون من عادة الله الكريمة معه فكان الأمر كما قال فإن السلطان جاء إليه بنفسه وهو في روضة الشيخ أبي عثمان سعيد بن أبي بكر وتلقاه بالقبول والتعظيم والتبجيل والتكريم وصافحه بيده وجلس معه في داخل القبة ساعة ولما خرج السلطان رحمه الله من عنده جعل ينادي بلسانه في أصحابه ويقول زوروا سيدي أحمد بن ناصر يا الناس زوروا سيدي أحمد بن ناصر يا الناس ويكررها من صميم قلبه قال سيدي محمد بن إبراهيم فلما انصرف السلطان من عند الشيخ رضي الله عنه جئت إليه وقلت له يا سيدي إنا نخاف أن ينزلنا السلطان بضريح الشيخ سيدي عبد الرحمن المجذوب ويطول بنا المقام فقال لي لا نبقى إلا هنا وبعد غد ننصرف إلى بلادنا إن شاء الله فكان الأمر كما قال بعد أن جاء الأمور من السلطان يأمره بالنزول بضريح الشيخ المجذوب فقال لا أنزل إلا هنا فبقي في موضعه ثم بعث إليه السلطان يأمره بالتوجه إلى بلاده معظما مكرما اه وفي سنة تسع وعشرين ومائة وألف في ليلة عيد الفطر منها توفي الفقيه العالم القاضي أبو العباس أحمد ابن العلامة أبي الحسن علي المراكشي وصلي عليه من الغد ودفن بالموضع المسمى بالعلو من رباط الفتح وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف في ليلة الأحد ثامن عشر المحرم منها توفي الشيخ الصالح أبو علي الحسن بن عبد الله العايدي السجيري ودفن بزاوية من حومة السويقة من سلا وفرغ من بناء قبته في رجب من السنة بعدها وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف يوم الاثنين خامس عشر رجب منها توفي الفقيه العلامة خاتمة المحققين وآخر قضاة العدل بفاس الشيخ أبو عبد الله محمد العربي بن أحمد بردلة الفاسي وفي التاريخ المذكور توفي الشيخ العلامة المتبرك به أبو العباس أحمد بن سليمان ذو التآليف العديدة في الحساب وغيره بحضرة مراكش رحمه الله وفي سنة ثمان وثلاثين ومائة وألف كانت جائحة الجراد بالعدوتين سلا ورباط الفتح وأعمالهما وخلفه قمله السمي في لسان المغاربة بآمرد فكان كالسيل العام لم يترك ورقة خضراء إلا أكلها وكان ذلك في شوال من السنة المذكورة وفي سنة تسع وثلاثين ومائة ألف يوم الاربعاء ثاني عشر صفر منها توفي الشيخ العارف بالله تعالى سيدي محمد الصالح ابن الشيخ العارف بالله تعالى سيدي محمد المعطي ابن سيدي عبد الخالق ابن سيدي عبد القادر ابن الشيخ الأكبر سيدي محمد الشرقي ومناقبه قد تكفل بها كتاب الروض الفائح في مناقب الشيخ أبي عبد الله الصالح لأبي علي المعداني وفي هذه السنة ضحى يوم السبت ثامن ذي القعدة منها توفي الفقيه العلامة المحقق سيدي أبو بكر ابن علي الفرجي المراكشي ثم السلاوي واحتفل الناس لجنازته وازدحموا على نعشه حتى كادوا يقتتلون عليه ودفن قرب داره بزاوية سيدي مغيث من طالعة سلا حرسها الله

الخبر عن الدولة الأولى لأمير المؤمنين المولى أبي العباس أحمد بن إسماعيل المعروف بالذهبي رحمه الله

لما توفي أمير المؤمنين المولى إسماعيل رحمه الله في التاريخ المتقدم اجتمع قواد العسكر البخاري وقواد الودايا وأعيان الدولة وكتابها وقضاتها وبايعوا المولى أبا العباس أحمد بن إسماعيل المعروف بالذهبي لبسط يده بالعطاء قال أكنسوس بايعوه بإشارة العبيد الشبيهة بالجبر ولم يكن ذلك عن عهد من أبيه وكتبوا بيعته إلى الآفاق ولما اتصل بأهل فاس خبر موت السلطان كان أول من بدؤوا به أن قتلوا قائدهم أبا علي الروسي ثم بايعوا السلطان المولى أحمد وكتبوا بيعتهم وتوجه بها أعيانهم إلى مكناسة فدخلوا على السلطان المولى أحمد وأدوا البيعة والطاعة فقبلهم ولم يظهر لهم سوء بما ارتكبوه من قتل قائدهم بل أعطى العلماء والأشراف جائزة البيعة وولى القائد المحجوب العلج وردهم مكرمين ثم قدم عليه قواد القبائل والأمصار وأعيانها من أهل الحواضر والبوادي

مبايعين ومؤدين الطاعة فجلس للوفود وأجاز كلا على قدر مرتبته وردهم إلى بلادهم وتفرغ لشأنه فأفتح عمله بقتل عمال أبيه وأركان دولته فقتل علي بن يشي القبلي أمير البربر وثنى بأحمد بن علي أمير الأعمال الفاسية وما أتصل بها من بلاد الهبط والصحيح أن أحمد بن علي المذكور كان عند بيعة المولى أحمد في السجن فدس إليه علي بن يشي من ذبحه فيه فسلط الله عليه السلطان فقتله وكان جزاؤه من جنس عمله وقتل السلطان أيضا الباشا ابن الأشقر ومرجان الكبير قائد عبيد الدار وصاحب بيوت الأموال وكان لنظره ألفان ومائتان من المفاتي كلها موزعة على أبواب القصور وكل واحد من هؤلاء الخصيان له عبدان وثلاثة وأكثر يخدمونه واعلم أن المولى أحمد رحمه الله كان مستبدا عليه في كثير من الأحوال يشير العبيد عليه فيفعل وما قتل من قتل من رؤساء الدولة إلا بإشارتهم وقتل جماعة من القواد والكتاب سوى من تقدم وطاف على بيوت الأموال ومخازن السلاح والكسى فأمر بإخراج ذلك وتفرقته على العبيد وقواد الجيش وأعطى من ذلك فوق الكفاية وعم العلماء والأشراف والطلبة بالنوال وخص أفرادا من العسكر بألوف فاغتبط الناس به وحمدوه رحمه الله

إغارة القائد أبي العباس أحمد بن علي الريفي على تطاوين وما دار بينه وبين الفقيه أبي حفص عمر الوقاش

كان القائد المجاهد أبو العباس أحمد بن علي الريفي يلي رئاسة المجاهدين هم وأبوه من قبله بالثغور الهبطية أيام السلطان المولى إسماعيل رحمه الله وكانت له ولأبيه اليد البيضاء في فتح طنجة والعرائش وغيرهما حسبما سلف بعضه فكانت له بذلك وجاهة كبيرة في الدولة خصوصا ببلاد الهبط وكان بتطاوين يومئذ الفقيه الأديب أبو حفص عمر الوقاش من بيوتاتها وأهل الرياسة بها كان أولا كاتبا مع السلطان المولى إسماعيل رحمه الله وكانت له المنزلة العالية عنده ثم لما ضعف عن الخدمة السلطانية بكبر سنه ولاه على تطاوين وأعمالها فحدثت بينه وبين القائد أبي العباس الريفي منافسة أوجبتها المجاورة والمعاصرة فكان يبلغ كل واحد منهما عن صاحبه ما يحفظه واستمر الحال على ذلك إلى أن توفي السلطان المولى إسماعيل رحمه الله وأفضى الأمر إلى ابنه المولى أحمد فضيع الحزم وأهمل أمر الجند حتى سقطت هيبة السلطان من قلوب الولاة في النواحي فانتهز أبو العباس الريفي الفرصة في أهل تطاوين وزحف إليها في جيش كثيف ودخلها على حين غفلة من أهلها وحاول الفتك فيهم فبرز إليه الفقيه أبو حفص الوقاش في أهل تطاوين وحاربه فانتصر عليه وأوقع به وقعة أعظم مما كان أضمر له وقتل من إخوانه عددا كثيرا ونجا القائد أبو العباس بجريعة الذقن ولما اتفق للفقيه أبي حفص هذا الفتح الذي لم يكن له في حساب استخفه النشاط وغلبت عليه حلاوة الظفر حتى طمع في الملك وفاه من ذلك بما كان ينبغي له ولكل عاقل كتمانه فقال قصيدته المشهورة ينعي فيها على أهل الريف فعلتهم وينتقص دولتهم ويفتخر على أهل فاس فمن دونهم ويخبر عن نفسه بما يؤول إليه أمره فأزرى بأدبه على كبر سنه مع أنه كان من أهل الأدب البارع والعلم والرياسة والقصيدة المشار إليها هي قوله ( بلغت من العليا ما كنت أرتجي % وأيامنا طابت وغنى بها الطير ) ( ونادى البشير مفصحا ومصرحا % هلم أباحفص فأنت لها الصدر ) ( نهضت مجيبا للندا راقصا به % وما راعني إذ ذاك زيد ولا عمرو ) ( شرعت بحمد الله للملك طالبا % وقلت وللمولى المحامد والشكر ) ( أنا عمر المعروف إن كنت جاهلي % فسل تجد التقديم عندي ولا فخر ) ( أنا عمر الموصوف بالبأس والندى % أنا عمر المذكور في ورد الجفر ) ( ظهرت لأحيي الدين بعد اندراسه % فطوبى لمن أمسى يساق له الأمر ) ( ولم يبق ملك يستتب بغربنا % فعندي انتهى العلم المبرح والسر ) ( أنا عمر المشهور في كل غارة % أنا البطل المقدام والعالم الحبر ) ( ضبطت بلادي وانتدبت لغيرها % وعما قليل يعظم الجاه والقدر ) ( وجئت بعدل للإمامين تابعا % أنا الثالث المذكور بعدهما وتر )

يعني أنه ثالث العمرين وقد كان يصرح بذلك ثم قال ( ففرطوط والرحمون والكوط عصبتي % وراغون كنزي والصغير به القهر ) ( أولئك أنصاري وأرباب دولتي % وأهلي وأصهاري هم الأنجم الزهر ) ( وقد دام بالديمان مجدي وسؤددي % وفخري في الأقطار باد كما الفجر ) ( هلالي بدا لما هلالي أجابني % وغيلان إذ لبى به عظم الوفر ) ( ودولة أهل الريف حتما تمزقت % فلم يبق بالتحقيق عندي لها جبر ) ( أذقناهم لما أتوا شر بأسنا % فأبوا سراعا والصوارم والسمر ) ( تطير الأكف والسواعد منهم % هنيئا فحق للأنام بنا البشر ) ( بخفي حنين آب عنا كبيرهم % وما فاته منا نكال ولا خسر ) ( فمن ذا يضاهيني ومالي وافر % وذكري مغمور به البر والبحر ) إلى غير هذا مما لا غرض لنا في جلبه وقد أجابه الفقيه أبو عبد الله محمد بن بجة الريفي ثم العرائشي بقصيدة يقول فيها ( في صفحة الدهر قد خطت لنا عبر % منها ادعاء الحمار أنه بشر ) ( من مر عنه الصبا وما رأى عجبا % خبره بعجاب دهره الكبر ) وهي طويلة إلا أن قائلها لم يحكم صناعة الشعر فلذا تركناها ولما اتصل خبر هذه الوقعة بأمير المؤمنين المولى أحمد رحمه الله أغضى عن الفريقين ودخل داره وعكف على ملذاته وترك الناس وشأنهم وثار ببلاد الغرب والقصر وأعماله فساد كبير بين القبائل وأصحاب المخزن وهلك في ذلك بشر كثير وسقطت هيبة الخلافة وانحل نظام الدولة بالمرة لا سيما مع ما دهاها من قتل رجالها القائمين بأمورها وكان ذلك منتهى مراد العبيد فقد كان علي بن يشي أمير الأمراء ورئيس البربر وغيرهم وكان أحمد بن علي أمير جبال مرموشة وبني وراين وعرب الحياينة وبرابرة غياثة والجبال فكان رديف علي بن يشي ومباريه في نصح الدولة وجباية الأموال وكان ابن الأشقر أمير الزراهنة وعلى يديه أعشار القبائل كلها من أهل الغرب وبني حسن وغيرهم رديفا للأولين وكان القائد مرجان صاحب بيوت الأموال وبيده دفتر الدخل والخرج عارفا بقدر مما يدفعه العمال كل سنة فلما أتى عليهم القتل رحمهم الله خف على الرعية ما كانوا يحملونه من ثقل وطأتهم واستراحوا ممن كان يحول بينهم وبين الفساد وبزجرهم عن القبيح خصوصا البربر فإنهم كانوا في أقماع النحاس فخرجوا منها بمهلك علي بن يشي وأخذوا في اشتراء الخيل واقتناء السلاح وعادت هيف إلى أديانها وتبعهم على ذلك غيرهم من قبائل العرب فكأنما كانوا على ميعاد وامتدت أيدي النهب في الطرقات وكثرت الشكايات بباب السلطان فما وجدت الناس من يشكيهم هذا حال مكناسة وأعمالها فأما فاس فقد كفى الودايا أمرها ونابوا عن البربر في العيث بأطرافها وعظم الخطب واشتد الأمر ثم دخلت سنة أربعين ومائة وألف ففي المحرم منها أغار الودايا على سوق الخميس من فاس فنهبوا وقتلوا وقبضوا على طائفة من أهل فاس فأودعوهم السجن بفاس الجديد فبعث أهل فاس جماعة من أشرافهم إلى السلطان بمكناسة يشكون إليه ما نالهم من جور الودايا فلما وصلوا إليها وثب عليهم محمد بن علي بن يشي قبل أن يجتمعوا بالسلطان فسجنهم أيضا فلما اتصل بأهل فاس ما جرى على إخوانهم بمكناسة أخذهم ما قدم وما حدث فأغلقوا عليهم أبواب مدينتهم وشمروا لحرب الودايا فكتب الودايا إلى السلطان يعلمونه بأن أهل فاس قد شقوا العصا وخرجوا عن الطاعة فسرب السلطان إليهم العساكر بكل صارم وذابل وتفاقم الأمر واختلط الحابل بالنابل وركبت المدافع والمهاريس والمجانيق لحصار فاس واستمر القتال إلى أن بعث السلطان أخاه المولى المستضيء في جماعة من أشراف مكناسة ومعهم أشراف فاس الذين سجنهم محمد بن علي بن يشي لتلافي الأمر وعقد الصلح بين الودايا وأهل فاس فانعقد الصلح ونهض عسكر السلطان إلى مكناسة فما ساروا يوما أو يومين حتى انتقض ذلك الصلح وغدا الودايا على حصار فاس ورميها بالكور والبنب واستمر الحال على ذلك إلى أن قدم من جانب السلطان القائد أبو عمران موسى الجراري ساعيا في الصلح فاجتمع أهل فاس وفاوضهم في ذلك فأذعنوا وبعثوا معه جماعة من الأعيان والعلماء والأشراف يفدون على السلطان ليتم لهم ذلك بعد أن أخذوا جماعة من أصحاب أبي عمران توثقا بإخوانهم ولما قدم أولئك الوفد مكناسة منعوا من الدخول على السلطان ورجعوا إلى فاس مخفقين واستمر الأمر على حاله إلى أن كاتبهم عبيد الديوان يطلبون منهم موافقتهم على عزل السلطان المولى أحمد وتولية أخيه المولى عبد الملك صاحب السوس فأجابوهم إلى ذلك وطاروا به كل مطير وأكرموا وفدهم وحالفوهم على الوفاء ورجع العبيد إلى مكناسة شاكرين ففاوضوا من بها من قواد الجند وتذاكروا فيما وقع فيه الناس من الفساد وانقطاع السبل وتعذر الأسباب وتحققوا بما أتوه من سوء التدبير في تقديم المولى أحمد لكونه كان ضعيف المنة غير مطلع بأعباء الخلافة فأجمعوا على عزله واستبدال غيره به ولما تم أمرهم على ذلك بعثوا إلى أخيه المولى عبد الملك جريدة من الخيل وكتبوا إليه كتابا يستحثونه للقدوم وأعلموه بما أجمع عليه رأيهم فأجاب وأقبل مسرعا نحو مكناسة ولما انتهى إلى وادي بهت واتصل خبره بالعبيد دخلوا على السلطان المولى أحمد وقبضوا عليه وأخرجوه من دار الملك مخلوعا وسجنوه بداره التي كان يسكن بها قبل البيعة خارج القصبة وكان ذلك في شعبان سنة أربعين ومائة وألف

الخبر عن دولة أمير المؤمنين المولى أبي مروان عبد الملك بن إسماعيل رحمه الله

لما خلع السلطان المولى أحمد رحمه الله وسجن خارج القصبة كما مر اجتمع من الغد الجيش كله وركبوا لملاقاة المولى أبي مروان عبد الملك بن إسماعيل فأجتمعوا به خارج مكناسة وأدوا واجب الطاعة والتفوا عليه ودخلوا به الحصرة في زي الملك وأهبة السلطان ثم حضر أعيان الدولة وأمراؤها وقضاتها وعلماؤها وأشرافها فبايعوه وكتب بيعته إلى الآفاق ومن الغد قدم عليه أعيان فاس من العلماء والأشراف وغيرهم ببيعتهم فدخلوا عليه وبايعوه ثم قدمت عليه الوفود للتهنئة من حواضر المغرب وبواديه فجلس لملاقاتهم وقابلهم بما يجب من البشر إلى أن قرع من شأنهم وتفقد أخاه المولى أحمد المخلوع فأمر به إلى فاس كي يسجن بها ثم بدا له فأمر بتوجيهه إلى سجلماسة قال في الأزهار الندية لما بعث السلطان المولى أبو مروان بأخيه المولى أحمد المخلوع إلى تافيلالت كتب إلى عامله بها أن يسمل عينيه بفور بلوغه فنما ذلك إلى المولى أحمد ففر إلى زاوية الشيخ أبي عثمان سيدي سعيد آحنصال وكان مقدم الزاوية يومئذ السيد يوسف ابن الشيخ سعيد المذكور وكان يتكلم في الحدثان فقال للمولى أحمد إنك سترجع إلى الملك فكان كما قال ورجا الناس أن يكون السلطان المولى أبو مروان كأبيه وأن يسير فيهم بسيرته ويسد مسده فخاب الظن وأخفق المسعى ( وابن اللبون إذا ما لز في قرن % لم يستطع صولة البزل القناعيس ) وأمسك الله يده عن العطاء فلم يسمح للعسكر ولا للوفود بدرهم فكان ذلك من أكبر الأسباب في اختلاف أمره وتفسخ دولته فطلب العسكر البخاري منه جائزة البيعة على العادة فبعث اليهم بأربعة آلاف مثقال وكان راتبهم على عهد السلطان المولى إسماعيل رحمه الله مائة ألف مثقال ولما بويع السلطان المولى أحمد زادهم في الراتب خمسين ألفا فلما وصلت إليهم جائزة المولى أبي مروان سقط في أيديهم وعلموا أنهم لم يصنعوا شيئا في بيعته وتناجوا بعزله وأضمروا ذلك وتحينوا وقت الفرصة فيه فنما إليه ذلك عنهم فأخذ حذره وصار يكاتب قبائل العرب ويعدهم ويمنيهم ويحضهم على اجتماع كلمتهم كي ينفعوه يوما ما ظنا منه أنهم يقاومون العبيد ثم كتب إلى البربر أيضا يغريهم بالعبيد وأغرى العبيد بالبربر وقال لهم في جملة من ذلك إنه لا يستقيم لنا أمر إلا بعد الإيقاع بهؤلاء البربر وشغلهم بالاستعداد لغزوهم وكتب إلى أهل فاس يأمرهم أن يبعثوا رماتهم إلى حضرته لغزو البربر وأخذ في التضريب بين العسكر والبربر واطلع العبيد على خسئته فحاصوا عنه حيصة حمر الوحش وأصفقوا على عزله ورد أخيه المولى أحمد لملكه لسخائه وبسط يده وكذبوا فإن المولى أبا مروان رحمه الله كان أنسب حالا بالخلافة من أخيه المولى أحمد لنجدته وحزمه وكان قد عزم على تطهير الحضرة وبساط الدولة من افتيات العبيد وتحكمهم على أعياصها إلا أنه لم يحكم التدبير في ذلك فعاجلوه قبل أن يعاجلهم ولما تحقق المولى أبو مروان بما عزم عليه العبيد من خلعه بعث إليهم الشيخ البركة مولاي الطيب بن محمد الوزاني واعظا ومذكرا فأتاهم ووعظهم ووعدهم الخير إن أقلعوا ونهاهم عن الخروج على السلطان واتباع سبيل السلطان وخوفهم في ذلك من سخط الله فما زادهم إلا نفورا ثم بعثوا بجريدة من الخيل إلى سجلماسة ليأتوا بالمولى أحمد وفي أثناء ذلك ركب العبيد من الديوان وأغاروا على مكناسة فاكتسحوا سرحها ثم اقتحموا المدينة فنهبوها واستباحوا حرماتها وقتلوا من ظفروا به من أعيانها ثم دخلوا دار الملك للقبض على السلطان المولى أبي مروان فلم يجدوه لأنه لما سمع بما فعله العبيد بمكناسة ركب في جماعة من أصحابه وفر إلى فاس فدخل حرم المولى إدريس رضي الله عنه واستجار به وبعث إلى أهل فاس فاستجار بهم فوعدوه الدفاع عنه والقيام بأمره ولما علم العبيد بموضع المولى أبي مروان من فاس وما وعده به أهلها حبسوا رماتهم الذين كانوا قد قدموا مكناسة بقصد غزو البربر كما تقدمت الإشارة إليه وثقفوهم حتى يقدم السلطان المولى أحمد من سجلماسة ويرى فيهم وفي أخيه رأيه وكان ذلك في ذي الحجة سنة أربعين ومائة وألف

الخبر عن الدولة الثانية لأمير المؤمنين المولى أبي العباس أحمد الذهبي رحمه الله

لما راسل العبيد المولى أحمد بنا إسماعيل بسجلماسة وأعلموه بما عزموا عليه من عزل أخيه ورد الملك إليه بادر بالقدوم إلى مكناسة فدخلها في التاريخ المتقدم وحضر أعيان الدولة من القواد والقضاة والكتاب وبايعوه البيعة الثانية وكتبوا بذلك إلى الآفاق ثم دخل دار الملك وفرق الأموال والكسى في العسكر والعلماء الأشراف وبالغ في ذلك تفصيا مما نقمه العبيد على أخيه وكان فعل أخيه أقرب إلى الصواب لو سلك الوسط وأحكم أمره ورتبه ترتيب ذو الحزم ولكن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن

حصار أمير المؤمنين المولى أحمد لفاس والسبب في ذلك

لما بويع المولى أحمد البيعة الثانية قدم عليه الوفود من القبائل والأمصار فأكرم وفادتهم وتخلف عنه أهل فاس فلم يقدم عليه أحد منهم لأنه لما قدم من سجلماسة وأعلم بمكان أخيه منهم وبمكان رماتهم المثقفين بمكناسة أمر بسجنهم والتضييق عليهم فأوجسوا منه شرا وحذروه ولأنهم كانوا قد ارتكبوا العظيمة أولا في قتل أبي علي الروسي ونهب داره وماله ومال المخزن الذي كان تحت يده فكانوا يتوقعون سطوة السلطان المولى أحمد بهم أول ما بويع ثم لم يلتفت إليهم لشغله بنفسه فلما عادت الدولة إليه ارتابوا به وحادوا عن طاعته وتقدموا إلى المولى عبد الملك وجددوا له البيعة وأعلنوا بنصره والقيام بأمره ثم ورد عليهم كتاب السلطان المولى أحمد يأمرهم أن يسلموا إليه أخاه ويدخلوا فيما دخل فيه الناس أو يأذنوا بحربه فجهروا بالخلاف وأغلقوا الأبواب ووطنوا أنفسهم على الحصار ثم بعث إليهم السلطان القائد اليديني قائد الرماة المسجونين بمكناسة وأمره أن يعرض عليهم الدخول في الطاعة ويسرح لهم إخوانهم المسجونين وحمله كتابا إليهم يتضمن ذلك وغيره فلما فرغ القائد المذكور من قراءة كتاب السلطان عليهم وثبوا عليه فقتلوه ثم جروه برجله وصلبوه على التوته التي بحومة الصفارين ثم وثبوا على الحاج الخياط عديل فقتلوه على باب داره وخرج الشريف أبو محمد عبد الله بن إدريس الإدريسي في كتيبة من الخيل والرماة إلى زواغة فأغار على سرح الودايا واستاق من البقر والغنم شيئا كثيرا فدخل به فاسا وبيع بأبخس ثمن وتوزعته الأيدي فبيعت البقرة بست موزونات والشاة بموزونة على ما قيل وهاجت الحرب بين أهل فاس والودايا ثم نهض السلطان المولى أحمد فاتح محرم من سنة إحدى وأربعين ومائة وألف في عسكر العبيد وودايا مكناسة فزحف إلى فاس ونزل عليها ثاني يومه ونصب عليها المدافع والمهاريس وآلات الحصار وانشلى العسكر على بساتينها وبحائرها فانتسفوا ثمارها واجتاحوا غللها وأمر الطبجية بموالاة الكور والبنب والحجارة عليها ليلا ونهارا ففعلوا ودام ذلك إلى أن عمها الخراب وتهدم الكثير من دورها وهلك عدد وافر من رجالها بعضهم في القتال وبعضهم بالهدم والحجارة واستمر الحصار نحو خمسة أشهر فضاق بهم الحال وضعفوا عن القتال وقلت الأقوات وارتفعت الأسعار فأذعنوا للطاعة وصالحوا المولى أحمد على إسلام أخيه المولى عبد الملك إليه وتمكينه منه على الأمان فبعث السلطان المولى أحمد إلى أخيه المولى عبد الملك يخيره بين التغريب إلى سجلماسة والمقام بالحرم الإدريسي فاختار المقام بالحرم ثم إن السلطان تقدم إلى أهل فاس في أن لا يجتمع أحد منهم بأخيه ولا يجالسه ولا يكلمه ولا يبيع من أحد من أصحابه شيئا ولا يشتري منه ومن فعل شيئا من ذلك فإنه يعاقب فلما رأى المولى عبد الملك ما عامله به أخوه من التضييق بعث ولده إلى العبيد يطلب منهم أن يؤمنوه ويخرج معهم إلى

حيث شاؤوا فقدم عليه الباشا سالم الدكالي في خمسين من القواد وعاهدوه بالحرم الإدريسي أن لا يصيبه مكروه فخرجوا به حتى قدموا به على أخيه فلما مثل بين يديه أمر به أن يحمل إلى مكناسة مقبوضا عليه فوصل إلى مكناسة وسجن بدار الباشا مساهل ثم رحل السلطان المولى أحمد عن فاس قافلا إلى مكناسة وعند حلوله بها مرض مرض موته ولما أحس من نفسه بالموت أمر بخنق أخيه المولى عبد الملك فخنق ليلة الثلاثاء أول يوم من شعبان ثم توفي السلطان المولى أحمد يوم السبت رابع شعبان المذكور سنة إحدى وأربعين ومائة وألف فكان بين وفاتهما ثلاثة أيام رحمهما الله واعلم أن ما ذكرناه من هذه الأخبار هو الذي عند صاحب البستان وقلده أبو عبد الله أكنسوس حذو النعل بالنعل ورأيت بخط جدنا من قبل الأم وهو الفقيه الأستاذ أبو عبد الله محمد بن قاسم الإدريسي اليحيوي الجباري عرف بابن زروق وكان حيا في هذه المدة ما نصه بويع المولى أحمد بن إسماعيل المعروف بالذهبي يوم وفاة والده رحمه الله بعد أن ثار بالمغرب والقصر وحوزه فساد كبير بين القبائل وأصحاب المخزن وهلك في ذلك بشر كثير وبعد مكثه في الملك سنة واحدة وثمانية أشهر خلع وبويع أخوه المولى عبد الملك في الآخر من رجب سنة إحدى وأربعين ومائة وألف وهو بالسوس الأقصى بمدينة تارودانت ثم ورد على دار المملكة بالحضرة المكناسية ليلة السابع والعشرين من رمضان المعظم من السنة المذكورة ثم ثار عليه أخوه المولى أحمد المخلوع في عاشر المحرم فاتح سنة اثنتين وأربعين ومائة وألف واقتحم عليه دار الملك من مكناسة عنوة ووقع فساد كبير بالمدينة المذكورة وهلك بشر كثير في الحرب ومنهم من قتل صبرا وفر المولى عبد الملك ناجيا بنفسه إلى فاس ثم حاصره بها المولى أحمد نحوا من أربعة أشهر حتى خرج إليه على الأمان فأمر بسجنه بمكناسة ثم قتل المولى عبد الملك صبرا مخنوقا في أواخر رجب المذكور أيضا اه كلامه والله تعالى أعلم بحقيقة الأمر

قالوا وكان المولى أحمد رحمه الله أشبه الناس بالأمين بن الرشيد العباسي في زيه ولهوه وإكبابه على شهواته وتضييع الحزم والجد حتى فسدت الأحوال وتراكمت الأهوال وذكر معاصروه أنه لم يكن شهد حربا قط قبل خلافته وكان مع ذلك جوادا متلافا فآلت به الأمور إلى ما ذكرنا ولله الأمر من قبل ومن بعد

الخبر عن دولة أمير المؤمنين المولى عبد الله بن إسماعيل رحمه الله

كان المولى عبد الله بن إسماعيل وهو ولده الحرة خناثي بنت بكر المغفري أيام خلافة أخيه المولى أحمد منحاشا إلى أخيه المولى عبد الملك ومقيما معه ببلاد السوس فلما خلع المولى أحمد وبويع المولى عبد الملك وقدم مكناسة قدم المولى عبد الله في ركابه واستمر مقيما بها إلى أن ثار العبيد بالمولى عبد الملك وفر إلى الحرم الإدريسي فخرج المولى عبد الله من مكناسة إلى سجلماسة وأقام بداره بها إلى أن توفي السلطان المولى أحمد في التاريخ المتقدم فاجتمع أعيان الدولة من العبيد والودايا وسائر القواد والرؤساء واتفقوا على بيعة المولى عبد الله بن إسماعيل وهو يومئذ بسجلماسة فنادوا باسمه وأعلنوا بنصره في المحلة ومكناسة وبعثوا جريدة من الخيل لتأتي به وكتبوا مع ذلك إلى أهل فاس يعزونهم عمن هلك من إخوانهم أيام الحصار ويحضونهم على الموافقة على بيعة المولى عبد الله بن إسماعيل ولما وصل الكتاب إلى فاس قرىء على منبر جامع القرويين فأجابوا بالموافقة إن حضر ولما وصلت الخيل إلى المولى عبد الله وأعلموه بما اتفق عليه الناس في شأنه أقبل مسرعا حتى نزل بظاهر فاس بالموضع المسمى بالمهراس فخرج أعيان فاس من العلماء والأشراف وغيرهم لملاقاته فسلموا عليه واستبشروا بقدومه فسر بهم والآن لهم القول ووعدهم بالجميل وأعلمهم بأنه من الغد دخل لحضرتهم لزيارة المولى إدريس رضي الله عنه فرجعوا مسرورين مغتبطين ومن الغد أخذوا زينتهم ولبسوا أسلحتهم ونشروا ألويتهم وخرجوا لميعاده فركب السلطان فرسه وركب معه خاصته وأهل موكبه وفي جملتهم حمدون الروسي عدو أهل فاس وتقدم السلطان فدخل على باب الفتوح وتوسط المدينة فرأى بعض سماسرة الفتن من أولاد ابن يوسف حمدون الروسي وكان قد قتل أباهم حسبما مر فصمدوا إليه فلما رآهم تنحى عنهم قليلا فتبعوه فعلم أنهم عزموا على اغتياله فركض فرسه إلى السلطان وهو على قنطرة الرصيف وأخبره خبر أولاد ابن يوسف وخص وعم بالإرجاف في حق أهل فاس فعدل السلطان عن قصده ورجع على طريق جامع الحوت ثم على جزاء ابن عامر وخرج على باب الحديد إلى فاس الجديد ولم يزر ولم يعلم الناس موجب الرجوع عن الزيارة إلى أن شاع الخبر بذلك فمشى علماء فاس وأشرافها إلى السلطان ورفعوا إليه بيعتهم واعتذر إليه بعض الفقهاء بأن ما وقع في جانب حمدون إنما هو من بعض السفهاء فأعرض السلطان عن ذلك وصم عن سماعه وكانت البيعة التي رفعها أهل فاس من إنشاء الفقيه العالم الوجيه أبي العلاء إدريس بن المهدي المشاط المنافي نسبة إلى عبد مناف بن قصي وهذا الفقيه هو الذي كان السلطان المولى إسماعيل رحمه الله بعثه قاضيا على تادلا مع ابنه المولى أحمد الذهبي حين ولاه عليها كما مر ونصها الحمد لله الذي جعل العدل صلاحا للملك والرعية والعباد كما جعل الجور هلاكا للحرث والماشية والبلاد وسدد العادل بعنايته وأعد للجائر ما هو معلوم له يوم المعاد وجعل المقسطين على منابر من نور يوم القيامة كما جعل القاسطين في العذاب والحسرات والأنكاد فأسعد الملوك يوم القيامة من سلك مع الرعية سبيل السداد وأصلح ما أظهره الجائر في الأرض من الفساد نحمده أن تفضل علينا بإمام عادل ونشكره إن حكم فينا من لا يصغي في الحق لقول عاذل فولى علينا الخليفة من نسل الشفيع يوم التناد ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا يسأل عما يفعل يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء في أي وقت شاء وأراد ونشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدا عبده ورسوله الشفيع في أمته يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولا يقبل من القاسطين فداء بطريف ولا تلاد صلى الله عليه وسلم الذين أظهروا الشريعة ومحوا الظلم محمو المداد أما بعد حمد الله الذي أمر بطاعة أولي الأمر ووعد من نصر دينه بالظفر والنصر فقال عليه السلام ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم قال من أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهو جميع فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان وفي صحيح مسلم أيضا عنه صلى الله عليه وسلم قال من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد وأراد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كره من أميره شيئا فليصبر فإن من خرج عن السلطان شبرا مات ميتة جاهلية وفيه أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لابن عقبة لعلك لا تلقاني بعد اليوم فعليك بتقوى الله تعالى والسمع والطاعة للأمير وإن عبدا حبشيا واتفق أئمة الدين على أن نصب الإمام واجب على المسلمين وإن كان من فروض الكفاية كما أن القيام بذلك من الواجبات كما دلت عليه نصوص الأحاديث والآيات وقال الشاعر ( لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم % ولا سراة إذا جهالهم سادوا ) ولما كان من أمر الله سبحانه ما أراده وقدره فقبض إليه خليفته وأقبره دهش المسلمون وخافوا من توالي الشرور والفتن فتوجهوا إليه سبحانه في أن يغمد عنهم السيوف وطلبوا من فضله المعهود أن يصرف عنهم ضروب المحن والحتوف فأجاب الكريم الدعوات ونفس الهموم والكربات ونشر رحمته وأزاح نقمته فصارت القلوب ناعمة بعد بؤسها والوجوه ضاحكة بعد عبوسها والشرور والفتن قد أدبرت وأعلام الأمن والعافية قد أقبلت فوفق الله جيوش المسلمين للأعمال المرضية والهمم لما فيه صلاح الدنيا والدين والراعي والرعية فاقتضى نظرهم السديد ورأيهم الموفق الرشيد بيعة من في أفق السعادة قد طلع وظهر في سماء المعالي بدره وارتفع الإمام الهمام العلوي الهاشمي العدل في الأحكام الموصوف بالكرم والشجاعة والشهامة والحزم والنجدة والزعامة المتواضع لله المتوكل في جميع أموره على الله أمير المؤمنين مولانا عبد الله بن الشريف الجليل الماجد الأصيل أمير المؤمنين مولانا إسماعيل ابن مولانا الشريف فبايعوه أعزه الله على كتاب الله وسنة الرسول وإقامة العدل الذي هو غاية المأمول بيعة التزمتها القلوب والألسنة وسعت إليها الأقدام والرؤوس خاضعة مذعنة لا يخرجون له من طاعة ولاينحرفون عن مهيع الجماعة أشهدوا على أنفسهم عالم الطويات المطلع على جميع الخفيات قائلين إننا بايعناك وقلدناك لتسير فينا بالعدل والرفق والوفاء والصدق وتحكم بيننا بالحق كما قال تعالى لنبيه في محكم وحيه @QB@ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق @QE@ ص 26 وقال تعالى وقوله الحق @QB@ ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما @QE@ الفتح 10 وقال تعالى @QB@ ولا تكن للخائنين خصيما @QE@ النساء 105 وهذه الرعية تطلب من ربها أن يعين مالكها ويساعده ويقذف الرعب في قلب من يريد أن يعانده وأن يفتح عليه ما عسر على غيره ويمده بعزيز نصره إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير وبيده القوة والحول نعم المولى ونعم النصير شهد بذلك على نفسه ومن معه العبد الفقير المذنب الحقير ممليها وكاتبها إدريس بن المهدي المشاط بمحضر فلان وفلان وجمهور الفقهاء والأعيان في يوم الاثنين سابع رمضان سنة إحدى وأربعين ومائة وألف ثم سافر السلطان في الحين إلى مكناسة كما نذكره

حدوث النفرة بين أمير المؤمنين المولى عبد الله وأهل فاس والسبب في ذلك

قد قدمنا ما كان من وسوسة حمدون الروسي للسلطان المولى عبد الله في جانب أهل فاس واعتذار بعض الفقهاء لدى السلطان عن ذلك ثم إن السلطان أمر أهل فاس ببعث طائفة منهم تكون معه على العادة فعينوا الخمسمائة التي كانت تغزو مع الملوك قبله فذهبت معه إلى مكناسة ولما استقر بالحضرة قدم عليه أعيان الديوان وعمال القبائل ووفود الحواضر والبوادي ففرق المال ولم يحرم أحدا سوى أهل فاس فإنه لم يعطهم شيئا ثم حضر عيد الفطر فقدمت وفود الأمصار ليشهدوا العيد مع السلطان على العادة وقدم وفد فاس لهذا الغرض وحضروا صلاة العيد مع السلطان بالمصلى ولما قدم الناس هداياهم بعد رجوع السلطان إلى منزله قدم أهل فاس هديتهم على العادة فأعطى الناس وحرمهم ثانيا قلت ولست أشك في أن شيطانا من شياطين الإنس كان موكلا بهذا السلطان يغريه بأهل فاس ويوغر صدره عليهم ويفسد ما بينه وبينهم وإلا فكيف تقتضي السياسة أن يعمد ملك كبير إلى أخص رعيته ولبها وصميمها فيفسد ضمائرها عليه ويزرع بغضه في قلوبها وهب أنهم أساؤوا الأدب أليس التغافل مطلوبا في مثل هذا ما أمكن لا سيما في حق السلطان وقد كان المنافقون يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيحلم عنهم وقال له بعض أصحابه ألا نقتلهم فقال له صلى الله عليه وسلم كيف يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ومن الحكم المأثورة قولهم التعامي يدفع شرا كثيرا وقال الشاعر ( ليس الغني بسيد في قومه % لكن سيد قومه المتغابي ) ومن الغد أمر السلطان بإحضار أهل فاس بالمشور ثم خرج عليهم فقاموا إليه وأدوا واجب التحية فقال لهم يا أهل فاس كاتبوا إخوانكم يسلموا إلينا البساتين والقصبات فإنها للمخزن ومن وظائفه فإن أبوا فإني آتيهم وأهدم عليهم تلك القرية فأجابوا بالسمع والطاعة وعادوا إلى رحالهم ولما كان المساء اتخذوا الليل جملا وأسروا ليلتهم كلها ولم يصبحوا إلا بباب فاس فاجتمعوا بإخوانهم وقرروا لهم مقالة السلطان وما عزم عليه في حقهم فاجتمع أعيانهم وتفاوضوا في شأنهم وشأن السلطان وأحضروا نسخة البيعة وتصفحوا شروطها وقالوا إنا لم نبايعه على هذا الذي يعاملنا به ثم أعلنوا بخلعه والأمر لله وحده

حصار المولى عبد الله مدينة فاس

لما أعلن أهل فاس بخلع السلطان المولى عبد الله عزموا على الحرب ووطنوا أنفسهم على الحصار ونادوا في المدينة من أراد الخروج إلى بلده ومأمنه من غير أهل البلد فليتهيأ في ثلاث ثم أغلقوا أبواب المدينة واستعدوا للقتال ولما سمع السلطان بخبرهم تهيأ لغزوهم فأخذ أهبته وخرج من مكناسة في الخامس والعشرين من شوال سنة إحدى وأربعين ومائة وألف فنزل على فاس ووزع الجنود عليها من كل ناحية وأطلق يد الجيش بالعيث في أطرافها من تخريب المصانع وقطع الأشجار وإفساد المزارع وأمر بطم الوادي فانحبس عنهم ماؤه وزحفت العساكر فكان القتال على كل باب سائر النهار فإذا كان المساء أمر الطبجية والأعلاج بإرسال الكور والبنب وحجارة المنجنيق فكان الناس لا يستريحون بالنهار ولا ينامون بالليل واشتد الكرب وريع السرب واستمر الحال إلى أن دخلت سنة اثنتين واربعين ومائة وألف فازداد الأمر شدة وارتفعت الأسعار وانعدمت الأقوات وكثر الهرج فبعثوا إلى السلطان في الصلح فقال على تسليم البساتين والقصاب فأبوا وتجلدوا ثم بعد ذلك وقع الصلح على يد القائد أبي عبد الله محمد السلاوي بضريح المولى إدريس رضي الله عنه واستصحب معه جماعة من أشراف فاس وعلمائها إلى السلطان وهو بفاس الجديد فأكرم مقدمهم ووصلهم بألف دينار وكساهم وولى عليهم الحاج أبا الحسن عليا السلاوي فدخل الوالي المذكور القصبة ثاني ربيع النبوي سنة اثنتين وأربعين ومائة وألف وشحن البساتين والقصاب بالمقاتلة من أصحابه وافتتح عمله بقتل الشيخ دحمان المنجاد من رؤساء فاس ولما اتصل خبره بالسلطان عزله وولى على فاس أحد أولاد حمدون الروسي المعروف بالبادسي ثم بعد مدة يسيرة عزله وولى عبد النبي بن عبد الله الروسي ثم لما عزم على النهوض إلى مكناسة عزله أيضا وولى عليهم عدوهم حمدون الروسي وارتحل في العشرين من ربيع الأول من السنة وفي هذه السنة بعث السلطان ولده المولى محمدا مع أمه السيدة خناثى إلى الحجاز بقصد حج البيت والمولى محمد يومئذ دون بلوغ وفي نشر المثاني إن هذه الحجة كانت سنة ثلاث بعدها قال إن أم السلطان المولى عبد الله وهي السيدة خناثى بنت بكار المغفرية التمست من ولدها المذكور السفر إلى المشرق بقصد حج بيت الله الحرام فأجابها إلى ذلك وهيأ لها جميع ما تحتاج إليه ووجه معها ولده الذي أيد الله به الدنيا والدين بعده سيدي محمد بن عبد الله فحج معها في هذه السنة يعني سنة ثلاث واربعين ومائة وألف

نهوض السلطان المولى عبد الله إلى قتال البربر وإيقاعه بهم

لما استقر السلطان المولى عبد الله بمكناسة وتفقد حال البربر وجدها قد عادت إلى حالها الأول من ركوب الخيل واقتناء السلاح والعيث في الطرقات فأمر العبيد بالاستعداد لغزوهم وتمهيد البلاد والتقصير من بأوهم فخرج إلى تادلا وصمد إلى آيت يمور الذين كانوا قد نزلوا بها وأضروا بأهلها حين نفتهم آيت ومالو عن رأس ملوية وغلبوهم عليه فنزلوا تادلا وأوقدوها نارا فكثر شاكيهم بباب السلطان فنهض إليهم على ما سبق ولما أحسوا بدنوه منهم فروا أمامه ودخلوا بلاد آيت يسري فتبعهم إلى أن أوقع بهم على وادي العبيد وقتل منهم آلافا وانتهبهم وعاد إلى تادلا ظافرا والله غالب على أمره

ذكر ما صدر من السلطان المولى عبد الله من العسف المخل بالسياسة والتناقض المغير في وجه الرياسة

لما عاد السلطان المولى عبد الله إلى تادلا قتل عشرين رجلا من أعيان رماة أهل فاس وكتب إلى إخوانهم يعتذر عن قتل من قتل منهم ويأمرهم بتجديد بعث آخر وتوجيهه إليه فعينو طائفة من رماتهم وجهوها بعد أن عرضها القائد حمدون الروسي برأس الماء ثم من الغد قتل القائد حمدون المذكور عبد الواحد تيبر ومحمد بن الأشهب من أهل فاس بباب السجن وأمر بجرهما في سكك المدينة ثم أصبح غاديا على أبواب فاس فتتبعها بالهدم فهدم باب المحروق وباب الفتوح وباب الجيسة وباب بني مسافر وباب الحديد وحمل مصاريعها كلها إلى فاس الجديد وفي أول يوم من المحرم من سنة ثلاث واربعين ومائة وألف شرع حمدون الروسي في هدم سور مدينة فاس وجر الأنقاض التي بها إلى فاس الجديد وفي أثناء ذلك

ورد كتاب من السلطان يتضمن العفو عن أهل فاس والرضا عنهم فارتاب حمدون الروسي وفر إلى زرهون ثم قفل السلطان من تادلا فأقام بمكناسة مدة يسيرة وخرج غازيا بلاد السوس فقدمها ومهدها وعاد مؤيدا منصورا وفي هذه السنة أمر ببناء باب منصور العلج بمكناسة فجاء في غاية الضخامة والفراهة وأكمل سوق القصبة فجاء على ما ينبغي والله أعلم

هدم السلطان المولى عبد الله مدينة الرياض من حضرة مكناسة وما اتصل بذلك

كانت مدينة الرياض زينة مكناسة وبهجتها إذ كان بها آثار أكابر دولة أمير المؤمنين المولى إسماعيل رحمه الله وبها دور العمال والقواد والكتاب وسائر أعيان الحضرة الإسماعيلية بل كل من كان له وظيف في خدمتها السلطانية بنى داره بها وتنافس الأكابر والرؤساء في تشييد الدور وتنجيد القصور وتناهوا في ذلك حتى كان بدار علي بن يشي القبلي أربع وعشرون حلقة يجمعها باب واحد وكانت دار القائد عبد الله الروسي وأولاده على ذلك المنوال بل أعظم ضخامة وأكمل حضارة حتى كأنها حومة مستقلة وكان لأمثالهما من القواد مثل ذلك أو قريب منه فخلدوا بها الآثار العظيمة والمعالم الفخيمة وبنى كل عامل مسجدا في حومته وكان بوسطها المسجد الأعظم الإسماعيلي ومدرسته وحمامه وفنادقه وأسواقه الموقوفه عليه وكانت تنفق بها البضائع التي لا تنفق في غيرها فأتى عليها من أيام النحوس يوم ركب السلطان المولى عبد الله عند فجره ووقف على تل عال يشرف منه عليها وأمر النصارى والشعابنية بهدمها فتسارعوا إليها وشرعوا في هدمها من كل ناحية والناس نيام فلم يرعهم إلا بيوتهم تتساقط عليهم فمن أسرع وخف بحمل متاعه وآثاثه نجا ومن لا معين له أو تراخى في حمل متاعه ضاع تحت التراب وكان بها طائفة كبيرة من أخواله الودايا وغيرهم فارتحل الودايا إلى فاس الجديد وانضموا إلى إخوانهم الذين بها وتفرق غيرهم بمدينة مكناسة ولم تمض عشرة أيام حتى صارت مدينة الرياض كدية من التراب ولم يبق بها إلا الأسوار قائمة الإشخاص والجدران مائلة للعيان والأمر لله وحده قالوا وفي هذه السنة بعث السلطان المولى عبد الله بعثا مع القائد أبي عمران موسى الجراري إلى بعض الجهات وكانوا نحو ثلاثمائة فلما قدموا عليه قتله وقتل أصحابه معه وقدم عليه أيضا وفد من عند الباشا أحمد بن علي الريفي في مثل هذا العدد من طنجة ومعهم هدية الباشا المذكور فقتلهم فكان قتلهم سبب نفرة أحمد بن علي عنه وسعيه في إفساد دولته وقتل أيضا من قبيلة حجاوة مائتي رجل على دعوى قطع الطريق ببلادهم ولما أمر بقتلهم وأخرجوا إلى المحل المعد لذلك خرج النظارة والبطالون من أهل البلد للفرجة عليهم بباب البطيوي فبينما هم كذلك إذا بالسلطان قد برز من الباب ولما رأى اجتماع الناس قصد نحوهم فلما رأوه فروا إلى كهف هناك قريب فاختفوا فيه فأتى السلطان حتى وقف على باب الكهف وكان من قربه أكوام من حجر أعدت للبناء بها فأمر الأعوان من المسخرين بوضع أسلحتهم وردم باب الكهف بذلك الحجر مع التراب ففعلوا وهلك ذلك الجمع الكثير غما ولم يوقف لهم بعد على خبر ولا عرف لهم عدد ولما صدرت منه هذه الأفعال الشنيعة عفا الله عنه كتب إليه أهل الديوان من مشروع الرملة ينكرون عليه قتله للمسلمين دون موجب فبعث إليهم بالراتب وأمرهم بالتهيؤ لغزو أهل فازاز فشغلهم بذلك وفي هذه السنة بعث محمد بن علي بن يشي الزموري القبلي واليا على فاس وقال له خذ منهم المال واطرحه في وادي أبي الخراريب ولا تتركه لهم فما أطغاهم إلا المال حتى استخفوا بأمر الملك فقدم محمد بن علي المذكور فاسا ونزل بدار أبي علي الروسي بالمعادي وعين من كل حومة نقيبا عارفا بأهل اليسار فجمعوه لهم حتى كانوا بين يديه فأمر بسجنهم ثم وظف عليهم أولا خمسمائة ألف مثقال وزعها على التجار وأهل اليسار دون غيرهم من العشرة آلاف إلى الألف ثم شرع في قبض المال الموزع ومن تراخى منهم في الدفع ضرب وسجن ومن تغيب من أهل اليسار حبس ولده أو أخوه أو زوجته إلى أن استوفى العدد المذكور ثم عطف على أهل الصنائع والحرف وأرباب الأصول من الفلاحين وغيرهم فوزع عليهم قدرا وافرا من الألف إلى المائة وما دون ذلك حتى لم يبق في المدينة أحد إلا وقد غرم ففر الناس إلى البوادي والقرى والجبال ومنهم من وصل إلى السودان وتونس ومصر والشام حتى لم يبق بفاس إلا النساء والذرية ومن لا عبرة به من الرجال حتى أن الذين كانوا بالسجن فينفس خروجهم منه فروا بأنفسهم ولم يعرجوا على أهل ولا ولد وأقام محمد بن علي على هذا العمل بفاس ثلاثة عشر شهرا وكلما اجتنى مالا بعث به إلى السلطان بمكناسة وكانت هذه الخطوب كلها فيما بين سنة ثلاث وأربعين إلى سنة خمس وأربعين ومائة وألف

بعث السلطان المولى عبد الله جيش العبيد إلى فازاز وإيقاع أهله بهم

وفي سنة ست واربعين ومائة وألف جهز السلطان المولى عبد الله جيشا من العبيد يشتمل على خمسة عشر ألفا من الخيل وعقد عليهم للباشا قاسم ابن ويسون وأضاف إليهم ثلاثة آلاف من جيش الودايا وعقد عليهم للقائد عبد الملك بن أبي شفرة ووجههم إلى جبال آيت ومالو فلما عبر الجيش وادي أم الربيع على قنطرة البروج ونزلوا بسيط آدخسان كادهم البربر بأن أظهروا الفرار أمامهم وتوغلوا في الجبال فتبعهم العبيد إلى أن توغلوا في تلك الجبال ونشبوا في أوعارها والبربر تفر منهم في كل وجه وهم يتبعونهم إلى أن حان وقت المساء فبعث البربر ليلا طائفة منهم لسد الثنايا والأنقاب التي دخل منها جيش السلطان فأحكموا سدها بشجر الأرز والحجارة ولما أصبحوا هجموا على الجيش من كل ناحية وصدقوهم القتال إلى أن ردوهم على أعقابهم فلما انتهى العبيد إلى الثنايا التي دخلوا منها وألفوها مسدودة دهشوا وخشعت نفوسهم وازدحموا عليها بعد أن ترجلوا وتركوا الخيل والسلاح والأبنية فيها من الأثاث فنهب البربر جميع ذلك ثم جردوا باقي العسكر من الثياب ولم يقتلوا أحدا ورجع العبيد إلى مكناسة راجلين متجردين من المخيط والمحيط فكان ذلك من أقوى الأسباب التي بغضت السلطان المولى عبد الله للعبيد لأن ذلك كان بإشارته بزعمهم مع إسرافه في قتل رؤسائهم كما سيأتي ومع ذلك فقد أنعم عليهم بالمال والكسى ووعدهم بإخلاف جميع ما ضاع لهم ورجعوا إلى مشرع الرملة ممتعضين لتلك الفعلة

ثورة العبيد على السلطان المولى عبد الله وفراره إلى وادي نول وما نشأ عن ذلك

لما كانت سنة سبع وأربعين ومائة وألف فسد ما بين السلطان المولى عبد الله رحمه الله وبين العبيد لإسرافه في قتلهم حتى كاد يأتي على عظمائهم وكان ذلك منه جزاء لهم على قتلهم لأخيه المولى عبد الملك حسبما سبق إذ كان ما بينه وبينه صالحا كما مر فقتل منهم كل من سعى في قتله أو شارك فيه أو وافق عليه حتى بلغ عدد من قتل منهم أزيد من عشرة آلاف فأجمعوا على خلعه وقتله ودس إليه بعضهم بما عزموا عليه في شأنه ففر ليلا من مكناسة ولم يصبح إلا بحلة آيت أدراسن فأجلوا مقدمه وتباروا في إكرامه ولما عزم على النهوض عنهم ركبوا معه وصحبوه إلى تادلا ثم ودعوه

وعادوا إلى بلادهم ومضى هو إلى مراكش ومنها ذهب إلى السوس فنزل بوادي نول على أخواله المغافرة وكان معه يومئذ ولداه المولى أحمد في سن البلوغ والمولى محمد السلطان بعده صغيرا وأقام عند المغافرة نحو ثلاث سنين وأما والي فاس محمد بن علي بن يشي فإنه لما اتصل به فرار السلطان من مكناسة فر هو أيضا عن فاس ليلا ولم يصبح إلا بزرهون فاطمأن بها جنبه وكان ما نذكره

الخبر عن دولة أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن إسماعيل المعروف بالأعرج رحمه الله

لما فر أمير المؤمنين المولى عبد الله بن إسماعيل من مكناسة إلى وادي نول اجتمع عبيد الديوان واتفقوا على بيعة المولى أبي الحسن علي بن إسماعيل المعروف بالأعرج وكان يومئذ بسجلماسة فكتبوا إليه بذلك وبعثوا بالكتاب مع جريدة من الخيل لتأتي به فأقبل مسرعا ولما وصل إلى مدينة صفرو لقيه بها أعيان فاس وأشرافها وعلماؤها فبايعوه ففرح بهم وأكرمهم وعادوا في صحبته إلى فاس الجديد فولى عليهم مسعودا الروسي وذلك في ربيع الثاني سنة سبع وأربعين ومائة وألف وأمره أن لايقبض منهم إلا الزكوات والأعشار الشرعية وما جرت به العادة من الهدايا الخفيفة وكان رحمه الله موصوفا بالحلم والعقل متوقفا في الدماء فستره الله في آخر أمره وأجمل خلاصه ثم نهض إلى مكناسة ولما قدمها بايعه الجيش بها البيعة العامة هكذا في البستان ورأيت بخط جدنا الإمام الفقيه الأستاذ أبي عبد الله محمد بن قاسم بن زروق الحسني الإدريسي ما نصه وفي اليوم الأول من جمادى الأولى من سنة سبع وأربعين ومائة وألف ثار عبيد الرملة على أمير المؤمنين المولى عبد الله بن إسماعيل ونقضوا بيعته وأعلنوا بنصر أخيه المولى علي ولد عائشة مباركة وخرج لهم المولى عبد الله عن دار الملك بمكناسة بعد أن أخذ ما كان بها مما أعجبه من خيل وعدة ومال من غير قتال ولا محاربة ودخل أخوه المولى علي دار الملك بمكناسة يوم الجمعة فاتح جمادى الثانية من السنة المذكورة وكتبه في الثاني عشر من الشهر المذكور محمد بن زروق كان الله له بمنه اه كلامه بحروفه ولما استقر السلطان المولى أبو الحسن بمكناسة قدمت عليه الوفود ببيعاتهم وهداياهم من جميع البلدان فأجازهم وفرق المال على الجيش إلى أن نفذ ما عنده واحتاج فقبض على الحرة خناثى بنت بكار أم السلطان المولى عبد الله فاستصفى ما عندها ثم امتحنها لتقر بما عسى أن تكون قد أخفته فلم يحصل على طائل وكانت هذه الفعلة معدودة من هناته عفا الله عنه قال أبو عبد الله أكنسوس وخناثى هذه هي أم السلاطين أعزهم الله وكانت صالحة عابدة عالمة حصلت العلوم في كفالة والدها الشيخ بكار وقال رأيت خطها على هامش نسخة من الإصابة لابن حجر وعرف به بعضهم فقال هذا خط السيدة خناثى أم السلطان المولى عبد الله بلا شك اه

ثورة أهل فاس بعاملهم مسعود الروسي وانتقاضهم على السلطان أبي الحسن رحمه الله

ثم إن مسعودا الروسي عامل فاس عدا على الحاج أحمد بودي رئيس اللمطيين فقتله وأمر بجره إلى باب الفتوح إذ كان هو الذي سعى في قتل أخيه أبي علي الروسي عقب وفاة السلطان المولى إسماعيل كما مر فلما ارتكب مسعود هذه الفعلة اجتمع أهل فاس وأخذوا أسلحتهم وتقدموا إلى القائد مسعود ليقتلوه بصاحبهم ففر مسعود ولم يدركوه فعطفوا على السجن فكسروه وقتلوا الحرس والأعوان الذين به وسرحوا المساجين إلى حال سبيلهم ولما اتصل خبرهم بالسلطان المولى أبي الحسن غض الطرف عنهم وبعث إليهم أخاه المولى المهتدي ومعه القائد غانم الحاجي وكتب إليهم يقول إني قد عزلت عنكم مسعودا الروسي ووليت عليكم غانما الحاجي فلم يقبلوه ورجع من الغد إلى مكناسة ثم رجعوا بصائرهم بإشارة أهل المروءة منهم وبعثوا جماعة من العلماء والأشراف بهدية كبيرة مع المولى المهتدي إلى السلطان تلافيا لما فرط منهم ولما دخلوا على السلطان قبض هديتهم وعدد عليهم ذنوبهم ثم أمر بهم إلى السجن ولما انتهى الخبر إلى أهل فاس قامت قيامتهم وأغلقوا أبواب المدينة وأعلنوا بالخلاف ثم عطفوا على أصحاب مسعود الروسي وكل من كان له به اتصال فقتلوهم في كل وجه وأنشبوا الحرب مع الودايا في كل ناحية وفي رمضان من السنة المذكورة قدم من عند السلطان القائد أبو محمد عبد الله الحمري من قواد العبيد فاجتمع بأهل فاس واعتذر إليهم عن السلطان وطلب منهم أن يبعثوا معه جماعة منهم إلى السلطان لرتق هذا الفتق فأسعفوه وبعثوا طائفة من علمائهم وأشرافهم وأصحبوهم هدية نفيسة إلى السلطان وكتب عبد الله الحمري إلى السلطان يعتذر إليه عنهم ويشفع لهم عنده فدخلوا على السلطان وعاتبهم ثم عفا عنهم وسرح لهم إخوانهم الذين كانوا في السجن وولى عليهم عبد الله الحمري ثم لما دخلت سنة ثمان واربعين ومائة وألف عزله وولى عليهم عبد الله بن الأشقر وسكنت الهيعة واستقام الأمر بعض الشيء

غزو السلطان أبي الحسن أهل جبل فازاز في جيش العبيد وهزيمتهم إياه

لما كانت أواخر سنة ثمان وأربعين ومائة وألف أخذ السلطان أبو الحسن في الاستعداد وتجهيز العساكر لآيت ومالو وكان ذلك منه إسعافا للعبيد ليأخذوا بثأرهم من البربر في الوقعة السابقة أيام السلطان المولى عبد الله فخرج إليهم في المحرم فاتح سنة تسع وأربعين ومائة وألف في جيش كثيف من العبيد فلما نذروا بإقباله إليهم ودنوه منهم أظهروا الفرار أمامهم مثل الفعلة الأولى فصاروا يتأخرون ويتبع آثارهم فينزل منازلهم إلى أن عبروا وادي أم الربيع ودخلوا في الجبال فعبر السلطان خلفهم وتقدم العبيد إلى الجبال والأوعار فاقتحموها عليهم فلما توسطوها كرت البربر عليهم وانقضوا عليهم من الثنايا انقضاض العقبان وأحاطوا بهم من كل وجه فولوا منهزمين وازدحموا على الثنايا وسلكوا سبيلهم في المرة الأولى من ترك الخيل والسلاح والأبنية والأثاث والنجاة بمجرد أعناقهم وسلبهم البربر حتى من الثياب ولم يتعرضوا للسلطان في موكبه وخاصته إلى أن عبر وادي أم الربيع فرجعوا عنه ولما دخل مكناسة طالبه العبيد بالكسوة والسلاح والراتب فلم يكن عنده ما يعطيهم فشغبوا عليه ومرضوا في طاعته وقد أجمل صاحب نشر المثاني هذه الأخبار فقال وفي هذه السنة يعني سنة تسع وأربعين ومائة وألف أهلك الله كل من خرج على السلطان مولاي عبد الله وقويت الفتن وارتفعت الأسعار وانحبست الأمطار وقاسى الناس الشدائد من الغلاء وقل الإدام وانقطع اللحم وهلكت رقاب كثيرة ولم يزل الأمر في شدة وفر الناس كل فرار

تحرك السلطان المولى عبد الله من السوس وفرار السلطان أبي الحسن إلى الأحلاف وما كان من أمره إلى وفاته

لما كان شهر ذي الحجة من سنة تسع واربعين ومائة وألف ورد الخبر بأن السلطان المولى عبد الله قد أقبل من وادي نول ووصل إلى تادلا فاهتز العبيد له وتحدثت فرقة منهم برده إلى الملك وخالفهم سالم الدكالي في جماعة من شيعته وقالوا لا نخلع طاعة مولانا علي إذ كان سالم هذا وأصحابه هم الذين تسببوا في خلع المولى عبد الله وتولية أخيه المولى علي ثم إن شيعة المولى عبد الله قويت وكثروا أصحاب سالم وأعلنوا بيعته ففر سالم فيمن معه من القواد إلى زاوية زرهون مستجيرا بها ولما سمع بذلك السلطان المولى أبو الحسن فر من مكناسة إلى فاس الجديد فصده الودايا عن الدخول إليها فعدل إلى قنطرة وادي سبو فنزل هنالك يوما أو بعض يوم إلى أن قضى بعض إربه ثم أصبح غاديا إلى تازا فاحتلها ثم انتقل عنها إلى عرب الأحلاف فأناخ بديارهم ففرحوا به وأكرموه وصاهروه وأقام بين أظهرهم عدة سنين معرضا عن الملك وأسبابه إلى أن رجع إلى مكناسة فاستوطنها بإشارة أخيه السلطان المولى عبد الله حين وفد عليه بدار الدبيبغ من فاس سنة تسع وستين ومائة وألف فأعطاه مالا وجنات ومزارع مما كان لجانب المخزن بمكناسة وبعثه إلى داره بها فأقام يسيرا ثم وثب عليه العبيد فقبضوا عليه وبعثوا به إلى أخيه السلطان المولى عبد الله وقالوا إن هذا قد أفسد علينا بلادنا فأخذه وسرحه إلى تافيلالت فاستقر بها إلى أن مات رحمه الله كما سيأتي

الخبر عن الدولة الثانية لأمير المؤمنين المولى عبد الله بن إسماعيل رحمه الله

لما فر السلطان المولى أبو الحسن من مكناسة إلى الأحلاف اجتمعت كلمة العبيد والودايا على بيعة السلطان المولى عبد الله فبايعوه وهو بتادلا وتبعهم على ذلك أهل فاس وسائر القبائل ثم إن سالما الدكالي الذي بزرهون كتب إلى أهل فاس يقول لهم إن الديوان قد اتفق على خلع المولى عبد الله وبيعة سيدي محمد بن إسماعيل المعروف بابن عريبة والمشورة لعلمائكم فأجابوه بأن قالوا نحن تبع لكم فلما سمع أهل الديوان بما فعله سالم الدكالي وما تقوله عليهم خرجوا من المحلة إلى زرهون وقبضوا على سالم الدكالي ومن معه من القواد وبعثوا بهم إلى السلطان المولى عبد الله بتادلا فاستفتى فيهم القاضي أبا عنان وكان يومئذ معه فأفتاه بقتلهم فقتلهم ثم نميت مقالة سالم الدكالي إلى المولى محمد ابن عريبة وهو بتافيلالت فظن أن الأمر صحيح فأقبل مسرعا إلى أن وصل إلى مدينة صفرو فوجد الناس قد بايعوا السلطان المولى عبد الله وراجعوا طاعته فسقط في يده ثم دخل فاسا مستخفيا وأقام بدار الشيخ أبي زيد عبد الرحمن الشامي وكان صديقه معتقدا له وكان أبو زيد يعده بالملك ولما أقبل السلطان المولى عبد الله من تادلا خرج للقائه أهل فاس وفيهم الأشراف والعلماء وكذلك أهل مكناسة فوافوه بقصبة أبي فكران ولما مثلوا بين يديه عاتبهم وعدد ما سلف منهم ثم أمر بأعيانهم فقتلوا وفعل مثل ذلك بأعيان مكناسة واستباحهم وعزل قاضيهم أبا القاسم العميري ورجع أشراف فاس وعلماؤها مذعورين مما نابهم بعد أن ولى السلطان عليهم محمدا بن علي بن يشي واستمر هو مقيما بقصبة أبي فكران ولم يتقدم إلى فاس لعدم ثقته بهم

الخبر عن دولة أمير المؤمنين المولى محمد بن إسماعيل المعروف بابن عريبة والسبب فيها

لما فعل المولى عبد الله بأعيان فاس ومكناسة ما فعل من القتل والاستباحة وأقام منكمشا بقصبة أبي فكران نبغت رؤوس الفتنة من الودايا بفاس الجديد وأخذوا في نهب الطرقات ثم أغاروا في يوم خميس على سرح فاس وأجلاب سوقها فاستاقوها حتى لم يتركوا لهم بقرة ولا شاة ولا بهيمة غيرهما ولما رأى أهل فاس ما نزل بهم اجتمعوا وتحالفوا على خلع السلطان المولى عبد الله وبيعة أخيه المولى محمد بن عريبة فمشوا إليه وهو بدار الشيخ أبي زيد الشامي فأخرجوه وأخذوا عليه العهود ثم بايعوه في عاشر جمادى الأولى سنة خمسين ومائة وألف وهيؤوا له كل ما يحتاج إليه من خيل وسلاح وآلة حرب وتباروا في طاعته وخدمته وكتبت بيعته في خامس عشر الشهر المذكور وكتب عليها الفقهاء خطوطهم وامتنع بعضهم من ذلك وقالوا بيعة السلطان المولى عبد الله في أعناقنا فلا نخلعها فعزلوا عن الخطط وامتحنوا ثم كتب أهل فاس إلى عبيد الديوان يعرفونهم ما صنعوا ويطلبون منهم موافقتهم فأجابوهم إلى ذلك وبايعوا السلطان المولى محمد بن عريبة وتم أمره ولما رأى السلطان المولى عبد الله أن أمر أخيه قد تم فر إلى جبال البربر وأقام هنالك ثم فتحت أبواب فاس وانتقل السلطان المولى محمد إلى فاس الجديد ومن الغد نهض إلى مكناسة فاحتل بها وبايعه العبيد البيعة العامة وقدمت عليه الوفود من سائر الأقطار بهداياهم فأجازهم وفرق ما كان عنده من المال على العبيد وكان ما نذكره

بدء اختلال أمر السلطان المولى محمد بن عريبة وما تسبب عن ذلك

لما فرق السلطان المولى محمد بن عريبة على العبيد ما عنده من المال لم يقنعهم ذلك واستزادوه فأطلق عفا الله عنه أيدي النهب في أموال المسلمين وأخذ هو في استخراج الحبوب والأقوات من دور أهل مكناسة غصبا وبحث عنها في الأهراء والمطامير وكل من ذكر له أن عنده قمحا أو شعيرا قبض عليه وصادره إلى أن يظهر ما عنده وكل من جلب من أهل البادية حبا اخذ منه كرها فكثر الهرج وعمت الفتنة وفر الناس من مدينتهم وعم النهب خارجها وانقطعت السبل ووقع الناس في حيص بيص والأمر لله وحده

إغارة السلطان المولى عبد الله على الإصطبل من مكناسة وما نشأ عن ذلك

ثم إن السلطان المولى عبد الله الذي كان مقيما عند البربر قدم ذات ليلة في جماعة من أصحابه حتى دخل الإصطبل وقتل من وجد به من العبيد وحرق أخصاصهم ورجع عوده على بدئه ولما نذر به السلطان المولى محمد بن عريبة نادى في الناس بالنفير وركب في خيله ورجله وقصد السلطان المولى عبد الله وهو بالموضع المعروف بالحاجب ولما رأى العساكر مقبلة إليه والخيل تتعادى خلفه فر بنفسه وترك ابنيته بما فيها فانتهبها العبيد وتبعوه إلى أن بلغوا وادي ملوية فتوغل في الجبال ولم يقفوا له على أثر ولما قفلوا راجعين اعترضهم البربر وتسايلوا عليهم من المخارم والشعاب فصدقوهم القتال وهزموهم واستلبوا ما معهم من الأثقال ورجعوا بخفي حنين قال في البستان ولما انتهوا إلى أحواز صفرو بعث المولى محمد ابن عريبة جماعة من جيشه إلى من هنالك من المستضعفين من أهل المزادغ وغيرها من القرى وأمر بقطع رؤوسهم وبعثها إلى فاس موهما أنها رؤوس البربر اه والله أعلم

بقية أخبار السلطان المولى محمد بن عريبة وما تخللها من الهرج والشدة

لما قفل السلطان المولى محمد بن عريبة من خرجته في أثر أخيه المولى عبد الله وكان حيث ذكرنا بعث أخاه المولى الوليد بن إسماعيل إلى فاس وأمره بضرب البعث عليهم توصلا إلى ما في أيديهم من المال بحيث أن من أعطى المال منهم يقيم بداره ومن أبى يخرج في البعث فتحير الناس وقدم المولى الوليد حضرة فاس وقبض على الحاج أبي جيدة برادة وكان مثريا فقتله وأخذ أمواله وباع أصوله وقبض على الحاج عبد الخالق عديل فأخذ أمواله ثم تسلط على أهل الزوايا وكل من ذكر له أنه من أهل اليسار إلى أن استوفى غرضه ثم سار إلى مكناسة ففعل بأهلها مثل ذلك حتى لم يسلم منهم إلا القليل هذا والناس في محنة عظيمة من المجاعة والفتنة ونهب الدور بالليل بحيث كان أهل اليسار لا ينامون وصار جل الناس لصوصا والودايا يعيشون في الجنات خارج المدينة ويغيرون على القصارين بوادي فاس وبعد أن صار الناس يقصرون كتانهم بمصمودة انتهبوه منهم بها بل تناولوا القفل من الفنادق والسلطان معرض عن جميع ذلك لا يلتفت إليه ولقد هلك في هذه المدة من الجوع جم غفير أخبر صاحب المارستان أنه كفن في رجب وشعبان ورمضان ثمانين ألفا وزيادة سوى الذين كفنهم أهلهم وعشيرتهم وبالجملة فقد كانت أيام المولى محمد بن عريبة هذا أيام نحس ووبال على المسلمين وكذا أيام أخيه المولى المستضيء الذي إليه يساق الحديث وكل ذلك والله تعالى أعلم من استيلاء العبيد على الدولة وشؤم افتياتهم عليها وتحكمهم في أعياصها طوع أهوائهم وحسب أغراضهم إذ معلوم أنه لا ينشأ عن كثرة الخلع والتولية إلا هذا وشبهه نسأل الله تعالى اللطف والحفظ في الأهل والدين والمال في الحال والمآل وقد تكلم صاحب نشر المثاني على هذه السنة أعني سنة خمسين ومائة وألف فقال وفي هذه السنة هزم جيش الثائرين على مولاي عبد الله يعني العبيد هزيمة عظيمة بعد أن صدر منهم فساد كبير وذلك على يد البربر وارتفعت الأسعار جدا وجعل اللصوص يهجمون على الناس في دورهم ليلا ويقتلونهم وهم يستغيثون فلا يغاثون وبلغ الخوف إلى أبواب الدور المتطرفة بفاس نهارا فلا يستطيع أحد أن يخرج عن باب مصمودة في العدوة ولا عن باب القصبة القديمة في الطالعة ولا عن حومة الحفارين باب عجيسة وكثر الهدم في الدور لأخذ خشبها وكثر الخراب وخلت الحارات فتجد الدرب مشتملا على عشرين دارا وأكثر وكلها خالية وفي هذه المدة قتل الفقيه العلامة أبو البقاء يعيش الشاوي بداره بالدوح وقتله كان سبب خلاء الدوح وافتضح أهل المروءة من الناس ومن يظن به الدين وكل من قدر على الفرار فر من فاس وقل من سلم منهم بعد خروجه عن البلد وخرج جماعة وافرة من أهل فاس إلى تطاوين وما والاها لجلب الميرة إذ كان الله تعالى قد سخر العدو الكافر بحمل الطعام إلى بلاد المسلمين فاشترى أهل فاس منه شيئا كثيرا لكن امتنع الجمالون من حمله لهم وماطلوهم فشكوهم لوالي تلك البلاد ورئيسها حينئذ أحمد بن علي الريفي فأظهر لهم النصح وأبطن الغش لانحرافه عن السلطان ومن يتعلق به فثبط الجمالين وهم قبيلة بداوة فازدادوا امتناعا وتعاصيا حتى بقي أهل فاس معطلين بميرتهم نحو ستة أشهر فهلك بسبب ذلك خلائق لا يحصون جوعا وكلهم في عهدة أحمد بن علي الريفي وما أغنى مال ولا متاع في طلب القوت ولولا أن الله سخر العدو الكافر بجلب الميرة للمغرب لهلك أهله جميعا فيما أظن وذلك كله من شؤم الفتن والخروج على الملوك وأما الأصول والسلع فلم يكن شيء منها يبلغ عشر ثمنه المعتاد ولم يقيض الله لهذا المغرب راحة حتى من برجوع السلطان مولاي عبد الله هذا كلام صاحب نشر المثاني وهو الفقيه المؤرخ سيدي محمد بن الطيب بن عبد السلام القادري وقد حكى هذه الأخبار عن معاينة لأنه كان يومئذ حاضرها وشاهدها ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة وألف والناس في شدة وفي الرابع والعشرين من صفر منها ثار العبيد على السلطان المولى محمد بن عريبة فقبضوا عليه وعلى قائده على فاس الشريف أبي محمد عبد المجيد المشامري ووضعوا في رجلي كل واحد منهما قيدا وأخرجوا ابن عريبة وعياله من دار الملك إلى داره التي على وادي ويسلن بجنان حمرية ووكلوا به جماعة من العبيد يحرسونه وكتبوا إلى أخيه المولى المستضيء بن إسماعيل بتافيلالت يستدعونه للقدوم عليهم ليملكوه

الخبر عن دولة أمير المؤمنين المولى المستضيء بن إسماعيل رحمه الله

لما قبض العبيد على السلطان المولى محمد بن عريبة أعلنوا بيعة أخيه المولى المستضيء بن إسماعيل وكتبوا بذلك إلى الآفاق فساعدهم الناس عليه وبعثوا جريدة من الخيل على عادتهم لتأتي به فأقبل مسرعا ولما انتهى إلى مدينة صفرو لقيه أهل فاس بها في أشرافهم وعلمائهم وأدوا بيعتهم ورجعوا معه إلى فاس الجديد فأراح به وولى عليهم القائد أبا العباس أحمد الكعيدي فاستناب الكعيدي عليهم من قبله شعشوع اليازغي والحال ما حال والظلم ما زال ثم ارتحل السلطان المولى المستضيء إلى مكناسة فاحتل بها وبايعه العبيد البيعة العامة وقدمت عليه الوفود والقبائل والأمصار بهداياهم فقابلهم بما يجب واستتب أمره

ذكر ما صدر من السلطان المولى المستضيء من العسف والاضطراب

لما استقر السلطان المولى المستضيء بمكناسة كان أول ما بدأ به أن بعث بأخيه المولى محمد بن عريبة مقيدا إلى فاس ومنها إلى سجلماسة فسجن بها وبعث بقائده السيد عبد المجيد المشامري والشيخ أبي زيد عبد الرحمن الشامي يسجنان بفاس الجديد ونهبت دار المشامري وصودر إلى أن مات تحت العذاب ومثل به ثم بعث السلطان كتابه إلى أهل فاس ولكن رسم أن يقرأ بفاس الجديد ويحضر أعيان أهل فاس لاستماعه فارتابوا وتغيبوا ولم يحضر منهم الا نحو العشرين فقبض عليهم وسجنوا هنالك ثم وظف عليهم مال ثقيل لم يقوموا به وافتقرت الدولة في أيام هذا السلطان واحتاج إلى المال ليقطع عنه لسان العبيد فأخذ في البحث عما في المخازن الإسماعيلية التي لم يلتفت إليها الملوك قبله فوقع على خزين من الحديد فاستخرجه وباعه ووقع على الخزين الكبير وفيه آلاف من قناطير الكبريت فباعها أيضا ووجد شيئا كثيرا من ملح البارود والشب والبقام وغير ذلك مما كان يجلب إلى الحضرة من غنائم أجناس الفرنج فباع ذلك كله ثم اقتلع شراجب القبة الشطرنجية وكانت من نحاس مذهب واقتلع الدرابيز التي عن يمينها وشمالها من الحديد المنتخب من باب الرخام إلى قصر المولى يوسف ودفعها لأهل الذمة وألزمهم أداء ثمنها فأجحف بهم ثم أنزل المدافع النحاسية التي كانت بأبراج الحضرة فكسرها وضربها فلوسا فما أغنى ذلك شيئا وقتل في هذه المدة نيفا وثمانين رجلا من عرب بني حسن وسلط العذاب على مساجين أهل فاس ليغرموا المال فغرموا ما قدروا عليه ثم أمر بالقبض على تجار أهل فاس ليشتروا أصول مساجينهم فعذبوا إلى أن أدوا بعض المال وعجزوا وأفتى العلماء أن هذا البيع الواقع في هذه الأصول صحيح تقديما لخلاص الأنفس على الأموال ثم قبض هذا السلطان على شريف من الأشراف العراقيين من أهل حومة كرنيز اتهمه بأن الحرة خناثى بنت بكار استودعته مالا فضرب وامتحن ثم ولى على فاس المولى أبا حفص عمر المدني وكان رفيقه وجليسه فاستناب المولى أبو حفص على فاس رجلا يقال له ابن زيان الأعور وتقدم إليه في مصادرة أشراف فاس واستصفاء أموالهم فامتثل ابن زيان أمره وما قصر وكان الحامل لأبي حفص على هذا أن داره بفاس كانت قد نهبت أيام المولى محمد بن عريبة ولم ينكر ذلك أحد من أهل فاس فحقدها أبو حفص عليهم إلى أن أدالته الأيام منهم في هذه المرة ففعل ابن زيان ما فعل فأمر السلطان المولى المستضيء بالقبض على ابن زيان وأن يطاف به على حمار والسياط في ظهره وهو يقول هذا جزاء من يؤذي الأشراف فطيف به ثم أزيل رأسه وعلق على باب المحروق هذا والأشراف لا زالوا في العذاب ثم أمر بمساجين أهل فاس فحملوا إليه في السلاسل والأغلال ثم قتلوا بباب القصبة عن آخرهم وأمر بإخراج ولد مامي من الحرم الإدريسي فلما وصل إليه قتله وأسرف المولى المستضيء في القتل والعسف وأراد أن يتشبه بأخيه المولى عبد الله الذي جرد السيف وبسط الكف فغطى سخاؤه عيبه وهيهات فقد كان المولى المستضيء مسيكا مهزوم الراية على ما قيل تغمدنا الله وإياه والمسلمين بالرحمة والعفو والغفران ثم قتل القائد غانما الحاجي ووالي مكناسة القائد سعدون وستة من أولاد الزياتي أصحاب السجن ثم إن السلطان المولى عبد الله أغرى البربر الذين كان مقيما فيهم بشن الغارات على الودايا والعيث في طرقاتهم ففعلوا وانقطعت السبل وتعذر المعاش وكان المولى زين العابدين بن إسماعيل محبوسا عند أخيه السلطان المولى المستضيء فأمر بإخراجه وإحضاره بين يديه فأحضر وضرب ضرب التلف وبعث به مقيدا إلى تافيلالت ليسجن مع بعض أشرافها فبعث العبيد جماعة منهم فانتزعوه من يد حامليه وبعثوا به إلى القائد أبي العباس أحمد الكعيدي ببني يازغة وتقدموا إليه في الاحتفاظ به والاعتناء بشأنه

إيقاع الباشا أبي العباس أحمد بن علي الريفي بأهل تطاوين

قد قدمنا ما كان من إغارة الباشا أبي العباس أحمد بن علي الريفي صاحب طنجة على أهل تطاوين وهزيمة أبي حفص الوقاش له وفتكه بأصحابه فاستحكمت العداوة بين الريفي والوقاش من يومئذ وبقي الريفي يتربص به الدوائر ويترصد له الغوائل إلى أن بويع السلطان المولى المستضيء في هذه المدة فلم يقدم عليه أحد من أهل تطاوين ولا دخلوا في بيعته فوجد أبو العباس الريفي السبيل بذلك إليهم وأغرى بهم السلطان المذكور ودس إليهم أنهم شقوا العصا وخالفوا الأمر مع ما كان قد نقل عن الفقيه أبي حفص في تلك القصيدة من التصريح بطلب الملك فنجع ذلك في المولى المستضيء وكتب إليه يأمره يالإيقاع بأهل تطاوين فاغتنمها أبو العباس الريفي واقتحم تطاوين في جموعه على حين غفلة من أهلها وانتهبها وقتل من أعيانها نحو الثمانمائة ووظف على من بقي منهم مالا ثقيلا وهدم أسوارها ونظمها في سلك ما كان مستوليا عليه وبنى بها دار الإمارة الموجودة الآن

شغب العبيد على السلطان المولى المستضيء وفراره إلى مراكش

لما كان منتصف ذي القعدة من سنة اثنتين وخمسين ومائة وألف شغب العبيد بمكناسة على السلطان المولى المستضيء وتآمروا في عزله ومراجعة طاعة أخيه المولى عبد الله ولما أحس المولى المستضيء بما أجمعوا عليه خرج من مكناسة في شيعته وأنصاره قاصدا ضريح الشيخ أبي محمد عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه فتبعه المولى عبد الله في جمع من العبيد فأدركوه ببعض الطريق فكر عليهم وقاتلهم حتى رجعوا عنه ومضى لوجهه إلى أن وصل إلى طنجة فأقام بها نحو الشهرين عند أحمد بن علي الريفي ومنها توجه إلى مراكش فإنهم كانوا قد بايعوه وكان أخوه المولى الناصر نائبا عنه بها ولما استقر بمراكش كاتب قبائل الحوز يستصرخهم على أخيه المولى عبد الله ويستنفرهم للخروج معه إليه فتقاعدوا عنه لأن عبدة والرحامنة وأهل السوس كانوا شيعة للمولى عبد الله ولم يبق في حزب المولى المستضيء إلا أهل دكالة أخواله وبنو حسن عرب الغرب ولما رأى المولى المستضيء تقاعد قبائل الحوز عنه أقام بمراكش يزجي الأيام إلى سنة خمس وخمسين ومائة وألف والباشا أبو العباس الريفي صاحب طنجة يفتل للعبيد في الذروة والغارب إلى أن بايعوه ثانية بعد أخيه المولى زين العابدين وبعد خلع السلطان المولى عبد الله حسبما نذكره بعد إن شاء الله

مراجعة العبيد طاعة السلطان المولى عبد الله ودخولهم في دعوته

قد قدمنا أن السلطان المولى عبد الله كان مقيما في هذه المدة عند البربر وأنه تبع المولى المستضيء عند خروجه من مكناسة ثم رجع عنه ولما بلغه خبر مسيره إلى مراكش سار في اعتراضه إلى أن بلغ قصبة وادي آلزم فلم يقف له على خبر فأقام يتجسس أخباره إلى أن اتفق العبيد على بيعته وهو بآلزم فبايعوه أوائل سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف وكتبوا بيعتهم وبعثوا بها إليه مع بعض خاصتهم وكتبوا مع ذلك إلى أهل فاس والودايا في الموافقة فوافقوهم وبايعوا السلطان المولى عبد الله وخطبوا به على منابرهم وزينت فاس ولما انتهى الحال إلى هذا الحد فر الوزير أبو الحسن علي العميري من مكناسة إذ كان وزير المولى المستضيء واحترم أخوه القاضي أبو القاسم العميري بضريح بعض صلحاء مكناسة وبعث أهل فاس جماعة من أشرافهم وعلمائهم ببيعتهم إلى السلطان المولى عبد الله ومعهم جماعة من التجار وحجاج الركب الحجازي بهداياهم هذا كله والسلطان لا زال مقيما بقصبة آلزم وتولى العبيد بمكناسة النقض والإبرام لتأخر مجيء السلطان وظهر منهم الإدلال والاستبداد على الدولة وبعثوا من قبلهم القائد أبا محمد عبد الله الحمري واليا على فاس وقالوا عن أمر الديوان وكثر القطاع بالطرقات واللصوص بالمدينة وعادت هيف إلى أديانها

مجيء السلطان المولى عبد الله إلى مكناسة وما ارتكبه من أهلها

وفي خامس عشر رجب سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف تحرك السلطان المولى عبد الله من آلزم وقدم مكناسة فقبض على قاضيها الفقيه أبي القاسم العميري والسيد أبي العباس أحمد الشدادي والعباس بن رحال والفقيه المليتي وأزال عمائمهم وفضحهم وقال لهم كيف تزوجون حرمي من أخي وأنا حي ونكل بهم النكال الشديد ثم أمر بسحبهم إلى السجن وأعطى دار القاضي العميري أحد العبيد وقال لهم من أراد منكم دارا بمكناسة فليأخذها فامتدت أيدي العبيد في الناس حتى صاروا يقفون بالأبواب ويقول العبد لصاحب الدار إن سيدي قد أعطاني دارك أو أعطاني ابنتك فيفتدي منه بالمال ولحقهم من العبيد فوق ما يوصف ومن شكى منهم عوقب وسجن والسلطان مقيم بباب الريح لم يدخل القصبة التي كان بها المولى المستضيء وولى في هذه المدة على فاس شيخ الركب الحاج عبد الخالق عديل وولى على قضائها الفقيه أبا يعقوب يوسف بن أبي عنان وتقدم إليه في أن يعزل القضاة والخطباء الذين خطبوا بالمولى المستضيء في سائر البلدان وأما الودايا فإنه لم يقدم على المولى عبد الله منهم أحد ولا بايعوه وكذا الباشا أحمد بن علي الريفي وأهل الريف والفحص وقبائل الجبل فاغتم المولى عبد الله لذلك ثم شفعت الحرة خناثى أم السلطان في قومها الودايا وبعثت إليه جماعة منهم فقبلهم وعفا عنهم ** مجيء السلطان المولى سليمان من مراكش إلى القصر ثم مسيره إلى فاس وحصاره إياها كان السلطان المولى سليمان رحمه الله في هذه المدة مقيما بمراكش وكان العبيد قد ندموا على ما فرط منهم برباط الفتح من التخلف عن السلطان ونهب أثاثه حسبما مر فجعلوا يتسللون إليه من مكناسة مثنى وفرادى حتى اجتمع عنده جلهم لا سيما من كان منهم معروفا بعينه مثل القواد وأرباب الوظائف ولما بلغه ما كان من بيعة المولى إبراهيم بن يزيد تربص قليلا حتى إذا بلغه خروجه إلى المراسي قلق وخرج من مراكش في جيش العبيد وبعض قبائل الحوز يبادره إليها ولما وصل إلى رباط الفتح عبر إلى سلا ونزل برأس الماء ولما حضرت الجمعة دخل المدينة فصلى بالجامع الأعظم منها ودخل دار الحاج محمد بن عبد الله معنينو من أعيان أهل سلا واستصحب معه الفقيه المؤقت أبا العباس أحمد بن المكي الزواوي من أهل سلا أيضا بقصد القيام بوظيفة التوقيت ولما وصل السلطان إلى قصر كتامة أتاه الخبر بدخول المولى إبراهيم إلى تطاوين فأقام هنالك وكتب إلى الودايا وإلى من بقي بمكناسة يحضهم على التمسك بالطاعة وكتب إلى ولده المولى الطيب بفاس الجديد يأمره أن يبعث إليه بالفقيه الأديب أبي عبد الله محمد أكنسوس وهو صاحب كتاب الجيش قال أكنسوس فقدمنا على السلطان بريصانة على مرحلتين من القصر قاصدا تطاوين ومحاصرة المولى إبراهيم بن يزيد بها قال فورد عليه كتاب من عند القائد أبي عبد الله العربي السعيدي صاحب طنجة بوفاة المولى إبراهيم وبيعة أخيه المولى السعيد وأنهم قد عادوا به إلى فاس ولما تحقق بذلك رجع على طريق القصر يؤم فاسا ويسابق السعيد إليها فوافياها في يوم واحد فنزل السعيد بجموعه بقنطرة سبو ودخل السلطان دار الإمارة بفاس الجديد مع الودايا ولما كان فجر الغد في تلك الليلة أغارت خيل الودايا

شغب العبيد على السلطان المولى عبد الله وفراره ثانية إلى البربر

لما كان شهر ربيع الأول من سنة أربع وخمسين ومائة وألف شغب العبيد على السلطان المولى عبد الله وهموا بخلعه والإيقاع به فنذرت بذلك أمه الحرة خناثى بنت بكار ففرت من مكناسة إلى فاس الجديد ومن الغد تبعها ابنها السلطان المولى عبد الله ونزل برأس الماء فخرج إليه الودايا وأهل فاس وأجلوا مقدمه واهتزوا له فاستعطفهم السلطان وقال لهم أنتم جيشي وعدتي ويميني وشمالي وأريد منكم أن تكونوا معي على كلمة واحدة وعاهدهم وعاهدوه ورجعوا وفي أثناء ذلك بلغه أن أحمد بن علي الريفي قد كاتب عبيد مشرع الرملة وكاتبوه واتفق معهم على خلع السلطان المولى عبد الله وبيعة أخيه المولى زين العابدين وكان يومئذ عنده بطنجة وأنهم وافقوه فوجم لها السلطان المولى عبد الله ثم استعجل أمر المولى زين العابدين ففر المولى عبد الله إلى بلاد البربر كما سيأتي إن شاء الله

الخبر عن دولة أمير المؤمنين زين العابدين بن إسماعيل رحمه الله

كان ابتداء أمر السلطان المولى زين العابدين أنه قدم مكناسة في أيام أخيه المولى المستضيء فلما سمع به أمر بسجنه قبل أن يجتمع به فسجن مدة ثم أمر يوما بإخراجه وضربه فضرب وهو في قيده ضربا وجيعا أشرف منه على الموت كما مر ومع ذلك فلم ينطق بكلمة ثم رده إلى السجن ثم أمر ببعثه مقيدا إلى سجلماسة كي يسجن بها مع بعض الأشراف المسجونين هنالك فلما سمع بذلك قواد رؤوسهم من العبيد بعثوا من رده من صفرو إلى فاس ومن هنالك بعثوا به إلى القائد أبي العباس أحمد الكعيدي ببني يازغة وأمروه أن يحتفظ به مكرما مبجلا

ثم لما فر المولى المستضيء عن مكناسة وراجع العبيد طاعة السلطان المولى عبد الله دخل المولى زين العابدين مدينة فاس فاطمأن بها وسر بولاية المولى عبد الله وخلع المولى المستضيء ثم ذهب إلى مكناسة وأقام بها مدة ثم سار إلى طنجة فقدم على صاحبها الباشا أحمد بن علي الريفي فأكرم وفادته وأحسن مثواه واستمر مقيما عنده إلى أن كاتب عبيد الديوان في شأنه ووافقوه في بيعته فبايعه الباشا أحمد وبايعه أهل طنجة وتطاوين والفحص والجبال وخطبوا به على منابرهم ثم هيأ له الباشا أحمد كتيبة من الخيل من عبيد الديوان وغيرهم وبعثهم معه إلى مكناسة فدخلها في ربيع سنة أربع وخمسين ومائة وألف وبويع بها البيعة العامة وقدمت عليه وفود القبائل والأمصار فقابلهم بما يجب وتم أمره وفر السلطان المولى عبد الله من رأس الماء ودخل بلاد البربر ولم يقدم على المولى زين العابدين أحد من الودايا ولا من أهل فاس وكان فيه أناة وحلم لم يظهر منه عسف ولا امتدت يده إلى مال أحد إلا أنه لقلة ذات يده نقص العبيد من راتبهم فكان ذلك سبب انحرافهم عنه كما سيأتي

بقية أخبار المولى زين العابدين وانقراض أمره

لما استقر السلطان المولى زين العابدين بحضرة مكناسة وتم أمره أقام بها نحو الشهرين ثم تهيأ لغزو الودايا وأهل فاس الذين تخلفوا عن بيعته فنهض إليهم في جيش العبيد منتصف جمادى الأولى سنة أربع وخمسين ومائة وألف ولما بات جيشهم بسيدي عميرة بقصد حصار فاس اختلفت كلمة العبيد ومن الغد قوضوا أبنيتهم وارتحلوا إلى مكناسة وكفى الله الودايا وأهل فاس شرهم إلا أنهم حرقوا بيادر الزرع التي كانت للودايا بالخميس ولما وصلوا إلى مكناسة نهبوا ثمار جناتها وأفسدوا ما قدروا عليه منها وانصرف جمهورهم إلى مشرع الرملة والذين دخلوا مكناسة مع السلطان طالبوه في الراتب وشددوا في اقتضائه فلم يكن عنده ما يرضيهم به فشغبوا عليه ومرضوا في طاعته هذا والسلطان المولى عبد الله مقيم بجبال البربر مطل على الحضرة ومتحفز للوثبة فلما علم بما المولى زين العابدين فيه من الاضطراب نزل من الجبل وتقدم حتى دخل فاسا الجديد وذلك في سادس عشر جمادى الآخرة من السنة فلقيه الودايا وأهل فاس واهتزوا لمقدمه وطاروا به سرورا ثم خرج من يومه إلى دار الدبيبغ فاحتل بها ولما اتصل خبره بأخيه المولى زين العابدين ضاق ذرعه وخشعت نفسه وأصبح غاديا من مكناسة إلى حيث يأمن على نفسه معرضا عن الملك وأسبابه فكان ذلك آخر العهد به إلى أن توفي رحمه الله

الخبر عن الدولة الثانية لأمير المؤمنين المولى عبد الله رحمه الله

لما فر السلطان المولى زين العابدين عن مكناسة اجتمع العبيد واتفقوا على أن يراجعوا طاعة السلطان المولى عبد الله فبعثوا طائفة من قوادهم ووجهوها إليه فقدموا عليه منتصف رمضان من السنة المذكورة وهو بدار الدبيبغ فحيوه وأخبروه بأن إخوانهم قد خلعوا المولى زين العابدين وبايعوه فسر المولى عبد الله بقدومهم وخرج الودايا إلى العبيد فاختلطوا بهم وسروا بمقدمهم وأجروا الخيل في ميدان المسابقة واللعب بالبارود وزينت مدينة فاس وجددت البيعة العامة من الودايا وأهل فاس وقبائل العرب والبربر واستمر الحال على ذلك إلى آخر ذي القعدة من السنة فكان ما نذكره

مجيء المولى المستضيء من مراكش ومحاربته لأخيه المولى عبد الله وما يتبع ذلك

لما اجتمعت كلمة العبيد والودايا وسائر أهل بلاد الغرب على طاعة السلطان المولى عبد الله أقام رحمه الله بدار الدبيبغ واستمر الحال على ذلك إلى آخر ذي القعدة من سنة أربع وخمسين ومائة وألف فارتاب العبيد بمقامه هنالك ورفضه المقام بين أظهرهم بمكناسة التي هي دار الملك يومئذ فقلبوا له ظهر المجن على عادتهم واستدعوا المولى المستضيء من مراكش ليبايعوه واتصل خبرهم بالمولى عبد الله وأنهم قد بعثوا الخيل إلى المولى المستضيء لتأتي به فأخذ السلطان من ذلك المقعد المقيم وشمر عن ساعد الجد وأخذ في تأليف قبائل العرب والبربر ووصل يد بعضهم ببعض ثم ألف بينهم وبين الودايا وأهل فاس وآخى بين الجميع فأعطوه صفقة أيمانهم بأنهم يموتون دونه فتم له منهم ما أراده وفي أثناء ذلك قدم الحاج أحمد السوسي من مراكش ودخل فاسا فتحدث عنه بأنه قد دس إلى أهل فاس في مراجعة طاعة المولى المستضيء والتمسك بدعوته ونمى ذلك إلى السلطان المولى عبد الله فأمر بقتله فقتل ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة وألف ففي المحرم منها زحف المولى المستضيء من مراكش إلى بلاد الغرب ودخل مكناسة في جيش العبيد وبني حسن وغيرهم وقدم في ركابه الوزير أبو الحسن العميري وأخوه القاضي أبو القاسم وفي آخر المحرم المذكور ورد كتاب من عند القائد أبي العباس أحمد الريفي إلى أهل فاس يدعوهم إلى بيعة مخدومه المولى المستضيء والدخول في طاعته فصموا عن ذلك ونبذوه

وفي ربيع الأول من السنة المذكورة زحف المولى المستضيء في جيش العبيد إلى فاس وعسكر بظهر الزاوية خارجها ففر السلطان المولى عبد الله من دار الدبيبغ إلى آيت دارسن ومن الغد هاجت الحرب بين العبيد وبين الودايا وأهل فاس والحياينة وشراقة وأولاد جامع وهلك فيها من الفريقين عدد كثير وفي رابع ربيع الثاني قدم السلطان المولى عبد الله يجر أمم البربر خلفه من زمور وبني حكم وجروان وآيت آدراسن وآيت ومالو في عدد لا يحصيهم إلا خالقهم وفي شارة من اللباس وشكة من السلاح تسر الصديق وتسوء العدو ولما عاين المولى المستضيء وعبيده تلك الجموع وعلموا أنهم لا طاقة لهم بحربهم اتخذوا الليل جملا وأسروا إلى مأمنهم ونجوا بأنفسهم واصبحت الديار منهم بلاقع فسر الناس بذلك وشكروا الله على انفضاض تلك الجموع بلا قتال وفي سادس جمادى الأولى من السنة توفيت أم السلطان الحرة خناثى بنت بكار المغفرية رحمها الله وكانت فقيهة أديبة ودفنت بقبور الأشراف من فاس الجديد وفي جمادى الثانية منها حدثت فتنة بفاس بين الحاج عبد الخالق عديل والشريف المولى أبي عبد الله محمد الغالي الإدريسي فشكاه عديل إلى السلطان فأمر بالقبض عليه فعاذ الشريف بضريح جده رضي الله عنه فألزم السلطان أهل فاس إخراجه فضيقوا عليه إلى أن طلب الأمان فأمنوه وساقوه إلى السلطان فوبخه ثم ضربه وسجنه ثم أمر أهل فاس بقتل أصحابه فقتلوهم

هدية السلطان المولى عبد الله رحمه الله إلى الحرم النبوي على مشرفه أفضل الصلاة والسلام

وفي هذه السنة أعني سنة خمس وخمسين ومائة وألف سافر الركب المغربي إلى الحرمين الشريفين فبعث معه أمير المؤمنين المولى عبد الله رحمه الله هدية نفيسة فيها ثلاثة وعشرون مصحفا بين كبير وصغير محلاة بالذهب مرصعة بالدر والياقوت ومن جملتها المصحف الكبير العقباني الذي كان الملوك يتوارثونه بعد المصحف العثماني الذي كان عند بني أمية بالأندلس وانتقل إلى هذه العدوة المغربية على يد عبد المؤمن بن علي حسبما مر الكلام عليه مستوفى وأما هذا المصحف العقباني فهو مصحف عقبة بن نافع الفهري الصحابي المشهور فاتح المغرب كان نسخه بالقيروان من المصحف العثماني على ما قيل وبقي متداولا بين أهل المغرب إلى أن وقع بيد الأشراف السعديين وأخذ فيه المنصور منهم العهد لولده الشيخ على إخوته كما مر ولما وصل إلى هذا السلطان رحمه الله غربه من المغرب إلى الحرم الشريف فعاد به الدر إلى وطنه والإبريز إلى معدنه قال الشيخ أبو عبد الله المسناوي رحمه الله قد وقفت على هذا المصحف حين أمر السلطان المولى عبد الله رحمه الله بإخراجه وبعثه إلى الحجرة الشريفة فظهر لي أن تاريخ كتبه بالقيروان فيه نظر لبعد ما بينهما اه وبعث السلطان رحمه الله معه ألفين وسبعمائة حصاة من الياقوت المختلف الألوان للحجرة النبوية على الحال بها أفضل الصلاة وأزكى التحية وتقبل الله من السلطان عمله وأجزل ثوابه آمين

مشايعة الباشا أبي العباس الريفي للمولى المستضيء على المولى عبد الله وزحفه إلى فاس وما يتصل بذلك

لما دخلت سنة ست وخمسين ومائة وألف أقبل الباشا أبو العباس أحمد ابن علي الريفي في جموع الفحص والجبل والريف قاصدا فاسا وأعمالها حتى نزل بالعسال من مزارع فاس وذلك في الثاني والعشرين من المحرم منها وراود أهل فاس على الانحراف عن طاعة مولاي عبد الله فأبوا وأقبل المولى المستضيء في جموع العبيد وعليهم القائد فاتح بن النويني حتى نزل قريبا منه في الثاني والعشرين من صفر ولما زحف هذان الجيشان إلى فاس اضطربت نواحيها ودهش الناس من هول هذا الريفي لأنه جاء في استعداد لم يعهد مثله وأرز الحياينة وشراقة وأولاد جامع إلى أسوار فاس ونزلت حللهم داخلها وخارجها وبعثروا مزارعها وجناتها وانتهبوا مواشيها وهلك الكثير منها جوعا وهزالا وماجت الفتنة موج البحر وارتفعت الأسعار ولقي الناس كل شدة وفي كل صباح ومساء ترعد المدافع وتقرع الطبول بمحلتي المولى المستضيء والريفي فاستعد الناس للحرب وركب السلطان المولى عبد الله من دار الدبيبغ في نحو عشرة من الخيل وأسرع إلى آيت أدراسن وهم بسهب عشار فدخل حلة عبد الله بن يشي منهم وقلب سرجه وسط جموعهم فالتف عليه من حضر منهم وقالوا ما الذي ناب مولانا فقال جئتكم لتنصروني على هذا الجبلي الذي كان خديمنا وعبدنا وأطغاه ما جمع من المال في خدمتنا ثم أراد أن يفضحنا وجرأه علينا أخوانا المستضيء وأراد الاستيلاء على بلادنا وهي في الحقيقة بلادكم وما قصد إلا إهانتكم وأنتم أحق من ينصر أهل البيت ولا يتحمل العار وعليكم السلام ثم ركب فرسه ورجع عوده على بدئه فلم يبت إلا بدار الدبيبغ ومن الغد زحف أحمد الريفي إلا بلاد الحياينة ظنا منه أنهم لا زالوا مقيمين بها فلما لم يجد بها أحدا رجع إلى محله الذي كان به ومن الغد كانت حرب خفيفة بينه وبين الودايا ومن لافهم من الحياينة وشراقة وأولاد جامع ثم من الغد ركب أحمد الريفي في رماته وتقدم حتى وقف على كدينة تامزيزت فوق القنطرة وعبرت جموعه لارورات ثم عبر المولى المستضيء في جموع العبيد وخلفوا رماتهم ومدافعهم وأثقالهم بالمحلة وكتب المولى المستضيء كتائبه وصف جنوده بذلك البسيط وزحف الودايا وأهل فاس والحياينة وشراقة وأولاد جامع وجاءت البربر بجموعها فأشرفوا عليهم بالعين المقبوة إلى دار ابن عمرو ولما وقعت عينهم على جموع المولى المستضيء ووزيره الريفي بذلك البسيط صاحوا بهم وشدوا عليهم شدة رجل واحد فكانت الهزيمة واستحر فيهم القتل والسلب وازدحموا في القنطرة وتساقطوا في الوادي فهلك الكثير منهم والبربر في أثرهم يقتلون ويسلبون وأما الريفي فإنه لما رأى الهزيمة عليه لم يزد على أن ركب فرسه ونجا برأس طمرة ولجام على الحالة التي وصفها أبو الطيب إذ قال ( لا يأمن النفس الأقصى فيدركه % فيسرق النفس الأدنى ويغتنم ) ولم يعرج هؤلاء ولا أحد من المنهزمة على المحلة حتى انتهى إليها البربر فتركوا اتباع المنهزمة واشتغلوا بنهبها فأتوا على ما فيها من الأخبية والكراع والأثاث الفاخر ولم يتركوا بها إلا المدافع والمهاريس وآلتها من كور وبنب وبارود فإن القائد أبا عزة صاحب الشربيل وقف على ذلك حتى حازه وعاد الناس وقد امتلأت أيديهم من الغنائم فلقيهم طوائف من البربر لم يكونوا قد شهدوا الوقعة فاستلبوا ما بأيديهم قال صاحب البستان حدثني السلطان المرحوم سيدي محمد بن عبد الله عن هذه الوقعة وكان قد شهدها وهو في سن البلوغ قال بعثني والدي مع أخوالنا الودايا فلما هبت رياح النصر وانهزم العدو في ساعة واحدة وكنت يومئذ في خمسين فارسا بين ودايا وأصحاب تقدمنا إلى المحلة فوقفنا على قبة الباشا أحمد وأحرزناها ثم أمرت الحمارة فحملوا لنا من صناديق الريال على عشرين بغلة ومن الملف والكتان على ثلاثين جملا لعرب بداوة أصحاب الإبل وحملوا لنا قبتين إحداهما لأحمد الريفي والأخرى أظنها للمولى المستضيء وأما العرب والبربر والودايا وأهل فاس فقد أخذت كل طائفة بناحية تحمل ما قدرت عليه ثم لما انفصلنا عن المحلة قافلين لقيتنا كتائب من البربر الذين لم يحضروا الوقعة وبنفس ما خالطونا طاروا بما في أيدينا حتى لم ندر أين البغال ولا الإبل وانفرد بكل بغلة وجمل جماعة من الخيل خمسون أوستون أو أكثر ولم يجتمع منا اثنان وعدنا كما جئنا وهكذا وقع لكل من انتهب شيئا من حزبنا إلا من دخل مع البربر في حصتهم ولما فرغ الناس من النهب اشتغل عبيد السلطان بجمع الرؤوس فكان عددها ما بين أبيض وأسود نحو التسعمائة فيها رأس الباشا فاتح بن النويني ثم بعث السلطان المولى عبد الله البغال لجر تلك المدافع والمهاريس وحمل الكور والبنب فسيق ذلك كله إلى دار الدبيبغ ثم بعث بغالا أخرى لحمل البارود وكان ثلاثمائة برميل في كل واحد قنطار من البارود الجيد فأدخل ذلك كله لخزين فاس قال السلطان المرحوم سيدي محمد بن عبد الله في حديثه وكان هذا أول بعث بعثني فيه والدي وأول حرب شهدتها وأنا يومئذ في سن البلوغ وكان لي ولوع باللعب بالرمح والمطاعنة به إلى أن مهرت فيه اه كلامه ولما اجتاز المنهزمة بجبل الزبيب اعترضهم أهله وقاتلوهم فقتلوا في جملتهم سيدي محمد بن المستضيء يظنونه من أهل الريف ثم خلص الريفي وأصحابه إلى طنجة بعد غصب الريق وكان أمر هذه الوقعة فتحا عظيما على أمير المؤمنين المولى عبد الله وشيعته قال في نشر المثاني فراجع طائفة من العبيد طاعة مولاي عبد الله وجاءته قبائل المغرب بالهدايا من كل ناحية فتألفهم وألان لهم القول وأمر العبيد بالمسير إلى طنجة لحرب الريفي فساروا ثم رجعوا ولم يلقوا كيدا

معاودة أحمد الريفي غزو فاس وما كان من أمره مع السلطان المولى عبد الله إلى حين مقتله

لما وصل أحمد الريفي إلى طنجة أخذ في إخلاف ما ضاع له ولقومه من خيل وسلاح وأخبية ونحوها وجدد لجيش العبيد من ذلك ما جدده لأهل الريف وأخذ في الاستعداد لمعاودة غزو فاس وأقسم أن لا يأكل لحما ولا يشرب لبنا حتى يدخل فاسا وينهبها كما انتهبوا محلته وبعث إلى سلطانه المولى المستضيء بمائتي فرس ومائتي خباء وألف مكحلة وخمسين ألف مثقال يفرقها على العبيد يتقوون بها وضرب له موعدا يجتمعون فيه على حرب السلطان المولى عبد الله وشيعته من الودايا وأهل فاس فكان أمر الريفي فيما أنفقه كما قال تعالى @QB@ فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون @QE@ الأنفال 36 ولما كان شهر جمادى الأولى من سنة ست وخمسين ومائة وألف خرج أحمد الريفي من طنجة قاصدا حضرة فاس في أكمل شكة وأحسن استعداد ولما انتهى خبره إلى السلطان المولى عبد الله لم يسعه التخلف عن لقائه فكتب إلى عرب الحياينة وشراقة وأولاد جامع وكتب إلى عرب الغرب من سفيان وبني مالك وسائر شيعته يستنفرهم ويحضهم على نصرته وفرق الراتب على العبيد والودايا وزرارة وأخرج أهل فاس بعثهم الذي عينوه على العادة وكتب السلطان إلى آيت أدراسن وجروان يخبرهم بعزمه على مصادمة الريفي وجمعه ويقول لهم إن أردتم المال والغنيمة فتأهبوا للنهوض إلى طنجة فخف ناس منهم وقدم عليهم منهم ألفان من الخيل وأكثر منها رماة ثم خرج السلطان من فاس أواخر جمادى الأولى ونزل على وادي سبو وأقام به إلى أن عرض عساكره ورتبها فجعل رماة عبيده ورماة أهل فاس رحى واحدة وعقد عليهم للقائد أبي عزة صاحب الشربيل وجعل الودايا وزرارة وأهل السوس خيلهم ورماتهم رحى واحدة وعقد عليهم لحاجبه القائد عبد الوهاب اليموري وسار على هذه التعبية فلقيه شراقة وأولاد جامع وأولاد عيسى فجعلهم رحى واحدة وعقد عليهم للشيخ أبي العباس أحمد بن موسى الشرقي ولما عبر وادي ورغة لقيه أهل الغرب في جموعهم ينتظرونه هنالك فباتوا معه تلك الليلة بعين قرواش ومن الغد جعل بني مالك في رحى وعقدهم عليهم لقائدهم أبي سلهام الجمادي وجعل سفيان في رحى وعقد عليهم لقائدهم عبد الله السفياني وسار على هذه التعبية في ظل النصر والسعادة وأما المولى المستضيء في العبيد وبني حسن فإنه لما بلغه نهوض السلطان المولى عبد الله من فاس خالفه إلى مكناسة دار الملك فدخلها على حين غفلة من أهلها وعاث وانتهب وفعل فيها بنو حسن الأفاعيل من سبي النساء والذرية وغير ذلك ثم تدارك أهل مكناسة أمرهم وتجمعوا لحرب عدوهم فقاتلوا بني حسن في وسط المدينة وردوهم على أعقابهم وقتلوا منهم ما لا يحصى ورجعوا منهزمين وأما أحمد الريفي فإنه زحف إلى القصر في جموع لا تحصى من أهل الريف والفحص والجبل وأهل العرائش والقصر والخلط وطليق وبداوة وغيرهم وأقام ينتظر سلطانه المولى المستضيء وجمعه ولما أبطأ عليه واتصل به خبر زحف السلطان المولى عبد الله إليه ارتحل من القصر عامدا نحوه فالتقى الجمعان عشية ذلك اليوم بدار العباس على وادي لكس وقال في نشر المثاني كان اللقاء بالموضع المسمى بالمنزه من أحواز القصر في رابع جمادى الآخرة سنة ست وخمسين ومائة وألف ولما تراءى الجمعان هم جيش السلطان المولى عبد الله بالنزول فقال السلطان رحمه الله لا نزول إلا على الغنيمة أو الهزيمة ثم عبر إليهم في جنوده وأعجلهم على النزول وصمد إليهم في كتيبة من أخواله وعبيده فخالط

مقدمتهم ففضها وكان فيها أهل الفحص وبداوة وطليق والخلط ثم ظهرت كتيبة أهل الريف التي فيها قلب العسكر وحده وفيها الباشا أحمد بن علي فحمل عليها السلطان حملة ثانية ألحقها بالمقدمة وتقوضت جموع الريفي من كل جانب وانهزموا للحين ومروا على وجوههم لا يلوي حميم على حميم ومضى جيش السلطان في أثرهم يقتلون ويسلبون إلى أن جنهم الليل وقتل الريفي في المعركة وبقيت الأبنية والأثقال بيد السلطان كما هي فنزل بها بدار العباس وعادت العساكر مساء بالغنائم وبرأس الباشا أحمد بن علي الريفي عرفه بعضهم بين القتلى فأزال رأسه وأتى به السلطان فسر به وبعث به إلى فاس فعلق بباب المحروق وانقضى أمل أحمد الريفي وذهبت أيامه و @QB@ كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ الرحمن 26 وقد خلف هذا الريفي آثارا كثيرة بطنجة وتطاوين وأعمالها من أبنية وغيرها تشهد بعلو همته رحمه الله

زحف السلطان المولى عبد الله إلى طنجة واستيلاؤه عليها

لما فرغ السلطان المولى عبد الله رحمه الله من أمر الريفي أصبح غاديا يؤم طنجة ولما شارفها خرج إليه رجالها يحملون المصاحف على رؤوسهم والصبيان يحملون الألواح بين أيديهم مستشفعين تائبين فعفا عنهم إلا من كان من بطانة أحمد الريفي ودخل السلطان طنجة واستولى عليها وأمر بالاحتياط على دار الريفي ومتاعه ثم أمر الخواجا عديلا في جماعة من تجار فاس بإحصاء ما بدار الريفي فدخلوها وتطوفوا خزائنها واستخرجوا ما فيها من مال وسلاح وسروج وكسى وملف وكتان وفرش وخرثي وأثاث يفوق الحصر فأحصى ذلك كله وأحصى العبيد والإماء والخيل والبغال وجميع الماشية من إبل وبقر وغنم فجيء من ذلك بشيء كثير فأعطى الماشية كلها للبربر ثم أطلق يد الجيش على الأمراس فانتشلوا ما فيها من قمح وشعير فأتوا عليه ثم تتبع حاشية الريفي من عمال وكتاب وغيرهم ممن كان له به اتصال فاستصفى ما عندهم من المال والذخيرة إلى أن استوفى غرضه وكان هذا الريفي قد رسخ مجده بطنجة وأعمالها وعظمت ثروته لامتداد الدولة له ولأبيه بها منذ الفتح فكان ظفر السلطان المولى عبد الله بخزائنه من باب الظفر بالكنوز القارونية وقدمت عليه في أثناء ذلك وفود القبائل التي هنالك فعفا عنهم وأمنهم وأقام رحمه الله بطنجة أربعين يوما وانقلب راجعا إلى فاس مؤيدا منصورا وبالله التوفيق

اعتراض المولى المستضيء للسلطان المولى عبد الله وعود الكرة عليه ومقتل بني حسن

لما انهزم المولى المستضيء من مكناسة بعد إيقاعه بأهلها خرج إلى حلة بني حسن وأقام بين أظهرهم فاتصل به خبر مقتل ناصره ووزيره على أمره أحمد الريفي ففت ذلك في عضده وهد أركانه ثم لما بلغه فتح طنجة واستيلاء السلطان عليها استأنف جده وأرهف حده وأخذ في تحريض العبيد وبني حسن على تجديد البعث والنهوض لاعتراض أخيه السلطان المولى عبد الله مرجعه من طنجة فخرج كبير بني حسن يومئذ وهو قاسم أبو عريف يطوف في أحيائها ويستنفر جموعها وخرج المولى المستضيء في لمة من وجوه العبيد إلى مشرع الرملة فجهز بها عشرة آلاف فارس من عبيده ووافاه قاسم أبو عريف بمثلها من بني حسن فكان مجموع الجيشين عشرين ألفا سوى من انضاف إليهم ثم ساروا لاعتراض السلطان ولا علم له بهم وقدم المولى المستضيء أمامه الطلائع والعيون فعادوا إليه بخبر السلطان وأنه بائت تلك الليلة بدار العباس فصبحه المولى المستضيء في جموعه على حين غفلة منه فلم يرع السلطان المولى عبد الله إلا نواصي الخيل مقبلة إليه فعبأ جيشه على عجل وأقام الرماة حوالي المحلة ثم صمد إليهم في الخيل وأنشب القتال فلم تكن إلا ساعة حتى انهزم بنو حسن وولوا الأدبار وكانوا ميمنة الجيش وثبت المولى المستضيء والعبيد في الميسرة فصمد إليه السلطان وصدقه القتال فهبت ريح النصر وتمت الهزيمة على المولى المستضيء وعبيده ومروا على وجوههم لا يلوون على شيء فجرد السلطان مع القائد أبي عزة صاحب الشربيل كتيبة من الخيل في أثرهم وتقدم إليهم أن لا يقتلوا أحدا من العبيد وإنما يجردونهم لا غير فلم يقتل أحدا من العبيد في هذه الوقعة واستحر القتل في بني حسن فهلك منهم ما ينيف على الألف وانتهب منهم أكثر من خمسة آلاف فرس ومن السلاح مثل ذلك وهذه الوقعة هي التي خضدت شوكة بني حسن وفلت من غربهم ونجى المولى المستضيء في فلهم وأقام بحلتهم ينتظر أن تدول له دولة لأنهم كانوا شيعته كأهل دكالة وأهل مراكش وكان أخوه المولى الناصر خليفته على مراكش كما مر وقفل السلطان المولى عبد الله إلى فاس الجديد فاحتل بها وفرق المال على أخواله وعبيده وأسهم لأهل فاس وأقام بدار الدبيبغ إلى أن دخلت سنة سبع وخمسين ومائة وألف فقدم عليه في شهر ربيع الثاني منها جماعة من قواد العبيد تائبين خاضعين متنصلين مما فرط منهم فعاتبهم وقال لهم لا كلام اليوم بيني وبينكم حتى أقطع دابر بني حسن ومن معهم من شيعة المستضيء ثم عفا عنهم وأعطاهم الراتب وأمرهم بالقدوم عليه إلى مكناسة بقصد غزو بني حسن فعادوا إلى مشرع الرملة عازمين على ذلك وأخذ هو في الاستعداد أيضا ونهض من فاس في جيش العبيد والودايا وأهل فاس والحياينة وشراقة وأولاد جامع وعرب الغرب ولما انتهى إلى مكناسة وافاه بها عبيد مشرع الرملة في وجوههم وأهل الحل والعقد منهم فجددوا التوبة واستأنفوا البيعة بمحضر القضاة والعلماء وأعطوا صفقة الطاعة من عند آخرهم والله غالب على أمره

نهوض السلطان المولى عبد الله إلى بلاد الحوز وتدويخه إياها وإجفال المولى المستضيء عنها

كان المولى المستضيء في هذه المدة مقيما عند بني حسن كما قلنا ولما بايع العبيد السلطان المولى عبد الله واجتمعت كلمتهم عليه خرج في طلبه وطلب شيعته من بني حسن فسلك طريق الفج ليحول بين بني حسن والشعاب فصبحهم بسيط زبيدة وهم غارون والمولى المستضيء بين أظهرهم فلم يرعهم إلا الخيل تجوس خلال بيوتهم وتسوق أنعامهم وشاءهم وتنتهب أثاثهم ومتاعهم فانفضوا في كل وجه وتفرقوا شذر مذر وأفلت المولى المستضيء رحمه الله بجريعة الذقن وتوزعت العساكر السبي وجاء بنو حسن يهرعون إلى السلطان طالبين عفوه فأمر بالكف عنهم ورد عليهم سبيهم وترك لهم خيلهم ومضى إلى قبائل دكالة إذ اتصل به أن المولى المستضيء قد فر إليها فلما نزل قصبة أبي الأعوان ونزلت عساكره أمامه بذلك البسيط من دكالة فر أهلها مع المولى المستضيء إلى التلول ونزلوا قرب دمنات وشرعت عساكر السلطان في انتشال الحبوب من الأمراس واستخراج الدفائن من الهميل وتخريب القرى وتقطيع الأشجار وكلما فرغت من ناحية انتقلت إلى غيرها متقلبة في ذلك البسيط نحو السنة والسلطان مقيم بالقصبة إلى أن اكتسح أرض دكالة وتركها أنقى من الراحة ليس بها ما يأكله الطائر أو يتظلل الحائر ثم انتقل إلى بلاد السراغنة ولما توسطها قدمت عليه وفودها ووفود سائر قبائل تلك الجبال بمؤناتهم وهداياهم فقبلهم وعفا عنهم ثم انتقل إلى ناحية دمنات ففر أهل دكالة والمولى المستضيء أمامه إلى جبال مسفيوة فتحصنوا بها وكانت مسفيوة قد بايعته ودخلت في دعوته فتقدم السلطان المولى عبد الله حتى نزل بوادي الزات فقدمت عليه هنالك عرب الرحامنة وزمران وسائر أهل الحوز وكانوا متمسكين بطاعته فنزلوا معه بالوادي المذكور وعاثت العساكر في بلاد مسفيوة وأوسعوها نهبا وتخريبا والحرب في ذلك كله قائمة مع المولى المستضيء على ساق إلى أن صار وادي الزات أخرب من جوف حمار ثم انتقل السلطان إلى وادي كجي فعاثت فيه العساكر على عادتها وعجز أهل الدفاع فهدمت حصونهم وحرقت قراهم وقطعت أشجارهم وصار وادي كجي أوحش من وادي الزات فطلبوا الأمان وأعلنوا بالطاعة وجاؤوا مستشفعين بصبيانهم فقال لهم السلطان على شرط أن تأتوا بالمستضيء فقالوا إنه قد فر بالأمس ولو كان عندنا لأتيناك به فقبلهم وعفا عنهم ثم جاء أهل دكالة بنسائهم وذراريهم وقالوا هذه نساؤنا وأولادنا لك وأما المال فقد ذهب وما عندنا ما نقتاته فافعل بنا ما بدا لك فعفا عنهم وأذن لهم في الرجوع إلى بلادهم وكان ذلك أواخر سنة سبع وخمسين ومائة وألف ولما دخلت سنة ثمان وخمسين بعدها ارتحل عن بلاد مسفيوة ونزل بقصبة آلصم بإشمام الصاد زايا وبها قدم عليه وفد من مراكش كما يأتي وأما المولى المستضيء فإنه لما فر من مسفيوة قدم مراكش وحاول الدخول إليها فصده أهلها عنها ورفضوا دعوته وأعلنوا بنصر السلطان المولى عبد الله بمرأى منه ومسمع فلم يبق له حينئذ بمراكش مطمع وكان أخوه المولى الناصر قد مات يومئذ فأخرجوا إليه أثاثه فتسلمه منهم وكر راجعا إلى بلاد الفحص فلم يزل تلفظه أرض إلى أرض إلى أن احتل بطنجة قانعا من الغيبة بسلامة المهجة وسيأتي تمام خبره بعد إن شاء الله

وفادة أهل مراكش على السلطان المولى عبد الله بآلصم واستخلافه ولده سيدي محمدا عليهم

لما طرد أهل مراكش المولى المستضيء عن بلادهم تآمروا فيما بينهم وأجمعوا الدخول في طاعة السلطان المولى عبد الله وعينوا جماعة من وجوههم وأوفدوها عليه وهو بقصبة آلصم فانتهوا إليه وقدموا بيعتهم وأخبروه بما كان من المولى المستضيء وما عاملوه به من الصد والإبعاد فقبلهم وعفا عنهم بعد العتاب ثم طلبوا منه هم وقبائل الحوز أجمع أن يطأ بلادهم ويدخل مصرهم فوعدهم بذلك ولم يبرح من مكانه إلى أن وفدت عليه قبائل الدير كله فلما تفقد الجيش الذي خرج به من مكناسة وجد أكثره قد فر ولم يبق معه من العسكر المخزني إلا النصف وأما القبائل فلم يبق معهم منه إلا أعيانهم في الأخبية لطول الغيبة وكثرة الحروب وقلة الزاد فلم يمكنه التقدم إلى مراكش على تلك الحال وإنما تألفهم بأن دفع لهم ولده المولى محمدا رحمه الله وقال لهم إني استخلفته عليكم فرضوا به وقرت أعينهم فكان ذلك أول ما انغرست شجرة الدولة العلوية بمراكش حتى صارت حضرتها ودار ملكها بعد أن كانوا لا يبغون بمكناسة بدلا ثم بعث السلطان ولده المولى أحمد وكان أسن من المولى محمد خليفة عنه برباط الفتح وأضاف إليه قبائل الشاوية وبني حسن ثم أذن السلطان لعامل فاس عبد الخالق عديل في الرجوع إلى فاس فمرض بالطريق ومات بعد أن دخل فاسا ودفن بزاوية سيدي عبد القادر الفاسي ثم رجع السلطان إلى مكناسة على طريق تادلا بعد أن أقام ببلاد الحوز سنة كاملة فقدمها في شهر ربيع الثاني سنة ثمان وخمسين ومائة وألف ولما شارف مكناسة لم يدخلها ونزل بقصبة أبي فكران فقدم عليه بها جماعة من المجاهدين أهل الريف من طنجة فوق المائة ومعهم زوجة الباشا أحمد الريفي وولداها منه فقدمت هدية عظيمة فقبض السلطان الهدية وقتل الولدين ومن معها من أهل الريف ثم قتل معهم ثلاثمائة من بني حسن كانوا قدموا عليه للتهنئة فكان ذلك سبب نفرة الناس عنه فساءت عنه الأحدوثة وكثرت القالة من الجيش والرعايا حتى في الأسواق وانقبض الناس عنه حتى أهل فاس فضلا عن غيرهم

مكر السلطان المولى عبد الله بأعيان البربر وإخفار ذمة محمد واعزيز فيهم ثم إطلاقهم بعد ذلك

لما صدر من السلطان المولى عبد الله ما صدر من قتل أهل الريف وبني حسن وانقباض الناس عنه انقبض في جملتهم البربر فلم يأته منهم أحد وكانوا قد حرثوا بأحواز مكناسة فلما أدرك زرعهم أمر السلطان العبيد بانتهابه فعمدوا إليه وحصدوه ودرسوه وأكلوه فازدادت نية البربر فيه فسادا ولما رأى انقباضهم عنه كاتب كبيرهم محمدا واعزيز وكانت بينهما خلة ومصافاة حتى كان يقول له أنت أبي إذ كان محمد واعزيز هذا هو الذي حشد له جموع البربر وشايعه على عدوه أحمد الريفي حتى قتله فكتب إليه يلومه على انقباضه عنه وتخلف قبيله عن الحضور ببابه مع أنهم شيعته ومواليه فلما ورد عليه كتاب السلطان لم يسعه التخلف عن إجابته واستشار في ذلك قومه فلم يوافقوه فراجعهم فقالوا ألا ترى إلى ما وقع بمن وفد عليه من غيرنا فقال لا ترون إلا الخير ولم يزل بهم حتى غلبهم على رأيهم وتفرقوا عنه لجمع الهدية وتعيين الوفد فجمعوا من ذلك ما قدروا عليه ثم أتوه فأعادوا عليه القول وحذروه الغدر فقال هذا لا يكون ولستم مثل أولئك فما وسعهم إلا إجابته وأقبلوا معه حتى انتهوا إلى قصبة أبي فكران حيث هو السلطان فاجتمعوا بالحاجب أبي محمد عبد الوهاب اليموري فلما رآهم بهت وتحركت منه الرحم البربرية لكنه لم يمكنه ردهم بعد بلوغهم إلى ذلك المحل وكانوا نحو المائة كلهم أعيان فترجلوا عن خيولهم ووضعوا أسلحتهم ثم دخلوا على السلطان المولى عبد الله فوجدوه جالسا على كرسيه بوسط القلعة فأدوا واجب التحية فأجابهم وأمرهم بالجلوس فجلسوا بين يديه ثم دخل الحرس والزبانية فوقفوا على رؤوسهم وأحاطوا بهم وأخذ السلطان في معاتبتهم على ما يرتكبونه في الطرقات والغارات على المستضعفين من الأعراب وغيرهم وانتهاب بضائع التجار وما كانوا يعاملون به عساكر الملوك من النهب والسلب وعدد عليهم الحسائف القديمة والأفعال الذميمة ثم أمر الحرس بالقبض عليهم فانقضوا عليهم انقضاض العقبان ولم يكن بأسرع من أن ألقوا بين يديه مقرنين في الحبال ولم يقبض على محمد واعزيز من بينهم فقال له يا مولانا أغدرا بعد أمان ولست من أهله فقال له إن هؤلاء القوم قد حادوا عن الدين وحل مالهم ودمهم لخروجهم عن الطاعة وشقهم عصا الجماعة وقد أعياني أمرهم وما عدت إلى هذا الأمر بعد خروجي منه إلا من أجلهم أردت أن أقابل هذا التيس الأسود يعني العبيد بهذا الكبش الأبيض يعني البربر وأستريح من غصة من هلك منها وأتمسك بالآخر ولولا أنك بمنزلة والدي ما أطلعتك على ما في ضميري فقم في حفظ الله ولا بأس عليك فقال محمد واعزيز والله لا أقوم ولا أكون إلا مع إخواني حيثما كانوا فإن هلكوا هلكت معهم ويكون لك غدرك وإن سلموا سلمت معهم ولا يتحدث الناس أني سقتهم إلى الذبح ورجعت أنا سالما فبأي وجه أسير إلى أولادهم وأي أرض تحميني من عشيرتهم وإلى أين أقصد فإن كان لا بد من القتل فقتلك لي معهم أجمل بي ولا إثم عليك في ذلك ولا عار لأني أنا الذي سقتهم إليك وأرحتهم عليك بعد أن عرضوا علي هذا كله فلم أقبل منهم فلما سمع السلطان هذا الكلام العالي وتمكنت منه صولته الحقة جعل يتدبره ثم التفت إلى الحاجب عبد الوهاب وقال يا عبد الوهاب لا خير في الرجل يقول للرجل أبة ثم لا يشفعه في جماعة من قبيلة خلوا عنهم فسرحوهم وخرجوا كأنما نشروا من القبور فركبوا خيلهم وساروا إلى حلتهم ولسان حالهم ينشد ما قاله الأعرابي الذي بال بواسط فضربه الحجاج وسجنه ثم أطلقه ( إذا نحن جاوزنا مدينة واسط % خرئنا وبلنا لا نخاف عقابا )

زحف البربر إلى السلطان المولى عبد الله بأبي فكران وفراره إلى مكناسة

لما خلص جماعة البربر إلى حلتهم أقبلوا على محمد واعزيز وعاتبوه على ما حملهم عليه من الوفادة على السلطان والقرب منه حتى جرى عليهم ما جرى مع أنهم كانوا في غنى عن ذلك كله وقالوا له نحن متنا وبعثنا ولا بد لنا من الأخذ بالثأر فقال شأنكم وما تريدون فخلصوا نجيا وتفاوضوا في شأنهم إلى أن أجمع رأيهم على غزو السلطان لمضي ثلاث ومن تخلف عنها أحرقت خيمته فقال لهم محمد واعزيز إياكم والطرقات ثم افعلوا ما بدا لكم فتفرقوا لحللهم واستعدوا للحرب وأقبلوا في اليوم الرابع يجرون الشوك والمدر فلم يرع السلطان وهو بأبي فكران إلا الرايات قد أطلت عليه من الحاجب والخيل تسيل بها الأودية والشعاب فلم يسعه إلا أن حمل أثقاله وأركب عياله وجعلهم أمامه مع رحى من رماة المسخرين وأردفهم رحى أخرى من الخيل ثم تلاهم هو في موكبه وردفته رحى ثالثة من خيل العبيد جاءت من خلفه وانحدر في بطن الوادي وتفرق الجند عن يمين الوادي ويساره وسار السلطان على هذه التعبية وكلما دفعت خيل البربر على المسخرين من الجند أطلقوا عليهم شؤبوبا من الرصاص فيسقط منهم الأربعون والخمسون وإذا دفعت خيلهم على رحى الخيل فكذلك وعلى موكب السلطان فكذلك وهكذا إلى أن دخل باب القزدير فاحتل بمكناسة وهلك من العبيد في هذه الوقعة نحو الثلاثمائة ومن البربر على ما قيل نحو الخمسمائة وجمعوا قتلاهم فكفنوهم في أخبية العبيد إذ كانت بأيديهم ولم يرجعوا بسوى ذلك وكانت هذه الوقعة أواسط سنة تسع وخمسين ومائة وألف واعلم أنه قد وقع هنا لفظ الرحى ولفظ المسخرين وغير ذلك وهي ألقاب لطوائف من جيش هذه الدولة السعيدة فلا بد من بيان الاصطلاح في ذلك تتميما للفائدة فنقول إن الجيش السلطاني اليوم بهذه الدولة الشريفة ينقسم أولا إلى ثلاثة أقسام أصحاب ومسخرين وجيش فأما الأصحاب فهم طائفة من الجند تلازم السلطان حضرا وسفرا لا يفارقونه بحال وهم أرباب الوظائف المخزنية منهم الكتاب الذين هم إلى نظر الوزير الأعظم ومنهم أرباب الفراش ومنهم القهارمة القائمون على طعام السلطان وشرابه ومنهم أرباب الوضوء وغير هؤلاء ممن يطول ذكرهم وكل طائفة برئيسها وأما المسخرون فهم ملازمون للسلطان حضرا وسفرا أيضا وشأنهم أن يكونوا فرسانا في الغالب وقد يكون فيهم الرماة وهم أهل الشوكة والغناء وهم الموجهون في المهمات لأن عليهم المدار في الأمور المخزنية كما يقتضيه تسميتهم بالمسخرين وإذا ركب السلطان في سفر أو نحوه انقسموا قسمين فالعبيد منهم يكونون خلفه لأنهم الموالي والودايا وشراقة يكونون أمامه وأما الجيش فهو أصل الجميع كما يقتضيه لفظه ومنه تنتخب الطوائف السابقة وهو عسكر السلطان الذي يحويه ديوانه إلا أن معظمه يكون متفرقا في حلله وبلاده إلا إذا أراد السلطان غزوا فيوجه على ما يحتاج إليه منه أما الجميع أو البعض ويكون ذلك مناوبة على ما هو معروف عندهم وأما الرحى فهي عبارة عن ألف من الجيش خيلا أو رماة وربما زادت أو نقصت بحسب ما يتفق والله أعلم

شغب العبيد على السلطان المولى عبد الله وانتقاله إلى فاس وانتقال عبيد الديوان من مشروع الرملة إلى مكناسة

لما وصل العبيد الذين كانوا مع السلطان المولى عبد الله بأبي فكران إلى مكناسة واجتمعوا بإخوانهم الذين كانوا هنالك تكلموا بما في أنفسهم على السلطان من الغيظ ونفثوا بما في صدورهم عليه من الإحنة وقالوا إنه قد قال لمحمد واعزيز أردت أن أصدم هذا التيس الأسود بهذا الكبش الأبيض ودارت بينهم هذه الكلمة وأخذت منهم كل مأخذ وقالوا لم يبق لنا شك في أن هذا الرجل لا غرض له إلا في هلاكنا فانظروا لأنفسكم أو دعوا ثم كتبوا إلى عبيد الديوان يخبرونهم بما صدر من السلطان في جانبهم ويستشيرونهم في أمره فجاء بعض عيون السلطان من عبيد مكناسة إليه وأخبروه بما دار بين العبيد وبما كتبوا به إلى أهل الديوان فطير السلطان بالكتابة إلى ودايا فاس الجديد يقول لهم إن كانت لكم حاجة بابن أختكم عبد الله فاقدموا عليه الساعة ثم أخذ في جمع أثاثه وتنضيده وحمل ماله وشده وإسراج خيله وإنهاض رجله وقال لخاصته غدا إن شاء الله نرجع إلى أبي فكران فلما كان وقت العشاء وصل إلى باب القزدير من جيش الودايا أربعمائة فارس فأخرج إليهم السلطان أثاثه وماله وعياله ثم ركب في خاصته وأسروا ليلتهم ولم يصبحوا إلا بفاس الجديد فدخل السلطان داره وأمن على نفسه وأما عبيد الديوان فإنه لما بلغهم كتاب إخوانهم الذين بمكناسة وقرؤوه قالوا إنه لا يجمل بنا المقام في وسط بني حسن لا ننفع إخواننا ولا ينفعوننا فأجمعوا الرحيل والانتقال إلى مكناسة وبعد ثلاث انتقلوا إليها وأعروا مشروع الرملة واستراحت تلك البلاد من عيثهم لا سيما سلا وأحوازها فإنهم كانوا قد أشجوا أهلها ولاقوا منهم عرق القربة ولما وصلوا إلى مكناسة نزلوا بالمدينة وبالقصبة وبالإصطبل وبريمة وبهدراش وبالرحاب التسعة فملؤوها واجتمعوا بإخوانهم واطمأن جنبهم ولما كان عيد الفطر من سنة تسع وخمسين ومائة وألف قدم على السلطان بفاس جماعة من قوادهم مع القاضي والفقهاء والأشراف من أهل مكناسة فحضروا معه العيد على العادة وطلبوا منه أن يرجع إلى مكناسة وتنصلوا مما بلغه عنهم واعتذروا اليه فوعدهم الرجوع وأعطاهم مالا وانصرفوا إلى منازلهم ولما كانوا بالجديدة قرب مكناسة اعترضهم البربر وجردوهم وأخذوا ما معهم ولم يتركوا إلا القاضي أبا القاسم العميري على بغلته وأصبح الوفد على باب مكناسة عراة ينظر بعضهم إلى بعض

إجلاب محمد واعزيز على السلطان المولى عبد الله وانتقاض أهل فاس والقبائل عليه

لما رجع البربر إلى بلادهم من وقعة أبي فكران كتب كبيرهم محمد واعزيز إلى أهل فاس يتظلم من السلطان المولى عبد الله ويخبرهم بما اتفق له معه من إخفار ذمته وعزمه على الفتك يإخوانه ويدعوهم مع ذلك إلى أن يكونوا معه يدا واحدة فأجابوه إلى ذلك ودخلوا في حزب البربر ثم كتب واعزيز بمثل ذلك إلى عرب الغرب من سفيان وبني مالك وكبيرهم يومئذ حبيب المالكي فقالوا نحن لكم تبع وحربنا حربكم وسلمنا سلمكم وانتقضت الفتوق على السلطان من كل جهة وهاجت الحرب بين الودايا وأهل فاس وبعد أيام ورد الخبر بأن ركب الحاج قد وصل إلى تازا وهو محصور بها فاستغاث أهل فاس بالبربر ليأتوهم بإخوانهم فجردوا منهم خمسمائة من الخيل إلى تازا فمروا في طريقهم بغرب الحياينة فانضموا إليهم ودخلوا في حزبهم وصاروا بأجمعهم إلى تازا فخلصوا الركب الذي بها وقدموا بهم إلى فاس فدخلوا على باب الفتوح ونزل البربر والحياينة بالزيتون ودخل جماعة منهم المدينة لقضاء أغراضهم وفي أثناء ذلك أغار عليهم الودايا ففضوهم وقتلوا منهم كثيرا فأمرهم السلطان أن يعلقوا رؤوسهم على سور قصبة شرافة ففعلوا ثم بدا لأهل فاس في مراجعة طاعة السلطان فبعثوا إليه في ذلك فأجابهم بأن يقدموا عليه فخرج إليه العلماء والأشراف والأعيان فلما مثلوا بين يديه عدد عليهم أفعالهم ووبخهم وشرط عليهم شروطا منها أن يعطوه زرع أهل الغرب المخزون عندهم وأن يهدموا دورهم ويبنوا بأنقاضها دار الدبيبغ ويختاروا إحدى خصلتين إما أن يكونوا جيشا وإما أن يكونوا نائبة فقالوا نجتمع على هذا الأمر مع إخواننا ويكون الجواب ولما رجعوا من عنده أغلقوا أبواب مدينتهم وقالوا لا نقبل شيئا من ذلك كله وعادت الحرب جذعة وارتفعت الأسعار وعظمت الأخطار وفي سابع ذي الحجة من سنة تسع وخمسين ومائة وألف نهب عامة فاس قفاطين المخزن التي كانت بفندق النجارين على يد الأمين الحاج الخياط عديل وأرادوا مصادرته على مال المخزن الذي عنده فافتدى منهم بثلاثة آلاف مثقال فأطلقوه بعد القبض عليه وكانت القفاطين ثلاثة آلاف قفطان فرقوها على رماتهم يعيدوا بها عيد الأضحى واستمرت الحرب بينهم وبين الودايا وسائر شيعة السلطان إلى أن دخلت سنة ستين ومائة وألف وفي أوائل جمادى الأولى منها قدمت قبائل البربر وقبائل الغرب لمشايعة أهل فاس على حرب السلطان فنزل محمد واعزيز في بربره بجبل أطغات ونزل حبيب المالكي في أهل الغرب وطليق والخلط بدار الأضياف وانجحر الودايا بفاس الجديد والعبيد بقصبة شراقة والسلطان بدار الدبيبغ وضاق الخناق على السلطان وشيعته ومن الغد ركب حبيب فى عربه وزحف إلى السلطان بدار الدبيبغ والبربر على أثره ولما وصل إلى حزيمها بلغه أن البربر قد نهبوا محلته فرجع منهزما وعبر الوادي وتوجه إلى بلاده وأما البربر فإنهم لما فرغوا من محلة أهل الغرب أجلوا إلى سايس ويقال إن السلطان دس بالليل إلى محمد واعزيز بمال على أن يخذل عنه هذه الجموع ويفرقها ففرقها بنهب محلة أهل الغرب وبجبهة العير يفدي حافر الفرس ولما انقضت هذه الجموع إلى بلادها بقي أهل فاس في القتال والحصار سنتين وزيادة كما سيأتي وبعثوا أثناء ذلك إلى المولى المستضيء المقيم بأحواز طنجة ليقدم عليهم فيبايعوه وتجتمع كلمتهم عليه فرد رسلهم بمخ العرقوب ووعد عرقوب

ذكر السبب الذي هاج بعث السلطان المولى عبد الله الجيوش إلى أهل الغرب ومراجعتهم طاعته

وفي سنة ستين ومائة وألف أثناء حرب الودايا لأهل فاس قدم جماعة من عرب بني حسن على السلطان المولى عبد الله شاكين إليه عرب الغرب وأنهم لما انقلبوا راجعين بجموعهم إلى بلادهم مروا بحلة بني حسن فأغاروا عليها وانتهبوها فحركوا من السلطان ما كان كامنا في صدره عليهم وبعث إليهم جيشا كثيفا من العبيد والودايا وأمرهم بالفتك بأهل الغرب ونهب أموالهم وأن لايبقوا لم على سيد ولا لبد فخرج الجيش يؤم بلاد الغرب فنذروا به وانجفلوا أمامه عن بلادهم وتبعهم طليق والخلط فأرزوا إلى مدينة العرائش وتحصنوا بسورها فتبع الجيش آثارهم حتى نزل عليهم بها وحاصرهم ثلاثة أشهر هلكت فيها ماشيتهم جوعا وبعقب ذلك وردت عليهم جماعة من الودايا بأمان السلطان ومصحفه وسبحته فعاهدوهم على ذلك وأفرج الجيش عنهم وخرجوا مع الودايا فقدموا على السلطان بهديتهم فعفا عنهم وولى عليهم كبيرهم حبيبا المالكي وأضاف إليه قبائل الجبل كلها وأما الجيش الذي كان على العرائش فإنهم لما قفلوا باتوا بقصر كتامة فضيفهم أهله بما قدروا عليه من الطعام والعلف ومن الغد دخلوا القصر فاستباحوه ونهبوا وسبوا وقتلوا وفعلوا الأفاعيل العظيمة واستمروا على ذلك ستة أيام وكان الحادث عظيما وعز ذلك على الناس كلهم وتأسفوا له وكان ذلك في محرم سنة إحدى وستين ومائة وألف

زحف البربر إلى الودايا ومظاهرة أهل فاس لهم عليهم

لما كان جمادى الثانية من سنة إحدى وستين ومائة وألف عزم السلطان المولى عبد الله على غزو البربر فخرج من فاس الجديد حتى أتى أبا فكران فعسكر به ظنا منه أن العساكر ستقدم عليه هنالك كما هي العادة فلم يأته أحد فبعث إلى العبيد يستنفرهم لغزو البربر فقالوا حتى يأتي الودايا والقبائل ونأتي نحن أيضا ولما رأى تثاقل الناس عنه عاد إلى منزله وأعرض عما كان هم به ولما سمع البربر برجوعه عنهم طمعوا فيه وأجمعوا غزوهم فقال لهم محمد واعزيز الرأي أن ننزل بسايس ونحول بينه وبين العبيد حتى لا يصل إليهم ولا يصلوا إليه فأقبلوا حتى نزلوا ببسيط سايس ثم تقدمت جموعهم حتى شارفوا مزارع فاس الجديد فأغاروا على الودايا ونهبوا ماشيتهم وزروعهم وضيقوا عليهم ثم وصلوا أيديهم بأهل فاس فدخلوا مدينتهم وتسوقوا بها فباعوا واشتروا عشرة أيام وانقلبوا إلى أهلهم فاكهين وفي أول رجب من السنة المذكورة ورد الخبر بأن أهل الريف قبضوا على المولى المستضيء المقيم ببلادهم ونهبوا خيله وأثاثه وماله وثقفوه حتى يدفعوه لأخيه المولى عبد الله لأنه كان قد اشتغل بظلم الناس بالفحص وطنجة وقبض على القائد عبد الكريم بن علي الريفي وهو أخو أحمد بن علي المتقدم الذكر فأخذ ماله وسمل عينيه وأما أهل تطاوين فلم يبايعوه ولا عرجوا عليه وفي شعبان أحرق الودايا باب المحروق ليلا ففطن لهم الحرس ودافعوهم عن الباب ومن الغد ركبوا به أبوابا جددا

مراجعة أهل فاس طاعة السلطان المولى عبد الله وانعقاد الصلح بينهم وبين الودايا

لما طال الحصار على أهل فاس وأضرت بهم معاداة جيرانهم من الودايا وسئموا الحرب راجعوا بصائرهم وجنحوا للسلم وطاعة السلطان فاتفق أن كان عندهم رجل من أشراف تافيلالت فأرسلوه إلى السلطان واسطة بينهم وبينه وبعثوا معه كتابا بالاعتذار والتوبة فقبل السلطان ذلك وسر به ووقع منه الموقع وكتب إليهم ينفي ظنونهم ويسل سخائمهم ويقسم لهم أنه لم يأمر بحربهم ولا إضرارهم قط وإنما فعل ذلك الودايا من قبل أنفسهم فلما وصل إليهم كتاب السلطان بذلك طابت نفوسهم وفرحوا وعينوا جماعة من فقهائهم وأشرافهم وأهل الخير منهم فأوفدوها على السلطان بمكناسة في شوال من السنة المذكورة ففرح بهم وأكرمهم وصرح لهم بالعفو والرضا عنهم فاغتبطوا بذلك وانقلبوا إلى أهلهم فرحين مستبشرين ثم كان الصلح بينهم وبين الودايا بضريح المولى إدريس رضي الله عنه وفتحت أبواب المدينة بعد الحصار سنتين وثلاثة أشهر وكان ذلك في ذي القعدة من سنة إحدى وستين ومائة وألف ولما حضر العيد قدموا على السلطان وهو بمكناسة بالخبر وعادوا به خوفا من البربر

خروج العبيد على السلطان المولى عبد الله وبيعتهم لولده سيدي محمد والسبب في ذلك

لما راجع أهل فاس طاعة السلطان المولى عبد الله واصطلحوا مع الودايا وهدأت الفتنة ساء البربر ذلك وكرهوه وبلغهم مع ذلك أن السلطان قد استنفر العبيد لغزوهم فاحتالوا في تفريق الكلمة على السلطان بأن أخذوا في شن الغارات على العبيد بمكناسة والتضييق عليهم واختطاف أولادهم من البحائر والجنات فراسل العبيد البربر في المسألة والصلح فقالوا لهم إن السلطان أمرنا بهذا فلما سمع العبيد ذلك منهم لم يشكوا في صدقهم بسبب ما كانوا أسلفوه من التقاعد عن السلطان والتثاقل عن النهوض معه لغزو البربر حتى عاد إلى منزله بعد المعسكرة بأبي فكران كما مر ثم اتفق رأي العبيد على الفتك بالسلطان واغتياله ونما إليه ذلك منهم فخرج فارا من مكناسة إلى دار الدبيبغ فاستقر بها وكان ذلك في صفر سنة اثنتين وستين ومائة وألف ولما ضاق العبيد ذرعا بفعل البربر كاتبوهم في الصلح فأجابوهم إليه على شرط أن يبايعوا سيدي محمد بن عبد الله فبايعوه بمكناسة وبعثوا إليه ببيعتهم وهو بمراكش مع جماعة من أعيانهم وخطبوا به بمكناسة وزرهون والسلطان بدار الدبيبغ لا يملك من أمره شيئا ولما قدم وفد العبيد على سيدي محمد بن عبد الله رد بيعتهم وعاتبهم على ما ارتكبوه في حق والده وتألفهم بشيء من المال وأعرض عن الخوض في أمر البيعة إذ كان رحمه الله بارا بوالده ساعيا في مرضاته وبعث إليه في صفر من هذه السنة بهدية قدرها على ماقيل ثلاثون ألف مثقال فرجع وفد العبيد من عند سيدي محمد وقد أيسوا من إجابته إياهم ومع ذلك استمروا على الخطبة بمكناسة وزرهون ثم إن السلطان المولى عبد الله رحمه الله لما رأى أن القلوب قد نفرت عنه وأن العبيد والبربر قد امتدت عيونهم إلى ولده سيدي محمد وتعلقت آمالهم به بتلافى أمره وأخذ في استصلاح الرعية وتألفها فأمر في شعبان من السنة المذكورة بأن ينادى بأسواق فاس على العبيد الذين بها من لم يحضر إلى دار الدبيبغ لوقت كذا فلا يلومن إلا نفسه فحضر العبيد الذين بفاس كلهم فأعطاهم خمسة دنانير لكل واحد وقال لهم ابعثوا إلى إخوانكم الذين بمكناسة فمن أتى منهم إلي قبض مثل ما قبضتم فكتبوا إليهم فلم يزدهم ذلك إلا نفورا وبعثوا إلى البربر الذين بسايس يقولون لهم كل من صادفتموه منا متوجها إلى فاس فاقتلوه وأعلنوا بخلع السلطان ثم استدعى السلطان بعد ذلك محمد واعزيز كبير البربر ووعده ومناه فقدم عليه في إخوانه في رمضان فأعطاهم عشرة آلاف دينار وحضر العيد فقدموا عليه أيضا فأعطاهم عشرة آلاف أخرى وأعطى الودايا عشر آلاف أيضا وأعطى أهل فاس مثل ذلك ولج العبيد في نفورهم وركبوا رأسهم في جماحهم عن السلطان والقرب منه

مجيء سيدي محمد بن عبد الله من مراكش إلى مكناسة وتوسطه للعبيد في الصلح مع والده رحمهما الله

ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة وألف ففي أواخر جمادى الأولى منها قدم المولى محمد بن السلطان المولى عبد الله من مراكش إلى مكناسة فوجد العبيد لا زالوا يخطبون به فعاتبهم على ذلك وقال لهم إني بريء منكم ومن فعلكم هذا وإنما أنا خديم والدي فتركوا الخطبة وراجعوا بصائرهم وجددوا البيعة للسلطان وتلافوا أمرهم في طاعته وكانت هذه هي البيعة السابعة للعبيد مع السلطان المولى عبد الله لأنهم خلعوه قبلها ست مرات حسبما مر الخبر عن ذلك مستوفى ولما تم لسيدي محمد مع العبيد ما أراد من مراجعتهم طاعة والده ارتحل من مكناسة في جيشه الذي قدم به من الحوز وكان نحو أربعة آلاف واستصحب معه جماعة من أعيان العبيد وقدم على والده بدار الدبيبغ فخرج الودايا وأهل فاس لملاقاته وفرحوا بمقدمه ولما دخل على والده أدى التحية وأهدى إليه هدية نفيسة وشفع للعبيد عنده فشفعه فيهم وقال له لا تبت هنا فقال نعم يا سيدي ولم يبت إلا برأس الماء وأصبح غاديا إلى مراكش ثم حضر العبيد فقدم على السلطان جماعة من جروان وبني مطير فأعطاهم عشرين ألف مثقال وقدم عليه قواد العبيد من مكناسة فلم يعطهم شيئا وفي هذه السنة توفي المولى أحمد ابن السلطان المولى عبد الله بفاس ودفن بقبور الأشراف رحمه الله

انحراف العبيد ثانية عن السلطان المولى عبد الله والتجاؤهم إلى ابنه سيدي محمد بمراكش والسبب في ذلك

لما أعطى السلطان المولى عبد الله بني مطير وجروان عشرين ألف مثقال وحرم العبيد قامت قيامتهم وقلبوا للسلطان ظهر المجن واتفقوا على الذهاب إلى ابنه سيدي محمد بمراكش فقدموا عليه في ذي القعدة سنة أربع وستين ومائة وألف وقالوا له إما أن تكون سلطاننا وإما أن نبايع عمك المولى المستضيء وشكوا إليه إهمال والده جانبهم وقالوا له إنه أعطى البربر أعداء الدولة وحرمنا فرضخ لهم بشيء من المال طيب به نفوسهم وكتب لهم كتابا إلى والده يستعطفه لهم وانقلبوا من عنده مسرورين وأما السلطان المولى عبد الله فإنه لما سمع بذهاب عبيد مكناسة إلى مراكش أعطى الودايا عشرة آلاف ريال وأعطى العبيد الذين معه ثلاثة آلاف ريال ولما قدم عبيد مكناسة على السلطان بكتاب ابنه سامحهم وأعطاهم عشرين ألف ريال وتم الصلح بينهم وبينه وعادوا إلى مكناسة مغتبطين وفي هذه السنة بعث سيدي محمد من مراكش بهدية إلى والده مع جماعة من أصحابه فأثنى عليه خيرا ودعا له به وفيها ورد الخبر بأن أهل تطاوين قتلوا عاملهم أبا عبد الله الحاج محمدا تميم ثم قدم جماعة منهم على السلطان معتذرين من قتله فقال لهم أنتم وليتموه عليكم وأنتم قتلتموه فاختاروا لأنفسكم فوقع اختيارهم على أبي عبد الله الحاج محمد بن عمر الوقاش فولاه عليهم وانصرفوا إلى بلدهم ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة وألف فيها قدم أهل تطاوين على السلطان المولى عبد الله لحضور عيد المولد الكريم وبيدهم هدية مقدارها ثلاثون ألف مثقال وقدم بصحبتهم باشدور الإصبنيول ومعه مائة ألف ريال وما يناسبها من الحرير والملف والكتان وغير ذلك بقصد فكاك أسرى جنسه فقبض السلطان المال وقال للباشدور حتى تأتوا بأسرى المسلمين وأعطى العبيد من ذلك المال ريالين لكل واحد وأعطى نساءهم مثل ذلك وكانوا ألفين ومائتين ثم دخلت سنة ست وستين ومائة وألف فيها قدم عبيد مكناسة على السلطان لحضور العيد فأعطاهم عشرة آلاف ريال وفيها نهض أهل فاس لشراء الخيل والعدة والإكثار منها وفيها انعقدت الشروط بين السلطان وبين جنس الإصطادوس وهم سبع قبائل من الفلامنك وهي اثنان وعشرون شرطا مرجعها إلى عقد الأمان والصلح بين الإيالتين وأن يجعل جنس الإصطادوس قنصلا أو أكثر بالبلد الذي يختاره من بلادنا ويكون يعطي خط يده المسمى بالباصبورط لمن يسافر من مراكبنا إلى جهة بلادهم وكذلك هم أيضا إلى غير ذلك وفي هذه السنة أو ما يقرب منها أغار نصارى الجديدة على آزمور واقتحموا ضريح الشيخ أبي شعيب ليلا وقتلوا به عددا كثيرا من أهل آزمور نحو الخمسين وكانت الليلة ليلة جمعة وعادة أهل آزمور أن يبيتوا ليلة الجمعة بضريح الشيخ المذكور فنما ذلك إلى النصارى الذين بالجديدة فجاؤوا مستعدين حتى اقتحموا عليهم على حين غفلة وأطفؤوا المصابيح ووقع القتل حتى كان المسلمون يقتل بعضهم بعضا ورجع النصارى عودهم على بدئهم وذكره لويز مارية مؤرخ الجديدة فقال ما ملخصه وفي ليلة الثاني عشر من نوفمبر سنة اثنتين وخمسين وسبع عشرة مائة مسيحية خرج عشرة من برتغال الجديدة وقصدوا آزمور حتى دخلوا ضريح الشيخ أبي شعيب ليلا وقتلوا هنالك أربعين من المسلمين وقامت الهيعة بالبلد وتسابقوا إليهم على الصعب والذلول فرجع النصارى من حينهم وأدركهم المسلمون بالطريق فجرحوا بعضهم ونجوا بعد مشقة فادحة هكذا زعم لويز وأن النصارى كانوا عشرة فقط وأهل آزمور يزعمون أنهم كانوا أكثر من ذلك بكثير والله أعلم ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة وألف فلم يكن فيها حدث في الدولة ثم دخلت سنة ثمان وستين بعدها فيها توفي محمد واعزيز كبير آيت أدراسن ووازعها الذي كانت تقف عند إشارته وتجري أمورها على مقتضى إدارته

فتنة آيت أدراسن وكروان مع الودايا والسبب في ذلك

لما مات محمد واعزيز لم يبق بآيت أدراسن من يقوم فيها مقامه فهاجت الفتنة بينهم وبين جروان فزحفوا إلى كروان وأوقعوا بهم فانهزمت كروان أمامهم ولجؤوا إلى دار الدبيبغ معتصمين بها ومستجيرين بالسلطان الذي بها وضاق بهم رحب الفضاء وعدموا المرعى فشرعوا في بيع مواشيهم فبلغت البقرة بسوق فاس خمس أواق والشاة أوقية فأمر السلطان المولى عبد الله الودايا بنصرتهم وآخى بينهم وبينهم وعقد لهم حلفا مؤكدا معهم فقاموا لحمايتهم والدفاع عنهم وأنشبوا القتال فكانت الهزيمة على آيت آدراسن ففرت خيلهم ومقاتلتهم وانكسرت حلتهم وقتلوا في كل وجه ومن سلم منهم لجأ إلى بلاد شراقة فاستجار بها فكان عدد من قتل منهم بتلك الوقعة نحو الخمسمائة وهذا سبب حلف الودايا مع جروان ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة وألف فيها قدم على السلطان المولى عبد الله عبيد مكناسة ورغبوا إليه في الذهاب معهم إليها إذ هي دار ملكه وملك أبيه من قبله فقال لهم كيف أذهب معكم وفي وسطكم فلان وفلان لجماعة سماهم منهم كانوا منحرفين عنه فرجع العبيد إلى منزلهم ولما جن الليل طرقوا أولئك المسلمين وأمثالهم في رحالهم فقتلوهم إرضاء للسلطان وتطييبا لنفسه وكان منهم القائد محمد السلاوي والقائد سليمان بن العسري والقائد زعبول وغيرهم ولما بلغ السلطان ذلك بعث إليهم بأربعين ألف مثقال راتبا وصرفهم إلى مكناسة وقال لهم إذا فرغت من عملي أتيتكم وفي هذه السنة أيضا قدم عليه القائد أبو عبد الله محمد الوقاش في أهل تطاوين بهدية فيها ألف ريال وبأسارى وسلع من سلع النصارى غنمتها قراصينهم فأكرمه السلطان وأعطاه جاريتين وانقلب إلى أهله مسرورا وفيها قدم على السلطان أخوه المولى أبو الحسن المخلوع بدار الدبيبغ

فأعطاه مالا وأثاثا قيمته عشرة آلاف مثقال وخيره بين تافيلالت ومكناسة فأختار مكناسة فأعطاه مستفاد مكسها وجنات المخزن التي بها وأرضا للحراثة فقدم المولى أبو الحسن مكناسة واستوطن واغتبط بها ولما جاء وقت إبان الحرث وحرث وثب عليه العبيد فقبضوا عليه وقيدوه وبعثوا به إلى السلطان مقيدا وقالوا له إن هذا قد أفسد علينا بلادنا فحل بيننا وبينه فسرحه وبعث به إلى سجلماسة وفي هذه السنة أيضا نهب البربر جميع ماشية الودايا وأفسدوا زروعهم وبحائرهم ثم دخلت سنة سبعين ومائة وألف فيها كانت بين آيت أدراسن وكروان حرب فظيعة أعان فيها الودايا كروان فهزموا آيت أدراسن ببسيط النخيلة من سايس والله أعلم

وفاة أمير المؤمنين المولى عبد الله بن إسماعيل رحمه الله

كانت وفاة أمير المؤمنين المولى عبد الله بن إسماعيل رحمه الله بدار الدبيبغ يوم الخميس في السابع والعشرين من صفر الخير سنة إحدى وسبعين ومائة وألف ودفن بقبور الأشراف من فاس الجديد حيث دفن ولده المولى أحمد رحمهما الله قال صاحب البستان كان أمير المؤمنين المولى عبد الله فيه شدة وبطش وبسببهما نفرت قلوب الجند والرعية عنه وبقي مهملا بدار الدبيبغ سنين لا يأتيه أحد وبيعته في أعناق الناس وهم فارون منه لكثرة ما سفك من الدماء بغير سبب ظاهر واستمرت حالته على ذلك مدة اثنتي عشرة سنة من سنة تسع وخمسين إلى سنة إحدى وسبعين ومائة وألف رحمه الله وغفر لنا وله ولسائر المسلمين ومما مدح به هذا السلطان قول بعضهم ( عليك سلام يا ضياء العوالم % ويا بهجة الأشراف من آل هاشم ) ( ويا من سما غضبا على كل جاهل % وأصبح مسرورا به كل عالم ) ( وأصبح ظل الله في الأرض ناظرا % إلى كل مسكين بمقلة راحم ) ( ويا من كساه الله منه مهابة % تذل لها رغما أنوف الأعاجم ) ( ويا من له حزم وعزم وسطوة % تفتت إرهابا قلوب الضراغم ) ( كفاك افتخارا أن عزك ظاهر % وجودك منسي به جود حاتم ) ( وكون سجاياك التي فاح عرفها % سجايا الملوك الشم أهل المكارم ) ( لعمري لقد ألقت إليك زمامها % ضروب العلا إذ كنت أحزم حازم ) ( فقمت على الملك المشيد ركنه % تذود لديه بالقنا والصوارم ) ( وأغناك رب الناس عن جمع عسكر % برأي مصيب للعساكر هازم ) ( ونفس علت فوق السماكين همة % وعقل غني عن هداية عالم ) ( فجئت وسيل الغرب قد بلغ الزبى % وأسواقه معمورة بالجرائم ) ( ونار الشرور في الفجاج تأججت % فطاب لأهل البغي هتك المحارم ) ( فدوخته من بعدما استنسرت به % بغاث وقد طالت رعاة البهائم ) ( فأمنتنا من كل طار وطارق % وحصنتنا من كل داه وداهم )

انعطاف إلى سياقة الخبر عن آخر أمر المولى المستضيء رحمه الله

قد تقدم لنا أن السلطان المولى عبد الله خرج سنة سبع وخمسين ومائة وألف في طلب أخيه المولى المستضيء وأنه دوخ بلاد الحوز لأجله وشرده عن جبال مسفيوة ولجأ إلى مراكش فطرده أهلها ولما لم يجد بالحوز مستقرا رجع أدراجه يقتري البلاد والقرى ويصل حرارة التهجير ببرك السرى فاجتاز ببلاد دكالة ثم بتامسنا ثم ببني حسن فزهدوا فيه فتقدم إلى طنجة وأعمالها فاستقر بالفحص منها وطاب له المقام به وعسف أناسا في تلك المدة إلى أن عدا على القائد عبد الكريم الريفي فسجنه وسلمه وأخذ ماله كما مر فوثب عليه أهل الريف وقبضوا عليه ونهبوا خيله ومضاربه وأثاثه وسلبوا أصحابه وامتحنوه وأوثقوه حتى يبعثوا به إلى أخيه المولى عبد الله ثم بدا لهم فسرحوه ولما خلص من المحنة كتب إلى أخيه المولى عبد الله وهو بفاس يعتذر إليه عما سلف منه ويطلب منه محلا يستقر به فأجابه السلطان المولى عبد الله بأنك لم تأت إلي ذنبا ولم ترتكب في حقي عيبا إنما كنت تطلب ملك أبيك كما كنت أطلب ملك أبي والآن فإن أردت الخمول مثلي فأقم بآصيلا واسكن بها فهي أحسن من دار الدبيبغ التي أنا بها وأرح نفسك كما أرحتها وإن كنت إنما تطلب الملك فشأنك وإياه فإني لا أنازعك فيه والسلام فلما وصل إليه كتاب السلطان انتقل إلى آصيلا واستوطنها واعتنى بها وأصلح ما يحتاج إلى الإصلاح منها وأصلح دار الخضر غيلان التي بقصبتها وسكنها سنة أربع وستين ومائة وألف واجتمع عليه بعض أهل الطمع والشره ممن كان هنالك فدلوه على وسق الزرع للكفار وتوسطوا له في الكلام مع بعض تجار النصارى الذين بطنجة وتعاقدوا معه على وسقه فانتقل ذلك التاجر إلى آصيلا ولما قدم عليه مركبه وسق الزرع وأدى صاكته أي واجبه فظهر للمولى المستضيء الربح في ذلك فشرهت نفسه ورغب في شراء الزرع وبيعه ممن يأتيه من التجار وتسامع النصارى بأن الزرع يوسق من مرسى آصيلا فلم تمض إلا أيام قلائل حتى قدمت مراكبهم من كل وجه وعمرت المرسى وقصد الأعراب البلد بالقمح والشعير من كل فج والمولى المستضيء يشتري منهم ويبيع للنصارى والمراكب تسق ما قدرت عليه فكان يحصل له الربح في ذلك مضاعفا ربح الثمن وربح الصاكة فحسنت حاله وأثرى وكثر تابعوه وأخذ في شراء العدة من تطاوين وتسليح أصحابه وتقويمهم واتصل خبره بالسلطان المولى عبد الله فندم على إذنه له في المقام هنالك وكتب إلى القائد أبي محمد عبد الله السفياني يأمره بالزحف إلى المولى المستضيء وحصاره بآصيلا حتى ينفيه عنها وكتب إلى ولده سيدي محمد بمراكش يأمره أن يبعث إليه من يخرجه منها ويكون معه القائد عبد الله السفياني في خمسمائة من الخيل فبعث إليه سيدي محمد رفيقه وابن عمه المولى إدريس بن المنتصر في مائة فارس وأمره أن يستصحب معه في طريقه عبد الله السفياني في خمسمائة من الخيل كما رسم له والده ويضيقوا على المولى المستضيء بآصيلا حتى يخرجوه منها فمضى المولى إدريس والسفياني حتى نزلا عليه وحاصراه فخرج إليهما وراود ابن أخيه المولى إدريس على الإفراج عنه وتركه وشأنه واعتذر إليه بأن السلطان أذن له في سكنى آصيلا وأعطاه مستفاد مرساها ينتفع به فلم يقبل المولى إدريس منه ولم يزل به حتى أخرجه واستولى على ما وجد بداره من مال وأثاث وسلاح وبارود وغير ذلك فساقه إلى عمه السلطان المولى عبد الله وأما المولى المستضيء فإنه لما خرج من آصيلا سار إلى فاس فنزل بضريح الشيخ أبي بكر بن العربي رضي الله عنه وقدم ولده إلى السلطان المولى عبد الله يشكو له ما فعل به ولده سيدي محمد من تجهيز العساكر إليه ونفيه عن آصيلا فكان من جواب السلطان أن قال له قل لأبيك ذاك لا سبيل لي عليه هو أعظم شوكة مني ومنك فسر إلى بلاد أبيك وجدك وأرح نفسك من التعب والموت قريب مني ومنك فلما بلغه كلام السلطان لم يسعه إلا التوجه إلى مدينة صفرو بعد أن ترك عياله بدار الشريف المولى التهامي بالجوطيين من فاس ونزل هو بدار الإمارة من صفرو ولما قدم المولى إدريس بن المنتصر على السلطان بمال المولى المستضيء وأثاثه قبض السلطان البارود والسلاح ورد الباقي وأرسل إلى عامل فاس يأمره أن يكتب إلى المولى المستضيء ليبعث وكيلا يحوز إليه متاعه فكتب إليه فبعث من حاز ماله وأثاثه ودفعه إلى عياله بدار المولى التهامي وكان المولى المستضيء لما اطمأنت به الدار بصفرو بعث إلى أعيان آيت يوسي على ما قيل فقدموا عليه فندبهم إلى نصرته والقيام بدعوته فتخاذلوا عنه وقالوا له سر إلى آيت أدراسن وكروان فإن أجابوك فنحن معهم ولما لم يتم له أمر بصفرو بعث من حمل إليه عياله وأثاثه من فاس وذهب إلى سجلماسة فاستوطنها وذلك سنة ست وستين ومائة وألف وأعرض عن الملك وأسبابه واستمر مقيما بها إلى أن توفي سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف رحمه الله وغفرله

انعطاف إلى سياقة الخبر عن هؤلاء العبيد الذين جمعهم السلطان المولى إسماعيل من لدن وفاته إلى دولة السلطان سيدي محمد بن عبد الله

قد تقدم لنا أن السلطان المولى إسماعيل كان قد اعتنى بجمع العبيد وترتيبهم وتهذيبهم إلى أن بلغ عددهم مائة وخمسين ألفا وبلغوا في أيامه من العز والرفاهية وتشييد الدور والقصور وارتباط الجياد وانتخاب السلاح واقتناء الأموال وحسن الشارة والزي ما لم يبلغه غيرهم وكان بالمحلة من مشرع الرملة منهم سبعون ألفا ما بين خيل ورماة وكان عدد اليكشارية منهم وهم أصحاب الباشا مساهل خمسة وعشرين ألفا كلهم رماة إلا القواد منهم فإنهم كانوا أصحاب خيل وكان بتانوت ووجه عروس منهم خمسة آلاف يدعون قواد رؤوسهم كلهم أصحاب خيل وباقي العدد وهو خمسون ألفا كانوا متفرقين في قلاع المغرب لعمارتها وحراسة الطريق وحماية الثغور وكانوا في غاية من الكفاية والسعة لأن كل قبيلة من قبائل المغرب كانت تدفع أعشارها في قلعتها المبنية بها لمؤنة جيشها وعلف خيلها واستمر ذلك إلى أن توفي السلطان المولى إسماعيل رحمه الله فانقطع بوفاته عن جيش القلاع المدد الذي كان به قوامهم ولما ولي بنوه من بعده واتصلت الفتن بينهم أهملوا أمر هؤلاء العبيد ولم يلتفتوا إليهم فضعفت مادتهم وتلاشى أمرهم وانتشروا في القبائل التي كانوا مجاورين لها للتكسب على أنفسهم وأولادهم ولما أعروا تلك القلاع التي كانوا مقيمين بها امتدت إليها أيدي القبائل من العرب والبربر بالنهب والتخريب واقتلعوا أبوابها وخشبها وماراق منها وتركوها خاوية على عروشها لم يبق بها إلا الجدرات قائمة وهكذا كان مآل محلة مشرع الرملة فإنه لما ارتحل العبيد عنها إلى مكناسة أيام السلطان المولى عبد الله خلفهم بنو حسن فيها بالنهب والتخريب وكل من عثروا عليه متأخرا بها نهبوه واستلبوا ما معه وأخذوا كل ما تركوه مما ثقل عليهم حتى يرجعوا إليه إذ كان العبيد يظنون أنهم سيرجعون إلى مشرع الرملة ثم تجاوزت بنو حسن ذلك إلى تخريب الدور والقصور وحمل أبوابها وخشبها إلى سلا فكانت تباع بها بالبخس فقد كان بهذه المحلة دور وقصور ليست بالحواضر وكان كل قائد منهم يفتخر على نظيره ببناء أعظم من بنائه وتشييد فوق تشييده وتنميق أحسن من تنميقه وتزويق أبدع من تزويقه فأتى بنو حسن على ذلك كله وانتسفوه وطمسوا أعلامه في أسرع من لحس الكلب أنفه ولم يتركوا إلا الجدرات قائمة إلا أن خربوها بعد ذلك شيئا فشيئا بل صاروا يبعثرون الأرض على الدفائن التي بها فعثروا من ذلك على شيء كثير ثم إن العبيد الذين رحلوا إلى مكناسة لم يصل منهم إليها إلا دون النصف إذ تفرقوا في القبائل وقت رحيلهم فكل من كان أصله من قبيلة قصدها وكل من كان له مدشر عاد إليه ثم الذين وصلوا إلى مكناسة لم يستقر بهم قرار لقلة ذات اليد وغلاء الأسعار وكان الوقت وقت مجاعات وفتن فلم يبق بها إلا القواد أهل اليسار وأهل الحرف الذي يتعيشون بحرفهم ومع ذلك فقد ضاقت بهم السكنى بها من أجل غلبة البربر الذين كانوا يغيرون عليهم ويتخطفون أولادهم من البحائر والجنات المرة بعد المرة فتسلل جلهم للمعاش بالقرى والقبائل ونسوا أمر الجندية والتمرس بالقنا والقنابل وتفرق منهم ذلك الجمهور ولله عاقبة الأمور ولما وقعت الزلزلة بمكناسة سنة تسع وستين ومائة وألف حسبما نذكره في الأحداث هلك من العبيد فحسب نحو خمسة آلاف وهكذا لم يزالوا في تلاش واضمحلال وتناثر واختلال إلى أن كانت دولة السلطان الأعظم المولى محمد بن عبد الله رحمه الله فأدرك منهم صبابة يسيرة وعصابة حقيرة فاعتنى بهم وجمعهم من القبائل بعد الانتشار وأحيا رسمهم بعد الاندثار وأظهرهم بعد الخمول وأركبهم المسومة من الخيول ورفع لهم الأعلام والبنود وصيرهم من أعز الجنود وهو الذي جدد هذه الدولة الإسماعيلية بعد تلاشيها وأحياها بعد خمود جمرتها وتمزيق حواشيها بحسن سيرته ويمن نقيبته رحمه الله تعالى ورضي عنه وهنا انتهى بنا الكلام على السادة الأشراف أولاد المولى إسماعيل رحم الله الجميع بمنه قال أكنسوس والحق الذي لا شك فيه أن كل من قام منهم بعد بيعة السلطان المولى عبد الله فإنما هو ثائر عليه لا إمامه له وإنما يكون خبره مسوقا من جملة أخبار دولة المولى عبد الله قلت ومثله يقال في السلطان المولى أحمد بن إسماعيل فهو الإمام المعتبر والمولى عبد الملك خارج عليه وقد علم من مذهب الأشعرية أن طرو الفسق لا يعزل الإمام والله تعالى أعلم وأحكم