القسم ١٦ من ١٧

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

هجوم جنس النابريال على ثغر العرائش والسبب في ذلك

قد قدمنا أن السلطان المولى عبد الرحمن رحمه الله قد طاف في آخر سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف على ثغور المغرب ومراسيه وأنه أراد إحياء سنة الجهاد في البحر التي كان أغفلها السلطان المولى سليمان رحمه الله وأمر أعني المولى عبد الرحمن بإنشاء أساطيل تضم إلى ما كان قد بقي من آثار جده سيدي محمد بن عبد الله وأذن لرؤساء البحار من أهل العدوتين سلا ورباط الفتح أن يخرجوا في القراصين الجهادية للتطواف بسواحل المغرب وما جاورها فخرج الرئيسان الحاج عبد الرحمن باركاش والحاج عبد الرحمن بريطل فصادفوا بعض مراكب النابريال فاستاقوها غنيمة إذ لم يجدوا معها ورقة الباصبورط المعهودة عندهم وعثروا فيها على شيء كثير من الزيت وغيرها وكان بعضها قد جيء به إلى مرسى العدوتين وبعضها إلى مرسى العرائش فهجم النابريال على مرسى العرائش بستة قراصين يوم الأربعاء الثالث من ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائتين وألف ورمى عليها من الكور شيئا كثيرا من الضحى إلى الاصفرار وعمد في أثناء ذلك إلى سبعة قوارب فشحنها بنحو خمسمائة من العسكر ونزلوا إلى البر من جهة الموضع المعروف بالمقصرة وتقدموا صفوفا قد انتشب بعضهم في بعض بمخاطيف من حديد لئلا يفروا ومشوا إلى مراكب السلطان التي كانت مرساة بداخل الوادي وهم يقرعون طنابيرهم ويصفرون ومراكبهم التي في البحر ترمي بالضوبلي مع امتداد الوادي لتمنع من يريد العبور إليهم فانتهوا إلى المراكب وأوقدوا فيها النار وقصدوا بذلك أخذ ثأرهم فيما انتزع منهم فلم يكن إلا كلا ولا حتى انثال عليهم المسلمون من كل جهة من أهل الساحل وغيرهم وعبر إليهم أهل العرائش وأحوازها سبحا في الوادي وعلى ظهر الفلك إلى أن خالطوهم وفتكوا فيهم فتكة بكرا وكان هنالك جملة من الحصادة يحصدون الزروع في الفدن فشهدوا الوقعة وأبلوا بلاء حسنا حتى كانوا يحتزون رؤوس النابريال بمناجلهم وقد ذكر منويل هذه الوقعة وبسطها وقال إن النابريال قتل منهم ثلاثة وأربعون سوى الأسرى وتركوا مدفعا واحدا وشيئا كثيرا من العدة وأفلت الباقي منهم إلى مراكبهم وذهبوا يلتفتون وراءهم واعلم أن هذه الوقعة هي التي كانت سببا في إعراض السلطان المولى عبد الرحمن عن الغزو في البحر والاعتناء بشأنه فإنه رحمه الله لما أراد إحياء هذه السنة صادف إبان قيام شوكة الفرنج ووفور عددهم وأدواتهم البحرية وصار الغزو في البحر يثير الخصومة والدفاع والتجادل والنزاع ويهيج الضغن بين الدولة العلية ودول الأجناس الموالية لها حتى كاد عقد المهادنة ينفصم وأكد ذلك اتفاق استيلاء الفرنسيس على ثغر الجزائر وهو ما هو فوجم السلطان رحمه الله وأعمل فكره ورويته فظهر له التوقف عن أمر البحر رعيا للمصلحة الوقتية ولقلة المنفعة العائدة من غزو المراكب الإسلامية وانضم إلى ذلك إعلان الدول الكبار من الفرنج مثل النجليز والفرنسيس بأن لا تكون المراكب إلا لمن يقوم بضبط قوانين البحر التي يستقيم بها أمره وتحمد معها العاقبة وتدوم بحفظها المودة على مقتضى الشروط ومن مهمات ذلك ترتيب القناصل بالمراسي التي تريد الدولة دخول مراكبها إليها وتجارتها فيها أي دولة كانت ومن هذه المهمات ما قد لا يساعد عليه الشرع أو الطبع مثل الكرنتينات وما يترتب عليها إلى غير ذلك مما فيه هوس كبير فاشتد عزم السلطان رحمه الله على ترك ما يفضي إلى ذلك وتأكد لديه إهماله لتوفر هذه الأسباب ولعمري أن تركه لمصلحة كبيرة لمن أمعن النظر فيها وما يعقلها إلا العالمون وأما فتنة النابريال هذه فإنها تفاصلت بواسطة النجليز حيث وجه باشدوره مع باشدور النابريال فقدما على السلطان رحمه الله مكناسة في شهر ربيع الأول سنة ست وأربعين ومائتين وألف

استيلاء الفرنسيس على ثغر الجزائر وما ترتب على ذلك من دخول أهل تلمسان في بيعة السلطان المولى عبد الرحمن رحمه الله

كان استيلاء طاغية الفرنسيس على ثغر الجزائر في آخر المحرم فاتح سنة ست وأربعين ومائتين وألف وكان السبب في ذلك أن أتراك الجزائر كانوا يومئذ مع الفرنسيس على طرفي نقيض قد تعددت بينهم الوقعات برا وبحرا وكثرت بينهم الذحول والترات وكان الترك يؤذونهم أشد الإذاية وأمير الجزائر يومئذ واسمه أحمد باشا قد أمر أمره وأراد الاستبداد على الدولة العثمانية وربما شكا طاغية الفرنسيس إلى السلطان محمود العثماني فقال له شأنك وإياه فهجم الفرنسيس في العدد والعدد على ثغر الجزائر فاستولى عليه بعد مقاتلات ومجاولات في التاريخ المتقدم وكان السلطان المولى عبد الرحمن يومئذ بمراكش فاتصل به خبر الجزائر في أوائل صفر فنهض إلى مكناسة في التاريخ المذكور ولما وقع بأهل الجزائر ما وقع اجتمع أهل تلمسان وتفاوضوا في شأنهم واتفقوا على أن يدخلوا في بيعة السلطان المولى عبد الرحمن رحمه الله فجاؤوا إلى عامله بوجدة القائد أبي العلاء إدريس بن حمان الجواري وعرضوا عليه أن يتوسط لهم عند السلطان في قبول بيعتهم والنظر لهم بما يصلح شأنهم ويحفظ من العدو جانبهم ثم عينوا جماعة منهم للوفادة على السلطان تأكيدا للطلب واستعجالا لحصول هذا الأرب فقدموا على السلطان بمكناسة غرة ربيع الأول من السنة المذكورة فأكرم السلطان وفادتهم وأجل مقدمهم ولما صرحوا له عن مرادهم توقف في ذلك رحمه الله وكان هواه إلى قبولهم أميل إلا أنه أراد أن يبني ذلك على صريح الشرع كما هي عادته فاستفتى علماء فاس فأفتى جلهم بنقيض المقصود ورخص له بعضهم في ذلك فأخذ السلطان رحمه الله بقول المرخص مع أن أهل تلمسان لما بلغهم فتوى أهل فاس كتبوا إلى السلطان في الرد عليهم ما نصه ليعلم سيدنا قطب المجد ومركزه ومحل الفخر ومحرزه أساس الشرف الباذخ ومنبعه وبساط الفضل الشامخ ومجمعه السلطان الأعظم الأمجد الأفخم نجل الملوك العظام سيدنا ومولانا عبد الرحمن بن هشام أبقى الله سيدنا للمسلمين ذخرا ومنحه مودة وأجرا أن فتوى ساداتنا علماء فاس مبنية على غير أساس لأنهم اعتقدوا أن في عنقنا للإمام العثماني بيعة وهذا لو صح لكان علينا حجة وليس الأمر كذلك وإنما له مجرد الاسم هنالك وعامل الجزائر إنما كان متغلبا وبالدين متلاعبا فأهلكه الله بظلمه وتطاوله على عباد الله وجوره وفسقه إن الله يمهل على الظالم حتى يأخذه فإذا أخذه لم يفلته ويدل على تغلبه واستقلاله عدم وقوفه عند أمر العثماني وامتثاله بل لا يكترث به أصلا ولا يتبع له قولا ولا فعلا كيف وقد أمره أن يعقد مع النصارى صلحا فلم يقبل له قولا ولا نصحا وطلب منه بعض الأموال ليستعين بها على ما حل به مع النصارى من الأهوال فامتنع غاية الامتناع ولم يمكنه من شبر منها فضلا عن الباع حتى أخذها العدو الكافر وهذا جزاء كل فاسق فاجر مال جمع من حرام سلط الله عليه الأعداء اللئام وهذا كله من هذا المتغلب متواتر مشاهد بالعيان مستغن عن إقامة الدليل والبرهان الناس كلهم عبيد الله وإماؤه والسلطان واحد منهم ملكه الله أمرهم ابتلاء وامتحانا فإن قام فيهم بالعدل والرحمة والإنصاف والصلاح مثل سيدنا نصره الله فهو خليفة الله في أرضه وظل الله على عبيده وله الدرجة عند الله تعالى وإن قام فيهم بالجور والعسف والطغيان والفساد مثل هذا المتغلب فهو متجاسر على الله في مملكته ومتسلط ومتكبر في الأرض بغير الحق ومتعرض لعقوبة الله الشديدة وسخطه هذا وعلى فرض تسليم أن للعثماني في عنقنا بيعة فلا تكون علينا حجة لأنه تباعد علينا قطره فلم يغن عنا شيئا ملكه لما بيننا وبينه من المفاوز والقفار والبحار والقرى والمدن والأمصار وربما قرب محله من جهة البحر لكن منعه الآن من ركوبه الكفار على أنه ثبت بتواتر الأخبار البالغة حد الكثرة والانتشار أنه مشتغل لنفسه ومقره عاجز عن الدفع عن إيالته القريبة من محله حتى أنه هادن النصارى خمس سنين على عدد كثير من المئين وأعطى فيه منهم ضامنا ليكون في المدة المذكورة على نفسه وحشمه آمنا فكيف يمكنه مع هذا الدفاع عن قطرنا وناحيتنا وبلدنا وأدل دليل على بعده عن هذا المرام خبر مصر ونواحي الشام فقد استولى عليها أعداء الدين مدة تزيد على الخمس سنين فلم يجد لهم نفعا ولا ملك عنهم دفعا حتى استعان بالعدو الكافر والله تعالى قد يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر هذا ونص الأبي في شرح مسلم مفصح عن مثل قضيتنا ومعلم على أن الإمام إذا لم ينفذ في ناحية أمره جاز إقامة غيره فيها ونصره فانتظار نصرته يؤدي إلى الهلاك كيف وقد تطاولت إليها الأعناق وتشوفت إليها من كل جانب العيون والأحداق فأعرضنا عن الكل صفحا وطوينا عنه الجوانب كشحا مقبلين إلى عتبة باب سيدنا نصره الله وسدته داخلين تحت طاعته ملتزمين لخدمته متوافقين مع القبائل والأمصار وأهل الرأي والاستبصار لعلمنا أن سيدنا نصره الله المتأهل في هذا الأمر العريق الجدير بالإمامة الحقيق كيف وقد ورثها كابرا عن كابر وإليهم انتهت المآثر والمفاخر فنطلب من سيدنا نصره الله أن يلتزم لنا بفضله من هذه البيعة القبول مستشفعين بجاه جده الرسول صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وصحابته المنتخبين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين اه ولما وقف السلطان رحمه الله على هذا الكلام قبل بيعتهم والتزمها وعقد عليهم لابن عمه المولى علي بن سليمان وأضاف إليه كتيبة من الجند من أعيان الودايا والعبيد ووجه الجميع مع أهل تلمسان بعد إكرامهم وتمام الإحسان إليهم وكتب إلى عامله القائد إدريس يستوصيه بالجميع خيرا ويكون بصيرة عليهم وأشركه في النظر والرأي مع المولى علي بل الاعتماد في الحقيقة إنما كان عليه وقد وقفت على كتاب الوزير أبي عبد الله بن إدريس بخط يده للقائد المذكور في هذه القضية يقول فيه ما نصه الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله محبنا وخال سيدنا الأرضى السيد إدريس بن حمان الجراري سلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته عن خير سيدنا أيده الله وبعد فقد وصلنا كتابك صحبة أعيان تلمسان وقبائل أحوازها فوقفنا معهم كل الوقوف وبذلنا المجهود فوق الطاقة وقبلهم مولانا وقابلهم بالإحسان والإكرام كما هو شأنه ذهابا وإيابا وهاهم وجههم مولانا مكرمين ورشح ابن عمه مولاي عليا للخلافة عليهم لما يعلم من عقله ودرايته وسياسته وأنه ذو نفس أبية لكون تلك النواحي لا يصلح لها إلا من اتصف بهذه الأوصاف ليميزوا حالة الساعة مع ما كانوا فيه وكما رشح مولانا ابن عمه المذكور رشحك لتكون واسطة بينهم وبينه لكون الأوصاف المذكورة موجودة فيك فكن عند الظن بك وإياك والطمع وازهدوا فيما في أيدي الناس وكل ما تحتاجون إليه مما لا بد منه أخبرونا به يصلكم ولا تكتموا عنا شاذة ولا فاذة واعلم أن مولانا انتخبك من وسط أبناء جنسك وقربك منه ولا زلت لديه في الترقي فالله الله فكن عند الظن بك بارك الله فيك آمين وقد أكرم سيدنا كل واحد بما يناسبه من الكسوة وصنع لهم في كل بلد دخلوه مهرجانا وأدخلهم سيدنا لوسط داره وجميع جناته وأماكن المملكة التي لا يدخلها إلا الخاصة غايته أنهم نالوا من العناية فوق الظن ووقفنا معهم فوق ما تحب وفيهم الكفاية ولم يبق إلا ما عندك فكن عند الظن بك فإن سيدنا نصره الله جرب غيرك وطرحه وهذا معيارك نسأل الله أن يكون معيار التبر الخالص وما وعدك به سيدنا سيرد عليك حين تستقر بالبلد ويحسن تصرفك على عين الحاضر والبادي وفي وصية سيدنا في كتابه الشريف مقنع وعلى المحبة والسلام في ثالث عشر ربيع الثاني عام ستة وأربعين ومائتين وألف محمد بن إدريس لطف الله به اه نص الكتاب بحروفه ولما وصل المولى علي إلى تلمسان وجه السلطان في أثره خمسمائة فارس ومائة رام وجماعة وافرة من حذاق الطبجية من أهل سلا ورباط الفتح فيهم ولد عامل سلا محمد ابن الحاج محمد أبي جميعة وكان من النجباء ثم لما دخل المولى علي تلمسان واستقر بها فرح به الحضر من أهل تلمسان واغتبطوا به وقدمت عليه الوفود من كل ناحية وأخذ عليهم البيعة للسلطان هو والقائد إدريس وانحرف عنه الكرغلية من الترك الذين كانوا إدالة بقصبة تلمسان من لدن قديم وحاصرهم المولى علي وقاتلهم مدة إلى أن ظفر بهم واستولى على ما في أيديهم وانحرف عنه أيضا قبيلتا الدوائر والزمالة من عرب تلك الناحية ويقال إن أصلهم من جند كان للمولى إسماعيل رحمه الله بعثه إدالة بتلك الناحية واستمروا هنالك وتناسلوا إلى هذا التاريخ فأظفر الله المولى عليا بهم وانتهب الجيش متاعهم ومتاع الكرغلية من قبلهم ونشأ عن ذلك من الفساد ما نذكره بعد هذا إن شاء الله وفي أوائل رمضان من السنة المذكورة خرج القائد إدريس من تلمسان في جماعة من الجيش الذين معه بقصد تدويخ القبائل الذين هنالك وأخذ البيعة على من لم يكن بايع منهم وكان الذين بايعوا هم أهل معسكر والحشم والمشاشيل منهم وبنو شقران والمرابطون أهل غريس وورغية وتحليت وحميان وغير هؤلاء ونص بيعتهم الحمد لله الذي أنار الخلافة وجه الزمان وأطلع في صحيفة غرته طوالع السعد واليمن والأمان وهدى من ارتضاه من الأنام للدخول تحت ظل راية مولانا الإمام والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه الطيبين وبعد فلما وفد على حضرة مولانا الخليفة أبي الحسن علي ابن أمير المؤمنين مولانا سليمان أعلى الله ثراه في عليين جميع القبائل المسطرة يمنته وقرأ عليهم كتاب مولانا المنصور ذي اللواء المنشور والسيف المشهور أمير المؤمنين مولانا عبد الرحمن ابن مولانا هشام أدام الله رعيه وجعل فيما يرضيه سعيه بمحضر خليفته الطالب الأرشد الماجد الأسعد القائد السيد إدريس الجواري وتلقوه بالإجلال والتعظيم والتبجيل والتكريم أشهدوا على أنفسهم أنهم عقدوا البيعة لمولانا الإمام أيده الله وأدام عزه وعلاه والتزموها بالسمع والطاعة وفي جيدهم انتظموها بيعة تامة مستوفية الشروط وافية العهود وثيقة الربوط قبلها الكل وارتضاها وأوجب العمل بمقتضاها فمن سمع ما ذكر ممن ذكر قيده في مهل جمادى الثانية عام ستة وأربعين ومائتين وألف وبعده علامة العدلين المتلقيين من رؤساء القبائل المذكورة فهولاء الذين بايعوا ومن لم يكن بايع بعد فهم الذين خرج القائد إدريس المذكور لأخذ البيعة عليهم كما قلنا والحاصل أن السلطان رحمه الله كان قد اعتنى بأمر هذه الناحية غاية الاعتناء وبذل المجهود في إمدادها بالعدد والعدد والمال مرة بعد أخرى وبعث الشريف البركة سيدي الحاج العربي بن علي الوزاني إلى أهل تلك البلاد يدعوهم إلى الطاعة ويحضهم على الدخول في أمر الجماعة لكونهم كان لهم فيه وفي سلفه اعتقاد كبير وبعث الشريف الأخير أبا محمد عبد السلام البوعناني فولاه خطة الحسبة بتلمسان وبعث من الكسي والرايات والأعلام والمدافع والمهاريس والبارود والرصاص شيئا كثيرا لكن لم يكن إلا ما أراده الله تعالى فافترقت كلمة العرب الذين هنالك لضعف إيمانهم وقلة همتهم فجلهم مال إلى الدخول في حزب النصارى عندما استولوا على مدينة وهران في هذه الأيام ثم سرى ذلك الاختلاف في قواد جيش السلطان فتنافسوا وتحاسدوا وكثر القيل والقال منهم على السلطان ثم ختموا عملهم بانتهاب أثاث الكرغلية وتقاعدهم عليه ثم بانتهاب مال الزمالة والدوائر وماشيتهم في جوار الشريف سيدي الحاج العربي بن علي الوزاني وفسد العمل وخاب الأمل فحينئذ رأى السلطان رحمه الله استرجاع تلك الجيوش التي لم يبق طمع في صلاحها بعد أن أمر بالقبض على القائد إدريس لكونه سعى به عنده وأنه شارك في نهب الكرغلية والزمالة والدوائر وتقاعد على النفيس من أثاثهم فرجعت الحلة وكان رجوعها في آخر رمضان من السنة المذكورة وفي هذه السنة منتصف جمادى الثانية منها حدثت زلزلة بقرية من قرى تلمسان تسمى البليدة فجعلت عاليها سافلها وهلك أهلها والأمر لله كيف شاء فعل

خروج جيش الودايا على السلطان المولى عبد الرحمن والسبب في ذلك

كان خروج جيش الودايا على السلطان المولى عبد الرحمن رحمه الله في المحرم فاتح سنة سبع وأربعين ومائتين وألف وكان السبب في ذلك أن الطاهر بن مسعود المغفري الحساني والحاج محمد بن الطاهر الغفري العقيلي والحاج محمد بن فرحون الجراري كانوا من كبار قواد هذا الجيش وأعيانه وكان السلطان رحمه الله يبعثهم في المهمات ويستكفي بهم في الأقطار النائية والجهات وكانوا هم يظهرون للسلطان الطاعة وهم في الباطن منحرفون عنه بسبب أن الدالة التي كانوا يدلون بها على السلطان المولى سليمان رحمه الله انقطعت عنهم مع السلطان المولى عبد الرحمن وزالت من أيديهم فكانوا يمرضون في الطاعة بعض الأحيان والسلطان يطويهم على غرهم ويلبسهم على عرهم إلى أن كان البعث إلى تلمسان فوجههم إليه فيمن وجه من أعيان الجيش ورؤسائه فكانت قوارصهم لا تنقطع عن الدولة وشغبهم لا يفتر من التطاول والصولة ثم كان نهب الزمالة والدوائر فأبدؤوا في ذلك وأعادوا وشايعهم على فعلهم القائد أحمد بن المحجوب البخاري وأظهروا عدم المبالاة بالسلطان وخليفته وعامله وكانت بينهم وبين القائد إدريس الجراري منافسة باطنية فخاف من الاعتراض عليهم فيما ارتكبوه من النهب أن يسدوا برأسه هذا الخرق فأسعفهم وانتهب معهم وكان ما قدمناه من استرجاع السلطان لذلك الجيش وبعث من قبض على القائد إدريس بوجدة وجيء به إلى تازا فسجن بها ولما وصل جيش تلمسان إلى عنق الجمل قرب فاس خرج إليهم القائد الطيب الوديني البخاري وكان واليا على فاس فقيل أراد أن يقبض عليهم بإذن من السلطان وقيل أراد أن يحوز منهم أرحلهم وحقائبهم التي ملؤوها من النهب وكان الودايا والعبيد لما فعلوا فعلتهم تحالفوا وتعاهدوا على أن يكونوا يدا واحدا على من أرادهم بسوء كائنا من كان فلما خرج إليهم الطيب الوديني تجهموه وهموا به فرجع أدراجه وأنهى ذلك إلى السلطان فأغضى عنهم ثم بعد أيام عزم السلطان على القبض على الحاج محمد بن الطاهر العقيلي فأحس هو بذلك فذهب إلى الطاهر بن مسعود وتطارح عليه وقال له إني مقبوض لا محالة فإن ولاك السلطان من أمري شيئا فأحسن ولا تؤاخذني بما كان مني إليك وقد كان الطاهر بن مسعود قبل هذه المدة عاملا بتارودانت فعزله السلطان بابن الطاهر فأساء إليه فلهذا قال له ما قال فقال الطاهر بن مسعود وأنت مقبوض قال نعم قال علي وعلي لا جرى عليك أمر تكرهه ما دمت حيا ثم إن السلطان أحضر الحاج محمد بن الطاهر وأحمد بن المحجوب فقرعهما وأمر بالقبض عليهما فقبض أعوان الودايا على أخيهم وقبض أعوان العبيد على أخيهم وخرجوا بهما إلى السجن مع العشي وكان الطاهر بن مسعود قد ترصد بباب دار السلطان للحاج محمد بن الطاهر ليفتكه وصاحبه فلما خرجا قام الطاهر بن مسعود إلى الأعوان فراودهم على إطلاق المسجونين فأبوا وقالوا إنهما مسجونان عن أمر السلطان فتصامم عن ذلك واستل خنجره وضرب إدريس البواب الوديي على ترقوته فخدشه وانتزع منه المسجون وتقدم لافتكاك أحمد بن المحجوب فأبى وانتهره وقال لا أخالف أمر السلطان وكان الودايا يظنون قيام العبيد معهم لحلفهم السابق فخذل الله فيما بينهم ثم أسرع الطاهر وابن الطاهر إلى فرسيهما فركباهما ونجوا إلى ناحية دار الدبيبغ وثارت المغافرة بباب دار السلطان وحملوا السلاح وأخرجوا البارود والرصاص وقامت شيعة السلطان لمدافعتهم فكثرهم الودايا وهزموهم حتى أغلقوا عليهم باب المشور وسأل السلطان عن الهيعة فأعلم بالخبر وكان معه الحسن بن حمو واعزيز فقال له يا مولانا إن هؤلاء ما جسروا على هذا الفعل ببابك حتى عزموا على ما هو أكثر فدعا السلطان بفرسه وركبه مع الغروب وخرج من باب البجاة ومعه ابن واعزيز وبعض أصحابه خيلا ورجلا ولما علم الودايا بخروج السلطان ركبوا بقضهم وقضيضهم من فاس الجديد ومن قصبة شراقة فأدركوا السلطان عند قنطرة عياد فنزلوا إلى الأرض يقبلون حوافر فرسه ويتشفعون له ويتبرؤون من فعل أولئك السفهاء وكان الحال إذ ذاك حال مطر خفيف والشمس قد غربت أو كادت تغرب فساعدهم رحمه الله على الرجوع وأشار عليه الحاج محمد بن فرحون بأن يذهب معه إلى قصبة شراقة وكانت يومئذ لأهل السوس فذهب معه إلى داره من غير أن يطمئن إليه ولكن ذلك الذي اقتضاه الحال في تلك الساعة ولما استقر بدار ابن فرحون اجتمع عليه المغافرة والودايا وأهل السوس وأساء عليه المغافرة الأدب بل عزموا على الفتك به ولكن الله تعالى وقاه شرهم فاختلفت كلمتهم وتذامر أهل السوس فيما بينهم وقالوا لا يبيتن السلطان الليلة إلا بداره واستنهضوه فنهض رحمه الله وركب فرسه وصحبوه إلى داره في ذلك الليل فاستقر بها وبعد ذلك بأيام انتقل السلطان إلى بستان أبي الجلود خارج فاس الجديد على حين غفلة من الودايا وانحاز شيعة السلطان إليه من العبيد وغيرهم ونزل جلهم بفاس القديم وبقي الودايا وحدهم بفاس الجديد ثم استدعى السلطان عبيد مكناسة فقدموا عليه ولما علم الودايا بعزم السلطان على الخروج من بين أظهرهم ساءهم ذلك وعلموا أنه إن خرج من بين أظهرهم لا يتركهم حتى يوقع بهم فراودوه على المقام وتنصلوا وأظهروا التوبة وتقدم سفهاؤهم إلى العبيد فأنشبوا معهم الحرب وهلك من الفريقين عدد ثم تدارك السلطان أمرهم وتلطف وطيب أنفسهم وأجمع على الخروج إلى مكناسة فخرج بثقله وأثاثه وأمواله وسلك طريق قبقب وعقبة المساجين كأنه يريد بلاد الغرب وخرج لتشييعه جماعة وافرة من أعيان الودايا ثم أنهم ندموا ونكسوا على رؤوسهم وربما سمعوا من العبيد بعض كلام فحميت أنوفهم وتحزبوا وأوقعوا بالعبيد فانهزموا عن السلطان وانتهب الودايا خيرته وأثاثه وقام عقالهم دون العيال حتى ردوه إلى الدار محفوظا مصونا ولم يفعلوا أحسن منها وأما المال والأثاث فقد أتى عليه النهب وكان شيئا كثيرا وتقدم السلطان رحمه الله لطيته وتبعه سفيه من سفهاء الودايا كان أراد الفتك فيه فحماه الله منه ووصل السلطان رحمه الله إلى مكناسة فاستقر بها واتصل خبر هذه الفتنة بالقائد إدريس بن حمان الجراري وهو مسجون بتازا فاحتال على سراح نفسه بأن افتعل كتابا على لسان السلطان وبعث به إلى عامل تازا فسرحه وكان السلطان رحمه الله قد بعث إلى القائد إدريس المذكور وهو بتلمسان أربع ورقات مختوما عليها بالخاتم السلطاني الكبير وأمره السلطان رحمه الله أن يحتفظ بتلك الورقات ولا يستعمل واحدة منهن إلا في أهم المهمات مما يتوقف عليه غرض السلطان والدولة ولا تمكن مشاورته فيه لبعد المسافة بين فاس وتلمسان فعمد القائد إدريس إلى واحدة من تلك الورقات فكتب فيها بتسريحه فسرح وجاء يجد السير إلى فاس وبنفس وصوله كتب إلى السلطان يعلمه بما صنع وأنه لا زال على ما يعهد مولانا من بذل النصح والسعي في صلاح السلطان والجيش فأجابه السلطان رحمه الله بما نصه وبعد فقد وصلنا كتابك وعرفنا ما فيه والحمد لله على سلامتك وما

وجهنا لك إلا بقصد أن نسرحك لأننا تحققنا أنك كنت مغلوبا عليك فلا عهدة عليك بل من تمام عقلك مساعدتك لمن نهب ولو منعتهم من ذلك لتفاقم الأمر هنالك وأنت عليك الأمان ظاهرا وباطنا في الحال والاستقبال فلا تخش من شيء أبدا فإنك ممن نتهمه بالدين والعقل والصدق وقد عاينت وسمعت ما صدر من إخواننا من النزعة الشيطانية ولا ينبغي أن نقابلهم بمثل ما قابلنا به من لاعقل له منهم وإن قابلناهم به لا نلتقي أبدا وأنت اسع في الخير والصلاح ما أمكنك وتحمل لهم عنا بالأمن من كل ما يخافونه من جانبنا فجسارتهم أولى من صلاح القبائل فقف على ساق الجد لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير مما طلعت عليه الشمس والسلام في السابع عشر من المحرم فاتح عام سبعة وأربعين ومائتين وألف انتهى لفظ الكتاب الشريف ثم إن القائد إدريس أحسن القيام على عيال السلطان الذين بقوا بفاس الجديد وكان فيهم حظيته المولاة فاطمة بنت المولى سليمان وتقدم القائد إدريس إلى أمين الصائر من قبل وقال له ما كنت تدفع إلى دار السلطان كل يوم من دقيق ولحم وإدام وغير ذلك فاكتب لي بقدره وابعث إلى به فأحصاه الأمين المذكور وبعث إليه به فصار يبعث بذلك القدر إلى دار السلطان كل يوم وانقطع الماء ذات يوم عن دار السلطان فكان القائد إدريس يحمل قرب الماء إليها كل يوم وأصلح القنوات وجد في ذلك حتى رجع الماء إلى مجراه ثم إن السلطان رحمه الله استنفر قبائل الغرب كلها حوزا وغربا وثغورا فقدموا مكناسة على بكرة أبيهم وسمع الودايا بذلك فاستدعوا الشريف سيدي محمد بن الطيب من بعض الأعمال والتفوا عليه وبايعوه فحينئذ تبرأت منهم القبائل التي كانت تعدهم بالقيام معهم من مجاوريهم لأن سيدي محمد بن الطيب كانت قبائل المغرب قد تناذرته منذ أيام ولايته على تامسنا ودكالة وفعله بأهلها الأفاعيل فكان مبغضا عند العامة وزحف السلطان إلى فاس الجديد فحاصرهم بها ونصب عليهم المدافع والمهاريس وتعاقب عليهم الرمي بها من محلة السلطان بعين قادوس ومن بستيون أبي الجلود وبستيون باب الجيسة وبستيون باب الفتوح ودام الحصار أربعين يوما والحرب لا تنقطع في كل وقت وكان الودايا يرمون أيضا بالكور والبنب وابلى بنوحسن في تلك الأيام البلاء الحسن ثم إن السلطان عزم على البناء عليهم وجلب اللواحين فشرعوا في العمل وسئم الودايا الحرب وملوها فأذعنوا إلى الصلح وسعى في الوساطة بينهم وبين السلطان الأمين الحاج الطالب ابن جلون الفاسي فأمنهم السلطان على شرط الخروج من فاس الجديد فأذعنوا ثم بعثوا شفاعاتهم بالمشايخ والصبيان والألواح على رؤوسها ومعهم سلطانهم ابن الطيب فسامح رحمه الله الجميع وقال لهم في جملة ما قال الحمد لله إذ لم أغلبكم ولم تغلبوني لأني لو غلبتكم لذبحت هذه الجيوش أولادكم ولم أقدر أن أردها عنكم ولو غلبتموني لفعلتم كل ما تقدرون عليه فهذا من لطف الله بي وبكم قلت وهذا كلام دال على وفور عقل السلطان رحمه الله وكمال شفقته ورحمته ثم لما عزم السلطان على النهوض إلى مكناسة ولى على جيش الودايا كله القائد إدريس بن حمان الجراري وذلك في الحادي والعشرين من جمادى الثانية سنة سبع وأربعين ومائتين وألف ثم نهض إلى مكناسة فاحتل بها ولما حضر عيد الفطر قدمت الوفود على السلطان بمكناسة واستقامت الأحوال وكتب رحمه الله إلى القائد إدريس أن يحضر العيد في جماعة وافرة من إخوانه نحو الخمسمائة فحضروا ودخلوا على السلطان ذات عشية بالمشور فوبخهم حتى ظن الناس أنه يقبض عليهم ثم سرحهم فعادوا إلى فاس الجديد ولما عزم السلطان رحمه الله على النهوض إلى مراكش قدم أولا فاسا ونزل خارج البلد ونظر في شأنه وشأن الجيش والرعية ثم ارتحل يريد مراكش فلما انفصل عن فاس بيوم أو يومين كتب إلى القائد إدريس يأمره أن يبعث إليه بالطاهر بن مسعود والحاج محمد بن الطاهر يذهبان معه إلى مراكش بقصد الخدمة بها مع ولده وخليفته سيدي محمد بن عبد الرحمن فذهبا على فرسيهما مسرحين إلا أنهما كانا حذرين من السلطان لما قدما من الفعل الشنيع الذي كان سبب هذه الفتنة العظيمة فقدما مراكش وترتبا في الخدمة مع الخليفة المذكور وانسلخت هذه السنة وفيها عزل السلطان وزيره الفقيه أبا عبد الله محمد بن إدريس وامتحنه وبقي عاطلا مدة ثم رده إلى خطته وكان السلطان في مدة تأخيره إياه قد استوزر مكانه الفقيه العلامة الأديب السيد المختار بن عبد الملك الجامعي فقام بأعباء الخطة وبرز فيها رحمه الله وفيها بنى السلطان رحمه الله المارستان الكبير على ضريح ولي الله تعالى أبي العباس أحمد بن عاشر بسلا وكان على ضريح الولي المذكور القبة والمسجد فقط فأدار السلطان رحمه الله على ذلك كله مارستانا كبيرا وبنى به مسجدا آخر وبيوتا للمرضى تنيف على العشرين وأجرى إليه الماء وجعل ميضأة بإزاء المسجد للرجال وأخرى شرقيها للنساء فجاء ذلك من أحسن الأعمال وكتب الله أجره في صحيفة السلطان ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين وألف ففي صفر منها ورد على القائد إدريس كتاب من عند السلطان وهو يومئذ لا زال برباط الفتح يأمره أن يبعث إليه بالحاج محمد بن فرحون الجراري فوصل إليه مسرحا فقبض عليه وبعثه إلى الصويرة وبإثر ذلك ورد على السلطان كتاب من عند ولده سيدي محمد يعلمه بأنه قبض على الطاهر بن مسعود والحاج محمد بن الطاهر لكونهما لم يقلعا عن ضلالهما وشيطنتهما حتى أنهما عزما على اغتياله بمصلى عيد الأضحى من السنة الفارطة فحماه الله منهما ولما وصل السلطان إلى مراكش صار يكتب إلى القائد إدريس برؤوس الفتنة والقبض عليهم واحدا بعد واحد إلى أن استوفى جلهم وكان القائد إدريس في هذه المدة قد أحس بأن باطن السلطان لا زال متغيرا على الودايا فألح عليه في البحث والاستكشاف عما هو مضمره لهم وما يريد بهم وما الذي يجلب رضاه عنهم ويصفي باطنه عليهم فكتب إليه السلطان رحمه الله كتابا أفصح فيه عن مراده يقول فيه بعد الافتتاح والطابع الشريف بينه وبين الخطاب ما نصه خالنا الأرضى القائد إدريس الجراري سلام عليك ورحمة الله تعالى وبعد فاعلم بأنك طلبت منا مشافهة وكتابة أن نعرب لك عن مرادنا ونطالعك بغاية قصدنا وأمنيتنا في الجيش وما يجلب رضانا عنهم وكنا نجيبك عن ذلك جوابا إقناعيا لعدم وثوقنا وقتئذ بصدق لهجتك وكان يخيل لنا أنك تباحثنا على جهة الاطلاع على خبيئة أمرنا والآن اتضح ما أنت عليه من الصدق ووفور المحبة وخلوص النية حتى صرت به كأحد أولادنا ( وليس يصح في الأذهان شيء % إذا احتاج النهار إلى دليل ) وعليه فأنت أولى من نبثه سرنا ولا ندخر عنه شيئا من دخيلة أمرنا فاعلم أرشدك الله أن من بارزنا بالسوء قولا وفعلا من ذلك الجيش هم المغافرة كافة واستوى في ذلك كبيرهم وصغيرهم قويهم وضعيفهم ولم يلف منهم رجل رشيد ولو ساعدهم الودايا وأهل السوس وخلوا بينهم وبين هواهم لكان ما أرادوه من تلف مهجتنا ولكن الله سلم ولا يخفى على أحد ما استوجبوه لذلك شرعا وطبعا ولسالف خدمتهم وكظم الغيظ المرغب فيه ارتكبنا في جانبهم أخف ما أوجبه الله تعالى على أمثالهم قال جل علاه @QB@ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا @QE@ المائدة 33 الآية وقد آليت على نفسي وأشهدت الله وملائكته أن لا يضمني سور فاس الجديد والمغافرة به فهذا هو محض الصدق والآن بين لنا كيف يكون العمل في ذلك وما نقدم وما نؤخر لأن المراد قضاء الغرض من غير مشقة ولا فضيحة للجيش وهل تفشي هذا أو تكتمه وعلى تقدير امتثالهم عين لنا أي محل ينتقلون إليه من ثغور إيالتنا كالرباط وغيره أو قصبة مراكش فإن النفس لم تسمح بهم بالكلية بل المراد زجرهم وإقامة بعض حق الله فيهم ويحصل لنا الاطمئنان والسكينة ونبر قسمنا فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين وما ذكرت من أنا عاهدناك ووعدناك بالإحسان والتنويه بشأنك فإنه وعد صدق لا مرية فيه إن شاء الله وكيف وقد استوجبت منا كل جميل وقدمك لمعالي الأمور عقلك وصدقك ولو ألفينا في الجيش مثلك لضممنا عليه البراجم والرواجب وفعلنا في جانبه ما هو الواجب وقد اقتصرت حيث طلبت أن تكون بمنزلة القائد قدور بن الخضر عند سيدي الكبير رحمهما الله فأنت عندنا بمنزلة أعظم من منزلته واليد التي اتخذت عندنا أعظم مما اتخذ هو عند سيدي الكبير قدس الله سره فقد جازاه على الصدق فقط أما أنت فقد شاركته في هذه المرتبة وفقته بما هو أعظم وهو إحسانك لعيالنا وأولادنا ولولا أنت لهلكوا جوعا فلا يكفر هذه الضيعة إلا لئيم وحاشانا الله من ذلك فطب نفسا وقر عينا فلك عندنا من المكانة والخطوة مالو اطلعت على حقيقته لطربت سرورا ونشاطا وسترى إذا انجلى الغبار ولا زال أهلنا يتذكرون إحسانك إليهم بحضرتنا ويلتمسون لك الدعاء الصالح من جانبنا وفي الحديث ما معناه أن أمرأة من بني اسرائيل أبصرت كلبا يلعق الحمئة من شدة العطش فسقته فغفر الله لها فكيف بمن أسدى معروفا لجماعة انقطع رجاؤهم إلا من الله والله لن يخزيك الله أبدا والسلام في ثامن عشر رمضان المعظم عام ثمانية وأربعين ومائتين وألف اه نص الكتاب ثم إن الله تعالى هيأ للسلطان أمره في الودايا وألهمه رشده فيهم فأمر أولا بنقل رحى المغافرة إلى قصبة الشرادي من أعمال مراكش وظن الناس أنه يقتصر على ذلك لأنه رحمه الله لم يكن يظهر إلا أنه يريد نقل المغافرة فقط ثم نقل رحى الودايا إلى العرائش وأحوازها ثم ردهم إلى جبل سلفات ثم بعد ذلك بمدة يسيرة نقل رحى أهل السوس إلى رباط الفتح فأنزل حلتهم بالمنصورية على شاطىء وادي النفيفيخ وقوادهم ووجوههم بقصبة رباط الفتح ثم رد الحلة بعد مضي ست سنين إلى قصبة تمارة قرب رباط الفتح وكانت متلاشية فأمر السلطان بعد سنتين أو ثلاث بترميمها وإصلاحها وكان رحمه الله قد أسقط هذا الجند الوديي من الجندية وأعرض عنه بالكلية سنين ثم استردهم في حدود الستين كما سيأتي ولما أخلى السلطان فاسا الجديد من جيش الودايا بأسره وكان بمراكش بعث بالطاهر بن مسعود وبالحاج محمد بن الطاهر فسجنا به مدة ثم قدمت عريفة الدار الحاجة زويدة بكتاب من عند السلطان على ولده سيدي محمد بفاس يتضمن الأمر بقتل الطاهر وابن الطاهر بالمحل الذي افتك فيه الأول الثاني فأخرجا إلى المحل المذكور وحضر الوصيف القائد فرجى وقدم الطاهر بن مسعود فأخرجت فيه عمارة وحز رأسه ثم قدم الحاج محمد بن الطاهر ففعل به مثل صاحبه فيقال إنه زهقت نفسه قبل القتل لأنه لم يسل منه دم وأما الطاهر بن مسعود فسال منه دم كثير وأمر سيدي محمد ولد السلطان بمواراته فووري وأما ابن الطاهر فإنه رمي على المزبلة ووكل به الحرس إلى أن أكلته الكلاب ولم يبق إلا رجلاه بالقيد وكان ذلك في حدود خمسين ومائتين وألف وأما ابن فرحون وأصحابه فإنهم استمروا في سجن الجزيرة إلى أن هلكوا واعلم أن هذه الوقعة الهائلة دالة على كمال عقل السلطان ووفور حلمه وفضله حتى أنه ما عامل هؤلاء القوم الذين آذوه أشد الإذاية إلا ببعض البعض مما استوجبوه كما قال وكما رأيت وعلمت ونسأله سبحانه وتعالى أن يتغمدنا والمسلمين برحمته ويقينا وإياهم مصارع السوء وينيلنا الأمن في الدنيا والفوز في الآخرة بجنته إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير

ظهور الحاج عبد القادر بن محيي الدين المختار بالمغرب الأوسط وبعض أخباره

لما رجع جيش السلطان من تلمسان مع المولى على بن سليمان حسبما مر بقي أهل تلمسان فوضى ورجعت الحرب بين الحضر من أهلها والكرغلية جذعة وهاجت الفتن بين قبائل العرب الذين هنالك واختلط الحابل بالنابل وكان الفقيه المرابط محيي الدين عبد القادر المختاري نسبة إلى أحد أجداده المشهورين بتلك الناحية نازلا وسط حلة الحشم عند المشاشيل منهم وكان متظاهرا بالخير وتدريس العلم واتخذ زاوية لطلبة العلم وقراء القرآن فاشتهر عند أولئك القبائل واعتقدوه فلما دهم العدو أهل تلك البلاد وجاشت فيما بينهم الفتن اجتمع الحشم وبعض بني عامر وتفاوضوا فيما نزل بهم فأجمع رأيهم على بيعة الشيخ محيي الدين المذكور فذهبوا إليه وعرضوا عليه ما في أنفسهم فتجافى عن منصب الرياسة وأظهر الورع واعتذر بأنه قد شاخ وذهب منه الأطيبان وإنما هو هامة اليوم أو غد فسدكوا به وتطارحوا عليه فأشار عليهم بولده الحاج عبد القادر بن محيي الدين وكان له يومئذ عدة أولاد ليس الحاج عبد القادر أكبرهم ولا أعلمهم ولا أصلحهم وإنما كان فيه مضاء وإقدام فأسعفوه بشرط أن يكون نظره منسحبا عليه ومشيرا بما تدعو الضرورة إليه ولما تم أمر الحاج عبد القادر جمع كتيبة من بني عامر والحشم وزحف إلى وهران وكانت يومئذ في ملكة النصارى قد استولوا عليها منذ ستة أشهر أو سبعة فأوقع بهم وقعة شنعاء قتل فيها وأسر وأبلغ في النكاية ورجع مظفرا منصورا فتيمنوا به وأحبوه وتمكن منهم ناموسه واتخذ عسكرا من الحشم وبني عامر لا بأس به ولما سمع به أهل تلمسان وهم أحوج ما كانوا إلى من يقوم بأمرهم وفدوا عليه وأخبروه بما كان منهم من مبايعة السلطان المولى عبد الرحمن صاحب مراكش وفاس وأنهم يبايعونه على بيعته والإعلان بدعوته فأجابهم الحاج عبد القادر إلى ذلك وأخذ عليهم البيعة وأظهر الطاعة والانقياد للسلطان المولى عبد الرحمن وخطب به على منابر تلمسان وغيرها وولى على تلمسان وأعمالها وزيره أبا عبد الله محمد البوحميدي الولهاصي وكتب إلى السلطان يعلمه بأنه بعض خدمه وقائد من قواد جنده واستقام أمر الحاج عبد القادر وثبتت قدمه في تلك الإيالة التلمسانية ثم إن قبيلتي الزمالة والدوائر الذين قدمنا ذكرهم انحرفوا عن الحاج عبد القادر لأسباب منها أنهم كانوا معادين للحشم ولما قرب الحاج عبد القادر الحشم وجعلهم جنده ازدادت عداوتهم ونفرتهم عن الحاج عبد القادر وساروا إلى وهران وأعلنوا بدعوة الفرنسيس فقبلهم وحماهم وحدثت بينه وبين الحاج عبد القادر بسببهم حروب صعبة حدثني الأمين السيد الحاج عبد الكريم ابن الحاج أحمد الرزيني التطاوني قال ذهبت سنة سبع وأربعين ومائتين وألف إلى مدينة وهران بقصد التجارة بها وذلك عقب استيلاء الفرنسيس عليها قال وكنت يومئذ في سن الشباب حين بقل عذاري فأقمت بها مدة وكان الحاج عبد القادر بن محيي الدين إذ ذاك مهادنا لكبير الفرنسيس بوهران والجزائر قد أنزل كل واحد منهما ببلد الآخر قنصله وتجاره على العادة في ذلك أيام الهدنة فلما كان ذات يوم ورد الخبر بأن قبيلتي الزمالة والدوائر من إيالة الحاج عبد القادر وهم نحو الألفين كانوا قد فروا منه ونزلوا حول مدينة وهران مستجيرين بالفرنسيس وقد رفعوا سنجقة وأعلنوا بأنهم تحت حكمه ومن جملة رعيته فبعث إليهم الفرنسيس يعلمهم بأنه قد قبلهم ولا يصيبهم مكروه فلما كان من الغد بعث الحاج عبد القادر مع كبير دولته الحاج الحبيب ولد المهر المعسكري كتابا إلى الفرنسيس يقول فيه إنك قد علمت أن هؤلاء القوم الذين فروا إليك هم رعيتي ومن إيالتي وعليه فلا بد أن تردهم علي وإلا فالحرب بيني وبينك فامتنع الفرنسيس من ردهم وأجاب إلى الحرب واتفقوا أن يخرج كل منهما إلى الآخر تجاره الذين في أرضه وأن من بقي منهم بعد ثلاث فهو هدر واتفقوا أيضا على أن يكون القنصلان آخر من يخرج وأن يكون خروجهما في ساعة معلومة من الليل بحيث يلتقيان على المحدة التي بين أرض المسلمين وأرض النصارى ففعلوا وخلص كل إلى مأمنه ولما انقضى الأجل تزاحفوا للقتال في يوم معلوم فكانت بينهم حرب يشيب لها الوليد ولما كان عشي النهار سمع الناس من داخل البلد ضوضاء وجلبة عظيمة وبارودا كثيرا وإذا بالحاج عبد القادر هزم الكفار هزيمة شنعاء حتى ألجأهم إلى سور البلد وازدحموا على أبوابه وركب بعضهم بعضا وجاءت خيالتهم من خلفهم فركبوهم أيضا ومشوا عليهم ورفسوهم بخيلهم فهلك بهذا الازدحام من الفرنسيس نحو أربعة آلاف دون الذين هلكوا خارج البلد بالكور والرصاص والتوافل والرماح واستولى المسلمون على معسكر النصارى بما فيه من مدافع وعجلات وفساطيط وأخبية وأثاث وكانت فتكة بكرا قال الحاج عبد الكريم المذكور وكنت في تلك المدة مساكنا لبعض كبراء عسكر الفرنسيس في دار واحدة فلما انقضت الوقعة بيوم أو يومين سألته كم تراه يكون هلك من عسكر الفرنسيس في هذه الوقعة قال أقرب لك أم أبعد قلت بل أقرب قال أنا كبير من كبراء العسكر وتحت نظري ثمان عشرة مائة بقي منها في هذه الوقعة ثمانية عشر عسكريا انتهى كلام هذا المخبر ثم إن الزمالة والدوائر لجوا في موالاة الفرنسيس وأحكموا أمرهم معه وولوا عليهم رجلا منهم يقال له المصطفى بن إسماعيل كان هو السبب الأكبر في تملك الفرنسيس بلاد المغرب الأوسط وجل الحروب التي كانت تكون بين المسلمين والنصارى في تلك المدة على يده إلى أن قتل منتصف سنة تسع وخمسين ومائتين وألف ضاعف الله عليه غضبه ونقمته ولما اتصل بالسلطان المولى عبد الرحمن رحمه الله ما عليه الحاج عبد القادر من جهاد عدو الدين وحماية بيضة المسلمين أعجبه حاله وحسنت منزلته عنده لأنه رأى أنه قد قام بنصرة الإسلام على حين لا ناصر له فصار السلطان رحمه الله يمده بالخيل والسلاح والمال المرة بعد المرة على يد الأمين الحاج الطالب بن جلون الفاسي وغيره وطالت الحرب بينه وبين الفرنسيس واستولى الفرنسيس في بعض الكرات على تلمسان وضايقه الحاج عبد القادر فيها حتى أخرجه منها ثم استردها الفرنسيس بعد معارك شديدة ومواقف صعبة إلا أن ضرر الحاج عبد القادر للفرنسيس كان مقصورا على قتل النفوس واستلاب الأموال وأما الفرنسيس فكان ضرره بالمسلمين عائدا على تملك بلادهم وتنقصها من أطرافها ودام ذلك مدة من ست عشرة سنة وبالجملة فلقد كان الحاج عبد القادر هذا في أول أمره على ما ينبغي من المثابرة على الجهاد والدرء في نحر العدو ولولا أنه انعكس حاله في آخر الأمر وخلصت الأرض للفرنسيس والله غالب على أمره وفي سنة خمسين ومائتين وألف ولد مؤلف هذا الكتاب أحمد بن خالد الناصري السلاوي أخبرتني والدتي الست فاطمة بنت الفقيه السيد محمد بن محمد بن قاسم بن زروق الحسني الإدريسي الجباري أني ولدت بعد طلوع الفجر صبيحة يوم السبت الثاني والعشرين من ذي الحجة من السنة المذكورة وفي محرم فاتح سنة إحدى وخمسين ومائتين وألف توفي الوزير الشهير السيد المختار بن عبد الملك الجامعي بمراكش واستوزر السلطان بعده الفقيه أبا عبد الله محمد بن علي الحاجي النكنافي مدة يسيرة ثم أخره ورد وزيره الأقدم أبا عبد الله محمد بن إدريس رحم الله الجميع وفي هذه السنة كان الوباء بالمغرب بالإسهال والقيء وغور العينين وبرودة الأطراف وفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين وألف ورد سؤال من عند الحاج عبد القادر بن محيي الدين إلى علماء فاس يقول فيه ما نصه الحمد لله سادتنا الأعلام أئمة الهدى ومصابيح الظلام فقهاء الحضرة الإدريسية ومرمى المطالب ومحط الرحال العيسية أطباء أدواء الدين ومحقين حقه ومبطلين باطله ومنتجين قضاياه المتخيلة عقيمة وباطلة جوابكم أبقاكم الله فيما عظم به الخطب واشتد به الكرب بوطن الجزائر الذي صار لغربال الكفار جزائر وذلك أن العدو الكافر يحاول ملك المسلمين مع استرقاقهم بالسيف وتارة بحيل سياسته ومن المسلمين من يداخلهم ويبايعهم ويجلب الخيل إليهم ولا يخلو من دلالتهم على عورات المسلمين ويطالعهم ومن أحياء العرب المجاورين لهم من يفعل ذلك ويتمالؤون على الجحود والإنكار فإذا طلبوا بتعيينه جعجعوا والحال أنهم يعلمون منهم الأعين والآثار فما حكم الله في الفريقين في أنفسهم وأموالهم فهل لهم من عقاب أم يتركون على حالهم وما الحكم فيمن يتخلف عن المدافعة عن الحريم والأولاد إذا استنفره نائب الإمام للدفاع والجلاد فهل يعاقبون وكيف عقابهم ولا يتأتى بغير قتالهم وهل تؤخذ أموالهم وأسلابهم كيف العمل فيمن يمنع الزكاة أو يمنع بعضها من التحقق بعمارة ذمته في الحال فهل يصدق مع قلة الدين في هذا الزمان أم يكون للاجتهاد فيه مجال ومن أين يرزق الجيش المدافع عن المسلمين الساد ثغورهم عن المغيرين ولا بيت مال وما يجمع من الزكاة لا يفي بشبعهم فضلا عن كسوتهم وسلاحهم وخيلهم ومؤنتهم وزيهم فهل تترك فيستبيح الكافر الوطن أم يكون ما يلزمهم على جماعة المسلمين وإذا كان فهل على العموم أم على الأغنياء فقط ولا يمكن اختصاص الأغنياء لجفوة الأعراب وجهلهم وهل يعد مانع المعونة باغيا أم لا وما حكم أموال البغاة وهل القول بعدم ردها يجوز العمل به أم لا أجيبوا عما ذكرنا وعما يناسب المقام والحال مما لم يحضرنا داووا عللنا أبقاكم الله فقد ضاق من هذه الأمور الذرع وكاد القائم بأمر المسلمين لضيق الأسباب أن يتخلى عن الأمر ويطرح ثوب الإمارة والدرع مأجورين والسلام في تاسع عشر من ذي الحجة من السنة المذكورة صدره عن إذن الحاج عبد القادر بن محيي الدين لطف الله به وقد أجاب عن هذا السؤال بإشارة السلطان الفقيه العلامة أبو الحسن علي بن عبد السلام مديدش التسولي بجواب طويل يشتمل على خمس كراريس وزيادة وهو موجود بأيدي الناس ولأجل ما كان يصل من هذه الأمور من جانب الحاج عبد القادر كان السلطان رحمه الله يبذل مجهوده في إمداده بالخيل والسلاح والمال وغير ذلك ثم لم يكن إلا ما أراده الله وفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين وألف بعد ظهر يوم السبت العشرين من ربيع الأول منها توفي الفقيه العلامة المتفنن المحدث أبو العباس أحمد بن الحاج المكي السدراتي السلاوي ودفن صبيحة يوم الأحد في الجبانة التي قرب ضريح ولي الله تعالى سيدي الحاج أحمد بن عاشر وشهد جنازته خلق كثير وأمهم الفقيه العلامة القاضي أبو عبد الله محمد الهاشمي طوبى وللفقيه أبي العباس المذكور شرح حفيل على موطأ الإمام مالك رضي الله عنه وهو موجود بأيدي الناس وفي سنة أربع وخمسين بعدها وذلك صبيحة يوم الجمعة السادس والعشرين من رمضان منها توفي الفقيه العلامة القاضي أبو عبد الله طوبى المذكور آنفا وكان رحمه الله من قضاة العدل وأهل العلم بالنوازل والأحكام محمود السيرة ذا سكينة ووقار وفي سنة ست وخمسين ومائتين وألف وذلك في سابع جمادى الأولى منها كمل بناء المنار بالمسجد الأعظم من سلا وكان المنار الذي قبله قد أصابته صاعقة تداعت لها أركانه فأمر السلطان رحمه الله بنقضه وإعادته جديدا فأعيد على هيئة متقنة أحسن مما كان وأعظم وصير عليه بواسطة أمناء مرسى العدوتين ثلاثة آلاف مثقال وأربعمائة مثقال وأربعة وعشرون مثقالا وست أواق وثلث الأوقية والريال الكبير يومئذ من سعر ست عشرة أوقية وكان جل الصائر من بيت المال وأقله من مال الحبس وكان الذي يتولى النظارة يومئذ والقيام على البناء عامل سلا الأبر الأخير السيد الحاج أحمد بن محمد بن الهاشمي عواد وفي سنة ثمان وخمسين ومائتين وألف توفي الفقيه العلامة المحقق البارع أبو الحسن علي بن عبد السلام التسولي المدعو مديدش صاحب الشرح الكبير على تحفة ابن عاصم في الأحكام وشرح الشامل وحاشية الزقاقية وغير ذلك من التآليف الحسان رحمه الله ونفعنا به وفي منتصف سنة تسع وخمسين ومائتين وألف غزا السلطان المولى عبد الرحمن رحمه الله قبيلة زمور الشلح وكانوا قد تجاوزوا الحد في الإفساد وإخافة العباد والبلاد فأوقع بهم وقعة شنعاء كسرت من حدهم وفلت من غربهم وكتب السلطان رحمه الله في ذلك إلى ولده وخليفته سيدي محمد كتابا من إنشاء وزيره أبي عبد الله بن إدريس يقول فيه ما نصه ولدنا الأرضى الأبر الأرشد سيدي محمد أصلحك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد فقد كنا أردنا الإبقاء على قبيلة زمور رحمة وإشفاقا وحملهم على الاستقامة بالإرهاب من الشدة في بعض الأمور هداية وإرفاقا فلم يرد الله بهم خيرا لفساد نيتهم وخبث طويتهم واتكالهم على حولهم وقوتهم فما رأوا منا لينا وسدادا إلا ازدادوا شدة وفسادا ولا أظهرنا لهم عظة وإرشادا إلا أظهروا تطاولا وعنادا وما أخرنا المحلة المنصورة عن الركوب إليهم إبقاء وألفا إلا ظنوا ذلك عجزا وضعفا قد طمس الإعجاب منهم بصرا وسمعا ولم يروا أن الله قد أهلك من قبلهم من القرون من هو أشد منهم قوة وأكثر جمعا ( إذا أنت أكرمت الكريم ملكته % وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا ) ( ووضع الندا في موضع السيف بالعلى % مضربه كوضع السيف في موضع الندا ) فلما رأينا لجاجهم في عمالهم وعدم رجوعهم عن هواهم وأنهم لم يعتبروا بجلائهم عن بلادهم ولا بما أصابهم من الفتنة في أنفسهم وأولادهم ولم يراعوا ما نهب من زرعهم القائم والحصيد ولا ما استخرج من مخزونهم الكثير العتيد رأينا قتالهم شرعا وجهادهم ذبا عن الدين ودفعا فاعتمدنا على حول الله وقوته وأمرنا بالزيادة عليهم في الأخذ والتضييق والمبالغة في النهب والتحريق وتركهم محصورين في أوعارهم ومقهورين في أوكارهم إذ رب مطاولة أبلغ من مصاولة فتوالت عليهم الغارات وتتابعت عليهم النكبات لا يجدون إلى الراحة سبيلا أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ففي كل يوم تثمر العوالي رؤوس رؤسائهم وتتخطف أيدي المنايا أهل بأسائهم وكلما رادوهم إقداما وطلبا ازدادوا توغلا في الجبال وهربا حتى نهكتهم الحرب وضرستهم موالاة الطعن والضرب وضاع بالحصار الكسب والمال ولحق الضرر الأولاد والعيال فجعلوا يرحلون لقبائل جوارهم طالبين لحلفهم وجوارهم وبلغ البؤس فيهم غايته وأظهر الله فيهم آيته وهم في خلال هذا كل حين يتشفعون ويتذللون في قبول توبتهم ويتضرعون ونحن نظهر لهم التمنع والإباية لنبني أمرهم على أساس الجد ونجازيهم على ما ارتكبوه من خلف الوعد فلما أنجزت القهرية فيهم وعدها وبلغت العقوبة فيهم حدها قابلنا إساءتهم بالإحسان وراعينا فيهم وجه المساكين والنساء والصبيان فولينا عليهم منهم ثلاثة عمال ووظفنا عليهم خمسين ألف مثقال وشرطنا عليهم تقويم مائتين من الحراك مثل قبائل الطاعة والتزام الصلاح والخدمة جهد الاستطاعة فقاموا بذلك أحسن قيام وأعطوا المراهين في أداء المال بعد أيام وكان أخذهم بعد تقديم الأعذار وتكرير الإنذار وعفونا عنهم عفو غلب واقتدار ورب عقاب أنتج حسن طاعة وتوبة نصوح تداركت ما سلف من التفريط والإضاعة وفي الناس من لا يصلح إلا مع التشديد وربك يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد ( وما عن رضى منها عطية أسلمت % ولكنها قد قادها للهدى القهر ) ( أردنا بها الإبقاء فازداد عجبها % وأدبها التشديد والفتك والأسر ) ولو قيدوا النعمة بالشكر لأمنوا الزوال @QB@ وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال @QE@ الرعد 11 والسلام في فاتح رجب الفرد الحرام عام تسعة وخمسين ومائتين وألف اه نص الكتاب الشريف

انتقاض الهدنة مع الفرنسيس وتمحيص المسلمين بإيسلي قرب وجدة والسبب في ذلك

كانت الهدنة معقودة بين هذه الدولة الشريفة وبين جنس الفرنسيس من لدن دولة السلطان الأعظم سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله ولما حدث الشنآن بين ترك الجزائر والفرنسيس واستولى الفرنسيس على ثغورهم جاء أهل تلمسان إلى السلطان المولى عبد الرحمن رحمه الله راغبين في بيعته والدخول في طاعته فقبلهم بعد التوقف والمشاورة كما مر ولما أعرى جيش السلطان تلمسان واجتمع أهل ذلك القطر على الحاج عبد القادر محيي الدين تحت كلمة السلطان بر به وأحسن إليه وقاوم الفرنسيس بتلك البلاد أشد المقاومة إلا أن فائدة حربه كانت تظهر في قتل النفوس واستلاب الأموال وفائدة حرب الفرنسيس كانت تظهر في انتقاص الأرض والاستيلاء عليها وشتان ما بينهما ولما كانت سنة تسع وخمسين ومائتين وألف تم استيلاء الفرنسيس على جميع بلاد المغرب الأوسط وصار الحاج عبد القادر يتنقل في أطرافها فتارة بالصحراء وتارة ببني يزناسن وتارة بوجدة والريف وغير ذلك وربما استكثر في هذه التنقلات بمن هو من رعية السلطان أو جنده فمد الفرنسيس يده إلى إيالة السلطان رحمه الله فشن الغارة على بني يزناسن وعلى وجدة وأعمالها المرة بعد المرة ثم اقتحم وجدة على حين غفلة من أهلها وانتهبها وكثر عيثه في الحدود فكلم من جانب السلطان رحمه الله فيما ارتكبه من إيالته فتعلل بأن الهدنة قد انتقضت بإمداد الحاج عبد القادر بالخيل والسلاح والمال المرة بعد المرة وبمحاربة جيش السلطان المرابط على الحدود له وبمحاربة بني يزناسن له مع الحاج عبد القادر وغير ذلك مما اعتد به وكان الحاج عبد القادر في هذه المدة قد فسدت نيته أيضا في السلطان وفي الجهاد مع أنه ما كان لجهاده ثمرة ورام الاستقلال وأخذ في استفساد القبائل الذين هنالك وتحقق السلطان بأمره وشرى الشر وتفاقم الأمر فعمد السلطان رحمه الله على حرب الفرنسيس وتقدم إلى أهل الثغور بالاستعداد والحراسة وإرهاف الحد لما عسى أن يحدث ثم عقد لابن عمه المولى المأمون بن الشريف على كتيبة من الجند ووجهها إلى ناحية وجدة وعززه بالفقيه أبي الحسن علي بن الجناوي من أعيان رباط الفتح فكانت لهم مناوشة مع رابطة الفرنسيس التي هنالك ثم أخذ السلطان رحمه الله في أسباب الغزو والاستعداد التام وحشد الجنود واتخاذ الرايات والبنود واستنفار القبائل وقال في ذلك الوزير ابن إدريس أشعارا يستنفر بها أهل المغرب ويحضهم على الجهاد وإيقاظ العزائم له من ذلك قوله ( يا أهل مغربنا حق النفير لكم % إلى الجهاد فما في الحق من غلط ) ( فالشرك من جنبات الشرق جاوركم % من بعد ما سلم أهل الدين بالشطط ) ( فلا يغرنكم من لين جانبه % ما عاد قبل على الإسلام بالسخط ) ( فعنده من ضروب المكر ما عجزت % عن دركه فكرة الشبان والشمط ) ( فواتح المكر تبدو من خواتمه % فعنده المكر والمكروه في نمط ) ( وأنتم القصد لا تبقن في دعة % إن السكون إلى الأعدا من السقط ) ( من جاور الشر لا يعدم بوائقه % كيف الحياة مع الحيات في سقط ) ( قد يغبط الحر في عز يخلده % وليس حي على ذل بمغتبط ) وفي هذا الشعر تضمين بيت ابن العسال وهو مشهور فاجتمع للسلطان رحمه الله في هذا الاستنفار ثلاثون ألف فارس تزيد قليلا أو تنقص قليلا فيها

الجند وحصص القبائل في أكمل شكة وأحسن زي ولم يشهدها من الودايا سوى نفر يسير لأنهم كانوا في زاوية الإهمال عند السلطان ثم عقد رحمه الله على هذه الجنود لولده وخليفته سيدي محمد بن عبد الرحمن وسار حتى نزل بوادي إيسلي من أعمال وجدة وكان الحاج عبد القادر لا زال جائلا في تلك الناحية ومعه نحو خمسمائة فارس ممن كان قد بقي معه من أهل المغرب الأوسط لأن حاله كان قد أخذ في التراجع والانحطاط ولم تبق له هنالك كبير فائدة بل انقلب نفعه ضررا وحزمه خورا بفساد نيته واستفساده لجند السلطان ورعيته ولما احتل الخليفة سيدي محمد بإيسلي وعسكر به جاءه الحاج عبد القادر يستأذن عليه في الاجتماع به فأذن له واجتمع به وهو على فرسه فدار بينهما كلام كان من جملته أن قال الحاج عبد القادر إن هذه الفرش والأثاث والشارة التي جئتم بها حتى وضعتموها بباب جيش العدو ليس من الرأي في شيء ومهما نسيتم فلا تنسوا أن لا تلاقوا العدو إلا وأنتم متحملون منكمشون بحيث لا يبقى لكم خباء مضروب على الأرض وإلا فإن العدو مني رأى الأخبية مضروبة لم ينته دون الوصول إليها ولو أفنى عليها عساكره وبين كيف كان هو يقاتله وكان هذا الكلام منه صوابا إلا أنه لم ينجع في القوم لانفساد البواطن ولا حول ولا قوة إلا بالله وربما انتهره بعض حاشية الخليفة على التفصح بمحضره والإشارة عليه فبل استيشاره فرجع الحاج عبد القادر عوده على بدئه وانتبذ ناحية في جيشه ولسان حاله يقول لم آمر بها ولم تسؤني ولما كانت الليلة التي وقعت الحرب صبيحتها جاء رجلان من أعراب تلك الناحية وطلبوا الدخول على الحاجب وهو الفقيه السيد الطيب بن اليماني المدعو بأبي عشرين فدخلا عليه وقالا إن العدو عازم على أن يصبحكم غدا إن شاء الله فاستعدوا له وأعلموا الأمير فيقال إن الحاجب قال إن الأمير الآن نائم ولست بالذي أوقظه ثم جاء عقب ذلك أربعة أناس آخرون يعلمون بأمر العدو فكان سبيلهم سبيل الأولين ولما طلع الفجر وصلى الخليفة الصبح جاء عشرة من الخيل قيل من العرب وقيل من حرس الخليفة فأعلموا بمجيء العدو وأنهم تركوه قد أخذ في الرحيل فأمر الخليفة رحمه الله الناس بالركوب والاستعداد وأن لا يبقى بالمحلة إلا الرماة وكانوا دون الألف وبعث إلى بني يزناسن بالركوب فركبوا في ألوف كادت تساوي جيش الخليفة وصارت الخيل نحو العدو مصطفة مد البصر وراياتها تخفق على هيئة عجيبة وترتيب بديع وكان الخليفة سائرا في وسطهم ناشرا المظلة على رأسه راكبا على فرس أبيض وعليه طيلسان أرجواني قد تميز بزيه وشارته ولما تقارب الجيشان جعلت الفرسان تبرز من الصفوف كأنما تتعجل القتال فأمر الخليفة رحمه الله بالسكينة والوقار والسير بسير الناس ثم لما التقى الجمعان وانتشبت الحرب رصد العدو الخليفة وقصده بالرمي مرات عديدة حتى سقطت بنبة أمام حامل المظلة وجمح فرسه به وكاد يسقط ولما رأى الخليفة ذلك غير زيه بأن أسقط المظلة ودعا بفرس كميت فركبه ولبس طيلسانا آخر فاختفى حينئذ وكان المسلمون قد أحسنوا دفاع العدو وصدموه صدمة قوية برقت لهم بها بارقة وكانت خيلهم تنفر من صوت المدافع ولكنهم كانوا يقحمونها إقحاما وثبتوا في نحر العدو مقدار ساعة ولما التفتوا إلى جهة الخليفة ولم يروه بسبب تغير زيه خشعت نفوسهم وقال المرجفون إن الخليفة قد هلك فماج الناس بعضهم في بعض وتسابق الشراردة إلى المحلة فعمدوا إلى الخباء الذي فيه المال فانتهبوه وتقاتلوا عليه وتبعهم غيرهم ممن كان الرعب قد ملك قلبه وجعل الناس يتسللون حتى ظهر الفشل في الجيش من كل جهة فتقدم بعض الحاشية إلى الخليفة وقال له يا مولانا إن الناس قد انهزموا وهم الآن بالمحلة يقتل بعضهم بعضا ويسلب بعضهم بعضا فقال يا سبحان الله والتفت فرأى ما هاله من أمر الناس فرجع عوده على بدئه وانهزم من كان قد بقي معه عن آخرهم وتبعهم العدو يرمي الكور والضوبلي من غير فترة وثبت الله بعض الطبجية بالمحلة ولكن سال الوادي فطم على القرى ونفذ أمر الله ولم يهزم المسلمين إلا المسلمون كما رأيت ولما استولى العدو على المحلة فر النهاب الذين كانوا بها وبقيت في يده بما فيها وكانت مصيبة عظيمة وفجيعة كبيرة لم تفجع الدولة الشريفة بمثلها وكان هذا الحادث العظيم في الساعة العاشرة من النهار منتصف شعبان سنة ستين ومائتين وألف ولما رجع المنهزمة تفرقوا شذر مذر وأهلك الناس العطش والجوع والتعب حتى كان نساء عرب آنكاد يستلبنهم كيف شئن وانتهى الخليفة إلى تازا فأقام بها أربعة أيام ريثما اجتمع إليه الرماة وضعاف الجيش ثم قدم فاسا وكان السلطان رحمه الله قادما من مراكش إلى فاس فاتصل به خبر الوقعة وهو برباط الفتح فنهض إلى فاس مجدا واتصل به في أثناء طريقه خبر وقعتين اثنتين أخريين وهما هجوم الفرنسيس على طنجة والصويرة ورميه إياهما بألوف من الكور والبنب ووقع بالصويرة حادث عظيم بسبب الغوغاء الذين بالبلد والشياظمة المجاورين لهم فإنهم لما رأوا العدو دخل الجزيرة ظنوا أنه سيدخل البلد فمدوا أيديهم للنهب وكان ذلك أولا في اليهود ثم عم غيرهم وكان ما كان مما لست أذكره فكان هذا مما زاد غيظ السلطان وكمده فعمد إلى جماعة من قواد الجيش وحلق لحاهم تأديبا لهم وذكر منويل هذه الوقعة فزعم أن عساكر الفرنسيس كانت يومئذ عشرة آلاف وإنه كان غرضه محاربة الذين كانوا يحاربونه على أطراف البلاد حتى لقد أعطى خط يده للنجليز أنه إذا حارب وغلب لا يتملك من أرض المغرب شيئا قال فلذلك لما وقعت الهزيمة بعث بإثرها رسله يطلب الصلح مع أن السلطان المولى عبد الرحمن لم يظهر عجزا ولا فل ذلك من غربه بل استأنف الجد وشرع في جمع العدد اه كلامه ثم إن السلطان رحمه الله هادن الفرنسيس على يد الفقيه أبي سلهام بن علي آزطوط عامل طنجة والعرائش على شروط ثمانية من جملتها نفي الحاج عبد القادر من تلك البلاد لما في بقائه هنالك من آثاره الفتنة بين الدولتين بلا فائدة ودعت المصلحة الوقتية السلطان رحمه الله إلى أن أسقط عن جنس الدينمرك وجنس السويد ما كانا يؤديانه إلى الدولة العلية كل سنة فالأول خمسة وعشرون ألف ريال والثاني عشرون ألف ريال وكذلك أسقط عن غيرهم وظائف أخر والأمور كلها بيد الله @QB@ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون @QE@ الأنبياء 23 وفي سنة إحدى وستين ومائتين وألف أخذت السكة في الارتفاع وكان الريال الكبير ذو المدفع بست عشرة أوقية والريال الصغير الإفرنك بخمس عشرة أوقية والبندقي بثلاثين أوقية والدرهم الصغير بأربع موزونات والكبير بست موزونات ولما أخذت السكة في الارتفاع أخذت الأسعار في الارتفاع أيضا وحاول السلطان رحمه الله حصرها فلم تنحصر وعلة ذلك والله أعلم أنه لما وقع مع الفرنسيس هذا الصلح وأسقط السلطان عن الأجناس ما كانت تؤديه كثر خطارهم وتجارهم بمراسي المغرب وازدادت مخالطتهم وممازجتهم لأهله وكثرت تجارتهم في السلع التي كانوا ممنوعين منها وانفتح لهم باب كان مسدودا عليهم من قبل فظهر أثر ذلك في السكة وفي السلع أما السكة فلأن سكتهم كانت هي الغالبة وهي أكثر روجانا من سكة المغرب فلا بد أن يكون الحكم والتأثير لها والتجار يعتبرون فيها من الفضول والأرباح الناشئة عن تغاير القطرين ما لا يهتدي إليه غيرهم من العامة وتبعهم على ذلك تجار المسلمين وأما السلع فلأن تجار النصاري يغالون في أثمانها أكثر من غيرهم كما هو مشاهد ثم ما دامت بلاد الفرنج مترقية في التمدن وحسن الترتيب واتساع الأمن والعدل إلا وسككنا وأسعارنا دائمة الترقي في الغلاء على نسبة كثرة المخالطة واتساع مادة البيع والشراء فتأمله والله الموفق وفي هذه السنة ثار أهل رباط الفتح على عاملهم الحاج محمد بن الحاج محمد السوسي وكان السبب في ذلك أن الحاج محمد بن الحاج الطاهر الزبدي من أهل الوجاهة بالرباط ومتبوع العقب فيها وكان كثيرا ما يجالس العامل المذكور ويدلي عنده بالصداقة والمودة فيقال إنه تشفع عنده في بعض أهل البلد فرد شفاعته فغضب الزبدي وعظم عليه ذلك وكان أهل البلد قد سئموا ملكة السوسي ومرضوا في طاعته لأسباب تعدها الرعية على العمال فجاء الزبدي إلى منزله وجمع جماعة من أعيان البلد ممن يعلم انحرافهم عن العامل المذكور وأطعمهم وأطلعهم على خبيئة صدره في أمر العامل فوجدهم إليه سراعا فتحالفوا وتعاهدوا على أن لا يبقى متوليا عليهم بحال ثم مشوا إليه وأنذروه وتقدموا إليه بأن يلزم بيته ثم أجمع رأيهم على تقديم الزبدي مكانه فقدموه وضبط أمر البلد واتصل الخبر بالسلطان رحمه الله وهو بفاس فقام وقعد وكتب إليهم بالوعظ والتقريع فصموا عن سماعه وتمادوا على شأنهم ثم بعث إليهم القائد الطيب الوديني البخاري يتولى عليهم ويقبض على أهل الفساد منهم فأفحشوا عليه وطردوه من البلد مع العشي فعبر إلى سلا في مطر غزير ورجع إلى السلطان فأعلمه الخبر فاحتال السلطان رحمه الله بأن بعث الفقيه الكاتب أبا عبد الله محمد العربي بن المختار الجامعي فقدم رباط الفتح وجمع أعيانها وخيرهم فيمن يتولى عليهم فاختاروا الزبدي فولاه السلطان عليهم وحمدوا سيرته وبعد نحو ستة أشهر قدم السلطان رباط الفتح وتريث بها مدة حتى نقر عن رؤوس الفتنة فقبض عليهم وعلى قائدهم الزبدي وبعث بهم إلى فاس فسجنوا بها ثم سرحوا بعد حين وفي سنة اثنتين وستين ومائتين وألف نهض السلطان من فاس ونهض الخليفة سيدي محمد من مراكش والتقيا بمشرع أبي الأعوان من دكالة وعيدا هنالك عيد المولد الكريم ثم سار السلطان إلى مراكش وانحدر الخليفة إلى فاس وفي هذا العيد بعث أبو عبد الله أكنسوس إلى السلطان بالقصيدة وفي سنة ثلاث وستين ومائتين وألف تم بناء البرج الكبير بسلا المعروف بالصقالة الجديدة وكان السلطان رحمه الله شرع في بنائه زمان انتقاض الصلح مع الفرنسيس وتم في هذه المدة على أكمل الأحوال وأحسنها

بقية أخبار الحاج عبد القادر وانقراض أمره وما آل إليه حاله

قد قدمنا ما كان من فساد نية الحاج عبد القادر وأنه رام الاستبداد بل والتملك على المغرب فلما كانت الهزيمة بإيسلي ازداد طمعه فصار يدعو أهل النواحي إلى مبايعته والدخول في طاعته وكاتب الخواص من أهل فاس والدولة وكاتبوه على ما قيل ثم احتال بأن بعث جماعة وافرة من الحشم وبني عامر شيعته إلى السلطان قدمهم أمامه في صورة هراب مستجيرين بالسلطان فقبلهم السلطان وأنزلهم على نهر سبو ثم تقدم الحاج عبد القادر حتى وصل إلى القعدة الحمراء بين التسول والبرانس وكان قصده أن يجتمع بشيعته ويصل يدهم بيده ويتم له ما أراد فلما أطلع السلطان على دسيسته بعث إلى أولئك الجماعة عسكرا من الشراردة عليهم القائد إبراهيم بن أحمد الأكحل فاجتاحوهم بعد جهد جهيد وقتال شديد من ذلك أنهم اعتصموا بربوة وجعلوا يقاتلون على حريمهم وكانوا رماة لا تسقط لهم رصاصة في الأرض فكانوا كلما توجهت إليهم طائفة من الجيش استأصلوها بالرصاص وكانوا يجمعون موتاهم وينصبونهم أشبارا يتترسون به ويقاتلون من خلفه ولما أعيا الجيش أمرهم حملوا عليهم حملة واحدة حتى خالطوهم في معتصمهم وجالدوهم بالسيوف وطاعنوهم بالرماح والتوافل وانقطع البارود فكانوا يقتلون أبناءهم ونساءهم بأيديهم فرارا من السبي والعار ثم جعلوا يقتلون أنفسهم حين تحققوا أنهم في قبضة الأسار وبعد هذا وجه السلطان ولده سيدي محمدا لحسم دائه في جيش كثيف وكان رئيس الجيش وكبيره بعد الخليفة القائد محمد بن عبد الكريم الشرقي المدعو أبا محمد وكان له ذكر في الشجاعة والرأي ولما وصل الخليفة إلى سلوان بعث إليه الحاج عبد القادر جماعة فيهم وزيره أبو عبد الله البوحميدي يتنصل مما رمي به وأنه لا زال على الطاعة والخدمة للسلطان وقدموا إلى الخليفة هدية ثم وقع الاتفاق على أن يقدموا على السلطان رحمه الله فينهوا إليه الأمر والعمل على ما قال فوجه معهم الخليفة من يصحبهم إلى أبيه بفاس وفي أثناء ذلك عمد الحاج عبد القادر ذات ليلة إلى طائفة من جنده نحو الخمس عشرة مائة على ما قيل كلهم بطل مجرب انتقاهم انتقاء وكان جيش الخليفة منقسما قسمين بعضه معه وبعضه مع أخيه المولى أحمد فضمد الحاج عبد القادر إليهما ( في ليلة من جمادى ذات أندية % لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا ) بتلك العصبة الذين هم فتيان الكريهة ومساعير الهيجاء وجمرات الحرب كالما شهد بهم الوقائع وخاض غمرات الموت مع الفرنسيس وغيره فلم يقف بهم إلا بين المجلتين وأطلقوا الرصاص مثل المطر وأرسلوا حراقيات على الجمال وتهاويل مفزعة فماج الناس في ذلك الظلام الغاسق ونزل بهم من الهول ما يقصر اللسان عن وصفه وقام الخليفة فجعل يسكن الناس بنفسه ويمنعهم من الركوب خوف الفرار وأمر العسكر والطبجية بالرمي بالكور والضوبلي فكانوا يرمون إلى جهة محلة المولى أحمد ظنا منهم أن العدو لا زال مقابلهم ومحلة المولى أحمد يرمون إلى جهتهم كذلك فهلك من المحلتين بسبب ذلك بشر كثير وأما الحاج عبد القادر فإنه فر في أصحابه بعد أن حملوا الكثير من موتاهم معهم وكان للقائد محمد في تلك الليلة ذكر ولما أصبح الناس وتفقدوا حالهم وجدوا فيهم من الجرحى نحو الألف ومن القتلى ما يقرب ذلك وأصبح حول المحلة من قتلى أصحاب الحاج عبد القادر الذين أجهضهم القتال عن حملهم نحو الخمسين وأسروا نفرا أحياء فشاهدوا من طمأنينتهم عند القتل ما قضوا منه العجب ووجدوا عليهم كسى رفيعة مطرزة بالصقلى والحرير ونحو ذلك فلقد كان للرجل اعتناء بالجيش كما نرى ثم إن الخليفة رحمه الله أمر باتباع الحاج عبد القادر فتبعته الكتائب المختارة فكان اللقاء ثانيا بمشرع الرحائل من وادي ملوية قرب البحر عند مسقط ملوية في البحر فصدمته الجيوش صدمة أخرى فنى فيها كماته وكسرت شوكته وفل حده وخشعت نفسه وأيس من جبر حاله ففر إلى الفرنسيس ولجأ إليه وترك محلته بما فيها فاستولى جيش الخليفة عليها حكى من حضر أن الخيل كان يطردون الجماعة من أصحاب الحاج عبد القادر وهم راجلون ليأسروهم فما كانوا يدركونهم إلا بعد المسافة البعيدة جدا والحاصل أن مقام هذا الرجل في الشجاعة معروف وبصارته بمكائد الحرب معلومة لولا ما ذكرناه من انعكاس حاله ورومه الاستبداد وخلعه طاعة الإمام الحق الذي كانت بيعته في عنقه واعلم أنه قد يقف بعض المنتقدين على ما حكيناه من أخبار هذا الرجل فينسبنا إلى تعصب وسوء أدب والجواب أنا ما حكينا إلا الواقع وأيضا فلقد قال لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله حضرت يوما بين يدي السلطان أبي عنان في بعض وفاداتي عليه لغرض الرسالة وجرى ذكر بعض أعدائه فقلت ما أعتقد في إطراء ذلك العدو وما عرفته من فضله فأنكر علي بعض الحاضرين ممن لا يحطب إلا في حبل السلطان فصرفت وجهي وقلت أيدكم الله تحقير عدو السلطان بين يديه ليس من السياسة في شيء بل غير ذلك أحق وأولى فإن كان السلطان قد غلب عدوه كان قد غلب غير حقير وهو الأولى بفخره وجلالة قدره وإن غلبه العدو لم يغلبه حقير فيكون أشد للحسرة وآكد للفضيحة فوافق رحمه الله على ذلك واستحسنه وشكر عليه وخجل المعترض اه ولما كان هذا الفتح كتب السلطان إلى البلاد وزينت الأسواق وأعلمت المفرحات ونص ما كتب به السلطان بعد الافتتاح وبعد فإن الفاسد الفتان وخليفة الشيطان أبعد في الجسارة وامتطى مطي الخسارة واستوسع سبيل العناد واستضل سبيل الرشاد وقال من أشد منه قوة وسولت له نفسه الأمارة الاتصاف بالإمارة وأراد شق عصا الإسلام وصدع مهج الأنام فأعلن بكل قبيح واستشكل كل صريح واستبطن المكر والخداع وفاق فيه عابدي ود وسواع وشاع في طرف الإيالة ضرره وساء مخبره وهو في خلال ذلك يظهر مظاهر يستهوي بها أهل الجهالة والعماية والضلالة فأيسنا من رشده وعرفنا مضمر قصده فجهزنا له محلة منصورة ذات أعلام منشورة جعلنا في وسطها ولدنا الأبر سيدي محمد أصلحه الله وأسندنا إليه أمرها وقلدناه تدبيرها وعهدنا إليه أن يسعى في حقن الدماء جهد الإمكان ويحتال على إقامة أود هذا الفتان وأن يعالج داءه بكل دواء وأن لا يتبع فيه الأغراض والأهواء وأن يجعل القتال آخر عمله وعدمه غاية أمله فلما رأى عدو نفسه إحاطة الجيوش به وجه وفدا من قبله يدعي التوبة فيما مضى والكون على وفق المقتضى فأجبناهم بأن أحب الحديث إلى الله أصدقه إن صاحبكم هذا إن أراد الخير لنفسه واحتاط لدينه وعمل لرمسه يختار أحد أمرين أما أن يدخل لإيالتنا هو ومن معه آمنين على أنفسهم ومالهم لهم وما لنا وعليهم ما علينا أو يصحر فطلبوا منا الإمهال حتى يوجهوا بعضهم يخبرونه بالملاقاة ويستدركون الأمر قبل الفوات فأجبناهم إلى ذلك فما وصلوا حتى ضرب على المحلة ليلا فرده الله بالخيبة وأشوه أوبة وترك قتلاه صرعى بعد ما حمل منهم عددا وجعل يدفن منهم في قفوله ويخفي ما حل به في أفوله فتقدمت إليه المحلة الغالبة بالله وقاتلته قتالا أذاقته فيه الوبال والخبال فكانت الكرة عليه فأجفل إجفال النعام واستدبر المعركة وهام ومات من خاصته ورؤسائه وأهل شدته وذوي بأسائه عدد معتبر ومن هو أدهى وأمر وعادت جموعه جمع تكسير وجيوشه موزعة بين قتيل وأسير وسخر بهم بعد أن كانوا ساخرين وغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ومن الله أستمد التوفيق والهداية إلى أرشد طريق والسلام في الثاني والعشرين من محرم الحرام فاتح سنة أربع وستين ومائتين وألف اه نص الكتاب الشريف وأما الحاج عبد القادر فإنه فر إلى الفرنسيس كما قلنا فبقي عنده مدة قال صاحب قطف الزهور ما صورته لما فر الحاج عبد القادر إلى الفرنسيس بقي عندهم ست سنين ثم أعتقه نابليون الثالث وعين له مرتبا سنويا يدفع إليه من بيت مال الدولة فسكن دمشق الشام ولم يزل قاطنا بها إلى هذا اليوم اه قلت وهو الآن في قيد الحياة حسبما يبلغنا والله تعالى يتولى أمر المسلمين ويتداركهم بلطفه وفضله آمين قال أبو عبد الله أكنسوس وفي ضحى يوم الإثنين الرابع من المحرم فاتح سنة أربع وستين ومائتين وألف توفي الوزير الأعظم الفقيه الأجل الأكرم إمام عملة اليراع ومقدم حملة ذلك الشراع مقلد الدولة بقلائد النثار والنظام في المواقف العظام والمزري ببدائعه وأوابده وروائعه ببديع الزمان والفتح بن خاقان أبو عبد الله محمد بن إدريس جدد الله عليه ملابس الرضا كلما لاح نجم وأضا فولى السلطان مكانه الفقيه النجيب ذا الأخلاق العاطرة والأنامل الواكفة الماطرة والرأي الأصيل والأمر المحبوك والباطن الصافي الذي يحاكيه الذهب المسبوك أبو عبد الله محمد العربي بن المختار الجامعي ثم لما قدم السلطان رحمه الله لحضرة مراكش آخر قدمة قدمها سنة سبعين ومائتين وألف عزله وولى مكانه الفقيه الكاتب اليحيى النزيه أبا عبد الله محمد بن عبد الله الصفار التطاوني وفي أوائل رمضان من هذه السنة أعني سنة أربع وستين ومائتين وألف خرج السلطان رحمه الله من فاس إلى ناحية وجدة فوصل إلى عين زورة فوقف على تلك النواحي وأصلح من شأنها وعاد إلى فاس ليلة عيد الأضحى من السنة وفي سنة خمس وستين ومائتين وألف كانت فتنة عرب عامر بأحواز سلا وفتنة عرب زعير بأحواز رباط الفتح وكلب هاتان القبيلتان على المدينتين وألحوا عليهما بالغارات والنهب والمبالغة في العيث والإفساد بالطرقات والجنات واستافوا السرح مرارا وبقي النتاج عند أربابه حتى هلك ضياعا إلى غير ذلك ولما تجاوزوا الحد في الطغيان بعث السلطان وصيفه الباشا فرجى صاحب فاس الجديد فأوقع بعامر وقعة شنعاء رابع يوم النحر من السنة ومزقهم شذر مذر بعد أن تحصنوا بالغراك فيما بين سلا والمهدية وفي هذه السنة حج ولد السلطان المولى الرشيد والمولى سليمان واعتنى بشأنهما صاحب مصر وصاحب الحجاز غاية ورجعا من السنة القابلة وفي هذه السنة ظهر الكوكب ذو الذنب كان يطلع في ناحية المغرب ويغرب بعد العشاء مدة من شهر ونحوه ففزع الناس من ذلك وتخوفوه كما قال أبو تمام ( وخوفوا الناس من دهياء مظلمة % إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب ) وفي سنة ست وستين ومائتين وألف أحدث السلطان المكس بفاس وغيرها من الأمصار أحدثه أولا في الجلد على يد المصطفى الدكالي بن الجيلاني الرباطي والمكي القباج الفاسي ثم أحدثه في البهائم ثم تفاحش أمره في دولة ابنه السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن رحمه الله وهلم جرا وفي هذه السنة وذلك ليلة السادس والعشرين من رمضان توفي ولي الله أبو عبد الله سيدي عبد القادر العلمي البركة الشهير صاحب الأزجال الملحونة وكانت وفاته بمكناسة الزيتون ودفن بحومة سيدي أبي الطيب وعليه بناء حفيل إلى الغاية رحمه الله ورضي عنه وفي هذه السنة بعث السلطان ولده المولى عبد القادر وهو ابن اثنتي عشرة سنة إلى سلا بقصد القراءة بها فنزل بدار قاضيها أبي عبد الله محمد بن حسون عواد وكتب إليه السلطان رحمه الله بأن يعود الولد المذكور الخشن من المطعم والملبس وأن لا يمكنه من شرب الأتاي إلا مرة أو مرتين في الجمعة وفي هذه السنة أيضا كان الغلاء الكبير والجوع المفرط وكان أكثره بقبائل الحوز من ابن مسكين وعبدة ودكالة وغيرهم فأهرعت هذه القبائل إلى بلاد الغرب والفحص وأكلت الناس الجيف والميتة والنبات وصار يعرف عند أهل البادية بعام الخبيزي وعام يرني وكان الرجل يأكل ولا يشبع وإذا أمعن في الأكل وتضلع شبعا لم تمض إلا هنيهة حتى تضطرم أحشاؤه جوعا وكان المد بسلا ورباط الفتح وهو مد كبير جدا قد بلغ ثمانية عشر مثقالا فجعله العامة تاريخا يقولون كان ذلك عام ثمانية عشر مثقالا وفي سنة سبع وستين ومائتين وألف وذلك ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من ربيع الثاني منها توفي الفقيه العلامة القاضي بسلا أبو عبد الله محمد بن حسون عواد ودفن بزاوية الشيخ سيدي أحمد بن عبد القادر التستاوتي من

حومة باب أحسين من المدينة المذكورة وكان رحمه الله عارفا بالفقه والحديث والنحو قد أفنى عمره في جمع الكتب ونسخها وخطه معتمد سالم من التصحيف وكانت فيه شفقة على الضعفاء والأشراف وذوي البيوتات كثير البرور بهم والإحسان إليهم رحمه الله وفي يوم الأربعاء فاتح هذه السنة توفي الشريف البركة الأفضل أبو عبد الله سيدي الحاج العربي بن علي الوزاني وكان جليل القدر شهير الذكر نفعنا الله به وبأسلافه وفي سنة ثمان وستين ومائتين وألف هجم الفرنسيس على ثغر سلا وذلك بسبب مركبين وردا إلى مرسى العدوتين مملوءين قمحا وكانت السنة سنة مسغبة فنشب المركبان بساحل سلا فتسارعت العامة إليهما وانتهبوهما ثم تجاوزوا ذلك إلى ألواح المركبين وآلتهما فتوزعوها وكان المركبان لتجار الفرنسيس فتكلموا في شأنهما مع السلطان رحمه الله فكتب إلى عامل سلا أبي عبد الله محمد بن عبد الهادي زنيبر يستكشفه عن الخبر فجحد ذلك ظنا منه أنه يدفع بذلك عن البلد ولما لم يحصل الفرنسيس بالكلام مع السلطان على طائل هجم على سلا يوم الثلاثاء مهل صفر من السنة المذكورة في خمسة بابورات وقاباق كبير ويقال له النابيوس يشتمل على نحو ستين مدفعا أو أكثر ومن الغد زحف بمراكبه حتى سامت بها البلد في الساعة العاشرة من النهار وشرع في رمي الكور والبنب إلا واحدا منها فإنه تباعد قليلا وبقي ينظر قيل هو للنجليز وكان ترادف الكور والبنب على البلد على صورة فظيعة مثل الرعد القاصف تكاد تنهد له الجبال وكان في أول النهار لا يفتر وبعد الزوال صار تتخلله فترات يسيرة واستمر الحال على ذلك إلى أن غربت الشمس ومضى نحو نصف ساعة وكانت مدة الرمي ثماني ساعات ونصفا وبذل الناس مجهودهم في مقابلتهم بالرمي وفي آخر النهار عجز الناس وبقي يرمي وحده واستشهد من المسلمين نحو سبعة أنفس وكان الكور والبنب الذي رمى به العدو في ذلك اليوم شيئا كثيرا فالمقلل يقول سبعة آلاف والمكثر يقول اثنا عشر ألفا وكان البنب يتفرقع بعد مدة وقتل أناسا ووقع في المسجد الأعظم ومناره كور كثير خرق السقوف والحيطان وكذا في دور أهل البلد فأنعم السلطان على الناس بإصلاحها من بيت المال وقد ساق منويل خبر هذه القصة وقال إنه لما انقضى للفرنسيس الزاد يعني الكور والبارود أقلع ليلا لأنه خاف إن لم يذهب طوعا ذهب كرها ولما اتصل الخبر بالسلطان رحمه الله وهو يومئذ بفاس كتب كتابا يقول فيه ما نصه الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه عبد الرحمن بن هشام الله وليه خديمنا الأرضى الطالب محمد بن عبد الهادي زنيبر وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد فقد وصلنا كتابك مخبرا بما صدر من مراكب عدو الله الفرنسيس من استرسال الرمي على المدينة من ضحى النهار إلى قرب العشاء ثم أقلعوا بالخيبة والهوان وردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا ومنح الله المسلمين من الصبر والثبات واليقين ماقرت به عين الدين وكان قذا في عين أهل الشرك المعتدين واستشهد من المجاهدين من ختم الله له بالسعادة الأبدية والحياة السرمدية فالحمد لله على إعزاز دينه ونصر ملة نبيه ولا زالت والحمد لله مشكاة الإسلام ساطعة الأنوار مشيدة المنار @QB@ والله متم نوره ولو كره الكافرون @QE@ الصف 8 ولا يخفى عليكم ما ورد من اآيات القرآنية والأحاديث النبوية في فضل الجهاد في سبيل الله والصبر لإعلاء كلمة الله وقد قمتم بالواجب عليكم في ذلك وكنتم عن الظن بكم وأتيتم بالمطلوب منكم أصلحكم الله ورضي عنكم ومن قتل فقد أكرمه الله بالنعيم الذي لا نفاد له وكل ما تلف يخلفه الله فما كان في الله تلفه فعليه سبحانه خلفه فزيدوا في التيقظ والصبر أعانكم الله وقد أمرنا خدامنا أمناء العدوتين بتوجبه معلمين للغابة لقطع الكراريط وكتبنا لخديمنا ابن الحفيان بإنزال خيام بقربهم يأوون إليها حسبما طلبت ولا تعدمون شيئا مما يخصكم إن شاء الله وما ذكرت من اجتماع أهل المدينة عندك مع القاضي والأمين راغبين في الكتب لحضرتنا العلية بالإنعام عليهم بما يصلحون به صقالتهم ومساجدهم ودورهم وأسوارهم فها نحن كتبنا لأمناء العدوتين بالقدوم عليكم والتطواف على المحال المتهدمة دور

وغيرها بمحضرك مع القاضي والعدول وتقويم إصلاح كل محل بالمناسب وأما الجامع الكبير وسيدي ابن عاشر فييسرون لهما الإقامة وعن تيسيرها يشرعون في إصلاحهما وأما الصقالة الجديدة والسور فيشرعون الآن في إصلاحهما إصلاحا متقنا بالطابية الجيدة التي لا يؤثر الكور فيها شيئا ويجعلون لها ساترا على كيفية بحيث يكون الضارب في أمان ولا تتراخوا في ذلك ونحن على نية إحداث بستيون جيد إن شاء الله عند منتهى السور من جهة الصقالة الجديدة فالعزم العزم والحزم الحزم ويصلك كتاب اقرأه على خداما أهل سلا والسلام في ثامن صفر عام ثمانية وستين ومائتين وألف انتهى نص الكتاب الشريف وقد أحدث السلطان رحمه الله هذا البستيون فجاء في غاية الجودة والمتانة والحسن وهو أثر من آثار الدول العظام وفي هذه السنة ورد كتاب من السلطان في شأن حصر السكة يقول فيه ما نصه وبعد فقد طالما حاولنا حصر الزيادة في السكة وحذرنا وأنذرنا وأوعدنا من تعدى فيها حدا أو مد فيها بغير ما عينا يدا فلم يزد الناس إلا تطاولا فيها وإقداما عليها فاستخرنا الله في أمرها فظهر لنا أن نزيد فيها ما تواطأ الناس على زيادته ولم يرجعوا عنه تتميما للأعذار وتكميلا للإنذار فمن وقف عند ما حددنا ولم يحد عما أبرمنا فقد اختار سلامة نفسه وماله ومن تعدى وافتات في ذلك بأدنى شيء فقد سعى في هلاك نفسه ويناله من الوبال والنكال ما يتركه عبرة لمن اعتبر وتذكرة لم تذكر وقد أعذر من أنذر وها نحن جعلنا للبندقي أربعين أوقية وللضبلون اثنين وثلاثين مثقالا وللريال ذي المدفع عشرين أوقية وللذي لا مدفع فيه تسع عشرة أوقية وللبسيطة التي بالمدفع خمس أواق وللتي لا مدفع فيها أربع أواق وللدرهم الرباعي أربع موزونات ونصف موزونة وللدرهم السداسي سبع موزونات فعلى هذا العمل فأعلموا به من إلى نظركم وفي إيالتكم ومروهم بالوقوف عنده ومن حاد عنه وشممتم عليه رائحة الخوض والتعدي فيه ازجروه زجرا شديدا وأعلمونا والسلام في رابع عشر ربيع الثاني عام ثمانية وستين ومائتين وألف وفي سنة تسع وستين ومائتين وألف غزا السلطان رحمه الله قبيلة زمور الثلج وكان بمكناسة فكتب أولا لابنه وخليفته سيدي محمد بمراكش فنهض منها ومر على تادلا فأوقع ببني موسى وقطع منهم أربعة وستين رأسا وقبض على مائة وخمسين مسجونا وكانوا قد قتلوا عاملهم أبا العباس أحمد بن زيدوح ثم دخل الخليفة رباط الفتح يوم الاثنين الحادي عشر من شوال من السنة المذكورة فأقام به إلى يوم السبت السادس عشر منه ثم عبر الوادي ونزل بقرميم من أعمال سلا ثم سار من الغد وبات بسيدي علال البحراوي فأقام هنالك يومين ثم رحل فنزل بتيفلت وأقام أياما ثم تقدم إلى دار ابن الغازي وكان السلطان رحمه الله قد خرج من مكناسة فنزل الخمسينات وشن الغارات على زمور فتوغلوا في الجبال فانتسف السلطان أموالهم وأكل زروعهم حتى أشجاهم ثم ارتحل عنهم إلى مراكش وارتحل الخليفة إلى فاس وذلك في السادس والعشرين من ذي القعدة من السنة ومن هذا التاريخ صار السلطان والخليفة رحمهما الله يغزوانهم كل سنة ويجتمعان عليهم فتنتسف الجنود زروعهم وأموالهم حتى أضر بهم الحال وأشرفوا على الهلاك وكادت تعدم عندهم الأقوات وأذعنوا إلى الطاعة طوعا وكرها ولما نهض السلطان عنهم في هذه المرة كتب كتابا يقول فيه وبعد فإن فساد زمور يعرفه الخاص والعام والجمهور أشد سوادا من الليل وأقوى مضاهاة بالسيل وطالما ذكرناهم ووعظناهم وحذرناهم وأنذرناهم وغضضنا الطرف عنهم مقابلين شدتهم باللين وتحريكهم بالتسكين فأطغاهم العجب وأبطرهم وغطى الشر سمعهم وبصرهم @QB@ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا @QE@ المائدة 41 ولما رأينا ضلالهم لم يسفر عنه صبح الإقلاع وشعائر الإسلام استولت عليها يد الضياع استنهضنا إليهم الجيوش المنصورة التي لم تزل ألوية الفتح أمامها بحول الله منشورة واستقدمنا ولدنا الأبر سيدي محمدا حفظه الله من مراكش في جيش يقدمه اليمن والإقبال ويسوقه السعد في المقام والترحال ونهضنا نحن من مكناسة الزيتون في جيش شحن الفضاء وملأ النواحي والأرجاء خيلا ورجالا خفافا وثقالا وكنا فيما تقدم نحارب هؤلاء المفسدين في المحل المشهور بالخميسات فكانت المحال لا تستوعبهم قتلا ونهبا وتشريدا وضربا فرأينا هذه المرة أن ننزل عليهم أولا بعين العرمة محل أفسدهم على الإطلاق والشمول والاستغراق فخيمنا بها أياما ثم رحلنا منها ونزلنا بمحصى ثم رحلنا منه ونزلنا الخميسات وفي خلال مقامنا ورحيلنا حل ولدنا سيدي محمد حفظه الله من الرباط ونزل بتيفلت محل المفسدين ومحط رحال البغاة المعتدين وتقاربت المحلتان فعظمت على المفسدين بذلك النكاية وبلغت فيهم الحد والنهاية واشتغلت المحال بأكل زروعهم وتبديدها واستخراج خباياهم قديمها وجديدها وهم حيارى ينظرون وإلى ما حل بهم من البلاء يبصرون وكلما عزموا على المدافعة رجعوا بالهوان وتخطفت رؤوس زعمائهم العقبان فعجزوا إذا وخرجوا من بلادهم وأيقنوا أن الشقاء المكتوب عليهم حكم بطردهم وبعادهم ولم يبق بها أنيس إلا اليعافير والا العيس وتحصنوا بأوعارهم المعلومة وصياصيهم المشؤومة في جبال تنقبت بالغيوم وكادت تصافح النجوم فضاق بهم الحال وهلك العيال وضاعت الأموال جوعا وعطشا وتصرف فيهم البلاء كيف شاء ومع تحصنهم بتلك الأوعار وملتف تلك الأشجار كانت الجيوش تود أن تقتحمها عليهم وتهب نفيس أعمارها في أخذهم ونحن قد هبنا الرفق الذي يزين وتركنا الخرق الذي يشين فأمرنا بالإمساك عنهم حتى تلفظهم أوعارهم وتحرقهم نارهم فلما طال بهم الأمد وتجرعوا حمى الكمد استجاروا بولدنا سيدي محمد حفظه الله فشفع عندنا فيهم فقبلنا شفاعته على شروط قبلوها وحقوق التزموها ومثالب نبذوها وجنحنا إلى الحلم والعفو اللذين أمر الله بهما وأسندنا أمرهم إلى ولدنا المذكور قطعا لأعذارهم ونهضنا عنهم والحمد لله محتسبين والله أسال توفيق المسلمين أجمعين آمين في السادس والعشرين من ذي القعدة الحرام عام تسعة وستين ومائتين وألف اه نص الكتاب الشريف وفي هذه السنة ظهر الكوكب ذو الذنب أيضا وفي أوائلها استوزر السلطان رحمه الله الفقيه العلامة الأفضل أبا عبد الله محمد بن عبد الله الصفار التطاوني عقب قدومه إلى مراكش وفيها تم بناء البستيون العظيم بسلا الموضوع بالزاوية الشمالية منها على شاطىء البحر وكان الصائر عليه بأمر السلطان من أحباس المسجد الأعظم برباط الفتح خمسون ألف مثقال أو ما يقرب منها وفيها أيضا وقعت نادرة بفاس وهي أن الإمام كان يخطب يوم الجمعة بمسجد القرويين فسقط بالصف الثالث منه قطعة من الجبص المبني به السقف تزن نحو ربع قنطار ففر الناس الذين كانوا بذلك الصف فرآهم الذين من خلفهم ففروا لفرارهم فرآهم غيرهم ففعلوا مثلهم حتى تقوضت صفوف المسجد كلها وخرجوا يتسابقون إلى الأبواب ووقع عليها ازدحام شديد وجاوزت مقدمتهم سوق الشماعين وتركوا نعالهم ولبدهم وطيالسهم بل وقلانسهم وضاع من المصاحف والأجزاء ودلائل الخيرات ما لا يحصى كل ذلك وهم لا يدرون ما وقع وما تراجعوا إلا بعد حين

ثورة إبراهيم يسمور اليزدكي بالصحراء

لما كانت أواسط إحدى وسبعين ومائتين وألف ظهر إبراهيم يسمور اليزدكي بصحراء تافيلالت وكان السبب في ذلك أن برابرة الصحراء يومئذ كانوا حزيين حزب آيت عطة ولهم العزة والكثرة بذلك القطر وحزب آيت يفلمان وهم دون ذلك وكانت آيت عطة تؤذي الأشراف بتلك الناحية وتسيء جوارهم فقام إبراهيم هذا في آيت يفلمان وجنح إلى الأشراف وبالغ في إكرامهم والإحسان إليهم وصار يأمر قومه بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويذكر السلطان بخير ويحض قومه على طاعته حتى اشتهر بذلك القطر وكثر الثناء عليه واتفق أن حدث في أثناء ذلك بينهم وبين آيت عطة شنآن فزحف إليهم إبراهيم وأوقع بهم وقعة بعد العهد بمثلها فازداد قومه فيه محبة وغبطة وعلقت به آمال الأشراف وأحبوه لأن غلبة آيت عطة يومئذ كانت من الأمر الغريب وانضم إلى ذلك بسط يده بالعطاء للبعيد والقريب واتصل خبره بالسلطان وكان من طبعه رحمه الله محبة أهل الخير والجنوح لهم فأقبل عليه ورفع من قدره وولاه على تلك الناحية فاشتد أمره وطار ذكره وسرت فيه نخوة الرياسة فأراد الاستبداد واستحال حاله إلى الفساد حتى صار يرد على السلطان أوامره ثم تدنى قليلا قليلا من أطراف المملكة وقوي حسه بالمغرب فكتب إليه السلطان رحمه الله الكتائب وبعث البعوث فقاتلوه برهة ثم قبض الله بعض قرابته فاغتاله واحتز رأسه وجاء به متقربا إلى السلطان وهو يومئذ بمراكش فأمر السلطان بإعمال المفرحات واستدعى أهل مراكش على طبقاتهم فأفاض عليهم النعم وغمرهم بالإحسان غمر الديم نادرة كان ممن استدعاه السلطان رحمه الله في هذا الصنيع أهل المدارس من طلبة العلم المتغربين بها فجلسوا ناحية من القوم ولما خرج الطعام من دار السلطان وفرق على طبقات الناس اتفق تأخيره عن هؤلاء الطلبة واتفق أيضا أن سأل بعض الحاشية بعض الأعوان القائمين على الطعام فقال له من الذي بقي بدون إطعام فقال لم يبق إلا الطلبة والطحانون وكان كذلك فسمعه أحد الطلبة فقال لأصحابه ألا تسمعون إلى ما يقول هذا فقالوا وما قال قال لهم قال إنه لم يبق إلا أنتم والطحانون فقد شوركتم معهم بالعطف بالواو والله لا جلستم وقاموا مغضبين فتبعهم بعض حاشية السلطان واستعطفهم فلم يرجعوا واتصل الخبر بالسلطان فقال دعهم فسنصلح شأنهم ومن الغد دعاهم إلى بستان الوزير إبن إدريس داخل باب الرب من مراكش وأفاض عليهم من النعم ما غمرهم ثلاثة أيام حتى رضوا ثم عمدوا إلى ثمار البستان فاستلبوها عن آخرها وهذه القصة تدل على كرم طبع السلطان رحمه الله وسعة أخلاقه وتعظيمه للعلم وأهله وقد ذكرت بهذه النادرة قول القائل ( إذا شوركت في أمر بدون % فلا يك منك في هذا نفور ) ( ففي الحيوان يجتمع اضطرارا % أرسطاليس والكلب العقور ) وتحقيق مسألة هذا العطف مذكور في باب الفصل والوصل من علم المعاني وبستان ابن إدريس هذا هو الذي يقول فيه أبو عبد الله أكنسوس رحمه الله ( ألمم بمغنى اليمن من ذا المجلس % وأدر بساحته نجوم الأكؤس ) ( واسعد فإن الدهر أسعد أهله % وأحلهم فيه حلول المعرس ) ( واشرب هنيء البال في جنباته % يغنيك عن جيرون أهل المقدس ) ( واصرف عن الزهراء ذكرك ساليا % وعن الخورنق والرسوم الدرس ) ( لو قلت ما نالت بدائع حسنه % غرف البديع وحق مجدك لم تس ) ( نصر تحف به المحاسن كلها % وتحار في مرآه عين الأكيس ) ( فإذا أردت إصابة الأغراض من % كل المنى أو كل معنى أنفس ) ( أرسل مهام اللفظ في أكنافه % إن الحنايا الحدب فيه كالقس ) ( لا شيء أهنى من تفيىء ظله % المخضل أو من زهره المتنفس ) ( تتمثل الأزهار في أنهاره % مثل المجرة والنجوم النكس ) ( وترى الجداول تلتوي بغصونه % تحكي البرين عن الغواني الميس ) ( طابت حسى الكاسات تحت ظلاله % وتسابقوا اللذات نحو المحتس ) ( يا منزلا قد خصصته سعادة % واستبدلته أنعما من أبؤس ) ( أصبحت مأوى للوزير محمد % نجل الأدارسة الكرام المغرس ) ( إنسان عين الكون من لبست به % رتب العلى أبهى وأبهج ملبس ) ( يا أيها البحر الذي من فيضه % كل الأماني والغنى للمفلس ) ( يهنيك ذا القصر الذي أنشأته % بالسعد في عام انشراح الأنفس ) ( قابل قدور الدوح في جنباته % بالغيد ترفل في بهي السندس ) ( ومتى شربت زلاله فامزج به % راح المراشف من أغن ألعس ) ( لا زلت تشرف من مطالع سعده % كالبدر يظهر من خلال الحندس ) ( والدهر يخدم جانبيك ويحتمي % بجلالك العالي الأعز الأقعس ) وفي هذه السنة أعني سنة إحدى وسبعين ومائتين وألف كان الوباء بالمغرب وهو إسهال مفرط يعتري الشخص ويصحبه وجع حاد في البطن والساقين ويعقبه تشنج وبرودة واسوداد لون فإذا تمادى بالشخص حتى جاوز أربعا وعشرين ساعة فالغالب السلامة وإلا فهو الحتف وفي هذا الوباء مات شيخ الطريقة أبا عبد الله سيدي محمد الحراق التطاوني وبموته أقلع الوباء من تلك البلدة ومات به بسلا منتصف ذي القعدة من السنة مائة وعشرون نفسا وفي هذا اليوم توفي عامل سلا أبو عبد الله محمد بن عبد الهادي زنيبر وفي سنة اثنتين وسبعين ومائتين وألف التفت الخليفة سيدي محمد بن عبد الرحمن إلى عرب الخلط فاستعملهم في الجندية بعد أن كانوا في عداد القبائل الغارمة من لدن المنصور السعدي فاعتنى بهم الخليفة المذكور ونقلهم من بلاد سفيان وبني مالك وأحواز العرائش وأنزلهم بزقوطة ووادي مكس من أعمال مكناسة وكساهم وأجرى عليهم الجرايات ثم اختل أمرهم بعد سنتين أو ثلاث وفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف ورد كتاب من السلطان رحمه الله يقول فيه بعد الافتتاح ما نصه خديمنا الأرضى الطالب عبد العزيز محبوبة وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد فبوصول كتابنا هذا إليك عين عشرين من الولدان النجباء لتعلم علم تاطبجيت وانظر لهم معلما ماهرا أو معلمين من طبجية البلد يعلمهم ويشرعون في التعلم الآن فيبدؤون بمقدماته ثم يتدربون منها إلى الأخذ في تعلم رماية المدفع والمهراس وهكذا حتى ينجبوا ويمهروا في الصنعة ويصيروا قادرين على الخدمة ونطلب الله أن يعينهم ويفتح بصائرهم وهؤلاء العشرين يكونون زائدين على من هنالك من الطبجية ونأمر الأمناء أن يرتبوا لهم إعانة على ذلك خمس عشرة أوقية في كل شهر للواحد ثم من ظهرت نجابته منهم وفاق غيره فإنا نزيده في المرتب كما نأمرهم أن يرتبوا لمعلمهم واحد أو أثنين ثلاثين أوقية للواحد في كل شهر زيادة على راتبهم المعلوم واعتن بأمرهم غاية الاعتناء وقد كتبنا لغيركم من المراسي مثل هذا وسننظر من تظهر ثمرته واعتناؤه والسلام في عشرين من ذي القعدة عام ثلاث وسبعين ومائتين وألف اه نص الكتاب الشريف وفي هذه السنة انعقدت الشروط بين السلطان وبين النجليز وهي قسمان قسم في أمور التجارة وبيان الصاكة والأعشار وأن لا تعطى من أعيان السلع إلا إذا أراد التاجر ذلك عن طيب نفسه وهي خمسة عشر شرطا وقسم في أمور الهدنة بشمول الأمن والاحترام لرعيتي الجانبين في أي موضع كانوا وهي ثمانية وثلاثون شرطا وكان المباشر لعقدها أبو عبد الله محمد الخطيب التطاوني بطنجة

بعث السلطان المولى عبد الرحمن أولاده إلى الحجاز وما اتفق لهم في ذلك

وفي سنة أربع وسبعين ومائتين وألف بعث السلطان رحمه الله أولاده إلى الحجاز بقصد أداء فريضة الحج وهم المولى علي والمولى إبراهيم والمولى عبد الله والمولى جعفر وابن عمهم المولى أبو بكر بن عبد الواحد بن محمد بن عبد الله وبالغ السلطان رحمه الله في حسن تجهيزهم بما لم يتقدم مثله لإخوتهم الذين حجوا قبلهم لا من الأموال ولا من الرجال ولا من الأدوات والمراكب الفارهة والمرافق العديدة وبعث معهم من الأموال شيئا كثيرا لأشراف الحرمين ولخواص معينين من الفقهاء والمجاورين ووجه أكابر التجار والأمناء العارفين بعوائد البلاد والأقاليم والأمم مثل الحاج محمد بن الحاج أحمد الرزيني التطاوني والحاج محمد بن جنان البارودي التلمساني وبعث معهم قاضي مكناسة الفقيه العلامة السيد المهدي بن الطالب بن سودة المري الفاسي وأخاه الفقيه العلامة السيد أحمد بن سودة في جملة من الفقهاء يقرؤون عليهم أخبرني الحاج عبد الكريم بن الحاج أحمد الرزيني وهو أخو الحاج محمد المذكور آنفا أن السلطان المولى عبد الرحمن رحمه الله لما عزم على بعث أولاده إلى الحجاز استدعى الأمين الحاج محمد المذكور فدخل عليه فأوصاه بما تنبغي الوصاة به وأخبره أن المال الذي عينه للنفقة على الأولاد المذكورين هي نفقة جمعت من حلال بعضها من أصول بتافيلالت وبعضها من غيرها مما هو حلال وقال له احتفظ بذلك المال واجعل السخاء فيه بمنزلة الملح في الطعام اه ولما عزم الأولاد المذكورين على الانفصال إلى وجهتهم أصحبهم السلطان رحمه الله وصية كافية يقول فيها ما نصه الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أولادنا عبد الله وإبراهيم وعليا وأبا بكر وجعفرا وفقنا الله وإياكم للعمل بطاعته وحفظكم وأرشدكم وتولاكم وكان لكم في سائر أحوالكم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد فإنه لما كانت الأولاد قطع الأكباد وعماد الظهور وثمار القلوب وشفاء الصدور وجب أن يكون لهم الآباء السماء الظليلة والسحابة المنيلة وخير الآباء للأبناء ما لم تدعه المودة للتفريط في الحقوق وخير الأبناء للآباء ما لم يدعه التقصير إلى المخالفة والعقوق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأولاد من رياحين الجنة وقال القائل ( وإنما أولادنا بيننا أكبادنا % تمشي على الأرض ) ( إن هبت الريح على بعضهم % تمتنع العين من الغمض ) هذا وإن أولى ما زود به والد ولده وصية يتخذها في سفره إمامه ومعتمده فاعلموا أنا وجهناكم لحج بيت الله الحرام وزيارة قبر نبيه عليه الصلاة والسلام واستودعناكم الله الذي لا تضيع ودائعه فاقدروا قدر هذه الوجهة التي قصدتموها واعرفوا حق هذه العبادة التي يممتموها فتوجهوا لها بحسن النية راجين من الله سبحانه بلوغ القصد والأمنية وأوصيكم بتقوى الله في السر والعلانية فإن خير الزاد التقوى وبما أوصى به إبراهيم بنيه @QB@ يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون @QE@ البقرة 132 وبما قال لقمان لابنه وهو يعظه @QB@ يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم @QE@ @QB@ يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر @QE@ لقمان 13 ، 17 الآية واستوصوا بعضكم بعضا خيرا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة وأخوكم مولاي عبد الله أكبركم فكونوا عند إشارته فإن للسن حقا في التقدم وفي الحديث الشريف كبر كبر ومنذ نوينا توجيهكم لهذه الوجهة السعيدة ونحن نجيل الفكر فيمن نوجهه معكم حتى وقع اختيارنا على خديمنا الحاج محمد الرزيني لكونه نعم الرجل واجتمع فيه من الأوصاف المحمودة ما افترق في غيره فكونوا له بمنزلة الأولاد البررة وليكن لكم بمنزلة الوالد الشفيق كما قال القائل ( وكان لها أبو حسن علي % أبا برا ونحن له بنين ) وآزرناه بالحاج أبي جنان البارودي لمروءته وحسن هديه وسمته وكلاهما خير والحمد لله وآثرناكم على أنفسنا بالفقيه الأوحد المشارك السيد المهدي ابن سودة وتوجه معه أخوه وهو أيضا ممن يشفع بعلمه فأوفوا كل واحد منهم قسطه ومستحقه مما أرشد إليه الرسول فهذب وأدب إذ قال ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه وحافظوا على دينكم واشتغلوا بما يعنيكم واتركوا ما لا يعنيكم ففي الحديث الشريف من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه واعكفوا على قراءتكم ولا تضيعوا الأوقات في البطالة خصوصا ما يتعلق بالعبادة التي أنتم بصددها فمن الآن اصرفوا كليتكم لقراءة المناسك وابدؤوا بأسهلها وأقربها مناسك المرشد المعين ثم منها إلى ما هو أوسع فروعا وأكثر مسائل وعلى الفقيه السيد المهدي المذكور أن لا يألو جهدا ونصيحة في تعليمكم والقراءة معكم واجعلوا أيضا وقتا مع أخيه فإنه من طلبة الوقت المدرسين فلم يبق لكم عذر في التقصير والبطالة وكل من توجه معكم من الأصحاب والأتباع والدايات فهو في رعايتكم وفي الحديث كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فعلموهم أمر دينهم ومناسك حجهم وخاطبوهم في ذلك على قدر ما يفهمون ليكون عملهم في صحيفتكم وفي الحديث خيركم من تعلم وعلم وفيه أيضا لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس وتحلوا بحلية أهل الفضل والكمال وكونوا على ما ينبغي من الأدب مع الخلق ومع الخالق وهذبوا أخلاقكم وهشوا وبشوا لملاقاة الناس وعاملوا كل واحد بما يستحقه ولا زال الناس يذكرون هنالك أخاكم مولاي سليمان أصلحه الله ويدعون له في تلك الأماكن الشريفة لما رأوا من سعة أخلاقه وحسن بشره وبشاشته مع الناس ونعهد إليكم أن لا تتركونا من الدعاء في أي موطن حللتموه من تلك المواطن الشريفة خصوصا عند الملتزم والمقام وغيرهما من الأماكن التي ترجى إجابة الدعاء عندها وتوبوا عنا في استلام الحجر الأسعد وفي زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والتسليم عليه وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وعليكم بالاستقامة في جميع أموركم وسلوك سبيل الموافقة والائتلاف وترك المشاجرة والاختلاف ومخالفة الهوى والنفس والشيطان فإن له مزيد تسلط بالشر في طرق الخير فكونوا في جميعها على حذر قال تعالى @QB@ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا @QE@ فاطر 6 نسأل الله لكم الحفظ والسلامة والأمن والعافية ذهابا وإيابا في أنفسكم ودينكم ودنياكم ونستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتم عملكم فتوجهوا في حفظ الله على مهل حتى تصلوا إلى القصر وأقيموا به في جوار أبي الحسن بن غالب نفعنا الله وإياكم ببركاته كما فعل إخوانكم قبل فإن المقام بالقصر خير من المقام بطنجة حتى يقدم البابور ويكتب لكم الخطيب بالإعلام وحينئذ توجهوا إليها راشدين وقد كتبنا بذلك للطالب محمد الخطيب وطالعوا الحاج محمد الرزيني على كتابنا هذا حين تتلاقوا معه إن شاء الله واعلموا أننا عينا عشرين ألف ريال بقصد أن يشتري بها حبس في سبيل الله عشرة آلاف ريال يشتري بها ما يكون حبسا بمكة وعشرة آلاف ريال يشتري بها ما يكون حبسا في سبيل الله بالمدينة المنورة وهي من جملة ما حاز الحاج محمد الرزيني ورفيقه فيما حازا من الصائر رجاء أن يبقى أجر ذلك جاريا منتفعا به إن شاء الله والسلام في السادس من رمضان المعظم عام أربعة وسبعين ومائتين وألف قال أكنسوس وكان ركوبهم من طنجة في قرصان النجليز فلما بلغوا إلى الإسكندرية تلقاهم صاحب مصر بغاية الفرح والسرور وفوق ما يوصف من الإكرام والبرور وأنزلهم في أعز مساكنه وأبهاها وأبهجها وأشهاها وأعد فيها كل ما يحتاج إليه من أواني الفضة والذهب وفرش الحرير والديباج والنفائس الغريبة ورتب لهم الرواتب العالية من أنواع الأطعمة والأشربة الفاخرة التي تناسب أقدارهم وأباح لهم الدخول إلى كل محل أرادوا رؤيته من الأبنية والمصانع والرياض والبساتين الملوكية التي يتعجب من رؤيتها وتنقل أخبارها فشاهدوا من ذلك ما لا يكشف حقيقته اللسان وما لا يظن أن تناله قدرة الإنسان ثم ركبوا في بحر القلزم إلى جدة فقضوا مناسكهم وشفوا غلتهم من مباشرة شعائر الشريعة المطهرة من الطواف والسعي والوقوف وزيارة المشاهد المباركة وتوجهوا إلى أعظم المقاصد وأسناها التي هي لنفوس المؤمنين غاية منأها زيارة شفيع الأمم في الموقف الأعظم وكانوا صادفوا بمكة وخما وفساد هواء مات منه كثير من الحجاج الأفاقين فمات من أصحابهم جملة ومات من أولاد السلطان المولى إبراهيم والمولى جعفر الأول بمكة والثاني بالمدينة وسلم الله الباقي وأكرمه وأعلى مقامه وعظمه وجمع له بين شرف الحياة وثواب احتساب مصيبته لمن مات ولما فازوا بزيارة سيد الأرضين والسموات ووافقتهم السعادة في ذلك المقام الذي تتضاءل دونه جميع المقامات وأدركوا ما أملوه من لثم تراب أشرف البقاع وأكرم الحجر وانفجر عليهم من كرم الله ما انفجر ونال كل واحد ما كان يؤمله ويرجوه فخرجوا من المدينة راجعين بكل خير وغسلوا بالدموع ما كانوا عفروه في تلك الأماكن من الوجوه ولكن نالتهم مشقة فادحة من عتاة الأعراب في المسافة التي بين المدينة وينبع لأنهم انفردوا عن الركب عند الرجوع ولولا لطف الله لاستؤصلوا عن آخرهم ولقد كانت نجاتهم من تلك الشدة من أعجب العجاب وفي خلوصهم منها عبرة لأولي الألباب فإنهم كمن بعث بعد مماته وإقباره وانقطاع أنفاسه وأخباره والحمد لله الذي لا تخفر ذمته ولا تنتهك حرمته فلما بلغوا ينبع وجدوا المراكب التي تحملهم في انتظارهم فركبوا قافلين ورياح السلامة تسوقهم وأرباح التجارة والسعادة قد تكفل بها سوقهم فلما وردوا حضرة مراكش تحت ظلال السلامة وقد نشر عليهم القبول بنوده وأعلامه باتوا بقنطرة تانسيفت وفي الغد ركبت الخيول والعساكر السلطانية لتلقيهم وخرج أهل مراكش في زيهم وزينتهم وكان يوم لقائهم يوما مشهودا وموسما من المواسم المعظمة معدودا اه وفي سنة خمس وسبعين ومائتين وألف وذلك يوم الجمعة السابع عشر من محرم منها توفي عالم فاس والمغرب والمجيد في صناعة التدريس والتحرير لا سيما مختصر الشيخ خليل الفقيه العلامة الأوحد أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الفيلالي الفاسي وكان المصاب به خصوصا عند طلبة العلم عظيما ولم يترك بعده في إجادة تحرير المسائل الفقهية مثله رحمه الله ونفعنا به وفي ليلة السادس من شعبان منها بعد العشاء الأخيرة زلزلت الأرض زلزالا يسيرا وفي رابع شوال من هذه السنة ورد المجاهد أبو محمد عبد الله بن محمد بن العربي فنيش السلاوي من مدينة لوندرة إلى ثغر سلا ومعه مركب موسوق فيه سبعة عشر مدفعا ومهراسان عظيمان من المعدن وأشياء أخر من آلة الحرب وكان جلبه لذلك بأمر السلطان المولى عبد الرحمن لعمارة البستيون الجديد بسلا الذي قدمنا ذكره قبل والله تعالى أعلم وفي هذه السنة ظهر الكوكب ذو الذنب أيضا وهي المرة الثالثة في هذه المدة

وفاة أمير المؤمنين المولى عبد الرحمن بن هشام رحمه الله

كان أمير المؤمنين المولى عبد الرحمن رحمه الله قد قدم مراكش فاتح سنة سبعين ومائتين وألف ولأول دخوله عزل الوزير أبا عبد الله الجامعي ورتب مكانه الفقيه أبا عبد الله غريط أياما يسيرة ثم استوزر الفقيه أبا عبد الله الصفار التطاوني واستمر السلطان مقيما بمراكش إلى آخر سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف فغزا زمور الشلح واجتمع عليها هو والخليفة سيدي محمد على العادة ثم صار الخليفة إلى مراكش وانحدر السلطان إلى مكناسة فاستمر مقيما بها يغزو زمور الشلح ويعود إليها وربما ذهب في بعض الأحيان إلى فاس إلى أن دخلت سنة ست وسبعين ومائتين وألف فمرض مرض موته وقد كان ابتدأ به وهو منازل لزمور فنهض عنها إلى مكناسة وتمادى به مرضه إلى أن توفي يوم الاثنين التاسع والعشرين من محرم فاتح سنة ست وسبعين ومائتين وألف ودفن بين العشاءين أول ليلة من صفر بضريح السلطان الأعظم المولى إسماعيل رحم الله الجميع بمنه وقد كنت رثيته بقصيدة شذت عني الآن وأولها ( أمن طيف ذات الخال قلبك هائم % ودمعك هام واكتئابك دائم ) ( وهل أذكرتك النائبات عشائرا % عفت منهم بعد المعالي معالم ) ورثاه الفقيه أبو عبد الله أكنسوس بقوله ( هذي الحياة شبيهة الأحلام % ما الناس إن حققت غير نيام ) ( حسب الفتى إن كان يعقل أن يرى % منه لآدام رؤية استعلام ) ( فيرى بداية كل حي تنتهي % أبدا وإن طال المدا لتمام ) ( والنفس من حجب الهوى في غفلة % عما يراد بها من الأحكام ) ( أوليس يكفي ما يرى متعاقبا % بين الورى من سطوة الأيام ) ( من لم يصب في نفسه فمصابه % بحبيبه حكما على إلزام ) ( بعد الشبيبة شيبة يخشى لها % ذو صحة أن يبتلى بسقام ) ( دار أريد بها العبور لغيرها % ويظنها المغرور دار مقام ) ( منع البقاء بها تخالف حالها % وتكرر الإشراق والإظلام ) ( لو كان ينجو من رداها مالك % في كثرة الأنصار والخدام ) ( لنجا أمير المؤمنين ومن غدا % أعلى ملوك الأرض نجل هشام ) ( خير السلاطين الذين تقدموا % في الغرب أوفي الشرق أو في الشام ) ( سر الإله ورحمة منشورة % كانت سرادق ملة الإسلام ) ( قصدته عادية الحمام فما عدت % إن هددت علما من الأعلام ) ( لم تحجب الحجاب منها طارقا % كلا ولا دفعت يد الأقوام ) ( والملك في عز مهيب شامخ % وإمامه في جرأة الضرغام ) ( عجبا لها لم تخش من فتكاته % والأسد تزأر حوله وتحامي ) ( عجبا لها لم تستح من وجهه % والوجه أبهج من بدور تمام ) ( عجبا لها لم ترع طول قيامه % متهجدا لله خير قيام ) ( تبا لها لم تدر من فجعت به % من معتق وأرامل الأيتام ) ( أسفا على ذات الجلال وأنه % لأجل من أسف وفرط هيام ) ( يا مالكا كانت لنا أيامه % ظلا ظليلا دائم الإنعام ) ( لا ضير أنك قد رحلت ميمما % دار الهناء وجنة الإكرام ) ( في حضرة تغدو عليك بشائر % من حورها بتحية وسلام ) ( ضاجعت في تلك القصور كواعبا % درية الألوان والأجسام ) ( تسقيك صرف السلسبيل مروقا % وتدير كأسا من مدام مدام ) ( فلك الرضى فانعم بما أعطيته % ولك الهناء بنيل كل مرام )

بقية أخبار أمير المؤمنين المولى عبد الرحمن وسيرته ومآثره

يكفيك أيها الواقف على أخبار هذا الإمام الجليل السري النبيل من مناقبه خصلتان إحداهما شهادة عمه السلطان المولى سليمان له بالتقوى والعدالة والمحافظة على خصال الخير ونوافله حتى قدمه على بنيه حسبما مر ذلك كله مستوفى والثانية إقامته صلب هذه الدولة الشريفة بعد إشرافها على الاختلال وردها إلى شبابها بعد أن حان منها الزوال والارتحال كما رأيته أيضا فعلى التحقيق أن المولى عبد الرحمن رحمه الله هو المولى إسماعيل الثاني وأما حزمه وضبطه وكمال عقله وتأنيه في الأمور ووضعه الأشياء مواضعها وتبصره في مبادئها وعواقبها وإجراؤها على قوانينها فما أظنك تجهل منه شيئا بعد أن قصصنا عليك ما مضى من أخباره رحمه الله وقد رأيت كيف نزلت به النوازل وترادفت عليه الهزاهز من غير معين يذكر أو وزير يعتبر إلا في القليل النادر فقام رحمه الله بأعباء ذلك كله وعالج حلوه ومره حتى رد النصاب الملكي

إلى أصله وأحل عزه في محله وأما ورعه وصبره وحياؤه وتوقفه في الدماء توقفا تاما إلا إذا حصحص الحق وصرح الشرع فكل ذلك أمر معلوم يعلمه الخصوص والعموم وأما آثاره بالمغرب فشيء كثير من ذلك ما افتتح به ولايته من بناء ما تهدم من مرسى طنجة وصير عليه مالا عظيما حتى أعاده أحسن وأحصن مما كان ومن ذلك تجديد الحرم الإدريسي بفاس وبناء مسجده وتوسعته وتنميقه حسبما مر ومن ذلك البرجان العظيمان بسلا وأشبار الكبير المواجه للبحر منها والمارستان الكبير بضريح الشيخ ابن عاشر والمنار الشهير بالمسجد الأعظم منها وخزين البارود بالقليعة وغير ذلك وأشبار الكبير برباط الفتح وبنى بأعمالها لحفظها وتأمين طرقها قصبتين كبيرتين إحداهما الصخيرات والأخرى قصبة أبي زنيقة فأمن الناس بهما وارتفقوا بالتردد إليهما وجدد ما تهدم من أبراج الصويرة واعتنى بها وصير عليها أموالا ثقالا فجاءت في غاية الإتقان والحصانة ومن آثاره بمراكش آجدال الشهير وتجديد جامع المنصور بالقصبة بعد أن لم يبق منه إلا الاسم فأعاده إلى حالته الأولى على ضخامته وانفساحه وعلو بنائه وتجديد جامع الكتبيين مرتين وإصلاح قبة الشيخ أبي العباس السبتي رضي الله عنه والزيادة في جامع الشيخ أبي إسحاق البلفيقي بسوق الدقاقين منها وهدم جامع الوسطى وإعادته على شكل بديع وهيئة حسنة وبناء جامع أبي حسون وإقامة الجمعة به كما كانت أولا وبناء جامع القنارية والزيادة فيه ومن آثاره بحضرة فاس العليا تجديد بستان آمنة المرينية قال أكنسوس وكان هذا البستان خرابا تألفه الوحوش مع أنه بباب دار السلطان وفي سرة الحضرة وقد كان في الدول المرينية على هيئة بهية فيه ظهرت زينة تلك الدولة وضخامتها وفيه مقاعدهم ومنازلهم العالية ومجالسهم المشرفة على بساتين المستقى إلى أن قال وبالجملة فقد كانت تلك العرصة منية من زينة الحياة الدنيا وجنة حائزة من البهجة المرتبة العليا ثم أخنت عليها الأيام بصروفها ومحت من تلك الرسوم جميع حروفها فرآها الملوك قبل مولانا المؤيد فلم يرقوا لحالها ولا أنقذوها من أوحالها مع أنها في جوارهم وعقر ديارهم فعطف الله عليها هذا السلطان المبارك فأعاد بعد الممات محياها وأبرز من ظلمات العدم جميل محياها

الخبر عن دولة أمير المؤمنين سيدي محمد بن عبد الرحمن رحمه الله

كان سيدي محمد بن عبد الرحمن بن هشام رحمه الله بعين الرضى من والده منذ نشأ وشب وكان متميزا عن سائر إخوته بشدة البرور بأبيه ومتصفا بالسكينة والوقار والصلاح والتقوى وسائر خصال الخير واستخلفه أبوه صغيرا فجرى على السنن الأقوم وحمدت سيرته ولما رأى منه السلطان رحمه الله مخايل النجابة والصلاح فوض إليه وألقى بزمام مملكته بيديه ولم يدخر عنه شيئا من أمور الملك ووظائفه فاستلحق في أيام أبيه واستركب واتخذ العساكر وجند الأجناد وقدم وأخر وخفض ورفع وأعطى ومنع حتى كأنه ملك مستقل وكانت العادة أنه إذا كان السلطان بمراكش كان سيدي محمد هذا بفاس أو بمكناسة وبالعكس فلما مرض السلطان رحمه الله مرض موته بمكناسة كان سيدي محمد بمراكش فلم يرعه إلا ورود الكتب عليه من أخيه المولى العباس ومن الوزير أبي عبد الله الصفار أن السلطان قد أشرف ووقع اليأس منه فنهض سيدي محمد من مراكش منزعجا وجد السير لعله يدرك حياة أبيه فلما كان ببلاد السراغنة على مرحلتين من مراكش اتصل به الخبر بوفاة السلطان رحمه الله ثم قدمت عليه بيعة أهل الحضرتين فاس ومكناسة وجميع الجيش البخاري وسائر أهل الحل والعقد من أعيان القبائل والبربر فاسترجع السلطان لمصابه وشكر الله إذ أبقى أمر المسلمين في نصابه وكتب بالخبر إلى مراكش وبعث بالبيعة الواردة عليه فاجتمع أهل مراكش على طبقاتهم بجامع الكتبيين وحضر عامل البلد يومئذ أبو العباس أحمد بن عمر بن أبي ستة وقائد الجيش السوسي بالقصبة أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الجراوي وقواد الحوز من الرحامنة وغيرهم فقرىء كتاب السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن بالأخبار بموت والده واجتماع الناس على بيعته فارتفعت الأصوات بالترحم على السلطان الصائر إلى عالم الرضى والرحمة وبالنصر لهذا الذي اختاره الله لحماية الأمة وكتب أهل مراكش بيعتهم من إنشاء أبي عبد الله أكنسوس وكذا الجيش السوسي وأهل الحوز وقدموا على السلطان سيدي محمد بمكناسة مؤدين الطاعة داخلين فيما دخلت فيه الجماعة فأكرم وفادتهم وأجل مقدمهم وأفاض عليهم من الإحسان ما غمرهم وكان مما قيل في تهنئته بالملك قول أبي عبد الله أكنسوس ( وجوه الأماني حسنها متجدد % ومنظرها يحكيه خد مورد ) ( قضى الحب في كل القلوب بأنها % مماليك أرباب الجمال وأعبد ) ( وكم من عصي للهوى متعفف % يفر من السود العيون ويبعد ) ( تصيده ظبي على حين غفلة % مهفهف مستن الوشاحين أغيد ) ( فأصبح مفقود الفؤاد مخبلا % وأي فؤاد عاشق ليس يفقد ) ( ولله في أسر الغرام ونهره % نفوس ضعاف ليلهن مسهد ) ( إذا الليل أضواها تكنفها الهوى % وليس لها غير الكواعب منجد ) ( وذي ظمأ بين الضلوع يجنه % إلى رشفات للصبابة تبرد ) ( تراءى له من منحنى الجزع برقه % فظن بأن الجزع ثغر منضد ) ( وتذكره تلك البروق مباسما % عليهن مرفض الجفان معقد ) ( يراقب أسراب النجوم بمقلة % تقسمها شطرين نسر وفرقد ) ( ويهفو لأيام العقيق فتنثني % مدامعه مثل العقيق تبدد ) ( وهل يتناهى عهد من سكن اللوى % إذا العيش غض والحبائب تسعد ) ( وما زالت الأيام تغري بنا النوى % وتنفي الذي نهواه عنا وتبعد ) ( ولست أبالي للزمان صروفه % وكهفي أمير المؤمنين محمد ) ( خليفة رب العالمين بأرضه % وصارمه الشاكي الشبات المهند ) ( إمام تولى الله تشييد ملكه % وناهيك ملكا بالإله يشيد ) ( وصفوة هذا الخلق من آل هاشم % وأعلى ذوي التيجان فخرا وأمجد )

( وأرحبهم في العز باعا وفي العلى % وأكثرهم في الفضل حظا وأزيد ) ( أتته عروس الملك عاشقة له % وكم عاشق عنها يذاذ ويطرد ) ( وألقت على شوق إليه زمامها % فطاب لها منه الجناب الممهد ) ( فأصبحت الأيام تزهو بعدله % وتنعم في ظل الهناء وتسعد ) ( ففي بابه مأوى المكارم والندى % وفي بابه الخيرات تولي وتوجد ) ( ودولته للعز والنصر مألف % وحضرته للأمن واليمن موعد ) ( تذل ملوك العالمين لبأسه % وتركع مهما أبصرته وتسجد ) ( له راحة في الجود ما الغيث عندها % وما البحر والدر النفيس المقلد ) ( له أنعم تأوي إلى ظلها المنى % وتسحب أذيال السماح وترفد ) ( وعزم على الخيرات ليس بسامع % مقالة من في المكرمات يزهد ) ( ورأي ينير الخطب عند اعتكاره % ويفسخ ما أيدي النوائب تعقد ) ( ووجه إذا ما لاح أيقنت أنه % محيا له وقت السعادة مولد ) ( حيي كثير الابتسام مبارك % يكبر ربي إن بدا ويوحد ) ( أهز بهذا المدح منه معاطفا % تجر ذيول الفخر إن هو يحمد ) ( له العسكر الجرار تبرق في الوغا % صوارم منه والمدافع ترعد ) ( يعد إلى الأعداء كل كتيبة % من الرعد يحدوها الوشيح المسدد ) ( وكل كمى كالغضنفر مغضبا % وكل صقيل وهو ماض مجرد ) ( يبد العدا قبل اللقاء مهابة % فصارمه يفري الطلى وهو مغمد ) ( هو الملك المشهور بالحلم والدها % وبالعلم والشهب الدراري تشهد ) ( تشد لإدراك الغنى عند بابه % ركائب أنضاها الدؤب المشدد ) ( يحدث عنه الوفد عند صدوره % أحاديث من بحر إذا البحر يزيد ) ( إلى مجده آمالنا قد تطاولت % وليس لها إلا حماه المؤيد ) ( فيا ملكا يحمي الرعية بأسه % ويحييهم بالبذل والبذل أرغد ) ( يدبر فيهم كل يوم مصالحا % تعود بما يرضون والعود أحمد ) ( ويشملهم بالعدل والفضل والندا % ويصلح بالصمصام من هو مفسد ) ( هنيئا لك الملك الجديد فإنه % يدوم بحمد الله وهو مسرمد ) ( هنيئا لنا نحن العبيد فإننا % بسؤدد مولانا الإمام نسود ) ( ودونك يا خير السلاطين كاعبا % بديعة حسن للنهي تتودد ) ( تدير كؤوس الراح دون تأثم % إذا هي أثناء المحافل تنشد ) ( فلا زلت ما بين الملوك مخيرا % كما اختبر ما بين المعادن عسجد ) وفي هذه الأيام ظهر المولى عبد الرحمن بن سليمان بن محمد وقرب من فاس طالبا للملك قيل إن بعض أبناء عمه بفاس ومكناسة لما توفي السلطان رحمه الله كاتبوه واستحثوه للقدوم وواطأهم على ذلك بعض عبيد البخاري وبعض البربر الذين بأحواز مكناسة ولما قرب من فاس كان الفقيه أبو عبد الله محمد العربي بن المختار الجامعي يومئذ يلي أمر شراقة بها فقام في ذلك أحسن قيام وحمل الناس على الثبات والتمسك بطاعة أمير المؤمنين سيدي محمد بن عبد الرحمن فكان ذلك سببا في سكون هذه الفتنة وانحسام مادتها فرجع المولى عبد الرحمن بن سليمان عوده على بدئه وآيس من بلوغ قصده وأقام بزاوية العياشي عند البربر إلى أن أضمحل أمره ولما قدم السلطان سيدي محمد رحمه الله من مراكش إلى مكناسة اجتاز بمدينة سلا ونزل برأس الماء في الثالث والعشرين من صفر سنة ست وسبعين ومائتين وألف وبعد الزوال دخل في جماعة من حاشيته وزار الشيخ أبا محمد عبد الله بن حسون والشيخ أبا العباس أحمد بن عاشر رضي الله عنهما ودخل البستيون الكبير ورأى مدافعه منصوبة على عجلات الحديد وكانت تغوص في الأرض إذا جرت من شدة ثقل المدافع فأشار بأن يفرش لها بساط من العود الجيد المحكم الصنعة والتركيب حتى يتأتى جريانها عليه بلا كلفة فصنعت لها كما أشار رحمه الله وقد كنت مدحته بقصيدة لم يبق على ذكري الآن منها إلا بيتان وهما ( حوى العلويون المعالي كلها % وما منهم إلا ذرى المجد صاعد ) ( ولكن أمير المؤمنين محمد % هو البدر في العلياء وهي الفراقد )

انتقاض الصلح مع الإصبنيول واستيلاؤه على تطاوين ورجوعه عنها والسبب في ذلك

كان السبب في انتقاض الصلح مع جنس الإصبنيول أن العادة كانت جارية مع أهل سبتة من النصارى وأهل اللانجرة من المسلمين أن يتخذ كل من الفريقين محلا للحراسة على المحدة التي بينهما وكان النصارى يتخذون هنالك بيوتا صغارا من اللوح والمسلمون يتخذون أخصاصا من البردى ونحوه فلما كان آخر دولة السلطان المولى عبد الرحمن رحمه الله بنى نصارى سبتة على المحدة بيتا من حجر وطين وجعلوا فيه علامة طاغيتهم المسماة عندهم بالكرونة فتقدم إليهم أهل اللانجرة وقالوا لهم لا بد أن تهدموا هذا البيت الذي لم تجر العادة ببنائه وترجعوا إلى حالتكم الأولى من اتخاذ بيوت الخشب فامتنع النصارى من ذلك فعمد أهل اللانجرة إلى ذلك البيت فهدموه وإلى تلك الكرونة فنجسوها بالعذرة وقتلوا منهم أناسا وضيقوا على أهل سبتة بالغارات حتى كانوا يصلون إلى السور فرفع أهل سبتة أمرهم إلى كبيرهم بطنجة فكلم كبيرهم نائب السلطان بها وهو يومئذ أبو عبد الله محمد ابن الحاج عبد الله الخطيب التطاوني وشكا إليه ما نال أهل سبتة من عيث اللانجرة فدافعه الخطيب فلم يندفع وقال لا بد من حضور اثني عشر رجلا منهم بطنجة وسماهم بأسمائهم ولا بد من قتلهم جزاء على فعلهم فعظم الأمر على الخطيب وربما كلم في ذلك باشدور النجليز فقال له أحضر هؤلاء المطلوبين على عين الأجناس وإذا حضروا وظهر حق الإصبنيول فأنا ضامن أن لا يصيبهم شيء فأعجب الخطيب ذلك وعزم عليه فاتصل الخبر بأهل اللانجرة وأن الخطيب عازم على أن يكتب إلى السلطان في شأن اثني عشر رجلا منهم بأعيانهم فمشوا إلى الشريف سيدي الحاج عبد السلام بن العربي الوزاني وقالوا له إن الخطيب لا ينصح السلطان ولا المسلمين وإن كل ما قاله النصارى يساعدهم عليه حتى جسرهم علينا ونحن جئناك لتعلم السلطان بأمرنا وتسأله أن يمدنا بالقبائل المجاورة لنا ونحن نكفيه هذا المهم وفي أثناء هذه المدة توفي السلطان المولى عبد الرحمن رحمه الله وولي ابنه سيدي محمد وقدم مكناسة واجتمعت كلمة أهل المغرب عليه فكتب له الشريف سيدي الحاج عبد السلام بأمر أهل اللانجرة وقرر له مطلبهم فشاور السلطان في ذلك بعض حاشيته فمال إلى الحرب وذلك كان الراجح عند السلطان لأنه عظم عليه أن يمكن العدو من اثني عشرا من المسلمين وفق اقتراحه واختياره يقتلهم بمحضر الملأ من نواب الأجناس ورأى رحمه الله أن لا يمكنه من مطلبه حتى يعذر فيه فاستخار الله تعالى وبعث خديمه الحاج محمد بن الحاج الطاهر الزبدي الرباطي إلى الخطيب بطنجة وأمره أن ينظر في القضية ويستكشف الحال وأن لا يجنح إلى الصلح إلا إذا لم يجد عنه محيصا وكثر المتنصحون لدى السلطان وهونوا عليه أمر العدو جدا مع أنه ليس من السياسة تهوين أمر العدو وتحقيره ولو كان هينا حقيرا فوصل الزبدي إلى طنجة واجتمع بالخطيب وفاوضه في القضية فوجد الخطيب جانحا إلى السلم فأبى أن يساعده على ذلك وأظهر كتاب السلطان بتفويض النظر إليه في النازلة فتأخر الخطيب عنها وترك الخوض والكلام فيها وآخر الأمر أن الزبدي انفصل مع نائب الإصبنيول على الحرب وذهب إلى حال سبيله وأزال الإصبنيول سنجقه من طنجة وركب إلى بلاده في الحين وكتب الزبدي إلى السلطان بالخبر فكتب السلطان إلى الثغور يخبرهم بما عقده مع الإصبنيول من الحرب وأمرهم أن يكونوا على حذر وأن يأخذوا أهبتهم للجهاد وفتح السلطان بيت المال وأبدأ وأعاد في تفريق المال والسلاح والكسي وقدم أولا القائد المأمون الزراري إلى تطاوين في نحو مائة فارس وخمسمائة من رماة العسكر فرابطوا خارج تطاوين إلى جهة سبتة ثم برز جيش الإصبنيول من سبتة في نحو عشرين ألفا من العسكر في غاية الاستعداد وكمال الشوكة ونزل على طرف المحدة داخل أرضه وكان خروجه يوم السبت أواسط ربيع الأول سنة ست وسبعين ومائتين وألف فنهض إليه أهل اللانجرة ومن جاورهم من قبائل الجبل وتسامع الناس بذلك فقدموا من كل جهة حتى اجتمع منهم نحو الخمسة آلاف وزحفوا إلى العدو وقاتلوه نحو نصف شهر وكل يوم يقتل منه ضعف ما يقتل من المسلمين لأن حربه كان زحفا بالصف وحربهم كان مطاردة بالكر والفر فلا بد أن يهلك منه أكثر مما يهلك من المسلمين غير أنهم لم يتمكنوا من مخالطته في معسكره ولا من هزيمته لأنه كان يحصن على نفسه بأشبارات والمتارزات بخناشى الرمل وغيرها غاية التحصين ثم بعث السلطان رحمه الله أخاه الفقيه العلامة المولى العباس في كتيبة من الخيل نحو الخمسمائة فارس فنزل بموضع يعرف بعين الدالية قرب طنجة ثم بعد أيام زحف إلى العدو فنزل بمدشر يقال له البيوت باللانجرة واستمر القتال بين المسلمين والنصارى على نحو ماسبق نحو العشرة أيام ثم انتقل المسلمون إلى موضع آخر يعرف بأبي كدان خوفا من كرة العدو ودهمه إياهم فكان ذلك مما جرأ العدو عليهم وأظهر الفشل فيهم وقاتلوا هنالك نحو الخمسة عشر يوما ثم إن العدو اجتمع يوما وتحمل بخيله ورجله وزحف إلى المسلمين فصدمهم بجميع قوته وشوكته فصبروا له وصدقوه اللقاء فردوه على عقبه ولما لم يستقم له ذلك جمع نفسه ذات ليلة من غير شعور من المسلمين وركب البحر ونزل بمحل يعرف بالفنيدق لأنه كان هنالك فندق قديم وكان العدو في تنقلاته هذه لا يفارق الساحل ليحمي ظهره بمراكبه البحرية وكان بين الفندق ومحلة المسلمين نحو ساعة ونصف فأشار أهل الرأي على المولى العباس بأن يتأخر فليلا لكون العدو قد ضايقه فتأخر المولى العباس بالجيش إلى موضع يعرف بمجاز الحصا فازداد طمع العدو في المسلمين وظهر له ضعف رأيهم في مكائد الحرب وعدم ثباتهم لدى الطعن والضرب وكان قائد عسكر الإصبنيول يسمى أردنيل ووزيره المشير عليه يسمى بريم ورينتهم يومئذ إيسابيلا الثانية ثم عاد المسلمون إلى مطاردة العدو ومقاتلته على نحو ما أسلفنا فكانوا يذهبون إليه وهو بالفنيدق فيقاتلونه من الصباح إلى المساء فكانوا ينالون منه وينال منهم وفي أثناء هذه المدة وفد جماعة من أهل تطاوين على السلطان رحمه الله بمكناسة فأعظموا أمر العدو وتخوفوا معرته في مالهم وأولادهم لأنهم كانوا قد أحسوا بشدة شوكته فوعدهم السلطان رحمه الله بأن يمدهم ويحامي عنهم ولا يدخر عنهم شيئا من العدد والعدد حتى يعذر فيهم وفي غيرهم ثم إن العدو ارتحل من الفنيدق بعد نحو عشرة أيام وتقدم نحو تطاوين وكان الناس قبل هذا لا يدرون أين هو قاصد ولما ارتحل من الفنيدق عرفوا أنه قاصد تطاوين فنزل بموضع يقال له النيكرو فأقام هنالك نحو ثمانية أيام والقتال على حاله المتقدم غير أن العدو كان في مادة قوية من البر والبحر يصل إليه من سبتة وغيرها كل ما يحتاج إليه من طعام وعلف وأرز وشعير وبقسماط وغير ذلك حتى أنه كان إذا ارتحل ترك من ذلك فضلة كثيرة يتعيش فيها ضعفاء أهل تلك الناحية وكان ذلك مكيدة مقصودة عنده يظهر بها القوة والرفاهية وكان شذاذ المتطوعة من أهل البادية يهجمون على معسكره بالليل ويجلبون منه البغال والنيران ويصبحون بها في تطاوين وغيرها وكان ضعفاء العقول من العامة يستحسنون ذلك وينشطون له ويرون أنهم قد صنعوا شيئا مع أن ذلك لا عبرة به في جنب ما كان يستولي عليه العدو من الأرض ويتقدم به في نحر المسلمين وهم يتأخرون والحاصل أن المسلمين لم يكونوا يقاتلونه على ترتيب مخصوص وهيئة منضبطة إنما كانوا يقاتلونه وهم متفرقون أيدي سبا فإذا حان المساء تفرقوا إلى محالهم في غير وقت معلوم وعلى غير تعبية فكان قتالهم على هذا الوجه لا يجدي شيئا وكان العدو يقاتل بالصف وعلى ترتيب محكم وكانت عنايته بما يستولي عليه من الأرض ويرى تقدمه إلى أمام وتأخر المسلمين بين يديه إلى خلف هزيمة عليهم وقد ذكر ابن خلدون في فصل الحروب قتال أهل المغرب الذي هو المطاردة بالكر والفر وعابه فقال وصفة الحروب الواقعة بين أهل الخليفة منذ أول وجودهم على نوعين نوع بالزحف صفوفا ونوع بالكر والفر أما الذي بالزحف فهو قتال العجم كلهم على تعاقب أجيالهم وأما الذي بالكر والفر فهو قتال العرب والبربر من أهل المغرب وقتال الزحف أوثق وأشد من قتال الكر والفر وذلك لأن قتال الزحف ترتب فيه الصفوف وتسوى كما تسوى القداح أو صفوف الصلاة ويمشون بصفوفهم إلى العدو قدما فلذلك تكون أثبت عند المصارع وأصدق في القتال وأرهب للعدو لأنه كالحائط الممتد والقصر المشيد لا يطمع في إزالته وفي التنزيل @QB@ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص @QE@ الصف 4 اه ولازال العدو هكذا يتنقل شيئا فشيئا حتى وصل إلى وادي يعرف بوادي آسمير وكان يتحرى في تنقلاته يوم السبت معتمدا في ذلك حكما نجوميا على ما قيل فلما احتل بآسمير صادف ريحا شرقية هاج من أجلها البحر حتى لم تقدر مراكبه أن تحاذيه قرب الساحل فانقطعت عنه مادة البحر وطلع ماء البحر في وادي النيكرو من خلفه فأفعمه وقطع عنه المادة من سبتة كما طلع أيضا في وادي آسمير من أمامه فحبسه عن العبور وصار العدو متوسطا بين الوادين والبحر عن يساره وانقطعت عنه المواد حتى حكى بعض عسكره بعد ذلك اليوم أن الكليطة وهي خبزة صغيرة تشبه البقسماط كانت أول النهار تباع ببسيطة وفي آخره بيعت بريال ولا وجود لها وأيقنوا بالهلاك لو وجدوا من ينتهز الفرصة فيهم ولكن أين اليد الباطشة وبقوا على تلك الحال يومين أو ثلاثة ثم سكن البحر وانفش الواديان وجاءه المدد ولما رأى المسلمون أن العدو وصل إلى ذلك المحل تقهقروا ونزلوا بمدشر القلالين بينه وبين تطاوين نحو نصف ساعة ثم إن العدو عبر الوادي من آخر الليل وأصبح بموضع يقال له المضيق وكان متطوعة الأعراب في هذه المدة على قسمين الحازمون وأهل الغيرة منهم يقولون لولا أنه بين الجبال ومتحصن بالمتارزات لفعلنا وفعلنا والآخرون يقول أحدهم ما لي وللتقدم إلى هذه الشرشمة وإنما أهل تطاوين يقاتلون عن تطاونهم وأما أنا فحتى يصل إلي بخيمتي في عبدة أو دكالة أو كلاما هذا معناه كأنه يعتقد أنه لا تجب عليه نصرة المسلمين نعم الذين قاتلوا قتالا شديدا وأحسنوا الدفاع وقاموا بالنصرة بنية خالصة وهمة صادقة هم طائفة من شبان أهل فاس وطائفة من أهل زرهون والبعض من آيت يمور وخصوصا الحسين المعروف بأبي ريالة منهم فإنه أبدأ وأعاد وأتى بما لم يسمع إلا في زمان الصحابة رضي الله عنهم حكى من حضر وتواتر عنه أنه كان معلما براية صفراء وكان يضمها إلى صدره ويسددها نحو العدو ثم يحمل على صفهم فيخرقه حتى يأتي من خلفه ويفتك فيهم أشد الفتك ثم يعود ويستلب خيل العدو ويقودها بأرسانها ويأتي بها حتى يدفعها لمن بإزائه وكان إذا تقدم نحو العدو يقول لمن حوله تقدموا فأنا درقتكم وأنا سوركم تكرر ذلك منه المرة بعد المرة ولما أصبح العدو بالمضيق فارق البحر وصمد إلى تطاوين فدخل بين جبلين وكان في انتهاء ذلك المضيق الذي بين الجبلين من جهة تطاوين ويسمى فم العليق بعض أخبية أهل فاس وغيرهم فصمد العدو نحوهم وبغتهم بالكور والضوبلي وهو يقرع طبوله حتى أعجل البعض منهم عن حمل أثقاله ولما وصل إلى هذا الموضع حصل بتطاوين انزعاج كبير واستأنف الناس الجد والاجتهاد والقتال وتذامر جيش المسلمين وكان اليوم شديد المطر وقاتلوا قتالا شديدا وأبدأ أبو ريالة وأعاد في هذا اليوم هلك تحته فرسان وأرسل له المولى العباس فرسه وكان يعتني به وينوه بقدره ويبعث الطبل يقرع على خبائه وأصابته في هذا اليوم جراحة خفيفة وهلك من المسلمين والنصارى عدد كثير قيل هلك من أهل تطاوين فقط نحو الخمسمائة وكان الظهور في ذلك اليوم للعدو ومن الغد ارتحل من فم العليق وعدل يسارا إلى المرسى فنزل بها ليتمكن من مدد البحر واستولى على برج مرتيل وما والاه كدار مرتيل التي هي الديوانة وبمجرد وصوله إليها حصنها بأشبارات الرمل والمدافع وغير ذلك واتخذ بها دورا من اللوح وحوانيت منه وأقام مطمئنا وصارت المراكب تتردد له في البحر بالأقوات والعدة والعسكر وجميع ما يحتاج إليه حتى استراح ثلاثة عشر يوما ولم يكن في هذه المدة قتال ولا أنشبه العدو وفي هذه الأيام ورد المولى أحمد بن عبد الرحمن في جيش بعث به السلطان من مكناسة ونزل بموضع يقال له فم الجزيرة بالتصغير وكان المولى العباس نازلا بمدشر القلالين بمحل مرتفع يشرف على ما حوله ولما استراح العدو وصلحت أحوال جيشه أنشب القتال فكان يخرج فيحوم حول المحلتين فيقاتل ويرجع فكان بريم دائما يكون في أول المقدمة على فرس أبيض مشهورا عندهم موصوفا بالشجاعة وجودة الرأي ثم إن العدو عزم على مصادمة المسلمين والهجوم على تطاوين فارتحل يوم السبت الحادي عشر من رجب سنة ست وسبعين ومائتين وألف وانكمش واجتمع وتقدم للقتال وأرسل جناحا من الخيل طالعا مع الوادي إلى جهة المدينة وجناحا من العسكر الرجالة طالعا من الغابة إلى جهتها أيضا وزحف بعسكره شيئا فشيئا وهو في ذلك يرمي الكور والضوبلي والبغال تجر المدافع والجناحات ممتدان يكتنفان محلة المولى أحمد ولما قربا منها وكاد ينطبقان عليها فر من كان بها وتركوا الأخبية والأثاث بيد العدو فاستولى عليها ونزل هنالك بعسكره وحصن عليه وتقهقر المولى العباس بجيشه حتى نزل خلف تطاوين وبقيت بينه وبين العدو وكان في تقهقره هذا قد دخل المدينة ومر في وسطها واضعا منديلا على عينيه وهو يبكي أسفا على الدين وقلة ناصره ولما استقر بالمحلة مع العشي خرج إليه أهل تطاوين وشكوا إليه ما نزل بهم من أمر العدو واستأذنوا في تحويل أثاثهم وأمتعتهم وحريمهم إلى مداشر الجبل وحيث يأمنون على أنفسهم قبل حلول معرة العدو بهم فأذن لهم وعذرهم وكان قبل ذلك قد منع الناس من نقل أمتعتهم وحريمهم لئلا يفتنوا المسلمين ويجروا عليهم الهزيمة ولكي يقاتلوا عليها بالقلب والقالب فلما كان هذا اليوم وشكوا إليه أمر العدو الذي قد أطل عليهم ولم يبق إلا أن يثب وثبة أخرى فيصير بها في وسط البلد عذرهم وكان العدو حين نزل بفم الجزيرة عشية ذلك اليوم قد أرسل أربع كورات على تطاوين فوقعت في وسط المدينة كأنه يعلمهم بأنه قد أشرف عليهم ولم يبق دون أخذهم قليل ولا كثير ولما سمع الناس كلام المولى العباس انطلقوا مسرعين إلى نقل أمتعتهم وقام الضجيج في المدينة واختلط المرعى بالهمل وامتدت أيدي الغوغاء إلى النهب وخلع الناس جلباب الحياء وانهار من كان هنالك من أهل الجبل والأعراب والأوباش ينقبون ويكسرون أبواب الدور والحوانيت والداخل للمدينة أكثر من الخارج وباتوا ليلتهم كذلك إلى الصباح ولما طلع النهار وتراءت الوجوه انتقلوا من نهب الأمتعة إلى المقاتلة عليها فهلك داخل المدينة نحو العشرين نفسا وعظمت الفتنة وتخوف من بقي بتطاوين عاجزا عن الفرار فاجتمع جماعة منهم على الحاج أحمد بن علي آبعير أصله من طنجة وسكن تطاوين وتشاوروا فيما نزل بهم فأجمع رأيهم على أن يكتبوا كتابا إلى كبير محلة العدو أردنيل يطلبون منه أن يقدم عليهم لتحسم مادة الفتنة التي هم فيها فكتبوا الكتاب ووجهوه مع جماعة منهم فما انفصلوا عن المدينة غير بعيد حتى عثروا على طلائع العدو يطوفون حول المدينة ويحرسون محلتهم فتسابقوا إليهم وهشوا وبشوا وسألوهم ما الذي أقدمكم فقالوا جئنا بكتاب إلى أردنيل فأبلغوهم إليه فأظهر أيضا البشر والفرح وقدم إليهم طعاما من الحلواء وقال لهم في جملة كلامه إني أفعل معكم ما لم يفعله الفرنسيس مع أهل الجزائر وتلمسان يعني من الإحسان وكذب خذله الله فإن ذلك من حيله التي يستهوي بها الأغمار ويفسد بها الدين وإلا فأي إحسان فعله الفرنسيس مع أهل الجزائر وتلمسان ألسنا نرى دينهم قد ذهب وأن الفساد قد عم فيهم وغلب وأن ذراريهم قد نشؤوا على الزندقة والكفر إلا قليلا وعما قريب يلحق التالي بالمقدم والله تعالى يحوط ملة الإسلام ويكسر بقوته شوكة الزنادقة وعبدة الأصنام ولما عرضوا على العدو الدخول إلى بلدهم قال لهم أما اليوم فيوم الأحد وهو عيد النصارى ولا يحل لي التحرك والانتقال وأما غدا فانظروني في الساعة العاشرة من النهار فرجعوا إلى أهلهم وأصحابهم وأعلموهم بمقالة العدو والحال ما حال والقتال لا زال وأبواب الحوانيت تكسر والدور تخرب والقوي يأكل الضعيف وباتوا ليلة الاثنين كذلك وأصبحوا من الغد كذلك ثم إن العدو استعد وأخذ أهبته وتقدم إلى تطاوين بعد أن فرق عسكره على جهتين فرقة مرت مع أردنيل على الجبانة قاصدة الباب الذي يفضي إليها وفرقة ذهبت مستعلية إلى جهة القصبة والبرج ولما وصل أردنيل إلى الباب وصل الآخرون إلى القصبة فأما أردنيل فوجد الباب مغلقا وكلمه المسلمون من داخل المدينة فأمرهم بالفتح فقالوا إن المفاتيح قد ذهبت في الفتنة فقال اكسروا الأقفال فكسروها ودخل ودخل معه كبراء عسكره فتوجه هو إلى دار المخزن فنزل بها وافترق كبراء العسكر في المدينة بأيديهم ورقات مكتوب فيها أسماء الدور التي ينزلون بها كل واحد بداره مكتوبة في ورقته فكان أحدهم يسأل عن دار الرزيني وآخر يسأل عن دار اللبادي وآخر يسأل عن دار ابن المفتي وهكذا بحيث دخلوا على بصيرة بأمره البلد ودور كبارها فاستقر كل واحد منهم في داره التي عينت له وأما الذين ذهبوا نحو القصبة فإنهم لما وصلوا إلى السور أنشبوا فيه سلاليم من قمن غلاظ برؤوسها مخاطيف معوجة وتسلقوا فيها بسرعة ولما صاروا في أعلى البرج رفعوا سنجقهم في أعلى الصاري وأخرجوا عليها مدفعا ولما سمع المشتغلون بالنهب والقتل حس المدفع رفعوا رؤوسهم إلى البرج وبمجرد ما وقع بصرهم على بنديرة العدو تلوح خرجوا على وجوههم فارين كالنعم الشارد فالأمر لله ولا حول ولا قوة إلا بالله وا أسفي على الدين وأهله ولما استقر العدو بالبلد رتب حكامها وكف اليد العادية عنها وولى على المسلمين الحاج أحمد آبعير المذكور آنفا وكان دخوله إلى تطاوين واستيلاؤه عليها ضحوة يوم الإثنين الثالث عشر من رجب سنة ست وسبعين ومائتين وألف ورثاها الأديب الشريف السيد الفضل أفيلال بقصيدة يقول فيها ( يا دهر قل لي على مه % كسرت جمع السلامة ) ( نصبته للدواهي % ولم تخف من ملامة ) ( خفضت قدر مقام % للرفع كان علامه ) ( ملكته لأعاد % ليست تساوي قلامة ) ( فالدين يبكي بدمع % يحكيه صوب الغمامة ) ( على مساجد أضحت % تباع فيها المدامة ) ( كم من ضريح ولي % تلوح منه الكرامة ) ( علق فيه رهيب % صليبه ولجامه ) ( ومنزل لشريف % وعالم ذي استقامة ) ( صار كنيفا لعلج % ولم يراع احترامه ) ( وكم وكم من أمور % للدين فيها اهتضامه ) ( تبكي عليها عيون % كآبة وندامة ) ( تطوان ما كنت إلا % بين البلاد حمامة ) ( أو كخطيب تردى % من بعد لبس العمامة ) ( بل كنت روضا بهيجا % زهرك أبدى ابتسامه ) ( أو كمحيا عروس % علاه في الخد شامة ) ( فقت بهاء وحسنا % فاسا ومصر وشامه ) ( رماك بالعين دهر % ولا كزرق اليمامة ) ( ففرق الأهل حتى % لم يبق إلا ارتسامه ) ( ما كان أحلى زمانا % وما ألذ غرامه ) ( مضى لنا مع بدور % ذوي نهى وفخامه ) ( ما بين إنشاد شعر % وبين إنشا مقامه ) ( وشملنا في التئام % والبسيط يهوى التئامه ) ( حن السرور إليه % شوقا ورام التثامه ) ( ساعده السعد حتى % نال المنى ومرامه ) ( يا حسنها من ليال % لو لم تصر كالمنامة ) ( تطوان يا دار أنس % وخيس أهل الزعامة ) ( هل للوصال سبيل % فالهجر أكمل عامه ) ( والقلب ذاب اشتياقا % وحسرة واستهامة ) ( والوجد أضعف جسما % وكاد يبري عظامه ) ( يا أهل تطوان صبرا % فما لخطب أدامه ) ( دوام حال محال % وهل لظل إقامة ) ( إن غاب نجم سعود % ولاح نجم شآمة ) ( فسوف يطلع بدر % يمحو سناه ظلامه ) ( فاعتصموا برجاء % وارعوا بصدق ذمامه ) ( وحسنوا الظن تنجوا % دنيا ويوم القيامة ) ( وفوضوا الأمر لله % يكف عنا انتقامه ) ( ما فاز إلا ذكي % قدم خيرا أمامه ) ( حيث أقامه يرضى % ولو بقصر كتامة ) ( ولا يزل ذا انتظار % في كل وقت ختامه ) ( يراقب الله سرا % وجهرة باستدامه ) ( يطلب حسن ختام % وحل دار المقامة ) ثم إن أردنيل بعد أن رتب الحكام بتطاوين عاد إلى محلته وقسم عسكره قسمين وأنزله مكتنفا للبلد شرقا وغربا واختار منه عشرة آلاف فأدخلها المدينة وبقي هو خارجا بإحدى المحلتين قال إن جيشه كان يوم دخل تطاوين سبعين ألفا كلها مقاتلة في غاية الاستعداد وكمال الشوكة ثم أمر بالنداء في البلد أن من أوقد نارا تلزمه العقوبة الشديدة حذرا من أن تكون هنالك مينا للمسلمين أو ما أشبهها فبقي الناس على ذلك نحو أربعة أيام لم يوقدوا فيها نارا ونادى أيضا بأن من فر من أهل البلد ولم يأت إلى متاعه وأصله إلى سبعة أيام فلا شيء له بعد ولم يقدم شيئا على نقل البارود والمدفع الذي كان للمسلمين بالمدينة فأما المدفع فحمله إلى أصبانيا وأما البارود فجعله بضريح ولي الله تعالى سيدي السعيدي وكذا فعل بجميع آلات الجهاد ثم عمد إلى ضريح سيدي عبد الله البقال فجعله كنيسة وجعل مسجد الباشا مختزنا للأرز والشعير ومسجد القصبة مختزنا للكليط ثم سار في المسلمين بالتوقير والاحترام ولم يسمهم خسفا ولا كلفهم شغلا ولا اقتضى منهم مغرما كان يتألفهم بذلك ومن باع منهم شيئا أضعف له في الثمن وأربحه وكذا فعل مع أهل المداشر الذين حول البلد حتى اتخذ الناس سوقا بموضع يعرف بكدية المدفع خارج تطاوين وشاع خبره في قبائل الجبل فانهاروا عليه من كل جانب وربحت الناس فيه ثم كتب أردنيل كتبا وبعث بها إلى قبائل الجبل يعدهم ويمنيهم إن هم قدموا عليه وخالطوه بالبيع والشراء ويتوعدهم إن لم يفعلوا فقدموا من كل أوب وارتفعت الأسعار فزادت ضعف ما كانت عليه وأكثر واستمرت كذلك فلم ترجع بعد ثم أخذ في ترتيب بناء المدينة وتبديل شكلها حسبما جرت به عادة النصارى في مدنهم فهدم ما لم يوافق نظره وفرز الدور من سور البلد وكل دار كانت ملتصقة بالسور فصلها عنه واستمر على هذا الحال نحو العشرين يوما ثم دار الكلام بينه وبين المولى العباس في الصلح وتسامع الناس به ففرح المسلمون والنصارى معا أما المسلمون فوجه فرحهم ظاهر وأما النصارى فإنهم وإن كان لهم الظهور فهم لا يدركونه سهلا بل مع القتل العظيم والجرح الكثير والمشقة الفادحة قال تعالى @QB@ إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون @QE@ النساء 104 هذا إلى مفارقة بلادهم التي ألفوها وعوائدهم التي ربوا عليها لا سيما عامة جيشهم الذين الغلبة في ضمن هلاكهم فدماؤهم هي ثمنها كما قيل بجبهة العير يفد حافر الفرس حكى من حضر أن عسكر النصارى لما سمعوا بتناول الصلح حصل لهم من الفرح أضعاف ما حصل للمسلمين وصاروا يترددون إليهم ويبحثونهم عما تجدد من الأخبار وكلما سمعوا بشيء من أمر الصلح طاروا فرحا وذلك لأن قتال النصارى كله على الإكراه إذ لا يمكن عسكريا منهم أن يفر من الزحف حال القتال لأن الخيالة والسيافة من ورائهم يذمرونهم إلى الإمام ومهما رجع أحد منهم إلى خلف وترك في الصف فرجة ضربت عنقه في الحين فالموت عندهم في الفرار محقق وفي التقدم مظنون فيختارون المظنون على المحقق اللهم إلا إذا اشتدت الحرب وحمي الوطيس واختلط الرجال بالرجال أمكن الفرار حينئذ لاشتغال الرئيس والمرؤوس كل بنفسه وبهذا الضبط لم تتفق لهم هزيمة منذ خرجوا من سبتة ومن عادة العدو في الحرب أنه إذا نهض للقتال ارتحل بجميع ما في عسكره كأنه مسافر فترى العسكري منهم إذا تقدم للقتال حاملا معه جميع ما يحتاج إليه من ماء وطعام وبارود ورصاص حتى الموسى والمقص والمرآة والصابون وغير ذلك قد اتخذ لجميع ذلك أوعية لطافا وعلقها عليه فلا يؤده حملها لأنه اقتصر من كل على قدر الحاجة وأما الأخبية فيحمل كل ثلاثة رجال خباء ولا تلحقهم كلفة في حمله لأن أخبيتهم في غاية اللطافة والصفافة وأعمدتها لطاف صلبة فهي مع كفايتها على الوجه الأتم في غاية الخفة بحيث إذا لف الخباء بما فيه كان كلا شيء ولو أراد أن يحمله واحد لفعل لكنه يقسمه ثلاثة أشخاص زيادة في الرفق ولئلا يحصل الضجر إذا طال السفر وأما المدافع فقد اتخذوا لها عجلات أفرغت إفراغا وركبت عليها على وجه محكم واتخذوا للعجلات بغالا خصية تجرها في غاية الفراهة والارتياض ويجعلون فوق تلك العجلات صناديق الإقامة من بارود ورصاص وضوبلي وغير ذلك وتجلس الطبجية على تلك الصناديق ويقوم آخرون حولهم قد أخذوا أهبتهم للقتال بكل ما يمكن ثم تندفع العساكر على هذا الترتيب صفوفا صفوفا وتتقدم شيئا فشيئا يخلف بعضها بعضا كأنها أمواج البحر تبرق الشمس على طموس رؤوسها وتلمع على عددها المصقولة وآلاتها وهو في هذه الحالة لا يفتر من رمي الكور والضوبلي والشرشم على كل جهة هكذا قتاله أبدا وإذا أدركه المساء أو وقعت محاجزة أثناء النهار وكان قصده الثبات ثبت بمحله ذلك ولا يتزحزح عنه بحال إلا إذا فني كل عسكره أو جله فبمثل هذا الضبط كان له الاستيلاء والظهور وأما مقاتلة المسلمين له فكانت غير منضبطة وإنما قاتله من قاتله منهم باختياره ومن قبل نفسه وإن كان هنالك ضبط من أمير الجيش فكلا ضبط ومتى ظهر له أن يذهب ذهب مع أن الله تعالى يقول @QB@ وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه @QE@ النور 62 لكن المقاتل من المسلمين يأتي القتال وليس معه ما يأكل ولا ما يشرب فبالضرورة إذا جاع أو عطش ذهب يبحث عما يقيم به صلبه ثم هم يقاتلون على غير صف ولا تعبية بل يتفرقون في الشعاب ومخارم الأودية وحول الأشجار فيقاتلون من ورائها وإذا دفعوا في نحر العدو دفعوا زرافات ووحدانا ثم إذا أدركهم المساء ووقعت المحاجزة ذهب كل إلى خبائه الذي تركه وراءه بمسافة بعيدة وهم في هذا كله ليس لهم وازع يحملهم على ما يراد منهم فالحاصل أن جيش مغربنا إذا حضروا القتال وكانوا على ظهور خيولهم فهم في تلك الحال مساوون في الاستبداد لأمير الجيش لا يملك من أمرهم شيئا وإنما يقاتلون هداية من الله لهم وحياء من الأمير وقليل ما هم وقد جربنا ذلك فصح ففروا عن السلطان المولى سليمان في وقعة ظيان أولا وفي وقعة الشراردة ثانيا وكان السلطان المولى عبد الرحمن أهيب في نفوسهم منه فكانوا يلزمون غرزه لكنه لما بعثهم إلى تلمسان فعلوا فعلتهم وسلكوا عادتهم ولما شهدوا مع الخليفة سيدي محمد بن عبد الرحمن وقعة إيسلي جاؤوا بها شنعاء غريبة في القبح ولولا أنه قام بنفسه ليلة الحاج عبد القادر ومنع الناس من الركوب لربما عادوا إلى فعلهم وأحسن ما كانت حالهم في هذا الحرب فإنهم قاوموا العدو وفرقوا صفوفه غير مرة لكنهم أتوا من عدم الضبط الذي هو كضبطه فعدم ملاقاتهم للعدو في الكيفية القتالية هو الذي أضر بهم وأوجب لعدوهم الظهور عليهم إذ الشيء كما علمت إنما يقاوم بمثله والشر إنما يدفع بضده فالتنافي إنما يحصل بين الضدين أو المثلين وحربنا وحرب الإصبنيول كان من باب الخلافين ولا تنافي بين الخلافين كما هو مقرر في علم الحكمة والتوفيق إنما هو بيد الله ولنرجع إلى الكلام على الصلح المتناول فنقول لما دار الكلام بين المولى العباس رحمه الله وبين أردنيل في الصلح استعدوا للاجتماع في يوم معلوم بمكان سوي بين المحلتين فلما كان ذلك اليوم ضرب بالمحل المعين خباء وجاء المولى العباس ومعه جماعة من وجوه جيشه وفيهم أبو عبد الله الخطيب التطاوني وخرج أردنيل ومعه جماعة من وجوه عسكره وخرج معه مقدم المسلمين بتطاوين الحاج أحمد آبعير رجاء أن يكون هو الترجمان بين الأميرين فيفوز بذكر ذلك الجمع وفخره فأخفق رجاؤه لأنه لما توافى الجمعان إلى الخباء بقي الناس كلهم قائمين على بعد منه ولم يدخله إلا المولى العباس وأردنيل والخطيب لا رابع لهم فيما قيل وأبدى أردنيل من الأدب والخضوع للمولى العباس ما جاوز الحد وتفاوضوا ساعة ثم انفض المجلس وتناقل الناس أن حاصل ما دار بينهما أن أردنيل رغب في الصلح وتأكيد الوصلة بينهم وبين المسلمين على شروط ذكرها وأن المولى العباس توقف فيها وأحال ذلك على مشورة أخيه السلطان سيدي محمد وذهب كل إلى سبيله وبقي الناس ينتظرون الجواب بأي شيء يأتي من عند السلطان وبعد أيام ورد الخبر بأن السلطان لم يقبل ذلك الصلح فاستمر الناس على حالتهم الأولى من كون محلة العدو بتطاوين وبعضها خارجها شرقا وغربا ومحلة مولاي العباس على بعد من البلد مقدار نصف يوم ثم إن المسلمين اجتمعوا ذات يوم وبيتوا محلة العدو النازلة خارج البلد في ليلة معلومة فتقدموا إليها وذلك في أواخر شعبان سنة ست وسبعين ومائتين وألف وهجموا عليها في ليلة مظلمة والنصارى غارون وفتكوا فيهم فتكة بكرا باتوا يقتلونهم الليل كله ومن الغد كذلك إلى المساء وقاتل النصارى ذلك اليوم أيضا ولكن الظهور كان للمسلمين ولولا قوة نفوس العدو باستنادهم إلى البلد وتحصن كبيرهم بها لكانوا انكسروا كسرة شنيعة وكان عدد القتلى من النصارى في هذه الوقعة نحو الخمسمائة والجرحى أكثر من ألف وأما المسلمون فكان القتل فيهم ضعيفا ولما أصبح أردنيل ورأى ما حل بعسكره ساءت أخلاقه وقلب لأهل تطاوين ظهر المجن وأبدل تلك الشفقة التي كان يعاملهم بها بالغلظة والبشاشة بالاكفهرار وعمد إلى مسجد الشيخ أبي الحسن علي بركة رحمه الله فاتخذه مارستانا للجرحى فظلت الجرحى تنقل إليه وفرض على أهل تطاوين اللحف والقطائف فجمع من ذلك شيئا كثيرا فرشه بالمسجد المذكور لجرحاه وصار عامة عسكر النصارى بتطاوين كلما لقوا أحدا من المسلمين عيروه بالغدر وقبحوه ثم إن أردنيل أقام بعد هذه الوقعة نحو عشرة أيام ريثما استجم جيشه وأبلت جرحاه وخرج في تمام الشوكة وكمال الاستعداد يريد أن يضرب في محلة المسلمين فجعل تطاوين خلفه وتقدم حتى كان بوادي أبي صفيحة فلما شعر به الناس من أهل المداشر والمتطوعة تسابقوا إليه من كل جانب ووافق ذلك اليوم قدوم عرب الحياينة جاؤوا في حرد كبير وحنق شديد فقويت قلوب الناس بهم واشتد أزرهم وتقدموا إلى العدو فأنشبوا معه الحرب بأبي صفيحة قبل أن يصل إلى محلة المسلمين وكثروه فأوقعوا به وقعة أنست ما قبلها فقتلوا منه ما خرج عن الحصر وأما الجرحى فقل ما شئت وكست قتلاه الأرض ولما أعياه الدفن جعل يجمع الجماعة من الثمانية إلى العشرة ويهيل عليها التراب ومع ذلك بقي منه عدد كبير بلا دفن حتى أنتن موضع المعركة من شدة نتن الجيف ونال المسلمون من عدوهم في هذا اليوم ما لم ينالوا قبله مثله ولا ما يقاربه وكان الذكر فيه لعرب الحياينة ثم للمتطوعة غيرهم وأما محلة المولى العباس فكانت بعيدة عن المعركة بمسافة كبيرة وقد ذكر منويل خبر هذا اليوم فأقر بأنه أهرق منهم دم كثير وخسروا فيه عددا كبيرا من نفوس العسكر والخيل ولما بلغ المولى العباس أن العدو قد برز من تطاوين وأن المسلمين يقاتلونه الآن في أبي صفيحة قلب رأيه واستأنف النظر في عاقبة أمره ورأى أن المسلمين وإن نالوا من العدو في هذه المرة وأبلغوا في نكايته لكن الثمرة ضعيفة من جهة أن نكايتنا له إنما هي في القتل والجرح ونكايته في أخذ الأرض والاستيلاء عليها كما قلنا غير مرة فجنح رحمه الله إلى الصلح واختاره على الحرب حتى تدور للمسلمين سعود إن شاء الله أخبرني صاحبنا القائد الأجل أبو عبد الله محمد بن إدريس بن حمان الجراري حفظه الله قال لما طالت الحرب بين المسلمين والنصارى على تطاوين استدعاني السلطان وسيدي محمد بن عبد الرحمن رحمه الله وأعطاني ستين ألف مثقال أذهب بها إلى جيش المسلمين المرابط على تطاوين بقصد المؤنة والصائر وقال لي مع ذلك إذا وصلت إلى محلة المسلمين فانظر حالهم وتبصر في جميع أمورهم وما هم عليه في قتال عدوهم من الضبط وعدمه وهل هم مكفيون في جميع ما تدعو الحاجة إليه أم لا واستوعب ذلك وائتنى بالأمر على وجهه قال فذهبت فوصلت إلى المحلة يوم الخميس وفي صبيحة اليوم الذي يليه كان حرب أبي صفيحة فجاء النذير إلى المولى العباس وأخبره بأن المسلمين الآن يقاتلون العدو قال فركبت في جماعة من الناس وذهبت لأنظر حال المسلمين وحال عدوهم كما أمرني السلطان رحمه الله فوصلت إلى مقاتلة المسلمين فإذا هم يرتادون موضعا ينزلون به أثقالهم ويضربون به أخبيتهم ليتفرغوا لقتال عدوهم فإذا هم عزموا على النزول بوادي آكراز فأجهضهم العدو عنه بالرمي بالكور والضوبلي وهو متقدم أمام لا يثنيه شيء فتأخروا عن ذلك المحل ونزلوا بمحل أمنوا به على أخبيتهم وأثاثهم ثم تقدموا إليه وقاتلوه قتالا شديدا حتى ردوه على عقبه بالموضع المعروف بآمصال مرتين أو ثلاثا وقتلوا منه ما جاوز الحصر وفي ذلك اليوم استشهد عامل سفيان وبني مالك أبو محمد عبد السلام بن عبد الكريم بن عودة الحارثي وبات العدو تلك الليلة بوادي آكراز الذي كان المسلمون أرادوا أن ينزلوا به وباتت محلة المسلمين بالفنيديق وتفرق جل متطوعتها كل إلى حال سبيله على عادتهم وكان الوقت وقت شتاء وبرد غاية قال فلم يعجبني ذلك ومن الغد وهو يوم السبت أصبح العدو مقيما والمسلمون مقيمين كذلك وكان الرأي أن يعاجلوه بوقعة أخرى ويلحوا عليه كي يكسروا شوكته ويهضموا ما دام متألما ولا يتركوه حتى يجم ويستريح لكنهم لم يفعلوا ودار الكلام في ذلك اليوم في الصلح فأذعن كل من الأميرين أمير المسلمين وأمير النصارى وجنحوا إليه لأنهم كانوا معا قد سئموا الحرب وملوا القتال ثم من الغد وهو يوم الأحد تداعوا للاجتماع بعد أن نهض العدو من محله الذي كان نازلا به واجتمع وانكمش وأظهر القوة بالتهييىء للحرب والتعبئة للقتال حتى أنه إذا كان صلح فذاك وإلا فالقتال فعل ذلك مكيدة والحاصل أن المولى العباس تقدم في جماعة من وجوه الجيش وتدنى أردنيل في جماعة من أصحابه كذلك بعد أن أمربضرب خباء صغير يجتمعان به وتقدم أردنيل على الخباء بكثير لملاقاة المولى العباس وإظهارا للأدب معه فتلاقى به وعادا إلى الخباء وحضر معهم الترجمان ورجلان آخران وأبرموا الصلح وأعطى كل خط يده بذلك وانفصلوا وذهب كل إلى محله وكان ذلك آخر حرب بين المسلمين والإصبنيول ولما وصل الخبر بانعقاد الصلح إلى عسكر النصارى فرحوا فرحا لم يعهد مثله وجعلوا ينادون الباص الباص أي الصلح الصلح ودخلوا تطاوين وهم رافعون بها أصواتهم وكلما لقوا مسلما هشوا له كأنهم يهنئونه بالصلح وكان الصلح قد انعقد بين المسلمين والإصبنيول على شروط منها أن يدفع السلطان إليهم عشرين مليونا من الريال ويخرجوا من تطاوين وما استولوا عليه من الأرض التي بينها وبين سبتة إلا شيئا يسيرا يزاد لهم في المحدة على سبيل التوسعة وكان انعقاد هذا الصلح في أواخر شعبان سنة ست وسبعين ومائتين وألف وتراخى السلطان رحمه الله في دفع هذا المال فاستمر العدو مقيما بتطاوين حتى يستوفيه وبعد سنة من يوم هذا الصلح استوفى عشرة ملايين منه وبقيت عشرة وقع الاتفاق فيها على أن يقتضيها العدو من مستفاد مراسي المغرب فأقام أمناءه بها لاقتضاء نصف داخل كل شهر منها وهم الآن بهذا الحال والله تعالى يكفي المسلمين شرهم وشر كل شر وبعد ما وقع هذا الاتفاق أسلم النصارى تطاوين إلى المسلمين وكان خروجهم منها ضحوة يوم الجمعة الثاني من ذي القعدة سنة ثمان وسبعين ومائتين وألف بعد أن مكثوا فيها سنتين وثلاثة أشهر ونصفا ووقعة تطاوين هذه هي التي أزالت حجاب الهيبة عن بلاد المغرب واستطال النصارى بها وانكسر المسلمون انكسارا لم يعهد لهم مثله وكثرت الحمايات ونشأ عن ذلك ضرر كبير نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة ولما فرغ السلطان رحمه الله من أمر تطاوين جد في جمع العسكر المرتب على الترتيب المعهود اليوم وكان هذا السلطان أول من أحدثه من ملوك المغرب وكان إحداثه إياه في دولة أبيه رحمه الله بعد رجوعه من وقعة إيسلي مع الفرنسيس ثم جد فيه في هذه الأيام فجمع منه ما تيسر جمعه ثم رتب المكوس على الأبواب والمبيعات وكتب في ذلك كتبا للآفاق فمما كتبه لأمناء مرسى الدار البيضاء في ذلك ما نصه وبعد فإنا لما أخذنا في جمع النظام للمصلحة المتعينة الواضحة البينة المقر أمرها لدى الخاص والعام واجتمع منه عدد يسير واختبرنا ما صير عليه في شهر واحد فاجتمع فيه عدد كثير فكيف أن جمعنا منه عددا معتبرا يحصل به المراد ويكون قذى في أعين أهل العناد اقتضى الحال ذكر ذلك لكبراء التجار لينظروا فيما يستعان به على أمرهم إذ لا بد من كفايتهم وإلا انحل نظام جمعهم وفي ذلك ما لا يجهله من له أدنى عقل ومحبة في الدين فأشاروا بفرض إعانة لا ضررفيها على الرعية وسطروها في ورقة وهي كل شيء بالنسبة لما ارتكبه الملوك في مثل هذا للاستعانة به على المصالح المرعية وللضرورة أحكام تخصها كما هو معلوم مقرر ومسطر في غير ما ديوان محرر ثم اقتضى نظرنا أن نسند الأمر في ذلك لأهل العلم ليقرروا للناس حكمه تقريرا تنشرح له الصدور ويعمل بمقتضاه في الورود والصدور وإن كان جلهم يعلم هذا إذ من المعلوم أن الرعية لا يستقيم أمرها إلا بجند قوي بالله ولا جند إلا بمال وهو لا يكون إلا من الرعية على وجه لا ضرر فيه وقد أخذ الناس هذه مدة بحضرتنا العالية بالله وبمكناسة وتازا والعدوتين ومراكش في ذلك وسلكوا في ترتيبه أحسن المسالك ولا نشك أن بركة ذلك تعود عليهم في أموالهم وأولادهم وأنفسهم فبوصول هذا إليكم قوموا على ساق الجد في القبض من الناس بالباب على نحو ما في الورقة المشار إليها ولا دخل للنصارى في ذلك والله أسال أن يبارك للمسلمين في مالهم ويعوضهم خلفا آمين والسلام في الثاني والعشرين من رجب الفرد الحرام عام سبعة وسبعين ومائتين وألف وإذا انجر بنا الكلام على اتخاذ العسكر وترتيبه فلا بد من تتميم الفائدة بذكر كلام نافع

القول في اتخاذ الجيش وترتيبه وبعض آدابه

اعلم أنه واجب على الإمام حماية بيضة الإسلام وحياطة الرعية وكف اليد العادية عنها والنصح لها والنظر فيما يصلحها ويعود عليها نفعه في الدين والدنيا ولا يمكنه ذلك إلا بجند قوي وشوكة تامة بحيث تكون يده غالبة على الكافة وقاهرة لهم فاتخاذ الجند إذا واجب وعليه فيندب له أن يتخذ لهم ديوانا يجمع أسماءهم ويحصي عددهم ليحصل الضبط وينتفي اللبس وأول من اتخذ الديوان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر عقيل بن أبي طالب ومخزمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من كتاب قريش فكتبوا ديوان العساكر الإسلامية على ترتيب الأنساب مبتدأ من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بعدها الأقرب فالأقرب فهكذا ينبغي للإمام أن يرتب جنوده في ديوان يحفظها ودستور يجمعها ثم ينبغي أن يكون عنده أولا ديوان كبير هو الأم يجمع أسماء العساكر كلها الحاضرة والغائبة والخاصة والعامة ثم يجعل دواوين صغارا يشتمل كل واحد منها على طائفة مخصوصة مثل عسكر الإمام الذي يلازمه حضرا وسفرا وعساكر الثغور والقلاع ونحو ذلك وتكون هذه الدواوين الصغار بمنزلة الفروع للكبير تجدد كلما تجددت الطوائف كما سيأتي وكل ديوان منها يشتمل على أرحاء مثلا وكل رحى على مئين وكل مائة بضباطها وطبيبها وعالمها الذي يعلمها أمر دينها وغير ذلك قال صاحب مصباح الساري ما ملخصه كانت الدولة العثمانية في أول أمرها إذا استخدمت طائفة من الجند بقيت في الخدمة طول عمرها ولما كان هذا الأمر صعبا يعني وغير مقتض للتسوية بين الرعية في هذا الحق العظيم اقتضى نظرهم أن يعملوا القرعة بين أبناء الرعايا عند انتهاء كل خمس سنين فمن استكمل مدة خدمته وتبصر بما يلزمه من حرب عدوه وقدر على المطالبة والمدافعة ذهب إلى حال سبيله لطلب معيشته فذو الحرفة يرجع إلى حرفته والتاجر إلى تجارته وهكذا ويؤتى بطائفة أخرى بدلها حتى تصير الرعية كلها جندا قادرة على المطالبة والمدافعة متى احتاجت إلى ذلك ثم من استوفى مدة خدمته بقي معدودا في صنف الرديف سبع سنين أخرى ومعنى الرديف أنهم يكونون عدة للدولة متى احتاجت إليهم في نازلة عظيمة أو حرب عامة مثل ما يكون بين الأجناس فإذا انسلخت السبع سنين فهو حر دائما وأبدا فلا يضرب عليه بعث ولا يكلف بغزو إلا أن يشاء فجملة مدة الخدمة العسكرية بين أصلية ورديفية اثنتا عشرة سنة وشرط المستخدمين في العسكر أن يكونوا في سن العشرين إلى خمس وعشرين سنة فمن زاد على ذلك أو نقص لا تقبله الدولة لينضبط الأمر وإن اصطلح على أقل من ذلك أو أكثر فلا بأس فإذا أريد إعمال القرعة بينهم وذلك عند رأس خمس سنين كما قلنا اجتمع كل من هو في ذلك السن من أهل الناحية مثل مراكش وأعمالها وفاس وأعمالها والعدوتين وأعمالهما في يوم معلوم من السنة لا يتقدم ولا يتأخر فيحضر نائب السلطان ويحضر القاضي والشهود وتكتب بطائق على عدد رؤوس الحاضرين فلان بن فلان الفلاني سنة كذا فإذا اجتمع لنا من البطائق مائة ونحن غرضنا استخدام خمسين مثلا أخذنا تلك البطائق واحدة واحدة حتى نستوفي الخمسين ثم نفتحها فمن عثرنا عليه فيها فهو عسكري في تلك المدة ومن أخطأته القرعة ذهب إلى حال سبيله لكنه إن جاوز سن العسكرية الذي هو خمس وعشرون سنة ولم تصبه القرعة فهو في صنف الرديف إلى سبع سنين كما قلنا والذين أصابتهم القرعة وأثبتوا في الديوان يرخص لهم في الذهاب إلى محالهم عشرين يوما لقضاء أوطارهم ثم يحضرون بعدها إلى القشلة ومن تخلف عن حضور هذا الجمع بدون عذر مقبول يثبت في الديوان بلا قرعة ويسقط من أصل العدد المطلوب ولا تقبل فيه شفاعة ولا فداء ومن ليس له إلا ابن واحد من رجل كبير أو امرأة أرملة أو نحو ذلك ولا كافي له سواه فإنه يسرح له لئلا يضيع لكن بعد حضور الجمع وإثبات ما ادعاه ومن له ولدان وأصابتهما معا القرعة فيمسك واحد ويسرح له الآخر ومن له أربعة أو خمسة وأصابت القرعة منهم ثلاثة فأكثر أمسك اثنان وسرح الباقي ويعفى عن كل من كان مفردا في بيته وعن كل أعور وأشل وأعرج وأحدب وعن كل مبتلى بداء مزمن أو علة معدية أو ضعيف الجسم نحيف البنية لا يقدر على الأعمال الجندية وغير سالم المزاج وهكذا ويعفى عن طلبة العلم لكن بعد حضورهم وامتحانهم فمن ظهرت نجابته خلى سبيله لأنه قد قام بوظيف هو من أهم الوظائف ومن كان قليل الفهم أو مقسم البال أو طائش الفكرة لا ترجى فائدته وإنما تستر بطلب العلم دخل في القرعة وإذا كان لرجل ولدان وأصابت القرعة أحدهما وأراد إبداله بالآخر فذلك له إذا توفرت فيه شروط الخدمة وإذا أراد أن يبدله بغير أخيه من عبد أو أجير فلا بد من زيادة قدر معلوم من المال لا يجحف به ولا يؤدي إلى تعطيل تجارته ولا بيع أصله ولهذا البدل شروط الأول أن يكون سالمامن الآفات المتقدمة الثاني أن لا يكون ممن استوفى مدة الخدمة التي هي خمس سنين ودخل في صنف الرديف اللهم إلا إذا لم تكن القرعة أصابته حتى جاوز السن المعلوم وصار في صنف الرديف فهذا يقبل الثالث أن يكون من أهل تلك الناحية فلا يقبل مراكشي عن فاسي مثلا وبالعكس الرابع أن لا يكون من العبيد السود اللهم إلا إذا كان في الجند صنف منهم فيقبل في صنفه ولا بأس إذا كان مملوكا أبيض الخامس أن لا يكون من الذين استعملوا في الجندية وأخرجوا منها لعارض خلقي أو خلقي مثل آفة بدنية أو فعل قبيح من سرقة ونحوها السادس أن لا يكون البدل قد جيء به بعد ثلاثة أشهر ثم إذا فر البدل فينتظر مجيئه إلى شهر فإن جاء وإلا أخذ به صاحبه الذي جاء به ثم إذا انتظم هذا الجمع العسكري فأول ما يعلمونهم أمر دينهم مما لا بد منه على سبيل الاختصار بأن يلقنوا كيفية اللفظ بالشهادتين وبين لهم معناها بوجه إجمالي فإن جل العوام سيما أهل البادية والقرى النائية لا يفقهون ضروريات دينهم ويعلمون كيفية الوضوء والصلاة ويلزمون بالمحافظة عليها حتى أن من لم يحضر منهم وقت النداء لها يعاقب عقابا شديدا وإلا فلم يحضر عند سماعه الطرنبيطة ولا يحضر إذا سمع داعي الله فهذا أول ما يتعلمونه لتعود عليهم بركة الدين وينجح سعيهم في حماية المسلمين فإنا لم نرد بجمع هذا الجند إلا حفظ الدين فإذا كان الجند مضيعا له فكيف يحفظه على غيره ويعود على المسلمين نفعه ثم بعد هذا يعلمون الأمور التي تدل على كمال المروءة وعلو الهمة من الحياء والحشمة والإيثار وترك الكلام الفحش وتوفير الكبير ورحمة الصغير ويلقنون أن من أفضل الخصال عند الله وعند العباد الغيرة على الدين والوطن ومحبة السلطان ونصحه ويقال له مثلا إذا كان العجمي الزنديق يغضب لدينه الباطل ووطنه فكيف لا يغضب العربي المؤمن لدينه ودولته ووطنه ولا بد من ترتيب مجلس يومي يسمعون فيه سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومغازيه ومغازي الخلفاء الراشدين وسلف الأمة وأخبار رؤساء العرب وحكمائها وشعرائها ومحاسنهم وسياساتهم وليتخير لهم من الكتب الموضوعة في ذلك أنفعها مثل كتاب الأكفاء لأبي الربيع الكلاعي وكتاب ابن النحاس في الجهاد وكتاب سراج الملوك ونحوها فإن ذلك مما يقوي إيمانهم ويحرك هممهم ويؤكد محبتهم في الدين وأهله وينبهون على التحافظ على ثيابهم وأطرافهم من الأوساخ والأوضار التي تدل على دناءة الهمة ونقصان الإنسانية وعدم النخوة ويلزمون بترك استعمال الدخان فإنه مناف لنظافة الدين ومذهب للمروءة والمال بلا فائدة ثم إذا رسخت فيهم هذه الآداب في ستة أشهر أو عشرة أو أكثر أخذوا في تعلم الثقافة وأمور الحرب ثم من أهم ما يعتنى به في شأنهم أن لا يتخلقوا بأخلاق العجم ولا يسلكوا سبيلهم في اصطلاحاتهم ومحاوراتهم وكلامهم وسلامهم وغير ذلك فقد عمت المصيبة في عسكر المسلمين بالتخلق بخلق العجم فيريدون تعلم الحرب ليحفظوا الدين فيضيعون الدين في نفس ذلك التعلم فلا تمضي على أولاد المسلمين سنتان أو ثلاث حتى يصيروا عجما متخلقين بأخلاقهم متأدبين بآدابهم حتى أنهم تركوا السلام المشروع في القرآن وأبدلوه بوضع اليد خلف الأذن فيجب على معلمهم في حالة تعليمه إياهم أن يعدل عن الاصطلاح العجمي إلى العربي ويعبر عن الألفاظ العجمية بالعربية وإن كان أصل العمل مأخوذا عن العجم فليجتهد المعلم الحاذق في تعريبه وليس ذلك بعسير على من وفقه الله إليه وليس فيه إلا إبدال لفظ عجمي بلفظ عربي بأن يقول مثلا أمام خلف دائرة نصف دائرة وهكذا فإذا مرنوا عليه شهرا أو شهرين كان أسهل شيء عليهم لأن تلك هي لغتهم التي فيها نشأوا وعليها ربوا فالعمل عجمي والكلام الذي ينبهون به على ذلك العمل عربي فأي كلفة في هذا وبه يندفع عنهم التشبه بالعجم المنهي عنه شرعا فإن التزيي بزيهم لا يأتي بخير أبدا وهو والله من أفسد الأشياء للدين الذي نريد أن نحوطه بهم قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه من لم تصلحه السنة فلا أصلحه الله ثم عمود هذا كله وصلبه العقيم له وروحه الذي به حياته هو الكفاية في المطعم والملبس وليختر لهم من الأغذية أطيبها وأنفعها للبدن وليجعل لهم كسوتان كسوة الشتاء وكسوة الصيف وليتخير لهم من المساكن والمنازل أطيبها وأصلحها هواء وأبعدها عن محل الوخم وليلزمهم بالاعتناء بتنظيف مساكنهم وتبريدها وتطييبها حتى لا ينشأ عنها داء وإذا تراخوا في مثل ذلك عوقبوا عليه لأنه دال على دناءة الهمة ودنيء الهمة لا يأتي منه شيء وليرتب لهم الأطباء العارفون حتى إذا أصاب أحدا منهم مرض عالجه الطبيب في الحال فإن هذا الجند هو سور الإسلام وسياج الدين فبحفظه يحفظ الدين وبسلامته يسلم فإذا اتخذ الجند على هذه الكيفية التي ذكرنا سهل على الناس الدخول في الجندية وتنافسوا فيها ومن كان عنده من الرعية درهم طابت نفسه بأن يقتسمه معهم ويكون الجند حينئذ في مرتبة هي أشرف من مرتبة الرعية بكثير لأن الجند يحفظهم والرعية تكسب وتبذل لهم ثم إذا ظهر من آحاد الجند نجابة أو شجاعة أو نصيحة في الخدمة السلطانية رفع قدره ونوه باسمه ليغتبط هو بمنزلته ويزداد في خدمته ويغبطه غيره وينافسه في خصاله التي أكسبته تلك المنزلة وليقس ما لم يقل والله الهادي إلى التوفيق بمنه ولنرجع إلى التاريخ فنقول وفي سنة سبع وسبعين ومائتين وألف وذلك في يوم الثلاثاء الثاني عشر

من ذي القعدة منها توفي والدنا الفقيه المرابط الأخير أبو البقاء خالد بن حماد بن محمد الكبير الناصري بقبيلة سفيان ودفن بتربة الشيخ أبي سلهام رضي الله عنه وكان رحمه الله من الورع والتحري في أكل الحلال على جانب عظيم بحيث فاق أكثر أهل زمانه في ذلك وكان دينا وقورا كثيرالأوراد ذا صمت وجد وله إلمام بالفقه والسيرة النبوية مرجو البركة عند العامة رحمنا الله وإياه والمسلمين

ثورة الجيلاني الروكي ومقتله

كان الجيلاني الروكي من عرب سفيان رجلا خامل الذكر ساقط القدر حرفته رعي البهائم ونحو ذلك من عمل أهل البادية فوكل به جني أو شيطان ففاه بالمخاريق وتبعته العامة فثار ببلاد كورت وتقدم إلى دار القائد عبد الكريم بن عبد السلام بن عودة الحارثي السفياني في أخلاط من الأوباش بالعصي والمقاليع فحاصر القائد المذكور في داره من الظهر إلى الغروب ثم اقتحم العامة عليه داره فقتلوه وقتلوا جماعة من إخوته وبني عمه ونهبوا ما وجدوا بداره وكان شيئا كثيرا من المال والأثاث وبقي أولئك القتلى مصرعين بفناء الدار ثلاثة أيام لم يدفنوا وافتتنت العامة بهذا الروكي ونسبوا له الخوارق والكرامات من غير استناد إلى دليل ووعدهم بأنه يستولي على الملك ويحكم المتمسكين بدعوته في الأموال كيف شاؤوا وضاعت نفوس في تلك الفتنة ونهبت أموال واختلط المرعى بالهمل وكنت حاضرا لهذا الخطب العظيم فكان من افتتان العامة بهذا المعتوه واعتقادهم فيه وجهلهم المركب في أمره ما لا يكاد يصدق به إذا حكي وكان السلطان سيدي محمد رحمه الله يومئذ برباط الفتح فاهتز لهذا الخطب لأن الشيطان كان قد نفخ في أباطيل الروكي وشاعت في العالم حتى اهتز لها النصارى الذين كانوا بتطاوين وحدثوا أنفسهم بالفرار ثم إن السلطان رحمه الله أغراه أخاه المولى الرشيد فلما سمع الروكي بمجيئه وعد أوباشه بأنه سينصر عليه وأن خيل السلطان تكون غنيمة له وقال لهم اتخذوا الشكائم أي الأرسان من الدوم وأعدوها لتقودوا بها خيل السلطان فاتخذ جمع عظيم من العامة الحبال والأرسان وتوشحوا بها تحت الثياب وجعلوا يتبعون الروكي أينما ذهب انتظارا لوعده ولما قرب المولى الرشيد منه أخذ أمره في النقصان وناموسه في البطلان ولما كان المولى الرشيد قرب سوق الأربعاء من بلاد سفيان جعل الشكائمية يقربون من المحلة ويتطوفون حولها مختفين بالأودية والشعاب والكدى ينتظرون هزيمتها بخارق من خوارق دجالهم فأعلم المولى الرشيد بمكانهم فبعث الخيل فالتقطوهم في ساعة واحدة ولم يفلت منهم إلا القليل وسيقوا إلى رباط الفتح فسجنوا به مدة وأما الروكي فإنه قصد جبل زرهون ودخل روضة المولى إدريس الأكبر رضي الله عنه فاجتمع عليه جماعة من الأشراف الأدارسة والعلويين وغلقوا أبواب القبة وتقدم إليه شريف علوي ففتك فيه وأراح الناس من شره واحتزوا رأسه ويده وحملوهما إلى السلطان فبعث بهما إلى مراكش فعلقا بجامع الفناء مدة وكان جهلة العوام لا يصدقون بموته وبقوا ينتظرون رجعته سنتين أو ثلاثا @QB@ ومن يضلل الله فما له من هاد @QE@ الرعد 33 وكان مقتل الروكي في أواسط شعبان سنة ثمان وسبعين ومائتين وألف ولم تجاوز مدته أربعين يوما وكان مما كتبه السلطان في شأنه ما نصه وبعد فإن فتانا من سفيان مرق من الدين وفتن بأمور شيطنته من اغتر به من المسلمين وجمع عليه أوباشا من أمثاله وأضرابه وأشكاله وتقدم بهم لدار خديمنا ابن عودة فقتلوه ثم تقدم بهم للشراردة فقاتلوه ثم تقدم بهم لزاوية مولانا إدريس فقاتله أهلها قتالا يرضي الله ورسوله ولم يحصل لهم من قتاله ضجر ثم قبضوا عليه وقتلوه وعلقوا رأسه بباب الزاوية المسمى بباب الحجر وأغلقوا الأبواب بعد ذلك على من دخل معه من أتباعه وأنصاره وأشياعه فقبضوا عليهم وجعلوهم في السلاسل والأغلال ونحن على نية إقامة الحد عليهم إن شاء الله جزاء وفاقا على ما ارتكبوه من الفساد وقبيح الأعمال ومن كان منهم حينئذ خارجا عن الباب تخطفته الأيدي وجنوا ثمار ما سعوا فيه من البغي والتعدي وقطع دابر جميعهم فالحمد لله حق حمده وما كل نعمة إلا من عنده وأعلمناكم لتكونوا على بصيرة إذ ربما يبلغ المرجفون على عادتهم النازلة على غير وجهها والسلام في ثامن عشر شعبان المعظم عام ثمانية وسبعين ومائتين وألف

إيقاع السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن رحمه الله بعرب الرحامنة

لما كان السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن رحمه الله ببلاد الغرب مشتغلا بأمر الإصبنيول وحربه على تطاوين ثار عرب الرحامنة بالحوز وعمدوا إلى سوق الخميس بمراكش فأغاروا عليه وانتهبوه وسلبوا المارة وأرباب الجنات وضايقوا أهل مراكش حتى منعوهم من الارتفاق حول المدينة فانقطعت السبل وارتفعت الأسعار وقطع الرحامنة ما حول الأسوار من الأشجار واحتطبوها وحصدوا الزروع في الفدن واغتصبوها واشتد الحصار وتخاذلت الأنصار ودام الحال إلى أن فرغ السلطان رحمه الله من حرب الإصبنيول وفتنة الروكي فوجه وجهته إلى مراكش فلما قرب منها تحزب الرحامنة وأجمعوا على حربه فانحازوا إلى ناحية الرميلة والأودية وزاوية ابن ساسي ليحولوا بينه وبين الدخول إلى مراكش فهجم عليهم وأوقع بهم وقعة سيقوا بها بعد ساعة إلى مراكش مقرنين في الحبال حتى ضاقت بهم السجون ولولا أنه رحمه الله كف أيدي الجيش عنهم لاستأصلوهم ثم عفا عنهم بعد أن انتزع منهم بلاد آيت سعادة وغواطم والأودية وهي من أخصب البلاد وأزكاها وكتب السلطان في هذه الوقعة لأخيه المولى الرشيد بكتاب مختوم عليه بالخاتم الكبير بن الافتتاح والخطاب وبداخل الخاتم محمد بن عبد الرحمن غفر الله له وبدائرته ( ومن تكن برسول الله نصرته % إن تلقه الأسد في آجامها تجم ) @QB@ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب @QE@ هود 88 وبأركان الخاتم الله محمد أبو بكر عمر عثمان علي ونص الافتتاح الحمد لله الذي تدارك الأمة باللطف الكفيل بتمهيد أقطارها وتيسير أوطارها وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الذين نصروا الدين بالصفاح والأسنة وأوضحوا أحكام السنة أخانا الأعز الأرضى مولاي الرشيد أصلحك الله وأعانك وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد فإنه لما تواترت الأنباء المحققة بعد التباسها وتواردت الأخبار التي يغني نصها عن قياسها بما ارتكبه ظالموا أنفسهم الرحامنة من أنواع الفساد التي أذاعوها وأظهروها وأشاعوها وقد كانت في صدورهم كامنة صرفنا الوجهة إليهم وطوينا المراحل من أجلهم ولما حللنا ببلادهم أرسلنا عليهم سيل العرم من العساكر المنصورة والجيوش الموفورة فما كان غير بعيد حتى أتوا برؤوس منهم كثيرة محمولة على أسنة الرماح وأسارى من مقاتلتهم مجردين من الثياب والسلاح ومن نجى منهم رجع مجردا إلا من خيبة سعيه وما سقي إلا بكأس بغيه واستولت العساكر والأجناد على جميع ما كان عند أهل الفساد ومن المعلوم أن من سل سيف البغي يعود إلى نحره ومن ركب متن الشقاق يغرق في بحره وأن الفتنة نار تحرق من أوقدها والمخالفة صفقة تعود بالخسارة على من عقدها ولما أردنا معادوتهم لقطع دابرهم وتشتيت ما بقي من رماد أثرهم تعلقوا بالمرابطين من ذوي الوجاهات وأكثروا من الذبائح على المحال وتوجيه العارات وقاموا بواجب السمع والطاعة في كل ما أمرناهم به جهد الاستطاعة فأبقينا عليهم وإن عادت العقرب عدنا بحول الله لها وكانت النعل لها حاضرة فالحمد لله الذي خيب آمالهم وأبطل أعمالهم وخذل أنصارهم وأركد أعمارهم لما اعمى أبصارهم وردهم ناكصين على الأعقاب بعد سلب الأموال وقطع الرقاب @QB@ ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب @QE@ الأنفال 13 ونعوذ بالله من الآراء المعكوسة والحظوظ المنكوسة وسوء الفعل الذي يورد المهالك والحرمان الذي يجعل البصير كالأعمى في دجنة الليل الحالك هذا ويصلكم ما قطع من رؤوس قتلاهم لتتعلق بباب المدينة ويعتبر بها المعتبرون ويتذكر بها المتذكرون والله أسأل أن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك وأن يكون لنا وللمسلمين بما كان لأوليائه وأحبائه وأصفيائه وأن يوفقنا وإياهم لما يحبه ويرضاه ويختم للجميع بخير والسلام في ذي الحجة الحرام عام ثمانية وسبعين ومائتين وألف ومن تمامه وأن علقت يوما واحدا فادفعها لحملتها ولا بد ليتوجهوا بها إلى مكناسة صح به ا ه نص الكتاب الشريف وفي سنة تسع وسبعين ومائتين وألف سافر شيخنا الفقيه العلامة البارع أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز محبوبة السلاوي إلى الحجاز لأداء فريضة الحج فوافته منيته بمكة المشرفة بعد الفراغ من الحج والعمرة ودفن بالمعلاة وكان رحمه الله واعية دراكة نفاعة كثير الدرس والتقييد والنسخ للكتب المعتبرة فصيح العبارة حسن النغمة والصوت عارفا بالحديث دؤوبا على سرده عارفا بالنحو والفقه وعلوم الآلة لازمناه وانتفعنا به وعادت علينا بركاته رحمه الله ونفعنا به وكنت رثيته بقصيدة ذهبت في جملة ما ذهب من شعري إذ لم يكن لي اعتناء بتقييده ومطلعها ( ملازمة التذكار تذهب باللب % وتغري قديم الوجد بالهائم الصب ) وفي سنة ثمانين ومائتين وألف وذلك يوم السبت الرابع عشر من شعبان منها كانت هدة البارود بمراكش وذلك أنه كان بجامع الفناء منها فندق في بعض بيوته نحو أربعمائة قنطار من البارود وبه أيضا شيء من فحم الريش المتخذ للبارود فوقعت فيه نار وسرت منه إلى البارود فنفض وقت الغروب من اليوم المذكور والناس كثيرون حول الفندق فطار الفندق بما فيه وكانت حيطانه عادية وطار من كان حوله من الناس قيل نحو الثلاثمائة فمنهم من لم يوجد أصلا ومنهم من وجد بعضه من يد أو رجل ونحو ذلك وتهدمت كل دار كانت متلاشية بمراكش وانخلعت الأقفال من الأبواب وصرصرت السقوف والحيطان وكان الحادث عظيما وفي هذه السنة ورد يهودي من اللوندرة على السلطان بمراكش يطلب منه الحرية ليهود المغرب وذلك لأنه لما كانت وقعة تطاوين ودهم الناس ما دهمهم من أمر الحمايات وأكثر من تعلق بها اليهود لم يقتصروا على ذلك وراموا الحرية تشبها بيهود مصر ونحوها فكتبوا إلى يهودي من كبار تجارهم باللوندرة اسمه روشابيل وكان هذا اليهودي قارون زمانه وكانت له وجاهة كبيرة في دولة النجليز لأنها كانت تحتاج إليه فيسلفها الأموال الطائلة وله في ذلك أخبار مشهورة فكتب يهود المغرب إليه أو بعضهم يشكون إليه ما هم فيه من الذلة والصغار ويطلبون منه الوساطة لهم عند السلطان رحمه الله في الإنعام عليهم بالحرية فعين هذا اليهودي صهرا له للوفادة على السلطان رحمه الله في هذا الغرض وفي غيره وأصحبه هدايا نفيسة وسأل من دولة النجليز أن يشفعوا له عند السلطان ويكتبوا له في قضاء غرضه ففعلوا وقدم على السلطان بمراكش وقدم هداياه وسأل تنفيذ مطلبه فتجافى السلطان رحمه الله عن رده مخفقا وأعطاه ظهيرا فتمسك به اليهودي يتضمن صريح الشرع وما أوجب الله لهم من حفظ الذمة وعدم الظلم والعسف ولم يعطهم فيه حرية كحرية النصارى ونص الظهير المذكور بالطابع الكبير بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم نأمر من يقف على كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره وأطلع في سماء المعالي شمسه المنيرة وبدره من سائر خدامنا وعمالنا والقائمين بوظائف أعمالنا أن يعاملوا اليهود الذين بسائر إيالتنا بما أوجبه الله تعالى من نصب ميزان الحق والتسوية بينهم وبين غيرهم في الأحكام حتى لا يلحق أحدا منهم مثقال ذرة من الظلم ولا يضام ولا ينالهم مكروه ولا اهتضام وأن لا يتعدوا هم ولا غيرهم على أحد منهم لا في أنفسهم ولا في أموالهم وأن لا يستعلموا أهل الحرف منهم إلا عن طيب أنفسهم وعلى شرط توفيتهم بما يستحقونه على عملهم لأن الظلم ظلمات يوم القيامة ونحن لا نوافق عليه لا في حقهم ولا في حق غيرهم ولا نرضاه لأن الناس كلهم عندنا في الحق سواء ومن ظلم أحدا منهم أو تعدى عليه فإنا نعاقبه بحول الله وهذا الأمر الذي قررناه وأوضحناه وبيناه كان مقررا ومعروفا محررا لكن زدنا هذا المسطور تقريرا وتأكيدا ووعيدا في حق من يريد ظلمهم وتشديد ليزيد اليهود أمنا إلى أمنهم ومن يريد التعدي عليهم خوفا إلى خوفهم صدر به أمرنا المعتز بالله في السادس والعشرين من شعبان المبارك عام ثمانين ومائتين وألف ولما مكنهم السلطان من هذا الظهير أخذوا منه نسخا وفرقوها في جميع يهود المغرب وظهر منهم تطاول وطيش وأرادوا أن يختصوا في الأحكام فيما بينهم لا سيما يهود المراسي فإنهم تحالفوا وتعاهدوا على ذلك ثم أبطل الله كيدهم وخيب سعيهم على أن السلطان رحمه الله لما أحس بطيش اليهود عقب ذلك الظهير بكتاب آخر بين فيه المراد وأن ذلك الإيصاء إنما هو في حق أهل المروءة والمساكين منهم المشتغلين بما يعنيهم وأما صعاليكهم المعروفون بالفجور والتطاول على الناس والخوض فيما لا يعني فيعاملون بما يستحقونه من الأدب واعلم أن هذه الحرية التي أحدثها الفرنج في هذه السنين هي من وضع الزنادقة قطعا لأنها تستلزم إسقاط حقوق الله وحقوق الوالدين وحقوق الإنسانية رأسا أما إسقاطها لحقوق الله فإن الله تعالى أوجب على تارك الصلاة والصوم وعلى شارب الخمر وعلى الزاني طائعا حدودا معلومة والحرية تقتضي إسقاط ذلك كما لا يخفى وأما إسقاطها لحقوق الوالدين فلأنهم خذلهم الله يقولون إن الولد الحدث إذا وصل إلى حد البلوغ والبنت البكر إذا بلغت سن العشرين مثلا يفعلان بأنفسهما ما شاءا ولا كلام للوالدين فضلا عن الأقارب فضلا عن الحاكم ونحن نعلم أن الأب يسخطه ما يرى من ولده أو بنته من الأمور التي تهتك المروءة وتزري بالعرض سيما إذا كان من ذوي البيوتات فارتكاب ذلك على عينه مع منعه من الكلام فيه موجب للعقوق ومسقط لحقه من البرور وأما إسقاطها لحقوق الإنسانية فإن الله تعالى لما خلق الإنسان كرمه وشرفه بالعقل الذي يعقله عن الوقوع في الرذائل ويبعثه على الاتصاف بالفضائل وبذلك تميز عما عداه من الحيوان وضابط الحرية عندهم لا يوجب مراعاة هذه الأمور بل يبيح للإنسان أن يتعاطى ما ينفر عنه الطبع وتأباه الغريزة الإنسانية من التظاهر بالفحش والزنى وغير ذلك إن شاء لأنه مالك أمر نفسه فلا يلزم أن يتقيد بقيد ولا فرق بينه وبين البهيمة المرسلة إلا في شيء واحد هو إعطاء الحق لإنسان آخر مثله فلا يجوز له أن يظلمه وما عدا ذلك فلا سبيل لأحد على إلزامه إياه وهذا واضح البطلان لأن الله تعالى حكيم وما ميز الإنسان بالعقل إلا ليحمله هذه التكاليف الشرعية من معرفة خالقه وبارئه والخضوع له لتكون له بها المنزلة عند الله في العقبى @QB@ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض @QE@ الأحزاب 72 الآية واعلم أن الحرية الشرعية هي التي ذكرها الله في كتابه وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وحررها الفقهاء رضي الله عنهم في باب الحجر من كتبهم فراجع ذلك وتفهمه ترشد وبالله التوفيق وفي سنة إحدى وثمانين ومائتين وألف كمل بناء الدار الفيحاء التي أنشأها السلطان سيدي محمد رحمه الله بآجدال من ظاهر رباط الفتح بجوار ضريح جده سيدي محمد بن عبد الله وهي دار كبيرة حسنة البناء واسعة المقاعد والفناء يقال إنها من أخوات بديع المنصور ولما كمل بناؤها أمر السلطان رحمه الله أن يختم فيها فقهاء رباط الفتح صحيح البخاري أولا وفقهاء سلا ثانيا فدخلناها في جملتهم وتقصينا منازلها ومقاعدها فرأينا ما ملأ أبصارنا حسنا وإتقانا وعجيب صنعة وفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف حدثت فتنة بفاس وذلك أن الناس كانوا في صلاة الجمعة بمسجد القرويين خامس ربيع الأول وكان فيهم التاجر الأمجد أبو عبد الله حبيب بن هاشم بن جلون الفاسي فلما سجد مع الناس شدخ بعض اللصوص رأسه بحجر كبير من أحجار التيمم التي تكون بالمسجد ثم انحنى عليه بخنجر كان بيده فقطع به صفاق بطنه وساوره التاجر المذكور وما بالعير من قماص ولما وقعت الضجة قطع الناس صلاتهم وخرجوا فارين من المسجد وتركوا ثيابهم ونعالهم ومصاحفهم وغير ذلك فقائل يقول إن الإمام المهدي قد خرج وآخر يقول إن الناس يذبح بعضهم بعضا في الجامع واهتزت المدينة ثم تراجع الناس بعد حين وأما اللص فإنه خرج شاهرا سلاحه حتى وصل إلى باب المسجد فكثره الناس وقبضوا عليه وانتزعوا السلاح من يده وكشفوه فإذا به قد أدار حبالا كثيرة من تحت الثياب على بدنه وقاية له فقتلوه هنالك وبقي التاجر ابن جلون يعالج جراحاته إلى أن مات من آخر الليل واتهم أولياؤه ناسا من أعيان فاس بأنهم أغروا بقتله ولم يثبت ذلك وفي هذه السنة أعني سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف وجه السلطان رحمه الله قائد جيشه أبا عبد الله محمد بن عبد الكريم الشرقي وعامل سلا أبا عبد الله محمد بن سعيد السلاوي باشدورين إلى دولة فرنسا بباريس وكان السبب في ذلك ما أخبرني به القائد أبو عبد الله بن سعيد المذكور قال كان سيدنا أمير المؤمنين سيدي محمد بن عبد الرحمن رحمه الله قد أصحبنا كتابا إلى طاغية الفرنسيس وأمرنا بالكلام معه في شأن هؤلاء النواب الذين يبعثهم إلى المغرب وأن يكون ينتخبهم من بيوت الأعيان وممن يتصف بالتأني وحسن السيرة والوقوف عند ما حد لهم ولما وصلنا إلى باريس شرحنا ذلك للطاغية المذكور كتابة ففرح وقابلنا بمالا مزيد عليه من البرور الذي لا نقدر على شرحه مع إن إكرامنا والحمد لله لهم يفوق ذلك في الصوائر وكنا توجهنا ومعنا خيول وغيرها وأقمنا بباريس شهرا وكان مقامنا بدار كثيرة الفرش والأثاث من الفضة والمعدن ووكل بنا أمين يصير علينا حسب نظرنا وقومة يباشرون فرش المنزل وتنظيفه وغير ذلك ومعنا أصحابنا وطباخنا إلا أنهم منعزلون بمحل يخصهم وفي كل يوم تستدعينا الدولة للفرجة بمحل يسمى التياترو فيه مواعظ وحكم لمن تبصر ومتعة للنفس لمن كان حظه النظر وقد أكرمنا الطاغية بمنزله وأكرمنا الوزراء وعامل البلد والأعيان ليلا وكل واحد يجمع علينا أعيان الدولة وأهل البلد نساء ورجالا وعادتهم عند دخولك المنزل أن تحيي الزوجة ومن معها بالسلام أولا ثم بعد ذلك تحيي الرجل ورأينا من الطاغية ووزيره على الأمور البرانية من البرور والبشاشة ما جاوز الحد وطلب منا هذا الطاغية أن نبحث له في كتب التاريخ بالمغرب هل نعثر على تاريخ بناء رومة وفي أي وقت بنيت واسم بانيها ونبعث به إليه ا ه كلام العامل المذكور وهو حفظه الله من أمثل الناس وأعدلهم وأتقاهم وله المنزلة الكبيرة عند السلطان وعند الناس حرس الله مجادته وأدام بمنه عافيته وسلامته ونص الكتاب الذي وجههم به السلطان رحمه الله مكتوبا فيه اسم السلطان بداخل الطابع الشريف بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم من عبد الله المتوكل على الله المفوض أمره إلى الله أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين بالمغرب الأقصى وهو محمد بن عبد الرحمن وفقه الله أدام الله نصره وزين بالخيرات عصره إلى المحب الذي حل من مراتب الرياسة أسناها وحاز من خصال التقدم أقصاها وأدناها فأصبحت ألسن الرؤساء لهجة بذكره مفصحة بتسليم نتائج فكره ملك الممالك الفرنساوية السلطان نابليون الثالث بونابارتي أما بعد فموجب تحرير هذا المسطور إليكم إعلامكم بما تضمنه الفؤاد من خالص المحبة وحفظ الوداد وإننا مسرورون بما يتجدد لدينا كل وقت من عقد أسبابها وما يظهر كل حين من تشييد أركانها وفتح أبوابها فإن محبتنا معكم الشخصية زادت على ما كانت عليه في عهد الأسلاف وذلك لما جبلتم عليه من صفاء الطوية وحسن الائتلاف فإن القلوب في الوداد تتضاهى وما بني على أصل وثيق كان جديرا بأن يعظم ويتناهى وبموجب ذلك عينا للسفارة إليكم خالنا الأرضى الأنجد القائد محمد بن عبد الكريم الشرقي وهو أحد باشات جيشنا ومن كبراء رجال دولتنا مع ما تشرف به من قرابة الرحم لدينا ومعه خديمنا الأرضي الأمين الحاج محمد بن سعيد قائد سلا وهو عندنا أيضا بالمكان المكين لما تخلق به من الأدب والعقل الرصين والغرض من توجيههما تجديد العهد بكم والحرص على موالاة المواصلة معكم لما في ذلك من تأكيد أسباب المحبة بين الدولتين وتمهيد طريق الخير بين الإيالتين والظن بشيمتكم مقابلتهم بحسن القبول وتبليغهم في وجهتهم غاية المأمول جريا على عادتكم القديمة وسلوكا على طريقتكم القويمة وقد حملناهم ما في خاطرنا من أمور السياسة الجالبة لمصالح الجانبين ما يقررونه لديكم ويعرضونه عليكم ففي أخبارهم كفاية وأوصيناهم بحسن الاستماع لما تلقونه إليهم والأدب في تلقي ما تعرضونه عليهم كما أننا نتحقق أنكم لحسن معاملتكم ومزيد محبتكم توصون نوابكم الذين توجهونهم للخدمة بإيالتنا السعيدة بحسن المعاملة والتقصي في ترحيب الصدر والمجاملة والوقوف عند الشروط والعمل بمقتضاها والتمام في الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف ا ه واعلم أن هذا الكتاب بديع في بابه غريب في منواله قد اشتمل من التوريات والنكات ومقتضيات الأحوال على ما يشهد لمنشئه بالمعرفة والمهارة والبصيرة والبصارة رحمه الله وفي شوال من هذه السنة مرض السلطان رحمه الله مرضا شديدا أشرف منه على الهلاك بل أشاع المرجفون أنه قد هلك واضطربت أحوال الرعية وعاد أعراب البادية إلى العيث في الطرقات واستلاب الناس بها من المارة وغيرهم وحاصر عرب عامر مدينة سلا وعاثوا في جناتها ومنعوا الداخل إليها والخارج منها وغلقت الأبواب واستمر ذلك إلى عيد الأضحى ثم ورد الخبر اليقين بإبلال السلطان وإفاقته من علته وكانت علته الداء المعروف بالخوانق بلغ به إلى حد اليأس والإشراف ثم تدارك الله المسلمين بلطفه ومن على إمامهم بعافيته فأعملت المفرحات والولائم في جميع الأمصار قال أبو عبد الله أكنسوس ما ملخصه لما أفاق السلطان رحمه الله من علته هذه كتب حجاب الحضرة ووزراؤها لابنه الخليفة المنتصر بالله أبي علي المولى حسن بن محمد يهنئونه بعافية السلطان فأمر هذا الخليفة أعزه الله بإخراج المدافع والأنفاض حتى اهتزت الجبال ثم دعا أيده الله الناس الدعوة الحفلا فلم يتخلف ممن كان بمراكش أحد من العقلاء فأمر أيده الله بتهيئة جنان رضوان ففتحت أبوابه وفرشت قصوره وقبابه وفجرت أنهاره حتى تفتقت أزهاره وحضر وجوه الدولة وأعيانها ورؤساء القبائل وأقيالها وكان ذلك بأثر عيد الأضحى قبل انفصال وفود العيد عن الحضرة ثم اندفع عليهم من الدار المولوية من سيول موائد الطعام الفاخر ما عم الأول منهم والآخر هذا للعامة المطلقة والأوزاع الملفقة وأما الخواص والوجوه فلهم الحظ الأوفر من العناية والخطاب بصريح الترحيب دون كناية بالقعود على الفرش الحريرية المذهبة والمقاعد العالية المطنبة والرش بمياه الأزهار ومباخر الطيب وكل معنى لطيف ومنظر عجيب وقد أحضر كل واحد ما شاء من آلات اللهو والفرح على حسب ما اشتهى واقترح فلا تكاد تسمع في تلك المجالس والمغاني إلا أصوات المثالث والمثاني وضروب الألحان والأغاني واستمر الناس في ذلك ثلاثة أيام والمولى الخليفة أعزه الله مع إخوته وبني عمه في القبة المحمدية الصويرية المشرفة على مجاري الخيل وملاعبها ومطاردها ومتاعبها وكل عشية يركب من بالحضرة من الوجوه والأكابر على عتاق الخيل والجياد الضوامر ويبدي ما عنده من الثقافة والفروسية مع إظهار الشارة المخزنية والأبهة الملوكية ثم بعد هذا شرع كبار الدولة ووجوهها ورؤساؤها وقوادها في انتخاب الصنائع والولائم كل على حسب ما أداه إليه اختياره واعتناؤه ثم تتابع الناس في مزهاتهم وإظهار أبهاتهم وانتخاب دواعي الأفراح ومقتضيات الازدهاء والانشراح فما يمر أحد ببستان إلا ويجد به جماعة زاهية وطائفة منبسطة لاهية ا ه وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين وألف كان بالمغرب جراد سد الأفق وذلك في ربيع الأول الموافق لشهر مارس العجمي فأكل النجم والشجر ثم عقبه فرخه المعروف بآمرد فأكل كل خضراء على وجه الأرض واستلب الأعواد من أوراقها وقشرها من لحائها وفاض في الأمصار حتى دخل على الناس في بيوتهم وفي سنة أربع وثمانين ومائتين وألف كان الغلاء المفرط بالمغرب الذي لم يتقدم مثله بلغ فيه الربيع وهو ربع ثمن المد بسلا ورباط الفتح ستين أوقية وباع الناس أثاثهم وحليهم بالبخس وكان الأمر شديدا على الضعفاء وفي ذي القعدة من هذه السنة توفي القائد الأجل أبو محمد عبد الله بن عبد الملك بن بيهي الحاحي وكان من كبار قواد المغرب وأهل البذل والإيثار والمعروف له في ذلك أخبار مذكورة رحمه الله وفي سنة خمس وثمانين ومائتين وألف كان الوباء بالمغرب بالقيء والإسهال المفرطين على نحو ما وصفناه في السنين الماضية وفي زوال يوم الأحد الحادي عشر من جمادى الأولى من السنة المذكورة توفي قاضي سلا الفقيه العلامة الورع أبو عبد الله محمد العربي بن أحمد بن منصور ودفن بالجبانة المتصلة بضريح الشيخ أبي العباس بن عاشر رضي الله عنه وكانت لهذا القاضي سيرة حسنة وعدل في الأحكام وتأن فيها مع سمت ومروءة وانقباض رحمه الله وبقيت سلا بلا قاض أربعين يوما حتى وقع اختيار السلطان على شيخنا الفقيه العلامة القاضي سيدي أبي بكر ابن الفقيه العلامة القاضي سيدي محمد عواد رحم الله الجميع وفي هذه السنة أمر السلطان رحمه الله بضرب الدرهم الشرعي وحاول ضبط السكة به وحمل الناس على أن لا يذكروا في معاملاتهم وأنكحتهم وسائر عقودهم إلا الدرهم الشرعي وشدد في ذلك وكتب فيه إلى ولاة الأمصار يقول في كتابه ما نصه وبعد فإن أمر السكة من الأمور الواجبة المتعين رد البال إليها والاهتمام بشأنها والنظر فيما يصدر بسببها من النفع والضرر للمسلمين وبيت مالهم وقد كان أسلافنا رحمهم الله اعتنوا كثيرا بشأنها وبضبط مصالحها ودفع مفاسدها وجعلوها على قدر شرعي معلوم لضبط أمرها والتبرك بتلك النسبة إذ بذلك يعلم المسلم علم يقين كمال النصاب عنده فتجب عليه فيه الزكاة التي هي من دعائم الإسلام أو عدم كماله فلا يكون مخاطبا في بشيء ولما رأينا ما حدث فيها من التغير وعدم الضبط ونشأ عن ذلك من الضرر للمسلمين وبيت مالهم ما لم يخف على أحد اقتضى نظرنا السديد ردها لأصلها الأصيل الذي أسسه أسلافنا الكرام سنة ثمانين ومائة وألف أذلنا فيهم أسوة حسنة في الإجمال والتفصيل فرددنا الدرهم الكبير المسلوك على وزن الدرهم الشرعي والمنهاج المرعي كما كان على عهد جدنا سيدي الكبير قدسه الله وجدد عليه وابل رحماه بحيث تكون عشرة دراهم منه هي المثقال كما هو معلوم إن عشرة دراهم من الدراهم التي كانت تروج قبل على عهد أسلاقنا رحمهم الله هي المثقال وبهذا العدد الذي هو عشرة منه في المثقال تكون جميع المعاملات والمخالطات في البيع والابتياع وغيرهما بين جميع رعيتنا السعيدة في كل البوادي والحواضر وبه أمرنا جميع العمال ومن هو مكلف بعمل من الأعمال وإشاعته ليبلغ الشاهد الغائب وبه يقبل لجانب المال وأمرناهم بالعمل بهذا الأمر الذي أصدرناه وأبرمناه بحول الله وأمضيناه وأن يعاقبوا كل من عثروا عليه ارتكب خلاف ذلك وبأن يسلكوا به أضيق المسالك جزاء وفاقا على مخالفته وتعديه الحد وافتياته نعم ما سلف من المعاملات بجميع أنواعها فيما تقدم قبل تاريخ هذا الكتاب فحكمه حكم ما تقدم في السكة فلا يكلف أحد بزيادة ومن كان بذمته شيء فيما سلف يؤديه بحساب ما كانت تروج به السكة في الريال والدرهم والعمل بهذا الذي أمرنا به هو من الآن لما يستقبل إن شاء الله وبهذا يزول الإشكال فيما تقدم بين الناس في المعاملات ونسأل الله أن يخلص العمل في سبيله ومرضاته ويجازي من فضله وكرمه على قصده وصلاح نياته والسلام في ثامن شوال عام خمسة وثمانين ومائتين وألف ا ه وفي يوم الجمعة السادس عشر من شوال المذكور توفي البركة الخير المنتسب سيدي الحاج محمد بن العربي الدلائي الرباطي بالدار البيضاء ودفن يوم الجمعة بالزاوية المنسوبة إليه بها رحمه الله ونفعنا به وفي هذه السنة كان سوق دار البلار بباريس من أرض افرانسا وذلك أن الطاغية نابليون الثالث لما بلغ من ضخامة الدولة ونفوذ الكلمة ما قل اتفاقه لغيره من الأجناس حاول أن يتجاوز ذلك إلى أن يجلب إلى رعيته ودار ملكه كل أمر غريب في العالم حتى يجتمع عنده ما افترق عند غيره فكتب إلى ملوك الآفاق يقول إنه قد عزم على إقامة سوق بباريس في وقت معلوم وطلب منهم أن يبعثوا بتجارهم لحضورها وجلب سلعهم وغرائبهم إليها وقصده بذلك عموم النفع وتعدي الصنائع والحرف من أمة إلى أخرى فأجاب الملوك داعيه بمقتضى العرف الجاري بين الدول والعادة المقررة من عهد الملوك الأول ولم يبق إلا من بعث تجاره ونفائسه وغرائبه من الجليل إلى الحقير وكان السلطان سيدي محمد رحمه الله قد بعث تاجره الحاج محمد بن العربي القباج الفاسي المعروف بالفرنساوي وهذا الرجل من العارفين باللسان الفرنجي البصيرين بعوائد ذلك الجيل ولذا لقب بالفرنساوي وبعث معه السلطان رحمه الله كل شيء غريب مما اختص به قطر المغرب من سروج مذهبة ومناطق مزخرفة وقطائف منمقة وغير ذلك من الأعلى إلى الأدنى حتى الزليج الفاسي والمعلمين الذين يباشرون ترصيعه في محاله وحضر هذا السوق الملوك فمن دونهم من كل إقليم حتى السلطان عبد العزيز العثماني رحمه الله فكان الحال كما قال أبو الطيب المتنبي ( تجمع فيه كل لسن وأمة % فما تفهم الحداث إلا التراجم ) وأقامت عمارتها ثلاثة أشهر ثم انفض الناس إلى بلادهم ولما بلغ نابليون الثالث إلى هذه الغاية فجئته وقعة البروس التي كسرت من شوكته وفلت من غربه وقبض عليه باليد وحوصرت دار ملكه باريس مدة طويلة فبلغ فيها لحم الحمار أربعة ريالات افرنك لكل رطل على ما قيل ولم تغب عنهم محنة ووقع الصلح على شروط منها ألف مليون من الريال تدفعها دولة افرانسا لدول البروس وفي سنة ست وثمانين ومائتين وألف وذلك عشية يوم الخميس الرابع عشر من شعبان منها توفي الوزير أبو عبد الله محمد الطيب بن اليماني المدعو بأبي عشرين وكان سبب وفاته أنه كان به داء الحصر فدخل الميضأة التي بمشور أبي الخصيصات من دار السلطان بحضرة مراكش فيقال إن مثانته تمزقت فمات رحمه الله وحمل إلى داره وصلى عليه بعد الجمعة بمسجد المواسين وحضر جنازته الجم الغفير ودفن بضريح الشيخ أبي محمد الغزواني من حومة القصور وكان رحمه الله ذا جد في الأمور ونصح للسلطان وللمسلمين وفي سنة سبع وثمانين ومائتين وألف وذلك ليلة الخميس الرابع عشر من ربيع الثاني منها خسف القمر خسوفا كليا بعد الغروب إلى نصف الليل وفي فجر يوم الجمعة الثامن من جمادى الأولى من السنة المذكورة توفي الولي الصالح الناسك السني أبو عبد الله محمد الطيب ابن الشيخ الأشهر مولاي العربي الدرقاوي ودفن بمحل زاويته بآمجوط من بلاد بني زروال وكان من خيار عبد الله على غاية من التقوى والورع والتواضع من الناس يركب الحمار ويلبس الجبة ولا يتميز عن أصحابه بشيء مع السكينة والوقار وعدم الخوض فيما لا يعني والإعراض عن زهرة الدنيا وأهلها رحمه الله ونفعنا به وفي التاسع والعشرين من رمضان من السنة المذكورة انكسفت الشمس وكان ابتداء الكسوف على ما أعطاه التعديل بعد الزوال بنحو نصف ساعة وكاد يكون كليا حتى أظلم الجو وبقي من الشمس حلقة نورانية يسيرة ولم يمكن تحقيق وقت التجلي لتراكم السحاب وفي هذه الأيام ظهرت حمرة في السماء غريبة أرجوانية مع غاية الصحو وكان ظهورها يكون فيما بين العشاءين معظمها في جهة الشمال ودامت كذلك نحو سبعة أيام وانقطعت وفي ليلة السبت الثامن من شوال من السنة وذلك في الساعة الثالثة منها زلزلت الأرض ولم يشعر بها كثير من الناس لكونهم نياما وفي سنة تسع وثمانين ومائتين وألف غزا السلطان سيدي محمد رحمه الله قبائل تادلا فمر على السماعلة منتصف رجب ثم منهم لبني زمور ثم لأبي الجعد ثم منه توجه لقصبة تادلا وعبر القنطرة ونزل على بني عمير ثم زحف لبني موسى فأوقع بهم لأنهم كانوا خارجين على عاملهم الغزواني ابن زيدوح فقطع منهم خمسين رأسا وقبض على أربعين مسجونا وفي أثناء ذلك قدم عليه وفد أهل مراكش وكانوا قد ثاروا على عاملهم أحمد بن داود لكونه كان يسير فيهم سيرة غير حميدة فقدموا على السلطان متنصلين مما فرط منهم فأعرض السلطان عنهم ولم يسمع منهم كلاما ولا قبل لهم عذرا فرجعوا مخفقين ثم تقدم السلطان رحمه الله إلى مراكش وهو غضبان على أهلها وكانوا مظلومين فيما قيل إلا أنه لبس على السلطان في أمرهم فلما شارف المدينة خرجوا إليه بالعلماء والقراء وصبيان المكاتب متشفعين فلم يقف لهم ولا التفت إليهم وكان ابنه وخليفته المولى الحسن حاضرا يومئذ فتقدم إلى أهل مراكش ورق لهم وقال لهم قولا جميلا وكان هذا الحادث في رمضان من السنة المذكورة ثم لم يلبث ابن داود بعد ذلك إلا مدة يسيرة حتى توفي وتخلصت قائبة من قوب وعفو الله بعد ذلك مرقوب وفي سنة تسعين ومائتين وألف كانت جائحة النار بكثير من بلاد المغرب أحرقت الزروع والثمار وأجيحت الجنات وتراجع الناس في أثمان ما بيع منها بعد إثبات الموجبات وكانت أيام السلطان سيدي محمد رحمه الله في أولها شديدة بسبب ظهور العدو على المسلمين وما عقبه من الغلاء والموت ثم بعد ذلك اتسع الحال وحصل الأمن وانخضدت شوكة قبائل العرب بالمغرب وأمنت الطرقات من عيثهم وازدهت الدنيا ورخصت الأسعار رخصا يسيرا وكان الناس ممعشين في أيامه وغلت الدور والأملاك حتى كانت في بعض السنين لا تسمسر ومن يشتري دارا إنما يشتريها بالتنقير عنها والطلب من ربها بالثمن الجافي واتخذ الناس ذوو اليسار المراكب الفارهة والكسي الرفيعة والذخائر النفسية وتأنقوا في البنيان بالزليج والرخام والنقش البديع لا سيما بفاس ورباط الفتح ولاحت على الناس سمة الحضارة الأعجمية وكان للسلطان سيدي محمد رحمه الله في كل بلد عيون يكتبون له بما يقع من الولاة فمن دونهم فكانت الرعية كأنها في كف يده وكان يختار أولئك العيون من العوام فكانوا يكتبون له بالغث والسمين فيسمع ذلك كله فينتقي منه الصحيح ويطرح السقيم فاستقامت أحوال الرعية بذلك