القسم ١٤ من ١٧

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

انعطاف إلى سياقة الخبر عن خلافة سيدي محمد ابن عبد الله بمراكش من مبتدئها إلى منتهاها

قد تقدم لنا أن السلطان المولى عبد الله كان قد خرج سنة سبع وخمسين وألف في طلب أخيه المولى المستضيء إلى أن شرده عن بلاد مسفيوة وأنه قدم عليه هنالك أهل مراكش ورغبوا إليه أن يدخل حضرتهم ولم يساعده الوقت فلما عزم على القفول إلى بلاد الغرب بعث ولده الأكبر المولى أحمد إلى رباط الفتح نائبا عنه بها وأضاف إليه قبائل الشاوية وبني حسن وما بينهما وبعث ولده الأصغر سيدي محمدا مع أهل مراكش نائبا عنه فيها فكان ذلك أول انغراس شجرة الملك العلوي بمراكش واتخاذها كرسيا لهم ولما وصل سيدي محمد رحمه الله إلى مراكش نزل بقصبتها وهي يومئذ خراب ليس بها إلا آثار السعديين والموحدين قبلهم قد أخنى عليها الدهر وعشش بها الصدا والبوم فضرب بها مضاربه ثم شرع رحمه الله في حفر أساس داره بالفضاء البعيد عن القصور الخربة بها من داخل السور ولما رأى عرب الرحامنة ذلك اتفقوا على منعه لأنهم كانوا قد ألفوا العيث في أطراف مراكش فأحبوا أن لا تكون بها دولة تكبحهم عن ذلك فاجتمع طائفة من غوغائهم وتقدموا إلى الخليفة سيدي محمد وجبهوه بالمنع وأخرجوه عن القصبة بعد أن شرع في العمل فانتقل سيدي محمد رحمه الله عن مراكش إلى آسفي وأما المولى أحمد صاحب العدوتين فإنه قدم رباط الفتح ونزل بالقصبة منها وانضاف إليه عبيد القصبة واستمر خليفة بها إلى أن سمع أهل العدوتين ما عامل به الرحامنة خليفة مراكش فجرى هؤلاء على سننهم واتفقوا على طرد المولى أحمد بن عبد الله عن بلادهم فتقدموا إليه بالحرب وحاصروه بالقصبة ومعه عبيد فلان الذين كانوا فيها إدالة من عهد السلطان المولى إسماعيل وقطعوا الميرة والماء إلى أن مسهم الجهد وعضهم الحصار فطلبوا الأمان أن يخرجوا بأنفسهم فأمنوهم وخرج المولى أحمد فسار إلى أخيه سيدي محمد بآسفي فنزل عليه ثم كان آخر أمره أن توفي بفاس كما مر سنة أربع وستين ومائة وألف ولما خرج المولى أحمد إلى آسفي عمد أهل رباط الفتح إلى عبيد القصبة فأنزلوهم منها وفرقوهم بالمدينة حتى لا تبقى لهم شوكة ولا عصبية هذا ما كان من خلافة المولى أحمد وأما خلافة سيدي محمد فإنه لما خرج من مراكش قاصدا إلى آسفي اعترضته قبائل عبدة وأحمر وضيفوه ببلادهم وأهدوا إليه وتسابقوا على الخيل ولعبوا بالبارود سرورا بمقدمه وتنويها بشأنه وصحبوه إلى آسفي فدخلها ونزل بقصبتها ففرح أهل آسفي بمقدمه واغتبطوا به وكان مبارك الناصية أينما توجه ولما اطمأنت به الدار رفع إليه أهل آسفي هداياهم وتبعهم على ذلك تجار النصارى واليهود وتباروا في ذلك وتنافسوا فيه وعمر سوقه عرب عبده برجالاتهم وأعيانهم وبذلوا له أولادهم لخدمته وأوصلوه بكل ما قدروا عليه وسرح للتجار وسق السلع بالمرسى فأهرعت إليه المراكب من بر النصارى بأنواع سلعها وقصدها التجار بالبضائع من كل جهة يبيعون بها ويشترون وكثرت الخيرات ونمت البركات فاستركب واستلحق وعلا أمره وطار صيته في البلاد الحوزية ودخل الشياظمة وحاحة في طاعته وتباروا في خدمته فلم تمض عليه ستة أشهر حتى كان يركب في نحو الألف فلما سمع الرحامنة ما صار إليه أمر عبدة وأحمر اقتالهم من تشرفهم بولائه وتقدمهم في خدمته نفسوا ذلك عليهم وراجعوا بصائرهم فاجتمع طائفة من أعيانهم وقدموا عليه آسفي وقدموا بين يديهم هدية استرضوه بها ولما دخلوا عليه اعتذروا إليه مما فرط منهم ونسبوا ذلك إلى السفهاء وأنهم لم يأمروا بشيء من ذلك ولا رضوه وأقسموا له أن لا يبرحوا من بابه حتى يسير معهم إلى مراكش ولو أقاموا هنالك سنة وأسعفهم وسار معهم وصحبه من أعيان عبدة نحو ألف فارس وكان في موكبه من أصحابه وحاشيته نحو الخمسمائة كلهم بالخيول المسومة والشارة الحسنة والشكة التامة ولما انتهى إلى مراكش نزل بالقصبة وجاءه أهل مراكش بهداياهم وكذا قبائل الحوز ثم تلاهم قبائل الدير كله بهداياهم أيضا وجاء الرحامنة بأولادهم للخدمة السلطانية منافسة لعبدة وأحمر في ذلك وقفاهم في ذلك سائر أهل الحوز وقدم عليه عبيد دكالة الذين كانوا بسلا فاجتمعوا إليه وحسنت منزلتهم عنده ولما سمع بذلك عبيد مكناسة تسللوا إليه فرادى وأزواجا فاستعملهم في خدمة البناء فبنوا بيوتهم وأصلحوا شؤونهم واجتهد هذا الخليفة في بناء داره الكبرى بقصبة مراكش إلى أن أكملها وسكنها ثم شرع في بناء ماتلاشى من أسوار القصبة وركب أبوابها وأفردها عن المدينة ثم غرس بستانا عظيما متصلا بداره الكبرى على جهة الغرب سماه النيل وأسس قصرا آخرا متصلا بغربي هذا البستان سماه القصر الأخضر ويسمى أيضا المنصور وجعل لهذا البستان أربعة أبواب في زواياه الأربع كذا قيل والموجود اليوم ثلاثة أبواب فقط وجعل له بابين آخرين أحدهما للدار الكبرى شرقا والآخر للقصر الأخضر غربا وجعل في وسط هذا البستان قبة منتخبة يتصل بها من جهاتها الأربع مماشي تمضي إلى قباب أخر منتخبة أيضا وطول هذا البستان ينيف على مائتي خطوة تقريبا وعرضه قريب من ذلك وهذا القدر هو مساحة ما بين القصرين أعني الدار الكبرى والقصر الأخضر ثم أصلح هذا الخليفة جامع المنصور الذي بالقصبة إذ كان متهدما يومئذ ثم أسس مسجدا آخر للخطبة بجوار قصره وهو المعروف اليوم بمسجد بريمة وهو مسجد حافل بديع وبنى مدرستين لطلبة العلم بالقصبة المذكورة وبنى حماما ببريمة وعمر مساجد غير ذلك للأحرار والعبيد وفرق الأموال على من انحاش إليه منهم لعمارة مساكنهم وبناء دورهم بعد أن كانت من الطين والقصب وكتب الكتائب وجند الأجناد فاجتمع لديه من العبيد ألف وخمسمائة كلهم فارس شاكي السلاح ومن عبدة وأحمر مثل ذلك ومن الرحامنة وأهل الحوز ألف فارس كذلك ولما خرج العبيد بمكناسة على والده وقدموا عليه بمراكش مبايعين له عاتبهم وقدم مكناسة وأصلح بينهم وبين والده كما مر ولما كانت سنة تسع وستين ومائة وألف غزا بلاد السوس ودوخها ومهد أقطارها وجبى أموالها وقرر الحامية بتارودانت منها ثم سار إلى آكادير فقبض على الطالب صالح الثائر به والمستبد بمال مرساه فسجنه واستصفى أمواله التي استفادها من المرسى ورتب الحامية في آكادير أيضا ثم إن الطالب صالحا المذكور ذبح نفسه في السجن وأفضى إلى ما قدم بعد أن ترك في القطر السوسي صيتا وذكرا وهو الذي يوجد طابعه على السلاح السوسي من مكحلة وسكين وخنجر إلى الآن وهو سلاح منتخب عندهم وقفل الخليفة سيدي محمد رحمه الله إلى مراكش مؤيدا منصورا فمكث فيها أياما يسيرة ثم خرج غازيا بلاد الشاوية في السنة نفسها لما ظهر منهم من الفساد وقطع الطرقات ونهب المارة فقتل من أعيانهم عددا وبعث الباقي في السلاسل إلى مراكش ثم تقدم إلى أرض سلا فبات برباط الفتح وخرج إليه أهلها بالمؤن والهدايا واستبشروا بمقدمه وأما أهل سلا فلم يخرج إليه منهم أحد بل أغلق صاحبها عبد الحق بن عبد العزيز فنيش أبوابها في وجهه فأعرض عنه سيدي محمد رحمه الله وتنكب المرور بسلا وعبر مشرع المجاز أسفل من العدوتين وسار إلى قصر كتامة من بلاد الهبط فقدم عليه به عبيد مكناسة مع كبيرهم الباشا الزياني وفي ذلك اليوم قتل العبيد باشاهم المذكور وقتلوا معه القائد يوسف السلاح لأنهما كانا يمنعانهم من القدوم عليه إلى مراكش فولى عليهم القائد سعيد بن العياشي ومن الغد ارتحل إلى تطاوين فتلقاه أهلها مع قائدهم محمد بن عمر الوقاش فقبض عليه وتهدده ثم أطلقه ثم مضى إلى جهة سبتة حتى أشرف عليها ثم سار منها إلى طنجة ثم كر راجعا فمر بالعرائش ثم بسلا فلم يحفل به عبد الحق أيضا فطوى له سيدي محمد رحمه الله على البت ثم سار إلى مراكش فاستقر بها مؤيدا منصورا إلى أن وافته الخلافة الكبرى بها بعد وفاة والده رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم الدولة العلوية القسم الثاني

الخبر عن دولة أمير المؤمنين سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله

لما توفي أمير المؤمنين المولى عبد الله بن إسماعيل في التاريخ المتقدم أعني السابع والعشرين من صفر الخير سنة إحدى وسبعين ومائة وألف كان الناس قد سئموا الهرج والفتن وأعياهم التفاقم والاضطراب وملوا الحرب وملتهم إذ كانت أيامه لا سيما أخرياتها كأيام الفترة التي ليس فيها سلطان وكانت حال الرعية معه مثل الفوضى الذين لا وازع لهم فكان ذلك من أقوى الأسباب التي صرفت وجوه أهل المغرب كله إلى بيعة السلطان سيدي محمد رحمه الله وجمعت كلمتهم عليه لا سيما مع ما كان قد ظهر منه أيام خلافته من حسن السياسة وكمال النجدة وجودة الرأي وتمام المعرفة بإدارة الأمور على وجهها وإجرائها على مقتضى صوابها حتى أحبته القلوب وعلقت به الآمال وعرفت له من بين بني أبية تلك الشنشنة وتضافرت على ولائه ونصره القلوب والألسنة فلما قضى الله بوفاة والده بادر أهل فاس إلى عقد البيعة له من غير توقف ولا تريث قال ولده الفقيه أبو محمد المولى عبد السلام بن محمد بن عبد الله في كتابه المسمى بدرة السلوك بويع لمولانا الوالد السلطان الأعظم سيدي محمد بن عبد الله البيعة العامة الصحيحة التامة وحضرها جماعة من أعيان العلماء مثل قاضي الجماعة بمكناسة السيد سعيد العميري وقاضي الجماعة بفاس السيد عبد القادر أبي خريص وشيخ الجماعة بها السيد محمد بن قاسم جسوس والإمام المحقق حامل لواء المعقول والمنقول الشيخ أبي حفص عمر الفاسي وابن عمه السيد أبي مدين الفاسي وهو الذي تولى كتابة البيعة بيده وإمام جامع الشرفاء بفاس الأستاذ المولى عبد الرحمن المنجرة والشيخ العلامة السيد التاودي ابن سودة المري وإمام المسجد الكبير بفاس الجديد السيد عبد الله السوسي والإمام الحافظ السيد أبي العلاء إدريس العراقي وغيرهم ممن لا يحصى كثرة وقوله في قاضي مكناسة السيد سعيد العميري صوابه ابنه أبو القاسم العميري ووصل الخبر بموت السلطان المولى عبد الله إلى ابنه سيدي محمد وهو بمراكش فأقام مأتمه وازدحم على بيعته أهل مراكش وقبائل الحوز والدير وقدمت عليه وفود السوس وحاحة بهداياهم ثم قدم عليه العبيد والودايا وأهل فاس من العلماء والأشراف وسائر الأعيان وقبائل العرب والبربر والجبال وأهل الثغور كل ببيعته وهديته لم يتخلف عنه أحد من أهل المغرب فجلس للوفود إلى أن فرغ من شأنهم وأجازهم وزاد العبيد بأن أعطاهم خيلا كثيرة وسلاحا كثيرا عرفوا بها محلهم من الدولة وانقلبوا مسرورين مغتبطين

مجيء السلطان سيدي محمد بن عبد الله عقب البيعة من مراكش إلى فاس وما اتفق له في ذلك

لما فرغ أمير المؤمنين المولى محمد رحمه الله من أمر الوفود أخذ في الاستعداد للنهوض إلى الغرب فخرج من مراكش في عسكر الحوز ووجوهة حتى انتهى إلى مكناسة فدخل دار الملك بها وفرق على العبيد الخيل والسلاح والمال وكانوا على غاية من سوء الحال والاستكانة لغلبة البربر إذ كانوا يتخطفون أولادهم من البحائر والجنات ويبيعونهم في قبائلهم كما قلنا فجبر الله صدعهم بولاية هذا السلطان الجليل ثم لما قضى إربه من مكناسة ارتحل إلى فاس ولما نزل في عساكره بالصفصافة خرج لملاقاته الودايا وأهل فاس فهش للناس وألان جانبه لهم واختلط بهم فكانوا يطوفون به ويقبلون أطرافه ولا يمنعهم أحد وفرق المال والكسوة والسلاح في الودايا وعبيد السلوقية وأعطى الفقهاء والأشراف وطلبة العلم وأهل المدارس والمكتبيين والأئمة والمؤذنين والفقراء والمساكين وأزاح علل الجميع ولم يحرم أحدا ولما حضرت الجمعة جاء من المحلة في ترتيب حسن وزي عجيب فخرج أهل البلدين لرؤيته وامتلأت الأرض من العساكر والنظارة ودخل فاسا الجديد فصلى به الجمعة ثم جلس لفقهاء الوقت وسأل عنهم واحدا واحدا حتى عرفهم ثم خرج إلى تربة والده فزارها وأمر بتفريق الصدقات عندها وترتيب القراء بها ثم دخل إلى دار الحرم فوقف على من بها من أخواته وعزاهن في مصاب والدهن وطيب نفوسهن ثم رجع عشية النهار إلى المحلة فبات بها ومن الغد جاء إلى دار الدبيبغ فدخلها ووقف على متخلف والده من مال وأثاث وسلاح وخيل إلى أن عاينه وأحصاه وأبقى ذلك بيد من كان بيده من أصحاب والده وأوصاهم بالاحتفاظ به بعد أن جعل الجميع إلى نظر الحاجب أبي محمد عبد الوهاب اليموري وعامل أصحاب أبيه بالجميل وخفض لهم الجناح وألان لهم القول ووصلهم بمال اقتسموه فيما بينهم ثم بعد ذلك حاز منهم ما كان بأيديهم من مال والده فكان أكثره ذهبا من ذلك ألف خرج وتسمية المغاربة السماط من الجلد الفيلالي بأقفالها في كل واحد ألفا دينار بالتثنية من ضربه وكانت تكون على سروج خيله في السفر فإذا نزل الجيش وضربت الأخبية رفعها الموكلون بها كل واحد اسمه وعينه إلى القبة السلطانية وعند الرحيل كذلك تدفع لهم بالإحصاء والتقييد ومن ذلك مائة رحى من الذهب الخالص كقرص الشمع في كل رحى وزن أربعة آلاف ريال وكانت تكون محمولة على البغال في أعدالها مغطاة بالقطائف المسماة عند المغاربة بالحنابل مشدودا عليها بالحبال أربع أرحاء في كل عدلين فالمجموع خمس وعشرون بغلة تسير أمامه فإذا نزل الجيش رفعت إلى القبة السلطانية كالذي قبلها وكان السلطان المولى عبد الله رحمه الله يرى ذلك من الحزم حيث يحمل ماله معه أينما سار لا يفارقه ومما وجده سيدي محمد من مال والده أيضا ثلاثمائة ألف ريال إلا خمسة عشر ألفا ووجد نحو العشرين ألفا من الموزونات الدقيقة من ضرب سكته هذا ما خلفه رحمه الله من المال الصامت وكان يكون على يد القائد علال بن مسعود من وصفانه فحاز ذلك كله أمير المؤمنين سيدي محمد ونقله إلى محلته ووكل به وزعته وتقدم إلى أصحابه بأن يعاملوا أصحاب أبيه بالتوقير والاحترام ونظمهم في سلك خدمته فمن ظهرت نجابته أدناه ومن لا عبرة به أقصاه ثم وفد عليه بفاس عامة قبائل الغرب وازدلفوا اليه بالهدايا والتحف فأكرم كلا بما يناسبه وكان في ابتداء أمره سهل الحجاب رفيقا لم يعزل أحدا من قواد القبائل وعمال الحواضر الذين كانوا في دولة أبيه في حكم الاستبداد بل أبقى ما كان ولم ينكب أحدا إلا بعد الاستبراء والاختبار غير أن أهل تطاوين كان قائدهم أبو عبد الله محمد بن عمر الوقاش منحرفا عنه أيام خلافته بمراكش فكان إذا كتب اليه بأمر نبذه وراء ظهره وربما قال للرسول المرأة لا تتزوج برجلين أو كلاما يشبه هذا يعني أنه مجبور لطاعة السلطان المولى عبد الله فلما بويع السلطان سيدي محمد وقدم حضرة فاس انقبض عنه الوقاش المذكور وعاذ بضريح الشيخ عبد السلام بن مشيش بماله وولده خوفا على نفسه من السلطان لسوء ما قدم ثم قدم عليه أهل تطاوين طائعين متنصلين من فعل عاملهم المذكور ومخبرين بشأنه فولى السلطان عليهم الفقيه أبا محمد عبد الكريم بن زاكور أحد كتابه كان بعثه من مراكش إلى العرائش واليا عليها فلما وفد عليه أهل تطاوين ولاه عليهم لكونه حضريا مثلهم وأقام السلطان سيدي محمد رحمه الله بفاس شهرين وعاد إلى مكناسة والله أعلم

إحداث المكس بفاس وبسائر أمصار المغرب وما قيل في ذلك

لما بويع السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله وقدم حضرة فاس رفع إليه أهلها ما كانوا يؤدونه إلى والده المولى عبد الله مما كان موظفا على الموازين كميزان سيدي فرج وميزان قاعة السمن وميزان قاعة الزيت وغير ذلك وقدره ثلاثمائة مثقال في كل شهر يجب فيها لكل سنة ثلاثة آلاف مثقال وستمائة مثقال فلما حضر فقهاء فاس عند السلطان سيدي محمد كلمهم في شأنها حتى يكون الأمر فيها مسندا إلى فتوى الفقهاء فقالوا إذا لم يكن للسلطان مال جاز له أن يقبض من الرعية ما يستخدم به الجند فأمرهم أن يكتبوا له في ذلك فكتبوا له تأليفا اعتمده السلطان ووظف على الأبواب والغلات والسلع وكان ممن كتب له في ذلك العلامة الشيخ التاودي ابن سودة والعلامة الشيخ أبو عبد الله محمد بن قاسم جسوس والإمام أبو حفص عمر الفاسي والفقيه الشريف أبو زيد عبد الرحمن المنجرة والفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الصادق الطرابلسي والفقيه القاضي أبو محمد عبد القادر أبو خريص وغيرهم فاعتمد السلطان على فتواهم ووظف ما ذكرناه آنفا واعلم أن أمر المكس مما عمت به البلوى في سائر الأقطار والدول منذ الأعصار المتطاولة والسنين الأول فلا بأس أن نذكر ما حرره العلماء في ذلك فنقول قد تكلم على ذلك الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه في كتابه شفاء الغليل بما نصه فإن قال قائل توظيف الخراج على الأرض ووجوب الارتفاقات مصلحة ظاهرة لا تنتظم أمور الولاة في رعاية الجند والاستظهار بكثرتهم وتحصيل شوكة الإسلام إلا به ولذلك لم يلف عصر خاليا عنه والملوك على تفاوت سيرهم واختلاف أخلاقهم تطابقوا عليه ولم يستغنوا عنه فلا تنتظم مصلحة الدين والدنيا إلا بإمام مطاع ووال متبع يجمع شتات الإيمان ويحمي حوزة الدين وبيضة الإسلام ويرعى مصلحة المسلمين وغبطة الأنام ولا يستتب ذلك إلا بنجدته وشوكته وجنوده وعدته فيهم مجاهدة الكفار وحماية الثغور وكف أيدي الطغاة المارقين ومنعهم من مد الأيدي إلى الأموال والحرم والأزواج فهم الحراس للدين عن أن تنحل دعائمه وتتخاذل قواه بتوغل الكفار في بلاد المسلمين وهم الحماة للدنيا عن أن يختل نظامها بالتغالب والتسالب والتواثب من طغام الناس بفضل العرامة والباس ولا يخفى عليكم كثرة مؤنهم واستيعاب حاجاتهم في نفوسهم وعيالهم والمرصد لهم خمس الخمس من الغنائم والفيء وذلك مما يضيق في غالب الأمر عن الوفاء بخراجاتهم والكفاية لحاجاتهم وليس يعم ذلك الا بتوظيف الخراج على الأغنياء فإن كنتم تتبعون المصالح فلا بد من الترخيص في ذلك مع ظهور المصلحة قلنا الذي نراه جواز ذلك عند ظهور المصلحة وإنما النظر في بيان وجه المصلحة فنقول أولا التوظيف في عصرنا هذا مزاجه ومنهاجه ظلم محض لا رخصة فيه فإن آحاد الجند لو استوفيت جراياتهم ووزعت على الكافة لكفتهم برهة من الدهر وقدرا صالحا من الوقت وقد شمخوا بتنعمهم وترفههم في العيش وإسرافهم في إفاضة الأموال على العيارة ووجوه التجمل على سائر الأكاسرة فكيف يقدر احتياجهم إلى توظيف خراج لإمدادهم وإرفاقهم وكافة أغنياء الدهر فقراء بالإضافة إليهم فأما لو قدرنا إماما مطاعا مفتقرا إلى تكثير الجند لسد الثغور وحماية الملك بعد اتساع رقعته وانبساط خطته وقد خلا بيت المال عن المال وأرهقت حاجة الجند إلى ما يكفيهم وخلت عن مقدار كفايتهم أيديهم فللإمام أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيا لهم في الحال إلى أن يظهر مال في بيت المال ثم إليه النظر في توظيف ذلك على وجوه الغلات والارتفاقات بحيث لا يؤدي تخصيص بعض الناس به إلى إيغار الصدور وإيحاش القلوب ويقع ذلك

قليلا من كثير ولا يجحف بهم ويحصل به الغرض ثم استدل الشيخ أبو حامد رضي الله عنه لذلك من النقل والعقل بما يطول جلبه وقال في كتابه المستصفى ما نصه إن قيل توظيف الخراج من المصالح فهل إليه من سبيل قلنا لا سبيل إليه مع كثرة الأموال في أيدي الأجناد أما إذا خلت الأيدي ولم يكن في بيت المال ما يفي بخراجات العسكر ولو تفرقوا واشتغلوا بالكسب لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند ثم إن رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج لأنا نعلم أنه إذا تعارض شران وضرران وجب دفع أشد الضررين وأعظم الشرين وما يؤديه كل واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله ولو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكة يحفظ نظام الأمور ويقطع مادة الشرور لفسدت الأرض ومن عليها وقوله على الأغنياء يريد من له قدرة وطاقة على دفع شيء لا يجحف به ووقع في جواب للقاضي أبي عمر بن منظور رحمه الله إن لضرب الخراج وتوظيفه على المرافق شروطا الأول منها أن يعجز بيت المال وتتعين حاجة الجند فلو كان في بيت المال ما يقوم به لم يجز أن يفرض على الرعية شيء قال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة صاحب مكس وهو إغرام المال ظلما ثانيهما إن الإمام يتصرف فيه بالعدل فلا يجوز له أن يستأثر به دون المسلمين ولا أن ينفقه في سرف ولا أن يعطي من لا يستحق ولا أن يعطي أحدا أكثر مما يستحق ثالثها أن يصرفه في مصروفه بحسب المصلحة والحاجة لا بحسب الشهوة والغرض وهذا يرجع إلى الثاني رابعها أن يكون الغرم على من يكون قادرا عليه من غير ضرر ولا إجحاف ومن لا شيء له أو له شيء قليل فلا يغرم شيئا خامسها أن الإمام يتفقد هذا في كل وقت فربما جاء وقت لا يفتقر فيه إلى زيادة على ما في بيت المال وكذلك إذا تعينت المصلحة في المعونة بالأبدان ولم يكف المال فإن الناس يجبرون على التعاون بأبدانهم على الأمر الداعي للمعونة بشرط القدرة وتعين المصلحة والافتقار إلى ذلك انتهى المقصود منه والله تعالى أعلم

مقتل أبي الصخور الخمسي وما كان من أمره

لما رجع السلطان محمد بن عبد الله من فاس إلى مكناسة أقام بها يسيرا ثم خرج إلى جبال غمارة بسبب ما بلغه عن المرابط أبي عبد الله محمد العربي الخمسي المعروف بأبي الصخور وكان له صيت وشهرة بقبائل الجبل وكان يظهر التنسك والعبادة ويزعم أنه يستخدم الجن فكان للعامة فيها اعتقاد كبير ثم صار يقول للناس هذا السلطان لا تطول مدته فأخذه السلطان وقتله وبعث برأسه إلى فاس وولى على قبائل غمارة والأخماس وتلك النواحي الباشا العياشي وأنزله بمدينة شفشاون وقفل إلى مكناسة فدخلها مريضا فاتح محرم سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف فقال المرجفون ما أصابه المرض إلا من قتله لأبي الصخور وقالوا إنه قد صدق في قوله لا تطول مدته فعافى الله السلطان وأكذب ظن الشيطان وأقام السلطان بمكناسة إلى أن انسلخ المحرم ودخل صفر فعاد إلى مراكش بعد أن أمر بنقل عبيد السلوقية إلى مكناسة وضمهم إلى إخوانهم واستصحب معه إلى مراكش من رجالتهم ألفا فلما دخلها أعطاهم الخيل والسلاح والكسي وعادوا إلى مكناسة ثم قدم عليه منهم ألف آخر فأركبهم وكساهم واستمر حاله معهم على هذا إلى أن استوفوا خيلهم وسلاحهم وكساهم ولم يسألهم عما كان في أيديهم أيام الفترة

خروج السلطان سيدي محمد بن عبد الله إلى الثغور وتفقده أحوالها

ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف فيها خرج أمير المؤمنين المولى محمد بن عبد الله من مراكش فقدم مكناسة وفرق الراتب على العبيد بها وبعث إلى الودايا راتبهم وأمرهم بالنهوض معه للتطواف على الثغور البحرية من بلاد المغرب فخرج من مكناسة حتى أتى مدينة تطاوين فنزل بها وأمر ببناء برج مرتيل الذي بها وفرق المال على العبيد المقيمين به منذ أيام السلطان إسماعيل وهم بقية عبيد سبتة أعني الذين كانوا يرابطون عليها فإنه لما انحل نظام الملك بموت المولى إسماعيل وتفرق العبيد المرابطون على سبتة فلحقت كل طائفة منهم بقبيلتها التي جلبت منها بقي هذا الألف الذي لا قبيلة له هنالك فنقلهم أبو حفص الوقاش إلى مرتيل وأحسن إليهم وصار يدفع بهم في نحر من يريده بمكورة من القبائل المجاورة له ثم رحل السلطان من تطاوين إلى طنجة وجعل طريقه على سبتة فمر بها ووقف عليها ونظر إلى حصانتها ومناعتها وتحقق أن لا مطمع فيها إلا بالجد وأمر العسكر الذين حوله بإخراج دفعة من البارود وتسميها العامة حاضرونا ففعلوا وأجابهم النصارى بمثل ذلك بالمدافع والكور حتى تزلزلت الجبال فعجب السلطان من ذلك وما كان قصده بهذه السفرة إلا الوقوف على سبتة واختبار حالها لأنه لم ينظر إليها بعين التأمل والاختبار في المرة الأولى فلما تبين له حالها أرجأ أمرها إلى يوم ما وأوصى أهل آنجرة بتعيين حصته من الرماة لحراسة نواحيها والوقوف على حدودها وبذل لهم مالا يستعينون به على ذلك ثم سار إلى طنجة فنزل قريبا منها وخرج إليه أعيانها ورؤساؤها من أهل الريف بقضهم وقضيضهم يتقدمهم باشاهم عبد الصادق بن أحمد بن علي الريفي كان قد قدم عليه بمراكش أيام خلافته بها فلما مثلوا بين يدي السلطان في هذه المرة أكرمهم وفرق المال والكسي فيهم وأمر الباشا عبد الصادق أن يبعث أخاه عبد الهادي للوقوف على إنشاء الغلائط بتطاوين ثم سار السلطان رحمه الله إلى العرائش فألفاها خالية ليس بها إلا نحو المائتين من أهل الريف تحت كنف أهل الغرب فولى عليها عبد السلام بن علي وعدي ثم أنزل بها مائة من عبيد مكناسة ثم سار إلى سلا فعبر الوادي ونزل برباط الفتح وأقام به أياما وأمر قائده أبا الحسن عليا مارسيل أن يبني صقالة أي برجا كبيرا على البحر وأمر قائد سلا عبد الحق فنيش أن يبني مثلها بسلا على البحر مقابلتها ثم أمر بإنشاء سفينتين إحداهما لأهل سلا والأخرى لأهل رباط الفتح وكانت عندهم سفينة واحدة مشتركة بينهم أنشؤوها أيام الفترة وفيها كانوا قد خرجوا إلى حصن آكادير ومنه بعثوا وفدهم إلى سيدي محمد بن عبد الله وهو يومئذ خليفة بمراكش فأكرم الرسل وبعث معهم مالا كثيرا إلى المجاهدين بالعدوتين وفي مدة مقامه برباط الفتح هذه المرة صرف جيش العبيد والودايا إلى بلادهم وسار هو إلى مراكش ولما احتل بها كتب إلى تجار النصارى بآسفي يأمرهم أن يشتروا له إقامة المراكب القرصانية من صواري ونطاقات وقمن ومخاطيف وحبال وقلوع وبتاتي وغير ذلك فتنافسوا في شراء ذلك وازدلفوا إلى السلطان بجلبه وانتخابه ثم استقدم جراطين الصحراء الذين بالرتب وتافيلالت وهم الجبابرة والمعاركة وأولاد أبي أحمد لما بلغه عنهم من أنهم يعينون عمه المولى الحسن على محاربة الأشراف الذين هنالك فنقلهم إلى مكناسة وأعطاهم الكسوة والسلاح وكتبهم في ديوان الجيش وفي هذه السنة وصل الخبر بموت المولى المستضيء بن إسماعيل بتافيلالت كما مر

إيقاع السلطان سيدي محمد بن عبد الله بالودايا والسبب في ذلك

كان هؤلاء الودايا أحد أركان العسكر الإسماعيلي حسبما تقدم وكان المولى إسماعيل رحمه الله قد اعتنى بشأنهم وأخذ بضبعهم وجمعهم بعد الفرقة وأغناهم بعد العيلة وأسكنهم فاسا الجديدة وأعماله فاستوطنوه وألفوه وصاروا هم أهله بين سائر الجند فكان لهم في الدولة الغناء الكبير واتخذوا الدور والقصور وتوالت عليهم بالعز وإباية الضيم السنون والشهور ولما توفي رحمه الله كانوا بفاس الجديد على غاية من تمام الشوكة وكمال العصبية وقد ملكوا أمر أنفسهم على الدولة وغلظت قناتهم على من يريد غمزها من أهلها فكانت أحكام الملوك من أولاد المولى إسماعيل لا تمضي عليهم سيما مع ما حازوه من شرف الخؤلة للسلطان المولى عبد الله الذي هو أكبرهم قدرا وأعظمهم صيتا وكان شأنه معهم أن يستكثر بهم تارة وعليهم أخرى والفتن فيما بين ذلك قائمة حسبما مر شرح ذلك مستوفى فلما كانت أواخر دولة السلطان المولى عبد الله وهلك محمد واعزيز كبير البربر افترقت آيت أدراسن وجروان ووقعت الحرب بينهم مرتين أعان فيها الودايا جروان وألحوا على آيت أدراسن بالنهب والقتل حتى أجلوهم من تلك البلاد ثم لما بويع السلطان سيدي محمد انحاز إليه آيت أدراسن إذ هم شيعة أبيه أيام محمد واعزيز فولى عليهم ولد محمد واعزيز وأنزلهم بأحواز مكناسة إذ كان عالما بما ناله من جروان والودايا وتظاهرهم عليهم واشتغالهم مع ذلك بإفساد السابلة وقبض الخفارات عليها وكان رئيسهم لذلك العهد رجلا يقال له جبور لصا مبيرا فآخى السلطان سيدي محمد بين آيت أدراسن وآيت يمور وحالف بينهم وأوصى عامله على مكناسة بهم وتقدم إلى جروان بالكف عن إذابتهم فلم يرجعوا ولم يقلعوا بل تمادوا على حرب آيت أدراسن وظاهرهم الودايا على عادتهم وأرادوا أن يسيروا فيهم بالسيرة التي كانوا عليها أيام السلطان المولى عبد الله ظنا منهم أن ذلك يتم لهم مع ابنه سيدي محمد وهيهات ( إذا رأيت نيوب الليث بارزة % فلا تظنن أن الليث مبتسم ) ولما اتصل الخبر بالسلطان أمر قائد العبيد وقائد آيت يمور أن يشدوا عضد آيت أدراسن وينهضوا لنصرتهم على أعدائهم جروان حيث انتصرت لهم الودايا فهاجت الحرب وكشرت عن أنيابها وشمرت عن ساقها فبرز الودايا بجموعهم ونزلوا بوادي فاس في أول يوم من رمضان وأقاموا هنالك مفطرين منتهكين لحرمة الصيام بسفرهم الحرام ثم اجتمعوا هم وجروان وساروا إلى جهة مكناسة وأقبل آيت أدراسن نحوهم بمن لافهم من العبيد وآيت يمور فكان اللقاء على وادي ويسلن فوقعت الحرب فانتصر آيت أدراسن عليهم وهزموهم وانتهبوا محلة جروان ومحلة الودايا وقتلوا منهم نحو الخمسمائة وحزوا رؤوس أعيانهم فعلقوها على الباب الجديد من مكناسة ورجع الودايا إلى فاس مفلولين لم يتقدم لهم مثلها ولما اتصل خبر ذلك بالسلطان اغتاظ على الودايا بسبب افتياتهم عليه وانتهاكهم حرمة جواره فعزم على المكر بهم وأسرها في نفسه ولم يبدها لهم واستمر مقيما بمراكش إلى أن دخلت سنة أربع وسبعين ومائة وألف فخرج من مراكش قاصدا مكناسة ومضمرا الإيقاع بالودايا وأحس الودايا بذلك منه فلما وصل إلى مكناسة بعثوا إليه عجائزهم متشفعات ومعتذرات عما فرط منهم فاجتمعن به أثناء الطريق وتوسلن إليه بالرحم والقرابة فرق لهن وأعطاهن كسى ودراهم وعدن صحبته إلى فاس فنزل بالصفصافة وخيمت بها عساكره وخرج أهل فاس والودايا لملاقاته فألان لهم القول وأظهر البشر ومن الغد أمر بعمارة المشور بدار الدبيبغ وقدم أهل فاس طعام الضيافة على العادة فأمر السلطان بإدخاله إلى دار الدبيبغ ولما صلى العصر خرج على الناس بالمشور فوقف لهم وقدم الوفود هداياهم على العادة ولما فرغ من ذلك كله أمر العبيد والودايا بالدخول إلى دار الدبيبغ لأكل طعام الضيافة وكان قد أعد بها ألفا من المسخرين للقبض على أعيان الودايا أفردهم في ناحية فلما دخلوا وغلقت الأبواب وثبوا عليهم وجردوهم من السلاح وكتفوهم وألقوهم على الأرض ولما طعم الجيش وسائر الناس أمر السلطان الخيل بالركوب وشن الغارات على حلة الودايا والمغافرة بلمطة فركبت الخيول وتقدمت إليهم وسار السلطان في موكبه خلفهم ولما شرق شارق فاسا الجديد رماه الودايا من أبراجه بالكور فلم تغن شيئا وتقدم السلطان حتى وقف بالموضع المعروف بدار الرخاء فلم يكن إلا هنيئة حتى أقبلت العساكر بالسبي والأثاث والخيام وانتسفوا الحلة نسفا ولما جن الليل خرج من كان بقي من أعيانهم بفاس الجديد وتفرقوا شذر مذر فذهب بعضهم إلى ضريح الشيخ أبي العباس أحمد الشاوي وبعضهم إلى زاوية الشيخ اليوسي وبعضهم إلى ضريح سيدي أبي سرغين بصفرو وغير ذلك وبقي الضعفاء على الأسوار يطلبون الأمان فعطفته عليهم الرحم ورق لهم فأمنهم وأخرجهم إلى فاس القديم وأدال منهم بفاس الجديد بألف كانون من العبيد فنزلوه وعمروه واقفر من الودايا بعد أن كانوا أهله مدة طويلة كما علمت ثم أمر السلطان رحمه الله بأربعة من مساجين الودايا فسرحوا أحدهم القائد قدور بن الخضر الشهير الذكر وأمرهم أن يقفوا على إخوانهم المسجونين حتى يعينوا أهل الفساد من غيرهم ويأتوه بزمامهم ويتحروا الصدق في ذلك فعينوا له خمسين من عتاتهم أهل زيغ وفساد فأمر بأن تضرب على أرجلهم الكبول ويقرن كل اثنين منهم في سلسلة ثم بعث منهم إلى مراكش اثنان على الجمل فسجنوا بها وطهرت الأرض من شيطنتهم ثم أمر السلطان رحمه الله القائد قدور بن الخضر أن يسرح الباقين من إخوانه ويضم إليهم من الودايا والمغافرة تكملة ألف ويشرد من عداهم إلى قبائلهم وحللهم ثم عين السلطان رحمه الله لأولئك الألف إصطبل مكناسة ينزلون به ويكون قصبة لهم فحملوا أولادهم إلى مكناسة واستوطنوها مع العبيد غير أنهم قد انفردوا بالإصطبل كما قلنا وولى عليهم السلطان القائد قدور بن الخضر وكان أصغرهم سنا وأكملهم عقلا وأصدقهم خدمة وأمره بتأديبهم وإجراء الأحكام عليهم حتى رئموا ملكة الدولة وسكنوا تحت تصريفها وخضعوا لأمرها ونهبها وأخذ السلطان في دفع الخيل والسلاح والكسى لهم شيئا فشيئا إلى أن أركبهم كلهم فصلحت أحوالهم ونمت فروعهم واستمروا بمكناسة إلى أن ردهم إلى فاس الجديد المولى يزيد بن محمد لأول ولايته كما سيأتي إن شاء الله تعالى وفي هذه السنة أعني سنة أربع وسبعين ومائة وألف باع السلطان أمكاس فاس لعاملها الحاج محمد الصفار باثني عشر ألف مثقال في السنة ثم ارتحل إلى مراكش فاحتل بها إلى أن كان من أمره ما نذكره

مجيء السلطان سيدي محمد بن عبد الله من مراكش إلى الغرب مرة أخرى وما اتفق له في ذلك

ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة وألف فيها خرج السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله من مراكش يريد بلاد الغرب وعرج في طريقه على جملة من القبائل الذين كانوا مشتغلين بالفساد فأوقع بهم وشرد بهم من خلفهم وذلك أنه وصل إلى بلاد الشاوية فنهبهم وانتسف أموالهم وقتلهم وقبض على عدد كثير منهم بعثهم في السلاسل إلى مراكش ثم عدل إلى جهة تادلا فمر على برابرة شقيرين من آيت ومالو فنهب أموالهم وقتل من ظفر به منهم ثم سار إلى بلاد الغرب عازما على الإيقاع بعرب الحياينة لإفسادهم وتمردهم فابتدأ أولا بنهب آيت سكاتو وثنى ببني سادان وثلث بالحياينة ففروا إلى جبال غياثة وتحصنوا بها فترك الجيوش ببلادهم تأكل زروعهم وتقدم هو إلى تازا ثم اقتحم على الحياينة جبال غياثة فأبادهم قتلا وتشريدا والعساكر ببلادهم تنتسف الزروع وتحرق العمائر وتستخرج الدفائن إلى أن تركتها أنقى من الراحة وعاد إلى مكناسة وفي مقامه بها قبض على الشيخ محمود الشنكيطي المتصوف النابغ بفاس كان قد قدم من بلاده ونزل بمستودع القرويين وأظهر التنسك فصار يجتمع عليه الأعيان والتجار من أهل فاس ويعتقدونه قال في البستان فلم يقتصر على ما هو شأنه من إقبال الخلق عليه بل صار يتكلم في الدولة ويكاتب البربر ويزعم أن سلطان الوقت جائر ولم يوافق عليه من الأولياء أحد فنما ذلك إلى السلطان فأمر بالقبض عليه وبعث به إلى مراكش فسجن بها ثم امتحن إلى أن مات ولم تبكه أرض ولا سماء وقال أكنسوس إنه كان يقول إن السلطان يموت إلى شهر ففشا ذلك في العامة وتسابقوا إلى شراء الفحم والحطب وادخار الأقوات وحصلت فتنة بفاس فأنهى ذلك إلى السلطان فكتب إلى عامل فاس بالقبض عليه وتوجيهه إلى مراكش ثم أمر السلطان أيضا وهو بمكناسة بالقبض على الأمين الحاج الخياط عديل وإخوته فسجنوا في مال كان عليهم بعضه له وبعضه لوالده من قبله وفي تمام السنة أمر بتسريحهم وبعث الحاج الخياط منهم والسيد الطاهر بناني الرباطي سفيرين عنه إلى السلطان مصطفى بن أحمد العثماني صاحب القسطنطينية العظمى وفيها أيضا استخلف السلطان رحمه الله ابن عمه المولى إدريس بن المنتصر بفاس وولاه على قبائل الجبل كلها وفيها أمر بتحبيس الكتب الإسماعيلية التي كانت بدويرة الكتب بمكناسة وعددها اثنا عشر ألف مجلد وزيادة فحبسها على مساجد المغرب كله ولا زالت خزائنها مشحونة بها إلى الآن مكتوبا عليها رسم التحبيس باسم السلطان المذكور ثم ارتحل إلى مراكش وفيها أيضا تولى الحاج محمد الصفار مكس فاس باثنين وعشرين ألف مثقال في السنة

إيقاع السلطان سيدي محمد بن عبد الله بقبيلة مسفيوة والسبب في ذلك

كان هؤلاء مسفيوة شيعة للمولى المستضيء حسبما تقدم ولما زحف السلطان المولى عبد الله إلى بلاد الحوز وشرد أخاه المولى المستضيء عن مسفيوة وأوقع بهم الوقعة التي تقدم الخبر عنها أذعنوا إلى طاعته في الظاهر وبقيت الحسائف كامنة في صدورهم فكانت تلك الطاعة التي أظهروها له هدنة على دخن واستمر حالهم على ذلك إلى أيام السلطان سيدي محمد رحمه الله فشرى فسادهم وقال في البستان كان هؤلاء مسفيوة من الطغيان والاستخفاف من الدولة على غاية لم تكن لأحد من يوم استخلف سيدي محمد بمراكش وهو يعالج داءهم فما نفع فيه ترياق إلى أن قدم مراكش قدمته هذه فوفد عليه بها مائة وخمسون من أعيانهم فانتهز فيهم الفرصة وقتلهم كلهم سوى القاضي ثم سرب الخيول للغارة على حلتهم فانتسفوها وأبلغوا في النكاية فانخضدت بذلك شوكتهم واستقامت طاعتهم وصلحت أحوالهم فيما بعد ذلك ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة وألف فيها جاء السلطان من مراكش إلى الغرب ونهب في طريقه آيت سيبر من زمور الثلج وبددهم ولما وصل إلى مكناسة أمر القبائل بدفع الزكوات والأعشار فكانت الحياينة وشراقة وسائر الحوزية يدفعون واجبهم بهري فاس وكان أهل الغرب وبنو حسن والبربر يدفعون بهري مكناسة ثم نهض السلطان إلى غزو مرموشة فهزمهم ونهب أموالهم واستولى على معاقلهم وقتل منهم عددا وافرا وذلك بعد أن انتصروا على عسكر السلطان أولا وظهروا عليه فتقدم إليهم رحمه الله بنفسه وعبيده المسخرين فأوقع بهم وشرهم ثم صار إلى تازا فأصلح شؤونها وثقف أطرافها وعاد سالما مظفرا وفي هذه السنة توفي قائد القواد الذي كان من السلطان بمنزلة الوزير أبو عبد الله محمد بن حدو الدكالي الذي كان ولاه على دكالة لأول ولايته ثم أضاف إليه تامسنا وتادلا مكان اليوزراري الجابري عمود الدولة المحمدية رحمه الله ولما توفي ولى السلطان مكانه ابن عمه القائد أبا عبد الله محمد بن أحمد ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة وألف فيها أمر السلطان ببناء قبة الشيخ أبي الحسن علي بن حرزهم بفاس وفيها ثار رجل اسمه أحمد الخضر بصحراء فجيج فكان يزعم أنه المولى عبد الملك ثم صار يزعم أنه داعيته وفتن الناس بتلك الجهات وجرت على يديه حروب وخطوب فبعث السلطان إلى عرب تلك البلاد فقتلوه وبعثوا برأسه إليه وهو بمكناسة وكان السلطان يومئذ مريضا فعافاه الله وسافر إلى مراكش ولما اجتاز برباط الفتح بعث منه الرئيس الحاج التهامي مدور الرباطي باشدورا إلى بلاد السويد ليأتيه بإقامة المراكب والبارود وبعث أيضا الرئيس أبا عبد الله محمد العربي المستيري الرباطي باشدورا إلى بلاد النجليز ليصلح بها قرصانه ويجعل له إقامة جديدة فقدمها وجدد قرصانه واستصحب معه إقامة مركبين ومدافع نحاسية وغير ذلك وعاد لتمام السنة ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة وألف فيها كانت وليمة عرس ولد السلطان المولى على بن محمد بمراكش على ابنة عمه المولى أحمد بن عبد الله وعرس ابن أخيه سيدي محمد بن أحمد على ابنة السلطان وكانت وليمة عظيمة حضرها عامة أهل المغرب بهداياهم وأبهاتم وشاراتهم واستقامت الأمور للسلطان رحمه الله

بناء مدينة الصويرة حرسها الله

لما فرغ السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله من وليمة عرس أولاده سار إلى ناحية الصويرة بقصد بنائها وعمارتها فوقف على اختطاطها وتأسيسها وترك البنائين والعملة بها وأمر عماله وقواده ببناء دورهم بها وعاد إلى مراكش وقال الكاتب أبو العباس أحمد بن المهدي الغزال في رحلته ما ملخصه إن السبب في بناء مدينة الصويرة هو أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله كان له ولوع بالجهاد في البحر واتخذ لذلك قراصين حربية تكون في غالب الأوقات بمرسى العدوتين ومرسى العرائش وكان سفرها في البحر مقصورا على شهرين في السنة زمان الشتاء لأن المراسي متصلة بالأودية وفي غير إبان الشتاء يقل الماء ويعلو الرمل بأفواه المراسي فيمنع من اجتياز القراصين بها ويتعذر السفر ففكر السلطان رحمه الله في حيلة يتأتى بها سفر قراصينه في سائر أيام السنة فبنى ثغر الصويرة واعتنى به لسلامة مرساه من الآفة المذكور ة وذكر غير الغزال أن الباعث للسلطان المذكور على بناء الصويرة هو أن حصن آكادير كانت تتداولة الثوار من أهل السوس مثل الطالب صالح وغيره ويسرحون وسق السلع منه افتياتا ويستبدون بأرباحها فرأى أن حسم تلك المادة لا يتأتى إلا بإحداث مرسى آخر أقرب إلى تلك الناحية وأدخل في وسط المملكة من آكادير حتى تتعطل على أولئك الثوار منفعته فلا يتشوف أحد إليه فاختط مدينة الصويرة وأتقن وضعها وتأنق في بنائها وشحن الجزيرتين الدائرتين بمرساها كبرى وصغرى بالمدافع وشيد برجا على صخرة داخل البحر وشحنه كذلك فصار القاصد للمرسى لا يدخلها إلا تحت رمي المدافع من البرج والجزيرة معا ولما تم أمرها جلب إليها تجار النصارى بقصد التجارة بها وأسقط عنهم

وظيف الأعشار ترغيبا لهم فيها فأهرعوا إليها من كل أوب وانحدروا إلى مرساها من كل صوب فعمرت في الحين واستمر الترخيص لهم فيها مدة من السنين ثم رد أمرها إلى ما عليه حال المراسي من أداء الصاكة وغيرها من اللوازم وهي الآن بهذا الحال والله تعالى أعلم

هجوم الفرنسيس على ثغر سلا والعرائش ورجوعه عنهما بالخيبة

قد قدمنا ما كان للسلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله من الولوع بأمر البحر والجهاد فيه فلم تزل قراصينه تتردد في أكناف البحر وتجوس خلال ثغور الكفر فتقتل وتأسر وتغنم وتسبي إلى أن ضاق بهم رحب الفضاء وكاد يستأصل جمهورهم حكم القضاء فمنهم من فزع إلى طلب المهادنة وحسن الجوار ومنهم من كذبته نفسه فتطاول إلى الأخذ بالثأر ومن هذا القسم الثاني جنس الفرنسيس فإن قراصين السلطان رحمه الله كانت قد غنمت منه مركبا ساقته إلى مرسى العرائش وغنمت منه غير ذلك في مرات متعددة فدعاه ذلك إلى أن هجم على ثغر سلا أواخر سنة ثمان وسبعين ومائة وألف قال الغزال في رحلته رمى الفرنسيس بمرسى سلا من الأنفاض والبنب ما ظن أنه يحصل به على طائل فأجيب منها بضعف ذلك فلم يلبث إلاوأجفانه هاربة تقفو أواخرها الأوائل وفر هاربا مهزوما ساقط الألوية مذموما اه ورأيت بخط الفقيه العلامة أبي العباس أحمد بن المكي السدراتي السلاوي رحمه الله ما صورته هجم الفرنسيس على مدينة سلا يوم الجمعة الحادي عشر من ذي الحجة متم سنة ثمان وسبعين ومائة وألف فأقاموا يوم الجمعة ويوم السبت بظاهر البحر لم يفعلوا شيئا وفي يوم الأحد تقدمت سفنهم فرموا من البنب مائة وسبعا وسبعين وهدمت الدور وفر النساء والصبيان خارج البلد ولم يبق بها إلا القليل وكان يوما مشهودا وفي صبيحة يوم الاثنين أرسل الله عليهم الريح ففرقت مراكبهم ونفس الله عن المسلمين وفي يوم السبت الآتي بعده رجعوا فرموا مائة وعشرين وفي يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من الشهر المذكور رموا مائة ونيفا وثلاثين ولم يستشهد من المسلمين في تلك المدة سوى رجل واحد اه قال الغزال ثم إن الفرنسيس عالج ما انصدع من أجفانه في حرب سار ثم هجم على ثغر العرائش قال السدراتي فرمى عليها فيما ذكروا أربعة آلاف نفض ونيفا وثلاثين نفضا وخربوها وهدموا دورها ومسجدها قال وذلك مفتتح سنة تسع وسبعين ومائة وألف وفي يوم الخميس الثاني من المحرم وقيل التاسع منه ليلة عاشوراء اقتحموا المرسى في خمسة عشر قاربا مشحونة من العسكر بنحو الألف وفيها من الشلظاظ والفسيان عدد كثير وتصاعدوا مع مجرى الوادي إلى مراكب السلطان التي كانت هنالك فحرقوا سفينة منها وهي التي غنمها المسلمون منهم وعمدوا إلى أخرى فكسروها بالمعاول والفؤوس ثم تكاثر عليهم المسلمون وقاتلهم بنو جرفط وأهل الساحل حتى ردوهم عل أعقابهم ولما انقلبوا راجعين إلى مراكبهم وجدوا عرب الغرب مع قائدهم حبيب المالكي قد أخذوا بمخنقهم على فم المرسى وانبثوا لهم على الحجر الذي هنالك وبعث الله ريحا من جهة البحر عظمت بها أمواجه ومنعتهم من الخروج فكانوا إذا توسطوا الوادي ليخرجوا ردتهم الريح وإذا انحازوا إلى أحد الشطين رماهم المسلمون بالرصاص حتى استأصلوا جمهورهم ثم سبحوا إليهم حتى خالطوهم في قواربهم فاستاقوا أحد عشر قاربا ونجا أربعة وتقسمهم المسلمون بين قتيل وأسير وتفرقوا في الأعراب والبادية أيدي سبا ثم أمر السلطان بجمعهم وأعطى كل من أتى بأسير منهم مالا وكسوة فاجتمع منهم نحو الخمسين فبقوا في الأسر إلى أن توسط في فدائهم طاغية الإصبنيول ففدوا بمال له بال وأما رؤوس القتلى فقد أمر السلطان رحمه الله بتوجيه نحو الثمانين منها إلى سلا فعلقت بالصقالة القريبة من ضريح الشيخ ابن عاشر رضي الله عنه وبعد هذا وقع الصلح مع جنس الفرنسيس وانعقدت الشروط معه كما سيأتي ثم إن السلطان رحمه الله قدم العرائش عقب الوقعة وأقام بها شهرا واعتنى بشأنها فبنى بها الصقائل والأبراج حتى صارت من أعمر الثغور وبيد الله تصاريف الأمور

مراسلة السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله لطاغية الإصبنيول وما اتفق في ذلك

كان السبب الذي أوجب مراسلة السلطان سيدي محمد بن عبد الله لطاغية الإصبنيول أن جماعة من أسرى المسلمين الذين كانوا بأصبانيا كتبوا مكاتيب عديدة إلى السلطان رحمه الله يعلمونه بما هم فيه من ضيق الأسر وثقل الإصر وما نالهم من الكفار من الامتهان والصغار وكان فيهم من ينتمي للعلم ومن يقرأ القرآن وغير ذلك فلما وصلت كتبهم إلى السلطان وقرئت عليه تأثر لذلك ووقعت منه موقعا كبيرا وأمر في الحسن بالكتب إلى طاغية الإصبنيول يقول له إنه لا يسعنا في ديننا إهمال الأسارى وتركهم في قيد الأسر ولا حجة في التغافل عنهم لمن ولاه الله الأمر وفيما نظن أنه لا يسعكم ذلك في دينكم أيضا وأوصاه أن يعتني بخواص المسلمين الذين هنالك من أهل العلم وحملة القرآن وأن لا يسلك بهم مسلك غيرهم من عامة الأسارى قال مثل ما نفعل نحن بأساركم من الفرايلية فإنا لا نكلفهم بخدمة ولا نخفر لهم ذمة فلما وصل هذا الكتاب إلى الطاغية أعظمه وكاد يطير سرورا به وللحين أمر بإطلاق الأسارى الذين بحضرته وبعث بهم إلى السلطان ووعده أن يلحق بهم غيرهم من الذين بقوا بسائر إيالته فوقع ذلك من السلطان رحمه الله الموقع وعظم في عينيه وكان كريم الطبع يحب الفخر ويعنى به فأطلق لطاغية الإصبنيول جميع من كان تحت يده من أسارى جنسه وعززهم بأسرى غير جنسه أيضا لتكون للطاغية بذلك مزية على سائر الأجناس وبعث معهم بهدية فيها عدد من الأسود على يد قائد سبتة فاتصل ذلك كله بالطاغية فطارت نفسه شعاعا من شدة الفرح وشمر عن ساعد الجد وهيأ هدية استوفى فيها غاية مقدوره وبعثها مع كبراء القسيسين والفسيان وأصحبهم كتابا أفصح به عما بين جنبيه للسلطان من المحبة والاعتراف بالفضل والمنة وطلب منه مع ذلك أن يتفضل عليه ببعث أحد أرباب دولته وكبرائها لتتشرف أرضه بمقدمه وتشتهر هذه المواصلة والملاحظة عند أجناس الفرنج فيعظم بذلك قدره ويكمل فخره فأسعفه السلطان رحمه الله بذلك وبعث إليه خاليه الرئيسين أبا يعلى عمارة بن موسى وأبا عبد الله محمد بن ناصر وكلاهما من الودايا ومعهما كاتبه أبو العباس أحمد الغزال بعثه كاتبا لهما لا غير فلما وصلوا إلى جبل طارق كتب الغزال إلى بعض وزراء السلطان يقول له إني أريد منك أن تعرف أمير المؤمنين أن هذين الرجلين لا معرفة لهما بقوانين النصارى وإني قد خفت عاقبة الأمر فيما ينشأ عن رأيهما فلا يؤاخذني أمير المؤمنين بشيء من ذلك إن كان فأخبر الوزير السلطان فقال صدق وقد ندمت على تقديمهما عليه وما راعيت إلا منزلتهما والآن فاكتب إلى الطاغية وقل له إني قد بعثت إليك بكاتبي أحمد الغزالي باشدورا وابعث بالكتاب إلى الغزال فإذا بلغه فليستمسك به وليحز الكتاب الأول الذي عندهما ويلي الأمر دونهما فلما بلغه كتاب السلطان امتثل وقضى الغرض على الوجه المطلوب وأبقى ذكرا جميلا رحمه الله وفي هذه السنة أعني سنة تسع وسبعين ومائة وألف ألزم السلطان أهل فاس ببعث الإدالة منهم إلى الصويرة وهي خمسون راميا بقائدها وفقيه مدرس ومؤقت ومؤذن وشاهدان وأسقط عنهم البعث الذي كانوا يفرضونه للمملوك قبله وهي خمسمائة رام فعينوا الإدالة المذكورة بعد التي واللتيا وبعثوهم إليه بمراكش فبعثهم السلطان إلى الصويرة ورتب لهم المؤن والمرافق فكانوا يقومون على المرسى وينتفعون بمستفادها فحسنت حالهم واغتبطوا بها واستمر الحال على ذلك وفي هذه السنة بعث أيضا السلطان الرئيس أبا الحسن عليا مارسيل الرباطي إلى بلاد الفرنسيس لتقرير الصلح معهم وقبض مال أسارى العرائش وشراء الإقامة منه فبذلوا المال والإقامة معا طائعين وفيها بعث السلطان الفقيهين السيد الطاهر بن عبد السلام السلاوي والسيد الطاهر بناني الرباطي باشدورين إلى صاحب الاسطنبول السلطان مصطفى العثماني وأصحبهما هدية نفيسة فيها خيل عتاق بسروج مثقلة بالذهب مرصعة بالجوهر والياقوت ونفيس الأحجار وفيها أسياف محلاة بالذهب ومرصعة بالياقوت المختلف الألوان وفيها حلى من عمل المغرب فقبل ذلك السلطان العثماني وابتهج به ثم كافأ عليه بمركب موسوق من آلة الحرب مدافع ومهاريس وبارود وإقامة كثيرة للمراكب القرصانية من كل ما تحتاج إليه وفي هذه السنة خرج السلطان إلى بلاد الريف فجعل طريقه على تطاوين ثم على بلاد غمارة وانتهى إلى جارت وبلاد الريف فمهد تلك النواحي كلها ورجع على طريق تازا وفيها قدم المولى علي ابن السلطان خليفة عن أبيه فنزل فاسا الجديد وأضاف إليه قبائل الجبل والريف وفيها قدمت ربة الدار العالية المولاة فاطمة بنت سليمان من مراكش إلى فاس بقصد الزيارة فركبت ذات ليلة إلى ضريح المولى إدريس رضي الله عنه وضريح الشيخ أبي الحسن علي بن حرزهم وضريح الشيخ أبي عبد الله التاودي فطافت عليهم وتبركت بتربهم وذبحت أكثر من مائة ثور وأخرجت صدقات كثيرة ثم خرجت بعد ذلك إلى مدينة صفرو فزارت ضريح سيدي أبي سرغين وضريح سيدي أبي علي وذبحت وتصدقت وعادت إلى فاس ثم ذهبت إلى زيارة الشيخ عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه فصحبها في ركابها أعيان فاس وأشرافها وعلماؤها ولما كانت بأثناء الطريق اعترضها قواد الغرب بهداياهم وبشاراتهم وزيهم ووافاها قواد الثغور بضريح الشيخ عبد السلام في مواكبهم وخيلهم ورجلهم وذلك عن أمر من السلطان رحمه الله قال صاحب البستان وكنت يومئذ واليا على العرائش فحضرت في جملتهم ولما قضت أرب الزيارة فرقت الأموال على الأشراف من أهل جبل العلم وغمرت الناس بالعطايا ثم عادت إلى القصر ومنه سارت إلى العرائش فأقامت بها ثلاثة أيام وانفض قواد الثغور كل إلى محله وسافرت المولاة المذكورة إلى مراكش في ألف فارس من العبيد كانوا قد قدموا معها من مراكش عليهم القائد مصباح وكان فعلها هذا من الآثار العظيمة والمناقب الفخيمة رحمها الله

اعتناء السلطان سيدي محمد بن عبد الله بثغر العرائش وشحنه بآلة الجهاد

قد تقدم لنا أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله قدم العرائش عقب وقعة الفرنسيس فوقف عليها واعتنى بأمرها وبنى بها الصقائل والأبراج وصونها ثم كان قدوم ابنه المولى يزيد في هذا التاريخ إلى فاس وفي ركابه جماعة من رؤساء البحر والطبجية أهل الإجادة في الرمي وكان قدومه بأمر السلطان لجر المدافع والمهاريس النحاسية التي كانت بفاس الجديد ومكناسة ونقلها إلى ثغر العرائش ففعلوا وألزم السلطان القبائل الذين بالطريق أن يتولوا جرها فكانت كل قبيلة تجرها إلى التي تليها إلى أن وصلوا إلى مشرع مسيعيدة من نهر سبو قال صاحب البستان فورد علينا أمر السلطان بالعرائش أن نخرج إلى لقائهم في الجند وقبائل الحوز يعني حوز العرائش قال فوافيناهم على وادي سبو فتولى أهل الغرب جر تلك المدافع والمهاريس إلى أن أوصلوها إلى وادي الدردار قرب تاجناوت ثم جرها أهل العرائش وقبائل حوزها إلى المدينة وكان يوم دخولها مهرجانا عظيما أخرجت فيه المدافع والمهاريس والبارود وتسابقت القبائل على الخيول ولعبوا بالبارود إلى المساء ثم رجع المولى يزيد ومن معه من الرؤساء والبحرية والطبجية إلى حضرة السلطان بمكناسة وقد تم الغرض المقصود

إيقاع السلطان سيدي محمد بن عبد الله بآيت يمور أهل تادلا ونقلهم إلى سلفات والسبب في ذلك

لما انقضى أمر العرائش تفرغ السلطان لقضاء ما كان قد بقي عليه من أمر الرعية فخرج من مكناسة إلى تادلا مضمرا الإيقاع بآيت يمور لما كان يبلغه عنهم من الفساد في الأرض فلم بلغها مكر بهم بأن أرسل إليهم يستنفرهم خيلا ورجلا وأراهم أنه يريد أن يذهب بهم في سرية هيأها لآيت ومالو فلما قدموا عليه أمر بعرض العساكر كلها ووقف رحمه الله بإزاء القصبة ثم عرضت عليه عساكر الجند ثم القبائل بعضها إثر بعض وكلما مرت عليه قبيلة أوقفها في ناحية عينها لها وكلما مر به جيش أوقفه كذلك حتى غصت الأرض بالخيل والرجل واستدارت من كل الجهات ولم يبق إلا آيت يمور فجاؤوا في آخر العرض ولما مثلوا بين يديه أمر أهل رحاه أن يرموهم بالرصاص على زناد واحد فأطلقوا عليهم شؤبوبا منه تساقط له عدد كثير وكان قد تقدم إلى العساكر المستديرة بهم أن ينفحوهم بالرصاص كلما قصدوا جهة من جهاتهم فكانوا كلما قصدوا ناحية طالبين الخلاص منها رماهم أهلها فتتساقط منهم العصبة الكبيرة إلى أن خلصوا من ناحية أهل دكالة بعد أن هلك منهم ما ينيف على الثمانمائة فأمر السلطان برؤوسهم فجزت وبعث بها إلى فاس فعلقت على الأسوار وأمر العساكر بنهب حللهم فانتسفوها وسيقت مواشيهم وخيامهم وأثاثهم وفر من أفلت منهم إلى جبل

آيت يسري ثم رحل السلطان عنهم إلى مراكش فوفدوا عليه بعد أيام خاضعين تائبين فعفى عنهم ونقلهم إلى جبل سلفات من أحواز فاس فأوطنوه حينا من الدهر

إغراء السلطان سيدي محمد بن عبد الله بآيت أدراسن والسبب في ذلك

لما كان من السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله لآيت أدراسن من الإحسان ما كان حتى أوقع بالودايا لأجلهم مع أنهم صميم الجند وركن الدولة وأطال لهم الرسن في ذلك بما أطغاهم وحملهم على الدالة عليه صدرت منهم هنات اعتدها السلطان عليهم فانتدب لتأديبهم بأن كتب وهو بمراكش إلى الودايا لقتالهم وإلى العبيد وجروان يأمرهم أن يجتمعوا على حربهم والإيقاع بهم فكان ذلك عند الودايا من أكبر متمناهم فاجتمعوا مع من ذكر ونهدوا إليهم فكبسوهم في ديارهم وجرت بينهم حرب فظيعة انهزم في آخرها آيت أدراسن ونهبت حللهم وقتل منهم عدد كثير وأسر مثل ذلك ووجهوا في السلاسل إلى السلطان بمراكش وفي هذه السنة أعني سنة تسع وسبعين ومائة وألف أمر السلطان بجمع جند اليكشارية من قبائل الحوز ووكل بجمعهم القائد عبد النبي المنبهي وأن يثبتهم في ديوان العسكر وأن كل من كان عزبا وأراد الدخول في الجندية فليكتبه فاجتمع له من ذلك أربعة آلاف وخمسمائة فأعطاهم السلطان الكسي والسلاح واستخدمهم مدة ثم كان مآلهم أن رجعوا إلى إخوانهم وقبائلهم وضرب عليهم المغرم في جملتهم وفيها مات عامل فاس الحاج محمد الصفار فولى السلطان على فاس ابنه العربي بن محمد الصفار ثم دخلت سنة ثمانين ومائة وألف فيها قدم السلطان إلى مكناسة وقبض على القائد عبد الصادق بن أحمد الريفي صاحب طنجة وعلى مائة من قرابته وأهل بيته فأودعهم السجن ثم سار إلى طنجة فدخلها ونهب دار عبد الصادق المذكور ونقل إخوانه بأولادهم إلى المهدية وولى عليهم محمد بن عبد الملك من بيتهم ولم يترك بطنجة من أهل الريف إلا أهل المروءة والصلاح وأنزل معهم ألفا وخمسمائة من عبيد المهدية بعددهم بحيث لا يطمعون في قيام ولا يحدثون أنفسهم بثورة ووقع بخط الفقيه أبو العباس أحمد السدراتي أن انتقال أهل الريف إلى المهدية كان بعد هذا بنحو أربع سنين والله أعلم

مقتل عبد الحق فنيش السلاوي ونكبة أهل بيته والسبب في ذلك

قد قدمنا في آخر دولة السلطان المولى عبد الله ما كان بحواضر المغرب وبواديه من الاضطراب فسما بعض القواد والعمال بالأمصار إلى مرتبه الاستقلال وطرحوا طاعة السلطان في زاوية الإهمال فمنهم صاحب سلا عبد الحق بن عبد العزيز فنيش كان قد استحوذ على مدينة سلا وأعمالها واستبد بأمرها بما كان له من العشيرة والعصبية بها ولما اجتاز سيدي محمد بن عبد الله من مراكش إلى القصر أيام والده أغلق عبد الحق هذا أبواب سلا في وجهه ولم يحفل به ذهابا وايابا حسبما مر ثم لما ولى الله السلطان أمر المسلمين أعرض عما أسلفه عبد الحق من جريرته وأبقاه في مدينته على رياسته فاستمر على ذلك برهة من الدهر وكان فظا غليظا فقتل رجل من أعيان سلا قيل كان هذا الرجل من قرابته وقيل كان من أولاد زنيبير فرفع أولياؤه أمرهم إلى السلطان بمكناسة وحضر عبد الحق معهم وثبت أن قتله للرجل كان على وجه الظلم فحرك ذلك من السلطان ما كان كامنا في صدره عليه فقبض عليه ودفعه إلى أولياء المقتول ليتولوا قتله بأيديهم فجبنوا عنه لما كان له في قلوبهم من الهيبة فأمر السلطان الوزعة بقتله بمرأى منهم فقتلوه فيما قيل بأيدي الفؤوس ثم بعث السلطان من احتاط على أموال عبد الحق والفنانشة أجمع وأمر ببيع أصولهم بعد إعمال الموجبات بأن الفنانشة مستغرقوا الذمة وأن جميع ما بأيديهم اكتسبوه من الغصوبات وغيرها من وجوه الظلم وضرب الأتاوات على الضعفاء والمساكين حتى عند نكاحهم فبيعت أصول عبد الحق وعشيرته لبني حسن وكانت تنيف على مائة أصل من بين ربع وعقار وكان ذلك سنة ثمانين ومائة وألف ثم غربهم السلطان إلى العرائش فسجنوا بها مدة وغرب بعضهم إلى الصويرة ثم عفا عنهم وقربهم وولاهم رياسة الرماية بالمهراس والمدفع المعروفة برياسة الطبجية وفرقهم على الثغور فكان بعضهم بالعرائش وبعضهم بطنجة وبعضهم برباط الفتح وبعضهم بالصويرة وأعطاهم الدور المعتبرة والرباع المغلة ورتب لهم الجرايات العظيمة حتى بلغوا من الثروة والعز والجاه ما لم يبلغه أحد في دولته رحمه الله كذا في البستان ومن القواد الذين كانوا في حكم الاستبداد أيام السلطان المولى عبد الله ثم نكبهم ابنه السلطان سيدي محمد بعد حين القائد أبو الحسن الحاج علي بن العروسي الدكالي البوزراري كان قائد المولى المستضيء بعد أيام ولايته ولما أفضى الأمر إلى السلطان سيدي محمد قبض عليه وأودعه المطبق عدة أعوام ثم سرحه وولاه مدينة شفشاون وتوارث الرياسة بنوه من بعده ولهم آثار بثغر الجديدة منها مسجدها مكتوبا عليه اسم بانيه إلى الآن ومن القواد المستبدين قائد تامسنا المدعو ولد المجاطية وقائد تادلا الرضي الورديغي فعزلهم السلطان سيدي محمد وولى على تامسنا وتادلا القائد محمد بن حدو الدكالي المتقدم الذكر ومنهم أبو عريف قائد بني حسن فعزله السلطان وولى مكانه أبا عبد الله محمد القسطالي ومنهم الباشا حبيب المالكي قائد الغرب كان رأس الأمراء أيام أبيه فقبض عليه وأودعه المطبق وأمر بهدم قصره وحمل أنقاضه إلى العرائش ونهب ماله وماشيته ولما طرح الباشا حبيب بالمطبق منع نفسه من الطعام والشراب إلى أن مات ميتة جاهلية عياذا بالله فهؤلاء أنياب القبائل وأهل العصبية منهم تتبعهم السلطان واحدا بعد واحد إلى أن أراح الدولة من ضررهم والله أعلم وفي هذه السنة أعني سنة ثمانين ومائة وألف انعقدت الشروط بين السلطان سيدي محمد بن عبد الله وبين جنس الفرنسيس وهي عشرون شرطا مضمنها ومرجعها إلى المهادنة والصلح والمخالطة بالبيع والشراء مع التوقير والاحترام من الجانبين وإذا سافرت مراكبهم من مراسيهم إلى إيالتنا فتصحب معها الورقة المسماة بالباصبورط من عند أمير البحر المرتب بكل مرسى من مراسيهم فيها اسم المركب ورئيسه وبيان ما اشتمل عليه من الوسق ومن أين جاء وإلى أين يذهب وعليه طابع أمير البحر وهو طابع الجنس وإذا سافرت مراكبنا من مراسينا إلى إيالتهم فتصحب كذلك خط يد القنصل المرتب بمرسانا من ذلك الجنس باسم المركب ورئيسه وما اشتمل عليه مختوما عليه بطابع الجنس أيضا وكان القياس أن مراكبهم تحمل طابعنا وخطنا ليحصل لها التوقير كما نحمل نحن طابعهم وخطهم ليحصل لنا التوقير منهم ولكن لما لم تجر العادة بترتب متأصلنا بمراسيهم اكتفي بطابعهم من الجانبين إذ المقصود حاصل بذلك ولا يلتبس على رؤساء البحر طابع جنس بآخر فإذا التقى مركب بمركب وأخرج كل ورقته عرف من أي جنس هو وعومل على مقتضى ذلك

ورود هدية السلطان مصطفى العثماني على السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمهما الله

وفي هذه السنة أعني سنة ثمانين ومائة وألف بعث السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله خديمه الرئيس عبد الكريم راغون التطاوني باشدورا إلى السلطان مصطفى العثماني وأصحبه هدية نفيسة مكافأة له على هديته التي كان أرسلها مع السيد الطاهر بن عبد السلام السلاوي والسيد الطاهر بناني الرباطي حسبما مر ثم لما دخلت سنة إحدى وثمانين ومائة وألف قدم الحاج عبد الكريم المذكور من عند السلطان المذكور ومعه هدية عظيمة أعظم من الأولى وهي مركب موسوق بالمدافع والمهاريس النحاسية وإقامتها وإقامة المراكب القرصانية من صوار ومخاطيف وقلوع وقمن وحبال وبراميل وغير ذلك من آلات البحر وفيها ثلاثون من مهرة المعلمين الذين لهم المعرفة بأفراع المدافع والمهاريس والكور والبنب وبصناعة المراكب القرصاينة وفيهم معلم مجيد في الرمي بالمهراس إلى الغاية فنزلوا بمرسى العرائش قال صاحب البستان وكنت يومئذ واليا بها فورد أمر السلطان بتوجيه المعلمين إلى فاس يقيمون بها حتى يقدم السلطان من مراكش إلى مكناسة فيجتمعون به هنالك ولما وصل السلطان إلى مكناسة وحضروا عنده فاوضهم في الخدمة وأراد أن يحيي آثار دار الصنعة التي كانت بسلا تصنع بها المراكب الجهادية على عهد الموحدين وبني مرين فقالوا نحتاج أن تبني لنا دارا على هيئة كذا ومن نعتها كذا وكذا ورسموا له شكلها في قرطاس فرأى أن أمرها لا يتم في عشر سنين ولا أكثر ولا يكفي في بنائها مال فأعرض عن ذلك وبعث معلمي البنب إلى تطاوين فكان أحدهم يفرغ البنبة من قنطارين وبعث معلمي المراكب إلى سلا فأنشؤوا فيها ثلاث شكظريات وبعث معلم الرمي إلى رباط الفتح فكان يعلم بها الطبجية من أهل سلا والرباط وتخرج على يديه نجباء ومن ثم توارث أهل العدوتين هذه الصناعة مدة إلى أن لم يبق بها اليوم إلا الاسم ورد أصحاب المدافع والمهاريس إلى فاس فأقاموا بها إلى أن توفوا هنالك رحمهم الله وفي هذه السنة انعقدت الشروط بين السلطان سيدي محمد بن عبد الله وبين جنس الدينمرك وهي عشرون شرطا ترجع إلى تمام الصلح والأمن من الجانبين أيضا والأول منها مضمنة خروج أمر المراسي المغربية من يد تجار الدينمرك فلا يتصرفون فيها بشيء لكون الكمبانية التي كانت تدفع من المراسي قد تفرقت بعد التزام قنصلهم بأداء اثني عشر ألف ريال وخمسمائة ريال التي بقيت بذمة تجارهم من ذلك ولا تعود المراسي لأيديهم بحال والآخر منها مضمنة أن يدفع طاغية الدينمرك للسلطان كل سنة خمسة وعشرين مدفعا من مدافع المعدن وزر كورتها من ثمانية عشر رطلا إلى أربعة وعشرين ويدفع معها ثلاثين قمنة ومن اللوح الروبلي ألفي لوحة مختلطة ومن الريال ستة آلاف وخمسمائة والكل واصل إلى المحل الذي يريده السلطان وإن أراد الطاغية أن يدفع بدلا عن جميع ذلك خمسة وعشرين ألف ريال فله ذلك ومثل هذا انعقد مع جنس السويد أيضا إلا أن قدر المدفوع من جانبه عشرون ألف ريال فقط في كل سنة ومع أجناس أخر وظائف أخر واستمرت هذه السنة إلى أن انقطعت سنة إحدى وستين ومائتين وألف في دولة السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام رحمه الله حسبما نذكر ذلك في محله وفي هذه السنة أعني سنة إحدى وثمانين ومائة وألف كانت فتنة الدعي كلخ بمراكش وهو رجل صعلوك اسمه عمر كان ينتسب إلى الشيخ أبي العزم سيدي رحال وكان يظهر للعامة الكرامات الكاذبة وتبعه السواد الأعظم من جهلة البادية لأنه وعدهم أن يفتح لهم بيت المال ويهيلون منه الذهب والفضة هيلا من غير ممانع فأهرع الناس إليه وتقدم إلى مراكش فدخلها في عالم من الأوباش شعارهم هاتان الكلمتان كلخ شلخ رافعين بها أصواتهم وهم كالسيل المنحدر من عل فوقع الهرج بالمدينة وغلقت الأسواق واتصل الخبر بالسلطان وهو بداره فأمر الوزعة والعبيد فاعترضوهم دون القصبة وقبضوا عليه ولما صار في أيديهم فر من كان معه من الطغام وساقوه إلى السلطان فقتله وسكنت جعجعته للحين

انعقاد الصهر بين السلطان سيدي محمد بن عبد الله وبين سلطان مكة الشريف سرور رحمه الله

كان السلطان سيدي محمد بن عبد الله يحب الفخر ويعنى به وله رغبة في الخير وأهله ولما كان سلطان مكة الشريف سرور رحمه الله بالمحل الذي أكرمه الله به بلدا ومحتدا رغب السلطان سيدي محمد رحمه الله في مصاهرته وسمحت نفسه الشريفة ببذل كريمته فما دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف وعزم ركب الحاج المغربي على السفر إلى الحجاز بعث معهم السلطان المذكور ابنته وزفها على بعلها المذكور وبعث ولده الأكبر وخليفته الأشهر المولى علي بن محمد لإقامة فريضة الحج ومعه شقيقه المولى عبد السلام صغيرا دون بلوغ ليكون مع أخته وكلاهما في صحبة الركب المغربي كما قلنا وأصحبهما هدية لأمير طرابلس وهدية لأمير مصر والشام وهدية عظيمة لأهل الحرمين الشريفين ومالا كثيرا يفرق على أشراف الحجاز واليمن وجوائز سنية للعلماء والنقباء وأرباب الوظائف بمكة والمدينة وبعث معهما من وجوه أهل المغرب وأولاد أمراء القبائل وأشياخهم ومن أكابر خدامه وأصحاب أشغاله بالخيول المسومة والسلاح الشاكي والشارة الحسنة وما تحدث به أهل المشرق دهرا وكان في جهاز ابنة السلطان ما يزيد على مائة ألف دينار من الحلى والياقوت والجوهر وكان يوم دخولها إلى مكة يوما مشهودا حضره عامة أهل الموسم الأعظم من الآفاق وتناقلت حديثه الركبان والرفاق

اعتناء السلطان سيدي محمد بن عبد الله بعبيد السوس والقبلة وجلبهم إلى أجدال رباط الفتح

وفي هذه السنة أعني سنة اثنتين ومائة وألف بعث السلطان سيدي محمد بن عبد الله ابن عمه المولى علي بن الفضيل وكاتبه أبا عثمان سعيد الشليح الجزولي إلى بلاد السوس لجمع عبيد المخزن الذين بها وبعث وصيفه المحجوب ابن قائد رأسه لإقليم طاطا وآقاوتيشيت من بلاد القبلة لجمع العبيد الذين هنالك فجاؤوا بألفين من عبيد السوس بأولادهم وألفين من عبيد القبلة بأولادهم كذلك فأنزلهم السلطان بظاهر مراكش إلى أن أعطاهم السلاح والكسي وولى عليهم القائد المحجوب المذكور ثم لما سار إلى رباط الفتح أمر بقطع جنات أجدال الذي بظاهر البلد وأنزل العبيد به وبنى لهم الدور والمسجد والمدرسة والحمام والسوق وزاد عليهم ألفين وخمسمائة من الودايا جلبها من القبائل وكتب الجميع في الديوان وجعلهم في مقابلة عبيد مكناسة والودايا الذين بها وأفاض فيهم العطاء الكثير لسكناهم بثغر من ثغور الإسلام

فتح الجديدة

قد ذكر لويز مارية خبر هذا الفتح ونحن نلخص ما ذكره من ذلك قال لما ولي السلطان سيد محمد بن عبد الله سلطنة المغرب كان لا يقر له قرار من أجل مشاركة البرتغال له في قطعة من أرضه وكان شهما ذا أنفة وإباية فاستشار أهل الرأي من دولته في غزو الجديدة وفتحها فقالوا له لا يظن سيدنا أن أخذها يكون بأن تحمل المسلمون عليها دفعة واحدة حتى يقتحموها مثلا فإن ذلك لا يجدي شيئا ولا يحصلون إلا على القتل كما وقع في أيام السلطان الغالب بالله السعدي وإنما يتوصل إلى فتحها بالحصار والمطاولة برا وبحرا فعمل على ذلك بعد أن كرهه أولا ولما عزم على النهوض إليها جمع جيشا كثيفا من قبائل مراكش والحوز والسوس وغير ذلك زعم لويز أنه اجتمع له من المقاتلة نحو سبعين ألفا ويظن أن هذا من مبالغته على عادته في ذلك وكان نزوله على الجديدة في رابع مارس العجمي سنة ثمان وستين وسبعمائة وألف مسيحية وفي تواريخ الإسلام أن نزوله عليها كان في فاتح رمضان من سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف عربية ولما نزل عليها أمر بحفر الأساس لاتخاذ أشبار من جميع جهاتها ونصب عليها خمسة وثلاثين مدفعا بين كبير وصغير ورمى عليها كورا وبنبا كثيرا في أيام متعددة سقط منه داخلها أكثر من ألفين وهدمت كثيرا من أبنيتها وقتلت عددا وافرا من أهلها وكان من جملة أهلها رجل عسكري قد أناف على السبعين سنة وعجز عن حضور القتال وله زوجة وأولاد فلما رأى تساقط البنب مثل المطر طلب النجاة لنفسه وعياله ففر إلى هري هنالك كان فوقه خزائن قمح فاختفى تحته واختفى معه أناس آخرون وظنوا أن البنبة لا تنفذ في خزين القمح وتخرق السقف الذي تحته وتصل إلى الهري الذي هم به فقضى الله تعالى بأن سقطت به بنبة تجاوزت القمح والسقف وسقطت على الشيخ فقتلته ومن معه وكانوا تسعة أنفس وانجرح آخرون ولما طال الحصار على أهل الجديدة كتبوا إلى طاغيتهم فأشار عليهم بالخروج إن عجزوا عن المدافعة وكانت هذه المكاتبة من غير علم من العامة وبينما هم كذلك إذ ورد عليهم مركب من أشبونة ظنوه مددا لهم فإذا به قد أتى بكتاب الطاغية يأمرهم بالخروج ويتحملوا بأولادهم وعيالهم في مراكبه ويدفعوا البلد للمسلمين ولما علم العامة بذلك امتنعوا وحاصوا حيصة حمر الوحش وسبوا الكتاب ومن أرسله وقالوا لا نخرج منها حتى نهلك عن أخرنا إذ هي مأثرة أجدادنا عجنت طينتها بدمائهم وفنيت عليها نفوس أكابرهم وأشرافهم ثم توسط بين عامتهم وكبيرهم القسيسون وسهلوا عليهم الأمر حتى انقادوا وبعث كبيرهم إلى السلطان سيدي محمد بن عبد الله يطلب منه أن يكف عن القتال ويؤجله ثلاثة أيام ليدفع له البلد فأجابه السلطان إلى ذلك واشترط عليه أن لا يخرجوا إلا في ثيابهم التي على ظهورهم ولا يحملوا معهم شيئا غيرها فامتثلوا قال لويز حتى أن عسكريا منهم حمل معه كسوة أخرى لم تسمح بها نفسه فرآها كبيرهم وهو يريد أن يصعد إلى المركب فانتزعها منه وألقاها في البحر ولما أيسوا من حمل شيء معهم أحرقوا الأثاث والفراش وعرقبوا الخيل وقتلوا الماشية وكسروا الأواني والعدة وفلسوا أكثر من مائة مدفع وآخر الأمر أنهم دفنوا مينات البارود في حوماتها كل مينا فيها أكثر من أربعين برميلا وتركوا رجلا حدادا اسمه بطروس فيقال إنه الذي أوقد المينا عند دخول المسلمين إليها فهلك فيها نحو خمسة آلاف وتهدم السور الجنوبي منها ولما وصلوا إلى أشبونة أسكنهم طاغيتهم ببلدة يقال لها بلين فأصابهم الوخم وهلك منهم أكثر من ثلاثمائة نفس ثم انتقلوا إلى بلاد البرازيل فبنوا هنالك مدينة سموها مازكان الثانية باسم الجديدة هذا ملخص ما ذكره لويز ومن خط الفقيه العلامة أبي العباس أحمد السدراتي أن فتح الجديدة كان صبيحة يوم السبت الثاني من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف ووافق ذلك اليوم الثامن والعشرين من فبراير العجمي وهو ثالث أيام الحسوم اه وكان ممن شهد هذا الفتح المعلم الحاج سليمان التركي المجيد في صناعة الرمي بالمهراس فأبدأ وأعاد وحضرها أيضا جماعة من فنانشة سلا فأبلوا بلاء حسنا وعمرها السلطان بأهل دكالة إذ هي في وسط أرضهم وأضاف إليهم حصة من عسكر اليكشارية وأعقابهم بها لهذا العهد والله أعلم

سعي السلطان سيدي محمد بن عبد الله في فكاك أسرى المسلمين وما يسر الله على يديه من ذلك

قد تقدم أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله كان قد بعث خاليه عمارة بن موسى ومحمد بن ناصر الوديين وكاتبه أبا العباس الغزال إلى طاغية الإصبنيول وأن الغزال قد أحكم الصلح وقضى الغرض على ما ينبغي وفي تلك السفرة وقع التفادي بين السلطان والطاغية في الأسرى التي كانت بينهما حسبما مر فلما كانت هذه السنة التي هي سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف كتب طاغية الإصبنيول إلى السلطان يقول إنه لم يبق ببلادي أحد من أسرى إيالتكم ولم يبق عندي إلا أسرى أهل الجزائر الذين عندهم أسرانا وطلب منه مع ذلك أن يتوسط له عند صاحب الجزائر في المفاداة بينه وبينه وكانت أسرى الإصبنيول تزيد على أسرى الجزائر بكثير وطلب أن تكون هذه المفاداة على يديه أعني على يد السلطان رحمه الله الرئيس بالرئيس والبلوط بالبلوط واليكانجي باليكانجي والبحري بالبحري والجندي بالجندي ومن فضلت عنده فضلة فالبحيري بخمسمائة ريال والرئيس بألف فأسعفه السلطان في طلبه وانتدب للسعي في إنقاذ المسلمين من أيدي الكفار ابتغاء مرضاة الله ورجاء ثوابه وكان السلطان قد كتب إليه مع الغزال وصاحبيه فيمن تحت أيديهم من سائر أسرى المسلمين فبعثوا إليه بأهل المغرب فقط واعتذروا بأنهم حبسوا أسرى الجزائر ليفكوا بهم أسراهم ولما كاتب السلطان أهل الجزائر وعرض عليهم ما طلبه طاغية الإصبنيول امتنعوا من الفداء فكتب السلطان إلى باي الجزائر ثانيا فامتنع ثم

أعاد إليهم الكتابة ثالثا وحضهم على فكاك أسرى المسلمين ووعظهم وخوفهم عقاب الله ورغبهم في ثوابه فأذعنوا وامتثلوا وطلبوا منه أن يبعث إليهم رجلا من خاصته يقف على المفاداة بنفسه ويدفعون إليه أسراهم في يده ويتسلم مثل عددهم من إخوانهم فلما ورد على السلطان كتاب أهل الجزائر بالامتثال كتب إلى الطاغية يأمره أن يبعث بما عنده من أسرى المسلمين في مركب إلى الجزائر وينتظر هنالك الباشدور الذي يوجهه من قبله حتى تكون المفاداة على يده وبعث السلطان لهذا الغرض كاتبه أبا العباس الغزال وصاحبيه وعند وصولهم إلى الجزائر أرسى مركب الإصبنيول بظاهر مرساها وأنزل من أسرى المسلمين ألفا وستمائة ونيفا فأخرج أهل الجزائر من أسرى النصارى مثلهم ألفا وستمائة ونيفا أيضا وبقيت عندهم من أسرى النصارى فضله ففداها الإصبنيول بالمال وانفصلوا ورجع الباشدور ومن معه إلى حضرة السلطان وكتب الله أجر ذلك في صحيفته ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة وألف فيها غزا السلطان قبائل تادلا لإفسادهم ومحاربة بعضهم بعضا فنهب أموالهم وشردهم في كل وجه وولى عليهم القائد صالح بن الرضي الورديغي فاستصفى أموالهم وأفقرهم حتى لم يقدروا على الانتقال من محل إلى آخر من قلة الظهر ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائة وألف فيها غزا السلطان برابرة جروان لما ظهر منهم من الفساد وإغرائهم ابنه المولى يزيد بالانتزاء على الملك واجتماعهم على محمد وناصر المعروف بمهاوش رأس الفتنة وتباريهم في خدمته فقدم من مراكش وطرقهم وادي كريكرة فأوقع بهم ونهب أموالهم وقتل منهم نحو الخمسمائة وتركهم عالة يتكففون الناس بمكناسة وفاس ثم نقلهم إلى بسيط آزغار وأنزلهم وسط العرب فانحسمت مادة فسادهم

حصار السلطان سيدي محمد بن عبد الله مدينة مليلية من ثغور الإصبنيول

لما كانت أواخر سنة أربع وثمانين ومائة وألف غزا السلطان سيدي محمد بن عبد الله مدينة مليلية وفيها نصارى الإصبنيول فأحاطت عساكره بها ونصب عليها المدافع والمهاريس وشرع في رميها أول يوم من المحرم سنة خمس وثمانين ومائة وألف واستمر على ذلك أياما فكتب إليه طاغية الإصبنيول يعاتبه على حصارها ويذكره المهادنة والصلح الذي انعقد بينه وبينه ويقول له هذا خط كاتبك الغزال الذي كان واسطة بيني وبينك في عقد الصلح لا زال تحت يدي فأجابه السلطان رحمه الله بأن قال إنما عقدت معك المهادنة في البحر فأما المدن التي في إيالتنا فلا مهادنة فيها ولو كانت فيها مهادنة لخرجتم إلينا ودخلنا إليكم فكيف ادعاء المهادنة مع هذه المداهنة فبعث إليه الطاغية عقد الصلح بعينه فإذا هو عام في البر والبحر فكف عن حربها وأفرج عنها وترك هنالك جميع آلات الحرب من مدافع ومهاريس وكراريص وبنب وكور وبارود وشرط على الطاغية حملها في البحر وردها إلى الثغور التي جلبت منها لما في جرها في البر من المشقة على المسلمين فأنعم بذلك وبعث مراكبه فحملت بعضها إلى تطاوين وبعضها إلى الصويرة وذلك محلها الذي سيقت منه وكان ذلك سبب تأخيره الغزال عن كتابته وبقي عاطلا إلى أن كف بصره ومات رحمه الله وسمعت من بعض فقهاء العصر وقد جرت المذاكرة في كيفية هذا الصلح فقال إن الغزال رحمه الله لما أعطى خط يده بالصلح والمهادنة كتب في الصك ما صورته وإن المهادنة بيننا وبينكم بحرا لا برا فلما حاز النصارى خط يده كشطوا لام الألف وجعلوا مكنانها واوا فصار الكلام هكذا بحرا وبرا وأن السلطان رحمه الله إنما أخره لاختصاره الكلام وإجحافه به حتى سهل على النصارى تحريفه وكان من حقه أن يأتي بعبارة مطولة مفصلة حتى لا يمكن تحريفها فيقول مثلا والمهادنة بيننا وبينكم إنما هي في البحر وأما البر فلا مهادنة بيننا وبينكم فيه أو نحو هذا من الكلام فيصعب تحريفه وقد نص أهل علم التوثيق على هذا وأن الموثق يجب عليه أن يبسط الكلام ما استطاع ويجتنب الاختصار المجحف وما يؤدي إليه بوجه من الوجوه والله أعلم

نهوض السلطان سيدي محمد بن عبد الله إلى برابرة آيت ومالو والسبب في ذلك

ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة وألف فيها خرج السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله إلى جبال آيت ومالو وكان ذلك في غرض قائده بلقاسم الزموري فإنه كان قد ولاه عليهم فلم يقبلوه فطلب من السلطان الإعانة عليهم فأمده بثلاثة آلاف فارس مضافة إلى من معه من إخوانه زمور وبني حكم وسار اليهم فلما نزل على وادي أم الربيع من ناحية تادلا زحفوا إليه فولى عنهم مدبرا ولم يعقب واتصل خبر هزيمته بالسلطان فاغتاظ على آيت ومالوا وأخذ في الاستعداد لغزوهم وبرزت العساكر بظاهر مكناسة وبعث السلطان إلى أمراء القبائل من العرب والبربر يستنفرهم فوافاه بمكناسة على الصعب والذلول ولما تكاملت الجنود نهض إليهم قال صاحب البستان وهو الكاتب أبو القاسم الصياني بالصاد المشممة زايا كلفظ صراط في قراءة حمزة وكنت معه في هذه السفرة وساق الحديث عنها بأن قال كنت مع السلطان وأنا يومئذ في حيز الإهمال أتوقع الموت في كل وقت بسبب ما كتب إليه في شأني القائد بلقاسم الزموري المذكور آنفا وأني أنا الذي أفسدت عليه قومه ولما وصل السلطان إلى محلة بلقاسم ونزلت عساكرة في بسيط كريكرة أشار على السلطان بأن يقسم تلك الجيوش على ثلاثة أقسام ثلث منها ينزل بتاسماكت من وراء العدو وثلث ينزل بزاوية أهل الدلاء على طريق بلادهم وثلث يذهب معه على طريق تيقيط ويتقدم السلطان في عساكره حتى ينزل بآدخسان وتقصدهم العساكر من كل وجه وقرب على السلطان الأمد البعيد باللسان والرأي الذي لا يفيد وكان هو لا يعرف البلاد ومن الغد افترقت العساكر فتوجه كل إلى ناحيته التي عينت له وتقدم السلطان إلى آدخسان ولما عبر وادي أم الربيع قدم كروان أمامه للغارة عليهم فساروا إلى أن بلغوا قصبة آدخسان فلم يجدوا بها نافخ نار فأقاموا هنالك إلى أن لحق بهم السلطان فقال أين هؤلاء قالوا ما رأينا أحدا وهذه قصبة آدخسان فأمر بنزل الجيوش وبقي هو على فرسه متحيرا فاستدعى أبا القاسم الصياني قال فأسرعت نحوه فقال لي أتعرف هذه البلاد قلت نعم أتم المعرفة قال وأين أهلها قلت في جبلهم قال أوليس هذا جبلهم وهذا آدخسان قلت لا هذه قصبة المخزن والجبل من تلك الثنايا السود فما خلفها وأريته الثنايا فقال وأين الزاوية التي سار إليها الجيش مع قدور بن الخضر ومسرور قلت هي عن يمين الثنايا في البسيط قال وأين تاسماكت التي سارت إليها أمم البربر مع ولد محمد واعزيز قلت بيننا وبينها مرحلتان من وراء الثنايا قال ومن أين يأتي القائد بلقاسم فأريته الثنية التي يطلع منها وقلت له إنه لا يصل إلينا إلا غدا إن سلم وما صنعنا نحن قلت ضربنا في حديد بارد فإن الذي بالزاوية لا يجدي والذي بتاسماكت لا يجدي وآيت ومالو متحصنون بالجبل وبلقاسم رجل مشؤوم عافى الله مولانا من شؤمه قال فظهر للسلطان خلاف ما سمع من بلقاسم وتحقق فساد رأيه وعلم أنه قد أخطأ فيما ارتكبه من التغرير بالمسلمين قال ثم بينت له السبب الذي نفر به آيت ومالو عن بلقاسم حتى عرفه قال اكتب إلى قومك صيان يقدموا علينا فإني قد سامحتهم فكتب إليهم وبعث بالكتاب من آدخسان مع بعض الأشراف واثنين من أصحاب السلطان فخاضوا إليهم الليل واجتمعوا بهم ومن الغد أصبح عندنا أربعة منهم بهديتهم فدخلت بهم على السلطان فأكرمهم وقبل هديتهم وقال إني سامحتكم لوجه كاتبي فلان وردهم مبشرين إلى إخوانهم وباتت العساكر تلك الليلة بلا علف ولا تبن ومن الغد ظهرت محلة بلقاسم ومعه مختار والعبيد وكانوا قد باتوا على القتال طول ليلتهم ولما وصلوا إلى السلطان أمر أن ينزل العبيد بجواره وينزل بلقاسم مع قومه زمور وبني حكم وأعرض عنه ثم أمره بتسريح إخوانه إلى بلادهم وسرح القبائل كلها إلى بلادها وفرق ذلك الجمع وأرتحل راجعا إلى تادلا وأما الذين نزلوا بتاسماكت مع ولد محمد واعزيز فبيتهم آيت ومالو بغارة شعواء شردوهم بها في كل وجه ونهبوا محلتهم وقتلوا منهم عددا كثيرا ورجعوا إلى مكناسة مفلولين ولما بات السلطان بالزرهونية ورد عليه أصحاب قدور بن الخضر بكتابه يقول فيه إن البربر قد تألبوا علينا من كل أوب فإن لم يدركنا سيدنا هلكنا قال الصياني فأمرني السلطان بالمسير إليهم والاحتيال في خلاصهم بكل ما يمكن وبعث معي مائة فارس فوافيت الزاوية الدلائية فوجدت قبائل البربر محيطة بهم فاجتمعت بآيت يسري ووعدتهم من السلطان بالعطاء الجزيل إن هم فسحوا لجيشة حتى يسلك في بلادهم فأنعموا بذلك ورحل الجيش مع الفجر وعدلنا به من آيت ومالو وعبرنا الوادي إلى بلاد آيت يسري وسار معنا نحو المائة من أعيانهم إلى أن أخرجونا إلى وادي تاقبالت من تادلا ورجعوا قال وتقدمت إلى السلطان فأخبرته بخلاص الجيش ووصوله إلى وادي تاقبالت فسره ذلك ودعا لي بخير وقال لا بد أن ترجع إليهم الساعة وأعطاني مالا أفرقه عليهم وأرسم لهم المنازل التي ينزلونها في مسيرهم إلى مكناسة وبها ينتظرون السلطان فرجعت إليهم في الحين وأخبرتهم برأي السلطان في المسير إلى مكناسة ورسمت لهم المنازل على نحو ما أمر ولما أصبحنا فرقت عليهم المال

وارتحلوا إلى مكناسة وانقلبت إلى السلطان فوجدته قد أصابته حمى أقام لها بقصبة تادلا وكان الطبيب أبو العباس أحمد آدراق يعالجه ولا يدخل عليه إلا أنا وهو وصاحب طعامه الحاج عبد الله إلى أن عوفي فوصل الطبيب بألف دينار ثم سافر إلى مكناسة وبوصوله إليها قبض على بلقاسم الزموري ونكبه واستصفى أمواله وولي على زمور وبني حكم ولد محمد واعزيز قال الصياني ومن ذلك الوقت رفع السلطان منزلتي على أقراني وصار يقدمني في المهمات ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة وألف فيها انعقدت الشروط بين السلطان وبين البرتغال وهي اثنان وعشرون شرطا مضمنها الصلح والأمان كالشروط المتقدمة

ذكر ما آل إليه أمر اليكشارية الذين استخدمهم السلطان من قبائل الحوز

لما جمع السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله هذا الصنف من رماة الجند وسماهم اليكشارية كالذين من قبلهم وكان جمعهم على يد القائد عبد النبي المنبهي حسبما سبق حصل منهم ضرر كبير للرعية في المال والحريم وصاروا يعيثون في غلل جناتهم مما يمرون به أيام أسفارهم حتى صار ذلك الفساد عندهم عادة وما من منزل يبيتون به إلا ويكلفون أهله ما لا يطيقون فإذا كلمهم أعيان الرعية في الرفق بالناس قالوا هذه عادة لا نتركها وهي من قوانين الدولة ولما علم السلطان بما يرتكبونه من العسف أسقطهم من الجندية ونزع منهم السلاح وردهم إلى المغرم مع إخوانهم وأراح الناس من شرهم ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة وألف فيها عزل السلطان القائد محمد بن أحمد البوزراري عن قبائل تامسنا وتادلا وما اتصل بهما ولم يترك له إلا إخوانه من أهل دكالة وولى على السراغنة أبا عبد الله محمد المعروف بالصغير وعلى أهل تادلا صالح بن الرضي الورديغي وعلى أولاد أبي رزك المزابي القائد صاحب الطابع وعلى أولاد أبي عطية عمر بن أبي سلهام المزابي وأمر محمد بن أحمد أن يقبض من إخوانه الذين كانوا عمالا على هذه القبائل ما احتجبوه من الأموال أيام ولايتهم واستصفى منهم مائة وخمسين ألفا

خروج العبيد على السلطان سيدي محمد بن عبد الله ومبايعتهم لابنه المولى يزيد وما نشأ عن ذلك

ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائة وألف فيها كانت الفتنة العظمى التي هي خروج العبيد على السلطان سيدي محمد بن عبد الله وبيعتهم لابنه المولى يزيد وكان السبب في ذلك أن السلطان كتب إليهم وهو بمراكش يأمرهم أن يعينوا منهم ألف كانون ينتقلون بأولادهم إلى طنجة يكونون بها وبعث إليهم بالكتاب مع القائد الشاهد رأس الفتنة وولاه على ذلك الألف فلما أتاهم بكتاب السلطان قال لهم لا يذهب معي إلا الأعيان ومن له دار وأرض وضيعة ولا يذهب معي إلا أمثالي فلما سمع اقتراحه أولئك الأجلاف ركبوا رأسهم في سبيل الخلاف واستفزهم الشيطان حتى صرحوا بخلع السلطان جريا في ذلك على مذهبهم القديم والتفاتا إلى فعل سلفهم الذميم فلما أنهى خبرهم إلى السلطان بعث إليهم ابنه المولى يزيد وكان عنده بمراكش كي يستصلحهم به فازداد فسادهم وعظم عنادهم قال صاحب البستان وكنت يومئذ برباط الفتح فلما ذهبت إلى مراكش لقيت المولى يزيد بالسانية موضع على نحو نصف يوم منها قال فسألني عن خبر العبيد فقصصته عليه فسره ذلك وجد في السير ففهمت قصده وعرفت ما يؤول إليه أمره فيهم وزعم أنه لما قدم على السلطان لامه في بعثه المولى يزيد فاعترف بالخطأ في ذلك ولما وصل المولى يزيد إلى مكناسة واجتمع بالعبيد لم يقدموا شيئا على بيعته والخطبة به ففتح بيوت الأموال وأعطاهم حتى رضوا ثم فتح مخازن السلاح والبارود ففرقه فيهم ثم دخل في بيعته من كان قريبا من قبائل العرب والبربر غير الودايا وآيت أدراسن وجروان الذين هم شيعة السلطان فإنهم تعصبوا له قال صاحب البستان وبعد ثلاث بعثني السلطان إلى الودايا وأحلافهم بمكاتيب فقدمت عليهم بها وأقمت عندهم إلى أن زحف إليهم المولى يزيد في جيش العبيد وهم بالأروى وكانت آيت أدراسن وجروان قد دخلوا مع الودايا وظاهروهم على العبيد فوقعت الحرب بالمشتهى داخل القصبة فانهزم العبيد وسلطانهم وقتل منهم نحو الخمسمائة وأما الجرحى فبلا عدد وانقلبوا مفلولين واتصل الخبر بالسلطان فخرج من مراكش في الجند وقبائل الحوز يريد مكناسة ولما وصل إلا سلا وسمع المولى يزيد بقدومه فر إلى ضريح الشيخ أبي الحسن علي بن حمدوش ثم إلى ضريح المولى إدريس الأكبر رضي الله عنه بزرهون فتقدم السلطان إلى زرهون ولما دخل الضريح الشريف أتاه أشراف زرهون بابنه المولى يزيد فعفا عنه وسامحه واستصحبه معه إلى مكناسة ولما وجه إليها خرج إليه نحو المائة من العبيد من ذوي أسنانهم ومعهم الأشراف والمرابطون والنساء والصبيان فعفا عنهم وسامحهم على شرط الخروج من مكناسة فأذعنوا وأقام السلطان بمكناسة يدبر أمرهم إلى أن فرقهم على الثغور فبعث منهم رحيين إلى طنجة ورحيين إلى العرائش ورحى إلى رباط الفتح وقصد بتفرقتهم دفع غائلتهم وتوهين عصبيتهم ثم عمد إلى الذين كانوا برباط الفتح ففرقهم أيضا فبعث ألفين منهم إلى السوس وألفا إلى مراكش وأبقى ألفين برباط الفتح مع عبيد مكناسة المغربين إليها واستراحت الدولة من شرهم استراحة ما ثم إن العبيد الذين بطنجة وثبوا على قائدهم القائد الشيخ وعلى قائد أهل الريف محمد بن عبد الملك وأرادوا قتلهما فهربا لآصيلا والسلطان يومئذ لا زال بمكناسة ولما أنهى إليه خبرهم كتب إلى أعيانهم يتوعدهم فقبضوا على أصحاب الفعلة وبعثوا بهم إليه وتبرؤوا منهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف فاستكانوا بعض الشيء ورجع القائدان إلى طنجة ثم لما سافر السلطان إلى مراكش أخذ معه عبيد مكناسة فأنزل أهل القصبة منهم بالمنصورية قرب وادي النفيفيخ لأنهم كانوا رأس العصاة واستصحب الباقين إلى مراكش فأنزلهم بها بعد أن عزل عنهم قوادهم الذين حضروا فعلة المولى يزيد وأبقاهم عاطلين مهملين وولى عليهم أناسا من غيرهم

ذكر ما سلكه السلطان سيدي محمد بن عبد الله في حق العبيد من التأديب الغريب

ثم إن العبيد الذين بالثغور عاثوا بها وأضروا بأهلها في جناتهم وأموالهم وأعراضهم فأنهى خبرهم إلى السلطان أيضا ولما أعياه أمرهم ورأى أن تأديبهم بالتفرقة لم يفد فيهم انتقل رحمه الله معهم إلى مرتبة أخرى من التأديب لم يسبق إليها كانت ترياقا لقطع دائهم ونارا لحسم عرق بلائهم وذلك أنه لما بلغه ما هم عليه من الجور والطغيان نهض من مراكش عازما على الإيقاع بهم فلما وصل إلى رباط الفتح كتب إلى أهل طنجة والعرائش منهم يقول إني قد رضيت عنكم وبررت قسمي في نقلكم من مكناسة إلى الثغور والآن إذا وصلتكم الإبل والبغال التي أبعثها إليكم فلتحمل أهل طنجة بأولادهم ومتاعهم وليقدموا إلى دار عربي من بلاد سفيان فلينزلوا بها ثم يبعثوا الإبل والبغال إلى أهل العرائش ليتحملوا بأولادهم ومتاعهم إلى دار عربي كذلك فإذا اجتمعتم أنتم وهم بها فإني أبعث إليكم بغالي تتحملون عليها إلى مكناسة كلكم فلما وصل إليهم كتاب السلطان بذلك طاروا فرحا وأحبوا الرجوع إلى مكناسة ولما وردت عليهم الإبل والبغال ارتحلوا من طنجة وفي أثناء ذلك

بعث إليهم السلطان قائدهم سعيد بن العياشي الذي خلعوه أيام الفتنة وأوصاه أن يقيم بدار عربي حتى يقدم عليه عبيد طنجة والعرائش فانتهى إليها ووافاه بها عبيد طنجة فنزلوا عليه بقضهم وقضيضهم ووصلت الإبل والبغال إلى أهل العرائش فجاؤوا حتى نزلوا مع إخوانهم كما رسم السلطان ثم إن السلطان رحمه الله نهض من رباط الفتح حتى وافى مشرع مسيعيدة من وادي سبو ثم انتقل منه إلى سوق الأربعاء من بلاد سفيان ثم تقدم إلى قبائل الغرب وبني حسن أن يسيروا إلى العبيد ويعسكروا عليهم من جميع الجهات فامتثلوا ولما استداروا حولهم وأحاطوا بهم إحاطة بياض العين بسوادها قدم السلطان ودعا رؤساء القبائل فحضروا عنده فقال لهم إني قد أعطيتكم هؤلاء العبيد بأولادهم وخيلهم وسلاحهم وكل مالهم فاقتسموهم الآن وكل واحد منكم يأخذ عبدا وأمة وأولادهما فالعبد يحرث والأمة تطحن والولد يرعى الماشية فحذوهم وتقلدوا سلاحهم واركبوا خيولهم والبسوا كساهم بارك الله لكم فيهم فأنتم عسكري وجندي دونهم فلما سمعت قبائل الغرب وبني حسن هذا الكلام من السلطان وثبوا على العبيد من غير أن تكون منهم وقفة واقتسموهم في أسرع من لحس الكلب أنفه وتوزعوهم شذر مذر وصيروهم عبرة لمن اعتبر وقفل السلطان راجعا إلى رباط الفتح ولما دخله نفى العبيد الذين بها إلى مراكش فأنزلهم بها بعد أن عزل عنهم قوادهم وولى مكانهم غيرهم واستمر عبيد طنجة والعرائش موزعين في القبائل أربع سنين ثم عفا عنهم واستردهم من القبائل إلى الجندية وأركبهم وكساهم وسلحهم لكنه ميزهم وجعلهم قبائل في الخلط وطليق منهم أنزلهم بقصر كتامة وسفيان وبنو مالك أنزلهم بمسيعيدة وبنو حسن أنزلهم بسيدي قاسم والحياينة وأهل الجبل أنزلهم بتامدرت من أعمال فاس وأقاموا هنالك عدة سنين يوجهون حصتهم في البعوث ويعسكرون مع السلطان متى احتاج إليهم ثم جمعهم رحمه الله بعد ذلك ونقلهم إلى مراكش وأقبل عليهم بالعطاء إلى أن عادوا أحسن مما كانوا حالا ثم بدا له فيهم فبعث عبيد السوس إلى تارودانت وعبيد حاحة والشبانات إلى الصويرة وعبيد السراغنة وتادلا ودمنات إلى تيط الفطر وعبيد دكالة إلى آزمور وعبيد الشاوية إلى آنفي وعبيد زعير والدغماء إلى المنصورية وعبيد بني حسن إلى المهدية وأبقى معه بمراكش عبيد سفيان وبني مالك والخلط وطليق والمسخرين من أصحاب العباس وكان قيام هؤلاء العبيد سببا لافتراق الكلمة وانحلال نظام الملك بالمغرب وسرى فسادهم في القبائل كلها عربا وبربرا وكثر الهرج وانحبس المطر ووقع القحط وعظمت المجاعة واستمر الحال على ذلك نحوا من سبع سنين من سنة تسعين إلى سنة ست وتسعين ومائة وألف فكانت هذه المدة كلها مجاعة أكل الناس فيها الميتة والخنزير والآدمي وفنى أكثرهم جوعا والسلطان في ذلك كله يكابد المشاق العظام ويصير على الجنود الأموال الثقال راتبا بعد راتب وعطاء بعد عطاء إلى أن خلصوا من المجاعة وصلحت أحوال الجماعة وكان رحمه الله قد رتب الخبز في كل مصر يفرق على ضعفائه في كل حومة وأسلف القبائل الأموال الطائلة يقتسمونها على ضعفائهم إلى أن يؤدوها زمان الخصب والرخاء ولما عاش الناس وهموا بأدائها سامحهم بها وقال ما أعطيتها بنية الاسترجاع وإنما ذكرت السلف لئلا يستبد بها الأشياخ والأعيان إذا سمعوا أنها هبة فرحم الله تلك الهمة الشريفة ما كان أعلاها وأعظمها وأرأفها وأرحمها وأسقط رحمه الله في تلك المدة جميع الوظائف والمغارم عن قبائل المغرب إلى أن عاشوا وتمولوا وكان يعطي التجار الأموال ليجلبوا بها الأقوات من بر النصارى فإذا وصلت أمرهم أن يبيعوها بثمنها الذي اشتريت به رفقا بالمسلمين وشفقة على الضعفاء والمساكين ولما دخلت سنة سبع وتسعين ومائة وألف مطر الغرب وعاش الناس وحرثوا وأدرك الزرع ورخصت الأسعار وازدهت الدنيا ودرت الجبايات وأخذ أمير المؤمنين رحمه الله في تمهيد المغرب ثانية واستئناف العمل والجد والله غالب على أمره

إيقاع السلطان سيدي محمد بن عبد الله بأولاد أبي السباع وتشريدهم إلى الصحراء وما يتبع ذلك

لما كان بالمغرب ما تقدم من الفتنة وشغل السلطان بإنعاش الضعفاء عن ضبط الأطراف وقمع البغاة بها نبغت نوابغ الفتن ببعض القبائل منها وعادت هيف إلى أديانها فمن ذلك قبيلة أولاد أبي السباع بأحواز مراكش فلطالما ارتكبوا العظائم واجترحوا وغدوا في الفتنة وراحوا واستطالوا على من بجوارهم وغزوهم في أرضهم وديارهم فلما كانت هذه السنة التي هي سنة سبع وتسعين ومائة وألف جهز إليهم السلطان العساكر فقاتلوهم وقتلوهم وانتهبوا أموالهم وشردوهم إلى السوس وقبض السلطان على كثير من أعيانهم فأودعهم سجن مكناسة إلى أن هلكوا به وأوعز إلى قبائل السوس أن يطردوا بقيتهم وينفوهم إلى بلاد القبلة مسقط رأسهم ومنبت شوكتهم وبأسهم ففعلوا ثم نقل قبيلة زمران بعد الإيقاع بهم إلى بلاد أولاد أبي السباع فعمروها ثم نقل تكنة ومجاط وذوي بلال من شوشاوة الحوز إلى الغرب فنزلوا بفاس الجديد وأعماله ثم أعاد آيت يمور من جبل سلفات إلى تادلا ثم نقل كطاية وسمكت ومجاط من تادلا إلى الغرب ثم أعاد جروان من آزغار إلى الجبل وفي هذه السنة أيضا كانت فتنة الدعي محمد والحاج اليموري كان يزعم أنه من الأولياء ويتكلم في المغيبات ويشيع أنه ينتظر صاحب الوقت فسرى فساده في قبيلته وتجاوزها إلى غيرها فقصده جهلة البربر من كل قبيل وأغرى آيت يمور بمن جاورهم من قبائل العرب وكانوا يومئذ لا زالوا بسلفات فتصدى لهم قائد سفيان أبو عبد الله محمد الهاشمي السفياني وجمع له الجموع من قبائل الغرب وصمد إليه وهو في قبيلة آيت يمور فعبر نهر سبو وأنشب الحرب معهم فكانت الدبرة عليه وانهزمت جموع الغرب وقتل القائد الهاشمي المذكور وعدد كبير من وجوه قومه وتركوا محلتهم بما فيها للبربر وعظم أمر هذا الدعي وشمخت أنوف قبيلته به وشرى ضلالهم ولما قدم السلطان إلى مكناسة بعث من قبض عليه وساقه إليه فقتله وأراح الناس من وساوسه وفي هذه السنة بعث السلطان ولده المولى عبد السلام لأداء فريضة الحج لأنه لم يكن أدرك الحلم عام حج مع أخيه المولى علي ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة وألف فيها غزا السلطان برابرة زمور وبني حكم فلما أظلهم قدومه انشمروا إلى شعاب تافودايت وتحصنوا بها فاحتال عليهم بأن قام عنهم وأوعز إلى آيت أدراسن وكروان أن يرصدوهم متى برزوا إلى الفضاء فلينهبوهم فلما توجه السلطان قافلا إلى مراكش خرجت زمور من شعابها فلم يرعهم إلا آيت أدراسن وكروان قد أحاطوا بهم فانتهبوا حللهم وتوزعوا أموالهم وتركوهم عالة يتكففون الناس

ذهاب السلطان سيدي محمد بن عبد الله إلى تافيلالت وتمهيده إياها والسبب في ذلك

كان الشريف المولى حسن بن إسماعيل عم السلطان مقيما بتافيلالت وكان آيت عطة وآيت يفلمان من برابرة الصحراء شيعة له فكان إذا حدث بينه وبين أشراف سجلماسة حادث استكثر بهم عليهم وحاربهم وربما قتل منهم وكان السلطان يبلغه بعض ذلك عنه فيسوءه إلا أنه كان يثقل عليه أن ينال عمه منه مكروه ولأنه كان مشغولا بما هو أهم فاستمر الحال إلى أن ترددت أشراف سجلماسة بالشكاية منه فلم يسع السلطان إلا زجره وقطع عادية بربره عن الأشراف فعزم على المسير بنفسه إلى سجلماسة وكان ابنه المولى يزيد يومئذ بالمغرب فلم يرد السلطان أن يتركه خلفه لئلا ينشأ عنه ناشيء فتنة فاحتال في إبعاده بأن وجهه إلى الحجاز لقضاء فريضة الحج في غير ركب بل أفرده عنه وأصحبه أمينا يصير عليه وأناسا قليلين يكونون في خدمته دفعا لغائلته ثم سافر السلطان إلى سجلماسة برسم زيارة تربة جده المولى علي الشريف رضي الله عنه وحسم داء عمه المولى حسن وشيعته ولما شارف السلطان تافيلالت قدم أمامه أبا القاسم الصياني لإخراج البربر من قصورهم في الأمان وإن كان عندهم ما يثقلهم من زرع أو تمر يعطيهم ثمنه لينقطع بذلك عذرهم وإن أقاموا حتى أدركهم السلطان بها فإنما إثمهم على أنفسهم فامتثل البربر الأمر وخرجوا إلى الصحراء ولم يأت السلطان حتى لم يبق منهم أحد بتلك القصور وأفرد المولى حسن وانكسرت شوكته ثم بعث إليه أبا القاسم الصياني أيضا يعرض عليه السكنى بمكناسة وينفذ له ما يكفيه من الظهر لحمل عياله وأثقاله قال الصياني فذهبت إليه وباشرت أمره إلى أن أجاب ومن الغد سرت به إلى مكناسة وأمرني السلطان أن أعطيه دارا يسكنها ورتب له ثلاثمائة مثقال لكل شهر ينفقها على نفسه وعياله وأمرني مع ذلك إذا فرغت من شأن عمه المذكور أن أصحب معي أولاده الثلاثة المولى سليمان والمولى حسن والمولى حسين وأن أصحب معهم قدرا من المال وعددا من المدافع والمهاريس والبنب وطائفة من الطبجية من علوج اللمان وألفا من عسكر الثغور رجاله لجر تلك المدافع والمهاريس قال فقضيت الغرض على ما ينبغي وعدت إليه وهو بسجلماسة بجميع ما أمرني به فبلغنا ونحن أثناء الطريق وفاة ولد السلطان وخليفته بفاس المولى علي بن محمد وكان من سادة العلويين ونجبائهم ومن أهل المروءة والأوصاف المحمودة عقلا وعلما وأدبا وكرما وعلو همة زاد في البستان وكان مجلسه مجمع الفضلاء والأدباء والنبلاء يتشبه بأخلاق المولى محمد العالم ابن المولى إسماعيل في كرمه وأدبه وكان له اعتناء كبير بنسخ كتب العلم الغريبة وكتب الأدب وكان كثيرا ما يبعث بأشعاره ومخاطباته لأهل عصره وأدباء وقته من الفاسيين والبكريين والقادريين كما كان المولى محمد العالم مشغوفا بأشعار أولاد السلطان صلاح الدين بن أيوب الكردي رحم الله الجميع ولما بلغ أولاد السلطان إلى أطراف سجلماسة قدموا الأعلام إلى السلطان واستأذنوا في التقدم فخرج رحمه الله لملاقاتهم وأمر الأشراف وسائر أهل البلد أن يخرجوا للسلام عليهم ويشاهدوا آلة الحرب التي ليست ببلادهم فخرجوا وخرج السلطان في موكبه وركبت العساكر خلفه في أحسن زي وأكمل ترتيب فكان ذلك اليوم من أيام الزينة ولما قضى غرضه من سجلماسة وثقف أطرافها ورتب عربها وبربرها وحسم داء آيت عطة وآيت يفلمان ولى عليهم القائد علي بن حميدة الزراري من كبار قواده وأعيان دولته ثم نهض السلطان إلى مراكش بعد أن أقام بسجلماسة شهرا وكان سلوكه إلى مراكش على طريق الفائجة قال صاحب البستان وكان قد ردني إلى الغرب لآتيه بجيش من أولاد عبيد الثغور ألقاه بهم بمراكش ليزيدهم في جيشه ويقبضوا السلاح والكسوة بها ولما انتهى السلطان في طريقه إلى ثنية الكلاوي نزل عليه الثلج الكبير فسد المسالك وتفرقت العساكر في كل وجه وحال الثلج بينهم وبين أخبيتهم ورحالهم وبات السلطان منتبذا ناحية عن مضاربه وقبابه معزولا عن طعامه وشرابه ولم تلتق طائفة من العسكر مع صاحبتها إلى أن طلعت الشمس فرفع الله عنهم الثلج وأصبح ذلك اليوم عيد الأضحى فخطب السلطان الناس بنفسه ودعا للسلطان عبد الحميد بن أحمد العثماني ودخل مراكش سالما معافى وسلم الله العسكر من ذلك الثلج فلم يهلك منه أحد والحمد لله

خروج السلطان سيدي محمد بن عبد الله إلى الصويرة بقصد النزهة واغتنام الراحة وما اتفق له في ذلك

لما قدم السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله من سجلماسة إلى مراكش أقام بها إلى أن دخل فصل الربيع فاعتزم على الخروج إلى الصويرة والوقوف عليها ومعاينة مبانيها ومعالمها إذ كان له ولوع بهذه المدينة التي أنشأها واغتبط بها وقصد أيضا زيارة رجال رجراجة بالساحل والتبرك بآثارهم وكانت سفرته هذه سفرة فرجة وجمام نفس واغتنام لذة فأشخص معه جماعة من علماء العصر وأئمته فكان يملي عليهم الحديث النبوي ويؤلفونه على مقتضى إشارته منهم الفقيه العلامة المشارك أبو عبد الله محمد بن الإمام سيدي عبد الله الغربي الرباطي والفقيه العلامة المحقق أبو عبد الله محمد المير السلاوي والفقيه الدراكة أبو عبد الله محمد الكامل الرشيدي والفقيع العلامة أبو زيد عبد الرحمن أبو خريص هؤلاء أهل مجلسه الذين كانوا يؤلفون له ويسردون ويخوضون فيما يجمعه ويستخرجه من كتب الحديث التي جلبها من المشرق كمسند الإمام أحمد ومسند أبي حنيفة وغيرهما وكان معه جماعة وافرة من الكتاب المعتبرين في الإنشاء والترسيل كالسيد المهدي الحكاك المراكشي والسيد عبد الرحمن بن الكامل المراكشي والسيد أحمد بن عثمان المكناسي والسيد أحمد الغزال الفاسي والسيد محمد سكيرج الفاسي والسيد الطاهر بناني الرباطي والسيد الطاهر بن عبد السلام السلاوي والسيد سعيد الشليح الجزولي والسيد إبراهيم إقبيل السوسي وصاحب البستان أبي القاسم الصياني وغيرهم وكان خروجه لهذه الفرجة سنة ثمان وتسعين ومائة وألف في فصل الربيع فضربت قبابة بظاهر مراكش ثم ضرب عليها السياج المحيط بها المسمى بأفراك وفي وسط تلك القباب القبة العظمى التي أهداها إليه طاغية الفرنج وكانت مبطنة بالديباج ومحاريبها من الموبر الحر المختلف الألوان وسفائفها من الكالون والإبريز وأطنابها من الحرير الصافي زعموا أن مبلغ ما صير عليها الطاغية نحو خمسة وعشرين ألف دينار ومصداق ذلك أن تفاحتها التي تكون في أعلى العامود وتسميها العامة بالجمور كانت من الذهب الخالص وزنها أربعة ألاف مثقال ذهبا وكان السلطان رحمه الله قد أخرجها في هذه النوبة ابتهاجا بها وخرج معه الخاصة من القواد والكتاب وغيرهم بفازاتهم الرفيعة ومضاربهم البديعة ثم توجه في ذلك الموكب العجيب يرتاد البلاد النزهة والأماكن البهجة التي تروق الطرف وتستغرق الوصف وتبسط النفس وتجلب الأنس فأقام شهرين كاملين يتقلب في تلك البسائط ويستوفي اللذات ويتقرى المعاهد ويقتنص الطائر والشارد إلى أن وصل إلى ثغر الصويرة فوقف عليه وقضى غرضه منه على الوجه الأكمل وانقلب راجعا إلى حضرته فاجتاز في طريقه برباط شاكر وهو من مزارات المغرب المشهورة وكان مجمعا للصالحين من قديم الزمان ووقع في التشوف أن شاكرا الذي ينسب إليه هذا الرباط من أصحاب عقبة بن نافع الفهري فاتح المغرب وأنه هنالك فلما مر به السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله في سفرته هذه أمر بتجديد مسجده وحفر أساسه وتشييده وفي قفوله طلع مع وادي نفيس إلى أن بلغ مدينة أغمات فزار ضريخ الشيخ أبي عبد الله الهزميري وغيره من صلحائها ونزل بمحلته تحت القرية ولما استقر به المنزل جاءه جماعة من أهلها مع قاضيهم بكبش جيد وآنية فيها شيء من الشهد فدخل القاضي على السلطان ولما مثل أمامه أنسه السلطان بالكلام وسأله عن أشياخه فأجاب بما لا طائل تحته فقال السلطان للحاجب ابعث بالقاضي إلى خباء القاضي أبي زيد عبد الرحمن بن الكامل وهو الذي يتوجه قاضيا مع المحلة إلى السوس إن شاء الله فأنزله عليه وادفع له هذا الكبش وهذا العسل فسار الحاجب بالقاضي وبالكبش والعسل إلى خباء قاضي العسكر أبي زيد بن الكامل وأمره أن يكرم القاضي ليلته ومن الغد ارتحل السلطان قافلا إلى مراكش فلما تعالى النهار نزل على وادي نفيس وضرب له هنالك صيوان الراضة على شاطىء النهر ثم استدعى القاضي أبا زيد وسائر الكتاب ولما جلسوا بين يديه سأل القاضي على وجه المداعبة وقال له بم أجزت ضيفك على كبشه وعسله فتلعثم في الجواب وعلم أن السلطان قصد اختباره بذلك وأنه لم يصنع شيئا حيث أهمل أمره ولما رأى رحمه الله خجلته قال فلعلك لم تجزه فلو مدحته على كبشه وعسله لصادفت المقصود وخرجت من العهدة وما بعثت إليكم إلا بسبب هذا الكبش والعسل فإني سهرت ليلتي ولم أنم وذكرت ما اتفق للمنصور السعدي مع كتابه في مثل هذه القضية وعلمت أنه لم يبق في وقتنا هذا كتاب ولا أدباء ولا أمراء وسأسمعكم ما اتفق للمنصور في زيارته هذه القرية الأغماتية ثم أمر كاتبه ابن المبارك أن يقرأ عليهم ما حكاه الفشتالي في مناهل الصفا عن خروج المنصور السعدي إلى أغمات بقصد الزيارة والنزهة وما اتفق للقاضي أبي مالك عبد الواحد الحميدي مع من أهدى له الكبش والعسل من الشعر والذي شايعه عليه جماعة من كتاب الدولة وقد ألممنا بخبر هذه الخرجة للمنصور عند ذكر أخباره حسبما مر وقد ذكر صاحب النزهة أبيات الحميدي ومن قفا نهجه من الكتاب فلتنظر هنالك فقرأ الكاتب المذكور الترجمة كلها على الكتاب حتى سمعوها وعاب السلطان عليهم تقصيرهم في قضيتهم الموافقة لها وفي ظني أن السلطان رحمه الله أمرهم بنسخ ذلك ومراجعته تحريكا لهمتهم والله أعلم

ذكر السبب الذي هاج غضب السلطان سيدي محمد بن عبد الله على ابنه المولى يزيد رحمه الله

ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائة وألف فيها قدم ولد السلطان المولى عبد السلام من الحجاز فولاه السلطان رحمه الله تارودانت والسوس وما إليها ثم لما حضر زمان خروج الركب الحجازي أحضر السلطان صهره وابن عمه المولى عبد الملك بن إدريس وكاتبيه أبا عبد الله محمد بن عثمان المكناسي وأبا حفص عمر الوزريق وشيخ الركب أبا محمد عبد الكريم بن يحيى وحملهم على وجه الأمانة مالا لأشراف مكة والمدينة وسائر الحجاز واليمن وقدره ثلاثمائة ألف ريال وخمسون ألف ريال وبعث معهم صلات أخر لأناس معينين في حقاق مختوم عليها مكتوب على كل واحد منها اسم صاحبه وأمرهم أن يذهبوا أولا إلى القسطنطينية حتى يكون مسيرهم إلى الحجاز مع أمين الصرة الذي يوجهه السلطان العثماني إلى الحرمين كل عام وإنما ارتكب السلطان هذه المشقة حذرا من ابنه المولى يزيد أن يعترضهم في الطريق وينتزع منهم المال فبعثهم السلطان في البحر في بعض قراصين السلطان عبد الحميد وكتب إليه أن يبعثهم مع أمين صرته فلما وصلوا إلى القسطنطينية وجدوا أمين الصرة قد سافر بالركب إلى الحجاز فأقاموا بها إلى العام القابل وحينئذ سافروا صحبة الركب ولما وصلوا إلى المدينة المنورة فرقوا على أهلها وعلى سائر شرفاء الحجاز حظهم من المال ولما وصلوا إلى مكة وجدوا المولى يزيد بها يترصدهم ففرقوا على أهل مكة حظهم وبقي عندهم حظ اليمن والحقاق التي فيها صلات الذهب فتغفلهم المولى يزيد وقت القيلولة وهجم عليهم في جمع من أصحابه وهم بدار شيخ الركب عبد الكريم بن يحيى فانتزع منهم ما قدر عليه وأخذ الحقاق وذهب فذهب شيخ الركب والمولى عبد الملك والكاتبان إلى أمير مكة الشريف سرور وأخبروه الخبر فبعث أعوانه إلى المولى يزيد فحضر عنده وألزمه رد المال وتهدده فرد البعض وجحد البعض فبسبب هذا فيما قيل غضب السلطان عليه وتبرأ منه وكتب بالبراءة منه مناشير بعث بها إلى الآفاق فعلق أحدها بالكعبة والآخر بالحجرة النبوية والثالث ببيت المقدس والرابع بضريح الحسين بمصر والخامس بضريح المولى علي الشريف بتافيلالت والسادس بضريح المولى إدريس بزرهون والسابع بضريح المولى إدريس بفاس وكتب إلى السلطان عبد الحميد بأن لا يقبله إذا أوى إليه واستمر المولى يزيد مقيما بالمشرق ولم يقدر أن يواجه أباه لسوء صنيعه إلى سنة ثلاث ومائتين وألف كما سيأتي إن شاء الله وفي هذه السنة أعني سنة تسع وتسعين ومائة وألف أسر أهل الجزائر نصرانية من قرابة طاغية الإصبنيول كانت متوجهة في مركبها من أصبانيا إلى نابل لزيارة ابن عمها الذي هو صاحب نابل فلما عرف أهل الجزائر محلها من قومها امتنعوا من فدائها بكل وجه فكتب طاغية الإصبنيول إلى السلطان رحمه الله يسأله أن يشفع له في فدائها بكل ما يطلبون فأسعفه وكتب لصاحب الجزائر في شأنها فاعتذر إليه بأن النصرانية في سهم العسكر ولا يمكنه إكراههم على فدائها فلما رد صاحب الجزائر شفاعة السلطان كتب إلى السلطان عبد الحميد بذلك فكتب عبد الحميد رحمه الله إلى أهل الجزائر يوبخهم على رد شفاعة السلطان ويقول لهم إن الواجب أن تسرحوها له بدون مال وما عسى أن يبلغ ثمن هذه النصرانية ولو طلب مني سلطان المغرب ألف نصرانية لبعثتها إليه وحتى الآن نأمركم أن تبعثوا إليه بهذه النصرانية ولو كانت هي الملكة ولا تقبضوا فيها فداء أو ما رأيتم ما افتكه ملك المغرب من أسرى الترك من كل جنس حتى لم يبق في أسر الكفار مسلم وأنتم تردون شفاعته في نصرانية لا بال لها فلا تعودوا لمثل هذا فيكون سببا لتغير باطننا عليكم والسلام ولما ورد عليهم فرمان السلطان عبد الحميد لم يسعهم إلا إرسال النصرانية إلى حضرة السلطان رحمه الله وكتبوا إليه بالاعتذار وقالوا إنما امتنعنا من فدائها خوف بلوغ خبرها إلى ملكنا فلم نر أن نفتأت عليه وذلك هو الواجب علينا من طريق الخدمة والطاعة فنحب من سيدنا أن يقبل عذرنا ولا يظن بنا خلاف هذا والسلام

ذكر ما كان من السلطان سيدي محمد بن عبد الله إلى أهل زاوية أبي الجعد حماها الله

هذه الزاوية من أشهر زوايا المغرب ولها الفضل الذي يفصح عنه لسان الكون ويعرب تداولها منذ أزمان فحول أكابر ورثوا مقام الولاية والرياسة بها كابرا عن كابر قد عرف لهم ذلك السوقة والملوك والغني والصعلوك ولم تزل الملوك من هذه الدولة وغيرها تعاملهم بالإجلال والإعظام والتوقير والاحترام ولما كانت دولة السلطان الجليل الماجد الأصيل نقم على كبيرها لوقته المرابط البركة أبي عبد الله سيدي محمد العربي بن الشيخ الأكبر سيدي المعطي بن الصالح بعض ما ينقمه الأمير على المأمور والإنسان غير معصوم والمخلوق ناقص إلا من أكمله الله فاتفق أن كان السلطان رحمه الله قافلا في هذه السنة من رباط الفتح إلى مراكش فجعل طريقه على تادلا ونزل على زاوية أبي الجعد فأمر على ما قيل بهدمها وطرد الغرباء الملتفين على آل الشيخ بها ثم نقل سيدي العربي المذكور وعشيرته إلى مراكش فأسكنهم بها واستمروا على ذلك إلى أن توفي السلطان سيدي محمد رحمه الله وبويع ابنه المولى هشام بن محمد بمراكش فأذن لهم في الذهاب إلى بلادهم فعادوا إلى زاويتهم واطمأنوا

بها برهة من الدهر ولما كانت دولة السلطان المولى سليمان بن محمد نقم أيضا على سيدي العربي المذكور أمورا نقلها إليه الوشاة عنه فأمر بنقله إلى فاس بعد مكاتبات ومعاتبات يطول جلبها فانتقل إليها وأقام بها مدة ثم سرحه إلى بلاده ثم دخلت سنة مائتين وألف فيها بعث السلطان سيدي محمد رحمه الله كاتبه أبا القاسم الصياني باشدورا إلى السلطان عبد الحميد العثماني بهدية عظيمة من جملتها أحمال من سبائك الذهب الخالص مثل بارات الحديد وكان السلطان رحمه الله يقصد بمثل ذلك الفخر على الملوك وإظهار الغنى وكمال الثروة وذلك من غريب السياسة لمن أقدره الله عليها فقدم أبو القاسم القسطنطينية وألفى بها عبد الملك بن إدريس وشيخ الركب والكاتبين لا زالوا مقيمين بها ينتظرون الموسم من العام القابل قال فأقمت بالقسطنطينية ثلاثة أشهر وعشرة أيام وقضيت الغرض وانقلبت إلى السلطان وبعث معي السلطان عبد الحميد أحد خدامه بهدية إلى السلطان رحمه الله قال ولما قدمنا على السلطان نوه بقدري وقال لا أوجه الهدايا للعثماني إلا معك وكان الرئيس الطاهر بن عبد الحق فنيش السلاوي حاضرا وقال لا أوجه القراصين الحربية إلا مع الطاهر يسليه بذلك قال وسألني عن مقدار راتب عسكر الترك الذي يقبضونه في كل ثلاثة أشهر فقلت له ستون أوقية لكل واحد فاستقل ذلك فقلت له إنه لا يكلفهم في أيام الغزو بمؤنة ولا علف خيل كل أمور السفر عليه ثم ذكر الصياني هنا كلاما طويلا في وصف القسطنطينية العظمى وحال أهلها خارجا عن موضوع كتابنا هذا والله الموفق

ذكر عدد عسكر الثغور في دولة السلطان سيدي محمد بن عبد الله وما كان يقبضه من الراتب

كان بثغر الصويرة أيام السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله ما بين جيش وطبجية وبحرية ألفان وخمسمائة وبآسفي مائتان من الطبجية ومائتان من البحرية وبتيط خمسمائة من العبيد وبآزمور خمسمائة منهم كذلك وبآنفي ألفان من العبيد وبالعدوتين ألفان من الطبجية والبحرية وبالمهدية ألفان وخمسمائة من العبيد وبالعرائش ألف وخمسمائة ما بين جيش وطبجية وبحرية وبآصيلا والساحل مائتان ما بين طبجية وبحرية وبطنجة ثلاثة آلاف وستمائة من أهل الريف وبتطاوين ثمانمائة ما بين جيش وطبجية وبحرية فكانت جملة عساكر الثغور ستة عشر ألفا وخمسمائة وراتبهم ثلاثين أوقية لكل واحد في كل ثلاثة أشهر من حساب مثقال للرأس في كل شهر وكانوا في ابتداء الأمر يقبضون راتب كل شهر عند انتهائه فلما كانت هذه السنة أعني سنة مائتين وألف أنعم السلطان رحمه الله على عساكر الثغور بتعجيل راتب خمس عشرة سنة بحساب مثقال للرأس في كل شهر وهذا مال له بال فإنه يقارب ثلاثة ملايين فعل ذلك رحمه الله إعانة لهم وتوسعة عليهم ثم أمر أن يجعل في كل مرسى من مراسي المغرب بيت مال وعند تمام كل ثلاثة أشهر يفتح بيت المال ويعطي لعسكر ذلك الثغر ثلاثون أوقية للرأس حضروا أم غابوا إعانة لهم على عيالهم وأما عطاء الغزو وعطاء عاشوراء والصلات والصدقات فكان يبعث بذلك كله من عنده لا من بيوت الأموال واستمر الحال على ذلك إلى أن توفي رحمه الله فوثب عبيد الثغور على بيوت أموالها وفتحوها واكتسحوها ثم ساروا إلى مكناسة مسقط رأسهم وكان ذلك بإشارة المولى يزيد رحمه الله ثم دخلت سنة إحدى ومائتين وألف فيها غزا السلطان قبيلة شراقة بأحواز فاس فنهبهم وشردهم فلجؤوا إلى ضريح الشيخ أبي الشتاء بفشتالة فعفا عنهم ثم سار إلى الحياينة فأطلق الجيش في زروعهم فحصدوها ودرسوها واستصفوها عن آخرها ثم جرد الخيل في طلبهم فاكتسحوا حللهم وأثاثهم قال صاحب البستان وكنت يومئذ قد توجهت بجيش إلى عامل وجدة أبلغه إياه فلما رجعت أدركت السلطان ببلاد الحياينة فقلدني ولاية تازا وأعمالها فسرت إليها وأقمت بها سنة كاملة وفي هذه السنة قدم ولد السلطان المولى مسلمه بن محمد من المشرق مفارقا لأخيه المولى يزيد ثم دخلت سنة اثنتين ومائتين وألف فيها أرسل السلطان رحمه الله إلى آيت عطة يأمرهم أن يبعثوا بستمائة رجل منهم وبأربعمائة من عبيد تافيلالت فالمجموع ألف ليكسوهم ويسلحهم ويستعملهم في خدمة البحر وجنديته فبعثوا بهم إليه قال صاحب البستان ولما قدموا عليه بمكناسة استدعاني من تازا فقدمت عليه فأمرني أن أتوجه بهم إلى تطاوين كي يقبضوا السلاح والكسوة بها ثم أسير بهم إلى طنجة يكونون بها وأمرني أن أكون أتعاهدهم بركوب الغلائظ العشرين التي بمرساها والخروج بها إلى البوغاز وسواحل أسبانبا والتردد فيها بينهما ليتدربوا على البحر ويتمرنوا به قال فذهبت بهم إلى تطاوين على ما رسم السلطان رحمه الله فأخذوا السلاح والكسوة ونفذنا إلى طنجة فأقمنا بها شهرين وكل يوم يركبون السفن ويتطاردون بها فيما بينهم فتارة يخرجون إلى البوغاز وتارة يطرقون سواحل أصبانيا وتارة يرجعون إلى أن زالت عنهم دهشة البحر وفارقهم ميده وألفوه ولما أقبل فصل الشتاء كتب إلى السلطان بالقدوم بهم فلما حللنا مكناسة أمر رحمه الله بعمارة المشور لدخولنا عليه فلما مثلنا بين يديه دنا منا إلى أن كان في وسطنا وكلم البربر بلسانهم وسألهم عن حالهم في سفرهم فذكروا خيرا فسره ذلك منهم ونشط ثم قال لهم هذا كاتبي وصاحبي قد وليته عليكم وعلى أولادي وبني عمي وسائر أهل الصحراء فاسمعوا له وأطيعوا قال ففزعت وخرس لساني وفهم السلطان عني الكراهية لذلك ثم دخل بستانه وبعث إلى فدخلت عليه فقال لي طب نفسا ولولا أني أحبك ما وليتك على أولادي وأهل بيتي وإني لا أستغني عنك وهذا ابن حميدة الذي وليناه بسجلماسة لم تظهر له ثمرة وكل يوم يأتيني بشكوى بولدي الحسين وتطاوله على الناس ولا يمنعه من ذلك وما وليتك عليهم إلا لهذا الغرض فإنهم يهابونك لمحلك مني ثم كتب إلى جميع أولاده وأعيان سجلماسة وأمر لي بمال الصائر والبناء وعينه ثم ودعته وانفصلت فخرجت من مكناسة إلى فاس ثم منها إلى سجلماسة فدخلتها واستوطنتها وجاء العامل الذي كان بها قبلي حتى قدم على السلطان فقبض عليه ونكبه

قدوم المولى يزيد من المشرق واحترامه بضريح الشيخ عبد السلام ابن مشيش رضي الله عنه والسبب في ذلك

لما كانت سنة ثلاث ومائتين وألف قدم ولد السلطان المولى يزيد بن محمد من المشرق في ركب الحاج الفيلالي وقصد سجلماسة فلما كان بقرية أبي صمغون لقيه رفقة من أهل سجلماسة فسألهم عن البلاد وأهلها ومن المتولي عليها قالوا أبو القاسم الصياني فلما سمع المولى يزيد ذلك سقط في يده ووجم ثم التفت إلى شيخ الركب الشريف المولى عبد الله بن علي والي الأشراف الذين معه فقال لهم إني كنت عازما على الوصول معكم إلى بلدكم والاستيجار بضريح جدي المولي علي الشريف وأبعث مع أعيان بني عمي وذوي أسنانهم من يشفع لي عند أبي والآن حيث كان الوالي بهذه البلدة هو الصياني فلا يستقيم لي معه أمر ولا يخيط بيني وبين والدي بخيط أبيض وهؤلاء عيالي فخذوهم بارك الله فيكم واذهبوا بهم مع أصحابي ينزلون بدار أخي المولى سليمان ويكونون بها وأما أنا فسأسير إلى ضريح الشيخ عبد السلام بن مشيش أكون به حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا ثم قدم عياله مع أصحابه في جملة الركب وكتب إلى أخيه المولى سليمان يوصيه بعياله خيرا وكتب أيضا إلى شقيقته المولاة حبيبة بالرتب وإلى بني عمه الذين هنالك وبعث بالمكاتيب مع أصحابه ولما وصل الركب إلى بلاد القنادسة تقدم أحد أصحابه بالمكاتيب إلى المولى سليمان ولما قرأها توقف ولم يدر ما يصنع ثم جاء بها إلى أبي القاسم الصياني وأخبره الخبر وقال إن والدي غاضب عليه وإن أنا قابلت عياله فربما ألحقني به فما العمل فكتب أبو القاسم إلى شيخ الركب ينهاه عن استصحاب عيال المولى يزيد معه وحذره غضب السلطان عليه وقال له إن أردت السلامة لنفسك فابعث بالعيال إلى المولاة حبيبة بالرتب والسلام ولما وصل كتابه إلى شيخ الركب وكانت فيه غفلة نجع فيه كلامه فحبس الركب إلى أن وصل أصحاب المولى يزيد بعياله فبعث معهم من يدلهم على طريق الرتب فسلكوا على وادي كثير ونزلوا عند المولاة حبيبة وكتب أبو القاسم الصياني بالخبر إلى السلطان فزعم أنه استحسن فعله ثم أمره أن يهيىء الظهر والزاد ويبعث بهما إلى عيال المولى يزيد مع ثلاثين من العبيد ليأتوا بهم إلى دار الدبيبغ يكونون بها مع أمه وكان السلطان قد أخرجها من الدار وأسكنها بدار الدبيبغ ففعل الزياني ذلك كله وبهذه القضية كان المولى يزيد يعتد على الصياني حتى أنه لما أفضى إليه الأمر قبض عليه وضربه وامتحنه ولما وصل المولى يزيد إلى ضريح الشيخ عبد السلام رضي الله عنه بعث جماعة من أشراف العلم للشفاعة فيه فأمرهم السلطان أن يأتوا به فراودوه على الإتيان فامتنع ثم بعث إليه ثانيا فأبى ثم ثالثا فأبى فكتب إليه بالعفو مرارا فلم يقبل وتصدى للخلاف وكشف وجه العصيان وصار يكتب لوالده بما يحفظه هكذا زعم الصياني ولا يخفى أن الرجل كان مناوئا له فلا ينبغي أن نسمع منه جميع ما ينسبه إليه والله أعلم بحقيقة الأمر ثم إن السلطان بعث إليه شقيقه المولى مسلمة في عسكر وأمره أن ينزل بقربه ويضيق عليه ويمنعه النزول من الحرم ثم بعث إليه عسكرا آخر مع القائد العباس البخاري فنزلوا بقرب الحرم من الناحية الأخرى وضيقوا عليه حتى منعوه التصوف بكل حال وفي مدة مقامه هنالك أخذ في تأسيس داره وبناء مسجده ولا زالت جدرانها قائمة أسفل الجبل إلى الآن واستمر المولى يزيد محصورا هنالك إلى أن بلغه خبر وفاة أبيه رحمه الله فكان من أمره ما نذكره إن شاء الله

وفاة أمير المؤمنين سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله

لما اعتصم المولى يزيد بضريح الشيخ عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه وراوده السلطان على النزول مرارا فأبى نهض إليه من مراكش وأراد أن يحضر عنده بنفسه لعله تسكن نفسه ويذهب ما بصدره من الجزع والنفرة وكان عند خروجه من مراكش به مرض خفيف فتحمل المشقة وجد السير فتزايد به المرض في الطريق فوصل إلى أعمال رباط الفتح في ستة أيام فأدركته منيته رحمه الله وهو في محفته على نحو نصف يوم أو أقل من رباط الفتح فأسرعوا به إلى داره من يومه ذلك وهو يوم الأحد الرابع والعشرون من رجب سنة أربع ومائتين وألف ومن الغد اجتمع الناس لجنازته وانحشروا من كل وجه فجهز ودفن بقبة من قباب داره وتأسف الناس لفقده خاصة وعامة رحمه الله ورضي عنه

بقية أخبار السلطان سيدي محمد ابن عبد الله ومآثره وسيرته

كان السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله محبا للعلماء وأهل الخير مقربا لهم لا يغيبون عن مجلسه في أكثر الأوقات وكان يحضر عنده جماعة من أعلام الوقت وأئمته منهم الفقيه العلامة المشارك أبو عبد الله محمد ابن الإمام سيدي عبد الله الغربي الرباطي والفقيه العلامة المحقق أبو عبد الله سيدي محمد المير السلاوي والفقيه الدراكة أبو عبد الله محمد الكامل الرشيدي والفقيه السيد أبو زيد عبد الرحمن المدعو بأبي خريص هؤلاء هم أهل مجلسه الذين كانوا يسردون له كتب الحديث ويخوضون في معانيها ويؤلفون له ما يستخرجه منها على مقتضى إشارته وكانت له عناية كبيرة بذلك وجلب من بلاد المشرق كتبا نفيسة من كتب الحديث لم تكن بالمغرب مثل مسند الإمام أحمد ومسند أبي حنيفة وغيرهما وألف رحمه الله في الحديث تآليف بإعانة الفقهاء الذين ذكرناهم آنفا منها كتاب مساند الأئمة الأربعة وهو كتاب نفيس في مجلد ضخم التزم فيه أن يخرج من الأحاديث ما اتفق على روايته الأئمة الأربعة أو ثلاثة منهم أو اثنان فإذا انفرد بالحديث إمام واحد أو رواه غيرهم لم يخرجه وهذا المنوال لم يسبق إليه رحمه الله وكان كثيرا ما يجلس بعد صلاة الجمعة في مقصورة الجامع بمراكش مع فقهائها ومن يحضره من علماء فاس وغيرهما للمذاكرة في الحديث الشريف وتفهمه ويحصل له بذلك النشاط التام وكان كثيرا ما يتأسف أثناء ذلك ويقول والله لقد ضيعنا عمرنا في البطالة ويتحسر على ما فاته من قراءة العلم أيام الشباب ولما فاته الاشتغال بفنون العلم في حال الصغر اعتكف أولا على سرد كتب التاريخ وأخبار الناس وأيام العرب ووقائعها إلى أن تملى من ذلك وبلغ فيه الغاية القصوى وكاد يحفظ ما في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني من كلام العرب وشعراء الجاهلية والإسلام ولما ولاه الله أمر المسلمين بعد وفاة والده زهد في التاريخ والأدب بعد التضلع منهما وأقبل على سرد كتب الحديث والبحث عن غريبها وجلبها من أماكنها ومجالسة العلماء والمذاكرة معهم فيها ورتب رحمه الله لذلك أوقاتا مضبوطة لا تنخرم حذا بها حذو المنصور السعدي في أوقاته المرسومة عند الفشتالي في مناهل الصفا حتى أنه كان إذا خرج لزيارة أو صيد أو نزهة أيام الربيع وأقام الأسبوع ونحوه فإذا حانت الجمعة ودخل تحرى النزول بمنازل المنصور التي كان ينزل بها وقت خروجه لزيارة أغمات ونحوها ورجوعه ويقول هذه منازل المنصور رحمه الله وهو أستاذنا في مثل هذه الأمور ومن عجيب سيرته رحمه الله أنه كان يرى اشتغال طلبة العلم بقراءة المختصرات في فن الفقه وغيره وإعراضهم عن الأمهات المبسوطة الواضحة تضييع للأعمار في غير طائل وكان ينهى عن ذلك غاية ولا يترك من يقرأ مختصر خليل ومختصر ابن عرفة وأمثالهما ويبالغ في التشنيع على من اشتغل بشيء من ذلك حتى كاد الناس يتركون قراءة مختصر خليل وإنما كان يحض على كتاب الرسالة والتهذيب وأمثالهما حتى وضع في ذلك كتابا مبسوطا أعانه عليه أبو عبد الله الغربي وأبو عبد الله المير وغيرهما من أهل مجلسه ولما أفضى الأمر إلى السلطان العادل المولى سليمان رحمه الله صار يحض الناس على التمسك بالمختصر ويبذل على حفظه وتعاطيه الأموال الطائلة والكل مأجور على نيته وقصده غير أنا نقول الرأي ما رأى السلطان سيدي محمد رحمه الله وقد نص جماعة من أكابر الأعلام النقاد مثل الإمام الحافظ أبي بكر بن العربي والشيخ النظار أبي إسحاق الشاطبي والعلامة الواعية أبي زيد عبد الرحمن بن خلدون وغيرهم أن سبب نضوب ماء العلم في الإسلام ونقصان ملكة أهله فيه إكباب الناس على تعاطي المختصرات الصعبة الفهم وإعراضهم عن كتب الأقدمين المبسوطة المعاني الواضحة الأدلة التي تحصل لمطالعها الملكة في أقرب مدة ولعمري لا يعلم هذا يقينا إلا من جربه وذاقه وقد تقدم لنا في صدر هذا الكتاب أن ملوك بني عبد المؤمن كانوا يحملون الناس على الرجوع في الأحكام إلى الكتاب والسنة كل ذلك اعتناء بالعلم القديم ومحافظة على أصوله والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وكان السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله ينهى عن قراءة كتب التوحيد المؤسسة على القواعد الكلامية المحررة على مذهب الأشعرية رضي الله عنهم وكان يحض الناس على مذهب السلف من الاكتفاء بالاعتقاد المأخوذ من ظاهر الكتاب والسنة بلا تأويل وكان يقول عن نفسه حسبما صرح به في آخر كتابه الموضوع في الأحاديث المخرجة من الأئمة الأربعة أنه مالكي مذهبا حنبلي اعتقادا يعني أنه لا يرى الخوض في علم الكلام على طريقة المتأخرين وله في ذلك أخبار ومجريات قلت وهو مصيب أيضا في هذا فقد ذكر الإمام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه في كتاب الإحياء إن علم الكلام إنما هو بمنزلة الدواء لا يحتاج إليه إلا عند حدوث المرض فكذلك علم الكلام لا يحتاج إليه إلا عند حدوث البدعة في قطر وقد حرر الناس القدر المحتاج إليه في حق العامة وغيرهم والمبتدئين والمنتهين والأغبياء والأذكياء بما ليس هذا محل بسطه وكان السلطان سيدي محمد رحمه الله عالي الهمة يحب الفخر ويركب سنامه ويخاطب ملوك الترك مخاطبة الأكفاء ويخاطبونه مخاطبة السادة ويمدهم بالأموال والهدايا حتى علا صيته عندهم وحسبوه أكثر منهم مالا ورجالا وكان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر ويضع الأشياء مواضعها ويعرف مقادير الرجال ويؤدي حقوقهم ويتجاوز عن هفواتهم ويراعي لأهل السوابق سوابقهم ويتفقد أحوال خدامه في الصحة والمرض ولا يغفل عمن كان يعرفه قبل الملك وكان من الشجعان المذكورين في وقته يباشر الحروب بنفسه ويهزم الجيوش بهيبته وكان يقتني الرجال ويصطنعهم ويعدهم لأيام الكريهة وينادي كل واحد باسمه وقت اللقاء والحضور عنده ويوجه كل بطل منهم مع قبيلة أو كتيبة من كتائب الجند ويعمل بقواعد السياسة في الحروب وكان إذا وجه أحدا ممن يعرف نجدته وكفايته ينشد قول ابن دريد ( والناس ألف منهم كواحد % وواحد كالألف إن أمر عنا ) وبالجملة فقد كان رحمه الله من عظماء الملوك وخلد آثارا كثيرة بالمغرب فمن ذلك بمراكش تجديد ضريح الشيخ أبي العباس السبتي ومسجده ومدرسته وضريح الشيخ التباع ومسجده وضريح الشيخ الجزولي ومسجده وضريح الشيخ الغزواني ومسجده وضريح الشيخ ابن صالح ومسجده وضريح المولى علي الشريف ومسجده الأعظم وضريح الشيخ ميمون الصحراوي ومسجد الملوك ببريمة ومدرستاه وتجديد جامع المنصور والمسجد الأعظم بباب دكالة والمسجد الأعظم بباب هيلانة والمسجد الأعظم بالرحبة ومساجد القصبة ومدارسها الست ومسجد زاوية الشرادي ومسجد رباط شاكر ومدينة الصويرة بمساجدها ومدارسها وصقائلها وأبراجها وكل ما فيها ومسجد آسفي ومدرسته ومسجد مدينة تيط ومدينة آنفا ومسجدها ومدرستها وحمامها وصقائلها وأبراجها ومدينة فضالة ومسجدها ومدرستها والمصورية ومسجدها وجامع السنة برباط الفتح ومساجد أجدال الستة وأبراجه والصقالتين الكبيرتين بسلا ورباط الفتح ومسجد العرائش ومدرسته وصقائلها وأبراجها وسوقها وصقائل طنجة وأبراجها والمسجد الأزهر ومدرسته بإصطبل مكناسة ومسجد البردعيين بها وضريح الشيخ ابن عيسى وضريح الشيخ أبي عثمان سعيد ومسجده ومدرسة الصهريج ومدرسة الدار البيضاء ومسجد بريمة ومدرسته ومسجد هدراش ومسجد باب مراح وثلاثة أقواس بقنطرة وادي سبو خارج فاس وضريح الشيخ علي بن حرزهم وضريح الشيخ دراس بن إسماعيل وضريح أبي عبد الله التاودي ومدرسة باب الجيسة ومسجد تازا ومدرسته وضريح المولى علي الشريف بسجلماسة وقصبة الدار البيضاء بها ومسجدها ومدرستها ومسجد الريصاني ومدرسته وأوقافه على المارستان بفاس ومراكش فهذه الآثار كلها مما سمت إلى تخليد همته الشريفة بعضها أنشأها وبعضها أصلحه وجدده ورتب للأشراف بتافيلالت في كل سنة مائة ألف مثقال سوى ما ينعم به عليهم في أيام السنة متفرقا ورتب لأهل الحرمين الشريفين وشرفاء الحجاز واليمن مائة ألف مثقال أيضا في السنة ولشرفاء المغرب مائة ألف مثقال كذلك وأما الطلبة والمؤذنون والقراء وأئمة المساجد كانت تأتيهم صلاتهم في كل عيد وأما ما كان ينفقه في الجهاد على رؤساء البحر وطبجيته وما يضيره على المراكب الجهادية والآلات الحربية التي ملأ بها بلاد المغرب فشيء لا يحصيه الحصر وأما ما أنفقه من الأموال في فكاك أسرى المسلمين فأكثر من ذلك كله حتى لم يبق ببلاد الكفر أسير لا من المغرب ولا من المشرق ولقد بلغ عددهم في سنة مائتين وألف ثمانية وأربعين ألف أسير وزيادة وأوقافه بالحرمين الشريفين وكتبه العلمية المحبسة بهما لا زالت قائمة العين والأثر إلى الآن وأما اعتناؤه بالمراكب القرصانية فقد بلغ عددها في دولته عشرين كبارا من المربع وثلاثين من الفراكط والغلائط وبلغ رؤساء البحر عنده ستين رئيسا كلها بمراكبها وبحريتها وبلغ عسكر البحرية ألفا من المشارقة وثلاثة آلاف من المغاربة ومن الطبجية ألفين وبلغ عسكره من العبيد خمسة عشر ألفا ومن الأحرار سبعة آلاف وأما عسكر القبائل الذي كان يغزو من الجند فمن الحوز ثمانية آلاف ومن الغرب سبعة آلاف وكانت له هيبة عظيمة في مشوره وموكبه يتحدث الناس بها وهابته ملوك الفرنج وطواغيتهم ووفدت عليه رسلهم بالهدايا والتحف يطلبون مسالمته في البحر بلغ ذلك رحمه الله بسياسته وعلو همته حتى عمت مسالمته أجناس النصارى كلهم إلا المسكوب فإنه لم يسالمه لمحاربته للسلطان العثماني ولقد وجه رسله وهديته إلى طنجة فردها السلطان رحمه الله وأبى من مسالمته ووظف على الأجناس الوظائف فالتزموها وكانوا يؤدونها كل سنة واستمر ذلك من بعده إلى أن انقطع في هذه السنين المتأخرة وكانوا يستجلبون مرضاته بالهدايا والألطاف وكل ما يقدرون عليه ومهما كتب إلى طاغية في أمر سارع إليه ولو كان محرما في دينه ويحتال في قضاء الأغراض منهم بكل وجه أحبوا أم كرهوا وكان أعظم طواغيتهم طاغية النجليز وطاغية الفرنسيس فكانا يأنفون من أداء الضريبة علانية مثل غيرهم من الأجناس فكان رحمه الله يستخرجها منهم وأكثر منها بوجه لطيف وكان له عدة أولاد أكبرهم أبو الحسن علي والمأمون وهشام وعبد السلام هؤلاء لربة الدار المولاة فاطمة بنت عمه سليمان بن إسماعيل ثم عبد الرحمن أمه حره هوارية من هوارة السوس ثم يزيد ومسلمة أمهما علجة من سبي الإصبنيول ثم الحسن وعمر أمهما حرة من الأحلاف ثم عبد الواحد أمه حرة من أهل رباط الفتح ثم سليمان والطيب وموسى لحرة من الأحلاف أيضا ثم الحسن وعبد القادر لحرة من الأحلاف أيضا ثم عبد الله لحرة من عرب بني حسن ثم إبراهيم لعلجة رومية ومما مدح به السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله من الشعر أرجوزة الأديب البليغ أبي العباس أحمد الونان المعروفة بالشمقمقبية التي يقول في مطلعها ( مهلا على رسلك حادي الأينق % ولا تكلفها بما لم تطق ) وهذه الأرجوزة مشهورة بين الناس وهي من الشعر الفائق والنظم البديع الرائق أبان منشئها عن باع كبير وإطلاع غزير على أخبار العرب وأيامها وحكمها وأمثالها بحيث أن من حفظها وعرف مقاصدها أغنته عن غيرها من كتب الأدب وقد كنت في أيام التعاطي اعتنيت بتصحيح ألفاظها والتتبع لأخبارها وأمثالها والتنقير عن تلميحاتها وتلويحاتها حتى فضضت ختامها واستوعبت مبدأها وتمامها ثم شرعت في كتابة شرح عليها يحيط بمعانيها ويستوعب دقائق مبانيها فكتبت منه نحو أربعة كراريس ثم عاقت الأقدار عن إتمامه نسأله سبحانه وتعالى أن يصرف عنا العوائق فيما ينفعنا في ديننا ودنيانا ويحفنا بالسعادة الدنيوية والأخروية في متقلبنا ومثوانا إنه ولي ذلك والقادر عليه ومن وزراء السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله الوزير الشهير أبو عبد الله محمد العربي قادوس المدعو أفاندي كان من موالي السلطان وغرس نعمته وربي دولته وأصله من أعلاج الإصبنيول وكان شعلة من الذكاء والفطنة وركنا شديدا من أركان الدولة المحمدية في حسن التدبير والحزم الذي لا يعزب عنه من أمور الحضرة قليل ولا كثير وقد أدرك من فخامة الجاه وضخامة الرياسة غاية تفرد بها في وقته بحيث كانت الأعاظم من وجوه الدولة تقف ببابه اليومين والثلاثة فلا يتيسر لهم لقاؤه ولما توفي السلطان سيدي محمد رحمه الله امتحن المولى يزيد هماما الوزير في جملة من امتحنه من أهل مراكش كما سيأتي

الخبر عن دولة أمير المؤمنين المولى يزيد بن محمد وأوليته ونشأته رحمه الله

كان المولى يزيد هذا عند والده رحمه الله بعين العناية ملحوظا ومن النقائص محروسا ومحفوظا وكان عامة أهل المغرب وخاصتهم من الجند والرعية متشوفين له ومغتبطين به يهتفون باسمه ويلهجون بذكره لما كان عليه من الكرم والشجاعة والتمسك بمذاهب الفتوة والدين والاعتناء بجوائز أهل البيت ومحبة أهل الخير وإكرامهم وإقامة الصلوات لأوقاتها حضرا وسفرا لا يشغله عن ذلك شاغل فأصابته عين الكمال وصار ينتقل من حال إلى حال حتى خالطته جماعة من الأغمار كانوا في خدمته فلزموه وحسنوا له الاستبداد على والده والخروج عليه وأتوه من بين يديه ومن خلفه حتى وقر ذلك في صدره وارتسم فيه وكان ذلك على حين أوان الشبيبة وأخذها منه مأخذها وكانت همته طماحة لا تقف به عند غاية فاستعجل الأمر قبل أوانه وخرج على والده بجبش العبيد حسبما مر ولسان حاله ينشد ( فإن يك عامر قد قال جهلا % فإن مظنة الجهل الشباب ) فسقطت منزلته عند أبيه بعد أن بلغ من الحظوة لديه ما بلغ وكان يرشحه للخلافة ويقمه على كبار إخوته لما ظهر له من نجدته واقتداره وجوده في محل الجود ورغبته في الجهاد وولوعه بصناعة الرمي بالمهراس فأسند إليه أمر الطبجية والبحرية وصار يوجهه مع الرؤساء والطبجية إلى الثغور كل سنة ليقف على الملازمين لصقائلها وأبراجها ويعلمهم ما يحتاجون إلى تعلمه ولما رآه والده مغتبطا بذلك وتوسم فيه النجابة أقبل عليه بالعطاء ثم ولاه الكلام مع قناصل الأجناس الذين بالمراسي واستنابة في ذلك وفي سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف ولاه السلطان على قبيلة كروان وهم يومئذ أعظم قبائل البربر خيلا ورجالا فأسند إليه أمرهم وتقدم إليه في أن يكفهم عن الحرب مع آيت أدراسن فسار إليهم واغتبطوا به واغتبط بهم وصار أحداثهم وأبناء أعيانهم يركبون معه للصيد فغمرهم بالعطاء وأنعم عليهم بالخيل والسلاح والكسي ولزموا مجلسه حتى أفسدوا قلبه وحسنوا له الانتزاء على الملك وقالوا هذا بيت المال الذي بقبة الخياطين هو في يدك وليس دونه مانع وبه يقوم ملكك ومتى استدعيت إخواننا آيت ومالو لم يتوقفوا عنك طرفة عين ولا يقوم لهم شيء من الجند وغيره ولم يزالوا يفتلون له في الذروة والغارب حتى شرهت نفسه وصار لا حديث له إلا في ذلك واطلع على ذلك قائد الودايا أبو محمد عبد القادر بن الخضر وكان محبا في جانب السلطان صادق الخدمة والطاعة له فكتب إليه بما عليه ولده مع جروان وأنهم يأتون إليه بالمائة والمائتين ويبيتون عنده بالقصبة ونحن خفنا أن يبرز من ولدك أمر فتعاقبنا عليه فأخبرناك بالواقع ولما وصل كتابه إلى السلطان بعث للحين قائده العباس البخاري في مائة من الخيل للقبض على المولى يزيد وأصحابه وقد قلنا لك أن الجند والرعية معا كانوا مغتبطين بالمولى يزيد فلما وصل القائد العباس إلى سلا دس إلى المولى يزيد أنه مقبوض فلينج بنفسه فخرج المولى يزيد من مكناسة ليلا في خاصته وأصحابه من جروان وقصدوا آيت ومالو ولما وصل القائل العباس إلى مكناسة ألفاها مقفرة من المولى يزيد وشيعته فأقام بها وكتب إلى السلطان يعلمه بالخبر فبعث السلطان إلى المولى يزيد كاتبه أبا عثمان سعيد الشليخ فقدم عليه بزاوية آيت إسحاق لأنه لم يجد من قبائل آيت ومالو إلا مهاوش وشقيرين فتجاوزهم إلى الزاوية المذكورة ولما أتاه أبو عثمان المذكور بكتاب والده وأمانه سار معه إلى مراكش ولما وصل إليها دخل ضريح أبي العباس السبتي فاحترم به ثم عفا عنه السلطان واجتمع به فتنصل مما رمي به ونسب ذلك إلى سفهاء جروان وأنه لم يوافقهم على ذلك فأضمر السلطان الإيقاع بهم ولما قدم من مراكش سنة أربع وثمانين ومائة وألف قصدهم بالكريكرة وأوقع بهم وقتل منهم نحو الخمسمائة حسبما مر وأنزل المولى يزيد مع أخويه المولى علي والمولى عبد الرحمن بفاس فأقام بها مدة ثم حدثت حرب بينه وبين أخيه المولى عبد الرحمن بوسط فاس العليا وهلك فيما بينهما عدد وبلغ خبر ذلك إلى السلطان فقدم مكناسة وبعث من يقبض عليهما فقبض على المولى عبد الرحمن وأصحابه وفر المولى يزيد إلى ضريح المولى إدريس الأكبر بزرهون فأتى به الأشراف إلى والده فسامحه ثم سرح المولى عبد الرحمن وسأل عن أحوال أصحاب الأخوين معا ثم عرف صالحهم من طالحهم فأخرجهم من السجن وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وكانوا ثلاثين رجلا وسرح الباقين ونقل المولى عبد الرحمن إلى مكناسة وترك المولى يزيد بفاس ثم إن المولى عبد الرحمن كان يسابق يوما في الميدان ويلعب بالبارود فقتل رجلا من بني مطير فجاء إخوته إلى قائدهم محمد بن محمد واعزيز فأدى ديته من عنده وعفوا وكتب عليهم سجلا بذلك وسكنت الهيعة فاتفق أن وجه السلطان قائده العباس إلى مكناسة لقتل أناس كانوا بسجن مكناسة فلما سمع به المولى عبد الرحمن ظن أنه قدم في شأن المطيري المقتول وأن خبره قد بلغ السلطان ففر من مكناسة ليلا إلى وجدة ثم إلى تلمسان واتصل خبر فراره بالسلطان فسأل عن السبب فأخبره القائد العباس بالواقع فبعث إليه الأمان فلم يثق ثم سار إلى تلمسان إلى سجلماسة فبعث إليه السلطان من يؤمنه ويأتي به إليه فلم يثق وفر إلى السوس فبعث إليه السلطان أمانا إلى السوس ففر إلى القبلة وأقام يتردد في قبائلها إلى أن توفي السلطان رحمه الله فجاء إلى تارودانت فأقام بها وطلب الأمر فلم يتم له أمر ومات رحمه الله وأما المولى يزيد فإنه أقام بفاس إلى أن استدعاه والده للقدوم عليه بمراكش فقدم عليه ثم اتفق قيام العبيد على السلطان بسبب الإدالة التي أمرهم بتوجيهها إلى طنجة حسبما مر فبعث المولى يزيد لإصلاحهم وردهم عن غيهم فلما وصل إليهم استفزوه بقولهم وحركوا منه ما كان ساكنا واستخرجوا ما كان كامنا فبايعوه وخطبوا به حسبما مر الخبر عن ذلك مستوفى وانحرف قدور بن الخضر بالودايا عنه ولما فتح المولى يزيد بيت المال وأعطى العبيد بعث إلى الودايا بعطائهم يستهويهم به وكان شيئا كثيرا فردوه عليه وانضم محمد واعزيز في بربره إلى الودايا فقصدهم المولى يزيد والتقوا بالمشتهى من مكناسة فهزموه وقتل من العبيد ما ينيف على الخمسمائة ثم قدم السلطان في العساكر وجموع القبائل ففر المولى يزيد إلى زرهون فتبعه السلطان وزار المولى إدريس رضي الله عنه فشفع له الأشراف الأدارسة فيه فقبل شفاعتهم وعفا عنه حسبما مر ثم بعد هذا بعثه إلى المشرق وصدر منه بمكة في حق شيخ الركب ما صدر فكانت تلك الفعلة هي المخالفة وبها تبرأ السلطان منه ثم قفل من المشرق سنة ثلاث ومائتين وألف والتجأ إلى ضريح الشيخ عبد السلام بن مشيش إلى أن توفي والده حسبما قصصنا عليك من قبل وبالله التوفيق

بيعة أمير المؤمنين المولى يزيد بن محمد رحمه الله

لما توفي السلطان سيدي محمد رحمه الله في التاريخ المتقدم وبلغ خبر موته المولى يزيد وهو بالحرم المشيشي بايعه الأشراف هنالك وسائر أهل الجبل وتقدم إليه السابقون من الجند الذين كانوا محاصرين له فبايعوه واستتب أمره فتوجه إلى تطاوين إذ هي أقرب الثغور إليه فبايعه أهلها والقبائل المجاورة لها وأطلق الجند على يهود تطاوين فاستباحهم واصطلم نعمتهم ثم وفد عليه أهل طنجة والعرائش وآصيلا فقابلهم بما يجب ثم توجه إلى طنجة فخرج عسكرها للقائه ففرح بهم وأحسن إليهم وبها قدم عليه وفد أهل فاس من أشرافها وعلمائها وأعيانها فأكرمهم وولى عليهم أبا عبد الله محمد العربي الذيب ثم انتقل إلى العرائش فوفاه بها حاشية أبيه وخدمه ووجوه دولته بمتخلف والده وقبابه وخيله وبغاله وسائر أثاثه فأحسن إليهم وصاروا معه في ركابه إلى زرهون ولما وصل إليها قدم عليه أخوه المولى سليمان من تافيلالت بقبائل الصحراء عربها وبربرها ومعه بيعت أهل سجلماسة وكان قد استجار به محمد واعزيز فإنه كان خائفا على نفسه من المولى يزيد لانحرافه عنه أيام أبيه فسار في صحبته بقبائله ولما اجتمع بالسلطان سامحه وأبقاه على قومه ولما دخل مكناسة قدمت عليه قبائل الغرب كلها عربها وبربرها حتى عصاة آيت ومالو ودجالهم مهاوش فأعطى مهاوش وحده عشرة آلاف ريال وأعطى الذين قدموا معه مائة ألف ريال ثم قدمت عليه قبائل الحوز كله من عرب وبربر لم يتخلف عن بيعته أحد وقدم عليه أهل مراكش وأعمالها ببيعتهم ونصها الحمد لله المنفرد بالملك والخلق والتدبير الذي أبدع الأشياء بحكمته واخترع الجليل منها والحقير الغني عن المعين والمرشد والوزير ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير يؤتي الملك من يشاء ويعز من يشاء وهو المدبر القدير جاعل الملوك كفا للأكف العادية وولايتهم مرتعا للعباد في ظل الأمن والعافية وبيعتهم أمنا من الهرج والفساد وقمعا لأهل الشر والعناد فهم ظل الله على الأنام وحصن حصين للخاص والعام حسبما أفصح بذلك سيد الأنام عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام فتبارك الله ربنا الذي شرف هذا الوجود وزين هذا العالم الموجود بهذه الخلافة المباركة والإمامة الحسنية الهاشمية العلوية والطلعة القرشية المحمدية التي انصرفت الوجوه إلى قبلتها المشروعة واستبان الحق عند مبايعتها والانقياد لدعوتها المسموعة نحمده تعالى على ما من به علينا من هؤلاء الإمامة السعيدة ونشكره جل جلاله شكرا نستوجب به من الهنا أفضاله ومزيده ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له ليس في الوجود إلا فعله أجرى الأقدار على حسب ما افتضاه حكمه وعدله ونشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدا عبده ورسوله ومصطفاه من خلقه وخليله سيد المخلوقات كلها من إنس وجان المصفى من ذؤابة معد بن عدنان صاحب الشريعة المطهرة التي لا يختلف في فضلها اثنان والدين القويم الذي هو أفضل الأديان الذي اختصه الله ما بين الأنبياء بمزية التفضيل والتقديم وافترض على أمته الغراء فريضة الصلاة والتسليم وأثنى عليه في كتابه الحكيم فقال جل ثناؤه وتقدست صفاته وأسماؤه @QB@ وإنك لعلى خلق عظيم @QE@ القلم 4 صلى الله عليه صلاة متصلة الدوام متعاقبة بتعاقب الليالي والأيام وعلى آله الكرام الأطهار وصحابته النجباء البررة الأخيار الذين أوضحوا لنا الحق تبيانا وأسسوا لهذه الملة السمحة قواعد وأركانا وعلى من اقتفى أثرهم القويم واهتدى بهديهم المستقيم إلى يوم الدين أما بعد فإن الله تعالى جعل صلاح هذا العالم وأقطاره المعمورة ببني آدم منوطا بالأئمة الأعلام محوطا بالملوك الذين هم ظل الله على الأنام فطاعتهم ما داموا على الحق واتقوا الله سعادة والاعتصام بحبلهم إذ ذاك واجب وعبادة قال عز من قائل @QB@ يا أيها الذين آمنوا ل @QE@

أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن ) النساء 59 وقال عليه السلام إن أمر عليكم عبد مجدع أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا وقال عليه السلام على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة وقال عليه السلام من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية فقتل فقتلته جاهلية ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى مؤمنها ولا يفي لذي عهدها فليس مني ولست منه أخرجها مسلم كلها وقال عليه السلام السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه الضعيف وبه ينتصر المظلوم ومن أكرم سلطان الله في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة أو كما قال وقال عليه السلام السلطان العدل المتواضع ظل الله ورمحه في الأرض يرفع الله له عمل سبعين صديقا ولما كان أهل بيت سيد المرسلين أعظم قريش في قلوب المؤمنين وأكرمهم منزلة عند رب العالمين أنالهم الله تعالى في خلقه فضلا كبيرا ومنحهم إجلالا ورفعة وتعظيما وتكبيرا قال الله تعالى @QB@ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا @QE@ الأحزاب 33 وقال عليه الصلاة والسلام النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأمتي وإن ممن امتن الله به علينا من أهل هذا البيت الشريف الذي أولاه الله أشرف التعظيم وأعظم التشريف وقدمه تعالى لسلطانه العزيز ورفعه جل وعلا على منصة التبريز عميد المجد الذي لا يتناهى فخره ووحيد الحسب جل منصبه وقدره الإمام الذي ألقت له الإمامة زمامها وقدمته الأفاضل لفضله إمامها من جاءت له الخلافة تجر أذيالها وأخذها دون بني أبيه ولم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها ومن جبلت قلوب الخلائق على محبته وألقى له القبول في الأرض لمجده ولعلو همته السلطان السعيد الواثق بربه المعين الرشيد أبا المكارم والمفاخر سيدنا ومولانا يزيد ابن مولانا الإمام السلطان الهمام المرحوم بالله سيدي محمد ابن أمير المؤمنين سيدنا ومولانا عبد الله ابن السلطان الجليل أمير المؤمنين مولانا إسماعيل ابن موالينا السادة الأشراف ذوي الفضل والكرم والإنصاف قدس الله أرواحهم في أعلى الجنان ومنحهم بفضله الرضا والرضوان أيد الله ببقائه الدين وطوق بسيفه الملحدين وكتب تحت لوائه المعتدين وكتب له النصر إلى يوم الدين وأعاذ به الأرض من لايدين بدين وأعاد بعدله أيام آبائه الخلفاء الراشدين وأسكن في القلوب سكينته ووقاره ومكن له في الوجود وجمع له أقطاره هو والله ممن فيه استحقاق ميراث آبائه الأعلام وتراث أجداده الكرام المجمع عليه أنه في هذه الأيام فرد هو الأنان وواحد وهكذا في الوجود الإمام الراقي في صبح سماء هذه الذروة المنيفة الباقي بعد الأئمة الماضين نعم الإمام ونعم الخليفة سلالة الأخيار وخلاصة أبناء النبي المختار أسمى الله إيالته الشريفة وأنار البسيطة بأنوار مملكته الشامخة المنيفة انعقد الإجماع من أهل هذه الحضرة المراكشية حاطها الله وما حولها من أهل السوس وكافة الرحامنة وغيرهم من قبائل عديدة حسبما تضمنته أسماء من يكتب اسمه منهم عقبه بخط من يكتب منهم أو خطوط العدول الثقات عمن لم يكن يحسن الكتابة وأذنوا لمن يكتب عنهم بيعة تم بمشيئة الله تمامها وعم بالصوب المغدق غمامها سعيدة ميمونة شريفة لها السلامة في الدين والدنيا مضمونة صحيحة شرعية ملحوظة مرعية دائبة دائمة لازمة جازمة صحيحة صريحة متعبة مريحة على الأمن والأمانة والعفاف والديانة وعلى ما بويع به مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده والأئمة المهتدون الموفون بعهده وعلى السمع والطاعة وملازمة السنة والجماعة قرت بها نواظرهم وشهدت بذلك على صفاء بواطنهم ظواهرهم وأعطوا بها صفقة أيديهم وأمضوها إمضاء يدينون به في السر والجهر والمنشط والمكره واليسر والعسكر أجمع عليها أرباب العقد والحل وأصحاب الكلام فيما قل وجل ومن يوصف بعلم وقضاء ومن يرجع إليه في رد وإمضاء لم يخالف فيها إمام مسجد ولا خطيب ولا ذو فتوى يسأل فيجيب ولا من يجتهد في رأي فيخطىء أو يصيب ولا معروف بدين وصلاح ولا فرسان حرب وكفاح ولا طاعن برمح ولا ضارب بصفاح ولا ولاة الأمر والأحكام ولا حملة العلم الأعلام ولا حماة السيوف والأقلام ولا أعيان السادة الأشراف ولا أكابر الفقهاء ومن انخفض قدره ومن أناف بيعة تمت بها نعمة من وحد الله قائلين @QB@ الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله @QE@ الأعراف 43 @QB@ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله @QE@ الفتح 10 الآية فمن حضر خواص من ذكر وعوامهم قيد شهادته بمضمن العقد المنصوص ملتزما لجميع ما اقتضاه من العموم والخصوص باسطا كفه بالدعاء والابتهال والتضرع لذي العزة والجلال قائلا اللهم كما خصصت مولانا أمير المؤمنين بمزيد الكرامة وارتضيته لمقام الإمامة وانتخبته من أشراف الناس وصنت به وجوههم عن الباس فانصره اللهم نصرا مؤزرا واجعل نصيبه من عنايتك وكفايتك جزيلا موفرا وأن له في كل مرام فتحا مبينا وظفرا ميسرا معينا وأسعدنا اللهم بأيامه واكلأه بكلاءتك في ظعنه ومقامه واجعل بيعته المباركة بيعة تخلد بها مآثره تخليدا وتؤيد علوه وتأييده ونصره تأييدا وأبقه على الأنام شفيقا وبجميعهم بارا رفيقا وأعنه اللهم على ما وليته من أمور عبادك ومهد له أتم التمهيد في أقطار بلادك وكن له فيما يرضيك مؤيدا وظهيرا واجعل له من لدنك وليا وسلطانا نصيرا أجب دعاءنا إنك با مولانا ولي ذلك وبه قدير وأنت نعم المولى ونعم النصير وبالإجابة جدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي الكبير وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين في ثامن عشر شعبان عام أربعة ومائتين وألف انتهت

انتقال الودايا من مكناسة إلى فاس وعبيد الثغور منها إلى مكناسة

لما كان السلطان المولى يزيد رحمه الله بمكناسة أمر الودايا أن ينتقلوا منها إلى فاس الجديد مسقط رؤوسهم ومنبت شوكتهم وبأسهم وبذل لهم خمسين ريالا للرأس إعانة لهم على نقلتهم فعادوا إلى فاس الجديد واستوطنوه بعد تغريبهم عنه بمكناسة ثلاثين سنة كما سبق ثم أمر عبيد الثغور أن ينتقلوا منها إلى مكناسة لتجتمع كلمتهم بها وأنعم على أهل كل ثغر منهم ببيت ماله الذي به فاقتسموه وانقلبوا إلى مكناسة مغتبطين

نقض الصلح مع جيش الإصبنيول وحصاره سبتة

قال منويل القشتيلي في كتابه الموضوع في أخبار المغرب لما ولي المولى يزيد بن محمد رحمه الله أظهره معاداة الإصبنيول وصمم على حربهم فتفادى طاغيتهم من حربه بكل وجه وبعث باشدوره إليه بطنجة يهنئه بالملك ويتملق له فأعرض عن ذلك ولم يحفل به ولا بهديته بل عمد إلى من كان بمراسيه من نصارى الإصبنيول تجارا وفرايلية وغيرهم وقبض عليهم وسلكهم في السلاسل وساقهم إلى طنجة فحبسهم بها قال وكانت قراصين المسلمين الحربية يومئذ ستة عشر قرصانا وفيها من المدافع ثلاثمائة مدفع وستة مدافع قلت قد تقدم أن القراصين أكثر من ذلك بكثير واستمر النصارى محبوسين بطنجة إلى أن اتفق أن كان قرصان للإصبنيول يطوف بساحل العرائش فظفر بمركب هنالك وأسر بعضهم وكان المولى يزيد يومئذ بالعرائش فنظر إليهم بمرآة الهند وهو على سطح داره إذ أسروهم وبعث الصريخ في أثرهم ففاتوه ثم وقع التفادي بينه وبين الطاغية في أولئك الأسرى بأسرى طنجة اه كلام منويل ثم إن السلطان المولى يزيد رحمه الله زحف إلى سبتة واستنفر الناس لجهادها والمرابطة عليها واستصحب معه آلة الحرب من المدافع والمهاريس ونصب عليها سبعة أشبارات كان جلها لفنانشة سلا وأهرعت إليه المتطوعة من حاضر وباد ونسلوا إليه من كل حدب وواد وأقام على حصارها مدة ثم أفرج عنها وسار إلى ناحية مراكش لأمر اقتضى ذلك فلما وصل إلى مدينة آنفا بدا له من الرجوع فرجع ونزل عليها واستأنف الجد وأرهف الحد وأرسل إلى قبائل الحوز يستنفرهم للجهاد والمرابطة فتقاعدوا عنه بعد أن أشرف على فتحها وكان ما نذكره

انتقاض أهل الحوز على السلطان المولى يزيد ابن محمد وبيعتهم لأخيه المولى هشام رحمهما الله

لما قدمت قبائل الحوز على السلطان المولى يزيد بمكناسة ظهر لهم منه بعض التجافي عنهم وأنزلهم في العطاء دون البربر والودايا وغيرهم فساءت ظنونهم به وانفسدت قلوبهم عليه ولما رجعوا إلى بلادهم تمشت رجالاتهم بعضها إلى بعض وخب الرحامنة في ذلك ووضعوا واتفقت كلمتهم مع أهل مراكش وعبدة وسائر قبائل الحوز فقدموا المولى هشام بن محمد للقيام بأمرهم وآتوه بيعتهم وطاعتهم ولما اتصل خبر ذلك بالمولى يزيد وهو محاصر لسبتة أقلع عنها وسار إلى الحوز فشرد قبائله ووصل إلى مراكش فدخلها عنوة يقال إن دخوله إليها كان من الباب المعروف بباب يغلى فاستباحها وقتل وسمل وكان الحادث بها عظيما ثم استجاش عليه المولى هشام قبائل دكالة وعبدة وقصده بمراكش فبرز إليه المولى يزيد ولما التقى الجمعان بموضع يقال له تازكورت انهزم جمع المولى هشام وتبعهم المولى يزيد فأصيب برصاصة في خده فرجع إلى مراكش يعالج جرحه فكان في ذلك حتفه رحمه الله وذلك أواخر جمادى الثانية سنة ست ومائتين وألف ودفن بقبور الأشراف قبلي جامع المنصور من قصبة مراكش ولقد كان رحمه الله من فتيان آل علي وسمحائهم وأبطالهم له في النجدة والكفاية المحل الذي لا يجهل والسبق الذي لا يلحق والغبار الذي لا يشق ولا يضره تنقيص من نقصه من الحسدة عفا الله عنا وعنهم فإن مكان الرجل غير مكانهم وهمته العالية فوق تزويراتهم تغمد الله الجميع بعفوه وغفرانه آمين ولنذكر ما كان في هذه المدة من الأحداث ففي شعبان سنة اثنتين وأربعين ومائة وألف توفي الفقيه العلامة القاضي بسلا أبو عبد الله محمد السوسي المنصوري ودفن قرب الولي الصالح سيدي مغيث من طالعة سلا وله شرح على مختصر السنوسي في المنطق وآخر على كبراه وفي ضحى يوم السبت الثامن والعشرين من المحرم فاتح سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف توفي الفقيه المرابط البركة سيدي الحاج الغزواني ابن البغدادي من حفدة الولي الأشهر سيدي محمد الشرقي رضي الله عنه ودفن بداره بجوار سيدي مغيث أيضا وفي يوم الأربعاء الثامن والعشرين من صفر سنة أربع وأربعين ومائة وألف توفي الفقيه العلامة الإمام صاحب التصانيف المفيدة والأجوبة العتيدة أبو عبد الله سيدي محمد بن عبد الرحمن بن زكري الفاسي رحمه الله ورضي عنه وفي يوم الجمعة الرابع من رجب سنة ست وأربعين ومائة وألف كمل بناء قبة ولي الله تعالى أبي العباس سيدي الحاج أحمد بن عاشر رضي الله عنه على يد القائد أبي عبد الله الحوات وفي الشهر نفسه توفي الفقيه القاضي النوازلي أبو العباس سيدي أحمد الشدادي بزاوية زرهون وفي سنة خمسين ومائة وألف ولد الشيخ أبو العباس أحمد التجاني شيخ الطائفة التجانية وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله وفيها كانت المجاعة العظيمة بالغرب والفتن ونهب الدور بالليل بفاس وغيرها وصار جل الناس لصوصا

فكان أهل اليسار لا ينامون لحراستهم دورهم وأمتعتهم وهلك من الجوع عددا لا حصر له حتى لقد أخبر صاحب المارستان أنه كفن في رجب وشعبان ورمضان ثمانين ألفا وزيادة سوى من كفنه أهله هذا بفاس وليقس عليها غيرها وفي زوال يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شوال سنة ثمان وخمسين ومائة وألف توفي قاضي سلا الفقيه العلامة السيد أبو عمرو عثمان التواتي ودفن داخل روضة سيدي الحاج أحمد بن عاشر رضي الله عنه وفي سنة ثلاث وستين ومائة وألف كان الوباء بالمغرب وانحباس المطر فلحق الناس من ذلك شدة ثم تداركهم الله بلطفه وفي سنة تسع وستين ومائة وألف كانت الزلزلة العظيمة بالمغرب التي هدمت جل مكناسة وزرهون ومات فيها خلق كثير بحيث أحصي من العبيد وحدهم نحو خمسة آلاف وتكلم لويز مارية على هذه الزلزلة فقال إنها مكثت ربع ساعة وتشققت الأرض منها واضطراب البحر وفاض حتى ارتفع ماؤه على سور الجديدة وفرغ فيها ولما رجع البحر إلى مقره ترك عددا كثيرا من السمك بالبلد وفاض على مسارحهم ومزارعهم وأشباراتهم فنسف ذلك كله نسفا واضطربت المراكب والفلك بالمرسى فتكسرت كلها وفر نصارى البلد إلى الكنيسة وتركوا ديارهم منفتحة ومع ذلك لم يفقد منها شيء لاشتغال الناس بأنفسهم وتكلم صاحب نشر المثاني على هذه الزلزلة فقال وفي ضحوة يوم السبت السادس والعشرين من المحرم سنة تسع وستين ومائة وألف زلزلت الأرض زلزالها ومادت شرقا وغربا واستمرت كذلك نحو درج زماني وفاض ماء البرك والصهاريج على البيوت وتكدرت العيون ووقف ماء الأودية عن الجري وسقطت الدور وتصدعت الحيطان وأخذ الناس في هدم ما تصدع خوف سقوطه وفزع الناس وتركوا حوانيتهم وأمتعتهم ووقع بمدينة سلا أن ماء البحر انحصر عنه إلى أقصاه فجاء الناس ينظرون إليه فرجع الماء إلى جهة البر وتجاوز حده المعتاد بمسافة كبيرة فأغرق جميع من كان خارج المدينة في تلك الجهة وصادف قافلة ذاهبة إلى مراكش فيها من الدواب والناس عدد كثير فأتلف الجميع ورمى بالقوارب والزوارق التي في الوادي إلى مسافة بعيدة جدا ثم بعد هذه بنحو ستة وعشرين يوما عادت زلزلة أخرى أشد من الأولى بعد صلاة العشاء هي التي أثرت في مكناسة غاية وهلك تحت الهدم بها نحو عشرة آلاف نفس وفعلت بفاس أيضا فعلا شنيعا انظر تمام كلامه فقد أطال في وصفها وفي يوم الأحد التاسع والعشرين من رمضان سنة سبع وسبعين ومائة وألف انكسفت الشمس وبقي منها مثل الهلال ثم انجلت بعد حين وفي فجر يوم الأحد الثامن والعشرين من ربيع الثاني سنة إحدى وثمانين ومائة وألف توفي الشريف البركة مولاي الطيب بن محمد الوزاني وعمره ينيف على الثمانين سنة وبعد صلاة العصر من يوم الأربعاء الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف انكسفت الشمس وظهرت النجوم لكثرة الظلام ثم انجلت ورجعت لحالها بعد نصف ساعة ونحوها وفي أعوام تسعين ومائة وألف كانت المجاعة الكبيرة بالمغرب وانحبس المطر ووقع القحط وكثر الهرج ودام ذلك قريبا من سبع سنين وفي أواخر ربيع الثاني سنة أربع وتسعين ومائة وألف توفي الشيخ العلامة الإمام المحقق البارع أبو عبد الله محمد بن الحسن بناني الفاسي الفقيه المشهور صاحب التآليف الحسان مثل حاشيته البديعة على شرح الشيخ عبد الباقي الزرقاني على مختصر خليل حكى العلامة الرهوني في حاشيته قال لما أخبر الشيخ التاودي ابن سودة بوفاته جاء فزعا وهو يبكي فلقيه بعض الناس فقال له الله يجعل البركة فيكم فقال لم تبق بركة بعد هذا الرجل وذلك لمعرفته بمكانته وفي ضحى يوم السبت الثامن عشر من صفر سنة ست وتسعين ومائة وألف توفي الشريف البركة المولى أحمد بن الطيب الوزاني رحمه الله ونفعنا به وبأسلافه آمين

حدوث الفتنة بالمغرب وظهور الملوك الثلاثة من أولاد سيدي محمد بن عبد الله وما نشأ عن ذلك

لما قتل المولى يزيد رحمه الله بمراكش افترقت الكلمة بالمغرب فأقام أهل الحوز وأهل مراكش على التمسك بدعوة المولى هشام وشايعه على أمره القائد أبو زيد عبد الرحمن بن ناصر العبدي صاحب آسفي وأعمالها والقائد أبو عبد الله محمد الهاشمي بن علي بن العروسي الدكالي البوزراري وكان المولى مسلمة بن محمد شقيق المولى يزيد خليفة عنه ببلاد الهبط والجبل يدبر الأمر بثغورها وينظر في أمورها فلما اتصل به خبر وفاة أخيه دعا إلى نفسه أهل تلك البلاد فبايعوه واتفقت كلمتهم عليه ووصل خبر موت المولى يزبد إلى فاس وأعمالها فبايعوا المولى سليمان بن محمد رحمه الله وكان من أمره ما نذكره

الخبر عن دولة أمير المؤمنين أبي الربيع المولى سليمان بن محمد رحمه الله

كان المولى سليمان بن محمد رحمه الله أعلق بقلب أبيه من سائر إخوته على ما قيل لسعيه فيما يرضي الله ورسوله ويرضي والده واشتغاله بالعلم والعكوف عليه بسجلماسة وغيرها ولم يلتفت قط إلى شيء مما كان يتعاطاه إخوته الكبار والصغار من أمور اللهو كالصيد والسماع ومعاقرة الندمان وما يزري بالمروءة ولم يأت فاحشة قط من صغره إلى كبره وكان رحمه الله يرى له ذلك ويثيبه عليه بالعطايا العظيمة والذخائر النفيسة والأصول المعتبرة التي تغل الألف وأكثر وينوه بذكره في المحافل ويبعث إليه بأعيان الفقهاء والأدباء إلى سجلماسة ليقرأ عليهم ويأخذ عنهم ويدعو له في كل موقف على رؤوس الأشهاد ويقول إن ولدي سليمان رضي الله عنه لم يبلغني عنه قط ما يكدر باطني عليه فأشهدكم أني عنه راض ونشأ رحمه الله نشأة حسنة طيبة وكانت شمائل الملك لائحة عليه إلى أن أظفره الله به وكنا قدمنا أنه قدم على أخيه المولى يزيد بقبائل الصحراء فأجل مقدمه وأكرم وفادته فأقام المولى سليمان رحمه الله بفاس إلى أن كانت وفاة المولى يزيد في التاريخ المتقدم فاتصل خبر موته بأهل فاس ومكناسة فقاموا على ساق واتفق العبيد والودايا والبربر وأهل فاس على بيعته لما كان عليه من العلم والدين والفضل وسائر الأوصاف الحميدة التي تفرد بها عن غيره ولما قدم العبيد والبربر من مكناسة إلى فاس اجتمعوا بأعيان الودايا وأهل فاس ودخلوا ضريح المولى إدريس رضي الله عنه وبايعوا أمير المؤمنين المولى سليمان يوم الأثنين سابع عشر رجب سنة ست ومائتين وألف ولما تمت بيعته انتقل إلى فاس الجديد فاستقر بدار الملك منها وقدمت عليه وفود القبائل من العرب والبربر بهداياهم ثم قدم عليه بعدهم قبائل بني حسن وأهل الغرب ثم أهل العدوتين سلا ورباط الفتح وانحرف بعض أهل رباط الفتح عن بيعته كما سيأتي ثم قدم عليه أهل الثغور الهبطية بعد أن توقفوا عن بيعته مدة يسيرة لأنهم كانوا قد بايعوا المولى مسلمة كما مر ونص بيعة أهل فاس الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الحمد لله الذي نظم بالخلافة شمل الدين والدنيا وأعلى قدرها على كل قدر فكانت لها الدرجة العليا وأشرق شمسها على العوالم وأنار بنورها المعالم وأصلح بها أمر المعاش والمعاد وألف بها بين قلوب العباد من الحاضر والباد وجعلها صونا للدماء والأموال والأعراض وغل بها أيدي الجبابرة فلم تصل إلى مفاسد الأغراض وقام بها أمر الخلق واستقام وأقيمت الشرائع والحدود والأحكام ونصب منارها علما هاديا وأقامه إلى الحق داعيا فأوى لظلها الوريف القوي والضعيف والمشروف والشريف فسبحان من قدر فهدى ولم يترك الإنسان سدى بل أمره ونهاه وحذره اتباع هواه وطوقه القيام بالنفل والفرض وهو أحكم الحاكمين @QB@ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين @QE@ البقرة 25 فمن رحمته نصب الملوك ومهد الطريق للسير والسلوك ولو ترك الناس فوضى لأكل بعضهم بعضا وآل الأمر إلى الخراب وأفضى لولا الخلافة لم تؤمن لنا سبل وكان أضعفنا نهبا لقوانا والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للأنام أصل الوجود ومبدأه وغاية الكمال ومنتهاه سيد الأولياء وإمام الأنبياء وقائد الأصفياء وعلى آله أولي المجد العميم والقدر العظيم وأصحابه الخلفاء الراشدين والهداة المهتدين الذين شيدوا أركان الدين ومهدوا قواعده للمشيدين وأخبروا عنه وأسندوا إليه صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله اختص بهذا الأمر قريشا وأنزل عليه @QB@ والله يؤتي ملكه من يشاء @QE@ البقرة 247 هذا ولما قضى الله سبحانه وله البقاء والدوام بنزول ما لا بد منه من فجأة الحمام لمن كان قائما بهذا الأمر العظيم وانتقاله إلى دار عفوه ورضوانه العميم أسكنه الله فسيح الجنان وسقى ثراه سحائب الرحمة والغفران وجب على الناس نصب إمام لقوله عليه الصلاة والسلام من مات وليست في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية فجالت أفكارهم وخاصت عقولهم وأنظارهم فيمن يقدمون لهذا المنصب الأعظم ويسلك بهم السبيل الأقوم فهداهم التوفيق والتسديد والرأي الصالح السديد إلى من نشأ في عفة وصيانة ومروءة وديانة وعكوف على تحصيل العلم الشريف ودؤب على التحلي بحلى العمل المنيف مع نجدة ونباهة وذكاء وفطانة ونزاهة وعلو همة وقوة عزمة وتدبير وسياسة وخبره بالأمور وفراسة فتى جمع الله له بين الصرامة والحلم وزاده بسطة في العلم والجسم وألبسه الهيبة والوقار ورقاه أعلى رتب العز والفخار وهو السري المقدم الشهم الأبر الهمام ذو الأخلاق الطاهرة الزكية والمآثر الظاهرة السنية عالي القدر والشأن فريد العصر ووحيد الأوان أبو الربيع مولانا سليمان ابن مولانا أمير المؤمنين محمد ابن مولانا أمير المؤمنين عبد الله ابن مولانا أمير المؤمنين إسماعيل ابن مولانا الشريف فانعقد الإجماع من أهل هذه الحضرة الإدريسية وما حولها من البقاع على تقدمه وإمامته واستبشروا بإمرته وخلافته وبادروا إلى تعيينه وبايعوه بيعة انعقد على ألوية النصر عقدها وطلع في أفق الهناء سعدها حضرها الصدور والأعيان وأهل الوجاهة في هذا الزمان وذوو الحل والعقد ومن إليهم القبول والرد من علماء وأعلام وأصحاب الفتاوى والأحكام وعظماء أشراف كرام ورماة كبرا وولاة أمرا ورؤساء أجناد والمتقدمين في كل ناد من عرب البدو والحضر وجيوش العبيد والبربر فانعقدت بحمد الله مؤسسة على التقوى واشتد بها عضد الإسلام وتقوى بيعة تامة محكمة الشروط وفية العهود وثيقة الربوط جارية على سنن السنة والجماعة سالمة من كل كلفة ومشقة وتباعة رضي الكل بها وارتضاها وألزم حكمها بالسمع والطاعة وأمضاها شهد بذلك الحاضرون على أنفسهم طوعا وأدوا إليه تعالى ما وجب عليهم شرعا جعلها الله رحمة على الخلق وأقام بها في البسيطة العدل والحق وأيد بعونه وتأييده وتوفيقه وتسديده من تلقاها بالقبول وأحيا به سنة سيدنا ومولانا الرسول صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم فهنيئا لأرضنا إذ ألقت مقاليدها إلى من يحمي حماها ويحقن دماها ويكبت عداها ويدفع رداها وينصر الشريعة ويشيد مبناها ويعلن بحقيقة الحق ويوضح معناها نصره الله ونصر به وأمات البدع والظلالة بسببه ودمر به شيعة الجور والفساد وأبقى الخلافة في بيته إلى يوم التناد وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيئين وعلى آله وأصحابه أجمعين والراوين عنهم والمتلقين منهم آمين وفي ثامن عشر رجب الفرد الحرام من ستة ومائتين وألف من هجرة المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام أفقر العبيد إلى الله سبحانه عبد الله تعالى محمد التاودي بن الطالب ابن سودة المري كان الله له وليا وبه حفيا أحمد بن التاودي المذكور أخذ الله بيده وكان له في جميع الأمور وأناله الثواب والأجور وعبد الله تعالى محمد بن عبد السلام الفاسي لطف الله به آمين وعبد القادر بن أحمد بن العربي بن شقرون أمنه الله بمنه آمين ومحمد بن أحمد بنيس كان الله له وليا ونصيرا آمين وعبد ربه وأفقر عبيده إليه محمد بن عبد المجيد الفاسي لطف الله به وعبد ربه سبحانه يحيى بن المهدي الشفشاوني الحسني لطف الله به وعبد ربه علي بن إدريس كان الله له ولطف به آمين وعبد ربه تعالى محمد بن إبراهيم لطف الله به وعبد ربه سبحانه محمد بن مسعود الطرنباطي وفقه الله بمنه آمين وعبد ربه سبحانه سليمان بن أحمد الشهير بالفشتالي كان الله له وأصلح حاله وعبد ربه محمد الهادي بن زين العابدين العراقي الحسيني وفقه الله وعبد ربه سبحانه محمد التهامي طاهر الحسني وفقه الله آمين وعبد الملك بن الحسن الفضيلي الحسني لطف الله به آمين وعبد ربه إدريس بن هاشم الحسني الجوطي لطف الله به آمين انتهى

حرب السلطان المولى سليمان لأخيه المولى مسلمة وطرده إلى بلاد المشرق

لما تمت بيعة السلطان المولى سليمان بن محمد رحمه الله بفاس باتفاق أهل الحل والعقد من الجند والعلماء والأشراف وسائر الأعيان تداعى أمر المولى مسلمة إلى الاختلال وكان أول ما ابتدأ به عمله بعد تلك البيعة المستعجلة أن بعث جريدة من الخيل إلى نظر القائد أبي عبد الله محمد الزعري إلى رباط الفتح وذلك باستدعاء محتسبها أبي الفضل العباس مرينو وأبي عبد الله محمد المكي بن العربي فرج من أهلها المنحرفين عن المولى سليمان إلى التمسك بدعوة المولى مسلمة وكان أهل رباط الفتح يومئذ على فرقتين فرقة دخلت في طاعة المولى سليمان وفرقة أقامت بالتمسك ببيعة المولى مسلمة ولما اتصل بالمولى سليمان خبر مسير الزعري إلى رباط الفتح عقد لأخيه المولى الطيب على بني حسن وبعثه في اعتراضه فتوافى الجيشان معا برباط الفتح ووقعت الحرب فانهزم الزعري وشيعته وقتل العباس مرينو وفر المكي فرج إلى الزاوية التهامية فاستجار بها وقبض المولى الطيب على الزعري وجماعة من أصحابه ثم سرحه بأمر السلطان المولى سليمان واجتمعت كلمة أهل العدوتين على طاعته هكذا ساق صاحب البستان هذا الخبر وآل فرج يثبتونه ويقولون إن أصل هذه الفتنة أن آل مرينو كانت لهم الوجاهة مع المولى يزيد رحمه الله فسعوا عنده بآل فرج وقالوا له إنهم تقاعدوا على مال الوزير أبي عبد الله محمد العربي قادوس الذي أمنه عندهم فبطش بهم المولى يزيد وصادرهم واستحكمت العداوة يومئذ بينهم وبين آل مرينو فلما توفي المولى يزيد بادر آل مرينو ومن لافهم إلى بيعة المولى مسلمة وانحرف عنهم إلى بيعة المولى سليمان من لم يكن من حزبهم ولما قتل العباس مرينو عمد أوباش رباط الفتح إلى شلوه وربطوا في رجله حبلا وجروه في أسواق المدينة وعرضوه على حوانيتها حانوتا حانوتا إذ كان في حياته محتسبا رحمه الله وكان السلطان المولى سليمان في هذه المدة مقيما بفاس لم يتحرك منه ثم أن المولى مسلمة صاحب بلاد الهبط بعث ولده إلى آيت يمور وأمرهم أن يشنوا الغارة على أهل زرهون الذين هم في طاعة السلطان ففعلوا وكثر عيثهم في الرعايا فسار السلطان المولى سليمان إلى مكناسة واستنفر جيش العبيد وقبائل البربر ثم وافاه الودايا وأهل فاس وشراقة فاجتمع عليه الجم الغفير وصمد بهم إلى آيت يمور فألفاهم على نهر سبو بالموضع المعروف بالحجر الواقف فصمدت إليهم العساكر وأوقعت بهم وقعة شنعاء وفر ولد المولى مسلمة فلحق بأبيه ولجأ آيت يمور بقضهم وقضيضهم إلى جبل سلفات وبقيت حلتهم بماشيتها وأثاثها بيد السلطان فانتهبتها جيوشه من العبيد والودايا والبربر وبات السلطان هنالك ولما أصبح بعث إليه آيت يمور نساءهم وأولادهم للشفاعة وطلب العفو فعفا عنهم وثابوا إليه وبايعوه فأنعم عليهم بماشيتهم وزرعهم وعاد إلى فاس ثم بلغه أن المولى مسلمة معسكر ببلاد الحياينة فنهض إليه من فاس فأوقع به فانهزم المولى مسلمة وجيشه ونهب جيش السلطان حلة الحياينة وجاؤوا تائبين فعفا عنهم ونظمهم في سلك الجماعة وتفرق عن المولى مسلمة كل من كان معه من عرب الخلط وأهل الجبل ولم يبق معه إلا خاصته وأولاده وابن أخيه المولى حسن بن يزيد فسار إلى جبل الزبيب فلم يقبلوه ثم انتقل إلى الريف فأهملوه ثم صعد إلى جبل بني يزناسن فطردوه ثم توجه إلى ندرومة فمنعه صاحبها من الوصول إلى الباي صاحب الجزائر وكان ذلك عن أمر منه فتوجه إلى تلمسان وأقام بها قال صاحب البستان وهناك اجتمعت به في ضريح الشيخ أبي مدين بالعباد يعني حين قدم تلمسان مفارقا للسلطان المولى سليمان وزعم أن المولى مسلمة لما اجتمع به لامه على تخذيل الناس عن بيعته وحضه إياهم على بيعة أخيه المولى سليمان قال فبينت له حال المولى سليمان وما هو عليه من اتباع سيرة والده في العدل والرفق بالرعية وبذلك أحبه الناس فلما سمع كلامي بكى واعترف بالحق وتلا قوله تعالى @QB@ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير @QE@ الأعراف 188 ثم طلب من صاحب الجزائر أن يأذن له في الذهاب إلى المشرق والمرور بإيالته فأبى وبعث من أزعجه من تلمسان إلى سجلماسة ولما اتصل خبره بالسلطان المولى سليمان وأنه عاد إلى سجلماسة أرسل إليه مالا وكسى وعين له قصبة ينزلها ورتب له ما يكفيه في كل شهر كسائر إخوته فلم يطب له مقام بها وسار إلى المشرق فاجتاز في طريقه بصاحب تونس الأمير حمودة باشا ابن علي باي قال صاحب الخلاصة النقية قدم المولى مسلمة بن محمد على الأمير حمودة باشا شريدا أثر خلعه من مملكة فاس فأنزله أسنى منزلة وأجرى عليه جراية سلطانية وبالغ في بره اه ثم أن المولى مسلمة سافر إلى المشرق فأقام بمصر مدة ثم توجه إلى مكة فنزل على سلطانها صهره على أخته فأكرمه ورتب له جراية ثم عاد من مكة إلى مصر وساءت حاله في هذه المدة وضاقت عليه الأرض بما رحبت فرجع إلى تونس ونزل على حمودة باشا المذكور فعاود إكرامه ثم طلب منه أن يشفع له عند أخيه المولى سليمان فكتب له بذلك فأخذ كتابه وانحدر إلى وهران وطلب من أميرها الشفاعة أيضا فكتب له وبعث بمكاتيب الأميرين إلى السلطان المولى سليمان فقبله وأمره أن يذهب إلى سجلماسة ينزل بها بدار والده ويرتب له ما يكفيه من مؤنة وكسوة ويقاسمه نعمته ويبقى بعيدا عن سماسرة الفتن حتى لا يجدوا سبيلا إلى إيقاد نار الفتنة فلما بلغه جواب أخيه لم يرض ذلك وعاد إلى المشرق فبقي يتردد به إلى أن وافته منيته واستراح من تعب الدنيا رحمه الله

نهب عرب آنقاد لركب حاج المغرب وما نشأ عن ذلك

ثم بلغ السلطان المولى سليمان رحمه الله أن جماعة من التجار والحجاج الذين قدموا من المشرق خرجوا من وجدة متوجهين إلى فاس فلما توسطوا أرض آنقاد عدت عليهم عربها فنهبتهم فاستدعى السلطان رحمه الله الكاتب أبا القاسم الصياني وأمره بالمسير إلى وجدة يكون واليا بها ويصلح ما فسد من أعمالها فكره الصياني ذلك واستقال فلم يقله السلطان وعزم عليه في المسير إليها وعين له مائة فارس تذهب معه فامتثل راغما وأضمر أنه إن فارق السلطان يذهب إلى أحد الحرمين الشريفين فيقيم به بقية عمره وجمع موجوده وخرج فخرج معه قفل التجار الذي كان محصورا بفاس ولما توسطوا أرض آنكاد وجدوا العرب في انتظارهم فثأروا بهم وقاتلوهم فتماسكت خيل السلطان هنيئة ثم كثرهم العرب فهزموهم ولم يبق من تلك الخيل إلا قائدها في عشرة من إخوانه وانتهبت العرب ما كان في ذلك القفل من أمتعة التجار وسلعها ولم ينج من نجا منه إلا بنفسه قال الصياني فلجأنا إلى قصبة العيون وتفرق جمعنا وقتل منا سبعة نفر وجرح آخرون فبعثت من أتانا بالقتلى فدفناهم ثم سرحت قائد الخيل إلى وجدة مع بعض العرب الذين هنالك وطلعت أنا مع برابرة بني يزناسن وليس معي إلا مركوبي

وفرس آخر كان عليه مملوك لي قتل في المعركة قال ثم خلصت إلى وهران فنزلت عند الباي محمد باشا فأظهر التأسف والتوجع وراودني على المقام فأبيت ثم ذكر الصياني أنه بعد هذا ذهب إلى تلمسان واجتمع هنالك بالمولى مسلمة بن محمد وتلاوما وتعاتبا حسبما ذكرناه آنفا وكان ذلك أواخر سنة ست ومائتين وألف

بعث السلطان المولى سليمان الجيوش إلى الحوز ونهوضه على أثرها إلى رباط الفتح وعوده إلى فاس

قد قدمنا أن أهل مراكش وقبائل الحوز كانوا متمسكين بدعوة المولى هشام بن محمد من لدن دولة المولى يزيد رحمه الله ولما صفت بلاد الغرب للسلطان المولى سليمان رحمه الله تاقت نفسه إلى تمهيد بلاد الحوز والاستيلاء عليها فعقد لأخيه المولى الطيب بن محمد على عشرة آلاف من الخيل وعين معه جماعة من قواد الجيش وبعثهم إلى قبائل الشاوية وذلك أواخر سنة سبع ومائتين وألف ثم زحف السلطان على أثرهم إلى رباط الفتح فمحا بقية آثار الفتنة التي نشأت بها وأقام ينتظر ما يكون من أمر أخيه وفي سادس شوال من السنة صلى السلطان الجمعة بمسجد القصبة منها وكان هو الإمام وخطب خطبة بليغة تشتمل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من الحرام واجتناب الآثام ووعد وأوعد وقال في آخر خطبته وانصر اللهم جيوش المسلمين وعساكرهم ودعا لكافة الأمة وصلى في الركعة الأولى بسورة الجمعة وفي الثانية بسورة الغاشية الخ ولما قدم المولى الطيب بلاد الشاوية تنافس قواد الجيش الذين معه وتنازعوا الرياسة وصار كل واحد منهم يرى أنه صاحب الأمر وكان من أعظمهم تهورا القائد الغنيمي كان من قواد المولى يزيد رحمه الله فأبقاه المولى سليمان على رياسته تألفا له فاستبد على سائر القواد في الرأي إذ كان رديف الخليفة المولى الطيب وصاحب مشورته فلما كان وقت اللقاء تخاذلوا عنه وجروا عليه الهزيمة وتركوا أخبيتهم وأثاثهم بيد العدو ورجعوا مفلولين إلى السلطان برباط الفتح وهم عشرة آلاف فارس كما مر فما وسع السلطان رحمه الله إلا الرجوع بهم إلى فاس لتجديد آلة السفر والغزو ثانيا وإخلاف ما ضاع من الأخبية والسلاح والأثاث حسبما يذكر بعد إن شاء الله

ثورة محمد بن عبد السلام الخمسي المعروف بزيطان بالجبل

لما كانت سنة ثمان ومائتين وألف ثار بقبيلة الأخماس من جبال عمارة رجل من طلبتها يقال له محمد بن عبد السلام ويدعى زيطان فاجتمعت عليه سماسرة الفتن من كل قبيلة وكثر تابعوه وكان السبب في ثورته أن القائد قاسما الصريدي كان واليا بتلك الناحية أيام المولى يزيد رحمه الله فلما بويع المولى سليمان ولى على تلك الناحية القائد الغنيمي المتقدم الذكر وكان عسوفا فيما قيل فقبض على القائد قاسم واستصفى أمواله وبث عليه العذاب كي يظهر ما بقي عنده حتى هلك في العذاب فثار زيطان واجتمعت عليه الغوغاء من أهل تلك البلاد ولما شرى داؤه بعث السلطان بجيش إلى القائد الغنيمي وأمره أن يقصد زيطان وجمعه فزحف إليه ببلاد غصاوة قرب وازان وأوغل في طلبه فنهاه من معه من رؤساء الجيش عن التورط بالناس في تلك الجبال والشعاب فلج واقتحمها بخيله وراميته ولما توسطها سالت عليه الشعاب بالرماة من كل جانب وهاجت الحرب وأحاط العدو بالجيش فقتلوا منهم وسلبوا كيف شاؤوا وردوهم على أعقابهم منهزمين ولما اتصل خبر الهزيمة بالسلطان اغتاظ وقبض على الغنيمي ومكن منه أولاد قاسم الصريدي فباشروا قتله بأيديهم واقتصوا منه بأبيهم وولى على قبائل الجبل أخاه المولى الطيب وفوض إليه أمر الثغوروأنزله طنجة وبقي المولى الطيب يدبر أمر القبائل الجبلية وثغورها من تطاوين إلى طنجة إلى العرائش وكلما بدت له فرجة سدها أو فرصة انتهزها وحارب قبائل الفحص إلى أن استكانوا وانقادوا إلى الطاعة ثم حارب أهل حوز طنجة وآصيلا من بني يدير والأخماس من أصحاب زيطان فكانت الحرب بينهم سجالا ثم لما دخلت سنة تسع ومائتين وألف أمد السلطان أخاه المولى الطيب بجيش وافاه بطنجة فخرج منها ومعه عسكرها وعسكر العرائش وصمد إلى بني جرفط عش الفساد ونزل على بلادهم وقاتلهم في عقر ديارهم فقتل مقاتلتهم وأحرق مداشرهم وانتهب أموالهم ومزقهم كل ممزق فجاؤوه خاضعين تائبين فعفا عنهم ثم تقدم إلى بني حرشن من بني يدير على تفيئة ذلك ففر الثائر زيطان إلى قبيلته بالأخماس وتسللت عنه القبائل التي كانت ملتفة عليه واستنزله المولى الطيب بالأمان فظفر به وبعث به إلى السلطان فأمضى له أمانة وولاه على قبيلته وصار من جملة خدام الدولة ونصحائها إلى أن ملك زمامها وتعين غيره للقيام بأمرها فأخر ونقله السلطان إلى تطاوين فسكنها ورتب له بها ما يكفيه وبقي إلى أواخر دولة السلطان المولى سليمان ولما خرج عليه المولى إبراهيم بن يزيد ودخل تطاوين كانت لزيطان هذا في التمسك بدعوة السلطان اليد البيضاء وأغنى غناء جميلا في تثبيت تلك القبائل وتسكينها ثم وفد على السلطان بطنجة سنة ست وثلاثين ومائتين وألف وقد طعن في السن فأحسن إليه غاية الإحسان وإلى الآن لا زال أهل الأخماس يستنصرون بحفدته ويعتقدون فيهم ما تعتقده آيت ومالو في آل مهاوش والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين وفي ذي الحجة من هذه السنة أعني سنة تسع ومائتين وألف توفي العلامة الإمام السيد التاودي بن سودة المري الفاسي صاحب الحاشية على البخاري والحاشية على شرح الشيخ عبد الباقي الزرقاني على المختصر وشرح العاصمية والزقاقية وغير ذلك من التآليف المفيدة وكان رحمه الله خاتمة الشيوخ بفاس ومناقبه شهيرة

أخبار المولى هشام بن محمد بمراكش والحوز وما يتصل بذلك

قد قدمنا أن أهل مراكش وقبائل الحوز كانوا قد خرجوا على السلطان المولى يزيد وبايعوا أخاه المولى هشام بن محمد ولما قتل المولى يزيد بمراكش استقرت قدم المولى هشام بها وأطاعته قبائل الحوز كلها وكان وزيراه القائمان بأمره صاحب آسفي القائد عبد الرحمن بن ناصر العبدي وكان غاية في الجود وبسط الكف وصاحب دكالة والحوز القائد محمد الهاشمي بن العروسي وكان ذا شوكة بعصبيته وقومه فكان هذان القائدان إليهما النقض والإبرام في دولة المولى هشام هذا بكثرة ماله وعطائه وهذا بعصبيته وشدة شوكته فدانت للمولى هشام قبائل دكالة وعبدة وأحمر والشياظمة وحاحة وغير ذلك واستمر الحال على ذلك برهة من الدهر إلى أن افترقت عليه كلمة الرحامنة وتجنوا عليه بأنه قتل عاملهم القائد أبا محمد عبد الله بن محمد الرحماني غيلة على أنه كان مدبر دولته والقائم بأمره قال أكنسوس هكذا شاع أن المولى هشاما هو الذي أمر بقتل عبد الله الرحماني وابن الداودي قال والذي تحدث به السلطان المولى سليمان مع بعض الناس هو أن الفرقة المنحرفة من الرحامنة قتلوه وأظهروا أن المولى هشاما هو الذي دس إليهم بذلك وكذلك أمر ابن الداودي والله أعلم ولما قتل القائد عبد الله خلعت الرحامنة طاعة المولى هشام وبايعت أخاه المولى حسين بن محمد وزحفوا به إلى مراكش فلم يرع المولى هشاما إلا طبولهم تقرع حول القصبة وأرهفوه وأعجلوه عن ركوب فرسه فخرج يسعى على قدميه إلى أن أتى ضريح الشيخ أبي العباس السبتي فعاذ به وثابت إليه نفسه وبعد أيام تسلل وسار في جماعة من حاشيته إلى آسفي ونزل على وزيره القائد عبد الرحمن بن ناصر فأكرم مثواه وأحسن نزله وغدا وراح في طاعته ومرضاته ودخل المولى حسين قصر الخلافة

بمراكش فاستولى على ما فيه من الذخيرة والأثاث من متاع المولى هشام ومتخلف المولى يزيد فاضطر أهل مراكش حينئذ إلى مبايعة المولى حسين والخطبة به وكان ذلك سنة تسع ومائتين وألف وافترقت الكلمة بالحوز فكان بعضه كعبدة وأحمر ودكالة مع المولى هشام وبعضه مثل الرحامنة وسائر قبائل حوز مراكش مع المولى حسين واتقدت نار الفتنة بين هؤلاء القبائل وتفانوا في الحروب إلى أن بلغ عدد القتلى بينهم أكثر من عشرين ألفا هذا كله والسلطان المولى سليمان مقيم بفاس معرض عن الحوز ومتربصين بأهله الدوائر إلى أن ملوا الحرب وملتهم وكان ذلك من سعادته فصاروا يتسللون إليه أرسالا ويسألونه الذهاب إلى بلادهم ليعطوه صفقة بيعتهم فكان يعدهم بذلك ويقول إذا فرغت من أمر الشاوية قدمت عليكم إن شاء الله