القسم ١ من ٢

الكتيبة الكامنة في من لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة

لسان الدين ابن الخطيب

## | بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد واله وسلم (اللهم الإعانة على التمام بجاه سيد الأنام، عليه افضل الصلاة وأزكى السلام) (1) . الحمد لله الذي جعل الأدب في جميع ما للفنون من الأسواق، فاكهة شهية الأذواق، تهدى في الأطباق، مكللة بالإحداق، وريحانا عطر الانتشاق، في أنوف عشاق الكمال واكرم بأولئك العشاق، وجعل بينه وبين النفوس الرقاق نسبا ثابت الاستحقاق، والصلاة والسلام على مولانا محمد رسوله سيد ولد آدم على العموم والإطلاق، الذي أوتى جوامع الكلم ومكارم الأخلاق، والرضى عن أصحابه واله نجوم ملته الباهرة الاشراق، لهداية الطراق، ما أقامت الذكرى أسواق الأشواق، فضاقت عن الزفرات مسالك الاطواق، وما خفقت جوانح القلوب من الاشفاق، عند هبوب النسيم الخفاق. أما بعد فأنني لما استوفيت اوطاري، واستكملت أدواري، وتشوفت ظلمي إلى مطالع انواري، واستوعبت من صحبة المغرب حصتي، وختمت بالدعاء قصتي، ونزلت عن منصتي، وابتلعت [2ب] غصتي، ومن بعد أن لبست دنياه فاخلقت، وبنيت بمبانيه المشيدة وطلقت، ولبيت بمواقيت جهاده واهللت، وحللت من ملوكه حيث حللت، ومن مأزق العربدة تسللت، واستعادتي الدنيا فتجنيت وتعللت، وأخبرتها أني قد مللت وأملت، ولم يبق للشهرة مرقب إلا ركزت فيه راية خافقة، ولا للفخر مذهب إلا كتبت فيه أية ناطقة، حمدا لربي الغني الحميد، المنوه بالعدم حتى يذكر، المشيد به فتراه يحمد ويشكر، ويعرف فلا ينكر، صرفت إلى المشرق وجهي والعشية قد ضقت، والعمرة قد أفاقت والخوف من توقع القواطع شديد، ومجال التقية من فوات البقية (1) عريض مديد، لكن الأمل يشب مع الشبيبة، وعين الحريص تعمى عن تصور الخيبة، والطمع يحث على انتهاز الفرصة، قبل أفول القرصة، والنفس تقول: قنعنا ولو بإلمام، وطل عن غمام، وبسلام من طويل كلام، ومن لنا بالنظر إلى تلك الوجوه المشرقة المقسمات، السافرة عن كرائم السمات، من قبل الممات، واجتلاء تلك المعاهد التي طاب ثراها، والمشاهد التي راق مراها، نسأل الله تعالى أن يتم علينا فضله باحتلالها، وتسكين الأشواق في ظلالها، ويقر العيون باجتلاء جمالها، والنفوس ببلوغ آمالها، من خير (1) كمالها. ولما وقع العزم، وكاد يحذف العلل الجزم، وكاد الرسم أن يطوق القادم محل وسطه بتحفة قدوم، إن رائحة محروم، على قدر حاله، ووسيع انتحاله، وبضائع رحاله، وموازين خصبه أو امحاله، فتح بين يديه أبواب الأدلال قبل الاختلال، وتسبب الوسائل إلى أمد الكمال، ومطاوي الآمال، وكنا ارقنا بقايا المزاد، ونفضنا [3 ا] ؟ (3) في الطريق فضلات الزاد، وردنا على الدنيا بعد الشبع من طحين ثفالها، وملء اليدين من ثقالها، ما بقي من أوضاع احتفالها، ورفعنا مخفف القماش فوق اكفالها، وأزمعنا وداعها طوعا لا اضطرارا، وأقرضنا صاغتها فرارا وازورارا، ولم نتبع حولها الالتفات، ولا أغرينا - والحمد لله - الندم على ما فات، فجعلت الهدية، من جنس ما تتشوف إليه النفوس الغنية، وتتجر في أسواقه الهمم السنية، من وضع يستطرف، أو اختراع إليه يستشرف، واثر يدل على طور المتسول، وطريقة المتعرف المسترسل، يظهر منه مصرف عنايته، وشرح كنايته، وبيان دعايته، ومرعى رعايته، ويتبين ما وراء صحيفته من عنوانه، ويخبر بذلك عن تفصيل ديوانه، وينوب مكتوبه عن لسانه، فيما ينتحل من احسانه، فجمعت في هذا الكتاب جملة وافرة، وكتيبة ظافرة، مما لقيناه ببلدنا الذي طوينا جديد العمر في ظله، وطاردنا قنائص الآمال في حرمه وحله، ما بين من تلقينا أفادته، أو أكرمنا وفادته، وبين من علمناه وخرجنا، ورشحناه ودرجناه، ومن اصطفيناه ورعيناه، فما أضعناه، بعد أن وصفنا كل واحد منهم وحليناه، وبما تولاه الله تعالى توليناه، إذ لا يلزمنا أن ننحل الكمال لمن لم يكمله مكمل الذوات، ومخول الادوات، فننتحل الكذب لغير ضرورة مبيحة، ونتحمل المشقة لا لتجارة ربيحة، والمقصود إنما هو إلمام بتعريف، وجلب أدب ظريف، وخبر طريف، بل التماس إنعام ممن يقف عليه وتشريف، وان ينظر النقص بعين كماله، ويعذر المهدي في تقصيره واسهاله، فالله تعالى لا يكلف العبد من أعماله فوق احتماله. وسميت هذا الوضع بالكتيبة الكامنة فيمن لقيناه [3ب] بالأندلس من شعراء المائة الثامنة، يستدل به من يباشره، على نبل من كنا نعاشره، ويقف من يدارسه، على فضل من كنا نمارسه، وان كان جالب مثل هذا إلى البلاد المشرقية اعز الله اهلها، وامن حزنها وسهلها، جالب نغبة إلى غدير، وحبابة إلى كاس مدير، فالعذر إلى الوسع مصروف، ولا تجود (1) يد إلا بما تجد بمثل معروف، ولو كانت الهدايا التي تجلب إلى أبوابهم، لالتزام ثوابهم، يشترط فيها المماثلة لمحالهم (1) العالية، والمناسبة لأقدارهم الغالية، لسد الباب، وعجزت الالباب، وتقطعت؟ ونعوذ بالله تعالى؟ تلك الأسباب، ومثلهم على المسامحة جبل، وقد أهدت قبرة إلى سليمان عليه السلام جرادة فقبل، وهم أهل المزايا الفاخرة (2) ، وأولو الدنيا والآخرة، ومعدن الكمال، ومعرف وجوه الآمال، وصل الله لهم عوائد الاجلال، ومتعهم بما وهبهم من حسن الخلق وفضل الخلال. وقد كنت جمعت في الزمان (3) المنصرم، قبل أن يرسل الله تعالى على شبابنا سيل العرم، وقبل ان يعتاض الشباب بحال الهرم وقلق البرم، مائة شاعر وعشرة، وسميته بالتاج المحلى في مساجلة القدح المعلى، وربما تخلل ذلك من تأخر عن مولدي أجله، ممن أرحله عن الوطن (4) عجله، وبلغني مرواه ومرتجله، وربما دعوت إلى هذا المدعى بعض من حضر الأول، وألقيت بيده ما كان من الحلي قد تحول، أو شذ نادر لا يعتد به ممن لم أحقق وفاته، ورامه هذا الغرض فما فاته، وهاأنا أنسقهم على ترتيب مقرر، وتبويب محرر، وأضيف الرجل إلى ما غلب عليه من انتحال، وعرف به في كل حال، وألاحظ أحوالهم بحسب الزمان والمكان، وأقرب ذلك جهد الإمكان، إنشاء الله [4ا] تعالى.

- 1 -

فمن الخطباء الفصحاء، والصوفية الصلحاء:

قلت: وهذه الطبقة أهلها أعلام سراوة ومجادة، وفرسان (1) مرقى وسجادة، وليسوا بحجة في إجادة، إلا من جرى منهم مجرى إفادة في وفادة، ومظنة الإجادة في هذا الكتاب، هم طبقات الشعراء والوزراء والكتاب. ## $ 1 - الخطيب الصالح أبو جعفر احمد بن محمد بن خميس الأنصاري كان هذا الرجل في بلده مقلة بها يبصر، ولسانا يسهب ببلاغته ويختصر، ويستعدى ويستنصر؛ شأنه عجاب، ودعاؤه مستجاب، ووجوه (2) فضله لا يعوق عن اجتلائها حجاب، وورعه لا تقرب الشبهات حماه، واجتهاده لا يبلغ مرماه، وكان له أدب يقتحم حمى الإجادة، وتزين حلاه حلل الدين والمجادة، فمن ذلك قوله: يا أخي اقبل وصيتي لك أني ... قد خبرت الورى على التحقيق لا تؤمل مهما استطعت سوى الله ولا تتكل على مخلوق ... بل تحفظ من كل ما دب فوق الأرض وأحذر منهم بكل طريق ... ورض النفس بالقناعة واليأس من الناس تحظ بالتوفيق ... إنما الناس في زمانك يا ... صاح فريق مغرى بضر فريق (3) فادر اكؤس المداراة حلما ... لعدو مبارز وصديق واجعل الزاد يا مسافر تقوى الله واجعل هداه أولى طريق ... وقال رحمة الله عليه: عليك بأعمال القناعة والرضى ... بما قدر الرحمن إن كنت ذا حلم ولو لم يكن للمرء في مقتضاهما ... من الخير إلا راحة القلب والجسم وقال رحمة الله عليه (1) : [4ب] إذا لم يكن للمرء مال فما له ... لعمرك عند الناس قدر ولا حظ وان هو أبدى حكمة وبلاغة ... وفصل خطاب لم يحسن له لفظ وقال أيضا رحمه الله تعالى: قوام العيش في جدة وأمن ... وصحة إنها أقصى الأماني وأوفاهن للدارين أمن ... فوال السعي في طلب الأماني ## $ 2 - الخطيب الصالح أبو اسحق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن [أبي] العاصي (2) التنوخي رحمه الله تعالى (3) : سابق في حلبة العلم والدين، بشهادة تلك الميادين، رأى الله تعالى تقلب وجهه الوجيه في الساجدين، فوسمه بسمة الهادين المهتدين، اغربت طريف (4)

منه بطرفة رائقة ورغبت منه في رغيبة (1) فائقة، وقذف بحرها منه بدرة (2) بزينة الحضرة لائقة، فاتخذها دارا وملا هالتها ابدارا، وصعد منبرها تجلو الخطوب خطبه، ويهز جذعه فيتساقط رطبه، وحمل نفسه على الجود بالحاضر الموجود، لا يلفي شيئا إلا بذله، غي مصغ إلى من عذله، فجلب إليه (3) القلوب واستمالها، ولم يدع غاية إلا استمى لها، وكان يلم بيسير الأبيات، ويبدي جيادها رائقة الشياة، فمن ذلك قوله رحمة الله عليه (4) : اعمل بعلمك تؤت حكما إنما ... جدوى علوم المرء نهج الأقوم وإذا الفتى قد نال علما ثم لم ... يعمل به فكأنه لم يعلم وقال أيضا رحمه الله تعالى وقد احسن: دنياك مهما اعتبرت فيها ... كجيفة عرضة انتهاب إن شئتها فاحتمل أذاها ... واصبر عليها مع الكلاب (5آ) وقال موطئا على البيت الأخير: (5) أمولاي أنت الكريم العفو ... لبذل النوال وللمعذره علي ذنوب وتصحيفها ... ومن عندك الجود والمغفره ## $ 3 - الخطيب (1) الصالح أبو جعفر احمد بن الحسن بن علي الكلاعي المعروف بابن الزيات (2) رحمه الله ونفع (3) به آمين: رحلة الوطن، وملقى العطن (4) ، وخبيئة العناية التي لا يعثر عليها إلا أهل الفطر السليمة والفطن، والخطيب الذي إذا نطق اخرس سحبان، وإذا رجح خف متالع وأبان (5) وإذا تاوه بذكر الله تعالى تأرج الهندي والبان، والولي الذي تضرب آباط مطيها إليه الركبان، حثا في وجوه السابقين ثانيا من عنان سيره، وجمع من شروط الخطابة ما تفرق في غيره، صورة أنشأها الله في احسن تقويم، ومجتلى احب إلى العيون من سنة التنويم، ولسانا يرمي البلابل بالعي، ويوقفها إذا ادعت نسب الفصاحة موقف الدعي، وخشوعا يعلم غلاظ الكبود معاملة المعبود، ونغمة بالسبع المثاني، تزري (6) بنغمات المثالث والمثاني، وصدقا يصدع بوعظه الصخر، وانشاء يتمم هذا الفخر، إلى الحفظ الأقوى، والانفراد بإحراز قصب السباق في مجال البر والتقوى. وهذه الشروط قلما اجتمعن في سواه، ولا اطعن إلا خافق لواه، وكان يتدفق بالشعر تدفق البحر الزاخر، ويتكل معربا في هذا الزمان المستاخر، ومثواه بالأندلس كعبة المفاخر، بشهادة العظم الناخر. ومن شعره (1) : شهود ذاتك سر عنك محجوب ... لو كنت تدركه لم يبق مطلوب علو وسفل ومن هذا وذاك معا ... دور (2) على نقطة الأشراف منصوب (5 ب) ومنزل النفس منه ميم مركزه ... إن صح للغرض الطيني مرغوب وان تناءت مساويها فحيزها ... أوج الكمال وتحت الأوج تقليب والروح ان لم تخنه النفس قام (3) به ... في حضرة القدس تخصيص تقريب ومن ذلك قوله رحمه الله تعالى: برق بآفاق المعارف لاحا ... حيا (4) الجسوم وجرح الأرواحا ولوى عليها من سناه سرداقا ... أحيت (5) مباسمه ندى وسماحا نشرت بنود العز من تلقائه ... نشرا غدا في الصالحات وراحا وأقام منه عليه برهانا أبت ... أنواره إلا هدى وصلاحا ما لم يفدك العقل تبصرة بما ... أومى إليه ويورث استمناحا فالعقل في حكم الهوى ولذاك لم ... ينفض بميدان النفاذ (6) جناحا فانظر بعقلك هل ترى من كائن ... إلا ويفصح بالهدى إفصاحا وارجع إلى النظر الصحيح ولا تدع ... سر العناية لا يفيد فلاحا

واكسر زجاج الحس تعويلا على ... (1) روحية المعقول ان تلتاحا أو ما تحن إلى فراديس العلا ... فتشد في طلب الكمال وشاحا ولقد دعاك إليه (2) مصطف الهدى ... واراك من سبحاته مصباحا فكففت (3) إلا عن متابعة الهوى ... وأبيت إلا كبوة (4) وجماحا ومن مستحسن قوله رحمه الله تعالى ورضي عنه (5) : دعني على حكم الهوى اتضرع ... فعسى يلين لي الحبيب ويخشع إني وجدت أخا التضرع فائزا ... بمراده ومن الدعا ما يسمع واها (6) وما شيء بأنفع للفتى ... من أن يذل عسى التذلل ينفع فامح اسم نفسك طالبا إثباته ... واقنع بتفريق لعلك تجمع (6آ) واخضع فمن أدب المحب خضوعه ... ولربما نال المنى من يخضع ومن ذلك قوله (7) : مالي بباب غير بابك موقف ... كلا ومالي عن فنائك مصرف هذا مقامي ما حييت فان أمت ... فالذل مأوى والضراعة مألف غرضي وأنت به عليم لمحة ... تدع الشتيت الشمل وهو مؤلف وعليك ليس على سواك معولي ... جاروا علي لأجل ذا أو أنصفوا ومن المقطوعات في التجنيس قوله رحمه الله تعالى (1) : يقال خصال أهل العلم ألف ... ومن جميع الخصال الألف سادا ويجمعها الصلاح فمن تعدى ... مذاهبه فقد جمع الفسادا وقال أيضا (2) : واغلب هوى النفس لا يغررك عاجله ... (3) فكل شيء يحط القدر منها جا إن شئت فوزا بمطلوب الكرام غدا ... فاسلك من العمل المرضي منهاجا وثبت له في كتاب المحلى نثر أشف من نظمه (4) رحمه الله تعالى آمين: ## $ 4 - الأستاذ الخطيب أبو الحسن علي بن عمر بن حسين القيجاطي شيخنا (5) رحم الله تعالى: روض المعارف الذي جعل الله أزاهره الفنون، وثدي الفوائد أرضعها الآباء والبنون، إلى ان كان فطامها المنون، بدر شهدت هالته الأفق، بحر صرف إليه الآمل (1) الرفق، قل ان يذكر فن الا وركض في مجاله، وأخذه عن رجاله، وكان من الرسوخ والتمكين، حالا من التخلق بالمكان المكين، يرسل النادرة شهابا، وينتهب مجالس الأنس انتهابا، ويتحكم في القول إيجازا واسهابا، خبا بوفاته (6ب) الكوكب الثاقب، ووريت بمواراته المناقب، ومن شعره في غرض الرثاء: (2) حمام حمام فوق أيك الأسى تشدو ... تهيج من الأشجان ما أوجد الوجد وذلك شجو في حناجرنا شجى ... وذلك لهو في ضمائرنا جد أرى أرجل الأرزاء تشتد نحونا ... وأيديها تسعى إلينا فتمتد ونحن أولو سهو عن الامر ما لنا ... سوى أمل إيجابنا عنده جحد وان خطرت للمرء ذكرى بخاطر ... فتسبيحة الساهي إذا سمع الرعد مصاب به قدت قلوب وانفس ... لدينا إذا في غيره قطعت برد تلين له الصم الصلاب وتنهمي ... عيون ويبكي عنده الحجر الصلد فلا مقلة ترنو ولا أذن تعي ... (3) ولا راحة تعطو ولا قدم تعدو وقد كان يبدو الصبر منا تجلدا ... فهذا مصاب صبرنا فيه لا يبدو ومن شعره في غرض العتاب (4) : روض المشيب تفتحت ازهاره ... حتى استبان ثغامه وبهاره ودجى الشباب قد استبان صباحه ... وظلامه قد لاح فيه نهاره فأتى حمام لا يعاف وقوعه ... ومضى غراب لا يخاف مطاره والعمر مثل البدر يونق حسنه ... حينا ويعقب بعد ذاك سراره ما للإخاء تقلصت أفياؤه ... ما للصفاء تكدرت آثاره والحر يصفح إن أخل خليله ... والبر يسمح ان تجرأ جاره فتراه يدفع إن تمكن جاهه ... وتراه ينفع ان علا مقداره تعلم أنني زمن الصبا ... ما زلت زندا والحياء سواره ولانت تعلم أنني زمن الصبا ... ما زلت ممن طاب فيك إزاره والهجر ما بين الأحبة لم يزل ... ترك الكلام أو السلام مثاره (7ا) ولكم تجافى عن جفاء خليله ... فطن وقد ظفرت به أظفاره ولكم أصر على التدابر مدبر ... أفضى إلى ندم به إصراره فأقام كالكسعي بان نهاره ... أو كالفرزدق فارقته نواره أنكرتم من حق معترف لكم ... بالحق ما لا ينبغي إنكاره والشرع قد منع التقاطع نصه ... قطعا وقد وردت بذا (1) أخباره والسن سن تورع وتبرع ... وتسرع لتشرع تختاره ما يومنا من أمسنا قدك (2) اتئد ... ذهب الشباب فكيف يبقى عاره هلا حظرتم أو حذرتم منه ما ... فرض عليكم حظره وحذاره عجبا لمن يجري هواه لغاية ... محدودة إضماره مضماره يأتي ضحى ما كان يأتيه دجى ... فكأنه ما شاب منه عذاره فيعد ما تفنى به حسناته ... ويعيد ما تبقى به أوزاره فالنفس قد أجرته ملء عنانها ... يشتد في إحضارها إحضاره والمرء من إخوانه في جنة ... بل جنة تجري بها أنهاره فاليمن قد مدت إليه يمينه ... واليسر قد شدت عليه يساره شعر به أشعرت بالنصح الذي ... يبديه من أشعاره إشعاره ولو اختبرتم نقده بمحكه ... لامتاز بهرجه وبان نضاره هذا هدى فبه (1) اقتده تنل الرضى ... أو أنت في هذا وما تختاره وعليكم مني سلام مثل ما ... أرجت بروض يانع أزهاره ## $ 5 - الصوفي المتاله أبو عمرو محمد بن يحيى بن إبراهيم بن محمد بن مالك بن عباد (2) النفزي (3) رحمه الله صوفي صافاه المصافي، أورده من عين اليقين في الزلال الصافي، فقال: (7ب) من أنا ومن أوصافي، مهما حكمت إنصافي، وبرز إلى الأهوال فقارع أبطالها، وإلى المشاهدات يشكو مطالها، وفر (4) من الشواغل التي تشوش الوقت، وتجلب (5) المقت، فما أبقى جدة تنسب، ولا لحظة عليه تحسب، ورقي من التأله (1) في سفينة بعدما عابها، وعانى الطريقة فاقتحم شعابها، وكان له حظ من العلم غير منزور، وشعر لا يرمى بسهمه غرض زور؛ فمن ذلك قوله: هذا العقيق فسل معاطف بأنه ... هل نسمة عادته من نعمانه واسأله ان زارته ماذا أخبرت ... عن أجرع العلميين أو سكانه وأصخ لحسن حديثها واعده للمضنى ففيه البرء من أشجانه ... يا حبذا ذاك الحديث وحبذا ... من قد رواه وحبذا ببيانه وسقى الإله زمانه ومكانه ... ويعز قدر زمانه ومكانه يا سعد ساعد مستهاما فيه لا ... ذقت الهوى ونجوت من عدوانه وأصخ لمل يجلو (2) الوجود عليك من ... أنبائهم بلسان حال بيانه وأبنه لي واقبل ذماي بشارة ... ويقل بذل ذماي في تبيانه وسل النسيم يهب من واديهم ... بشذا خزاماه وطيب ليانه ارحم بروح منه روحي تحيه ... وبسقمه سقمي فديتك عانه وبنشره انشر نفس مشتاق قضت ... شوقا لنفحة هبة من بانه يا سعد حدثني حديثا عنهم ... ويجل قدر الحب عن نسيانه يا سعد طار حنيه واملأ مسمعي ... من سره إن شئت أو إعلانه أنا في الغرام أخوك حقا والفتى ... لا يكتم الأسرار عن إخوانه قل كيف وادي واد سكان الحمى ... ومنى أمانيه وروض أماته (8آ) هل قلصت أيدي النوى من ظله ... أو ما جرى هل عاث في جريانه

وهل الربوع أو أهل بحمى (1) لهم ... فسقى الربوع الودق من هتانه وهل التقى بان على عهد الهوى ... وهل اللوى يلوي بعود زمانه وبروض السهم عهدت نضارة ... نزهت منها القلب في بستانه وارى هجير الهجر اذبل يانعا ... منه وأذوى الغض من ريحانه أحال (2) حال الأنس فيه وحشة ... وطوى بساط الأنس (3) في هجرانه واها ووالهفي وويحي ان مضى ... عهد عرفت الأنس في أزمانه وباجرع العلمين من شرقيه ... حب غذاني حبه بلبانه حاز المحاسن كلها فجمعن لي ... كل الهوى وحملت (4) كل هوانه وزها علي بعزه فبواجب ... أزهى (5) بذلي في يدي سلطانه وقضى بان اقضي وليت بما قضى ... يرضى فطيب العيش في رضوانه واختار لي أن لا أميل لسلوة ... عن حبه فسلوت عن سلوانه يا عاذلي أو ناصحي أو لائمي ... تبغي السلو ولات حين أوانه غلب الغرام وعز سلطان الهوى ... فالكل فيه علي من اعوانه فعلام تعتب مستهاما كل ما ... في الكون عاذره على هيمانه دع عنك لومي إنني لك ناصح ... أبدى الجمال العذر عن هيمانه وإذا الفتى قام الجمال بعذره ... في الحب فاتركه وثني عنانه من سام قلبي في هواه سلوة ... قد سامه ما ليس في إمكانه وقال أيضا رحمه الله تعالى: يا للرجال الأحب يساعدني ... في ذا الغرام فابكيه ويبكيني غلبت فيه وما أجدت مغالبتي ... وهنت، والصب أولى الناس بالهون (8ب) ركبت لجته وحدي فأدهشني ... وتهت في بيده فردا فدلوني واضيعة العمر والبلوى مضاعفة ... من بين يأس وآمال ترجيني والهف نفسي إن أودت وما ظفرت ... (1) في ذا الهوى بتمن أو بتامين وليت شعري وعمري ينقضي طوعا ... في الحب ما بين مغلوب ومغبون هل للألى ملكوا رقي وقد علموا ... بذلتي وافتقاري أن يواسيني فكم أكفكف دمعي بعدهم وارى ... مجددا نار يأسي وهي تبليني وكم أمر على الأطلال اندبها ... وبالمنازل من خيف ودارين وفي الفؤاد لهم ما ليس يعلمه ... الأهم علمهم بالحال يكفيني أهمي المدامع كي أروى فتعطشني ... (2) والزم الذكر للسلوى فيشجيني وكل من لمحت عيني أسائله ... عنهم فيغري بهم (3) قلبي ويغريني يا أهل نجد ومجدي (4) ان احبكم ... لا اطلب الوصل عز الحب يغنيني هل في الهوى من سبيل للمنى فلقد ... (5) عزت امانيه في النيا وفي الدين

وقال أيضا: رحمه الله تعالى: سري يسر (1) اليك انك تاركي ... نفسي فداك للطفك المتدارك يا مالكي ولي الفخار فإنني ... لك في الهوى ملك وانك مالكي الترك هلكي فاعفني منه وعد ... بالوصل تحي ذما محب هالك واعد جميلا في الهوى عودتني ... إن لم تعده إلي من للهالك يا منية القلب الذي بجماله ... فتن الورى من فاتك أو ناسك أأتيه دونك أو أحار وفي سنا ... ذاك الجمال جلا الظلام الحالك ولكم سلكت إليك لكن حين لم ... تكن الدليل اختل قصد السالك ولقد عرفت بستر سري في الهوى ... فهجرتني فكسيت ثوب الهاتك (9 ا) ما الستر إلا ما يحوك رضاك لا ... ما حاكه للستر كف الحائك ما الفصل إلا ما حكمت به فعد ... واهتك وصل إن شئت أو كن تاركي مالي سوى حبيك يا حبي فدع ... تركي فهلك الملك ترك المالك ## $ 6 - الشيخ الخطيب الصالح أبو عبد الله محمد بن احمد الساحلي (1) نفع الله ببركاته آمين. علم العباد، بين البلاد والعباد، ومحج العاكف والباد، من المتقربين إلى الله تعالى برمي جمار الدموع وهدي الاكباد، قد قسمت زمانه الاوراد، وتعينت له الإشارة في وقته والانفراد، وكان أصحابه يخبرون بمشاهدته الصورة المحمدية عيانا، وتلقيه المراشد من لدنها أحيانا؛ وقدر هذا الرجل اشهر، وفضله اظهر، من ان يطريه القلم أو يعرف به وهو العيلم (2) ؛ وكان يلم بالشعر عادلا عن المقاصد المتركة، ونجلب منه بقصد البركة، قوله: إن كنت تطلب أن تنال وصالهم ... فامح الهوى في القيل والأفعال واصبر على مر الدواء فإنه ... يأتيك بعد بخالص السلسال ## $ 7 - الخطيب أبو القاسم محمد بن احمد بن جزي الكلبي شيخنا (1) رحمه الله تعالى ورضى عنه: قريع أصالة قديمة، وبارق ديمة، وذخيرة في صوان أقطار عديمة، تفخر منه الحضرة بقرى مائها وهوائها، ونيرها الذي استقل بخط استوائها، والحر يسر بقريع نجاره، وفضل اتجاره، ويفرح بنجابة ولده اكثر منه بولد جاره، كان رحمه الله كثير الاجتهاد، منكب الهاد (2) ، متوصلا لوصال السها بالسهاد، وهجر المهاد، فدون وصنف، وقرط المسامع وشنف، وتقدم بالجامع الأعظم خطيب حفله، وأمام (9ب) فرضه ونفله، مع توفر اهاه، وتعدد شيخه في الاختيار وكهله، فوقع عليه الاتفاق، وانعقد (3) الاصفاق، وعقد له في عصا منبره اللواء الخفاق، ولم يزل يقيم الرسوم تدريسا وتعليما، وردا وتسليما، ويسرح في روض المعارف مسيما، إلى ان استشهد (4) في الوقيعة الكبرى (1) كرم الله مصرعه ونفعه بما تجرعه، وترك خلفا نجيبا، فكان في سعادة المحيا والممات عجبا عجيبا، ومن شعره (2) : وكم من صفحة كالشمس تبدو ... يسلي (3) حسنها في عنفوان الشباب غضضت الطرف عن نظر إليها ... محافظة على علمي (4) وديني وقال في هذا المعنى أيضا: وقائلة لم هجرت التصابي ... وسنك في عنفوان الشباب يمر زمان الصبا ضائعا ... ولم تله فيه ببيض الكعاب ولم تدر لذة طيب الهوى ... ولم ترو من سلسبيل الرضاب فقلت أبى العلم إلا التقى ... وهجر المعاصي ووصل المتاب ومن لم يفده طلاب العلوم ... رجاء الثواب وخوف العقاب فخير له الجهل من علمه ... وأنجى له من اليم العذاب وقال مشفقا من ذنبه، ومتضرعا إلى ربه (5) : يا رب اليوم قد عظمت ... فما أطيق لها حصرا ولا عددا وليس لي بعذاب النار من قبل ... ولا أطيق لها صبرا ولا جلدا فانظر الهي إلى ضعفي ومسكنتي ... ولا تذيقنني حر الجحيم غدا وقال في الجانب النبوي كرمه الله تعالى وشرفه (1) : أروم امتداح المصطفى فيصدني ... قصوري عن إدراك تلك المناقب (10آ) ومن لي بحصر البحر زاخر ... ومن لي بإحصاء الحصى والكواكب ... ولو ان أعضائي غدت السنا إذا ... لما بلغت في المدح (2) بعض مآربي فأسكت (3) عنه هيبة وتادبا ... وخوفا وإعظاما لا رفع جانب ورب سكوت كان فيه بلاغة ... ورب كلام فيه عتب لعاتب ## $ 8 - الخطيب الأجل احمد بن علي بن خالد القتوري أبو جعفر (رحمة الله عليه) فاضل تألق صبحه واستبان، وعم شعاعه الكثبان، تزيا بالانقباض وتزين، وتميز بالخيرية التامة وتعين، فهو في البادية صدر تخطبه الحاضرة وروض تغار منه الرياض الناضرة، وله شعر في البلاغة أقسامه، وطبق مفاصل الفصل حسامه، فمن ذلك قوله يخاطب شيخنا ابن الجياب (1) وقد بعث إليه رسالة ضاعت في الطريق: (2) زعموا بان الهدي هدي ألوكة ... للمجد ضاع فقلت ذلك دينه طورا يثبطه الحياة وتارة ... بعد المزار ووعثه وحزونه ومهابة البيت المؤمل ركنه ... ومقامه السامي الذرى وحجونه وبداوة المهدي الذي تهذيبه ... فحش ورقة لفظه تخشينه فإذا بعثت به وقد أشعرته ... قلبي وحان إلى الحبيب حنينه وبقيت ارقب برق يمن باوغه ... وقفوله عميت علي شثونه ولربما أصدرته مع مرتضى ... مستشفعا بجلاله فيصونه حتى إذا دانى المحل أصابه ... قدر اعد له هناك كمبنه فكان قوس النائبات نحا له ... غرضا أو دهر الحسود يخونه أسفي على زمن مضى لم تقض من ... حق السيادة من عداه ديونه (10ب) حق امرئ ماضي العزيمة صارم ... لدن المعاطف اذ تهز غصونه حوت الفضائل كلها من غير ما ... تعب يداه: شماله ويمينه تعنى مواهبه الجسام بمن عنى ... بجلاله فتقيمه وتعينه ما راقني مذ رق لي شيء سوى ... رق يشين حليه ويزينه لم يلقه ذو عسرة إلا انثنى ... يسرا أجلى خوفه تأمينه سبر الزمان وسن فيه طريقة ... مثلى سيتعب غيره مسنونه بحر المعالي والعفاف شعاره ... مذ شب لم يشب الوقار مجونه فانسيه أذكاره، وجليسه ... ما نصه عن ربه جبرينه يا سيدا ازرى بقي نثره ... وزرى على سحبانه موزونه يا بيت علم يستوي فيه الورى ... بادية منهم ان بدا وقطينه يا كعبة الآمال لا صد الذي ... نذر الزيارة ان تبر يمينه ولئن صددت، ولا صددت، فان لي ... قلبا يرى صور الكمال يقينه أمؤملي الأسنى أبا حسن أما ... ينبيك عن شوقي إليك أنينه ويريك سر النكر منك بأنني ... صافي الوداد والاعتقاد رصينه حسبي ففيك لكل طالب حجة ... خصم ووجه العذر انت مبينه يا نائبا عنا وفي وسط الحجى ... منا، وان نأت الديار، سكونه أتراك تعلم إن قلبي قلما ... كذبته يوما في علاك ظنونه وهو المؤمل ان يرى بك واحدا ... (1) لحقوقه والدهر ليس يمينه ولولا (2) عوارفك التي طوقتها ... جيدي فاشرق صدره وجبينه والله يخلق ما يشاء وكل ما ... يختاره للعبد فهو يزينه سلمت للأقدار تسليم امرئ ... رضي القضاء فشانه تهوينه (11آ) ومن شعره يخاطب بعض رجال الدولة، ومن خطه نقلته: ما زلت في حال الإقامة سيدي ... اسري بآمالي إليك ومقصدي وأود لو سمح الزمان بوقفة ... بفناء بابك في العلا والسؤدد ورأيتني ما لم أنلها مخطئا ... ومقصرا فيها إذا لم اجهد فركبت من عزمي إليك مطية ... ووردت للآمال أعذب مورد ولأنت اشرف من وقفت ببابه ... وشددتها ثقة بسؤددها يدي والله يمنحك الفضائل عادة ... ويقر عينك بالعناية في غد فقد شهيدا بكائنة طريف (1) في جملة من الأعلام مثله رحمهم الله تعالى. ## $ 9 - الشيخ (2) الخطيب أبو علي عمر بن علي عتيق ابن احمد القرشي (3) رحمه الله تعالى هذا الرجل ممن تشمر لعبادة الله وائتمر (4) ، ونهى في طاعة الله سبحانه وامر، وهز بجذع النخلة فتساقط (5) الثمر، ممن يقال فيه: " إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر "، حج وزار، وشد للطواف الإزار، وسمع في رحلته عن جلة، وإعلام بر وتجلة، وقفل فقدم بالحضرة (6) خطيبا في الحفل، وأمام الفرض والنفل، إلى أن انتقل من الدرجة الراقية، إلى كرامة الدار الباقية، وله شعر قليل يجلب مثله للبركة، من بين الأقوال المتركة، فمن ذلك ما ثبت بظهر الكتاب المسمى بالفوائد المنتخبة والموارد المستعذبة من تأليف شيخنا أبي بكر بن ذي الوزارتين أبي عبد الله ابن الحكيم (1) : كتابك ذا يا من هوته المفاخر ... سنا وسناء فهو باه وباهر لقد جاء كالعقد المنظم ناثرا ... فوائد، قس عنك في ذاك قاصر بلاغته في القوم تشهد عندما ... يشكك فيه انه عنك صادر (11ب) فلله من روض أنيق غصونه ... بما نتمناه فزاه وزاهر فما شئته فيه تجده كأنه ... لناظره بحر طمى وجواهر فيهنيكم يا بن الأولى شاع مجدهم ... (2) فزادهم مجدا بذلك آخر أبنت بما فيه أتيت حياة من ... حوته على مر الدهور المقابر وأبديت فيه سحر لفظك رائقا ... تلذ به الأجفان وهي سواهر ومتعت طرفي فيه لا زلت باقيا ... ونجاك ربي يوم تبلى السرائر وخصك مني بالسلام مرددا ... عليك مدى الدنيا وما طار طائر ## $ 10 - الشيخ (3)الصوفي الحسيب (4) عبد الله أبو محمد بن أبي محمد عبد البر بن أبي المجد الرعيني، رحمه الله: هذا الرجل علم من أعلام البادية، وشهاب من شهبها الهادية، وصاحب نفس من ضيم الجهالة متفادية، وفي سبيل الفضل رائحة وغادية، طلع بأفقه ونجم، وصاب عارض عارضيه وانسجم، إلى دين لا تغمز قناته، وخلق يرضي الله تعالى حلمه (1) وأناته، وله شعر يسير يعرب عن حاله، ويعرض عرض انتحاله، فمن ذلك قوله، يا مؤثرا عدمي بفضل وجوده ... يا مغنيا فقري بمطلق جوده فإذا سجدت أقول: سبحان الذي ... وجهي يشير لوجهه بسجوده وارى صفاتي بعد ذا عارية ... مهما تلاشى العبد في معبوده فاقول ليس سواك لي بمشاهد ... عين المشاهد غاب في مشهوده يا صاح خل الصحو عني جانبا ... وادر علي الصرف من عنقوده في المحو إثبات وليس بثابت ... من ذاته من غير عين وجوده ومن ذلك المعنى قوله، رحمه الله تعالى ورضى عنه: (12آ) لا تقل نعرف ربي ... ما تملأت حياتك إنما تعرف مولاك إذا تعرف ذاتك ... ## $ 11 - الشيخ الخطيب أبو عبد الله بن حربلة، رحمه الله: شيخ متطلب، ولكفيه على ما فاته مقلب، ولكفة النبل على أختها مغلب، خطب وأم، وعرج بربع الفضل وألم، وتوفي عن خزانة كتب أسفارها عديدة، وأغراضها سديدة، وكان له شعر نزر، لا ينبت له بزر، ولا يعاقب مده إلا جزر (1) ، فمن ذلك بيتان خالف فيهما نهج الامم، ونسي قوله عليه الصلاة والسلام: " تزوجوا فإني أباهي بكم الأمم ": يا عازبا (2) لا تذل نفسا ... عودتها العز والفرح بزوجة فالزواج ذل ... لو زوج الكلب ما نبح ## $ 12؟ الخطيب (3) أبو الطاهر محمد بن احمد بن حسين ابن صفوان القيسي، رحمة الله عليه ورضوانه: آخر المتشوقين لمقامات المتصوفين، والمتصفين بأوصاف المنصفين، كان رحمه الله تعالى عاكفا على القران ينتجع (4) روضه، ويرد كل آونة حوضه، وممن فتح عليه في فهم مقاصد القوم، وما يرومونه من الروم، حالي اليقظة والنوم، وممن اوتر وشفع، ونفع وانتفع، كثر منتابه، واعملت إليه أكباد الركب واقتابه، وجدد بقطره مباني الطريقة والأساس سنة الله تعالى وكتابه، إلى أن أفل شهابه، وحان ذهابه، ففقد منابه، واقشع من القطر جنابه، وكان له نظم يندر، وعن صدره في بعض الأحيان يصدر، فمن ذلك قوله يذيل قول أبي يزيد رضي الله عنه: رأيتك (1) يدنيني إليك تباعدي ... (2) فأبعدت نفسي وابتغائي من القرب (12ب) هربت به مني إليه فلم يكن ... بي البعد في بعدي فصح به قربي فكان به سمعي كما بصري به ... وكان به لا بي لسان مع القلب فقربي به قرب بغير تباعد ... وقربي في بعدي فلا شيء من قربي 13 - الخطيب أبو عبد الله محمد بن محمد البدوي الحاج البلشي (3) كان رحمه الله تعالى خطيبا طلق اللسان، وأديبا رحب الاحسان، ما شئت من خلق زلال، وخلال آمنة من الاختلال، تشرف بالرحلة الحجازية، ولبس من حسن الحجى زيه، ثم أسرع ببلده حط القتادة والرحل، واقبل إليه اقبال الغمام بعد المحل، واستقر به خطيبا يهز بواعظه المجامع، ويقرط المسامع، ويسيل من الجفون المدامع، وله أدب لا باس به، والكتبة اعرق في نسبه. فمن شعره (4) : خال على خديك أم عنبر ... ولؤلؤ ثغرك ام جوهر اوريت نار الوجد طي الحش ... فصارت النار بها (5) تسعر لوجدت لي منك برشف اللمى ... لقلت خمر عسل سكر دعني في الحب أذب حسرة ... سفك دم العاشق لا ينكر وقال في غرض التغزل، رحمه الله: عيناي تفهم من عينيك أسرارا ... وورد خديك يذكي في الحشا نارا ملكت قلب محب فيك مكتئب ... قد اثر الدمع في خديه آثارا رضاب ثغرك يروي حر غلته ... يا ليت نفسي تقضي منه أوطارا انعم بطيف خيال منك المحه ... ماذا عليك لطيف منه لو زارا نفسي فداؤك من ظبي به وطف ... يصبو له القلب مضطرا أو مختارا وقال أيضا رحمه الله تعالى: (13آ) أيها الظبي (1) ترفق ... بكئيب قد هلك الذنب تتجنى ... الشيء وصلك إنما روحي ملك ... وكذا قلبي لك إنما أنت هلال ... فلك القلب فلك ## $ 14 - الخطيب الشيخ أبو يزيد خالد بن خالد الونالشي، رحمه الله: شيخ مليح الخطابة، جامع بين الإطالة والإطابة، والنغمة المستطابة، انس بالانقطاع، وتعلل بيسير هذا المتاع، بجهد الاستطاع، وانقبض وتقشف، وقبل ثغر الحقيقة وترشف، وكان مجموع خصل، وضاربا في هدي (1) الفصل بنصل، وله شعر عطرة جرياله، موشاة طرره وأذياله، فمن ذلك (2) : غرامي قديم بالحمى وجديد ... وشوقي إلى من حل فيه شديد ولي من هوى سكانه وله متى ... تذكرت أو فكرت فيه يزيد هم غيب بالحسن عن بصري وهم ... معي بالمعاني في الجنان شهود يلوحون لي (3) سرا فتلمح مهجتي ... من أسرارهم ما اللحظ منه بعيد فيشقى بهم لحظي وتسعد مهجتي ... فمن جملتي شاق بهم وسعيد هم (4) اسهروا جفني لنفيهم الكرى ... فما للكرى المنفي بعد وجود وفي الحب من انفاس نفسي صعدوا ... دموعا شكت من حرهن خدود بحشو (5) الحشا نار الصبابة أودعوا ... فمن حرها بين الضلوع وقود

أحاديثهم أشهى لدي من الصبا ... لو ان الصبا يوما بذاك تجود بها روح أنفاس تروح وروحها ... (1) إذا ما للصبا ذاك الحديث تعيد أعيدي صبا نجد علي حديثهم ... ففي عودها روح الحياة يعود وعد يا خليلي باجتماعي موعدا ... فيوم اجتماعي ذاك عندي عيد ارى الحب يبلى ان تطاول عهده ... وحبي، وان طال الزمان، جديد فلا تبكروا وجدي وفرط صبابتي ... إذا ما بدا منها علي شهود (13ب) فقد كان بالمعنى وجودي واحدا ... ووجودي وما للكون قبل وجود فان قيل ان مقالتي (2) مدع ... فعندي على دعواي فيه شهود وقال أيضا، رحمه الله تعالى: خليلي ان مررت على المغاني ... (3) وأدناك اشتياقك للمعاني فحي الساكنين هناك عني ... بمجموعي فؤادك واللسان وصف شوقي لهم أبدا ووجودي ... بأوصاف تجل عن العيان وقل ما زال ذلكم المعنى ... يعاني للصبابة ما يعاني تضيق الأرض بعدكم عليه ... كأن الكون ضاق عن المكان وتعروه لذكراكم جنون ... من الأشواق تعبث (4) بالجنان تخال الصب حين تراه حيا ... لدى التذكار وهو هناك فان وأفنى ما يكون ان اعترته ... معان كان يألف بالمغاني زمان الصب مر ولا جواب ... يرى منكم على مر الزمان وقد كنتم بذاك وعدتموه ... فما للوعد (1) أعقبه التواني رضيتم بالبعاد له وما ان ... على حمل البعاد له يدان وقد عز اقترابكم وامسى ... من التقريب يقنع بالأماني ينادي عند ذاك بكل ناد ... لسان الشوق فيه نداء عان من الدنيا وصالكم المنى لو ... يرى يوما لوصلكم تدانى متى يبدو من ارضكم بريق ... لعينيه فيسعد بالعيان وتدنو بعدما شحطت ديار ... فنجني الوصل من شجر التداني ## $ 15 - الشيخ المكتب أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد العبدري اليتيم (2) رحمة الله عليه وغفرانه (14آ) : مجموع أدوات حسان، من خط ونغمة ولسان، أخلاقه روض تتضوع نسماته، وبشره صبح تتألق قسماته، يقرطس أغراض الدعابة ويصميها، ويفوق سهام الفكاهة إلى مراميها، يتحرف بالتعليم والتكتيب، مغرى في أموره بحسن الترتيب، وخطب بقصبة بلده متحليا بوقار وسكينة، حالا من النفوس بمكانة مكينة. وله شعر لا يرتد في سماء الإجادة طرفه، ولا يقصر عن الغاية طرفه، فمن ذلك قوله: آيات حسنك حجة للتالي ... في الحب قائمة على العذال يا من سبا طوعا عقول ذوي النهى ... ببلاغة قد أيدت بجمال يستعبد الأبصار والإسماع ما ... يجلو ويتلو (1) من سني مقال وعليك أهواء النفوس بأسرها ... وقفت فغيرك لا يمر ببال رفعت (2) لديك في البلاغة راية ... لما احتللت بها وحيد كمال وغدت تباهي منك بالبدر الذي ... تعنو البدور لنوره المتلالي ماذا ترى يا ابن الخطيب بخاطب ... ودا ينافس فيك كل مغالي جذبته نحو هواك غر محاسن ... (3) مشفوعة أفرادها بمعالي وشمائل رقت لرقة طبعها ... فزلالها يزري بكل زلال وحلي آداب بمثل نفيسها ... تزهو الحلى ويجل قدر الحالي تستخدم الياقوت عند نظامها ... فمقصر من قاسها بلآلي سبق الأخير الأولين بفضلها ... فغدا المقدم تابعا للتالي شغفي ببكر من عقائلها إذا ... تبدو تصان من الحجى بحجال فابعث بها بنت المنى ممهورة ... طيب الثناء لنقدها والكالي لازلت شمسا في الفضائل يهتدى ... بسناك في الاقوال والاعمال (14ب) ثم عليك السلام يترى ما تلت ... بكر الزمان روادف الآصال

## $ 16 - الخطيب الحاج أبو عبد الله محمد بن علي ابن يوسف السكوني، رحمه الله: طالب رحل غفلا من الشهرة لم تلح عليه سمة، ولا عمرت دمنه (1) منها بسمسمة، فحج وشرق، وتدرج وتطوق (2) ، وأزهر دوحه وأورق، وقدم يحمل رواية جمة، ويجلو محاسن معتمه، وينظم شعرا لا باس بعرضه (3) ، ولا تنكر سماؤه على ارضه، فمن ذلك في الغرض المعروف: أمن بعد ما لاح المشيب بمفرقي ... أميل لزور بالغرور يصاغ وارتاح للذات والشيب منذر ... بما ليس عنه للأنام مراغ ومن لم يمت قبل المشيب فإنه ... يراع بهول بعده ويراغ فيا رب وفقني إلى ما يكون لي ... به للذي أرجوه منك بلاغ وهذا مترفع عن نظمه، ومن شعره كذلك: يا من عليه اعتمادي ... في قل أمري وكثره سهل علي ارتحالي ... إلى النبي وقبره فذاك أقصى مرادي ... من الوجود بأسره وليس ذا (4) بعزيز ... عليك فامنن بيسره ## $ 17 - الخطيب العدل علي بن احمد بن محمد بن احمد الحسني أبو الحسن الأحيمر (1) : رجل وقار وسكون، له إلى الخير ركون، والى خواطره الجائلة في شعب التقى وكون، أيقن ان الله تعالى بالمرصاد، فلازم خطة الاقتصاد، إلى أن ابيض زرعه للحصاد، وعلقت طيره حبائل المصاد، وله شعر يحيد ويجيد، ويباين مبانيه التنجيد، ثم يتحلى آونة (2) منه الجيد، فمن ذلك قوله من قصيدة: (15آ) أرى لك في الهوى نظرا مريبا (3) ... كأن عليك عاذلا أو رقيبا ولست بخائف في الحب شيئا ... على نفسي مخافتي المشيبا يريني كل ما تهواه نفسي ... (4) قبيحا مالئا عيني عيوبا أتى منه ابن قيس لا براح ... فذق مر التأسف مستطيبا إذا كنت تبكي فقد حب ... فما مثل الشباب حبيبا وقال أيضا من أخرى أولها: الآن تطلب ودها ووصالها ... من بعدما شغلت بهجرك بالها وقد استحالت فيك سيماء الصبا ... حالا يروع مثلها أمثالها وأتيتها متلبسا بروائع ... نكر بفودك أصبحت عذالها بيض تخيل للنفوس نصولها ... سمرا تحول للنحور نصالها مثل الأفاعي الرقط تنفث في الحشا ... (1) وارى بفودك كمنا أصلالها نار تضرم في الفؤاد حريقها ... لكن تشب بمفرقيك ذبالها جزعت لهذا الشيب نفسي وهي ما ... زالت تهون كل صعب نالها ولكم صدعت بنافذ من عزمتي ... يهماء (2) لا يهدى الدليل خلالها صادمت من كرب الدنا أشتاتها ... ما خفت غربتها ولا إخلالها ولئن تقلص عسرتي فيء الغنى ... عني فلي نفس تمد ظلالها ما مزقت ديباجتي عين امرئ ... عرضت عليه النفس قط سؤالها ألقى الليالي غير طيب صرفها ... والاسر غير مجنب أغيالها امشي الهوينا والعداة تمر في ... (3) جري يطير عن الجياد نسالها علمت لي الخلق الجميل محققا ... وتسيء في على عمى أقوالها تبغي انثنائي هل سمعت بنسمة ... مرت على نجد تهز جبالها (15ب) ولربما عرضت لعيني نظرة ... يرضى الحكيم غرامها وخبالها من غادة سرق الصباح بهاءها ... والبدر في ليل التمام كمالها تهوى المجرة ان تكون نجومها ... من حليها، وهلالها خلخالها عرضت كما مرت لعينك مطفل ... ترعى بناظرها الكحيل غزالها ما نهنهت نفسي وان ظمئت لها ... عبراتها يوم الوداع وما لها من كان يأمل ان يقوم بمجلس ... حطت به شهب السما (1) أثقالها تجني أحاديث السراة أولي النهى ... نصا وتضرب في العلا أمثالها ألقى هواه جانبا وسرت به ... وجناء تدمن (2) في الفلا أعمالها وختمها بعد مدح السلطان بقوله: يا أيها الملك الذي من ملكه ... جنت (3) الملوك جمالها وجلالها خذها كما دارت بكاس سلافها ... حوراء تمزج باللمى جريا لها تثني على السحر المبين وشاحها ... وتدير من خمر الفتور حلالها لمياء تبرز للعيون (4) كشاطر ... والعقل يوجب حكمه إجلالها وقفت وذو أحسابها من هاشم ... من خير سبط العالمين حيالها ترجو رضاك وطالما أرضيتم ... آل النبي وكنتم أرضى لها كم من يد بيضا لدينا منكم ... شكر الإله وأولياه فعالها آويتم آسيتم واليتم ... أحللتمونا داركم وحلالها وهجرتم لوصالنا أعداءنا ... ووصلتم لصلاتنا أوصالها فصلوا حمانا ما استطعتم وصله ... تعطوا من أجزاء الجزاء جزالها (5)

## $ 18 - الخطيب أبو عبد الله محمد بن جعفر بن مشتمل الاسلمي البلياتي (1) رضي الله عنه (2) : (16آ) مجموع مغبوط، وذهب استأثر به من البادية بوط (3) ما شئت من فضل وعفاف، وتبلغ بكفاف، وصون ضاف، وباطن صاف، غير منضاف، دون والف، وتسهل وتكلف، وتحلق بجناح شهم، ورمى إلى اكبر الفنون بسهم، وكان في جهته صدرا، وهلالا لو أمهله الأجل لكان بدرا، إلا انه اعتبط (4) اثر ما به اغتبط، وكان له حصة في الفضل الماثور، وحظ في المنظوم والمنثور. فمن شعره: سباني من بين المغاني عقيقها ... ومن بينه انفضت بعيني عقيقها وسالت بآمالي إليها قبابها ... فأشرقني بالدمع منها شروقها فهيج أنفاسي غراما نسيمها ... وتقدح نار الشوق عند بروقها ومن دون واديها ظباء خواذل ... حكى لحظها ماضي الشفار رقيقها فلو برزت للشمس منهن في الضحى ... مخدرة أضحت كمالا تفوقها نسيم الصبا ان سرت نحو الحمى فقل ... يحيي الديار النازحات مشوقها غريب كئيب مستهام متيم ... جريح الجفون الساهرات غريقها فهل عطفة ترجى وهل أمل يرى ... لعودة أيام تقضى أنيقها سقى ربعكم من ادمع الصب جودها ... ومن ديم الغيث الملثات (1) ريقها وقال موطئا على البيت الأخير: ما للأحبة في أحكامهم جاروا ... نأوا جميعا فلا خل ولا جار كيف الحياة وقد بانت قبابهم ... وقد خلت منهم والهفي الدار حداة عيسهم بالقلب قد رحلوا ... يا ليتهم حملوا الجثمان اذ ساروا جار الزمان علينا في فراقهم ... من قبل ان تنقضي للصب أو طار ساروا فخيمت الأشواق بعدهم ... ما لي عليها سوى الاماق (2) أنصار (16ب) تراك (3) يا ربعهم ترجو رجوعهم ... يا ليت لو ساعدت بذاك أقدار ودعت منهم شموسا ما مطالعها ... إلا جيوب وأطواق وأزرار استودع الله من (4) جاز الفراق بهم ... وخلفوني ودمع العين مدرار

## $ 19 - الخطيب الأستاذ أبو سعيد فرج بن قاسم بن احمد بن لب التغلبي (1) ، وهو لهذا العهد بقيد الحياة: هذا الرجل توكئ عليه لما عدم الزمان الوساد، وخلت الديار فساد، وخلف ثعلبانه الاساد، لم يستند إلى ابوة ترعى، ولا ناظر (2) عن اصل الأصالة فرعا، انما هو اكتساب لا انتساب، ونجابة لم يقع عليها حساب، جعلت العلم درجا، واجبلت (3) عليه بسببه فرجا، فنالت من أهلها ما اشتهت، واستأثرت بجنى السحوق، الجامحة عن (4) اللحوق، وقد زهت، حتى إذا حصل المطلوب، واطمأنت بتحصيل الغاية القلوب، ودرت الحلوب غلب الهوى المغلوب، فبدا له، وحطت الحال الصالحة لادالة، وعزلت الجرحة العدالة، وساء الاعتقاد، وعظم من الناس الانتقاد، ونيطت الهنات، وهدمت الصروح المبتناة، وفكت الألسن العناة، وقبحت من بعد المشيب القالة (5) ، وشهدت بفساد المعاملة الأولى هذه الاستقالة (6) ، والشيخ لا يبالي بعذل، في مهاودة الطبع الخاذل، وليس بأول من ابق، وفك الربق، واعجبه أصيل العمر فاغتبق. ولله القائل: وقالوا: أتلهو والشباب قد انقضى ... وعمرك قد ولى ولم يبق طائل فقلت: أصيل العمر ما قد بلغته ... وأطيب أوقات النهار الأصائل (17آ) وما عسى ان يجدي التانيب، وقد شرد (1) الجنيب {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} (الشورى: 13) وهو وان ضل عن (2) هدى، واصبح في هواه مجتهدا، فمحله من الطلب لا ينكره ذو حب (3) صاف، ولا مدعي اتصاف بوصف انصاف، ويلم بالنظر (4) أحيانا، ويبين عن أغراضه بيانا، راجع الله به. فمن شعره (5) : خذوا للهوى من قلبي اليوم ما أبقى ... فما زال قلبي كله للهوى رقا دعوا القلب يصلي في لظى الوجد ناره ... فنار الهوى الكبرى هو الأشقى سلوا اليوم أهل الوجد ماذا لقوا به ... فكل الذين يلقون من بعض ما ألقى فان كان عبد يسال العتق مالكا ... فلا ابتغي من مالكي في الهوى عتقا بدعوى الهدى يدعو أناس وكلهم ... إذا سئلوا طرق الهوى جهلوا الطرقا فطرق الهوى شتى ولكن أهله ... يحوزون في يوم السباق به السبقا

فكم جمعت طرق الهوى بين أهلها ... وكم أظهرت عند السرى بينهم فرقا بسيما الهوى تسمو معارف أهله ... فحيث يرى سيما الهوى فاعرف الصدق فمن زفرة تزجي سحائب عبرة ... إذا زفرة ترقى فلا عبرة تبقى إذ سكتوا عن وجدهم أعرفت بهم ... بواطن أحوال (1) وما عرفت نطقا وقال يمدح بعض مماليك السلطان يسترفده، أيام كانت فارغة من الدنيا يده: مالت بنا ايدي الرجاء فلم تجد ... متناولا (2) للجود غير مسافر فتناولته وهو في بحر الندى ... عذب يطيب لوارد أو صادر قد دل منك عليك فضلك إنني ... لم آت إلا بالدليل الظاهر القى عليك الفضل منه محبة ... في الناس تنفح بالثناء العاطر نشر الرجاء وكان يدعى ميتا ... فاليوم يدعى بالرجاء الناشر (17ب) وإذا الرجاء آتى بصدق أولا ... شهدت أوائله بصدق أواخر أمسافر خير المتاجر متجر ... لله فيه عرفت اربح تاجر لازلت تجمع بين غر محامد ... تهدى إليك بين غر مآثر ومن شعره في الغرض الذي انهمك فيه الكبر، وإنها لإحدى الكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله: وصالك يا مولاي بعت به ديني ... فعجله قبل الحين للصب في الحين وصالك مطلوبي وقربك جنتي ... وان زينت بالحور عدن وبالعين وما أنا إلا ميت إن هجرتني ... نحولي يكفيني إذا شئت تكفيني غليل: ولكن أنت ريي من الظما ... عليل: ولكن ليس غيرك يشفيني لقد جل ما بي عن عبارة مقولي ... وما كل حال يستفاد بتبين

2

طبقة المقرئين والمدرسين، والممهدين لقواعد المعارف والمؤسسين (1)

وهذه الطبقة أولى ممن قبلها بدرجة الانحطاط، وغض عنان الاشتطاط، اذ لا خفاء عند المتمرس، بفضل الخطيب في باب الفصاحة على المدرس، إلا ما وقع بالعرض، وخرج عن هذا القياس المفترض. ## $ 20 - الشيخ الاستاذ أبو عبد الله محمد بن علي الفخار (2) من شريش رجل سليم الباطن، متفق على فضله وورعه من الراحل والقاطن، نافع التعليم، متلقاة دعوى معرفته بالتسليم، خرج من بلدة أركش (3) لما استباح العدو حماه، وغير اسماه ومسماه، فانتصب يقرئ الفنون، حتى لقي المنون، وأوجب الله به النفع فوجب، وقل أن لا يقرأ (1) عليه أحد إلا نجب. وكان له شعر شهير الشان في الاخشيشيان (2) ، تنزر منه الإجادة نزور الأبيض بين الحبشان (3) (18آ) فمن ذلك قوله (4) : أنظر إلى ورد الرياض كأنه ... ديباج وشي في بنان زبرجد قد فتحته نضارة فبدا له ... في القلب رونق صفرة كالعسجد حكت الجوانب خد حب ناعم ... والقلب يحكي خد صب مكمد وقال: خرجت يوما من حلقة الأستاذ (5) بشريش، وأنا شاب في جملة الطلبة، وكان يقابل باب المسجد حانوت سراج وفيه فتى وسيم يرقم جلدا فقالوا لي: لا تجاوز هذا الباب حتى ترتجل لنا شيئا في ذلك الفتى فقلت: ورب معذر للحب داع ... يروق بهاء منظره البهيج وشى في وجنتيه الحسن وشيا ... كوشي يديه في أدم السروج ## $ 21 - ؟ الشيخ المقرئ أبو عبد الله محمد بن محمد بن ادريس القلطوسي من اسطبونة، رحمه الله تعالى: شيخ قديم الطلب والاجتهاد، هامي (1) العهاد، كلف بالقوافي والعروض، كلف العابد بالنوافل والفروض، وله في ذلك، ما يدل على عنايته بذلك، وتردده بتلك المسالك. ومن شعره يمدح الوزير ابن الحكيم (2) من قصيدة: علاه رياض أورقت بمحامد ... تنور بالجدوى وتثمر بالأمل تسح (3) عليها من نداه غمائم ... تروي ثرى المعروف بالعل والنهل وهل هو إلا الشمس نفعا ورفعة ... (4) فيغرب بالجدوى ويقرب بالأمل تعم أياديه البرية كلها ... فدان وقاص جود كفيه قد شمل ومن شعره أيضا يمدح القائد أبا عبد الله ابن الرنداحي: (18ب) اطلع بأفق الراح كاس الراح ... وصل الزمان مساءه بصباح خذها على رغم العذول مدامة ... تنفي الهموم وتأتى بالأفراح والأرض قد لبست برود أزاهر ... وتمنطقت من نهرها بوشاح والجو إذ يبكي بدمع غمامة ... ضحك الربيع له بثغر أقاح والروض مرقوم بوشي أزاهر ... والطير تفصح أيما إفصاح والغصن من طرب يميل كأنما ... يسقى بكف الريح صرف الراح والورد منتظم على أغصانه ... يبدو فتحسبه خدود ملاح وكأن عرف الريح من زهر الربى ... عرف امتداح القائد الرنداحي ## $ 22 - الفقيه أبو عبد الله محمد بن احمد بن محمد بن فرج بن شقر آل اللخمي الطرسوني (1) رحمه الله تعالى درة مغفلة، وخزانة على كل (2) فائدة مقفلة، كان اكبر من الزمان وبنيه، فعدم روضه من يجنيه، أنظاره بعيدة، وأغراضه مبدية في الكمال ومعيدة، حكم له في رقاب المعارف تحكيم، وتصرف لا يعوقه شكيم، يتكلم في المادة المحصورة، ويشرح على الكون والفساد، ويضطلع من علل النفوس والأجساد، بشجى (1) الحساد، ويركض أقلام التعليم جائلة، ويعطي صور الأفلاك مستقيمة ومائلة، سابقا في كل ما أعاده وأبداه، ما لم يزاحم في مداه، ولا ظفرت به ألا يداه، إلى تحسين المجالسة وبيان الإلقاء، والجمع بين معاملة الآباء ومعاملة الأصدقاء. ظفرت منه يدي بالنهر الذي أمن غائصة الدرك، وجمع فيه القوم بين آخذ ومن ترك، هذا يندم لزهده، وهذا لما ترك من جهده، (19آ) فقل أن أتبجح (2) بغريبة، إلا وهي له اليوم منسوبة، وعلي له محسوبة، تعاهده الله تعالى من الرحمة بسحاب، ومن الملائكة الكرام بترحاب. وكان يشعر وينثر، ويعثر من المعاني ما لا يمر به غيره ولا يعثر، وقدر هذا الشيخ اقل من ان تستوعبه هذه الأسطر، أو يفي به خاطر يخطر، فسبحان الذي حجب الفضائل (3) بالتراب، وشبه هذا المتاع الفاني بلمع السراب (4) لا اله إلا هو. من مجموع سماه السليمانيات والعربيات قوله: نام الطفل النبت في حجر النعامى ... لاهتزاز الظل في مهد الخزامى وسقى الوسمي أغصان النقا ... فهوت تلثم أفواه الندامى كحل الفجر لهم جفن الدجى ... وغدا في وجنة الصبح لثاما تحسب (5) البدر محيا ثمل ... قد سقته راحة الصبح مداما حوله الشهب كؤوس قد غدت ... مسكة الليل عليهن ختاما يا عليل الروح رفقا علني ... اشف بالسقم الذي حزت سقاما همت في ارض بها حلوا غراما ... فرشوا فيها من الدر حصى ضربوا فيها من المسك خياما ... كنت اشفي غلة من طيفكم لو أذنتم من ريح الصبا ... لو أتت تحمل من سلمى سلاما ومن هذه بعد كثير: نشأت للصب منها زفرة ... تسكب المع على الربع سجاما طرب البرق مع القلب بها ... وبها الأنات طارحن (1) الحماما طلل لا تشفي الأذن به ... وهو للعينين قد ألقى كلاما (19ب) ترك الساكن لي من وصله ... ضمة الجدران لثما والتزاما نزعات من سليمان بها ... فهم القلب معانيها فهاما شادن يرعى حشاشات (2) الحشا ... حسب حظي منه أن أرعى الذماما ومن السليمانيات أيضا: أأرجو أمانا منك واللحظ غادر ... ويثبت قلبي والطرف ساحر عجبت للحظ كل قلب يطيعه ... ويرضى بما يقضي به وهو جائر ويترك ورد الخد نهب جفونها ... جريء على دفع المعرة (3) قاصر واعجب من ذا كيف تنهب في الدجى ... لصوص الهوى نومي وطرفي ساهر ويسلم من بعد الذي سكن الحشا ... ويشكو من الهجران والطيف زائر ولا نيل إلا من طروق خياله ... فمن لي بوصل منه والنوم هاجر اعد سليمان اليم عذابه ... لهدهد قلبي فهو للبين صابر أشاهد منه الحسنفي كل نظرة ... وناظر أفكاري لمعناه ناظر دعت للهوى أنصار سحر جفونه ... فقلبي له عن طيب نفس مهاجر إذا شق عن بدر الدجى افق زره ... فاني بتمويه العواذل كافر وفي حرم السلوان (1) طافت خواطر ... وقلبي لما في وجنتيه مجاور وقد ينزع القلب (2) الشجي لسلوة ... كما اهتز من قطر الغمامة طائر يقابل أغراضي بضد مرادها ... ولم يدر ان الضد للضد قاهر ونار اشتياقي صعدت مزن ادمعي ... فمضمر سري فوق خدي ظاهر وقد كنت باكي العين، والبين غائب ... فقل: كيف حال الدمع، والبين حاضر وليس النوى بالطبع مرا وإنما ... لكثرة ما شقت عليه المرائر ومن السليمانيات أيضا قال: (20آ) إلا استودع الرحمن بدرا مكملا ... بفاس من الدرب الطويل مطالعه وفي فلك الازرار مطلع سعده ... وفي أفق الأكباد تلفى مواقعه يصير مرآه منجم مقلتي ... فيصدق في قطع الرجاء قواطعه تجسم من نور الملاحة خده ... وماء الحيا فيه ترجرج مائعه تلون كالحرباء في خجلاته ... فيحمر قانيه ويبيض ناصعه إذا اهتز غنى حليه فوق نحره ... (1) كغصن النقا غنت عليه سواجعه يؤكد حتف الصب عامل قده ... وتعطف من واو العذار توابعه اعد الورى سيفا كسيف لحاظه ... فهذا هو الماضي وذاك مضارعه ومن قصيدة في هذا الغرض المذكور: وصالك هذا أم تحية بارق ... وهجرك ام ليلا لسليم لتائق أناديك والأشواق تركض حمرها ... بصفحة خدي من دموع سوابق أبارق ثغر من عذيب رضابه ... قضت مهجتي بين العذيب وبارق ومن شعره يمدح السلطان حين فتح حصن اشكر (2) : بحيث البنود الحمر والأسد الورد ... كتائب، سكان السماء لها جند

حدت بهم خوص عراب ضوامر ... وقد ضاقت الأرجاء اذ عظم الوجد عساكر ملك شرف الله قدره ... فسيان من إقدامها السهل والنجد إذا رجعوا الذكرى حماما سواجعا ... فأعطافهم في ميلها قضب ملد وان حل صبر الصبر بين ضلوعهم ... فأفواههم من ذكر ربهم شهد وتحسب نور الصدق والعزم دائما ... سراجا من التقوى بآزرهم يبدو هم القوم رهبان إذا لبسوا الدجى ... وان لبسوا حر الهياج فهم أسد حذوا حذو سلطان على الشرع عاطف ... رفيق بهم حان إذا عظم الجهد (20ب) وتحت لواء الشرع ملك هو الهدى ... تضيق به الدنيا إذا راح أو يغدو فلو رام إدراك النجوم لنالها ... ولو هم لانقادت له السند والهند تأمنت الأرواح في ظل بنده ... كأن جناح الروح من فوقه بند منها في الحض والقتال وآلة النفط: على إنها ضنت بعذب وردها ... غدية راح الأسد والضمر الجرد فكان صباح القوم قوما بوصلها ... وقوما بوصل الحور قد أنجز الوعد ولولا دفاع الخود عن عذب ريقها ... لما لذت الشكوى ولا عذب الورد ومن عانق الأخطار حق له العلا ... ومن نبذ الفاني يحق له الخلد وظنوا بأن (1) الرعد والصعق في السما ... فحاق بهم من دونها الصعق والرعد

عجائب أشكال سما هرمس بها ... مهندسة تأتي الجبال فتنهد ألا إنها الدنيا تريك عجائبا ... وما في القوى منها فلا بد ان يبدو بعيني (1) بحر النقع فوق أسنة ... تنمنمه وهنا كما نمنم البرد سماء عجاج والقوانس (2) شهبها ... ووقع القنا رعد إذا برق الهند وقد نثلت (3) فيها الكنائن فارتمت ... سقيط نثار مثلما قدح الزند كأن قلوب الروم أهدافها التي ... تطير بمحياها وما شعر الجلد ومن دمهم زرق الأسنة لفعت ... فتلك إذا ما شبهت أعين رمد تسيل على الرايات منها مدامع ... كخد محب شفه البين والوجد ألا شفع الرحمن غزوة أشكر ... بها رضي الإسلام ولأحد الفرد ومن رغبة الأشياء في نيل فضلها ... (4) إذا سل سيف كاد يحسده الغمد وتذاكرنا (5) يوما أساليب الشعراء وأفضلنا في ذكر ابن هاني (6) فنظم لي في طريقته هذه الابيات مساجلا لمثلها مما ثبت في موضعها من شعره (21آ) : طرقنا ديور القوم وهنا وتغليسا ... وقد شرفوا الناسوت اذ عبدوا عيسى وقد رفعوا الإنجيل فوق رؤوسهم ... وقد قدسوا (7) الروح المقدس تقديسا

فما استيقظوا إلا لصكة بابهم ... فأدهش رهبانا وروع قسيسا وقام بها البطريق يسعى ملبيا ... وقد اصمت الناقوس رفقا وتأنيسا فقلنا له: أمنا فأنا عصابة ... أتينا لتثليث وان شئت تسديسا وما قصدنا إلا الكئوس وإنما ... (1) لحنا له في القول خبثا وتدليسا ففتحت الأبواب بالرحب منهم ... (2) وعرس طلاب المدامة تعريسا فلما رأى زقي أمامي ومزهري ... دعاني تأنيسا لحنث وتلبيسا وقام إلى دن ففض ختامه ... (3) فكبس أجرام الغياهب تكبيسا وطاف بها رطب البنان مزنر ... فأبصرت عبدا صير الحر مرءوسا سلافا حواها القار لبسا فخلتها ... مثال من الياقوت في الحبر ملبوسا إلى ان سطا بالقوم سلطان نومهم ... ورأس فتيل الشمع نكس تنكيسا وثبت إليه بالعناق فقال لي: ... بحق الهوى هب لي من الضم تنفيسا كتبت بدمع العين صفحة خده ... فطلس حبر الشعر كتبي تطليسا فبئس الذي احتلنا وكدنا عليهم ... وبئس الذي قد اضمروا قبل ذا بيسا فبتنا يرانا الله (4) شر عصابة ... تطيع بعصيان الشريعة إبليسا ومن مقطوعاته، رحمه الله تعالى، قوله: أتمنع أن أقبل منك كفا ... وقد حرمت ثغرك بالعفاف وهاأنا طائف بك في كل حين ... فعين لي المقبل للطواف ## $ 23 - الشيخ الإمام أبو حيان محمد بن يوسف بن حيان النفزي الغرناطي (1) الملقب في البلاد المشرقية (أثير الدين) رحمه الله تعالى: (21 ب) سيف النصرة، المدافع عن أهل البصرة، وإمام صناعة النحو، المتقلب في حججها بين الإثبات والمحو، والغيم والصحو، لو مر به أبو الأسود لقال: سلام، ثم أراه كيف ينقسم الكلام، أو مر بأبي بشر (2) لقال يا بشراي هذا غلام. كان رحمه الله برا يغرف من بحر، ونسيم سحر، يهب على تلك البلاد من شحر (3) ، رحل عن الأندلس والغصن ناضر، وزمن الشبيبة حاضر، وقد برع في علم اللسان، وفي أغراضه الحسان، واستقر بمصر على الطير الميامين، والبر الكفيل الضمين، وصحب الركبان إلى الحرم الأمين، ورفع له لواء الشهرة الذي له يشار، ولظله تحدى العشار، فقصد درسه، وعرف بالإنجاب غرسه، وتغالى فيه الغلاة، واعتنت به الأمراء والولاة، وتأكد بينه وبينهم بسبب أبنائهم الموالاة، وكثرت لديه العوائد والصلات، وانتفعت المغاربة بجاهه مدة حياته، واهتدت سراتهم بنور آياته، وساعده أمله، وكان ممن طال عمره وحسن عمله، واحب الراوين، وزين الاواوين، وكان له شعر مهاده في الإجادة وثير، ودعابة يثيرها الطبع فتثير (1) ، وأن لم ألق هذا الرجل فهو من بلدي، وتأخرت وفاته عن مولدي، إلى أن أجاز ولدي. ومن شعره، قال رحمه الله تعالى حسبما نقل عن خطه: قدم علينا الشيخ المحدث أبو العلاء محمد بن أبي بكر البخاري الفرضي بالقاهرة في طلب الحديث، وكان رجلا حسنا طيب الأخلاق لطيف المزاج، فكنا نسايره في طلب الحديث، فإذا رأى صورة حسنة قال، هذا حديث على شرط البخاري، فنظمت هذه الأبيات: بدا كهلال الأفق وقت طلوعه ... ومال كغصن الخيزران المنعم غزال رخيم الدل وافى مواصلا ... موافقة منه على الرغم لوم (22آ) مليح غريب الحسن أصبح معلما ... بحمرة خد بالمحاسن معلم وقالوا: على شرط البخاري قد أتى ... فقلت على شرط البخاري ومسلم قال فقال لي: يا مولانا أنا البخاري فمن مسلم؟ قلت له: أنت البخاري وأنا مسلم، قلت: ولو كنت المخاطب لكان مدى الدعابة أفسح، ومن العصمة أن لا تجد. ومن أبياته في غرض التصوف قوله في جيد كلامه: تفردت لما أن جمعت بذاتي ... وأسكنت لما أن بدت حركاتي فلم أر في الأكوان لأنني ... أزحت عن الأغيار روح حياتي وقدستها عن رتبة لو تعينت ... لها دائما دامت لها حسراتي فها أنا قد أصعدتها عن حضيضها ... إلى رتبة تقضي لها بثبات تشاهد معنى روضه أذهب العنا ... وأيقظني للحق بعد سناتي أقامت زمانا في حجاب فعندما ... تزحزح عنها رامت الخلوات لنقضي بها ما فات من طيب أنسنا ... بها وننال الجمع بعد شتات ومن شعره في النسيب وما يناسبه قوله: كتم (1) اللسان ومدمعي قد (2) باحا ... وثوى الأسى عندي وأنسي (3) راحا إني لصب طي ما نشر الهوي ... نشرا وما زال الهوى فضاحا وبمهجتي من لا أصرح باسمه ... ومن الإشارة ما يكون صراحا ريم أروم حنوه وجنوحه ... ويروم عني جفوة وجماحا أبدي لنا من شعره وجبينه ... خدين ذا ليلا وذا إصباحا عجبا له يأسو الجسوم بطبه ... ولكم بأرواح أثار جراحا فبلفظه برء الأخيذ ولحظه ... أخذ البريء فما يطيق براحا نادمته في ليلة لا ثالث ... إلا أخوه البدر غار فلاحا (22ب) يا حسنها من ليلة لو إنها ... دامت ومدت للوصال جناحا وقال رحمه الله تعالى في الغرض المذكور أيضا: نور بخدك أم توقد نار ... وضنى بجفنك أم كئوس عقار وشذا بريقك أم تأرج مسكة ... وسنا بثغرك أم شعاع دراري جمعت معاني الحسن فيك فأصبحت ... قيد القلوب وفتنة الأبصار متصاون خفر إذا ناطقته ... (1) أغضى حياء في سكون وقار في وجهه زهرات روض تجتلى ... من نرجس مع وردة وبهار خاف اقتطاف الورد من وجناته ... فأدار من آس سياج عذار وتسللت نمل العذار بخده ... ليردن شهدة ريقه المعطار وبخده ورد حمتها وردها ... فوقفن بين الورد والإصدار كم ذا أواري في هواه محبتي ... ولقد وشى بي فيه فرط أواري ومن نظمه في المقطوعات وإن عدت لها إجادة فهي ظنة ذلك، قال رحمه الله تعالى: أرحت في البيت من الإيناس بالناس ... كما غنيت عن الأكياس بالياس وصرت في البيت وحدي لا أرى أحدا ... بنات فكري وكتبي هن جلاسي وقال أيضا رحمه الله: وزهدني في جمعي المال أنه ... إذا ما انتهى عند الفتى فارق العمرا فلا روحه يوما أراح من العنا ... ولم يكتسب حمدا ولم يدخر أجرا وقال أيضا رحمه الله: أجل شفيع ليس يمكن رده ... دراهم بيض للجروح مراهم تصير صعب الأمر أسهل ما أرى ... وتقضي لبانات الفتى وهو نائم (23آ) ومن أبدع ما ينسب إليه من المقطوعات قوله: عداتي لهم فضل علي ومنة ... فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا هم بحثوا عن زلتي فسترتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا ومن النسيب: سال في الخد للحبيب عذار ... وهو لاشك سائل محروم وسألت التثامه فتجنى ... فأنا اليوم سائل محروم ومن ذلك في فتى يسمى بمظلوم: وما كنت أدري إن مالك مهجتي ... يسمى بمظلوم وظلم جفاؤه إلى أن دعاني للهوى فأجبته ... ومن يك مظلوما أجيب دعاؤه وقال أيضا: جن غيري بعارض فترجى ... أهله أن يفيق عما قريب وفؤادي بعارضين مصاب ... فهو داء أعيا فؤاد الطبيب وقال أيضا: وذي شفة لمياء زينت بشامة ... من المسك في ترشافها يذهب النسك ظمئت إليها ريقة كوثرية ... بمثل لآلي ثغرها ينظم السلك تعل بمعسول كأن رضابه ... مدام من الفردوس خاتمة مسك وقال أيضا رحمه الله: بعيد ود، قريب صد ... كثير عتب، قليل عتبى (23ب) كالشمس ظرفا، كالمسك عرفا ... كالخشف طرفا، كالصخر قلبا ## $ 24 - الشيخ أبو عثمان سعيد (1) بن أحمد بن ليون (2) رحمه الله: شيخ مولع بالتأليف والتدوين، متميز بذلك في بلده تمييز أواخر الأسماء بالتنوين، ويلخص ويوجز، ويظن أنه يعجز، وكان شديد التخلق، متعلقا بأهداب الفنون أشد التعلق، شهير الإيثار، وبعيدا عن الجمع والاستكثار، بضاعته خزانة جمعت الآباء والأمهات، والفرقد والمهاة، والحقائق والترهات، لا يزال عاكفا على دنانها، وجانيا لألفاف جنانها، حسن المجلس، مقصودا من الغني والمفلس، خفيف الروح، آويا إلى الصدر المشروح، وشعره يلم بالإجادة أحيانا، فيبين (3) المقاصد بيانا، فمن ذلك قوله (4) : أرح النفس تنتفع بحياتك ... وأغنم العيش قبل يوم وفاتك وأطرح عيب من سواك وسالم ... جملة الناس يغفلوا عن أذاتك وأعتبر بالذين بادوا وبادر ... ما يدانيك من سبيل نجاتك وقال أيضا رحمه الله (1) : كن مع الناس كيف كانوا ووافق ... أن من لا يوافق الناس مائق من يخالف في شيء الناس يرجع ... هدفا للسهام من كل راشق وقال في المعنى (2) : خالف النفس في قصود هواها ... تبق ما عشت سالما من أذاها فأتباع الهوى هوان ولكن ... هان للنفس كي تنال مناها وقال يحرض على طلب العلم (3) : العلم نور وهدى ... فكن بجد طالبه وأحرص عليه وأعتمد ... فيه الأمور الواجبة من لازم العلم علا ... على الأنام قاطبه وقال أيضا رحمه الله: فلا تكلم بما تخشاه أذاك ولا ... بما يعاب وحاذر ذا وذا أبدا ولا تقل غير مالو كنت تسمعه ... كل الورى لم تعب ولم تخف أحدا

## $ 25 - ؟ المقرئ النحوي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمدأبن لب الأمير (1) أبن الصائغ (2) فاضل رحيب باع، في ميدان انطباع، ومد وإشباع، ركض في ميدان الراحة طلق عنانه، وتفسح في جنان جنانه، متمتعا بأفنانه، غير مبال بجنانه في طاعة جنانه، ثم رحل للبلاد، مستجدا للميلاد، فاستأنف العمر وجنى الثمر، وسلا في النيل (3) وشخاتيره، عن شم قتيره، ومكابدة تقتيره، فتمشت حاله يغبطها الولي، ولا يستطيعها ببلاده الملي، ولا من له القدر العلي، إلى ان استاثر به من له البقاء الأزلي، وكان له شعر ينجده الطبع المعين، فتتخايل في جناته الحور العين؛ فمن ذلك قوله (4) : بعد المزار ولوعة الأشواق ... حكما بفيض مدامع الآماق وخفوق نجدي النسيم إذا سرى ... أذكى لهيب فؤادي الخفاق أمعللي ان التواصل في غد ... من ذا الذي بغد فديتك باق إن الليالي سبق إن أقبلت ... وإذا تولت لم تنل بلحاق عج بالمطي على الحمى سقي الحمى ... صوب الغمام الواكف الرقراق فبه لذي القلب السليم وداده ... لا كان في الأيام يوم فراق يا ساريا والليل ساج عاكف ... يفري الفلا بنجائب ونياق عرج على مثوى النبي محمد ... خير البرية ذي المحل الراقي ورسول رب العالمين ومن له ... حفظ العهود وصحة الميثاق الظاهر الآيات قام دليلها ... والطاهر الأخلاق والأعراق بدر الهوى البادي الذي آياته ... وجبينه كالشمس في الإشراق الشافع المقبول من عم الورى ... بالجود والأرفاد والإرفاق والصادق المأمون اكرم مرسل ... سارت رسالته إلى الآفاق أعلى الكرام ندى وأبسطهم يدا ... قبضت عنان المجد باستحقاق من صير الأديان دينا واحدا ... من بعد إشراك مضى ونفاق واحلنا من حرمة الإسلام في ... ظل ظليل وارف الأوراق لو ان للبدر المنير (1) كماله ... ما طاله كسف وكشف محاق أو ان للآباء رحمة قلبه ... ذابت قلوبهم من الإشفاق ذو الحلم والعلم الخفي المنجلي ... والجاه والشرف القديم الباقي آياته شهب وغر بنانه ... سحب النوال تدر بالأرزاق ذو رأفة بالمؤمنين ورحمة ... وهدى وتأديب بحسن سياق وخصال مجد أفردت بالخصل في ... مرمى الفخار وغاية السباق ومنها بعد كثير: يا ذا الذي اتصل الرجاء بحبله ... وانبت من هذا الورى بطلاق حبي إليك وسيلتي وذخيرتي ... أني من الأعمال ذو إملاق واليك أعملت الرواحل ضمرا ... تختال بين الوخد والأعناق نجبا إذا نشرت حلى تلك العلا ... تطوي الفلا ممتدة الأعناق تحدو لهن من (1) النحيب تردد ... وتقودهن أزمة الأشواق غرض إليه فوقتها اسهما ... وهي القسي برين كالأفواق (25آ) فأنختها بفنائك الرحب الذي ... وسع الورى بالنائل الدفاق وقرى مؤملك الشفاعة في غد ... وكفى بها هبة من الرزاق وعليك يا خير الأنام تحية ... (2) تحيي النفوس بنشرها الفتاق تتأرج الأرجاء من نفحاتها ... أرج الندي بمدحك المصداق ## $ 26 - الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن بيش العبدري (3) رحمة الله عليه: شيخ قديم الطلب، حمد المأم والمنقلب، معروف انقباضه وصونه، منذ تعين كونه، عانى صناعة النحو، بين الإثبات والمحو، واشتهر بالإلحاح على كتاب الصحاح، واقتصر على التجارة في الكتب، فيا شد ما اتكل خطره بأم (1) ، وكم خير من عزيز علمه فقده في كم (2) . صحبني في بعض خطراتي بسبتة رسولا فأعدته إلى بلده يقيم به رسم الإقراء، فجهد زنده (3) في الايراء، بعد ما نبذه بالعراء، فتمشت به حاله، إلى ان قوضت إلى العالم الحق رحاله، وكان له في الشعر نصيب، وبين الخواطر سهم مصيب، أنشدني بدار صنعة سبتة عام اثنين وخمسين وسبعمائة يجيب عن الأبيات التي أولها: (4) " يا ساكنا قلبي المعنى " ... نحلتني طائعا فؤادا ... فصار اذ حزته مكاني لاغرو اذ كان لي مضافا ... أني على الكسر فيه بان وانشد في التاريخ المذكور يخاطب أبا العباس عميد سبتة وقد أهدى إليه أقلاما (5) : أناملك الغر التي سيب جودها ... يفيض كفيض المزن بالصيب القطر أتتني منها تحفة مثل حدها ... إذا انتضيت كانت كمرهفة السمر هي الصفر لكن تعلم البيض إنها ... محكمة فيها على النفع والضر (25ب) مهذبة الأوصال ممشوقة كما ... تصاغ سهام الرمي أو خالص التبر فقبلتها عشرا ومثلت أنني ... ظفرت بلثم في أناملك العشر وأنشدني في التاريخ المذكور في ترتيب حروف الصحاح قوله (1) : أساجعة بالواديين تبوأي ... ثمارا جنتها حاليات خواضب دعي ذكر روض زانه سقي شربه ... صباح ضحى طير ظماء عصائب غرام فؤادي قاذف كل ليلة ... متى ما نأى وهنا هواه يراقب ومن مطولاته، ورفعها إلى السلطان على يدي: ديار خطها مجد قديم ... وشاد بناءها شرف صميم وحل جنابها الأعلى علاء ... يقصر عنه رضوى أو شميم سقى نجدا بها وهضاب نجد ... عهاد ثرة وحيا عميم ولا عدمت رباه رباب مزن ... يغادي روضهن ويستديم فيصبح زهرها يحكي شذاه ... فتيت المسك يذكيه النسيم وتنشره الصبا فتريك درا ... نثيرا خانه عقد نظيم وظلت في ظلال الأيك تشدو ... مطوقة لها صوت رخيم ترجع في الغصون فنون سجع ... بالحان لها يصبو الحليم أهيم بملتقى الوادي بنجد ... وليس سواه في واد أهيم وكنت صرفت عنه النفس كرها ... وما برحت على نجد تحوم وما ينفك لي ولها نزاع ... إلى مغنى به ملك كريم له بيت سما فوق الثريا ... وعز لا يخيم (2) ولا يريم تبوأ من بني نصر علاها ... وأنصار النبي له أروم أفاض على الورى عدلا ونيلا ... سواء فيه مثر أو عديم ملاذ للملوك إذا ألمت ... صروف الدهر أو خطب جسيم (26آ) تؤمله فتأمن في ذراه ... وتدنوا من علاه فتستنيم ويبدو في ندي الملك بدرا ... تحف به الملوك وهم نجوم بوجه يوسفي الحسن طلق ... يضيء بنوره الليل البهيم وتلقاه العفاة له ابتسام ... ومنه للعدا أخذ أليم فيا شرف الملوك لك انقطاعي ... وأني في محلكم خديم وآمالي أملت إليك حتى ... وردن على نداك وهن هيم فلا ظمأ ووردك خير ورد ... نمير ماؤه عذب حميم ولا أضحى وفي مغناك ظل ... ظليل حين تحتدم السموم ركبت البحر نحوك والمطايا ... تسير لها ذميل أو رسيم وإن علاك أن عطفت بلحظ ... (1) علي فذلك العز القديم فوا أسفي على عمر تقضى ... بدار ليس لي فيها حميم سوى ثمر الفؤاد ذهبت عنها ... وبين جوانحي منها كلوم دون لقائها عرض الفيافي ... وبحر موجه طود عظيم لعل الله ينعم باجتماع ... وينظم شملنا البر الرحيم بقيت بغبطة وقرار عين ... بملك سعده أبدا يدوم كما دامت حلى الأنصار تتلى ... يشيد بذكرها الذكر الحكيم عليك تحية عطر شذاها ... كعرف الروض جادته الغيوم ## $ 27 - المتكلم أبو الحسن علي بن إبراهيم الرقاص، رحمه الله تعالى: رجل متهور، وفي اقبح الأطوار متطور، يأوي إلى أبوة خاملة، وحماقة على حملة العلم حاملة، إلا أنه ظهر باجتهاده، وترفع عن وهاده، واستمرت حاله على تكلف، إلى ان مات قتيلا في سبيل تخلف. ومن شعره: (26ب) أنسيانا فديتك يا حياتي ... لمن لم ينس حبك للممات ورجما بالظنون أخا حنين ... إليك حليف شوق وانبتات يمينا بالنهر إذا تجلى ... وبالقمر المنير وبالاياة لقد أحللت حبك من فؤادي ... محل الروح من بيت الحياة ## $ 28 - المقرئ أبو عبد الله محمد بن سعد (1) بن بقي (2) رحمة الله تعالى عليه: هذا الرجل فاضل الوقت (3) ونعتذر عن القيد، ونقول إذا ذكرت المحاسن: (كل الصيد) (4) ، اما خلقه الجميلة فخميلة، وإما محادثه فجريال مستميلة، وإما فوائده فجزيلة، وللشكوك مزيلة، ينتهي في العلم والدين إلى المجد، ويشير من سلفه إلى علم نجد، ويدرس العلم حلف سداد، واستظهار بالتحصيل والرأي الأصيل واعتداد. وقام بالرباط الذي بنيناه بالحضرة قياما أرضى الوارد، وأعذب الموارد. وله نظم لا تنكر الإجادة نسبه، ولا تنازع مكسبه. فمن ذلك ما أنشدنيه مما نظمه عند مواراة جنازة (1) : كم أرى مدمن لهو ودعه ... لست أخلي (2) ساعة من تبعه كان لي عذر لدى عهد الصبا ... وأنا آمل في العمر سعة أو ما يوقظنا من كلنا ... آنفا (3) لقبره قد شيعه سيما إذا قد بدا في مفرقي ... ما أخال الموت قد جاء معه فدعوني ساعة ابكي على ... عمر أمسيت ممن ضيعه ## $ 29 - الفقيه أبو محمد عبد الله بن أبي القاسم بن جزي الكلبي (1) رحمه الله: خزانة تنفق الأدب إذا كسد، وتصلح من أدواته ما فسد، ونفس لا تناسب الجسد، هي حركة في جمود، وبحر مجمود، في طي (2) منزور (27آ) مثمود، وذهول، غطى على ربع مأهول، وروض مفتح نور، إلا أنه محتجب في غور، ان ذكر النحو أزرى بحفاظ بصرته، وسل على كافة الكوفيين صوارم نصرته، أو ذكر البيان، أنسى الخبر العيان، إلى مجادة سندها معنعن، وأصالة ليس فيها مطعن، يعضدها عم وخال، ويزين أعلاها وأسفلها خال وخلخال؛ وهواليوم بمدرسة الحضرة يعرب فيغرب، فيباهي (3) به على المشرق والمغرب، وشعره وان شغلته عنه شواغل الفنون، مظنة اللؤلؤ المكنون، وشاهد لعناية الله تعالى بالحمأ المسنون، وإيجاد المعدومات بين الكاف والنون، فمن شعره من المقطوعات يوري بألقاب من العروض: لقد قطعت قلبي يا خليلي ... بهجر طال منك على العليل ولكن ما عجيب منك هذا ... إذ التقطيع من شأن الخليل ومن التورية النحوية قوله: لقد كنت موصولا فأبدل وصلكم ... بهجر وما مثلي على الهجر يصبر فما بالكم غيرتم حال عبدكم ... وعهدي بالموصول لا يتغير ومن التورية بالعدد وهو مليح: يا ناصبا علم الحساب حبالة ... لقناص ظبي (1) ساحر الألباب إن كنت ترزق بالحساب وصاله ... فالله يرزقنا بغير حساب ومن التورية العروضية: لقد كمل الود ما بيننا ... ودمنا على فرح شامل فان دخل القطع في وصلنا ... فقد يدخل القطع في الكامل (27ب) وقال في تضمين مثل: ألا اكتم حب من أحببت واصبر ... فان الهجر يحدثه الكلام وان أبداه دمع أو نحول ... فمن بعد اجتهادك لا تلام ومن التورية بأسماء كتب جوابا عن معمى: لك الله من خل حباني برقعة ... حبتني من أنبائها بالنوادر رسالة رمز في الحجال مهابة ... ذخيرة نظم أتحفت بالجواهر ومن النسيب قوله: واشنب الثغر له وجنة ... تعدت النحل على وردها ما ذاك إلا حسدا إذ رأت ... رضابه أعذب من شهدها وقال في النسيب أيضا: لئن كان باب القرب قد سد بيننا ... ولم يبق لي في نيل وصلك مطمع واخفر عهدي دون ذنب جنيته ... واصبح ودي فيك وهو مضيع ولم ترث لي مما ألاقي من الأسى ... وصرت أنادي منك من ليس يسمع وضاقت بي الأحوال من كل وجهة ... لما ارتجي من رحمة الله أوسع وقال رحمه الله يخاطب رجلا من أصحابه (1) : أبا حسن ان شئت الدهر شملنا ... فليس لود في الفؤاد شتات وان حلت عن عهد الإخاء فلم يزل ... لقلبي على حفظ العهود ثبات وهبني سرت مني إليك إساءة ... ألم تتقدم قبلها حسنات وقال وهو مما نظمه في التضمين وفيما يظهر منه: لقد صرت في غصب القصائد ماهرا ... (2) فما اسم جميع الشعر عندك غير لي ولم تبق شعرا لامرئ متأخر ... ولم تبق شعرا يا ابن فعل لأول فشعر جرير قد غصبت ورؤبة ... وشعر ابن مرج الكحل وابن المرحل وان دام هذا الأمر أصبحت تدعي ... " قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل " وقال في التورية: إلى الله أشكو غدر آل توددي ... إلي فلما لاح سري لهم حالوا لقد خدعوني إذ اروني مودة ... ولكنه لا غرو ان يخدع الآل وهو الآن فتى بقيد الحياة يتولى ما ذكر. ## $ 30 - المقرئ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد العظيم (1) رحمه الله: بقية بيت، وكيت وكيت، وحسب ميت، وفتيل سراج قديم عهده بزيت؛ أقام رسم الإقراء ببلده على لوثة تخل بخلاله، وتطرق (2) حده بكلاله، وكان النحو محط رحاله، ومعول انتحاله. وله شعر مهلهل، لا يجم به منهل، ولا يعلم به مجهل، فمن ذلك قوله يمدح الأمير بسبتة ويصف الأسطول من قصيدة أوله: أما الوصال فإنه كالعيد ... عذر المتيم واضح في الغيد منها: بتنا وليس سوى النجوم نديمنا ... نجني الأزاهر من رياض خدود حف العناق بنا كأنا في الهوى ... غصنان معتنقان في تأويد نثني على يحي الذي زان العلا ... بإمارة وإنارة وصعود ثم انثنينا عامدين لقصره ... في خير أسطول وخير بنود نسري ونركب كل طرف ما ونى ... عن كل شأو في المياه مديد قد نازعنه الريح في (1) فعل له ... فجرى مخافة ذلك المقصود أقدامه عود ولكن طوقت ... ليلا بنار مضرم ووقود وانظر إلى ماء ونار واعتبر ... يا صاح كيف تجمعا في عود (28ب) وتر ولا لسواه إلا أربع ... سر السباق يبين في التعديد إن قلت فيه البرق حقيقة ... لكن ندى يحيى سحاب الجود إن قلت أن الفلك أفلاك فقل ... وجه الأمير كمثل بدر سعود

- 3

؟

طبقة القضاء أولي الخلال المرتضاة (1)

وهذه الطبقة منحطة في البيان، لاقتصار مداركها على علوم الديان، وما يصدر عنها فعلى جهة الافتنان وسخاء الأفنان، وربما ندر في هذه الطبقة ما يعي يد الحالب، ويحسب الطالب، لكن الحكم للغالب. ## $ 31 - الشيخ أبو جعفر احمد بن محمد بن محمد بن احمد بن فركون القسري رحمة الله تعالى عليه (2) : قاض ركب الكفاية ظهرا، وجعل الاجتهاد للخطة مهرا، قريع بيت ضيعة نوه به حظه، فسمى إلى الغاية لحظه، إذ كان مولى على الأحكام، فارعا منها للأكام، ماهرا في علم الفريضة، طبيبا (3) لمعاناة مقاماتها المريضة، شديد القحة والصلف، مزريا بالخلف والسلف، يدعو المشيخة بأسمائها، فتشجى بغمائمها، وينبزها بالقابها (1) ، فتنجحر بانقابها، تلوي برقابها، وله نادرة شاردة، وفكاهات صادرة في مجلس القضاء وواردة، يبدي بها في مقصد الحكم (2) ، وجوه الصم والبكم، فيهضم جبارها، وتنقل أخبارها وكان ينظم شعرا منحطا، ويرتاد من طبعه جنابا يشتكي قحطا، فمن ذلك قوله يخاطب السلطان (3) : شفاؤك للملك اعتزاز وتأييد ... وبرؤك مولانا به عندنا عيد مرضت فلم تأو النفوس لراحة ... ولا كان للدنيا قرارا وتمهيدا ولم تستطع عيني تراك مؤلما ... ولازمها طول اعتلالك تسهيد (29آ) فلما شفاك الله وافى سرورنا ... ولم يبق للدنيا على الدهر تعديد فللبشر بالأبلال في القلب موقع ... وللشكر في الأقوال لله ترديد هنيئا وبشرى للعباد ببرئكم ... نعم وبه الإعزاز للدين موجود شهدت بان الفتح يدنو مبادرا ... ويتلوه يوم في عداتك مشهود وتملك أمصار العدا ورقابهم ... وللنصر تاج في لوائك معقود لذاتك في الدنيا اعتلاء ورفعة ... وعز وفي الآفاق ذكرك محمود بقيت على مر الدهور مملكا ... جنابك محروس وبابك مقصود وكتب يهنئ بمولود: هنيئا للقيادة والمعالي ... وبشرى للمجادة والجلال بمولود بمولده استقامت ... لوالده السعود على التوالي به بلغت أمانيه مناها ... به غدت المكارم في احتفال سيطلع في سماء المجد بدرا ... ومنصبه على الجوزاء عال ويغدو بالنفاسة في ابتداء ... ويحظى بالرئاسة في المآل ويحرسه الإله بعين حفظ ... ويمنحه البقاء مدى الليالي تباكرك المسرة كل يوم ... ويصحبك السرور بلا انفصال وقال في شأن ما كان يقرف (1) به غفر الله له (2) : أنا من الحكم تائب ... وعن دواعيه راغب بعد التفقه دهري ... ونيل أسنى المراتب أصبحت أرمي بعار ... للحال غير مناسب أشكو إلى الله بثي ... فهو المثيب المعاقب ## $ الشيخ القاضي أبو عبد الله محمد بن يحيى بن غالب (29ب) : كان هذا الرجل ممن ينتحل الأدب في جيله، يتبرع بمجاولة مجيله، ويكتب قاضي (3) الاستحسان، على أغراضه الحسان بتسجيله، فاشتهرت أبياته، وحفظت مبتدهاته ومروياته؛ فمن ذلك قوله يمدح السلطان ويصف الأسطول من قصيدة طويلة:

أضاءت بك الدنيا وأشرق نورها ... ولاح عليها بشرها وسرورها وقد طلعت بالسعد منك سعودها ... كما صلحت بالأمر منك أمورها فكل إلى مرآك هزته وحشة ... كما استوحشت غرناطة وقصورها وبان بأن الحق حقك في العلا ... وبان بكم إفك العداة وزورها فمن لم يقوم ميله عنك عقله ... تقومه إعجاز القنا وصدورها منها في وصف الأسطول: بعثت لتأمين البحور جنودها ... بها أمنت كالبر منها بحورها شواني تحكيها انقضاضا شواهن ... وإن صرصرت يوما حكاها صريرها وإن قيل غربان فمن أجل أنها ... نواعب أرواح العدا إذ تغيرها وإن قيل عقبان فغير حقيقة ... وإلا على التحقيق فهي وكورها تخطف إذ تنقض كالنجم يرتمي ... بغاث العدا عقبانها وصقورها تجاذبها اجناحها شبها كما ... نواظرها زرق العيون وحورها لها صفحات الماء مثل صحائف ... وتلك الجواري المنشئات سطورها ميامين في الأسفار أنى تيممت ... فباليمن والإقبال يأتي سفيرها ومن شعره في غرض النسيب: آه من لوعتي ومما أعاني ... (1) ضاق صدري بالسر والكتمان كنت أخفي عن الوشاة إلى أن ... فضحتني بدمعها أجفاني (30آ) ولئن دام يا خليلي ما بي ... فاحسباني بالحب لا شك فان ونحولي على غرامي دليل ... شاهد بالذي يجن جناني مذ زمان قد كنت أخفي ولكن ... من نحولي لم يدر مني مكاني يا فؤادي صبرا عسى من قضى ... بالبعد يقضي من بعده بالتداني يا زمان الوصال هل من رجوع ... حفظ الله عهد ذاك الزمان أين ورد وسوسن كنت أجني ... أين شهد رشفت من أقحوان بت ليلي والبدر فيه نديمي ... مخجلا بدره ببدر ثان قائلا للحساد موتوا بغيظ ... نلت ممن أحب كل أمان ولكم بت أرقب النجم سهدا ... ودموعي كالوابل الهتان باسطا لليدين أدعو بذل ... ليس لي بالبعاد منك يدان ## $ 33؟ الشيخ القاضي المسن أبو جعفر أحم بن عتيق الشاطبي (1) من الأكاليل؛ رحمه الله تعالى بمنه: شيخ طالت مصاحبته للأنساء، وملازمته للإصباح والأمساء طالما نظر بين غني ومسكين، وذبح بغير سكين، يقضي عمره في الحقوق، ويهب بين رعود وبروق، واكتسب مالا، وبلغ من الدهر آمالا، إلى أن أوثقته إشراك الحمام، وكل شيء فإلى تمام. وله شعر خفيف الروح، ودعابة توسى بها الجروح، فمن ذلك قوله يخاطب نفسه: تراخت بك الدنيا وجد بك السير ... وأشغلت بالفاني وقد زهد الغير فحتى متى تكبو السوابق في الثرى ... وتصحب رجلاك السلامة يا عير عدت بك عن نيل المعيشة كبرة ... تراخت لها الأعضاء وأستنزر الخير وقل انتفاع الأهل منك فأعرضوا ... كأنك فرخ مل من زقه الطير مراد الغواني منك خير ووزنه ... فها أنت لا خير لديك ولا أير وقال وقد استسلم للقضا، وعجز عن خطة القضا، وتلقى أمر الله جل جلاله بالرضى: قد عجزت عن القضا ... كل شيء إلى انقضا أغمد الدهر مرهفا ... كان منا قد انتضى كل ما يفعل الإله ... قبلناه بالرضى نسأل الله عفوه المرتجى ... في الذي مضى ## $ 34 - ؟ الشيخ القاضي أبو جعفر أحمد بن محمد بن سعيد بن أبي حبل المعافري رحمة الله عليه: فذ تثنى عليه الخناصر، وصدر لا يحصر فضائله حاصر، وقاض يريش سهام الأحكام ويبريها، ويزيل بنظره الشبه التي تعتريها، ويطبق مفاصل الفصل، بذهنه الذلق النصل، فيعريها، تولى الأقطار فازدانت، وتقلد الأحكام فلاحت المعدلة وبانت، وظهرت الحقوق الشرعية حيث كانت، وأما الأدب فكان من سباق حلبته، وفراع هضبته، وإن كان بغير فنه معروفا، وإلى سواه من الفنون الشرعية مصروفا؛ فمن شعره: تكفل بالرزق الذي تستحثه ألهك فلتجمل إذا آنت طالبه ... وكن ساعيا فيه على وفق أمره ... شكورا له فالشكر لاشك جالبه وإياك والسعي المذل فإنه ... ينالك منه ما أنالك واهبه دع الحرص فيه واسأل الله بسطة ... فما الحرص مدنيه ولا البطء سالبه فيا رب إن ناله كيف ما اشتهى ... ورب حريص أعوزته مكاسبه (31آ) وقال وهو من شواهد كماله: عتوي كل يوم في ازدياد ... وعمري في انحطاط وانتقاض ولذاتي تقضت واتباعي ... بها باق إلى يوم القصاص ولي حاجات نفس لا أرى ما ... أشير إليه منها غير قاص وقد حملت أعباء ثقالا ... جوافي لا تنوء بها قلاصي ويبطئني المعاش ولا عتاب ... على قدر لرزق ذي اعتياص ألقي دونه حربا عوانا ... بأعداء على قتلي حراص ثنوا نحوي أعنتهم طلابا ... وجاسوا بالأداني والأقاصي فمهما لحت أصمتي سهام ... نوافذ لا تقي منها دلاصي وقال يتفجع لعمره الماضي، وزمانه المتقاضي، ويرتقب غريم التقاضي: مضى من دن عمري كل صفو ... فما أبغي من الدردي لهفي وولت طيبات العيش عني ... وأعوز من بقاياها التشفي ولذات المطاعم شرها ما ... غدا (1) بالسن من خلل وضعف وذا داعي المنون ضحى وممسى ... يناديني هلم نداء عنف ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ فلي هرب المروع يروم منجى ... أمامي وهو لا ينفك خلفي وقد جعلت لي الستون قيدا ... وثيقا مؤذنا بلحاق حتف وشيبي منذر لو أن نفسي ... تطاوع بالمتاب بغير خلف فكم وعد لها من بعد وعد ... ولكن ما لها عزم موفي وليس سواك يا مولاي أرجو ... على إسرافي الأحرى بصرف فعامل بالجميل جميل ظني ... وقابل نكر أفعالي بعرف (31ب) ومن شعره مقتطعا من أبيات: أقول لها من بعد ما كدت للهوى ... أميل وأعصي داعي الرشد والنصح إليك فهذا الشيب أوضح صبحه ... وقد أوجب الإمساك متضح الصبح فصدت وأغرت بالخضاب لعلها ... تسوم دليل الحكم يوما من القدح فقلت كفى بالزور في الوجه شاهدا ... يحط جميلا في الوقار إلى القبح ## $ 35؟القاضي أبو القاسم محمد بن يوسف المعروف بابن الجقالة: صدر في القضاة، وينبوع للخلال المرتضاة، وطابع لسيوف الكلام المنتضاة، شب في الحكم وشاب، وورد الجمام والأوشاب، وسلك من الأدب على السنن المأثور، وركض جياد المنظوم والمنثور، فكان مخصوصا في أهل زمانه بالإجادة، إلى ما تميز به من الأصالة والمجادة، ومن شعره في غرض النسيب: أعد التفاتك في الهوى لمتيم ... يشكو النوى من ظلم متظلم لو كنت تسمح بالتفاتك ساعة ... لرأيت كيف أذاب حبك أعظمي جسم نحيل لو وقفت برسمه ... لعرفته من بعد طول توهم أخفى الضنى جسدي فصار كأنه ... معنى خفي في كلام مبهم ولنار شوقي في الضلوع توقد ... ويزيدها دمعي التهاب تضرم وعجبت من ضدين كيف تجمعا ... النار تضرم والمدامع تنهمي رحماك في دنف أرق من الهوا ... رفقا بمن يهواك وارحم ترحم يا هاجري يا قاتلي بصدوده ... أحللت لا بالشرع قتل المسلم هذا نجيعي فوق خدك شاهد ... أجنيت حتى حل قتلي أو دمي إن قلت ما في الخد غير تورد ... فدمي عليه لائح كالعندم (32آ) سلت على قرب لحاظك مرهفا ... ورمت على بعد كرمي الأسهم ولقد علمت بأنها سفكت دمي ... لكن جهلت كأنني لم أعلم وأردت أخذ الثأر منك فراعني ... من غابة الغزلان صولة ضيغم ما كنت اطلب منك ثارا في دمي ... أن شئت قتلي فهو غير محرم لا ثار لي غير الوصول وأخذه ... صعب المنال على المشوق المعدم بهواك إلا ما رحمت صبابتي ... ونظرت من حالي بعين ترحم ومن مقطوعاته قوله: وصحبت أيامي على علاتها ... وبلوتها في شدة ورخاء وقطعتها بالشكر في نعائمها ... ولقيتها بالصبر في الضراء وقال يرثي الوزير أبا عبد الله بن الحكيم رحمه الله، وكان لم يقبر: قتلوك ظلما واعتدوا ... في فعلهم حد الوجوب ورموك أشلاء وذا ... أمر قضته لك الغيوب إن لم يكن لك سيدي ... قبر فقبرك في القلوب ## $ 36 - ؟ إسماعيل بن محمد بن محمد بن هانئ القاضي أبو الوليد (1) ، رحمه الله: قريع حسب، جامع بين مورث في الفضل ومكتسب، تحلى بالصيانة الضافية الجلباب، ونشا في اللباب، من ذوي العكوف والاكباب، فحفظ موطأ الأمام، كأنما اجترع جرعة من ماء الغمام، ورحل من بعد التحصيل، وطلب الأصيل، وأستقر بالمشرق بادي احتشام، مدرسا بحماة الشام، وله شعر عارضته قوية، وسبله في الإجادة سوية، فمن ذلك قوله: أتعرف ربعا للتواصل قاويا ... عفت آية إلا الصوى والأواريا (32ب) تعاور فيها كل عاس مجلجل ... وجرت عليه الرامسات السوافيا بكت برباه للسحاب مدامع ... فلما وهت (2) ألقت عليه المآقيا ولما دعا داعي الفراق وأجهشت ... قلوب تلقت من يد الشوق فاريا وأصبح داعي الشوق لأيا مسيره ... (3) وداعي التنائي ناعب السرب ضاويا ظللت ترجي الوصل منه ولم تكن ... له قبل إلمام التفارق راجيا إذا شمت برقا هجت بشرا لعله ... أتى موهنا من أرضه لك ساريا وان سمعت أذناك في سبب صدى ... أصخت رجاء إن أتى لك داعيا وان كان وافى في الدجنة طارق ... تبادر عساه أن يكون الموافيا لعلك تلقاه بعاف سبيله ... من الأرض قد أضحى من الأنس خاليا عفا فغدا لا يستبين لناظر ... وإدراكه يعشي العيون الروانيا فتلقاه فردا لا يراع بكاشح ... أمينا من آن تلقى سواه ملاقيا قريب التلافي غير صعب قياده ... كما شئت بسام الثنايا مواليا يمد رواقا للتواصل سجسجا ... ويورد عذبا من تدانيه صافيا فتجني الرضى منه على حين غفلة ... من الدهر مهلا ليس ترهب واشيا ومنها بعد كثير: فهاك معنى القلب جمر غرامه ... له لوعة لا ترتجي الدهر آسيا يجهز جيشا للغرام مظفرا ... ويورده بحرا من الدمع طاميا موارد دمع لا يخاف نفادها ... يمد الثكالى بحرها والبواكيا يغالب أشجانا براه غلابها ... (1) فاصبح للخدين والوجه كابيا سفاه لعمري ان يغالب قادر ... على الفصل لا يلقى عن الهم ثانيا ومن رام غمر البحر يزحم (2) موجه ... فأوشك بان يلقى لدى النسف طاميا (33آ) فلا تتبع يأسا فتتلف بالأسى ... فؤادا بنار الوجد اصبح صاليا

فقد يدرك الصعب البعيد مرامه ... ويضحي الذي أبدى الجماح مواتيا ويضحي الذي منه الغرام وداؤه ... إذا شاءه الله الطبيب المداويا وقال في قصيدة: هوى والهوى يتلوه اثر الهوى هوى ... كذاك هوى حتى ازور المقابرا فلو جئت قبري بعد سبعين حجة ... تزور وقد صارت عظامي نواخرا لكان الصدى مهما أتيت مسلما ... ومؤتمرا إن كنت قد جئت أمرا وهو لهذا العهد بالبلاد قد ارتبط واغتبط، وفي غير الفنون النافعة ما خبط، وبلغت عنه وفاة كاذبة اقتسم لها ميراثه، كما قيل: أكلوه حيا هل سمعت كآكل ... من غير مضطر للحم أخيه ## $ 37 - الشيخ القاضي أبو عمرو عثمان بن محمد بن يحيى بن منظور القيسي (1) صدر معارف جمة، وصاحب نفس بالكمال مهتمة، كانت أخلاقه كالزلال بل هي أعذب، وشمائله يحسدها الأريحي المهذب، بذ السوابق في منقول ومعقول، وبشر مصقول، وتولى القضاء فحسنت السيرة، وسهلت في الحق المذاهب العسيرة، وكان لا يتصف بنثر ولا نظم، ولا يغتبط من ذلك بلحم ولا بعظم، إلا ما وقفت عليه بخطه في ظهر كتاب ألفه شيخنا الوزير أبو بكر ابن الحكيم، رحمه الله،وسماه الفوائد المنتخبة والمواد المستعذبة، فاستحق الذكر في هذه الطبقة لذلك، والسير في هذه المسالك، ونصه: قد جمع الحكم وفصل الخطاب ... ما ضمه مجموع هذا الكتاب من أدب غض ومن علية ... تسابقوا للخير في كل باب (33ب) فجاء فذا في العلا والنهى ... ومنتقى صفو لباب اللباب ألفه الحبر الجليل الذي ... حاز العلا إرثا وكسبا فطاب ## $ 38 - القاضي الشيخ أبو بكر بن ولي الله تعالى أبي جعفر ابن الزيات (1) هضبة توقير لا ترجف ولا تزلزل، وذروة دونها السماك ألا عزل، بنى على أساس الأبوة الشهيرة، وسفر فضله عن محيا شمس الظهيرة، وكان فرعا من دوحة، وصفي غدوه في سبيل الله وروحه، متجر الرواية عاليها، متصل المثابرة متواليها، حسن الخط مجيده، محليا به نحر ما يلفظه وجيده. وكان يلم يشعر لم اقف منه ألا على قوله: يفاتح بالتسليم مجلس عزلكم ... وبالرحمة العظمى وبالبركات وحبي فيكم غير خاف عليكم ... وحسبي هذا الحب طول حياتي أدام لك الله السعود وأبقيت ... علاك بجيد الملك منتظمات وكتب مستدعيا إجازة أهل عصره إياه، فكان من منظوم ذلك قوله: لما علوتم يا مصابيح الدجى ... رتبا قصرت عليكم مني الرجا وقرعت باب الفضل منكم سالكا ... سننا من الحرص الرضي ومنهجا وأبيت إلا ان أكون ابنا لكم ... عملا بما يقضي به حكم الحجى والله جل اسما يطيل بقاءكم ... ويري ابنكم فيكم جميعا ما رجا ## $ 39 - محمد بن محمد بن شعبة الغساني أبو عبد الله، رحمة الله عليه: فاضل نزع من بيت العمل، إلى ارعاء الهمل، وصحا من بعد الثمل، فظفر من القضاء بالأمل، وجنح على (1) قلم الحساب، إلى الاستماء (2) للخطط الرفيعة والانتساب، لما شهر بزهده (3) في الاكتساب، فكان مشكور التحول، (34آ) محمود التعول، وفقا في ترك التكسب المعتاد والتمول، وله ادب نبيل، وسمت وضح منه في التزامه سبيل فمن ذلك قوله: يبلى على مر الجديدين الهوى ... وهواك يا ليلى جديد باق قد رق من فرط الهوى جسمي فهل ... لي في الهوى من مشفق أو راق ما ذاق قيس في الهوى ما ذقته ... كلا ولا أحد من العشاق أنت المنى فصلي محبك أو ذري ... لابد منك على نوى (4) وتلاق ومن شعره قوله: إذا ما الخل خالك دمن ود ... وجارك بالكلام عليك جارا ففارق كل من يدعى خليلا ... ولا تصحب من الأقوام جارا ومن شعره أيضا: ما ذوق الدهر الأنام مشقة ... مثل اعتياض شبيبة بمشيب وبعاد من قربت إليهم داره ... وفراق كل حبيبة وحبيب ## $ 40 - محمد بن سعد بن قاسم الأوسي أبو عبد الله بن الفخار، رحمه الله: متفنن من المعارف في أزهار على انهار، بين بنفسج وبهار، ونفس سهلة، تريك عين السراوة لأول وهلة، لا تدري من أي أمريه تعجب، ولا أيهما بالاستحسان أوجب أصورته الوضية، أم أخلاقه المرضية، برع في الوثيقة وأحكامها، وتنزيل فصولها على مقتضيات أحكامها، وولي القضاء فشكر له فيه التصرف، وأمكن بالمعارف التعرف؛ وله شعر نبيه، وبستانه (1) في الفضل والظرف شبيه؛ فمن ذلك قوله من كتاب سماه: " خمائل في شمائل الكرام ": (34ب) جمال ذي الأنفس أن تتضع ... فاعمل على تحصيل ذا تنتفع فهذه الأثمان في وزنها ... أن يك فيها ناقص يرتفع وقال في الزهد: اخرج من الدنيا ولا تعتلق ... منها بما لا بد أن ينتسف ألا ترى البدر على بعده ... مهما يكن في ظلها ينكسف (1) ومن ذلك قوله: إياك من زهرة الدنيا وزينتها ... ولتنا عن ذا الدنا مهما إليك دنا وازهد إذا أمكنت من نفسها كرما ... فالزهد فيها يريح النفس والبجنا ومن ذلك في فعل الخير: دار بهذي الدار سكانها ... تقم على التأسيس أركانها ولتفعل الخير فما غيرة ... من واجب قاوم إمكانها ومن ذلك في اجتناب الغش صاف لمن صافاك (2) وابرزلة ... مستوي الباطن والظاهر لا تك كالماء يغر الفتى ... صفاؤة وليس بل لطاهر ومنة في السفر سافر فما استولى على غاية ... من ليست الأسفار من ديدنة فالغيث غيم وهو في جوة ... والتبر ترب وهو في معدنة ## $ 41 - الشيخ القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن منظور القيسي (1) رجل أصيل الحسب،كريم النسب، جامع في الفضل بين الموروث والمكتسب، احسن الناس لقاء، وأرواهم في البر سقاء، وأوطأهم (35 آ) كنفا، واقلهم بأوا وأنفا، شيم تنم الأصالة على أثوابها الضافية، وتخبر رواية الرواة عن فضل مواردها الصافية، وان يصدر منه (2) شعر لم يحضرني منه الآن ما أنشدنيه (3) : ما للعطاس ولا للفال من اثر ... فثق فديتك بالرحمن واصطبر وسلم الأمر فالأحكام ماضية ... تجري على السنن المربوط بالقدر ## $ 42 - الشيخ القاضي أبو الحجاج يوسف بن موسى الجذامي المتشافري (4) حسنة من حسنات الدهر، وتحفة من تحف السر والجهر، وجالب أبكار أفكار تجل عن المهر، شيخ دمث الخلائق، متمسك من الفضل بأقوى العلائق، كلف بالأدب الرائق، وشتى الفنون والطرائق، سبق بقطرة حلبة الرهان، وصان حشمته من الامتهان، وعني بالبيان، فجاء على خبرة بالعيان، وطارت منظومات في الأقطار كل مطار، مزرية بعرف الروضة المطار، وله تواليف حسنة الاغراض، وجواهر تلفى خلل تلك الأعراض، وولي القضاء فحمدت سيرت، وأثنت علية جيرتة. لقيتة في بعض الغزوات فاستظرفته، لما عرفته، وخاطبته بقولي: حفظت (1) على فرط المشقة رحلة ... أتاحت لعيني إجلاء محياكا وقد كنت بالتذكار في البعد قانعا ... وبالريح ان هبت بعاطر رياكة فجاءت لي النعمى بما أنعمت به ... علي فحياها الإله وحياكا واتصل بها نثر ثبت في غير هذا (2) فأجابني بمنظوم ومنثور، افتتحه بهذه الأبيات: حباك فؤاد نيل بشرى فأحياكا ... وحيد بآداب نفائس حياكا بدائع أبداها بديع زمانه ... فطاب بها يا عاطر الروض رياكا (35 ب) أمهد أودعت قلبي علاقة ... وان لم أزل مغرى قديما بعلياكا إذا ما أشار العصر نحو فريدة ... فإياك يعني بالإشارة أياكا لأتحفني لقياك أسنى مؤملي ... وهل تحفه في الدهر الا بلقياكا وأعقبت إتحافي فرائدك التي ... وجوب ثنائي يا لساني أعياكا وأنشدني قصيدته المطولة في مدح مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) : لم تناهى الصب في تشويقه ... درر الدموع أعتاضها بعقيقه وقصيدته في الغرض المذكور وأولها (2) : إليك تحن النجب والنجباء ... فهم وهي في أشواقهم شركاء وأنشدني من شعره (3) هواكم بقلبي ما لنحكمه نسخ ... ومن اجله جفني بمدمعه يسخو ومن نشأتي ما أن صحت منه نشوتي ... سواء به عصر الشباب أو الشرخ عليه حياتي قد تمادت وميتتي ... وبعثي إذا بالصور يتفق النفخ ولي جلد أضحى قنيص غرامه ... ولا شرك يدني إليه ولا فخ قتلت سلوي حين أحييت لوعتي ... وما احتيج للإقرار في حالتي لطخ وما صح جسمي إذ زكت بيناته ... يحول عليه من دموع الأسى نضخ وأرجو بتحقيقي هواكم بان (4) أفي ... بعهد ولا نقض وعقد ولا فسخ وما الحب إلا ما استقل ثبوته ... لمبناه زص في الجوانب أو رسخ إذا مسلك لم تستقم بطريقه ... سلكت اعتدالا مثلما يسلك الرخ بدا لضميري من سناكم تلمح ... فبخ لعقل لم يطر عندها بخ على عود ذاك العهد مازلت نادبا ... كما تندب الورقاء فارقها الفرخ (36أ) يدي بأياديكم وقلبي شاغل ... فمن فكرتي نسج ومن أناملي نسخ

ومن مقطوعاته (1) : أدب الفتى في أن يرى متيقظا ... لأوامر من ربه ونواهي وإذا تمسك بالهوى يهوي به ... فالحبل منه لمن يتقن واه ومنها (2) : ترى شعروا أني غبطت نسيمة ... ذكت بتلاقي الروض غب الغمائم كما قابلت زهر الرياض وقبلت ... ثغور أقاحيه بلا لوم لائم ومنها (3) : لوعة الحب في فؤادي تعاصت ... أن تداوى ولو أتى ألف راق كيف برئي من علة وعليها ... زائد علة النوى والفراق فانسكاب الدموع جار مجار ... والتهاب الضلوع راق فراق ومنها (4) : يا من في دنياه ظل في لجج ... حقق بأن النجاة في الشاطئ تطمع في إرثك الفلاح وقد ... أضعت ما قبله من اشراط كن حذرا في الذي طمعت به ... من حجب نقص وحجب إسقاط ## $ 43 - القاضي أبو جعفر احمد بن عبد الحق الجدلي الأستاذ (1) ، رحمه الله: مدلول لفظ الظرف، وروضه (2) العطر العرف، المستوقف للطرف، فتح الله له الفضل باعا، وملاه (3) له انقيادا وانطباعا، أمتعه إمتاعا وخوله من حظوظ العاجلة والآجلة متاعا؛ ما شئت من وجه جميل، ووخد في السرو وذميل، واضطلاع بالفنون الجمة، والمعارف [36ب] المخولة المعمة، يجيل في ميادينها الجياد، ويروم صعابها فتعطي القياد، واتصلت برعيي إياه أيام ولايته، وضفت عليه لله أثواب عنايته، إلى أن مات موجع الفقد، وثيق العقد، محاشى صداق صدقه من النقد. وكان له شعر يحسن متى يسرد، ومعان عن حمى الإجادة لا تطرد. فمن ذلك قوله في جدول (4) : ومنمنم الشطين منه حمائل ... كالمشرفي قد اكتسى بفرنده فخمائل الديباج منه خمائل ... متعانق فيها البهار بورده وقد اختفى طوق له في دوحة ... كالسيف رد ذبابه في غمده وقال في شجر نارنج (5) : وثمار نارنج ترى أزهاره ... مع قانئ النارنج في تنضيد فإذا نظرت إلى تآلفها أتت ... كمباسم أومت للثم خدود وكتب صحبة أقلام أهداها: يا ناظما أربى على حسان ... يا ناثرا أزرى على سحبان خذها ذوا بل من وشيج يراعة ... حازت قواما مثل غصن ألبان أهديتها لبراعة راقت على ... طرس لكم يربي على بستان آخيت بين يراعة وبراعة ... (1) إذ زنت خطا رائقا ببنان ## $ 44 - الشيخ القاضي أبو زكريا يحيى بن السراج الأستاذ المعروف بابن جلوط شيخ سكون، له إلى حومة (2) الخير ركون، منقبض عن الناس، طاهر ثوب العدالة من الأدناس، نشأ خدن الصيانة، وقاضيا دين الديانة، ولقي جلة، وقادة بأعباء الفضل مستقلة، فاستفاد معارف (37آ) تجمل منها بحلي ومطارف، وولي القضاء فلم يأل تسديدا، ولا عدم للنزاهة ظلا مديدا، لقيته بجبل الفتح حليف اغتباط، بجهاد ورباط، وقيدت من شعره ما وسعه زمان لقائه، مكتتبا من ألقاه، فمن ذلك قوله وهو شاهد بزهده، وانقباضه عن الدنيا بجهده، رحمة الله تعالى: نهاك نذير الشيب لو كنت ترعوي ... وهل بعد انذار المشيب نذير إلى كم ترى عن نصح نفسك معرضا ... وتصغي إلى الآمال وهي غرور أرى العمر ولي معرض عنك فاغتنم ... بقيته أن البقاء عسير وبادر إلى الطاعات غير مقصر ... فأطول أيام الحياة قصير إلهي أجرني من عذابك انه ... عذابك محذور وأنت مجير ولا تخزني يوم الحساب ونجني ... بفضلك إن الفضل منك كبير ندبت إلى الصفح الجميل فجد به ... فأنت به يا ذا الجلال جدير ومن بجبري من قبيح إساءتي ... فعبدك مما قد جناه كسير فما ضل من أتيته رشد نفسه ... ولا ذل من والاه منك نصير ## $ 45 - القاضي أبو جعفر احمد بن محمد بن علي بن برطال (1) رحمة الله عليه: رجل تجمل بلباس نبيه، من ميراث ابيه، فلم يأل اقتصادا، ولا اعمل للعنقاء مصادا، ولا أرصد للحظ إرصادا، فجاءه عفوا، ووروده صفوا؛ وتقدم قاضي الجماعة، شاردا أمله عن الطماعة، وعجب لذلك خطاب الخطة، والقدر لا يستعدى عليه صاحب الشرطة، وفي ذلك يقول شيخنا أبو البركات (1) : (37ب) إن تقديم ابن برطال دعا ... طالبي العلم إلى ترك الطلب حسبوا الأشياء من أسبابها ... فإذا الأشياء من غير سبب إلى انه وان لم يعمل الاستعداد، لم يتخط السداد، وكان الصون أخص صفاته، والهوادة تزل عن صفاته، وكانت ولايته قريبة من وفاته، ولم ينتحل الشعر ليحسب من أربابه، أو يعده منحيا الرزق وأسبابه، إلا أنني وقفت له على بيتين يندران على مثله، ويدخلان وليمة الشعر ويترفعان عن مثاله، وهما ما أنشد من ودعه (2) : استودع الرحمن من لوادعهم ... قلبي وصبري آذنا بوداع بانوا فطرفي والفؤاد ومقولي ... باك ومسلوب العزاء وداع ## $ 46 - الشيخ القاضي أبو البركات محمد بن أبي بكر محمد بن إبراهيم ابن الحاج البلفيقي السلمي (1) شيخنا (2) رحمه الله تعالى واحد الفئة، وصدر صدور هذه المائة، ولعمري ان قوادم الاجتهاد لمقصوصة، وقواعد النصفة غير مرصوصة، لتعيين غاية (3) مخصوصة، بل نقول وهو الوفاء، وفيه للصدر الشفاء، تحفة الدهر التي يقل لها الكفاء، وبقية السلف التي يقال عندها: " على آثار من ذهب العفاء "، اما لفظ السيادة فهو مدلوله، وأما ربع المجادة فلولاه لا قوت طلوله، فما شئت من شرف زاحم الثريا بمناكبه، ومجد خفقت بنوده فوق مواكبه، وحسب ككعوب الرمح كابرا عن كابر، وأصالة تنتقل أسرارها إلى بطون المحارب من ظهور المنابر، تواضع عن علو الهمة، وتنازل مع الاستواء بأعلى القمة، وآثر الخمول (4) مع (38آ) جلالة القدر ووفور الذمة، واخذ عن الأصاغر مع كونه إمام الأئمة؛ كان رحمه الله ابعد خلق الله عن الحسد، وأشدهم إقداما على الاسد، ومتنفسا عن نفس لا نسبة بينها وبين الجسد؛

معروف الوفاء لمن عرفه، لا يساكنه الرياء في بقعه، ولا يساوقه الملق في رقعه، يرسل النادرة، ثم يتبعها الزفرة البادرة، والعبرة الهادرة، فمجالس العدل والأقساط، مشوبة بالانبساط، ودسوت الإثبات والمحو، متعاقبة الغيم والصحو، وسقائف الجعجاع، جامعة بين الاسترسال والاسترجاع، والتفكه بالاسجاع، والتزلف بتسكين الأوجاع؛ وأما الخطابة فهو زيد الخيل إذا منبر (1) اخرج، ولموقف الفضل اسرج، يبتده الشوارد على ظهره، معفيا طبعه من قهره، مقتضيا منه في الساعة من دهره، خبيئة شهره، كلما فجر مذانب البيان من نهره، أتحفها عود المنبر (2) بزهره. وبالجملة فكان هذا الشيخ في سلف، واهتمام زكلف، وعدم خلف، بمنزلة أبي دلف، " ولت الدنيا على أثره "، وقل إن ترجع، والبرهان يفضح من يجعجع؛ وله في الأدب عليا الدرجات، والافواح المتأرجات، والبدائع التي سارت مسير الشمس في الأقطار، وتغنى بها راكب الفلك وحادي القطار؛ فمن ذلك قوله في الأغراض الواهيات والأذواق الشهيات (3) : يأبى شجون حديثي الإفصاح ... إذ لا تقوم يشرحه الألواح قالت صفية عندما مرت بها ... ابلي أتنزل ساعة ترتاح (38ب) فأجبتها لولا الرقيب لكان في ... ما تبتغي بعد الغدو رواح قالت: وهل في الحي حي غيرنا ... فاسمح فديتك فالسماح رباح فأجبتها: إن الرقيب هوالك ... بيديه منا هذه الأرواح وهو الشهيد على موارد عبده ... سيان ما الإخفاء والإيضاح قالت وأين يكون جود الله إذ ... يخشى ومنه هذه الأفراح فافرح على اسم الله جل جلاله ... واشطح فنشوان الهوى شطاح وارهج على ذمم الرجال ولا تخف ... فالحلم رحب والنوال مباح وانزل على حكم السرور ولا تبل ... فالوقت صاف ما عليك جناح واخلع عذارك في الخلاعة يا أخي ... باسم الذي دارت به الأقداح وانظر (1) إلى هذا النهار فسنه ... ضحكت ونور جبينه وضاح أنواره نفحت واترع كأسه ... فقد استوى ريحانه والراح وانظر إلى الدنيا بنظرة رحمة ... فجفاؤها بوفائها ينزاح لا تعذل الدنيا على تلوينها ... فلليلها بعد المساء صباح فأجبتها لو كنت عالمة الذي ... يبدو لتاركها وما يلتاح من كل معنى غامض من أجله ... قد ساح قوم في الجبال وناحوا حتى لقد سكروا من الأمر الذي ... هاموا به عند العيان فباحوا لعذرتني وعلمت أنى طالب ... ما الزهد في الدنيا له مفتاح فاترك صفيك قارعا باب الرضى ... والله جل جلاله فتاح يا أخت حي على الفلاح وخلني ... فجماعتي حثوا المطي وراحوا ومن هذا النمط الغريب النزعة (2) : (39آ) خذها على الرغم الفقيه سلافة ... تجلى بها الأقمار في شمس الضحى

أبدى أطباء العقول لأهلها ... منها شرابا للنفوس (1) مفرحا وإذا المرائي قال في نشوانها ... قل أنت بالإخلاص فيمن قد صحا يا قهوة دارت على أربابها ... فاهتزت الأقدام منها واللحى مزجت فغار الشيخ من تركيبها ... فلذاك جردها وصاح وصرحا وبدت فغار الشيخ من إظهارها ... فاشتد يبتدر الحجاب ملوحا لا تعترض أبدا على مستهتر ... لم [يدر] (2) ما الإيضاح لما أوضحا سكران يعثر في ذيوله لسانه ... كفرا ويحسب انه قد سبحا كتم الهوى حرية بعض وبعض ضاق ذرعا بالغرام فبرحا ... لا تحسبن على العدالة هاتفا ... نقد ارتياح العاشقين مبرحا الحب خمر العاشقين وقد قضت ... حتما على من ذاقها أن يشطحا فاشطح على هذا الوجود وأهله ... عجبا فليس براجح من رجحا كبر عليهم انهم موتى على ... غير الشهادة ما اعر واقبحا واهزأ بهم فمتى يقل نصحاؤهم ... افلح فقل حتى ألاقي مفلحا وإذا رزينهم استخفك قل له ... بالله يا يحيى العامرية بن يحيى دع جحا ابني سليمى قد محا مجنونكم ... مجنون ليلى العامرية قد محا هل يستوي من لم يبح بحبيبه ... مع من بذكر حبيب قد صرحا فافرح وطب وارهج وقل ما شئته ... ما املح الفقراء يا ما أملحا

ومن الأبيات المقطوعات قوله لمن استدبره بحلقة العلم (39ب) بسبتة أيام رحلته أليها في طلب العلم الشريف يعتذر من فعله ذلك (1) : إن كنت أبصرتك لا أبصرت ... بصيرتي في الحق برهانها لاغرو أني لم أشاهدكم ... فالعين لا تبصر إنسانها ومن ذلك قوله في غرض التورية وهو بديع (2) : يلومونني بعد العذار على الهوى ... ومثلي في حبي له لا يفند يقولون: امسك عنه قد ذهب الصبا ... وكيف أرى الإمساك والخيط اسود ومن ذلك قوله في المجبنات وهو بديع جدا (3) : ومصفرة الخدين مطوية الحشا ... عن الجبن والمصفر يؤذن بالخوف لها بهجة كالشمس عند طلوعها ... ولكنها في الحين تغرب في الجوف (4) وقال في معتقل شفع فيه يقال له مرجى: مرجى يرجي فضل أنعمك التي ... بكفيك مجراها ثناء وموحدا وقد جدت بالإحسان في حل قيده ... فصيره بالإحسان مقيدا ومن قوله في السر والمحافظة عليه (1) : إذا ما كتمت السر عمن أوده ... توهم أن الود غير حقيقي ولم أخف عنه السر من ظنه به ... ولكنني أخشى صديق صديقي ومن قوله في شكوى البعاد (2) : قالوا:تغربت عن أهل وعن الوطن ... فقلت: لم يبق لي أهل ولا وطن مضى الأحبة والأهلون كلهم ... وليس بعدهم سكنى ولا سكن أفرغت حزني ودمعي بعدهم فأنا ... من بعد ذلك لا دمع ولا حزن ومن قوله في الحكم والأمثال (3) : ما رأيت الهموم تدخل إلا ... من ضروب العيون والآذان (40آ) غض طرفا وسد سمعا وإن ... أحسست هما فلا تثق بضماني وقال في زرقة عينيه وهو من الغريب في معناه (4) : حزنت عليك العين يا مغنى الهوى ... فالدمع منها بعد بعدك ما رقا

ولذاك ما صبغت بلون ازرق ... أو ما ترى ثوب المآتم ازرقا ومن نفثاته الغريبة قوله (1) : تطالبني نفسي بما ليس لي به ... يدان وأعطيها الأماني فتقبل عجبت لخصم لج في طلباته ... يصالح عنه بالمحال فيفصل وقال في ذم النساء (2) : ما رأيت النساء يصلحن إلا ... للذي يصلح الكنيف لأجله فعلى هذه الشريطة فأصبحن ... لا تعد بامرئ عن محله وقال في المعنى المذكور (3) : قد هجوت النساء دهرا فلم ... أبلغ أداني صفاتهن الذميمه ما عسى أن يقال في هجو من قد ... خصه المصطفى بأقبح شيمه أو يبقى لناقص العقل والدين ... إذا عدت المثالب قيمه وقال وما أعرقه في الأصالة (4) : قد كنت مغرورا بوعظي وما ... أبث من علمي بين البشر من حيث قد أملت إصلاحهم ... بالوعظ والعلم فخان النظر فلم أجد أوعظ للناس من ... أصوات وعاظ جلود البقر ومما أنشدني (1) وقد خرجت يوما لتوديعه: يا من إذا ما رمت توديعه ... ودعت قلبي قبل ذاك الوداع فأترك التوديع (2) عمدا لكي ... أعلل النفس ببعض الخداع (40ب) يا محنة النفس بمألوفها ... من اجلها قد جاء هذا الصراع ولو لم يكن في هذه الطبقة الجليلة إلا هذا الرجل لكان كافيا، رحمه الله تعالى. ## $ 47 - ؟ القاضي أبو يزيد خالد بن [عيسى بن] أحمد القتوري البلوي (3) صاحبنا: هذا الرجل كان كالجمل المحتمل يريبك مجموعه، ويهولك مرئيه ومسموعه، فإذا زمزم الحادي سالت من الرقة دموعه، فظاهره جسم جسيم، وللزرافة قسيم، وباطنه في اللطافة نسيم، وروض يرتاده مسيم؛ سكن البادية خيرا عفيفا، ومن المؤن خفيفا، يرتاح إلى عقائل الآداب ارتياح قيس إلى ليلى، ويميل به الغبيط إلى الاغتباط ميلا، وكلما ظفر بها يوما أو ليلا، طفف كيلا، وجمع ثريا وسهيلا، ثم راح المشرق، وعشا إلى نوره المشرق، مع اخضرار العود وسواد المفرق، وغفلة من الزمان المطرق، فحج وزار، وطرح الأوزار، واستسقى السحب الغزار، ودون رحلته فأحسن وأطرف، وحلى وعرف، وقفل مغربا بتشريقه، وكتب عن بعض الملوك الكبار بطريقه، ثم ارتسم في حزب القضاء وفريقه، وأدبه مشتمل على نثر ونظم، ولحم وعظم، ولنثره على نظمه شفوف، والى اللحاق بذي الإجادة خفوف؛ فمن شعره (1) : الله أكبر حبذا إكباره ... (2) هذا الشفيع لنا وهذي داره لاحت معالم يثرب وربوعها ... مثوى الرسول وداره وقراره هذا النخيل وطيبة ومحمد ... خير الورى طرا وهاأنا جاره هذا المصلى والبقيع وها هنا ... ربع الحبيب وهذه آثاره (41آ) هذي منازله المعظمة التي ... جبريل ردد بينها تكراره هذي مواضع مهبط الوحي الذي ... تشفي الصدور من العمى أسطاره هذي مواطئ خير من وطئ الثرى ... وعلا على السبع العلا استقراره ملأ الوجود حقيقة إشراقه ... فأضاء منه ليله ونهاره والروضة الفيحاء هب نسيمها ... والبان بان ونم منه عراره وتعطرت سلع فسل عن طيبها ... لم لا تطيب وبينها مختاره بشراك يا قلبي فقد نلت المنى ... وبلغت ما تهوى وما تختاره وتجل يا طرفي فيالك ناظرا ... أبصرت طيبة فانقضت أوطاره قد أمكن الوصل الذي أملته ... وكذاك حبي أمكنت أسراره قد كان عندي لوعة قبل اللقا ... والآن ضاعف لوعتي أبصاره رفقا قليلا يا دموعي اقصري ... فالدمع يحسن في الهوى اقصاره قد كانت الدمن الكريمة في غنى ... عن أن يفيض بربعها تياره أيضيع من زار الحبيب وقد (1) رأى ... أن المزور بباله زواره أيخيب من قصد الكريم وعنده ... حسن الرجاء شعاره ودثاره ! أيؤم بابك مستقيل عاثر ... فيرد عنك ولا تقال عثاره حاشا جلالك أن يؤمله امرؤ ... فيعود صفرا خيبت أسفاره يا سيد الإرسال ظهري مثقل ... فعسى تخف بجاهكم أوقاره رحماك فيمن أوبقته ذنوبه ... فكأنما إقباله أدباره لبس الصغار وقد تعاظم وزره ... والعفو تصغر عنده أوزاره شط المزار ولا قرار وشد ما ... يلقى محب شط عنك مزاره وافى حماك يفر من زلاته ... واليك يا خير الأنام فراره (41ب) واتاك يلتمس الشفاعة والرجا ... يقتاده وظنونه أنصاره والعبد معتذر ذليل خاضع ... ومقصر قد طولت أعذاره متوسل قد أغرقته دموعه ... متوصل قد أحرقته ناره قذفت به في غربة أوطانه ... ورمت به لعلائكم أوطاره فامنن وسامح واعف واصفح واغتفر ... فلانت ماح للخطا غفاره صلى عليك الله ما حيا الحيا ... روض الربى وترنمت أطياره ومما نسب لي إلى نفسه، وأربى يومه في الإجادة لديها على أمسه، قوله: بعثت خيالا والعواذل هجع ... فسرى ينم به شذا يتضوع ودنا يعاطيني الحديث على دجى ... كاس الثريا في يديه تشعشع وكأنما الإكليل جام مذهب ... بيواقت الجوزاء فيه يرصع نادمت فيه أخا الغزالة جؤذرا ... يغدو بأكناف القلوب ويرتع في ليلة لا الوصل فيها بيننا ... خجل ولا قلب العفاف مروع رق الهواء بها ورق لي الهوى ... فمشى موشى بيننا وموشع يا جيرة جار الزمان ببعدهم ... ومقرهم مني الحشا والأضلع إن كان موضعكم خلا عن ناظري ... لم يخل منكم في فؤادي موضع لم تسكنوا وادي الأراك وإنما ... قلبي مصيفكم ودمعي المربع والله ما ضحك الربيع بربعكم ... إلا وعن عيني مزن يهمع وإذا شكوت إلى الصديق فانه ... يسليك أو يغنيك أو يتفجع يا بارقا تنشق عنه سحابة ... عن مثل مدمعي السفوح وتقلع (42ا) أشبهت من أهوله حسن تبسم ... فأصبت إلا انه هو انع بالله خذ عني تحية نازح ... لم يبق فيه اليوم فيما يطمع وأقرا على الجزع السلام وسح من ... قطرات دمعك حيث تلك الأربع ما كان أطيب الماضي عيشنا الماضي بها ... لو كان ذاك العيش فيها يرجع أيام نغفر للصبا ذنب الهوى ... ونشفع الوجه الجميل فيشفع ما سرني تبديد دمعي لؤلؤا ... وعهدته بيد الحسان يجمع ## $ 48 - القاضي أبو جعفر بن أبي القاسم محمد بن أبي القاسم محمد بن جزي ولد الخطيب المذكور (1) هضبة وقار، تنظر إلى رضوى بعين احتقار، اقتدى بما له من كرم الأبوة، ولبس وقار الشيخ في سن الفتوة، فتقلد مآثر الفتوة وتوشح، وتأهل لرتبتهم لا علية وترشح، فما شئت من هدوء وسكون، وجنوح إلى الخير وركون، ونزاهة وعفاف، وتبلغ بكفاف، واصبح في عصره زينا، وفي جملة (2) أعيانا عينا، إن ركض في مركزه سبق، اغو اهتز إلى محاضرة تأرج عرفة وعبق، وأدبه أدب ساطع، حسن المقاطع؛ فمن غزر قصائده التي حملتها عنه الرواة، وأعانه على مصنوعه الشريف الأدوات، قوله (3) : أقول لعزمي أو لصالح أعمالي ... " ألا عم صباحا أيها الطلل البالي " إما واعظي شيب سما فوق لمتي ... " سمو حباب الماء حالا على حال " أنار به ليل الشباب كأنه ... " مصابيح رهبان تشب لقفال " نهاني عن غيي وقال منبها ... " الست ترى السمار والناس أحوالي " يقولون غيره لتنعم برهة ... " وهل يعمن من كان في العصر الخالي " (42 ب) أخالط دهري وهو يعلم إنني ... " كبرت وان لا يحسن اللهو أمثالي " ومؤنس نار الشيب يقبح لههوه ... " بآنسة كأنها خط تمثال " أشيخا وتأتي فعل من كان عمره ... " ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال وتشغفك الدنيا وما إن شغفتها ... " كما شغف المهنوءة الرجل الطالي " إلا إنما الدنيا إذا ما اعتبرتها ... " ديار لسلمى عافيات بذي خال " فأين الذين استأثروا قبلنا بها ... " لناموا فما إن من حديث ولا صال " ذهلت بها عنا فكيف الخلاص من ... " لعوب تنسيني إذا قمت سربالي " وقد علمت مني مواعد توبتي ... " بأن الفتى يهذي وليس بفعال " ومذ وثقت نفسي بحب محمد ... " هصرت بغصن ذي شماريخ ميال " فأصبح شيطان الغواية خاسئا ... " عليه القتام سيئ الظن والبال " ألا ليت شعري هل تقول عزائمي ... " لخيلي كري كرة بعد إقبال " فانزل دارا للنبي نزيلها ... " قليل هموم ما يبيت بأوجال " فطوبى لنفس جاورت خير مرسل ... (1) " بيثرب أدنى داراها نظر عال " فمن ذكره عند القبول تعطرت ... " صبا وشمال في منازل قفال " جوار رسول الله مجد مؤثل ... " وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي " وماذا الذي يثني عنان السرى وقد ... " كفاني ولم اطلب قليل من المال "

ألم تر إن الظبية استشفعت به ... " تميل عليه هونة غير مجفال " وقال لها: عودي فقالت له: نعم ... " وكان عداء الوحش مني على بال ويا لبعير قال أزمع مالكي ... " ليقتلني والمرء ليس بقتال " (43ا) وثور ذبيح بالرسالة شاهد ... " طويل القوى والروق اخنس ذيال " وحن إليه الجذع حنة عاطش ... " لغيث من الوسمي رائده خال " وأصيلن من نخل قد التأما له ... " بما احتسبا من لين مس وتسهال " وقبضة ترب منه ذلت لها الظبا ... " ومسنونة زرق كأنياب اغوال " وأضحى ابن جحش بالعسيب مقاتلا ... " وليس بذي السيف وليس بنبال " وحسبك من سوط الطفيل إضاءة ... " كمصباح زيت في قناديل ذبال " وبزت له العجفاء كل مطهم ... " له حجبات مشرفات على الفال " ويا خسف ارض تحت باغيه إذ علا ... " على هيكل بل الجزارة جوال " وقد أخمدت نار لفارس طالما ... " أصابت غضا جزلا وكفت باجذال " أبان سبيل الرشد إذ سبا الردى ... " يقلن لأهل الحلم ضلا بتضلال) لا حمد خير العالمين أنتقيها ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال " وان رجائي أن ألاقيه غدا ... " ولست بمقلي الخلال ولا قال " فأدرك آمالي وما كل آمل ... " بمدرك أطراف الخطوب ولا آل " ومن غير المطولات ما أجابني به وقد خطبت شيئا من نظمه، صحبة ما طلبت منه (1) : فديتك يا سيدي مثلما ... فداك الزمان الذي زنته جمال فعالك أظهرته ... وسر كمالك أخفيته تشوفت مني إلى بنت فكري ... فشرفت شعري وزينته وقد وردتك وأنت الذي ... أخذت فؤادي فخذ بنته ومن المقطوعات قوله (1) : (43ب) كم بكائي لبعدكم كم أنيني ... من ظهيري على الأسى من معيني جرح الخد دمع عيني ولكن ... لا عجب ان جرح ابن معين ومن ذلك قوله (2) : أرى الناس يولون الغني كرامة ... وان لم يكن أهلا لرفعة مقدار ويلوون عن وجه الفقير وجوههم ... وان كان أهلا ان يلاقى بإكبار بنو الدهر جاءتهم أحاديث جمة ... فما صححوا إلا حديث ابن دينار ## $ 49 - القاضي عبد الله أبو محمد بن عبد الله بن خديم اللخمي الغرناطي، رحمة الله عليه: فاضل تطوى عليه الخناصر، ويقوم بحجة مطريه البرهان الناصر، وتقصر عن (3) مثل عقائل بيانه المقاصر، يأوي إلى الحسب الأصيل، والطلب المؤسس على التحصيل، والإدراك الجميل الجملة والتفصيل، ورقة الحاشية التي تحسدها رقة الأصيل؛ قرأ ببلده واشتهر، وباهى ببيانه وبهر، ورحل إلى المغرب شان الكواكب، إذا ضرب من أفلاكها آباط المراكب، وتزاحمت بالمناكب في تلك المواكب، إلا انه أشرق فلم يرغب والحمد لله ثاقبه، واختلف سيره ولم تختلف مناقبه، ولا جهلت مراقبه، ونال خططا شرعية، ورتبا مرضية مرعية، وعلا على صهوات آكام، ما بين مجالي حكم ومجالس أحكام، ثم خطب العزلة كفوا لهمه، وقنع بتافه الحظ استثقالا منه لجمه، وصرف إلى اللحاق بالبلاد المقدسة وجه مأمه. وله شعر تهوى الشعري ان تتقلد منه شنفا، والروضة الأنف إن تملا من عرفه (44ا) آنفا، فمن ذلك قوله يخاطبني وقد اتخذ له بنظري دهن الورد العشاري الأجزاء: أيا سيدي الأعلى وشمس هدايتي ... ووجهة تعظيمي وروضة إيناسي لساني نبا عن شكر آلائك التي ... توالت فالت إن تقيد أنفاسي ومن لي بمدح في معاليك منصف ... وقد جل مد البحر عن قسط قسطاس لأرسلت نحوي من قولك لحظة ... فلم تبق لي آثار جودك من باس واسيت أسقامي بتدبير جابر ... وأسست إبلا لي على خير أساس وناديت أنصار العلاج فأسرعت ... آلتيك من الآفاق سباق أفراس من الصين أقصى الأرض والهند أقبلت ... تيمم من مرماك اوجه (1) قرطاس فنخل (2) منها العشر عرضك جمعها ... لنصرة مستعدي الرجاء على اليأس فبرز منها الورد سابق حلبة ... (3) تقاسمن خصل السبق في الشكر للناس

فنفلت (1) نيلي البرء اربح مغنم ... تقاد (2) لي الآمال فيه بأمراس وسقيتني للعلم كأسا روية ... تنير دياجي المشكلات بنبراس ومهدت لي سبل اعتنائك كاسيا ... ملابس بر صدقه دون إلباس فاثني ثناء الروض سقاه اكؤسا ... غمام على الساقي امتنانا أو الكاس قياما بحق الفرض في كل محفل ... وسعيا للثم الرجل منك على الراس وان جحد الناس اصطناعك أو نسوا ... فإني بريء عند ذاك من الناس وأنشدني لما صنفت كتاب " المباخر الطيبية في المفاخر الخطيبية " جملة مقطوعات منها قوله: جميع المباخر محتاجة ... سواي لتجديد نار وطيب بجمر الذكاء وطيب الثناء ... غنيت انتسابا إلى ابن الخطيب (44ب) وقال فيها أيضا: مباخر الطيب لها غاية ... من بعدها تحتاج تجديد طيب وهذه تعبق طيبا متى ... تعزى إلى منشئها ابن الخطيب ومن شعره في الحكم: أبت المعارف ان تنال براحة ... إلا براحة ساعد الجد فإذا ظفرت بها فلست بمدرك ... إربا بغير مساعد الجد وقال أيضا في التورية: إذا جئت ذا دنيا تؤمل حاجة ... فقدم شفيعا لا يرد بأعذار فلست ترى منه أحاديث نافع ... إذا لم تحدثه حديث ابن دينار ومما خاطب به بعض الشرفاء: وقفت على حب النبي وآله ... رجائي في الأخرى وفي هذه الدار فجدك في الدنيا الشفيع لحاجتي ... وجدك في الأخرى الشفيع لأوزاري ## $ 50 - القاضي علي بن عبد الله بن الحسن النباهي البني الدعو بجعسوس (1) أطروفة الزمن، التي تجل (2) غرائبها عن الثمن، وقرد شارد من قرود اليمن، ذنبا وأحداقا وفروة وأشداقا، وإشارة واصطلاحا، وخبثا وسلاحا، لا يفرق بينهما في الشكل، وقرب الغائط من الأكل، تشغل به الصبيان إذا بكت، وتتملح بذكره الزهاد بعدما نسكت، وعن كل شيء أمسكت، إلا أن خلبه بالنسبة إلى هذا والوجه الطلق حسنة جميلة، وأوصافه بالنسبة إلى معارفه وعلومه (45آ) أوصاف ابن قاضي ميلة، لا يجلب لأدب يرسم، ولا حظ من حسن الذكر يقسم، ولا لعرف يتنسم، ولا لبركة تتوسم، إنما جنب حماره في القياد، لحمل أوقار (1) هذه الجياد، وأطراف بزرافته الخارقة حجاب الاعتياد، في مثل هذه المواسم الأدبية والاعياد؛ ومما يعاب به الزين، كي لا تصيبه العين، ويعلق على البيوت تميمة، وان كانت الأوضاع ذميمة، من حوتة، ورصاصة منحوتة، ومرار ثور، وطرف ذنب سنور، وأحماضا في المرعى الخصيب، وإيثارا للفكاهة بنصيب؛ وان كان لأبيه ببلده درجة الأمير، عند مولدي الحمير، ينظف بيديه أرحامها، بعد ان يحكم بالدهن اقحامها، ويستنطق بوحي بنانه الصفنة (2) الجاحدة، وينزي العير الحصور فيحبل الأتان بواحدة، وكانت أمه أم جعسوس قابلة ذلك الوضع، ومقدرة الفطام والرضع، تولول عند الخلاص، وتعوذ المولود بسورة الإخلاص، وتقطع سرة اليعفور، بالاظفور، وتلعق عينه باللسان، وتبارك بعد ظهوره بدهن البلسان، ولما ترعرع ترعرع غصن السدر، من تحت القدر، وتجلت محاسن نفسه النفيسة من خلال ذلك الخدر، تحرف ببيع الحروز، وخلق في محافل البروز، وتحدى بإخراج الكنوز، بذبائح العنوز، وادعى انه يعقد اللسان، وغرم الإتاوة التي يغرمها بنو ساسان، ثم تعرف بالسلطان في حكاية، وقدمه قاضيا في سبيل يمين شاردة ونكاية، وجعله للفقهاء ببلده عقابا، وأرذالا اخضع به رقابا، وكشف عن وجه الانتفاع نقابا، لما آسفوه بحب طلعه، وأفتوا من بعده قلعه، بوجوب خلعه؛ ثم أعاده الله تعالى (45ب) إلى ملكة رقابهم، وحكمه في مجازاة احتقابهم، والدنيا قد أرملت، وما حملت من الضيم حملت، فجاءت سيره في الأحكام سمر الندام،ونقل أولي المدام، وشاهد خسة الدنيا على مملك الإبرام، والموجد بعد الإعدام. حدث بعض من يوثق به من العدول قال: جرى الحديث الجاري بمجلس القضاء: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " فقال لي: سبحان الله يا فقيه، كانوا في القديم مثلنا في البادية يتبايعون بالخيار والفواكه ما نتبايع بالحبوب من القمح والشعير، فضحكت وقلت: لا ينكر أن يتصارف الناس بما يغلب عندهم ويكثر وجوده. وقال آخر منهم: نظر إلينا وقد نزلنا من المئذنة من ارتقاب بعض الأهلة، ونحن أولو عدد وشارة فقال: يا أصحاب، عذرت الليلة فيكم عمر في قوله - رضي الله عنه؟ لا يسر أحد في الإسلام بغير العدول، فقلنا: بارك الله في سيدنا القاضي، تسر بك ونسر بك إن شاء الله تعالى، قال المخبر: نعني مجرورا برجلك عن مجلس القضاء، إلى حصب الرمضاء، ثم قال بعضنا لبعض: يا ترى ما الذي أراد هذا المحروم؟ فقال فاضل منهم: صحف قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لا يؤسر أحد في الإسلام بغير عدول، يريد الأسر بالشهادة. وقال بعض فضلائهم: سمعته يقول: تنكرون علي ما يكثر تردده في كلامي من لفظ جعسوس كأنه ليس من كلام العرب بل ولا من ألفاظ القرآن العظيم! فقلنا له: أما في كلام العرب فربما وأما في القرآن الكريم فلا نعرفه، فضحك وقال: سبحان الله، أعيدوا النظر فيه، فقلنا: والله ما نعرفه، فقال: ألم يقل الله تعالى في القران: ولا تجسسوا ولا يغتب (46آ) بعضكم بعضا؛ فقلنا والله ما قال الله ذلك قط إنما قال: ولا تجسسوا، قال فاسترجع وقال يا فقيه: حفظ الصغر، والف في مثل هذا (1) جزء سمي " بتنبيه الساهي على طرف النباهي (2) ". وهذا الشيخ ممن زين له سوء قوله، وحبب إليه شم خرئه واستعذاب بوله، فيكتب ويشعر، ويكلب ويسعر، وهو لا يفطن بالهزء ولا يشعر، فمما ينسب إليه مما كان يهذر به الحروز إذا عقدها، واتبع النفث عقدها (3) ،يرفع بها الصوت ويجهر، ويؤنب من يتشاغل عنه بالحديث وينهر، وكأن به مخيلا، وعلى الجنس من النوارية بخيلا، إلى أن شورك فيه بحكم الانجرار، وحفظه لكثرة التكرار، قوله وهو اشف من معتاده، واعلى من عتاده، فالله اعلم بصحة إسناده، وجهة استناده (4) : أعوذ من يمسي عليه معلقا ... حجابي بطه أو بياسين والخمس من الجن والعمار أو أم ملدم ... وتلك هي الحمى، ووسوسة النفس ومن أم صبيان وسحر وبغضة ... ومن ربط ذي عرس تكلف في عرس ومن ساكن الحمام والفرن والرحى ... ومن ساكني قبر القتيل من الأنس

ومن غولة في القفر أو صوت هاتف ... ومن وجع في الرأس يخرج عن حس بهرشاهيا هرشا هيا وشرا هيا ... وباسم عظيم جاء في آية الكرسي فخذه على طهر ولا تدخلن به ... خلاءك، واسم الله نزه عن الرجس ونحه إن جامعت زوجك يا أخي ... إلى أن تجيد الطهر من ذلك اللمس وجلده واغسله بماء وحل فيه ما شئته من زعفران ومن ورس ... ونشر به واشرب لكل أذاية ... ترى النفع حقا حين تصبح أو تمسي (46ب) وقل رحم الله القفيه فذكره ... بخير له من اجرة ذي الطرس ووالله يا إنسان لولا وصية ... لشيخ نصيح كان من خيرة الجنس بان لا يرى اجر له غير درهم لبيع ... بألف وهو يشكو من البخس ومما أنشدنيه وحضرت التملح به، رفعه إلى السلطان عند أعذار ولده، من قصيدة أولها: أبدي لنا من ضروب الحسن أفنانا ... هذا الطهور لمولانا ابن مولانا فلا تحرك لسانا يا أخا ثقة ... بريم رامة إن وفى وإن خانا يظل ينشر ميت الوجد عن جدث ... من الجفون أو الأحشاء عريانا فما النسيب بأولى من حديث علا ... عن الأمام ينيل المرء رضوانا يممه تحظ بما أملت من نعم ... تجنيك للسول أفنانا فأفنانا ومنها في المدح والوصف: وقمت في الولد الميمون طائره ... بسنة الدين إكمالا وإحسانا بدا لنا قمر تعنوا العيون له ... مقلدا من نطاق المجد شهبانا فارتاح عطف الثناء وانثنى طربا ... له واطلع وجها منه مزدانا فيا دما سال عن تقوى فعاد له ... بين الدماء طهورا (1) طيبا زانا لله در بني نصر لقد ملكوا ... كل المحاسن أشياخا وشبانا أي والذي خلق الإنسان من علق ... حقا وأعطاك ما أعطى سليمانا وانشد بمحضري قصيدة غريبة أولها: خليلي مرا بي على أم مارب ... ولا تعذلاني إنني غير آيب فقلت لبعض أصحابنا: ضاقت على الفقيه أبي الحسن ارض الحجاز فذهب (47ا) إلى ارض مارب فقال: ما كما تعرف يحاول العزائم ويستنزل الجنون، وخاطب خليله من الجن ليعيد له حديث تميم الداري رضي الله عنه (2) . ومن المقطوعات التي يتبجح بمذهبها، ويتبرع بلزوم مذهبها، قوله يخاطبني: يا مالكي وهو لي فخر تملكه ... ذاتي، عتابك عندي اعظم المنن فكل ما ينطق المولى الكريم به ... في شان ممولكه من احسن الحسن

وقوله في المعنى: وما صد شخصي لزوم مقامكم ... سوى نقص ذاتي فارفقوا بي في العتب وان غبت حسا عنكم لضرورة ... فانتم معي معنى لسكناك في القلب ومن ذلك قواه يصف سحاءة من قبلي: سحاءة (1) سر بل رياض فضائل ... سقاها سحاب العلم من مائه العذب تجلت فأجلت عن فؤادي شقا الضنا ... وحيت فأحيت قلب عاشقها الصب إذا رمت وصف البعض من حسنها الذي ... يهيم به كلي يغص بها لبي ## $ 51 - الشيخ القاضي أبو عبد الله محمد بن لبي الحسن بن ورد بن أبي بكر بن ورد الغساني، رحمة الله عليه هام بوادي الشعر مع من هام، واستمطر منه الجهام، ولم يختر الله له منه ذلك الإسهام، ولا سدد السهام، وهو يعتقد فيما يأتي به الإلهام، وله بيت في القديم معمور بأكابر، وفرسان أقلام ومحابر، وتكاثرت عليه رحمه الله بسبب لسانه الأحن، وتعاورته المحن، وتصرف آخر عمره في الأعمال المخزنية، متعللا بنزر القوت إلى، الأجل الموقوت، فمن شعره الذي خبط به خبط العشواء، وحار حيرة أولي الأهواء، (47ب) قوله يصف ليلة الميلاد الأعظم (1) : يا ليلة عظمت بها الأذكار ... وتفتحت من نورها الأنوار وسرى النسيم بطيبها متارجا ... فله شذا من نفحها معطار والدهر منها قد تجلى بهجة ... وكسته من أسرارها أنوار والقضب منها كللت بازهار ... وترنمت تشدو بها الأطيار وتحلت الدنيا جمالا رائقا ... فلها من الحسن البديع سوار والشهب تهمي من تواكف بذلها ... والبذل من إعطائها مدرار والحق منها قائم متأيد ... يعلو له طول الزمان منار والدين منتصر بحد ثباتها ... وله ظبى تحمي الورى وشفار ## $ 52 - الشيخ القاضي أبو الحسن احمد بن يحيى بن محمد بن عبيدة التميمي، رحمة الله تعالى عليه: مجموع أدوات، وفارس يراعة ودواة، والشيخ تقع منه العين على صورة طريفة، وهيئة حسنة ظريفة، وقريع بيت نبيه، وأصالة ليس فيها تنبيه، وخط حسن، وكتابة ولسن، تصرف في القضاء فما ذوى لسورته نور، ولا نسب إليه حيف ولا جور، وقد اثبت من كلامه (1) في هذا المجموع ما يشهد بظرفه، ويخبر نسيمه عن طيب عرفه؛ فمن ذلك من قصيدة سلطانية: محياك إصباح وبشرك وضاح ... وسعدك فتاح وحمدك نفاح وسلطانك الأعلى فلا مثنوية ... وللسيف والأقلام في ذاك إيضاح وأنت الأمير ابن الأمير لنسبة ... لها كل طرف في البرية طماح (48ا) فمجد يفوق النجم سام إلى العلا ... ووجه يروق الشمس أزهر وضاح من الذروة العليا من النفر الأولى ... لم صحف في الحمد تتلى وامداح هم القوم كل القوم حشو برودهم ... حنان وإحسان وعطف وإصلاح فكل أمير دونهم فهو صورة ... وأملاك نصر في الحقيقة ارواح ويوسف منهم فاقهم بمكارم ... تبين على وجه الزمان وتلتاح وزاد علا لا يستقل بشرحها ... وان زاد وصاف وأطنب مداح فسحب يديه بالنوال سواكب ... ونور محياه منير ولماح لقد طبق الدنيا جميل ثنائه ... فسار بطيب الذكر حاد وملاح إلا أن راس المال عند مديحه ... وبيض أياديه الموالات أرباح جنحت إليه باعتقادي وطاعتي ... فبشرى جنوحي في معاليه النجاح ألا أيها المولى هنيئا بإمرة ... بإسعادها يزهى الزمان ويرتاح وهذا مديح في الهناء نظمته ... ونشر مديحي في معاليك فواح قدحت له فكري بأورى زناده ... فلله (2) زند من ضميري قداح ودم في سعادات تروح تغتدي ... فيقدم إمساء بهن وإصباح ## $ 53 - القاضي أبو عبد الله (1) محمد بن احمد بن محمد بن احمد بن محمد وقد ذكر عمه وهو شبرين (2) رحمهما الله بمنه فاضل اعتبط سريعا، وغصن قطف مريعا، من بعد أن نجب، وأبدى من خطه العجب، ونظم وكتب، وقعد لالتماس الحظ ورتب. ومن شعره: ذرني فقد ساعد وقت وطاب ... إذ الأماني سمحت باقتراب ابذل جهدي في طلاب العلا ... فباذل الجهد حميد المآب (48ب) حططت آمالي بمعنى السنا ... ومنتهى القصد وكنه الطلاب معنى إمام صوب إنعامه ... يفيض فوق الارض منه عباب كل جمال أحرزت ذاته ... فلا تكن عن حسنها في غياب فقدح من عامله فائز ... طوبى له اليوم وحسن المآب مولاي ما إن عنك لي مصرف ... عند اعتدال الوزن زال الحجاب أسست لي مجدا ومن بعده ... ظلت أخا حزن رهين اكتئاب مغلب الأشواق لا أنثني ... عن فرط ترداد وطول اضطراب حاشاك أو حاشا علاك التي ... ما مثلها فهي لباب اللباب إن تترك العبد لإهماله ... في ضيق عيش دائما واجتناب فامنن بإسعافي ولا تنسني ... لا اعدم الرحمن ذاك الجناب ## $ 54 - القاضي الأديب أبو جعفر احمد بن محمد بن أبي بكر القيسي، رحمه الله تعالى حسن الأغراض، نقي الجواهر والإعراض (1) ، ذو أدب أشهى من فصل القراض، ومعان أوحى من نظرات العيون المراض، ولي القضاء فاستقام الاود، واقيم القصاص والقود، وظهرت الصيانة، وبهرت الديانة؛ ومن شعره الذي يدل على إنفساح مداه، وكرم مراحه في البلاغة ومغداه، قوله: أمنها على إن السهى منه لي أدنى ... خيال سرى نحوي يشق الفلا وهنا يشق الفلا والخيل والبيد والقنا ... ولو سيم كسر النبت ما اسطاعه وهنا سرى سلخ شهر في فواق حلوبة ... فلله ما انأى سراه وما أدنى (49آ) وقال من الأمثال والحكم: امنح الود من علا الناس قدرا ... من له بالوداد نفس مطيعه واحفظ الود من عوادي التجني ... فالتجني حاول وفد الطبيعة وقال أيضا: ليس حلم الضعيف حلما ولكن ... حلم من لو يشا لصال اقتدارا من تغاضى عن السفيه بحلم ... اصبح الناس دونه أنصارا من يزوج كريمة الهمة العليا ... علوا فقد أجاد الخيارا ستريه لدى الولاد بنيها العلم ... (1) والحلم والأناة كبارا وقال أيضا: إذا ما جنى يوما عليك جناية ... ظلوم يدق السمر باسا ويقصف فلا تنتقم يوما عليه بما جنى ... وكل امره للدهر فالدهر منصف وقال أيضا: دار العدو إذا لم تستطعه ورد ... وريده ان يساعد مرة قدر من مكنته الليالي من رقاب عدا ... فلم يبدهم أبادوه إذا قدروا

- 4 -

طبقة من خدم أبواب الأمراء من الكتاب والشعراء (1)

وربما كانت هذه الطبقة متميزة الاستحسان، تمييز البركة بمطر النسيان، ومظنة لدرر بحر اللسان، الممنون بها على عالم الإنسان، والله يتغمد الكل بالعفو والامتنان، ويبوئهم غرف الجان؛ بفضله وكرمه. ## $ 55 - ؟ الكاتب الوزير أبو عبد الله محمد بن محمد بن عيسى (49ب) الحميري رحمه الله تعالى: جرى ذكره من أعلام هذا الفن، ومشعشي هذا اللون، مجموع أدوات، وفارس يراعة ودواة، كان نهضا بالأعباء، راقيا في درجات التقريب والاجتباء، مصانعا دهره في راح وراحة، غير مستعد عليه بجراحه، آويا (2) من الظرف إلى ساحة، لا تطرف بمساحة، إلى أن اطرف جفن الغرور، وبت سرر السرور، فاستقر بالمغرب غريبا، يقلب طرفه مستريبا، ويلحظ الدنيا تبعة عليه وتثريبا، وان لم يعدم من أمرائه

حظوة وتقريبا، وكان كاتبا مرسلا، وشاعرا مسترسلا، إلا أن الكتابة عليه اغلب، ولطير الاستحسان اجلب. فمن شعره قوله: أللبرق يبدو تستطير الجوانح ... وللورق تشدو تستهل السوافح فقلبي للبرق الخفوق ساعد ... وجدي للورق الثكالى مطارح إذا البرق أورى في الظلام زناده ... فللوجد في زند الصبابة قادح وكم وقفة لي حيث مال بي الهوى ... أغادي بها شكوى الجوى وأراوح تنازعني فيها الشجون فاشتكي ... ويكثر بثي عندها فأسامح أبث شجوني والحمام يصيخ لي ... ويسعدني فيما تهيج التبارح وتطرب أغصان الأراك ... فتنثني إلى صفحة النهر الصقيل تصافح فتبتسم الأزهار منها تعجبا ... فتهدي اليها عرفها وتنافح كذلك حتى ماد عطف مثقفي ... وطرفي ابدىهزة وهو مارح فلما التظى وجدي ترنم صاهلا ... فقلت امثلي يشتكي الوجد سابح تهيا لقطع البيد واعتسف السرى ... سيلقاك (1) غيطان بها وضحاضح (50) صرفت إلى البيداء رخو عنانه ... وقلت له: شمر فإني سائح poetry>فحمحم (2) لو يستطيع نطقا لقال لي بمثلي تلقى هذه وتكافح وحملته تعود مثله ... (3) فقام به مستقبلا من يناطح ويممت بيدا لم أصاحب لجوبها ... سوى جلد لا يتقى منه باطح وماضي الغرارين استجدت مضاءه ... إذا جردت يوم الجلاد الضفائح ومندمج صدق الأنابيب نافذ ... به عند كري في الحروب أفاتح وسرت فلا ألقى سوى الوحش نافرا ... وقد شردت عني الظباء السوانح تحدق عندي آينا لم يلح لها ... هنالك انسي ولا هو لائح وقد زأرت أسد تقحمت غيلها ... فقلت: تعاوت إنها لنوابح وكم طاف بي للجن من طائف لها ... فلم أصغ سمعا نحوها وهو صائح فلما اكتست شمس العشي شحوبها ... ومالت إلى أفق الغروب تبارح تسربلت للادلاج جنح دجنة ... فما أبدا عزمي إلى القصد جانح وخضت ظلام الليل والنجم شاخص ... الي بطرف لحظه لي لامح يردده شزرا الي كانما ... علي له حقد به لا يسامح وراقب (1) من شكل السماك نظيره ... خلا إن شكلي اعزل وهو رامح يخط وميض البرق لي منه اسطرا ... على صفحة الظلماء فهي لوائح إذا خطها ما بين عيني لم يزل ... أكلف دمعي نحوها فهو طامح وما زلت سرا في حشا الليل كامنا ... إلى أن بدا من ناسم الصبح نافح وهب نسيم الصبح فانقطعت له ... قدود غصون قد رقتها الصوادح تجاذبن من ذكري أحاديث لم تزل ... يرددها منها مجد ومازح (50ب) وملت إلى التعريس لما انقضى السرى ... أروض له نفسي وعزمي جامح ومال الكرى بي ميلة سكنت لها ... على نصب الوعثاء مني الجوانح وكم أخذت منه الشمول بثارها ... فبات يسقى وهو ريان طافح وقربت الأحلام كل مؤمل ... فأدنته مني وهو في الحق نازح أرتني وجوها لو بذلت لقربها ... حياتي لمن بالقرب منها يسامح لقل لها عمري وما ملكت يدي ... وصدقت نفسي إن تجري رابح وما زلت أشكو بيننا مضض النوى ... وما طوحت بي في الزمان الطوائح فمنها ثغور للسرور بواسم ... لقربي منها (1) للفراق نوائح تقر بها الأحلام مني ودونها ... مهامه فيها للهجير لوافح وبحر (2) طمت أمواجه وسباسب ... وقفر به للسالكين جوائح قضيت حقوق الشوق في زورة الكرى ... فان زيارات الكرى لموانح يقربن آمالا تباعد بينها ... (3) وتعبث فيها بالنفوس الطوامح فلما تولى عني النوم أقبلت ... هموم اثارتها الشجون فوادح وعدت إلى شكوى البعاد ولم أزل ... ارددها والعذر مني واضح وما بلغت عني مشافهة الكرى ... تبلغها عني الرياح النوافح وحسبك قلب في إسار اشتياقه ... وقد أسلمته في يديه الجوانح ومن شعرة فيما دون المطولات: يا نازحين ولم أفارق منهم ... شوقا تأجج في الفؤاد غرامه غيبتم عن ناظري وشخصكم ... حيث استقر من الضلوع مقامه رمت النوى شملي فشتت نظمه ... والبين رام لا تطيش سهامه (51آ) وقد اعتدى فينا وجد مبالغا ... وجرت بمحكم جورة أحكامه أترى الزمان مؤخر في مدني ... حتى اراة قد انقضت أيامه ومن شعره قوله: غريب بعدكم ملقى بأرض ... له فيها التعلل بالرياح إذا هبت إليه صبا إليها ... وان جاءته من كل النواحي تساعده الحمائم حين يبكي ... فما ينفك موصول التياح يخاطبهن مهما طرن شوقا ... أما فيكن واهبة الجناح ## $ 56 - الشيخ الكاتب أبو بكر أرقم بن أرقم (1) الخيري، رحمه الله تعالى: رجل ماجد، وعلى الزمان واجد، عند ذكر الفضلاء متواجد، له البيت المعمور، والشعب الذي تنشأ به النمور، والحسب المشهور، تعترف به الأزمان والدهور؛ وكان من كتاب السلطان، واحد الأعيان بهذه الأوطان، باد تألقه، كريمة خلقه. ومن شعره في غرض الفخر قوله: لبني أرقم بوادي الأشات ... حلل لا يرميها كل شات وهي في الحال كالقديم وهذا ... دأبها المرتجى لها في الآتي يصبح الضيف في نعيم ويشقى ... كل عجل من اجله أو شاة فترى القوم ثم بين قعود ... وقيام ونوم ومشاة قنعوا بالوصال من كل مجد ... حين صموا عن عذل ووشاة كرم الله وجه كل وجيه ... منهم في الحياة أو في الممات حدثني الشيخ الكاتب أبو بكر بن شبرين شيخنا (1) رحمه الله وقد جرى ذكره قال: نظمت له هذين البيتين ببيت الكتاب: (51ب) ألا يا محب المصطفى زد صبابة ... وضمخ لسان الذكر دأبا بطيبه ولا تعبأن بالمبطلين فإنما ... علامة حب الله حب حبيبه فذيلها بقوله: نبي هدانا من ظلال وحيرة ... إلى مرتقى سامي المحل خصيبه فهل ينكر الملهوف فضل مجيره ... ويغمط شاكي الداء حق طبيبه ## $ 57 - الشيخ الكاتب أبو اسحق إبراهيم بن محمد بن جابر القيسي رحمه الله تعالى: فحل هادر، وبليغ على الكلام قادر، اهتز له العصر على رجاحة أطواده، وحذره ميدان البيان على كثرة سواده، وتعدد جواده، وطولب لما جلا على منصة (2) الإبداع بنت فكره، وجاس خلال ذلك الحي الحلال ببكره، ان يثبت النسب، ويستظهر بعقد ما كسب، فاظهر الحق، وتمم فاستحق، ولم تزل بدائعه في اشتهار، وروضة آدابه ذات أزهار، وكانت له نفس إلى العلوم مرتاحة، وعناية بها متاحة، فهام بكل مستحيل وجائز، حتى بعلوم العجائز. وشعره جزل الأسلوب، وعذب

في الأفواه وجليل في القلوب؛ فمنه قصيدته التي كثر بسببها القال والقيل، فنبا بالظنة المقيل، وسل عليه للنصفة العضب الصقيل، وهي هذه: صدور القوافي والركاب تميل ... إلى حيث تروى والزمان محيل وتنتجع الغر البهاليل نزعا ... عن الحي يلفى في حماه بخيل وتنزل أعطان المعالي فان نأت ... رمتها إليها هزة وذميل (52آ) واكثر ما حطمت بلخم رحالها (1) ... إذا عز مطلوب واخفق سول فتقصد بحر الجود هب عبابه ... كما هاج من حيث الخميس صهيل وتلقى وجوها كالبدور مضيئة ... عليها لمأمول النوال دليل وتأتي بيوتا كالهضاب (2) منيعة ... أباة الدنايا بينهن حلول فمن أروع هز الشباب قناته ... يناضل عن دين الهدى ويصول ومن أشيب يرضى الإله مقامه ... إذا سترته للظلام سدول أولئك قوم ابن الحكيم أبوا له ... سوى عزة قعساء ليس تزول وحازت له تلك المعالي مزية ... يفوت الورى إدراكها ويطول وهمة فضفاض المكارم اروع ... يجر رداء الحمد وهو طويل ويزأر دون الملك زأرة ضيغم ... تحف به وسط العرين شبول فتخشى الليالي ان تطول جنابه ... وتزور عنه جانبا وتميل وهيهات خطب ان يلم وراءه ... على صدر أحداث الزمان ثقيل بلى انه عز تبلج وجهه ... واشرق منه معطس وتليل وملك يراع الدهر من فتكاته ... شروب لأرواح الطغاة أكول ومنها في التوسل قوله: ببابك مملوك يناجيك ضارعا ... ويرغب أن يلقاه منك قبول وقد ضاع منه ناصح الجيب مخلص ... قئول لما شاءت علاك فعول طوى لك أحناء الضلوع وفاؤه ... على صدق حب ليس عنه يحول وجال بوادي الشعر حيث أضله ... دليل ولم يبعث إليه رسول فجاء بأمداح تدين بشكرها ... تبابعة من يعرب وقيول (52ب) أما لي في هذا إليك وسيلة ... أعرس في أكنافها وأقيل وكيف ضياعي لا لغيرك مفزعي ... ولا لي عن ذاك الجناب عدول أأصدى ودوني منك بحر مكارم ... تفيض سماحا كفه وتسيل وأصدع أحشاء الهواجر ضاحيا ... وظلك خفاق الرواق ظليل ألم يأن ان تروى بسحبك ساحتي ... وينفح روضي من رضاك قبول فأغدو ولا خطوي قصير إذا خطا ... ولا ناظر مهما نظرت كليل ولا مقولي يوم الحجاج ملجلج ... ولا منصلي يوم الهياج فليل ولا جانبي سهل على نيل حادث ... يعفى اهتضاما رسمه ويحيل وكان من تذليله لهذه القصيدة لما اكذب في ادعائها، واتهم في ادعائها، اختبارا لمدارك سنه، واستقصارا لمطارح انسه أو جنه، قوله: ولو لاحظتني من لدنك عناية ... لما كانت الدنيا علي تصول ولم تزعم الأقوام أن مدائحي ... تراغت بها أولى الزمان فحول وما كنت أرضى أن أنال ذريعة ... يهد اختبارا ركنها ويميل ولولا الذي اوليتني من نوافل ... يقل لديها الشكر وهو جزيل لما قدحت زند القوافي قريحتي ... ولا قدت منها الصعب وهو ذلول وبان لي الإعراض عنها فأصبحت ... لها من فراقي أنة وعويل وربتما عاج الرجاء ركابها ... علي فلم يمكن لدي نزول فقد دلفت منها إلي نوائب ... يروع جناني ذكرها ويهول وحطم أثلي قاصف من رياحها ... تكاد له شم الجبال تزول وما ضر ان أرمى لديك بتهمة ... وفكري مزيح للشكوك مزيل (53آ) وعندي لذاك المجد شتى مدائح (1) ... شوارد في عرض البلاد تجول فلا تنس لي هذا الذمام فإنه ... كبير إذا عد الذمام جليل ## $ 58؟ الشيخ الكاتب أبو بكر محمد بن احمد بن محمد بن شبرين (2) شيخنا (3) رحمه الله تعالى: خاتمة المحسنين، في هذه السنين، وبقية الفصحاء اللسنين، ملأ العيون هديا وسمتا، وصونا وصمتا، وسلك من الوقار طريقة لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، فما شئت من كمال باهر، وتألق زهر وتأرجح أزاهر، ومناسبة باطن لظاهر، وبراعة أدوات وذات، فضلها الله تعالى على ذوات؛ إن خط، نزل ابن مقلة عن درجته وانحط، وأنكر البري والقط؛ وان نظم أو نثر، تبعت البلغاء ذلك الأثر، وان تكلم أنصت الحفل لاستماعه،وتسرع لدرره النفيسة صدف أسماعه. قدم على الأندلس وذو الوزارتين ابن الحكيم يدبر ملكها، وينير حلكها، فانهض آماله، وألقى له قبل الوسادة ماله،وله الدب الذي تحلت بقلائده اللبات والنحور، وقصرت عن جواهره البحور؛ فمن مطولاته التي أنشدها إياها، وأنشقنا (1) رياها: ظعن الصبا ومن المحال قفوله ... أن كنت باكيه فتلك طلوله قف عنها خيل الدموع ورجلها ... وأندب شبابا شط عنك رحيله نزحت بثينته وليلاه معا ... فبكى المعاهد قيسه وجميله رعيا لجيراني وللظل الذي ... قد كان يجمعنا هناك ظليله هذي ديارهم فمثلهم بها ... إن المتيم شانه تمثيله (53ب) واندب إخلاء المصافاة الألى ... فلربما ندب الخليل خليله عهد أحيلت حاله فاليوم لا ... معقوله منا ولا منقوله أشجاك مجتمع عفت آياته ... وتعاوته شموله وقبوله قد كنت تصغر عن سني فتيانه ... فاليوم تصغر عن سنيك كهوله ولقلما تبقى الرسوم فويح من ... أهواه من هذا المتاع قليله لا يأمنن ذو مهلة فكأن به ... قد يممت دار المقام حموله ما كان ماضي العيش إلا خطرة ... خطرت ووقت قد تتابع جيله أسفا على زمن كريم عهده ... ولت غضارته وغاب سبيله ضيعت في طلب الفضول بكوره ... لكن ندمت وقد أتاك أصيله دع عنك تذكار الصبا أن الصبا ... رسم (2) يهيج لك الغرام محيله

يا مفرقا نزل المشيب به أتئد ... فالحر لا يؤذي لديه نزيله لم يعتمد شيب محله لمة ... سوداء إلا والحمام زميله قد كان أنسي في الشباب فصدني ... وأبى علي وصاله ووصوله فعليك يا أنسى تحية مقصر ... طاحت عن اللذات منه ذحوله حسبي إذا رمت الأنيس مؤنس ... من ربنا سبحانه تنزيله تبدو الحقائق لي إذا رتلته ... يا حبذاه وحبذا ترتيله يبلى الزمان ولا يزال مجددا ... لا نصه يبلى ولا تأويله أعظم به للمؤمنين مفصلا ... فرق الضلال من الهوى تفصيله نال الهدى والبر حامله كما ... نال الكرامة والعلا محموله أدى أمانته أمين ناصح ... في السدرة العلياء طاب مقيله (54آ) ووعاه عنه مصطفى متخير ... صحت رسالته وصدق قيله فلشد ما قد أحسنا في أمره ... هذا محمده وذا جبريله للناشقين به (1) رنيد كلما ... مدت من الليل البهيم سدوله كم تحت هذا الليل من متململ ... متملق خرق الحجاب عويله من كل من راقت أسرة وجهه ... وحلا له بين الأنام خموله ذي مشية هون وبرد ومنهج ... وعلى المقامات العلا تعويله رفض الوجود ولم يبال برزقه ... لم لا ومولاه الغني كفله لله منه في الدجنة وقفة ... هب النسيم لها فهب بليله فإذا الصباح بدا طوى منشورها ... صونا لسر والجهول يذبله يا حاضرا عندي وليس بجائز ... إدراكه إن العقول تحيله يا غائبا عن ناظري ولم يغب ... إحسانه عني ولا تنويله يا واحدا حقا وليس بممكن ... تشبيه كلا ولا تخييله أنا ذلك العبد الظلوم لنفسه ... زلت به قدم وأنت مقيله ومن مطولاته في هذا الغرض قوله: يا ليت شعري وهل يجدي الفتى الطمع ... هل بعد مفترق الأحباب مجتمع جزعت إذ قيل سار القوم وانطلقوا ... وليس ينكر في أمثالها الجزع حاز الأسى بعدهم صبري بجملته ... لا النصف فرضي منه لا ولا الربع ردوا علي فؤادي إنني رجل ... بالعيش بعد فؤادي لست انتفع وعللوني بأخبار العذيب فلي ... على العذيب أسى للصبر ينتزع جارت علي النوى في حكمها وعدت ... وكلف القلب منها فوق ما يسع (54ب) فمن راى لي سربا عند كاظمة ... كادت عليه حصاة القلب تنصدع قرين انسي في دار الغرام ثوى ... فيا نعيم الهوى هل أنت مطلع وأي انس لنائي الدار مغترب ... ولت على رغمه لذاته جمع يا حبذا منزل بالغور تندبه ... وحبذا فيه مصطاف ومرتبع وحبذا ذلك الوادي المقدس إذ ... سالت مذانبه فالري والشبع وحبذا وقفة لي عند شاطئه ... طورا أقوم وطورا عنده أقع يا تلعة أخضلت ماء جوانبها ... هل فيك للطارق المجهود منتجع ويا شبابا ذوى هل كرة أبدا ... ويا خليطا نأى هل أنت مرتجع خزعبلات صبا مرت وأهل هوى ... مروا فلا رجعت يوما ولا رجعوا فلو رأيت رسوم الدار مائلة ... ينتابها الظبي أو يغتالها السبع أنكرت ما كنت قبل اليوم تعرفه ... وأخبرتك الليالي إنها خدع آها على صبوة ألوى الزمان بها ... وكل أنس لأيام الصبا تبع ما أسارت غير اشواق وغير أسى ... يجنه ندم يشقى به لكع سرعان ما يع ذاك السرب وا أسفي ... فاليوم لا سبع فيه ولا ربع قوم جميع على حكم النوى نزلوا ... لم يغن ما ألفوا يوما وما جمعوا واي حال على الأيام باقية ... فبادر السير واعلم إنها قلع عادت حديثا وعادت دراهم طللا ... كأنهم في عراص الدار ما رتعوا ألقى الزمان عليهم خلعة حسنت ... لكن على عجل ما انتزت الخلع ما ضر لما رأيت الصالحين بها ... لو كنت تقنع منها بالذي قنعوا (55آ) جازوا عليها فلم يستهوهم عرض ... ولا ألم بهم حرص ولا جشع فكلما عرضت دنيا لهم نفروا ... وكلما ذكروا مولاهم خشعوا طوبى لهم فلقد قر القرار بهم ... في مستقر نعيم ليس ينقطع ومن المقطوعات البديعة قوله (1) : أخذت بكظم الروح في ساعة النوى ... وأضرمت في طي الحشا لاعج الجوى وهل تحسن الدنيا وهل يرجع الهوى سلا كل مشتاق واقصر وجده ... وعند اللوى وجدي وفي ساكن اللوى ولي نية ما عشت في حفظ عهدهم ... إلى يوم ألقاهم وللمرء ما نوى وقال أيضا: متى تسمح الدنيا بقربكم متى ... لقد عاث هذا البين ظلما وعنتا ألا قبح الله الفراق فانه ... لأصعب ما يلقاه من دهره الفتى أفي كل عام رحلة بعد رحلة ... لقد أتعبتنا رحلة الصيف والشتا وكنت أرى ذا قوة وشبيبة ... ولكن تولتني الليالي فولتا وكيف احتمالي ذاك والركن قد وهى ... وهذا مشيبي بالحمام منكتا وقال أيضا: هل ترجعن لي الأيام هيهاتا ... سرعان ما صدر الأحباب أشتاتا أرجو لقاءهم والحال تنشدني ... هيهات يرجع من دنياك ما فاتا لهفي على ما تقضى من عهودهم ... فإنما كن للأفراح ميقاتا هانت على نفسي الأرزاء بعدهم ... فلست آسى على شيء إذا فاتا ومن نسيبه قوله: (55ب) منتهى مطلبي وأقصى مرامي ... نظرة منك قبل يوم الحمام لم أسغ، مذ نزعت عني، شرابي ... يا حبيبي ولا استطبت طعامي ظلمتني فيك النوى أي ظلم ... وامتحى نور وصلها بظلام فسلام على السرور فما كان ... سوى الحلم غرني في المنام ومن مليح غر أبياته قوله (1) : يا من عاد صباحي فقده حلكا ... قتلت عبدك لكن لم تخف دركا مصيبتي بك اليست كالمصائب لا ... ولا بكائي عليها مثل كل بكا لمن أطالب في شرع الهوى بدمي ... لحظي ولحظك في قتلي قد اشتركا وقال مضمنا (1) : لي همة كلما حاولت امسكها ... على المذلة في إرجاء أرضيها قالت ألم تك ارض الله واسعة ... حتى يهاجر عبد مؤمن فيها وقال يختم له به (2) أثقلتني الذنوب ويحي وويسي ... (3) ليتني زاهدا كأويس إنما اصل محنتي حب دنيا ... هي ليلى ولي بها وجد قيس ## $ 59؟ الشيخ الكاتب أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي عاصم القيسي، رحمه الله تعالى: فاضل يزدان بخطه الإنشاء،ويتلى عند رؤيته {يزيد في الخلق ما يشاء} (فاطر:1) ، ويعترف بفضله الطائر والمشاء، لا بل الصبح والعشاء، اخجل برقاعة أدواح (4) الأزهار بين الأنهار، وأبدى بين ليل نفسه ونهار طرسه، عجائب الليل والنهار، فبلغ الغاية، ورفع للمجيدين الراية، إلى نفس غذاها المجد بدره، وبوأها الفضل بمستقره، فما شئت من أخلاق سمحة، وهمة عليها (56آ) من المجد غير ما لمحة، وكان له شعر يتكلف في نظمه، ويشجى بعظمه، فمنه يمدح السلطان: شيدت بملكك للهدى أركان ... وسما له فوق السها بنيان والله أسعده بدولتك التي ... هي للعباد وللبلاد أمان باهت بها الدنيا وراق جمالها ... والدين مسرور بها جذلان فكأنها لك جنة قد زخرفت ... (1) وكان رضوانا بها رضوان أخلصت في الإله سريرة ... هي بالرضى لك عنده إعلان فليهن أندلسا لياليك التي ... قد عم منها العدل والإحسان وأقمت من سنن النبي محمد ... ما قام منك بشكره الإيمان وافاك شهر الصوم تقضي حقه ... لينيل فضل جزائه الرحمن والعيد جاء مهنئا لما انقضى ... بصيامه وقيامه رمضان واتى يبشر بالفتوح فحبذا ... منه البشير وحبذا الإتيان فاهنأ به عيدا ووجهك عيده ... فيه المواسم دائما تزدان لما أتيت إلى المصلى مقبلا ... وشعارك التسبيح والقرآن في موكب (2) نظمت سعودك شمله ... قد راق منه للعيون عيان وكتائب منصورة بصيالها ... يبأى (1) هناك الملك والسلطان قد آذنت إن الفتوح بعزها ... مقرونة يا حبذا الإيذان أمضيت (2) فيه سنة يجزي بها ... خير الجزاء المنعم المنان وكأنما تلك الكتائب روضة ... لاحت بها من حسنها ألوان فمن الأسنة ان نظرت أزاهر ... ومن الدروع هنالك الغدران إن اطلعت يوما سماء عجاجة ... ومن العدو بأفقها شيطان (56ب) طلعت هناك من القسي أهلة ... تقضي بان سهامها شهبان ومنها: علم الأعادي ان ملكك غالب ... ان عاندوك وجيشك الطوفان فتبادروا رغبا إلى السلم التي ... قد قادهم رهبا لها الإذعان فجنحت لما رأيت جنوحهم ... (3) عملا على ما نصه القرآن فاعتز هذا الدين منك بأوحد ... في وصفه تتحير الأذهان مولاي حبك فرضه متأكد ... أبغير حبك في الوجود يدان ما لي اليك وسيلة الا به ... للروح منه الروح والريحان خذها بمدحك روضة قد زينت ... فيها لناظر حسنها بستان ان كنت في إنشائها متأخرا ... فبسبق إخلاصي لي الميدان لا زلت متلو المدائح دائما ... تصغي لطيب ثنائك الآذان في عز ملك لا يضام له حمى ... يحميه مما يتقى الرحمن ## $ 60 - ؟ الشيخ الكاتب الوزير أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله اللوشي اليحصبي (1) شاعر مفلق (2) ، وشهاب في البلاغة متألق، وشهير تتشوق إليه بغداد وجلق، طبق مفاصل الكلام بحسام لسانه، وقلد نحور الملوك ما يزري بجواهر السلوك من إحسانه، ونشأ في حجر الدول النصرية راضعا ثدي نعمائها، ومستظلا بسمائها، ولسلفه بها الاختصاص القديم، والمزية والتقديم، والمتات الذي كرم ذمامه، واستقر في يد الرعي زمامه، وكان ذا همة تبذ من يباريها، واخلاق تفتقر إلى من يداريها. وشعره شهير الإجادة، وطراز مذهب على عاتق المجادلة، (57آ) فمن ذلك قوله في المدح، الآمن من القدح: بك بلغ الإسلام كل مرام ... يا قائما بشعائر الإسلام علمت هذا الدهر يعدل في الورى ... حتى حمدنا سيرة الأيام بمهند يمضي مضاء يراعة ... ويراعة تمضي مضاء حسام جمعتهما يمناك بعد تفرق ... إن السيوف تعز بالأقلام يا واحد العلياء يا من وجهه ... بدر الدجى ونداه غيث هام من ذا يوفي شكر ما أوليته ... قل الثناء لكثرة الإنعام وقال من قصيدة يهنئ السلطان بهزيمة ملك النصارى دمره الله بمرج (1) غرناطة ويصف الوقيعة: (2) وبسفح (3) خير قد لقوا شر الوغى ... وهمى عليهم بالمنون سحاب قصدوا العرين ليغلبوا آساده ... فقضى عليهم بأسك الغلاب أجريت انهار السيوف على ثرى ... أعناقهم فلها الرؤوس حباب فكأنها فوق المفارق منهم ... شيب علاه من الدماء خضاب أحسن به شيبا بهم منه ردى ... وبوجه دين الله منه شباب سجدت رؤوسهم بسيفك هيبة ... إذ يسرتها للسجود رقاب ما كان يعلم محرب من قبلها ... (4) أن الحسام إذا سطا محراب وقال من قصيدة يرثى السلطان المذكور (5) : برد بنار الوجد منك غليلا ... فالمجد أضحى شاكيا وعليلا كادت نجوم الأفق تسقط في الثرى ... لما شكت شمس العلاء أفولا لا صمت إلا وهو نار في الحشا ... لا نطق إلا ما يعود عويلا أسكنتنا يا خطب مصر مصابنا ... واسلت فيه من المدامع نيلا (57ب) ورميت أنفسنا بسهم واحد ... فهزمت للصبر الجميل قبيلا لا مرحبا بالعيش إذ جاورتنا ... وأقمت فينا ثاويا ونزيلا ضافت صدور الخلق عن أنفاسهم ... إذ ضم بطن الأرض إسماعيلا ومنها بعد كثير: فلأخلعن ثوب الرقاد على البكا ... ولألبسن ثوب السهاد طويلا ولأندبن زمن الجهاد وحسنه ... حتى أرى بالحسن فيك كفيلا قلدت سيف الوجد فارس لوعتي ... أسفا وأجريت الدموع حمولا وبنيت أبيات الرثاء وقد رأت ... عيني بيوت المكرمات طلولا لازال مسكنك الذي أسكنته ... لرضى الإله معرسا ومقيلا وهمت عليه للقبول سحائب ... تحكي دموع المسلمين همولا ## $ 61 - الشيخ الكاتب أبو القاسم الخضر بن أحمد ابن أبي العافية (1) من التاج رحمه الله تعالى: فارس ميدان البيان، وليس الخبر كالعيان، وحامل لواء الإحسان لأهل هذا اللسان، رفل في سحائب البدائع فسحب أذيالها، وشعشع اكؤس العجائب فأدار جريالها، واقتحم على الليوث اغيالها [وطمح إلى الغاية البعيدة فنالها] وتذوكرت المخترعات فقال إن لها؛فكان وردة بستان دهره، عند المفاضلة بين أنواع زهره، وعروس الأدب المغلي لمهره، وواحد مثنى البيان في سره وجهره؛ وشعره يستفز (1) حلم الحليم، ويلقي له فرسان المجال أيدي التسليم، فمن ذلك في غرض الحكم والأمثال، طوع الطبع المنثال (2) : عد الهوى يقظان والرأي الذي ... ينجيك منه، ذا ارتأيت، نئوما فإذا رأيت الرأي يتبع الهوى ... خالف وفاقهما تعد حكيما (58آ) وعليك أعال المشورة إنها ... تحمي صحيحا أو تعل سقيما وكما تخاف من الحليم مداجيا ... خف من نصيحك في السفاهة شوما وكما تخاف من الحليم مداجيا ... خف من نصيحك في السفاهة شوما وأحذر معاداة الرجال توقيا ... منهم ظلوما كنت أو مظلوما والناس إما جاهل لا يتقي ... عارا ولا يخشى العقوبة لوما أو عاقل يرمي بسهم مكيدة ... كالقوس ترسل سهمها مسموما فاحلم على القسمين تسلم منهما ... وتسد فتدعى سيدا وحكيما ودع المماراة التي من شأنها ... أن لا تديم على الصفاء نديما أبت المغالبة الوداد فلا تكن ... (3) ممن يغالب ما حييت حليما وإذا منيت بغربة فاخفض جناح ... الذل واخضع ظاعنا ومقيما إن الغريب لكالقضيب تحيرا ... إن لو يمل للريح عاد رميما وابغ الكفاف ولا تجاوز حده ... ما بعده يجني عليك هموما وابسط يديك متى غنيت ولاتكن ... فيمن يكون به المديح ذميما وإذا بذلت فلا تبذر إن ذا ... التبذير مثل أخيه كان رجيما وعف الورود إذا تزاحم مورد ... واحسب ورود الماء فيه حميما واصحب كريم الأصل ذا فضل فمن ... يصحب لئيم الأصل عد لئيما فالفضل من لبس الكريم فمن عرى ... عنه فليس كما يقال كريما " إن المقارن بالمقارن (1) يقتدي " ... مثل جرى جري الرياح قديما وجماع كل الخير في التقوى فلا ... تعدم حلى التقوى تعد عديما ومن بدائعه قوله يجيب من أهداه فرسا: وقد وصل الطرف الأغر كأنه ... غمامة غيث برقها غرة تهدي يخيل لي أن الشباب أعيد لي ... وسود ليلي (2) دون هجر ولا صد ففديته بالنفس وهي قليلة ... ويغلي الهدايا قيمة شرف المهدي فلو أنني أنصفته ما امتطيته ... وقلت له: طأ إن تشأ عزة خدي واقضمته حب القلوب كرامة ... وسقيته ماء الشبيبة عن ورد والبسته عن برقع رقة الصبا ... ملونة العطفين بالهزل والجد وسلمت (3) عمري في عذاري معذر ... فألفيته منه على صفحة الخد وقال يهنئ شيخنا الشريف بإبلال: تفديك أنفسنا وان قلت فدا ... فهي الكثيرة لا تعادل أوحدا واسلم سلمت من الحوادث كلها ... وبقيت صدر المنتدى بحر الندى حتى تليح الشيب أبيض واضحا ... فتجوز غايات الحياة مدى مدى فإذا انقضى الأجل المسمى زرتم ... في الخلود جدكم الكريم محمدا وافى كتابكم فبت لأجله ... ريان أشكو من تباريح الصدا ريان من وردي لعذب خطابه ... ظمآن من حر الجوانح مكمدا ونشرته وكتمته فكأنني ... شاهدت منك به الفضائل واليدا ودعوت ربي في بقائك سالما ... والله ينجز في الدعاء الموعدا وقال يصف الشيب من قصيدة طويلة (1) : لاح الصباح صباح شيب المفرق ... فاحمد سراك نجوت مما تتقي هي شيبة الإسلام فاقدر قدرها ... قد أعتقتك وحق قدر المعتق خطت بفودك أبيضا في أسود ... (2) بالعكس من معهود خط المهرق كالبرق راع بسوطه طرف الدجى ... فأعاد دهمته شيات الأبلق كالفجر يرسل في الدجنة خيطه ... ويحوك ثوب ضيائه بالمشرق كالماء يستره بقاع طحلب ... فتراه بين خلاله كالزئبق (59 آ) كالحية الرقشاء إلا انه ... لا يبرأ الملسوع منه إذا رقي كالنجم عد لرجم شيطان الصبا ... يا ليت شيطان الصبا لم يحرق كالزهر الا أنه لم يبتسم ... الا لغصن ذابل لم يورق كتبسم الزنجي الا أنه ... يبكي العيون بدمعها المترقرق وكذا البياض قذى (1) العيون ولا نرى ... للعين أنكى من بياض المفرق ما للغواني وهو لون خدودها ... يجزعن من لألائه المتألق أو خلنه لمع السيوف ومن يشم ... لمع السيوف على المفارق يفرق هو ليس ذاك ولا الذي أنكرنه ... نكرا فخف ما خفن منه واتق داء يعز عن الطبيب دواؤه ... ويضيع خسرا فيه نال المنفق لكنه، والحق اصدق مقول ... شين المسيء الفعل زين المتقي ومن ذلك قوله (2) : أقلي فما الفقر بالمرء عارا ... ولادار من يألف الهون دارا ولا يكسب العز الا الغنى ... غنى النفس فلتتخذه شعارا وما اجتمع الشمل في غيره ... فيحسن فلا وساء انتشارا فزهرة غيرك لا تنظري ... فيألم قلبك منه انكسارا وهزي إليك بجذع الرضى ... تساقط عليك الأماني ثمارا ومن المقطوعات قوله (3) : لو أن أيام الشباب تعود لي ... عود النضارة للقضيب المورق ما إن بكيت على شباب قد ذوى ... وبقيت منتظرا لآخر مونق ومن قوله في الأمثال: من لم يكن أصله كريما ... لم يعل في المعلوات فرعه (59ب) الناس كالأرض دون شك ... ما طاب منها يطيب زرعه ومنها في وصف القلم وهو بديع (1) : لك القلم الأعلى الذي طال فخره ... وان لم يكن إلا قصيرا مجوفا تعلم منه السيف أبدع حكمة ... فها هو (2) أمضى ما يكون محرفا ومنها في التورية الفقهية (3) : لي دين عل الليالي قديم ... ثابت الرسم منذ خمسين حجة أفأعادي بالحكم بعد عليها ... أم لها في تقادم العهد حجة ويختم له بقوله نفعه الله تعالى (4) : نجوت (5) بفضل الله مما أخافه ... ولم لا وخير العالمين شفيع وما ضعت في الدنيا بغير شفاعة ... فكيف إذا كان الشفيع أضيع ## $ 62 - شيخنا الرئيس أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن سليمان بن الجياب الأنصاري (1) رحمه الله تعالى، وهو مذكور في كتاب التاج: صدر الصدور الجلة، وعلم من أعلام الملة، شيخ الكتابة وبنيها، ومتولي أيام خدمتها وسنيها، وهاصر أفنان البدائع وجانيها، اعتمدته الرئاسة فناء بها على حبل ذراعه، واستعانت به السياسة فدارت أفلاكها على شباة يراعه، وتعاقبت دول العدل فلم تر له عديلا، ولا وجدت لسنة اصطباغه تبديلا، ولا ثكلت (2) سواجع البيان، من يراعه الرائع الافتنان، هديلا، أي ندب (3) على علو القدر متواضع، وحبر لثدي المعارف راضع، لا يمر الكلام في فن إلا كان له في ميدانه التبريز، ولا تعرض جواهر الإفهام (4) على ميدان الإبهام إلا انتسب إليه الإبريز، إلى نفس هذبت الآداب (5) شمائلها، وجادت الرياضة رياضها العاطرة (60آ) وخمائلها، ومراقبة لربه، وانتشاق لروح الله من مهبه، وانس بالأسحار يقريها من الأوراد خير قرى، ثم يبكي معتذرا عن جهده ومحتقرا؛ وكل ما ظهر علينا؟ معشر بنيه؟ من شارة تحلى بها العين، أو إشارة كما سكب اللجين، فهي إليه منسوبة، وفي حسانته محسوبة، كالشمس تلقي على النجوم شعاعها، والصور الجميلة تترك في الأجسام الصقيلة انطباعها؛ وما عسى ان يقال في إمام الأئمة، ونور الدياجي المدلهمة، والمثل السائر في بعد الصيت وعلو الهمة، والحق ان نعدل عن سلطانياته (1) لاشتهارها، ونجلب شيئا من إخوانياته لإيناع أزهارها. كتب إليه الفقيه أبو القاسم ابن أبي العافية (2) المتقدم الذكر في غرض العتاب قصيدة بديعة اولها: أطير فؤادي قل اذن من أطاركا ... لآخذ قبل الفوت بالموت ثاركا وان كنت مختار النزوع فإنني ... لأرضى بطوعي أو بكرهي أختياركا وان كنت لم تحمد جواري فإنني ... لأحمد في سري وجهري جوراكا وما زلت أستسقي سحاب مدامعي ... فتهمي بما يسقي ويشفي أواركا وتسرح في أرض المنى بين أضلعي ... فأجني بأثناء الأماني ثماركا وما جئته بدع وجدك يعتني ... بنحس فطر ما شئت واحمد مطاركا " كذلك جدي ما أصاحب صاحبا ... من الناس " (3) إلا مل ودي وتاركا

وهي طويلة فأجابه رحمة الله عليه بهذه الأبيات: خليلي لك العتبى وما أنت مذنب ... ولكن عساها ان تروض ازوراركا أتاني كتاب منك لم أر وجهه ... (1) فيا ليت شعري أنى طرت مطاركا أبا للوم ترميني وحاشاك فالتمس ... لي العذر لا تشنن علي مغاركا (60 ب) حكمت ولم تعذر وتلك حكومة ... لنفسك ما أبلغت فيهاانتظاركا عتبت ولم تعذر وتزعم أنني ... لك الصاحب الخوان مل وتاركا ولو إنني نازلت منك نظيرها ... بسطت على ما كان منك اعتذاركا أعيذ الوداد المحض والخطة التي ... جعلت التقى والعدل فيها شعاركا من الحكم بالظن الذي لم يقم على ... أساس ولا محضت فيه اختباركا صدعت فؤادي بالعتاب وانه ... لمنزلك الأرضي فخربت داركا فيا ثائر العتب الذي قد عكسته ... بحق ألا فارجع على من اثاركا قدحت زنادي بالعتاب فهاكها ... نتيجة (2) فكر فيه أضرمت ناركا فها هي تبدي من وجوه جفائها ... وتجزي سواء بالنفار نفاركا ولو أنني انصف سلمت طائعا ... لتأخذ مني باحتكامك ثاركا فان لك الحب الوثيق بناؤه ... وان لك الفضل الذي لن يشاركا وكم لك عندي قبلها من قصيدة ... أريت بها في رفع قدري اقتداركا نشرن علي القول مثنى وموحدا ... وأعلين في سمك المعالي مناركا رياض تروق الطرف والقلب بهجة ... فها أنا أجني في رباها ثماركا

فلو نشر الصادان (1) من مضجعيهما ... ليوم رهان لم يشقا غباركا تثبت ولا تعجل على من تحبه ... فمثلك من أولى الرضى وتداركا فعهدي محفوظ وحسبي بحفظه ... شهادة رب العالمين تباركا وخاطبته، رحمه الله، وأنا شاب، أيام الانتفاع به بقصيدة أولها: أمستخرجا كنر العقيق بآماقي ... أناشدك الرحمن في الرمق الباقي فقد ضعفت عن حمل صبري طاقتي ... عليك وضاقت عن زفيري أطواقي أجن إذا جن الظلام فليس لي ... سوى نسمة الفجر اللطيفة من راق (61 آ) وربما استعديت فيها تميمة ... فزعفرها بالدمع كاتب آماقي فأجابني عنها، رحمه الله، بما نصه: سقاني فآهلا بالسقاية والساقي ... أناشدك بها قام السرور على ساق ولا نقل إلا من بدائع حكمة ... ولا كاس إلا من سطور وأوراق فقد أنشأت لي نشوة بعد نشوة ... تمد بروحانية ذات أذواق فمنخطها الباهي متاع لناظري ... وسمعي وحظ الروح من حظها الباقي أعادت شبابي بعد سبعين حجة ... فأثوابه قد جددت بعد إخلاق وما كنت يوما للمدامة صاحب ... ولا قبلتها قط نشأة أخلاقي ولا خالطت لحمي ولا مزجت دمي ... وقى شرها مولاي فالشكر للواقي وهذا على عهد الشباب فكيف لي ... بها بعد ماء للشبيبة مهراق تبصر (2) فحكم القهوتين تخالفا ... (3) فكم بين إثبات لعقل وإزهاق

وشتان ما بين المدامين فاعتبر ... (1) فكم بين إنجاح لسعي وإنفاق فتلك تهادى بين ظلم وظلمة ... وهذي تهادى بين نور واشراق أيا علم الأعلام غير منازع ... (2) شهادة إجماع عليها وإطباق فضائلك الحسنى علي تواترت ... (3) بمنهمر من سحب فكرك غيداق خزائن آداب بعثت بدرها ... إلي ولم تمنن لخشية (4) إنفاق ولا مثل بكر حرة عربية ... زكية أخلاق كريمة أعراق فأقسم ما البيض الحسان تبرجت ... تناجيك سرا بين وحي وإطراق بدور بدت من فوقها أطواق على ... رياض شدت في قضبها ذات أوراق يناظر منها الأقحوان ثغورها ... وقابل منها نرجس حسن أحدق وناسب منها الورد خد موردا ... سقاه الشباب الغض بورك من ساق (61 ب) وألبسن من صنعاء وشيا منمنما ... وحلين من در نفائس اعلاق بأحلى لأفواه وأبهى لأعين ... وأجلى لألباب وأشهى لعشاق رأيت بها شهب السماء تنزلت ... إلي تحييني تحبية مشتاق ألا إن هذا السحر لا سحر بابل ... فقد سحرت قلبي المعنى فمن راق لقد أعجزت نطقي شمائل ماجد ... أبر بأحباب وأوفى بميثاق تقاضى ديون الشعر مني بيانها ... (5) رويدك لا تعجل علي بإرهاق فلو نشر (6) الصادان من مضجعيهما ... لإنصاف هذا الدهر (7) لاذا بإملاق

فخذ بذمام الدهر شيخا تقاصرت ... خطاه وعامله بمعهود إشفاق ولازلت تحيي للمكارم رسمها ... وقدرك في أعلى العلا والنهى راق ومن غريب ما خاطبني به وأنا صبي (1) بين يديه: أقسم بالقيسين والنابغتين ... وشاعري طيء المولدين وبابن حجر وزهير بعده ... (2) والاعشبين بعده والأعميين ثم بعشاق الثريا والرقيات ... وعزة ومي وبثين وبابي الشيص ودعبل ومن ... كشاعري خزاعة المخضرمين وولد المعتز والرضي والسري ... ثم حسن وابن الحسين واختم بقس وبسبحان وان ... أوجبت أن يكونا أولين وليتي نظمهم ونثرهم ... في مشرقي أقطارهم والمغربين إن الخطيب ابن الخطيب سابق ... بنثره ونظمه للحلبتين وافتني الصحيفة الحسنا التي ... شاهدت فيها المكرمات (3) رأي عين تجمع من براعة المعنى إلى ... براعة الألفاظ كلتا الحسنيين اشهد انك الذي سبقت في ... طريقة الآداب أقصى الأمدين (62آ) شعر حوى جزالة ورقة ... تصاغ منه حلية للشعريين رسائل أزهارها منثورة ... سرور قلب ومتاع ناظرين يا احوذيا يا نسيج وحده ... شهادة تنزهت عن قول مين بقيت في مواهب الله التي ... تقر عينيك وتملا اليدين وكان رحمه الله مولعا بالألغاز يفاكنها بطرفها اكثر الأوقات، ويرى إن طريقها في اللغو اسلم الطرقات، فيشغلها بحلوائها، عن أغراض الألسنة وأهوائها، فمن ذلك قوله ملغزا في حجلة؟ الطائر المعروف (1) : خاطبت (2) كل فطن لبيب ... ما اسم لأنثى من بني يعقوب ذات كرامات فزرها قربة ... فزورها أحق بالتقريب وقد جرى في خاتم الوحي الرضى ... لها حديث ليس بالمكذوب وهو إذا ما (3) الحاء منه صحفت ... صبغ الحياء لا الحيا المسكوب فهاكها واضحة أسرارها ... فأمرها اقرب من قريب وقال في آب الشهر بالقبطية (4) : حاجيتكم ما اسم علم ... ذو نسبة إلى العجم يخبر بالرجعة وهو ... راجع كما زعم وهو الحميم معربا ... تصحيف أو بدء قسم (5) دونكه أوضح من ... نار على راس علم وقال في كانون (1) : وما اسم لسميين ... ولم يجمعها جنس فهذا كلما يأتي ... فبالآخر لي انس وهذا اصله الأرض ... وهذا اصله الشمس (62ب) وهذا ما له سوم ... وهذا سومه فلس وهذا واحد من سبعة تحيا به النفس ... فمن محموله الجن ... ومن موضوعه الأنس فقد بان الذي ألغزت ما في أمره لبس ... ومن ذلك قوله في نمر: ما حيوان ما له من حومة ... إذا اسمه صحف فابن العمه (3) وقلبه من بعد تصحيف له ... يريك في الذكر الحكيم أمه ومن ذلك قوله في سلم (2) : ما اسم مركب مفيد الوضع ... مستعمل في الوصل لا في القطع ينصب لكن اكثر استعماله ... يعنى به في الخفض أو في الرفع وهو إذا صغرته مخففا ... تراه شملا لم يزل ذا صدع فالاسم ان طلبته تجده في ... (1) خامسة من الطوال السبع وهو إذا صحفته يعرب عن ... (2) مكسر في غير باب الجمع له أخ افضل منه لم تزل ... (3) آثاره محمودة في الشرع هما جميعا من بني (4) النجار ... والأفضل اصل في حنين الجذع فهاكه قد سطعت أنواره ... لا سيما لكل زاكي الطبع ومن ذلك في فنار (5) : ما اسم إذا حذفت ... منه فاءه المنوعة فانه بنت الزنا ... (6) مضافة لأربعه ومن ذلك قوله في الحوت (7) : ما حيوان في اسمه ... إذا اعتبرته فنون حروفه ثلاثة ... والكل منها هو نون (8) تصحيفه قطع الفلا ... (9) أو ما جناه المذنبون أو ابيض أو اسود ... (10) أو صفة الخئون وقلبه مصحفا (63آ) ... (1) عليه دارت السنون كانت به فيما مضى ... (2) عبرة قوم يعقلون أودع فيه عنده ... سر من السر المصون هاكه كالنار في الزند ... لها فيه كمون ومن ذلك في مائدة (3) : حاجيت كل فطن نظار ... ما اسم لأنثى من بني النجار وفي كتاب الله جاء ذكرها ... فقلما يغفل عنها القاري في خبر المهدي فاطلبها تجد ... إن كنت من مطالعي الأخبار ما هي إلا العيد عيد رحمة ... ونعمة ساطعة الأنوار يشركها في الاسم وصف حسن ... من وصف قضب الروضة المعطار (4) فهاكه كالشمس في وقت الضحى ... قد شق (5) عنه حجب الأستار ومن ذلك في زبيب: ما نقي العرض طاهر الجسد ... كلما خالطه الماء فسد خالط الماء القراح فغوى ... بعدما قد كان من أهل الرشد عجمي الأصل تم حسنه ... (6) عندما صاد الغزالة الاسد واسمه اسم امرأة (1) مصحفا ... ولقد يكون وصفا لولد هاكه قد بهرت أنواره ... فارم بالفكر تصب قصد السدد ## $ 63 - الكاتب أبو علي حسن بن علي بن عمر بن إبراهيم القيجاطي (2) رحمه الله تعالى: فكه غزل، وعن (3) أشعرية الخدود معتزل، ركض طرف الشبيبة فأنضاه، وطلب دينها فاقتضاه، وكانت له عن بلده رحلة ساعده فيها الجد، وطلق القبول الممتد، فكتب بافريقية عن ملوكها، وانتظم في سلوكها، إلى أن أمضى لسبيله، شان قدوم (4) الوجود وقبيله، وله شعر رقيق الغزل، (63ب) غير ملتبس بالجزل، فمن ذلك في غرض النسيب، إذ الشباب قشيب، والفود لم يرعه مشيب: يا منية والهجران منيته ... اهجر فإني على ما شئت مصطبر وته واعرض وعذب واستطل واهن ... فكل ذلك محمول ومغتفر الله يعلم إن النفس فانية ... وان جفني قد أودى به السهر كيف الخلاص وسحب الدمع واكفة ... وجذوة الشوق في الأحشاء تستعر يا لين القد حتى انه غصن ... وقاسي القلب حتى انه حجر اسحر بابل من عينيك يمنعني ... دين السلو أم الصمصامة الذكر لولاك ما أرقت عيني ولا علقت ... بمهجتي للهوى ناب ولا ظفر ومن ذلك قوله: على مثل عبد الله يستعبد الحر ... ويستعذب التعذيب والتيه والهجر وإلا فمن هذا الذي هو مثله ... وقد قصرت عن مثله الشمس والبدر له وجنة وردية ومنصف ... به اللؤلؤ الرطب المنضد والدر ولحظ علمت السحر منه حقيقة ... وما كنت ادري قبل ذلك ما السحر أمولاي رفقا بالعبيد فانه ... مشوق كما شاءت جفونك والدهر يرجي انقضاء الهجر منك وربما ... تسلسل حتى ينقضي دونه العمر قضى الله إن أفنى عليك صبابة ... له الحمد فيما قد قضى وله الشكر ومن أبياته في اللف والنشر المرتب: جبين وشعر ووجه وقد ... وخد وطرف وريق وثغر صباح وليل وبدر وغصن ... وورد وسحر وخمر ودر ## $ 64 - الشيخ الوزير والقائد الكاتب أبو بكر بن ذي الوزارتين (64 آ) أبي عبد الله بن الحكيم (1) رحمه الله تعالى بمنه ماجد أقام ربع المجد بعد عفائه، وأيقظ طرف الفضل بعد إغفائه، وكتب على عقده باكتفائه، ما شئت منكرم بحت، ويرى في المجد ونحت، برز في حمل الحديث وروايته، واجتنى ثمرة رحلة إليه وهو في حجر دايته، ودون الفهارس، وأحيا الأثر الدارس، وكان من مفاخر الدهر، ورياض الفضل المونقة المزهرة، وله شعر دون مقداره، وما يليق بهالة ابداره، وان كان له (2) فضل حكم اقتداره، فمن ذلك، ونقلته من خطه (3) : تصبر إذا ما أدركتك ملمة ... فصنع إله العالمين عجيب وما يدرك الإنسان عارة بنكبة ... فينكب فيها صاحب وحبيب ففي من مضى للمرء ذي العقل أسوة ... وعيش كرام الناس ليس يطيب ويوشك أن تهمي سحائب نعمة ... فيخضب ربع للسرور جديب إلهك يا هذا مجيب لمن دعا ... وكل الذي عند القريب قريب وقال رحمه الله تعالى (1) : أيا من له الحكم في خلقه ... ويا من بكربي له أشتكي تول أموري ولا تسلمني ... وان أنت أسلمتني أهلك تعاليت من منعم مفضل ... ونزهت من طالب مدرك ## $ 65 - الكاتب بالدار السلطانية أبو القاسم محمد بن محمد بن محمد بن الحكيم (2) ، ولد من الإكليل: فرع محمد وجلالة، ورث الفضل لا عن كلالة، واقتفى من سنن سلفه اثر هاد يدله، فيما يعقده أو يحله، واتسم بميسم الحياء والحياء خير كله، وله أدب حسن الشارة، ومعان لطيفة الإشارة، فمن (64 ب) ذلك قوله: وساق يدير السكر من كأس لحظه ... ويفتن ألباب البرايا بسحره يدير عقارا مثل ورد حيائه ... بهاء، وطيبا مثل نفحة نشره يريك إذا قبلت فاه بكأسه ... سهيلا وقد أوفى (3) إلى لثم بدره عجبت لها قد نعمت ورد خده ... ولم تسق إلا أقحوانة ثغره ومن مقطوعات التورية (1) : بنفسي حبيب مال عامل قده ... علي ولما ينعطف وهو كالغصن ويا عجبا منه متى صار ذابلا ... ونضرته لم تنأ عن خوطه اللدن وأعجب من ذا إن سيف لحاظه ... يمزق أفلاذ الحشا وهو في الجفن وقال في التورية أيضا (2) : بأبي وغير أبي غزال نافر ... بين الجوانح يغتدي ويروح قمر تلألأ واستنار جبينه ... غارت به بين الكواكب يوح لم يرض غير القلب منزلة فهل ... يا ليت شعري بالذراع يلوح ## $ 66؟ الشيخ الكاتب أبو اسحق إبراهيم بن يحيى بن زكريا (3) ، رحمه الله تعالى: حامل لواء الخط، والمنفرد بأحكام البري والقطن السابح من الإبداع في لجة بعيدة الشط، كثير الحشمة والحيا، وأخذ نفسه في ذلك بالاغيا (4) ، من أولي الأصالة والأحساب، والبيوت النبيهة عند الانتساب، وشعره متوسط، وفي الطولات متبسط، فمن ذلك قوله: يا ظاهرا ما عرفت الحب لولاه ... وما المراد وما المقصود إلا هو من (1) حبه ساكن في القلب يعمره ... ومن منى النفس في ترديد نجواه (65 آ) وذكره في ضميري لا زوال له ... أنسي وراحة نفسي يوم القاه أحاط في لطفه ما إن يفارقني ... فما ألذ على قلبي وأحلاه مولاي والعبد في بحر الهوى غرق ... والقلب في حرق والحب أغراه والحب ما اختاره من كان يعقله ... والسقم أوله والموت أخراه والذل في الحب عز إن ذا عجب ... والموت للعبد فيه عين محياه ## $ 67؟ الكاتب أبو العلاء محمد بن محمد بن سماك العاملي، رحمه الله تعالى وعامله بفضله وكرمه: مجموع خصل، وفرع نشأ عن أي اصل، ومشيخ بنصل، في يوم فصل، كتب مع الحلبة، وشاركهم في افتراع الهضبة، وانشد الشعر فأجرى بغير الخلاء، وجعل دلوه في الدلاء، فمن شعره يمدح السلطان ويذكر الواقعة البحرية بالروم: فتح قضاه لملكك الرحمن ... لم تأت قط بمثله الأزمان فلأي يوم سعادة أولاكه ... ذلت بعزة نصره الصلبان بشرى كما فغم (1) العبير لناشق ... وافتر عن أزهاره البستان ومن قصيدة يمدح السلطان ويذكر فتح بعض الحصون: بشرى بها صبح الهداية مسفر ... بشرى بها ليل الضلالة مدبر فتح تلقى النصر منه تحية ... من لفظها ماء البشاشة يقطر فتحت سيوفك (2) كريكول وانه ... في الفتح عنوان لما هو اكبر ثغر على الأرض الفضاء طليعة ... فله على كل البسيطة مظهر يرنو إلى أرض العدو كأنه ... لحظ يضم عليه منها محجر ما إن يشن الكفر يوما غارة ... ألا وبالمغوار منه منذر (65ب) صعد العداة عليه امنع معقل ... متمثلين (3) بأنه لا يحصر فسمت جيوشك منه أعلى شاهق ... يرتد عنه الطرف وهو محير في راس (4) سن لا (5) تقام سماؤه ... من دونه قطر الغمام الممطر فكان هرمس بث حكمته به ... وأدق فيه فكره الاسكندر فضفا من النقع المثار عليهم ... (6) برد باطراف الرماح محبر فاستنزلوا مستسلمين وربما ... أعيا الحماة حلول ما لا يقدر ألقوا يد الإذعان خيفة هلكهم ... وضلوعهم تندق أو تتفطر واحتل فيه الدين دين محمد ... والله يخذل من يشاء وينصر وكتب الي يهزني بمجلس السلطان أنجاده وأعانته على مراده: يا ابن الخطيب من الذي بثنائه ... قد قام في مرقى مناي خطيبا جدد عوائدك التي أنشقتني ... من زهر نعمتها المنعم طيبا واهزز لنا غصن الخلافة يانعا ... يسقط جنى نيل المراد رطيبا لازلت ذا فضل علي وحمده ... مني مطيلا لا يزال مطيبا وانشد في بعض مجالسه، وجهل ما عند الصوفية في قوله بالله ثم مع الله: مناي من الدنيا كتاب وخلوة ... أكون بها بالله ثم مع الله وأنشر من ذاك الكتاب معارفا ... لكل منيب للمهيمن آواه ## $ 68 - الكاتب أبو بكر محمد بن محمد بن عمر بن علي القرشي رحمه الله وغفر له بمنه قريع أصالة وديانة، ونشأة ورع وصيانة، أصبح لهبة الظرف ناسما، فلا تلقاه الا باسما، وأمسى لشذا الكمال ناشقا، فتراه لإغراض النبل راشقا، فما شئت من حلاوة الضرائب والشمائل، والأدب (66آ) المزري بأزهار الخمائل؛ وله شعر يشهد بجودة الخاطر، وإغداق الطبع الماطر، ومضاء الفكر الشاطر، كتب إلي يهزني للنظر في حاله، ويحركني لسقي امحاله، بقوله: قد حل دهري مرائر العقد ... لا عزمتي عزمتي ولا جلدي وكنت إذ امدح الجواد إذا ... دنياي تصفي الحياض لم أرد إربا إذا أقبلت بزهرتها ... وأدبرت ان تمر في خلدي حتى إذا أرسلت خمائلها ... بالأهل ختالة وبالولد تلعب بي كيفما تشاء كما ... يلعب موج البحار بالزبد هذا ولو أنصفت لما رضيت ... (1) إن تحمل الأسد محمل النقد وحلبة الخيل لم يكن أبدا ... سكيتها كالسبوق في الأمد يا ابن الخطيب الذي قد أرتفعت ... به سماء العلا على عمد واستخدم السيف عنده قلم ... مقلم الظفر في يدى أسد وأصبح السعد في سياسته ... لمنصب الملك ضامن الرشد هذي عظيم الأمور قمت بها ... (2) جميعها غير واهن الكتد فانهض بمن قد أوى إلى حرم ... منك وقد التجا إلى سند وشد له رتبة نصبت له ... (3) فيما مضى أمرها فقال: قد حسبت تلك التي لدي فما ... آفاتها كونها على صدد وقد تصير النفوس راغبة ... في الشيء لم تعتبره من زهد والحب ملء الفؤاد لو طلبت ... زيادة فوق ذاك لم أجد أنت الذي فضله قد انتشرت ... آثاره في القريب والبعد تخدي بذاك الحداة أينقها ... من بلد نازح إلى بلد (66ب) فدم لأفق السماء شمس هدى ... وآبق لكسب العلا مدى الأبد وكتب لي لمل قدمت من المغرب إلى الأندلس لإقامة الدولة، ولو شاء ربك ما فعلوه (1) : قدمت فما الغيث عند الجدوب ... ولا السلم عند توالى الحروب ولا البرء من دنف مزمن ... وشرخ الشبيبة بعد المشيب ولا الأمن من خيفة والغنى ... من الفقر، والأهل عند الغريب بأحسن من نبأ وارد ... ببشرى إيابك يا ابن الخطيب فإنك قطب مدار العلا ... ومركزها وعماد الطنوب وإنسان عين الزمان الذي ... تداعت به مضمرات القلوب هنيئا لأندلس بشرها ... بيوم لقائك بعد القطوب فعند ركوبك من بحرها ... ثوى عندها قلب لفظ الركوب فإن كمن عطلتها بالنوى ... فقد جئتها بالحلي العجيب وأبرز لفظك در افتخار ... فقلدت في جيدها والتريب واطلعت في أفقها آيبا ... لأنوارك الشمس بعد الغروب وجددت سالف أيامها ... كما جدد الأنس وصل الحبيب فدام لنا بك توفيقها ... على الأرض من نازح أو قريب ودمت تشيد ربع العلا ... كما شاده من مضى للغعقيب وتبلغ فيما تريد المنى ... وتعطى من السعد أوفى نصيب ومن المقطوعات المطبوعات (2) قوله: شاركت لحظم في السقام ... ولهيب خدك في الضرام وحكيت خصرك رقة ... فحملت أثقال الغرام (67آ) ولقد غدا صبري الجميل ... كمثل عهدك في انصرام وقال متغزلا في أحول، وهو من المليح: يا لائمين لحوا في حب ذي حول ... جفونه أبدا تشكو لنا مرضا لا تنكروا واحذروا من سهم مقلته ... فإنما هو رام يأخذ الغرضا ومن فكاهته قوله: غنى بشعر سواي أغيد لم يلح ... للعين أبدع من بدائع حسنه فغدوت فيه مخالفا كل امرئ ... وموافقا هذا الهوى في فنه والمرء يفتن بابنه وبشعره ... إلا أنا فبشعر غيري وابنه وقال رحمه الله وبه يختم اسمه: يا عجبا من عاقل غافل ... هيهات أين العقل ما أشحطه وضاحك بملء ولا ... يدري أأرضى الله أم أسخطه ## $ 69؟ الكاتب أبو القاسم محمد بن سعيد بن عيسى الحميري: رحمة الله تعالى عليه: هذا الرجل قريع أبوه، وإعجاز سور الفضل متلوه. نشأ آية الصون في هذا الكون، ومتجملا بأحسن اللون، وولي الكتابة والقضاء، فما عدم في كليهما المضاء؛ وله أدب يقيم الرسم، ويحسن الوسم، فمن ذلك نما كتب به إلي ونحن غازون، وإلى نسب الشبيبة معتزون، وقد ثبت هذا بمحله: يا قدوة الأعصار والأزمان ... وعجيبة من مذهل الأذهان شملت شمائلك المحاسن كلها ... وطبعت في خلق على إحسان يبأى البيان بأن طلعت بأفقه ... بدرا وما يخشى من النقصان (67ب) فجرى الزمان بمعجبات للنهى ... من فكركم لاحت على الأزمان وأبان تبيانا بفضلك فضله ... يغني غناء الشمس عن تبيان أما البيان ففي لديك لواؤه ... يحمى ببيض القضب والمران يحمي اليراع بمرهف من حده ... (1) وبذابل من قده بسنان هذي البلاغة قد ملكت زمامها ... فإليك ألقت بيعة الرضوان فتح من الرحمن قد أوتيته ... فبه تعوذه من الشيطان فتبارك الوهاب كل فضيلة ... سبحانه من منعم منان وهي طويلة فأجبته عنها بمثلها بما أوله: ذكروا العهود فهاج من أشجاني ... شوق إذا جن الدجى ناجاني فكأنما الآماق مني أبحر ... يقذفن بالياقوت والمرجان ولو أنني أمسكت أجفاني وقد ... ذكروا العهود لقلت: ما أجفاني ومن شعره يوصي من التنمس منه ذلك: عليك بتقوى الله في السر والجهر ... وراقبه مهما جئت يوما إلى أمر وعامل جميع الناس والرضى ... وصاحب عرفانه بك لا يزري وواظب على تحصيل علم وطاعة ... وقدم جميعا للضريح وللنشر ومهما دهاك الخطب واشتد وقعه ... فصبرا فإن الخير عاقبة الصبر فهذي وصاتي قد منحتك صفوها ... فخذها بجد تكتسب درر الخير ## $ 70؟ الكاتب الفارس أحمد بن أحمد بن خلف الجزيري، رحمه الله تعالى: فارس يخدم للتأديب والتجند تحت رايتين، ويستأثر من أجل ذلك بجريالتين، فإن عرضت كتيبة الخط كتب، أو تعرضت كتيبة الخطي (68آ) حرس ورتب، إلى خط حسن، ولسان لا يخلو عن لسن، وكان منزور الشعر قليله، نابي الحد فيه فليله، فمما حفظ عنه: سقم الجفون هو السقام حقيقة ... يعدي الجسوم فلا تبين نحولا لا تنظرن لها فتندم بعدها ... زمنا طويلا إن نظرت قليلا فالنرجس المصفر في روض الربى ... مر النسيم به فجاء عليلا ## $ 71؟ الشيخ الكاتب أبو علي الحسن بن عبد السلام ابن يوسف وهو (1) الأنصاري، رحمه الله عليه: حامل براعة بارعة، وبديهة مطاوعة مسارعة، لاك الكلام وتملكه (1) ، واستحسن الإحسان وملكه، وأدار على قطب الإجادة فلكه، وساعده الدهر فتحرى طريق السرور فسلكه، ولم يزل المقدار يساعده، وينوء بالجد ساعده، حتى كثر ماله وآماله، ونجحت أعماله، ثم عجم الدهر عود صولته، وتقلب بدولته، فآثر الرحيل، وفارق الربع المحيل، فنضبت جمامه، وأتاه بتونس حمامه؛ ومن شعره يلغز في الوطن: أحاجيك ما شيء إذا ما ذكرته ... " سما لك شوق بعدما كان اقصرا " تسير له الركبان شرقا ومغربا ... وشوقا له ما أن تمل من السرى يحن له من كان مثلي نازحا ... وبهواه حقا كل من وطئ الثرى ومن عجب أن ليس بهوى لحسنه ... ولكن لأمر سره شمل الورى وأعجب من ذا أنه غير ناطق ... ويسأل أحيانا فيوجد مخبرا فهاهو للأبصار أوضح من ضحى ... وأشهر في الآفاق من مثل سرى وقال يخاطب الوزير أبا عبد الله بن الحكيم (2) : رأتك الوزارة أفقا وإن ... فويق السها أوطأت رجلها (68ب) فهامت ورامت بأن ترتقي ... إليك وقد خلعت نعلها هوت وصل من لم تجد غيره ... وإن كثر الناس أهلا لها فأوليتها من رضاك المنى ... وجمعت فضلا بكم شملها فيهني الوزارة إن أصبحت ... تجرر تيها بكم ذيلها وينهك ما نلت من نعمة ... مجددة لك ما قبلها وقال يرثي الأستاذ أبا محمد (1) بن أبي السداد رحمه الله تعالى: صروفك أدهى لا البحار الزواخر ... وخطبك أمضى لا القصار البواتر ومن عجب أنا نحن إليك ما ... حيينا وأنا من سواك نحاذر وما مر يوم منك إلا وإنه ... لمر ولم لا وهو بالعيش سائر ومن نظر الدنيا بعين بصيرة ... نهته عن أن تصبو إليها البصائر فيا عجبا أنى تلذ لنا الكرى ... وما نام عنها للمنية ناظر ومنها بعد كثير: أتيت عليهم تارة بعد تارة ... فلم يبق وترا صرفك (2) المتواتر وأوردتهم رغم الأنوف مواردا ... من الحتف لكن ما لهن مصادر فأمست ربوع القوم وهي بلاقع ... كأن لم يكن فيهن من قبل عامر وليتك لم تسلب أولي الفضل أولا ... أظنك من شوق إليهم تبادر وما زلت تختار العباد وتنتقي ... كأنك ما يرضيك إلا الأخاير كمثل إمام العصر أستاذنا الذي ... بأدنى سجاياه الكرام نفاخر ## $ 72؟ الرئيس الكاتب أبو علي حسين بن عبد الحكيم بن الحسين بن تداررت التنملي، المحسوب من الأندلس لولادته بها، وإن كان أبوه من قسنطينة رحمه الله، وهو من شعراء الأكليل: (69آ) درة تحلى بها الزمن العاطل، وعدة أنجزها الفضل الماطل، وبارق جود أومض به الجود الهاطل، ما شئت من خلق تدل على الكمال مخايله، ومجد كرمت أواخره وأويله، وأدب تجلت عذاراه وعقايله، فإذا تناول الرقاع ووشاها، وغشى الطروس من حلل بيانه ما غشاها، ود صفح البدر أن يكون لها قرطاسا، ونجم النوء إن يكون على درها غطاسا؛ نشأ بالصون مكلوفا، وعن الدناءات أنوفا، فلما فاز فرنده بصقاله، وزها روض حسنه بأفعاله، بادر عزمه بحل عقاله، وسعد سعادة تشبه الصخر عند انتقاله، فكان بالدولة المرينية جملة الكمال، ومظنة الآمال، إلى أن استأثر بدرته النفيسة البحر، فتعطل النحر، وكان له أدب يستعير منه العرف النسيم، ويحسد حسنه الصبح الوسيم؛ فمن ذلك قوله في الأغراض السلطانية: منحت اللهى وحميت الذمارا ... فرقت ثناء ورعت اقتدار وعمرت وقتيك نسكا وملكا ... فتعبد ليلا وتهدي نهارا ولم تلو حزما على لذة ... لأنك لم تلف فيها افتخارا ولم تتهيب صعاب المرامي ... ولم تخش من هولها حين ثارا أطعت الإله فلا شيء إلا ... أطاعك دأبا وأبدى ابتدار وأيدك (1) السعد يا حبذا ... فما إن تبارى وما إن تجارى ولا نفس إلا بحبك دانت ... ولا قلب إلا لخوفك طارا فلله منك حمى أو حمام ... إذا ما أغار ومهما أجارا مليك إذا ما دجا ليل ظلم ... أرانا من العدل فيه نهارا (69ب) ومنها بعد كثير: إذا ما حبا فهو الجود جودا ... ومهما أحتبى فثبير وقارا له رأفة وطأت منه نفسا ... وبأس عدا (1) الشامخات انفطارا من القوم إن ركبوا الصافنات ... رأيت الرياح بأسد تجارى نجوم بدت في سماء العلا ... فكل شهاب بها قد توارى رأوا غاية المجد بذلا فجادوا ... بأنفسهم واستقلوا النضارا ومن قوله في المقطوعات: ليهن خليلي من ودادي إنني ... بعين الرضى في كل حين ألاحظه وأن لست ذا حقد عليه إذا هفا ... ولو أنه ثارت عليه حفائظه متى ساء منه لفظ فلست من ... أجازيه بالهجر الذي هو لافظه وإن نال من عرضي بعيب غفرته ... وإني بظهر الغيب جهدي لحافظه وما المرء إلا يمنح الخل بشره ... إذا ما أتاه منه ما هو غائظه ومن حاسب الإخوان في اللفظ عاتبا ... فقد أحرز الخلق المحمد لافظه فرب أخي خلق جديد مراجع ... بصيرته يهديه للحق واعظه فما الخل إلا الطرف يعظم نفعه ... ويغضي إذا أقذت عليه لواحظه ومما صدر به رسالة: زارت على حين يأس من تلاقيها ... والنفس رهن اشتياق في تراقيها فأنتشرت ميت عتب آي منشيها ... وابرأت مس وجد صحف راقيها صحيفة حسنات الدهر قد جمعت ... فباليمن يلقى يمن لاقيها كأن ألفاظها تحوي معانيها ... كأس المدامة أسلافا تساقيها لكن حين حياني الرسول بها ... كأس الثريا التيم ساقيها (70آ) وقال وقد عرض الجيش بحضرته: رأيت العرض بين يدي مليك ... له ملك يناقشه الحسابا فهذا يرتضي فيري نعيما ... وذا لا يرتضي فيري عذابا فأذكرني ولا أنساه عرضا ... له فود الوليد الغر شابا لدى ملك كبير ليس يرجو ... نوالا لا ولا يخشى عقابا ## $ 73؟ الفقيه الكاتب أبو عبد الله محمد بن علي المسنجي المالقي، رحمه الله تعالى: طالب لطيف الشميلة والضريبة، سالك على السبل القريبة، يجيد الخط، ويعاني الأدب المنحط، مستظهرا السكون، والجنوح إلى الخير والركون، تعلق بخدمة الدولة المرينية ملقيا بعطنه، نازغعا إليها من وطنه، عارضا بضائع فطنه، فانتظم في كتاب بابها، وعكف على أعتابها، وأينعت حاله بربابها (1) ، إلى أن هلك في بعض الأسفار، غريبا في القفار، فلا عدته مغفرة الغفار؛ وكان له شعر يزعجه التلفيق، ويمده الشفيق، فمن ذلك قوله: يا بدر آفاق المعارف والعلا ... وإمام كل بديعة وصواب ومن الذي أزرى بأكثم حلمه ... ونأى على الجرمي في الأعراب (1) لما اقتبست سنا بلاغتك التي ... أزرت على الشعراء والكتاب جاريت سباق البيان ففقتهم ... في حالي الإيجاز والأسهاب ومن شعره قوله: حنانيك يا من قد وكلت له أمري ... ورحماك في مستصرخ بك يا ذخري (70ب) حنانيك أعلى ما قصدت بهمتي ... ونعماك أسنى ما اعتمدت من الدهر إذا كنت لي لم أخش خسران صفقة ... وإن لم تكن لي كان تجري ذا خسر وعلياك ما لي غير جودك ملجأ ... أيممه في حالي السر والجهر ## $ 74؟ الطالب محمد بن عبد الله بن أبي القاسم اللوشي الكاتب، رحمه الله تعالى عليه: كان طالبا خيرا، وموسوسا متطيرا، وكان من قربه وزلفه، شهرة سلفه، فانتظم في الكتاب وارتسم، ثقيلا كلما ابتسم، ومنقبضا فبالانبساط ما اتسم، إلى أن عاجله مبيد النسم؛ وشعره مناسب لحاله، ومن جنس انتحاله، فمن قوله يرثي أستاذ الجماعة أبا عبد الله ابن الفخار (1) ، رحمه الله تعالى: ويوم نعى الناعي شهاب المحامد ... تغيرت الدنيا لمهلك واحد فلا عذر للعينين أن لم تسامحا ... بدمع يحاكي الوبل يشفي لواجد قضى من بني الفخار أفضل ماجد ... (2) جميل المساعي للعلا جد شائد طواه الردى ما كل حي يهابه ... وما ورده عارا يشين لوارد لقد غيبت منه المكارم في الثرى ... غداة ثوى وانسد باب الفوائد فيا حاملي أعواده ما علمتم ... بسؤدده الجم الكريم المحاتد ويا حفرة خطت له اليوم مضجعا ... سقتك الغوادي الغاديات الرواعد ألا يا حمام الأيك ساعدن في البكا ... على عالم الدنيا وزين المشاهد على من لو اسطعت الفدا لفديته ... بأنفس مال من طريف وتالد محمد ما النعمى لموتك غبطة ... تروق ولا ماء الحياة ببارد وكيف وباب العلم بعدك مغلق ... وموردك المتروك بين الموارد (71آ) أأستاذنا كنت الرجاء لآمل ... فأصبحت مهجور الفناء لقاصد فلا تبعدن شيخ المعارف والحمى ... أليس الذي (3) تحت التراب بباعد لتبك العيون بعدك اليوم شجوها ... ويعف (4) لها ربع العلا والمحامد

ليبك عليك الجود والحلم والتقى ... وحسب البكا أن صرت ملحود لاحد أمولاي من للمشكلات يبينها ... فتجلو عمى كل القلوب الشواهد ومن ذا يحل (1) المقفلات صعابها ... ومن ذا الذي يهدي السبيل لحائد فيا راحلا عنا فزعنا لفقده ... لقد أونست منك القبور بوافد ويا كوكبا غال الزمان ضياءه ... وشيكا (2) وهل هذا الزمان بخالد سأبكيك ما لاحت بروق لشائم ... (3) وأرعاك ما كان الغمام بعائد عليك سلام الله ما هبت الصبا ... تهب بغصن في الاراكة مائد ## $ 75؟ الكاتب محمد بن عبد الحكيم بن تداررت أخو أبي علي المذكور (4) ، رحمه الله تعالى: فاضل، عن حماه مناضل، شدت من أواخيه، حرم " أخيه، فكتب مع الجماعة وسلك، وتصرف في القضاء إلى أن هلك، رحمة الله عليه أية (5) سلك، ولم أسمع له شعرا إلا قوله يرثي: أخي حسينا وحيد الزمان ... سقى الله قبرك صوب الولي فقد كنت في الجود حاتم طي ... وفي مجمع الحفل صدر الندي وفي الكتب آية فخر ... تتيه الطروس بمنشئها البابلي وفي الحرب عمرا ثباتا وصبرا ... (1) إذا طاش بالذعر قلب الكمى وفي الحسن بدر تمام تجلى ... فراق العيون بمرأى بهي رمتك وشيكا قسي المنون ... فلم تخط أسهم تلك القسي (71ب) فمن للمعالي يصوغ حلالها ... فتختال زهوا بأبهى الحلي طوتها البحار ولا غرو إن ... تغار على درها المعتلي بكاك الوجود وحق البكا ... على فقد ذاك الجمال السني بكاك الوجود وحق ... على درها المعتلي فيا فجعة طالما أثقلت ... فؤادي يوم طروق النعي فلو كنت تفدى بمال ونفس ... لأعطيت فيك نفيس الفدي ولكن فقدتك كنزا عتيدا ... فحسبي التأسي بفقد النبي ## $ 76؟ الفقيه الكاتب معلم ولد السلطان، محمد بن محمد بن محمد الخولاني الشريشي، رحمه الله بمنه. مجموع طلب، وحميد منقلب، ساعده الحظ بعد كدح، وأورى بعد اصلاد (2) قدح، فأصبح ماليء الأعطان، مستحصد الأشطان، معلم ولد السلطان، وله في الأدب حصة نامية، وفي سمائه ربابها (3) هامية؛ فمن شعره في النسيب: بي شادن أهيف مهما انثنى ... يحكي تثنيه القضيب الرطيب ذو غرة كالبدر قد أطلعت ... فوق قضيب نابت في كثيب خضت حشا الظلماء من حبه ... أختلس الوصل حذار الرقيب فبت والوصل لنا ثالث ... يضمنا ثوب عفاف قشيب حتى إذا ما الليل ولى وقد ... مالت نجوم الأفق نحو الغروب ودعته والقلب ذو لوعة ... أسبل من ماء جفوني غروب فلست أدري حين ودعته ... قلب بأضلاعي غدا أم قليب وقال أيضا: يا أجمل الناس ويا من غدت ... غرته تمحو سنا الشمس (73آ) أنعم على عبدك يا مالكي ... دون اشتراء ومنى نفسي بأن (1) ترى وسطى لعقدي وأن ... تعيد ربعي كامل الأنس فإن تفضلت بما أرتجي ... أبقيتني في عالم الإنس وإن تكن ترجعني خائبا ... فإنني أدرج في رمسي وقال في فضل العلم: يا طالب العلم اجتهد إنه ... خير من التالد والطارف فالعلم يزكو قدر إنفاقه ... والمال إن أنفقته تالف ## $ 77 - ؟ الشيخ الكاتب الرئيس أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن صفوان القيسي (1) ، رحمه الله: فارس بهذه الميادين معلم، وحجة برهانها مسلم، وبطل لا ترد شباة نقده، ولا تحل مبرمات عقده، يرمي الغوامض بالذهن الذي لا ترد شباه، ولا تفل عند الضرب ظباه، ويفك الأقفال إذا عظم الاشتباه، وله في إيضاح المعميات مقام خفق لواه، وتخصيص من الله تعالى لم يخص به سواه؛ حل في حلبة الكتاب بطلا بئيسا، وكتب عن السلطان رئيسا، ثم آثر الانقباض فما أعمل في خدمة بنانا، ولا شغل بها جنانا، يتمعش من عقد الشروط أحيانا، والدهر يوسعه نسيانا، ويذهب أثرا منه وعيانا، قد اجر رسنه (2) همة لا ترضى الكاتب بعلا، ولا الجوزاء وشاحا ولا الثريا نعلا، إلى أن نظرت في أمور الملك فانتشلته من مهواه، ودللت البر على مثواه، واسنيت له الجراية، ونشرت من تعظيمه الراية، فأصبح به حفيا، إلى أن مات مكفيا. وشعره وثيق مبناه، ومتكاف لفظه ومعناه، وله بالمقاصد الصوفية كلف، (72ب) وبالأقوال الشهيرة فيها زلف، فمن ذلك قوله: هم بالرقي إلى المحل السامي ... ليس المقام لدى الثرى بمقام جرد حسام الغزم عن غمد الهوى ... واقطع علائق شاغل الأوهام وانهض بجد لاقتباس النور من ... برق الحمى بمثابة الإحرام واهجر عوالم حسك الأدنى ولا ... تحفل بشمس ضحى وبدر تمام فالكون أجمعه وما يحويه من ... عال ومنخفض حجاب ظلام يا أيها الآوي إلى أضداده ... ليست خيامك هذه بخيام هجروك فأنبهم الطريق إليهم ... وتشابه الأنجاد بالأتهام فظللت تندب للجهالة أربعا ... إفصاحها كمضلل الأعجام المم بيم السر منك فغص به ... وإذا غرقت فناد دون كلام يا درة النفس النفيسة يممي ... سمط العلا تحظي بخير نظام يا جوهرا حار الورة في كنهه ... وعتا تصوره على الأفهام يا مظهرا سر الوجود ومازجا ... ماء الندى رفقا بلفح ضرام أنت الموصل باشتراك طباعه ... نور العقول بظلمة الأجسام أنت المهيا بالطهارة والصفا ... لقبول سر الوحي والإلهام يا مسندا خبر الذين أحبهم ... وأخصهم بصبابتي وهيامي لك في الفؤاد مكانة محفوفة ... مني بوافي السر والإكرام إني وجدت لديك نفحة طيبهم ... كعبيق مسك عند فض ختام كرر على سمعي لذيذ حديثهم ... فحديثهم يروي غليل أوامي تفديك نفسي من حديث قادم ... من عند أحباب علي كرام فصلوك عنهم كي تخط علومهم ... في صفح لوحك علية (1) الأقلام حجبوك عن مرأى النواظر غيرة ... ووقوك كرة حوادث الأيام (73آ) دلوا عليك بهم وأنت دليلهم ... لذوي النهى ومسددي الأفهام حتى إذا كمل الذي قصدوا له ... جذبوك نحوهم بفضل زمام فخروف (2) ذاتك تقتضي قدم الذي ... أضفى عليك ملابس الإنعام وكمال حسنك مفصح بكمالهم ... شهدت بذلك حال الاستلزام عرج على الواد الكريم مبادرا ... خلع النعال بموطئ الأقدام وأصخ لما يلقى بسرك بائعا ... ح الوجود خلعة الأعدام فإذا فقدت فقد وجدت بغبطة ... مقرونة بمسرة ودوام فهم إذا لا (3) أنت إن سواهم ... بيد الفناء أذيق كأس حمام وابثث لديهم عند ذلك قصتي ... واشرح لهم وجدي بهم وغرامي ومدامعا أسبلتها من شوقهم ... ما بين ندماني كؤوس مدام غني ختمت على الضمير بحبهم ... فغدا هواهم فيه زهر كمام وجعلته حرما لهم فسواهم ... ما إن له بحماه من إلمام حسبي بهم من غيرهم بدلا فهم ... روحي وريحاني وبرة سقامي إن لاح لي من أفق مغناهم سنا ... فعلى الوجود تحيتي وسلامي ومن قصائده في هذا الغرض الشريف: أدهى (1) حجابك رؤية الأغيار ... فامح الدجى بأشعة الأنوار يا قارئا لفظ الوجود وفكره ... في فهم معناه الجلي مماري لا تشغلن بظاهر لك قد بدا ... عما بباطنه من الأسرار أودعت أنفس جوهر فأضعته ... وغمرته في لجة الأعمار حجبتك هذي الكائنات بظلها ... عن سرها المكتوم حجب سرار أو ما ترى أشخاصها قد أومأت ... طرا إلى صنع الحكيم الباري دلت عليه بافتقار وجودها ... لوجوده في الجهر والأسرار (73ب) فلسان حال الكل ينطق مفصحا ... بخضوعه للواحد القهار فاخلع نعال الكون خلع محقق ... وجد المؤثر في بقا الآثار لحظ المنازل يستشف جمالها ... لحظ الحبيب البادي الاستبصار فأعار حسن الدار صفحة معرض ... وسما بهمته لرب الدار لاحت له أنوار شمس أشرقت ... فكست دجى الظلماء ضوء نهار واعتاض من صحو غذاه ناشئا ... محوا عراه به انتشاء عقار دارت عليه بدير معناه طلا ... محروسة الأدوار والأديار مشمولة شملت شمائله فلم ... ترتح لغير الراح والأسكار قد أسكنت (2) دن الدنو وألبست ... أسمال أسما وقار وقار عصرت يمين المن صرف سلافها ... لمديرها في سالف الأعصار وتعتقت حتى تروق جسمها ... لطفا وفات توهم الأفكار فالنور في عرصاتها والنور في ... دوحاتها ولهيبها كالنار شعشع حمياها وحث كؤوسها ... واخلع عذارك واضح الأعذار فإذا انتشت فناد من تهوي وبح ... بصريح ما أكننت في إضمار فألذ ما يجني المتيم في الهوى ... ما ناله جهرا خليع عذار وإذا خلوت بهم بغير مراقب ... فابثث هواك بذلة وصغار فأرق ما بث الحبيب حبيبه ... شكوى الصبابة في خفي سرار لا تبغين لهم شفيعا غيرهم ... فهم الشفيع لمبتغي الأيسار وهم الذين بهم تنال وصالهم ... وتفوز بالتقريب والإيثار حسب العميد من الوجود هم فهم ... أنس الفؤاد ونزهة الأبصار إن باعدوا أو ساعدوا لا ارتضي ... في حبهم ما عشت فك إسار (74آ) لم نتخذ شيئا (1) ولكن قصرت ... عن فهم ذاك مباحث النظار لا زال سري آهلا بهواهم ... مستوحشا من رؤية الأغيار ومن ذلك القصيدة التي كلف بها القوالون (2) : بان الحميم فما الحمى والبان ... بشفاء من عنه الأحبة بانوا لم ينقضوا عهدا ببينهم ولا ... أنساهم ميثاقك الحدثان لكن جنحت لغيرهم فأزالهم ... عن أنسهم بك موحش غيران لو صح حبك ما فقدتهم ولا ... سارت بهم عن حبك الأظعان تشتاقهم وحشاك هالة بدرهم ... والسر منك لخيلهم ميدان ما هكذا أحوال أرباب الهوى ... نسخ الغرام بقلبك السلوان لا يشتكي ألم البعاد متيم ... أحبابه بفؤاده سكان ما عندهم إلا الكمال وإنما ... غطى على مرآتها النقصان شغلتك بالأغيار عنهم مقلة ... إنسانها عن لمحهم وسنان غمض جفونك عن هواهم معرضا ... إن الصوارم حجبها الأجفان واصرف إليهم لحظ فكرك شاخصا ... ترسم (1) بقلبك كيف كنت وكانوا ما غاب عن مغناك من ألطافه ... يهمي عليك سحابها الهتان وجياد أنعمه ببابك ترتمي ... تسري إليك بركبها الأكوان جغلوا دليلا منك فيك عليهم ... فبدا على تقصيرك البرهان يا لامحا سر الوجود بعينه ... السر فيك بأسره والشان ارجع لذاتك أن أردت تنزها ... فبها لعيني ذي الحجى بستان هي روضة مطلولة بل جنة ... فيها المنى والروح والريحان كم حكمة صارت تلوح لمبصر ... حارت لباهر صنعها الأذهان حجبت بشخصك عن عيانك شمسها ... فمحا خاسن ذكرها النسيان لولاك ما خفيت عليك إياتها ... والجو من أنوارها ملآن فاخرج إليهم عنك مفتقرا لهم ... إن الملوك بافتقار تدان واخضع لعزهم ولذ بهم يلح ... منهم عليك تلطف وحنان هم رشحوك إلى الوصال إليهم ... وهم على طلب الوصال أعانوا عطفوا جمالهم على أجمالهم ... فسبا المشوق الحسن والإحسان يا ملبسين عميدهم حلل الضنى ... جسمي بما تكسونه يزدان لا سخط عندي للذي ترضونه ... قلبي بذلك فارح جذلان تقريبكم عين البقاء وبعدكم ... محض الفناء وحبكم ولهان إني كتمت عن الأنام هواكم ... حتى دهيت وخانني الكتمان ووشت بحالي في الغرام مدامع ... أدنى مواقع قطرها طوفان وبدت علي شمائل عذرية ... تقضي بأني فيكم هيمان فإذا نطقت فذكركم لي منطق ... ما لي سواكم للسان بيان وإذا صمت فأنتم سري الذي ... بين الجوانح في الفؤاد يصان فبباطني وبظاهري كم هوى ... من جنده الأسرار والإعلان وجوارحي وجميع أنفاسي وما ... أحوي، علي لحبكم أعوان وإليكم مني المفر فقصدكم ... حرم به للخائفين أمان استكثرت من نظم هذا الرجل لشرف غرضه، ومن مقطوعاته (1) : كففت عن الوصال طويل شوقي ... إليك وأنت للروح الخليل poetry>وكفاك للوصال فدتك نفسي قبيح ليس يرضاه الخليل (75آ) ومن ذلك في التورية بالغرض المذكور أيضا (2) : يا كاملا شوقي إليه وافر ... وبسيط خدي في هواه عزيز عاملت أسبابي إليك بقطعها ... والقطع في الأسباب ليس يجوز وقال أيضا (3) : أيا قمرا مطالعه جناني ... وغرته توارت عن عياني أأصرف في هواك عن افتراقي ... وسهدي وانتحابي علتان ومن المقطوعات التي شهرت عنه (4) : وشى (1) العذار لجينه بنبا له ... فغدا يرق على المحب الواله خط العذار بصفحتيه لامه ... خطا توعده بمحو جماله فحسبت أن جماله شمس الضحى ... حسنا وذاك الخط خط زواله فرنا إلي تعجبا وأجابني ... والروع يبدو من خلال مقاله إن الجمال اللام آخره فعج ... عن رسمه واندب على أطلاله ## $ 78؟ الكاتب أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن أحمد بن جزي الكلبي (2) ، رحمه الله تعالى شمس في سماء البلاغة بازغة، وحجة على بقاء هذه الفطرة العربية بالمغربية بالغة، ونعمة على هذه الطريقة سابغة، ونادرة فيها ونابغة، من جذع أبر على القارح، وزجر من المعرفة كل سانح، لا بارح، لو تعلقت الغوامض بالثريا لنالها، وقال أنا لها؛ وربما غلبت الغفلة على ظاهره، وانطبق كمامه على أزاهره، فإذا قدح زنده، تقدم المواكب بنده. وكان من طبقة أبناء جنسه التي إليها المنتهى، وجنة الأدب التي يجد كل مشته ما اشتهى، فمطولاته بحور، (75ب) وغرامياته ولدان وحور، وامداحه درر النحور، أخسفت المنية منه بدرا،

وغالت صدرا، وأوسعت البراعة غدرا، ولم تذر لها قدرا؛ وكان ممن نال من ملك الغرب محلا، وتحلى منه بما تحلى، رحمة الله تعالى عليه، فمن شعره (1) : ومورد الوجنات معسول اللمى ... فتاك لحظ العين في عشاقه الخمر بين لثاته والزهر في ... وجناته والسحر في أحداقه مياد غصن البان في أثوابه ... ويلوح بدر التم في أطواقه من للهلال بخده أو ثغره ... هب أنه يحكيه في إشراقه ولقد تشبهت الظباء بشبهة ... من خلقه وعجزن عن أخلاقه نادمته وسنا محيا الشمس قد ... ألقى على الآفاق فضل رواقه في روضة ضحكت ثغور أقاحها ... وأسال فيها المزن من آماقه أسقيه كأس سلافة كالمسك في ... نفحاته والشهد عند مذاقه صفراء لم يدر الفتى اكواسها ... إلا تداعى همه لفراقه ولقد تلين الصم من سطواته ... فيعود للمعهود من إشفاقه وأظل أرشف من اقاحي ثغره ... خمرا تداوي القلب من إحراقه ولربما عطفته نحوي نشوة ... تشفي الخبال بضمه وعناقه أرجو رضاه إذا تبسم ضاحكا ... وأخاف منه العتب في إطراقه أشكو القساوة من هواه وقلبه ... والضعف من جلدي ومن ميثاقه يا هل لعهد قد مضى من عودة ... أم لا سبيل بحالة للحاقه يا ليت لو كانت لذلك حيلة ... أو كان يعطى المرء باستحقاقه فلقد يروق الغصن بعد ذبوله ... ويروق بدر التم بعد محاقه (76آ) ومن الغراميات التي سلك فيها مسلك قيس ليلى (1) : متى يتلاقى شائق ومشوق ... ويصبح عاني الحب وهو طليق أما إنها أمنية عز نيلها ... ومرمى لعمري في الرجاء سحيق ولكنني خادعت قلبي تعلة ... أخاف انصداع القلب فهو رقيق وقد يرزق الإنسان من بعد يأسه ... وروض الربى بعد الذبول يروق تباعدت لما زادني القرب لوعة ... لعل فؤادي من جواه يفيق ورمت شفاء الداء بالداء مثله ... فإني بأن لا أشتفي (2) لحقيق وتالله ما للصب في الحب راحة ... على كل حال إنه لمشوق أيا رب قد ضاقت علي (3) مذاهبي ... فها أنا في بحر الغرام غريق ولا سلوة ترجى ولا الصبر ممكن ... وليس إلى وصل الحبيب طريق ولا الحب عن تعذيب قلبي ينثني ... ولا القلب للتعذيب منه يطيق شجون يضيق الصدر عن زفراتها ... وشوق نطاق الصبر عنه يضيق نثرت عقود الدمع ثم نظمتها ... قريضا فذا در وذاك عقيق بكيت أسى حتى بكت لي حسدي ... كأن عدوي صار وهو صديق ولو أن عند الناس بعض محبتي ... لما كان يلفى في الأنام مفيق أيا عين كفي الدمع ما بقي الكرى ... إذا منعوك اليوم سوف تذوق ويا غائبا عن ناظري أما يرى ... لشمسك من بعد الغروب شروق رويدك رفقا بالفؤاد فإنه ... عليك وإن عذبته لشفيق نقضت عهودي ظالما بعد عقودها ... إلا إن عهدي كيف كنت وثيق كتمتك (1) حبا يعلم الله مدة ... وبين ضلوعي من هواك حريق فما زلت بي حتى افتضحت فإن أكن ... صبوت فبعد اليوم لست أطيق (76ب) ومن قصيدة غرامية قوله: خليلي إن الحب أعيا اكتتامه ... فهذا لسان الدمع بالسر ناطق أيا رب حتى دمع عيني ينم بي ... وحتى منامي مذ هويت مفارق وكنت أظن القلب يقوى على الأسى ... فها هو لما جد أمري (2) زاهق إذا حانني قلبي ونومي وناظري ... فوالله ما أدري بمن أنا واثق أقلا ملامي في الهوى لا بليتما ... فإن الهوى عن سمعي اللوم عائق أبيت وندماني شجوني، وقهوتي ... دموعي، وما غير الدموع موافق يشوقني ساري النسيم إذا سرى ... ألا كل آت منهم لي شائق لقد أنكروني إذ مررت بربعهم ... وظنوا ظنونا خالفتها الحقائق رأوا جسدي من تحت ثوبي ناحلا ... كما رق حد السيق والغمد رائق يقولون ما هذا الخبال الذي به ... وما بي خبال غير أني عاشق وقالوا ادعى فينا المحبة كاذبا ... أما وذمام الحب أني لصادق وما باله يشتاق من ليس شيقا ... إليه ويهوى وفق من لا يوافق يزيد خضوعا حين يزداد عزة ... لبئس الفتى هذا وبئس الخلائق فمهما لحظنا ليس تحمي سوابغ ... ومهما طلبنا ليس تنجي سوابق وكم من محب مات فينا صبابة ... وهذا الفتى لا شك بالقوم لاحق ومن المقطوعات المطبوعات: شد ما قد لقيت في حب سلمى ... قل صبري وضاق بالحب ذرعي كل يوم زيارة ورسول ... لأراها بناظري أو بمسمعي وإذا لم يكن إليها سبيل ... وعدمت الرسول أرسلت دمعي ومن المقطوعات قوله: (77آ) لما اشتكى العشاق من فتكاته ... بظبا اللواحظ قال وهو الصادق: قسما لئن عادوا إلى الشكوى بها ... لا أغمدت وعلى البسيطة عاشق ومن ذلك أيضا في التورية (1) : أبح لي يا روض المحاسن نظرة ... إلى ورد ذام الخد كنت لك الفدا وبالله لا تبخل علي بقطفة ... فإني عهدت الروض يوصف بالندى ومن ذلك قوله: وغزال له جفون مراض ... تبعث الوجد في قلوب الصحاح غرني لحظه وقد قيل شاك ... فإذا هم يعنون شاكي السلاح ومن ذلك قوله (2) : يقولون لي أصبحت بالآس مولعا ... وقلت: وهل في حبي الآس من باس ألم تعلم أن الهوى قد أعلني ... وكيف ترى شوق العليل إلى الآسي ومن ذلك قوله: أفنيت فيه نسيب شعري طائعا ... وأسلت دمعي كالحيا المدرار وأراه ما حفظ العهود ولا رعى ... ذمم النسيب ولا حقوق الجار ومن التورية وهو مليح (1) : وصديق شكا لما حملوه ... من قضاء يقضي بفرط العناء قلت: فاردد ما حملوك عليهم ... قال: من يستطيع رد القضاء؟ ومن المقطوعات قوله في ذلك: ويا رب ساجي الطرف يعطفه الهوى ... على الصب بعض الشيء ثم يميل عجبت له يشكو الغرام فقال لي: ... أتعجب أن يشكو الغرام جميل؟ وإحسان هذا الفاضل بحر لا تنزحه الدلاء، رحمه الله تعالى. (77ب) ## $ 79؟ الكاتب أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الحق ابن محمد الصباغ العقيلي (2) ، رحمه الله تعالى: رجل كفاية، ولباب غير نفاية، انتحل الأدب، وإلى فئته انتدب، فنظم ونثر، وركض فقل أن عثر، ورحل إلى المغرب فأعتب الزمان بعد عتابه، وانتظم في سلك شعراء السلطان وكتابه، ولم يكن عارضه يسرع في انسكابه، حتى ظعن الموت بركابه؛ ومن شعره (1) : زار الخيال ويا لها من لذة ... لكن للذات الخيال منام ما زلت ألثم مبسما، منظومه ... درر، ومورده الشهي مدام وأضم غصن البان من أعطافه ... فأشم مسكا فض عنه ختام وقال أيضا: أدرها من بنات الكرم بكرا ... كساها دنها لونا شريفا غدت في أوجه الاكواس ورسا ... وفي وجه النديم بدت عقيقا وقال رحمه الله تعالى (2) : ليت شعري والهوى أمل ... وأماني الصب لا تقف هل لذاك الوصل مرتجع ... أم لهذا الهجر منصرف وقال في معرض الفخر (3) : وظبي زها بالطرف والعطف والطلا ... وما حاز من غنج ولين ومن غيد أشرت إليه بالدنو مداعبا ... فقال: أيدنو الظبي من غابة الأسد

## $ 80 - ؟ الكاتب محمد بن محمد بن عبد الرحمن القطان الهاشمي نسبا، رحمه الله تعالى: فتى حسن الشمائل والضرائب، آت على حداثة سنه بالغرائب، (78آ) انتظم مع الكتاب والعمر جديد، وظل اللمة السوداء مديد، فأطاعه على النظم لسان، وصدرت عنه آداب حسان، إلا أنه اعتبط عندما غبط، رحمه الله تعالى. من شعره ما كتب لي به: أجارتنا رفقا على الهاتم الصب ... فقد ذاب وجدا بالصبابة والحب قذفت بسحر اللحظ في قلبي الهوى ... وقد عشت دهرا قبله خالي القلب وصعدت أنفاسي وقطرت أدمعي ... وقلبتني بالسهد جنبا إلى جنب يكاد فؤادي أن يطير أسى إذا ... أفكر في إنجاز وعدك بالقرب أقول: متى أو كيف يسمح دهرنا ... بساعة وصل قبل أن ينقضي نحبي فكم رمتها والبخل منها سجية ... يطول بها لو كنت سامعة عتبي فإن عيون الكاشحين إذا بدا ... محياك من دوني موانع كالحجب بحرمة ما بيني وبينك عجلي ... وصالك لي تستوجبي الأجر من ربي ألم تعلمي أني إذا ما طردتني ... ألوذ بآمالي إلى الجانب الرحب إلى الجانب السامي الممنع جاره ... إلى الجانب المربي على رتب الشهب جناب فريد العصر والجملة التي ... تدور أمور الملك منه على قطب وزير المقام اليوسفي ومن له ... نوال يباري الغيث متصل السكب (1) ومن أخرى: أوجهك أبهى أم سنا القمر التم ... وريقك أشهى أم مذاق ابنة الكرم يشوق محبا فيك ظام لورده ... ومنعكه من ظلمه أكبر الظلم فهل علة منه لغلة عائم ... أجاب الهوى بالطوع منه وبالرغم وخدك أم روض من الحسن يانع ... يفوق رياض الحزن غب حيا يهمي فيا ربة الحسن الذي ظل مفردا ... خفي الله في صب يذوب من السقم (78ب) مقيم على حفظ الهوى وعهوده ... يرى عطفة في النوم منك من الغنم يطيع الهوى في حبه لك دائما ... ويعصي المنى إن أصبحت فيك من خصم يحن لأيام مضت ومعاهد ... سقاها عهاد الدمع بالوابل السجم فجودي على صب يجود بنفسه ... وردي عليه الروح في مدنف الجسم وإلا سأستعدي عليك بسيد ... يؤمن من خوف ويوسر من عدم وزير له في المعلوات علاقة ... يبلغها الغايات منهن بالعزم ## $ 81 - ؟ الكاتب أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد القيسي المرادي، رحمه الله تعالى: شاعر مجيد، ومتلع يجيد (1) ، وباني بيوت القريض ذات تنجيد، ورام إلى الأغراض بسهم سديد، على غرارة غضة وعمر جديد، كان أبوه عطارا فما عدا العطر شيمته، لا بل اقتحم عليه سيمته (2) ، فشكر الربع ديمته، وحضرت أمراء الاستحسان لما أعرس بعقائله الحسان وليمته، ولما اجتليت غرته، نظمت في سلك الكتاب درته، وفضضت بيد الشفيق (3) صرته، إلا أنه اعتبط أينع ما كان فننا، وأوضح في الفضل سننا، رحمه الله تعالى. ومن شعره ما خاطبني به من قصيدة طويلة: تعال نعجها بين تلك المنازل ... فقد رفعت ما بين عاف ونازل (4) نعلل منها كل نفس عليلة ... ونقضي مناها بين تلك المناهل ونتقع للأحشاء من كل غلة ... جوى ونحلي للهوى كل عاطل أليس التي لاحت معالم حيهم ... فما لكما في قصد تلك المجاهل وغناء حسناء الروابي كأنما ... سقاها حيا دمعي بهام وهامل مؤرجة الرجاء مضواعة الربى ... تمر بها الأرواح مر القوافل (79آ) تماري بمرأى زهرها الزهر في الدجى ... وتهفو بأنفاس الضحى في الأصائل كأن شذاها من شذا المسك أو شذا ... حلى معلوات ابن الخطيب الحلاحل وخفاقة الأطلال تحسب أنها ... علتها علا من ظله المتطاول وإن كان منها الظل أقعس زائلا ... فظل علاه ليس عنها بزائل كأن شعاع الشمس فوق غصونها ... مصاقل لاحت في رؤوس العوامل كأن اطراد النهر ما بين نورها ... مناصل سكت بين وشي الحمائل كأن محيا زهرها غب طله ... سنا الشمس أو ضوء البدور الكوامل كأن عليها من سجايا محمد ... شمائل يبدو عنه نفح الشمائل الكني (1) إلى مثوى الوزارة مألكا ... أطاول منه بالأماني الطوائل إلى عالم (2) الدنيا الذي لعلائه ... (3) تضائل أعلى يذبل ومواسل عميد المعالي والمعارف والذي ... تحدى بآيات العلا والفواضل ومعجزة الأيام والواحد الذي ... بسؤدده تبأى صدور المحافل تبارك من سوى مقامك فاغتدى ... على فضل هذا العصر أجلى الدلائل " علمت فلم تترك مجالا لعالم ... وقلت فلم تترك مقالا لقائل " وهي طويلة مشتملة على النيل والوسيل، وبلغه عن بعض أصحابه اتهام، بانتحالها وقد وقع في اسمي له (4) إبهام، فجلا الظلمة، ورفع التهمة، وكتب بحال ابتدار، بما يشهد باطلاع (1) واقتدار، وانفساح مدار، قوله: شفاء (2) صداها أم تلك المناهل ... وري غليلي لثم تلك الأنامل وبين النقا والجزع وسنان ناظر ... يعيد على الألباب آية بابل وفي سمرات الحي من معهد اللوى ... بلابل هاجت من شجون البلابل (79ب) ومطلولة الأرجاء أخجل نشرها ... نسيم الصبا جاءت بريا الخمائل كأن شذاها من شذا المسك أو شذا ... حلى معلوات ابن الخطيب الحلاحل عماد الحجى والمجد والحلم والتقى ... وفخر المعالي وازدهار الفضائل وحجة أيام أواخر آيها ... حوت قصبات السنو دون الأوائل عذيري لا والله عذري لهفوة ... دهتني ولكن عذر هيمان ذاهل وقد كان بي من فرط حبي عندما ... دنا اسمكم السامي العلا أي شاغل رأى الماء من قرب فأهوى لورده ... هياما ولم يحفل بذائد حائل إذا لم يكن من هيبة اسمك مذهل ... يهول فإني آمن كل هائل وهي طويلة وفي هذا القدر كفاية. ## $ 82 - ؟ الكاتب الرئيس أبو اسحق إبراهيم بن محمد الساحلي الأنصاري (1) ، رحمه الله تعالى: جواب الآفاق، ومحالف الرفاق، ومنفق سعر الشعر كل النفاق، رفع للأدب راية لا تحجم، وأصبح نسيج وحده فيما يسدي ويلحم، ولما آنس بكساد سوقه، من بعد بسوقه، ولألؤ نسوقه، واستواء بيانه على سوقه، ارتحل، وبأثمد ملك السودان اكتحل، وفي تلك البلاد الموحشة رجل، حل بها محل الخمر في القار، من بعد الاعتصار، والنور من سواد الأبصار، وتقيد بالإحسان، وإن كان غريب الوجه واليد واللسان، فما أشبهه بالشمس شهرة وتجوالا، وعروضا وأطوالا، وميلا واعتدالا، وبرهانا على من آثر جدالا، وحسابا مضروبا، وأفولا في العين الحمئة وغروبا. ولو لم يكن في هذا الكتاب إلا اسمه، لوضح في المصنفات رسمه، وتوفر من المزية قسمه. وأما (80آ) نظمه ونثره فالشمس، تجل أن يدركها اللمس؛ عين أدب هذا الفاضل فراره (2) ، وحسب هذا المهند الفاصل غراره. فمن قوله: تألق نجديا فحيا وسلما ... وناجى جفوني فاستهلت له دما يرق ويخفى مثل جسمي كأنه ... حذا حذوه في السقم حتى تعلما وطارح أحشائي فأصبح خافقا ... وعاد بأشواقي فعاد مضرما وأوضح ثغرا كلما قطب الدجى ... تهلل في بهمائه وتبسما وجاد ديار العامرية بالنقا ... جزاء لليلى إذ أعارته مبسما أبارق ذات الأبرقين: أحاجر ... منازل تيم بعد تيم أم الحمى وما لزمان نام مستغرق الكرى ... فما هب حتى سل ما كان سلما طواني الضنا طي السجل وشفني ... فلم يبق مني السقم إلا توهما وودعت خلى والشبيبة راغما ... فلم أدر من أجرى دموعي منهما وجف ربيع العيش في مربع الصبا ... غداة ذوى العود البهيم وأثغما فسيان بيضا فتت في مفارقي ... وأبيض أضحى فوقهن مصمما وقد كنت قبل اليوم أقتاد أبيضا ... من العيس مهما كنت أجنب أدهما أغازل ليلى تحت ليل شبيبتي ... فأما وقد صاح الصباح به فما ولي كبد مهما رأى البرق وهنة ... تنفس من أحشائه وتكلما وإن ذكرت ليلى تطاير خافقا ... وإن هينم الحادي بنجد تلوما ويا لغريب أنجد الركب موضعا ... بأحبابه الأدنين منه وأتهما رمى بهم عرض الفلاة وإنما ... رمى مصميا أفلاذ قلبي إذ رما ومن هذا الأسلوب: عيون سحاب أم سحاب عيون ... سقت صوب نعمان بصوب معين (80ب) وما لرباها بعد ليلى تلفعت ... غراما وحزنا في مطارف جون وقفت بها أذكي حشاي واتقي ... بفضل ردائي واكفات شئوني فطورا أرويها وطورا اشبها ... بنار شجوني أو بماء جفوني بقايا طلول أنكر العين حسنها ... فأثبته وجدي بها وشجوني أكر فيثنيني خطاب طلولها ... إلي بباء أعجمته ونون فيا طللا أقوى وقد كان قبل ذا ... مطالع شهب أو مراتع عين أتعلم قلبي أين ظل فإنه ... بكفي قوي البأس غير أمين ويا سائق الأظعان رفقا فإنما ... تدوس على آماق كل حزين وتحت تماثيل الخدور كواكب ... جلون هلالا تحت كل جبين تبسم عن لألاء در منضد ... على ثغب من ريقهن معين فأخلفن عهدي، والذنوب لشيبتي ... على مفرقي أفتت بلي ديوني وولين دوني بالشمال وإنما ... توسدن في ظل الشباب يميني وقلن جنون أذهب الشيب غيها ... ويا ليت يوما لو تعاد جنوني ومن ذلك قوله: دع العين تذري الدمع في طلل لالربع ... فليس حراما أن أريق به دمعي وحدث عن القوم الذي عهدتهم ... أحلوا بنجد أم أقاموا على سلع وإن لم يكن قد فاز طرفي بنظرة ... إليهم فحسبي أن يفوز بهم سمعي ذكرتك يا نجد ففاضت مدامعي ... وأي نصير للمحب سوى الدمع وإن تقن يا نفس العزاء تجملا ... فإنك مكلوم الحشا دائم الصدع تبيت وفي جنبيك من ألم الهوى ... (1) لواسب حب لا تمل من اللسع ومهما بدا من جانب الجزع بارق ... جزعت ومن لي أن أرى بارق الجزع (81آ) أمنفلت من ربقة الوجد عاشق ... يموت ويحيا بالوصال وبالقطع يسائل عن ماء العذيب تجاهلا ... وإن الذي يشفي صداه (2) على جمع

أحن كما حنت ركابي إلى منى ... وما دارها داري ولا ربعها ربعي ولكن نزوع من بقايا حشاشة ... رمتنا بها وطفا (1) مسددة النزع وقالوا غدا يقضي بجمع ديوننا ... وحسبي بجمع أن أرى ليلة الجمع لعينك قلبي يا ابنة القوم طائع ... صبور على الشكوى صبور (2) على المنع تجلى لطرفي في خياك روضه ... ووردته المحمرة اللون من زرعي وثغرك من دمعي وخدك من دمي ... وخصرك من فكري، وخليك من سجعي قصرت فؤادي في رضاك على الجوى ... وحرمت عذلي في هواك على سمعي ومن المقطوعات والأوصاف: ومفروشة بالآس والنرجس الغض ... وبالورد والنسرين بعضا على بعض كأن احمرار الورد خجلة غادة ... يلاعبها المشتاق بالقبل والعض كأن اصفرار النرجس الغض إذ بدا ... يميس بأغصان من العسجد الغض كأن اخضرار الآس قضب زمرد ... تنمقه أيدي القيان على الأرض كأن ضياء (3) الكأس بدر بدا لنا ... فطورا إلى رفع وطورا إلى خفض كأن خدود الشاربين وقد بدت ... بها الخمر جمر قد توقد من رمض ## $ 83 - ؟ الشيخ الكاتب أبو جعفر أحمد بن علي بن محمد ابن خاتمة الأنصاري (1) ، رحمه الله تعالى: ناظم درر الألفاظ، ومقلد جواهر الكلام نحور الرواة ولبات الحفاظ، ذو الآداب التي أضحت شواردها حلم النيام وسمر الإيقاظ، وكمن في بياض طرسها وسواد نقسها سحر اللحاظ؛ اشتهر اشتهار (81ب) البدر ليلة الصحو، وعمرو بن قنبر (2) في صناعة النحو، وأمن ثبت فضله من المحو، وكان العلم الذي إليه يشار، وتحدى العشار، لا يساجل بحره بالدلاء، ولا يسد مسده بالبدلاء، مجموع فنون، وخوان ضب منها ونون، قل أن يذكر ضرب من المعارف إلا عرفه، أو يمر بنهر من أنهارها إلا شرب من مائه واغترفه، وأما الأدب فهو فيه الحجة التي لا تجهل، والمحجة التي قصدها هو الأسهل، مطولاته بحور زاخرة، ومقطوعاته درر فاخرة، ورسائله بالرياض ساخرة، وللنجوم الزهر مفاخرة، إلى الطرف، وطيب العرف؛ خبا بوفاته (3) الكوكب الوقاد، وألقى إلى الضالة (4) المهملة المقاد، واستولى من بعد اليقظة الرقاد، واستعجل النقاد؛ فمن غرامياته (1) : من لم يشاهد موقفا لفراق ... لم يدر كيف توله العشاق إن كنت لم تره من رأى ... يخبرك عن ولهي وهول سياقي من حر أنفاس، وخفق جوانح ... وصدوع أكباد، وفيض مآقي دهي الفؤاد فلا لسان ناطق ... عند الوداع ولا يد متراق ولقد أشير لمن تكلف رحلة ... أن عج (2) علي ولو بقدر فواق علي أراجع من ذماي حشاشة ... أشكو بها بعض الذي أنا لاق فمضى ولم تعطفه نحوي ذمة ... هيهات لا يثني على مشتاق يا صاحبي وقد مضى حكم الهوى ... روحا علي بشيمة الإشفاق واستقبلاها نسمة من (3) أرضكم ... فلعل نفحتها تحل وثاقي إني ليشفيني النسيم إذا سرى ... متضوعا من تلكم الآفاق من مبلغ بالجزع أهل مودتي ... إني على حكم الصبابة باق (82آ) ولئن تحول عهد قربهم نوى ... ما حلت عن عهدي ولا ميثاقي أنفت (4) خلائقي الكرام لخلتي ... نسبا إلى الإخلال والإخلاق قسما به ما استغرقتني فكرة ... إلا وفكري فيه واستغراقي لي أنة عند العشي لعله ... يصغي لها وكذا مع الإشراق أبكي إذا هب النسيم فإن تجد ... بللا به فبدمعي المهراق أومي بتسليم إليه مع الصبا ... فالذكر كتبي والرفاق رفاقي من لي شحط المزار بنازح ... أدنى لقلبي من جوى أشواقي إن غاب عن عيني فمثواه الحشا ... وسراه (1) بين القلب والأحداق جارت علي يد النوى بفراقه ... آها لما جنت النوى بفراق أحباب قلبي هل لماضي عيشنا ... رد فينسخ بعدكم بتلاق أم هل لأثواب التجلد راقع ... إذ ليس من داء المحبة راق ما غاب كوكب حسنكم عن ناظري ... إلا وأمطرت الدما آماقي ايه أخي أدر علي حديثهم ... كأسا ذكت عرفا وطيب مذاق وإذا جنحت لماء أو طرب فمن ... دمعي الهموع وقلبي الخفاق ذكراه راحي، والصبابة حضرتي ... والدمع ساقيتي، وأنت الساقي فليسل عني من لحاني إنني ... راض بما لاقيته وألاقي ومن ذلك (2) : وقفت والبين قد (3) زمت ركائبه ... وللنفوس مع الأنفاس (4) تقطيع وقد تمايل نحوي للوداع وهل ... لراحل القلب صدر الركب توديع أضم منه كما أهوى لغير نوى ... ريحانة في شذاها الطيب مجموع تهفو فأذعر خوفا من تقصفها ... إن الشفيق بسوء الظن مولوع (82ب) هل عند من قد دعا (5) بالبين مغلبة ... أن الردى منه مرئي ومسموع