ثورة المولى عبد الملك بن إدريس بآنفا والسبب في ذلك
كانت قبائل الشاوية منذ هزموا جيش المولى الطيب بن محمد وهم حذرون من سطوة السلطان عالمون بأنه غير تاركهم فعزموا على تلافي أمرهم عنده وأوفدوا عليه جماعات من أعيانهم المرة بعد المرة يسألونه أن يولي عليهم رجلا يكونون عند نظره ويقفون عند أمره ونهيه فولى عليهم ابن عمه وصهره على أخته المولى عبد الملك بن إدريس بن المنتصر ووجهه معهم فقدم المولى عبد الملك أرض تامسنا ونزل بمدينة آنفا وهي المسماة اليوم بالدار البيضاء وتولى القيام على مستفاد مرساها وصار يسهم فيه لأعيان الشاوية الذين معه وكان قصده بذلك أن يتألفهم على الطاعة والخدمة فلما حصل لهم ذلك السهم من المال تطاولوا إلى الزيادة عليه وقد قيل في المثل قديما لا تطعم العبد الكراع فيطمع في الذراع فصار المولى عبد الملك يقاسمهم المستفاد شق الأبلمة فلما بلغ السلطان ذلك كتب إليه يعاتبه على فعله ثم نهض على تفئة ذلك من فاس يريد تامسنا إذ لم يشف المولى عبد الملك الغليل في ضبطها فلما بلغ كتاب السلطان المولى عبد الملك أنف من ذلك العتاب وكانت له وجاهة عند السلطان الأعظم سيدي محمد بن عبد الله وكان من كبار بني عمه وخواص قرابته ثم اتصل به الخبر بخروج السلطان من فاس فطارت نفسه شعاعا واستشار بطانته من الشاوية فقال لهم إن هذا الرجل قادم علينا لا محالة وليس له قصد إلا أنا وأنتم فما الرأي قالوا الرأي أن نبايعك ونحاربه قال ذلك الذي أريد فبايعوه ولما انفصل السلطان عن رباط الفتح بعث في مقدمته أخاه وخليفته المولى الطيب وعقد له على كتيبة من الخيل وتبعه السلطان على أثره ولما بات بقنطرة الحلاج جاءه الخبر بأن قبائل الشاوية قد بايعوا المولى عبد الملك بن إدريس واتصل بالمولى عبد الملك وهو بآنفا أن السلطان بائت بالقنطرة فتضاعف خوفه وفر فيمن بايعوه من أهل الشاوية وأخلى مدينة آنفا من خيله ورجله ففرح أهلها بخروجه من بين أظهرهم لئلا يعديهم جربه وبادروا بإخراج المدافع ليلا إعلاما للسلطان بفراره ثم أنفذوا إليه رسلهم بجلية الخبر فهش لهم السلطان وبعث معهم كتيبة من الخيل تقيم بآنفا وتقدم هو بالعساكر إلى قصبة علي بن الحسن فأغار على حلة مديونة وزناته فنهبها وامتلأت أيدي الجيش وأوغل المولى عبد الملك في الفرار إلى جهة أم الربيع وعاد السلطان بالنعم والماشية إلى رباط الفتح فدخلها مؤيدا منصورا ونقل تجار النصارى الذين كانوا بآنفا إلى رباط الفتح وأبطل مرساها واستمرت معطلة إلى دولة السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام فأحياها كما سيأتي إن شاء الله ثم ارتحل السلطان المولى سليمان إلى مكناسة فاحتل بها وقال في ذلك العلامة الأديب أبو محمد عبد القادر بن شقرون ( مولاي أنت الذي صفت مشاربه % إن تغز ناحية أوليتها جلدك ) ( هذي البشائر وافت وهي قائلة % أعوذ بالله من شر الذي حسدك )
( فاصعد على منبر الإقبال معتليا % فالسعد أنجز ما كان به وعدك ) ( وانهض إلى غاية الآمال تدركها % فالآن قالت لك العلياء هات يدك ) ( ولا تخف أبدا من سوء عاقبة % فليس يفلح من بالسوء قد قصدك ) ( ألبسك الملك العميم نائله % من الرضى حللا قوى بها مددك ) ( فضلا من الحكم الترضي حكومته % جعلها كالشجا في حلق من جحدك ) ( فاشكر صنيع الذي أولاك مكرمة % تنل رضاه وتبلغ بالرضى رشدك )
قدوم عرب الرحامنة على السلطان المولى سليمان ومسيره إلى مراكش واستيلاؤه عليها
قد قدمنا أن أهل الحوز افترقت كلمتهم على قسمين فبعضهم بايع المولى حسين بن محمد وبعضهم أقام على بيعة أخيه المولى هشام وأنه نشأ عن ذلك حروب تفانى فيها الخلق فلما كانت سنة عشر ومائتين وألف قدم على السلطان بمكناسة جماعة من أعيان الرحامنة مبايعين له وسائلين له المسير معهم إلى بلادهم لتجتمع كلمتهم عليه فوعدهم بأنه إذ فرغ من أمر الشاوية ومهد طريقه بها إلى الحوز سار إليهم ثم قوى عزمه رحمه الله فخرج في العساكر من مكناسة وقصد تامسنا فلما احتل بها قدم عليه أولاد أبي رزق وفر أولاد أبي عطية وأولاد حريز الذين عندهم المولى عبد الملك بن إدريس ولجؤوا إلى وادي أم الربيع فقصدهم السلطان هنالك وأوقع بهم وفر المولى عبد الملك إلى أخواله بالسوس فأقام عندهم إلى أن شفع فيه أخو السلطان المولى عبد السلام بن محمد وأخته الملاة صفية وكانت زوجة المولى عبد الملك فقبل السلطان شفاعتهما فعفا عنه وعاد إلى فاس واطمأن جنبه وأما الشاوية فإنهم قدموا على السلطان تائبين خاضعين فعفا عنهم وولى عليهم الأستاذ الغازي بن المدني المزمري فصلحت الأحوال على يده ورجع السلطان إلى فاس مظفرا منصورا فأقام بها إلى أن دخلت سنة إحدى عشرة ومائتين وألف فتهيأ للغزو وخرج إلى بلاد دكالة فاستولى عليها وعلى مدينة آزمور وتيط وبايعه أهل تلك الناحية وقدم عليه أعيان دكالة تائبين وخرجوا من زمرة عبدة وسلطانهم المولى هشام وانتظموا في سلك الجماعة وهناك قدم عليه أعيان الرحامنة ثانية ببيعتهم فأكرم مقدمهم وزحف إلى مراكش وهم في ركانة فلما شارفها فر عنها سلطانها المولى حسين إلى زاوية المولى إبراهيم بن أحمد الأمغاري بالجبل فدخل السلطان المولى سليمان إلى مراكش واستولى عليها وبايعه أهلها وقدم عليها بها قبائل الحوز والدير وقبائل حاحة والسوس بهداياهم مغتبطين فسر بهم وأكرمهم وأصلح بين قبائل الحوز وجمع كلمتهم وأهدر دماءهم ومهد بلادهم ورتب حاميتها وأنزل بقصبة مراكش أهل الحوز الذين كانوا بها أيام والده ورتب لهم الجرايات وأمر بألف من عبيد السوس يأتون لسكنى القصبة واستقامت الأمور
دخول آسفي وصاحبها القائد عبد الرحمن بن ناصر العبدي في طاعة السلطان المولى سليمان رحمه الله
كان عبد الرحمن بن ناصر هذا على ما وصفناه قبل من الوجاهة ونفوذ الكلمة بآسفي وأعمالها وكان مستوليا على جباية مرساها وخلد بها آثارا مثل الدار الكبرى التي على شاطىء البحر ومسجد الزاوية وغير ذلك وكان جوادا بالعطاء ولما استولى السلطان المولى سليمان رحمه الله على مراكش بعث إليه كاتبه أبا عبد الله محمد بن عثمان المكناسي ليأتيه به أو يأذن بحربه ولما وصل الكاتب المذكور إليه بآسفي ألفاه مريضا فاعتذر عن القدوم على السلطان بالمرض وكتب بيعته وأدى طاعته وانتقل المولى هشام عنه إلى زاوية الشرابي فأقام بها فبعث إليه السلطان من أمنه وجاء به إليه فلقاه مبرة وتكرمة وقدم إليه المراكب والكسي وأنزله بدار أخيه المولى المأمون ريثما استراح ثم بعثه إلى رباط الفتح فاستوطنها ورتب له من الجراية ما يكفيه ولما قدم الكاتب ابن عثمان على السلطان ببيعة عبد الرحمن بن ناصر واعتذر له عنه بالمرض قبل ظاهر عذره وأرجأ أمره إلى يوم ما وحكى صاحب الجيش أن المولى هشاما لما قدم على السلطان بمراكش ونزل بدار أخيه المولى المأمون أتاه السلطان بعد ثلاث إلى منزله راجلا لقرب المسافة ولما التقيا تعانقا وتراحما ثم جاء معه المولى هشام حتى دخلا بستان النيل من باب الرئيس ونصب له السلطان كرسيا جلس عليه وجلس هو أمامه إعظاما له لكونه أسن منه ثم صار يستدعيه صباحا ومساء فيجلسان ويتحدثان ثم يفترقان وكان لا يتغدى ولا يتعشى إلا وهو معه وكلما دخل عليه رفع مجلسه وأجله وإذا ذكره لا يذكره إلا بلفظ الأخوة بأن يقول أخي المولى هشام دون سائر بني أبيه ولما طلب المولى هشام منه السكنى برباط الفتح أجابه إليها وقضى مآربه وأزاح علله ثم عاد إلى مراكش فكانت منيته بها كما نذكره
دخول الصويرة وأعمالها في طاعة السلطان المولى سليمان رحمه الله
كان من خبر دخول الصويرة وأعمالها في طاعة السلطان المولى سليمان رحمه الله أن الحاج محمد بن عبد الصادق المسجيني وهو من عبيد الصويرة كان قد قدم من الحج عامئذ فمر على السلطان المولى سليمان وهو بالغرب فدخل عليه فولاه على الصويرة وكتب له العهد بذلك وأمره بإخفائه حتى يختبر حال أهلها ويعلم أين هواهم إذ كان ذلك قبل أن يطأ السلطان بلاد الحوز ويستولي عليها وكانت الصويرة حينئذ من جملة النواحي التي إلى نظر عبد الرحمن بن ناصر ومن في حزبه وتحت غلبة حاحة وعصبيتها وكان الوالي بها يومئذ القائد أبو مروان عبد الملك بن بيهي الحاحي وكانت له نباهة وذكر في قبائل حاحة وما اتصل بها فقدم ابن عبد الصادق الصويرة على أنه قدم من حجه لا غير فأراح بمنزله ثلاثا ثم جاء إلى باب القائد وأظهر عبد الملك بن بيهي وأقام من جملة الأعوان في الخدمة المخزنية إذ تلك هي وظيفته وخف في خدمة القائد المذكور واعتمل في مرضاته وأظهر من النصح ما قدر عليه ولازم الباب ليلا ونهارا فكان عبد الملك لا يخرج إلا ويجده قائما محتزما على الباب كما قال مسلم بن الوليد في فتى بني شيبان يزيد بن مزبد بن زائدة ( تراه في الأمن في درع مضاعفة % لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل ) فلم يلبث أن حلى بعينيه وعظمت منزلته لديه فقدمه على الأعوان وعلى الحاشية حتى اتخذه صاحب رأيه وجعله عيبة سره وابن عبد الصادق في أثناء ذلك يحكم أمره مع إخوانه مسكينة وأهل آكادير سرا وأذنه صاغية لخبر السلطان متى يطأ بلاد الحوز فلما سمع بوصوله إلى دكالة واستيلائه على آزمور وتيط أفضى بأمر ولايته إلى خاصته وشيعته وواعدهم لمظاهرتهم إياه على أمره ليلة معلومة وعبد الملك لا علم له بما يراد به وكان ابن عبد الصادق فيما قيل قد أخذ عليه أنه إذا حدث أمر ولو ليلا يخرج إليه حتى يفاوضه فيما يكون عليه العمل فجاءه في تلك الليلة وقد هيأ جماعة من عبيد الصويرة الذين أعدهم للقيام معه وتركهم بحيث يسمعون كلامه إذا تكلم وقال لهم إذا سمعتموني أكلمه وأراجعه في القول فبادروه واقبضوا عليه ثم تقدم واستأذن على عبد الملك فخرج إليه وبينما هو يكلمه أحاط به العبيد وقبضوا عليه وعلى جماعة من أصحابه من حاحة الذين كانوا يخدمونه ولم يملكوهم من أنفسهم شيئا حتى أخرجوهم عن البلد في تلك الساعة ودفعوا لعبد الملك فرسه وأغلقوا الباب خلفه وصفا لهم أمر البلد ومن الغد جمع ابن عبد الصادق أهل الصويرة وقرأ عليهم كتاب السلطان بولايته عليهم فأذعنوا وأجابوا ولم يرق فيها محجمة دم ثم ورد الخبر عقب ذلك بدخول السلطان إلى مراكش واستيلائه عليها وبها تم له أمر المغرب وصفا له ملكه ولم يبق له فيها منازع وذلك بعد مضي خمس سنين من ولايته رحمه الله ثم إنه استخلف أخاه المولى الطيب نائبا عنه بمراكش وقفل إلى فاس من عامه فمر على طريق تادلا وأمر عاملها القائد عبد الملك أن يغير على بني زمور وينهب أموالهم ويقبض على مقاتلتهم ويلقاه بهم إلى الصخرة فكرب القائد عبد الملك في الجيش الذي كان معه واحتال عليهم بأن أرسل إليهم بالقدوم عليه فرسانا فلما قدموا عليه أمر بالقبض عليهم وشدهم وثاقا وحاز خليهم وسلاحهم ثم أغار على حلتهم فنهبها وقدم على السلطان بمالهم ورقابهم وكانوا مائتي رجل بالتثنية فبعث بهم السلطان إلى مكناسة فسجنوا بها حتى صلحت أحوالهم بعد ذلك وسرحهم
استرجاع السلطان المولى سليمان مدينة وجدة وأعمالها من يد الترك
وفي هذه السنة أعني سنة إحدى عشرة ومائتين وألف بعث السلطان المولى سليمان بالعساكر من فاس إلى وجدة فعقد على الودايا للقائد أبي السرور عياد بن أبي شفرة وعلى شراقة للقائد محمد بن خدة وعلى الأحلاف للقائد عبد الله بن الخضر وأمرهم أن يأتوا أرض وجدة ويدوخوها ويقاتلوا الترك الذين استحوذوا عليها ومانعوا دونها وكتب مع ذلك إلى الباي محمد باشا في أن يتخلى عنها وعن قبائلها التي كان يتصرف فيها أيام الفترة أو يأذن بالحرب فامتثل الباي محمد ذلك ولم يمانع بل كتب إلى نائبه بها أن يتركها لأربابها ويتخلى عن قبائل بني يزناسن وسقونة والمهاية وأولاد زكرى وأولاد علي ورأس العين فامتثل ودخل جيش السلطان لوجدة وجبى عامله زكواتها وأعشارها واستخلف نائبه بها وقفل بالعساكر على السلطان وهو بفاس وقد تمهد الملك ووشجت عروقه وألقى السعد بجرانه والحمد لله وفي هذه السنة قدم الشيخ الفقيه المتصوف أبو العباس أحمد التجاني إلى
فاس فاستوطنها وكان الباي محمد بن عثمان صاحب وهران قد أزعجه من تلمسان إلى قرية أبي صمغون فأقام بها وأقبل أهلها عليه ثم لما مات الباي المذكور وولي بعده ابنه عثمان بن محمد سعى عنده بالشيخ التجاني فبعث إلى أهل أبي صمغون وتهددهم ليخرجوه ولما سمع بذلك الشيخ المذكور خرج مع بعض تلامذته وأولاده وسلك طريق الصحراء حتى احتل بفاس ولما دخلها بعث رسوله بكتابه إلى أمير المؤمنين المولى سليمان يعلمه بأنه هاجر إليه من جور الترك وظلمهم واستجار منهم بأهل البيت الكريم فقبله السلطان وأذن له في الدخول عليه والحضور بمجلسه ولما اجتمع به ورأى سمته ومشاركته في العلوم أقبل عليه واعتقده وأعطاه دارا معتبرة من دوره كان أنفق في عمارتها نحوا من عشرين ألف مثقال ورتب له ما يكفيه وأقبل عليه الخلق واشتهر أمره بفاس والمغرب وهو شيخ الطائفة التجانية رحمه الله ونفعنا به ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومائتين وألف فيها خرج السلطان في العساكر من مكناسة يريد عبد الرحمن بن ناصر بآسفي وعزم على حربه إلا أن يؤدي الطاعة هو وقبيلته مباشرة طوعا أو كرها ولما عبر وادي أم الربيع قدم إليه القائد أبو السرور عياد بن أبي شفرة في جيش الودايا وقال له إذا قدمت عليه فأزعجه للمجيء فإن قدم فأقم أنت بآسفي وإن امتنع من المجيء فاكتب إلي وأقم هنالك حتى أقدم عليك فلما وصل إليه القائد عياد لم يسعه إلا المجيء لملاقاة السلطان فجاء وهو مريض في محفته ومعه جموعه وقبائله حتى اجتمع بالسلطان بالموضع المعروف بمائة بير وبير بين عبدة ودكالة فبايعه مباشرة وأدى الطاعة هو وإخوانه مباشرة كما اقترح السلطان وتحقق بأن تأخره إنما كان للمرض الذي به فوفى له السلطان بعهده وزاد في كرامته بوصوله معه إلى آسفي ودخوله إلى داره بعد تثبيط رؤساء الجيش له عن الدخول معه ثم عقد له على قبائله وأمره بقبض الواجب منهم زاد صاحب الجيش وشكره على إيوائه لأخيه المولى هشام ثم سار السلطان إلى مراكش فدخلها مظفرا منصورا وفي هذه السنة حدث الوباء ببلاد المغرب وعم حاضره وبواديه ولما فشا بمراكش وأعمالها رجع السلطان إلى مكناسة وترك أخاه المولى الطيب نائبا عنه بها فبلغه أثناء الطريق وفاة كاتبه أبي عبد الله محمد بن عثمان تركه بمراكش مصابا بالوباء قال صاحب البستان فلما وصل السلطان إلى مكناسة استقدمني من فاس فقدمت عليه وقلدني كتابته بعد أن أخرني عنها سنة وفي أثناء ذلك بلغه وفاة إخوته الأربعة خليفته المولى الطيب والمولى هشام والمولى حسين والمولى عبد الرحمن بالوباء الثلاثة الأول بمراكش والرابع بالسوس ودفن المولى هشام والمولى حسين بقبة إلى جنب الشيخ الجزولي رضي الله عنه وقبرهما مشهور بمراكش قال صاحب البستان فبعثني السلطان إلى مراكش لآتيه بمتخلف إخوته الذين هلكوا بها ومتخلف الكاتب ابن عثمان وبعث معي خيلا وبغالا لأحمل المتخلف المذكور والوباء لا زال لم ينقطع قال فوصلت إلى مراكش وجمعت المتخلف ورجعت به إلى فاس وقد ارتفع الوباء وازدهرت الدنيا ودرت ألبان الجباية للسلطان وفي هذه المدة قدم على حضرة السلطان باشدور الإصبنيول فعقد معه شروط المهادنة وكان الذي تولى عقدها معه الكاتب ابن عثمان المكناسي قبل وفاته بيسير وهي ثمانية وثلاثون شرطا مرجعها إلى الصلح والأمان من الجانبين إلا أنها أشد بيسير من الشروط التي انعقدت مع السلطان المرحوم سيدي محمد رحمه الله من ذلك أن شروط سيدي محمد كانت تتضمن أنه إذا تشاجر مسلم ونصراني فالذي يفصل بينهما هو الحاكم إلا أن القنصل يحضر وقت الفصل عسى أن يدفع عن ابن جنسه بحجة إن كانت وصارت شروط السلطان المولى سليمان تتضمن أن كل واحد منهما يتولى أخذ الحق منه حاكمه ويدفعه لخصمه وإذا فر نصراني من سبتة أو مليلية أو نكور أو بادس وأراد إسلاما فلا بد من حضور القنصل إن كان وإلا فالعدول يسمعون منه ثم شأنه وما يريد ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف فيها وجه السلطان كاتبه أبا عبد الله محمد الرهوني لجمع أموال المنقطعين فجمع منها ما قدر عليه وعاد سالما معافى ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائتين وألف فيها أرسل السلطان كاتبه المذكور عاملا على السوس ومعه طائفة من الجند فجبى قبائله ورجع وأحبه أهل السوس لحسن سيرته ولين جانبه وفي هذه السنة في اليوم الثامن من ربيع الثاني منها توفي الفقيه العلامة الماهر أبو عبد الله محمد المير السلاوي وكان من أهل المشاركة والتحقيق والخط الحسن رحمه الله ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائتين وألف فيها بعث السلطان العساكر لبرابرة آيت ومالو وعقد عليها للكاتب أبي عبد الله الحكماوي وبعث معه جماعة من قواد الجيش وقواد القبائل فلم يرضوا إمارته عليهم إذ كلهم كانوا أسن منه وفيهم من هو أعرف بأحوال البربر ومكايدهم فخذلوه وقت اللقاء وجروا عليه الهزيمة وأستولى البربر على أثاثهم ومدافعهم وجردوا الكثير منهم وقبضوا على الكاتب حتى أجاره بعض البربر فأبقوا عليه إلى أن بعثوا به إلى السلطان ثم دخلت سنة ست عشرة ومائتين وألف فيها بعث السلطان الجيش إلى بلاد درعة مع كاتبه أبي العباس أحمد آشقراس فدخلها واستولى على قصورها المغصوبة وأخرج منها العرب والبربر وجبى أموالها ومهد نواحيها وأمن سبلها حتى صار ما بين السوس ودرعة والفائجة مجالا للتجارة وممرا لأبناء السبيل يغدون به ويروحون آمنين على أموالهم وأنفسهم ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائتين وألف فيها بعث السلطان العساكر إلى بلاد الريف مع أخيه المولى عبد القادر والقائد محمد بن خدة الشرقي وقائد العسكر أحمد بن العربي فجبى قبائل الريف من قلعية وكبدانة وغيرهما عن ثلاث سنين سلفت ولما رجعت العساكر أغارت على المطالسة وبني أبي يحيى بكسر الياء الأخيرة فاستاقوا ماشيتهم وسبيهم وقدموا بهما على السلطان فسرح السلطان السبي ثم دخلت سنة ثمان عشرة وثمانين وألف فيها أغار آيت أدراسن على رفاق تافيلالت بطريق ملوية ونهبوا بعض القفل وذلك بسبب أن السلطان كان قد قبض على محمد بن محمد واعزيز وسجنه بالجزيرة وولى عليهم أخاه أبا عزة بن محمد واعزيز فلم يقبلوه وجمعوا كلمتهم على ابن عمه أبي عزة بن ناصر وكان منحرفا عن السلطان ومفارقا له فولوه أمرهم ولما رأى السلطان اعوجاجهم سرح لهم محمدا واعزيز وولاه عليهم وأمره بالقبض على أبي عزة بن ناصر فأبى فغضب السلطان عليه ثانية وهم به ففر محمد واعزيز وكشف وجه العصيان فنهض حينئذ إلى آيت أدراسن في العساكر وأرسل إلى قبائل آيت ومالو أن يأتوهم من خلفهم وتقدم هو حتى نزل بقرب آعليل ووقعت الحرب فنصر الله السلطان وانهزم آيت أدراسن ونهبت مواشيهم واحتوى البربر على حللهم وفر أولاد واعزيز الثلاثة برؤوسهم لآيت ومالو وشرعت العساكر في إخراج زروعهم إلى أن استصفوها وأمر السلطان بهدم قصورهم فهدمت وأعطى كروان بلادهم ورجع إلى فاس مظفرا منصورا ثم لم يقم بها إلا يسيرا حتى خرج إلى تازا وترك عامل فاس أبا العباس أحمد اليموري ببلاد الحياينة لقبض خراجهم ولما احتل بتازا جهز العساكر إلى وجدة مع الشيخ عبد الله بن الخضر لجباية قبائلها وجهز جيشا آخر مع عامل سجلماسة أبي عبد الله محمد الصريدي فنزل ملوية وجبى قبائلها وطلع إلى بلاد الصحراء مع أوديتها إلى ناحية فجيج فجبى أموال تلك النواحي ثم توجه إلى سجلماسة ففرق الجيش على أقاليم صحرائها درعة والفائجة وتدغة وفركلة وغريس وزيز والخندق ومدغرة والرتب فجبى أموال تلك القبائل كلها وقرر عماله ونوابه بكل إقليم منها ومهد طريق الصحراء ورجعت عساكره منصورة ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائتين وألف فيها عزل السلطان القائد أبا العباس أحمد اليموري عن فاس وولى عليها صهره المولى حبيب بن عبد الهادي فقام بها أحسن قيام وكان ذا عقل ومروءة وسمت ودهاء وفيها توجه السلطان في العساكر إلى مراكش ولما احتل بها بعث جيشا إلى السوس لنظر الكاتب أبي عبد الله الرهوني وبعث جيشا آخر إلى عامل حاحة لنظر أبي العباس أحمد اليموري ثم خرج السلطان في جيش ثالث إلى ثغر الصويرة لمشاهدتها والوقوف على آثار والده بها فانتهى إليها وأقام بها أياما وفرق المال على جندها أحرارا وعبيدا ونظر في أمور مرساها وأمر بإصلاح ما لا بد منه فيها وعاد إلى الغرب مؤيدا منصورا
فتنة الفقير أبي محمد عبد القادر ابن الشريف الفليتي واستحواذه على تلمسان وبيعته للسلطان المولى سليمان والسبب في ذلك
لما كانت سنة عشرين ومائتين وألف هاجت الفتنة بين عرب تلمسان والترك وكان السبب في ذلك أن باي وهران كان له انحراف عن الفقراء والمنتسبين وسوء اعتقاد فيهم فقتل بعض الطائفة الدرقاوية وأمر بالقبض على مقدمهم أبي محمد عبد القادر بن الشريف الفليتي تلميذ الشيخ الأكبر أبي عبد الله سيدي محمد العربي بن أحمد الدرقاوي شيخ الطائفة المذكورة ففر أبو محمد عبد القادر المذكور إلى الصحراء ونزل بحلة الأحرار فاجتمع عليه أهل طائفته وامتعضوا لمن قتل منهم ولنفي مقدمهم عن وطنه وعشيرته وامتعضت لهم عشائرهم من قبائل العرب الذي هنالك وزحفوا لحرب الترك على حين غفلة منهم فقتلوهم في كل وجه ولما دخل فصل الربيع من السنة المذكورة بعث صاحب الجزائر عسكرا إلى باي وهران وأمره بغزو العرب فنهض إليهم ووقعت الحرب بينه وبينهم فانهزم الترك ثانية ونهب العرب محلتهم وتبعوهم إلى وهران فحاصروهم ولما مني الباي منهم بالداء العضال كتب إلى السلطان المولى سليمان يعرفه بما دهاه منهم ويطلب منه أن يبعث إليهم شيخهم أبا عبد الله المذكور ليكفهم عنه ويراجعوا طاعة المخزن فبعث السلطان رحمه الله الشيخ المذكور ومعه الأمين الحاج الطاهر بادو المكناسي فانتهى الشيخ إلى ابن الشريف وهو في جموعه بظاهر وهران فشكا إلى الشيخ ما نال الفقراء والمنتسبين وسائر الرعيه من عسف الترك وجورهم وانتهائهم في ذلك إلى القتل والطرد عن الوطن فتوقف الشيخ وربما صدر منه بعض تقبيح لفعل الترك وما هم عليه فازدادت العرب بذلك تظاهرا على الترك وتكالبا عليهم فاتهم الباي السلطان بأنه الذي يغريهم لأنه كان ينتظر الفرج على يده ويرجو رقع الخرق من جهته فأخفق سعيه وحينئذ نصب مدافعه في وجه جموع العرب وفرقهم بالكور والضوبلي فانهزموا عن وهران وأبعدوا المفر ثم تذامروا وتحالفوا وزحفوا إلى تلمسان فنزلوا عليها وحاصروها وكان أهل تلمسان خصوصا وقبائلها عموما لهم التفات كبير إلى السلطان المولى سليمان رحمه الله لما أكرمه الله به من شرف النسب وطيب المنبت ولما اشتهر عنه من العدل والرفق بالرعية والشفقة عليها فكانوا يحبون الدخول في طاعته والانخراط في سلك رعيته فلما نزلت العرب على تلمسان تمشت الرسل بينهم وبين الحضر من أهلها واتفقوا على خلع طاعة الترك ومبايعة السلطان المولى سليمان ففتحوا باب المدينة ودخل ابن الشريف وطائفته وأخذ البيعة بها للسلطان المولى سليمان وخطب به على منابرها ووجه وفده وهديته إلى السلطان مع شيخه أبي عبد الله المذكور ثم نهد في عربه وحضره من أهل تلمسان لحرب الكرغلية الذين بالقصبة فأجحرهم بها وضيق عليهم فلم يبق للترك حينئذ شك في أن ذلك كله بأمر السلطان فكتبوا إلى الدولاتي وهو باشاهم الأعظم صاحب الجزائر يعلمونه بالواقع واستمرت الحرب بينهم وبين ابن الشريف في وسط المدينة وعظم الخطب واشتد الكرب وقدم الشيخ على السلطان بوفد أهل تلمسان والعرب وهدية ابن الشريف وبيعته وأخبره بأن الناس في شدة من أمر الترك وأنهم قد تطارحوا على بابه وعلقت آمالهم به وراموا الاستظلال بظل عدله فرأى السلطان رحمه الله أن يسلك في حقهم وحق الترك مسلكا هو أرفق بالجميع فبعث القائد أبا السرور عياد بن أبي شفرة الوديي وأمره أن يحجز بين الحضر والترك حتى يقدم الباي إلى تلمسان ورد معه الوفد الذين قدموا مع الشيخ وتقدم إليه في القبض على ابن الشريف إن هو لم يرجع عن الحرب إلى السلم ثم كتب السلطان إلى الباي بما أزال شكه وأبطل وهمه ولما شارف القائد عياد تلمسان فر الشريف إلى منجاته ودخل القائد عياد المدينة فحجز بين الفريقين وقدم الباي إلى تلمسان فأصلح بينه وبين رعيته ومكنه من بلده وانقلب إلى حال سبيله ومع ذلك لم يتم للترك ما أرادوا من أجل القحط الذي كان قد عم حتى عدمت الأقوات وجلا أهل تلمسان عنها إلى بلاد المغرب وكذا عربها وأهل جبالها كلهم جلوا عن أوطانهم حتى لم يبق لباشا الترك مع من يتكلم فضلا عن أن يتأمر فجعل يكتب إلى السلطان ويرغب إليه أن يرد عليه أهل تلمسان وعربها فكلمهم السلطان رحمه الله في الرجوع فأبوا وقالوا نذهب إلى بلاد النصارى ولا نجاور الترك فنجمع علينا الجوع والقتل فرق لهم السلطان وتركهم بل جبرهم بأن صار يعينهم بالعطاء ويتخولهم بالصدقات المرة بعد المرة حتى كان عطاؤه إياهم كالراتب المفروض وعالج داءهم مع الترك إلى أن أخصبت بلادهم ورخصت أسعارهم فتراجعوا حينئذ إلى أوطانهم وكتب السلطان إلى الباي في شأنهم بالعدل وحسن السيرة فامتثل وكف أيدي الكرغلية عنهم ولم يبق منهم بالمغرب إلا من كان عليه دين للترك فلم يقدر على الرجوع لأن أرباب الديون لا يقيمون لهم وزنا ولا يعملون معهم شرعا والله أعلم
ذكر ما اتفق للسلطان المولى سليمان رحمه الله في وسط دولته من الخصب والأمن والسعادة واليمن
كان هذا السلطان رحمه الله موصوفا بالعدل معروفا بالخير مرفوع الذكر عند الخاصة والعامة قد ألقى الله عليه منه المحبة فأحبته القلوب ولهجت به الألسنة لحسن سيرته وطيب سريرته واتفق له في أواسط دولته من السعادة والأمن والعافية ورخاء الأسعار وابتهاج الزمان وتبلج أنوار السعد والإقبال ما جعله الناس تاريخا وتحدثوا به دهرا طويلا حتى صارت أيام السلطان المولى سليمان مثلا في ألسنة العامة ولقد أدركنا الجم الغفير ممن أدرك أواسط دولته فكلهم يثني عليها بملء فيه ويذهب في إطرائها كل مذهب لولا ما كدر آخرها من فتنة البربر التي جرت معها فتنا أخر كما نذكر بعد إن شاء الله فمما هيأ الله له من أسباب الخير والسعادة أنه بويع مطلوبا لا طالبا ومرغوبا لا راغبا ثم لما بويع كان ثلاثة من إخوته كلهم يزاحمه في المنصب ثم لم يزل أمرهم يضعف وأمره يقوى إلى أن كفى الجميع من غير ضرب ولاطعن ولا بارز أحدا منهم قط ولا واجهه بسوء ومن ذلك أنه لما دخلت سنة إحدى وعشرين ومائتين وألف وجه السلطان عامله إلى صحراء فجيج وجبى أموالها واسترجع قصر المخزن الذي أغتصبه أهلها من يد العبيد الذين كانوا به أيام السلطان المولى إسماعيل رحمه الله ووجه في السنة المذكورة جيشا مع عامل فاس باعقيل السوسي ومعه جماعة من قواد القبائل إلى ناحية الشرق فنزل العامل مدينة وجدة وجبى تلك القبائل كلها ثم بدا له فنهض إلى عرب الأعشاش وكان ذلك خطأ منه في الرأي إذ كانت لهم شوكة وكان في غنى عن التعرض لهم بما در عليه من الجبايات الوافرة من تلك القبائل لكن الحرص لا يزال بصاحبه حتى يقطع عنقه فلما علموا بقصده إياهم عدلوا عن لقائه إلى المحلة فأغاروا عليه وانتهبوها فرجع أهلها منهزمين من غير قتال وتركوا أثقالهم بيد العدو ولم يجتمعوا إلا على وادي ملوية ومن هناك انفض الأحلاف إلى بلادهم ووقف باعقيل بالجيش وأحجم عن القدوم خوفا من السلطان فبعث إليه من قبض عليه وأتاه به فنكبه وعزله عن فاس وولى عليها وصيفه ابن عبد الصادق ثم عزله وولى عليها محمد واعزيز ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف فيها خرج السلطان المولى سليمان بالعساكر إلى تادلا يريد بني موسى وآيت أعتاب ورفالة وبني عياط الذبح آووا بني موسى فبث السلطان عليهم العساكر فنهبوا بني موسى ومن آواهم من رفالة وبني عياط وأحرقوا مداشرهم وقطعوا أشجارهم وأبلغوا في النكاية إلى أن أذعنوا إلى الطاعة وجبوا زكواتهم وأعشارهم وعادوا منصورين وفي السنة المذكورة فتح على السلطان إقليم تيكرارين وتوات من أقصى الصحراء وجبى عامله خراجهم وعاد سالما معافى وفيها حدثت الحرب بين السلطان مصطفى بن عبد الحميد العثماني وبين الموسكوب فكتب العثماني إلى السلطان يطلب منه أن يشد عضده بأن يقيم قراصينه بباب البوغاز من مرسى طنجة لئلا تدخل قراصين الموسكوب منه وتعيث في الجزر التي هي في ملكة العثماني كما فعلت في دولة عمه السلطان مصطفى بن أحمد فأمر السلطان رحمه الله رؤساء قراصينه بالتهيىء والمقام هنالك ففعلوا ولم يظهر شيء حكى هذا الخبرصاحب البستان ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين وألف فيها عقد السلطان لوصيفه القائد أحمد بن مبارك صاحب الطابع على جيش كثيف وضم إليه جماعة من قواد الجند والقبائل وسار حتى نزل على حدود بلاد آيت ومالو وأحاطت العساكر السلطانية بهم من كل جهة وكان ذلك في فصل الشتاء فمنعوهم من النزول إلى البسيط للمرعى وجلب الميرة إلى أن ضاعت مواشيهم وأذعنوا لدفع ما وظف عليهم فدفعوا الماشية والكراع وخلى سبيلهم وفيها خرج السلطان من مكناسة لتفقد أحوال الثغور البحرية وكان المتولي على جمعها القائد الشهير أبو زيد عبد الرحمن بن علي أشعاش التطواني فعزله السلطان في هذه المرة وولى عليها القائد محمد السلاوي البخاري ثم ولاه على قبائل الغرب والجبال كلها وتتبع السلطان رحمه الله الثغور كلها وأحسن إلى أهلها ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائتين وألف فيها خرج السلطان إلى تادلا يريد عرب ورديغة وقبائل البربر الذين هنالك فأغارت عساكر السلطان عليهم ووقعت بينهم حرب فظيعة هلك فيها عدد من الفريقين ثم انتصرت العساكر السلطانية عليهم فهزموهم ونهبوا أموالهم وألجؤوهم إلى الطاعة فجاؤوا تائبين فعفا عنهم ثم أنفذ جيشا كثيفا لآيت يسري بعد أن قبض منهم على عدد معتبر فشنوا الغارة عليهم وقاتلوهم فأذعنوا لإعطاء المال ولما بذلوه سرح لهم إخوانهم المقبوض عليهم وعاد السلطان مظفرا منصورا ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائتين وألف فيها غزا السلطان بلاد الريف فنزل عين زورة وسرح الكتائب في قبائل الريف فحاربوها وهزموها وقتلوا مقاتلتها وسلبوا ذراريها وحرقوا مداشرها وألجؤوهم إلى الطاعة فقدموا على السلطان تائبين فعفا عنهم على أن يدفعوا ما ترتب عليهم ثم عين السلطان الأمناء الذين استوفوه منهم على التمام وعاد مظفرا منصورا وفي هذه السنين كلها كانت الرعية في غاية الطمأنينة والعافية والأمن والخصب والرخاء وكمال السرور والهناء حتى كانت هذه المدة غرة في جبهة ذلك العصر ودمية في محراب ذلك القصر ثم انعكست الأحوال وتراكمت الأهوال وعظمت الأوجال واتسع في الفتنة المجال وتم على هذا السلطان الجليل العالم النبيل في آخر عمره ما لم يتم على أحد من ملوك بني أبيه ولله الأمر من قبل ومن بعد
بدء هيجان فتنة البربر وما نشأ عنها من التفاقم الأكبر
لما دخلت سنة ست وعشرين ومائتين وألف قامت الفتنة بين قبائل البربر وكان ابتداؤها أولا بين آيت أدراسن وكروان وبين أعدائهم آيت ومالو أهل جبل فازاز ثم لما انتشبوا الحرب غدرت كروان بإخوانهم آيت أدراسن وانحازوا إلى آيت ومالو فانهزمت آيت أدراسن ووضع آيت ومالو فيهم السيف ونهبوا حلتهم بما فيها وتركوهم بالقاع مدقعين ولعصا الذل مهطعين ولم يفلت منهم إلا أصحاب الخيل الذين نجوا بنواصيها وقدموا على السلطان شاكين باكين فقام وقعد لذلك لما أوجب الله عليه من النظر لهم إذ هم رعيته وشيعته وشيعة والده من قبله فجهز العساكر لنصرتهم وعادوا إلى حرب كروان فظاهرهم آيت ومالو عليهم وهزموهم مرة أخرى ثم بعد هذا اتفقت البربر على حرب آيت أدراسن مناوأة للسلطان وبغضا في قائدهم محمد واعزيز الذي كان يوليه عليهم وبعثوا إلى دجالهم مهاوش المعد عندهم لأمثالها وتحالفوا عنده على معصية السلطان وطاعة الشيطان وعاثوا في الطرقات والرعايا واتسع الخرق وعظم الفتق فسارت إليهم العساكر من باب السلطان حتى نزلت بأحواز صفرو وكانت لنظر القائد محمد الصريدي الذي يبغضه البربر كبغض محمد واعزيز أو أكثر فكشفوا القناع في العصيان وزحفوا إلى الجيش وهو نازل حول صفرو فأحاطوا به وانتهبوه ففر من أفلت منه وتحصن الباقي بمدينة صفرو ونهبت القرى المجاورة لها وعاثوا في طرقات الصحراء فنهبوا من وجدوا بها مقبلا أو مدبرا وأعضل الداء وأعوز الدواء والسلطان مقيم بمكناسة يعالج دائهم فما نفع فيه ترياق وشمخت أنوف البربر وكلما بعث إليهم جيشا هزموه أو سرية انتهبوها قيل إن منشأ ذلك كان من أجل تمسك السلطان رحمه الله بمحمد واعزيز وجبرهم على طاعته وكانوا قد نفروا عنه لسوء سيرته فيهم
والمعروف من حال السلطان المولى سليمان رحمه الله خلاف هذا فإنه كان قلما تشكو رعية إليه بعاملها إلا ويعزله عنها تحريا للعدل واتهاما للعمال حتى لقد عيب عليه ذلك في بعض الأحوال من جهة السياسة ولما أعيا السلطان أمرهم تركهم فوضى ووكل القائد عياد بن أبي شفرة بتدبير أمرها وتوجه إلى مراكش فكان عياد على أمرهم أعجز وبسياستهم أجهل وصار يتألفهم بالعطاء ويجري المؤن على كل من يقدم عليه منهم من طعام وعلف ونحو ذلك فكان ذلك مما زاد في طغيانهم حتى كانوا ينهبون أموال الناس ومتاعهم بباب فاس ويدخلون لقبض الخفارة وأخذ الميرة وإذا تكلم أحد من أهل البلد قال القائد المذكور إن السلطان أمرني بذلك وربما عاقب من يعترض عليه وإنما أمره السلطان أن يسوسهم على الوجه الذي لا ضرر فيه على الدولة ولا على الرعية والله أعلم
إجلاب السلطان المولى سليمان على برابرة كروان ورجوعه عنهم من آصرو وما نشأ عن ذلك
لما وصل السلطان إلى مراكش استنفر قبائل الحوز كلها وقدم بهم إلى مكناسة واستنفر قبائل الغرب من الأحلاف والحياينة وأهل الفحص وأهل الغرب وبني حسن وأهل الثغور وضرب البعث على جيش العبيد والودايا وشراقة وأولاد جامع واستصحب معه البربر الذين هم في طاعته حتى لم يبق أحد بالمغرب وخرج في هذا الجمع العظيم قاصدا كروان وهم يومئذ بتاسماكت ولما وصل إلى الموضع المعروف بآصرو وبقي بينهم وبينه نصف مرحلة بحيث صار يرى محلتهم ويرون محلته بدا له فرجع يريد آيت يوسي فكان ذلك الرجوع سبب الخذلان ولما رأته عيون كروان راجعا ظنوا به جبنا فجرؤوا على الجيش وتبعوه من خلفه إلى أن خالطوا أخريات
الناس فأوقعوا بهم وقتلوا ونهبوا وأين أوله بينهما مرحلة ولا علم للسابق بما جرى على اللاحق ثم نزل السلطان على آيت يوسي بقرب آعليل وصاروا بنو مكيلد أمامه وكروان من خلفه ولم يكن علم بما وقع في العسكر من النهب والقتل إلى أن ورد عليه منهزمة العبيد ليلا فأخبروه بما وقع وأن قائد عسكره أبا عبد الله محمد بن الشاهد قد قتل في جماعة من القواد وغيرهم ففت ذلك في عضده وتجلد رحمه الله ليلته تلك ولما أصبح ركبت العساكر وقصدت آيت ومالو الذين كانوا مع آيت يوسي ولما وقعت الحرب انهزم عسكر السلطان وألجأهم البربر إلى شعب لا منفذ له فترجلوا وتركوا الخيل ونجوا بأعناقهم وحمتهم آيت يمور وآيت أدراسن حتى خلصوهم وكانت حلتهم قريبا من العسكر فلو تبعوهم لوقعوا عليها ولما حصلت هذه المزية لهؤلاء البربر الذين هم شيعة السلطان ولم تظهر للعرب مزية حقدوا ذلك عليهم وصاروا كل من دنا من المحلة منهم قبضوا عليه وقتلوه وقالوا إن البربر كلهم سواء فلما وقع ذلك بشيعة السلطان امتعضوا ورفعوا أمرهم إليه فأمر كاتبه وعامله محمدا السلاوي أن ينظر في أمرهم فبحث القائد المذكور حتى اطلع على حقيقة الأمر وعلم فساد نية البربر لما وقع بهم من القتل وسط المحلة ورأى أن القصاص في ذلك الوقت متعذر وأن عاقبته غير مأمونة فأشار على السلطان بالرجوع قبل أن يتسع الخرق على الراقع فرجع وكان رجوعه أكبر غنيمة وكثرة هذه الجموع بلا ترتيب سبب تلك الهزيمة والأمر كله لله وهذه الوقعة تعرف عند الناس بوقعة آصرو إضافة إلى الموضع الذي انتهى إليه السلطان من بلاد البربر ثم رجع عنه وقد جعلها العامة تاريخا يقولون كان ذلك عام وقعة آصرو والله تعالى أعلم
مراسلة صاحب تونس حمودة باشا ابن علي باي للسلطان المولى سليمان رحمه الله وما اتفق في ذلك
وفي هذه المدة أو ما يقرب منها بعث صاحب تونس وهو الرئيس حمودة باشا ابن علي باي العالم الأديب الطائر الصيت الشيخ أبا إسحاق إبراهيم بن عبد القادر الرياحي إلى السلطان المولى سليمان رحمه الله فقدم عليه حضرة فاس ومعه هدية وكتاب يتضمن طلب الإمداد بالميرة لحدوث المسغبة بالبلاد التونسية فأعظم السلطان رحمه الله مقدم هذا الشيخ واهتزت له فاس وامتدح السلطان بقصيدة من جيد شعره يقول في أولها ( إن عز من خير الأنام مزار % فلنا بزورة نجله استبشار ) ومن جملتها قوله ( هذا الخليفة وابن أكرم مرسل % وسليل من تمطى له الأكوار ) ( وخلاصة الأشراف والخلفاء من % بيت البتول وحبذا الأظهار ) ( وأجل وارث ملك إسماعيل من % بطل شذا أخباره معطار ) ( وأعز سلطان وأشرف مالك % شرقت بملك يمينه الأحرار ) ( وأحق من تحت السماء بأن يرى % ملك البسيطة والورى أنصار ) ( لكن إذا كل القلوب تحبه % فلغيره الأجسام وهي نفار ) ( هذا سليمان الرضي ابن محمد % من أشرقت لجبينه الأنوار ) ( هذا الذي رد الخلافة غضه % وسما به للمسلمين منار ) ( وأعز دين الله فهو بشكره % في أيكها تترنم الأطيار ) فأعجب السلطان ومن حضر بها وأمده بمطلبه من الميرة وبهدية جليلة وآب الشيخ من سفارته بخير مآب
وصول كتاب صاحب الحجاز عبد الله بن سعود الوهابي إلى فاس وما قاله العلماء في ذلك
وفي هذه المدة أيضا وصل كتاب عبد الله بن سعود الوهابي النابع بجزيرة العرب المتغلب على الحرمين الشريفين المظهر لمذهب بهما إلى فاس المحروسة وأصل هذه الطائفة الوهابية كما عند صاحب التعريبات الشافية وغيره أن فقيرا من عرب نجد يقال له سليمان رأى في المنام كأن شعلة من نار خرجت من بدنه وانتشرت وصارت تأكل ما قابلها فقص رؤياه على بعض المعبرين ففسرها له بأن أحد أولاده يجدد دولة قوية فتحققت الرؤيا في ابن ابنه الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان فالمؤسس للمذهب هو محمد بن عبد الوهاب ولكن نسب إلى عبد الوهاب فلما كبر محمد احترمه أهل بلاده ثم أخبر بأنه قرشي ومن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وألف لهم قواعد وعقائد وهي عبادة الله واحد قديم قادر حق رحمان يثيب المطيع ويعاقب العاصي وأن القرآن قديم يجب اتباعه دون الفروع المستنبطة وأن محمدا رسول الله وحبيبه ولكن لا ينبغي وصفه بأوصاف المدح والتعظيم إذ لا يليق ذلك إلا بالقديم وأن الله تعالى حيث لم يرض بهذا الإشراك سخره ليهدي الناس إلى سواء الطريق فمن امتثل فبها ونعمت ومن أبى فهو جدير بالقتل فهذه أصول مذهبه وكان قد بثه أولا سرا فقلده أناس ثم سافر إلى الشام لهذا الأمر فلما لم يجد به مراده رجع إلى بلاد العرب بعد غيبته عنها ثلاث سنين فاتصل بشيخ من أشياخ عرب نجد يقال له عبد الله بن سعود وكان شهما كريم النفس فقلده وقام بنصرة مذهبه وقاتل عليه حتى أظهره واقتسم الرياسة هو ومحمد بن عبد الوهاب فابن عبد الوهاب صاحب الاجتهاد في مسائل الدين وابن سعود أمير الوهابية وصاحب حربهم ولا زال أمر هؤلاء الوهابية يظهر شيئا فشيئا إلى أن تغلبوا على الحجاز والحرمين الشريفين وسائر بلاد العرب ثم قال صاحب التعريبات الشافية إن مساجد الوهابية خالية عن المنارات والقباب وغيرها من البدع المستحسنة لا يعظمون الأئمة ولا الأولياء ويدفنون موتاهم من غير مشهد واحتفال يأكلون خبز الشعير والتمر والجراد والسمك ولا يأكلون اللحم والأرز إلا نادرا ولا يشربون القهوة وملابسهم ومساكنهم غير مزينة اه ولما استولى ابن سعود على الحرمين الشريفين بعث كتبه إلى الآفاق كالعراق والشام ومصر والمغرب يدعو الناس إلى اتباع مذهبه والتمسك بدعوته ولما وصل كتابه إلى تونس بعث مفتيها نسخة منه إلى علماء فاس فتصدى للجواب عنه الشيخ العلامة الأديب أبو الفيض حمدون بن الحاج قال صاحب الجيش كان تصدي الشيخ أبي الفيض لذلك الجواب بأمر السلطان وعلى لسانه وذهب بجوابه ولده المولى إبراهيم بن سليمان حين سافر للحج قلت وهذا يقتضي أن كتاب ابن سعود ورد علة السلطان المولى سليمان بالقصد الأول لا أن نسخة منه وردت بواسطة علماء تونس والله تعالى أعلم
حج المولى أبي اسحاق إبراهيم ابن السلطان المولى سليمان رحمه الله
وفي هذه السنة أعني سنة ست وعشرين ومائتين وألف وجه السلطان المولى سليمان رحمه الله ولده الأستاذ الأفضل المولى أبا اسحاق إبراهيم بن سليمان إلى الحجاز لأداء فريضة الحج مع الركب النبوي الذي جرت العادة بخروجه من فاس على هيئة بديعة من الاحتفال وإبراز الأخبية لظاهر البلد وقرع الطبول وإظهار الزينة وكانت الملوك تعنى بذلك وتختار له أصناف الناس من العلماء والأعيان والتجار والقاضي وشيخ الركب وغير ذلك مما يضاهي ركب مصر والشام وغيرهما فوجه السلطان ولده المذكور في جماعة من علماء المغرب وأعيانه مثل الفقيه العلامة القاضي أبي الفضل العباس بن كيران والفقيه الشريف البركة المولى الأمين بن جعفر الحسني الرتبي والفقيه العلامة الشهير أبي عبد الله محمد العربي الساحلي وغيرهم من علماء المغرب وشيوخه فوصلوا إلى الحجاز وقضوا المناسك وزاروا الروضة المشرفة على حين تعذر ذلك وعدم استيفائه على ما ينبغي لاشتداد شوكة الوهابيين بالحجاز يومئذ ومضايقتهم لحجاج الآفاق في أمور حجهم وزياراتهم إلا على مقتضى مذهبهم حكى صاحب الجيش أن المولى إبراهيم ذهب إلى الحج واستصحب معه جواب السلطان فكان سببا لتسهيل الأمر عليهم وعلى كل من تعلق بهم من الحجاج شرقا وغربا حتى قضوا مناسكهم وزيارتهم على الأمن والأمان والبر والإحسان قال حدثنا جماع وافرة ممن حج مع المولى إبراهيم في تلك السنة أنهم ما رأوا من ذلك السلطان يعني ابن سعود ما يخالف ما عرفوه من ظاهر الشريعة وإنما شاهدوا منه ومن أتباعه غاية الاستقامة والقيام بشعائر الإسلام من صلاة وطهارة وصيام ونهي عن المنكر الحرام وتنقية الحرمين الشريفين من القاذورات والآثام التي كانت تفعل بهما جهارا من غير نكير وذكروا أن حاله كحال آحاد الناس لا يتميز عن غيره بزي ولا مركوب ولالباس وأنه لما اجتمع بالشريف المولى إبراهيم أظهر له التعظيم الواجب لأهل البيت الكريم وجلس معه كجلوس أحد أصحابه وحاشيته وكان الذي تولى الكلام معه هو الفقيه القاضي أبو إسحاق إبراهيم الزداغي فكان من جملة ما قال ابن سعود لهم إن الناس يزعمون أننا مخالفون للسنة المحمدية فأي شيء رأيتمونا خالفنا من السنة وأي شيء سمعتموه عنا قبل اجتماعكم بنا فقال له القاضي بلغنا أنكم تقولون بالاستواء الذاتي المستلزم لجسمية المستوى فقال لهم معاذ الله إنما نقول كما قال مالك الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة فهل في هذا من مخالفة فالوا لا وبمثل هذا نقول نحن أيضا ثم قال له القاضي وبلغنا عنكم أنكم تقولون بعدم حياة النبي صلى الله عليه وسلم وحياة إخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم فلما سمع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ارتعد ورفع صوته بالصلاة عليه وقال معاذ الله إنما نقول إنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره وكذا غيره من الآنبياء حياة فوق حياة الشهداء ثم قال له القاضي وبلغنا أنكم تمنعون من زيارته صلى الله عليه وسلم وزيارة سائر الأموات مع ثبوتها في الصحاح التي لا يمكن إنكارها فقال معاذ الله أن ننكر ما ثبت في شرعنا وهل منعناكم أنتم لما عرفنا أنكم تعرفون كيفيتها وآدابها وإنما نمنع منها العامة الذين يشركون العبودية بالألوهية ويطلبون من الأموات أن تقضى لهم أغراضهم التي لا تقضيها إلا الربوبية وإنما سبيل الزيارة الاعتبار بحال الموتى وتذكر مصير الزائر إلى ما صار إليه المزور ثم يدعو له بالمغفرة ويستشفع به إلى الله تعالى ويسأل الله تعالى المنفرد بالإعطاء والمنع بجاه ذلك الميت إن كان ممن يليق أن يتشفع به هذا قول إمامنا أحمد بن حنبل رضي الله عنه ولما كان العوام في غاية البعد عن إدراك هذا المعنى منعناهم سدا للذريعة فأي مخالفة للسنة في هذا القدر أه ثم قال صاحب الجيش هذا ما حدث به أولئك المذكورون سمعنا ذلك من بعضهم جماعة ثم سألنا الباقي أفرادا فاتفق خبرهم على ذلك اه قلت مسألة زيارة قبور الأنبياء والأولياء مشهورة في كتب الأئمة وهي من القرب المرغوب فيها عند الجمهور ومنعها قوم من الحنابل وشدد تقي الدين ابن تيمية منهم فيها محتجا بقوله عليه الصلاة والسلام لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى وهو عند الجمهور مؤول بأن المعنى لا تشد الرحال لصلاة في مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد اه وقد بسط القول في هذا صاحب المواهب اللدنية والقول الفصل أن التبرك بآثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء رضي الله عنهم وزيارة مشاهدهم من الأمر المعروف عند أمة محمد صلى الله عليه وسلم المجمع عليه خلفا وسلفا لا يسع إنكاره غير أن للزيارة آدابا تجب المحافظة عليها وشروطا لا بد من مراعاتها والوقوف لديها ثم القول بمنعها مطلقا سدا للذريعة في حق العامة إذ هم أكثر الناس وغولا في ذلك فيه نظر أما الأنبياء فلا ينبغي لعاقل أن يحرم نفسه من الوقوف على مشاهدهم والتبرك بتربتهم والاحتماء بحماهم ولا أن يقول بذلك لمزيد ارتفاع درجتهم عند الله تعالى ولندور اتفاق زيارتهم لأكثر الغرباء وأما الأولياء فالقول بمنع زيارتهم سدا للذريعة مع بيان العلة وإشهارها بين الناس حتى لا يلتبس عليهم المقصود قول وجيه لا تأباه قواعد الشريعة بل تقتضيه والله أعلم وهذا القول هو الذي رآه الشيخ الفقيه الصوفي أبو العباس أحمد التجاني رحمه الله حتى نهى أصحابه عن زيارة الأولياء وأقول إن السلطان المولى سليمان رحمه الله كان يرى شيئا من ذلك ولأجله كتب رسالته المشهورة التي تكلم فيها على حال متفقرة الوقت وحذر فيها رضي الله عنه من الخروج عن السنة والتغالي في البدعة وبين فيها بعض آداب زيارة الأولياء وحذر من تغالي العوام في ذلك وأغلظ فيها مبالغة في النصح للمسلمين جزاه الله خيرا ومن كلامه فيها ما نصه تنبيه من الغلو البعيد ابتهال أهل مراكش بهذه الكلمة سبعة رجال فهل كان لسبعة رجال شيعة يطوفون عليهم إلى أن قال فعلينا أن نقتدي بسبعة رجال ولا نتخذهم آلهة لئلا يؤول الحال فيهم إلى ما آل إليه في يغوث ويعوق ونسرا إلى آخر كلامه وصدق رحمه الله فكم من ضلالة وكفر أصلها الغلو في التعظيم وما ضلت النصارى إلا من غلوهم في عيسى وأمه عليهما السلام قال الله تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق @QE@ النساء 17 الآية ومن ذلك قصة يغوث ويعوق ونسرا المشار إليها وهي مذكورة في الصحيح وفي كتب التفسير وحكى ابن إسحاق في السيرة أن أصل حدوث عبادة الحجر في بلاد العرب أن آل إسماعيل عليه السلام لما كثروا حول الحرم وضاقت بهم فجاج مكة تفرقوا في النواحي وأخذوا معهم أحجارا من الحرم تبركا بها فكان أحدهم يضع الحجر في بيته فيطوف ويتمسح به ويعظمه ثم توالت السنون وخلفت الخلوف فعبدوا تلك الأحجار ثم عبدوا غيرها وذهبت منهم ديانة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إلا يسيرا جدا بقي فيهم إلى أن صبحهم الإسلام هذا معنى ما ذكره ابن إسحاق وقد تكلم الشاطبي وغيره من العلماء فيما يقرب من هذا وذكروا أن الغلو في التعظيم أصل من أصول الضلال ولو لم يكن في ذلك إلا قضية الشيعة لكان كافيا فالحاصل أن خير الأمور الوسط ومن هنا أيضا كان السلطان المولى سليمان رحمه الله قد أبطل بدعة المواسم بالمغرب وهي لعمري جديرة بالإبطال فسقى الله ثراه وجعل في عليين مثواه ولما كان رمضان من سنة سبع وعشرين ومائتين وألف قدم المولى إبراهيم ابن السلطان المذكور من الحجاز ونزل بطنجة وكان قدومه في قرصان الإنجليز لأن والده رحمه الله كان قد وجهه إليه مع بضع قراصينه إلى الإسكندرية فصادفوه قد انحدر إلى جزيرة مالطة فركب المولى المذكور فيما خف من حاشيته في قرصان النجليز وسبق إلى طنجة فاحتل بها ثم سار إلى حضرة والده بمكناسة فأقام عنده ثلاثا ريثما استراح ثم انفصل عنه إلى داره بفاس فخرج لملاقاته جيش الودايا وأشراف فاس وأعلامها وسائر عامتها بفرح وسرور وكان يوم دخوله يوما مشهودا ولما وصل القوم الذين كانوا معه نشروا محاسنه وفضائله ومكارمه المحمودة وفواضله وما فعله من البر في طريق الحج خصوصا في مفاوز الحجاز فقد أنفق فيها على الضعفاء والمساكين ما لايحصى وشاع ذكره في الحرمين الشريفين وتجاوزهما إلى مصر والشام والعراقين ولما نفذ ما عنده استسلف من التجار الذين كانوا معه أموالا طائلة أنفقها في سبيل الله ولما قدم أربابها على السلطان عرفوه بما استسلفه منهم ولده وأطلعوه على حساباتهم فعرف أن ما فعله ولده صواب فأمر رحمه الله لأولئك التجار بقضاء ما أسلفوه وأن يزاد لهم مقدار ربحه تطييبا لنفوسهم وقال إنما تتعاطون التجارة لتنموا أموالكم وتربحوا فلا ينبغي أن ننقصكم من ربحكم شيئا فأما نحن فربحنا هو ما أنفقه ولدنا قي سبيل الله وقد مدح هذا النجل الأرضي جماعة من أدباء مصر وغيرها بقصائد نفيسة ومن جملة من مدحه الفقيه العلامة الأديب أبو إسحاق إبراهيم عبد القادر الرياحي التونسي فإنه بعث بقصيدة رائقة إلى والده السلطان المرحوم يمدح النجل المذكور ويهنئه بالقدوم وألم فيها بذكر السلطان فأعجبته وهزت من عطفه وأمر كتاب دولته أن يأخذوا منها نسخا وشرحها بعضهم ونصها ( هذي المنى فأنعم بطيب وصال % فلطالما أضناك طول مطال ) ( ماذا وكم أوليتني يا مخبري % بقدومه من منة ونوالي ) ( بشرتني بحياتي العظمى التي % قد كنت أحسبها حديث خيال ) ( بشرتني بابن الرسول لو إنما % روحي ملكت بذلتها في الحال ) ( بشرتني بسلالة الخلفاء من % أمداحهم تثنى بكل مقال ) ( من حبهم فرض الكتاب أما ترى % إلا المودة حين يتلو التالي ) ( من ضمهم شمل العباء وأذهبوا % رجسا فيالك من مقام عالي ) ( من قوموا أود المكارم بعد ما % شادوا الهدى بمعارف ونصال ) ( لولاهم كان الورى في ظلمة % مدت غياهبها بكل ضلال ) ( آباءك الأطهار فاقصد يا أبا % إسحاق يا نجل المليك العالي ) ( يا حبه وصفيه من قومه % وخياره من سائر الأنجال ) ( لو لم تكن أهلا لصفو وداده % لم يستنبك لجدك المفضال ) ( لكن توسم فيك كل فضيلة % فحبى يمينك راية الإقبال ) ( وأقام جودك بل وجودك زاد من % يبغي ببيت الله حط رحال ) ( أنت استطاعتهم فما عذر الذي % ترك الزيارة خيفة الإقلال ) ( وبك المشاعر أطربت طرب التي % وجدت على وله فقيد فصال ) ( ووصلتها رحما هناك قطيعة % دهرا ولم تبلل به ببلال ) ( وتأنس الحرمان منك بطلعة % أغنتهما عن وابل هطال ) ( كرم لكم أدريه يوم أفاضه % عني سليمان باي سجال ) ( وهب الألوف وكان أكرم منزل % يسلى الغريب ببره المتوال ) ( يوم التشرف لي بلثم يمينه % وتمتعي من وجهه بجمال ) ( وتلذذي بخطابه المعسول إذ % حفت به للدرس أي رجال ) ( لم أنسه يوما حسبت نعيمه % بلذائذ الجنات ضرب مثال ) ( عجبا له يحيي القلوب بعلمه % ويميت جند الفقر منه بمال ) ( وإذا تقلد للوغي فحسامه % تعنو الرقاب له بدون قتال ) ( تتلوه بالفتح المبين عساكر % قد أرهفت بالنصر حد نصال ) ( تخشى الملوك مقامه ولذكره % رعبا تطير فرائص الأبطال ) ( وينال آمله بخفض جناحه % ماليس يخطر قط منه ببال ) ( حتى سعى لصفي منهله الذي % يسعى لمروته ذوو الأثقال ) ( وأتت لمغربه الشريف مشارق % والشمس تغرب لاقتضاء كمال ) ( لما تكدر صفوها بضلاله % جاءته كيما ترتوي بزلال ) ( ومتى تخلف عاجز فبقلبه % يسعى لفعل شعائر الإجلال ) ( أمنية وقعت أشرت لذكرها % في مدحه قدما بصدق مقال ) ( تهوى المشارق أن تكون مغاربا % لتنال من جدواه كل منال ) ( يا فخر دين الله منه بناصر % وسعادة الدنيا به من وال ) ( لا تفتخر فاس ولا مراكش % بولائه كل الأنام موال ) ( أو ليس في كل البقاع ثناؤه % ورد البكور وسحة الآصال ) ( أو لم يشد للدين والعلماء % والأشراف والصلحاء أي جلال ) ( أو لم يعم بجوده أقطارها % لا فرق بين جنوبها وشمال ) ( أو لم يسر ركبانها بمحاسن % ضاءت لها سرج بجنح ليال ) ( أو ليس أحيا سنة العمرين في % زمن إلى بدع الهوى ميال ) ( شيم يهز الراسيات سماعها % ويعجن في أنف الزمان غوال ) ( أوصاف والدك الإمام المرتضى % للدين والدنيا بحسن خلال ) ( ذاك الربيع أبو الربيع ومن به % حيى الهدى وشرائع الأفضال ) ( كل الكمال له وأنت مقره % والفرع عين الأصل عند مال ) ( يا ابن المليك ابن المليك ابن المليك % ابن المليك سلالة الأقيال ) ( أنسيتم ذكر العباسية الأولى % زالوا وما زالوا بعين جلال ) ( لكم الفخار بذاته وسواكم % مستمسك من فخركم بظلال ) ( ولي الفخار بأن نسجت مديحكم % حللا تجد وكل شيء بال ) ( أملي معانيها على ودادكم % فجرى به طبع كما السلسال ) ( ولو أنني حاولت مدح سواكم % عقل القريحة عنه أي عقال ) ( فكأنما طبعي شريف حيثما % لا يهتدي لسوى مديح الآل ) ( أو قد درى أن المديح تعرض % وسواكم لا يرتضي لسؤال ) ( أبقاكم كهفا يلاذ بمجدكم % مختاركم لإنالة الآمال ) ) ( وأدام للإسلام والدك الذي % هو رحمة وسعت بغير جدال ) ( وعليكم وعلى الذي يهواكم % أزكى الرضى من حضرة المتعال ) ( ما دام ذكركم بكل صحيفة % تبعا لأحمد سيد الإرسال ) ( صلى عليه مسلما رب الورى % وعلى مقدم حزبه والتالي ) وعزز هذه القصيدة بمثلها بحرا وقافية ورويا الفقيه العلامة الأديب أبو الفيض حمدون بن الحاج الفاسي يقول في مطلعها ( بشراك إبراهيم بالإقبال % إقبال عز لم يكن بالبال ) وهي طويلة تركناها اختصارا وفي هذه السنة توفي الشريف البركة المولى علي ابن المولى أحمد الوزاني وذلك يوم الثلاثاء آخر يوم ربيع الأول سنة ست وعشرين ومائتين وألف
غزو السلطان المولى سليمان بلاد الريف والسبب في ذلك
لما كانت سنة سبع وعشرين ومائتين وألف بلغ السلطان أن قبائل الريف من قلعية وغيرهم صاروا يبيعون الزرع للنصارى ويسوقونه من بلادهم فعقد لعامله على الثغور أبي عبد الله محمد السلاوي على جيش كثيف وأنفذه إليهم
فسار العامل المذكور وقصد قلعية عش الفساد ولما شارفها سرب إليهم العساكر فنهبوا أموالهم وحرقوا مداشرهم وانتسفوا أرضهم وديارهم وتركوهم أفقر من ابن المدلق ثم بث عماله في تلك القبائل فجبوها واستوفوا زكواتها وأعشارها وعاد ظافرا وفي هذه السنة وذلك صباح يوم الجمعة السابع عشر من محرم منها توفي الشيخ العلامة الإمام خاتمة المحققين بالمغرب سيدي محمد الطيب بن عبد المجيد بن عبد السلام ابن كيران الفاسي صاحب التآليف البديعة والحواشي المحررة مثل شرح الحكم العطائية وشرح السيرة النبوية وغير ذلك من التآليف المعروفة والموجودة بأيدي الناس ثم لما دخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين وألف بلغ السلطان ثانيا أن أهل الريف لا زالوا مقيمين على بيع الزرع للنصارى وأنهم أضافوا إلى بيع الزرع بيع الماشية وقد كان السلطان منع النصارى من وسق ذلك بالمراسي فافتات هؤلاء القوم على السلطان وأعطوهم من ذلك ما أرادوا طمعا في الربح وكان السلطان قد تقدم إلى القائد محمد السلاوي في كفهم عن ذلك لأنه كان قد ولاه عليهم وأضافهم إلى من كان إلى نظره من أهل الجبل والثغور فكان لا يلتفت إليهم وربما قبض أهل المروءة منهم على سفلتهم ممن يتعاطى ذلك ويبعثون بهم إليه فيسرحهم على طمع فاتسع الخرق وصار كلهم يفعل ذلك ولما تحقق السلطان بفعلهم أمر رؤساء قراصينه أن يذهبوا إلى جهة الريف ومراسيها وكل من عثروا عليه بها من مراكب النصارى فليأخذوه فساروا وقبضوا على بعض النصارى فأسروهم ولم يقنعه ذلك حتى أمر بغزو الريف وعزم على النهوض إليهم بنفسه وأذن في الناس بذلك وجهز العساكر مع القائد محمد السلاوي ووجه معه ولده المولى إلراهيم بعساكر الثغور وعرب سفيان وبني مالك فساروا على طريق الجبل وخرج السلطان من فاس في السنة المذكورة ومعه السواد الأعظم فسلك الجادة إلى تازا وكارت حتى نفذ إلى بلاد الريف فلم يرعهم إلا العساكر محيطة بهم من كل وجه فنهبوهم وحرقوا مداشرهم واستخرجوا أمراسهم ودفائنهم وولى السلطان عليهم أحمد بن عبد الصادق الريفي وتركه في بلادهم في حصة من العسكر يستخلص منهم الأموال وعاد السلطان إلى دار ملكه مؤيدا منصورا
خروج السلطان المولى سليمان إلى بلاد الحوز وتمهيدها ثم دخوله مراكش
كان السلطان المولى سليمان رحمه الله قد ولى على قبائل تامسنا القائد كريران الحريزي فيقال إنه أساء السيرة فيهم فنبذوا طاعته وخرجوا عليه فقدم على السلطان مستصرخا عليهم فخرج إليهم في العساكر سنة ثلاثين ومائتين وألف وتقدم إلى جيرانهم من القبائل بأن يزحفوا إليهم من خلفهم ففعلوا وهجم هو عليهم من أمامهم وأوقع بهم وقعة شنعاء أتلفت موجودهم وأباحت نساءهم وأولادهم وفر منهم طائفة فعبروا وادي أم الربيع زمان مدة فهلك جلهم ثم ترك فيهم عامله في حصة من الجند وأمره باستخلاص الأموال منهم وتقدم هو إلى ناحية مراكش لقمع أهل الفساد من قبائل الحوز مثل دكالة وعبدة والشياظمة الذين خرجوا أيضا على عاملهم الحاج محمد بن عبد الصادق صاحب الصويرة فأصلح من شأنهم وعزله عنهم لما علمه من سوء سيرته فيهم ونقله من الصويرة إلى مراكش ثم منها إلى فاس فولى أخاه أبا العباس أحمد على عسكر القلعة بمراكش وعاد رحمه الله إلى الغرب وفي هذه السنة في الثالث عشر من رمضان منها توفي الشيخ العلامة الفقيه الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف الحاج الرهوني صاحب الحاشية الكبيرة على مختصر الشيخ خليل وغيرها من التآليف النافعة والخطب البارعة وباعه في العلوم خصوصا الفقه مقرر معلوم رحمه الله ونفعنا به وفي ليلة الاثنين الخامس عشر من شوال من السنة المذكورة توفي الشيخ العالم العارف الإمام أبو العباس أحمد التجاني شيخ الطائفة التجانية وكانت وفاته بفاس المحروسة وضريحه بها شهير عليه بناء حفيل رحمه الله ونفعنا به
غزو السلطان المولى سليمان قبائل الصحراء وإيقاعة بآيت عطة والسبب في ذلك
لما كانت سنة إحدى وثلاثين ومائتين وألف بلغ السلطان المولى سليمان أن بعض قبائل الصحراء كعرب الصباح وبرابرة آيت عطه اشتغلوا بالفساد وعظم ضررهم واستولوا على قصور المخزن التي هنالك من عهد السلطان المولى إسماعيل فعقد لابنه المولى إبراهيم على جيش كثيف ووجهه إليهم فسار ونزل أولا على قصور العرب ونصب عليهم آلة الحرب فبددهم ثم زاد إلى قصور آيت عطه فنصب عليهم الآلة كذلك وضيق عليهم إلى أن طلبوا الأمان فأمنهم فطلبوا أن يفرج بالجيش عنهم قليلا حتى يخرجوا بعيالهم خوفا من معرة الجيش فأشفق لهم وأفرج عنهم وكان ذلك مكيدة منهم فلما نفس عن مخنقهم أدخلوا معهم ما شاؤوا من رجال وسلاح وقوت وتمادوا على الحرب فسقط في يد المولى إبراهيم وحمى أنفه وكان معه جماعة وافرة من أعيانهم رهنا عنده فقتل طائفة منهم وساق نحو المائة إلى فاس فقتلهم بباب المحروق ولما أنهى خبر فعلة البربر إلى السلطان عاب على ابنه إفراجه عنهم أولا وقتل الرهائن ثانيا ثم أنهم أوفدوا جماعة منهم على السلطان راغبين إلية أن يبقيهم بالقصور فردهم بالخيبة وقال لهم لا بد لي من الوصول إلى تلك القصور إن شاء الله حتى تكون لي أولكم ولما انسلخ رمضان من السنة وأقام سنة عيد الفطر شرع في تجهيز العساكر إلى الصحراء وقمع ظلمة آيت عطه ثم بعث في مقدمته السواد الاعظم من جيش العبيد وعقد عليهم لوصيفه الأنجب القائد أحمد بن مبارك صاحب الحاتم وبعث معه الطبجية بالمدافع والمهاريس وآلة الحصار والهدم فخرجوا من فاس في زي فاخر وشوكة تامة وبعد انفصالهم عنها طرأ على السلطان من بعض الثغور البحرية خبر بأن عمارة العدو تروج بالبحر وتجتمع عند جبل طارق ولم ندر إلى أين تريد فتأخر السلطان عن الخروج حتى يتبين له أمر هذه العمارة ثم ورد الخبر اليقين بأنها قد قصدت ثغر الجزائر وأصاب الفرنج من هدم الأبراج وتخريب الدور والمساجد وحرق الأشجار شيئا كثيرا لكن لما رجعوا مفلولين مقتولين هان الأمر وصغرت المصيبة ولما جاء البشير بانهزام الفرنج عن الجزائر قوي عزم السلطان على متابعة من وجه من عسكره إلى الصحراء فخرج في غرة ذي القعدة من السنة المذكورة فيمن تخلف معه من العسكر وقبائل العرب والبربر وجد السيرإلى أن عمر وادي ملوية فلقيه البشير هنالك بخبر الفتح والاستيلاء على القصور وقتل أهلها وسبيهم ونهب بضائعهم وأمتعتهم فجد السير إلى أن خيم بأغريس ومنها كتب إلى القائد أحمد أن يوافيه بالجيش لبلاد فركلة للنزول على القصور الخربات التي بها آيت عطة فاجتمعوا مع السلطان بها ونصبوا عليها المدافع والمهاريس ودام الرمي عليها ثلاثة أيام حتى كثر الهدم والقتل وعاينوا الموت الأحمر فأرسلوا إلى السلطان النساء والصبيان للشفاعة في الخروج بؤوسهم فأمنهم ولما جن الليل خرجوا حاملين أولادهم على ظهورهم خوفا من معرة الجيش ولما أصبح السلطان أمر بنهب ما في القصور من القوت والمتاع والكراع وكمل فتح هذه الأماكن التي كانت نقمة لأهل ذلك القطر الصحراوي ولما من الله على السلطان بهذا الفتح شكر صنع الله له بأن فرق على العسكر وقبائل تلك الأقطار ما وسعهم من الخيرات قال صاحب الجيش أعطى الشرفاء مائة ألف مثقال غير ما كان يعطيهم في كل سنة وقسم رحمه الله ذلك بخط يده فكتب لدار مولاي عبد الله كذا ولشريفات حموبكة كذا ولشرفاء تافيلالت كذا ولشرفاء تيزيمي وأولاد الزهراء كذا ولشرفاء الرتب كذا ولشرفاء مدغرة كذا ولشرفاء زيز والخنق والقصابي كذا وأعطى الطلبة والعميان والمقعدين والزمنى وزوايا تافيلالت مائة ألف مثقال قسم ذلك بخط يده أيضا وجعل للفقيه المدرس أربعة أسهم ولغيره سهمين والسهم من كذا وللطالب الذي يحفظ القرآن برسمه حتى صفا لوحه سهمان ولغيره سهم والسهم من كذا ولا فرق بين الأحرار والحراطين ولكل واحد من الضعفاء والعمى والمقعدين كذا الأحرار والحراطين سواء وللزوايا كذا فلزاوية الشيخ سيدي الغازي كذا ولزاوية سيدي أبي بكر بن عمر كذا ولزاوية سيدي أحمد الحبيب كذا ولزاوية سيدي علي بن عبد الله كذا ولزاوية ضريح مولانا علي الشريف كذا ولمقبرة أخنسوس كذا ووجه المال مع الأمين السيد المعطي مرينو الرباطي وأمر الشرفاء أن يعينوا أربعين من ثقاتهم وأمنائهم حتى لا تقع زيادة فيما كتبه بيده ولا نقصان وأمر القاضي أن يعين عشرة من الطلبة وعشرة من العوام للقيام على تفرقة ذلك ثم أعطى المدرسين زيادة على ما تقدم وكذا الأئمة والمؤذنين ولم ينس أحدا كل ذلك بخط يده رحمه الله قال صاحب الجيش ولا زال هذا الزمام عندي ثم بعد قضاء وطره من الزيارة والصلة توجه إلى مراكش على طريق الفائجة لتفقد أحوال جيش الحوز الذي كان وجهه من مراكش لإقليم درعة فبلغه أثناء الطريق أن آيت عطه الذين بدرعة لما سمعوا بقربه منهم خرجوا من القصور هاربين وتركوها يبابا وتحصنوا بجبل صاغرو ولما دخل السلطان مراكش سرح العساكر إلى السوس لتفقد أحواله وجباية أمواله وتمهيد أطرافه وأخذ هو رحمه الله في استصلاح قبائل الحوز من دكالة وعبدة والشياظمة فقتل وعزا وسجن وولى من ولى وطهر تلك الأعمال من ولاة السوء الذين كانوا بها وعاد إلى حضرته بفاس وكان دخوله إليها سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف ولما دخلها أخذ في تجهيز ولديه المولى علي والمولى عمر لأداء فريضة الحج إلى أن استوفى الغرض في ذلك وعين من يتوجه معهما من الخدم والتجار وسائر الحاشية وخرجا مع الركب النبوي على الهيئة المعهودة في حفظ الله وفي هذه السنة عزل السلطان وصيفه ابن عبد الصادق عن فاس وولى عليها كاتبه أبا العباس أحمد الرفاعي الرباطي المدعو القسطالي كان يعلم أولاده فنقله عن ذلك إلى مرتبة الولاية وأوصاه أن يسير بالعدل في الضعفاء والمساكين ويشتد على الفجرة والمتمردين وفي هذه السنة عشية يوم الاثنين سابع ربيع الثاني منها توفي الشيخ العلامة المحقق الأديب البليغ أبو الفيض حمدون بن عبد الرحمن بن حمدون بن عبد الرحمن السلمي المرداسي الشهير بابن الحاج صاحب التآليف الحسنة والفوائد المستحسنة والخطب النافعة والحكم الجامعة رحمه الله ونفعنا به وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف عزل السلطان الفقيه أبا العباس عن فاس لعجزه عن القيام بالخطة وولى على فاس خديمه الحاج أبا عبد الله محمد الصفار من بيت رياسة وفي هذه السنة أبطل السلطان الجهاد في البحر ومنع رؤساءه من القرصنة به على الأجناس وفرق بعض قراصينه على الإيالات المجاورة مثل الجزائر وطرابلس وما بقي منها أنزل منها المدافع وغيرها من آلة الحرب وأعرض عن أمر البحر رأسا بعد أن كانت قراصين المغرب أكثر وأحسن من قراصين صاحب الجزائر وتونس قاله منويل وفي هذه السنة قدم ولدا السلطان المولى علي والمولى عمر من المشرق مع الركب ونزلوا بثغر طنجة وكان السلطان قد بعث إليهما بمركب من مراكب النجليز فانتهى إلى الإسكندرية وحملهما ومن معهما من الخدم والتجار وسائر الحاج ولما نزلوا بطنجة حدث الوباء بالمغرب فقال الناس إن ذلك بسببهم فانتشر أولا بتلك السواحل ومنها شاع في الحواضر والبوادي إلى أن بلغ فاسا ومكناسة في بقية العام ولما دخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين وألف شاع الوباء وكثر في بلاد الغرب فتوجه السلطان إلى مراكش وكان الأمر لا زال محتملا ثم زاد وتفاحش حتى أصاب الناس منه أمر عظيم وفي هذا الوباء توفي الشيخ المرابط البركة سيدي العربي ابن الولي الأشهر سيدي المعطى بن الصالح الشرقاوي وضريحه شهير بأبي الجعد رحمه الله ونفعنا به وأسلافه آمين
وقعة ظيان وما جرى فيها على السلطان المولى سليمان رحمه الله
لما وصل السلطان رحمه الله إلى مراكش سنة أربع وثلاثين ومائتين وألف أقام بها إلى رجب منها ثم أخذ في الاستعداد لغزو برابرة فازاز وهم آيت ومالو بطن من صنهاجة وعرفت الوقعة بوقعة ظيان فخذ منهم فحشد السلطان رحمه الله عرب الحوز كلهم وكتب إلى العبيد بمكناسة يأمرهم أن يوافوه بتادلا وكتب إلى ولده وخليفته بفاس المولى إبراهيم أن يوافيه بها بجيش الودايا وشراقة وعرب الغرب وبرابرته وعسكر الثغور وكان الناس يومئذ في شدة من هذا الوباء الذي عم الحواضر والبوادي وكان السلطان لما أخذ في استنفار هذه القبائل لا علم له بتفاحش الوباء بالمغرب وكان الواجب على ابن السلطان أن يعلم أباه بما الناس فيه من فتنة الوباء فيعفيهم من الغزو أو يؤخره إلى يوم ما فجمع ولد السلطان الجموع وجلهم كاره وسار لميعاد أبيه فوافاه بتادلا فاجتمع للسلطان فيما يقال من الجيوش نحو ستين ألفا وزحف إلى البربر فانتهى إلى بسيط آدخسان وبها مزارع البربر وفدنها فأرسل السلطان الجيوش في تلك الزروع وكانت شيئا كثيرا فأتوا عليها وبعث البربر إليه بنسائهم وولدانهم للشفاعة وأن يدفعوا للسلطان كل ما يأمرهم به من المال وينصرف عنهم فأبى وزحف إليهم فقاتلهم يوما إلى الليل ولقد أخبرني من حضر الوقعة أن المقاتلة كانت في هذا اليوم من عرب الغرب ومن برابرة زمور وجروان وآيت أدراسن إلا أن القتل استحر في العرب دون البربر وذلك أن كبير زمور الحاج محمد بن الغازي دس إلى ظيان بأنما نحن وأنتم واحد فإذا كان اللقاء فلا ترمونا ولا نرميكم إلا بالبارود وحده وذلك أن السلطان لما قدمهم للقتال في أول يوم منه وأخر عرب الحوز استرابوا بأنه إنما أراد أن يصدم بعضهم ببعض وتسلم له العرب ففعل ابن الغازي ما فعل ولما راح مقاتلة العرب مع العشي أخبروا السلطان بأن هؤلاء البربر الذين معه لا أمان فيهم وإنما ظلوا يترامون بالبارود لا غير ولأجل ذلك قد هلك من إخواننا كثير ولم يهلك منهم أحد فأسرها السلطان في نفسه ولم يبدها لهم ولما كان الغد وركب الناس للقتال أرسل إلى البربر أن لا يركب منهم أحد وقال لهم إني أردت أن أجرب العرب اليوم وأختبر فائدتهم فأظهروا الطاعة وتقدم العرب إلى القتال وأقام البربر في أخبيتهم إلى منتصف النهار ثم ركبوا خيولهم وتسابقوا إليها عن آخرهم قال المخبر بهذا الخبر شاهدتهم ساعة ركبوا فكنت لا ألتفت إلى جهة إلا رأيتها حمراء من كثرة سروجهم التي كانت على ظهور الخيل إذ ذاك ثم تصايحت البربر فيما بينها وتقدمت براياتها إلى الجهة التي فيها القتال وأتوا من خلف العرب الذين كانو في نحر العدو وهم يتصايحون فلم يردهم إلا صياح البربر من خلفهم وراياتهم قد أطلت عليهم من كل جهة وكانت شيئا كثيرا فظنوا أن ظيان قد التحفتهم من خلفهم فخشعت نفوسهم وفشلوا ورجعوا منهزمين لايلوي حميم على حميم فأخذتهم البربر من بين أيديهم ومن خلفهم يقتلون ويسلبون وحصل انزعاج كبير في المحلة وتمت الهزيمة عليها ولم يبق بها إلا جيش الودايا والعبيد هكذا أخبرني من شاهد هذه الوقعة ممن يوثق به وساق صاحب الجيش الخبر عنها بأن قال كان انخذال برابرة زمور برأي كبيرهم الحاج محمد بن الغازي وكانت له وجاهة في الدولة وكان الحسن بن حمو واعزيز كبير آيت أدراسن يساميه في المنزلة ولما خرج المولى إبراهيم بن السلطان في هذه الغزوة كان ابن واعزيز قد حظي لديه حتى صار من أخص ندمائه فنفس ابن الغازي عليه ذلك ودبر بأن جر الهزيمة على الجيش أجمع فإنه أظهر الفرار وقت اللقاء حتى سرى الفشل في الناس وانهزموا ثم عطفت البرابر مع العشي على محلة السلطان فشرعوا في نهبها وأحاط عسكر العبيد بها من كل جهة وصاروا يقاتلون البربر على أطراف الأخبية ولما أقبل المساء ترك العبيد الأخبية وأرزوا إلى أفراك السلطان وصار القتال على أفراك إلى وقت العشاء فهلك من العبيد خلق كثير وصار القتال بالسيوف والرماح وما زال أصحاب السلطان يترسون عليه بأنفسهم حتى عجزوا عن الدفاع وخلص البربر إلى السلطان وأراد رجل منهم يقال إنه من بني مكيلد أن يجرده فأعلمه بأنه السلطان فاستحلفه البربري فحلف له فنزل عن فرسه وأركبه وطار به إلى خيمته وكان البربر يلقونه وهو ذاهب به فيقولون من هذا الذي معك فيقول أخي أصابته جراحة ولما وصل به إلى خيمته أعلن بأنه السلطان فأقبلت نساء الحي من كل جهة يفرحن ويضربن بالدفوف ثم جعلن يتمسحن بأطرافه تبركا به وينظرون إليه إعجابا به حتى أضجرنه ولما جاء رجال الحي أعظموا حلوله بين أظهرهم وأجلوه وسعوا فيما يرضيه ويلائمه من وطاء ومطعم ومشرب بكل ما قدروا عليه فلم يقر له قرار معهم ويقال إنه بقي عندهم ثلاثا لا يأكل ولا يشرب أسفا على ما أصابه إلا أنه كان يسد رمقه بشيء من الحليب والتمر وتنصل البربر له مما شجر بينهم وبينه وأظهروا له غاية الخضوع والاستكانة حتى أنهم كتفوا نساءهم وقدموهن إليه مستشفعين بهن على عادتهم في ذلك وبعد ثلاث أركبوه وقدموا به في جماعة من الخيل إلى قصبة آكراي فنزلوا به قريبا منها وبعث رحمه الله إلى مكناسة يعلم الجيش بمكانه فجاؤوه مسرعين ودخل مكناسة بعد أن أحسن إلى ذلك الفتى البربري وإلى جميع أهل حيه غاية الإحسان وأمر رحمه الله أن يعطى لكل من أتى سليبا من المنهزمين حائك وثلاثون أوقية ففرق من ذلك شيئا كثيرا بباب منصور العلج من مكناسة وأصيب المولى إبراهيم ابن السلطان في هذه الوقعة بجراحات معظمها في رأسه فحمل جريحا إلى فاس فمات بها وكانت مصيبته على السلطان أعظم مما أصابه في نفسه والأمر لله وحده قال صاحب الجيش كان السلطان الحازم سيدي محمد بن عبد الله لا يرد الشفاعة في مثل هذا المقام وربما دس إلى من يظهر ذلك صورة حتى يكون نهوضه عن عز وذلك من حسن سياسته وكانت هذه الوقعة الفادحة سبب سقوط هيبة السلطان المولى سليمان من قلوب الرعية فلم يمتثل له بعدها أمر في عصاتها حتى لقي الله تعالى ولما دخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين وألف كثر عيث البربر وإفسادهم السابلة واستحوذوا على مزارع مكناسة ومسارحها فنصب لهم السلطان رحمه الله حبالة الطمع وكادهم بها بأن صار كلما وفد عليه جماعة منهم كساها وأحسن إليها فتسامعوا بذلك فقادهم الطمع إلى أن وفد عليه منهم في مرة واحدة سبعمائة فارس من أعيانهم فقبض عليهم وجردهم من الخيل والسلاح وأودعهم السجن ثم أمر بالقبض على كل من وجد منهم بسوق مكناسة وصفرو فقبض بصفرو على نحو الثلاثمائة من آيت يوسي وقامت بسبب ذلك فتنة البربر على ساق فإنهم امتعضوا لمن قبض عليه من إخوانهم وزحفوا إلى مكناسة وحاصروها وجاؤوا معهم بدجالهم أبي بكر مهاوش وتحزبوا وصاروا يدا واحدة على كل من يتكلم بالعربية بالمغرب وكان مهاوش في هذه الأيام قد أمر أمره لأنه لما عزم السلطان على غزوهم كان يعدهم بأن الظهور يكون لهم فلما صدق عليهم ظنه اعتقدوه وافتتنوا به وزحفوا إلى مكناسة فضيقوا على السلطان بها فجعل رحمه الله يعالج أمرهم بالحرب تارة والسلم أخرى إلى أن طلبوا منه أن يسرح لهم إخوانهم ويرجعوا إلى الطاعة والدخول في الجماعة فسرحهم لهم على يد المرابط أبي محمد عبد الله بن حمزة العياشي فلما ظفروا بإخوانهم نقضوا العهد الذي أخذ عليهم المرابط المذكور وعادوا إلى العيث وإفساد السابلة ثم تبعهم على ذلك قبائل العرب واختلط الحابل بالنابل واشتد الأمر وبلغ الحزام الطبيين ولله در العلامة أبي مروان عبد الملك التاجموعتي إذ يقول ( هم البرابر لا ترجو نوالهم % وسل من الله تعجيل النوى لهم ) ( لا بلغ الله قلبا منهم أملا % وبلغ الله قلبي ما نوي لهم ) ثم لما سقطت هيبة السلطان وزال وقعه من القلوب سرى فساد القبائل إلى الجند فإن العبيد عادوا على كبيرهم القائد أحمد بن مبارك صاحب الخاتم فقتلوه افتياتا على السلطان مع أنه كان من أخص دولته لنجابته وكفايته وديانته واعتماد السلطان عليه في سائر مهماته ولما قتلوه اعتذروا للسلطان بأعذار كاذبة فقبل ظاهر عذرهم وطوى لهم على البت قال أكنسوس كان القائد أحمد وأبواه وإخوته قد أعطاهم السلطان سيدي محمد بن عبد الله لابنه المولى سليمان فنشأ القائد أحمد في كفالته وتخلق بأخلاقه من زمن الصبا إلى مماته وكانت حياته مقرونة بسعادة السلطان العادل المولى سليمان فإنه من يوم قتل رحمه الله سنة خمس وثلاثين ومائتين وألف لم يلتئم شمل المملكة حتى توفي السلطان المذكور
ذكر آل مهاوش وأوليتهم وما آل إليه أمرهم
أما الذي كان منهم في دولة السلطان سيدي محمد بن عبد الله فاسمه محمد وناصر والواو في لغة البربر بمعنى ابن وكان والده مرابطا من آيت مهاوش فرقة من آيت سخمان منهم وكان جده أبو بكر من أتباع الشيخ أبي العباس سيدي أحمد بن ناصر الدرعي رحمه الله وكان الشيخ المذكور قد جرى في مجلسه يوما ذكر الدجال فقال الشيخ لا يخرج الدجال حتى تخرج دجاجيل من جملتهم مهاوش ومعناه من جملتهم ولد هذا الرجل فكان الأمر كذلك فإنه لما شب محمد وناصر قرأ القرآن والعربية والفقه وحصل على طرف من علم الشريعة ثم تنسك وتزهد ولبس الخشن فيقال إنه حصل له نوع من الكشف شاع به خبره عند البربر وأكبوا عليه واشتهر أمره أيام السلطان سيدي محمد بن عبد الله ولما انتهى أمره نهض إلى قبيلة جروان الذين كانوا يخدمونه فنهبهم بسببه وفر مهاوش إلى رؤوس الجبال وبقي مختفيا إلى أن بويع السلطان المولى يزيد رحمه الله وكان قد اتصل بمهاوش قبل ولايته وذلك حين فر من والده ولجأ إليه حسبما مر فآواه مهاوش وأحسن إليه ولما بويع السلطان المذكور وفد عليه مهاوش في جماعة من قومه ففرح بهم المولى يزيد وأعطى مهاوش عشرة آلاف ريال وأعطى الذين قدموا معه مائة ألف ريال ولما هلك محمد وناصر هذا ترك عدة أولاد أكبرهم أبو بكر ومحمد والحسن إلا أنهم تبعوا سيرة أبيهم في مجرد التدجيل والتمويه على جهلة البربر وتثبيطهم على طاعة السلطان ولم يكن معهم ما كان مع والدهم من التظاهر بالخير والدين فأمر أمرهم عند أهل جبل فازاز واعتقدوهم ووقفوا عند إشارتهم ثم لما جاءت دولة السلطان المولى سليمان رحمه الله واتفقت له الهزيمة التي مر ذكرها وأمتلأت أيدي البربر من خيل المخزن وسلاحه وأثاث الجند وفرشه بطروا وظهر لهم إن ذلك إنما نالوه ببركة مهاوش لأنه كان يعدهم بشيء من ذلك فتمكن ناموسه من قلوبهم واستحكمت طاعتهم له وتمردوا على السلطان بسبب ما كانوا يسمعون منه إلا أن كيده كان قاصرا على أهل لسانه ووطنه لا يتعداهم إلى غيرهم ثم بعد ذلك بزمان انطفأ ذباله ولم يزل في انتقاص إلى الآن والله غالب على أمره
حدوث الفتنة بفاس وقيامهم على عاملهم الصفار
لما توالت هذه الفتن على السلطان رحمه الله وانفتقت عليه الفتوق وصار الناس كأنهم فوضى لا سلطان لهم قام عامة أهل فاس على عاملهم الحاج محمد الصفار فأرادوا عزله وتعصبت له طائفة من أهل عدوته وافترقت الكلمة بفاس حتى أدى ذلك إلى الحرب وسفك الدماء ونهب الدكاكين وتراموا بالرصاص من أعلى منار مسجد الرصيف وبلغ ذلك السلطان وهو يومئذ بمكناسة يعالج داء البربر فزاده ذلك وهنا على وهن فكتب إلى أهل فاس كتابا شحنه بالوعظ والعتب وأمر ابنه المولى عليا أن يقرأه عليهم فجمعهم وقرأه عليهم حتى سمعوه وفهموه ونص الكتاب المذكور بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم إلى أهل فاس السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد فإن العثماني بإصطنبول وأمره ممتثل بتلمسان والهند واليمن وما رأوه قط ولكن أمر الله يمتثلون @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن @QE@ النساء 59 وكان صلى الله عليه وسلم لا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح واعلموا أن العمال ثلاثة عامل أكل السحت وأطعمه الغوغاء والسفلة وعامل لم يأكل ولم يطعم غيره انتصف من الظالم وعامل أكل وحده ولم يطعم غيره فالأول تحبه العامة والسفلة ويبغضه الله والسلطان والصالحون والثاني يحبه الله ويكفيه ما أهمه من أمر السلطان والثالث كعمال اليوم يأكل وحده ويمنع رفده ولا ينصر المظلوم فهذا يبغضه الله ورسوله والسلطان والناس أجمعون وهذا معنى حديث أزهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس الخ وحديث العمال ثلاثة الخ فلو كان للصفار مائدة خمر وطعام يأخذه من الأسواق ويتغذى عنده ويتعشى السفلة والفساق ويدعو اليوم ابن كيران وغدا ابن شقرون وبعده بنيس وابن جلون ويفرق عليهم من الذعائر لأحبوه وما قاموا عليه ولو أردتم النصيحة لله ولرسوله ولأميره لقدم علينا ثلاثة منكم أو ذكرتم ذلك لولدنا مولاي علي أصلحه الله فأخبرنا بذلك وقل للصفار الكلاب لا تتهارش إلى على الطعام والجيف فإذا رأت كلبا بباب دار سيده ولا شيء أمامه لم تعرج عليه وإن رأته يأكل فإن هو تعامى وأشركهم فيما يأكل أكلوا معه وسكتوا وإن هو قطب وجهه وكشر عن أنيابه تراموا عليه وغلبوه على ما في يده وهذا الصفار لم يتق الله ويزهد الزهد الذي ينصره الله به ولم يلاق الناس بوجه طلق ويطرف مما يأكله فسلطهم الله عليه ولما رأى يوسف بن تاشفين النعمة التي فيها ابن عباد قال أكل أصحابه وأعوانه مثله فقالوا لا فقال إنهم يبغضونه ويسلمونه للمكاره لاستبداده دونهم ولتغيير المنكر شروط وما يعقلها إلا العالمون وكم من مرة قلنا لكم العلماء هو ينكرون ما ينكر ويعلموننا بما كان ولكن الجلوس بلا شغل والفراغ وعدم الحمد حملكم على ما يحرم عليكم الكلام فيه ( إن الشباب والفراغ والجده % مفسده للمرء أي مفسدة ) وأما بيت مال الله والأحباس فالله حسيب من بدل وقد كنتم تتكلمون على المكس والحرير والقشينية وغير ذلك فأرى حكم الله من ذلك وانظروا لمن تعرفونه من العمال وأما الفسق فهو عادة وديدن كل من قام في الفتنة وكم مرة رمت قطعة فلم أجد إليه سبيلا لأن جل كبرائكم بالمصاري والعرصات وإنما أولي عليكم البراني لأنكم لا تحسدونه وإن أكل وحده والحاسد يريد زوال النعمة عن محسوده والتجار لأن التاجر لا يطمع في مال أحد ويكفيه الرفعة والجاه لنماء ماله وانظروا ما أجبتكم به وما كتبتم لنا به واعرضوه على فقهائكم فمن قال الحق منا ومن قال الباطل أخذتم بحظكم من الفتن ا ه وهذه الرسالة قد شرحها الفقيه أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد الكريم اليازغي وكان أهل فاس قد كتبوا إلى السلطان رحمه الله في شأن عاملهم الصفار المذكور واعتذروا عن خروجهم عليه بأنه اشتغل بما لا يرضي الله من الفسق ومد اليد إلى الحريم فأنكروا عليه فأجاب السلطان رحمه الله بالرسالة المذكورة
خروج السلطان المولى سليمان من مكناسة إلى فاس وما لقي من سفهاء البربر في طريقه إليها
قد تقدم لنا أن البربر طلبوا من السلطان تسريح إخوانهم وأنه بذلك
تصلح أحوالهم ويراجعون الطاعة ولما سرحهم نكثوا العهد وازدادوا تمردا فلما أعيا السلطان أمرهم وكل أمرهم إلى الله وعزم على الخروج من مكناسة إلى فاس لما حدث بها من الشغب أيضا فولى على مكناسة وجند العبيد ولده المولى الحسن وكان له علم وحزم ثم خرج السلطان رحمه الله من مكناسة ليلا على خطر عظيم وأسرى ليلته ولم يعلم البربر بخروجه حتى أصبح وقد جاوز المهدومة وشارف وادي النجاة فتبعوه على الصعب والذلول ونهبوا كل من تخلف من الجيش واستولوا على كثير من روام السلطان وكان مع السلطان في تلك الليلة المرابط البركة أبو محمد عبد الله بن حمزة العياشي فجعل يكف البربر عن الجيش فلم يغن شيئا لأنه كان كلما كفهم من ناحية أغاروا من ناحية أخرى وخلص السلطان إلى فاس وقد ازداد حنقة على البربر فلما دخلها أمر بنهب دور البربر القاطنين بفاس فنهبوا كل من فيه رائحة البربرية ولو قديما فكان ذلك فتنة في الأرض وفسادا كبيرا وأقام السلطان بفاس إلى رجب من السنة المذكورة أعني سنة خمس وثلاثين ومائتين وألف ثم خرج لإصلاح نواحي بلاد الهبط فوصل في خرجته هذه إلى قصر كتامة فمهد تلك البلاد وأمن سبلها ورجع إلى رباط الفتح فقدم عليه بها قبائل الحوز على بكرة أبيهم من حاحا والشياظمة وعبدة والرحامنة وأهل السوس والسراغنة وزمران وأهل دكالة وقبائل الشاوية وتادلا وقدم عليه أيضا قبائل بني حسن وعبيد الديوان وقبض في هذه المرة على نحو المائة من زعير وأودعهم السجن ودخل شهر رمضان ففرق عمال القبائل كلا إلى عمله وأمرهم بالقدوم عليه لعيد الفطر ويستصحبوا زكواتهم وأعشارهم وكان قد عزم على المقام برباط الفتح إلى أن يقيم سنة العيد به وتجتمع عليه العساكر فيتوجه بها لغزو البربر ثم بدا له رحمه الله فسافر مع قبائل الحوز إلى مراكش في عاشر رمضان المذكور
ذكر ما حدث من الفتن بفاس وأعمالها بعد سفر السلطان المولى سليمان إلى مراكش
لما عزم السلطان المولى سليمان رحمه الله على السفر إلى مراكش ندب جند العبيد إلى السفر معه فتثاقلوا عليه وظهر منهم قلة المبالاة به وأحس منهم بذلك فأعرض عنهم وبعد يوم أو يومين انسل من بين أظهرهم وقصد محلة أهل الحوز فدخل قبة القائد محمد بن الجيلاني ولد محمد الصغير السرغيني وكان السلطان يطمئن إليه منذ كان رفيقه في نكبته عند ظيان إذا كان ابن الجيلاني المذكور مأسورا عندهم وسرحوه للسلطان فرافقه إلى مكناسة حسبما مر ولما احتل السلطان بمحلة أهل الحوز ازداد فساد نية العبيد وسافر السلطان إلى مراكش وترك مضاربه وأثاثه بيدهم فتوزعوها وعادوا إلى مكناسة وسمع الناس بما ارتكبه هؤلاء العبيد في حق السلطان فعاد شباب الفتنة إلى عنفوانه وسرى في الحواضر والبوادي سم أفعوانه فخب عبيد مكناسة بعد قدوم إخوانهم عليهم في الفتنة ووضعوا وامتنع عمال الغرب وبني حسن من دفع الزكوات والأعشار وطردوا جباة السلطان وعمد الودايا بفاس إلى حارة اليهود التي بين أظهرهم بفاس الجديد فانتهبوها واستصفوا موجودها وأخذوا ما كان تحت أيدي اليهود من كتان وحرير وفضة وذهب لتجار أهل فاس إذ كانوا يخيطون لهم ويصنعون ما تدعو الحاجة إلى خياطته وصنعته فضاعت في ذلك أموال لا يحصيها قلم حاسب ثم جردوهم رجالا ونساء وسبوا نساءهم وافتضوا أبكارهم وسفكوا دماءهم وشربوا الخمور في نهار رمضان وقتلوا الأطفال ازدحاما على النهب ثم تجاوزوا هذا كله إلى حفر البيوت على الدفائن فوقعوا بسبب ذلك على أموال طائلة ولما رأوا ذلك قبضوا على أعيانهم وتجارهم وصادروهم بالضرب والنكال ليدلوهم على ما دفنوه من المال ومن عنده يهودية حسناء حالوا بينه وبينها حتى يفتديها بالمال وكان هذا الحادث العظيم في الثالث عشر من رمضان سنة خمس وثلاثين ومائتين وألف ولما فرغوا من اليهود التفتوا إلى أهل فاس فاستاقوا السرح وبهائم الحرث والجنات ومنعوا الداخل والخارج فقام بفاس هرج عظيم وغلقوا الأبواب ومالوا على من وجدوه من الودايا داخل البلد فأوقعوا بهم ونهبوهم وحمل الناس السلاح ونقلت البضائع والسلع من الأسواق إلى الدور خوفا عليها واجتمع أهل الحل والعقد منهم فعينوا من يقوم بأمرهم فقدم اللمطيون رجلا منهم يقال له الحاج أحمد الحارثي وقدم أهل العدوة رجلا منهم يقال له قدور المقرف وقدم أهل الأندلس رجلا منهم يقال له عبد الرحمن بن فارس فضبطوا البلد وبينما هم كذلك قدم عليهم جماعة من أعيان الودايا وتلافوا أمرهم معهم والتزموا رد ما نهبوه لهم من السرح وما نهب في جملة أموال اليهود مما كان يصنع عندهم فخمدت بذلك نار الفتنة بعض الشيء وقد قال أدباء الوقت في هذا الخطب الذي اتفق في هذه المدة جملة من الأشعار من ذلك قول الكاتب البارع أبي عبد الله محمد بن إدريس الفاسي ( أعين العين للمحبين داء % والدوا في شفاهها والشفاء ) ( فإذا ما رمين سهما لصب % فالهوى قد هوى به والهواء ) ( كيف يعدل نحو رأيي عذول % من رمته ظبي اللحاظ الظباء ) ( سعد ساعد أخا الغرام بقرب % من سعاد فقد عناه العناء ) ( زارني ضيف طيفها فشجاني % وسرى الطيف للمحب حباء ) ( هب شوقي أذهب نشر كباها % وعرتني من ذكرها العرواء ) ( فسقى عهدها العهاد وحيا % الملك العادل الحياء الحياء ) ( ليس إلا أبا الربيع ربيع % خلقه الجود والجدي والوفاء ) ( بسليمان قد سلمنا وسدنا % فالعلي منزل له والعلاء ) ( ملك ملك العلا والمعالي % وسما فله الفخار سماء ) ( غرة المجد درة العقد من قد % راق من فضله السنا والسناء ) ( نجل خير الورى وأفضل من فذ % نبأت بظهوره الأنبياء ) ( من إذا رجاه راج لنول % قبل حل الحبى أتاه الحباء ) ( خلق دمث وخلق بهي % من ذكي نوره تغار ذكاء ) ( كفه كفت الفساد وكفت % كل عاد فما له أكفاء ) ( راحة راحة لكل فقير % بحياء تحيا به الأحياء ) ( روضة راضت العلوم ولكن % عرفها العرف والثراء الثناء ) ( قد روى فضله الأفاضل طرا % فعلى الفضل والرواة رواء ) ( لأبي القاسم الظياني لديهم % فضل سبق له علا وعلاء ) ( جمع الوصف أحكم الوصف صدقا % وأتاه الإنشاء كيف يشاء ) ( صالح ناصح أمين رصين % قد ثناه إلى علاك السناء ) ( كيف لا يحسن السناء ويسمو % في إمام له المعالي رداء ) ( إنما هو معجز مستقل % يقتدي بفعاله العقلاء ) ( بسط العدل في البسيطة فالدين % له بسطة به وارتقاء ) ( وغدا بإقامة الدين فالغرب % غريبا أنصاره الغرباء ) ( لم يجد في البرابر الغلف برا % شأنه البر في البدا والبراء ) ( نقضوا العهد خالفوا الأمر والنهي % إلا إنهم هو السفهاء ) خالفوا منتقى الخلائق جهلا % بعماهم فلا عداهم عماء ) ( عادة في جدودهم جددوها % لهم الدهر الارتداد رداء ) ( قد دعاهم مهاوش لضلال % فعليهم وبالهم والوباء ) ( شق جهلا عصا الإمام شقاقا % وعصى الله لا هناه الهناء ) ( واقتفى أثرهم الغواة ضلالا % فغاباهم ما أن عليه غباء ) ( وإذا خبثت أصول فروع % لاح من فعلهم عليه لواء ) ( وكذا العرب أعربوا عن مساوفهم % في سوى الخروج سواء ) ( نافقوا رافقوا الخبيثين كفرا % همزوا لمزوا فليس براء ) ( والودايا جاؤوا بادوء عيب % داؤهم ماله الزمان دواء ) ( قتلوا سلبوا أخافوا وحافوا % ما ثناهم عن القبيح ثناء ) ( ما رعوا ذمة ولا فعل ذم % بل عراهم من الحياء عراء ) ( وإمام الأنام يحلهم عنهم % ويوالي وما يفيد الولاء ) ( نهبوا حارة اليهود وهدوا % دورهم وعرى النساء سباء ) ( لو تراهم بين الرعايا عراة % يحتذيهم رجالهم والنساء ) ( خفروا ذمة النبي فذموا % لعماء فلا سقاهم عماء ) ( يا إمام الهدى عليك بقوم % ملأ الغرب بغيهم والبغاء ) ( قد طم ظلمهم وعم أذاهم % وانجلى عنهم فحق الجلاء ) ( كم سدلت عليهم أي ستر % ووهبت فما أفاد العطاء ) ( وحدوت إلى الرشاد فحادوا % ودعوت فما أفاد الدعاء ) ( نلت رشدا برشدهم وجهادا % فأبى منهم الرشاد إباء ) ) ( وإذا خذل الإله أناسا % من محياهم يزول الحياء ) ( فعبيد الإله خير عبيد % قد كفى منهم الإمام كفاء ) ( حاربوا ضاربوا على الحق راعوا % ذمة الله لا عداهم علاء ) ( فاتخذهم مواليا وجنودا % واصطفيهم فإنهم أصفياء ) ( قد أصاب الأعادي منهم عذاب % ودهى منهم الدهاة دهاء ) ( وإذا سخر الإله أناسا % لسعيد فإنهم سعداء ) ( يا إله الأنام خذ بيديه % وأعنه فقد عناه العناء ) ( فينام الأنام في ظل أمن % ورداه للماردين رداء ) ( وعليه السلام ما سار سار % وشدت فوق ورقها الورقاء ) ثم حدث على تفئة ذلك فتنة أخرى بفاس بسبب نزاع جرى بين قاضيها الفقيه أبي الفضل عباس بن أحمد التاودي وبين مفتيها الفقيه أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الدكالي في قضية الشريفين الشفشاوني والعراقي من أهل فاس وهي معلومة فأنهى الأمر إلى السلطان فأخر الفقيه أبا عبد الله عن الفتوى فغضب للمفتي جماعة من المدرسين وطلبة العلم وتعصبوا له وتحزبوا على القاضي فكتبوا رسما يتضمن الشهادة بجوره وجهله ووضعوا خطوطهم وناطوا به قصيدة تتضمن الشكوى به وشرح حاله للسلطان ووجهوا بهما إليه ونص القصيدة
( يا أيها الملك الذي عدالته % أحيت مآثرها الصديق أو عمرا ) ( يا أيها الملك الذي مناقبه % في غرة الدهر قد لاحت لنا قمرا ) ( أنت الذي وضع الأشياء موضعها % وفي العلوم الذي أحيا الذي اندثرا ) ( أنت الذي صير الدين القويم كما % أوصى به من سما الأملاك والبشرا ) ( ولم يزل بك في عز وفي حرم % يجني ذوو العلم من رياضة ثمرا ) ( تذب عنه بأسياف وآونة % بفكرة تحكم الأحكام والصورا ) ( ومن يرم هدمه تأخذه صاعقة % من راحتيك فلا تبقى له أثرا ) ( وقد شكا الدين من هضم ومن كمد % أصابه فهو يبكي الدمع منهمرا ) ( سطت عليه يد القاضي الذي غمرت % أقضية الجور منه البدو والحضرا ) ( أعفى مراسمه جورا وأبدله % جهلا بما يذهب الألباب والفكرا ) ( جاء الولاية وهو من شبيبته % يرى القضا حرفة يجني بها وطرا ) ( فلم يكن همه فيه سوى قنص % أو نخوة تترك الضعيف منكسرا ) ( أما حقوق الورى فإنها عدم % مجهولة جعلت منبوذة بعرا ) ( فاستنقذت ملة المختار جدك من % هذا الذي ما درى وردا ولا صدرا ) ( يأتي الحكومة عباسا ومنقبضا % مما به من سقام يجلب الكدرا ) ( فلا يرى أرسم الخصمين من ملل % لكن يحكم أوهاما بها جهرا ) ( ويستبد برأيه وحيث بدت % فتوى تبصره ألقى بها حجرا ) ( ولا يمكن خصما قد دعاه إلى % تسجيله ما رأى في الحكم معتبرا ) ( ملت قلوب الورى منه وليس لهم % إلاك يا من به الإسلام قد نصرا ) ( ضجوا لعزتكم يشكون سيرته % بعبرة تترك الفؤاد منفطرا ) ( فأدركن يا عماد الدين صارمه % رعية ترتجي من حلمكم مطرا ) ( فأنزلنه لقد طغى بعزته % ولم يخف في غد لظى ولا سقرا ) ( واصرفه عنهم كصرفه ضعيفهم % واعزله عزلا فإن الأمر قد أمرا ) ( فأنت غيثهم إن أزمة أزمت % وأنت كهفهم إن حادث ظهرا ) ولما وصل الرسم والقصيدة إلى السلطان رأى أن ذلك من التعصب الذي يحدث بين الأقران فرفضه لكمال أناته وعقله ولم يقبل شهادة عالم على مثله فلما رأوا أن السلطان لم يساعدهم هجموا على القاضي وهو بمجلس حكمه وأرادوا قتله وسدد نحوه الشريف أبو عبد الله محمد الطاهر الكتاني كابوسا أخرجه فيه فأخطأه فانزعج القاضي ولزم بيته وقدموا مكانه الفقيه أبا عبد الله محمد بن عبد الرحمن الدلائي ثم عزلوه وولوا مكانه الفقيه أبا عبد الله محمد العربي بن أحمد الزرهوني فكانت عاقبة أمره أنه لما أفضى الأمر إلى السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام رحمه الله نفاه إلى الصويرة والله تعالى أعلم
خروج أهل فاس على السلطان المولى سليمان وبيعتهم للولى إبراهيم بن يزيد والسبب في ذلك
لما استمر السلطان المولى سليمان رحمه الله مقيما بمراكش والفتن بفاس وسائر بلاد الغرب قد تجاوزت مداها وعم أذاها ورفعت الشكايات إليه من فاس وغيرها بما الناس فيه من الكرب العظيم والخطب الجسيم كتب رحمه الله بخط يده كتابا إلى أهل فاس يرشدهم إلى ما فيه صلاحهم من حلف البربر والاعتماد عليهم في حراسة بلادهم وسائر مرافقهم كما كانوا قديما أيام الفترة في دولة السلطان المولى عبد الله إلى أن يفرغ من شأن الحوز ويقدم عليهم هكذا زعم صاحب البستان قال أكنسوس كان مراد السلطان بذلك الكتاب تهييج أهل فاس على التمسك بطاعته وترغيبهم في محبته ونصرته وقد فعل مثل ذلك بمراكش فإنه جمع أعيانها وأعيان الرحامنة عقب صلاة الجمعة وقال لهم قد رأيتم ما جرت به الأقدار من فساد قلوب الرعية وتمادي القبائل على الغي والفساد ومن يوم رجعنا من وقعة ظيان ونحن نعالج أمر الناس فلم يزدادوا إلا فسادا وقد جرى على الملوك المتقدمين أكثر من هذا فلم ينقصهم ذلك عند رعيتهم بل قاموا معهم وأعانوهم على أهل الفساد حتى أصلحوهم وإني قد عجزت بشهادة الله لأني ما وجدت معينا على الحق وكم مرة تحدثني نفسي أن أترك هذا الأمر وأتجرد لعبادة ربي حتى أموت فقال من حضر من أعيان الرحامنة وغيرهم يا مولانا بارك الله لنا في عمرك وجعلنا فداءك ونحن أمامك ووراءك فمرنا بما تشاء فقولك مطاع وأمرك ممتثل وما رأينا منك إلا الخير فسر السلطان بمقالتهم ودعا لهم بخير ولما فعل مع أهل مراكش هذا الأمر أراد أن يسلك مثله مع أهل فاس فوقع ما وقع ولما بعث السلطان بالكتاب المذكور إلى ابنه المولى علي بفاس أمره أن يقرأه على أهلها بمحضر الفقيه المفتي السيد محمد بن إبراهيم الدكالي والفقيه الشريف السيد محمد بن الطاهر الفيلالي والفقيه الكاتب السيد أبي القاسم الظياني والأمين السيد الحاج الطالب ابن جلون الفاسي فجمعهم المولى علي في المسجد الذي بباب داره بزقاق الحجر وقرأ عليهم الكتاب المذكور وكان المسجد غاصا بالخاصة والعامة فازدحموا عليه ليروا الكتاب بأعينهم وأكثروا عليه فضجر وقام ودخل داره وأغلقها عليه فقال بعض الناس إن السلطان قد خلع نفسه وقال لكم قدموا من ترضونه وقال آخرون إنه لم يخلع نفسه وجعل آخرون يقرعون باب المولى علي ويقولون أخرج إلينا كتاب السلطان حتى نقرأه ونعلم ما فيه فقال لهم إني أحرقته فازدادوا ريبة وصدقوا أن السلطان قد خلع نفسه واجتمع رؤساء أهل فاس منهم الحاج محمد بن عبد الرزيق والسيد محمد بن سليمان وعلال العافية وقدور بن عامر الجامعي ولم يكن من أهل فاس وإنما كان قاطنا بالطالعة وهؤلاء من أهل عدوة الأندلس وكذلك عيرهم من أهل عدوة القرويين واللمطيين ثم جمعوا الطلبة الذين حضروا قراءة الكتاب وألزموهم أن يكتب كل واحد منهم ما سمع فكتب لك واحد ما ظهر له ثم حازوا خطوطهم وخلصوا منها ما هو مرادهم وهو أن السلطان عجز وعزل نفسه وأمر الناس أن ينظروا لأنفسهم هذا والحرب قائمة بين أهل فاس والودايا
فكتب أهل فاس إلى قواد البربر يستنصرونهم على الودايا ويستقدمونهم للنظر والخوض معهم فيمن يتولى أمر الناس فقدم الحسن بن حمو واعزيز المطيري كبير آيت أدراسن في وجوه قومه وقدم الحاج محمد بن الغازي كبير زمور وبني حكم في وجوه قومه فاجتمعوا بأهل فاس وتفاوضوا في أمر البيعة فوقع اختيارهم على المولى إبراهيم بن يزيد وكان ذا سمت وانقباض وصهر السلطان على ابنته وكان يسكن بدرب ابن زيان قرب المدرسة العنانية فكان لا يخرج إلا من الجمعة إلى الجمعة يصلي بالمدرسة ثم يعود إلى داره فاختاروه لذلك من غير اختبار ولا تمحيص ثم قالوا إن السلطان لا بد له من مال ورجال فتكفل ابن واعزيز بالرجال وقال عندنا من الخيل والرجال ما لن يغلب من قلة وتكفل الحاج الطالب بن جلون بالمال وأحال على جماعة من التجار وسماهم وذكر أن السلطان لما عزم على السفر إلى مراكش ودع عندهم بواسطته مالا له بال ولما تم لهم ما أرادوا غدوا على المولى إبراهيم بن يزيد فأحضروه وشرطوا عليه شروطا منها إخراج الودايا من فاس الجديد وكانوا كلما شرطوا عليه شرطا حرك لهم رأسه أي نعم ثم بايعوه صبيحة الرابع والعشرين من محرم سنة ست وثلاثين ومائتين وألف ويقال إنهم لما خاطبوه أولا امتنع فقالوا له إن لم نبايعك بايعنا رجلا من آل المولى إدريس رضي الله عنه فخاف خروج الأمر من بيتهم وأجاب والله أعلم وحضر هذه البيعة الشريف سيدي الحاج العربي ابن علي الوزاني والشيخ أبو عبد الله سيدي محمد العربي الدرقاوي وكان ابن الغازي الزموري من أخص أتباعه وهو رئيس البربر في ذلك الوقت وعليه وعلى ابن واعزيز كانت تدور هذه الأمور وحضرها أيضا أبو بكر مهاوش كبير آيت ومالو ولما أحكموا أمرهم كتبوا إلى العبيد بمكناسة ليساعدوهم فامتنعوا إلا أن من كان يبغض السلطان منهم وعدهم سرا ثم كتبوا إلى الودايا بمثل ما كتبوا به إلى العبيد فكانوا عنها أبعد فبعث أهل فاس الشيخ أبا عبد الله الدرقاوي إلى الودايا ليأتي بيعتهم وكان له فيهم أتباع فقبضوا عليه وأودعوه السجن وكتبوا بذلك إلى السلطان فما سخط ولا رضي واستمر المولى إبراهيم والبربر مقيمين بفاس إلى أن نفذ ما عندهم من المال الذي أظهره لهم الحاج الطالب ابن جلون فاتفق رأيهم على الخروج من فاس وكان من أمرهم ما نذكره
مسير المولى إبراهيم بن يزيد إلى تطاوين ووفاته بها
لما نفذ ما كان عند المولى إبراهيم بن يزيد وشيعته من المال واستهلكوه في غير فائدة تفاوضوا فيما يصنعون فأجمع رأيهم على أن يسيروا إلى المراسي بقصد فتحها والاستيلاء على مالها فخرجوا بالمولى إبراهيم مستبدين عليه ضاربين على يده وإنما المتصرف والآمر والناهي هو أبو عبد الله محمد بن سليمان وأما ابن عبد الرزيق وجماعة من أصحابه الذين أسسوا هذا الأمر فإنهم هلكوا في حرب الودايا في عشية واحدة في وقعة ظهر المهراس وحزت رؤوسهم وبعث بها إلى السلطان بمراكش ولما برزوا من فاس مروا بآيت يمور ونزلوا بالولجة الطويلة وراودوا من هنالك من عرب بني حسن وأهل الغرب ودخيسة وأولاد نصير على الانخراط في سلكهم فأبوا عليهم وعزم القائد محمد بن يشو على أن يبيتهم بغارة شعواء تفرق جمعهم فدس إليهم محمد بن قاسم السفياني اللوشي وكان منحرفا عن السلطان بما عزم عليه ابن يشو وأشار عليهم أن يعبروا النهر إلى ناحيته ليحميهم ممن أرادهم فعبروا إليه وانضم إليهم فيمن معه وساروا إلى قصر كتامة فنزلوا بالكدية الإسماعيلية ومنها كتبوا إلى أهل الثغور والعرائش وطنجة وتطاوين يدعونهم إلى بيعة سلطانهم والدخول في حزبهم فأما أهل العرائش وطنجة فأجابوا بالمنع وقيل أن أهل العرائش بايعوا ووفد عليه بعضهم ولعل ذلك
كان في ثاني حال وأما أهل تطاوين فامتثلوا وكان قاضي طنجة أبو العباس أحمد الفلوس قد عزم على بيعة المولى إبراهيم فنذر به عاملها أبو عبد الله محمد العربي السعيدي فنفاه وقدم للقضاء مكانه الفقيه الأديب أبا البقاء خالد الطنجي ولما ورد على المولى إبراهيم وحزبه جواب أهل تطاوين بالقبول ساروا إليها فدخلوها واستولوا على مال المرسى وعلى مخازن السلطان وما فيها من سلاح وكتان وملف وغير ذلك فتوزعته البربر ثم انتهبوا ملاح اليهود واكتسحوه فعثروا فيه على أموال طائلة يقال إنهم وجدوا به عددا كثيرا من فنائق الضبلون والبندقي فكان ابن الغازي الزموري وغيره من رؤساء ذلك الجمع لا يعطون أصحابهم إلا البندقي فكثر جمعهم لذلك ولما مضت لهم من قدومهم تطاوين سبعة وأربعون يوما توفي المولى إبراهيم رحمه الله وكان قد دخلها مريضا يقاد به في المحفة فأخفوا موته ودفنوه بداره وكان من أمرهم ما نذكره
بيعة المولى السعيد بن يزيد بتطاوين ورجوعه إلى فاس
لما توفي المولى إبراهيم بن يزيد اخفى رؤساء دولته موته ليلتين أو ثلاثا ثم دعوا أهل تطاوين إلى بيعة أخيه المولى السعيد بن يزيد فافترقت كلمتهم فمنهم من أبى ومنهم من أجاب فأحضر ابن سليمان وابن الغازي وأشياعهما من أبى من أهل تطاوين وألزموهم البيعة فالتزموها وكتبوها وأحكموا عقدها وكان المتولي يومئذ بتطاوين الحاج عبد الرحمن بن علي أشعاش فأخروه وولوا مكانه أبا عبد الله محمد العربي بن يوسف المسلماني وكان داهية شهما وبينما هم في ذلك ورد عليهم الخبر بمجيء السلطان من مراكش وأنه قد وصل إلى قصر كتامة ففت ذلك في عضدهم وخرجوا مبادرين إلى فاس على طريق الجبل وكان من أمرهم ما نذكره
مجيء السلطان المولى سليمان من مراكش إلى القصر ثم مسيره إلى فاس وحصاره إياها
كان السلطان المولى سليمان رحمه الله في هذه المدة مقيما بمراكش وكان العبيد قد ندموا على ما فرط منهم برباط الفتح من التخلف عن السلطان ونهب أثاثه حسبما مر فجعلوا يتسللون إليه من مكناسة مثنى وفرادى حتى اجتمع عنده جلهم لا سيما من كان منهم معروفا بعينه مثل القواد وأرباب الوظائف ولما بلغه ما كان من بيعة المولى إبراهيم بن يزيد تربص قليلا حتى إذا بلغه خروجه إلى المراسي قلق وخرج من مراكش في جيش العبيد وبعض قبائل الحوز يبادره إليها ولما وصل إلى رباط الفتح عبر إلى سلا ونزل برأس الماء ولما حضرت الجمعة دخل المدينة فصلى بالجامع الأعظم منها ودخل دار الحاج محمد بن عبد الله معنينو من أعيان أهل سلا واستصحب معه الفقيه المؤقت أبا العباس أحمد بن المكي الزواوي من أهل سلا أيضا بقصد القيام بوظيفة التوقيت ولما وصل السلطان إلى قصر كتامة أتاه الخبر بدخول المولى إبراهيم إلى تطاوين فأقام هنالك وكتب إلى الودايا وإلى من بقي بمكناسة يحضهم على التمسك بالطاعة وكتب إلى ولده المولى الطيب بفاس الجديد يأمره أن يبعث إليه بالفقيه الأديب أبي عبد الله محمد أكنسوس وهو صاحب كتاب الجيش قال أكنسوس فقدمنا على السلطان بريصانة على مرحلتين من القصر قاصدا تطاوين ومحاصرة المولى إبراهيم بن يزيد بها قال فورد عليه كتاب من عند القائد أبي عبد الله العربي السعيدي صاحب طنجة بوفاة المولى إبراهيم وبيعة أخيه المولى السعيد وأنهم قد عادوا به إلى فاس ولما تحقق بذلك رجع على طريق القصر يؤم فاسا ويسابق السعيد إليها فوافياها في يوم واحد فنزل السعيد بجموعه بقنطرة سبو ودخل السلطان دار الإمارة بفاس الجديد مع الودايا ولما كان فجر الغد في تلك الليلة أغارت خيل الودايا على محلة المولى السعيد بالقنطرة فانتسفوها بما فيها وقتلوا من البربر وأهل فاس وغيرهم خلقا كثيرا واحتووا على أموال طائلة مما كانت البربر قد نهبته من ملاح تطاوين وأفلت المولى السعيد وبطانته بجريعة الذقن ودخلوا فاسا فأغلقوها عليهم وثابت إليهم نفوسهم وفي هذه الأيام قتل المعلم الأكبر أبو العباس أحمد عنيقيد التطاوني وكان عجبا في صناعة الرمي بالمهراس وكان المولى السعيد قد أتى به من تطاوين ليحاصر به على فاس الجديد فدس إليه السلطان من قتله ناداه رجل وهو في محلة أصحابه ليلا يا فلان أجب مولانا السلطان فظن أنه دعي إلى المولى السعيد فقال ها أنا ذا وبرز من خبائه فرماه المنادي برصاصة كان فيها حتفه ثم عزم السلطان على محاصرة فاس حتى يفيئوا إلى أمر الله ولكن اكتفى من الحصار بمنعهم من الدخول والخروج وكان الودايا قد ألحوا عليه في أن يرميهم بالبنب فأبى رحمه الله وقال لو كانت البنبة التي نرميها تذهب حتى تقع بدار ابن سليمان أو بدار الطيب البياز أو غيرهما من رؤوس الفتنة لفعلنا ولكن إنما تقع في دار أرملة أو يتيم أو ضعيف حبسه العجز معهم ثم إن أهل فاس بدؤوا بالرمي وكان معهم سعيد العجل عارفا بالرمي فجعلوا يقصدون دار السلطان فوقعت بنبة بالموضع الذي كان يجلس فيه للقراءة ووقعت أخرى بالمدرسة التي بباب داره وكان بها جماعة من طبجية سلا ورباط الفتح فقتلت منهم أربع نفر منهم الباشا أبو عبد الله محمد بن محمد بن حسين فنيش السلاوي فعند ذلك حنق السلطان وأمر أن يؤتى بالمهاريس الكبار من طنجة من فرمة ثمانين إلى فرمة مائة فجيء بها ونصبها عليهم فكان القتال لا يفتر ليلا ونهارا والكور والبنب تختلف بين أهل البلدين في كل وقت واستمر الحال على ذلك قريبا من عشرة أشهر ولا يدخل أحد إلى فاس ولا يخرج منها إلا على خطر وفي أثناء هذه المدة نهض السلطان إلى طنجة للنظر في أمر تطاوين الخارجة عليه بعد أن تقدم إلى الودايا في الحصار والتضييق على فاس إلى أن يعود إليهم ولما استقر بطنجة بعث إلى أهل تطاوين وراودهم على الرجوع إلى الطاعة فأبوا ولجوا في عصيانهم فبعث إليهم جيشا كثيفا مع القائد حمان الصريدي البخاري فنزل بوادي أبي صفيحة وحاصرهم مدة فكانت الحرب بينه وبينهم سجالا مرة له ومرة عليه وهلكت نفوس من أعيان تطاوين وغيرهم
مجيء المولى عبد الرحمن بن هشام من الصويرة إلى الغرب واستخلافه بفاس وما تخلل ذلك
كان المولى عبد الرحمن بن هشام في ابتداء أمره بتافيلالت ولما توسم فيه عمه المولى سليمان مخايل الخير والنجابة استقدمه منها وولاه على الصويرة وأعمالها فكفاه أمرها وقام بشأنها ثم لما كان المولى سليمان بطنجة في هذه المرة واستعصى عليه أمر فاس وتطاوين وانصرم فصل الشتاء وأقبل فصل الربيع كتب إلى ابن أخيه المولى عبد الرحمن المذكور يأمره بالقدوم عليه في قبائل الحوز ويلقاه بهم برباط الفتح وكان غرض السلطان أن يزحف بهم إلى فاس إلا أن السياسة اقتضت أن يكون الأمر هكذا فجمع المولى عبد الرحمن قبائل الحوز وقواده وقدم بهم إلى رباط الفتح ولما لم يجدوا السلطان به تثاقلوا عن العبور مع المولى عبد الرحمن إلى بلاد الغرب لأن السلطان إنما وعدهم أن يلقوه برباط الفتح فكتب المولى عبد الرحمن إلى عمه يعلمه بصورة الحال وكان السلطان رحمه قد استوزر في هذه المدة الفقيه أبا عبد الله أكنسوس فبعثه إلى المولى عبد الرحمن وأصحبه مالا يفرقه على جيشه لينشطوا للقدوم وكان قدر المال خمسين أوقية لكل فارس وأمره إذا قدم أرض سلا أن ينزل عند عاملها أبي عبد الله محمد بن أبي عزة المعروف بأبي جميعة وبعث للمولى عبدالرحمن ليعبر إليه في وجوه الجيش لقبض الصلة ولا يذكر لهم سفرا فإذا قبضوها فليقرأ عليهم كتابه وكان مضمنه أنه يأمرهم بالقدوم عليه لقصر كتامة لقبض الكسوة
التي أتى بهامن طنجة وحينئذ يذهب معهم السلطان إلى الحوز ففعل الوزير ذلك كله وتقدم المولى عبد الرحمن في جيشه إلى قصركتامة قال الوزير المذكور فلما جئنا القصر وجدنا السلطان لا زال مقيما بطنجة فتقدمت إليه وأعلمته بوصول المولى عبد الرحمن وجيشه إلى القصر فخرج السلطان من طنجة وجعل طريقه على آصيلا ولما بات بسوق الأحد بالغربية بعث إليه المولى المجذوب سيدي محمد بن مرزوق يدعوه للقدوم عليه والبيات عنده فأجاب دعوته ودخل عليه وتبرك به ومن هناك كتب إلى ابن أخيه المولى عبد الرحمن أن يتقدم بالجيش إلى العرائش ويلقاه به هنالك ففعل المولى عبد الرحمن وهناك اجتمع بعمه السلطان المولى سليمان فسر بمقدمه ودعا له بخير وأثنى عليه بمحضر أولئك الملأ من الناس ثم دعا السلطان قواد الحوز فيهم القائد عبد الملك بن بيهي والقائد علي بن محمد الشيظمي والسيد محمد بن الغنيمي نائبا عن الحاج حمان العبدي وكان في ركابه ابنه فضول بن حمان صغيرا والقائد بلعباس بن المزوار الدكالي البوزراري والحاج العربي بن رقية البوزراري والقائد محمد بن حديدة البوعزيزي والقائد المعطى الحمري والقائد الصديق ابن الفقيه العمراني ولم يكن فيهم من الرحامنة إلا الحاج المعطى بن محمد الحاج ولم يكن فيهم من السراغنة ولا من الشاوية أحد ولما اجتمعوا خرج عليهم السلطان وجلس على طنفسة ثم دعا بالقائد عبد الملك بن بيهي فأجلسه إلى جنبه ودعا له بخير ثم قال إنكم تعبتم في سبيل الله ونحن أتعب منكم ونسأل الله أن لا يضيع أجرنا وأجركم وأعلموا أنكم في طاعة الله وطاعة رسوله ولكم المزية التامة وقد وجب علينا الإحسان إليكم وقد ظهر لي أنكم حين وصلتم إلى هذا المحل لا ينبغي لكم أن ترجعوا بدون زيارة مولانا إدريس وكنت أردت أن أوجهكم إلى بلادكم من هنا ولكن أنا لايمكنني أن أرجع إلا بعد أن يحكم الله بيني وبين هؤلاء الخارجين عن الحق وأنتم لا يجمل بكم أن ترجعوا بغير سلطان فاصبروا قليلا وتمموا عملكم حتى تذهبوا إن شاء الله بسلطانكم فرحين مستبشرين فقالوا كلهم سمعا وطاعة لا نفارقك حتى نرجع بك ولو مكثنا عشر سنين وعلى أثر هذا عقد السلطان لقائد خيل الجيش البخاري الحاج إبراهيم بن رزوق على مائتين من الخيل مفروضة من الحوزية والعبيد وأمره أن يسير إلى تطاوين ويقيم بمرتيل ويمنع أهلها من الوصول إلى المرسى ففعل وارتحل السلطان من العرائش يريد فاسا في قبائل الحوز فمر ببلاد سفيان ونزل بسوق الأربعاء منها قرب ضريح سيدي عيسى بن الحسن المصباحي فأصابه مرض هنالك وورد عليه الخبر بأن إبراهيم بن رزوق قد كاده صاحب تطاوين العربي بن يوسف حتى قبض عليه وعلى أصحابه وسلبهم وسجنهم فآلم هذا الخبر السلطان وزاده إلى ما به من المرض ثم أبل منه بعد أيام فنهض إلى فاس وعرج على طريق تازا ولما بات بسوق الخميس بالكور من بلاد الحياينة أغارت عليه غياثة ومن شايعهم من أهل تلك النواحي وكانوا قد دخلوا في بيعة أبي يزيد فداروا بالمحلة ونضحوها بالرصاص فقام السلطان وجعل يسكن الناس بنفسه ونهاهم عن الركوب والاضطراب فحفظ الله المحلة في تلك الليلة ولم يصب أحد من الناس ولا من الدواب وأصبحت قتلى العدو مصرعة حول المحلة ثم دخل السلطان مدينة تازا فوفد عليه بها أهل الريف وعرب آنقاد والصحراء وجعلوا يزدحمون عليه ليروا وجهه ويقولون إنه والله للسلطان لأن أهل فاس كانوا يشيعون موته ويكتبون بذلك إلى القبائل ثم تقدم السلطان إلى فاس فنزل بقنطرة وادي سبو وذلك أواخر رجب سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف وكان أهل فاس قد سئموا الحرب وعضهم الحصار وملوا دولة أبي يزيد فاختلفت كلمتهم عند ما قدم السلطان وهاجت الحرب داخل البلد بين شيعة السلطان وشيعة السعيد فكثرهم شيعة السلطان وفتحوا الباب وخرجوا إليه بالأشراف والصبيان والمصاحف وتهافتوا على فسطاطه تائبين خاضعين وجاء السعيد في جوار المولى عبد الرحمن بن هشام ومعه الأمين الحاج الطالب ابن جلون فكان جواب السلطان لهم أن قال @QB@ قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين @QE@ يوسف 92 وكان رحمه الله قد رأى وهو سائر إلى فاس رؤيا وهي أنه دخل فاسا وزار تربة المولى إدريس رضي الله عنه وقلده سيفا وصعد المنار وأذن فكان من عجيب صنع الله أن فتح عليه فاسا ودخلها وزار المولى إدريس وأذن بمنارة على الهيئة التي رأى وجاء رجل من أولاد البقال فقلده سيفا تصديقا للرؤيا ولما دخل ضريح المولى إدريس وجد الشريف البركة سيدي الحاج العربي بن علي الوزاني هنالك فعاتبه السلطان عتابا خفيفا وزال ما بصدره عليه وانقطعت أسباب الفتن والحمد لله واعلم أن ما صدر من أهل فاس ومن وافقهم على هذه البيعة لا لوم عليهم فيه وماكان من حق السلطان رحمه الله أن يبعث إليهم بذلك الكتاب الذي أوقعهم في حيص بيص وكان سببا لهذه الفتن وقول أكنسوس إن السلطان أراد تهييجهم على التمسك بطاعته كما فعل مع أهل مراكش ليس بشيء أو ما علم السلطان رحمه الله كلام الكبراء خصوصا الملوك مما تتوفر الدواعي على نقله وأن العامة إذا نقلته وضعته غالبا في غير محله وفي الصحيح أن عمر رضي الله عنه بلغه وهو بمنى أن رجلا قال والله لو قد مات عمر لبايعنا فلانا يريد رجلا من غير قريش فقال عمر رضي الله عنه لأقومن العشية فأحذر هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لا تفعل يا أمير المؤمنين فإن الموسم يجمع رعاع الناس يغلبون على مجلسك فأخاف أن يسمعوا منك كلمة فلا ينزلوها على وجهها ويطيروا بها عنك كل مطير فامهل حتى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السنة فتخلص بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار فيحفظوا مقالتك وينزلوها على وجهها فقال عمر والله لأقومن به في أول مقام أقومه بالمدينة الحديث فانظر كيف منع عبد الرحمن عمر رضي الله عنه من الكلام بالموسم وبمحضر العامة خوفا من وقوع الفتنة وانقاد له عمر حيث علم أن ذلك هو الصواب وكان وقافا عند الحق هذا والناس ناس والزمان زمان وفي خير القرون فكيف في زمان قل علمه وكثر جهله وغاض خيره وفاض شره وأمر السلطان متداع مختل والفتنة قائمة على ساق كما رأيت فلهذا قلنا ما كان من حق السلطان أن يبعث بذلك الكتاب الموجه بمقصدين المحتمل احتمالين ولكن قضاء الله غالب ولما افتتح السلطان رحمه الله فاسا وصفا له أمرها عزم على النهوض إلى تطاوين فاستخلف على فاس وأعمالها ابن أخيه الفارس الأنجد السري الأسعد المولى عبد الرحمن بن هشام لعدالته وكفايته وحسن سياسته وأخذ معه المولى السعيد بن يزيد وخرج في جيش الودايا والعبيد وقبائل الحوز أوائل شعبان سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف فجعل طريقه على بلاد سفيان ولما وصل إلى الموضع المعروف بالحجر الواقف بين نهري سبو وورغة قدم عليه هنالك القائد أبو عبد الله محمد بن العامري اليحياوي في قومه بني حسن والقائد أبو عبد الله محمد المعتوجي السفياني وقاسم بن الخضر في قومهما سفيان وبني مالك وقدم عليه هنالك أولاد الشيخ أبي عبد الله سيدي العربي الدرقاوي صبية صغارا يشفعون في أبيهم ليسرحه لهم فوصلهم وكساهم وقال لهم والله ما سجنته ولا أمرت بسجنه ولكن اتركوه فسيسرحه الله الذي سجنه فكان الأمر كذلك فإنه بقي في السجن حتى توفي السلطان المولى سليمان وبويع المولى عبد الرحمن بن هشام فافتتح عمله بتسريحه ولما نزل السلطان رحمه بمشرع مسيعيدة من نهر سبو وفد عليه أهل تطاوين تائبين ومعهم قائدهم العربي بن يوسف المسلماني وكان الناس يظنون أنه ينكل به وبمن قام معه في الفتنة فلم يفل لهم إلا خيرا حتى لقد قال له ابن يوسف يا مولانا إن أهل تطاوين لم يفعلوا شيئا وإني أنا الذي فعلت يريد أن يبرئهم ويفديهم بنفسه فقال له السلطان رحمه الله ما عندك ما تفعل أنت ولا هم وإنما الفاعل هو الله تعالى وصفح عنهم وأحسن إليهم ولما صفا أمر تطاوين ولم يبق ببلاد الغرب منازع انقلب السلطان راجعا إلى الحوز وجد السير إلى مراكش فدخلها في رمضان من السنة المذكورة
وقعة زاوية الشرادي وما جرى فيها على السلطان المولى سليمان رحمه الله
هؤلاء الشراردة أصلهم من عرب معقل من الصحراء وهم طوائف زرارة والشبانات وهم الخلص منهم ويضاف لهم بعض أولاد دليم وتكنة وذوو بلال وغيرهم وكانت منازلهم في دولة السلطان الأعظم سيدي محمد بن عبد الله غربي مراكش على بعض يوم منها فنشأ فيهم الشيخ أبو العباس الشرادي من أهل الصلاح زمن أصحاب الشيخ سيدي أحمد بن ناصر الدرعي فاعتقدوه وربما ناله بعض الإحسان من السلطان المذكور ثم نشأ ابنه السيد أبي محمد بن أبي العباس فجرى مجرى أبيه وبنى الزاوية المنسوبة إليهم واعتقده قومه أيضا بل وغيرهم فقد ذكر صاحب نشر المثاني أن السيد محمدا هذا لما قدم من الحج سنة سبع وسبعين ومائة وألف اجتاز بمدينة فاس فاجتمع عليه ناس منها وتلمذوا له وبنوا له زاوية بدرب الدرج من عدوة الأندلس وأثنى عليه وعلى أبيه فانظره ثم جاء ابنه المهدي بن محمد فسلك ذلك المسلك أيضا ونشأ في دولة السلطان المولى سليمان رحمه الله واتخذ شيئا من كتب العلم من غير أن يكون له فيه يد تعتبر ثم تظاهر بمعرفة السيميا والحدثان فازداد ناموسه وتمكن من جهلة قومه وربما نمى شيء من أمره إلى السلطان فتغافل عنه ثم لما قدم السلطان رحمه الله مراكش هذه المرة وجد أمره قد زاد واستفحل وكان الشراردة يومئذ قد حسنت حالهم فأثروا وكثروا وكان السلطان قد ولى عليهم رجلا منهم اسمه قاسم الشرادي فحدث بينه وبين المهدي ما يحدث بين المرابطين وأرباب الولاية وكان ربما التجأ جان إلى زاوية المهدي فيقبض عليه القائد ويخرجه منها فاستحكمت العداوة بين القائد وبين المهدي ثم جرى شنآن بين المهدي وبين بعض قرابته ففر ذلك القريب إلى مراكش وكان القائد قاسم بها فشكا إليه عمه المهدي فاغتنمها القائد ودخل على السلطان فشرح له حال المهدي وما هو عليه من التهور والسمو بنفسه إلى المحل الذي لا يبلغه وأنه لا يستقيم أمر المخزن بتلك القبيلة معه ولم يزل به حتى أعطاه السلطان مائتين من الخيل أغار بها على الزاوية فانتهبوها على حين غفلة من أهلها وجلهم غائب في أعماله فتسامعوا بأن الخيل قد عاثت في ديارهم وجاؤوا على الصعب والذلول وأوقعوا بخيل المخزن واستلبوهم من خيلهم وسلاحهم وعادوا إلى مراكش راجلين فعظم ذلك على السلطان واغتاظ واتفق أن كان مع السلطان عامل مراكش أبو حفص عمر بن أبي ستة وعامل الرحامنة القائد قاسم الرحماني وكلاهما عدو للشراردة لا سيما الرحماني فشنعوا في ذلك بمحضر السلطان وأسدوا وألحموا في غزو الشراردة وتأديبهم حتى لا يعودوا لمثلها وفي أثناء ذلك ندم الشراردة على ما كان منهم وبعثوا إلى السلطان بالشفاعات وذبحوا عليه وعلى صلحاء مراكش فلم يقبل منهم ويقال إن ذلك لم يكن يبلغ السلطان لأن النقض والإبرام إنما كان لعمر بن أبي ستة وقاسم الرحماني وكان السلطان رحمه الله كالمغلوب على أمره معهما فلم يزالوا به حتى بعث إلى قبائل الحوز يستنفرهم لغزو الشراردة فاجتمعوا عليه وكان معه جيش الودايا وكبارهم مثل الطاهر بن مسعود الحساني والحاج محمد بن الطاهر وغيرهما ومعه القائد محمد بن العامري في بني حسن وغيرهم من قبائل الغرب ولما أجمع السلطان الخروج إليهم قدم أمامه قاسما الرحماني إذ كان قد تكفل له بأن يكفيه أمر الشراردة وحده فكان متسرعا إليهم قبل كل أحد فرابط بعين دادة ثمانية عشر يوما والوسائط تتردد بين السلطان وبين الشراردة وكادت كلمتهم تختلف إذ قام فيهم رجل مرابط اسمه الحبيب من أولاد سيدي أحمد الزاوية وبعث نحو الأربعين من الشراردة إلى السلطان سعيا في الصلح فأشار الرحماني وابن أبي ستة فيما قيل على السلطان بالقبض عليهم فقبض عليهم وحيزت خيلهم وسلاحهم فشرى الداء وأعوز الدواء ثم زحف السلطان وانتشبت الحرب أول النهار ولما اشتد الحر وكان الزمان زمان مصيف تحاجزوا ثم عاد قاسم الرحماني فأنشب الحرب مع العشي فكانت الدبرة عليه وقتل وحمل رأسه على رمح وانهزم جيش المخزن ووقع الفشل في المحلة فتفرقت القبائل وباتوا لا يلوون على شيء ولما طلع النهار لم يبق مع السلطان إلا جيش المخزن فزحف الشراردة إلى المحلة ورأوا السلطان قد بقي في قلة فطمعوا فيه وأنشبوا الحرب فانهزم الجيش الذين كانوا مع السلطان وتركوا المحلة بما فيها فتوزعتها الشراردة شذر مذر وانحاز السلطان في حاشيته وقصد مراكش فلقيتهم في طريقهم ساقية ماء حبستهم عن المرور وخالط الشراردة القوم الذين كانوا مع السلطان وجعلوا يستلبون من ظفروا به منهم وتراكم المنهزمة على السلطان ولجؤوا إليه وقتل الشراردة عمر بن أبي ستة خلف ظهره ولما رأى السلطان رحمه الله ذلك نادى في الناس أن لا يقتل أحد نفسه على ولا على هذه الأسلاب أعطوهم منها ما شاؤوا واجتمع نحو العشرين من كبار الشراردة وتقدموا إلى السلطان فقالوا يا مولانا تحيز إلينا لئلا تصيبك العامة فانحاز إليهم وكان راكبا على بغلته فالتفوا عليه وساروا به إلى زاويتهم وأنزلوه بالدار المعروفة عندهم بدار الموسم واحترموه وغدوا وراحوا في خدمته وكان مع وصيفه فرجى صبيا صغيرا وهو الذي ولي إمارة فاس الجديد في دولة السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام وكان معه أيضا عبد الخالق بن كريران الحريزي شابا كما بقل عذاره وبقي عندهم ثلاثة أيام وحضرت الجمعة فصلاها عندهم وخطبوا به ومن الغد ركبوا معه وصحبوه إلى مراكش إلى أن وصلوا إلى عين أبي عكاز فودعوه ورجعوا ومما قال لهم عند الوداع إن الذين أرادوا أن يفتحوا باب الفتنة على الناس قد سد الله أبوابها برؤوسهم يعني الرحامنة وبعد وصول السلطان إلى مراكش بيوم أو نحوه عدا الرحامنة على محمد بن أبي ستة فقتلوه بسبب أن الشراردة كانوا قد أسروه ثم استحيوه واتخذوا عنده عهدا ويدا بأنه إذا أفضت إليه ولاية مراكش بعد أخيه عمر المقتول يحسن في إدارة أمرهم عند السلطان فسمع الرحامنة بذلك فقتلوه قال صاحب الجيش لما عزم السلطان على الخروج إلى زاوية الشرادي بعثني قبل ذلك بثلاث إلى السوس في شأن ابن أخيه المولى بناصر بن عبد الرحمن وكان عاملا عليها فكثرت الشكايات به إلى السلطان فبعثني في شأنه فلما جئت تارودانت تربصت قليلا فلم يفجأنا إلا خبر الهزيمة على السلطان بالروايات المختلفة فقائل يقول إنه قد قتل وآخر يقول إنه قد مات حتف أنفه وآخر يقول لا بأس عليه ثم ورد علينا كتابان من عند السلطان أحدهما بخط الكاتب مطبوعا والآخر بخط يده تحقيقا لسلامته يقول فيه إن هذه الحركة ما وقعت إلا لهلاك الظلمة والملبسين علينا المظهرين للمحبة لنا وهم في الباطن أعدى الأعادي مثل قاسم الرحماني وفلان وفلان وأما أولاد أبي ستة فقد قتل زرارة عمر على رائحة الرحامنة وقتل الرحامنة محمدا على رائحة أهل السوس والشريف سيدي محمد بن عبد الجليل الوزاني أصابته رصاصة رعاية رحمه الله عليه والحاصل هان علينا كسر الخابية بموت الفار وقد أحسنت في التربص فاترك الأمر على طيته واصحب معك أشياخ السوس وعدهم منا بالإحسان ومساعدتهم على ما يطلبونه منا والسلام اه ولما دخل السلطان مراكش راجع القوم الذين انهزموا عنه بصائرهم وأقبلوا إليه خاضعين تائبين وعلى أبوابه في العفو راغبين فما وسعه إلا الإعراض عن أفعالهم الذميمة وطاعتهم السقيمة ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم أمرهم بالتهيىء لغزو برابرة الغرب فتوجهوا إلى بلادهم ليأتوا بحصصهم إلى عيد المولد الكريم فانقضى أجله رحمه الله
وفاة أمير المؤمنين المولى سليمان بن محمد رحمه الله
كان أمير المؤمنين المولى سليمان رحمه الله في هذه المدة قد سئم الحياة ومل العيش وأراد أن يترك أمر الناس لابن أخيه المولى عبد الرحمن بن هشام ويتخلى هو لعبادة ربه إلى أن يأتيه اليقين قال ذلك غير مرة وتعددت فيه رسائله ومكاتيبه فمما كتبه في ذلك هذه الوصية التي يقول فيها الحمد لله لما رأيت ما وقع من الإلحاد في الدين واستيلاء الفسقة والجهلة على أمر المسلمين وقد قال عمر إن تابعناهم تابعناهم على ما لا نرضى وإلا وقع الخلاف وأولئك عدول وهؤلاء كلهم فساق وقال عمر فبايعنا أبا بكر فكان والله خير وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق أبي بكر يأبى الله ويدفع المسلمون ورشحه بتقديمه للصلاة إذ هي عماد الدين وقال أبو بكر للمسلمين بايعوا عمر وأخذ له البيعة في حياته فلزمت وصحت بعد موته وقال عمر هؤلاء الستة أفضل المسلمين وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم العبد صهيب وقال أبو عبيدة أمين هذه الأمة وقال ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر وقال في أبي بكر وعمر أكثر من هذا فصار المدح للتعريف واجبا ولإظهار حال الرجل لينتفع به فأقول جعله الله خالصا لوجهه الكريم ما أظن في أولاد مولانا الجد عبد الله ولا في أولاد سيدي محمد والدي رحمه الله ولا أولاد أولاده أفضل من مولاي عبد الرحمن بن هشام ولا أصلح لهذا الأمر منه لأنه إن شاء الله حفظه الله لا يشرب الخمر ويزني ولايكذب ولا يخون ولا يقدم على الدماء والأموال بلا موجب ولو ملك ملك المشرقين لأنها عبادة صهيبية ويصوم الفرض والنفل ويصلي الفرض والنفل وإنما أتيت به من الصويرة ليراه الناس ويعرفوه وأخرجته من تافيلالت لأظهره لهم لأن الدين النصيحة فإن اتبعه أهل الحق صلح أمرهم كما صلح سيدي محمد جده وأبوه حي ولا يحتاجون إلي أبدا ويغبطه أهل المغرب ويتبعونه إن شاء الله وكان من اتبعه اتبع الهدى والنور ومن اتبع غيره اتبع الفتنة والضلال واحذر الناس أولاد يزيد كما حذر والدي وقد رأى من اتبعه أو اتبع أولاده كيف خاض الظلمة ونالته دعوة والده وخرج على الأمة وأما أنا فقد خفت قواي ووهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا حفظني الله في أولادي والمسلمين آمين نصيحة وصية سليمان بن محمد لطف الله به اه وفي أثناء هذه المدة وقعت غدرة ذوي بلال في انتهابهم الصاكة الواردة من مرسى الصويرة وكان انتهابهم إياها باتفاق من الشياظمة الذين جاؤوا معها وقائدهم علي بن محمد الشيظمي هو الذي انتهب أكثرها وكان فيها من الذخائر النفيسة والأموال الثقيلة شيء كثير وهذه الوقعة هي التي هدت أركان السلطان المولى سليمان رحمه الله فاعتراه مرضه الذي كان سبب وفاته ولما أثقله المرض أعاد العهد للمولى عبد الرحمن بن هشام وبعث به إلى فاس إذ كان خليفة بها كما مر فدعا رحمه الله بصحيفة بيضاء ودعا بالطابع الكبير فجيء به ولم يحضره إلا أهله من النساء فطبع الصحيفة بيده وكتب بعض الكتاب وأكملته بعض حظاياه ممن كانت تحسن الكتابة ثم طواه وختم عليه ودعا القائد الجيلاني الرحماني الحويوي وكان قائد المشور وقال له ادع لي فارسين يذهبان بهذا الكتاب إلى فاس وقد عينت لهما سخرة كبيرة يقبضانها هناك إذا أسرعا السير فكان ذلك الكتاب هو العهد الذي قرىء بفاس ونصه الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم أخوالنا الودايا ورماة فاس وأعيانها ورؤساءها سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعلى ابن عمنا الفقيه القاضي مولاي أحمد والفقيهين ابن إبراهيم والآزمي وبعد فقد وجدت من نفسي ما ليس بتارك أحدا في الدنيا وهذه وصية أقدمها بين يدي أجلي والله ما بقي في قلبي مثقال ذرة على أحد من خلق الله لأن ذلك أمر قد قدره الله وسبق علمه به ولست فيه بأوحد وما وقع لمن قبلي أشنع وأقطع وإني قد عقدت بين أخوالي وأهل فاس أخوة بحول الله لا تنفصم يرثها الأبناء عن الآباء وأوصي الجميع بما أوصى الله به الأولين @QB@ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا @QE@ النساء 131 @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله @QE@ الحشر 7 وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ولن تزال هذه الأمة بخير ما أخذوا بكتاب الله وقد عهدت لابن أخي مولاي عبد الرحمن بن هشام ورجوت الله أن يكون لي في هذا الأمر مثل ما لسليمان بن عبد الملك في عهده لعمر بن عبد العزيز @QB@ إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم @QE@ يس 12 من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة وقد انعقد الإجماع على عقد البيعة بالعهد والقاضي والفقيهان يبينون لكم هذا @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ النساء 59 وإني أشهد الله أني مقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الرحمن بن هشام وببيعته ألقاه وقد أديت لأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما علي من النصيحة وأرجوا الله أن يثيبني بهذه النية الصحيحة وهو المطلع على ما في الضمائر والعالم بالسرائر والسلام وفي رابع ربيع النبوي عام ثمانية وثلاثين ومائتين وألف اه ثم تمادى بالسلطان رحمه الله مرضه إلى أن توفي ثالث عشر ربيع الأول وهو الثاني من عيد المولد الكريم من السنة المذكورة ومات رحمه الله ثابت الذهن صحيح الميز على غاية من اليقين والفرح بلقاء ربه ودفن بضريح جده المولى علي الشريف بباب آيلان من مراكش وقد رثاه جماعة من أدباء العصر من ذلك قول الفقيه الأديب الكاتب البليغ أبي عبد الله محمد بن إدريس الفاسي ( نبأ عرى أوهى عرى الإيمان % وأبان حسن الصبر عن إمكان ) ( شقت لموقعه القلوب وزلزلت % أرض النفوس ورج كل مكان ) ( فقد الإمام أبي الربيع المرتضى % جزعت لعظم مصابه الثقلان ) ( وبكت عيون الدين ماء جفونها % وجدا عليه وكل ذي إيمان ) ( لم نعى الناعون خير خليفة % وعرا الفؤاد طوارق الأحزان ) ( مزقت ثوب تجلدي من فقده % ونثرت در الدمع من أجفاني ) ( عجبا لموت غاله إذ لم يخف % فتك الملوك وسطوة السلطان ) ( وسما لمنصبه المنيف ولم يهب % غضب الجنود وغيرة الأعوان ) ( لو كان ينفع خاض فرسان الوغا % حرصا عليه مواقد النيران ) ( وحموه بالنفس النفيسة إنما % يحمون روح العدل والإحسان ) ( لكن قضاء الله حم فلا يرى % للمرء في دفع القضاء يدان ) ( والموت مورد كل حي كأسه % وسوى المهيمن في الحقيقة فان ) ( إن غاب عنا شخصه فلقد ثوى % فينا الثناء له بكل لسان ) ( ومناقب ومفاخر ومآثر % شاعت له في سائر الأوطان ) ( ومعارف وعوارف ووسائل % ومسائل قد أوضحت ومعاني ) ( وبدور أولاد وآل قد قفوا % آثاره في العلم والعرفان ) ( تخذوا الديانة والصيانة شرعة % وتقلدوا بصوارم الإيقان ) ( أخلاقهم ووجوههم وأكفهم % كالزهر والأزهار والأمزان ) ( إن حاربوا أبدوا شجاعة جدهم % أو خاطبوا أزروا على سحبان ) ( من كل من جعل القرآن سميره % وسما بوصف العلم والتبيان ) ) ( كم آية ظهرت له وكرامة % دامت دلائلها مدى الأزمان ) ( قد كان أوحد دهره ولذاته % في العدل والتمكين والإحسان ) ( قد كان عالم عصره وفريده % في الفهم والتحقيق والإتقان ) ( قد كان فردا في البلاغة إن جرت % أقلامه بهرت بسحر بيان ) ( من للعلى من بعده من للنهي % من للتقى وتلاوة القرآن ) ( يا رمسه ما ذا حويت من العلى % وطويت من علم ومن عرفان ) ( يا رمس كم واريت من كرم ومن % جود ومن فضل ومن إحسان ) ( يا رمس كم حجبت عنا شمسه % وضياؤها في سائر البلدان ) ( ووسعت بحر علومه وسخائه % فطمى بضيق بطنك البحران ) ( فلو استطعت جعلت قلبي قبره % حبا وأحشائي من الأكفان ) ( ولو أن عمري في يدي لوهبته % وفديته بالأهل والإخوان ) ( لكن يخفف بعض أثقال الأسى % علمي به في جنة الرضوان ) ( فسقى ثراه من المواهب ديمة % وهمت عليه سحائب الغفران ) ( ورد الرسول بموت خير خليفة % وولاية العهد الرفيع الشأن ) ( فجزعت من حزن لما قد نابني % وطربت من فرح بما أولاني ) ( ما مات من ترك الخليفة بعده % مثل المؤيد عابد الرحمن ) ( ملك تسربل بالتقى حتى ارتقى % من نهجه الأتقى على كيوان ) ( يا واحدا في الفضل غير مشارك % أقسمت ما لك في البرية ثان ) ( لله بيعتك التي قد أشبهت % فيما تواتر بيعة الرضوان ) ( قد أحكمتها يد الشريعة والتقى % بعرى النصوص وواضح البرهان ) ( سعد الذي أضحى بها متمسكا % وهوى العنيد بهوة الخسران ) ( وجرى على التيسير أمرك فاستوى % ملك الورى لك في أقل زمان ) ( وأتت لنصرتك المغارب كلها % فبعيدها لك في الحقيقة داني ) ( عقدوا على النصح القلوب وإنما % عقدوا بنصرك رايه الإيمان ) ( لو شئت من أهل المشارق طاعة % لأتوك من يمن ومن بغدان ) ( هابتك أصناف الطغاة بزعمهم % لما وثقت بنصرة الرحمن ) ( وبسطت عدلك في الورى فكأنما % قد عاش في أيامك العمران ) ( يا أهل بيت المصطفى أوصافكم % جلت عن الإحصاء والحسبان ) ( طاب المديح مع الرثاء بذكركم % فنظمته كقلائد العقيان )
بقية أخبار السلطان المولى سليمان رحمه الله ومآثره وسيرته
لما بويع أمير المؤمنين المولى سليمان رحمه الله رد الفروع إلى أصولها وأجرى الخلافة على قوانينها بإقامة العدل والرفق بالرعية والضعفاء والمساكين ومن وفور عقله وعدله إسقاط المكوس التي كانت موظفة على حواضر المغرب في الأبواب والأسواق وعلى السلع والغلل وعلى الجلد وعشبة الدخان فقد كان يقبض في ذلك أيام والده رحمه الله خمسمائة ألف مثقال معلومة مثبتة في الدفاتر مبيعة في ذمم عمال البلدان وقواد القبائل كل مدينة وما عليها ومن ذلك المكس كان صائر العسكر في الكسوة والسروج والسلاح والعدة والإقامة والخياطة والتنافيذ لوفود القبائل والعفاة والمؤنة للعسكر ولدور السلطان وسائر تعلقاته فكان ذلك المكس كافيا لصوائر الدولة كلها ولا يدخل بيت المال إلا مال المراسي وأعشار القبائل وزكواتهم وكان مستفاد هذا المكس يعادل مال المراسي وأعشار القبائل فزهد فيه هذا السلطان العادل فعوضه الله أكثر منه من الحلال المحض الذي هو الزكوات والأعشار من القبائل وزكوات أموال التجار والعشر المأخوذ من تجار النصارى وأهل الذمة بالمراسي وأما المسلمون فقد منعهم من التجارة بأرض العدو لئلا يؤدي ذلك إلى تعشير ما بأيديهم أو المشاجرة مع الأجناس هكذا بلغنا والله أعلم وكانت القبائل في دولته قد تمولت ونمت مواشيها وكثرت الخيرات لديها من عدله وحسن سيرته فصارت القبيلة التي كانت تعطي عشرة آلاف مثقال مضاربة أيام والده يستخرج منها على النصاب الشرعي عشرون وثلاثون ألف مثقال وذلك من توفيق الله له وتمسكه بالعدل والحلم والجود والحياء وجميل الصبر وحسن السياسة والتأني في الأمور واجتنابه لما هو بضد ذلك فأما الحلم فهو دأبه وطبعه وقد اتفق أهل عصره على أنه كان أحلم الناس في زمانه وأملك لنفسه عند الغضب من أن يقع في الخطأ ومذهبه درء الحدود بالشبهات والتماس التأويل وقبول العذر حتى لقد حكى عنه أنه ما اعتمد البطش بأحد وتصدى لنكبته لغرض نفساني أو لحظ دنيوي وحسبك من حلمه ما قابل به الخارجين عليه قال صاحب الجيش لما عزمت على الخروج من فاس أيام الفتنة لملاقاة السلطان المولى سليمان بقصر كتامة جئت إلى القاضي أبي الفضل عباس بن أحمد التاودي لأودعه فكان من جملة ما أوصاني به قال قل لمولانا السلطان يقول لك عباس إنا نخاف إذا ظفرت بهؤلاء الظلمة أن تصفح عنهم فلما اجتمعت بالسلطان أبلغته مقالة القاضي فقال كيف أصفح عنهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي عزيز لا أتركك تمسح سبلتك بمكة وتقول خدعت محمدا مرتين فلما فتح الله عليه فاسا كان جوابه أن قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين بل تعجل بالخروج منها مخافة أن يغريه بعض بطانته بأحد منهم فلعمري لقد صدق من قال إن التخلق يأتي دونه الخلق وأما الدين والتقوى فذلك شعاره الذي يمتاز به ومذهبه الذي يدين الله به من أداء الفريضة لوقتها المختار حضرا وسفرا وقيام رمضان وإحياء لياليه بالإشفاع ينتقي لذلك الأساتيذ ومشايخ القراء ويجمع أعيان العلماء لسرد الحديث الشريف وتفهمه والمذاكرة فيه على مر الليالي والأيام ويتأكد ذلك عنده في رمضان ويشاركهم بغزارة علمه وحسن ملكته ويتناول راية السبق في فهم المسائل التي يعجز عنها غيره فيصيب المفصل ويواظب على صيام الأيام المستحبة من كل شهر ويعظم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ويرفع مناصبهم على سائر رجال دولته ويجري عليهم الأرزاق ويعطيهم الدور المعتبرة والضياع المغلة ويحسن مع ذلك إلى من دونهم في المرتبة من المدرسين وطلبة العلم ويؤثر المعتنين منهم وذوي الفهم بمزيد البروتضعيف الجراية حتى لقد تنافس الناس في أيامه في اقتناء العلوم وانتحال صناعتها لاعتزاز العلم وأهله في دولته وسعة أرزاقهم وأما صبره عند الشدائد واحتمال العظائم وتجلده عند حلول الخطب ونزول المقدور فحدث عن البحر ولا حرج وعن الجبل سكونا ورسوخ قدم قال صاحب البستان ولو حدثنا بما شاهدناه منه لكان عجبا وأما العدل فإنه ما رئي في ملوك عصره أعدل منه ومن عجيب سيرته أنه كان يلزم العمال رد ما يقبضونه من الرعايا على وجه الظلم من غير إقامة بينة عليهم على ما جرى به عمل الفقهاء من قلب الحكم في الدعوى على الظلمة وأهل الجور حسبما ذكره الوانشريسي وغيره ومن عدله واقتصاده ما حكاه لنا الفقيه أبو العباس أحمد بن المكي الزواوي المؤقت بالمسجد الأعظم من سلا قال مر السلطان المولى سليمان بسلا سنة ست وثلاثين ومائتين وألف فنزل برأس الماء واستدعاني للقيام بوظيفة التوقيت عنده قال فدخلت عليه فإذا هو رجل طويل أبيض جميل الصورة ففاوضني في مسائل من التوقيت وكان يحسنه فأجبته عنها فأعجبه ذلك ثم وصلني بضبلونين وأخرج مجانته من جيبه ليحققها فرأيت مجدولها من صوف ثم حضرت صلاة العصر فتقدم وصلى بنا فرأيت سراويله مرقعة وكان إمام صلاته الراتب هو الفقيه السيد الحاج العربي الساحلي لكنه صلى بنا تلك الصلاة ولما فرغنا من الصلاة وانقلبنا إلى منازلنا جيء بالطعام وهو قصيعة من الكسكس عليها شيء من اللحم والخضرة وليس معها غيرها قال وكانت عادة المولى سليمان في السفر أن لا يتخذ كشينة أي مطبخا إنما هو طعام يسير يصنع له ولبعض الخواص مما يكفي من غير إسراف حتى أن الكتاب كانوا يقبضون ست موزونات ويعولون أنفسهم وكانت أقواتهم وأزوادهم خفيفة اه وأما سياسته الخاصة في جبر القلوب واستئلاف الشارد وتسكين المرتاب وإرضاء الولي ومجاداة العدو والدفاع بالتي هي أحسن عند اشتباه الأمور ومعاناة الرجال بوجوده المكائد والحيل في الأمور التي لا ينفع فيها حرب ولا قوة فشيء لا يبلغ فيه شأوه ولا يشق غباره وأما عادته في الحرب فقد أخذ فيها بسيرة العجم بحيث لا يباشر الحروب بنفسه ويعمل بعمل أهل الصدر الأول فيقف في قلب الجيش كالجبل الراسي وأمراؤه يباشرون الحروف بأنفسهم في الميمنة والميسرة وهو ردء لهم كلما رأى فرجة سدها أو خللا أصلحه وهو كالصقر مطل على حومة الوغا فإذا أمكنته فرصة أنتهزها ومن شدة ثباته وعدم تزحزحه أنه كان لا يركب وقت الحرب إلا البغلة وبذلك جرى عليه في وقعة ظيان والشراردة ما جرى فكان حماته يفرون عنه بلا حياء ويبقى هو ثابتا رحمه الله وأما جمعه لأشتات العلوم فلقد كان وارثا من ورثة الأنبياء حاملا للواء الشريعة جامعا مانعا إذا بوحث في الأخبار كان كجامع سفيان أو في الأشعار فكنابغة ذبيان أو في الفطنة والفراسة فكإياس أو في النجدة والرأي فكالمهلب وإذا خاض في السنة والكتاب أبدى ملكة مالك وابن شهاب ولو تصدى في الفقه للفتيا والتدريس لم يشك سامعه أنه ابن القاسم أو ابن إدريس وإذا تكلم في علوم القرآن أنهل بما يغمر مورد الظمآن قال صاحب البستان ولا يعرف مقدار هذا السلطان إلا من تغرب عن الأوطان وحمل عصا التسيار ورمت به في الأقطار الأسفار وشاهد سيرة الملوك في العباد وما عمت به البلوى في سائر البلاد ولا يتحقق أهل المغرب بعدله إلا بعد مغيبه وفقده ( المرء ما دام حيا يستهان به % ويعظم الرزء في حين يفتقد ) ومن آثاره الباقية وبناءاته العادية فبفاس المسجد الأعظم بالرصيف الذي لا نظير له كان حفر أساسه المولى يزيد واشتغل عنه وتركه فافتتح هو عمله ببنائه وتشييده وأبقاه دينا على الملوك وبنى مسجد الديوان كان صغيرا فهدمه وزاد فيه أملاكا وجعله مسجدا جامعا تقام فيه الجمعة وبنى مسجد الشرابليين زاد فيه ووسعه وجعله مسجدا جامعا كذلك وبنى مسجد الشيخ أبي الحسن بن غالب وضريحه وبنى ضريح الشيخ أبي محمد عبد الوهاب التازي وهدم مدرسة الوادي ومسجدها لتلاشيهما وجددهما على شكل آخر وجدد المدرسة العنانية وأصلح مسجد القصبة البالية وبيضه بالجص وزلجه وبنى باب الفتوح على هيئة ضخمة وباب بني مسافر والباب الجديد على براح أبي الجلود وبنى القنطرة على الوادي بينهما وجدد قنطرة الرصيف مرتين وأصلح قنطرة وادي سبو وأصلح طرقات فاس الجديد كلها من داخل وخارج ورصفها بالحجارة وأصلح أبواب فاس الجديد كلها ورمم ما تلثم منها وجدد قصور الملك الخربة بها وزاد غيرها وأمر بتبييض مساجد الخطب وتبليط أرضها وبنى مسجد صفرو وجدد أسواره وبنى لأهله حماما به وبنى مسجد المنزل ببني يازغة وبنى مسجد وجدة وحماما بها وأصلح قلعتها ودار إمارتها وبنى مسجد وازان ومسجد تطاوين وأخرج أهل الذمة من جواره وبنى لهم حارة بطريق المدينة وبنى الصقائل والأبراج بطنجة وجدد مسجد آصيلا وأسوارها وجدد قصور الملك بمكناسة بعد تلاشيها وأصلح القناطر التي بين فاس ومكناسة وبنى قنطرة على وادي سيدي حرازم بخولان وبنى مسجد الجزارين بسلا ووقف عليه أوقافا تقوم بمصلحته وأخرج يهودها من وسط البلد من حومة باب حسين وبنى لهم حارة على حدتها غربي البلد وبنى المسجد الأعظم بحومة السويقة من رباط الفتح وبنى دار البحر لنزوله وبنى قنطرة وادي حصار بتامسنا وبنى مسجد أبي الجعد بتادلا وبنى قنطرة وادي أم الربيع وقنطرة تانسيفت بمراكش بعد سقوطها وبنى المسجد الأعظم الذي كان أسسه على بن يوسف اللمتوني بمراكش وبناه بناء ضخما وأزال منارته التي كانت به قديما وشيد منارة أخرى بديعة الحسن رائقة الصنعة وأكمل مسجد الرحبة الذي كان أسسه والده رحمه الله ومات قبل تمامه وجدد قصور والده بمراكش وأصلحها وصان القصبة وعمرها ثم ختم رحمه الله ديوانه بالحسنة العظيمة والمنقبة الفخيمة وهي عهده بالخلافة لابن أخيه المولى عبد الرحمن بن هشام على كثرة أولاده ووجود بعض إخوته ولعمري أن هذا العهد لمنقبة جليلة للعاهد والمعهود إليه أما العاهد فإنا لم نسمع بعد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأحد من خلفاء الأسلام وملوكه عدل بولاية العهد عن ولده المستحق لها إلى غيره حتى كان هذا الإمام الجليل الذي أحيا سيرة العمرين نعم قد عهد سليمان بن عبد الملك لابن عمه عمر بن عبد العزيز رحمهما الله لكن حكى ابن الأثير أن سليمان لما حضرته الوفاة عزم أن يعهد لابن له صغير فوعظه رجاء بن حيوة فرجع عن ذلك وشاوره في ابنه داود وكان غازيا بالقسطنطينية فقال له رجاء لا تدري أحي هو أم ميت فحينئذ رجع إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأما المعهود إليه فإن في العهد إليه دون الأبناء والإخوة شاهدا عدلا على كمال فضله وإحرازه لخلال الخير وتبريزه فيها على من عداه من بني أبيه وعشيرته ولعمري أن ذلك لكذلك فإن المولى عبد الرحمن بن هشام رحمه الله قد اشتهرت ديانته وأمانته عند القاصي والدان حتى صار لا يختلف في عدالته اثنان
بسم الله الرحمن الرحيم الدولة العلوية القسم الثالث
الخبر عن دولة أمير المؤمنين المولى عبد الرحمن بن هشام وأوليته ونشأته
كان المولى عبد الرحمن بن هشام رحمه الله منذ نشأ وهو متمسك بالتقوى والعفاف متصف بالصيانة وجميل الأوصاف من الانقباض عن الخلق وملازمة العبادة والصوم وقيام الليل وترك ما لا يعني والجد في الأمور كلها حتى عرفت له هذه الشنشنة وتطابقت على حبه ومدحه القلوب والألسنة ولما نشأ هذه النشأة الطيبة أقبل عليه عمه السلطان المولى سليمان رحمه الله وضمه إليه واعتنى بشأنه ورفع منزلته حتى علا أولاده ولما بعث أولاده إلى الحرمين الشريفين بقصد أداء فريضة الحج بعثه في جملتهم فظهر له في تلك السفرة من الورع والدين والتمسك بأسباب اليقين ما رفع قدره وأشاع بالصلاح ذكره وكان السلطان رحمه الله قد أعطاه بضاعة ينفقها في سفرته تلك ويستعين بها على حجه فلما آب من سفره أتى بالبضاعة إلى عمه وقال له يا سيدي هذه البضاعة التي أعطيتني إنما أخذتها لأنفق منها إذا نفذ ما عندي وكانت معي بضاعة جمعتها بقصد إنفاقها في هذه الوجهة ولم أرد أن أخلطها بغيرها وقد حصلت الكفاية بها والحمد لله فعجب عمه من شأنه وازداد محبة وغبطة فيه ورد له البضاعة وطيبها له ودعا له بخير وكان في أول أمره مقيما بتافيلالت ثم استقدمه السلطان المولى سليمان في آخر عمره وولاه بثغر الصويرة وأعمالها فقام بذلك أحسن قيام ثم استقدمه منها في فتنة ابني يزيد كما مر واستخلفه على حاضرة المغرب وأم أمصاره مدينة فاس فقرت بولايته العيون وطابت الأنفاس كل ذلك فعله به ترشيحا للأمر وتقديما له فيه على زيد وعمرو
بيعة أمير المؤمنين المولى عبد الرحمن بن هشام رحمه الله
قد تقدم لنا أن السلطان المولى سليمان لما حضرته الوفاة جدد العهد لابن أخيه المولى عبد الرحمن بن هشام وبعث به إلى فاس ثم كانت وفاة السلطان عقب ذلك فوصل خبر وفاته إلى فاس في السادس والعشرين من ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ومائتين وألف فحضر القاضي الشريف المولى أحمد بن عبد الملك والعلامة المفتي أبو عبد الله محمد بن إبراهيم والتاجر الأمير الحاج الطالب ابن جلون وسائر أعيان فاس من العلماء والأشراف وغيرهم وحضر أعيان الودايا وقوادهم ولما قرىء العهد ترحموا على السلطان المولى سليمان وبايعوا للسلطان المولى عبد الرحمن وسلموا عليه بالخلافة وتم أمره وسر الناس بذلك خاصة وعامة ثم ترادفت على حضرته بيعة أهل الديوان وسائر الجنود وحل من الملك العزيز في فلك السعود وكتبت البشائر بذلك إلى البلدان فوفدت بيعات أهل الأمصار وهداياهم ولم يتوقف عن هذه البيعة الشرعية أحد منهم واستبشر أهل المغرب بولايته وبان لهم مصداق يمنه وسعادته بتوالي الأمطار ورخص الأسعار والعافية آناء الليل وأطراف النهار ولما تمت هذه البيعة المباركة وحصل ما ذكرنا من الأمن والعافية وحسن الحال والرفاهية استوزر السلطان رحمه الله الفقيه العلامة الأديب أبا عبد الله محمد بن إدريس الفاسي فقال ( مولاي بشراك بالتأييد بشراكا % قد أكمل الله بالتوفيق سراكا ) ( الفتح والنصر قد وافاك جيشهما % والسعد واليمن قد حيا محياكا ) ( الله ألبسك الإقبال تكرمة % وبالتقى والنهى والعلم حلاكا ) ( فراسة الملك المرحوم قد صدقت % لما تفرس فيك حين ولاكا ) ( أعدت للدين والدنيا جمالهما % فأصبحا في حلى من حسن مغناكا ) ( وزادك الغيث غوثا في سحائبه % فجاد بالقطر قطرا فيه مأواكا ) ثم وردت على السلطان تهنئة عالم إفريقية ومفتيها وأديبها الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن عبد القادر الرياحي بقصيدة يقول فيها ( نصر من الرحمن جل لعبده % أيروم خلق نقض مبرم عقده ) ( وعدت به الأقدار وهي نوافذ % لا تحسبن الله مخلف وعده ) ( والله أعلم حيث يجعل نصره % في الشاكرين له سوابغ رفده ) ( فلتبسم ثغر الهنا مستبشرا % فالوقت ينطق عن سعادة جده ) ( أن يمض مولانا سليمان الرضا % وعليه تبكي الباكيات لفقده ) ( العلم والتقوى وكل فضيلة % منشورة طويت به في لحده ) ( فلقد أقام لنا أبا زيد هدى % نورا مبينا يستضاء برشده ) ( لو لم يكن كفئا لما أوصى به % وبنوه ترفل في ملابس مجده ) ( سعدت به الأيام ثم أراد أن % تبقى السعادة للورى من بعده ) ( أعظم به نصرا يدوم سروره % للخافقين سرى تضوع رنده ) ( أهدى إلى الأعداء أقتل غصة % والأوليا متنعمون بشهده ) ( فاستبشروا باليمن من مرضاته % واستمطروا نيل المنى من وده ) ( ما هو إلا ابن الرسول وهل فتى % في الناس يعدل عن مكارم جده ) ( وتناسقت أسلافه كرما كما % راق النواظر لؤلؤ في عقده ) ( لا غرو أن جمع المحاسن كلها % منهم فإرث الجمع حق لفرده ) ( لا يأفك الخراص حيث يقول قد % ذهب الزمان بعمره وبزيده ) ( فبسيف ما ننسخ يقد أديمه % حتى ولو وفى العيان برده ) ( فلكم وكم من آخر زمنا له % فضل عظيم لا يحاط بسرده ) ( يا أهل فاس والمغارب كلها % والشرق من مصر لغاية حده ) ( يهنيكم هذا الزمان فإن في % أيامه للدين مطلع سعده ) ( والعلم والتقوى وكل معظم % عند الشريعة فهو بالغ قصده ) ( النور أوقد منهم أتراهم % يرضون إلا باستدامة وقده ) ( الله يبقي نوره متوقدا % يفنى الزمان ولا فناء لخلده ) ( ويخص مولانا الأمير بنعمة % لا تنقضي وعناية من عنده ) ( ويديمه ظلا وريفا كلما % حمى الورى هرعوا لجنة برده ) ( وحسام فتح كلما نهضت به % عزماته فالنصر شاحذ حده ) ( وتمام بدر كلما اقتعد السرى % لم يسر إلا في منازل سعده ) ( وعليه تسليم تأرج نده % لكنه في الفضل عادم نده ) ( ثم الصلاة على النبي وآله % والحمد في بدء الكلام وعوده )
اجتماع البربر على بيعة السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام والسبب في ذلك
قد تقدم لنا أن البربر بعد وقعة ظيان اتفقوا على مناوأة السلطان ومنابذته وأنهم صاروا يدا واحدة عليه وعلى كل من يتكلم بالعربية بالمغرب فلما توفي السلطان المولى سليمان وبويع السلطان المولى عبد الرحمن زاد البربر ذلك الحلف توكيدا وشدة وأعدوا لعصيانهم واعوجاجهم أكمل عدة لا سيما رئيسهم الحاج محمد بن الغازي الزموري فإنه لما فعل فعلته في وقعة ظيان من جرة الهزيمة على المولى سليمان ثم عززها بأختها من بيعته للمولى إبراهيم بن يزيد والإجلاب فيها بالقريب والبعيد خاف أن يأخذه بذلك من يأتي بعده من بني أبيه وعشيرته فجد في صرف وجوه البربر عن السلطان واستعان في ذلك بأبي بكر مهاوش فروض له رؤساء البربر حتى اجتمعت كلمتهم على أن لا يتركوا بأرض المغرب ذكرا للسلطان وحزبه وربما شايعهم على ذلك بعض غواة العرب مثل الصفافعة والتوازيط من بني حسن وزعير وجل عرب تادلا فلما أراد الله سبحانه نقض ما أبرموا ونثر ما جمعوا من ذلك ونظموا جعل لذلك سببا وهو أن الشيخ أبا عبد الله الدرقاوي كان مسجونا عند الودايا كما تقدم في أخبار فتنة ابني يزيد واستمر في السجن إلى أن بويع المولى عبد الرحمن وكان ابن الغازي من أصحاب الشيخ المذكور وممن له فيه اعتقاد كبير فوفد عليه أولاد الشيخ ونزلوا عليه لكي يسعى في تسريح والدهم وألحوا عليه فلم يجد بدا من إظهار الطاعة للسلطان والدخول في الجماعة فوفد على السلطان في جمع من وجوه قومه بهديتهم وبيعتهم فلما رأى باقي البربر الذين حالفوه من آيت أدراسن وجروان أنه قدم على السلطان ظهر لهم خيانته فنبذوا ذلك العهد وسارعوا إلى بيعة السلطان وخدمته بأموالهم وأنفسهم فقدم عليه الحسن بن حمو واعزيز كبير آيت أدراسن في وجوه قومه وأدى الطاعة ودخل في حزب الجماعة وعليه وعلى ابن الغازي كان يدور أمر البربر في ذلك الوقت فخذل الله فيما بينهم وجمع كلمتهم على السلطان من غير ضرب ولا طعن ولا إيجاف بخيل ولا رجل فقابلهم السلطان بغاية الإحسان لا سيما ابن الغازي فإنه إستخلصه وجعله عمدة رأيه وعيبة سيره حتى كان لا يقطع أمرا دونه بعد أن سرح له الشيخ أبا عبد الله الدرقاوي رحمه الله ثم إن السلطان زوج ابن الغازي بإحدى حظايا عمه السلطان المرحوم وهي ابنة القائد عمر بن أبي ستة فعلا قدر ابن الغازي في الدولة بذلك واطمأن إلى السلطان بعد أن كان يسايره على أوفاز وذهب معه إلى مراكش مرتين حسبما نذكره بعد إن شاء الله
نهوض السلطان المولى عبد الرحمن لتفقد أحوال الرعية ووصوله إلى رباط الفتح
لما فرغ السلطان المولى عبد الرحمن رحمه الله من أمر الوفود والتهاني بحضرة فاس التفت إلى النظر في أحوال الرعية وتثقيف أطراف المملكة فولى على فاس وصيفه أبا جمعة بن سالم الذي كان بوابا على الدار الكبرى بفاس الجديد ثم لما عزم على السفر عزله وولى مكانه ابن عمه سيدي محمد بن الطيب ثم نهض من فاس الجديد بقصد تفقد الممالك فجعل طريقه على بلاد سفيان وسار حتى وصل إلى قصر كتامة وعسكر هنالك بالكدية الإسماعيلية وبها وفد عليه المولى عبد السلام ابن السلطان المولى سليمان رحمه الله في جماعة من الأشراف والكتاب فيهم أبو عبد الله أكنسوس وكان المولى عبد السلام المذكور قد قدم من تافيلالت إلى مراكش عقب وفاة والده بقصد أخذ البيعة على أهل مراكش لأخيه المولى عبد الواحد بن سليمان وكان قد بويع بتافيلالت وأعطوه صفقة أيمانهم فلما صادف المولى عبد السلام الأمر قد تم للسلطان المولى عبد الرحمن واجتمعت كلمة أهل المغرب عليه سقط في يده فأعرض عما جاء لأجله وتدارك أمره عند السلطان بالوفادة عليه والدخول في بيعته قال أكنسوس لما قدمنا على السلطان المولى عبد الرحمن من مراكش إلى قصر كتامة أمر بإدخالي عليه لشدة تشوفه إلى أخبار السلطان المرحوم المولى سليمان فدخلت عليه وجلست بين يديه نحو ساعتين وسألني عن كل شاذة وفاذة قال ثم دخلت عليه بعد صلاة المغرب وسألني عن بقية الأخبار ثم ذكر أولاد عمه السلطان المرحوم وقال والله لا يرون مني إلا الخير ثم بعد يومين أو ثلاثة نهض إلى رباط الفتح فاستقر بها ثم وفدت عليه قبائل الحوز ورؤساؤها فعيد هنالك عيد الفطر من سنة ثمان وثلاثين ومائتين وألف ثم رجع إلى فاس ومعه أعيان قبائل الحوز الذين وفدوا عليه ولما احتل بفاس قدم عليه عمه المولى موسى بن محمد مع جماعة من أهل مراكش وفيهم المولى عبد الواحد بن سليمان المبايع بسجلماسة فأكرمهم وأجلهم ولم يلم أحدا من شيعة المولى عبد الواحد ولكن عفا وصفح وقابل بالإحسان ثم ولى على مراكش ابن عمه المولى مبارك بن علي بن محمد وبعثه في صحبتهم فقدمها وتصرف في أمرها إلى أن كان منه ما نذكره ثم أمر السلطان رحمه الله بشراء دار أبي محمد عبد السلام شقشاق الفاسي وكانت مجاورة لقبة المولى إدريس رضي الله عنه بينها وبين القيسارية ثم أمر بهدمها وزيادتها في مسجد المولى إدريس رضي الله عنه وجمع الصناع والعملة على ذلك فتأنقوا فيه ما شاؤوا حتى جاء أحسن من المسجد القديم وكان الذي تولى القيام على ذلك الشريف المولى الهاشمي بن ملوك البلغيني فكمل ذلك في مدة يسيرة على غاية من الإبداع والإتقان وكتب الله أجر ذلك في صحيفة السلطان وفي هذه المدة توفي الشيخ الأكبر العارف الأشهر أبو عبد الله سيدي محمد العربي بن أحمد الدرقاوي رضي الله عنه وكانت وفاته ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من صفر سنة تسع وثلاثين ومائتين وألف ودفن يوم الثلاثاء بأبي بريح من بلاد غمارة وقبره شهير وكان رضي الله عنه عجيب الحال كبير الشأن ورسائله موجودة في أيدي الناس وله فيها نفس مبارك نفعنا الله به وبأمثاله
خروج السلطان المولى عبد الرحمن إلى مكناسة ونقله آيت يمور إلى الحوز ومسيره إلى مراكش
لما سافر السلطان المولى عبد الرحمن السفرة الأولى إلى رباط الفتح كان قصده أن ينظر في أحوال الرعايا وما هي عليه حتى يكون على بصيرة فيما يأتي ويذر من أمرها ثم لما عاد إلى فاس استعد الاستعداد التام بقصد تدويخ المغرب وتمهيد أقطاره ولم شعثه وتدارك رمقه إذ كانت الفتنة أيام الفترة قد أحالت حاله وكسفت باله وكان المولى مبارك بن علي صاحب مراكش قد استولت عليه بطانة السوء وكثرت به الشكايات إلى السلطان فعزم السلطان رحمه الله على إعمال السفر إلى مراكش فخرج من فاس وقصد أولا مكناسة فلما دنا منها خرج العبيد إلى لقائه بالأعلام مرفوعة على العصي وكانوا جماعة يسيرة فقال لهم السلطان رحمه الله أين جند عبيد البخاري فقالوا هذه البركة التي أشأرتها الفتنة وعلى الله ثم عليك الخلف فدخل السلطان رحمه الله مكناسة وتفقد بيت مالها فألقاه أنقى من الراحة ووجد العبيد على غاية من القلة والخصاصة حتى لقد باعوا الخيل والسلاح وأكلوا أثمانها فأنعشهم وجدد رسمهم وقواهم بالخيل والسلاح والجرايات حتى صلح أمرهم وذهب فقرهم قال صاحب الجيش وحاصل الأمر أن هذا السلطان رحمه الله وجد الدولة قد ترادفت عليها الهزاهز وصارت بعد حسن الشبيبة إلى قبح العجائز قد تفانت رجالها وضاق مجالها وذلك من وقعة ظيان إلى موت السلطان المولى سليمان فلما جاء الله بهذا السلطان المؤيد لم يجد بها إلا رمقا قليلا وخيالا عليلا قد وهت دعائمها وأشرفت على الانهدام المفضي إلى حالة الانعدام فأمده الله بضروب السعادة الخارقة للعادة فقام بأعبائها بلا مال ولا رجال والعناية من الله تساعده والفشل يباعده حتى أقام بناء الملك الإسماعيلي على أساسه ورد روحه إلى الجسد بعد خمود أنفاسه ولما قضى رحمه الله أربه من مكناسة صرف عزمه إلى آيت يمور وكانوا نازلين بجبل سلفات وبالولجة الطويلة من عهد السلطان سيدي محمد رحمه الله فعفوا وكثروا وأطغاهم نزولهم بتلك الأرض العجيبة ذات المزارع الخصيبة فأضروا بجيرانهم من أهل زرهون وأهل الغرب وغيرهم فأمر السلطان رحمه الله القائد أبا عبد الله محمد بن يشو المالكي العروي أن يحتال في كيادهم والإيقاع بهم ففعل وقبض على نحو الأربعمائة منهم وبعث بهم إلى السلطان ثم نقلهم السلطان إلى حوز مراكش وسار إلى رباط الفتح فاحتل به وعقد لأخيه المولى المأمون بن هشام على مراكش وولاه عليها مكان المولى مبارك بن علي ثم خرج السلطان من رباط الفتح قاصدا مراكش فمر بقبائل الشاوية وساس أمرهم بما اقتضاه الحال وقتل الهاشمي بن العباس الزياني وكان هذا قد قتل قائد الشاوية أبا إسحاق إبراهيم الوراوي احتال عليه بأن دعاه للاصطياد فلما خلا به رماه برصاصة فقتله بالموضع المعروف بتادارت قرب مديونة فأمر السلطان رحمه الله بالهاشمي أن تضرب عنقه بذلك الموضع وذلك بعد أن ولاه على قبيلته مدة ثم مر بقبائل دكالة فأوقع بالعونات وتقدم إلى مراكش فلما دخلها بعث من جاء بمحمد بن سليمان الفاسي موقد نار فتنة إبراهيم بن يزيد فأتى به من سجن الجزيرة فضربت عنقه ونصب رأسه على باب الخميس من مراكش وكان مسجونا معه أبو عبد الله محمد الطيب البياز الفاسي فأخرجه السلطان من السجن ومن عليه إذ لم يكن على مذهب ابن سليمان بل كان صاحب مروءة وجد في الأمور ولذلك استخدمه السلطان رحمه الله فجعله أمينا على مرسى طنجة أولا ثم ولاه على فاس ثانيا والله تعالى أعلم
نكبة ابن الغازي الزموري وما آل إليه أمره
قد قدمنا أن الحاج محمد بن الغازي الزموري كان قد بايع السلطان المولى عبد الرحمن وسعى في سراح الشيخ أبي عبد الله الدرقاوي رضي الله عنه وأن السلطان استخلصه وصاهره بإحدى حظايا عمه المولى سليمان رحمه الله لما وصل معه إلى مراكش ثم اضطرب كلام أكنسوس في أن السلطان قبض على ابن الغازي في أول قدمة قدمها معه إلى مراكش أو بعدها وكان السبب في ذلك أن ابن الغازي المذكور كانت له دالة على السلطان قد جاوزت الحد الذي ينبغي أن تسير به الرعية مع الملوك وكانت عادته أن يحضر بالغداة والعشي إلى باب السلطان كغيره من كبار الدولة ووجوهها على العادة في ذلك فلما كان في بعض الليالي وهو راجع إلى منزله رصده بعض العبيد بالطريق فرماه برصاصة فأخطأه فوصل إلى منزله وقد ارتاب بالسلطان فمن دونه من أهل الدولة وحملته دالته على أن أطلق لسانه وأبرق وأرعد وتألى وأوعد وبلغ ذلك السلطان فأغضى له عنها ثم أفضى به التهور إلى أن انقطع عن الحضور بباب السلطان غضبا على الدولة فأطال له السلطان الرسن كي يرجع فلم يرجع وبلغ السلطان أنه يحتال في الفرار فعاجله بالقبض عليه وبعث به إلى جزيرة الصويرة التي هي سجن أهل الجرائم العظام فسجن بها مدة ثم أصبح ذات يوم ميتا وذلك في سنة أربعين ومائتين وألف على ما قيل وفي هذه السنة انعقدت الشروط بين السلطان رحمه الله وبني جنس الصاردو وهي ثمانية وعشرون شرطا كلها ترجع إلى تمام الصلح ودوام الأمن والمجاملة في التجارات وسائر أنواع المخالطات والثالث عشر منها يتضمن لزوم مراكب المسلمين أن تعمل الكرنتينة إن تعين موجبها عند دخول مرسى من مراسي الصاردو وكذلك هم أيضا
ولاية الشريف سيدي محمد بن الطيب على تامسنا ودكالة وأعمالها
كان السلطان المولى عبد الرحمن رحمه الله قد ولى ابن عمه الشريف سيدي محمد بن الطيب بن محمد بن عبد الله على فاس فأقام بها مدة ثم ولاه على قبائل تامسنا ودكالة بأسرها وفوض إليه النظر في أمرها وكان سيدي محمد هذا ذا شدة وشكيمة على العصاة دوسري البطش حجاجي السيف وكان قد اتخذ كلابا ضخاما تسميها العامة القناجر يوهم الناس أنه إذا غضب على أحد ألقاه إليها فتفترسه وكان ربما جيء إليه بالجاني فيقوم إليه ويباشر ذبحه بيده حتى لقد حز أصبعه في ذبحه لبعض الجناة فقدم سيدي محمد هذا تامسنا وأوقع بأولاد حريز وقعة شنعاء فقبض على جماعة كبيرة منهم وضرب منهم نحو مائتي رقبة وهدم قصبة كريران الحريزي المسماة بمرجانة فتسامعت القبائل بسطوته فذعروا واقشعرت جلودهم لهيبته ثم زحف إلى دكالة ومعه بعض مساجين أهل تامسنا فلما وصل إلى شاطىء وادي آزمور أحضر أولئك المساجين فقطع البعض وقتل البعض ثم عبر الوادي ونزل بآزمور فازداد الناس رعبا منه وخشعت له قبائل دكالة بأسرها ثم تقدم إلى الجديدة فاحتل بها وكانت يومئذ خربة لا زالت على الهيئة التي فتحت عليها أيام السلطان سيدي محمد رحمه الله وكانت تسمى قبل الفتح بالبريجة فلما فتحت وتهدم صورها بالمينى صار الناس يسمونها بالمهدومة فأمر سيدي محمد بن الطيب ببناء سورها وترميم ما تلثم منها وسماها الجديدة وتهدد من يسميها بغير ذلك فسميت الجديدة من يومئذ وهو الذي بنى القبيبة الصغرى المقابلة لباب المسجد الجامع بها ثم لما صفا للسلطان أمر هذه البلاد بسبب ابن الطيب وبسبب ما حدث في المغرب من الجوع الذي أهلك الناس وكاد يأتي عليهم بعثه إلى الصحراء لتدويخ أهلها وجباية زكواتها وأعشارها فذهب إليها وعاد مخففا فولاه السلطان على وجدة فأقام بها يسيرا ورجع بلا طائل
شروع السلطان المولى عبد الرحمن رحمه الله في غرس أجدال بحضرة مراكش
لما صفا للسلطان رحمه الله أمر المغرب شرع في غرس آجدال غربي مراكش وهو بستان عظيم جدا يشتمل على جنات كثيرة معروفة بحدودها وأسمائها وأكرتها وتشتمل كل واحدة منها على نوع أو أنواع من الأشجار المثمرة النفاعة من زيتون ورمان وتفاح وليمون وعنب وتين وجوز ولوز وغير ذلك وكل نوع منها يغل ألوفا في السنة بحيث أن غلة الليمون وحده تباع بخمسين ألفا وأكثر إذا كانت صالحة وفي خلال هذه الجنات من قطع الأزهار والرياحين والبقول المختلفة اللون والطعم والرائحة والخاصية ما لا يأتي عليه الحصر حتى أن منها ما لا يعرفه جل أهل المغرب ولا رأوه قط لكونه جلب من أقطار أخرى وفي وسطه برك عظام تسير فيها القوارب والفلك وتصب فيه العيون كأمثال الأنهار لسقي تلك الجنات وعليه من الأرحاء شيء كثير وتلك البرك منها ما ضلعها الواحد يكون مائتين خطوة وأقل وأكثر وفي داخله أيضا من المنتزهات الكسروية والقباب القيصرية والمقاعد المروانية ما يستوقف الطرف ويستغرق الوصف مثل دار الهناء والدار البيضاء والصالحة والزاهرة وغير ذلك ويتصل به جنان رضوان الفائق بحسنه وقبابه ومقاعده البهية على ذلك كله والحاصل أن هذا البستان
جنة من جنان الدنيا يزري بشعب بوان وينسى ذكر غمدان إلى جنة المنارة والعافية وغير ذلك من منتزهات مراكش العجيبة التي أنشأتها هذه الدولة في إبان الإقبال والشبيبة ولما شرع السلطان رحمه الله في غرس هذا البستان جلب له العين الآتية من بلاد مسفيوة المسماة بتاسلطانت وهي من أعذب العيون ماء وأخفها وأنفعها للبدن وكانت مسفيوة متغلبة على هذه العين من لدن دولة السلطان سيدي محمد بن عبد الله يعمدون إليها بالليل فيفرقونها سواقي على جناتهم ومزارعهم فكان ذلك دأبهم إلى أن جاء السلطان المولى سليمان فأعياه أمرهم فيها فأقطعهم إياها على ألف مثقال يؤدونه كل سنة فلما جاء السلطان المولى عبد الرحمن انتزعها منهم رغما عليهم وجاء بها تشق الوهاد والربى حتى ألقت جرانها بأجدال السعيد وعم نفعها وريها القريب منه والبعيد وفي ذلك يقول الوزير أبو عبد الله محمد بن إدريس رحمه الله ( وردت وكان لها السعود مواجها % والحسن مقصورا على مواجها ) ( وبدت طلائع بشرها من قبلها % كالشمس طالعة لدى أبراجها ) ( وتسير ما بين الأباطح والربى % ترمي فريد الدر من أمواجها ) ( وتصوغ من صافي النضار سبائكا % حلت بها الأعطاف من أثباجها ) ( هبطت إليك من الجبال وطالما % تعبت ملوك الأرض في إخراجها ) ( وأتتك راغبة تجر ذيولها % وتفيض غمر النيل من أفواجها ) ( تنساب مثل الأفعوان وتنثني % كالغصن بين وهادها وفجاجها ) ( خطب الملوك نكاحها فتمنعت % وأتتك واهبة حلال زواجها ) ( فلتهنك الخود الرفيع فخارها % وليهنها أن صرت من أزواجها ) ( حراء عباسية بدوية % نشرت ذوائبها على ديباجها ) ( وافتك وافدة وقد صبغ الحيا % وجناتها وجرى على أدراجها ) ( فكأنها بلقيس جاءت صرحها % لكنه صرح بغير زجاجها ) ( عرفت أناملك الشريفة أبحرا % غرقت بحار الأرض في عجاجها ) ( فأتتك طالبة الأمان لنفسها % لتنال بعض الطيب من ثجاحها ) ( لبتك إذ سمعت نداك وأقبلت % مرهوبة تستن من إزعاجها ) ( ونزعتها بالقهر من غصابها % والسابقون رضوا ببعض خراجها ) واعلم أن هذه الأخبار التي سردناها من أول هذه الدولة السعيدة إلى هنا تبعنا في جلها أبا عبد الله أكنسوس وقد ساقها رحمه الله مجردة عن التاريخ الذي هو المقصود بالذات من الفن ونحن لما لم نعثر في الوقت على ما يحقق لنا تواريخها رتبناها بحسب ما أدى إليه الفكر والروية وأثبتناها لئلا تذهب فائدتها بالكلية وعلى كل حال فهي في حدود الأربعين من مائة التاريخ والله أعلم
ولاية القائد أبي العلاء إدريس بن حمان الجراري على وجدة وأعمالها
قد قدمنا أن السلطان المولى عبد الرحمن رحمه الله كان قد ولى ابن عمه سيدي محمد بن الطيب على وجدة ورجع عنها بلا طائل وكانت ولاية هذا الثغر عند السلطان من أهم الولايات وأخصها بمزيد الاعتناء لبعدها عن دار الملك ومتاخمتها لمملكة الترك فكانت ثغرا من الثغور ولكثرة قبائلها واختلاف آراء أهلها وتعدد عصبياتهم في العرب والبربر ففكر السلطان رحمه الله فيمن يكفيه هذا المهم ويسد له هذا المسد فوقع اختياره على القائد الأنجد أبي العلاء إدريس بن حمان بن العربي الوديي الجراري فرماها به وجعل أمرها إليه وعول في شأنها عليه وكان هذا الرجل نسيج وحده وقريع دهره في جودة الرأي وإدارة الأمور على وجهها وإجرائها على مقتضى صوابها ومحبة السلطان ونصحه فولاه عليها في أوائل سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف فقام بأمرها أحسن قيام واستوفى جباية أهل المداشر منها والخيام ثم حمله نصحه وصدق خدمته على أن يستأذن السلطان في أن يكون يكاتبه بجميع ما يحدث في تلك البلاد من الأمور الداخلة في الدولة والخارجة عنها ليكون السلطان على بال من ذلك الثغر فاستأذن في ذلك بواسطة الوزير أبي عبد الله بن إدريس فكان من جواب الوزير له أن قال حسبما وقفت عليه بخطه إني أخبرت سيدنا المنصور بالله بما كتبت في شأنه فأعجبه ذلك وقال لا بأس به وليكن خفيا من غير شعور أحد ليطلع سيدنا على الأمور ويكون على بصيرة فيها فلا تقصر في ذلك واجتهد في إصلاح ما ولاك وأعظم ذلك وأهمه أمان الطريق وخمود الفتنة حتى لا يصل من تلك الناحية إلا الخير فأنت من فضل الله ذو رأي وبصيرة بالأمور وخصوصا تلك النواحي والله يوفقك ويسددك وهذه النواحي بخير وعافية وفي نعم من الله وافية قد نزل فيها المطر الغزير وكثر الخصب وحرث الناس الحرث الكثير وسيدنا بمكناسة الزيتون ولا ما يشوش البال غير أن والدته المقدسة صارت إلى عفو الله ورحمته وذلك قبل تاريخه بشهر ونحن على المحبة والسلام في الخامس والعشرين من جمادى الثانية سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف محمد بن إدريس لطف الله به انتهى لفظ الكتاب المذكور وفي هذه المدة كان السلطان رحمه الله قد استعمل الشيخ أبا زيان بن الشاوي الأحلافي على تازا وأعمالها وأوصاه بالتعاون على أمر الخدمة السلطانية بالقائد إدريس فكانا في إدارة الأمور بتلك النواحي كفرسي رهان ولكن التبريز إنما هو للقائد إدريس ولما دخل رمضان من السنة المذكورة عزم السلطان رحمه الله على المسير إلى بلاد الشرق وجدة وأعمالها للوقوف على تلك التخوم بنفسه والنظر في أمورها برأيه إذ لم يكن وطأها قبل ذلك فاستنفر القبائل لحضور عيد الفطر والنهوض إليها ولما حضر العيد وفد على السلطان جماعة من بني يزناسن وعرب آنقاد فباحثهم رحمه الله عن حال بلادهم فشكوا قلة الخصب فصده ذلك عن المسير إليهم ووعدهم بأنه سيطأ أرضهم من العام القابل في أول يناير ثم صرف رحمه الله وجهته تلك إلى التطواف على مراسي المغرب والنظر في أمورها وإحياء مراسم الجهاد بها فخرج من مكناسة منتصف شوال من السنة أعني سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف فمر بأرضات من أعمال وازان وصار إلى تطاوين ثم إلى طنجة ثم أصيلا وزار وليها أبا عبد الله محمد بن مرزوق وتبرك به ثم مر بالعرائش وهكذا تتبع الثغور ثغرا ثغرا إلى آسفي وفي أثناء ذلك ورد عليه الخبر بانتقاض الشراردة على المولى المأمون صاحب مراكش وخروجهم عن الطاعة وإفسادهم السابلة ونهبهم الرفاق وأبدؤوا في ذلك وأعادوا حتى كانوا يصلون إلى جنات مراكش فسدد السلطان رحمه الله قصده نحوهم وكان من أمره معهم ما نذكره
فتح زاوية الشرادى والسبب الداعي إلى غزوها
قد قدمنا ما كان من أمر المهدي بن الشرادي الزراري مع السلطان المولى سليمان رحمه الله بما فيه كفاية ثم لما بويع السلطان المولى عبد الرحمن بايعه المهدي في جملة الناس ولما قدم السلطان مراكش قدمته الأولى لقيه الشراردة في خمسمائة فارس بمشرع ابن حمى مؤدين الطاعة ففرح السلطان بهم وأكرم وفادتهم ولما عزموا على الرجوع كان في جملة ما قال لهم السلطان رحمه الله إن ما فات قد مات وما نهب في أيام الفتنة فهو هدر ومن الآن من فعل شيئا يخاف على نفسه فرجع الشراردة إلى بلادهم وعيد السلطان بمراكش عيد المولد فحضرت الوفود وحضر الشراردة في جملتهم وساقوا للسلطان خمسة عشر جملا من الكتان وخمسة أحمال من الملف وأربعة آلاف مثقال عينا مما كانوا نهبوه من صاكة الصويرة قبيل وفاة السلطان المولى سليمان رحمه الله حسبما أشرنا إليه قبل فكان من تمام إحسان السلطان إليهم وتألفه إياهم أن قال لهم افرضوا لي مائتي فارس منكم تذهب إلى درعة وهذا الكتان والملف هو كسوتهم والمال صائرهم ففعلوا وكساهم السلطان وأنعم عليهم ثم لما ولى أخاه المولى المأمون على مراكش مرضوا في طاعته ودعا المهدي تهوره إلى أن شكاه إلى السلطان وهو بمكناسة يومئذ ويعتد عليه بأنه يأخذ منهم الزكوات والأعشار على غير وجهها الشرعي وأنه ولي عليهم أربعة عمال أو خمسة عوض عامل واحد كان يتولى عليهم فأغضى السلطان عن ذلك وبالغ في الأنة القول له في كتابه ووعده بأنه إذا وصل إلى مراكش يشكيه من أخيه وفي أثناء ذلك وقبل وصول كتاب السلطان إليه أغرى إخوانه بالخروج عن طاعة السلطان والاشتغال بما يسخط الله ويرضي الشيطان فانبثت خيولهم في الطرقات ومخروها مخرا وانتسفوها نسفا وعمدوا إلى قوادهم الذين ولاهم المولى المأمون عليهم فقبضوا عليهم وأودعوهم السجن وانتهبوا دورهم ووصل المسافرون والتجارإلى باب السلطان مجردين عراة يشكون ما دهمهم من أمر الشراردة وتكاثر عليه شذاذهم فحينئذ استأنف السلطان جده وأرهف حده وكتب إلى أخيه المولى المأمون باستنفار قبائل الحوز وجمعها عليه حتى يقدم عليه وسار السلطان في جيش العبيد والودايا وآيت أدراسن وزمور وعرب بني حسن وبني مالك وسفيان وكتب إلى الشاوية ودكالة أن تكون خيلهم معدة حين يمر بهم وكان المهدي قد عظم ناموسه و تمكن من جهلة قومه وكاد يتجاوزهم إلى غيرهم حتى صار يعرض أو يصرح بأنه المهدي المنتظر وكان السبب الأقوى في طغيانه وطغيان قومه ما اتفق له في هزيمة السلطان المولى سليمان رحمه الله فظن المهدي وشراردته أن لا غالب لهم من الله ولما برز السلطان رحمه الله من رباط الفتح لقيه ركب الحجاج الذين انتهبهم هشتوكة والشياظمة الذين بأحواز آزمور وكانت العادة يومئذ بالمغرب أن ركاب الحاج تأتي من آفاق المغرب فتجتمع بفاس ومنها يخرج الركب على الهيئة المعهودة في ذلك الزمان فلما وصل هؤلاء الحجاج من أهل السوس وغيرهم إلى الشياظمة وهشتوكة انتهبوهم وجردوهم من المخيط والمحيط فسمع السلطان رحمه الله شكواهم وامتعض لانتهاك حرمتهم وزحف إلى هؤلاء المفسدين فأوقع بهم وقعة شنعاء بالموضع المعروف بفرقالة من أعمال آزمور حتى كانوا يلقون أنفسهم في البحر طلبا للنجاة بعد أن أثروا في المحلة أول النهار ثم كانت الكرة عليهم وحكم السلطان السيف في رقابهم وامتلأت أيدي العسكر من أثاثهم وماشيتهم وكانت هذه الوقعة طليعة الفتح ومقدمة الظفر ثم عبر إلى آزمور ومنها إلى الجديدة ثم سار مع الساحل
حتى وصل إلى آسفي فزار الشيخ أبا محمد صالح رضي الله عنه وعطف إلى الزاوية الشرادية فبغتها وطلعت عليها راياته المنصورة بالله مع الصباح ولم يعرج على مراكش وقبل نزول الجيش وضرب الأخبية أنشبت الحرب معهم فتقاتلوا وتحاجزوا مع الظهر وكان الزمان زمان مصيف ودامت الحرب سبعة أيام ونصب عليهم السلطان المدافع والمهاريس العظام وفي اليوم الخامس من تلك الأيام كان عيد المولد الكريم يوم الأربعاء من سنة أربع وأربعين ومائتين وألف فأراد السلطان رحمه الله أن يعفي الناس من الحرب ذلك اليوم فحمل الشراردة طغيانهم وبغيهم على أن تقدموا للجيش وأنشبوا الحرب فأمر السلطان بالزحف إليهم والنكاية فيهم وكان المعلم الأكبر أبو عبد الله محمد بن عبد الله ملاح السلاوي حاضرا في هذه الوقعة فتقدم إليه السلطان بالوصاة بالجد والاجتهاد في الرمي فرمى عليهم في ذلك اليوم مائتين وثمانين بنبة كلها في وسط الزاوية تتفرقع عند نزولها فتأتي على ما جاورها من جدار وغيره حتى شاهدوا في ذلك اليوم الموت الأحمر وكانوا هم أيضا يرمون بالكور والبنب من المدافع والمهاريس التي استولوا عليها في محلة السلطان المولى سليمان ثم لما كان عشي الجمعة السابع من أيام الحرب افترقت كلمتهم وعزم المهدي على الفرار فقال له أصحابه كيف تفر وتتركنا وأين ما كنت تعدنا فقال لهم أما أنتم فالذي أورثكم أسلافكم هو الخدمة مع السلطان فلا تستنكفوا منها وأما أنا فالذي عندي وسمعته من آبائي أن الحرب تدوم على هذه القرية سبعة أيام ثم يستولي عليها السلطان الذي يجيء من ناحية البحر وهو هذا في كلام آخر تكهن لهم فيه واعتقد الجهلة صدقه بعد أن أتلفوا عليه نفوسهم وأموالهم ومن يضلل الله فما له من هاد ولما جن الليل ركب فيما قيل على حمار وركب معه شرذمة من أصحابه نحو العشرين فارسا فشيعوه إلى الموضع المعروف بتيزكي فودعهم وذهب إلى السوس بعد أن سفك الدم الحرام وانتهب المال الحرام وملأ صحيفته من الآثام نسأل الله العفو والعافية ولما فر المهدي عنهم تفرقوا شذر مذر وباتوا يتحملون بنسائهم وأولادهم إلى منجاتهم والذين صعب عليهم الخروج اجتمعوا وساروا إلى القواد الأربعة فسرحوهم ورغبوا إليهم في الوساطة عند السلطان فأصبحوا على أطراف المحلة يستأذنون على المولى المأمون فأذن لهم ودخلوا عليه وشفعوا فيمن بقي منهم وطلبوا الأمان فأمنهم ثم تقدموا إلى السلطان فاستأذنوا فأذن لهم ودخلوا وأخبروا بما عقد لهم المولى المأمون من الأمان فأمضاه لهم ثم أمر السلطان بجمع الشراردة الذين بقوا بالقصبة فجمع له منهم نحو الألفين وعاثت الجيوش في بيوتهم وأمتعتهم وقيل إن السلطان رحمه الله لم يؤمنهم ولما قبض عليهم عزم على تحكيم السيف في رقابهم فاستفتى العلماء فيهم فتحاموا الإفتاء بإراقة الدم حتى أن منهم من أفتى وهو الفقيه أبو عبد الله محمد بن المرابط المراكشي بأنهم تابوا قبل القدرة عليهم فتوقف السلطان رحمه الله عن قتلهم وكان وقافا عند الحق دائرا مع الشرع حيث دار ثم أمر رحمه الله بالاحتياط على عيال المهدي وأولاده فاحتيط عليهم فجيء بهم إليه وبعثهم إلى مكناسة فأنزلوا بدار القائد محمد بن الشاهد البخاري الذي هلك في وقعة آعليل مع السلطان المولى سليمان وأمر السلطان بسور القصبة فهدم إبرارا لقسمه وحيزت المدافع والمهاريس التي كانت منصوبة عليه ولما انقضى أمر الحرب وتم الفتح هلك المعلم محمد ملاح نفطت فيه بنبة فقتلته وقتلت جماعة معه فوقف السلطان عليه بنفسه حتى أقبر وأحسن إلى أولاده بعد ذلك ورأيت بخط الوزير ابن إدريس في بعض مكاتيبه ما نصه واعلم أن الله سبحانه قد فتح علينا الزاوية الشرادية وأهلك أهلها الظالمين ولم تبق لهم باقية ولا زالت العساكر مقيمة على هدمها وتخريبها وقد قبض منهم على أكثر من ستمائة رجل وربحت الناس بما وجدت فيها من الأثاث والذخائر والأنعام اه ثم إن السلطان رحمه الله فرق مساجين الشراردة فسجن بعضهم برباط الفتح وبعضهم بمكناسة وبعضهم بفاس ثم بعد مضي نحو السنة سرحهم ونقلهم إلى بسيط آزغار وجمع إخوانهم من القبائل فضمهم إليهم ولا زالوا موطنين به إلى الآن وأما المهدي فإنه ذهب إلى السوس وانتهى إلى آيت باعمران من ولتيتة فنزل على مرابطها أبي عبد الله محمد آعجلي الباعمراني واستمر عنده ثلاث سنين وضاقت عليه الأرض بما رحبت ثم بعث من شفع له عند أمير المؤمنين فقبل السلطان شفاعته وجاء المهدي في قيده إلى أن دخل على السلطان بمراكش وبكى أمامه وتضرع فسامحه السلطان ثم بعثه إلى مكناسة فاجتمع بأولاده وبعد مدة يسيرة ولاه السلطان على إخوانه قال أكنسوس عاملهم بالإساءة فعادت محبتهم له عداوة وضجوا إلى السلطان منه فعزله ثم حج المهدي بإذن السلطان ورجع فولاه أيضا فلم يقبلوه ثم سجن ثم سرح وتقلبت به الأحوال وتأخرت وفاته إلى أوائل شوال من سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف في أول دولة سلطان العصر وإمام النصر أمير المؤمنين المولى الحسن بن محمد رضي الله عنه ولما تم فتح الزاوية المذكورة قال شعراء العصر في ذلك فمنهم الفقيه الأديب أبو عبد الله أكنسوس قال ( بشائر لا تحيط بها الشروح % كأن سميعها فنن مروح ) ( سقى ربع البشير بها غمام % يباكرها هتون أو يروح ) ( تفديه المحافل وهو يشدو % فتوح في مضمنها فتوح ) ( وتأمل أن تقبله الغواني % تذيل له المباسم أو تبيح ) ( بشائر كاد يسمعها دفين % ويسري في الجماد بهن روح ) ( شفى المولى المؤيد كل صدر % به من قبل وقعتها جروح ) ( وأدرك ثار عصبته وأضحى % لعزة قدره شرف صريح ) ( لقد حسم الفساد بكل أرض % فساد به لنا الدين السميح ) ( وزر على زرارة كل خزي % تشق له المجاسد إذ تنوح ) ( وقد كانت تصر على ازورار % وكانت لا ينهنهها قبيح ) ( ومن كانت مراكبه جماحا % فسحقا حين تصرعه الجموح ) ( أتيح لهم لحينهم جهول % غوى للضلال له جنوح ) ( يقودهم إلى العصيان سرا % ويظهر أنه البر النصوح ) ( يحدثهم إذا ما حم خطب % حديثا كان مصدره سطيح ) ( هو الدجال في سمت وفعل % فمن يدعوه مهديا وقوح ) ( فأهلكه الإمام فكان عيسى % كذا الدجال يهلكه المسيح ) ( فصير دار منعته فلاتا % على أطلالها البوم السنيح ) ( وفر عن الذمار على حمار % عليل العرض جؤجؤه صحيح ) ( فيالؤم الذليل فلا وهين % فيعذر بالفرار ولا جريح ) ( وخير من جباة في هوان % يبوء به الفتى موت مريح ) ( أيطمع في النجاة فلا نجاة % سيدركه الهزيز المستبيح ) ( إذا كان الشراب له بحارا % تخوض إليه سلهبة سبوح ) ( ستدركه العزائم من إمام % تدك له المعاقل والصروح ) ( إمام قد أعاد لنا سرورا وجاد لنا به الزمن الشحيح ) ( أعز الله ملك بني علي % بصولته وتم له الوضوح ) ( وجرد من جلالته حساما % يزيل به الضلالة أو يزيح ) ( وقد كان الخلائق في ظلام % فلاح على الخلائق منه بوح ) ( وأصبحت الأباطح باسمات % وكان على مناظرها كلوح ) ( أعز معود للنصر ساع % إلى العلياء مسعاه نجيح ) ( يخاطر في منال العز دأبا % برأي كل مدركه رجيح ) ( فرايات السعود عليه نشر % وساحات الفخار لديه جوح ) ( أبا زيد فأنت لنا ملاذ % وجاهك في المهم لنا فسيح ) ( فقد زانت مآثرك الليالي % ولاح لعدلك الوجه المليح ) ( وهذا الدهر كالطوفان موجا % وطاعتك السفين وأنت نوح ) ( وأنت خليفة الرحمن من لا % تؤمنه فمشربه نشوح ) ( كما أن الشبانة حين زاغت % وهب لها من الطغيان ريح ) ( عصفت عليهم باليأس تزجي % كتائب كالسحاب إذا تلوح ) ( فألقيت الجران على ذراهم % بجيش كلهم بطل مشيح ) ( فجاء العفو منك وهم ثلاث % أسير أو كسير أو ذبيح ) ( وقد قسمت بلادهم بعدل % ودورهم كما قسم الوطيح ) ( وقد نظمت مكايدهم قديما % بني سعد وزيدان نطيح ) ( فظنوا آل إسماعيل يرنو % لغير الحزم طرفهم الطموح ) ( وما علموا بأنكم سيوف % لحدكم نجيعهم سفوح ) ( أبا زيد إذا تبقى عليهم % بصفح ربما ندم الصفوح ) ( فلا تحلم فإن الجرح يكوي % طريا بالمحاور أو يقيح ) ( فلا زالت بك الدنيا عروسا % ومجدك من مفارقها يفوح ) ومن ذلك قول بعضهم ولعله الفقيه أبو محمد عبد الله الديماني قال ( بشرى تقر بأعين الإيمان % كالوصل ينسخ دولة الهجران ) ( جاد الزمان بها على مقداركم % فتقاصرت عنها خطا الأذهان ) ( أين المفر لمن عنا عن أمركم % أترى البغاث تفوت ما لعقبان ) ( الأمر أمر الله غير منازع % لاح الصباح لمن له عينان ) ( يا من يطالب أمرهم بدلائل % أتطالب البرهان بالبرهان ) ( إن كنت تجهل فالحسام معلم % يشفي البريء به ويشقي الجاني ) ( كم من غوي قد عتا عن أمرهم % كزرارة فمضى إلى الخسران ) ( أين المفر لمن عتا عن أمركم % يوم الكفاح إذا التقى الجمعان ) ( لم يمنع الأعداء منهم معقل % لو أنهم صعدوا إلى كيوان ) ( لكنهم باؤوا بأخسر صفقة % فكأنهم غصبوا أبا غبشان ) ( جيش تسد وفوده مسرى الصبا % وتهد وطأته ذرى ثهلان ) ( يا مالكا ملأ الوجود محاسنا % لا تختفي عن أعين العميان ) ( أجريت بين المعتقين مكارما % يسلوا الغريب بها عن الأوطان ) ( لوقيل للغيث اعترف لم يعترف % إلا بفضل نداكم الهتان ) ( إنسان عين الدهر أنت وإنما % تكميل شكل العين بالإنسان ) ( ذكراك بالأفواه تعذب كاللما % وتخف كالبشرى على الآذان ) ( أيقظت جفن الحق من إغفائه % وأقمت ميلة عطفه الكسلان ) ( ألقى لك الزمن العصى زمامه % وعنا لطاعة أمرك الثقلان ) ( فالدهر دونك دافع ومدافع % وصروفه لكم من العبدان ) ( فإذا أشرتم في الزمان لمقصد % كان القضاء لكم من الأعوان ) ( أخلصت للرحمن في طاعاته % فلذا دعيت بعابد الرحمن ) ( ألقيت رحلي في ذراك مخيما % فجريت في الآمال طوع عنان ) ( وتركت أوطاني وجئت وإنما % من فرط حبك غبت عن أوطاني ) ( يا ليت قومي يعلمون بأنني % من جودكم أرد الفرات الثاني ) ( لا زلتم في أسعد مبسوطة % مقبوضة عنها يد الحدثان ) واستمر السلطان مقيما بمراكش مدة طويلة وبعث أخاه المولى المأمون بن هشام لقطر السوس فجباه ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائتين وألف ففي شعبان منها عقد السلطان الصلح مع جنس النابريال ويقال له استرياك وهي اثنا عشر شرطا مضمنها المخالطة بالبيع والشراء وغير ذلك مع الأمان والاحترام من الجانبين والآخر منها مضمنه الصلح الدائم على هذه الشروط لا يفسده أمر يحدث بعده ولا يقع فيه زيادة ولا نقصان ثم حدثت الفتنة عقب هذا بيسير على ما نذكره