= المعجب في تلخيص أخبار المغرب = * بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله مفني الأمم وباعث الرمم وواهب الحكم ذي البقاء والقدم الذي لا مطمع في إدراكه لثواقب الأذهان ونوافذ الهمم أحمده على ما علم وألهم وسوغ وأنعم وصلى الله على كاشف الظلم ورافع التهم وموضح الطريق الأمم المخصوص بجوامع الكلم والمبتعث إلى جميع العرب والعجم وعلى آله وصحبه أهل الفضل والكرم وسلم عليه وعليهم وشرف وعظم وبعد أيها السيد الذي توالت علي نعمه وأخذ بضبعي من حضيضي الفقر والخمول اعتناؤه وكرمه وقضى إحسانه إلي ومحبته التي جلبت عليها بأن ألتزم من بره وطاعته ما أنا ملتزمه فإنك سألتني بوأك الله أعلى الرتب كما عمر بك أندية الأدب ومنحك من سعادتي الدنيا والآخرة أوفر القسم كما جمع لك فضيلتي التدبير والقلم إملاء أوراق تشتمل على بعض أخبار المغرب وهيئته وحدود أقطاره وشيء من سير ملوكه وخصوصا ملوك المصامدة بني عبد المؤمن من لدن ابتداء دولتهم إلى وقتنا هذا وهو سنة 621 وأن ينضاف إلى ذلك نبذة من ذكر من لقيته أو لقيت من لقيه أو رويت عنه بوجه ما من وجوه الرواية من الشعراء والعلماء وأنواع أهل الفضل فلم أر بدا من إسعافك والمسارعة إلى ما فيه رضاك إذ هي الغاية التي أجري إليها والبغية التي أثابر أبدا عليها ولوجوب طاعتك علي من وجوه يكثر تعدادها فاستخرت الله عز وجل فيما ندبتني اليه واستعنته واعتمدت في كل ذلك عليه فهو الموئل والملجأ وهو حسبنا ونعم الوكيل هذا مع أني أعتذر إلى مولانا فسح الله في مدته من تقصير إن وقع بثلاثة أوجه من الأعذار فأولها ضعف عبارة المملوك وغلبة العي على طباعه فمهما وقع في هذا الإملاء من فتور لفظ أو إخلال بسرد فهو خليق بذلك والوجه الثاني أنه لم يصحبني من كتب هذا شيء الشأن أعتمد عليه وأجعله مستندا كما جرت عادة المصنفين وأما دولة المصامدة خصوصا فلم يقع إلي لأحد فيها تأليف أصلا خلا أني سمعت أن بعض أصحابنا جمع أخبارها واعتنى بسيرها وهذا المجموع لا أعرفه إلا سماعا والوجه الثالث أن محفوظاتي في هذا الوقت على غاية الاختلال والتشتت أوجبت ذلك هموم تزدحم على الخاطر وغموم تستغرق الفكر فرغبة المملوك الاصغر إجراء مولانا إياه على جميل عادته وحميد خلقه من التسامح والتغاضي لا زال مجده العالي يرفع الهمم ويعقد الذمم ويوصل النعم ويعمر ربوع الفضل والكرم
فصل في ذكر جزيرة الأندلس وحدودها
فأول ما يقع الابتداء به ذكر جزيرة الأندلس وتحديدها والتعريف بمدنها ونبذ من أخبارها وسير ملوكها من لدن فتحها إلى وقتنا هذا وهو سنة 621 إذ هي كانت معتمد المغرب الأقصى والمعتبرة منه والمنظور إليها فيه وهي كانت كرسي المملكة ومقر التدبير وأم قرى تلك البلاد لم يزل هذا معروفا من أمرها إلى أن تغلب عليها يوسف بن تاشفين اللمتوني فصارت إذ ذاك تبعا لمراكش من بلاد العدوة ثم تغلب عليها المصامدة بعده فاستمر الأمر على ذلك إلى وقتنا هذا فأقول وبالله التوفيق أما حدود جزيرة الأندلس فإن حدها الجنوبي منتهى الخليج الرومي الخارج من بحر مانطس وهو البحر الرومي مما يقابل طنجة في موضع يعرف بالزقاق سعة البحر هنالك اثنا عشر ميلا وهذا الخليج هو ملتقى البحرين أعني بحر مانطس وبحر أقيانس وحداها الشمالي والمغربي البحر الأعظم وهو بحر أقيانس المعروف عندنا ببحر الظلمة وحدها المشرقي الجبل الذي فيه هيكل الزهرة الواصل ما بين البحرين بحر الروم وهو مانطس والبحر الأعظم ومسافة ما بين البحرين في هذا الجبل قريب من ثلاث مراحل وهو الحد الأصغر من حدود الأندلس وحداها الأكبران الجنوبي والشمالي مسافة كل واحد منهما نحو من ثلاثين مرحلة وهذا الجبل الذي ذكرنا فيه هيكل الزهرة الذي هو الحد المشرقي من الأندلس هو الحاجز ما بين بلاد الأندلس وبين بلاد إفرنسة من الأرض الكبيرة أرض الروم التي هي بلاد إفرنجة العظمى والأندلس آخر المعمور في المغرب لأنها كما ذكرنا منتهية إلى بحر أقيانس الذي لا عمارة وراءه ومسافة ما بين طليطلة التي هي قريبة من وسط الأندلس ومدينة رومية قاعدة الأرض الكبيرة قريب من أربعين مرحلة ووسط الأندلس كما ذكرنا مدينة طليطلة العتيقة التي كانت قاعدة القوطا من قبائل الإفرنج ثم ملكها المسلمون زمان الفتح على ما سيأتي بيانه وعرضها تسع وثلاثون درجة وخمسون دقيقة وطولها ثمان وعشرون درجة بالتقريب فصارت بذلك قريبا من وسط الإقليم الخامس وأقل بلاد الأندلس عرضا المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء على البحر الجنوبي منها وعرضها ست وثلاثون درجة وأكثر مدنها عرضا بعض المدائن التي على ساحلها الشمالي وعرض ذلك الموضع ثلاث وأربعون درجة فتبين بما ذكرنا أن معظم الأندلس في الإقليم الخامس أميل إلى الشمال فلذلك اشتد بردها وطالت مدة الشتاء فيها وعظمت جسوم أهل ذلك الميل وابيضت ألوانهم وكانت أذهانهم إلى الغلظ ما هي فنبت عن كثير من الحكمة وطائفة من الأندلس في الإقليم الرابع كأشبيلية ومالقة وقرطبة وغرناطة والمرية ومرسية فهذه البلاد التي ذكرنا في الإقليم الرابع أعدل هواء وأطيب أرضا وأعذب مياها من البلاد التي في الإقليم الخامس وأهلها أحسن ألوانا وأجمل صورا وأفصح لغة من أولئك إذ كان للميول والسموت في اللغات تأثير بين لمن استقرا ذلك وفهم علته وجملة مدن الأندلس التي هي أمهات قراها ومراكز أعمالها ومواضع مخاطبات أولي الأمر منها أولاها في الحد الشمالي مدينة شلب ثم مدينة أشبيلية ثم قرطبة ثم جيان ثم أغرناطه ثم المرية ثم مرسية ثم بلنسية ثم مالقة وهي على البحر الرومي فالذي على البحر الأعظم من هذه المدائن شلب وأشبيلية وبينهما قريب من خمس مراحل والذي على البحر الرومي المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء وهي من أعمال أشبيلية ثم مالقة وهي مستقلة ثم المرية ثم دانية هذه كلها على البحر الرومي ثم سائر ما ذكرنا من المدن ليست على ساحل ولما استقر أمر المسلمين بالأندلس في غرة المائة الثانية تخيروا مدينة قرطبة فجعلوها كرسي المملكة ومقر الإمارة فلم تزل على ذلك إلى أن انقرضت دولة بني أمية بالأندلس فتغلب على كل وجهة من الجزيرة متغلب على ما سيأتي بيانه وهذه المدن التي ذكرت هي التي يملكها المسلمون اليوم وقد كانوا يملكون قبلها مدنا كثيرة لم أذكرها في هذا الموضع إلا أن ذكرها سيرد فيما يأتي من تفصيل أخبار الأندلس تعرف ذلك بقولي أعادها الله للمسلمين فهذه جملة من أخبار الأندلس وحدودها وبلادها الكائنة بأيدي المسلمين
ذكر فتح جزيرة الأندلس ولمع من تفصيل اخبارها وسير ملوكها ومن كان فيها من الفضلاء منها ومن غيرها
ثم نعود إلى افتتاحها فنقول والله الموفق افتتح المسلمون جزيرة الأندلس في شهر رمضان سنة 92 من الهجرة وكان فتحها على يدي طارق قيل ابن زياد وقيل ابن عمرو وكان واليا على طنجة مدينة من المدن المتصلة ببر القيروان في أقصى المغرب بينها وبين الأندلس الخليج المذكور المعروف بالزقاق وبالمجاز رتبه موسى بن نصير أمير القيروان وقيل إن مروان بن موسى بن نصير خلف طارقا هناك على العساكر وانصرف إلى أبيه لأمر عرض له فركب طارق البحر إلى الأندلس من جهة مجاز الجزيرة الخضراء منتهزا لفرصة أمكنته وذلك أن الذي كان يملك ساحل الجزيرة الخضراء وأعمالها من الروم خطب الى الملك الأعظم ابنته فأغضب ذلك الملك ونال منه وتوعده فلما بلغه ذلك جمع جموعا عظيمة وخرج يقصد بلد الملك فبلغ طارقا خلو تلك الجهة فهذه الفرصة التي انتهزها وقيل إن العلج كتب إليه بالعبور لسبب أنا ذاكره وهو أن لذريق ملك الجزيرة لعنه الله كان له رسم يوجه إليه أعيان قواده وأمراء دولته ببناتهم فيربيهن عنده في قصوره ويؤدبهن بالآداب الملوكية حسبما كانوا يرونه فإذا بلغت الجارية منهن وحسن أدبها زوجها في قصره لمن يرى أنه كفء أبيها فوجه إليه صاحب الجزيرة الخضراء وأعمالها بابنته على الرسم المذكور فكانت عنده إلى أن بلغت مبلغ النساء فرآها يوما فأعجبته فدعاها فأبت عليه وقالت لا والله حتى تحضر الملوك والقواد وأعيان البطارقة وتتزوجني هذا بعد مشورة أبي فغلبته نفسه واغتصبها على نفسها فكتبت إلى أبيها تعلمه بذلك فهذا كان السبب الذي بعثه على مكاتبة طارق والمسلمين فكان الفتح فالله أعلم أي ذلك كان فأول موضع نزله فيما يقال منها المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء اليوم نزلها قبيل الفجر فصلى بها الصبح بموضع منها وعقد الرايات لأصحابه فبنى بعد ذلك هناك مسجد وعرف بمسجد الرايات وهو باق إلى وقتنا هذا أسأل الله إبقاءه إلى أن تقوم الساعة ثم دخل طارق هذا الأندلس وأمعن فيها واستظهر على العدو بها وكتب إلى موسى بن نصير موليه بخبر الفتح وغلبته على ما غلب عليه من بلاد الأندلس وما حصل له من الغنائم فحسده موسى على الانفراد بذلك وكتب إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان يعلمه بالفتح وينسبه إلى نفسه وكتب إلى طارق يتوعده إذ دخلها بغير إذنه ويأمره ألا يتجاوز مكانه الذي ينتهي إليه الكتاب فيه حتى يلحق به وخرج متوجها إلى الأندلس واستخلف على القيروان ابنه عبد الله وذلك في رجب من سنة 93 وخرج معه حبيب بن أبي عبدة الفهري ووجوه العرب والموالي وعرفاء البربر في عسكر ضخم ووصل من جهة المجاز إلى الأندلس وقد استولى طارق على قرطبة دار المملكة وقتل لذريق الملك لعنه الله بالأندلس فتلقاه طارق وترضاه ورام أن يستل ما في نفسه من الحسد له وقال له إنما أنا مولاك ومن قبلك وهذا الفتح لك وبسببك وحمل طارق إليه ما كان غنم من الأموال فلذلك نسب الفتح إلى موسى بن نصير لأن طارقا من قبله ولأنه أتم من الفتح ما كان بقي على موسى وأقام موسى بالأندلس مجاهدا وجامعا للأموال ومرتبا للأمور بقية سنة 93 وسنة 94 وأشهرا من سنة خمس وقبض على طارق ثم استخلف على الأندلس ابنه عبد العزيز بن موسى وترك معه من العساكر ووجوه القبائل من يقوم بحماية البلاد وسد الثغور وجهاد العدو ورجع إلى القيروان ثم سار منها بما حصل له من الغنائم وأعده من الهدايا إلى الوليد بن عبد الملك وكان مما وجد بمدينة طليطلة حين فتحها مائدة سليمان بن داود عليهما السلام فيقال إنها طوق ذهب وطوق فضة مكللة باللؤلؤ والياقوت ومعه فيما يقال طارق فمات الوليد وقد وصل موسى إلى طبرية في سنة 96 فحمل ما معه إلى سليمان بن عبد الملك ويقال إنه وصل وأدرك الوليد حيا فالله أعلم وأقام عبد العزيز بن موسى بن نصير أميرا على الأندلس إلى أن ثار عليه من الجند جماعة فيهم حبيب بن أبي عبدة الفهري وزياد بن النابغة التميمي فقتله بعضهم وخرجوا برأسه إلى سليمان بن عبد الملك وذلك في صدر سنة 98 بعد أن أمروا على الأندلس أيوب ابن أخت موسى بن نصير ويقال إنهم كتبوا إلى سليمان بما أنكروا من أمره فأمرهم بما فعلوه فالله أعلم ثم اختلف الأمر هنالك ومكث أهل الأندلس بعد ذلك زمانا لا يجمعهم وال ثم ولي عليها السمح بن مالك الخولاني قبل المائة واجتمع عليه الناس ثم ولي عليها الغمر بن عبد الرحمن بن عبد الله ثم وليها عنبسة بن سحيم الكلبي وعزل الغمر بن عبد الرحمن ثم وليها عبد الرحمن بن عبد الله العكي نحوا من العشر ومائة وكان رجلا صالحا ثم وليها عبد الملك بن قطن الفهري ثم عقبة بن الحجاج فهلك عقبة بالأندلس ورد عبد الملك بن قطن ثم جاء بلج بن بشر فادعى ولايتها من قبل هشام بن عبد الملك وشهد له بعض من كان معه ووقعت فتن من أجل ذلك وافترق أهل الأندلس فيها على أربعة أمراء حتى أرسل إليهم واليا أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي فحسم مواد الفتن وجمعهم على الطاعة بعد الفرقة وفي تقديم بعض هؤلاء الأمراء على بعض اختلاف إلا أن هؤلاء المذكورين كانوا أمراءها وولاة الحروب فيها أيام بني أمية قبل ذهاب دولتهم في المشرق
ذكر من دخل الأندلس من التابعين
وأنا ذاكر هاهنا من دخل الأندلس من التابعين للجهاد والرباط فمنهم محمد بن أوس بن ثابت الأنصاري يروي عن أبي هريرة ومنهم حنش بن عبد الله الصنعاني يروي عن علي بن أبي طالب وفضالة بن عبيد ومنهم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي يروي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ومنهم يزيد بن قاسط وقيل ابن قسيط السكسكي المصري يروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ومنهم موسى بن نصير الذي ينسب الفتح إليه يروي عن تميم الداري
فصل في فضل المغرب
وقد جاء في فضل المغرب غير حديث فمن ذلك ما حدثني الفقيه الإمام المتقن المتفنن أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل الشيباني سماعا عليه بمكة في شهر رمضان من سنة 620 قال حدثني المؤيد بن عبد الله الطوسي قراءة عليه بنيسابور قال حدثنا الإمام كمال الدين محمد بن أحمد بن صاعد القراوي قراءة عليه قال حدثنا ابن عبد الغافر الفارسي حدثنا محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودي حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان حدثنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري قال حدثنا يحيى بن يحيى عن هشام بن بشر الواسطي عن داود بن أبي هند بن أبي عثمان النهدي عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ل لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة ومن فضل الاندلس أنه لم يذكر قط أحد على منابرها من السلف إلا بخير وما زالت الولاة بالأندلس تليها من قبل بني أمية أو من قبل من يقيمونه بالقيروان أو بمصر فلما اضطرب أمرهم في سنة 136 بقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك اشتغلوا عن مراعاة أقاصي البلاد ووقع الاضطراب بأفريقية والاختلاف بالأندلس أيضا بين القبائل ثم اتفقوا بالأندلس على تقديم قرشي يجمع الكلمة إلى أن تستقر الأمور بالشام لمن يخاطب ففعلوا وقدموا يوسف بن عبد الرحمن الفهري فسكنت به الأمور واتفقت عليه القلوب واتصلت إمارته إلى سنة 138 بعد ذهاب دولة بني أمية بست سنين
ذكر خبر دخول عبد الرحمن بن معاوية الاندلس
وفي هذه السنة دخل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأندلس الملقب بالداخل فقامت معه اليمانية وحارب يوسف بن عبد الرحمن بن أبي عبدة بن عقبة بن نافع الفهري الوالي على الاندلس المذكور آنفا فهزمه واستولى عبد الرحمن على قرطبة دار الملك وكان دخوله إياها يوم الاضحى من السنة المذكورة فاتصلت ولايته إلى أن مات سنة 172 وكان مولده بالشام سنة 113 أمه أم ولد اسمها راح ويكنى أبا المطرف دخل الاندلس في ذي القعدة واستولى على قرطبة دار ملكها في التاريخ المذكور وذلك أنه هرب من الشام لما انتشرت دولة بني العباس فلم يزل مستترا ينتقل في بلاد المغرب حتى دخل الأندلس ودخل حين دخلها طريدا وحيدا لا أهل له ولا مال فلم يزل يصرف حيله ويسمو بهمته والقدر مع ذلك يوافقه إلى أن احتوى على ملكها وملك بعض بلاد العدوة وكان أبو جعفر المنصور إذا ذكر عنده قال ذاك صقر قريش
وكان عبد الرحمن بن معاوية من أهل العلم وعلى سيرة جميلة من العدل ومن قضاته معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي وله أدب وشعر ومما أنشد وقاله يتشوق إلى معاهدة بالشام قوله % ايها الراكب الميمم أرضي % اقر من بعضي السلام لبعضي % % إن جسمي كما علمت بأرض % وفؤادي ومالكيه بأرض % % قدر البين بيننا فافترقنا % وطوى البين عن جفوني غمضي % % قد قضى الله بالفراق علينا % فعسى باجتماعنا سوف يقضي % $ وله شعر كثير أبرع من هذا أورده المؤرخون في كتبهم وكانت مدة ولايته منذ استولى على قرطبة دار الملك إلى أن توفي اثنتين وثلاثين سنة
ولاية الأمير هشام بن عبد الرحمن
ثم ولي بعد عبد الرحمن ابنه هشام يكنى أبا الوليد وسنه حينئذ خمس وثلاثون سنة واتصلت ولايته سبعة أعوام إلى أن مات في صفر سنة 180 وكان حسن السيرة متحريا للعدل يعود المرضى ويشهد الجنائز ويتصدق بالصدقات الكثيرة وربما كان يخرج في الليالي المظلمة الشديدة المطر ومعه صرر الدراهم يتحرى بها المساتير وذوي البيوتات من الضعفاء لم يزل هذا مشهورا من أمره إلى أن مات في التاريخ المذكور أمه أم ولد اسمها حوراء
ولاية الحكم بن هشام الملقب بالربضي
ثم ولي بعده ابنه الحكم وله اثنتان وعشرون سنة يكنى أبا العاص أمه أم ولد اسمها زخرف وكان طاغيا مسرفا وله آثار سوء قبيحة وهو الذي أوقع بأهل الربض الوقعة المشهورة فقتلهم وهدم ديارهم ومساجدهم وكان الربض محلة متصلة بقصره فاتهمهم في بعض أمره ففعل بهم ذلك فسمى الحكم الربضي لذلك وفي أيامه أحدث الفقهاء إنشاد أشعار الزهد والحض على قيام الليل في الصوامع أعني صوامع المساجد وأمروا أن يخلطوا مع ذلك شيئا من التعريض به مثل أن يقولوا يا أيها المسرف المتمادي في طغيانه المصر على كبره المتهاون بأمر ربه أفق من سكرتك وتنبه من غفلتك وما نحا هذا النحو فكان هذا من جملة ما هاجه واوغر صدره عليهم وكان أشد الناس عليه في أمر هذه الفتنة الفقهاء هم الذين كانوا يحرضون العامة ويشجعونهم إلى أن كان من أمرهم ما كان وحكى أبو مروان بن حيان صاحب أخبار الاندلس أنه لما تسور عليه القصر وأحس بالشر قال لأخص غلمانه اذهب إلى فلانة إحدى كرائمه وقل لها تعطيك قارورة الغالية فأبطأ الغلام وتلكأ فأعاد ذلك عليه فقال يا مولاي هذا وقت الغالية فقال له ويلك يا ابن الفاعلة بم يعرف رأسي إذا قطع من رءوس العامة إن لم يكن مضمخا بالغالية ثم إنه ظهر بعد هذا عليهم وذلك أنهم كانوا يقاتلون القصر وعامة الحشم والجند يشغلونهم إلى أن دهمتهم الخيل من ورائهم فانهزموا وقتلوا قتلا قبيحا وأمر بديارهم ومساجدهم فهدمت وحرقت وأمر بنفي من بقي منهم عن البلاد فخرجوا حتى نزلوا جزيرة إقريطش من جزائر البحر الرومي المقابلة لبر برقة أول المغرب فلم يزالوا هنالك سنين إلى أن تفرقوا فرجع بعضهم إلى الاندلس واختار بعضهم سكنى صقلية وانتقل بعضهم إلى الإسكندرية ومن أعجب ما حكى أبو مروان بن حيان المؤرخ مما يتصل بخبر هذه الوقعة قال كان من أشد الناس على الحكم هذا تحريضا رجل من الفقهاء اسمه طالوت كان جليل القدر في الفقهاء رحل إلى المدينة وسمع من مالك بن أنس وتفقه على أصحابه وكان قويا في دينه فلما أوقع الحكم بأهل الربض كما ذكرنا فلما أوقع الحكم بأهل الربض كما ذكرنا وأمر بتغريب من بقي منهم كان ممن أمر بتغريبه طالوت الفقيه فعسر عليه الانتقال ومفارقة الوطن ورأى الاختفاء إلى أن تتغير الاحوال فاستخفى في دار رجل يهودي سنة كاملة واليهودي في كل ذلك يكرمه أبلغ الكرامة ويعظمه أشد التعظيم فلما مضت السنة طال على الفقيه الاختفاء فاستدعى اليهودي وشكره على إحسانه إليه وقال له قد عزمت غدا على الخروج وقصد دار فلان الكاتب لأنه قرأ علي ولي عليه حق التعليم وقد بلغني أن له جاها عند هذا الرجل فعسى هو يشفع لي عنده فيؤمنني ويدعني في بلدي فقال له اليهودي يا مولاي لا تفعل فما آمنهم عليك وجعل يحلف له بكل يمين يعتقده أنه لو أقام عنده بقية عمره ما أمله ذلك ولا ثقل عليه فأبى إلا الخروج فخلى بينه وبين ذلك فخرج حتى أتى دار ذلك الكاتب بغلس فاستأذن عليه فأذن له فلما دخل عليه رحب به وأدنى مجلسه وسأله أين كان في هذه المدة فقص عليه قصته مع اليهودي ثم قال له اشفع لي عند هذا الرجل حتى يؤمنني في نفسي ويمن علي بتركي في بلدي فوعده بذلك وركب من فوره ودخل على الحكم فقال له كل ما سمع من طالوت ووشى به إليه فأحضره الحكم إليه فعنفه ووبخه فقال له طالوت كيف يحل لي أن أخرج عليك وقد سمعت مالك بن أنس يقول سلطان جائر مدة خير من فتنة ساعة قال الحكم الله تعالى لقد سمعت هذا من مالك قال طالوت اللهم إني قد سمعته قال فانصرف إلى منزلك وأنت آمن ثم سأله أين استتر فقال عند يهودي مدة عام ثم إني قصدت هذا الوزير فغدر بي فغضب الحكم على أبي البسام وعزله عن وزارته وكتب عهدا ألا يخدمه أبدا فرؤي أبو البسام الكاتب بعد ذلك في فاقة وذل فقيل استجيبت فيه دعوة الفقيه طالوت رحمه الله تعالى % فقال وقد مضى ليل وثان % ولم يسمعه غني ليت شعري % % أجاري المؤنسي ليلا غناء % لخير قطع ذلك أم لشر % % فقالوا إنه في سجن عيسى % أتوه به بليل وهو يسري % % فنادى بالطويلة وهي مما % يكون برأسه لجليل أمر % % ويمم جاره عيسى بن موسى % فلاقاه بإكرام وبر % % وقال أحاجة عرضت فإني % لقاضيها ومتبعها بشكر % % فقال سجنت لي جارا يسمى % بعمرو قال يطلق كل عمرو % % بسجني حيث وافقه اسم جار الفقيه ولو سجنتهموه بوتر % % فاطلقهم له عيسى جميعا % لجار لا يبيت بغير سكر % % فإن أحببت قل لجوار جار % وإن أحببت قل لطلاب أجر % % فإن أبا حنيفة لم يؤب من % تطلبه تخلصه بوزر % $ وتلخيص هذه الحكاية التي نظمها أبو عمر في شعره أن أبا حنيفة رحمه الله كان يجاوره رجل كيال فكان كل ليلة يأخذ سمكة ورغيفا وشيئا من النبيذ فإذا صلى العشاء الآخرة أكل ثم شرب حتى إذا انتشى رفع عقيرته واندفع ينشد هذا البيت % اضاعوني وأي فتى أضاعوا % ليوم كريهة وسداد ثغر % $ فلا يزال يعيده حتى يغلبه النوم وكان أبو حنيفة على ما اشتهر عنه يحيي الليل كله صلاة فلما كان في بعض الليالي فقد صوت ذلك الرجل فقال لبعض من عنده ما فعل جارنا هذا الذي كان يغني كل ليلة أهو مريض أم غائب فقالوا له إنه مسجون فقال ومن سجنه فقالوا خرج في الليل لبعض حاجته فلقيه أصحاب عيسى بن موسى صاحب الشرطة فأتوا به فأمر بسجنه فلما أصبح أبو حنيفة لبس ثيابه وركب دابته وقصد عيسى بن موسى في بيته فلما أعلم عيسى بمكان أبي حنيفة خرج يتلقاه مسرعا وبالغ في تكريمه وبره وسأله عن حاجته فقال لي في سجنك جار اسمه عمرو فقال عيسى يطلق كل من كان اسمه عمرو بسجني من أجل جار الفقيه فأطلقه وخلقا كثيرا معه فأتى الرجل أبا حنيفة يتشكر له فلما وقعت عينه عليه قال له أضعناك قال الرجل لا والله بل حفظت الجوار حفظك الله والبيت الذي نظمه أبو عمر وكان يغنى به الرجل جار أبو حنيفة هو للعرجي رجل من ولد عثمان بن عفان سجنه المغيرة خال هشام بن عبد الملك وعامله على مكة فلم يزل بسجنه إلى أن مات وخرجت جنازته من السجن ولأبي عمر هذا شعر كثير الجيد وهو من الطبقة الثالثة من طبقات شعراء الأندلس فمما على حفظي له أول قصيدة يمدح بها أبا علي القالي المتقدم الذكر وهي % من حاكم بيني وبين عذولي % الشجو شجوي والعويل عويلي % % اقصر فما دين الهوى كفر ولا % أعتد لومك لي من التنزيل % % عجبا لقوم لم تكن أذهانهم % لهوى ولا أجسادهم لنحول % % دقت معاني الحب عن أفهامهم % فتأولوه أقبح التأويل % % في أي جارحة أصون معذبي % سلمت من التعذيب والتنكيل % % إن قلت في عيني فثم مدامعي % أو قلت في قلبي فثم غليلي % % لكن جعلت له المسامع موضعا % وحجبتها عن عذل كل عذول % $ هذا ما بقي في حفظي منها وكان أبو عمر هذا من مقدمي شعراء الحكم المستنصر وكان مختصا بأبي الحسن المصحفي منضويا إليه وهو الذي حمله على هجو محمد بن أبي عامر فلما أفضى الأمر إلى محمد قبض على الصحفي واستصفى أمواله ووضعه في المطبق فلم يزل به حتى مات جوعا وهزالا وأما ما كان من أبي عمر الشاعر فإنه أوسعه عقوبة ونكالا وأمر بتغريبه فشفع له عنده في أن يتركه ببلده فأذن في ذلك غير أنه خرج الأمر من جهته ألا يكلمه أحد من العامة ولا من الخاصة أمر مناديه أن ينادي بذلك في جميع جهات قرطبة فأقام أبو عمر هذا كالميت إلى أن مات موتة الوفاة في آخر أيام أبي عامر وكان الحكم المستنصر مواصلا لغزو الروم ومن خالفه من المحاربين فاتصلت ولايته إلى أن مات في صفر سنة 366 فكانت مدة ولايته منذ بويع له إلى أن مات ست عشرة سنة وأشهرا وانقرض عقبه بعد موت ابنه هشام المؤيد لم يعش له ولد غيره
ولاية هشام المؤيد بن الحكم المستنصر وتغلب المنصور بن أبي عامر
ثم ولي بعده ابنه هشام بن الحكم يكنى أبا الوليد أمه أم ولد اسمها صبح وسنه إذ ولي عشرة أعوام وأشهر فلم يزل متغيبا لا يظهر ولا ينفذ له أمر وكان الذي تغلب على أمره أولا وتولى حجابته وتنفيذ أموره وتدبير مملكته أبو عامر محمد بن عبد الله بن أبي عامر محمد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن عامر المعافري القحطاني وكان أصل ابن أبي عامر هذا من المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء من قرية من أعمالها تسمى طرش على نهر يسمى وادي آروا إلا أنه كان شريف البيت قديم التعين ورد شابا إلى قرطبة فطلب العلم والأدب وسمع الحديث وتميز في ذلك وكانت له همة يحدث بها نفسه بإدراك معالي الأمور وتزيد في ذلك حتى كان يحدث من يختص به بما يقع له من ذلك وله في ذلك أخبار عجيبة قد أورد منها الشيخ الفقيه المحدث الضابط المتقن أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي طرفا في كتابه المترجم بالأماني الصادقة فمن جملتها قال الحميدي حدثني أبو محمد علي بن أحمد بن حزم قال أخبرني أبو عبد الله محمد بن إسحاق التميمي قال كان محمد بن أبي عامر نازلا عندي في حجرة فوق بيتي فدخلت عليه في بعض الليالي في آخر الليل فوجدته قاعدا على الحال التي تركته عليها أول الليل حين فصلت عنه فقلت له ما أراك نمت الليلة قال لا قلت فما أسهرك قال فكرة عجيبة قلت في ماذا كنت تفكر قال فكرت إذا أفضى الي الأمر ومات محمد بن بشير القاضي بمن أستبدله ومن الذي يقوم مقامه فجلت الأندلس كلها بخاطري فلم أجد إلا رجلا واحدا قلت لعله محمد بن السليم قال هو والله هو لشد ما اتفق خاطري وخاطرك قال الحميدي واخبرني الفقيه أبو محمد علي بن أحمد قال كان ابن أبي عامر يوما جالسا مع ثلاثة من اصحابه من طلبة العلم فقال لهم ليختر كل واحد منكم خطة أوليه إياها إذا أفضى إلي الأمر فقال أحدهم توليني قضاء كورة رية وهي مالقة وأعمالها فإنه يعجبني هذا التين الذي يجيء منها وقال الآخر توليني حسبة السوق فإني أحب هذا الإسفنج وقال الثالث إذا أفضي إليك الأمر فأمر أن يطاف بي قرطبة كلها على حمار ووجهي إلى الذنب وأنا مطلي بالعسل ليجتمع علي الذباب والنحل وافترقوا على هذا فلما أفضى الأمر إليه كما تمنى بلغ كل واحد منهم امنيته على نحو ما طلب ولم تزل حاله تعلو منذ ورد قرطبة إلى أن تعلق بوكالة السيدة صبح أم هشام المؤيد بن الحكم والنظر في أموالها وضياعها فزاد أمره في الترقي معها إلى أن مات الحكم المستنصر وكان هشام صغيرا كما ذكرنا وخيف الاضطراب فضمن لصبح سكون الحال وزوال الخوف واستقرار الملك لابنها وكان قوي النفس وساعدته المقادير وأمدته المرأة بالأموال فاستمال العساكر إليه وجرت أحوال علت قدمه فيها حتى صار صاحب التدبير والمتغلب على الأمور وحجب هشاما المؤيد وتلقب هو بالمنصور فأقام الهيبة فدانت له أقطار الأندلس كلها وأمنت به ولم يضطرب عليه شيء منها أيام حياته لعظم هيبته وفرط سياسته واستوزر جماعة منهم الوزير أبو الحسن جعفر بن عثمان الملقب بالمصحفي ومنهم الوزير الكاتب أبو مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري ومنهم الوزير أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الذي اختصر كتاب العين وقد تقدم ذكره وكان قد ولاه شرطته وكان الزبيدي هذا من بطانة الحكم المستنصر ووجوه أصحابه واستوزر أبا العلاء صاعد بن الحسن الربعي اللغوي البغدادي وله معه أخبار مستطرفة ولعلي سأورد طرفا منها فيما بعد إن شاء الله تعالى وكان محبا للعلوم مؤثرا للأدب مفرطا في إكرام من ينسب إلى شيء من ذلك ويفد عليه متوسلا به بحسب حظه منه وطلبه له ومشاركته فيه ورد عليه الأندلس في أيام إمارته أبو العلاء صاعد بن الحسن الربعي المذكور آنفا فعظمت منزلته عنده ونال منه أموالا جمة وكان وروده عليه سنة 380 أظن أصله من بلاد الموصل دخل بغداد فقرأ بها وكان عالما باللغة والآداب والأخبار سريع الجواب حسن الشعر طيب المعاشرة فكه المجالسة ممتعا فأكرمه المنصور وأفرط في الإحسان إليه والإفضال عليه وكان مع ذلك محسنا لظريف السؤال حاذقا في استخراج الأموال طبا بلطائف الشكر أخبرني بعض مشايخ الأندلس بإسناد له أن أبا العلاء دخل على المنصور أبي عامر يوما في مجلس أنسه وقد كان تقدم له أن اتخذ قميصا من رقاع الخرائط التي كانت تصل إليه فيها الأموال منه فلبسه تحت ثيابه فلما خلا المجلس ووجد فرصة لما أراد تجرد وبقي في القميص المتخذ من الخرائط فقال له ما هذا يا أبا العلاء فقل هذه الخرائط التي وصلت إلي فيها صلات مولانا أتخذها شعارا وبكى وأتبع ذلك من الشكر فصلا كان رواه فأعجب ذلك المنصور وقال له لك عندي مزيد وكان كما قال وألف له أبو العلاء هذا كتبا فمنها كتاب سماه كتاب الفصوص على نحو كتاب النوادر لابي علي القالي واتفق لهذا الكتاب من عجائب الاتفاق أن أبا العلاء دفعه حين كمل لغلام له يحمله بين يديه وعبر النهر نهر قرطبة فخانت الغلام رجله فسقط في النهر هو والكتاب فقال في ذلك بعض الشعراء وهو أبو عبد الله محمد بن يحيى المعروف بابن العريف بيتا مطبوعا بحضرة المنصور وهو قد غاص في البحر كتاب الفصوص % وهكذا كل ثقيل يغوص % $ فضحك المنصور والحاضرون فلم يرع ذلك صاعدا ولا هاله وقال مرتجلا مجيبا لابن العريف % عاد إلى معدنه إنما % توجد في قعر البحار الفصوص % وكتاب آخر على نحو كتاب الخزرجي أبي السرى سهل بن أبي غالب سماه كتاب الهجفجف بن غيدقان بن يثربي مع الخنوت بنت مخرمة بن أنيف وكتاب آخر في معناه سماه كتاب الجواس بن قعطل المذحجي مع ابنة عمه عفراء وهو كتاب مليح جدا انخرم أيام الفتن بالأندلس فنقصت منه أوراق لم توجد بعد وكان المنصور كثير الشغف بهذا الكتاب أعني الجواس حتى رتب له من يخرجه أمامه كل ليلة ويقال إن أبا العلاء لم يحضر بعد موت المنصور مجلس أنس لأحد ممن ولي الأمور بعده من ولده وادعى وجعا لحقه في ساقه لم يزل يتوكأ منه على عصا ويعتذر به في التخلف عن الحضور والخدمة إلى أن ذهبت دولتهم وفي ذلك يقول في قصيدته المشهورة في المظفر أبي مروان عبد الملك بن المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر وهو الذي ولي بعد أبيه وأولها % إليك حدوت ناجية الركاب % محملة أماني كالهضاب % % وبعت ملوك أهل الشرق طرا % بواحدها وسيدها اللباب % $ وفيها يقول % إلى الله الشكية من شكاة % رمت ساقي فجل بها مصابي % % وأقصتني عن الملك المرجى % وكنت أرم حالي باقترابي % ومما استحسن له قوله % حسبت المنعمين على البرايا % فألفيت اسمه صدر الحساب % % وما قدمته إلالا كأني % أقدم تاليا أم الكتاب % قال أبو عبد الله الحميدي أخبرني أبو محمد علي بن الوزير أبي عمر أحمد بن سعيد ابن حزم أنه سمع أبا العلاء ينشد هذه القصيدة بين يدي المظفر في عيد الفطر سنة 396 قال أبو محمد وهو أول يوم وصلت فيه إلى حضرة المظفر ولما رآني أبو العلاء أستحسنها وأصغى إليها كتبها لي بخطه وأنفذها إلي انتهى كلام الحميدي وكان أبو العلاء كثيرا ما تستغرب له الألفاظ ويسأل عنها فيجيب بأسرع جواب على نحو ما يحكى عن أبي عمر الزاهد المطرز غلام ثعلب ولولا أن أبا العلاء كان كثير المزح لحمل على التصديق في كل ما يأتي به من ذلك وقد ظهر صدقه في بعض ما قال فمما يحكى عنه من هذا المعنى أنه دخل على المنصور يوما وفي يد المنصور كتاب ورد عليه من عامل له في بعض البلاد اسمه ميدمان بن يزيد يذكر فيه القلب والتنزيل وهذه عندهم أسماء لمعاناة الأرض قبل الزرع فقال له أبا العلاء قال لبيك مولانا قال هل رأيت فيما وقع إليك من الكتب كتاب القوالب والزوابل لميدمان بن يزيد قال أي والله يا مولانا رأيته ببغداد في نسخة لأبي بكر بن دريد بخط كأكرع النمل في جوانبها علامات الوضاع هكذا هكذا فقال له أما تستحي أبا العلاء هذا كتاب عاملي ببلد كذا وكذا واسمه كذا يذكر فيه كذا الذي تقدم ذكره وإنما صنعت لك في هذه الترجمة مولدة من هذه الألفاظ التي في هذا الكتاب ونسبته إلى عاملي لأختبرتك فجعل يحلف له أنه ما كذب وأنه أمر وافق وقال له المنصور مرة أخرى وقد قدم طبق فيه تمر يا أبا العلاء ما التمر كل في كلام العرب قال يقال تمر كل الرجل تمر كلا إذا التف في كسائه وله من هذا كثير ولكنه مع هذا كان عالما قال أبو عبد الله الحميدي حدثني أبو محمد علي بن أحمد قال حدثني الوزير أبو عبدة حسان بن مالك بن أبي عبدة عن أبي عبد الله العاصمي النحوي قال لما قدم صاعد بن الحسن اللغوي على المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر جمعنا معه فسألناه عن مسائل من النحو غامضة فقصر فيها فلما رآه ابن أبي عامر كذلك قال دعوه هو من طبقتي في النحو أنا أناظره قال ثم سألنا صاعد فقال ما معنى قول امرئ القيس % كأن دماء الهاديات بنحره % عصارة حناء بشيب مرجل % $ فقلنا هذا واضح وإنما وصف فرسا أشهب عقرت عليه الوحش فتطاير دمها على صدره فجاء هكذا فقال صاعد سبحان الله أنسيتم قوله قبل هذا % كميت يزل اللبد عن حال متنه % كما زلت الصفواء بالمتنزل % قال فبهتنا كأنا لم نقرأ هذا البيت قط واضطررنا إلى سؤاله عنه فقال إنما عنى أحد وجهين إما أنه تغشى صدره بالعرق وعرق الخيل أبيض فجاء مع الدم كالشيب وإما شيء كانت العرب تصنعه وهو أنها كانت تسم باللبن الحار في صدور الخيل فيتمعط ذلك الشعر وينبت مكانه شعر أبيض فأيما عني من أحد هذين الوجهين فالوصف مستقيم قال أبو عبد الله وحدثنا أبو محمد علي بن أحمد قال حدثني أبو الخيار مسعود بن سليمان بن مفلت الفقيه أن أبا العلاء صاعدا سأل جماعة من أهل الأدب في مجلس المنصور أبي عامر عن قول الشماخ بن ضرار % دار الفتاة التي كنا نقول لها % يا ظبية عطلا حسانة الجيد % % تدني الحمامة منها وهي لاهية % من يانع المرد قنوان العناقيد % $ فقالوا هي الحمامة تنزل على غصن الأراكة أو الكرمة فتنفضه فتتمكن الظبية منه فترعاه فأنكر ذلك عليهم صاعد وقال إن الحمامة في هذا البيت هي المرآة وهي اسم من أسمائها فأراد أن هذه الجارية المشبهة بالظبية إذا نظرت في المرآة أدنت المرآة منها في المنظر شعرها الذي هو كقنوان العناقيد من يانع الكرم أو المرد فرأته ومن عجائب الدنيا التي لا يكاد يتفق مثلها أن صاعد بن الحسن اللغوي هذا أهدى إلى المنصور أبي عامر أيلا وكتب معه بهذه الأبيات % يا حرز كل مخوف % وأمان كل مشرد % ومعزل كل مذلل % % جدواك إن تخصص به فلأهله % وتعم بالإحسان كل مؤمل % % كالغيث طبق فاستوى في وبله % شعث البلاد مع المراد المقبل % % الله عونك ما أبرك بالهدى % وأشد وقعك بالضلال المشعل % % ما إن رأت عيني وعلمك شاهد % شروى علائك في معم مخول % % أندى بمقربة كسرحان الغضا % ركضا وأوغل في مثار القصطل % % مولاي مؤنس غربتي متخطفي % من ظفر أيامي ممنع معقلي % % عبد نشلت بضبعه وغرسته % في نعمة أهدى إليك بأيل % % سميته غرسية وبعثته % في حبله ليتاح فيه تفاؤلي % % فلئن قبلت فتلك أسنى نعمة % أسدي بها ذو منحة وتطول % % صحبتك غادية السرور وجللت % أرجاء ربعك بالسحاب المخضل % $ فقضى الله في سابق علمه أن غرسية بن شانجه من ملوك الروم وكان أمنع من النجم أسر في ذلك اليوم بعينه الذي بعث فيه صاعد بالأيل وسماه غرسية متفائلا بأسره وهكذا فليكن الجد للصاحب والمصحوب وكان أسر غرسية هذا في ربيع الآخر سنة 385 خرج أبو العلاء صاعد هذا من الأندلس أيام الفتن وقصد صقلية فمات بها في قريب من سنة 410 فيما بلغني عن سن عالية ولم يزل المنصور أبو عامر محمد بن أبي عامر طول أيام مملكته مواصلا لغزو الروم مفرطا في ذلك لا يشغله عنه شيء وكان له مجلس في كل أسبوع يجتمع فيه أهل العلم للمناظرة بحضرته ما كان مقيما بقرطبة وبلغ من إفراط حبه للغزو أنه ربما خرج للمصلى يوم العيد فحدثت له نية في ذلك فلا يرجع إلى قصره بل يخرج بعد انصرافه من المصلى كما هو من فوره إلى الجهاد فتتبعه عساكره وتلحق به أولا فأولا فلا يصل غلى أوائل بلاد الروم إلا وقد لحقه كل من اراده من العساكر غزا في أيام مملكته نيفا وخمسين غزوة ذكرها أبو مروان ابن حيان كلها في كتابه الذي سماه المآثر العامرية واستقصاها كلها بأوقاتها وذكر آثاره فيها وفتح فتوحا كثيرة ووصل إلى معاقل قد كانت امتنعت على من كان قبله وملأ الأندلس غنائم وسبيا من بنات الروم وأولادهم ونسائهم وفي أيامه تغالى الناس بالأندلس فيما يجهزون به بناتهم من الثياب والحلي والدور وذلك لرخص أثمان بنات الروم فكان الناس يرغبون في بناتهم بما يجهزونهن به مما ذكرنا ولولا ذلك لم يتزوج أحد حرة بلغني أنه نودي على ابنة عظيم من عظماء الروم بقرطبة وكانت ذات جمال رائع فلم تساو أكثر من عشرين دينارا عامرية وكان في أكثر زمانه لا يخل بأن يغزو غزوتين في السنة وكان كلما انصرف من قتال العدو إلى سرادقه يأمر بأن ينفض غبار ثيابه التي حضر فيها معمعة القتال وأن يجمع ويتحفظ به فلما حضرته المنية أمر بما اجتمع من ذلك أن ينثر على كفنه إذا وضع في قبره وكانت وفاته بأقصى ثغور المسلمين بموضع يعرف بمدينة سالم مبطونا فصحت له الشهادة وتاريخ وفاته سنة 393 فكانت مدة إمارته نحوا من سبع وعشرين سنة وكان معافري النسب وأمه تميمية اسمها فريهة بنت يحيى ابن زكريا التميمي كان يعرف بابن برطل ولذلك قال فيه أبو عمر أحمد بن محمد بن دراج الشاعر المعروف بالقسطلي من قصيدة له % تلاقت عليه من تميم ويعرب % شموس تلالا في العلا وبدور % % من الحميريين الذين أكفهم % سحائب تهمى بالندى وبحور % $ وأبو عمر هذا من فحول شعراء الأندلس والمجيدين منهم ذكره أبو منصور الثعالبي في كتاب اليتمية وقال فيه القسطلي عندهم كأبي الطيب بصقع الشام هذا قول أبي منصور أو معناه وكنت أنا في أيام شبيبتي مولعا بشعره كثير الدراسة له فلم يبق اليوم على خاطري منه شيء أصلا خلا بيتين هما مما ارتجل في بعض مجالسه وهما % أجد الكلام إذا نطقت فإنما % عقل الفتى في لفظه المسموع % % كالمرء يختبر الإناء بصوته % فيرى الصحيح به من المصدوع %
وزارة المظفر بن أبي عامر
ثم تقلد الوزارة والحجابة بعد بن أبي عامر هذا ابنه أبو مروان عبد الملك ابن أبي عامر وتلقب بالمظفر فجرى في الغزو والسياسة عن هشام المؤيد على سنن أبيه وكانت أيامه أعيادا في الخصب والأمان دامت سبع سنين إلى أن مات وثارت الفتن بعده
وزارة الناصر بن أبي عامر
ثم تقلد ما كان يتقلده من بعده أخوه عبد الرحمن وتلقب بالناصر فخلط وتسمى ولي العهد ولم يزل مضطرب الأمور مدة أربعة أشهر إلى أن قام عليه محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر لثمان عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة 399 فخلع هشاما المؤيد وأسلمت الجيوش عبد الرحمن بن أبي عامر فقتل وصلب وكان محمد بن هشام بن عبد الجبار المتقدم ذكره لما قام تلقب بالمهدي وبقي الأمر كذلك إلى أن قتل محمد بن هشام بن عبد الجبار ورد هشام المؤيد إلى الأمر وذلك يوم الأحد السابع من ذي الحجة سنة 400 وبقي كذلك وجيوش البربر تحاصره مع سليمان بن الحكم بن سليمان واتصل ذلك إلى خمس خلون من شوال سنة 403 فدخل البربر مع سليمان قرطبة وأخلوها من أهلها حاشا المدينة وبعض الربض الشرقي وقتل هشام المؤيد بن الحكم المستنصر وكان كما ذكرنا في طول دولته متغلبا عليه لا ينفذ له أمر وغلب عليه في هذا الحصار أعني حصار البربر واحد من العبيد بعد محمد بن أبي عامر المنصور وولديه عبد الملك الظافر وعبد الرحمن الناصر * تفصيل ما سبق إجماله
ولاية محمد بن هشام بن عبد الجبار المهدي
ثم قام محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر على هشام بن الحكم في جمادى الآخرة كما تقدم فخلعه وتسمى بالمهدي وكان يكنى أبا الوليد أمه أم ولد اسمها مزنة وكان له ولد اسمه عبيد الله وكان مولد المهدي في سنة 366 وقتل وله من العمر أربع وثلاثون سنة ولم يزل واليا إلى أن قام عليه يوم الخميس لخمس خلون من شوال سنة 399 هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر مع البربر فحاربه بقية يومه والليلة الآتية وصبيحة اليوم الثاني فقام عامة أهل قرطبة مع محمد المهدي فانهزم البربر وأسر هشام ابن سليمان فأتى به إلى المهدي فضرب عنقه
بدء الفتنة
واجتمع البربر عند ذلك فقدموا على أنفسهم سليمان بن الحكم بن سليمان ابن عبد الرحمن الناصر وهو ابن أخي هشام القائم المذكور فنهض بالبربر إلى الثغر واستجاش النصارى وأتى بهم إلى باب قرطبة فبرز إليه جماعة أهل قرطبة فلم تكن إلا ساعة حتى قتل من أهل قرطبة نيف وعشرون ألف رجل في جبل هنالك يعرف بجبل قنطش وهي الوقعة المشهورة ذهب فيها من الخيار والفقهاء وأئمة المساجد والمؤذنين خلق كثير واستتر محمد بن هشام المهدي أياما ثم لحق بطليطلة وكانت الثغور كلها من طرطوشة إلى الأشبونة باقية على طاعته ودعوته واستجاش بالإفرنج وأتى بهم إلى قرطبة فبرز إليه سليمان بن الحكم مع البربر إلى موضع بقرب قرطبة على نحو بضعة عشر ميلا يدعى دار البقر فانهزم سليمان والبربر واستولى المهدي على قرطبة ثم خرج بعد أيام إلى قتال جمهور البربر وكانوا قد عاثوا بالجزيرة فالتقوا بموضع يعرف بوادي أره فكانت الهزيمة على محمد بن هشام المهدي وانصرف إلى قرطبة فوثب عليه العبيد مع واضح الصقلبي فقتلوه وردوا هشاما المؤيد كما تقدم قبل فكانت مدة ولاية المهدي منذ قام إلى أن قتل سبعة عشر شهرا من جملتها الستة الأشهر التي كان فيها سليمان بقرطبة وكان هو بالثغر وانقرض عقبه فلا عقب له
ولاية سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر المتلقب بالمستعين بالله
قام سليمان بن الحكم يوم الجمعة لست خلون من شوال سنة 399 وتلقب بالمستعين بالله ثم دخل قرطبة كما تقدم في ربيع الآخر سنة 400 فتلقب حينئذ بالظافر بحول الله مضافا إلى المستعين بالله ثم خرج عنها في شوال من السنة بعينها فلم يزل يجول بعساكر البربر معه في بلاد الأندلس يفسد وينهب ويقفر المدائن والقرى بالسيف والغارة لا يبقي البربر معه على صغير ولا كبير ولا امرأة إلى أن دخل قرطبة في صدر شوال سنة 403
أولية بني حمود
وكان من جملة جنده رجلان من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب يسميان القاسم وعليا ابني حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم فجعلهما قائدين على المغاربة ثم ولى أحدهما سبتة وطنجة وهو علي الأصغر منهما وولى القاسم الجزيرة الخضراء وبين الموضعين المجاز المعروف بالزقاق وسعة البحر هنالك اثنا عشر ميلا وقد ذكر فيما قبل وافترق العبيد إذ دخل البربر مع سليمان قرطبة فملكوا مدنا عظيمة وتحصنوا فيها فراسلهم علي بن حمود المذكور وقد حدث له طمع في ولاية الاندلس فكتب إليهم يذكر لهم أن هشام بن الحكم إذ كان محاصر بقرطبة كتب إليه يوليه عهده فاستجابوا له وبايعوه فزحف من سبتة إلى مالقة وفيها عامر بن فتوح الفائقي مولى فائق مولى الحكم المستنصر فاستجاب له وأدخله مالقة فتملكها علي بن حمود وأخرج عنها عامر بن فتوح ثم زحف بمن معه من البربر وجمهور العبيد إلى قرطبة فخرج إليه محمد بن سليمان في عساكر البربر فانهزم محمد بن سليمان ودخل قرطبة علي بن حمود وقتل سليمان بن الحكم صبرا ضرب عنقه بيده يوم الأحد لتسع بقين من المحرم سنة 407 وقتل أباه الحكم بن سليمان بن الناصر أيضا في ذلك اليوم وهو شيخ كبير له اثنتان وسبعون سنة وكانت مدة ولاية سليمان منذ دخل قرطبة إلى أن قتل ثلاثة أعوام وثلاثة اشهر وأياما وكان قد ملكها قبل ذلك ستة اشهر على ما تقدم وكانت مدته منذ قام مع البربر إلى أن قتل سبعة أعوام وثلاثة اشهر وأياما وانقطعت دولة بني أمية في هذا الوقت وذكرهم على المنابر في جميع أقطار الأندلس إلى أن عادت بعد ذلك في الوقت الذي نذكره إن شاء الله تعالى وكانت أم سليمان هذا أم ولد اسمها ظبية ومولده سنة 354 ترك من الولد ولي عهده محمدا لم يعقب والوليد ومسلمة وكان سليمان أديبا شاعرا قال الحميدي أنشدني أبو محمد علي بن أحمد قال أنشدني فتى من ولد إسماعيل بن إسحاق المنادي الشاعر كان يكتب لأبي جعفر أحمد بن سعيد بن الدب قال أنشدني أبو جعفر قال أنشدني أمير المؤمنين سليمان الظافر لنفسه قال أبو محمد وأنشدنيها قاسم بن محمد المرواني قال أنشدنيها وليد بن محمد الكاتب لسليمان الظافر أمير المؤمنين % عجبا يهاب الليث حد سناني % وأهاب لحظ فواتر الأجفان % % وأقارع الأهوال لا متهيبا % منها سوى الإعراض والهجران % % وتملكت نفسي ثلاث كالدمى % زهر الوجوه نواعم الأبدان % % ككواكب الظلماء لحن لناظر % من فوق أغصان على كثبان % % هذي الهلال وتلك بنت المشتري % حسنا وهذي أخت غصن البان % % حاكمت فيهن السلو إلى الضنى % فقضى بسلطان على سلطاني % % فابحن من قلبي الحمى وثنينني % في عز ملكي كالأسير العاني % % لا تعذلوا ملكا تذلل للهوى % ذل الهوى عز وملك ثان % % ما ضر أني عبدهن صبابة % وبنو الزمان وهن من عبداني % % إن لم أطع فيهن سلطان الهوى % كلفا بهن فلست من مروان % % وإذا الكريم أحب أمن إلفه % خطب القلى وحوادث السلوان % % وإذا تجارى في الهوى أهل الهوى % عاش الهوى في غبطة وأمان % $ وإنما قصد المستعين بهذه الأبيات معارضة الأبيات التي عملها العباس بن الأحنف على لسان هرون الرشيد فنسبت إليه وهي % ملك الثلاث الآنسات عناني % وحللن من قلبي بكل مكان % % مالي تطاوعني البرية كلها % واطيعهن وهن في عصياني % % ما ذاك إلا أن سلطان الهوى % وبه قوين أعز من سلطاني % $ أبو محمد الذي يحدث عنه الحميدي هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صلح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد الفارسي مولى يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي قرئ علي نسبه هذا بخطه على ظهر كتاب من تصانيفه أصل آبائه الأدنين من قرية من إقليم لبلة من غرب الأندلس سكن هو وأبوه قرطبة وكان أبوه من وزراء المنصور محمد بن أبي عامر ووزراء ابنه المظفر بعده وكان هو المدبر لدولتيهما وكان ابنه أبو محمد الفقيه وزيرا لعبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر الملقب بالمستظهر بالله أخي المهدي المذكور آنفا ثم إنه نبذ الوزارة واطرحها اختيارا وأقبل على قراءة العلوم وتقييد الآثار والسنن فنال من ذلك ما لم ينل أحد قبله بالأندلس وكان على مذهب الإمام أبي عبد الله الشافعي رحمه الله أقام على ذلك زمانا ثم انتقل إلى القول بالظاهر وأفرط في ذلك حتى أربى على أبي سليمان داود الظاهري وغيره من أهل الظاهر وله مصنفات كثيرة جليلة القدر شريفة المقصد في أصول الفقه وفروعه على مهيعه الذي يسلكه ومذهبه الذي يتقلده وهو مذهب داود ابن علي بن خلف الاصبهاني الظاهري ومن قال بقوله من أهل الظاهر ونفاة القياس والتعليل بلغني عن غير واحد من علماء الأندلس أن مبلغ تصانيفه في الفقه والحديث والأصول والنحل والملل وغير ذلك من التاريخ والنسب وكتب الأدب والرد على المخالفين له نحو من أربعمائة مجلد تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة وهذا شيء ما علمناه لأحد ممن كان في مدة الإسلام قبله إلا لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري فإنه أكثر أهل الإسلام تصنيفا فقد ذكر أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر الفرغاني في كتابه المعروف بالصلة وهو الذي وصل به تاريخ أبي جعفر الطبري الكبير أن قوما من تلاميذ أبي جعفر لخصوا أيام حياته منذ بلغ الحلم إلى أن توفي في سنة 310 وهو ابن ست وثمانين سنة ثم قسموا عليها أوراق مصنفاته فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة وهذا لا يتهيأ لمخلوق إلا بكريم عناية الباري تعالى وحسن تأييده له ولأبي محمد بن حزم بعد هذا نصيب وافر من علم النحو واللغة وقسم صالح من قرض الشعر وصناعة الخطابة فمن شعره % هل الدهر إلا ما عرفنا وأدركنا % فجائعه تبقى ولذاته تفنى % % إذا أمكنت فيه مسرة ساعة % تولت كمر الطرف واستخلفت حزنا % % إلى تبعات في المعاد وموقف % نود لديه أننا لم نكن كنا % % حصلنا على هم وإثم وحسرة % وفات الذي كنا نقر به عينا % % حنين لما ولى وشغل بما أتى % وغم لما يرجى فعيشك لا يهنا % % كأن الذي كنا نسر بكونه % إذا حققته النفس لفظ بلا معنى % وله من قصيدة طويلة % أنا الشمس في جو العلوم منيرة % ولكن عيبي أن مطلعي الغرب % % ولو أنني من جانب الشرق طالع % لجد علي ما ضاع من ذكري النهب % % ولي نحو أكناف العراق صبابة % ولا غرو أن يستوحش الكلف الصب % % فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم % فحينئذ يبدو التأسف والكرب % % فكم قائل أغفلته وهو حاضر % وأطلب ما عنه تجيء به الكتب % % هنالك يدري أن للبعد قصة % وأن كساد العلم آفته القرب % % فيا عجبا من غاب عنهم تشوقوا % له ودنو المرء من دارهم ذنب % % وإن مكانا ضاق عني لضيق % على أنه فسح مهامهه سهب % % وإن رجالا ضيعوني لضيع % وإن زمانا لم أنل خصبه جدب % $ ومنها في الاعتذار عن مدحه لنفسه % ولكن لي في يوسف خير أسوة % وليس على من بالنبي أئتسي ذنب % % يقول وقال الحق والصدق إنني % حفيظ عليهم ما على صادق عتب % $ ومن المختار له قوله % لا يشمتن حاسدي إن نكبة عرضت % فالدهر ليس على حال بمترك % % ذو الفضل كالتبر طورا تحت ميقعة % وتارة في ذرى تاج على ملك % $
ومن ذلك قوله % لئن أصبحت مرتحلا بشخصي % فروحي عندكم أبدا مقيم % % ولكن للعيان لطيف معنى % له سال المعاينة الكليم % $ ومن أجود ما أحفظ له بيتان قالهما في رجل نمام % أنم من المرآة في كل ما درى % وأقطع بين الناس من قضب الهند % % كأن المنايا والزمان تعلما % تحيله في القطع بين ذوي الود % $ وجد بخطه أنه ولد يوم الأربعاء بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس آخر يوم من شهر رمضان سنة 384 توفي رحمه الله في سلخ شعبان من سنة 456 وإنما أوردت هذه النبذة من أخبار هذا الرجل وإن كانت قاطعة للنسق مزيحة عن بعض الغرض لأنه أشهر علماء الأندلس اليوم وأكثرهم ذكرا في مجالس الرؤساء وعلى ألسنة العلماء وذلك لمخالفته مذهب مالك بالمغرب واستبداده بعلم الظاهر ولم يشتهر به قبله عندنا أحد ممن علمت وقد كثر أهل مذهبه وأتباعه عندنا بالأندلس اليوم
ولاية ابن حمود الناصر
ثم ولي علي بن حمود على ما تقدم وتسمى بالخلافة وتلقب بالناصر ثم خالف عليه العبيد الذين كانوا بايعوه وقدموا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك ابن عبد الرحمن الناصر ولقبوه بالمرتضى وزحفوا به إلى غرناطة وهي من البلاد التي تغلب عليها البربر ثم ندموا على تقديمه لما رأوا من صرامته وحدة نفسه وخافوا من عواقب تمكنه وقدرته فانهزموا عنه ودسوا عليه من قتله غيلة وخفي أمره وبقي علي بن حمود بقرطبة مستمر الأمر عامين غير شهرين إلى أن قتله صقالبة له في الحمام سنة 408 وكان له من الولد يحيى وإدريس
ولاية القاسم بن حمود المأمون
ثم ولي بعده أخوه القاسم بن حمود وكان أسن منه بعشرة أعوام وكان وادعا أمن الناس معه وكان يذكر عنه أنه تشيع ولكنه لم يظهر ذلك ولا غير على الناس عادة ولا مذهبا وكذلك سائر من ولي منهم بالأندلس فبقي القاسم كذلك إلى شهر ربيع الأول سنة 412 فقام عليه ابن أخيه يحيى ابن علي بن حمود بمالقة فهرب القاسم عن قرطبة بلا قتال وصار باشبيلية وزحف ابن أخيه المذكور من مالقة بالعساكر ودخل قرطبة بلا قتال وتسمى بالخلافة وتلقب بالمعتلي فبقي كذلك إلى أن اجتمع للقاسم أمره واستمال البربر وزحف بهم إلى قرطبة فدخلها سنة 413 وهرب يحيى بن علي إلى مالقة فبقي القاسم بقرطبة شهورا واضطرب أمره وغلب ابن أخيه يحيى على المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء وهي كانت معقل القاسم وبها كانت امرأته وذخائره وغلب ابن أخيه الثاني إدريس ابن علي صاحب سبتة على طنجة وهي كانت عدة القاسم يلجأ اليها إن رأى ما يخافه بالأندلس وقام عليه جماعة أهل قرطبة بالمدينة وغلقوا أبوابها دونه وحاصرهم نيفا وخمسين يوما واقام الجمعة في مسجد خارج قرطبة يعرف بمسجد ابن أبي عثمان أثره باق إلى اليوم ثم إن أهل قرطبة زحفوا إلى البربر فانهزم البربر عن القاسم وخرجوا من الأرباض كلها في شعبان سنة 414 ولحقت كل طائفة من البربر ببلد غلبت عليه وقصد القاسم اشبيلية وبها كان ابناه محمد والحسن فلما عرف أهل أشبيلية خروجه عن قرطبة ومجيئه إليهم طردوا ابنيه ومن كان معهما من البربر وضبطوا البلد وقدموا على أنفسهم ثلاثة من أكابر البلد أحدهم القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي ومحمد بن يريم الألهاني ومحمد بن الحسن الزبيدي ومكثوا كذلك أياما مشتركين في سياسة البلد وتدبيره ثم استبد القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد بالأمر والتدبير وصار الآخران من جملة الناس ولحق القاسم بشريش واجتمع البربر على تقديم ابن أخيه يحيى فزحفوا إلى القاسم فحاصروه حتى صار في قبضة ابن أخيه وانفرد ابن أخيه يحيى بولاية البربر وبقي القاسم أسيرا عنده وعند أخيه إدريس بعده إلى أن مات إدريس فقتل القاسم خنقا سنة 431 وحمل إلى ابنه محمد بن القاسم بالجزيرة فدفنه هناك فكانت ولاية القاسم منذ تسمى بالخلافة بقرطبة إلى أن أسره ابن أخيه ستة أعوام ثم كان مقبوضا عليه ست عشرة سنة عند أبني أخيه يحيى وإدريس إلى أن قتل كما ذكرنا في أول سنة 431 ومات وله ثمانون سنة وله من الولد محمد والحسن أمهما أميرة بنت الحسن بن قتون بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس بن عبد الله الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب
ولاية يحيى بن علي المعتلي
اختلف في كنيته فقيل أبو القاسم وقيل أبو محمد وأمه لبونة بنت محمد ابن الحسن بن القاسم المعروف بقنون بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس ابن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وكان الحسن ابن قنون من كبار ملوك الحسنيين وشجعانهم ومردتهم وطغاتهم المشهورين فتسمى يحيى بالخلافة بقرطبة سنة 413 كما ذكرنا ثم هرب عنها إلى مالقة سنة 414 كما وصفنا ثم سعى قوم من المفسدين في رد دعوته إلى قرطبة في سنة 16 فتم لهم الأمل إلا أنه تأخر عن دخولها باختياره واستخلف عليها عبد الرحمن بن عطاف اليفرني فبقي الأمر كذلك إلى سنة 17 ثم قطعت طاعته جماعة البربر وصرفوا عاملهم وبايعوا المعتلي الأموي أخا المرتضي وبقي المعتلي هذا يردد لحصارهم العساكر إلى أن اتفقت كلمة البربر على الاستسلام لأبي القاسم وسلموا إليه الحصون والقلاع والمدن وعظم أمره بقرمونة فصار محاصرا لإشبيلية طامعا في أخذها فخرج يوما وهو سكران إلى خيل ظهرت من أشبيلية بقرب قرمونة فلقيها وقد كمنوا له فلم يكن بأسرع من أن قتلوه وذلك يوم الأحد لسبع خلون من المحرم سنة 427 وكان له من الولد الحسن وإدريس لأمي ولد
رد الأمر إلى بني أمية
ولاية عبد الرحمن بن هشام المستظهر
ولما انهزم البربر عن قرطبة مع أبي القاسم كما ذكرنا اتفق رأي أهل قرطبة على رد الأمر إلى بني أمية فاختاروا منهم ثلاثة وهم عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر أخو المهدي المذكور آنفا وسليمان بن المرتضي المذكور آنفا ومحمد بن عبد الرحمن بن هشام بن سليمان القائم على المهدي بن الناصر ثم استقر الأمر لعبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار فبويع بالخلافة لثلاث عشرة ليلة خلت لرمضان سنة 414 وله اثنتان وعشرون سنة وتلقب بالمستظهر وكان مولده سنة 392 في ذي القعدة يكنى أبا المطرف وأمه أم ولد اسمها غاية ثم قام عليه أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر مع طائفة من أراذل العوام فقتل عبد الرحمن بن هشام وذلك لثلاث بقين من ذي القعدة سنة 414 المؤرخة ولا عقب له وكان في غاية الأدب والبلاغة والفهم ورقة النفس كذا قال أبو محمد علي بن أحمد وكان خبيرا به لأنه وزر له وقال الوزير أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد كان المستظهر شاعرا ويستعمل الصناعة فيجيد وهو القائل في ابنة عمه % حمامة بيت العبشميين رفرفت % فطرت إليها من سراتهم صقرا % % تقل الثريا أن تكون لها يدا % ويرجو الصباح أن يكون لها نحرا % % وإني لطعان إذا الخيل أقبلت % جوانبها حتى ترى جونها شقرا % % ومكرم ضيفي حين ينزل ساحتي % وجاعل وفري عند سائله وفر % $ وهي طويلة قالها أيام خطبتة لابنة عمه أم الحكم بنت سليمان المستعين قال أبو عامر وكان متهما في أشعاره ورسائله حتى كتب أبياتا ليعلى بن أبي زيد حين وفد عليه ارتجالا فعجب أهل التمييز منه وأما أنا فقد كنت بلوته وكان ورود يعلى فجأة ولم يبرح من مجلسه حتى ارتجل الأبيات وأنا والله أخاف أن يزل فأجاد وزاد هذا آخر كلام أبي عامر
ولاية محمد بن عبد الرحمن المستكفي بالله
ولي محمد بن عبد الرحمن المذكور وله ثمان وأربعون سنة وأشهر لأن مولده في سنة 366 وكنيته أبو عبد الرحمن أمه أم ولد اسمها حوراء وكان أبوه قد قتله ابن أبي عامر في أول دولة هشام المؤيد لسعيه في القيام وطلبه للأمر وكان محمد بن عبد الرحمن هذا يلقب بالمستكفي بالله وكانت ولايته ستة أشهر واياما وكان في غاية السخف وركاكة العقل وسوء التدبير وزر له رجل حائك يعرف بأحمد بن خالد هو كان المدبر لأمره والمدير لدولته فقل في دولة يديرها حائك ولم يزل كذلك إلى أن خلع وقتل وزيره المذكور في داره دخل عليه عوام أهل قرطبة نهارا فتولوه بالحديد إلى أن برد وخلعوا المستكفي بالله وأخرجوه عن قرطبة بعد أن أقام ثلاثة أيام مسجونا لا يصل إليه طعام ولا شراب ثم نفوه كما ذكرنا فلحق بالثغور ورجع الأمر إلى يحيى بن علي الفاطمي وانتهى المستكفي المذكور من الثغر إلى قرية تعرف دشمنت بالقرب من مدينة سالم ومعه أحد قواده وهو عبد الرحمن بن محمد بن السليم من ولد سعيد بن المنذر القائد المشهور أيام عبد الرحمن الناصر فكره هذا القائد التمادي معه فاستدعى المستكفي غداءه فعمد القائد إلى دجاجة فدهنها له بعصارة نبت يقال البيش وهو كثير ببلاد الأندلس وخصوصا بتلك الجهة فلما أكلها المستكفي مات مكانه فغسله وكفنه وصلى عليه ودفنه فقبره هناك ولا عقب له ثم أقام يحيى بن علي الفاطمي في الولاية نافذ الأمر إلا أنه لم يدخل قرطبة وإنما كان مقيما بقرمونة كما قد قدمنا إلى أن قتل في التاريخ الذي تقدم ذكره
ولاية هشام المعتد بالله
ولما انقطعت دعوة يحيى بن علي الفاطمي عن قرطبة في التاريخ الذي ذكرنا أجمع رأي أهل قرطبة على رد الأمر إلى بني أمية وكان عميدهم في ذلك والذي تولى معظمه وسعى في تمامه الوزير أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور بن عبيد الله بن محمد بن الغمر بن يحيى بن عبد الغافر بن أبي عبدة وقد كان ذهب كل من ينافس في الرياسة ويخب في الفتنة بقرطبة فراسل جهور من كان معه على رأيه من أهل الثغور والمتغلبين هنالك على الأمور وداخلهم في هذا الأمر فاتفقوا بعد مدة طويلة على تقديم أبي بكر هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر وهو أخو المرتضي المذكور آنفا وكان هشام هذا مقيما بحصن يدعى ألبنت من الثغور عند أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن قاسم القائد المتغلب بها فبايعوه في شهر ربيع الأول سنة 418 وتلقب بالمعتد بالله وكان مولده في سنة 364 وكان أسن من أخيه المرتضى بأربعة أعوام وسنه يوم بويع له أربع وخمسون سنة أمه أم ولد اسمها عاتب فبقي ينتقل في الثغور ثلاثة أعوام لا يستقر بموضع ودارت هنالك فتن عظيمة بين الرؤساء المتغلبين واضطراب شديد إلى أن اتفق أمرهم واجتمع رأيهم على أن يسير إلى قرطبة قصبة الملك فسار إليها ودخلها في الثامن من ذي الحجة سنة 420 فلم يقم بها إلا يسيرا حتى قامت عليه طائفة من الجند فخلع وجرت أمور يطول شرحها من جملتها إخراج المعتد بالله هذا من قصره هو وحشمه والنساء حاسرات عن أوجههن حافية أقدامهن إلى أن أدخلوا الجامع الأعظم على هيئة السبايا فاقاموا هنالك أياما يتعطف عليهم بالطعام والشراب إلى أن أخرجوا عن قرطبة ولحق هشام ومن معه بالثغور بعد اعتقال بقرطبة فلم يزل يجول في الثغور إلى أن لحق بابن هود المتغلب على مدينة لاردة وسرقسطة وأفراغة وطرطوشة وما والى تلك الجهات فأقام عنده هشام إلى أن مات في سنة 427 ولا عقب له فهشام هذا آخر ملوك بني أمية بالأندلس نسبه هو هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم وبخلعه انقطعت الدعوة لبني أمية وذكرهم على المنابر بجميع أقطار الأندلس والعدوة إلى الآن فهذا آخر ما انتهى إلينا من أخبار بني أمية بالأندلس على شرط التلخيص
ذكر أخبار الأندلس بعد انتقال الدعوة الأموية عنها ومن ملكها من الملوك إلى وقتنا هذا وهو سنة 621
مآل قرطبة بعد انتهاء الدولة الأموية
ولما انقطعت دعوة بني أمية كما ذكرنا بالأندلس ولم يبق من عقبهم من يصلح للإمارة ولا من تليق به الرياسة استولى على تدبير ملك قرطبة جهور بن محمد بن جهور ويكنى أبا الحزم وقد تقدم ذكر نسبه في ترجمة هشام المعتد وأبو الحزم هذا قديم الرياسة شريف البيت كان آباؤه وزراء الدولة الحكمية والعامرية وهو موصوف بالدهاء وبعد الغور وحصافة العقل وحسن التدبير ولم يدخل من دهائه في الفتن الكائنة قبل ذلك كان يتصاون عنها ويظهر النزاهة والتدين والعفاف فلما خلا له الجو وأصفر الفناء وأقفر النادي من الرؤساء وأمكنته الفرصة وثب عليها فتولى أمرها واضطلع بحمايتها ولم ينتقل إلى رتبة الإمارة ظاهرا جريا على ما قدمنا من إظهار سنن العفاف بل دبرها تدبيرا لم يسبق إليه وذلك أنه جعل نفسه ممسكا للموضع إلى أن يجيء من يتفق الناس على إمارته فيسلم إليه ذلك ورتب البوابين والحشم على تلك القصور على ما كانت عليه أيام الدولة ولم يتحول عن داره إليها وجعل ما يرتفع من الأموال السلطانية بأيدي رجل رتبهم لذلك وهو المشرف عليهم وصير أهل الأسواق جندا له وجعل أرزاقهم رءوس أموال تكون بأيديهم محصاة عليهم يأخذون ربحها ورءوس الأموال باقية محفوظة يؤخذون بها ويراعون في كل وقت كيف حفظهم لها وفرق السلاح عليهم وأمرهم بتفرقته في الدكاكين والبيوت حتى إذا دهمهم أمر في ليل أ ونهار كان سلاح كل واحد معه حيث كان من بيته أو دكانه وكان أبو الحزم هذا يشهد الجنائز ويعود المرضى جاريا على طريقة الصالحين وهو مع ذلك يدبر الأمور تدبير الملوك المتغلبين وكان آمنا وادعا وقرطبة في أيامه حرما يأمن فيه كل خائف واستمر أمره على ذلك إلى أن مات في غرة صفر سنة 435 فكانت مدة تدبيره منذ استولى إلى أن مات أربع عشرة سنة وأشهرا ثم ولى ما كان يتولى من أمر قرطبة بعده ابنه أبو الوليد محمد بن جهور فجرى في السياسة وحسن التدبير على سنن أبيه غير مخل بشيء من ذلك إلى أن مات أبو الوليد المذكور في سلخ شوال من سنة 443 فغلب عليها بعد أمور جرت الأمير الملقب بالمأمون بن ذي النون صاحب طليطلة فدبرها مدة يسيرة إلى أن مات وخلف فيها بعده من البربر رجل يعرف بابن عكاشة أظن اسمه موسى فكان بها إلى أن غلبه عليها وأخرجه منها الأمير الظافر بحول الله أبو القاسم محمد بن عباد على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى فهذا آخر أخبار قرطبة وكونها دارا للملك وبعد غلبة المعتمد عليها صارت تبعا لإشبيلية
فصل رجع الحديث إلى بني حمود ومطمع بني عباد في التغلب على قرطبة
وأما أحوال الحسنيين فإنه لما قتل يحيى بن علي كما ذكرنا لسبع خلون من المحرم سنة 427 رجع أبو جعفر أحمد بن موسى المعروف بابن بقنة ونجا الخادم الصقلبي وهما مدبرا دولة الحسنيين فأتيا مالقة وهي دار مملكتهم فخاطبا أخاه إدريس بن علي وكان بسبتة وكان يملك معها طنجة واستدعياه فأتى مالقة وبايعاه بالخلافة على أن يجعل حسن بن يحيى المقتول مكانه بسبتة ولم يبايعا واحدا من ابني يحيى وهما إدريس وحسن لصغرهما فأجابهما إلى ذلك ونهض نجا مع حسن هذا إلى سبتة وطنجة وكان حسن أصغر ابني يحيى ولكنه أسدهما رأيا وتلقب إدريس بالمتأيد فبقي كذلك إلى سنة 30 أو 31 فتحركت فتنة وحدث للقاضي أبي القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد صاحب أشبيلية أمل في التغلب على تلك البلاد فأخرج ابنه إسماعيل في عكسر مع من أجابه من قبائل البربر ونهض إلى قرمونة فحاصرها ثم نهض إلى حصن يدعى أشونة وحصن آخر يدعى استجة فأخذهما وكانا بيد محمد بن عبد الله رجل من قواد البربر من بني برزال فاستصرخ محمد بن عبد الله إدريس بن علي الحسني وقبائل صنهاجة فأمد صاحب صنهاجة بنفسه وأمده إدريس بعسكر يقوده ابن بقنة أحمد بن موسى مدبر دولته فاجتمعوا مع محمد بن عبد الله ثم غلبت عليهم هيبة إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن عباد قائد عسكر أبيه القاضي أبي القاسم فافترقوا وانصرف كل واحد منهم إلى بلده فبلغ ذلك إسماعيل ابن محمد فقوي أمله ونهض بعسكره قاصدا طريق صاحب صنهاجة وقدر صاحب صنهاجة أنه سيلحقه فوجه إلي ابن بقنة يسترجعه وإنما كان فارقه قبل ذلك بساعة فرجع إليه والتقت العساكر فما كان إلا أن تراءى الجمعان فولى عسكر ابن عباد منهزما وأسلموا إسماعيل فكان أول مقتول وحمل رأسه إلى إدريس بن علي الحسنى وقد كان إدريس استشعر بالهلاك فنزل عن مالقة إلى جبل بباشتر وهو الذي قام فيه ابن حفصون المتقدم الذكر فتحصن به وهو مريض مدنف فلم يعش إلا يومين ومات وترك من الولد يحيى قتل بعده ومحمدا الملقب بالمهدي وحسنا المتلقب بالسامي وكان له ابن هو أكبر بنيه اسمه علي مات في حياة أبيه وترك ابنا اسمه عبد الله أخرجه عمه ونفاه لما ولي وقد كان يحيى بن علي المذكور قبل قد اعتقل ابني عمه محمدا والحسن ابني القاسم بن حمود بالجزيرة وكان الموكل بهما رجلا من المغاربة يعرف بأبي الحجاج فحين وصل إليه خبر قتل يحيى جمع من كان في الجزيرة من المغاربة والسودان وأخرج محمدا والحسن وقال هذان سيداكم فسارع أجمعهم إلى الطاعة لهما لشدة ميل أبيهما إلى السودان قديما وإيثاره لهم وانفرد محمد بالأمر دون الحسن وملك الجزيرة إلا أنه لم يتسم بالخلافة وبقي معه أخوه الحسن مدة إلى أن حدث له رأى في التنسك فلبس الصوف وتبرأ عن الدنيا وخرج إلى الحج مع أخته فاطمة بنت القاسم زوجة يحيى بن علي المعتلي فلما مات إدريس كما تقدم رام ابن بقنة أحمد بن موسى ضبط الأمر لولده يحيى بن إدريس المعروف بحيون ثم لم يجسر على ذلك الجسر التام وتحير وتردد ولما وصل خبر قتل إسماعيل بن عباد وموت إدريس بن علي إلى نجا الخادم الصقلبي وكان بسبتة استخلف عليها من وثق به من الصقالبة وركب البحر هو وحسن بن يحيى إلى مالقة ليرتب الأمر له فلما وصلا إلى مرسى مالقة خارت قوى ابن بقنة وهرب إلى حصن كمارش على ثمانية عشر ميلا من مالقة ودخل حسن ونجا مالقة واجتمع إليهما من بها من البربر فبايعوا حسن ابن يحيى بالخلافة وتسمى المستعلي ثم خاطب ابن بقنة وأمنه فلما رجع إليه قبض عليه وقتله وقتل ابن عمه يحيى بن إدريس ورجع نجا إلى سبتة وطنجة وترك مع الحسن رجلا كان من التجار يعرف بالسطيفي كان نجا كثير الثقة به فبقي الأمر كذلك نحوا من عامين وكان الحسن بن يحيى متزوجا بابنة عمه إدريس فقيل إنها سمته أسفا على أخيها فلما مات احتاط السطيفي على الأمر واعتقل إدريس بن يحيى وكتب إلى نجا بالخبر وكان للحسن ابن صغير عند نجا فقيل إنه اغتاله أيضا فقتله فالله أعلم ولم يعقب حسن بن يحيى فاستخلف نجا على سبتة وطنجة من وثق به من الصقالبة عند وصول الخبر إليه وركب البحر إلى مالقة فلما وصل إليها زاد في الاحتياط على إدريس بن يحيى وأكد اعتقاله وعزم على محو أمر الحسنيين جملة وأن يضبط تلك البلاد لنفسه فدعا البربر الذين كانوا جند البلد وكشف الأمر إليهم علانية ووعدهم بالإحسان فلم يجدوا لمساعدته بدا فوافقوه في الظاهر وعظم ذلك في أنفسهم باطنا ثم جمع عسكره ونهض إلى الجزيرة ليستأصل محمد بن القاسم فحاربه أياما ثم أحس بفتور نيات الذين معه فرأى أن يرجع إلى مالقة فإذا حصل فيها نفي من يخاف غائلته منهم واستصلح سائرهم واستدعى الصقالبة من حيثما أمكنه ليقو بهم على غيرهم وأحس البربر بهذا منه فاغتالوه في الطريق من قبل أن يصل إلى مالقة فقتل وهو على دابته في مضيق صار فيه وقد تقدمه إليه الذي أراد الفتك به وفر من كان معه من الصقالبة بأنفسهم ثم تقدم فارسان من الذين غدروا به يركضان حتى وردا مالقة فدخلا وهما يقولان البشرى البشرى فلما وصلا إلى السطيفي وضعا سيفيهما عليه فقتلاه ثم وافى العسكر فاستخرجوا إدريس بن يحيى من محبسه فقدموه وبايعوه بالخلافة وتسمى بالعالي فظهرت منه أمور متناقضة منها أنه كان أرحم الناس قلبا كثير الصدقات يتصدق كل يوم بخمسمائة ورد كل مطرود عن وطنه إليه ورد عليهم ضياعهم وأملاكهم ولم يسمع بغيا في أحد من الرعية وكان أديب اللقاء حسن المجلس يقول من الشعر الأبيات الحسان ومع هذا فكان لا يصحب ولا يؤثر إلا كل ساقط رذل ولا يحجب حرمه عنهم وكل من طلب منه حصنا من حصون بلاده ممن يجاوره من صنهاجة أو بني يفرن أعطاه إياه وكتب إليه أمير صنهاجة أن يسلم إليه وزيره ومدبر أمره وصاحب أبيه وجده موسى بن عفان السبتي فلما أخبره بأن الصنهاجي كتب إليه يطلبه منه وأنه لا بد من تسليمه إليه قال له موسى بن عفان افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فبعث به إلى الصنهاجي فقتله وكان قد اعتقل ابني عمه محمدا وحسنا ابني إدريس بن علي في حصن إيرش فلما رأى ثقته الذي في الحصن اضطراب آرائه خالف عليه وقدم ابن عمه محمد بن إدريس فلما بلغ ذلك السودان المرتبين في قصبة مالقة نادوا بدعوة ابن عمه محمد بن إدريس وراسلوه بالمجيء إليهم وامتنعوا بالقصبة واجتمعت العامة إلى إدريس بن يحيى واستأذنوه في حرب القصبة والدفاع عنه ولو أذن لهم ما ثبت السودان فواق ناقة فأبى فقال لهم الزموا منازلكم ودعوني فتفرقوا عنه وجاء ابن عمه فسلم عليه وبويع بالخلافة وتسمى بالمهدي وولى أخاه عهده وسماه السامي واعتقل ابن عمه إدريس بن يحيى في الحصن الذي كان هو معتقلا فيه وظهرت من محمد بن إدريس هذا شهامة وجرأة شديدة هابه بها جميع البربر وأشفقوا منه وراسلوا المرتب في الحصن الذي فيه إدريس بن يحيى هذا واستمالوه فأجابهم وقام بدعوة إدريس وقد كان إدريس أول ولايته بعد قتل نجا كما تقدم قد ولى سبتة وطنجة رجلين من بر غواطة قبيلة من قبائل البربر من عبيد أبيه اسم أحدهما رزق الله والآخر سكات فلما خلع إدريس كما تقدم بقيا حافظين لمكانيهما فلما قام كما ذكرنا بدعوته صاحب حصن إيرش لم يظهر محمد مبالاة بذلك بل ثبت ثباتا شديدا وكانت والدته تشجعه وتقوي متنه وتشرف على الحرب بنفسها فتحسن إلي من أبلى فلما رأى البربر شدة عزمه وثباته فت ذلك في أعضادهم وتخلوا عن إدريس بن يحيى ورأوا أن يبعثوا به إلى سبتة وطنجة إلى البر غواطيين اللذين ذكرنا وقد كان إدريس جعل ابنه عندهما في حضانتهما فلما وصل إليهما أظهرا تعظيمه ومخاطبته بالخلافة إلا أنهما حجباه حجابا شديدا ولم يدعا أحدا من الناس يصل إليه فتلطف قوم من أكابر البربر حتى وصلوا إليه وقالوا له إن هذين العبدين قد غلبا عليك وحالا بينك وبين أمرك فاذن لنا نكفيكهما فأبى ثم أخبرهما بذلك فنفيا أولئك القوم وأخرجا إدريس بن يحيى وبعثا به إلى الأندلس وتمسكا بولده لصغره إلا أنهما في كل ذلك يخطبان لإدريس بالخلافة ثم إن محمد بن إدريس أنكر من أخيه الملقب بالسامي أمرا فنفاه إلى العدوة فصار في جبال غمارة وهي بلاد كنقاد لهؤلاء الحسنيين وأهلها يعظمونهم تعظيما مفرطا ثم إن البرابرة خاطبوا محمد بن القاسم الكائن بالجزيرة الخضراء واجتمعوا إليه ووعدوه بالنصر فاستفزه الطمع وخرج إليهم فبايعوه بالخلافة وتسمى بالمهدي وصار الأمر في غاية الأخلوقة والفضيحة اربعة كلهم يتسمى بأمير المؤمنين في رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخا في مثلها فأقاموا معه أياما ثم افترقوا عنه إلى بلادهم ورجع محمد خاسئا إلى الجزيرة ومات لأيام فقيل إنه مات غما وترك نحوا من ثمانية ذكور فتولى أمر الجزيرة بعده ابنه القاسم بن محمد بن القاسم إلا أنه لم يتسم بالخلافة وبقي محمد بن إدريس المهدي بمالقه إلى أن مات سنة 445 وكان إدريس بن يحيى المعروف بالعالي عند بني يفرن بتاكرونة فلما توفي محمد بن إدريس بن يحيى المهدي ردت العامة إدريس العالي إلى مالقة واستولى عليها وهو آخر من ملكها من الحسنيين فلما مات أجمع البربر رأيهم على نفي الحسنيين عن الأندلس إلى العدوة والاستبداد بضبط ما كانوا يملكونه من البلاد ففعلوا ذلك وتم لهم ما أرادوا منه كانت الجزيرة الخضراء وما والاها من القرى إلى تاكرونة ومالقة وما والاها أيضا إلى حصن منكب وغرناطة وأعمالها في ملك البربر وملكوا مع ذلك بعض أعمال أشبيلية كحصن أشونة وقرمونة وشلبر ولم يزالوا كذلك إلى أن أخرج من أيديهم ما كانوا يملكونه من أعمال أشبيلية المعتضد بالله أبو عمرو عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي ثم أتم ابنه أبو القاسم المعتمد على الله ما ابتدأه أبوه من ذلك وهذا آخر أخبار الحسنيين وما يتعلق بها حسبما أورده أبو عبد الله محمد ابن أبي نصر الحميدي عليه عولت في أكثر ذلك ومن كتابه نقلت نقل خلا مواضع تبينت غلطه فيها أصلحتها جهد ما أقدر وعلى الله قصد السبيل وهو المسؤل في الهداية قولا وعملا
فصل يتضمن ذكر أحوال الأندلس بعد انقطاع الدعوة الأموية عنها على الإجمال لا على التفصيل
وأما حال سائر الأندلس بعد اختلال دعوة بني أمية فإن أهلها تفرقوا فرقا وتغلب في كل جهة منها متغلب وضبط كل متغلب منهم ما تغلب عليه وتقسموا ألقاب الخلافة فمنهم من تسمى بالمعتضد وبعضهم تسمى بالمأمون وآخر تسمى بالمستعين والمقتدر والمعتصم والمعتمد والموفق والمتوكل إلى غير ذلك من الألقاب الخلافية وفي ذلك يقول أبو علي الحسن بن رشيق % مما يزهدني في أرض أندلس % سماع مقتدر فيها ومعتضد % % ألقاب مملكة في غير موضعها % كالهر يحكى نتفاخا صولة الأسد % $ وأنا ذاكر إن شاء الله في هذا الفصل أسماءهم والجهات التي تغلبوا عليها على نحو ما شرطت من الإجمال إذ لكل منهم أخبار وسير ووقائع لو بسطت القول فيها خرج هذا التصنيف عن حد التلخيص إلى حيز الإسهاب وأيضا فالذي منعني عن استيفاء أخبارهم أو أخبار أكثرهم قلة ما صحبني من الكتب واختلال معظم محفوظاتي
ملوك الطوائف
فأولهم في الربع الشرقي رجل اسمه سليمان بن هود تلقب بالمؤتمن وتلقب ابنه بالمقتدر وتلقب ابنه بالمستعين كان بنو هود هؤلاء يملكون من مدن هذه الجهة الشرقية طرطوشة وأعمالها وسرقسطة وأعمالها وأفراغة ولا ردة وقلعة أيوب هذه اليوم كلها بأيدي الإفرنج يملكها صاحب برشنونة لعنه الله وهي البلاد التي تسمى أرغن حد هذا الاسم آخر مملكة البرشنوني مما يلي بلاد إفرنسة ويجاور بني هود هؤلاء رجل آخر اسمه عبد الملك بن عبد العزيز يكنى أبا مروان قديم الرياسة هو أحق ملوك الأندلس بالتقدم لشرف بيته ولا أعلم له لقبا كان يملك بلنسية وأعمالها وكان يلي الثغر رجل آخر يقال له أبو مروان بن رزين كان يملك إلى أول أعمال طليطلة وكان الذي يملك طليطلة وأعمالها الأمير أبو الحسن يحيى بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن عامر بن مطرف بن موسى بن ذي النون وأبو الحسن هذا أقدم ملوك الأندلس رياسة واشرفهم بيتا وأحقهم بالتقدم تلقب بالمأمون كان أبوه إسماعيل هو الذي تغلب على طليطلة من قبل واستبد بملكها أول الفتنة ولم يزل أبو الحسن هذا يملك طليطلة وأعمالها كما ذكرنا إلى أن أخرجه عنها الأدفنش لعنه الله واستولى عليها النصارى في شهور سنة 478 فهي قاعدة ملك النصارى إلى وقتنا هذا وكان يملك قرطبة وأعمالها إلى أول الثغر جهور بن محمد بن جهور المتقدم ذكره ونسبه إلى أن غلبه عليها صاحب طليطلة إسماعيل بن ذي النون والد أبي الحسن المذكور آنفا وكان يملك اشبيلية وأعمالها القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي تغلب عليها بعد أن أخرج عنها القاسم بن حمود وابنيه محمدا والحسن على ما سيأتي الإيماء إليه إن شاء الله عز وجل وكان يملك مالقة والجزيرة وغرناطة وما والى ذلك البربر بنو برزال الصنهاجيون على ما قدمناه وتغلب على المرية وأعمالها زهير العامري الخادم ثم ملكها بعده خيران العامري أيضا الخادم ثم تغلب عليها بعدهما أبو يحيى محمد بن معن بن صمادح المتلقب بالمعتصم فلم يزل فيها إلى أن أخرجه عنها يوسف بن تاشفين اللمتوني في شهور سنة 484 وكان يملك دانية وأعمالها مجاهد العامري أصله رومي مولى لابي عامر محمد بن أبي عامر ثم ملكها بعده ابنه علي بن مجاهد وتلقب بالموفق لا أعلم في المتغلبين على جهات الأندلس أصون منه نفسا ولا أطهر عرضا ولا أنقى ساحة كان لا يشرب الخمر ولا يقرب من يشربها وكان مؤثرا للعلوم الشرعية مكرما لأهلها توفي قبل فتنة المرابطين بيسير لا أتحقق تاريخ وفاته وكان يملك الثغر الذي من الجهة المغربية من الأندلس وبعض المدن المجاورة للبحر الأعظم ابن الأفطس المتلقب بالمظفر ذهب عني اسمه ثم كان له ابن اسمه عمر يكنى أبا محمد تلقب بالمتوكل على الله كان يملك بطليوس وأعمالها ويابرة وشنترين والأشبونة كان المظفر هذا أحرص الناس على جمع علوم الأدب خاصة من النحو والشعر ونوادر الأخبار وعيون التاريخ انتخب مما اجتمع له من ذلك كتابا كبيرا ترجمه باسمه على نحو الاختيارات للروحي وعيون الأخبار لأبي محمد ابن قتيبة جاء هذا الكتاب في نحو من عشرة أجزاء ضخمة وقفت على أكثره ترجمته المظفري وكان لابنه المتوكل قدم راسخة في صناعة النظم والنثر مع شجاعة مفرطة وفروسية تامة وكان لا يغب الغزو ولا يشغله عنه شيء واتصلت مملكته إلى أن قتله المرابطون أصحاب يوسف بن تاشفين وقتلوا ولديه الفضل والعباس صبرا ضربوا أعناقهم في غرة سنة 485 وكانت أيام بني المظفر بمغرب الأندلس أعيادا ومواسم وكانوا ملجأ لأهل الآداب خلدت فيهم ولهم قصائد شادت مآثرهم وأبقت على غابر الدهر حميد ذكرهم وفيهم يقول الوزير الكاتب الأبرع ذو الوزارتين أبو محمد عبد المجيد ابن عبدون من أهل مدينة يابرة قصيدته الغراء لابل عقيلته العذراء التي أزرت على الشعر وزادت على السحر وفعلت في الألباب فعل الخمر فجلت عن أن تسامى وأنفت من أن تضاهى فقل لها النظير وكثر إليها المشير وتساوى في تفضيلها وتقديمها باقل وجرير فلله هي من عقيلة خدر قربت بسهولتها حتى أطمعت وبعدت حتى عزت فامتنعت أوردتها في هذا المصنف وإن كان فيها طول مخرج عن الحد الذي رسمته مخل بالتلخيص الذي شرطته لصحة مبانيها ورشاقة ألفاظها وجودة معانيها سلك فيها أبو محمد رحمه الله طريقه لم يسبق إليها وورد شرعة لم يزاحم عليها فلذلك قل مثلها لا بل عدم وعز نظيرها فما توهم ولا علم وهي % الدهر يفجع بعد العين بالأثر % فما البكاء على الأشباح والصور % % انهاك أنهاك لا آلوك موعظة % عن نومة بين ناب الليث والظفر % % فالدهر حرب وإن أبدى مسالمة % والبيض والسود مثل البيض والسمر % ولا هوادة بين الرأس تأخذه % يد الضراب وبين الصارم الذكر % % فلا تغرنك من دنياك نومتها % فما صناعة عينيها سوى السهر % % ما لليالي أقال الله عثرتنا % من الليالي وخانتها يد الغير % % في كل حين لها في كل جارحة % منا جراح وإن زاغت عن النظر % % تسر بالشيء لكن كي تغر به % كالإيم ثار إلى الجاني من الزهر % % كم دولة وليت بالنصر خدمتها % لم تبق منها وسل ذكراك من خبر % % هوت بدارا وفلت غرب قاتله % % وكان عضبا على الأملاك ذا اثر % % واسترجعت من بني ساسان ما وهبت % ولم تدع لبني يونان من أثر % % وألحقت اختها طسما وعاد على % عاد وجرهم منها ناقض المرر % % وما أقالت ذوي الهيئات من يمن % ولا أجارت ذوي الغايات من مضر % % ومزقت سبأ في كل قاصية % فما التقى رائح منهم بمبتكر % % وأنفذت في كليب حكمها ورمت % مهلهلا بين سمع الأرض والبصر % % ولم ترد على الضليل صحته % ولا ثنت أسدا عن ربها حجر % % ودوخت آل ذبيان وإخوتهم % عبسا وغصت بني بدر على النهر % % وألحقت بعدي بالعراق على % يد ابنه أحمر العينين والشعر % % وأهلكت إبرويزا بابنه ورمت % بيزد جرد إلى مرو فلم يحر % % وبلغت يزدجرد الصين واختزلت % عنه سوى الفرس جمع الترك والخزر % % ولم ترد مواضي رستم وقنا % ذي حاجب عنه سعدا في ابنة الغير % % يوم القليب بنو بدر فنوا وسعي % قليب بدر بمن فيه إلى سقر % % ومزقت جعفرا بالبيض واختلست % من غيله حمزة الظلام للجزر % % وأشرفت بخبيب فوق فارعه % وألصقت طلحة الفياض بالعفر % % وخضبت شيب عثمان دما وخطت % إلى الزبير ولم تستحي من عمر % % ولا رعت لأبي اليقظان صحبته % ولم تزوده إلا الضيح في الغمر % % واجزرت سيف أشقاها أبا حسن % وأمكنت من حسين راحتي شمر % % وليتها إذ فدت عمرا بخارجة % فدت عليا بمن شاءت من البشر % % وفي ابن هند وفي ابن المصطفى حسن % أتت بمعضلة الألباب والفكر % % فبعضنا قائل ما اغتاله أحد % وبعضنا ساكت لم يؤت من حصر % % وأردت ابن زياد بالحسين فلم % يبؤ بشسع له قد طاح أو ظفر % % وعممت بالظبي فودى أبي أنس % ولم ترد الردى عنه قنا زفر % % وأنزلت مصعبا من رأس شاهقة % كانت بها مهجة المختار في وزر % % ولم تراقب مكان ابن الزبير ولا % راعت عياذته بالبيت والحجر % % وأعملت في لطيم الجن حيلتها % واستوسقت لأبي الذبان ذي البخر % % ولم تدع لأبي الذبان قاضبه % ليس اللطيم لها عمرو بمنتصر % % وأحرقت شلو زيد بعد ما احترقت % عليه وجدا قلوب الآي والسور % % وأظفرت بالوليد بن اليزيد ولم % تبق الخلافة بين الكأس والوتر % % حبابة حب رمان أتيح لها % وأحمر قطرته نفحة القطر % % ولم تعد قضب السفاح نائية % عن رأس مروان أو أشياعه الفجر % % وأسبلت دمعة الروح الأمين على % دم بفخ لآل المصطفى هدر % % وأشرقت جعفرا والفضل ينظره % والشيخ يحيى بريق الصارم الذكر % % وأخفرت في الأمين العهد وانتدبت % لجعفر بابنه والأعبد الغدر % % وما وفت بعهود المستعين ولا % بما تأكد للمعتز من مرر % % وأوثقت في عراها كل معتمد % واشرقت بقذاها كل مقتدر % % وروعت كل مأمون ومؤتمن % وأسلمت كل منصور ومنتصر % % وأعثرت آل عباد لعا لهم % بذيل زباء لم تنفر من الذعر % % بني المظفر والأيام لا نزلت % مراحل والورى منها على سفر % % سحقا ليومكم يوما ولا حملت % بمثله ليلة في غابر العمر % % من للأسرة أو من للأعنة أو % من للأسنة يهديها إلى الثغر % % من للظبي وعوالي الخط قد عقدت % أطراف ألسنها بالعي والحصر % % وطوقت بالمنايا السود بيضهم % فأعجب لذاك وما منها سوى الذكر % % من لليراعة أو من للبراعة أو % من للسماحة أو للنفع والضرر % % أو دفع كارثة أو ردع آزفة % أو قمع حادثة تعيا على القدر % % ويب السماح وويب البأس لو سلما % وحسرة الدين والدنيا على عمر % % سقت ثرى الفضل والعباس هامية % تعزى إليهم سماحا لا إلى المطر % % ثلاثة ما رأى السعدان مثلهم % واخبر ولو عززا في الحوت بالقمر % % ثلاثة ما ارتقى النسران حيث رقوا % وكل ما طار من نسر ولم يطر % % ثلاثة كذوات الدهر منذ نأوا % عني مضى الدهر لم يربع ولم يحر % % ومر من كل شيء فيه أطيبه % حتى التمتع بالآصال والبكر % % أين الجلال الذي غضت مهابته % قلوبنا وعيون الأنجم الزهر % % أين الإباء الذي أرسوا قواعده % على دعائم من عز ومن ظفر % % أين الوفاء الذي أصفوا شرائعه % فلم يرد أحد منها على كدر % % كانوا رواسي أرض الله منذ مضوا % عنها استطارت بمن فيها ولم تقر % % كانوا مصابيحها فمذ خبوا عثرت % هذي الخليقة يا لله في سدر % % كانوا شجى الدهر فاستهوتهم خدع % منه بأحلام عاد في خطى الحضر % % ويلمه من طلوب الثأر مدركه % منهم باسد سراة في الوغى صبر % % من لي ولا من بهم إن أظلمت نوب % ولم يكن ليلها يفضي إلى سحر % % من لي ولا من بهم إن عطلت سنن % وأخفيت ألسن الآثار والسير % % من لي ولا من بهم إن أطبقت محن % ولم يكن وردها يدعو إلى صدر % % على الفضائل الا الصبر بعدهم % سلام مرتقب للأجر منتظر % % يرجو عسى وله في أختها أمل % والدهر ذو عقب شتى وذو غير % % قرطت آذان من فيها بفاضحة % على الحسان حصى الياقوت والدرر % % سيارة في أقاصي الأرض قاطعة % شقا شقا هدرت في البدو والحضر % % مطاعة الأمر في الألباب قاضية % من المسامع مالم يقض من وطر % وكان أبو محمد هذا يكتب للمتوكل على الله ونمت حاله معه وهو أحد كتاب المغرب وممن جمع منهم فضيلتي الكتابة والشعر على أنه مقل من النظم لم يثبت له منه إلا يسير بالنسبة إلى غزارة آدابه ونباهة قدره وسيمر من مختار رسائله في موضعه من هذا الكتاب ما يدل على ما وصفناه به حكى عن نفسه رحمه الله أنه كان بين يدي مؤدبه وسنه إذ ذاك ثلاث عشرة سنة فعن للمؤدب أن قال % الشعر خطة خسف % وجعل يردد هذا القول قال الوزير أبو محمد رحمه الله فكتبت في لوحي مجيزا له % لكل طالب عرف % ثم خطر لي بيت ثان وهو % للشيخ عيبة عيب % وللفتى ظرف ظرف % قال فنظر إلي المؤذب وقال يا عبد المجيد ما الذي تكتب فأريته اللوح فلما رآه لطمني وعرك أذني وقال لا تشتغل بهذا وكتب البيتين عنده ومن غزارة حفظه رحمه الله ما حدث الوزير الأجل أبو بكر محمد ابن الوزير أبي مروان عبد الملك بن أبي العلاء زهر بن عبد الملك بن زهر وكان أبو بكر هذا قد مات عن سن عالية نيف على الثمانين قال بينا أنا قاعد في دهليز دارنا وعندي رجل ناسخ أمرته أن يكتب لي كتاب الأغاني فجاء الناسخ بالكراريس التي كتبها فقلت له أين الأصل الذي كتبت منه لأقابل معك به قال ما أتيت به معي فبينا أنا معه في ذلك إذ دخل الدهليز علينا رجل بذ الهيئة عليه ثياب غليظة أكثرها صوف وعلى رأسه عمامة قد لاثها من غير إتقان لها فحسبته لما رأيته من بعض أهل البادية فسلم وقعد وقال لي يا بني استأذن لي على الوزير أبي مروان فقلت له هو نائم هذا بعد أن تكلفت جوابه غاية التكلف حملني على ذلك نزوة الصبا وما رأيت من خشونة هيئة الرجل ثم سكت عني ساعة وقال ما هذا الكتاب الذي بأيديكما فقلت له ما سؤالك عنه فقال أحب أن أعرف اسمه فإني كنت اعرف أسماء الكتب فقلت هو كتاب الأغاني فقال إلى أين بلغ الكاتب منه قلت بلغ موضع كذا وجعلت أتحدث معه على طريق السخرية به والضحك على قالبه فقال وما لكاتبك لا يكتب قلت طلبت منه الأصل الذي يكتب منه لأعارض به هذه الأوراق فقال لم أجيء به معي فقال يا بني خذ كراريسك وعارض قلت بماذا وأين الأصل قال كنت أحفظ هذا الكتاب في مدة صباي قال فتبسمت من قوله فلما رأى تبسمي قال يا بني أمسك علي قال فأمسكت عليه وجعل يقرا فوالله إن أخطأ واوا ولا فاء قرأ هكذا نحوا من كراستين ثم أخذت له في وسط السفر وآخره فرأيت حفظه في ذلك كله سواء فاشتد عجبي وقمت مسرعا حتى دخلت على أبي فأخبرته بالخبر ووصفت له الرجل فقام كما هو من فوره وكان ملتفا برداء ليس عليه قميص وخرج حاسر الرأس حافي القدمين لا يرفق على نفسه وأنا بين يديه وهو يوسعني لوما حتى ترامى على الرجل وعانقه وجعل يقبل رأسه ويديه ويقول يا مولاي اعذرني فوالله ما أعلمني هذا الجلف إلا الساعة وجعل يسبني والرجل يخفض عليه ويقول ما عرفني وأبي يقول هبه ما عرفك فما عذره في حسن الأدب ثم أدخله الدار وأكرم مجلسه وفلا وخلا به فتحدثا طويلا ثم خرج الرجل وأبي بين يديه حافيا حتى بلغ الباب وأمر بدابته التي يركبها فاسرجت وحلف عليه ليركبنها ثم لا ترجع اليه أبدا فلما انفصل قلت لأبي من هذا الرجل الذي عظمته هذا التعظيم قال لي اسكت ويحك هذا أديب الأندلس وإمامها وسيدها في علم الآداب هذا أبو محمد عبد المجيد بن عبدون أيسر محفوظاته كتاب الأغاني وما حفظه في ذكاء خاطره وجودة قريحته سمعت هذه الحكاية من أبي بكر بن زهر رحمه الله حين دخلت عليه وقد وفد على مراكش لتجديد بيعة أمير المؤمنين أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف في شهور سنة 595 وأنشدني الوزير أبو بكر المذكور في هذا التاريخ لنفسه بعد أن سألني عن اسمي وعن نسبي فتسميت وانتسبت وتسمى لي هو رحمه الله وانتسب من غير استدعاء تواضعا منه وشرف نفس وتهذيب خلق قدس الله روحه وسامحه % لاح المشيب على رأسي فقلت له % الشيب والعيب لا والله ما اجتمعا % % يا ساقي الكأس لا تعدل إلي بها % فقد هجرت الحميا والحميم معا % وأنشدني رحمه الله وقال احفظ عني % إني نظرت إلى المرآة إذ جليت % فأنكرت مقلتاي كل ما رأتا % % رأيت فيها شييخا لست أعرفه % وكنت أعرف فيها قبل ذاك فتى % هذا ما أنشدني لنفسه بلفظه رحمه الله وله شعر كثير أجاد في أكثره وأما الموشحات خاصة فهو الإمام المقدم فيها وطريقته هي الغاية المقصوى التي يجري كل من بعده إليها هو آخر المجيدين في صناعتها ولولا أن العادة لم تجر بإيراد الموشحات في الكتب المجلدة المخلدة لاوردت له بعض ما بقي على خاطري من ذلك
رجع القول إلى ملوك الطوائف
ثم رجع بنا القول إلى ذكر أحوال الأندلس فهؤلاء الرؤساء الذين ذكرنا أسماءهم هم الذين ملكوا الاندلس بعد الفتنة وضبطوا نواحيها واستبد كل رئيس منهم بتدبير ما تغلب عليه من الجهات وانقطعت الدعوة للخلافة وذكر اسمها على المنابر فلم يذكر خليفة أموي ولا هاشمي بقطر من أقطار الأندلس خلا أيام يسيرة دعي فيها لهشام المؤيد بن الحكم المستنصر بمدينة أشبيلية وأعمالها حسبما اقتضته الحيلة واضطر اليد التدبير ثم انقطع ذلك حسبما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى فأشبهت حال ملوك الأندلس بعد الفتنة حال ملوك الطوائف من الفرس بعد قتل دارا بن دارا ولم يزالوا كذلك وأحوال الأندلس تضعف وثغورها تختل ومجاوروها من الروم تشتد أطماعهم ويقوى تشوفهم إلى أن جمع الله الكلمة ورأب الصدع ونظم الشمل وحسم الخلاف وأعز الدين وأعلى كلمة الإسلام وقطع طمع العدو بيمن نقيبة أمير المسلمين وناصر الدين أبي يعقوب يوسف بن تاشفين اللمتوني رحمه الله ثم استمر على ذلك ابنه علي وأعادا إلى الأندلس معهود أمنها وسالف نضارة عيشها فكانت الأندلس في أيامهما حرما آمنا وأول دعاء دعي للخلافة العباسية أبقاها الله على منابر الأندلس في أيامهما ولم تزل الدعوة العباسية وذكر خلفائها على منابر الأندلس والمغرب إلى أن انقطعت بقيام ابن تومرت مع المصامدة في بلاد السوس على ما يأتي بيانه إن شاء الله عز وجل
فصل في ملك بني عباد بإشبيلية
وإذ ذكرنا أحوال ملوك الأندلس المتغلبين عليها بعد الفتنة على ما شرطنا من الإجمال فلنرجع إلى ذكر مملكة أشبيلية خصوصا من جزيرة الأندلس وذكر من ملكها فبذلك يتصل نسق الأخبار عما نريده ويتطرق لنا القول فيما نقصده لأن ملك أشبيلية هو كان السبب في دخول يوسف بن تاشفين مع المرابطين الأندلس على ما سيذكر إن شاء الله تعالى فنقول اما أحوال اشبيلية فإنها كانت في طاعة الفاطميين أعني علي بن حمود والقاسم بن حمود ويحيى بن علي بن حمود أيام كان الأمر دائرا بينهم على ما تقدم ذكره فلما زحف يحيى بن علي بالبرابر إلى قرطبة وهرب القاسم بن حمود منها وقصد أشبيلية وقد كان ابناه محمد والحسن مقيمين بها اجتمع أمر أهل اشبيلية واتفق رأيهم على إخراج محمد والحسن عنها قبل وصول القاسم أبيهما فأخرجوهما وجاء القاسم فمنعوه دخول البلد أيضا واتفقوا على تقديم رجل منهم يرجع إليه أمرهم وتجتمع به كلمتهم فتوارد اختيارهم بعد مخض الرأي وتنقيح التدبير على القاضي أبي القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي لما كانوا يعلمونه من حصافة عقله وسعة صدره وعلو همته وحسن تدبيره فعرضوا عليه ما رأوه من ذلك فتهيب الاستبداد وخاف عاقبة الانفراد أولا وأبى ذلك إلا على أن يختاروا له من أنفسهم رجالا سماهم لكي يكونوا له أعوانا ووزراء وشركاء لا يقطع أمرا دونهم ولا يحدث حدثا إلا بمشورتهم وهؤلاء المسمون هم الوزير أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي ومحمد بن بريم الألهاني وأبو الأصبغ عيسى بن حجاج الحضرمي وأبو محمد عبد الله بن علي الهوزني في رجال آخرين ذهبت عني أسماؤهم إلا أني أعرف قبائلهم وبيوتهم ففعلوا ذلك وأجابوه إلى ما أراد ولم يزل يدبر أمر اشبيلية وهؤلاء المذكورون وزراؤه وكان له من الولد إسماعيل وهو الأكبر يكنى أبا الوليد وعباد يكنى أبا عمرو فأما إسماعيل فخرج إلى لقاء البربر بعد أن حدث لأبيه أمل في التغلب على ما كان البربر يملكونه من الحصون القريبة من اشبيلية بعسكر من جند أشبيلية فالتقى هو وصاحب صنهاجة فأسلمت إسماعيل عساكره وكان أول قتيل وقطع رأسه وسير به إلى مالقة إلى إدريس بن علي الفاطمي كما تقدم وبقي الأمر كذلك والقاضي أبو القاسم يدبر الأمور أحسن تدبير وكان صالحا مصلحا إلى أن مات في شهور سنة 439
ولاية المعتضد بالله العبادي
ثم ولي ما كان يليه بعده من أمور أشبيلية وأعمالها ابنه أبو عمرو عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد فجرى على سنن أبيه في إيثار الإصلاح وحسن التدبير وبسط العدل مدة يسيرة ثم بدا له أن يستبد بالأمور وحده وكان شهما صارما حديد القلب شجاع النفس بعيد الهمة ذا دهاء وواتته مع هذا المقادير فلم يزل يعمل في قطع هؤلاء الوزراء واحدا واحدا فمنهم من قتله صبرا ومنهم من نفاه عن البلاد ومنهم من أماته خمولا وفقرا إلى أن تم له ما أراده من الاستبداد بالأمر وتلقب بالمعتضد بالله وقيل إنه ادعى أنه وقع إليه هشام المؤيد بالله ابن الحكم المستنصر بالله وكان الذي حمله على تدبير هذه الحيلة ما رآه من اضطراب أهل إشبيلية وخاف قيام العامة عليه لأنهم سمعوا بظهور من ظهر من أمراء بني أمية بقرطبة كالمستظهر والمستكفي والمعتد فاستقبحوا بقاءهم بغير خليفة وبلغه أنهم يطلبون من أولاد بني أمية من يقيمونه فادعى ما ادعاه من ذلك وذكر أن هشاما عنده بقصره وشهد له خواص من حشمه وأنه في صورة الحاجب له المنفذ لأموره وأمر بالدعاء له على المنابر فاستمر ذلك من أمره سنين إلى أن أظهر موته ونعاه إلى رعيته في سنة 455 واستظهر بعهد عهده له هشام المذكور فيما زعم وأنه الأمير بعده على جميع جزيرة الأندلس ولم يزل المعتضد هذا يدوخ الممالك وتدين له الملوك من جميع اقطار الأندلس وكان قد اتخذ خشبا في ساحة قصره جللها برؤس الملوك والرؤساء عوضا عن الأشجار التي تكون في القصور وكان يقول في مثل هذا البستان فليتنزه وجملة أمر هذا الرجل أنه كان أوحد عصره شهامة وصرامة وشجاعة قلب وحدة نفس كانوا يشبهونه بأبي جعفر المنصور من ملوك بني العباس كان قد استوى في مخافته ومهابته القريب والبعيد لا سيما منذ قتل ابنه واكبر ولده المرشح لولاية عهده صبرا وكان سبب ذلك أن ولده المذكور وكان اسمه إسماعيل كان يبلغه عنه أخبار مضمونها استطالة حياته وتمنى وفاته فيتغاضى المعتضد ويتغافل تغافل الوالد إلى أن أدى ذلك التغافل إلى أن سكر إسماعيل المذكور ليلة وتسور سور القصر الذي فيه أبوه في عبدان وأراذل معه ورام الفتك بأبيه فانتبه البوابون والحرس فهرب أصحاب إسماعيل واخذ بعضهم فأقر وأخبر بالكائنة على وجهها وقيل إن إسماعيل لم يكن معهم وإنما بعثهم على ذلك وجعل لمن قتل أباه المعتضد جعلا سنيا فالله أعلم فقبض المعتضد على ابنه إسماعيل هذا واستصفى أمواله وضرب عنقه فلم يبق أحد من خاصته إلا هابه من حينئذ وبلغني أنه قتل رجلا أعمى بمكة كان يدعو عليه بها كان هذا الرجل من بادية أشبيلية كان المعتضد قد وضع يده على بعض مال لهذا الرجل الأعمى وذهب باقي ماله حتى افتقر ورحل إلى مكة فلم يزل يدعو على المعتضد بها إلى ان بلغه عنه ذلك فاستدعى بعض من يريد الحج وناوله حقا فيه دنانير مطلية بالسم وقال لا تفتح هذا حتى تدفعه إلى فلان الأعمى بمكة وسلم عليه عنا فاتفق أن سلم الرجل ومعه الحق فحين وصل مكة لقي الأعمى ودفع إليه الحق وقال هذا من عند المعتضد فأنكر ذلك الأعمى وقال كيف يظلمني باشبيلية ويتصدق علي بالحجاز فلم يزل الرجل يخفضه إلى أن سكن وأخذ الحق فكان أول شيء فعله أن فتح الحق وعمد إلى دينار من تلك الدنانير فوضعه في فمه وجعل يقلب سائرها بيده إلى أن تمكن منه السم فما جاء الليل حتى مات فأعجب لرجل بقاصية المغرب يعتني بقتل رجل بالحجاز وقتل على هذه الصورة رجلا من المؤذنين من أهل أشبيلية فر منه إلى طليطلة فكان يدعو عليه بها في الأسحار مقدرا أنه قد أمن غائلته إذا صار في مملكة غيره فلم يزل يعمل فيه الحيلة إلى ان بعث من قتله فجاءه برأسه وكان أكبر من يناويه من المتغلبين المجاورين له وأشدهم عليه البربر صنهاجة وبنو برزال الذين بقرمونة وأعمالها من نواحي أشبيلية فلم يزل يصرف الحيلة تارة ويجهز الجيوش أخرى إلى أن استنزلهم ففرق كلمتهم وشتت منتظم أمرهم ونفاهم عن جميع تلك البلاد وصفت له أموره كان له عين بقرمونة يكتب له بأخبار البربر بلغ من لطف حيلة المعتضد وقد أراد أن يكتب إلى ذلك الرجل الذي جعله عينا له بقرمونة كتابا في بعض أمره أن استدعى رجلا من بادية اشبيلية شديد البله كثير الغفلة وقال له اخلع ثيابك وألبسه جبة جعل في جيبها كتابا وخاط عليه وقال له اخرج إلى قرمونة فإذا وصلت بقربها فاجمع حزمة حطب وادخل بها البلد وقف حيث يقف أصحاب الحطب ولا تبعها إلا لمن يشتريها منك بخمسة دراهم وكان قد قرر هذا كله مع صاحبه الذي بقرمونة فخرج البدوي كما أمره المعتضد فلما قرب من قرمونة جمع حزمة من الحطب ولم يكن قبل هذا يعاني جمعه فجمع حزمة صغيره ودخل بها البلد ووقف في موقف الحطابين فجعل الناس يمرون عليه ويسومون منه حزمته فإذا قال لا أبيعها إلا بخمسة دراهم ضحك من يسمع هذا القول منه ومر عنه فلم يزل كذلك إلى أن أجنه الليل والناس يسخرون منه فبعضهم يقول هذا آبنوس ويقول الآخر لا بل هو عود هندي وما أشبه هذا حتى مر به صاحب المعتضد فقال له بكم تبيع حزمتك هذه فقال بخمسة دراهم فقال قد اشتريتها فاحملها إلى البيت فقام يحملها والرجل بين يديه حتى بلغ بيته فوضع الحزمة ودفع إليه الخمسة الدراهم فلما أخذها وهم بالانصراف قال له أين تريد في هذا الوقت وقد علمت خوف الطريق فبت الليلة عندي فإذا أصبحت رجعت إلى منزلك فأجابه فأدخله إلى بيت وقدم له طعاما وسأله كأنه لا يعرفه من أين أنت فقال أنا من بادية اشبيلية قال يا أخي ما الذي جاء بك إلى هذا الموضع وقد علمت نكد البربر وشؤمهم وهوان الدماء عليهم فقال حملتني على هذا الحاجة ولم يظهر له أن المعتضد أرسله فلم يزل الرجل يحادثه إلى أن أخذه النوم فلما رأى غلبة النوم عليه قال له تجرد من ثوبك هذا فهو أهنأ لنومك وأروح لجسمك فتجرد الرجل ونام وأخذ صاحب المعتضد الجبة ففتق جيبها واستخرج الكتاب فقرأه وكتب جوابه وجعله في جيب الجبة وخاط عليه كما كان فلما أصبح الرجل لبس جبته ورجع إلى أشبيلية وقصد باب دار الإمارة واستأذن فأدخل على المعتضد فقال له اخلع تلك الجبة وكساه ثيابا حسانا فرح بها البدوي وخرج من عنده فرحا يرى أنه قد خلع عليه ولم يعلم فيم ذهب ولا بم جاء وأخذ المعتضد الكتاب من جيب الجبة فقرأه 2 وتمم ما أراد من أمره وله في تدبير ملكه وإحكام أمره حيل وآراء عجيبة لم يسبق إلى أكثرها يطول تعدادها ويخرج عن حد التلخيص بسطها ولما قتل ابنه اسماعيل كما تقدم وكان قد لقبه المؤيد عهد بعده إلى ابنه أبي القاسم محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد ولقبه بالمعتمد على الله فحسنت سيرة أبي القاسم هذا في حياة أبيه وبعد وفاته
أولية المرابطين في مراكش
وفي إمارة المعتضد بالله هذا نزل لمتونة ومسوفة قبيلتان عظيمتان من البربر رحبة مراكش فتخيروها دار ملكهم لتوسطها البلاد وكانت إذ نزلوها غيظة لا عمران بها وإنما سميت بعبد أسود كان يستوطنها يخيف الطريق اسمه مراكش فاستوطنها البربر كما ذكرنا وقدموا عليهم رجلا منهم اسمه تاشفين بن يوسف وكان المعتضد في كل وقت يستطلع أخبار العدوة هل نزل البربر رحبة مراكش وذلك لما كان يراه في ملحمة كانت عنده أن هؤلاء القوم خالعوه أو خالعو ولده ومخرجوه من ملكه فلما بلغه نزولهم جمع ولده وجعل ينظر إليهم مصعدا ومصوبا ويقول يا ليت شعري من تناله معرة هؤلاء القوم انا أو أنتم فقال له أبو القاسم من بينهم جعلني الله فداك وأنزل بي كل مكروه يريد أن ينزله بك فكانت دعوة وافقت المقدار وكان نزول لمتونة ومسوفة قبيلتي المرابطين رحبة مراكش في صدر سنة 463 وانفصالهم عنها جملة واحدة في وسط سنة 540 فكانت مدة إقامتهم في الملك منذ نزلوا رحبة مراكش إلى أن انفصلوا عنها وأخرجهم عنها المصامدة نحوا من ست وسبعين سنة ثم توفي المعتضد بالله في شهر رجب من سنة 464 واختلف في سبب وفاته فقيل إن ملك الروم سمه في ثياب أرسل بها إليه وقيل إنه مات حتف أنفه فالله أعلم
ولاية أبي القاسم بن عباد المعتمد على الله
ثم قام بالامر من بعده ابنه أبو القاسم محمد بن عباد بن محمد بن اسماعيل ن عباد وزاد إلى المعتمد على الله الظافر بحول الله وكان المعتمد هذا يشبه بهارون الواثق بالله من ملوك بني العباس ذكاء نفس وغزارة أدب وكان شعره كأنه الحلل المنشرة واجتمع له من الشعراء وأهل الأدب مالم يجتمع لملك قبله من ملوك الاندلس وكان مقتصرا من العلوم على علم الادب وما يتعلق به وينضم اليه وكان فيه مع هذا من الفضائل الذاتية مالا يحصى كالشجاعة والسخاء والحياء والنزاهة إلى ما يناسب هذه الاخلاق الشريفة وفي الجملة فلا أعلم خصلة تحمد في رجل إلا وقد وهبه الله منها أوفر قسم وضرب له فيها بأوفى سه وإذا عدت حسنات الاندلس من لدن فتحها إلى هذا الوقت فالمعتمد هذا أحدها بل أكثرها ولي أمر أشبيلية بعد أبيه وله سبع وثلاثون سنة واتفقت له المحنة الكبرى بخلعه وإخراجه عن ملكه في شهر رجب الكائن في سنة 484 فكانت مدة ولايته إلى أن خلع وأسر عشرين سنة كانت له في أضعافها مآثر أعيا على غيره جمعها في مائة سنة أو أكثر منها كانت له رحمه الله همة في تخليد الثناء وإبقاء الحمد
عبد الجليل بن وهبون الشاعر
كان من جملة شعرائه رجل من أهل مدينة مرسية اسمه عبد الجليل بن وهبون كان حسن الشعر لطيف المأخذ حسن التوصل إلى دقيق المعاني أنشد يوما بين يدي المعتمد رحمه الله بعض الحاضرين بيتين لعبد الجليل بن وهبون هذا قالهما قديما قبل وصوله إلى المعتمد وهما % قل الوفاء فما تلقاه في أحد % ولا يمر لمخلوق على بال % % وصار عندهم عنقاء مغربة % أو مثل ما حدثوا عن ألف مثقال % فاعجب المعتمد بهما وقال لمن هذان البيتان فقالوا هما لعبد الجليل بن وهبون أحد خدم مولانا فقال المعتمد عند ذلك هذا والله اللؤم البحت رجل من خدامنا والمنقطعين إلينا يقول أو مثل ما حدثوا عن ألف مثقال وهل يتحدث أحد عنا بأسوأ من هذه الأحدوثة وأمر له بألف مثقال فلما دخل عليه يتشكر له قال له يا أبا محمد هل عاد الخبر عيانا قال أي والله يا مولاي ودعا له بطول البقاء فلما هم بالانصراف قال له يا عبد الجليل الآن حدث بها لا عنها يعني ألف مثقال وله رحمه الله شعر كثير برز في أكثره وأجاد ما أراد وسيمر منه في أضعاف أخباره ما يشهد له بالتبريز عند ذوي التمييز فمما اختاره من شعره قوله % علل فؤادك قد أبل عليل % واغنم حياتك فالبقاء قليل % % لو أن عمرك أنفس عام كامل % % ما كان حقا أن يقال طويل % أكذا يقود بك الأسى نحو الردى % والعود عود والشمول شمول % % لا يستبيك الهم نفسك عنوة % والكأس سيف في يديك صقيل % % بالعقل تزدحم الهموم على الحشا % فالعقل عندي أن تزول عقول % $ ومن شعره السيار لا بل الطيار قوله في مملوك له صغير كان يتصرف بين يديه أهداه له صاحب طليطلة اسم المملوك سيف % سموه سيفا وفي عينيه سيفان % هذا لقتلى مسلول وهذان % % اما كفت قتلة باليسف واحدة % حتى اتيح من الأجفان ثنتان % % أسرته وثناني غنج مقلته % أسيره فكلانا آسر عاني % % يا سيف أمسك بمعروف أسير هوى % لا يبتغي منك تسريحا بإحسان % $ ومن شعره الرشيق المليح الخفيف الروح الذي حكى الماء سلاسة والصخر ملاسة قوله في هذا المملوك وقد عذر % تم له الحسن بالعذار % واقترن الليل بالنهار % % أخضر في أبيض تبدى % ذلك آسي وذا بهاري % % فقد حوى مجلسي تماما % إن كان من ريقه عقاري % وبينا هو يوما في قبة له يكتب شيئا أو يطالع وعنده بعض كرائمه فدخلت عليه الشمس من بعض الكوى الكائنة فيها فقامت دونه تستره من الشمس فقال رحمه الله بديها % قامت لتحجب ضوء الشمس قامتها % عن ناظري حجبت عن ناظر الغير % % علما لعمرك منها أنها قمر % هل تكسف الشمس إلا صورة القمر % وبينا جارية من كرائمه قائمة على رأسه تسقيه والكأس في يدها إذ لمع البرق فارتاعت فقال رحمه الله بديها % ريعت من البرق وفي كفها % برق من القهوة لماع % % عجبت منها وهي شمس الضحا % كيف من الأنوار ترتاع % وله مع هذا مقاطع حسان كان يرتجلها في مجالس أنسه ولاستدعاء خاصة جلسائه منعني من استيفائها قلة ما على خاطري منها وسيمر من شعره الذي قاله في أيام محنته ما يفجر الصم ويزعزع الشم وكان لا يستوزر وزيرا إلا أن يكون أديبا شاعر حسن الأدوات فاجتمع له من الوزراء الشعراء مالم يجتمع لأحد قبله
أبو الوليد بن زيدون
فمن جملة وزرائه الوزير الأجل ذو الرياستين أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن زيدون ذو الأدب البارع والشعر الرائع أحد شعراء الأندلس المجيدين وفحولها المبرزين كان إذا نسب أنساك كثيرا وإذا مدح أزرى بزهير وإذا فخر أناف على امرئ القيس فمن جملة مقاطعه التي تشهد له بجودة الطبع وإتقان الصنعة قوله % بيني وبينك مالو شئت لم يضع % سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع % % يا بائعا حظه مني ولو بذلت % لي الحياة بحظي منه لم أبع % % يكفيك أنك إن حملت قلبي ما % لا تستطيع قلوب الناس يستطع % % ته أحتمل واستطل أصبر وعز أهن % وول أقبل وقل أسمع ومر أطع % وهو القائل رحمه الله يخاطب بني جهور وكان قد وزر لهم قبل وزارته للمعتمد لأن أصله من مدينة قرطبة فنالته منهم محنة فخرج عن قرطبة إلى إشبيلية وافدا على المعتمد فعلت رتبته عنده فكان يبلغه عن بني جهور ما يسوءه في نفسه وقرابته بقرطبة فقال يخاطبهم % بني جهور أحرقتمو بجفائكم % فؤادي فما بال المدائح تعبق % % تعدونني كالعنبر الورد إنما % تفوح لكم أنفاسه حين يحرق % ومن نسيبه الذي يختلط بالروح رقة ويمتزج بأجزاء الهواء لطافة قصيدته التي قالها يتشوق ابنة المهدي ولادة وهي بقرطبة وهو بأشبيلية % اضحى التنائي بديلا من تدانينا % وناب عن طيب لقيانا تجافينا % % بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا % شوقا إليكم ولا جفت مآقينا % % نكاد حين تناجيكم ضمائرنا % يقضي علينا الأسى لولا تأسينا % % حالت لفقدكم أيامنا فغدت % سودا وكانت بكم بيضا ليالينا % % إذ جانب العيش طلق من تألفنا % ومورد اللهو صاف من تصافينا % % وإذ هصرنا غصون الأنس دانية % قطوفها فجنينا منه ما شينا % % ليسق عهدكم عهد السرور فما % كنتم لأرواحنا إلا رياحينا % % من مبلغ ملبسينا بانتزاحهم % حزنا مع الدهر لا يبلى ويبلينا % % أن الزمان الذي ما زال يضحكنا % أنسا بقربهم قد عاد يبكينا % % غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوا % بأن نغص فقال الدهر آمينا % % فانحل ما كان معقودا بأنفسنا % وانبت ما كان موصولا بأيدينا % % وقد نكون وما يخشى تفرقنا % فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا % % ما حقنا أن تقروا عين ذي حسد % بنا ولا أن تسروا كاشحا فينا % % يا ليت شعري ولم نعتب أعاديكم % هل نال حظا من العتبى أعادينا % % لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم % رأيا ولم نتقلد غيره دينا % % كنا نرى اليأس تسلينا عوارضه % وقد يئسنا فما لليأس يغرينا % % يا ساري البرق غاد القصر فاسق به % من كان صرف الهوى والود يسقينا % % واسأل هنالك هل عيني تذكرني % إلفا تذكره أمسى يعنينا % % ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا % من لو على البعد حيا كان يحيينا % % من لا يرى الدهر يقضينا مساعفة % فيه وإن لم يكن عنا يقاضينا % % وبيت ملك كأن الله أنشأه % مسكا وقد أنشأ الله الورى طينا % % أو صاغه ورقا محضا وتوجه % من ناصع التبر إبداعا وتحسينا % % إذا تأود آدته رفاهية % تدمي العقول وأدمته البرى لينا % % كأنما نبتت في صحن وجنته % زهر الكواكب تعويذا وتزيينا % % ما ضر أن لم نكن أكفاءه شرفا % وفي المودة كان من تكافينا % % لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا % إذ طال ما غير النأي المحبينا % % والله ما طلبت أهواؤنا بدلا % منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا % % ولا استفدنا خليلا عنك يشغلنا % ولا اتخذنا بديلا منك يسلينا % % يا روضة طال ما أجنت لواحظنا % وردا جناه الصبا غضا ونسرينا % % ويا حياة تملأنا بزهرتها % منى ضروبا ولذات أفانينا % % ويا نعيما حضرنا من غضارته % في وشى نعمى سحبنا ذيلها حينا % % لسنا نسميك إجلالا وتكرمة % فقدرك المعتلي عن ذلك يغنينا % % إذ انفردت فما شوركت في صفة % فحسبك الوصف إيضاحا وتبيينا % % يا جنة الخلد أبدلنا بسلسلها % والكوثر العذب زقوما وغسلينا % % كأننا لم نبت والوصل ثالثنا % والسعد قد غض من أجفان واشينا % % سران في خاطر الظلماء يكتمنا % حتى يكاد لسان الصبح يفشينا % % لا غرو في أن ذكرنا الحزن حين نهت % عنه النهى وتركنا الصبر ناسينا % % إنا قرأنا الأسى يوم النوى سورا % مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا % % إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي % مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا % % أما هواك فلم نعدل بمنهله % شربا وإن كان يروينا فيظمينا % % لم يخف أفق جمال أنت كوكبه % سالين عنه ولم نهجره قالينا % % ولا اختيارا تجنبناك عن كثب % لكن عدتنا على كره عوادينا % % نأسى عليك إذا حثت مشعشعة % فيها الشمول وغنانا مغنينا % % لا أكؤس الراح تبدي من شمائلنا % سيما ارتياح ولا الأوتار تلهينا % % دومي على العهد ما دمنا محافظة % فالحر من دان إنصافا كما دينا % % فما ابتغينا خليلا منك يحبسنا % ولا استفدنا حبيبا عنك يغنينا % % ولو صبا نحونا من علو مطلعه % بدر الدجا لم يكن حاشاك يصبينا % % أولى وفاء وإن لم تبذلي صلة % فالذكر يقنعنا والطيف يكفينا % % وفي الجواب قناع لو شفعت به % بيض الأيادي التي ما زلت تولينا % % عليك مني سلام الله ما بقيت % صبابة منك تخفيها فتخفينا % $ أوردتها على الاختيار لا على النسق ولعل في كثير مما تركت منها أحسن مما أوردت وإنما منعني من استيفائها الوفاء بشرط التلخيص ومن شعره رحمه الله مما قاله في مدة صباه % أخذت ثلث الهوى غصبا ولي ثلث % وللمحبين فيما بينهم ثلث % % تالله لو حلف العشاق أنهمو % موتى من الوجد يوم البين ما حنثوا % % قوم إذا هجروا من بعد ما وصلوا % ماتوا فإن عاد من يهوونه بعثوا % % ترى المحبين صرعى في عراصهم % كفتية الكهف ما يدروت ما لبثوا % $ ومما قال رحمه الله يتشوق ابنة المهدي المذكورة ومعاهد بقرطبة وضمنها بيت أبي الطيب في أول قصيدته الكافورية % بم التعلل لا أهل ولا وطن % ولا نديم ولا كأس ولا سكن % $ قصيدة أولها % هل تذكرون غريبا عاد شجن % من ذكركم وجفا أجفانه الوسن % % يخفي لواعجه والشوق يفضحه % فقد تساوى لديه السر والعلن % % يا ويلتاه أيبقى في جوانحه % فؤاده وهو بالأطلال مرتهن % % وأرق العين والظلماء عاكفة % ورقاء قد شفها أو شفني حزن % % فبت أشكو وتشكو فوق أيكتها % وبات يهفو ارتياحا بيننا الغصن % % يا هل أجالس أقواما أحبهم % كنا وكانوا على عهد فقد ضغنوا % % أو تحفظون عهودا لا أضيعها % إن الكرام بحفظ العهد تمتحن % $ ومنها % إن كان عادكم عيد فرب فتى % بالشوق قد عاده من ذكركم حزن % % وأفردته الليالي من أحبته % فبات ينشدها مما جنى الزمن % % بم التعلل لا أهل ولا وطن % ولا نديم ولا كأس ولا سكن %
أبو بكر بن عمار
ومنهم الوزير أبو بكر محمد بن عمار ذو النفس العصامية والآداب الأهتمية كان أحد الشعراء المجيدين على طريقة أبي القاسم محمد بن هانئ الأندلسي وربما كان أحلى منزعا منه في كثير من شعره ولشعره ديوان يدور بين أيدي أهل الأندلس ولم ألف أحدا ممن أدركته سني من أهل الآداب الذين أخذت عنهم إلا رأيته مقدما له مؤثرا لشعره وربما تغالى بعضهم فشبهه بأبي الطيب وهيهات فمن قصائده المشهورة التي أجاد فبها ما أراد قصيدته التي كتب بها من سرقسطة حين فرق المعتضد بالله بينه وبين المعتمد لأنه شغله عن كثير من أمره فنفاه وهي % علي وإلا ما بكاء الغمائم % وفي وإلا ما نياح الحمائم % % وعني أثار الرعد صرخة طالب % لثأر وهز البرق صفحة صارم % % وما لبست زهر النجوم حدادها % لغيري ولا قامت له في مآتم % $ وفي هذه القصيدة يقول يمدح المعتضد بالله % إذا ركبوا فانظره أول طاعن % وإن نزلوا فارصده آخر طاعم % % أبى أن يراه الله إلا مقلدا % حميلة سيف أو حمالة غارم % ومن جيد نسيبه قوله في قصيدة يمدح بها المعتضد بالله % جاه الهوى فاستشعروه عاره % ونعيمه فاستعذبوه اواره % % لا تطلبوا في الحب عزا إنما % عبدانه في حكمه أحراره % % قالوا أضر بك الهوى فأجبتهم % يا حبذاه وحبذا إضراره % % قلبي هو اختار السقام لجسمه % زيا فخلوه وما يختاره % % عيرتموني بالنحول وإنما % شرف المهند أن ترق شفاره % % وشمتم لفراق من آلفته % ولربما حجب الهلال سراره % % أحسبتم السلوان هب نسيمه % أو أن ذاك النوم عاد غراره % % إن كان أعيا القلب من حرب الجوى % خذلته من دمعي إذن أنصاره % % من قد قلبي إذ تثنى قده % وأقام عذري إذ أطل عذاره % % أم من طوى الصبح المنير نقابه % وأحاط بالليل البهيم خماره % % غصن ولكن النفوس رياضه % رشأ ولكن القلوب عراره % % سخرت ببدر التم غرته كما % أزرت على آفاقه أزراره % % ما زال ليل الوصل من فتكاته % تسري إلي بعرفه أسحاره % % ويجود روض الحسن من وجناته % دمعي فيندى رنده وبهاره % % حتى سقاني الدهر كأس فراقه % فسكرت سكرا لا يفيق خماره % % ووقفت في مثل المحصب موقفا % للبين من حب القلوب جماره % % حيران أعمى الطرف وهو سماؤه % وأذاب فيه القلب وهو قراره % % ولئن يذبه وهو مثواه فكم % قد أحرقت عود العفارة ناره % % إن يهنه أني أضعت لحبه % قلبي وذاعت عنده أسراره % % فليهن قلبي أن شكاه وشاحه % لسواره فاقتص منه سواره % % فوحسنه لقد انتدبت لوصفه % بالبخل لولا أن حمصا داره % % بلد رمتني بالمنى أغصانه % وتفجرت لي بالندى أنهاره % $ ولابن عمار هذا مع المعتمد أخبار عجيبة عني بجمعها أهل الأندلس وأنا إن شاء الله مورد منها مالا يخل بالشرط الذي ألترمته ولا يخرج عن الحد الذي رسمته حسبما بقي على خاطري من ذلك لأني كنت في حداثة سني قد صرفت عنايتي إلى أخبار ابن عمار هذا مع المعتمد لما تضمنته من الآداب وقد فتشت خزانة حفظي فلم ألف فيها إلا نبذة يسيرة وأنا موردها إن شاء الله عز وجل فابن عمار هذا هو محمد بن عمار يكنى أبا بكر أصله من شلب من قرية من أعمالها يقال لها شنبوس مولده ومولد آبائه بها كان خامل البيت ليس له ولا لأسلافه في الرياسة في قديم الدهر ولا حديثه حظ ولا ذكر منهم بها أحد ورد مدينة شلب طفلا فنشأ بها وتعلم علم الأدب على جماعة منهم أبو الحجاج يوسف بن عيسى الأعلم ثم رحل إلى قرطبة فتأدب بها ومهر في صناعة الشعر فكان قصاراه التكسب به فلم يزل يجول في الأندلس مسترفدا لا يخص بمدحه الملوك دون غيرهم بل لا يبالي ممن أخذ ولا من استعطف من ملك أو سوقة وله في ذلك خبر ظريف وذلك أنه ورد في بعض سفراته شلب لا يملك إلا دابة لا يجد علفها فكتب بشعر إلى رجل من وجوه أهل السوق فكان قدره عند ذلك الرجل أن ملأ له المخلاة شعيرا ووجه بها إليه فرآها ابن عمار من أجل الصلات وأسنى الجوائز ثم اتفق أن علت حال ابن عمار وساعده الجد ونهض به البخت وانتهى أمره أن ولاه المتعمد على الله مدينة شلب وأعمالها أول ما أفضى الأمر إليه فدخلها ابن عمار في موكب ضخم وجملة عبيد وحشم وأظهر نخوة لم يظهرها المعتمد على الله حين وليها أيام أبيه المتعضد بالله فكان أول شيء سأل عنه الرجل صاحبه صاحب الشعير فقال ما صنع فلان أهو حي قالوا نعم فأرسل إليه بمخلاته بعينها بعد أن ملأها دراهم وقال لرسوله قل له لو ملأتها برا لملاناها تبرا ولم يزل ابن عمار على الحال التي ذكرناها من التقلب في بلاد الأندلس للاستجداء والاستعطاف إلى أن ورد على المعتضد بالله أبي عمرو فامتدحه بقصيدته المشهورة التي أولها % أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى % والنجم قد صرف العنان عن السرى % % والصبح قد أهدى لنا كافوره % لما استرد الليل منا العنبرا % $ وفيها يقول يمدح المعتضد % عباد المخضر نائل كفه % والجو قد لبس الرداء الأغبرا % % قداح زند المجد لا ينفك من % نار الوغى إلا إلى نار القرى % % يختار أن يهب الخريدة كاعبا % والطرف أجرد والحسام مجوهرا % $ وفي هذه القصيدة يقول في وصف وقعة أوقعها المعتضد بالبربر % شقيت بسيفك أمة لم تعتقد % إلا اليهود وإن تسموا بربرا % % اثمرت رمحك من رءوس كماتهم % لما رأيت الغصن يعشق مثمرا % % وخضبت سيفك من دماء نحورهم % لما عهدت الحسن يلبس أحمرا % ومن أبيات هذه القصيدة بيت لم أسمع لمتقدم ولا متأخر بمثله وهو قوله % السيف أفصح من زياد خطبة % في الحرب إن كانت يمينك منبرا % ولما أنشد المعتضد هذه القصيدة استحسنها وامر له بمال وثياب ومركب وأمر أن يكتب في ديوان الشعراء فكان كذلك ثم تعلق بالمعتمد على الله وهو إذ ذاك شاب فلم تزل حاله معه تتزيد وموات خدمته له تقوى وتتأكد إلى أن صار ابن عمار ألزق بالمعتمد من شعرات قصه وأدنى إليه من حبل وريده كان المعتمد لا يستغني عنه ساعة من ليل ولا نهار ثم اتفق أن ولي المعتمد على الله شلب من قبل أبيه فاستوزر ابن عمار هذا في تلك الولاية وسلم إليه جميع أموره فغلب عليه ابن عمار غلبة شديدة وساءت السمعة عنهما فاقتضى نظر المعتضد التفريق بينهما ونفى ابن عمار عن بلاده حسبما تقدم الإيماء إليه فلم يزل ابن عمار مغتربا في أقاصي بلاد الأندلس إلى أن توفي المعتضد بالله فاستدعاه المعتمد وقربه أشد تقريب حتى كان يشاركه فيما لا يشارك فيه الرجل أخاه ولا أباه وله معه أيام كونهما بشلب خبر عجيب وذلك أن المعتمد استدعاه ليلة إلى مجلس أنسه على ما كانت العادة جارية به إلا أنه في تلك الليلة زاد في التحفي به والبر له على المعتاد فلما جاء وقت النوم أقسم المعتمد عليه لتضعن رأسك معي على وساد واحد فكان ذلك قال ابن عمارا فهتف بي هاتف في النوم يقول لا تغتر أيها المسكين إنه سيقتلك ولو بعد حين قال فانتبهت من نومي فزعا وتعوذت ثم عدت فهتف بي الهاتف على حالته الاولى فانتبهت ثم عدت فسمعته ثالثة فانتبهت فتجردت من أثوابي والتففت في بعض الحصر وقصدت دهليز القصر مستخفيا به وقد أزمعت على أني إذا أصبحت خرجت مستخفيا حتى آتي البحر فأركبه وأقصد بلاد العدوة فأكون في بعض جبال البربر حتى أموت فانتبه المعتمد فافتقدني فلم يجدني فأمر بطلبي فطلبت له في نواحي القصر وخرج هو بنفسه يتوكأ على سيفه والشمعة تحمل بين يديه فكان هو الذي وقع علي وذلك أنه أتى دهليز القصر يفتقد الباب هل فتح فوقف إزاء الحصير الذي كنت فيه فكانت مني حركة فأحس بي وقال ما هذا يتحرك في هذا الحصير ثم أمر به فنفض فخرجت عريانا ليس علي إلا السراويل فلما رآني فاضت عيناه دموعا وق 4 ال يا أبا بكر ما الذي حملك على هذا فلم أر بدا من أن صدقته فقصصت عليه قصتي من أولها إلى آخرها فضحك وقال يا أبا بكر أضغاث أحلام هذه آثار الخمار ثم قال لي وكيف أقتلك ارأيت أحدا يقتل نفسه وهل أنت عندي إلا كنفسي فتشكر له ابن عمار ودعا له بطول البقاء وتناسى الأمر فنسيه ومرت على ذلك الأيام والليالي إلى أن كان من أمره ما سيأتي الإيماء إليه فصدقت رؤيا ابن عمار وقتل المعتمد نفسه كما قال ولما أفضى الأمر إلى المعتمد كما ذكرنا ساله ابن عمار ولاية شلب وهي كانت بلده ومنشأه كما تقدم فأجابه المعتمد إلى ذلك وولاه إياها أنبه ولاية جعل إليه جميع أمورها خارجها وداخلها فاستمرت ولاية ابن عمار عليها إلى أن اشتد شوق المعتمد إليه وضعف عن احتمال الصبر عنه فاستدعاه وعزله عنها واستوزره فكانت حاله معه شبيهة بحال جعفر بن يحيى مع الرشيد ولم يزل المعتمد يعده لكل أمر جليل ويؤهله لكل رتبة عالية وكان ابن عمار مع هذا لا يناط به أمر إلا اضطلع به وكان فيه كالسكة المحماة واشتهر أمره ببلاد الأندلس حتى كان ملك الروم الأدفنش إذا ذكر عنده ابن عمار قال هو رجل الجزيرة وكان ابن عمار هو الذي رده عن قصد اشبيلية وقرطبة وأعمالهما وذلك أنه خرج في جيوش ضخمة يقصد بلاد المعتمد طامعا فيها فخافه الناس وامتلأت صدور أهل تلك الجهات رعبا منه وتيقنوا ضعفهم عن دفاعه فتولى ابن عمار رده بألطف حيلة وأيسر تدبير وذلك أنه أقام سفرة شطرنج في غاية الإتقان والإبداع لم يكن عند ملك مثلها جعل صورها من الآبنوس والعود الرطب والصندل وحلاها بالذهب وجعل أرضها في غاية الإتقان فخرج من عند المعتمد رسولا إلى الأدفنش فلقيه في أول بلاد المسلمين فأعظم الأدفنش قدومه وبالغ في إكرامه وأمر وجوه دولته بالتردد إلى خبائه والمسارعة في حوائجه فأظهر ابن عمار تلك السفرة فرآها بعض خواص الأدفنش فنقل خبرها إليه وكان العلج أعني الأدفنش مولعا بالشطرنج فلما لقي ابن عمار سأله كيف أنت في الشطرنج وكان ابن عمار فيه طبقة عالية فأخبره بمكانه منه فقال له بلغني أن عندك سفرة في غاية الاتقان قال ابن عمار نعم فقال كيف السبيل إلى رؤيتها فقال ابن عمار لترجمانه قل له أنا آتيك بها على أن ألعب معك عليها فإن غلبتني فهي لك وإن غلبتك فلي حكمي فقال له الأدفنش هلمها لننظر إليها فأمر ابن عمار من جاء بها فلما وضعت بين يدي العلج صلب وقال ما ظننت أن إتقان الشطرنج يبلغ إلى هذا الحد ثم قال لابن عمار كيف قلت فأعاد عليه الكلام الأول فقال له الأدفنش لا ألعب معك على حكم مجهول لا أدري ما هو ولعله شيء لا يمكنني فقال ابن عمار لا ألعب إلا على هذا الوجه وأمر بالسفرة فطويت وكشف ابن عمار سر ما أراده لرجال وثق بهم من وجوه دولة الأدفنش وجعل لهم أموالا عظيمة على أن يؤازروه على أمره ففعلوا فتعلقت نفس العلج بالسفرة وشاور خاصته فيما رسمه ابن عمار فهونوا عليه وقالوا له إن غلبته كانت عندك سفرة ليس عند ملك مثلها وإن غلبك فما عساه أن يحتكم وقبحوا عنده إظهار الملك العجز عن شيء يطلب منه وقالوا له إن طلب ابن عمار مالا يمكن فنحن لك برده عن ذلك ولم يزالوا به حتى أجاب وأرسل إلى ابن عمار فجاء ومعه السفرة فقال له قد قبلت ما رسمته فقال له ابن عمار فاجعل بيني وبينك شهودا أسماهم له فأمر الأدفنش بهم فحضروا وافتتحا يلعبان وكان ابن عمار كما ذكرنا طبقة بالأندلس لا يقوم له أحد فيها فغلب الأدفنش غلبة ظاهرة لجميع الحاضرين لم يكن للعلج فيها مطعن فلما حقت الغلبة قال له ابن عمار هل صح أن لي حكمي قال نعم فما هو قال أن ترجع من ههنا إلى بلادك فاسود وجه العلج وقام وقعد وقال لخواصه قد كنت أخاف من هذا حتى هونتموه علي في أمثال لهذا القول وهم بالنكث والتمادي لوجهه فقبحوا ذلك عليه وقالوا له كيف يجمل بك الغدر وأنت ملك ملوك النصارى في وقتك فلم يزالوا به حتى سكن وقال لا أرجع حتى آخذ أتاوة عامين خلاف هذه السنة فقال ابن عمار هذا كله لك وجاءه بما أراد فرجع وكف الله بأسه ودفعه بحوله وحسن دفاعه عن المسلمين ورجع ابن عمار إلى أشبيلية وقد امتلأت نفس المعتمد سرورا به ثم أن المعتمد حدث له أمل في التغلب على مرسية وأعمالها وهي التي تعرف بتدمير وكانت بيد أبي عبد الرحمن محمد بن طاهر كان هو المتغلب عليها والمدبر لأمرها فجهز المعتمد جيوشا عظيمة وتكفل له ابن عمار بأخذها وإخراج ابن طاهر عنها فولاه ما تولى من ذلك وخرج ابن عمار حتى نزل على مرسية فأخذها وأخرج ابن طاهر عنها فلحق ابن طاهر حين خرج من مرسية ببني عبد العزيز ببلنسية فكان بها إلى أن مات رحمه الله ولما تغلب ابن عمار على مرسية دار ملك بني طاهر كما ذكرنا حدثته نفسه وسول له سوء رأيه أن يستبد بأمره وأن يضبط تلك البلاد لنفسه فلم يزل يصرف الحيلة في ذلك إلى أن تم له بعضه ودانت له مرسية وأعمالها وطمع في ملك بلنسية إلى أن قام عليه رجل من أهل مرسية يقال له ابن رشيق كان أبوه من عرفاء الجند بها وكان ابن عمار قد خرج لبعض أمره فدعا ابن رشيق هذا إلى نفسه وقامت معه العامة وبعض الجند فسمع ابن عمار بذلك فجاء يركض حتى أتى المدينة وقد غلقت أبوابها دونه فحاصرها بمن معه أياما فامتنعت عليه ولم يقدر على دخولها فبقي حائرا لا يدري ما يصنع ولا أين يتوجه وقد كان بلغ المعتمد قيامه عليه وخلع يده من طاعته فلم ير إلا الهروب ملجأ فهرب حتى لحق ببني هود بسرقسطة فأقام عندهم حتى ثقل عليهم وخافوا غائلته وبغضه في عيونهم ما فعل مع صاحبه وولي نعمته فأخرجوه عن بلادهم ولم تزل البلاد تتقاذفه وملوكها تشنأه إلى أن وقع في حصن من حصون الأندلس في غاية المنعة يدعى شقورة كان المتغلب عليه رجل يقال له ابن مبارك فأكرم وفادته وأحسن نزله ثم بدا له بعد أيام فقبض عليه وقيده وجعله في سجنه فلما رأى ابن عمار ذلك منه قال له لا عليك أن تكتب إلى ملوك الأندلس بكوني عندك وتعرضني عليهم فما منهم إلا من يرغب في فمن كان أشدهم رغبة جعل لك مالا ووجهت بي إليه ففعل ابن مبارك ذلك فما عرضه على أحد من ملوك الأندلس إلا رغب فيه وكتب فيمن كتب إلى المعتمد وفي ذلك يقول ابن عمار % أصبحت في السوق ينادي على % رأسي بأنواع من المال % % والله ما جار على ماله % من ضمني بالثمن الغالي % $ وفي هذا السجن يقول ابن عمار وقد استدعى نورة يستنظف بها فتعذرت عليه فاستدعى موسى فأتي بها فقال في ذلك % بؤسي شقورة عندي % أربى على كل بوسي % % فقدت هارون فيها % فظلت أطلب موسى % وبعث المعتمد على الله من رجاله من تسلم ابن عمار من يد ابن مبارك بعد أن بعث إليه بمال وخيل وأمر المعتمد الذين تسلموا ابن عمار أن يزيدوا في الاحتياط عليه وتقييده فخرجوا به حتى وافوا قرطبة ووافق ذلك كون المعتمد بها فدخلها ابن عمار أشنع دخول وأسوأه على بغل بين عدلي تبن وقيوده ظاهرة للناس وقد كان المعتمد أمر بإخراج الناس خاصة وعامة حتى ينظروا إليه على تلك الحال وقد كان قبل هذا إذا دخل قرطبة اهتزت له وخرج إلى وجوه أهلها وأعيانهم ورؤساؤهم فالسعيد منهم من يصل إلى تقبيل يده أو يرد عليه ابن عمار السلام وغيرهم لا يصل إلا إلا تقبيل ركابه أو طرف ثوبه ومنهم من ينظر إليه على بعد لا يستطيع الوصول إليه فسبحان محيل الأحوال ومديل الدول فدخل ابن عمار قرطبة كما ذكرنا بعد العزة القعساء والملك الشامخ والرياسة الفارعة ذليلا خائفا فقيرا لا يملك إلا ثوبه الذي عليه فسبحان من سلبه ما وهبه ومنعه ما كان به أمتعه وأخبر بعض الموكلين به ما اتفق لهم معه من فرط ذكائه وسرعة فطنته قال لما قربنا من قرطبة بحيث يرانا الناس خرج فارس من البلد يركض يقصدنا فلما رآه ابن عمار وكان معتما أزال العمامة عن رأسه فجاء الفارس حتى وصل إلينا فنظر إلى ابن عمار ودخل معنا في الصف فمشى فسألناه فيم جاء فقال الذي جئت فيه صنعه هذا الرجل قبل أن أصل إليه فعلمنا أنه أرسل ليزيل عمامته فأدخل على المعتمد على الله على الحالة التي ذكرت يرسف في قيوده فجعل المعتمد يعدد عليه أياديه ونعمه وابن عمار في ذلك كله مطرق لا ينبس إلى أن انقضى كلام المعتمد فكان من جواب ابن عمار أن قال ما أنكر شيئا مما يذكره مولانا أبقاه الله ولو أنكرته لشهدت علي به الجمادات فضلا عمن ينطق ولكني عثرت فأقل وزللت فاصفح فقال المعتمد هيهات إنها عثرة لا تقال وأمر به فاحدر في النهر إلى أشبيلية فدخل به أشبيلية على الحال التي دخل عليها قرطبة وجعل في غرفة على باب قصر المعتمد المعروف بالقصر المبارك وهو باق إلى وقتنا هذا فطال سجنه هناك كتبت عنه في هذا السجن قصائد لو توسل بها إلى الدهر لنزع عن جوره أو إلى الفلك لكف عن دوره فكانت رقي لم تنجع ودعوات لم تسمع وتمائم لم تنفع فمنها قوله % سجاياك إن عافيت أندى وأسجح % وعذرك إن عاقبت أجلى وأوضح % % وإن كان بين الخطتين مزية % فأنت إلى الأدنى من الله تجنح % % حنانيك في أخذي برأيك لا تطع % عداي ولو أثنوا عليك وأفصحوا % % فإن رجائي أن عندك غير ما % يخوض عدوي اليوم فيه ويمرح % % ولم لا وقد أسلفت ودا وخدمة % يكران في ليل الخطايا فيصبح % % وهبني وقد أعقبت أعمال مفسد % أما تفسد الأعمال تمت تصلح % % اقلني بما بيني وبينك من رضى % له نحو روح الله باب مفتح % % وعف على آثار جرم سلكتها % بهبة رحمى منك تمحو وتمصح % % ولا تلتفت قول الوشاة ورأيهم % فكل إناء بالذي فيه يرشح % % سيأتيك في أمري حديث وقد أتى % بزور بني عبد العزيز موشح % % وما ذاك إلا ما علمت فإنني % إذا ثبت لا انفك آسو وأجرح % % كأني بهم لا در لله درهم % أشاروا تجاهي بالشمات وصرحوا % % وقالوا سيجزيه فلان بفعله % فقلت وقد يفعو فلان ويصفح % % ألا إن بطشا للمؤيد يرتمى % ولكن حلما للمؤيد يرجح % % ماذا عسى الواشون أن يتزيدوا % سوى أن ذنبي واضح متصحح % % نعم لي ذنب غير أن لحلمه % صفاة يزل الذنب عنها فيسفح % % عليه سلام كيف دار به الهوى % إلي فيدنو أو علي فينزح % % ويهنيه إن مت السلو فإنني % أموت ولي شوق إليه مبرح % % وبين ضلوعي من هواه تميمه % ستنفع لو أن الحمام يجلح % ولما بلغت المعتمد هذه المقصيدة وانشدت بين يديه كان بحضرته رجل من البغداديين فجعل يزري على هذا البيت وبين ضلوعي ويقول ما أراد بهذا المعنى فكان من جواب المعتمد رحمه الله أن قال أما لئن سلبه الله المروءة والوفاء لما أعدمه الفطنة والذكاء إنما نظر إلى بيت الهذلي من طرف خفي وهو % وإذا المنية أنشبت أظفارها % ألفيت كل تميمة لا تنفع % ولم يزل ابن عمار هذا بسجن المعتمد إلى أن قتله صبرا في شهور سنة 479 وتلخيص خبر قتله أنه لما طال سجنه كتب إليه بالقصيدة التي تقدم إنشادها فأدركت المعتمد بعض الرقة فوجه إليه ليلا وهو في بعض مجالس أنسه فأتي به يرسف في قيوده فجعل المعتمد يعدد مننه عليه وأياديه قبله فلم يكن لابن عمار جواب ولا عذر غير أنه أخذ في البكاء وجعل يترقق للمعتمد ويمسح عطفيه ويستجلب من الألفاظ كل ما يقدر إنه يزرع له الرأفة في قلب المعتمد فتم له بعض ما أراد من ذلك وعطفت المعتمد عليه سابقته وقديم حرمته فقال له قولا يتضمن العفو عنه تعريضا لا صريحا وأمر برده إلى محبسه فكتب ابن عمار من فوره بما دار له مع المعتمد إلى ابنه الراضي بالله فوافاه الكتاب وبحضرته قوم كانت بينهم وبين ابن عمار إحن قديمة فلما قرأ الراضي الكتاب قال لهم ما أرى ابن عمار إلا سيتخلص فقالوا له ومن أين علم مولانا ذلك فقال هذا كتاب ابن عمار يخبرني فيه أن مولانا المعتمد قد وعده بالخلاص فأظهر القوم الفرح وهم يبطنون غيره فلما قاموا من مجلس الراضي نشروا حديث ابن عمار أقبح نشر وزادوا فيه زيادات قبيحة صنت هذا الكتاب عن ذكرها فبلغ المعتمد ذلك فأرسل إلى ابن عمار وقال له هل أخبرت أحدا بما كان بيني وبينك البارحة فأنكر ابن عمار كل الإنكار فقال المعتمد للرسول قل له الورقتان اللتان استدعيتهما كتبت في إحداهما القصيدة فما فعلت بالأخرى فادعى أنه بيض فيها القصيدة فقال المعتمد هلم المسودة فلم يجد جوابا فخرج المعتمد حنقا وبيده الطبرزين حتى صعد الغرفة التي فيها ابن عمار فلما رآه علم أنه قاتله فجعل ابن عمار يزحف وقيوده تثقله حتى انكب على قدمي المعتمد يقبلهما والمعتمد لا يثنيه شيء فعلاه بالطبرزين الذي في يده ولم يزل يضربه به حتى برد ورجع المعتمد فأمر بغسله وتكفينه وصلى عليه ودفنه بالقصر المبارك فهذا ما انتهى إلينا من خبر ابن عمار ملخصا حسبما بقي على خاطري
رجع الحديث عن بني عباد
ولم يزل المعتمد هذا في جميع مدة ولايته و الأيام تساعده والدهر على ما يريده يؤازره ويعاضده إلى أن انتظم له في ملكه من بلاد الأندلس مالم ينتظم لملك قبله أعني من المتغلبين ودخلت في طاعته مدن من مدائنها أعيت الملوك وأعجزتهم وامتدت مملكته إلى أن بلغت مدينة مرسية وهي التي تعرف بتدمير بينها وبين أشبيلية نحو من اثنتي عشرة مرحلة وفي خلال ذلك مدن متسعة وقرى ضخمة وكان تغلبه على قرطبة وإخراجه ابن عكاشة منها يوم الثلاثاء لسبع بقين من صفر سنة 471 ثم رجع إلى أشبيلية واستخلف عليها ولده عبادا ولقبه بالمأمون وهو أكبر ولده ولد له في حياة أبيه المعتضد وسماه عبادا فكان المعتضد يضمه إليه ويقول يا عباد يا ليت شعري من المقتول بقرطبة أنا أو أنت فكان المقتول بها عباد هذا في حياة أبيه المعتمد وفي السنة التي زال عنهم الملك فيها
أول أمر المرابطين بالأندلس
ولما كانت سنة 479 جاز المعتمد على الله البحر قاصدا مدينة مراكش إلى يوسف بن تاشفين مستنصرا به على الروم فلقيه يوسف المذكور أحسن لقاء وأنزله أكرم نزل وسأله عن حاجته فذكر أنه يريد غزو الروم وأنه يريد إمداد أمير المسلمين إياه بخيل ورجل ليستعين بهم في حربه فأسرع أمير المسلمين المذكور إجابته إلى ما دعاه إليه وقال له أنا أول منتدب لنصرة هذا الدين ولا يتولى هذا الأمر أحد إلا أنا بنفسي فرجع المعتمد إلى الأندلس مسرورا بإسعاف أمير المسلمين إياه في طلبته ولم يدر أن تدميره في تدبيره وسل سيفا يحسبه له ولم يدر أنه عليه فكان كما قال أبو فراس % إذا كان غير الله للمرء عدة % أتته الرزايا من وجوه الفوائد % % كما جرت الحنفاء حتف حذيفة % وكان يراها عدة للشدائد % $ فأخذ أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في أهبة العبور إلى جزيرة الأندلس وذلك في شهر جمادى الأولى من السنة المذكورة فاستنفر من قدر على استنفاره من القواد وأعيان الجند ووجوه قبائل البربر فاجتمع له نحو من سبعة آلاف فارس في عدد كثير من الرجل فعبر البحر بعسكر ضخم وكان عبوره من مدينة سبتة فنزل المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء وتلقاه المعتمد في وجوه أهل دولته وأظهر من بره وإكرامه فوق ما كان يظنه أمير المسلمين وقدم إليه من الهدايا والتحف والذخائر الملوكية ما لم يظنه يوسف عند ملك فكان هذا أول ما أوقع في نفس يوسف التشوف إلى مملكة جزيرة الاندلس ثم إنه فصل عن الخضراء بجيوشه قاصدا شرقي الأندلس وسأله المعتمد دخول أشبيلية دار ملكه ليستريح فيها أياما حتى تزول عنه وعثاء السفر ثم يقصد قصده فأبى عليه وقال إنما جئت ناويا جهاد العدو فحيثما كان العدو توجهت وجهه وكان الأدفنش لعنه الله محاصرا لحصن من حصون المسلمين يعرف بحصن الليط فلما بلغه عبور البربر أقلع عن الحصن راجعا إلى بلاده مستنفرا عساكره ليلقى بهم البربر وتوجه يوسف المذكور إلى شرقي الأندلس يقصد ذلك الحصن المحاصر والإصلاح بين المعتمد على الله وبين رجل كان تغلب على مرسية يقال له ابن رشيق قد تقدم ذكره في أخبار ابن عمار فأصلح بينهما يوسف أمير المسلمين على أن يخرج له ابن رشيق عن مرسية ويعوضه المعتمد عن ذلك مالا جعله له ويوليه في جهة أشبيلية ولاية فأجابه ابن رشيق إلى ذلك وتسلم المعتمد مرسية وأعمالها ولقي يوسف أمير المسلمين ملوك الأندلس الذين كان عليهم طريقه كصاحب غرناطة والمعتصم بن صمادح صاحب المرية وابن عبد العزيز أبو بكر صاحب بلنسية
وقعة الزلاقة
ثم أن يوسف المذكور استعرض جنده على حصن الرقة فرأى منهم ما يسره فقال للمعتمد على الله هلم ما جئنا له من الجهاد وقصد العدو وجعل يظهر التأفف من الإقامة بجزيرة الأندلس ويتشوق إلى مراكش ويصغر قدر الأندلس ويقول في أكثر أوقاته كان أمر هذه الجزيرة عندنا عظيما قبل أن نراها فلما رأيناها وقعت دون الوصف وهو في ذلك كله يسر حسوا في ارتغاء فخرج المعتمد بين يديه قاصدا مدينة طليطلة واجتمع للمعتمد أيضا جيش ضخم من أقطار الأندلس وانتدب الناس للجهاد من سائر الجهات وأمد ملوك الجزيرة يوسف والمعتمد بما قدروا عليه من خيل ورجال وسلاح فتكامل عدد المسلمين من المتطوعة والمرتزقة زهاء عشرين ألفا والتقوا هم والعدو بأول بلاد الروم وكان الادفنش لعنه الله قد استنفر الصغير والكبير ولم يدع في أقاصي مملكته من يقدر على النهوض إلا استنهضه وجاء يجر الشوك والشجر وإنما كان مقصوده الأعظم قطع تشوف البرابرة عن جزيرة الأندلس والتهيب عليهم فأما ملوك الأندلس فلم يكن منهم أحد إلا يؤدي إليه الأتاوة وهم كانوا أحقر في عينه وأقل من أن يحتفل لهم ولما تراءى الجمعان من المسلمين والنصارى رأى يوسف وأصحابه أمرا عظيما هالهم من كثرة عدد وجودة سلاح وخيل وظهور قوة فقال للمعتمد ما كنت أظن هذا الخنزير لعنه الله يبلغ هذا الحد وجمع يوسف أصحابه وندب لهم من يعظهم ويذكرهم فظهر منهم من صدق النية والحرص على الجهاد واستسهال الشهادة ما سر به يوسف والمسلمون وكان ترائيهم يوم الخميس وهو الثاني عشر من شهر رمضان فاختلفت الرسل بينهم في تقرير يوم الزحف ليستعد الفريقان فكان من قول الأدفنش لعنه الله الجمعة لكم والسبت لليهود وهم وزراؤنا وكتابنا وأكثر خدم العسكر منهم فلا غنى بنا عنهم والأحد لنا فإذا كان يوم الاثنين كان ما نريده من الزحف وقصد لعنه الله مخادعة المسلمين واغتيالهم فلم يتم له ما قصد فلما كان يوم الجمعة تأهب المسلمون لصلاة الجمعة ولا أمارة عندهم للقتال وبنى يوسف بن تاشفين الأمر على أن الملوك لا تغدر فخرج هو وأصحابه في ثياب الزينة للصلاة فأما المعتمد فإنه أخذ بالحزم فركب هو وأصحابه شاكي السلاح وقال لأمير المسلمين صل في أصحابك فهذا يوم ما تطيب نفسي فيه وها أنا من ورائكم وما أظن هذا الخنزير إلا قد أضمر الفتك بالمسلمين فأخذ يوسف وأصحابه في الصلاة فلما عقدوا الركعة الاولى ثارت في وجوههم الخيل من جهة النصارى وحمل الأدفنش لعنه الله في أصحابه يظن أنه قد انتهز الفرصة وإذا المعتمد وأصحابه من وراء الناس فأغنى ذلك اليوم غناء لم يشهد لأحد من قبله وأخذ المرابطون سلاحهم فاستووا على متون الخيل واختلط الفريقان فأظهر يوسف بن تاشفين وأصحابه من الصبر وحسن البلاء والثبات ما لم يكن يحسبه المعتمد وهزم الله العدو واتبعهم المسلمون يقتلونهم في كل وجه ونجا الأدفنش لعنه الله في تسعة من أصحابه فكان هذا أحد الفتوح المشهورة بالاندلس أعز الله فيها دينه وأعلى كلمته وقطع طمع الأدفنش لعنه الله عن الجزيرة بعد أن كان يقدر أنها في ملكه وأن رءوسها خدم له وذلك كله بحسن نية أمير المسلمين وتسمى هذه الوقعة عندهم وقعة الزلاقة وكان لقاء المسلمين عدوهم كما ذكرنا في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رمضان الكائن في سنة 480 ورجع يوسف بن تاشفين وأصحابه عن ذلك المشهد منصورين مفتوحا لهم وبهم فسر بهم أهل الأندلس وأظهروا التيمن بأمير المسلمين والتبرك به وكثر الدعاء له في المساجد وعلى المنابر وانتشر له من الثناء بجزيرة الأندلس ما زاده طمعا فيها وذلك أن الأندلس كانت قبله بصدد التلاف من استيلاء النصارى عليها وأخذهم الإتاوة من ملوكها قاطبة فلما قهر الله العدو وهزمه على يد أمير المسلمين أظهر الناس إعظامه ونشأ له الود في الصدور ثم إنه أحب أن يجول في الأندلس على طريق التفرج والتنزه وهو يريد غير ذلك فجال فيها ونال من ذلك ما أحب وفي خلال ذلك كله يظهر إعظام المعتمد وإجلاله ويقول مصرحا إنما نحن في ضيافة هذا الرجل وتحت أمره وواقفون عند ما يحده
بين المعتصم بن صمادح والمعتمد بن عباد
وكان ممن اختص بأمير المسلمين من ملوك الجزيرة وحظي عنده واشتد تقريب أمير المسلمين له أبو يحيى محمد بن معن بن صمادح المعتصم صاحب المرية وكان المعتصم هذا قديم الحسد للمعتمد كثير النفاسة عليه لم يكن في ملوك الجزيرة من يناويه غيره وربما كانت بينهما في بعض الأوقات مراسلات قبيحة وكان المعتصم يعيبه في مجالسه وينال منه ويمنع المعتمد من فعل مثل ذلك مروءته ونزاهة نفسه وطهارة سريرته وشدة ملوكيته وقد كان المعتمد قبل عبور أمير المسلمين بيسير توجه إلى شرقي الأندلس يتطوف على مملكته ويطالع أحوال عماله ورعيته فلما دانى أول بلاد المعتصم خرج إليه في وجوه أصحابه وتلقاه لقاء نبيلا وعزم عليه ليدخلن بلاده فأبى المعتمد ذلك ثم اتفقا بعد طول مراودة على أن يجتمعا في أول حدود بلاد المعتصم وآخر حدود بلاد المعتمد فكان ذلك واصطلحا في الظاهر واحتفل المعتصم في إكرامه وأظهر من الآلات السلطانية والذخائر الملوكية المعدة لمجالس الأنس ما ظنه مكمدا للمعتمد مثيرا لغمه وقد أعاذ الله المعتمد من ذلك وصان خلقه الكريم عنه وعصمه بفضله منه ثم افترقا بعد أن أقام المعتمد عنده في ضيافته ثلاثة أسابيع ورجع المعتمد إلى بلاده وبأثر ذلك عبر إلى مراكش ولم يزل ما بينه وبين المعتصم معمورا إلى أن عبر أمير المسلمين كما ذكرنا فلقيه المعتصم بهدايا فاخرة وتحف جليلة وتلطف في خدمته حتى قربه أمير المسلمين أشد تقريب وكان يقول لأصحابه هذان رجلا هذه الجزيرة يعني المعتصم والمعتمد وكان أكبر أسباب تقريب أمير المسلمين إياه ثناء المعتمد عليه عند أمير المسلمين ووصفه إياه عنده بكل فضل ولم يكن المعصتم بعيدا من أكثر ما وصفه به ولما اشتد تمكن المعتصم من أمير المسلمين بدا له أن يسعى في تغيير قلبه على المعتمد وإفساد ما بينهما حسن له ذلك سوء رأيه ودنس سريرته وضعف بصره بعواقب الأمور وليقضي الله أمرا كان مفعولا وليبلغ القدر ميقاته وإذا أراد الله تمام أمر هيأ له أسبابا فشرع المعتصم فيما أراده من ذلك ولم يدر أنه ساقط في البئر التي حفر وقتيل بالسلاح الذي شهر فكان من جملة ما ألقى إلى أمير المسلمين أن جعل يقرر عنده عجب المعتمد بنفسه وفرط كبره وأنه لا يرى أحدا كفؤا له وزعم أنه قال له في بعض الأيام وقد قال له المعتصم طالت إقامة هذا الرجل بالجزيرة يعني أمير المسلمين لو عوجت له إصبعي ما أقام بها ليلة واحدة هو ولا أصحابه وكأنك تخاف غائلته وأي شيء هذا المسكين وأصحابه إنما هم قوم كانوا في بلادهم في جهد من العيش وغلاء من السعر جئنا بهم إلى هذه البلاد نطعمهم حسبة وائتجارا فإذا شبعوا أخرجناهم عنها إلى بلادهم إلى أمثال هذا القول من تحقير أمرهم وأعانه على ذلك قوم من وجوه الأندلس إلى أن بلغوا ما أرادوه من تغير قلب يوسف أمير المسلمين على المعتمد وقد كان أمير المسلمين ضرب لنفسه ولأصحابه أجلا وحد له ولهم مدة يقيمونها في الجزيرة لا يزيدون عليها وإنما فعل ذلك تطييبا لقلب المعتمد وتسكينا لخاطره فلما انقضت تلك المدة أو قاربت عبر أمير المسلمين إلى العدوة وقد وغر صدره وتغيرت نفسه % وما النفس إلا نطفة في قرارة % إذا لم تكدر كان صفوا غديرها % هذا مع ما ذكرنا من طمعه في الجزيرة وتشوفه إلى مملكتها وظهرت للمعتمد قبل عبوره أشياء عرف بها أنه غير عليه
نكبة بني عباد
ورجع أمير المسلمين إلى مراكش وفي نفسه من أمر الجزيرة المقيم المقعد فبلغني أنه قال لبعض ثقاته من وجوه أصحابه كنت أظن أني قد ملكت شيئا فلما رأيت تلك البلاد صغرت في عيني مملكتي فكيف الحيلة في تحصيلها فاتفق رأيه ورأي أصحابه على أن يراسلوا المعتمد يستأذنونه في رجال من صلحاء أصحابهم رغبوا في الرباط بالأندلس ومجاهدة العدو والكون ببعض الحصون المصاقبة للروم إلى أن يموتوا ففعلوا وكتبوا إلى المعتمد بذلك فأذن لهم بعد أن وافقه على ذلك ابن الأفطس المتوكل صاحب الثغور وإنما أراد يوسف وأصحابه بذلك أن يكون قوم من شيعتهم مبثوثين بالجزيرة في بلادها فإذا كان أمر من قيام بدعوتهم أو إظهار لمملكتهم وجدوا في كل بلد لهم أعوانا وقد كانت قلوب أهل الأندلس كما ذكرنا قد أشربت حب يوسف وأصحابه فجهز يوسف من خيار أصحابه رجالا انتخبهم وأمر عليهم رجلا من قرابته يسمى بلجين وأسر إليه ما أراده فجاز بلجين المذكور وقصد المعتمد من ملوك الجزيرة فقال له أين تأمرني بالكون فوجه معه المعتمد من أصحابه من ينزله ببعض الحصون التي اختارها لهم فنزل حيث أنزلوه هو وأصحابه وأقاموا هناك إلى أن ثارت الفتنة على المعتمد وكان مبدؤها في شوال من سنة 483 بأخذ جزيرة طريف المقابلة لطنجة من العدوة دون مقدمة ظاهرة توجب ذلك فتشعبت جموعه وأهواؤها ملتئمة وانتثرت بلاده وقلوب أهلها على محبته منتظمة ولما أخذ المرابطون جزيرة طريف ونادوا فيها بدعوة أمير المسلمين انتشر ذلك في الأندلس وزحف القوم الذين قدمنا ذكرهم الكائنون في الحصون إلى قرطبة فحاصروها وفيها عباد بن المعتمد الملقب بالمأمون وقد تقدم ذكره وهو من أكبر ولده فدخلوا البلد وقتل عباد هذا بعد أن أبلى عذرا وأظهر في الدفاع عن نفسه جلدا وصبرا وذلك في مستهل صفر الكائن في سنة 484 فزادت الإحنة والمحنة واستمرت في غلوائها الفتنة وأجمعت على الثورة بحضرة أشبيلية طائفة فاعلم المعتمد بما اعتقدته الطائفة المذكورة وكشف له عن مرادها وأثبت عنده سوء اعتقادها وأغرى بتمزيق أديمها وسفك دمها وحض على هتك حريمها وكشف حرمها فأبى له ذلك مجده الاثيل ورأيه الأصيل ومذهبه الجميل وما حباه الله به من حسن اليقين وصحة العقل والدين إلى أن أمكنتهم الغرة يوم الثلاثاء منتصف رجب من السنة المذكورة فقاموا بجيش غير مستنصر واستنسروا بغاثا غير مستنسر فبرز هو من قصره سيفه بيده وغلالته ترف على جسده لا درقة له ولا درع عليه فلقي على باب من أبواب المدينة يسمى باب الفرج فارسا من الداخلين مشهور النجدة شاكي السلاح فرماه الفارس برمح قصير أنابيب القناة طويل شفرة السنان فالتوى الرمح بغلالته وخرج تحت إبطه وعصمه الله منه ودفعه بفضله عنه وصب هو سيفه على عاتق الفارس فشقه إلى أضلاعه فخر صريعا وانهزمت تلك الجموع ونزل المتسنمون للأسوار عنها وظن أهل أشبيلية أن الخناق قد تنفس فلما كان عصر ذلك اليوم عاودهم القوم فظهر على البلد من واديه ويئس من سكنى ناديه وبلغ فيه الأمل حاسده وشانيه وشبت النار في شوانيه فانقطع عندها الأمل والقول وذهبت القوة من أيدي أهلها والحول وكان الذي ظهر عليها من جهة البر رجل من أصحاب يوسف أمير المسلمين يعرف بحدير بن واسنو ومن الوادي رجل يعرف بالقائد أبي حمامة مولى بني سجوت والتوت الحال أياما يسيرة إلى أن ورد الأمير سير بن أبي بكر إلى تاشفين وهو ابن أخي أمير المسلمين بعساكر متظاهرة وحشود من الرعية وافرة والناس في خلال هذه الأيام قد خامرهم الجزع وخالط قلوبهم الهلع يقطعون السبل سياحة ويعبرون النهر سباحة ويتولجون مجاري الأقذار ويترامون من شرفات الأسرار حرصا على الحياة والموفون بالعهد المقيمون على صريح الود ثابتون إلى أن كان يوم الأحد لإحدى وعشرين ليلة خلت من رجب من السنة المذكورة وهذا يوم الكائنة العظمى والطامة الكبرى فيه حم الأمر الواقع واتسع الخرق على الراقع ودخل البلد من واديه وأصيب حاضره وباديه بعد أن جد الفريقان في القتال واجتهدت الفئتان في النزال وظهر من دفاع المعتمد رحمه الله وبأسه وتراميه على الموت بنفسه مالا مزيد عليه ولا تناه لخلق إليه وفي ذلك يقول المعتمد بعد ما نزل بالعدوة أسيرا حسيرا % لما تماسكت الدموع % وتنهنه القلب الصديع % % قالوا الخضوع سياسة % فليبد منك لهم خضوع % % وألذ من طعم الخضو % ع على فمي السم النقيع % % إن تستلب عني الدنا % ملكي وتسلمني الجموع % % فالقلب بين ضلوعه % لم تسلم القلب الضلوع % % لم استلب شرف الطبا % ع أيسلب الشرف الرفيع % % قد رمت يوم نزالهم % ألا تحصنني الدروع % % وبرزت ليس سوى القميص عن الحشا شيء دفوع % % وبذلت نفسي كي تسيل إذا يسيل بها النجيع % % أجلي تأخر لم يكن % بهواي ذلي والخشوع % % ما سرت قط إلى القتا % ل وكان من أملي الرجوع % % شيم الألى أنا منهمو % والأصل تتبعه الفروع % فشنت الغارة في البلد ولم يترك البربر لأحد من أهلها سبدا ولا لبدا وانتهبت قصور المعتمد نهبا قبيحا وأخذ هو قبضا باليد وجبر على مخاطبة ابنيه المعتد بالله والراضي بالله وكانا بمعقلين من معاقل الأندلس المشهورة لو شاءا أن يمتنعا بهما لم يصل أحد إليهما أحد الحصنين يسمى رندة والآخر مارتلة فكتب إليهما رحمه الله وكتبت السيدة الكبرى أمهما مستعطفين مسترحمين معلمين أن دم الكل منهم مسترهن بثبوتهما فأنفا من الذل وأبيا وضع أيديهما في يد أحد من الناس بعد أبيهما ثم عطفتهما عواطف الرحمة ونظرا في حقوق أبويهما المقترنة بحق الله عز وجل فتمسك كل منهما بدينه ونبذ دنياه ونزلا عن الحصنين بعد عهود مبرمة ومواثيق محكمة فأما المعتد بالله فإن القائد الواصل إليه قبض عند نزوله على كل ما كان يملكه وأما الراضي بالله فعند خروجه من قصره قتل غيلة واخفي جسده ورحل بالمعتمد وآله بعد استئصال جميع أحواله ولم يصحب من ذلك كله بلغة زاد فركب السفين وحل بالعدوة محل الدفين فكان نزوله من العدوة بطنجة فأقام بها أياما ولقيه بها الحصري الشاعر فجرى معه على سوء عادته من قبح الكدية وإفراط الإلحاف فرفع إليه أشعارا قديمة قد كان مدحه بها وأضاف إلى ذلك قصيدة استجدها عند وصوله إليه ولم يكن عند المعتمد في ذلك اليوم مما زود به فيما بلغني أكثر من ستة وثلاثين مثقالا فطبع عليها وكتب معها بقطعة شعر يتعذر من قلتها سقطت من حفظي ووجه بها إليه فلم يجاوبه عن القطعة على سهولة الشعر على خاطره وخفته عليه كان هذا الرجل أعني الحصري الأعمى أسرع الناس في الشعر خاطرا إلا أنه كان قليل الجيد منه فحركه المعتمد على الله على الجواب بقطعة أولها % قل لمن قد جمع العلم وما أحصى صوابه % % كان في الصرة شعر % فتنظرنا جوابه % % قد أثبناك فهلا % جلب الشعر ثوابه % $ ولما اتصل بزعانفة الشعراء وملحفي أهل الكدية ما صنع المعتمد رحمه الله مع الحصري تعرضوا له بكل طريق وقصدوه من كل فج عميق فقال في ذلك رحمه الله % شعراء طنجة كلهم والمغرب % ذهبوا من الإغراب أبعد مذهب % % سألوا العسير من الأسير وإنه % بسؤالهم لأحق فاعجب واعجب % % لولا الحياء وعزة لخمية % طي الحشا ساواهم في المطلب % % قد كان إن سئل الندى يجزل وإن % نادى الصريخ ببابه اركب يركب % $ وله في هذا المعنى رحمه الله % قبح الدهر فماذا صنعا % كلما أعطى نفيسا نزعا % % قد هوى ظلما بمن عادته % أن ينادي كل من يهوى لعا % % من إذا الغيث همى منهمرا % اخجلته كفه فانقطعا % % من غمام الجود من راحته % عصفت ريح به فانتشعا % % من إذا قيل الخنا صم وإن % نطق العافون همسا وسمعا % % قل لمن يطمع في نائله % قد أزال اليأس ذاك الطمعا % % راح لا يملك إلا دعوة % جبر الله العفاة الضيعا % $ وأقام المعتمد بطنجة رحمه الله أياما على الحال التي تقدم ذكرها ثم انتقل إلى مدينة مكناسة فأقام بها أشهرا إلى أن نفذ الأمر بتسييرهم إلى مدينة أغمات فأقاموا بها إلى أن توفي المعتمد رحمه الله ودفن بها فقبره معروف هناك وكانت وفاته في شهور سنة 87 وقيل سنة 88 فالله أعلم وسنه يوم توفي إحدى وخمسون سنة فمن أحسن ما مر بي مما رثي به المعتمد على الله مقطوعة من شعر ابن اللبانة أولها % لكل شيء من الأشياء ميقات % وللمنى من مناياهن غايات % % والدهر في صبغة الحرباء منغمس % ألوان حالاته فيها استحالات % % ونحن من لعب الشطرنج في يده % وربما قمرت بالبيدق الشاة % % فانفض يديك من الدنيا وساكنها % فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا % % وقل لعالمها الأرضي قد كتمت % سريرة العالم العلوي أغمات % % طوت مظلتها لا بل مذلتها % من لم تزل فوقه للعز رايات % % من كان بين الندى والبأس أنصله % هندية وعطاياه هنيدات % % أنكرت إلا التواء للقيود به % وكيف تنكر في الروضات حيات % % وقلت هن ذؤابات فلم عكست % من رأسه نحو رجليه الذؤابات % % رأوه ليثا فخافوا منه عادية % عذرتهم فلعدوى الليث عادات % $ وله قصيدة يرثيهم بها وهي كثيرة الجيد أولها % تبكي السماء بدمع رائح غادي % على البهاليل من أبناء عباد % % على الجبال التي هدت قواعدها % وكانت الأرض منهم ذات أوتاد % % والرابيات عليها اليانعات ذوت % أنوارها فغدت في خفض أوهاد % % عريسة دخلتها النائبات على % أساود لهم فيها وآساد % % وكعبة كانت الآمال تعمرها % فاليوم لا عاكف فيها ولا باد % % تلك الرماح رماح الحظ ثقفها % خطب الزمان ثقافا غير معتاد % % والبيض بيض الظبا فلت مضاربها % أيدي الردى وثنتها دون إغماد % % لما دنا الوقت لم تخلف له عدة % وكل شيء لميقات وميعاد % % كم من دراري سعد قد هوت ووهت % هناك من درر للمجد أفراد % % نور ونور فهذا بعد نعمته % ذوى وذاك خبا من بعد إيقاد % % يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذ % في ضم رحلك واجمع فضلة الزاد % % ويا مؤمل واديهم ليسكنه % خف القطين وجف الزرع بالوادي % % ضلت سبيل الندى بابن السبيل فسر % لغير قصد فما يهديك من هادي % وفيها يقول % نسيت إلا غداة النهر كونهم % في المنشآت كأموات بألحاد % % والناس قد ملأوا العبرين واعتبروا % من لؤلؤ طافيات فوق أزباد % % حط القناع فلم تستر مخدرة % ومزقت أوجه تمزيق أبراد % % تفرقوا جيرة من بعد ما نشئوا % أهلا بأهل وأولادا بأولاد % % حان الوداع فضجت كل صارخة % وصارخ من مفداة ومن فادي % % سارت سفائنهم والنوح يتبعها % كأنها إبل يحدو بها الحادي % % كم سال في الماء من دمع وكم حملت % تلك القطائع من قطعات أكباد % % من لي بكم يا بني ماء السماء إذا % ماء السماء أبى سقيا حشا الصادي % وهي طويلة جدا هذا ما اخترت له منها
أبو بكر الداني
وابن اللبانة هذا هو أبو بكر محمد بن عيسى من أهل مدينة دانية وهي على ساحل البحر الرومي كان يملكها مجاهد العامري وابنه علي الموفق على ما تقدم ولابن اللبانة هذا أخ اسمه عبد العزيز وكانا شاعرين إلا أن عبد العزيز منهما لم يرض الشعر صناعة ولا اتخذه مكسبا وإنما كان من جملة التجار وأما أبو بكر فرضيه بضاعة وتخيره مكسبا وأكثر منه وقصد به الملوك فأخذ جوائزهم ونال أسنى الرتب عندهم وشعره نبيل المأخذ وهو فيه حسن المهيع جمع بين سهولة الألفاظ ورشاقتها وجودة المعاني ولطافتها وكان منقطعا إلى المعتمد معدودا في جملة شعرائه لم يفد عليه إلا آخر مدته فلهذا قل شعره الذي يمدحه به
وكان رحمه الله مع سهولة الشعر عليه وإكثاره منه قليل المعرفة بعللمه لم يجد الخوض في علومه وإنما كان يعتمد في أكثره على جودة طبعه وقوة قريحته يدل على ذلك قوله في قصيدة له سيرد ما أختاره منها في موضعه % من كان ينفق من سواد كتابه % فأنا الذي من نور قلبي أنفق % $ ولما خلع المعتمد على الله وأخرج من أشبيلية لم يزل أبو بكر هذا يتقلب في البلاد إلى أن لحق بجزيرة ميرقة وبها مبشر العامري المتلقب بالناصر فحظي عنده وعلت حاله معه وله فيه قصائد أجاد فيها ما شاء فمنها قصيدة ركب فيها طريقة لم أسمع بها لمتقدم ولا متأخر وذلك أنه جعلها من أولها إلى آخرها صدر البيت غزل وعجزه مدح وهذا لم أسمع به لأحد وأول القصيدة % وضحت وقد فضحت ضياء النير % فكأنما التحفت ببشر مبشر % % وتبسمت عن جوهر فحسبته % ما قلدته محامدي من جوهر % % وتكلمت فكأن طيب حديثها % متعت منه بطيب مسك أذفر % % هزت بنعمة لفظها نفسي كما % هزت بذكراه أعالي المنبر % % اذنبت واستغفرتها فجرت على % عاداته في المذنب المستغفر % % جادت علي بوصلها فكأنه % جدوى يديه على المقل المقتر % % ولثمت فاها فاعتقدت بأني % من كفه سوغت ثم الخنصر % % سمحت بتعنيقي فقلت صنيعة % سمحت علاه بها فلم تتعذر % % نهد كقسوة قلبه في معرك % وحشا كلين طباعه في محضر % % ومعاطف تحت الذوائب خلتها % تحت الخوافق ماله من سمهري % % حسنت أمامي في خمار مثل ما % حسن الكمى أمامه في مغفر % % وتوشحت فكأنه في جوشن % قد قام عنبره مقام العثير % % غمزت ببعض قسيه من حاجب % ورنت ببعض سهامه من محجر % % أومت بمصقول اللحاظ فخلته % يومي بمصقول الصفيحة مشهر % % وضعت حشاياها فويق أرائك % وضع السروج على الجياد الضمر % % من رامة أو رومة لا علم لي % أتت عن النعمان أم عن قيصر % % بنت الملوك فقل لكسرى فارس % تعزى وإلا قل لتبع حمير % % عاديت فيها غر قومي فاغتدوا % لا أرضهم أرضي ولا هم معشري % % وكذلك الدنيا عهدنا أهلها % يتعافرون على الثريد الأعفر % % طافت علي بجمرة من خمرة % فرأيت مريخا براحة مشتري % % فكأن أنملها سيوف مبشر % وقد اكتست علق النجيع الأحمر % % ملك أزرة برده ضمت على % بأس الوصي وعزمة الإسكندر % هذا ما اخترت له منها ومن نسيبه المليح الخفيف الروح قوله يتغزل ويمدح مبشرا هذا % هلا ثناك علي قلب مشفق % فترى فراشا في فراش يحرق % % قد صرت كالرمق الذي لا يرتجى % ورجعت كالنفس الذي لا يلحق % % وغرقت في دمعي وغمني % طرفي فهل سبب به أتعلق % % هل خدعة بتحية مخفية % في جنب موعدك الذي لا يصدق % % أنت المنية والمنى فيك استوى % ظل الغمامة والهجير المحرق % % لك قد ذابلة الوشيج ولونها % لكن سنانك أكحل لا أزرق % % ويقال إنك أيكة حتى إذا % غنيت قيل هو الحمام الأورق % % يا من رشقت إلى السلو فردني % سبقت جفونك كل سهم يرشق % % لو في يدي سحر وعندي أخذة % لجعلت قلبك بعض حين يعشق % % لتذوق ما قد ذقت من ألم الجوى % وترق لي مما تراه وتشفق % % جسدي من الأعداء فيك لأنه % لا يستبين لطرف طيف يرمق % % لم يدر طيفك موضعي من مضجعي % فعذرته في أنه لا يطرق % % جفت عليك منابتي ومنابعي % فالدمع ينشغ والصبابة تورق % % وكأن أعلام الأمير مبشر % نشرت على قلبي فأصبح يخفق % $ وفيها يقول يصف لعب الأسطول في يوم المهرجان % بشرى بيوم المهرجان فإنه % يوم عليه من احتفائك رونق % % طارت بنات الماء فيه وريشها % ريش الغراب وغير ذلك شوذق % % وعلى الخليج كتيبة جرارة % مثل الخليج كلاهما يتدفق % % وبنو الحروب على الجواري التي % تجري كما تجري الجياد السبق % % ملأ الكماة ظهورها وبطونها % فأتت كما يأتي السحاب المغدق % % خاضت غدير الماء سابحة به % فكأنما هي في سراب أينق % % عجبا لها ما خلت قبل عيانها % أن يحمل الأسد الضواري زورق % % هزت مجاديفا إليك كأنها % أهداب عين للرقيب تحدق % % وكأنها أقلام كاتب دولة % في عرض قرطاس تخط وتمشق % وله فيها إحسان كثير وله من قصيدة يتغزل % فؤادي معني بالحسان معنت % وكل موقي في التصابي موقت % % ولي نفس يخفى ويخفت رقة % ولكن جسمي منه أخفى وأخفت % % وبي ميت الأعضاء حي دلاله % غرامي به حي وصبري ميت % % جعلت فؤادي جفن صارم جفنه % فيا حر ما يصلى به حين يصلت % % أذل له في هجره وهو ينتمي % وأسكن بالشكوى له وهو يسكت % % وما انبت حبل منه إذ كان في يدي % لريحان ريعان الشبيبة منبت % $ ومن جيد ماله من قصيدة يمدح بها مبشرا ناصر الدولة أولها % راق الربيع ورق طبع هوائه % فانظر نضارة أرضه وسمائه % % واجعل قرين الورد فيه سلافة % يحكي مشعشعها مصعد مائه % % لولا ذبول الورد قلت بأنه % خد الحبيب عليه صبغ حيائه % % هيهات أين الورد من خد الذي % لا يستحيل عليك عهد وفائه % % الورد ليس صفاته كصفاته % والطير ليس غناؤها كغنائه % % يتنفس الإصباح والريحان من % حركات معطفه وحسن روائه % % ويجول في الأرواح روح ما سرت % رياه من تلقائه بلقائه % % صرف الهوى جسمي شبيه خياله % من فرط خفته وفرط خفائه % $ ومن أحسن ما على خاطري له بيتان يصف بها خالا وهما % بدا على خده خال يزينه % فزادني شغفا فيه إلى شغف % % كأن حبة قلبي عند رؤيته % طارت فقال لها في الخد منه قفي % ولابن اللبانة هذا إحسان كثير منعني من استقصائه خوف الإطالة وأيضا فلأن هذا الكتاب ليس موضوعا لهذا الباب وإنما يأتي منه فيه ما تدعو إليه ضرورة سياق الحديث
رجع الحديث إلى أخبار المعتمد
ثم رجع بنا القول إلى أخبار المعتمد على الله وبلغني أن رجلا رأى في منامه قبل الكائنة العظمى على بني عباد بأشهر يسيرة وهو بمدينة قرطبة كأن رجلا أتى حتى صعد المنبر واستقبل الناس بوجهه ينشدهم رافعا صوته % رب ركب قد أناخوا عيسهم % في ذرى مجدهم حين بسق % % سكت الوهر زمانا عنهم % ثم أبكاهم دما حين نطق % $ فما كان إلا اشهر يسيرة حتى وقع بهم وأبكاهم الدهر كما قال وبلغ من حال المعتمد على الله بأغمات أن آثر حظياته وأكرم بناته ألجئت إلى أن تستدعي غزلا من الناس تسد بأجرته بعض حالها وتصلح به ما ظهر من اختلالها فادخل عليها فيما أدخل غزل لبنت عريف شرطة أبيها كان بين يديه يزع الناس يوم بروزه لم يكن يراه إلا ذلك اليوم واتفق أن السيدة الكبرى أم بنيه اعتلت وكان الوزير أبو العلاء زهر بن عبد الملك بن زهر بمراكش قد استدعاه أمير المسلمين لعلاجه فكتب إليه المعتمد راغبا في علاج السيدة ومطالعة أحوالها بنفسه فكتب إليه الوزير مؤديا حقه ومجيبا له عن رسالته ومسعفا له في طلبته واتفق أن دعا له في أثناء الرسالة بطول البقاء فقال المعتمد في ذلك % دعا لي بالبقاء وكيف يهوى % أسير أن يطول به البقاء % % أليس الموت أروح من حياة % يطول على الشقي بها الشقاء % % فمن يك من هواه لقاء حب % فإن هواي من حتفي اللقاء % % أأرغب أن أعيش أرى بناتي % عواري قد أضر بها الحفاء % % خوادم بنت من قد كان أعلى % مراتبه إذا أبدو النداء % % وطرد الناس بين يدي ممري % وكفهمو إذا غص الفناء % % وركض عن يمين أو شمال % لنظم الجيش إن رفع اللواء % % يعنيه امام أو وراء % إذا اختل الأمام أو الوراء % % ولكن الدعاء إذا دعاه % ضمير خالص نفع الدعاء % % جزيت أبا العلاء جزاء بر % نوى برا وصاحبك العلاء % % سيسلي النفس عما فات علمي % بأن الكل يدركه الفناء % $ وورد عليه أغمات أبو بكر بن اللبانة المتقدم الذكر ماتزما عهد الوفاء قاضيا ما يجب عليه من شكر النعمى فسر المعتمد بوروده فلما أزمع ابن اللبانة على السفر استنفد المعتمد وسعه ووجه إليه بعشرين مثقالا وثوبين وكتب إليه معها % إليك النزر من كف الأسير % فإن تقبل تكن عين الشكور % % تقبل ما يذوب له حياء % وإن عذرته حالات الفقير % % ولا تعجب لخطب غض منه % أليس الخسف ملتزم البدور % % ورج لجبره عقبى نداه % فكم جبرت يداه من كسير % % وكم أعلت علاه من حضيض % وكم حطت ظباه من أمير % % وكم من منبر حنت إليه % أعالي مرتقاه ومن سرير % % زمان تزاحفت عن جانبيه % جياد الخيل بالموت المبير % % فقد نظرت إليه عيون نحس % مضت منه بمعدوم النظير % % نحوس كن في عقبى سعود % كذاك تدور أقدار القدير % % وكم أحظى رضاه من حظي % وكم شهرت علاه من شهير % % زمان تنافست في الحظ منه % ملوك قد تجور على الدهور % % بحيث يطير بالأبطال ذعر % ويلفى ثم أرجح من ثبير % $ فامتنع ابن اللبانة من قبول ذلك عليه وصرفه بجملته إليه وكتب مجيبا له عن شعره % سقطت من الوفاء على خبير % فذرني والذي لك في ضميري % % تركت هواك وهو شقيق ديني % لئن شقت برودي عن غدور % % ولا كنت الطليق من الرزايا % لئن أصبحت أجحف بالأسير % % اسير ولا أصير إلى اغتنام % معاذ الله من سوء المصير % % إذا ما الشكر كان وإن تناهى % على نعمى فما فضل الشكور % % جذيمة أنت والأيام خانت % وما أنا من يقصر عن قصير % % أنا أدري بفضلك منك إني % لبست الظل منه في الحرور % % غني النفس أنت وإن ألحت % على كفيك حالات الفقير % % تصرف في الندى حيل المعالي % فتسمح من قليل بالكثير % % أحدث منك عن نبع غريب % تفتح عن جنى زهر نضير % % وأعجب منك أنك في ظلام % وترفع للعفاة منار نور % % رويدك سوف توسعني سرورا % إذا عاد ارتقاؤك للسرير % % وسوف تحلني رتب المعالي % غداة تحل في تلك القصور % % تزيد على ابن مروان عطاء % بها وأنيف ثم على جرير % % تأهب أن تعود إلى طلوع % فليس الخسف ملتزم البدور % $ فراجعه المعتمد بهذه الأبيات % رد بري بغيا على وبرا % وجفا فاستحق لوما وشكرا % % حاط نزري إذ خاف تأكيد ضري % فاستحق الجفاء ذ حاط نزرا % % فإذا ما طويت في البعض حمدا % عاد لومي في البعض سرا وجهرا % % يا أبا بكر الغريب وفاء % لا عد مناك في المغارب ذخرا % % أي نفع يجدي احتياط شفيق % مت ضرا فكيف أرهب ضرا % $ فأجابه ابن اللبانة رحمه الله أيها الماجد السميدع عذرا % صر في البر إنما كان برا % % حاش لله أن أجيح كريما % يتشكى فقرا وكم سد فقرا % % لا أزيد الجفاء فيه شقوقا % غدر الدهر بي لئن رمت غدرا % % ليت لي قوة أو أوي لركن فترى للوفاء مني سرا % % أنت علمتني السيادة حتى % ناهضت همتي الكواكب قدرا % % ربحت صفقة أزيل برودا % عن أديمي بها وألبس فخرا % % وكفاني كلامك الرطب نيلا % كيف ألفي درا وأطلب تبرا % % لم تمت إنما المكارم ماتت % لا سقى الله بعدك الأرض قطرا % $ ومما قاله المعتمد من الشعر عند موته وأمر أن يكتب على قبره % قبر الغريب سقاك الرائح الغادي % حقا ظفرت بأشلاء ابن عباد % % بالحلم بالعلم بالنعمى إذا اتصلت % بالخصب إن أجدبوا بالري للصادي % % بالطاعن الضارب الرامي إذا اقتتلوا % بالموت أحمر بالضرغامة العادي % % بالدهر في نقم بالبحر في نعم % بالبدر في ظلم بالصدر في النادي % % نعم هو الحق حاباني به قدر % من السماء فوافاني لميعاد % % ولم أكن قبل ذاك النعش أعلمه % أن الجبال تهادى فوق أعواد % % كفاك فارفق بما استودعت من كرم % رواك كل قطوب البرق رعاد % % يبكي أخاه الذي غيبت وابله % تحت الصفيح بدمع رائح غادي % % حتى يجودك دمع الطل منهمرا % من أعين الزهر لم تبخل بإسعاد % % ولا تزل صلوات الله دائمة % على دفينك لا تحصى بتعداد % $ وكان للمعتمد على الله هذا ولد يلقب بفخر الدولة رشحه للملك من بعده وجعله ولي عهده ولقبه بالمؤيد بنصر الله فعاقته الفتنة عن مراده وحالت الأقدار بينه وبين إصداره وإيراده فما برح بفخر الدولة هذا تغير الأيام بعد الفتنة إلى أن أسلم نفسه في السوق وتعلم من الصنائع صنعة الصواغ فمر به محمد بن اللبانة المتقدم الذكر شاعر أبيه فقال في ذلك % اذكى القلوب أسى أبكي العيون دما % خطب وجدناك فيه يشبه العدما % % أفراد عقد المنى منا قد انتثرت % وعقد عروتنا الوثقى قد انفصما % % شكاتنا فيك يا فخر الهدى عظمت % والرزء يعظم فيمن قدره عظما % % طوقت من نائبات الدهر مخنقة % ضاقت عليك وكم طوقتنا نعما % % وعاد كونك في دكان قارعة % من بعد ما كنت في قصر حكى إرما % % صرفت في آلة الصواع أنملة % لم تدر إلا الندى والسيف والقلما % % يد عهدتك للتقبيل تبسطها % فتستقل الثريا أن تكون فما % % يا صائغا كانت العليا تصاغ له % حليا وكان عليه الحلي منتظما % % للنفخ في الصور هول ما حكاه سوى % هول رأيناك فيه تنفخ الفحما % % وددت إذ نظرت عيني إليك به % لو أن عيني تشكو قبل ذاك عمى % % ما حطك الدهر لما حط من شرف % ولا تحيف من أخلاقك الكرما % % لح في العلا كوكبا إن لم تلح قمرا % وقم بها ربوة إن لم تقم علما % % واصبر فربتما أحمدت عاقبة % من يلزم الصبر يحمد غب ما لزما % % والله لو أنصفتك الشهب لانكسفت % ولو وفى لك مع المزن لانسجما % % بكى حديثك حتى الدر حين غدا % يحكيك رهطا وألفاظا ومبتسما % % وروضة الحسن من أزهارها عريت % حزنا عليك لأن أشبهتها شيما % % بعد النعيم ذوى الريحان حين رأى % ريحانك الغض يذوي بعد ما نعما % % لم يرحم الدهر فضلا أنت حامله % من ليس يرحم ذاك الفضل لا رحما % % شقيقك الصبح إن أضحى بشارقة % وأنت في ظلمة فالصبح قد ظلما %
فصل رجع الحديث عن دولة المرابطين بالأندلس
وإنما أوردنا هذه النبذة اليسيرة من أخبار المعتمد على الله مع ما تعلق بها وإن كانت مخرجة عن الغرض لندل بها على ما قدمنا من ذكر فضله وغزارة أدبه وإيثاره لذلك وأيضا فليتصل نسق الأخبار عن المملكة أعني مملكة الأندلس إلى المرابطين أصحاب يوسف بن تاشفين ولوجه ثالث وهو أن ما آلت إليه حال المعتمد هذا من الخمول بعد النباهة والضعة بعد الرفعة والقبض بعد البسط من جملة العبر التي أرتناها الأيام والمواعظ التي تصغر الدنيا في عيون أولي الأفهام ثم إن يوسف بن تاشفين استوسق له أمر الأندلس بعد القبض على المعتمد إذ كان هو كبش كتيبتها وعين أعيانها وواسطة نظمها فلم يزل أصحاب يوسف بن تاشفين يطوون تلك الممالك مملكة مملكة إلى أن دانت لهم الجزيرة بأجمعها فأظهروا في أول إمرتهم من النكاية في العدو والدفاع عن المسلمين وحماية الثغور ما صدق بهم الظنون وأثلج الصدور وأقر العيون فزاد حب اهل الأندلس لهم واشتد خوف ملوك الروم منهم ويوسف بن تاشفين في ذلك كله يمدهم في كل ساعة بالجيوش بعد الجيوش والخيل إثر الخيل ويقول في كل مجلس من مجالسه إنما كان غرضنا في ملك هذه الجزيرة أن نستنقذها من أيدي الروم لما رأينا استيلاءهم على أكثرها وغفلة ملوكهم وإهمالهم للغزو وتواكلهم وتخاذلهم وإيثارهم الراحة وإنما همة أحدهم كأس يشربهم وفينة تسمعه ولهو يقطع به أيامه ولئن عشت لأعيدن جميع البلاد التي ملكها الروم في طول هذه الفتنة إلى المسلمين ولا ولأملئها عليهم يعني الروم خيلا ورجالا لا عهد لهم بالدعة ولا علم عندهم برخاء العيش إنما هم أحدهم فرس يروضه ويستفرهه أو سلاح يستجيده أو صريخ يلبي دعوته في أمثال لهذا القول فبلغ ذلك ملوك النصارى فيزداد فرقهم ويقوى مما بأيدي المسلمين بل مما بأيديهم بأسهم وحين ملك يوسف أمير المسلمين جزيرة الأندلس وأطاعته بأسرها ولم يختلف عليه شيء منها عد من يومئذ في جملة الملوك واستحق اسم السلطنة وتسمى هو وأصحابه بالمرابطين وصار هو وابنه معدودين في أكابر الملوك لأن جزيرة الأندلس هي حاضرة المغرب الأقصى وام قراه ومعدن الفضائل منه فعامة الفضلاء من أهل كل شأن منسوبون إليها ومعدودون منها فهي مطلع شموس العلوم وأقمارها ومركز الفضائل وقطب مدارها أعدل الأقاليم هواء وأصفاها جوا وأعذبها ماء وأعطرها نبتا وأنداها ظلالا وأطيبها بكرا مستعذبة وآصالا % ارض يطير فؤادي من قرارته % شوقا لها ولمن فيها من الناس % % قوم جنيت جنى ورد بدكرهم % فهل بلقياهم أجني جنى آس % $ فانقطع إلى أمير المسلمين من الجزيرة من أهل كل علم فحوله حتى أشبهت حضرته حضرة بني بني العباس في صدر دولتهم
أعيان الكتاب في دولة المرابطين
واجتمع له ولابنه من أعيان الكتاب وفرسان البلاغة مالم يتفق اجتماعه في عصر من الأعصار فممن كتب لأمير المسلمين يوسف كاتب المعتمد على الله أبو بكر المعروف بابن القصيرة أحد رجال الفصاحة والحائز قصب السبق في البلاغة كان على طريقة قدماء الكتاب من إيثار جزل الألفاظ وصحيح المعاني من غير التفات إلى الأسجاع التي أحدثها متأخرو الكتاب اللهم إلا ما جاء في رسائله من ذلك عفوا من غير استدعاء رأيت له عن المعتمد رسائل تدل على ما وصفته به ليس على خاطري منها شيء
وزارة ابن عبدون
ثم كتب له أو لابنه بعد أبي بكر هذا الوزير الأجل أبو محمد عبد المجيد ابن عبدون قد تقدم من نعته ما أغنانا عن تكراره ههنا وكان يكتب قبل من كتب له منهما للأمير سير بن أبي بكر بن تاشفين وهو الذي دخل على المعتمد على الله أشبيلية فلم يزل يكتب له إلى أن اتصل بأمير المسلمين باستدعاء منه له فمن رسائله عنه إلى أمير المسلمين رسالة يخبر فيها بفتح مدينة شنترين أعادها الله وكان سير هذا هو الذي تولى فتحها فكتب عنه أبو محمد كتابا أدام الله أمر أمير المسلمين وناصر الدين أبي الحسن علي بن يوسف بن تاشفين خافقة بنصرة الدين أعلامه نافذة في السبعة الأقاليم أقلامه من داخل مدينة شنترين وقد فتحها الله تعالى بحسن سيرتك ويمن نقيبتك على المسلمين والحمد لله رب العالمين حمدا يستغرق الألفاظ الشارحة معناه ويسبق الألحاظ الطامحة أدناه لا يرد وجهه نكوص ولا يحد كنهه تخصيص ولا يجزره بقبض ولا ببسط مثال ولا تخمين ولا تحصره بخط ولا بعقد شمال ولا يمين ولا يسعه أمد يحويه ولا يقطعه أبد يستوفيه ولا يجمعه عدد يحصيه إذا سبقت هواديه لحقت تواليه وعلى محمد عبده وأمين وحيه الصادع بأمره ونهيه نظام الأمة وإمام الأئمة سر آدم من بنيه وفخر العالم ومن فيه صلاة تامة نقضيها وتحية عامة نؤديها ترفض ارفضاض الزهر من كمامه وتنفض انفضاض المسك من ختامه فلقد صدع بتوحيده وجمع على وعده ووعيده وأوضح الحق وجلاه ونصح الخلق وهداه إلا من حقت عليه كلمة العذاب وسبقت له الشقوة في أم الكتاب وأظهر العزيز عزت أسماؤه وجلت كبرياؤه دينه على جميع الأديان على رغم من الصلبان ووقم من الأوثان وأنجز لنا تعالى وعده ونصرنا معه صلى الله عليه وسلم وبعده وجمع في هذه الجزيرة شمل الإسلام بعد انصرامه وانبتاته وقطع غيل الإشراك بعد انتصابه وثباته وأنزل الذين كفروا من أهل الكتاب بأيدينا من صياصيهم نأخذ بأقدامهم ونواصيهم وكانت قلعة شنترين أدام الله أمر أمير المسلمين من أحصن المعاقل للمشركين وأثبت المعاقل على المسلمين فلم نزل بسعيك الذي اقتفيناه وهديك الذي اكتفيناه نخضد شوكتها وننحت أثلتها ونتناولها عللا بعد نهل ونطاولها عجلا في مهل نخرف الحين بعد الحين سراة رجالها ونتطرف المرة بعد المرة حماة أبطالها ونخوض غمار كفاحهم وبحار صفاحهم إلى بسط أشباحهم وقبض أرواحهم ونهدي للقنا وصدورها رءوسهم وإلى لظى وسعيرها نفوسهم وننقلهم من الشفار اليمانية إلى النار الحامية ونرفع بالجد والتشمير حجاب كيدهم الغامض ونضعضع باستخارة القديم القدير هضاب أيدهم الهائض ولما رأينا هذه القلعة الشريفة المناسب في القلاع المنيفة المناصب على البقاع قد استشرى داؤها وأعيا دواؤها استخرنا الله تعالى على صمدها وضرعنا إليه في تسهيل قصدها وسألناه ألا يكلنا إلى نفوسنا وإن كانت في صيانة ديانته مبذولة وعلى المكروه والمحبوب في ذاته محمولة فقصدنا إليها وهجمنا هجوم الردى عليها في وقت انسدت فيه أبواب السبل وأعيت أهلها بحول الله وجوه الحيل والدهر قد كشر عن أنيابه العصل وقام من الوحول والسيول على أثبت رجل فنزلنا بساحة القوم فساء صباحهم ذلك اليوم فلم نزل نصاولهم مصاولة المحتسب المؤتجر ونطاولهم مطاولة المرتقب لأمر الله المنتظر ونشن الغارات على جميع الجهات فترد جيوشنا عليهم خفافا وتصدر إلينا ثقالا فتملأ صدور الأعداء أوجالا وأيدي الأولياء أموالا وأمرنا بإقامة سوق سبيهم وأموالهم على مرأى ومسمع من نسائهم ورجالهم فازدادت ريحهم بذلك ركودا ونارهم خمودا ولما ضمهم لضيق ولاجه الحصار وغشيهم بتفريق أمواجه البوار وأحاط بهم البلاء واستشاط عليهم بغضب الجبار القضاء ولم يكن لليل باسائهم سحر يتأمل ولا لورد ضرائهم صدر يؤمل اختاروا الدنية على المنية ورضوا بالاستسلام للعبودية وإسلام الأهل والذرية والسلامة من مدارج الكفن وموالج الجنن ولو بحريعة الذقن وكان القتل كما قدمنا قد أتى على صيد أعيانهم وصناديد فرسانهم فلم تبق إلا شرذمة قليلة وعصبة ذليلة لا تضر حياتهم موحدا ولا تسر نجاتهم ملحدا نقلناهم من يمين المنون إلى شمال الهون ومن أليم الحصار إلى لئيم الإسار وكانوا سألونا الإبقاء عليهم فأجبناهم بعد أن قدموا من الخضوع صدقة بين يدي نجواهم ووهبنا أولاهم لأخراهم وجعلنا العفو عنهم تطريقا لسواهم ممن يتقيل صنيعهم إذا نحن غدا بإذن الله حاصرناهم وهذه القلعة التي انتهينا إلى قرارها واستولينا على أقطارها أرحب المدن أمدا للعيون وأخصبها بلدا في السنين لا يريمها الخصب ولا يتخطاها ولا يرومها الجدب ولا يتعاطاها فروعها فوق الثريا شامخة وعروقها تحت الثرى راسخة تباهي بأزهارها نجوم السما وتناجي بأسرارها اذن الجوزا مواقع القطار في سواها مغبرة مربدة وهي زاهرة ترف أنداؤها ومطالع الأنوار في حشاها مقشعرة مسودة وهي ناضرة تشف أضواؤها وكانت في الزمن الغابر أعيت على عظيم القياصر فنازلها بأكثر من القطر عددا وحاولها بأوفر من البحر مددا فأبت على طاعته كل الإبا واستعصت على استطاعته أشد الاستعصا ومردت مرود مارد على الزبا فأمكننا الله تعالى من ذروتها وأنزل ركابها لنا عن صهوتها ومن رسائله الإخوانيات رسالة كتب بها إلى أبي عبد الله محمد بن أبي الخصال يخطب مودته ويستدعي من إخائه جدته أنا مع عمادي الأعظم أدام الله علوه كعزيب طواه الجهد وآواه من تهامة وهد وماله بريحها العقيم ولا بحرها المقعد المقيم عهد فرفضت به من سرابها المغرق وشرابها المحرق في حمام فأشرف من ذلك الجحيم وضرمه لولا تنفيس الرحيم عنه بكرمه فوأل إلى ربوة من رباها وسأل جبال فاران عن فهب صباها ليلتقط من أنفاسها بوساطة نجد بردا يهديه إلى حر الوجد فحيته ببليل من نسيمها العليل فأحيته بعد التعليل وأنا ما قصدت فيما خطبت به إليك لآخذ عليك بفضل الابتدا وإنما سلكت سبيل الاقتدا واتبعت دليل الاهتدا وأردت أن أستنير بأضوائك وأستثير من سمائك نجوما تهديني في غسق الظلام أو رجوما تعديني على مسترق سمع الكلام فإن سمح عمادي بالجواب ورجعه غالبت بما حصل منه لدي ووصل إلي الحمام في سجعه والأنصار في حسانها والإعصار في نسيانها وطيئا في وليدها وحبيبها وسعدا في خالدها وشبيبها وخرقت بما أعار من مراح وأثار من ارتياح جيب مخارق طربا ولم أدع لأبي العتاهية في المغرب وخفيفه المطرب أربا وطويت كشحا عن أغاريد عبيد وأضربت صفحا عن أناشيد لبيد وطالبت بلغاء العصر بالمثل المضروب في جمل مصر وقلت هذه القارة فراموها وأنصفوا وهذه الغاية فروموها أو نصفوا وإن كانت تؤمه البواهر ما انحلت في درجي ونجومه الزواهر ما حلت في برجي وإن كفى من جنى ثماره لصفر وإن طرفي من سنا أقمارها لقفر وإني بضنه علي بدرة من بحره أو نفثة من سحره لبين ظنين لم أحصل من تحقيقهما على أثر ولا عين أحدهما قلت إنه أجرى اسمي على خلده فلم يجدني في أنداده ولا بلده فقال وما أنا وفلان وهل هو إلا من الغرب وإن كان بزعمه في الصميم من العرب وهل الغرب في الأقطار إلا كاللحق بين الأسطار والآخر ربما يقول مالا تقبله العقول إني لأنظر من فلان بأحذ من نظر الزرقا إلى أجل من خطر العنقا وينشد قول أبي العلاء بن سليمان شاعر معرة النعمان % أرى العنقاء تكبر أن تصادا % وأنا أقسم بالربيع الممطر وائتلاف أوانهوالبقيع المزهر واختلاف ألوانه والشباب ودولته والمضراب وصولته والمثاني إذا نسقت والقناني وما وسقت وإن أقسمت من بعضها بيمين لا أتلقى رايتها بشمال ولا يمين أن اسمى في البلغاء والفهما كاسم العنقاء في الأسما اسم ما وقع على مسمى ولفظ ما دل على معنى فأين أقع مما تريد وكتابي بين يدي حمدي أو عتابي بريد ينفض تهائم ظنوني أو ينقض تمائم جنوني وله الرأي العالي في الجواب على خطاء كنت من ظني أو صواب إن شاء الله عز وجل ومن سلامي على عمادي الأعظم وإمامي أحفله وأحفده وأجزله وأوفده والسلام الأتم الأعم عليه ورحمة الله وبركاته فراجعه الوزير أبو عبد الله برسالة لم يكتب مثلها في بابها أبدع فيها غاية الإبداع وإن كان فيها بعض تكلف تسمى هذه الرسالة الحولية منعني من إيرادها في هذا المرسوم ما فيها من الطول ولأبي محمد عبد المجيد المذكور إحسان قد اشتهر عندنا بتلك الأقطار شهرة الأمثال وسار ذكره فيها سير الجنوب والشمال واتصلت حال أمير المسلمين يوسف كما ذكرنا في إيثار الغزو وقمع ملوك الروم والحرص على ما يعود بالمصلحة على جزيرة الأندلس إلى أن توفي في شهور سنة 493
ولاية أبي الحسن علي بن يوسف بن تاشفين
وقام بأمره من بعده ابنه علي بن يوسف بن تاشفين وتلقب بلقب أبيه أمير المسلمين وسمى أصحابه المرابطين فجرى على سنن أبيه في إيثار الجهاد وإخافة العدو وحماية البلاد وكان حسن السيرة جيد الطوية نزيه النفس بعيدا عن الظلم كان إلى أن يعد في الزهاد والمتبتلين أقرب منه إلى أن يعد في الملوك والمتغلبين واشتد إيثاره لأهل الفقه والدين وكان لا يقطع أمرا في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء فكان إذا ولى أحدا من قضاته كان فيما يعهد إليه ألا يقطع أمرا ولا يبت حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغا عظيما لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح الأندلس ولم يزل الفقهاء على ذلك وأمور المسلمين راجعة إليهم وأحكامهم صغيرها وكبيرها موقوفة عليهم طول مدته فعظم أمر الفقهاء كما ذكرنا وانصرفت وجوه الناس إليهم فكثرت لذلك أموالهم واتسعت مكاسبهم وفي ذلك يقول أبو جعفر أحمد بن محمد المعروف بأبن البني من أهل مدينة جيان من جزيرة الأندلس % أهل الرياء لبستمو ناموسكم % كالذئب أدلج في الظلام العاتم % % فملكتمو الدنيا بمذهب مالك % وقسمتمو الأموال بابن القاسم % % وركبتمو شهب الدواب بأشهب % وبأصبغ صبغت لكم في العالم % وإنما اعرض أبو جعفر هذا في هذه الأبيات بالقاضي أبي عبد الله محمد بن حمدين قاضي قرطبة وهو كان المقصود بهذه الأبيات ثم هجاه بعد هذا صريحا بأبيات أولها % أدجال هذا أوان الخروج % ويا شمس لوحي من المغرب % % يريد ابن حمدين أن يعتفي % وجدواه أنأى من الكوكب % % إذا سئل العرف حك إسته % ليثبت دعواه في تغلب % في أمثال لهذه الأبيات وكان القاضي أبو عبد الله بن حمدين ينتسب إلى تغلب ابنة وائل ولم يكن يقرب من أمير المسلمين ويحظى عنده إلا من علم علم الفروع أعني فروع مذهب مالك فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها وكثر ذلك حتى نسي النظر في كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن أحد من مشاهير أهل ذلك الزمان يعتني بهما كل الاعتناء ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين تقبيح علم الكلام وكراهة السلف له وهجرهم من ظهر عليه شيء منه وأنه بدعة في الدين وربما أدى أكثره إلا اختلال في العقائد في أشباه لهذه الأقوال حتى استحكم في نفسه بغض علم الكلام وأهله فكان يكتب عنه في كل وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء منه وتوعد من وجد عنده شيء من كتبه ولما دخلت كتب أبي حامد الغزالي رحمه الله المغرب أمر أمير المسلمين بإحراقها وتقدم بالوعيد الشديد من سفك الدم واستئصال المال إلى من وجد عنده شيء منها واشتد الأمر في ذلك