أعيان الكتاب في عهد أبي الحسن
ولم يزل أمير المسلمين من أول إمارته يستدعي أعيان الكتاب من جزيرة الأندلس وصرف عنايته إلى ذلك حتى اجتمع له منهم مالم يجتمع لملك كأبي القاسم ابن الجد المعروف بالأحدب أحد رجال البلاغة وأبي بكر محمد ابن محمد المعروف بابن القبطرنة وأبي عبد الله بن أبي الخصال وأخيه أبي مروان وأبي محمد عبد المجيد بن عبدون المذكور آنفا في جماعة يكثر ذكرهم وكان من أنبههم عنده وأكبرهم مكانة لديه أبو عبد الله محمد بن أبي الخصال وحق له ذلك إذ هو آخر الكتاب وأحد من انتهى إليه علم الآداب وله مع ذلك في علم القرآن والحديث والأثر وما يتعلق بهذه العلوم الباع الأرحب واليد الطولى فمما أختار له رحمه الله فصول من رسالة كتب بها مراجعا لبعض إخوانه عن رسالة وردت عليه منه يستدعي فيها منه شيئا من كلامه وهذا الرجل صاحب الرسالة هو أبو الحسن علي بن بسام صاحب كتاب الذخيرة وصل من السيد المسترق والمالك المستحق وصل الله إنعامه لديه كما قصر الفضل عليه كتابه البليغ واستدراجه المريغ فلولا أن يصلد زند اقتداحه وير قد طرف افتتاحه وتنقبض يد انبساطه وتغبن صفقة اغتباطه للزمت معه مركز قدري وصلت سريرة صدري لكنه بنفثات سحره يسمع الصم ويستنزل العصم ويقتاد الصعب فيصحب ويستدر الصخور فتحلب ولما فجأني ابتداؤه وقرع سمعي نداؤه فرغت إلى الفكر وخفق القلب بين الأمن والحذر فطاردت من الفقر أوابد قفر وشوارد عفر تغبر في وجه سائقها ولا يتوجه اللحاق لوجيهها لاحقها فعلمت أنها الإهابة والمهابة والإصابة والاسترابة حتى أيأستني الخواطر وأخلفتني المواطر إلا زبرجا يعقب جوادا وبهرجا لا يحتمل انتقادا وأني لمثلي والقريحة مرجاة والبضاعة مزجاة ببراعة الخطاب وبزاعة الكتاب ولولا دروس معالم البيان واستيلاء العفاء على هذا الشان لما فاز لمثلي فيه قدح ولا تحصل لي في سوقه ربح لكنه جو خال ومضمار جهال وهي حكمة الله في الخلق وقسمته للرزق وأنا أعزك الله أربأ بقدر الذخيرة عن هذه النتف الأخيرة وأرى أنها قد بلغت مداها واستوفت حلاها وأنا أخشى القدح في اختيارك والإخلال بمختارك وعلى ذلك فوالله ما من عادتي أن اثبت ما أكتب في رسم ينقل ولا في وضع المراتب عندنا مخاطب يتحفز له ويحتفل وإنما هو عفو فكر ويسير ذكر وعذرا أعزك الله فإني خططت ما خططته والنوم مغازل والقر منازل والريح تلعب بالسراج وتصول عليه صولة الحجاج فطورا تسدده سنانا وتارة تحركه لسانا وآونة تطويه حبابة وأخرى تنشره ذؤابة وتقيمه إبرة لهب وتعطفه برة ذهب أو حمة عقرب وتقوسه حاجب فتاة ذات غمزات وتسلطه على سليطه وتزيله عن خليطه وتخلعه نجما وتمده رجما وتسل روحه عن ذباله وتعيده إلى حاله وربما نصبته اذن جواد ومسخته حدق جراد ومشقته حروفا برق بكف ودق ولثمت بسناه قنديله وألقت على أعطافه منديله فلا حظ منه للعين ولا هداية في الطرس لليدين والليل زنجي الأديم تبري النجوم قد جللنا ساجه وأغرقتنا أمواجه فلا مجال للحظ ولا تعارف إلا بلفظ لو نظرت فيه الزرقاء لاكتحلت أو خضبت به الشيبة لما نصلت والكلب قد صافح خيشومه ذنبه وأنكر البيت وطنبه والتوى التواء الحباب واستدار استدارة الحباب وجلده الجليد وصعد أنفاسه الصعيد فحماه مباح ولا هرير ولا نباح والنار كالرحيق أو كالصديق كلاهما عنقاء مغرب أو نجم مغرب استوى الفصل ولك في الإغضاء الفضل والسلام ولأبي عبد الله هذا ديوان رسائل يدور بأيدي أدباء أهل الأندلس قد جعلوه مثالا يحتذونه ونصبوه إماما يقتفونه منعني من إيراد ما أختار له من ذلك خوف الخروج إلى التطويل الممل والإكثار المخل فلم يزل أبو عبد الله هذا وأخوه كاتبين لأمير المسلمين إلى أن أخر أمير المسلمين أبا مروان عن الكتابة لموجدة كانت منه عليه سببها أنه أمره وأخاه أبا عبد الله أن يكتبا عنه إلى جند بلنسية حين تخاذلوا وتواكلوا حتى هزمهم ابن رذمير لعنه الله هزيمة قبيحة وقتل منهم مقتلة عظيمة فكتب أبو عبد الله رسالته المشهورة في ذلك وهي رسالة كاد أهل الأندلس قاطبة أن يحفظوها أحسن فيها ما شاء منعني من إيرادها ما فيها من الطول وكتب أبو مروان رسالة في ذلك الغرض افحش فيها على المرابطين وأغلظ لهم في القول أكثر من الحاجة فمن فصولها قوله اي بني اللئيمة وأعيار الهزيمة إلام يزيفكم الناقد ويردكم الفارس الواحد فليت لكم بارتباط الخيول ضأنا لها حالب قاعد لقد آن أن نوسعكم عقابا وألا تلوثوا على وجه نقابا وأن نعيدكم إلى صحرائكم ونطهر الجزيرة من رحضائكم في أمثال لهذا القول فأحنق ذلك أمير المسلمين وأخره عن كتابته وقال لأبي عبد الله أخيه كنا في شك من بغض أبي مروان المرابطين والآن قد صح عندنا فلما رأى ذلك أبو عبد الله استعفاه فأعفاه ورجع إلى قرطبة بعد ما مات أخوه أبو مروان بمراكش وأقام هو بقرطبة إلى أن استشهد في داره رحمه الله أول الفتنة الكائنة على المرابطين
اختلال أحوال المرابطين
واختلت حال أمير المسلمين رحمه الله بعد الخمسمائة اختلالا شديدا فظهرت في بلاده مناكر كثيرة وذلك لاستيلاء أكابر المرابطين على البلاد ودعواهم الاستبداد وانتهوا في ذلك إلى التصريح فصار كل منهم يصرح بأنه خير من علي أمير المسلمين وأحق بالأمر منه واستولى النساء على الأحوال وأسندت إليهن الأمور وصارت كل امرأة من أكابر لمتونة ومسوفة مشتملة على كل مفسد وشرير وقاطع سبيل وصاحب خمر وماخور وأمير المسلمين في ذلك كله يتزيد تغافله ويقوى ضعفه وقنع باسم إمرة المسلمين وبما يرفع إليه من الخراج وعكف على العبادة والتبتل فكان يقوم الليل ويصوم النهار مشتهرا عنه ذلك وأهمل أمور الرعية غاية الإهمال فاختل لذلك عليه كثير من بلاد الأندلس وكادت تعود إلى حالها الأول لا سيما منذ قامت دعوة ابن تومرت بالسوس
ذكر قيام محمد بن تومرت المتسمي بالمهدي وبدء أمر الموحدين بالمغرب والأندلس
ولما كانت سنة 515 قام بسوس محمد بن عبد الله بن تومرت في صورة آمر بالمعروف ناه عن المنكر ومحمد هذا رجل من أهل سوس مولده بها بضيعة منها تعرف بإيجلي أن وارغن وهو من قبيلة تسمى هرغة من قوم يعرفون بأيرغينن وهم الشرفاء بلسان المصامدة ولمحمد بن تومرت نسبة متصلة بالحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وجدت بخطه وكان قد رحل إلى المشرق في شهور سنة 501 في طلب العلم وانتهى إلى بغداد ولقي أبا بكر الشاشي فأخذ عليه شيئا من أصول الفقه وأصول الدين وسمع الحديث على المبارك بن عبد الجبار ونظرائه من المحدثين وقيل إنه لقي أبا حامد الغزالي بالشام أيام تزهده فالله أعلم وحكى أنه ذكر للغزالي ما فعل أمير المسلمين بكتبه التي وصلت إلى المغرب من إحراقها وإفسادها وابن تومرت حاضر ذلك المجلس فقال الغزالي بلغه ذلك ليذهبن عن قليل ملكه وليقتلن ولده وما أحسب المتولي لذلك إلا حاضرا مجلسنا وكان ابن تومرت يحدث نفسه بالقيام عليهم فقوى طمعه وكر راجعا إلى الأسكندرية فأقام بها يختلف إلى مجلس أبي بكر الطرطوشي الفقيه وجرت له بها وقائع في معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضت إلى أن نفاه متولي الإسكندرية عن البلاد فركب البحر فبلغني أنه استمر على عادته في السفينة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن ألقاه أهل السفينة في البحر فأقام أكثر من نصف يوم يجري في ماء السفينة لم يصبه شيء فلما رأوا ذلك من أمره أنزلوا إليه من أخذه من البحر وعظم في صدورهم ولم يزالوا مكرمين له إلى أن نزل من بلاد المغرب بجاية فأظهر بها تدريس العلم والوعظ واجتمع عليه الناس ومالت إليه القلوب فأمره صاحب بجاية بالخروج عنها حين خاف عاديته فخرج منها متوجها إلى المغرب فنزل بضيعة يقال لها ملالة على فرسخ من بجاية وبها لقيه عبد المؤمن بن علي وهو إذ ذاك متوجه إلى المشرق في طلب العلم فلما رآه محمد بن تومرت عرفه بالعلامات التي كانت عنده وكان ابن تومرت هذا أوحد عصره في علم خط الرمل مع أنه وقع بالمشرق على ملاحم من عمل المنجمين وجفور من بعض خزائن خلفاء بني العباس أوصله إلى ذلك كله فرط اعتنائه بهذا الشأن وما كان يحدث به نفسه وبلغني من طرق صحاح أنه لما نزل ملالة الضيعة التي تقدم ذكرها سمع وهو يقول ملالة ملالة يكررها على لسانه يتأمل أحرفها وذلك لما كان يراه أن أمره يقوم من موضع في اسمه ميم ولا مان فكان كما ذكرنا إذا كررها يقول ليست هي وأقام بهذه الضيعة أشهرا وبها مسجدا يعرف به وهو باق إلى اليوم لا أدري أبني على عهده أو بعده فاستدعى عبد المؤمن وخلا به وسأله عن اسمه واسم أبيه ونسبه فتسمى له وانتسب وسأله عن مقصده فأخبره أنه راحل في طلب العلم إلى المشرق فقال له ابن تومرت أو خير من ذلك قال وما هو قال شرف الدنيا والآخرة تصحبني وتعينني على ما أنا بصدده من إماتة المنكر وإحياء العلم وإخماد البدع فأجابه عبد المؤمن إلى ما أراده وأقام ابن تومرت بملالة أشهرا ثم رحل عنها وصحبه من أهلها رجل اسمه عبد الواحد يعرفه لمصامدة بعبد الواحد الشرقي وهو أول من صحبه بعد عبد المؤمن وخرج متوجها إلى المغرب وقيل إنه إنما لقي عبد المؤمن بموضع يعرف بفنزارة من بلاد متيجة وعبد المؤمن يعلم صبيان القرية المذكورة فسأله ابن تومرت صحبته والقراءة عليه وإعانته بعد أن عرفه بالعلامات كما قد تقدم وبهذه القرية له حكاية طريفة وذلك أنه رأى وهو بها في المنام كأنه يأكل مع أمير المسلمين علي بن يوسف في صحفة واحدة قال ثم زاد أكلي على أكله وأحسست من نفسي شرها إلى الطعام ولم يزل ذلك بي إلى أن اختطفت الصحفة من بين يديه وانفردت بها فلما انتبه قص الرؤيا على رجل كان يقرأ عليه اسمه عبد المنعم بن عشير يكنى أبا محمد كان يقرا عليه فلما أتى على آخرها قال يا بني يا عبد المؤمن هذه الرؤيا لا ينبغي أن تكون لك إنما هي لرجل ثائر يثور على أمير المسلمين فيشاركه في بعض بلاده ثم يغلبه بعد ذلك عليها كلها وينفر بمملكتها واتفق له فيها أيضا من العجائب التي تثبت في باب الكلم الموافقة للقدر أن رجلا من وجوه أصحاب الملك العزيز بن المنصور الصنهاجي صاحب بجاية والقلعة وجد عليه الملك العزيز فاشتد خوفه فهرب منه إلى هذه الضيعة التي كان فيها عبد المؤمن فكان معه بها يعلم الصبيان وانتهت حال ذلك الرجل إلى غاية الإقلال ثم اتفق أن صاحبه رضي عنه فبلغه ذلك فسار إلى بجاية فدخل عليه فسأله أين كنت في هذه الأيام فأخبره بقصته وكيف كان الصبيان يحيونه بالكسر فضحك وقال الضيعة لك وما والاها وأمر له بمال ومركب وثياب فخرج الرجل إلى الضيعة في خيل ورجال معه وخرج إليه أهلها يتلقونه فأتى الصبيان عبد المؤمن وهو قاعد بفناء المسجد فقالوا له أتعرف من هذا الذي اهتزت له هذه الأرض قال لا قالوا هو فلان صاحبك الذي كان يعلمنا معك فقال إن كانت حالة فلان انتهت إلى هذا فلا بد أن أكون أنا غدا أمير المؤمنين فكان الأمر كما قال ووافقت كلمته القدر وخرج ابن تومرت كما ذكرنا متوجها إلى المغرب حتى أتى مدينة تلمسان فأقام بمسجد بظاهرها يعرف بالعباد جاريا على عادته وكان قد وضع له في النفوس هيبة وفي الصدور عظمة فلا يراه أحد إلا هابه وعظم أمره وكان شديد الصمت كثير الانقباض إذا انفصل عن مجلس العلم لا يكاد يتكلم بكلمة أخبرني بعض أشياخ تلمسان عن رجل من الصالحين كان معتكفا معه بمسجد العباد أنه خرج عليهم ذات ليلة بعد ما صلى العتمة فنظر إليهم وقال أين فلان لرجل كان يصحبهم فأخبروه أنه مسجون فقام من وقته ودعا برجل منهم يمشي بين يديه حتى أتى باب المدينة فدق على البواب دقا عنيفا واستفتح فأجابه البواب إلى الفتح بسرعة من غير تلكؤ ولا إبطاء ولو استفتح أمير البلد لتعذر ذلك عليه ودخل حتى أتى السجن فابتدر إليه السجانون والحرس يتمسحون به ونادى يا فلان باسم صاحبهم فأجابه فقال اخرج فخرج والسجانون ينظرون إليه كأنما افرغ عليهم الماء الحار وخرج بصاحبه حتى أتى المسجد وكانت هذه عادته في كل ما يريد لا يتعذر عليه مراد ولا يمتنع عليه مطلوب قد سخرت له الرعية وذللت له الجبابرة ولم يزل مقيما بتلمسان وكل من بها يعظمه من أمير ومأمور إلى أن فصل عنها بعد أن استمال وجوه أهلها وملك قلوبها فخرج قاصدا مدينة فاس فلما وصل إليها أظهر ما كان يظهره وتحدث فيما كان يتحدث فيه من العلم وكان جل ما يدعو إليه علم الإعتقاد على طريق الاشعرية وكان أهل المغرب على ما ذكرنا ينافرون هذه العلوم ويعادون من ظهرت عليه شديدا أمرهم في ذلك فجمع والي المدينة الفقهاء وأحضره معهم فجرت له مناظرة كان له الشفوف فيها والظهور لأنه وجد جوا خاليا وألفى قوما صياما عن جميع العلوم النظرية خلا علم الفروع فلما سمع الفقهاء كلامه اشاروا على والي البلد بإخراجه لئلا يفسد عقول العوام فأمره والي البلد بالخروج فخرج متوجها إلى مراكش
ابن تومرت في حضرة ابن تاشفين
وكتب بخبره إلى أمير المسلمين علي بن يوسف فلما دخلها احضر بين يديه وجمع له الفقهاء للمناظرة فلم يكن فيهم من يعرف ما يقول حاشا رجل من أهل الأندلس اسمه مالك بن وهيب كان قد شارك في جميع العلوم إلا أنه كان لا يظهر إلا ما ينفق في ذلك الزمان وكانت لديه فنون من العلم رأيت له كتابا سماه قراظة الذهب في ذكر لئام العرب ضمنه لئام العرب في الجاهلية والإسلام وضم إلى ذلك ما يتعلق به من الآداب فجاء الكتاب لا نظير له في فنه رأيته في خزانة بني عبد المؤمن ولمالك بن وهيب هذا تحقق بكثير من أجزاء الفلسفة رأيت بخطه كتاب الثمرة لبطليموس في الأحكام وكتاب المجسطي في علم الهيئة وعليه حواش بتقييده أيام قراءته إياه على رجل من أهل قرطبة اسمه حمد الذهبي ولما سمع مالك هذا كلام محمد بن تومرت استشعر حدة نفسه وذكاء خاطره واتساع عبارته فأشار على أمير المسلمين بقتله وقال هذا رجل مفسد لا تؤمن غائلته ولا يسمى كلامه أحد إلا مال إليه وإن وقع هذا في بلاد المصامدة ثار علينا منه شر كثير فتوقف أمير المسلمين في قتله وأبى ذلك على دينه وكان رجلا صالحا مجاب الدعوة يعد في قوام الليل وصوام النهار إلا أنه كان ضعيفا مستضعفا ظهرت في آخر زمانه مناكر كثيرا كثيرة وفواحش شنيعة من استيلاء النساء على الأحوال واستبدادهن بالأمور وكان كل شرير من لص أو قاطع طريق ينتسب إلى امرأة قد جعلها ملجأ له ووزرا على ما تقدم فلما يئس مالك مما أراده من قتل ابن تومرت أشار عليه بسجنه حتى يموت فقال أمير المسلمين علام نأخذ رجلا من المسلمين نسجنه ولم يتعين لنا عليه حق وهل السجن إلا أخو القتل ولكن نأمره أن يخرج عنا من البلد وليتوجه حيث شاء فخرج هو وأصحابه متوجها إلى سوس فنزل بموضع منها يعرف بتينمل
بدء دعوة الموحدين
من هذا الموضع قامت دعوته وبه قبره ولما نزله اجتمع إليه وجوه المصامدة فشرع في تدريس العلم والدعاء إلى الخير من غير أن يظهر إمرة ولا طلبة ملك وألف لهم عقيدة بلسانهم وكان أفصح أهل زمانه في ذلك اللسان فلما فهموا معاني تلك العقيدة زاد تعظيمهم له وأشربت قلوبهم محبته وأجسامهم طاعته فلما استوثق منهم دعاهم إلى القيام معه أولا على صورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا غير ونهاهم عن سفك الدماء ولم يأذن لهم فيها وأقاموا على ذلك مدة وأمر رجالا منهم ممن استصلح عقولهم بنصب الدعوة واستمالة رؤساء القبائل وجعل يذكر المهدي ويشوق إليه وجمع الأحاديث التي جاءت فيه من المصنفات فلما قرر في نفوسهم فضيلة المهدي ونسبه ونعته ادعى ذلك لنفسه وقال أنا محمد بن عبد الله ورفع نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصرح بدعوى العصمة لنفسه وأنه المهدي المعصوم وروى في ذلك أحاديث كثيرة حتى استقر عندهم أنه المهدي وبسط يده فبايعوه على ذلك وقال أبايعكم على ما بايع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صنف لهم تصانيف في العلم منها كتاب سماه أعز ما يطلب وعقائد في أصول الدين وكان على مذهب أبي الحسن الأشعري في أكثر المسائل إلا في إثبات الصفات فإنه وافق المعتزلة في نفيها وفي مسائل قليلة غيرها وكان يبطن شيئا من التشيع غير أنه لم يظهر منه إلى العامة شيء
طبقات الموحدين
وصنف أصحابه طبقات فجعل منهم العشرة وهم المهاجرون الأولون الذين أسرعوا إلى إجابته وهم المسمون بالجماعة وجعل منهم الخمسين وهم الطبقة الثانية وهذه الطبقات لا تجمعها قبيلة واحدة بل هم من قبائل شتى وكان يسميهم المؤمنين ويقول لهم ما على وجه الأرض من يؤمن إيمانكم وأنتم العصابة المعنيون بقوله عليه الصلاة والسلام لا تزال طائفة بالمغرب ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وأنتم الذين يفتح الله بكم فارس والروم ويقتل الدجال ومنكم الأمير الذي يصلي بعيسى بن مريم ولا يزال الأمر فيكم إلى قيام الساعة هذا مع جزئيات كان يخبرهم بها وقع أكثرها وكان يقول لو شئت أن أعد خلفاءكم خليفة خليفة فزادت فتنة القوم به وأظهروا له شدة الطاعة وقد نظم هذا الذي وصفناه من قول ابن تومرت في تخليد هذا الأمر رجل من أهل الجزائر مدينة من أعمال بجاية وفد على أمير المؤمنين أبي يعقوب وهو بتنيمل فقام على قبر ابن تومرت بمحضر من الموحدين وأنشد قصيدة أولها % سلام على قبر الإمام الممجد % سلالة خير العالمين محمد % % ومشبهه في خلقه ثم في اسمه % وفي اسم أبيه والقضاء المسدد % % ومحيي علوم الدين بعد مماتها % ومظهر أسرار الكتاب المسدد % % أتتنا به البشرى بأن يملأ الدنا % بقسط وعدل في الأنام مخلد % % ويفتتح الأمصار شرقا ومغربا % ويملك عربا من مغير ومنجد % % فمن وصفه أقنى وأجلى وأنه % علاماته خمس تبين لمهتدي % % زمان وإسم والمكان ونسبة % وفعل له في عصمة وتأيد % % ويلبث سبعا أو فتسعا يعيشها % كذا جاء في نص من النقل مسند % % فقد عاش تسعا مثل قول نبينا % فذلكم المهدي بالله يهتدي % % وتتبعه للنصر طائفة الهدى % فأكرم بهم إخوان ذي الصدق أحمد % % هي الثلة المذكور في الذكر أمرها % وطائفة المهدي بالحق تهتدي % % ويقدمها المنصور والناصر الذي % له النصر حزب إذ يروح ويغتدي % % هو المنتقي من قيس عيلان مفخرا % ومن مرة أهل الجلال الموطد % % خليفة مهدي الإله وسيفه % ومن قد غدا بالعلم والحلم مرتدي % % بهم يقمع الله الجبابرة الأولى % يصدون عن حكم من الحق مرشد % ويقطع أيام الجبابرة التي % أبادت من الإسلام كل مشيد % % فيغزون أعراب الجزيرة عنوة % ويعرون منها فارسا وكأن قد % % ويفتتحون الروم فتح غنيمة % ويقتسمون المال بالترس عن يد % % ويغدون للدجال يغزونه ضحا % يذيقونه حد الحسام المهند % % ويقتله في باب لد وتنجلي % شكوك أمالت قلب من لم يوحد % % وينزل عيسى فيهم وأميرهم % إمام فيدعوهم لمحراب مسجد % % يصلي بهم ذاك الأمير صلاتهم % بتقديم عيسى المصطفى عن تعمد % % فيمسح بالكفين منه وجوههم % ويخبرهم حقا بعز مجدد % % وما إن يزال الأمر فيه وفيهم % إلى آخر الدهر الطويل المسرمد % % فأبلغ أمير المؤمنين تحية % على النأي مني والوداد المؤكد % % عليه سلام الله ماذر شارق % وما صدر الوراد عن ورد مورد % وقد قيل إن منشئ هذه القصيدة لم يحضر ذلك المشهد ولم ينشدها بنفسه منعته عن ذلك الكبرة وبعد الشقة وإنما أرسل بها فأنشدت على قبر الإمام وكان عمله إياها وعبد المؤمن حي فالله أعلم وهي طويلة هذا ما اخترت له منها ولم اوردها في هذا الموضع لأنها من مختار الشعر ولكن لموافقتها الفصل الذي قبلها ولم تزل طاعة المصامدة لابن تومرت تكثر وفتنتهم به تشتد وتعظيمهم له يتأكد إلى أن بلغوا في ذلك الحد إلى حد لو أمر أحدهم بقتل أبيه أو أخيه أو ابنه لبادر إلى ذلك من غير إبطاء وأعانهم على ذلك وهونه عليهم ما في طباعهم من خفة سفك الدماء عليهم وهذا أمر جبلت عليه فطرهم واقتضاه ميل إقليمهم حكى أبو عبيد البكري الأندلسي ثم القرطبي في كتابه الموسوم ب المسالك والممالك عن رجال قال أهديت إلى الإسكندر فرس ببعض بلاد الغرب لم تلد الخيل أسبق منها لم يكن فيها عيب إلا أنها لم يسمع لها صهيل قط فلما حل الإسكندر في تطوافه بجبال درن وهي بلاد المصامدة وشربت تلك الفرس من مياهها صهلت صهلة اصطكت منها الجبال فكتب الإسكندر إلى الحكيم يخبره بذلك فكتب إليه أنها بلاد شر وقسوة فعجل الخروج منها فهذه حال بلاد القوم وأما خفه سفك الدماء عليهم فقد شهدت أنا منه أيام كوني بسوس ما قضيت منه العجب
الحرب بين المرابطين والموحدين
ولما كانت سنة 517 جهز جيشا عظيما من المصامدة جلهم من أهل تينمل مع من انضاف إليهم من أهل سوس وقال لهم اقصدوا هؤلاء المارقين المبدلين الذين تسموا بالمرابطين فادعوهم إلى أماتة المنكر وإحياء المعروف وإزالة البدع والإقرار بالإمام المهدي المعصوم فإن أجابوكم فهم إخوانكم لكم مالهم وعليهم ما عليكم وإن لم يفعلوا فقاتلوهم فقد اباحت لكم السنة قتالهم وأمر على الجيش عبد المؤمن بن علي وقال أنتم المؤمنون وهذا أميركم فاستحق عبد المؤمن من يومئذ اسم إمرة المؤمنين وخرجوا قاصدين مدينة مراكش فلقيهم المرابطون قريبا منها بموضع يدعى البحيرة بجيش ضخم من سراة لمتونة أميرهم الزبير بن علي بن يوسف ابن تاشفين فلما تراءى الجمعان أرسل إليهم المصامدة يدعونهم إلى ما أمرهم به ابن تومرت فردوا عليهم أسوأ رد وكتب عبد المؤمن إلى أمير المسلمين علي ابن يوسف بما عهد إليه محمد بن تومرت فرد عليه أمير المسلمين يحذره عاقبة مفارقة الجماعة ويذكره الله في سفك الدماء وإثاره الفتنة فلم يردع ذلك عبد المؤمن بل زاده طمعا في المرابطين وحقق عنده ضعفهم فالتقت الفئتان فانهزم المصامدة وقتل منهم خلق كثير ونجا عبد المؤمن في نفر من أصحابه فلما جاء الخبر لابن تومرت قال أليس قد نجا عبد المؤمن قالوا نعم قال لم يفقد أحد ولما رجع القوم إلى ابن تومرت جعل يهون عليهم أمر الهزيمة ويقرر عندهم أن قتلاءهم شهداء لأنهم ذابون عن دين الله مظهرون للسنة فزادهم ذلك بصيرة في أمرهم وحرصا على لقاء عدوهم ومن حينئذ جعل المصامدة يشنون الغارات على نواحي مراكش ويقطعون عنها مواد المعايش وموصول المرافق ويقتلون ويسبون ولا يبقون على أحد ممن قدروا عليه وكثر الداخلون في طاعتهم والمنحاشون إليهم وابن تومرت في ذلك كله يكثر التزهد والتقلل ويظهر التشبه بالصالحين والتشدد في إقامة الحدود جاريا في ذلك على السنة الأولى أخبرني من رآه ممن أثق إليه يضرب الناس على الخمر بالأكمام والنعال وعسب النخل متشبها في ذلك بالصحابة ولقد أخبرني بعض من شهده وقد أتى برجل سكران فأمر بحدة فقال رجل من وجوه أصحابه يسمى يوسف بن سليمان لو شددنا عليه حتى يخبرنا من أين شربها لنحسم هذه العلة من أصلها فأعرض عنه ثم أعاد عليه الحديث فأعرض عنه فلما كان في الثالثة قال له أرأيت لو قال لنا شربتها في دار يوسف بن سليمان ما نحن صانعون فاستحيا الرجل وسكت ثم كشف على الأمر فإذا عبيد ذلك الرجل سقوه فكان هذا من جملة ما زادهم به فتنة وتعظيما إلى أشياء كان يخبر بها فتقع كما يخبر ولم يزل كذلك وأحواله صالحة وأصحابه ظاهرون وأحوال المرابطين المذكورين تختل وانتقاض دولتهم يتزيد إلى أن توفي ابن تومرت المذكور في شهور سنة 524 بعد أن أسس الأمور وأحكم التدبير ورسم لهم ما هم فاعلوه
ذكر ولاية عبد المؤمن
ثم قام بالأمر من بعده عبد المؤمن بن علي وبايعه المصامدة واتفقت على تقديمه الجماعة وكان الذين سعوا في تقديمه وهيئوا ذلك له ثلاثة وهم من أهل الجماعة عمر بن عبد الله الصنهاجي المعروف عندهم بعمر أزناج وعمر ابن ومزال الذي كان اسمه قبل هذا فصكة فسماه ابن تومرت عمر يعرفونه بعمر إينتي وعبد الله بن سليمان من أهل تينمل من قبيلة يقال لها مسكالة ووافقهم على ذلك سائر أهل الجماعة وأهل خمسين وباقي الموحدين
وصية ابن تومرت
وذلك أن ابن تومرت قبل موته بأيام يسيرة استدعى هؤلاء المسمين بالجماعة وأهل خمسين وهم كما ذكرنا من قبائل مفترقة لا يجمعهم إلا اسم المصامدة فلما حضروا بين يديه قام وكان متكئا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على محمد نبيه صلى الله عليه وسلم ثم أنشأ يترضى عن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم ويذكر ما كانوا عليه من الثبات في دينهم والعزيمة في أمرهم وأن أحدهم كان لا تأخذه في الله لومة لائم وذكر من حد عمر رضي الله عنه ابنه في الخمر وتصميمه على الحق في أشباه لهذه الفصول ثم قال فانقرضت هذه العصابة نضر الله وجوهها وشكر لها سعيها وجزاها خيرا عن أمة نبيها وخبطت الناس فتنة تركت الحليم حيران والعالم متجاهلا مداهنا فلم ينتفع العلماء بعلمهم بل قصدوا به الملوك واجتلبوا به الدنيا وأمالوا وجوه الناس إليهم في أشباه لهذا القول إلى هلم جرا ثم إن الله سبحانه وله الحمد من عليكم أيتها الطائفة بتأييده وخصكم من بين أهل هذا العصر بحقيقة توحيده وقيض لكم من ألفاكم ضلالا لا تهتدون وعميا لا تبصرون لا تعرفون معروفا ولا تنكرون منكرا قد فشت فيكم البدع واستهوتكم الأباطيل وزين لكم الشيطان أضاليل وترهات أنزه لساني عن النصق بها وأربأ بلفظي عن ذكرها فهداكم الله به بعد الضلالة وبصركم بعد العمى وجمعكم بعد الفرقة وأعزكم بعد الذلة ورفع عنكم سلطان هؤلاء المارقين وسيورثكم أرضهم وديارهم ذلك بما كسبته أيديهم وأضمرته قلوبهم وما ربك بظلام للعبيد فجددوا لله سبحانه خالص نياتكم وأروه من الشكر قولا وفعلا ما يزكي به سعيكم ويتقبل أعمالكم وينشر أمركم واحذروا الفرقة واختلاف الكلمة وشتات الآراء وكونوا يدا واحدة على عدوكم فإنكم إن فعلتم ذلك هابكم الناس وأسرعوا إلى طاعتكم وكثر أتباعكم وأظهر الله الحق على أيديكم وإلا تفعلوا شملكم الذل وعمكم الصغار واحتقرتكم العامة فخطفتكم الخاصة وعليكم في جميع أموركم بمزج الرأفة بالغلظة واللين بالعنف واعلموا مع هذا أنه لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا على الذي صلح عليه أمر أولها وقد اخترنا لكم رجلا منكم وجعلناه أميرا عليكم هذا بعد أن بلوناه في جميع أحواله من ليله ونهاره ومدخله ومخرجه واختبرنا سريرته وعلانيته فرأيناه في ذلك كله ثبتا في دينه متبصرا في أمره وإني لأرجو ألا يخلف الظن فيه وهذا المشار إليه هو عبد المؤمن فاسمعوا له وأطيعوا ما دام سامعا مطيعا لربه فإن بدل أو نكص على عقبه أو ارتاب في أمره ففي الموحدين أعزهم الله بركة وخير كثير والأمر أمر الله يقلده من شاء من عباده فبايع القوم عبد المؤمن ودعا لهم ابن تومرت ومسح وجوههم وصدورهم واحدا واحدا فهذا سبب إمرة عبد المؤمن رحمه الله ثم توفي ابن تومرت بعد عهده بيسير واجتمع أمر المصامدة على عبد المؤمن
فصل حياة عبد المؤمن وأعماله وعماله
وعبد المؤمن هذا هو عبد المؤمن بن علي بن علوي الكومي أمه حرة كومية أيضا من قوم يقال لها بنو مجبر مولده بضيعة من أعمال تلمسان تعرف بتاجرا وقيل إنه كان يقول إذا ذكر كومية لست منهم وإنما نحن لقيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ولكومية علينا حق الولادة بينهم والمنشأ فيهم وهم الأخوال وهكذا أدركت من أدركت من أولاده وأولاد أولاده ينتسبون لقيس عيلان بن مضر وبهذا استجاز الخطباء أن يقولوا إذا ذكروه بعد ابن تومرت قسيمه رضي الله عنه في النسب الكريم كان مولده في آخر سنة 487 في أيام يوسف بن تاشفين وكانت وفاته في شهر جمادى الآخرة سنة 558 ومدة ولايته من حين استوسق له الأمر بموت علي بن يوسف أمير المسلمين في سنة 37 على التحقيق إحدى وعشرين سنة إلى ان توفي في التاريخ المذكور وكان أبيض ذا جسم عمم تعلوه حمرة شديد سواد الشعر معتدل القامة وضيء الوجه جهوري الصوت فصيح الألفاظ جزل المنطق وكان محببا إلى النفوس لا يراه أحد إلا أحبه بديهة وبلغني أن ابن تومرت كان ينشد كلما رآه % تكاملت فيك أخلاق خصصت بها % فكلنا بك مسرور ومغتبط % % فالسن ضاحكة والكف مانحة % والصدر منشرح والوجه منبسط %
أولاده
وكان له من الولد ستة عشر ذكرا وهم محمد وهو أكبر ولده وولي عهده وهو الذي خلع وعلي وعمر ويوسف وعثمان وسليمان ويحيى وإسماعيل والحسن والحسين وعبد الله وعبد الرحمن وعيسى وموسى وإبراهيم ويعقوب
وزراؤه
وزر له في أول الأمر أبو حفص عمر أزناج إلى ان استقر الأمر واستقل عبد المؤمن فأجلى أبا حفص هذا عن الوزارة وربأ بقدره عنها إذ كان عندهم فوق ذلك واستوزر أبا جعفر أحمد بن عطية فجمع بين الوزارة والكتابة فهو معدود في الكتاب والوزراء فلم يزل عبد المؤمن بجمعهما له إلى أن افتتحوا بجاية فاستكتب عبد المؤمن من أهلها رجلا من نبهاء الكتاب يقال له أبو القاسم القالمي وسيأتي ذكره في كتابه واستمرت وزارة أبي جعفر إلى أن قتله عبد المؤمن في شهور سنة 53 واستصفى أمواله ثم وزر له عبد السلام الكومي وكان يدعى المقرب لشدة تقريب عبد المؤمن إياه فاستمرت وزارة عبد السلام هذا إلى أن أرسل إليه عبد المؤمن من قتله خنقا في شهور سنة 557 ثم وزر له ابنه عمر إلى أن توفي عبد المؤمن
كتابه
أبو جعفر أحمد بن عطية المذكور في الوزراء كان قبل اتصاله بعبد المؤرن وفي الدولة اللمتونية يكتب لعلي بن يوسف في آخر أيامه وكتب عن تاشفين بن علي بن يوسف فلما انقرض أمرهم هرب وغير هيئته وتشبه بالجند وكان محسنا للرمي وكان في الجند الذين خرجوا إلى سوس لقتال ثائر قام هناك كان الأمير على هذا الجند أبو حفص عمر إينتي المتقدم الذكر في أهل الجماعة فلما انهزم أصحاب ذلك الثائر وقتل هو وانفضت تلك الجموع طلب أبو حفص من يكتب عنه صورة هذه الكائنة إلى الموحدين الذين بمراكش فدل على أبي جعفر هذا ونبه على مكانه فاستدعاه وكتب عنه إلى الموحدين رسالة في شرح الحال أجاد في أكثرها ما شاء منعني من رسمها في هذا الموضع ما فيها من الطول فلما بلغت الرسالة عبد المؤمن استحسنها واستدعى أبا جعفر هذا واستكتبه وزاده إلى الكتابة الوزارة لما رآه من شجاعة قلبه وحصافة عقله فلم يزل وزيره كما ذكرنا إلى أن قتله في التاريخ الذي ذكر وكان سبب قتله فيما بلغني أنه كانت عنده بنت أبي بكر بن يوسف بن تاشفين التي تعرف ببنت الصحراوية وأخوها يحيى فارس المرابطين المشهور عندهم يعرف أيضا بيحيى ابن الصحراوية فحظي يحيى هذا عند الموحدين وقودوه على من وحد من لمتونة ولم يزل وجيها عندهم مكرما لديهم وكان خليقا بذلك إلى أن نقلت عنه إلى عبد المؤمن أشياء كان يفعلها وأقوال كان يقولها أحنقته عليه فتحدث عبد المؤمن ببعض ذلك في مجلسه وربما هم بالقبض على يحيى هذا فرأى الوزير أبو جعفر أن يجمع بين المصلحتين من نصح أميره وتحذير صهره فقال لأمرأته أخت يحيى المذكور قولي لأخيك يتحفظ وإذا دعوناه غدا فليعتل ويظهر المرض وإن قدر على الهروب واللحاق بجزيرة ميرقة فليفعل فأخبرته أخته بذلك فتمارض وأظهر أن ألما به فزاره وجوه أصحابه وسألوه عن علته فأسر إلى بعضهم ممن كان يثق به ما بلغه عن الوزير تخرج ذلك الرجل الذي أسر إليه فنقل ذلك كله بحملته إلى رجل من ولد عبد المؤمن فكان هذا هو السبب الأكبرفي قتل أبي جعفر المذكور وأمر أمير المؤمنين عبد المؤمن بتقييد يحيى المذكور وسجنه فكان في سجنه إلى أن مات ثم كتب له بعد أبي جعفر هذا أبو القاسم عبد الرحمن القالمي من أهل مدينة بجاية من ضيعة من أعمالها تعرف بقالم وكتب له معه أبو محمد عياش ابن عبد الملك بن عياش من أهل مدينة قرطبة
قضاته
أبو محمد عبد الله بن جبل من أهل مدينة وهران من أعمال تلمسان ثم عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بالمالقي لم يزل قاضيا له إلى أن توفي عبد المؤمن وصدرا من خلافة أبي يعقوب
رجع الحديث إلى أخبار عبد المؤمن
وكان عبد المؤمن مؤثرا لأهل العلم محبا لهم محسنا إليهم يستدعيهم من البلاد إلى الكون عنده والجوار بحضرته ويجري عليهم الأرزاق الواسعة ويظهر التنويه بهم والإعظام لهم وقسم الطلبة طائفتين طلبة الموحدين وطلبة الحضر هذا بعد أن تسمى المصامدة بالموحدين لتسمية ابن تومرت لهم بذلك لأجل خوضهم في علم الإعتقاد الذي لم يكن أحد من أهل ذلك الزمان في تلك الجهة يخوض في شيء منه وكان عبد المؤمن في نفسه سري الهمة نزيه النفس شديد الملوكية كأنه كان ورثها كابرا عن كابر لا يرضى إلا بمعالي الأمور أخبرني الفقيه المتفنن أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أبي جعفر الوزير عن أبيه عن جده الوزير أبي جعفر قال دخلت على عبد المؤمن وهو في بستان له قد أينعت ثماره وتفتحت أزهاره وتجاوبت على أغصانها أطياره وتكامل من كل جهة حسنه وهو قاعد في قبة مشرفة على البستان فسلمت وجلست وجعلت أنظر يمنة وشأمة متعجبا مما أرى من حسن ذلك البستان فقال لي يا أبا جعفر أراك كثير النظر إلى هذا البستان قلت يطيل الله بقاء أمير المؤمنين والله إن هذا لمنظر حسن فقال يا أبا جعفر المنظر الحسن هذا قلت نعم فسكت عني فلما كان بعد يومين أو ثلاثة أمر بعرض العسكر آخذي أسلحتهم وجلس في مكان مطل وجعلت العسكر تمر عليه قبيلة بعد قبيلة وكتيبة إثر كتيبة لا تمر كتيبة إلا والتي بعدها أحسن منها جودة سلاح وفراهة خيل وظهور قوة فلما رأى ذلك التفت إلي وقال يا أبا جعفر هذا هو المنظر الحسن لاثمارك وأشجارك ولم يزل عبد المؤمن بعد وفاة ابن تومرت يطوي الممالك مملكة مملكة ويدوخ البلاد إلى أن ذلت له البلاد وأطاعته العباد
نهاية المرابطين وآخر من ولي الأمر منهم
وكان آخر ما استولى عليه من البلاد التي يملكها المرابطون مدينة مراكش دار ملك أمير المسلمين وناصر الدين علي بن يوسف بن تاشفين وهذا بعد وفاة أمير المسلمين المذكور حتف أنفه في شهور سنة 537 وكان قد عهد في حياته إلى ابنه تاشفين فعاقته الفتنة عن تمام أمره ولم يتفق له ما أمله من استقلال ابنه تاشفين المذكور بشيء من الأمور وخرج تاشفين بعد وفاة أبيه قاصدا تلمسان فلم يتفق له من أهلها ما يريد فقصد مدينة وهران وهي على ثلاث مراحل من تلمسان فحاصره الموحدون بها فلما اشتد عليه الحصار خرج راكبا فرسا شهباء عليه سلاحه فاقتحم البحر حتى هلك ويقال إنهم أخرجوه من البحر وصلبوه ثم أحرقوه فالله أعلم بصحة ذلك فكانت ولاية تاشفين هذا من يوم وفاة أبيه إلى أن قتل كما ذكرنا بمدينة وهران ثلاثة أعوام إلا شهرين وكان قتله سنة 540 وكان طول هذه الولاية لا يستقر به قرار ولا تستقيم له حال تنبو به البلاد وتتنكر له الرعية فلم تزل هذه حاله إلى أن كان من أمره ما ذكر وبعد دخول عبد المؤمن رحمه الله مراكش طلب قبر أمير المسلمين وبحث عنه عبد المؤمن أشد البحث فأخفاه الله وستره بعد وفاته كما ستره في أيام حياته وتلك عادة الله الحسنى مع الصالحين المصلحين وانقطعت الدعوة بالمغرب لبني العباس بموت أمير المسلمين وابنه فلم يذكروا على منبر من منابرها إلى الآن خلا أعوام يسيرة بأفريقية كان قد ملكها يحيى بن غانية الثائر من جزيرة ميرقة على ما سيأتي بيانه وكانت مدة المرابطين من حين نزولهم رحبة مراكش إلى أن انقرض ملكهم جملة واحدة بموت أمير المسلمين وابنه نحوا من ست وسبعين سنة
تغلب عبد المؤمن على بجاية وقلعة بني حماد
ولما دان لعبد المؤمن جميع أقطار المغرب الأقصى مما كان يملكه المرابطون على ما قدمنا وأطاعه أهلها جمع جموعا عظيمة وخرج من مراكش يقصد مملكة يحيى بن العزيز بن المنصور بن المنتصر الصنهاجي وكان يملك بجاية وأعمالها إلى موضع يعرف بسيوسيرات وهذا الموضع هو الحد فيما بينه وبين لمتمونة فقصده عبد المؤمن كما ذكرنا في شهور سنة 540 فحاصر عبد المؤمن بجاية وضيق عليها أشد التضييق فلما رأى يحيى ابن العزيز أن لا طاقة له بدفاع القوم ولا يدان بمنعهم هرب في البحر حتى أتى مدينة بونة وهي أول حد بلاد أفريقية ثم خرج منها حتى أتى قسطنطينة المغرب فأرسل إليه عبد المؤمن رحمه الله بالجيوش فاستنزل وأتى به عبد المؤمن هذا بعد أن عاهد عبد المؤمن أن يؤمن يحيى في نفسه وأهله ودخل عبد المؤمن بجاية وملكها وملك قلعة بني حماد وهي معقل صنهاجة الأعظم وحرزهم الأمنع فيها نشأ ملكهم ومنها انبعث أمرهم وكان يحيى هذا وأبوه العزيز وجداه المنصور والمنتصر وجدهم الأكبر حماد من شيعة بني عبيد وأتباعهم والقائمين بدعوتهم ومن بلادهم أعني صنهاجة قامت دعوة بني عبيد وهم الذين أظهروها ونشروها ونصروها فلم يزل ملك بني حماد هؤلاء مستمرا ودولتهم قائمة وأمرهم نافذا لا ينازعهم أحد شيئا مما في أيديهم إلى أن أخرجهم من ذلك كله وملكه بأسره وضمه إلى مملكته أبو محمد عبد المؤمن بن علي في التاريخ الذي تقدم ولما ملك عبد المؤمن بجاية والقلعة وأعمالها رتب من الموحدين من يقوم بحماية تلك البلاد والدفاع عنها واستعمل عليها ابنه عبد الله وكر راجعا إلى مراكش ومعه وفي جنده يحيى بن العزيز ملك صنهاجة وأعيان دولته فحين وصلوا إلى مراكش أمر لهم بالمنازل المتسعة والمراكب النبيلة والكسي الفاخرة والأموال الوافرة وخص يحيى من ذلك بأجزله وأسناه وأحفله ونال يحيى هذا عنده رتبة عالية وجاها ضخما وأظهر عبد المؤمن عناية به لا مزيد عليها بلغني من طرق عدة أن يحيى بن العزيز كان في مجلس عبد المؤمن يوما فذكروا تعذر الصرف فقال يحيى أما أنا فعلي من هذا كلفة شديدة وعبيدي في كل يوم يشكون إلي ما يلقون من ذلك ويذكرون أن أكثر حوائجهم تتعذر لقلة الصرف وذلك أن عادتهم في بلاد المغرب أنهم يضربون أنصاف الدراهم وأرباعها وأثمانها والخراريب فيستريح الناس في هذا وتجري هذه الصروف في أيديهم فتتسع بياعاتهم فلما قام يحيى بن العزيز من ذلك المجلس أتبعه عبد المؤمن ثلاثة أكياس صروف كلها وقال لرسوله قل له لا يتعذر عليك مطلوب ما دمت بحضرتنا إن شاء الله عز وجل واقام عبد المؤمن رحمه الله بمراكش مرتبا للأمور المختصة بالمملكة من بناء دور واتخاذ قصور وإعداد سلاح واستنزال مستعص وتأمين سبل وإحسان إلى رعية وما هذا سبيله
فصل أحوال الأندلس بعد سقوط دولة المرابطين
فأما أحوال جزيرة الأندلس فإنه لما كان آخر دولة أمير المسلمين أبي الحسن علي بن يوسف اختلت أحوالها اختلالا مفرطا أوجب ذلك تخاذل المرابطين وتواكلهم وميلهم إلى الدعة وإيثارهم الراحة وطاعتهم النساء فهانوا على أهل الجزيرة وقلوا في أعينهم واجترأ عليهم العدو واستولى النصارى على كثير من الثغور المجاورة لبلادهم وكان أيضا من أسباب ما ذكرناه من اختلالها قيام ابن تومرت بسوس واشتغال علي بن يوسف به عن مراعاة أحوال الجزيرة ولما رأى أعيان بلاد تلك الجزيرة ما ذكرناه من ضعف أحوال المرابطين اخرجوا من كان عندهم من الولاة واستبد كل منهم بضبط بلده وكادت الأندلس تعود إلى سيرتها الأولى بعد انقطاع دولة بني أمية فأما بلاد أفراغة فاستولى عليها ملك ارغن لعنه الله وملك مع ذلك سرقسطة أعادها الله للمسلمين وكثيرا من أعمال تلك الجهات واتفق أمر أهل بلنسية ومرسية وجميع شرق الأندلس على تقديم رجل من أعيان الجند اسمه عبد الرحمن بن عياض وكان عبد الرحمن هذا من صلحاء أمة محمد وخيارهم بلغني عن غير واحد من أصحابه أنه كان مجاب الدعوة ومن عجائب أمره أنه كان أرق الناس قلبا وأسرعهم دمعة فإذا ركب وأخذ سلاحه لا يقوم له أحد ولا يستطيع لقاءه بطل كان النصارى يعدونه وحده بمائة فارس إذا رأوا رايته قالوا هذا ابن عياض هذه مائة فارس فحمى الله تلك الجهات ودفع عنها العدو ببركة هذا الرجل الصالح وانتشر له من الهيبة في صدور النصارى ما ردهم عن البلاد وأقام ابن عياض هذا بشرقي الأندلس يحفظ تلك البلاد ويذود عنها إلى أن توفي رحمه الله ونضر وجهه وشكر له سعيه لا أتحقق تاريخ وفاته وقام بأمر تلك الجهات بعده رجل اسمه محمد بن سعد المعروف عندهم بابن مردنيش كان محمد هذا خادما لابن عياض يحمل له السلاح ويتصرف بين يديه في حوائجه فلما حضرته الوفاة اجتمع إليه الجند وأعيان البلاد فقالوا له إلى من تسند أمورنا وبمن تشير علينا وكان له ولد فأشاروا به عليه فقال إنه لا يصلح لأني سمعت أنه يشرب الخمر ويغفل عن الصلاة فإن كان ولا بد فقدموا عليكم هذا وأشار إلى محمد بن سعد فإنه ظاهر النجدة كثير الغناء ولعل الله أن ينفع به المسلمين فاستمرت ولاية ابن سعد على البلاد إلى أن مات في شهور سنة 568 وأما أهل المرية فأخرجوا من كان عندهم أيضا من المرابطين واختلفوا فيمن يقدمونه على أنفسهم فندبوا إليها القائد أبا عبد الله بن ميمون ولم يكن منهم إنما هو من أهل مدينة دانية فأبى عليهم وقال إنما أنا رجل منكم ووظيفتي البحر وبه عرفت فكل عدو جاءكم من جهة البحر فأنا لكم به فقدموا على أنفسكم من شئتم غيري فقدموا على أنفسهم رجلا منهم اسمه عبد الله بن محمد يعرف بابن الرميمي فلم يزل عليها إلى أن دخلها عليه النصارى من البر والبحر فقتلوا أهلها وسبوا نساءهم وبنيهم وانتهبوا أموالهم في خير يطول ذكره وملك جيان وأعمالها إلى حصن شقورة وما والى تلك الثغور رجل اسمه عبد الله لا أعرف اسم أبيه هو معروف عندهم بابن همشك وربما ملك عبد الله هذا قرطبة أياما يسيرة واقامت على طاعة المرابطين أغرناطة وأشبيلية فهذه جملة أحوال الأندلس في آخر دعوة المرابطين وفي ضمن هذه الجملة جزئيات من أخبار الحصون والقلاع والمدن الصغار أضربت عن ذكرها خوفا من الإطالة لأنها نكرة والتعريف بها مخرج إلى الطول وقام بمغرب الأندلس دعاة فتن ورءوس ضلالات فاستفزوا عقول الجهال واستمالوا قلوب العامة من جملتهم رجل اسمه أحمد بن قسي كان في أول أمره يدعي الولاية وكان صاحب حيل ورب شعبذة وكان مع هذا يتعاطى صنعة البيان وينتحل طريق البلاغة ثم ادعى الهداية بلغني ذلك عنه من طرق صحاح ثم لم يستقم له شيء مما أراد واختلف عليه أصحابه وكان قيامه بحصن مارتلة وقد تقدم اسم هذا الحصن في أخبار الدولة العبادية فأسلمه كما ذكرنا أصحابه واختلفوا عليه ودسوا إليه من أخرجه من الحصن بحيلة حتى أخذه الموحدون قبضا باليد فعبروا به إلى العدوة فأتوا به عبد المؤمن رحمه الله فقال له بلغني أنك ادعيت الهداية فكان من جوابه أن قال أليس الفجر فجران كاذب وصادق فأنا كنت الفجر الكاذب فضحك عبد المؤمن وعفا عنه ولم يزل بحضرته إلى أن قتله بعض أصحابه الذين كانوا معه بالأندلس ولابن قسي هذا أخبار قبيحة مضمونها الجراءة على الله سبحانه والتهاون بأمر الولاية منعني من ذكرها صرف العناية إلى ما هو أهم منها
عبور الموحدين إلى الأندلس
ولما انتشرت دعوة المصامدة كما ذكرنا بالمغرب الأقصى تشوف إليهم أعيان مغرب الأندلس فجعلوا يفدون في كل يوم عليهم ويتنافسون في الهجرة إليهم فدخل في ملكهم كثير من جزيرة الأندلس كالجزيرة الخضراء ورندة ثم أشبيلية وقرطبة وأغرناطة وكان الذي فتح هذه البلاد الشيخ أبو حفص عمر إينتى المتقدم الذكر في أهل الجماعة واجتمع على طاعتهم أهل مغرب الأندلس فلما رأى عبد المؤمن ذلك جمع جموعا عظيمة وخرج يقصد جزيرة الأندلس فسار حتى نزل مدينة سبتة فعبر البحر ونزل الجبل المعروف بجبل طارق وسماه هو جبل الفتح فأقام به أشهرا وابتني به قصورا عظيمة وبنى هناك مدينة هي باقية إلى اليوم ووفد عليه في هذا الموضع وجوه الأندلس للبيعة كأهل مالقة وأغرناطة ورندة وقرطبة وأشبيلية وما والى هذه البلاد وانضم إليها وكان له بهذا الجبل يوم عظيم اجتمع له وفي مجلسه فيه من وجوه البلاد ورؤسائها وأعيانها وملوكها من العدوة والأندلس مالم يجتمع لملك قبله واستدعى الشعراء في هذا اليوم ابتداء ولم يكن يستدعيهم قبل ذلك إنما كانوا يستأذنون فيؤذن لهم
محمد بن حبوس الفاسي الشاعر
وكان على بابه منهم طائفة أكثرهم مجيدون فدخلوا فكان أول من أنشد أبو عبد الله محمد بن حبوس من أهل مدينة فاس وكانت طريقته في الشعر على نحو طريقة محمد بن هانئ الاندلسي في قصد الألفاظ الرائعة والقعاقع المهولة وإيثار التقعير إلا أن محمد بن هانئ كان أجود منه طبعا وأحلى مهيعا فأنشد في ذلك اليوم قصيدة أجاد فيها ما أراد أولها % بلغ الزمان بهديكم ما أملا % وتعلمت أيامه أن تعدلا % % وبحسبه أن كان شيئا قابلا % وجد الهداية صورة فتشكلا % $ لم يبق على خاطري منها أكثر من هذين البيتين ولابن حبوس هذا قصائد كثيرة وكان حظيا عنده نال في أيامه ثروة وكذلك في أيام ابنه أبي يعقوب وكان في دولة لمتونة مقدما في الشعراء حتى نقلت إليهم عنه حماقات فهرب إلى الأندلس ولم يزل بها مستخفيا ينتقل من بلد إلى بلد حتى انتقلت الدولة المرابطية قرأ علي ابنه عبد الله من خط أبيه هذه الحكاية قال دخلت مدينة شلب من بلاد الأندلس ولي يوم دخلتها ثلاثة أيام لم أطعم فيها شيئا فسألت عمن يقصد إليه فيها فدلني بعض أهلها على رجل يعرف بابن الملح فعمدت إلى بعض الوراقين فسألته سحاءة ودواة فأعطانيهما فكتبت أبياتا أمتدحه بها وقصدت داره فإذا هو في الدهليز فسلمت عليه فرحب بي ورد علي أحست رد وتلقاني أحسن لقاء وقال أحسبك غريبا قلت نعم فقال لي من أي طبقات الناس أنت فأخبرته أني من أهل الأدب من الشعراء ثم أنشدته الأبيات التي قلت فوقعت منه أحسن موقع فأدخلني إلى منزله وقدم إلي الطعام وجعل يحدثني فما رأيت أحسن محاضرة منه فلما آن الانصراف خرج ثم عاد ومعه عبدان يحملان صندوقا حتى وضعه بين يدي ففتحه فأخرج منه سبعمائة دينار مرابطية فدفعها إلي وقال هذه لك ثم دفع إلي صرة فيها أربعون مثقالا وقال هذه من عندي فتعجبت من كلامه وأشكل علي جدا وسألته من أين كانت هذه لي فقال لي سأحدثك إني أوقفت أرضا من جملة مالي للشعراء غلتها في كل سنة مائة دينار ومنذ سبع سنين لم يأتني أحد لتوالي الفتن التي دهمت البلاد فاجتمع هذا المال حتى سيق إليك وأما هذه فمن حر مالي يعني الأربعين دينار فدخلت عليه جائعا فقيرا وخرجت عنه شبعان غنيا
الأصم المراوني الشاعر ابن الطليق
وأنشده في ذلك اليوم رجل من ولد الشريف الطليق المرواني كان شريفا من جهة أمه % ما للعدا جنة أوقى من الهرب % % فقال عبد المؤمن رافعا صوته إلى أين إلى أين فقال الشاعر % % أين المفر وخيل الله في الطلب % وأين يذهب من في رأس شاهقة % وقد رمته سماء الله بالشهب % % حدث عن الروم في أقطار أندلس % والبحر قد ملأ العبرين بالعرب % فلما أتم القصيدة قال عبد المؤمن بمثل هذا تمدح الخلفاء فسمى نفسه خليفة كما ترى وجد هذا الشاعر هو الشريف الطليق طليق النعامة وإنما سمي بذلك لأنه كان محبوسا في مطبق أبي عامر محمد بن أبي عامر الملقب بالمنصور القائم بدعوة هشام المؤيد أقام في ذلك المحبس سنين فكتب يوما قصة يذكر فيها ما آلت إليه حاله من ضيق الحبس وضنك العيش فرفعت إلى ابن أبي عامر فأخذها في جملة رقاع ودخل إلى داره فجاءت نعامة كانت هناك فجعل يلقي إليها الرقاع فتبتلع شيئا ونلقي شيئا فألقى إليها رفعة هذا الشريف في جملة الرقاع وهو لم يقرأها فأخذتها ثم دارت وألقتها في حجره فرمى بها إليها ثانية فدارت القصر كله ثم جاءت وألقتها في حجره فرمى بها إليها ثالثة وفعلت ذلك مرارا فتعجب من ذلك وقرأ الرقعة وأمر بإطلاقه فسمي بذلك طليق النعامة وأنشد في ذلك اليوم رجل من أهل أشبيلية يعرف بابن سيد ويلقب باللص % غمض عن الشمس واستقصر مدى زحل % وانظر إلى الجبل الراسي على جبل % % انى أستقر به أنى أستقل به % انى رأى شخصه العالي فلم يزل % فقال له عبد المؤمن لقد ثقلتنا يا رجل فأمر به فاجلس وهذه القصيدة من خيار ما مدح به لولا أنه كدر صفوها بهذه الفاتحة
الرصافي الرفاء الشاعر
وأنشده في ذلك اليوم الوزير الكاتب أبو عبد الله محمد بن غالب البلنسي المعروف بالرصافي كان مستوطنا مدينة مالقة % لو جئت نار الهدى من جانب الطور % قبست ما شئت من علم ومن نور % % من كل زهراء لم ترفع ذؤابتها % ليلا لسار ولم تشبب لمقرور % % فيضية القدح من نور النبوة أو % نور الهداية تجلو ظلمة الزور % % ما زال يقضمها التقوى بموقدها % صوام هاجرة قوام ديجور % % حتى أضاءت من الإيمان عن قبس % قد كان تحت رماد الكفر مكفور % % نور طوى الله زند الكون منه على % سقط إلى زمن المهدي مذخور % % وآية كأيات الشمس بين يدي % غزو على الملك القيسي منذور % % يا دار دار أمير المؤمنين بسفح الطور طود الهدى بوركت في الدور % % ذات العمادين من عز ومملكة % على الأساسين من قدس وتطهير % % ما كان بانيك بالواني الكرامة عن % قصر على مجمع البحرين مقصور % % مواطئ من نبي طالما وصلت % فيها الخطا بين تسبيح وتكبير % % حيث استقلت به نعلاه بوركتا % فطيبت كل موطوء ومعبور % % وحيث قامت قناة الدين ترفل في % لواء نصر على البرين منشور % % في كف منشمر البردين ذي ورع % على التقى وصفاء النفس مفطور % % يلقاك في حال غيب من سريرته % بعالم القدس مشهود ومحضور % % تسنم الفلك من سخط المرار وقد % تؤدين يا خير أفلاك العلا سيري % % فسرن يحملن أمر الله من ملك % بالله مستنصر في الله منصور % % يومي له بسجود كل محركة % منها ويوليه حمدا كل تصرير % % لما تسابقن في بحر الزقاق به % تركن شطيه في شك وتحيير % % أهز من موجه أثناء مسرور % أم خاض من لجه أحشاء مذعور % % كأنه سالك منه على وشل % في الأرض من مهج الأسياف مقطور % % من السيوف التي ذابت لسطوته % وقد رمى نار هيجاها بتسعير % % ذو المنشآت الجواري في أجرتها % شكل الغدائر في سدل وتضفير % % أعدى المياه وأنفاس الرياح لها % ما في سجاياه من لين وتعطير % % من كل عذراء حبلى في ترائبها % ردعان من عنبر ورد وكافور % % نجالها بين أيد من مجاذفها % يغرقن في مثل ماء الورد من جور % % وربما خاضت التيار طائرة % بمثل أجنحة الفتخ الكواسير % % كأنما عبرت تختال عائمة % في زاخر من يدي يمناه معصور % % حتى رمت جبل الفتحين من كثب % بساطع من سناه غير مبهور % % لله ما جبل الفتحين من جبل % معظم القدر في الأجيال مذكور % % من شامخ الأنف في سحنائه طلس % له من الغيم جيب غير مزرور % % معبرا بذراه عن ذرى ملك % مستمطر الكف والأكناف ممطور % % تمسي النجوم على إكليل مفرقه % في الجو حائمة مثل الدنانير % % وربما مسحته من ذوائبها % بكل فضل على فوديه مجرور % % وأدرد من ثناياه بما أخذت % منه مقاحم أعواد الدهارير % % محنك حلب الأيام أشطرها % وساقها سوق حادي العير للعير % % مقيد الخطو جوال الخواطر في % عجيب أمريه من ماض ومنظور % % قد واصل الصمت والإطراق مفتكرا % بادي السكينة مغبر الأسارير % % كأنه مكمد مما تعبده % خوف الوعيدين من دك وتسيير % % أخلق به وجبال الأرض راجفة % أن يطمئن غدا من كل محذور % % كفاه فضلا أن انتابت مواطئه % نعلا مليك كريم السعي مشكور % % مستنشيا بهما ريح الشفاعة من % ثرى إمام بأقصى الغرب مقبور % % ما انفك آمل أمر منه بين يدي % يوم القيامة محتوم ومقدور % % حتى تصدى من الدنيا على رمق % يستنجز الوعد قبل النفخ في الصور % % مستقبل الجانب الغربي مرتقبا % كأنه باهت في جو اسمير % % لبارق من حسام سله قدر % بالغرب من أفق البيض المشاهير % % إذا تألق قيسيا أهاب به % إلى شفى من مضاع الدين موتور % % ملك أتى عظما فوق الزمان فما % يمر فيه بشيء غير محقور % % ما عن في الدين والدنيا له أرب % إلا تأتي له من غير تعذير % % ولا رمى من أمانيه إلى غرض % إلا هدى سهمه نجح المقادير % % حتى كأن له في كل آونة % سلطان رق على الدنيا وتسخير % % مميز الجيش ملتفا مواكبه % من كل مثلول عرش الملك مقهور % % من الأولى خضعوا قسرا له وعنوا % لأمره بين منهي ومأمور % % من بعد ما عاندوا أمر فما تركوا % إذ أمكن العفو ميسورا لمعسور % % بقية الحرب فاتوها وما بهم % في الضرب والطعن سيماء لتقصير % % لا ينكر القوم مما في أكفهم % بيض مفاليل أو سمر مكاسير % % إذا صدعت بأمر الله مجتهدا % ضربت وحدك أعناق الجماهير % % لا يذهبن لتقليل أخو سبب % من الأمور ولا يركن لتكثير % % فالبحر قد عاد من ضرب العصا يبسا % والأرض قد غرقت من فور تنور % % وإنما هو سيف الله قلده % أقوى الهداة يدا في دفع محذور % % فإن يكن بيد المهدي قائمة % فموضع الحد منه حد مشهور % % والشمس إن ذكرت موسى فما نسيت % فتاه يوشع قماع الجبابير % $ وكان الرصافي يوم أنشد هذه القصيدة لم تكمل له عشرون سنة وهو من مجيدي شعراء عصره لا سيما في المقاطيع كالخمسة الأبيات فما دونها وقد رويت شعره عن جماعة ممن لقيه وقد رأيت أن أورد منه هاهنا نبذة يسيرة تدل على ما وصفناه به فمن ذلك قوله يصف نهر أشبيلية الأعظم وهو نهر لا نظير له في الدنيا % ومهدل الشطين تحسب أنه % متسايل من درة لصفائه % % فاءت عليه مع الهجيرة سرحة % صدئت لفيئتها صفيحة مائة % فتراه أزرق في غلالة سمرة % كالدارع استلقى بظل لوائه % وله وقد اجتمع مع إخوان له في بعض العشايا في بستان رجل يقال له موسى بن رزق % ما مثل موضعك ابن رزق موضع % روض يرق وجدول يتدفع % % فكأنما هو من محاجر عادة % فالحسن ينبت في ثراه وينبع % % وعشية بنا أمد السرور تألفا % والليل نحو فراقنا يتطلع % % فابلل بها رمق الغبوق فقد أتى % من دون قرص الشمس ما يتوقع % % سقطت فلم يملك نديمك ردها % فوددت يا موسى لو انك يوشع % وله يصف عشية أيضا في موضع هذا الرجل المتقدم الذكر % محل ابن رزق جر فيه ذيوله % من المزن ساق يحسن الجر والسقيا % % ذكرت عشيا فيك لا ذم عهده % وإن نحن لم نهتع ببهجته لقيا % % ولم يتعلت بي منك عند افتراقنا % سوى عبق من مسك قينتك اللميا % % وكنت أراني في الكرى وكأنني % أناول كالدينار من ذهب الدنيا % % فلما انطوى ذاك الأصيل وحسنه % على ساعة من انسنا صحت الرؤيا % وله يصف دولابا % وذي حنين يكاد شوقا % يختلس الأنفس اختلاسا % % لما غدا للرياض جارا % قال له المحل لا مساسا % % يبتسم الروض حين يبكي % بأدمع مارأين باسا % % من كل جفن يسل سيفا % صار له غمده رئاسا % وله وقد رأى صبيا يتباكى ويجعل من ريقه على عينيه يحكى بذلك الدموع % عذيري من جذلان يبدي كآبة % وأضلعه مما يحاوله صفر % % اميلد مياس إذا قاده الصبا % إلى ملح الإدلال أيده السحر % % يبل مآقي زهر تيه بريقه % ويحكي البكا عمدا كما ابتسم الزهر % % ويوهم أن الدمع بل جفونه % وهل عصرت يوما من النرجس الخمر % وقال يصف نائما قد تحبب العرق على خده % ومهفهف كالغصن إلا أنه % سلب التثني النوم عن أثنائه % % أضحى ينام وقد تحبب خده % عرقا فقلت الورد رش بمائه % وللرصافي هذا افتنان في الآداب وكان رحمه الله عفيف الطعمة نزيه النفس لا يحب أن يشتهر بالشعر مع إجادته في كثير منه
وصل الحديث عن عبد المؤمن بن علي
وأقام عبد المؤمن بجبل الفتح مرتبا للأمور ممهدا للمملكة وأعيان البلاد يفدون عليه في كل يوم إلى أن تم له ما أراد من إصلاح ما استولى عليه من جزيرة الأندلس فولي مدينة أشبيلية وأعمالها ابنه يوسف وهو الذي ولي الأمور بعده على ما سيأتي بيانه وترك معه بها من أشياخ الموحدين وذوي الرأي والتحصيل منهم من يرجع إليه في أموره ويعول عليه فيما ينويه وولي قرطبة وأعمالها أبا حفص عمر إينتي وولي أغرناطة وأعمالها ابنه عثمان بن عبد المؤمن يكنى أبا سعيد وكان من نبهاء أولاده ونجبائهم وذوي الصرامة منهم وكان محبا في الآداب مؤثرا لأهلها يهتز للشعر ويثيب عليه اجتمع له من وجوه الشعراء وأعيان الكتاب عصابة ما علمتها اجتمعت لملك منهم بعده ثم كر عبد المؤمن راجعا إلى مراكش بعد ما ملأ ما ملكه من أقطار جزيرة الأندلس خيلا ورجالا من المصامدة والعرب وغيرهم من أصناف الجند
منازل العرب الهلالية في المغرب والأندلس
وقد كان حين أراد العبور إلى جزيرة الأندلس استنفر أهل المغرب عامة فكان فيمن استنفره العرب الذين كانوا ببلاد يحيى بن العزيز وهم قبائل من هلال بن عامر خرجوا إلى البلاد حين خلى بنو عبيد بينهم وبين الطريق إلى المغرب فعاثوا في القيروان عيثا شديدا أوجب خرابها إلى اليوم ودوخوا مملكة بني زيري بن مناد وهذا بعد موت المعز بن باديس فانتقل تميم إلى المهدية وسار هؤلاء العرب حتى نزلوا على المنصور بن المنتصر فصالحهم على أن يجعل لهم نصف غلة البلاد من تمرها وبرها وغير ذلك فأقاموا على ذلك باقي أيامه وايام ابنه الملقب بالعزيز وأيام يحيى إلى أن ملك البلاد أبو محمد عبد المؤمن رحمه الله فأزال ذلك من أيديهم وصيرهم جندا له وأقطع رؤساءهم بعض تلك البلاد فكتب إليهم رسالة يستنفرهم إلى الغزو بجزيرة الأندلس وأمر أن تكتب في آخرها أبيات قالها رحمه الله في ذلك المعنى وهي % اقيموا إلى العلياء هوج الرواحل % وقودوا إلى الهيجاء جرد الصواهل % % وقوموا لنصر الدين قومة ثائر % وشدوا على الأعداء شدة صائل % % فما العز إلا ظهر أجرد سابح % يفوت الصبا في شده المتواصل % % وأبيض مأثور كأن فرنده % على الماء منسوج وليس بسائل % % بني العم من عليا هلال بن عامر % وما جمعت من باسل وابن باسل % % تعالوا فقد شدت إلى الغزو نية % عواقبها منصورة بالأوائل % % هي الغزوة الغراء والموعد الذي % تنجز من بعد المدى المتطاول % % بها تفتح الدنيا بها تبلغ المنى % بها ينصف التحقيق من كل باطل % % اهبنا بكم للخير والله حسبنا % وحسبكمو والله أعدل عادل % % فما همنا إلا صلاح جميعكم % وتسريحكم في ظل أخضر هاطل % % وتسويغكم نعمي ترف ظلالها % عليكم بخير عاجل غير آجل % % فلا تتوانوا فالبدار غنيمة % وللمدلج الساري صفاء المناهل % $ فاستجاب له منهم جمع ضخم فلما أراد الانفصال عن الجزيرة رتبهم فيها فجعل بعضهم في نواحي قرطبة وبعضهم في نواحي أشبيلية مما يلي مدينة شريش وأعمالها فهم بها باقون إلى وقتنا هذا وهو سنة 621 وقد انتشر من نسلهم بتلك المواضع خلق كثير وزاد فيهم أبو يعقوب وأبو يوسف حتى كثروا هنالك فبالجزيرة اليوم من العرب من زغبة ورياح وجثم ابن بكر وغيرهم نحو من خمسة آلاف فارس سوى الرجالة وكان عبور عبد المؤمن رحمه الله إلى الجزيرة ونزوله بجبل الفتح في سنة 538 ثم كر كما ذكرنا راجعا إلى مراكش فأخبرني غير واحد ممن أرضى نقله أنه لما نزل مدينة سلا وهي مدينة على البحر الأعظم المحيط ينصب إليها نهر عظيم يصب في البحر المذكور عبر النهر وضربت له خيمة على الشاطئ وجعلت العساكر تعبر قبيلة بعد قبيلة فلما نظر إلى كثرة العدد وانتشار العالم خر ساجدا ثم رفع رأسه وقد بل الدمع لحيته والتفت إلى من عنده وقال أعرف ثلاثة أشخاص وردوا هذه المدينة لا شيء لهم إلا رغيف واحد فراموا عبور هذا النهر فأتوا صاحب القارب وبذلوا له الرغيف على أن يعبروا ثلاثتهم فقال لا آخذه إلا على اثنين خاصة فقال لهم أحدهم وكان شابا جلدا خذا ثيابي معكما وأعبر أنا سباحة فأخذا ثيابه معهما وصعدا في القارب فجعل الشاب يسبح فكلما أعيا دنا من القارب ووضع يديه عليه ليستريح فضربه صاحبه بالمجداف الذي معه حتى يؤلمه فما بلغ البر إلا بعد جهد شديد فما شك السامعون للحكاية أنه العابر سباحة وأن الاثنين المذكورين هما ابن تومرت وعبد الواحد الشرقي ثم سار حتى أتى مراكش فنزلها وأخذ في البناء والغراسة وترتيب القصور غر مخل بشيء مما تحتاج إليه المملكة من السياسة وتدبير الأمور وبسط العدل والتحبب إلى الرعية وإخافة من تجب إخافته وأخبرني السيد حقيقة والماجد خلقا وخليقة أبو زكريا يحيى ابن الإمام أمير المؤمنين أبي يعقوب ابن الإمام أمير المؤمنين أبي محمد عبد المؤمن بن علي أنه رأى على ظهر كتاب الحماسة بخط الخليفة عبد المؤمن هذين البيتين وقال لي رحمه الله لا أدري هماله أو لغيره % وحكم السيف لا تعبأ بعاقبة % وخلها سيرة تبقى على الحقب % % فما تنال بغير السيف منزلة % ولا ترد صدور الخيل بالكتب % $ وقد كان عبد المؤمن حين فصل عن بجاية وولي عليها ابنه عبد الله حسبما تقدم عهد إليه أن يشن الغارات على نواحي أفريقية وأن يضيق على تونس ويمنع عنها المرافق التي تصل إليها على طريقه ففعل ذلك
غزو الموحدين لأفريقية
ثم إن عبد الله تجهز في جيش عظيم من المصامدة والعرب وغيرهم وسار حتى نزل على مدينة تونس وهي حاضرة أفريقية بعد القيروان وكرسي مملكتها ومقر تدبيرها وإياها يستوطن والي أفريقية لم يزل هذا معروفا من أمرها إلى وقتنا هذا وهو سنة 621 فحاصرها عبد الله المذكور وأخذ في قطع أشجارها وتغوير مياهها وكان الذي يملكها في ذلك الوقت لوجار بن لوجار المعروف بابن الدوقة الرومي صاحب صقلية لعنه الله وكان عامله عليها رجل من المسلمين اسمه عبد الله يعرف بابن خراسان لم يزل عاملا عليها حتى أخرجه الموحدون في التاريخ الذي سيذكر فلما طال على ابن خراسان الحصار أجمع رأيه ورأي أهل البلد من الجند على الخروج لقتال المصامدة ففعلوا ذلك وخرجوا بخيل ضخمة فالتقوا هم واصحاب عبد الله فانهزم أصحاب عبد الله وقتل منهم خلق كثير ورجع عبد الله ببقية أصحابه إلى بجاية فكتب إلى أبيه يخبره بذلك
فتح المهدية واسترجاعها من يد الصقليين
فلما كان في آخر سنة 553 أخذ عبد المؤمن في الحركة إلى أفريقية فجمع جموعا عظيمة من المصامدة وغيرهم من جند المغرب وسار حتى نزل على مدينة تونس فافتتحها عنوة وفصل عنها إلى مهدية بني عبيد وفيها الروم أصحاب ابن الدوقة وفيها معهم يحيى بن حسن بن تميم بن المعز بن باديس بن منصور بن بلجين بن زيري بن مناد الصنهاجي ملوك القيروان فنزل عبد المؤمن عليها فحاصرها أشد الحصار وهي من معاقل المغرب المنيعة لأن بنيانها في غاية الإحكام والوثاقة بلغني أن عرض حائط سورها ممشي ستة أفراس في صف واحد ولا طريق لها من البر إلا على باب واحد والبحر في قبضة من في البلد يدخل الشيني كما هو بمقاتلته إلى داخل دار الصناعة لا يقدر أحد ممن في البر على منعه فبهذا قدر الروم على الصبر على الحصار لأن النجدة كانت تأتيهم من صقلية في كل وقت وأقام عبد المؤمن وأصحابه عليها سبعة أشهر إلا أياما وأصابتهم عليها شدة شديدة من غلاء السعر بلغني عن غير واحد أنهم اشتروا الباقلاء في العسكر سبع باقلات بدرهم مؤمني وهو نصف درهم النصاب ثم افتتحها عبد المؤمن رحمه الله بعد أن أمن النصارى الذين بها على أنفسهم على أن يخرجوا له عن البلد ويلحقوا بصقلية بلدهم حيث مملكة صاحبهم ففعلوا ذلك ودخل عبد المؤمن وأصحابه المهدية فملكوها وبعث إلى قابس من افتتحها وفيها الروم أيضا
امتداد مملكة الموحدين إلى الشرق
ثم افتتح طرابلس المغرب وأرسل إلى بلاد الجريد وهي توزر وقفصة ونفطة والحامة وما والى هذه البلاد فافتتحت كلها وأخرج الإفرنج منها وألحقهم ببلادهم كما تقدم فمحا الله به الكفر من أفريقية وقطع عنها طمع العدو فانتبه بها الدين بعد خموله وأضاء كوكب الإيمان بعد انطماسه وأفوله وتم لعبد المؤمن رحمه الله ملك أفريقية كلها منتظما إلى مملكة المغرب فملك في حياته من طرابلس المغرب إلى سوس الأقصى من بلاد المصامدة وأكثر جزيرة الأندلس وهذه مملكة لم أعلمها انتظمت لأحد قبله منذ احتلت دولة بني أمية إلى وقته
ألوان من شكر النعمة
ثم كر عبد المؤمن راجعا من أفريقية بعد ما استولى على بلادها ودان له أهلها فأخبرني بعض أشياخ الموحدين من ذوي التحصيل منهم والثقة أن عبد المؤمن مر في طريقه راجعا من أفريقية ببجاية فدخل البلد متنزها فيه فمر بسويقة بناحية باب من أبوابها يدعى باب تاطنت فوقف ووقفت معه وجوه دولته فسأل عن بياع بها سماه باسمه فأخبره أهل السويقة بوفاته فقال هل خلف عقبا قالوا نعم فأمر بشراء جميع الدكاكين التي بتلك السويقة وأوقفها عليهم وأمر لهم بمال كثير ثم التفت إلى بعض خواصه وقال له أتيت إلى هذا البياع ولي وللإمام يعني ابن تومرت ولجماعة من أصحابنا من الطلبة أيام لم نطعم فيها وما معي إلا سكين الدواة فأخذت منه خبزا وإداما ثم وضعت عنده السكين رهنا على ذلك فأبى قبولها وقال لي إني توسمت فيك الخير فمتى أعوزك شيء فهلم الدكان فهو بين يديك وبحكمك فحقه علي أكثر من هذا ونظر في هذا اليوم الذي ركب فيه مخترقا بجاية إلى يحيى بن العزيز يمشي بين يديه راجلا وقد علاه الغبار فدمعت عيناه واستدعاه فقال له أتذكر يوما خرجت إلى بعض منتزهاتك فأذكر أني جمعني وإياك هذا الباب فوطئت دابتك عقبي فلما نظرت إليك أمرت بعض عبيدك فوكزني وكزة كدت أقع منها لفي فاستحيا يحيى وتغير لونه وأطرق وجعل يقول الله الله يا مولاي وظن أنه الشر فلما رأى ذلك منه قال له إنما ذكرت لك ذلك على طريق الاعتبار ولتذكر وتنظر كيف تقلب الأيام بأهلها وأمر له بما زال به روعه ومر في طريقه هذا ما بين البطحاء وتلمسان بموضع قد التف فيه الدوح فجاءت منه دوحة عظيمة في وسطها رحبة نقية فأمر أن يضرب خباؤه هنالك وهو غير منزل معروف فلما نزل نزلت العساكر واستقر بهم النزول قال لبعض خواصه أتدرون لم آثرت النزول بهذا المكان قالوا لا قال ذلك لأني بت بهذا الموضع في بعض الليالي جائعا مقرورا وكانت ليلة ممطورة فما زال هذا الدوح وقائي حتى أصبحت فأردت النزول هنا على هذه الحالة لأشكر الله سبحانه على الفرق ما بين المنزلتين والفصل ما بين المبيتين ثم قام فتوضأ وصلى ركعتين شكرا لله عز وجل وجدت هذه الحكاية بخط رجل من ولد ولد عبد المؤمن اسمه موسى بن يوسف بن عبد المؤمن وبدا له في هذا الوجه أن يمر على القرية التي تسمى تاجرا وبها كان مولده كما تقدم لزيارة قبر أمه وصلة من هناك من ذوي رحمه فلما أطل عليها والجيوش قد انتشرت بين يديه وقد خفقت على رأسه أكثر من ثلاثمائة راية ما بين بنود وألوية وهزت أكثر من مائتي طبل وطبولهم في نهاية الكبر وغاية الضخامة يخيل لسامعها إذا ضربت أن الأرض من تحته تهتز ويحس قلبه يكاد يتصدع من شدة دويها فخرج أهل القرية للقائه والتسليم عليه بالخلافة فقالت امرأة عجوز من عجائز القرية ممن كانت تصحب أمه هكذا يعود الغريب إلى بلده تقول ذلك رافعة صوتها
وفاء وفداء
ونازع عبد المؤمن الأمر قوم من قرابة ابن تومرت يعرفون بأيت ومغار معناه بالعربية بنو ابن الشيخ وانتهوا في ذلك إلى أن أجمع رأيهم ورأى من وافقهم على سوء صنيعهم على أن يدخلوا على عبد المؤمن خباءه ليلا فيقتلوه وظنوا أن ذلك يخفى من أمرهم وأن عبد المؤمن إذا فقد ولم يعلم من قتله صار الأمر إليهم لأنهم أحق به إذ كانوا أهل الإمام وقرابته وأولى الناس به فأعلم بما أرادوه من ذلك رجل من أصحاب ابن تومرت من خيارهم اسمه اسماعيل بن يحيى الهزرجي فأتى عبد المؤمن فقال له يا أمير المؤمنين لي إليك حاجة قال وما هي يا أبا إبراهيم فجميع حوائجك عندنا مقضية قال أن تخرج عن هذا الخباء وتدعني أبيت فيه ولم يعلمه بمراد القوم فظن عبد المؤمن أنه إنما يستوهبه الخباء لأنه أعجبه فخرج عنه وتركه له فبات فيه اسماعيل المذكور فدخل عليه أولئك القوم فتولوه بالحديد حتى برد فلما أصبحوا ورأوا أنهم لم يصيبوا عبد المؤمن فروا بأنفسهم حتى أتوا مراكش وراموا القيام بها فأتوا البوابين الذين على القصور فطلبوا منهم المفاتيح فأبوا عليهم فضابوا عنق أحدهم وفر باقيهم وكادوا يغلبون على تلك القصور ثم إن الناس اجتمعوا عليهم من الجند وخاصة العبيد فقاتلوهم قتالا شديدا من لدن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ثم إن العبيد غلبوهم على أمرهم ولم يزل الناس يتكاثرون عليهم إلى أن أخذوا قبضا باليد فقيدوا وجعلوا في السجن إلى أن وصل أبو محمد عبد المؤمن رحمه الله إلى مراكش فقتلهم صبرا وقتل معهم جماعة من أعيان هرغة بلغه أنهم قادحون في ملكه متربصون به ولما أصبح أبو إبراهيم إسماعيل المتقدم الذكر في الخباء مقتولا على الحال التي ذكرنا أعظم ذلك عبد المؤمن ووجد عليه وجدا مفرطا أخرجه عن حد التماسك إلى حيز الجزع فأمر بغسله وتكفينه وصلى عليه بنفسه ودفن ولم يترك إسماعيل هذا من الولد سوى ولد واحد ذكر اسمه يحيى نال يحيى هذا في أيام أبي يوسف يعقوب جاها متسعا ورتبة عالية وكذلك في أيام أبي عبد الله محمد كانت أكثر أمورهم ترجع إليه لم يزل كذلك إلى أن مات في شهور سنة 602 وترك بنتا واحدا تزوجها أمير المؤمنين أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن اسمها فاطمة لا عقب له منها طال عمرها تركتها بالحياة حين فصلت عن مراكش في شهور سنة 611 ولإسماعيل هذا مع ابن تومرت خبر يقرب مما قدمنا في النصح والتحذير تلطف فيه اسماعيل غاية التلطف وذلك أن ابن تومرت حين خرج من مراكش على الحال التي تقدمت من إخراج أمير المسلمين إياه عنها سار حتى نزل الضيعة التي فيها أبو إبراهيم فدخل المسجد فاجتمع أهل الضيعة على باب المسجد ينظرون إلى ابن تومرت ويقول بعضهم لبعض هما هذا الذي نفاه أمير المسلمين عن بلاده لإفساده عقول الناس ونحو هذا القول وهموا بقتله تقربا بذلك إلى أمير المسلمين فلما رأى ذلك أبو إبراهيم من أمرهم تقدم إلى ابن تومرت فسأله عن إعراب هذه الآية @QB@ إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين @QE@ ففهم ابن تومرت ما أراد وخرج عن تلك الضيعة وعرف لابي إبراهيم نصحه ثم لحق به أبو إبراهيم هذا بعد ما اشتهر أمره بتينمل فهو معدود في أهل الجماعة ولما قتل عبد المؤمن أولئك القوم الذين قدمنا ذكرهم صبرا هابه المصامدة وسائر أهل دولته وعظم أمره في صدورهم وأقام عبد المؤمن بمراكش بقية سنة 55 وسنة 6 وسنة 7 وفي أول سنة 58 خرج أمره إلى الناس كافة بالغزو إلى بلاد الروم من جزيرة الأندلس وكتبت عنه الكتب إلى سائر الجهات يستنفر الناس ويحضهم على الجهاد ويرغبهم فيه فاجتمعت له جموع عظيمة وخرج يقصد جزيرة الأندلس مظهرا للغزو والاحتساب ويتمم أيضا مع ذلك ما بقي عليه من مملكتها مما بيد محمد بن سعد المتقدم الذكر فسار بالجيوش حتى نزل مدينة سلا فأقام بها ينتظر تكامل العساكر فاعتل علته التي مات منها رحمه الله
وفاة عبد المؤمن وعهده لولده
وكانت وفاته كما تقدم في السابع والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة أعني سنة 58 وكان قد عهد في حياته إلى أكبر أولاده محمد وبايعه الناس وكتب ببيعته إلى البلاد فأبى تمام هذا الأمر لمحمد هذا ما كان عليه من أمور لا تصلح معها الخلافة من إدمان شرب الخمر واختلال الرأي وكثرة الطيش وجبن النفس ويقال إنه مع هذا كان به ضرب من الجذام فالله أعلم ولما مات عبد المؤمن اضطرب أمر محمد هذا واختلف عليه اختلافا كثيرا فكانت ولايته إلى أن خلع خمسا وأربعين يوما واتفقوا على خلعه في شعبان من هذه السنة وكان الذي سعى في خلعه مع ما قدمنا من استحقاقه لذلك أخواه يوسف وعمر
ذكر ولاية أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن وما يتعلق بها
ولما تم خلع محمد في التاريخ المذكور بعد اتفاق من وجوه الدولة على ذلك دار الأمر بين اثنين من ولد عبد المؤمن يوسف وعمر وهما من نبهاء أولاده ونجبائهم وذوي الرأي والغناء منهم فأباها عمر منهما وتأخر عنها مختارا وبايع لأخيه أبي يعقوب وسلم له الأمر حمله على ذلك فرط عقله وإيثار دينه وحب المصلحة للمسلمين لأنه كان يعلم من نفسه أشياء لا يصلح معها لتدبير المملكة وضبط أمور الرعية فبايع الناس أبا يعقوب واتفقت عليه الكلمة فلم يختلف عليه أحد من الناس من إخوته ولا غيرهم وذلك كله بحسن سعي أبي حفص عمر بن عبد المؤمن وشدة تلطفه وجودة رأيه فاستوسق لأبي يعقوب هذا أمره وتمت بيعته في التاريخ المذكور وكان الساعي فيها والقائم بها ومدبرها إلى أن تمت كما ذكرنا أخوه لأبيه وأمه أبو حفص المتقدم الذكر وأبو يعقوب هذا هو يوسف بن عبد المؤمن بن علي أمه وأم أخيه أبي حفص امرأة حرة اسمها زينب ابنة موسى الضرير كان موسى هذا من شيوخ أهل تينمل وأعيانهم من ضيعة يقال لها أنسا وكان عبد المؤمن يستخلفه على مراكش إذا خرج عنها وكانت مصاهرته إياه أيام كان عبد المؤمن بتينمل برأي ابن تومرت وخلف موسى هذا من الولد الذكور ثلاثة إبراهيم وعليا ومحمدا وبنات
صفة أبي يعقوب
كان أبيض تعلوه حمرة شديد سواد الشعر مستدير الوجه أفوه أعين إلى الطول ما هو في صوته جهارة رقيق حواشي اللسان حلو الألفاظ حسن الحديث طيب المجالسة أعرف الناس كيف تكلمت العرب وأحفظهم لأيامها ومآثرها وجميع أخبارها في الجاهلية والإسلام صرف عنايته إلى ذلك أيام كونه بأشبيلية واليا عليها في حياة أبيه ولقي بها رجالا من أهل علم اللغة والنحو والقرآن منهم الأستاذ اللغوي المتقن أبو إسحاق إبراهيم ابن عبد الملك المعروف عندهم بابن ملكون فأخذ عنهم جميع ذلك وبرع في كثير منه أخبرني من لقيته من ولده كأبي زكريا وأبي عبد الله وأبي إبراهيم إسحاق وغيرهم ممن لقيته وشافهته منهم أنه كان أحسن الناس ألفاظا بالقرآن وأسرعهم نفوذ خاطر في غامض مسائل النحو وأحفظهم للغة العربية وكان شديد الملوكية بعيد الهمة سخيا جوادا استغنى الناس في أيامه وكثرت في أيديهم الأموال هذا مع إيثار للعلم شديد وتعطش إليه مفرط صح عندي أنه كان يحفظ أحد الصحيحين الشك مني إما البخاري أو مسلم وأغلب ظني أنه البخاري حفظه في حياة أبيه بعد تعلم القرآن هذا مع ذكر جمل من الفقه وكان له مشاركة في علم الأدب واتساع في حفظ اللغة وتبحر في علم النحو حسبما تقدم ثم طمح به شرف نفسه وعلو همته إلى تعلم الفلسفة فجمع كثيرا من أجزائها وبدأ من ذلك بعلم الطب فاستظهر من الكتاب المعروف بالملكي أكثره مما يتعلق بالعلم خاصة دون العمل ثم تخطى ذلك إلى ما هو أشرف من أنواع الفلسفة وأمر بجمع كتبها فاجتمع له منها قريب مما اجتمع للحكم المستنصر بالله الأموي أخبرني أبو محمد عبد الملك الشذوني أحد المتحققين بعلمي الطب وأحكام النجوم قال كنت في شبيبتي أستعير كتب هذه الصناعة يعني صنعة الأحكام من رجل كان عندنا بمدينة أشبيلية اسمه يوسف يكنى أبا الحجاج يعرف بالمراني بتخفيف الراء كانت عنده منها جملة كبيرة وقعت إلى أبيه في أيام الفتنة بالأندلس فكان يعيرني إياها في غرائر أحمل غرارة وأجيء بغرارة من كثرتها عنده فأخبرني في بعض الأيام أنه عدم تلك الكتب بجملتها فسألته عن السبب الموجب لذلك فأسر إلي إن خبرها أنهى إلى أمير المؤمنين فأرسل إلى داري وأنا في الديوان لا علم عندي بذلك وكان الذي أرسل كافور الخصي مع جماعة من العبيد الخاصة وأمره ألا يروع أحدا من أهل الدار وألا يأخذ سوى الكتب وتوعده والذين معه أشد الوعيد إن نقص أهل البيت إبرة فما فوقها فأخبرت بذلك وأنا في الديوان فظننته يريد استصفاء أموالي فركبت وما معي عقلي حتى أتيت منزلي فإذا الخصي كافور الحاجب واقف على الباب والكتب تخرج إليه فلما رآني وتبين ذعري قال لي لا بأس عليك وأخبرني أن أمير المؤمنين يسلم علي وأنه ذكرني بخير ولم يزل يبسطني حتى زال ما في نفسي ثم قال لي سل أهل بيتك هل راعهم أحد أو نقصهم شيء من متاعهم فسألتهم فقالوا لم يرعنا أحد ولم ينقصنا شيء جاء أبو المسك حتى استأذن علينا ثلاث مرات فأخلينا له الطريق ودخل هو بنفسه إلى خزانة الكتب فأمر بإخراجها فلما سمعت هذا القول منهم زال ما كان في نفسي من الروع وولوه بعد أخذهم لهذه الكتب منه ولاية ضخمة ما كان يحدث بها نفسه ولم يزل يجمع الكتب من أقطار الأندلس والمغرب ويبحث عن العلماء وخاصة أهل علم النظر إلى أن اجتمع له منهم مالم يجتمع لملك قبله ممن ملك المغرب
أبو بكر بن طفيل
وكان ممن صحبه من العلماء المتفننين أبو بكر محمد بن طفيل أحد فلاسفة المسلمين كان متحققا بجميع أجزاء الفلسفة قرأ على جماعة من المحققين بعلم الفلسفة منهم أبو بكر بن الصائغ المعروف عندنا بابن باجة وغيره ورأيت لابي بكر هذا تصانيف في أنواع الفلسفة من الطبيعيات والإلهيات وغير ذلك فمن رسائله الطبيعيات رسالة سماها رسالة حي بن يقظان غرضه فيها بيان مبدأ النوع الإنساني على مذهبهم وهي رسالة لطيفة الجرم كبيرة الفائدة في ذلك الفن ومن تصانيفه الإلهيات رسالة في النفس رأيتها بخطه رحمه الله وكان قد صرف عنايته في آخر عمره إلى العلم الإلهي ونبذ ما سواه وكان حريصا على الجمع بين الحكمة والشريعة معظما لأمر النبوات ظاهرا وباطنا هذا مع اتساع في العلوم الإسلامية وبلغني أنه كان يأخذ الجامكية مع عدة أصناف من الخدمة من الأطباء والمهندسين والكتاب والشعراء والرماة والأجناد إلى غير هؤلاء من الطوائف وكان يقول لو نفق عليهم علم الموسيقا لأنفقته عندهم وكان أمير المؤمنين أبو يعقوب شديد الشغف به والحب له بلغني أنه كان يقيم في القصر عنده أياما ليلا ونهارا لا يظهر وكان أبو بكر هذا أحد حسنات الدهر في ذاته وأدواته أنشدني ابنه يحيى بمدينة مراكش سنة 603 من شعر أبيه رحمه الله % ألمت وقد نام المشيح وهوما % وأسرت إلى وادي العقيق من الحمى % % وجرت على ترب المحصب ذيلها % فما زال ذاك الترب نهبا مقسما % % تناوله أيدي التجار لطيمة % ويحمله الداري أيان يمما % % ولما رأت أن لا ظلام يجنها % وأن سراها فيه لن يتكتما % % نضت عذبات الريط عن حر وجهها % فأبدت محيا يدهش المتوسما % % فكان تجليها حجاب جمالها % كشمس الضحى يعشى بها الطرف كلما % % ولما التقينا بعد طول تهاجر % وقد كاد حبل الود أن يتصرما % % جلت عن ثناياها وأومض بارق % فلم أدر من شق الدجنة منهما % % وساعدني جفن الغمام على البكا % فلم أدر دمعا أينا كان اسجما % % فقالت وقد رق الحديث وأبصرت % قرائن أحوال أذعن المكتما % % نشدتك لا يذهب بك الشوق مذهبا % % يهون صعبا و يرخص مأثما % % فأمسكت لا مستغنيا عن نوالها % ولكن رأيت الصبر أوفى وأكرما % ومن شعره في الزهد رحمه الله ما قرأ علي ابنه من خطه في التاريخ المذكور % يا باكيا فرقة الأحباب عن شحط % هلا بكيت فراق الروح للبدن % % نور تردد في طين إلى أجل % فانحاز علوا وخلى الطين للكفن % % يا شد ما افترقا من بعد ما اعتلقا % أظنها هدنة كانت على دخن % % إن لم يكن في رضى الله اجتماعهما % فيالها صفقة تمت على غبن % وأنشدني بعض أصحابنا من الكتاب له رحمه الله % ما كل من شم نال رائحة % للناس في ذا تباين عجب % % قوم لهم فكرة تجول بهم % بين المعاني أولئك النجب % % وفرقة في القشور قد وقفوا % وليس يدرون لب ما طلبوا % % لا غاية تنجلي لناظرهم % منه ولا ينقضي لهم أرب % % لا يتعدى امرؤ جبلته % قد قسمت في الطبيعة الرتب % ولم يزل أبو بكر هذا يجلب إليه العلماء من جميع الأقطار وينبهه عليهم ويحضه على إكرامهم والتنويه بهم وهو الذي نبهه على أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشيد فمن حينئذ عرفوه ونبه قدره عندهم
أبو الوليد بن رشد
أخبرني تلميذه الفقيه الأستاذ أبو بكر بندود بن يحيى القرطبي قال سمعت الحكيم أبا الوليد يقول غير مرة لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب وجدته هو وأبو بكر بن طفيل ليس معهما غيرهما فأخذ أبو بكر يثني علي ويذكر بيتي وسلفي ويضم بفضله إلى ذلك أشياء لا يبلغها قدري فكان أول ما فاتحني به أمير المؤمنين بعد أن سألني عن اسمي واسم أبي ونسبي أن قال لي ما رأيهم في السماء يعني الفلاسفة أقديمة هي أم حادثة فأدركني الحياء والخوف فأخذت أتعلل وانكر اشتغالي بعلم الفلسفة ولم أكن أدري ما قرر معه ابن طفيل ففهم أمير المؤمنين مني الروع والحياء فالتفت إلى ابن طفيل وجعل يتكلم على المسألة التي سألني عنها ويذكر ما قاله أرسطوطا ليس وأفلاطون وجميع الفلاسفة ويورد مع ذلك احتجاج أهل الإسلام عليهم فرأيت منه غزارة حفظ لم أظنها في أحد من المشتغلين بهذا الشأن المتفرغين له ولم يزل يبسطني حتى تكلمت فعرف ما عندي من ذلك فلما انصرفت أمر لي بمال وخلعة سنية ومركب وأخبرني تلميذه المتقدم الذكر عنه قال استدعاني أبو بكر بن طفيل يوما فقال لي سمعت اليوم أمير المؤمنين يتشكى من قلق عبارة أرسطوطاليس أو عبارة المترجمين عنه ويذكر غموض أغراضه ويقول لو وقع لهذه الكتب من يلخصها ويقرب أغراضها بعد أن يفهمها فهما جيدا لقرب مأخذها على الناس فإن كان فيك فضل قوة لذلك فافعل وإني لأرجو أن تفي به لما أعلمه من جودة ذهنك وصفاء قريحتك وقوة نزوعك إلى الصناعة وما يمنعني من ذلك إلا ما تعلمه من كبرة سني واشتغالي بالخدمة وصرف عنايتي إلى ما هو أهم عندي منه قال أبو الوليد فكان هذا الذي حملني على تلخيص ما لخصته من كتب الحكيم أرسطوطاليس وقد رأيت أنا لأبي الوليد هذا تلخيص كتب الحكيم في جزء واحد في نحو من مائة وخمسين ورقة ترجمه بكتاب الجوامع لخص فيه كتاب الحكيم المعروف بسمع الكيان وكتاب السماء والعالم ورسالة الكون والفساد وكتاب الآثار العلوية وكتاب الحسن والمحسوس ثم لخصها بعد ذلك وشرح أغراضها في كتاب مبسوط في أربعة أجزاء
رجع الحديث عن الأمير أبي يعقوب
وفي الجملة لم يكن في بني عبد المؤمن فيمن تقدم منهم وتأخر ملك بالحقيقة غير أبي يعقوب هذا
وزراؤه
وزر له أخوه عمر أياما يسيرة ثم ارتفع قدره عن الوزارة إذ رآها دونه ثم وزر له أبو العلاء إدريس بن إبراهيم بن جامع إلى أن قبض عليه واستصفى أمواله في شهور سنة 577 ووزر له بعده ابنه أبو يوسف ولي عهده إلى أن مات سنة 580 فكانت ولايته من حين بويع له إلى أن استشهد رحمة الله عليه ببلاد الروم اثنتين وعشرين سنة إلا أشهرا
كتابه
أبو محمد عياش بن عبد الملك بن عياش كاتب أبيه وأبو القاسم المعروف بالقالمي وأبو الفضل جعفر بن أحمد المعروف بابن محشوة من اهل مدينة بجاية كان يخدم أبا القاسم القالمي إلى أن مات فكتب مكانه هؤلاء كتبة الإنشاء خاصة وكتاب الجيش أبو الحسين الهوزني الأشبيلي وأبو عبد الرحمن الطوسي
حاجبه
كافور مولاه الخصي كان يدعى كافور بغرة
أولاده
كان له من الولد ثمانية عشر ذكرا وهم عمر ويعقوب وهو ولي عهده وأبو بكر وعبد الله وأحمد ويحيى كان يحيى هذا رحمه الله لي صديقا ومن جهته أكثر أخبارهم لم أر في الملوك ولا في السوقة مثله رحمه الله عليه ومااستجزت لفظة الصداقة مع أن الواجب لفظ الخدمة إلا لما كان رحمه الله يكتب إلي أخي وصديقي في بعض الأوقات ووليي في بعضها اجتمعت عندي بخطه رقاع كثيرة خلع علي فيها فضله وحلاني بما لم أكن استحقه وموسى وإبراهيم وإدريس وعبد العزيز وطلحة وإسحاق ومحمد وعبد الواحد وعثمان وعبد الحق وعبد الرحمن وإسماعيل وبنات
قضاته
أبو محمد المالقي المتقدم الذكر ثم عزله وولي بعده عيسى بن عمران التازي من أهل رباط تازا من أعمال مدينة فاس من قبيلة يقال لها تسول من البربر يرجعون إلى زناتة كان عيسى هذا من فضلاء أهل المغرب ونبهائهم وكان خطيبا مصقعا وبليغا لسنا وشاعرا مفلقا مشاركا في كثير من العلوم ونال في أيام أبي يعقوب حظوة ومكانة كان يتكلم عن الوفود ويخطب في النوازل فيأتي بكل عجيبة وكان مع هذا ذا مروءة تامة وتعصب لمن ينقطع إليه مفرط أخبرني ابنه أبو عمران قاضي الجماعة في وقتنا هذا قال سمعت أبي يقول وقد لامه بعض من يلوذ به في التنويه بأقوام ليست لهم سوابق ولا أقدار رفعهم من الحضيض جاهه ونبههم بعد الخمول اعتناؤه ليس العجب ممن يأتي إليه رجل نبيه القدر يرفعه إنما العجب ممن يحيي الميت وينبه الخامل ويرفع الوضيع فأما النبيه القدر فنباهته تكفيه وبلغ من إفراطه في التعصب أن قال يوما ليس بحماية أن تحمي صاحبك وهو محق فإن الحق أظهر وأقوى من أن يحمى إنما الحماية أن تحمية وهو مبطل في أشباه لهذه الأخبار وكان له أولاد ما منهم إلا من ولي القضاء وهم علي وكان علي هذا رجلا صالحا ولي في حياة أبيه قضاء مدينة بجاية ثم عزل عنها وولي مدينة تلمسان وهو عندنا من المشهورين بالتصميم والتبتل في دينه وممن لا تأخذه هوادة في الحق ومن أولاده طلحة ولي قضاء تلمسان ويوسف تركته قاضيا بمدينة فاس بلغتني وفاته وأنا بمكة في سنة 620 وأبو عمران موسى قاضي الجماعة في وقتنا هذا وسيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله عز وجل ثم ولي بعد أبي موسى هذا رجل اسمه حجاج بن إبراهيم التجيبي من أهل مدينة أغمات من أعمال مدينة مراكش كان حجاج هذا رجلا صالحا يعد في الزهاد المتبتلين وكان له تبحر في الفقه ومعرفة بأصوله وبصر بعلم الحديث هذا مع نزاهة نفس وطهارة عرض وتصميم في الحق أفرط في ذلك حتى ثقلت على كثير من وجوه الدولة وطأته ونالوا منه عند أبي يعقوب فما زاده ذلك إلا حبا وتقريبا إلى أن مات رحمه الله في حياة أبي يعقوب بلغ من رقة قلبه وسرعة دمعته أنه دخل يوما على أمير المؤمنين أبي يعقوب وقد بل لحيته ورداءه بدموعه فلما مثل بين يديه زاد في البكاء فسأله أمير المؤمنين عما أبكاه فقال يا أمير المؤمنين سألتك بالله ألا أعفيتني قال عزمت عليك لتخبرني أولا بسبب بكائك قال بينا أنا قاعد في مجلس الحكم إذ أتيت بشيخ سكران كنت قد حددته مرارا فكان من كلامي أن قلت له يا شيخ كيف تحشر ففتح يديه وقال هكذا فوالله ما ملكت دمعتي حين عرفت ما عني بقوله إنما عرض لي بقول النبي صلى الله عليه وسلم إن القاضي يحشر مطوقة يداه إلى عنقه فإما أن يحله عدله أو يهوي به جوره هذا معنى الحديث فأسألك بالله ألا أعفيتني فوعده بذلك فقال عسى أن يكون في مقامي هذا فقال له لا أفعل حتى أجد عوضا منك فخرج من عنده فما لبث إلا أياما يسيرة حتى مات رحمة الله عليه ثم ولي بعده القضاء أبو جعفر أحمد بن مضاء من أهل مدينة قرطبة فلم يزل أبو جعفر هذا قاضيا إلى أن مات أمير المؤمنين أبو يعقوب وصدرا من خلافة أبي يوسف المنصور رحمه الله
فصل دخول بني مردنيش في طاعة الموحدين
ولما استوسق لأبي يعقوب هذا الأمر لم يزل مقيما بمراكش إلى أن كانت سنة 567 فبدا له أن يعبر إلى جزيرة الأندلس مظهرا قصد غزو الروم ومبطنا إتمام تملك الجزيرة والتغلب على ما في يد محمد بن سعد المعروف بابن مردنيش منها وكان يملك منها ابن سعد المذكور من أول أعمال مرسية إلى آخر ما يملكه المسلمون اليوم من شرقيها وقد تقدم تلخيص التعريف بمملكته إياها ومن أين اتصلت إليه فجمع أمير المؤمنين أبو يعقوب جموعا عظيمة من قبائل الموحدين وغيرهم من أصناف الجند وسار حتى نزل مدينة سبتة فبنى له بها منزل هو باق هناك إلى اليوم فأقام بها إلى أن تكاملت جموعه ولحق به من كان تأخر عنه من العساكر ثم عبر البحر وقصد مدينة أشبيلية فنزلها وجهز العساكر إلى محمد بن سعد وكان أخو أبي يعقوب عثمان بن عبد المؤمن واليا على مدينة أغرناطة فكتب إليه أن يقصد بالعساكر إلى مدينة مرسية دار مملكة محمد بن سعد فخرج عثمان بالعساكر حتى نزل قريبا منها بموضع يدعى الجلاب وخرج إليه محمد بن سعد في جموع عظيمة أكثرها من الإفرنج لأن ابن سعد كان مستعينا بهم في حروبه قد اتخذهم أجنادا له وأنصارا وذلك حين أحس باختلاف وجوه القواد عليه وتنكر أكثر الرعية له فقتل من أولئك القواد الذين اتهمهم جماعة بأنواع من القتل بلغني أن منهم من بنى عليه في حائط وتركه حتى مات جوعا وعطشا إلى غير هذا من ضروب القتل واستدعى النصارى كما ذكرنا فجعلهم أجنادا له وأقطعهم ما كان أولئك القواد يملكونه وأخرج كثيرا من أهل مرسية وأسكن النصارى دورهم فزحف كما ذكرنا بجيشة ومعظمهم من الإفرنج فالتقى هو والموحدون بالموضع المعروف بالجلاب على أربعة أميال من مرسية فانهزم أصحاب محمد ابن سعد انهزاما قبيحا وقتل من أعيان الروم جملة ودخل محمد بن سعد مدينة مرسية مستعدا للحصار فضايقه الموحدون وما زالوا محاصرين له إلى أن مات وهو في الحصار حتف أنفه وسترت وفاته إلى أن ورد أخوه يوسف بن سعد الملقب بالرئيس من بلنسية وكان واليا عليها من جهة أخيه محمد فاجتمع رأيه ورأي أكابر ولد محمد بن سعد بعد أن أتهموا وأنجدوا وأخذوا في كل وجه من وجوه الحيل على أن يلقوا أيديهم في يد أمير المؤمنين أبي يعقوب ويسلموا إليه البلاد ففعلوا ذلك وقيل إن ابا عبد الله محمد بن سعد حين حضرته الوفاة جمع بنيه وكان له من الولد على علمي ثمانية ذكور وهم هلال يكنى أبا القمر وهو أكبر ولده وإليه أوصى وغانم والزبير وعزيز ونصير وبدر وأرقم وعسكر وأصاغر لا علم لي بأسمائهم وبنات تزوج إحداهن أمير المؤمنين أبو يعقوب وتزوج الأخرى أمير المؤمنين أبو يوسف يعقوب بن يوسف فكان فيما أوصاهم به أن قال يا بني إني أرى أمر هؤلاء القوم قد انتشر وأتباعهم قد كثروا ودخلت البلاد في طاعتهم وإني أظن أنه لا طاقة لكم بمقاومتهم فسلموا إليهم الأمر اختيارا منكم تحظوا بذلك عندهم قبل أن ينزل بكم ما نزل بغيركم وقد سمعتم ما فعلوا بالبلاد التي دخلوها عنوة ففعلوا ما أمرهم به فالله أعلم أي الأمرين كان 2 وخرج أمير المؤمنين أبو يعقوب من أشبيلية قاصدا بلاد الأدفنش لعنه الله فنزل على مدينة له عظيمة تسمى وبذة وذلك أنه بلغه أن أعيان دولة الادفنش ووجوه أجناده في تلك المدينة فاقام محاصرا له أشهرا إلى أن اشتد عليهم الحصار وأرادوا تسليم البلد أخبرني جماعة يكثر عددهم ممن أدركت من شيوخ أهل الأمر أن أهل هذه المدينة لما برح بهم العطش أرسلوا إلى أمير المؤمنين يطلبون الأمان على أنفسهم على أن يخرجوا له عن المدينة فأبى ذلك عليهم وأطعمه فيهم ما نقل إليه من شدة عطشهم وكثرة من يموت منهم فلما يئسوا مما عنده سمع لهم في بعض الليالي لغط عظيم وجلبة أصوات وذلك أنهم أخرجوا أناجيلهم واجتمع قسيسوهم ورهبانهم يدعون ويؤمن باقيهم فجاء مطر عظيم كأفواه القرب ملأ ما كان عندهم من الصهاريج وشربوا وارتووا وتقووا على المسلمين فانصرف عنهم أمير المؤمنين راجعا إلى أشبيلية بعد أن هادن الأدفنش لعنه الله مدة سبع سنين ولم يزل أمير المؤمنين مقيما بالأندلس بقية سنة سبع وثمان وتسع إلى أن رجع إلى مراكش في آخر سنة 569 وقد ملك الجزيرة بأسرها ودانت له بجملتها ولم يخرج عن طاعته شيء منها
الخارجون على طاعة الموحدين بالمغرب
وفي سنة 71 خرج إلى سوس لحسم خلاف وقع هنالك بين بعض القبائل الذين بدرن فتم له ما أراد من إخماد الفتنة وجمع الكلمة وإطفاء النائرة وحسم الخلاف وفي صدر سنة 73 رام بعض القبيلة المسماة بغمارة مفارقة الجماعة ونزع اليد من الطاعة وكان رأسهم في ذلك الذي إليه يرجعون وعميدهم الذي عليه يعولون رجل اسمه سبع بن حيان ووافقه على ذلك أخ له يسمى مرروغ فدعوا إلى الفتنة واجتمع عليهما خلق كثير والقبيلة المذكورة لا يكاد يحصرها عدد ولا يحدها حرز لكثرتها مسافة بلادها طولا وعرضا نحو من اثنتي عشرة مرحلة فخرج إليهم أمير المؤمنين أبو يعقوب بنفسه فأسلمتهما جموعهما وتفرق عنهما من كان اجتمع عليهما وأخذا قبض اليد فقتلا صبرا وصلبا ثم رجع أمير المؤمنين أبو يعقوب إلى مراكش وفي أول سنة 75 خرج أبو يعقوب من مراكش قاصدا بلاد أفريقية فقصد منها مدينة قفصة وكان قد قام بها رجل اسمه علي يعرف بابن الرند وتلقب بالناصر لدين النبي فحاصره أبو يعقوب والموحدون إلى أن استنزلوه وقطعوا دابر الخلاف وحسموا مواده ورجعوا إلى مراكش
صلح ملك صقلية
وفي هذه السفرة صالحه ملك صقلية وأرسل إليه بالأتاوة بعد أن خافه خوفا شديدا فقبل منه ما وجه به إليه وهادنه على أن يحمل إليه في كل سنة مالا اتفقا عليه وبلغني أنه اتصلت إليه منه ذخائر لم يكن عند ملك مثلها مما اشتهر منها حجر ياقوت يسمى الحافر جعلوه فيما كلوا به المصحف لا قيمة له على قدر استدارة حافر الفرس هو في المصحف إلى اليوم مع أحجار نفيسة
المصحف العثماني في المغرب
وهذا المصحف الذي ذكرناه وقع إليهم من نسخ عثمان رضي الله عنه من خزائن بني أمية يحملونه بين أيديهم أنى توجهوا على ناقة حمراء عليها من الحلي النفيس وثياب الديباج الفاخرة ما يعدل أموالا طائلة وقد جعلوا تحته بردعة من الديباج الأخضر يجعلونه عليها وعن يمينه ويساره عصيان عليهما لواءان أخضران وموضع الأسنة منهما ذهب شبه تفاحتين وخلف الناقة بغل محلى أيضا عليه مصحف آخر يقال إنه بخط ابن تومرت دون مصحف عثمان في الجرم محلى بفضة مموهة بالذهب هذا كله بين يدي الخليفة منهم ورجع أمير المؤمنين أبو يعقوب إلى مراكش من أفريقية بعد أن لم يبق بجميع المغرب مختلف عليهم ولا معاند لهم ودانت له جزيرة الأندلس بأسرها كما ذكرنا وكثرت في أيامه الأموال واتسع الخراج
حسن معاملة الموحدين لمن يغلبونهم من الملوك
وكان كما ذكرنا سخيا جوادا بلغني أنه أعطى هلال بن محمد بن سعد المتقدم الذكر صاحب شرقي الأندلس اثنى عشر ألف دينار في يوم واحد ولهلال هذا معه أخبار عجيبة من تقريبه إياه وإحسانه إليه وحبه له أخبرني بعض ولد هلال هذا أنه سمع أباه يقول رأيت في المنام في بعض الليالي كأن أمير المؤمنين أبا يعقوب ناولني مفتاحا فلما أصبحت إذا رسوله يستحثني فركبت وأتيت القصر فدخلت عليه وسلمت فاستدناني حتى مست ثيابي ثيابه ثم أخرج إلي من تحت برنسه مفتاحا على النحو الذي رأيت في المنام وقال خذ إليك هذا المفتاح فتهيبت أن أسأل عن شأن المفتاح فقال لي ابتداء يا أبا القمر إن عامل مرسية أرسل إلينا في جملة ما أرسل صندوقا وجده زعم في بعض خزائنكم لا يدري ما فيه وهذا مفتاحه ونحن لا ندري ما فيه فقلت هلا أمر أمير المؤمنين أن يفتح بين يديه فقال لو أردنا أن يفتح بين أيدينا لم نسلم إليك المفتاح وأمر فحمل الصندوق إلي ففتحته فإذا فيه حلي وذخائر من ذخائر أبي ما يساوي أكثر من أربعين ألف دينار ولما تجهز أمير المؤمنين إلى غزو الروم أمر العلماء أن يجمعوا أحاديث في الجهاد تملى على الموحدين ليدرسوها وهكذا جرت عادتهم إلى اليوم فجمع العلماء ذلك وجاءوا به إليه فكان يمليه على الناس بنفسه فكان كل واحد من الموحدين والسادة يجيء بلوح يكتب فيه الإملاء فجاء هلال هذا المذكور يوما ولا لوح معه فأخرج القوم ألواحهم فقال له الوزير أين لوحك يا أبا القمر فخجل وافتتح يعتذر فأخرج له أمير المؤمنين من تحت برنسه لوحا وناوله إياه وقال هذا لوحه فلما كان من الغد جاء ومعه لوح غير الذي دفعه له أمير المؤمنين فلما نظر إليه قال له أين لوحك بالأمس يا أبا القمر فقال خبأته وأوصيت إذا مت أن يجعل بين جلدي وكفني وأتبع ذلك بكاء حتى أبكى بعض من كان في المجلس فقال أمير المؤمنين هذا المحب الصادق وأمر له بخيل وأموال وخلع ولبنيه بمثل ذلك
اتساع الدولة وزيادة الخراج
وكان الذي يسهل عليه بذل الأموال مع ما جبل عليه من ذلك سعة الخراج وكثرة الوجوه التي يتحصل منها الأموال كان يرتفع إليه خراج أفريقية وجملته في كل سنة وفر مائة وخمسين بغلا هذا من أفريقية وحدها خلا بجاية وأعمالها وتلمسان وأعمالها والمغرب وحد عمل المغرب عندهم الذي يطلقون عليه هذا الاسم من مدينة تدعى رباط تازا إلى مدينة تدعى مكناسة الزيتون طول هذه المسافة وعرضها نحو من سبعة مراحل وهي أخصب رقعة على الأرض فيما علمت وأكثرها أنهارا مطردة وأشجارا ملتفة وزروعا وأعنابا ومدينة سلا وأعمالها وسبتة وأعمالها وأعمال سبتة هذه في غاية السعة والضخامة لأن بلاد غمارة كلها ترجع إليها وهي كما ذكرنا طولا وعرضا نحو من اثنتي عشرة مرحلة وجزيرة الأندلس قاطبة أول ذلك آخر بلاد المسلمين مما يتاخم أرض الروم وآخره أيضا مما يتاخم أرض الروم من أعمال شلب ومسافة ذلك طولا وعرضا نحو من أربع وعشرين مرحلة هذا كله لا ينازعه إياه أحد ولا يمتنع عليه منه درهم مضافا إلى مراكش وأعمالها وأعمال مراكش أيضا في نهاية من السعة لأن بالقرب منها قبائل ضخمة وبلادا كثيره فلم يرتفع لملك من الملوك أعني ملوك المغرب قبل أبي يعقوب هذا وبعده ما ارتفع إليه من الأموال وقد بلغني من جهة رجل من أصحابنا كان يتولى بيوت الأموال قال لي وجدت خرائط كثيرة مما كان يرتفع إلى أمير المؤمنين أبي يعقوب بختمها قال لي هذا القول في غرة سنة 611 وفي أيام أبي يعقوب ورد علينا المغرب أول من وردها من الغز وذلك في آخر سنة 74 وما زالوا يكثرون عندنا إلى آخر أيام أبي يوسف ولم تزل أيام أبي يعقوب هذا أعيادا وأعراسا ومواسم كثرة خصب وانتشار أمن ودرور أرزاق واتساع معايش لم ير أهل المغرب أياما قط مثلها واستمر هذا صدرا من إمارة أبي يوسف
محاولة أبي يعقوب فتح شنترين ووفاته
ولما كانت سنة 79 تجهز أبو يعقوب للغزو واستنفر أهل السهول والجبال من المصامدة والعرب وغيرهم وخرج بجيوشه قاصدا جزيرة الأندلس فعبر البحر بعساكره كما ذكرنا وقصد مدينة أشبيلية على عادته إذ هي منزله ومنزل الأمراء من بنيه بالأندلس أيام كونهم بها فاقام بها ريثما أصلح الناس شئونهم وأخذوا اهبتهم ثم خرج يقصد مدينة شنترين أعادها الله للمسلمين وهذه المدينة أعني شنترين بمغرب الأندلس وهي من أمنع المدائن وقد تقدم ذكرها في أخبار الدولة اللمتونية يملكها وجهاتها مع بلاد كثيرة هنالك ملك من ملوك النصارى يعرف بابن الريق لعنه الله فخرج أمير المؤمنين كما ذكرنا في جيوشه حتى نزل عليها فضايقها وأخذ في قطع ثمارها وإفساد زروعها وشن الغارات على نواحيها وكان ابن الريق لعنه الله حين سمع بحركة أبي يعقوب إليه وصح عنده أنه يقصده نظر في أمره فلم ير له طاقة بدفاعه ولا نهضة لمقاومته فلم يكن له هم إلا أن جمع وجوه دولته وأعيان جنده وذوي الغناء من قواده وسائر أتباعه ودخل بهم مدينة شنترين واثقا بحصانتها وشدة منعتها هذا بعد أن ملأها أقواتا وسلاحا وجميع ما يحتاج إليه وجلل أسوارها مقاتلة معهم الدرق والقسي والحراب إلى غير ذلك مما يحتاج إليه فنزل عليها أبو يعقوب فألفاها كما ذكرنا قد استعد أهلها بكل ما يظنونه نافعا ودافعا لهم عنهم وهذه المدينة على نهر عظيم من أنهار الأندلس المشهورة يسمى تاجو فبالغ أبو يعقوب كما ذكرنا في التضييق عليها وانتساف معايشها وقطع المواد والمدد عنها فما زاد ذلك أهلها إلا صرامة وشدة وجلدا فخاف المسلمون هجوم البرد وكان في آخر فصل الخريف وخافوا أن يعظم النهر فلا يستطيعوا عبوره وينقطع عنهم المدد فأشاروا على أمير المؤمنين بالرجوع إلى أشبيلية فإذا كان وجه الزمان عادوا إليها أو بعث من يتسلمها وصورا له أنها في يده لا يمنعه منها مانع فقبل ذلك منهم ووافقهم عليه وقال نحن راحلون غدا إن شاء الله ولم ينتشر هذا القول كل الانتشار لأنه كان قاله في مجلس الخاصة فكان أول من قوض خباءه وأظهر الأخذ في أهبة الرحيل أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الرحمن المعروف عندهم بالمالقي وقد تقدم ذكر أبيه في قضاة عبد المؤمن وكان أبو الحسن هذا خطيبهم ومعتبرا عندهم يدعى خطيب الخلافة وكان له حظ جيد من الفقه ومعرفة الحديث وقسم وافر من قرض الشعر وصناعة الكتابة فلما رآه الناس قوض خباءه قوضوا أخبيتهم ثقة به لمكانه من الدولة ومعرفته بأخبارها فعبر في تلك العشية أكثر العسكر النهر يريدون التقدم خشية الزحام وحرصا على أخذ جيد المواضع واختيار المنازل ولم يبق إلا من كان بقرب خباء أمير المؤمنين وبات الناس يعبرون الليل كله وأمير المؤمنين لا علم له بذلك فلما رأى الروم عبور العساكر وبلغهم من جهة عيونهم الذين بالعسكر ما عزم عليه أبو يعقوب والمسلمون من الرحيل ورأوا انفضاض الأجناد وافتراق أكثر الجموع خرجوا منتهزين للفرصة التي أمكنتهم في خيل كثيفة فحملوا على من يليهم من الناس فانهزموا أمامهم حتى بلغوا الخباء الذي فيه أمير المؤمنين أبو يعقوب فقتل على باب الخباء من أعيان الجند خلق كثير أكثرهم من أعيان الأندلس وخلص إلى أبي يعقوب فطعن تحت سرته طعنة مات منها بعد أيام يسيرة وتدارك الناس فانهزم الروم راجعين إلى بلدهم بعد أن قضوا ما قضوا وعبر بأمير المؤمنين النهر جريحا فجعل في محفة وسير به
عاقبة أبي الحسن المالقي الخطيب
وسأل أمير المؤمنين من كان السبب في حركة الناس على هذا الوجه المؤدي إلى هذا الاختلال فأخبر بما فعله أبو الحسن المالقي فقال يتوعده سيجني ثمرتها إن شاء الله فلما بلغه ذلك هرب حتى دخل مدينة شنترين فارا بنفسه على ملك الروم ابن الريق فأحسن نزله وأكرم مثواه وأجرى عليه رزقا واسعا ولم يزل عنده مكرما إلى أن بدا له من سوء رأيه أن يكتب كتابا إلى الموحدين يسعطفهم ويسأل من عرفه من أعيانهم الشفاعة له وأدرج في ضمن ذلك فصلا يذكر فيه ضعف المدينة وأنهم لو كانوا أقاموا عليها ليلة أخرى أخذوها ويدلهم على بعض عوراتها مما كان خفي عنهم وقال لملك الروم ابن الريق إني أحب أن أكتب كتابا إلى عيالي وأولادي وأخبرهم بسلامتي واعلمهم إكرام الملك إياي وإحسانه إلي وما أنا فيه من العافية حتى تطمئن نفوسهم واريد أن توجه مع الذي يحمله من يخفره إلى أول بلاد المسلمين فاذن له في ذلك وأجابه إليه فكتب الكتاب وكان العلج الموكل به الذي يقوم عليه ويأتيه بكل ما يحتاج إليه يعرف لسان العرب إلا انه لم يكن يتكلم به ويقرأ الخط العربي فقام أبو الحسن المذكور لبعض حوائجه وترك الكتاب منشورا ولم يخطر له أن العلج يعرف شيئا من لسان العرب ولا يقرأ الخط العربي فلمح العلج الكتاب لمحة ووقف على الفصل المذكور وفهم مقصوده فمضى حتى دخل على الملك وأخبره الخبر وختم أبو الحسن الكتاب ودفعه إلى بعض عبيده فلما خرج العبد بالكتاب وفصل عن المدينة بنحو من مرحلة أمر بالقبض عليه هناك وأخذ الكتاب منه فلما أتي بالكتاب فتحه وجمع المسلمين الذين بالمدينة وألقي إليهم الكتاب وأمرهم بقراءة ذلك الفصل المذكور واستحضر أبا الحسن وقال لترجمانه قل له ما حملك على ما صنعت مع إكرامي لك وبري بك فكان من جوابه أن قال إن برك بي وإكرامك إياي لا يمنعاني من النصح لأهل ديني والدلالة لهم على ما فيه مصلحتهم فشاور ابن الريق لعنه الله قسيسيه في أمره فاشاروا عليه بإحراقه فأحرقوه
وفاة الأمير أبي يعقوب
وأما ما كان من أمر أمير المؤمنين أبي يعقوب فإنهم لما عبروا به النهر كما ذكرنا أثقله الجرح واشتد عليه فما ساروا به إلا ليلتين أو ثلاثا حتى مات رحمه الله فأخبرني من كان معهم في تلك السفرة أنه سمع النداء فيما بين العشاءين في العسكر كله الصلاة على الجنازة جنازة رجل فصلى الناس قاطبة على الجنازة لا يعرفون على من صلوا ولم يعلم بذلك إلا خواص أهل الدولة وساروا به حتى بلغوا أشبيلية فنزلوها فصبروه وبعثوا به في تابوت مع كافور الحاجب مولاه المتقدم الذكر إلى تينمل فدفن هناك مع أبيه عبد المؤمن وابن تومرت وكانت وفاته يوم السبت قبيل غروب الشمس لسبع خلون من رجب الفرد سنة 580 أخبرني ابنه أبو زكريا يحيى رحمة الله عليه أنه كان قبل موته بأشهر يسيرة كثيرا ما يردد هذا البيت % طوى الجديدان ما قد كنت أنشره % وأنكرتني ذوات الأعين النجل %
ذكر ولاية أبي يوسف يعقوب بن يوسف ابن عبد المؤمن
هو يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي كما ذكرنا يكنى أبا يوسف امه أم دولد رومية اسمها ساحر بويع له في حياة أبيه بأمره بذلك وكانت سنه يوم صار إليه الأمر اثنتين وثلاثين سنة فكانت مدة ولايته منذ وفاة أبيه إلى أن توفي في شهر صفر الكائن في سنة 595 ست عشر سنة وثمانية أشهر وأياما وتوفي وله من العمر ثمان وأربعون سنة وقد وخطه الشيب
صفته
كان صافي السمرة جدا إلى الطول ما هو جميل الوجه أعين أفوه اقنى شديد الكحل مستدير اللحية ضخم الأعضاء جهوري الصوت جزل الألفاظ أصدق الناس لهجة وأحسنهم حديثا وأكثرهم إصابة بالظن كان لا يكاد يظن شيئا إلا وقع كما ظن مجربا للأمور عارفا بأصول الشر والخير وفروعهما ولي الوزارة أيام أبيه فبحث عن الأمور بحثا شافيا وطالع أحوال العمال والولاة والقضاة وسائر من ترجع إليه الأمور مطالعة أفادته معرفة جزئيات الأمور فدبرها بحسب ذلك فجرت أموره على قريب من الاستقامة والسداد حسبما يقتضيه الزمان والإقليم
أولاده
كان له من الولد محمد ولي عهده وسيأتي ذكر مولده ووفاته وإبراهيم وعبد الله وعبد العزيز وأبو بكر وزكريا وإدريس وعيسى وموسى وصالح وعثمان ويونس وسعد ومساعد والحسن والحسين هؤلاء أولاده المخلفون بعده ومات له في حياته عدة من الولد وله بنات فيهن كثرة
وزراؤه
أبو حفص عمر بن أبي زيد الهنتاتي إلى أن مات ثم وزر له بعده أبو يحيى أبو عبد الله بن عبد الله بن أبي حفص عمر إينتي المتقدم الذكر واستمرت وزراة أبي يحيى هذا إلى أن استشهد رحمه الله ببلاد الروم على ما سيأتي بيانه إن شاء الله فاضطرب أمر الوزارة قليلا ثم وقع اختيارهم على أبي بكر محمد بن أبي بكر بن الشيخ أبي حفص المتقدم الذكر وأبو عبد الله هذا هو الملقب عندهم بالفيل هو ابن عم الوزير الشهيد أبي يحيى المذكور آنفا فوزر أبو عبد الله هذا أياما يسيرة ثم ترك الوزارة مختارا وهرب إلى بعض نواحي أشبيلية فخلع ثيابه ولبس عباءة وتزهد فأرسلوا إليه من رده وأعفوه من الوزارة ثم وزر له أبو زيد عبد الرحمن بن موسى بن يوجان الهنتاتي فلم يزل عبد الرحمن هذا وزيرا إلى أن مات أبو يوسف وصدرا من إمارة ابنه أبي عبد الله ثم عزل عن الوزارة
حجابه
عنبر الخصي مولاه ثم ريحان الخصي مولاه أيضا إلى أن مات وحجب ابنه أبا عبد الله فلم يزل حاجبا له إلى أن مات ريحان المذكور
كتابه
أبو الفضل جعفر المعروف بابن محشوة كان من كتاب أبيه حسبما تقدم جمع أبو الفضل جعفر هذا إلى براعة الكتابة سعة الرواية وغزارة الحفظ وذكاء النفس لم يزل كاتبا له إلى أن توفي أعني أبا الفضل فكتب له بعده أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عياش من أهل برشانة من أعمال المرية من بلاد الأندلس لم يزل أبو عبد الله هذا كاتبا له ولابنه محمد ولابن ابنه يوسف تركته حيا حين ارتحلت عن البلاد سنة 614 ثم اتصلت بي وفاته في شهور سنة 619 وانا يومئذ بالبلاد المصرية هذان الكاتبان اللذان ذكرناهما كاتبا الإنشاء خاصة وكتاب الجيش رجل يعرف بالكباشي ذهب عني اسمه وقد كان يكتب قبله أبو الحسن بن مغن استمرت كتابة الكباشي هذا ديوان الجيش إلى أن مات أمير المؤمنين أبو يوسف ولم يكتب لهم منذ قام أمرهم أعني من كتبة الإنشاء من عرف طريقتهم وصب في قالبهم وجرى على ميعهم وأصاب ما في أنفسهم كأبي عبد الله ابن عياش هذا فإن القوم لهم طريقة تخالف طريقة الكتاب ثم جرى الكتاب بعده على أسلوبه وسلكوا مسلكه لما رأوا من استحسانهم لتلك الطريقة
قضاته
أبو جعفر أحمد بن مضاء المتقدم الذكر إلى أن مات وولي بعده أبو عبد الله محمد بن مروان من أهل مدينة وهران ثم عزله وولي بعده أبا القاسم أحمد بن محمد رجلا من ولد بقي بن مخلد الفقيه المحدث الذي يروي عن أحمد بن حنبل وقد تقدم ذكر بقي هذا وطرف من أخباره في صدر الدولة الأموية في أخبار الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام ابن عبد الرحمن بن معاوية الداخل بالأندلس لم يزل أبو القاسم هذا قاضيا إلى أن توفي أمير المؤمنين أبو يوسف وشيئا من ايام ابنه محمد
تلخيص التعريف بخبر بيعته
ولما مات أبو يعقوب كما ذكرنا على مراحل من مدينة شنترين سترت وفاته إلى أن بلغوا أشبيلية وهم في كل يوم يصبحون يمشون بين يدي الدابة التي عليها المحفة مشاة على أرجلهم كما جرت العادة ثم يركبون والمحفة مسدول عليها ستر أخضر إلى أن بلغوا أشبيلية كما ذكرنا فخرج الإذن من أمير المؤمنين أبي يعقوب زعموا بتجديد البيعة لابنه أبي يوسف فبايعه المصامدة والناس عامة من جميع الأصناف وكان الذي سعى في بيعته وقام بها ورغب فيها وتولى كبر أمرها ابن عمه أبو زيد عبد الرحمن بن عمر بن عبد المؤمن فتم له الأمر وبايعه الناس يحسبون ذلك بإذن أبيه فلما فرغ مما أراده من ذلك وتهيأ له أعلن وفاة أبيه عند خواص الدولة ولم تجر عادتهم بإعلان موت خلفائهم عند العامة إلى هلم وكان له من إخوته وعمومته منافسون لا يرونه أهلا للإمارة لما كانوا يعرفون من سوء صباه فلقي منهم شدة على ما سيأتي بيانه وكانت هذه البيعة العامة كما ذكرنا في سنة 580 ولما استوسق أمره على ما تقدم عبر البحر بعساكره وسار حتى نزل مدينة سلا وبها تمت بيعته واستجاب له من كان تلكأ عليه من أعمامه من ولد عبد المؤمن بعد ما ملأ أيديهم أموالا وأقطعهم الأقطاع الواسعة
بنيان مدينة الرباط
ثم شرع في بنيان المدينة العظمي التي على ساحل البحر والنهر من العدوة التي تلي مراكش وكان أبو يعقوب رحمه الله هو الذي اختطها ورسم حدودها وابتدأ في بنيانها فعاقه الموت المحتوم عن إتمامها فشرع أبو يوسف كما ذكرنا في بنيانها إلى أن أتم سورها وبنى فيها مسجدا عظيما كبير المساحة واسع الفناء جدا لا أعلم في مساجد المغرب أكبر منه وعمل له مأذنة في نهاية العلو على هيئة منار الإسكندرية يصعد فيه بغير درج تصعد الدواب بالطين والآجر والجص وجميع ما يحتاج إليه إلى أعلاها ولم يتم هذا المسجد إلى اليوم لأن العمل ارتفع عنه بموت أبي يوسف ولم يعمل فيه محمد ولا يوسف شيئا وأما المدينة فتمت في حياة أبي يوسف وكملت أسوارها وأبوابها وعمر كثير منها وهي مدينة كبيرة جدا تجيء في طولها نحوا من فرسخ وهي قليلة العرض ثم خرج بعد أن رتب أشغال هذه المدينة وجعل عليها من أمناء المصامدة من ينظر في أمر نفقاتها وما يصلحها فلم يزل العمل فيها وفي مسجدها المذكور طول مدة ولايته إلى سنة 594 وسار هو حتى نزل مراكش
طمع بني غانية في التغلب على أفريقية
وفي هذه السنة أعني سنة 80 خرج الميرقيون بنو ابن غانية من جزيرة ميرقة قاصدين مدينة بجاية فملكوها وأخرجوا من بها من الموحدين وذلك لست خلون من شعبان من السنة المذكورة وهذا أول اختلال وقع في دولة المصامدة لم يزل أثره باقيا إلى وقتنا هذا وهو سنة 621
التعريف ببني غانية ودار ملكهم
وتلخيص خبر هؤلاء القوم أعني بني غانية أن أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين وجه إلى الأندلس برجلين اسم أحدهما يحيى والآخر محمد ابني علي من قبيلة مسوفة يعرفان بابني غانية وهي أمهما فأما يحيى منهما وهو الأكبر فكان حسنه من حسنات الدهر اجتمع له من المناقب ما افترق في كثير من الناس فمنها أنه كان رجلا صالحا شديد الخوف لله عز وجل والتعظيم له والاحترام للصالحين هذا مع علو قدم في الفقه واتساع رواية للحديث وكان مع هذا شجاعا فارسا إذا ركب عد وحده بخمسمائة فارس وكان علي بن يوسف يعده للعظائم ويستدفع به المهمات وأصلح الله على يديه كثيرا من جزيرة الأندلس ودفع به عن المسلمين غير مرة مكارة قد كانت نزلت بهم كان أمير المسلمين ولاه مدينة بلنسية ثم عزله عنها وولاه قرطبة فلم يزل بها واليا إلى أن مات رحمة الله عليه أول الفتنة الكائنة على المرابطين لا أعلم له عقبا
محمد بن غانية
وكان أخوه محمد واليا من قبله على بعض أعمال قرطبة فلما مات اضطرب أمر محمد هذا وبقي يجول في بلاد الأندلس والفتنة تتزيد ودعوة المصامدة تنتشر فلما اشتد خوف محمد هذا أتى مدينة دانية فعبر منها إلى جزيرة ميرقة في حشمه وأهل بيته فملكها والجزيرتين اللتين حولها منرقه ويابسة ويقال إن أمير المسلمين علي بن يوسف نفاه إليها على طريق السجن بها فالله أعلم وهذه الجزيرة أعني ميرقة أخصب الجزر أرضا وأعد لها هواء وأصفاها جوا طولها وعرضها نحو من ثلاثين فرسخا اتفق أهلها على أنهم لم يروا فيها شيئا من الهوام المؤذية قط منذ عمرت من ذئب أو سبع أو حية أو عقرب إلى غير ذلك مما يخشى ضرره ويجاورها بالقرب منها جزيرتان تقربان منها في الخصب تسمى إحداهما منرقة والأخرى يابسة وقد تقدم ذكرهما فاستقل محمد بمملكة هذه الجزر وضبطها لنفسه واقام فيها جاريا على أمر لمتونة الأول يدعو لبني العباس وكان له من الولد عبد الله وإسحاق والزبير وطلحة وبنات فعهد في حياته إلى أكبر ولده عبد الله فنفس ذلك عليه أخوه إسحاق ودخل عليه في جماعة من الجند وعبيد له فقتله قيل في حياة أبيه وقيل بعد وفاته وتوفي عبد الله المذكور
اسحاق بن محمد
واستقل أبو إبراهيم بالملك استقلالا حسنا وحسنت حاله وكثر الداخلون عليه بجزيرة ميرقة من فل لمتونة وبقاياهم فكان يحسن إليهم ويصلهم حسب طاقته وأقبل على الغزو وصرف عنايته إليه فلم يكن له هم غيره فكان له في كل سنة سفرتان إلى بلاد الروم يغنم ويسبى وينكى في العدو أشد نكاية إلى أن امتلأت أيدي أصحابه أموالا فقوي بذلك أمره وتشبه بالملوك ولم يزل هذه حاله إلى أن توفي في سنة 79 وفي أولها وفي آخر أيام أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن وكان يراسل الموحدين ويهاديهم ويهادنهم ويختصهم من كل ما يسبى ويغنم بنفيسه وجيده يشغلهم بذلك عنه مع احتقارهم لأمر تلك الجزيرة وقلة التفاتهم إليها فلما كان في شهور سنة 578 والوا إليه الكتب يدعونه إلى الدخول في طاعتهم والدعاء لهم على المنابر ويتوعدونه على ترك ذلك فوعدهم ذلك واستشار وجوه أصحابه فاختلفوا عليه فمن مشير عليه بالامتناع بمكانه وحاض له على الدخول فيما دعوه إليه فلما رأى اختلافهم أرجأ الأمر إلى أن ينظر وخرج إلى بلاد الروم غازيا فاستشهد رحمه الله هناك وقيل إنه طعن طعنة في حلقه لم يمت منها مكانه وإنما جيء به حيا حتى ادخل قصره فمات فيه فالله أعلم وكان له من الولد علي وهو أكبر ولده والقائم بأمره من بعده وعبد الله ويحيى وأبو بكر وسير وتاشفين ومحمد والمنصور وإبراهيم توفي إبراهيم هذا بدمشق حين كان نازلا بها على السلطان الملك العادل
علي بن إسحاق
ولما توفي أبو إبراهيم إسحاق بن محمد المذكور قام بالأمر من بعده ابنه علي بعهد أبيه إليه وخرج بأسطول ميرقة إلى العدوة وقصد مدينة بجاية حين راسله جماعة من أعيانها على ما يقال يدعونه إلى أن يملكوه ولولا ذلك لم يجسر على الخروج ومما جرأه أيضا كون الموحدين بالأندلس وسماعه خبر موت أبي يعقوب واشتغالهم ببيعة أبي يوسف وظن أن الأمر سيضطرب وأن الخلاف سينشأ فكان هذا أيضا مما أعانه على الخروج ولولا هذه الأسباب التي ذكرنا لم يجسر على الخروج فقصد ساحل بجاية فنزل به فقاتله أهلها قتالا غير كثير ثم دخلها وكان دخوله إياها كما ذكرنا يوم الاثنين لست خلون من شعبان من السنة المذكورة
استطراد عن انتقاض العرب بأفريقية على الموحدين
وكان فيها إذ دخلها أبو موسى عيسى بن عبد المؤمن لم يكن واليا عليها وإنما كان الوالي عليها أبو الربيع سليمان بن عبد الله بن عبد المؤمن وكان أبو موسى مارا بها حين رجع من أفريقية وكان واليا عليها هو وأخوه الحسن من قبل أخيهما أبي يعقوب فظهر من العرب إفساد ببعض نواحي أفريقية فخرج أبو موسى هذا وأخوه أبو علي بجيش من المصامدة ومن انضاف إليهم من العرب وسائر الجند فالتقوا هم وأولئك العرب المفسدون فانهزم جند أفريقية عنهما وأخذتهما العرب أسيرين فأقاما عندهم وانتهى الخبر إلى أبي يعقوب فأرسل إلى أولئك العرب فطلبوا مالا اشتطوا فيه غاية الاشتطاط ثم إن الأمر تقرر بينهم وبين الموحدين على ستة وثلاثين ألف مثقال فلما أخبر بذلك أبو يعقوب استكثر المال وقال هذه أيضا مضرة أخرى إن أعطيناهم مثل هذا المال تقووا به على ما يريدونه من الفساد ثم اتفق رأيهم على أن يضربوا لهم دنانير من الصفر مموهة ففعلوا ذلك وأرسلوا بها إليهم فأطلقوا أبا علي وأبا موسى ومن كان معهما من خدمهما وحاشيتهما فهذا ما أوجب كون أبي موسى ببجاية فخرج من أسر العرب إلى أسر الميرقيين
رجع الحديث عن بني غانية في بجاية
فدخل علي بن إسحاق كما ذكرنا بجاية في اليوم المؤرخ وأقام بها سبعة أيام صلى فيها الجمعة فخطب ودعا لبني العباس ثم للإمام أبي العباس أحمد الناصر منهم وكان خطيبه الفقيه الإمام المحدث المتقن أبو محمد عبد الحق ابن عبد الرحمن الأزدي الأشبيلي مؤلف كتاب الأحكام وغيره من التآليف فأحنق ذلك عليه أبا يوسف يعقوب أمير المؤمنين ورام سفك دمه فعصمه الله منه وتوفاه حتف أنفه وفوق فراشه وخرج علي بن إسحاق من بجاية بعد أن أسس أموره فيها وسار حتى نزل على قلعة بني حماد فملكها وملك جميع تلك النواحي فانتهى ذلك إلى امير المؤمنين يعقوب فخرج بالموحدين قاصدا مدينة بجاية فلما سمع علي بقدومه خرج له عنها وقصد بلاد الجريد
استرجاع بجاية من يد الميورقيين
ونزل أمير المؤمنين بالقرب من بجاية فتلقاه أهلها فلقيهم منشرح الصدر ظاهر البشر وقال لهم من القول ما بسط به نفوسهم ورد إليهم نافر أنسهم وقد كانوا يظنون غير ذلك فخرجوا من عنده متعجبين مما رأوا منه وسمعوا واستعمل على بجاية من أعيان الموحدين رجلا اسمه محمد بن أبي سعيد الجنفيسي ثم سار حتى نزل مدينة تونس فجهز جيشا عظيما أمر عليهم رجلا من ولد عمر بن عبد المؤمن اسمه يعقوب وذلك لما كانوا يرونه في ملحمة كانت عندهم من أنهم سيهزمون مع رجل اسمه يعقوب بموضع يعرف بوطا عمره فسار يعقوب هذا بالجيش المذكور وأقام هو في تونس فكانت الهزيمة على يعقوب بن عمر كما ذكر وذلك أن الموحدين التقوا هم وأصحاب علي بن غانية فانهزم الموحدون انهزاما قبيحا واتبعتهم العرب والبربر يقتلونهم في كل وجه وهلك أكثرهم عطشا ورجع بقيتهم إلى تونس حيث أمير المؤمنين فلم شعثهم وجبر ما وهي من أحوالهم وخرج هو بنفسه حتى لقي على بن غانية بموضع يعرف بالحامة حامة دقيوس فما وقف أصحاب علي إلا يسيرا حتى انكشفوا عنه وأبلى هو عذرا فاثخن جراحا وخرج فارا بنفسه فمات في خيمة لعجوز أعرابية وكان حين خرج من ميرقة خرج معه من إخوته عبد الله ويحيى وأبو بكر وسير فبقي هؤلاء المذكورون بعد موت أخيهم على من كان معهم من أصحابهم ثم رأوا أن يقدموا عليهم يحيى لما رأوا من شهامته وشجاعة نفسه فقدموه ثم لحقوا بالصحراء فكانوا بها مع العرب الكائنين هناك إلى أن رجع أمير المؤمنين من هذا الوجه
استرجاع قفصة
وفي هذه السفرة انتقضت عليهم أيضا مدينة قفصة ونزع أهلها أيديهم من طاعتهم ودعوا للميرقيين فنزل عليها أمير المؤمنين أبو يوسف فحاصرها أشد الحصار ثم دخلها عنوة فقتل أهلها قتلا ذريعا بلغني أنه قتل أكثرهم ذبحا وأمرا باسوارها فهدت
إبراهيم الزويلي الكاتب
وفي ذلك يقول رجل من أصحابنا من الكتاب اسمه إبراهيم يعرف عندنا بالزويلي في قصيدة طويلة له يمدح بها أمير المؤمنين أبا يوسف ويذكر شأن قفصة ورميهم إياها بحجارة المنجنيق % سائل بقفصة هل كان الشقي لها % بعلا وكانت له حمالة الحطب % % تبت يدا كافر بالله ألهبها % فكان كالكافر الأشقى أبي لهب % $ وفيها يقول % لما زنت وهي تحت الأمر محصنة % حصبتموها اتباع الشرع بالحصب % $ أنشدني رحمه الله هذه القصيدة بلفظه من أولها إلى آخرها فلما انتهى إلى هذا البيت لما زنت غلبني الضحك لما سبق إلى خاطري من سوء معناه فسترت وجهي فقال لي مالك فلم أملك أن قهقهت فتغير لي فلما خفت غضبه أخبرته بما سبق إلى خاطري فسبني وقال لي أنت والله شيطان سيء القريحة غالب على طباعك اللهو واستمر في إنشاده حتى أتم القصيدة وأبو إسحاق الزويلي هذا من شيوخ الكتاب وظرفاء الشعراء جمعتني وإياه مجالس عند السيد الأجل أبي زكريا يحيى بن يوسف بن عبد المؤمن شاهدت فيها من ظرفه وغزارة بديهته ما قضيت منه العجب
رجع الحديث عن بني غانية
ولما فرغ أبو يوسف من أمر أفريقية كر راجعا إلى المغرب ولم يزل يحيى بن غانية قائما بما كان يقوم به أخوه من تدبير الأمور ورجع منهم عبد الله خاصة إلى جزيرة ميرفة فألفاها قد انتقضت عليهم ودعي فيها للموحدين فعل ذلك أخوهم أبو عبد الله محمد بن إسحاق فلما قدم عبد الله قام معه علج من علوج أبيه يسمى نجاحا كان نجاح هذا لم ينقض عهدا ولا نزع يدا من طاعة وكان متحصنا في قلعة ومعه جماعة على رأيه من الموالي والجند فلما قدم عبد الله كما ذكرنا تلقوه وانضاف إليهم خلق من بوادي الجزيرة من الفلاحين ورعاة الغنم فنهد بهم عبد الله إلى المدينة فلم يدفعه عنها أحد ولا امتنع عليه من أهلها ممتنع ففتحوا له الأبواب ودخلها بمن معه وأخرج أخاه محمدا ونفاه إلى الأندلس فحظي محمد هذا عند المصامدة حظوة عظيمة وولوه مدينة دانية فلم يزل واليها عليها حتى مات واستقر عبد الله بميرقة فضبط أمرها وجرى في الغزو وإخافة العدو على سنن أبيه فلم يزل كذلك إلى أن دخلها عليه الموحدون في سنة 599 على ما سيأتي بيانه إن شاء الله ولم يزل أمر يحيى بأفريقية ينبه تارة ويخمل أخرى وله أخبار يطول شرحها ويخرج عن الغرض بسطها
اختلاف بني عبد المؤمن
وحين كان أمير المؤمنين أبو يوسف غائبا في هذا الوجه الذي ذكرنا طمع في الأمر أخوه أبو حفص عمر المتلقب بالرشيد وعمه سليمان بن عبد المؤمن وكان أحدهما بشرقي الأندلس بمدينة مرسية والآخر بتادلا من بلاد صنهاجة
فأما أبو الربيع سليمان فسولت له نفسه وزين له سوء رأيه أن يجمع على نفسه قبائل صنهاجة ليقوموا بدعوته وصرح بذلك ودعا أشياخهم فألقى إليهم ما أراد فلم يتفق له من ذلك أكثر من أن تشعثت عليه البلاد وانتشرت عنه هذه الأشنوعة القبيحة وبلغ الخبر أمير المؤمنين وأما عمر فكان قد بدأ من ذلك بتنقص أمير المؤمنين أبي يوسف على رءوس الأشهاد تعريضا مرة وتصريحا تارة وإلقاء ذلك إلى خواصه ليلقوه إلى وجوه الأندلس وانتهى أن قتل قاضي مرسية وخطيبها المعروف بابن أبي جمرة وقيل إنه وكزه برئاس السيف في صدره وكزة مات منها بعد أيام فاستحثت هذه الأخبار أمير المؤمنين وأزعجته فعجل من بجاية إلى فاس سبع عشرة مرحلة وهذا نهاية ما يكون من سرعة السير لمثله فلما سمع بقدومه أبو الربيع سليمان وعمر المذكوران خرجا يلتقيانه فعبر عمر البحر وجاء سليمان بمن معه من تادلا للقائه أيضا فأما عمر فلقيه بالقرب من مدينة مكناسة فلما رآه نزل عن دابته على العادة ليسلم عليه فلما قرب منه لم تدر بينهما كلمتان حتى أمر بالقبض عليه وتقييده وحمل بعد التقييد إلى مدينة سلا ولقيه سليمان عمه ففعل به مثل ذلك وسار حتى نزلا مدينة سلا وفصل عنها بعد أن وكل بهما من يقوم عليهما وأثقلهما بالحديد وسار حتى بلغ مراكش فكتب إلى القائم عليهما بقتلهما وتكفينهما والصلاة عليهما ودفنهما فقتلهما صبرا ودفنهما وكتب يعلمه بذلك فبلغني أنه قال له بنيت قبريهما بالكدان والرخام وجعل يذكر حسنهما فكتب إليه مالنا ولدفن الجبابرة إنما هما رجلان من المسلمين فادفنهما كيف يدفن عامة المسلمين وبعد قتله هذين الرجلين هابه بقية القرابة وأشربت قلوبهم خوفه بعد أن كانوا متهاونين بأمره محتقرين له لأشياء كانت تظهر منه في صباه توجب ذلك وكان قتله هذين الرجلين في سنة 583 وأظهر بعد ذلك زهدا وتقشفا وخشونة ملبس ومأكل وانتشر في أيامه للصالحين والمتبتلين وأهل علم الحديث صيت وقامت لهم سوق وعظمت مكانتهم منه ومن الناس ولم يزل يستدعي الصالحين من البلاد ويكتب إليهم يسألهم الدعاء ويصل من يقبل صلته منهم بالصلات الجزيلة
دعوة أبي يوسف إلى الأخذ بالكتاب والسنة
وفي أيامه انقطع علم الفروع وخافه الفقهاء وأمر بإحراق كتب المذهب بعد أن يجرد ما فيها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ففعل ذلك فأحرق منها جملة في سائر البلاد كمدونة سحنون وكتاب ابن يونس ونوادر ابن أبي زيد ومختصره وكتاب التهذيب للبراذعي وواضحة ابن حبيب وما جانس هذه الكتب ونحا نحوها لقد شهدت منها وأنا يومئذ بمدينة فاس يؤتى منها بالأحمال فتوضع ويطلق فيها النار وتقدم إلى الناس في ترك الاشتغال بعلم الرأي والخوض في شيء منه وتوعد على ذلك بالعقوبة الشديدة وأمر جماعة ممن كان عنده من العلماء المحدثين بجمع أحاديث من المصنفات العشرة الصحيحين والترمذي والموطأ وسنن أبي داود وسنن النسائي وسنن البزار ومسند ابن أبي شيبة وسنن الدارقطني وسنن البيهقي في الصلاة وما يتعلق بها على نحو الأحاديث التي جمعها محمد بن تومرت في الطهارة فأجابوه إلى ذلك وجمعوا ما أمرهم بجمعه فكان يمليه بنفسه على الناس ويأخذهم بحفظه وانتشر هذا المجموع في جميع المغرب وحفظه الناس من العوام والخاصة فكان يجعل لمن حفظه الجعل السني من الكسا والأموال وكان قصده في الجملة محو مذهب مالك وإزالته من المغرب مرة واحدة وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده إلا أنهما لم يظهراه وأظهره يعقوب هذا يشهد لذلك عندي ما أخبرني غير واحد ممن لقي الحافظ أبا بكر بن الجد أنه أخبرهم قال لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب أول دخلة دخلتها عليه وجدت بين يديه كتاب ابن يونس فقال لي يا أبا بكر أنا أنظر في هذه الآراء المتشعبة التي أحدثت في دين الله أرأيت يا أبا بكر المسألة فيها أربعة أقوال أو خمسة أقوال أو أكثر من هذا فأي هذه الأقوال هو الحق وأيها يجب أن يأخذ به المقلد فافتتحت ابين له ما أشكل عليه من ذلك فقال لي وقطع كلامي يا أبا بكر ليس إلا هذا وأشار إلى المصحف أو هذا وأشار إلى كتاب سنن أبي داود وكان عن يمينه أو السيف فظهر في أيام يعقوب هذا ما خفي في أيام أبيه وجده ونال عنده طلبة العلم أعني علم الحديث مالم ينالوا في أيام أبيه وجده وانتهى أمره معهم إلى أن قال يوما بحضرة كافة الموحدين يسمعهم وقد بلغه حسدهم للطلبة على موضعهم منه وتقريبه إياهم وخلوته بهم دونهم يا معشر الموحدين أنتم قبائل فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيلته وهؤلاء يعني الطلبة لا قبيل لهم إلا أنا فمهما نابهم أمر فأنا ملجؤهم وإلي فزعهم وإلي ينتسبون فعظم منذ ذلك اليوم أمرهم وبالغ الموحدون في برهم وإكرامهم
استرجاع مدينة شلب
ولما كان في سنة 585 قصد بطروبن الريق لعنه الله مدينة شلب من جزيرة الأندلس فنزل عليها بعساكره وأعانه من البحر الإفرنج بالبطس والشواني وكان قد وجه إليهم يستدعيهم إلى أن يعينوه على أن يجعل لهم سبي البلد وله هو المدينة خاصة ففعلوا ذلك ونزلوا عليها من البر والبحر فملكوها وسبوا أهلها وملك ابن الريق لعنه الله البلد وتجهز أمير المؤمنين في جيوش عظيمة وسار حتى عبر البحر ولم يكن له هم إلا مدينة شلب المذكورة فنزل عليها فلم تطق الروم دفاعه وخرجوا عنها وعما كانوا قد ملكوه من أعمالها ولم يكفه ذلك حتى أخذ حصنا من حصونهم عظيما يقال له طرش ورجع إلى مراكش
طامع آخر من بني عبد المؤمن
وبعد رجوعه مرض مرضا شديدا خيف عليه منه وكان قد ولى أخاه أبا يحيى الأندلس فجعل يتلكأ في خروجه ويبطئ تربصا به وطمعا في وفاته وكلما أفاق هو سأل هل عبر أبو يحيى أم لا فلما بلغ أبا يحيى استحثاثه إياه أسرع إلى العبور وهو لا يشك أن أول ما يرد عليه خبر وفاته فاستمال أشياخ الجزيرة ودعاهم إلى نفسه وقال ما تركت أمير المؤمنين إلا هامة اليوم أو غد وليس لها غيري فجعل أشياخ الجزيرة يحيل بعضهم على بعض وأهل بلد على أهل بلد حتى بلغ مرسية وكتبوا بذلك مساطير خوفا على أنفسهم وافاق أمير المؤمنين من مرضه واشار عليه الأطباء بالسفر فخرج قاصدا مدينة فاس يحمل في محفة على بغلين وبلغه أمر أبي يحيى المذكور وجاءته كتب أهل الأندلس والمساطير التي كتبوها ولما سمع أبو يحيى بحركته جاء معتذرا إليه حتى عبر البحر فلقيه بمدينة سلا فلما وقعت عينه عليه قال لمن عنده هذا الشقي قد جاء وأمر به فقيد ووجه إلى أشياخ الأندلس فحضروا وأدوا شهاداتهم وأمر به فاحضر وقال إنما أقتلك بقوله صلى الله عليه وسلم إذا بويع خليفتان بأرض فاقتلوا الآخر منهما وأمر به فضربت عنقه تولى قتله أخوه لأبيه عبد الرحمن ابن يوسف قتله أخوه لأبيه عبد الرحمن ابن يوسف وذلك بمحضر من الناس وأمر به فكفن ودفن وأقبل على القرابة فنال منهم بلسانه وأخذ منهم أخذا شديدا وأمر بإخراجهم على أسوأ حال حفاة عراة الرءوس فخرجوا وكل واحد منهم لا يشك أنه مقتول ولم يزل أمر القرابة من يومئذ في خمول وهلم وقد كانوا قبل ذلك لا فرق بين أحدهم وبين الخليفة سوى نفوذ العلامة فكان جملة من قتل يعقوب أخويه وعمه
وقعة الأرك
ولما كان في سنة 90 انتقض ما بينه وبين الأدفنش لعنه الله من العهد فخرجت خيل الأدفنش تدوس البلاد وتجوس خلالها إلى أن كثر عيثها بالأندلس وتجهز أمير المؤمنين وأخذ في العبور فعبر البحر في جمادى الآخرة من سنة 591 بجموع عظيمة ونزل مدينة أشبيلية فلم يقم بها إلا يسيرا ريثما اعترض الجند وقسم الأموال وخرج يقصد بلاد الروم وسمع الأدفنش لعنه الله بقصده فتجهز هو أيضا في جموع ضخمة والتقوا بموضع يعرف بفحص الحديد وكان الأدفنش قد جمع جموعا لم يجتمع له مثلها قط فلما تراءى الجمعان اشتد خوف الموحدين وساءت ظنونهم لما رأوا من كثرة عدوهم وأمير المؤمنين في ذلك كله لا مستند له إلا الدعاء والاستعانة بكل من يظن عنده خيرا من الصالحين فلما كان يوم الأربعاء وهو الثالث من شعبان من هذه السنة المذكورة التقى المسلمون وعدوهم فأنزل الله على الموحدين نصره وأفرغ عليهم صبره ومنحهم أكتاف الروم وكانت الدائرة على الأدفنش لعنه الله وأصحابه ولم ينج إلا هو في نحو من ثلاثين من وجوه قواده واستشهد من المسلمين جماعة من أعيان الموحدين وغيرهم منهم الوزير أبو يحيى أبو بكر بن عبد الله ابن الشيخ أبي حفص المتقدم الذكر في وزراء أبي يوسف وخرج أمير المؤمنين بنفسه حتى أتى قلعة رباح وقد انجلى عنها أهلها فدخلها وأمر بكنيستها فغيرت مسجدا فصلى فيها المسلمون واستولى على ما حول طليطلة من الحصون ثم رجع إلى مدينة أشبيلية منصورا مفتوحا عليه وكانت هذه الهزيمة أختا لهزيمة الزلاقة المتقدم ذكرها في مدة يوسف ابن تاشفين أمير المرابطين وأقام أمير المؤمنين بأشبيلية بقية سنة 591 وقصد بلاد الروم في السنة الثانية فنزل على مدينة طليطلة بعساكره فقطع أشجارها وانتسف معايشها وغور مياهها وأنكى في الروم أشد نكاية ثم عاد في السنة الثالثة أيضا وتوغل بلاد الروم ووصل إلى مواضع لم يصل إليها ملك من ملوك المسلمين قط ورجع إلى مدينة أشبيلية فأرسل الأدفنش إليه لعنه الله يسأله المهادنة فهادنه إلى عشر سنين فعبر البحر بعد أن أصلح الجزيرة ورتب فيها من يقوم بحمايتها وقصد مدينة مراكش وذلك في سنة 594
عزم أبي يوسف على قصد مصر ووفاته
فبلغني عن غير واحد أنه صرح للموحدين بالرحلة ألى المشرق وجعل يذكر البلاد المصرية وما فيها من المناكر والبدع ويقول نحن إن شاء الله مطهروها ولم يزل هذا عزمه إلى أن مات رحمه الله في صدر سنة 595 كما ذكر ودفن بتينمل مع آبائه
شيء من سيرته
وكان في جميع أيامه وسيره مؤثرا للعدل متحريا له بحسب طاقته وما يقتضيه إقليمه والأمة التي هو فيها كان في أول أمره أراد الجري على سنن الخلفاء الأول فمن ذلك أنه كان يتولى الإمامة بنفسه في الصلوات الخمس لم يزل على ذلك مستمرا أشهرا إلى أن أبطأ يوما عن صلاة العصر إبطاء كاد وقتها يفوت وقعد الناس ينتظرونه فخرج عليهم فصلى ثم أوسعهم لوما وتأنيبا وقال ما ارى صلاتكم إلا لنا وإلا فما منعكم عن أن تقدموا رجلا منكم فيصلي بكم أليس قد قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف حين دخل وقت الصلاة وهو غائب أما لكم بهم أسوة وهم الأئمة المتبعون والهداة المهتدون فكان ذلك سببا لقطعه الإمامة وكان يقعد للناس عامة لا يحجب عنه أحد من صغير ولا كبير حتى اختصم اليه رجلان في نصف درهم فقضى بينهما وأمر الوزير أبا يحيى صاحب الشرطة أن يضربهما ضربا خفيفا تأديبا لهما وقال لهما أما كان في البلد حكام قد نصبوا لمثل هذا فكان هذا أيضا مما حمله على القعود في أيام مخصوصة لمسائل مخصوصة لا ينفذها غيره ولما ولي أبا القاسم بن بقي المتقدم الذكر كان فيما اشترط عليه أن يكون قعوده بحيث يسمع حكمه في جميع القضايا فكان يقعد في موضع بينه وبين أمير المؤمنين ستر من ألواح وكان قد أمر أن يدخل عليه أمناء الأسواق وأشياخ الحضر في كل شهر مرتين يسألهم عن أسواقهم وأسعارهم وحكامهم وكان إذا وفد عليه أهل بلد فأول ما يسألهم عن عمالهم وقضاتهم وولاتهم فإذا أثنوا خيرا قال اعلموا أنكم مسئولون عن هذه الشهادة يوم القيامة فلا يقولن امرؤ منكم إلا حقا وربما تلا في بعض المجالس @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين @QE@ ولما خرج إلى الغزوة الثانية سنة 92 وهي الغزوة التي كانت بعد الوقعة الكبرى التي أذل الله فيها الأدفنش وجموعه وأعز الإسلام وأنصاره كتب قبل خروجه إلى جميع البلاد بالبحث عن الصالحين والمنتمين إلى الخبر وحملهم إليه فاجتمعت له منهم جماعة كبيرة كان يجعلهم كلما سار بين يديه فإذا نظر إليهم قال لمن عنده هؤلاء الجند لا هؤلاء ويشير إلى العسكر فكان في ذلك شبيها بما حكي عن قتيبة بن مسلم والي خراسان حين لقي الترك وكان في جيشه أبو عبد الله محمد بن واسع فجعل يكثر السؤال عنه فاخبر أنه في ناحية من الجيش متكئا على سية قوسه رافعا إصبعه إلى السماء ينضنض بها فقال قتيبة لأصبعه تلك أحب إلي من عشرة آلاف سيف ولما رجع أمير المؤمنين أبو يوسف من وجهه هذا أمر لهؤلاء القوم بأموال عظيمة فقبل منهم من رأى القبول ورد من رأى الرد فتساوى عنده رضي الله عنه الفريقان وقال لكل مذهب ولم يزد هؤلاء ردهم ولا نقص أولئك قبولهم وكان كثير الصدقة بلغني أنه تصدق قبل خروجه إلى هذه الغزوة أعني التي كانت فيها الوقعة الكبرى بأربعين ألف دينار خرج منها للعامة نحو من نصفها والباقي في القرابة أدركتهم وقد قسموا مدينة مراكش أرباعا وجعلوا في كل ربع أمناء معهم أموال يتحرون بها المساتير وأرباب البيوتات وكان كلما دخلت السنة يأمر أن يكتب له الأيتام المنقطعون فيجمعون إلى موضع قريب من قصره فيختنون ويأمر لكل صبي منهم بمثقال وثوب ورغيف ورمانة وربما زاد على المثقال درهمين جديدين هذا كله شهدته لا أنقله عن أحد من الناس وبنى بمدينة مراكش بيمارستانا ما أظن أن في الدنيا مثله وذلك أنه تخير ساحة فسيحة بأعدل موضع في البلد وأمر البنائين بإتقانه على أحسن الوجوه فأتقنوا فيه من النقوش البديعة والزخاريف المحكمة ما زاد على الاقتراح وأمر أن يغرس فيه مع ذلك من جميع الأشجار المشمومات والمأكولات وأجرى فيه مياها كثيرة تدور على جميع البيوت زيادة على أربع برك في وسطه إحداها رخام أبيض ثم أمر له من الفرش النفيسة من أنواع الصوف والكتان والحرير والأديم وغيره بما يزيد على الوصف ويأتي فوق النعت وأجرى له ثلاثين دينارا في كل يوم برسم الطعام وما ينفق عليه خاصة خارجا عما جلب إليه من الأدوية وأقام فيه من الصيادلة لعمل الأشربة والأدهان والأكحال وأعد فيه للمرضى ثياب ليل ونهار للنوم من جهاز الصيف والشتاء فإذا نقه المريض فإن كان فقيرا أمر له عند خروجه بمال يعيش به ريثما يستقل وإن كان غنيا دفع إليه ماله وترك وسببه ولم يقصره على الفقراء دون الأغنياء بل كل من مرض بمراكش من غريب حمل إليه وعولج إلى أن يستريح أو يموت وكان في كل جمعة بعد صلاته يركب ويدخله يعود المرضى ويسأل عن أهل بيت أهل بيت يقول كيف حالكم وكيف القومة عليكم إلى غير ذلك من السؤال ثم يخرج لم يزل مستمرا على هذا إلى أن مات رحمه الله
مماليك الغز المصريون في المغرب
وفي أول ولايته إما سنة 83 أو 82 ورد علينا البلاد الغز من مصر وكان فيمن ورد علينا مملوك يسمى قراقش ذكروا أنه كان مملوكا لتقي الدين ابن أخي الملك الناصر ورجل يسمى شعبان ذكروا أنه من أمراء الغز ومن أجناد المصريين رجل يعرف بالقاضي عماد الدين في آخرين فاحسن نزلهم وبالغ في تكرمتهم وجعل لهم مزية ظاهرة على الموحدين وذلك أن الموحدين يأخذون الجامكية ثلاث مرات في كل سنة في كل أربعة أشهر مرة وجامكية الغز مستمرة في كل شهر لا تختل وقال الفرق بين هؤلاء وبين الموحدين أن هؤلاء غرباء لا شيء لهم في البلاد يرجعون إليه سوى هذه الجامكية والموحدون لهم الأقطاع والأموال المتأصلة هذا مع أنه أقطع أعيانهم أقطاعا كأقطاع الموحدين أو أوسع أقطع رجلا منهم فيما أعرف من أهل إربل يعرف بأحمد الحاجب مواضع ليس لأحد من قرابته مثلها وأقطع شعبان المذكور بالأندلس قرى كثيرة تغل في كل سنة نحوا من تسعة آلاف دينار هذا خارجا عن جامكيتهم الكثيرة التي ليس لأحد من الأجناد غيرهم مثلها ولم يرد المغرب من هذه الطائفة أعني الغز ألطف حسا ولا أزكي نفسا ولا أحسن محاضرة ولا أطيب عشرة من شعبان هذا المذكور مالقيته إلا استنشدني أو أنشدني انشدته يوما لشاعر من أصحابنا من أهل أشبيلية % وقائل فيم لم تهجع فقلت له % كيف الهجوع لطرف نافر الوسن % % لم تدر أن الكرى الممنوع عن بصري % هي السنات التي في مقلتي حسن % $ فضحك وقال لقد حوم هذا الشاعر وما ورد ورفرف فما طار وأراد غاية فوقع دونها ولله من أثار هذا المعنى بأوجز لفظ وأسهل مأخذ وأيسر كلفة حيث يقول % أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب % وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب % $ قلت هو أبو الطيب قال لي نعم هو الطيب أبو الطيب وأنشدته يوما وقد جرى ذكر التجنيس اللفظي فأنشد هو منه وأكثر % إذا صال ذو ود بود صديقه % فيأيها الخل المصاحب لي صل بي % % فإني مثل الماء لينا لصاحبي % وناهيك للأعداء من رجل صلب % $ فاستحسنهما وكتبهما عنده وقال لي رحمه الله لك علي بهذين البيتين حق فما وافقني شيء من الشعر في هذا المعنى ولا في غيره ولا وقع مني موقعهما
وفي الجملة كان له شغف بالآداب شديد وكان يقرض شيئا من الشعر وربما ندرت له الأبيات الجيدة سألته أن يكتب لي شيئا من شعره أو ينشدنيه فأبى علي كل الإباء وحلف لا يفعل
أبو يوسف وعقيدة العامة في ابن تومرت
وخرج أمير المؤمنين أبو يوسف إلى تينمل للزيارة ومعه هؤلاء الغز المذكورون فقعدوا تحت شجرة خروب مقابلة للمسجد وقد كان ابن تومرت قال لأصحابه فقعدوا تحت شجرة خروب مقابلة للمسجد وقد كان ابن تومرت قال لأصحابه فيما قال لهم ووعدهم به ليبصرن منكم من طالت حياته أمراء أهل مصر مستظلين بهذه الشجرة قاعدين تحتها فلما جلس الغز على الصفة المتقدمة تحتها كان ذلك اليوم في تينمل يوما عظيما اتصل التكبير من كل جهة وجاء النساء يولولن ويضربن بالدفوف ويقلن ما معناه بلسانهم صدق مولانا المهدي نشهد أنه الإمام حقا فأخبرني من رأى أمير المؤمنين أبا يوسف حين رأى ذلك يتبسم استخفافا لعقولهن لأنه لا يرى شيئا من هذا كله وكان لا يرى رأيهم في ابن تومرت فالله أعلم أخبرني الشيخ الصالح أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن مطرف المري ونحن بحجر الكعبة قال قال لي أمير المؤمنين أبو يوسف يا أبا العباس اشهد لي بين يدي الله عز وجل أني لا اقول بالعصمة يعني عصمة ابن تومرت قال وقال لي يوما وقد استأذنته في فعل شيء يفتقر إلى وجود الإمام يا أبا العباس أين الإمام أين الإمام أخبرني شيخ ممن لقيته من أهل مدينة جيان من جزيرة الأندلس يسمى أبا بكر بن هانئ مشهور البيت هناك لقيته وقد علت سنه فرويت عنه قال لي لما رجع أمير المؤمنين من غزوة الأرك وهي التي أوقع فيها بالأدنفش وأصحابه خرجنا نتلقاه فقدمني أهل البلد لتكليمه فرفعت إليه فسألني عن أحوال البلد وأحوال قضاته وولاته وعماله على ما جرت عادته فلما فرغت من جوابه سألني كيف حالي في نفسي فتشكرت له ودعوت بطول بقائه ثم قال لي ما قرأت من العلم قلت قرأت تواليف الإمام أعني ابن تومرت فنظر إلي نظرة المغضب وقال ما هكذا يقول الطالب إنما حكمك أن تقول قرأت كتاب الله وقرأت شيئا من السنة ثم بعد هذا قل ما شئت في أضراب لهذه الحكايات لو أوردناها لطال بها هذا التلخيص
اهتمامه بالتشييد والبناء
وكان عند رجوعه من السفرة التي استنقذ فيها مدينة شلب من أيدي الروم على ما تقدم أمر أن يبنى له على النهر الأعظم نهر أشبيلية حصن وأن تبنى له في ذلك الحصن قصور وقباب جاريا في ذلك على عادته من حب البناء وإيثار التشييد فإنه كان مهتما بالبناء وفي طول أيامه لم يخل من قصر يستجده أو مدينة يعمرها زاد في مدينة مراكش في أيامه زيادة كثيرة يطول تفصيلها فتمت له هذه القصور المذكورة على ما أراد وفوقه وسمي ذلك الحصن حصن الفرج
علي بن حزمون الشاعر
ولما رجع من غزوته العظمى المتقدم ذكرها في سنة 591 جلس للوفود في قبة من تلك القباب مشرفة على النهر الأعظم وأذن فدخلوا عليه على طبقاتهم ومراتبهم وأنشده الشعراء فممن أنشده في ذلك اليوم صديق لي من أهل مرسية اسمه علي بن حزمون أنشده قصيدة في عروض يسمى الخبب كان يقترحه على الشعراء فوقعت القصيدة من أمير المؤمنين ومن الحاضرين موقع استحسان أولها % حيتك معطرة النفس % نفحات الفتح بأندلس % % فذر الكفار ومأتمهم % إن الإسلام لفي عرس % % أإمام الحق وناصره % وطهرت الأرض من الدنس % % وملأت قلوب الناس هدى % فدنا التوفيق لملتمس % % ورفعت منار الدين على % عمد شم وعلى أسس % % وصدعت رداء الكفر كما % صدع الديجور سنا قبس % % لاقت جموعهمو فغدوا % فرصا في قبضة مفترس % % جاءوك تضيق الأرض بهم % عددا لم يحص ولم يقس % % خرجوا بطرا ورئاء النا % س ليختلسوا مع مختلس % % ومضيت لأمر الله على % ثقة بالله ولم تخس % % فأناخ الموت كلاكله % بظباك على بشر رجس % % وتساوى القاع بهامهم % الربض مع الحرب الضرس % % سقيت بنجيعهمو أكم % وطئوا منهن على دهس % % فأولئك حزب الكفر ألا % إن الكفار لفي نكس % % اذوي الصلبان وراءكمو % خيل الملك الخبر الندس % % لو أن البحر تناوله % جرعا وطئته على يبس % % ولو آن الصم تراجمها % اضحت كحل المقل النعس % % ملأ التوحيد أعنتها % وأغار بها روح القدس % % نهضت فمضت فقضت أملا % انسى عتب الدنيا فنسي % % جاست جنبات الكفر فلم % تترك لهمو مالم تجس % % لم يبق بها مثوى رجل % إلا وعليه شذى فرس % % لحقوا بقرون الشم فلا % سقيا لطلولهمو الدرس % % إن كان نجا أدفنشهمو % فإلى عيش نكد تعس % % نظر الملك الأعلى فرأى % ملكا ما بين قنا وقسي % % كالصبح توشح رونقه % كالطور بنور الله كسي % % فمضى لم يلو على أحد % ورمى بالدرع وبالترس % % لصليل الهند بمفرقه % لا يسمع صلصلة الجرس % % سهر الموتور وأرقه % تذكار المنصل والمرس % % وبكاء عقائل هاتفه % كالورق ينحن مع الغلس % % برزت وكأن ذوائبها % اذناب روامحة شمس % % ترنو كظباء الرمل على % وجل لضراغمة شرس % % قد كن مها أنس فغدت % تحت الرايات بلا أنس % % إن الأيام قد ازدهرت % كالروض يروق لمغترس % % وتناسقت الآمال لنا % كالثغر تنظم في لعس % % وتلألأ نور الحق على الساثر المهدية فاقتبس % % أجزيرة أندلس اعتصمي % بأيام الأمة واحترسي % % أرعاك حراسته ملك % جبريل له أحد الحرس % % حكمت أسيافك سيدنا % في كل مصر الكفر مسي % % ومضت في الروم مضاربها % وكذلك تفعل في الفرس % % لا يخلف ربك موعدة % دوخ أقطارهمو ودس % $ أوردتها على تواليها وإن كان فيها طول لغرابة عروضها وجودة أكثر أبياتها أنشدنيها منشئها المذكور من لفظه ثم أعدتها عليه بلفظي آخر مرة لقيته بمدينة مرسية في سنة 614 ولعلي بن حزمون هذا قدم في الآداب واتساع في أنواع الشعر ركب طريقة أبي عبد الله ابن حجاج البغدادي سامحه الله وغفر له فأربى فيها عليه وذلك أنه لم يدع موشحة تجري على ألسنة الناس بتلك البلاد إلا عمل في عروضها ورويها موشحة على الطريقة المذكورة وله مع هذا في الهجاء يد لا تطاول غير أنه يفحش في كثير منه فمن أحسن ما أحفظ له من ذلك وأسلمه من الفحش والإقذاع أبيات ركب فيها طريقه الحطيئة ابتدأ يهجو نفسه ثم استطرد يهجو رجلا من أعيان قواد الأندلس يقال له محمد بن عيسى مشهور النجدة عندهم والأبيات % تأملت في المرآة وجهي فخلته % كوجه عجوز قد أشارت إلى اللهو % % كأن على الأزرار مني عورة % تنادي الورى غضوا ولا تنظر وانحوى % % فلو كنت مما تنبت الأرض لم أكن % من الرائق الباهي ولا الطيب الحلو % % وأقبح من مرآى بطني فإنه % يقرقر مثل الرعد قرقر في الجو % % وإلا كقلب بين جنبي محمد % سليل ابن عيسى حين فر ولم يلو % % يود بأن لو كان في بطن أمه % جنينا ولم يسمع حديثا عن الغزو % % ثقيل ولكن عقله مثل ريشة % تطير بها الأرواح في مهمه دوي % % تميل بشدقيه إلى الأرض لحية % تظن بها ماء يفرغ من دلو % % وقد حدثوا عنه بكل نقيصة % ولكن مثلي لا يروي ولا يروي % $ وله في هذا المعنى أحسن من هذا كثيرا إلا أنه أقذع فيه فلذلك لم أودعه هذه الأوراق لأني لا أستجيز أن ينقل مثل هذا عني ونال ابن حزمون هذا عند قضاة المغرب وعماله وولاته جاها وثروة كل ذلك خوفا من لسانه وحذرا من هجائه ولا أعلم في جميع بلاد المغرب بلدا إلا وأهاجي هذا الرجل تحفظ فيه وتدرس أسأل الله له المسامحة ولجميع إخواننا من المسلمين
محمد بن عبد ربه الكاتب حفيد صاحب العقد
وأمر أمير المؤمنين بعرض الجند في هذا اليوم في السلاح التام فلما انتشروا بين يديه وأعجبه ما رأى من حسن هيأتهم قام فصلى ركعتين شكرا لله عز وجل واتفق أثر فراغه من ذلك الركوع أن جاءت سحابة فأمطرت مطرا جودا حتى ابتل الناس فقال في ذلك صديق لي من الكتاب اسمه محمد بن عبد ربه أصله من الجزيرة الخضراء كان يكتب لأبي الربيع سليمان بن عبد الله بن عبد المؤمن وكان مختصا به % بادي الكرامة بل بادي الكرامات % قد شفع الله آيات بآيات % % يا ليت شعري ماشيء دعوت به % قبل السلام ومن بعد التحيات % % شيء تأثر عنه الجو فاتصلت % من السحائب رايات برايات % % من كل وطفاء لفاء الرباب همت % ماء نقيا على زغف نقيات % % قل كيف لا يفتح الله البلاد وقد % تفتحت لك أبواب السماوات % $ فاشتهر من يومئذ أو عبد الله هذا وعرف مكانه ونبه قدره وله إحسان كثير وقدم راسخة في صناعتي النظم والنثر مع تحقق بشيء من أجزاء الفلسفة من علوم التعاليم وعلم المنطق أنشدني رحمه الله من شعره % قف بالقباب وأين ذاك الموقف % واسألهم بمامهم أن يعطفوا % % وانشد فؤادك إن عرفت مكانه % بين القباب وما أخالك تعرف % % عند التي رمت الجمار غدية % وبنانها بدم القلوب مطرف % % نفس الفداء لها وإن لم تبق لي % نفسا تذكرني بها وتعرف % $ وهي قصيدة طويلة لم يبق تقادم العهد منها على خاطري سوى ما أوردته وأنشدته رحمه الله يوما ونحن في قبة على شاطئ نهر وقد اخذ المطر في الانسكاب بيتين أحفظهما لشاعر قديم % حاكت يمين الرياح محكمة % في نهر واضح الأسارير % % فكلما ضعفت به حلقا % قام لها الفطر بالمسامير % $ فاستحسنهما وقال لي ذكرتني هذا المعنى وأنشدني فيه لنفسه أبياتا ما سمعت بمثلها هذا على إكثار الناس في هذا المعنى وتواردهم عليه حتى صار أخلق من الليل والنهار من كثرة تكراره على الأسماع فلا يتخلص منه إلا من لطف حسه وجاد طبعه وحسن ميزه والأبيات % بين الرياض وبين الجو معترك % بيض من البرق أو سمر من السمر % % إن أوترت قوسها كف السماء رمت % نبلا من الماء في زغف من الغدر % % لأجل ذاك إذا هبت طلائعها % تدرع النهر واهتزت قنا الشجر % $ فانظر حفظك الله إلى حسن توطئته لهذا المعنى وقوة تخلصه إلى هذا التشبيه بأحسن لفظ وأسهله على السمع والنطق واستأذنت عليه يوما وهو في مجلس له فلم ير رحمه الله أن يحجبني فاسترفع ما كان لديه وأذن لي فدخلت فتلقاني أحسن لقاء وأخذ يحدثني وفهمت أنه مستحي خجل إذ عرف أني تفطنت لبعض الأمر فأنشدته رافعا عنه كلفة الخجل لبعض الشعراء % أدرها فما التحريم فيها لذاتها % ولكن لأسباب تضمنها السكر % % إذا لم يكن سكر يزل به الفتى % فسيان ماء في الزجاجة أو خمر % فطرب نضر الله وجهه وعاوده أنسه وانبسط ثم سكت عني ساعة واستدعى الدواه وكتب بديها في قريب من المعنى الذي أنشدته فيه % ما ضرت الخمر لولا الشرع يشربها % قوم حديثهمو همس التسابيح % % ليسوا برعش إذا أدوا فروضهمو % عند القيام ولا ميل مراجيح % % بيت كبيت وفيه شادن سدن % مزج الكؤس به وقد المصابيح % $ وأنشدني بعد هذا لنفسه في هذا المجلس من قديم شعره مقطوعة سينية لم أسمع بأحسن منها لم يبق على خاطري منها سوى آخر بيت فيها وهو % ولكن قوما لا يغيب نهارهم % إذا غربت شمس يديرونها شمسا % $ وله رحمه الله رحلة إلى مصر لقي فيها ابن سناء الملك وأخذ عنه من شعره وهو أول من سمعت يذكره عندنا ويروى شعره ولأبي عبد الله هذا اتساع في صناعة الشعر إلا أنه نحل كثيرا من شعره السيد الأجل أبا الربيع سليمان بن عبد الله بن عبد المؤمن أيام كتابته له ولم يدع بعد ذلك في شيء مما نحله إياه من شعره ولا ذكر أنه له فكان أكثر شعره ينشد لأبي الربيع وترويه الرواة له عرفت ذلك بعد مفارقته إياه لأني فقدت شعر السيد أبي الربيع واختلف علي كلامه ورأيت بخطه أشعارا نازلة عن رتبة الشعر جدا فعلمت أن ذلك الأول ليس من نسجه وأخبرني ابن عبد ربه هذا قال دخلت على السيد أبي الربيع وهو في قبة له وقد دخلت عليه الشمس من كوى صغار في أعلاها فلما رأيت ذلك المنظر أعجبني وقلت بديها % لما رأته الشمس يفعل فعلها % في العالمين مقاسما ومساهما % % خافت توالى الجود ينفد ماله % نثرت عليه دنانرا ودراهما % $ فحذف الياء من دنانير وهذا جائز كما قال الأول % تضل به أمنا وفيه العصافر %
أبو جعفر الحميري المؤدب %
ومما يتعلق بأخبار أبي يوسف رحمه الله ما أخبرني شيخي وأستاذي أبو جعفر أحمد بن محمد بن يحيى الحميري رحمه الله أيام قراءتي عليه بقرطبة سنة 606 وذلك أنا بلغنا عليه في الحماسة إلى مقطوعة ابن زيابة التيمي التي أولها % يا لهف زيابة للحارث الصابح فالغانم فالآيب % $ فلما انتهينا منها إلى قوله % والله لو لاقيته خاليا % لآب سيفانا مع الغالب % $ قال لنا أحدثكم بأعجب ما اتفق لي في هذا البيت وذلك أن أمير المؤمنين أبا يوسف رحمه الله لما فصل عن قرطبة متوجها إلى لقاء الأدفنش لعنه الله قال لي ولدي عصام بعد انفصاله بليلة أو ليلتين يا أبت رأيت البارحة أمير المؤمنين داخلا قرطبة وقد رجع من السفر وهو متقلد بسيفين فقلت يا بني لئن صدقت رؤياك هذه ليهزمن الأدفنش لعنه الله وخطر لي هذا البيت % والله لو لاقيته خاليا % لآب سيفانا مع الغالب % $ فصدقت الرؤيا والتعبير وأبو جعفر هذا المذكور آخر من انتهى إليه علم الآداب بالأندلس لزمته نحوا من سنتين فما رأيت أروي لشعر قديم ولا حديث ولا أذكر بحكاية تتعلق بأدب أو مثل سائر أو بيت نادر أو سجعة مستحسنة منه رضي الله عنه وجازاه عنا خيرا أدرك جلة من مشايخ الأندلس مأخذ عنهم علم الحديث والقرآن والآداب وأعانه على ذلك طول عمره وصدق محبته وإفراط شفغه بالعلم قال لي ولده عصام وقد رأيت عنده نسخة من شعر أبي الطيب قرئت علي أو أكثرها فألفيتها شديدة الصحة فقلت له لقد كتبتها من أصل صحيح وتحرزت في نقلها فقال لي ما يمكن أن يكون في الدنيا أصل أصح من الأصل الذي كتبت منه فقلت له أين وجدته قال هو موجود الآن بين أيدينا وعندنا وكنا في المسجد في زاوية فقلت له أين هو فقال لي عن يمينك فعلمت أنه يريد الشيخ فقلت ما على يميني إلا الأستاذ فقال لي هو أصلي وبإملائه كتبت كان يملي علي من حفظه فجعلت أتعجب فسمع الأستاذ حديثنا فالتفت إلينا وقال فيم أنتما فأخبره ولده الخبر فلما رأى تعجبي قال بعيدا أن تفلحوا يعجب أحدكم من حفظ ديوان المتنبي والله لقد أدركت أقواما لا يعدون من حفظ كتاب سيبويه حافظا ولا يرونه مجتهدا توفي أبو جعفر هذا في شهر صفر من سنة 610 وقد كملت له ست وتسعون سنة فلم يبق في الأندلس أعلى رواية منه في كل ما يروى ولم أر قبله ولا بعده مع اتساع علمه وشدة تمييزه وحسن اختياره ومعرفته بعلل هذه الصناعة أكثر إنصافا منه ولا أسرع رجوعا إلى الحق كنت أنشده من شعري على ركاكته وكثرة تكلفه وبعده من الجودة أبياتا لا أعدها شيئا يحملني على إنشادها إياه فرط استدعائه ذلك مني فيلهج بها ويشتد استحسانه لها وربما درسها فحفظها أنشدته يوما وقد استدعى مني ذلك على عادته بيتين ارتجلتهما في شاب كان يقرأ معنا كان شديد العفة رحمه الله مع حسن رائع وظرف ناصع كان اسمه فتحا وهما % يا من له عن كناس % من المتيم قلبه % % ما أنت كاسمك فتح % وإنما أنت قلبه % $ فطرب والتفت إلى ابنه وقال له هذا والله الشعر لا ما تصدعني به طول نهارك إن كنت تقول مثل هذا وإلا فاسكت فلما كان من الغد قال لي رحمه الله أعلمت ما صنع عصام أمس قلت لا قال كان كما قالوا في المثل سكت ألفا لم يزل أمس يعمل فكرته فبعد الجهد الشديد أخذ معنى بيتيك فسلبه روحه وأعدمه رونقه ومسخه جملة فقال % سبى فؤادي خشف % فقوتي اليوم ضعف % % سموه فتحا مجازا % وفي الحقيقة حتف % $ ما زاد فيه أكثر من المجاز والحقيقة فقلت أنا هذا والله أحسن من شعري فتغير لي وقال يا بني دع عنك هذه العادة فإن اسوأ ما تخلق به الإنسان الملق وتزيين الباطل سيما إذا أضاف إلى ذلك الحلف الكاذب والله إنك لتعلم أن هذا ليس بشيء وإلا فقد اختل ميزك وساء اختيارك وما أظن هذا هكذا وسمعته من شدة إنصافه رحمه الله يستحسن بيتين هجاه بهما صاحبنا علي بن خروف رحمه الله وذلك أن الأستاذ رحمه الله وعفا عنه كان يلقب بالوزغي وكان عنده شاب يقرأ عليه يلقب بالغرنوق وهو اسم عندهم للكركي والفصيح فيه غرنيق فكان بعض الطلبة يتهمون الأستاذ بالميل إلى ذلك الشاب وذلك خلق قد أعاذه الله منه ونزهه بفضله عنه فقال ابن خروف في ذلك سامحه الله % احقا سام أبرص ما سمعنا % بأنك قد تعشقت ابن ماء % % وكيف وأنت في الحيطان تمشي % وذاك يطير في جو السماء % فأبعده الاستاذ رحمه الله وأنهى خبره إلى القاضي أبي الوليد بن رشد فأوجعه ضربا وامتنع الاستاذ من قراءته عليه فحرمه الله بهذين البيتين فوائد علمه وأبعده عن مريع جنابه وولاه الاستاذ خطته وألقى حبله على غاربه فلم يفلح ابن خروف بعدها ولا حصل على شيء من العلم وإنما كان يعتمد فيما يأتي به على طبعه خاصة وقد امتد بنا عنان القول إلى ما لا حاجة لنا بأكثره رغبة في تنشيط الطالب وإيثارا للأحماض ولنرجع الآن إلى ما قطعنا
اليهود في عهد أبي يوسف
وفي آخر ايام أبي يوسف أمر أن يميز اليهود الذين بالمغرب بلباس يختصون به دون غيرهم وذلك ثياب كحلية وأكمام مفرطة السعة تصل إلى قريب من أقدامهم وبدلا من العمائم كلوتات على أشنع صورة كأنها البراديع تبلغ إلى تحت آذانهم فشاع هذا الزي في جميع يهود المغرب ولم يزالوا كذلك بقية أيامه وصدرا من أيام ابنه أبي عبد الله إلى أن غيره أبو عبد الله المذكور بعد أن توسلوا إليه بكل وسيلة واستشفعوا بكل من يظنون أن شفاعته تنفعهم فأمرهم أبو عبد الله بلبسان ثياب صفر وعمائم صفر فهم على هذا الزي إلى وقتنا هذا وهو سنة 621 وإنما حمل أبا يوسف على ما صنعه من إفرادهم بهذا الزي وتمييزه إياهم به شكه في إسلامهم وكان يقول لو صح عندي إسلامهم لتركتهم يختلطون بالمسلمين في أنكحتهم وسائر أمورهم ولو صح عندي كفرهم لقتلت رجالهم وسبيت ذراريهم وجعلت أموالهم فيئا للمسلمين ولكني متردد في أمرهم ولم تنعقد عندنا ذمة ليهودي ولا نصراني منذ قام أمر المصامدة ولا في جميع بلاد المسلمين بالمغرب بيعة ولا كنيسة إنما اليهود عندنا يظهرون الإسلام ويصلون في المساجد ويقرئون أولادهم القرآن جارين على ملتنا وسنتنا والله أعلم بما تكن صدورهم وتحويه بيوتهم
محنة أبي الوليد بن رشد
وفي أيامه نالت أبا الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد المتقدم الذكر محنة شديدة وكان لها سببان جلي وخفي فأما سببها الخفي وهو أكبر أسبابها فإن الحكيم أبا الوليد رحمه الله أخذ في شرح كتاب الحيوان لأرسطاطاليس صاحب كتاب المنطق فهذبه وبسط أغراضه وزاد فيه ما رآه لائقا به فقال في هذا الكتاب عند ذكره الزرافة وكيف تتولد وبأي أرض تنشأ وقد رأيتها عند ملك البربر جاريا في ذلك على طريقة العلماء في الإخبار عن ملوك الأمم وأسماء الأقاليم غير ملتفت إلى ما يتعاطاه خدمة الملوك ومتحيلو الكتاب من الإطراء والتقريظ وما جانس هذه الطرق فكان هذا مما أحنقهم عليه غير أنهم لم يظهروا ذلك وفي الجملة فإنها كانت من أبي الوليد غفلة فقد قال القائل رحم الله من عرف زمانه فمانه وميز مكانه فكانه وما أحسن ما قال الأول % وأنزلني طول النوى دار غربة % إذا شئت لاقيت الذي لا أشاكله % % فحامقته حتى يقال سجية % ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله % $ واستمر الأمر على ذلك إلى أن استحكم ما في النفوس ثم إن قوما ممن يناوئه من أهل قرطبة ويدعى معه الكفاءة في البيت وشرف السلف سعوا به عند أبي يوسف ووجدوا إلى ذلك طريقا بأن أخذوا بعض تلك التلاخيص التي كان يكتبها فوجدوا فيها بخطه حاكيا عن بعض قدماء الفلاسفة بعد كلام تقدم فقد ظهر أن الزهرة أحد الآلهة فأوقفوا أبا يوسف على هذه الكلمة فاستدعاه بعد أن جمع له الرؤساء والأعيان من كل طبقة وهم بمدينة قرطبة فلما حضر أبو الوليد رحمه الله قال له بعد أن نبذ إليه الأوراق أخطك هذا فأنكر فقال أمير المؤمنين لعن الله كاتب هذا الخط وأمر الحاضرين بلعنه ثم أمر بإخراجه على حال سيئة وإبعاده وإبعاد من يتكلم في شيء من هذه العلوم وكتبت عنه الكتب إلى البلاد بالتقدم إلى الناس في ترك هذه العلوم جملة واحدة وبإحراق كتب الفلسفة كلها إلا ما كان من الطب والحساب وما يتوصل به من علم النجوم إلى معرفة أوقات الليل والنهار وأخذ سمت القبلة فانتشرت هذه الكتب في سائر البلاد وعمل بمقتضاها ثم لما رجع إلى مراكش نزع عن ذلك كله وجنح إلى تعلم الفلسفة وأرسل يستدعي أبا الوليد من الأندلس إلى مراكش للإحسان إليه والعفو عنه فحضر أبو الوليد رحمه الله إلى مراكش فمرض بها مرضه الذي مات منه رحمه الله وكانت وفاته بها في آخر سنة 594 وقد ناهز الثمانين رحمه الله ثم توفي أمير المؤمنين أبو يوسف بعد هذا التاريخ بيسير وكانت وفاته كما ذكرنا في غرة صفر الكائن في سنة 595
ذكر ولاية أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف أمير المؤمنين
أبو عبد الله هذا هو محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي أمه أم ولد اسمها زهر رومية بويع له بعهد أبيه إليه في سنة 595 بعد وفاة أبيه وقد كان أبوه أمر ببيعته في سنة 86 وسنه إذ ذاك عشر سنين إلا أشهرا وكان مولده في آخر سنة 576 ولم يزل مرشحا للخلافة معروفا بها إلى أن مات أبوه واستقل بالأمر في التاريخ المذكور وسنه يوم بويع له البيعة الكبرى العامة سبع عشرة سنة وأشهر وكانت وفاته لعشر خلون من شعبان سنة 610 فكانت مدة ولايته ست عشرة سنة إلا أشهرا
صفاته
أبيض أشقر شعر اللحية أشهل العينين أسيل الخدين حسن القامة كثير الإطراق شديد الصمت بعيد الغور كان أكبر أسباب صمته لثغا كان بلسانه حليما شجاعا عفيفا عن الدماء قليل الخوض فيما لا يعنيه جدا إلا أنه كان يبخل أولاده
أولاده
كان قليل الولد جدا لا أعلم له من الولد سوى يوسف ولي عهده ويحيى وإسحاق توفي يحيى في حياته بأشبيلية سنة 608 وبلغني عن جماعة من الحشم أنه كان رشح يحيى هذا لولاية العهد وله بنات
وزراؤه
أبو زيد عبد الرحمن بن موسى بن يوجان وزير أبيه ثم عزله بعد مدة يسيرة وولي بعده أخاه إبراهيم ابن أمير المؤمنين أبي يوسف
صلة المؤلف بإبراهيم بن أبي يوسف
وهو خير ولده وأجدرهم بالأمر لو كانت الأمور جارية على إيثار الحق واطراح الهوى لا أعلم فيهم أنجب منه كان لي رحمه الله محبا وبي حفيا وصلت إلي منه أموال وخلع جمة غير مرة لم أعرفه أيام وزارته لأني كنت إذ ذاك حديث السن جدا كما ناهزت الاحتلام وإنما كان معرفتي إياه حين ولوه أشبيلية في سنة 605 من جهة رجل من أصحابنا من الكتاب اسمه محمد بن الفضل جازاه الله عني خيرا هو الذي أوصلني إليه أنشدته أول يوم لقيته قصيدة مدحته بها أولها % لكمو على هذا الورى التقديم % وعليهمو التفويض والتسليم % % الله أعلاكم وأعلى أمره % بكمو وأنف الحاسدين رغيم % % أحييتموا المنصور فهو كأنه % لم تفتقده معالم وعلوم % % ومحابر ومنابر ومحارب % وحمى يحاط وأرمل ويتيم % $ إلى أن أقول فيها في ذكر ولايته أشبيلية % فكأنما حمص جمالا سارة % وكأن إبراهيم إبراهيم % % وأرى طليطلة كهاجر إثرها % سيزفها الأدفنش وهو ذميم % $ اقول فيها % يذر الصليب صغيره وكبيره % فيها جذاذا والعلوج جثوم % % ويحرق الأعداء فيما أضرمت % ويجوب نار الحرب وهي جحيم % $ لم يبق على خاطري منها لتقادم عهدها وقلة اعتنائي بها سوى هذه الأبيات التي أوردتها فاستحسنها رحمه الله وبالغ في الثناء عليها تفضلا منه وسوددا وجريا على سنن الأجواد هذا مع ركاكتها وقلة انطباعها وظهور تكلفها ثم علت حالي عنده بعد ذلك نضر الله وجهه إلى أن كان يقول لي في أكثر الأوقات والله إني لأشتاقك إذا غبت عني أشد الشوق وأصدقه ثم لم تزل حالي معه على هذا إلى أن فارقته رحمة الله عليه وهو وال على أشبيلية ولايته الثانية وكان توديعي إياه قدس الله روحه آخر يوم من ذي الحجة سنة 613 ثم اتصلت بي وفاته وأنا بصعيد مصر سنة 617 لم أر في العلماء بعلم الأثر المتفرغين لذلك أنقل منه للأثر كان يذهب مذهب أبيه في الظاهرية ثم عزله أبو عبد الله وولى بعده أبا عبد الله محمد بن علي بن أبي عمران الضرير جد يوسف بن عبد المؤمن لأمه وكناه أبا يحيى فكان أبو عبد الله الوزير هذا من أحسن الوزراء سيرة وسريرة وكان يحضه على فعل الخير بجهده ونشر العدل حسب طاقته والإحسان إلى الرعية والأجناد رأى الناس في أيام وزارته من الخصب وسعة الأرزاق وكثرة العطاء مثل الذي رأوا في أيام أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن أو قريبا منه ثم عزله وولي بعده أبا سعيد عثمان بن عبد الله بن إبراهيم بن جامع
أولية الوزير أبي سعيد بن جامع
كان إبراهيم بن جامع جد هذا الوزير من جملة اصحاب ابن تومرت صحبه من مراكش وكان اصله من الأندلس آباؤه من أهل مدينة طليطلة ونشأ هو أعني إبراهيم بساحل مدينة شريش على البحر الأعظم بضيعة تسمى روطة وبها مسجد مشهور بالفضل يزوره أهل الأندلس قاطبة في كل سنة ثم انتقل إبراهيم هذا إلى العدوة وكان يحاول صنعة النحاس فتعرف بابن تومرت فكان من أصحابه فهو معدود فيهم وولد له أولاد نالوا في الدولة حظوة وجاها متسعا فمن أولاده أبو العلاء إدريس وزير أبي يعقوب يوسف ابن عبد المؤمن وقد تقدم ذكره وأبو هذا الوزير المتقدم الذكر اسمه عبد الله كان يتولى في إمارة أبي يعقوب مدينة سبتة وجهاتها وزيادة على ذلك ولاية الأسطول في جميع بلادهم فلم يزل كذلك إلى أن مات أظن امير المؤمنين أبا يعقوب قتله وترك من الولد يوسف والحسين وعثمان الوزير هذا المذكور ويحيى وبنات فاستمرت وزارة أبي سعيد هذا إلى أن توفي أمير المؤمنين أبو عبد الله ووزر بعده لابنه أبي يعقوب إلى حين ارتحلت من البلاد وهو سنة 614 ثم اتصل بي في شهور سنة 617 أن أبا يعقوب عزله وولى من سيأتي ذكره بعد هذا إن شاء الله عز وجل
حجابه
ريحان الخصي ويدعى ريحان بينك حجبه ريحان هذا إلى أن مات ثم حجبه بعده مبشر الخصي يدعى مبشر ولدي فلم يزل مبشر هذا حاجبا له إلى أن توفي أمير المؤمنين أبو عبد الله رحمه الله
كتابه
أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عياش المتقدم الذكر في كتاب أبيه وأبو الحسن علي بن عياش بن عبد الملك بن عياش المتقدم ذكر أبيه في كتاب عبد المؤمن وأبي يعقوب وأبو عبد الله محمد بن يخلفتن بن أحمد الفازازي ذكره الله فيمن عنده وقرب مطالعتي تلك الغرة الميمونة وسماعي تلك الألفاظ الحلوة واستمتاعي بتلك الشمائل الشريفة فما أشد شوقي إلى تقبيل يديه هؤلاء كتبة الإنشاء وكتاب الجيش أبو الحجاج يوسف المراني بتخفيف الراء وضم الميم من أهل مدينة شريش من جزيرة الأندلس ثم بعده أبو جعفر أحمد بن منيع إلى وقتنا هذا وهو سنة 621
قضاته
أبو القاسم أحمد بن محمد بن بقي قاضي أبيه ثم عزله وولى أبا عبد الله محمد بن مروان الذي كان أبوه قد عزله فلم يزل قاضيا إلى أن مات وولى بعده رجلا من أهل مدينة فاس اسمه محمد بن عبد الله بن طاهر يدعى أنه من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب كان قبل اتصاله بهم ينتحل طريقة الوعظ ويتصوف لم يزل هذا دأبه ولا برح معروفا به وكان له مع هذا حظ جيد من معرفة أصول الفقه وأصول الدين وشيء من الخلاف اتصل بأمير المؤمنين أبي يوسف شهور سنة 587 فحظي عنده وكانت له منه منزلة سمعت أبا عبد الله الحسيني هذا يقول وأنا عنده في بيته جملة ما وصل إلى من أمير المؤمنين أبي يوسف منذ عرفته إلى أن مات تسعة عشر ألف دينار خارجا عن الخلع والمراكب والأقطاع لم يزل أبو عبد الله هذا قاضيا إلى أن مات بالأندلس في شهور سنة 608 وكانت ولايته في شهور سنة 601 ثم ولي بعده أبا عمران موسى بن عيسى بن عمران كان أبوه من قضاة أبي يعقوب فاستمرت ولاية أبي عمران هذا إلى هذا الوقت وهو سنة 621 لم يبلغني عزله ولا وفاته وأبو عمران هذا لي صديق لم أر صديقا لم تغيره الولاية غيره ولم يزل يعاملني بما كان يعاملني به قبل ذلك لم ينقصني شيئا من بره ما لقيته قط في مركبه إلا سلم علي مبتدئا وجدد لي برا جزاه الله عني أفضل الجزاء وعم بذلك سائر إخواني
أعمال أبي عبد الله بن أبي يوسف
ولما تمت بيعة أبي عبد الله العامة كما ذكرنا وكان الذي تولاها وقام بأمرها من القرابة أبو زيد عبد الرحمن بن عمر بن عبد المؤمن وهو الذي قام ببيعة أبيه ومن الموحدين أبو زيد عبد الرحمن بن موسى وزير أبيه وأبو محمد عبد الواحد بن الشيخ أبي حفص وهو الذي ولاه محمد بعد هذا أمر أفريقية كان أول شيء شرع فيه تجهيز الجيوش إلى أفريقية وذلك أن يحيى بن إسحاق ابن غانية المتقدم الذكر كان استولى على أكثر بلادها أيام اشتغل الموحدون عنه بغزو الروم فأول جيش جهز أبو عبد الله من الموحدين الجيش الذي استعمل عليه السيد أبا الحسن علي بن عمر بن عبد المؤمن لم أر لهم جيشا اضخم منه ولا أكثر منه سلاحا ولا أحسن عدة وكان فيه من أعيان الموحدين وأشياخهم جملة وافرة فسار أبو الحسن هذا بجيشه المذكور حتى التقى هو والميرقيون فيما بين بجاية وقسطنطينة وبالقرب من قسطنطينة فانهزم الموحدون أصحاب أبي الحسن المذكور ورجع أبو الحسن إلى بجاية على حالة سيئة وجهز بعد هذا الجيش جيشا على مثاله وأمر عليهم من الموحدين أبا زيد عبد الرحمن بن موسى الوزير فسار بالجيش حتى بلغ قسطنطينة المغرب
دخول الموحدين جزيرة ميورقة
ثم استعمل أمير المؤمنين أبو عبد الله على أفريقية وأعمالها السيد الأجل أبا زيد عبد الرحمن بن عبد المؤمن وخرج هو في سنة 597 إلى تينمل لزيارة قبر أبيه أبي يوسف وزيارة ضريح آبائه وابن تومرت ثم رجع إلى مراكش وأقام إلى أول سنة 609 فتجهز بجيوش ضخمة حتى أتى مدينة فاس ونزل بها واشاع أنه يقصد افريقية هذا بعد أن بلغه أن الميرقي استولى على مدينة تونس وقبض على الوالي عليها عبد الرحمن فأقام بفارس ثلاثة أشهر وأياما وبداله أن يبعث بعثا إلى جزيرة ميرقة ليستأصل شأفة بني غانية ويقطع دابرهم فعمر الأسطول والطرائد فيها الخيل والرجال واستعمل على الأسطول عمه أبا العلاء إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن وعلى الجيش أبا سعيد عثمان بن أبي حفص من أشياخ الموحدين فقصد الجزيرة هذان الرجلان ففتحاها عنوة وقتلا عبد الله بن إسحاق بن غانية الأمير عليها وكان الذي قتله رجل من الأكراد يقال له عمر المقدم وذلك أنه حين نازله القوم خرج على باب من أبواب المدينة سكران فكبت به فرسه فضربه هذا المذكور بسيفه حتى مات وقيل إنه قتله بسيف نفسه وكان دخولهما ميرقة وقتلهما أميرها المذكور في شهر ذي الحجة من سنة 599 فانتهبا أمواله وسبيا حرمه ودخلا بهم مدينة مراكش على الجمال في هيئة الأسارى فأما النساء فدخل بهن ليلا فجعلن في بعض الخانات إلى أن نفذ الأمر بالمن عليهن وإطلاقهن وتزويج من تحتاج إلى التزويج منهن وتجهيزها بمال وأما الرجال فلم يزالوا في الحبس إلى أن من عليهم بعد أن ضمنهم أكابرهم واتخذوا أجنادا فهم كذلك إلى اليوم وبلغني أن المتولين لفتحها انتهبوا منها أموالا عظيمة وذخائر نفيسة ثم رجع امير المؤمنين أبو عبد الله إلى مراكش وبها اتصل به خبر فتح ميرقة وكان رجوعه إلى مراكش في ذي القعدة من السنة المذكورة
عبد الرحمن الجزولي الثائر
وقد كان قبل هذا في سنة 97 قام بسوس رجل من جزولة اسمه عبد الرحمن يعرف عندهم بما معناه بلسانهم ابن الجزارة فدعا إلى نفسه واجتمع إليه خلق كثير واشتد خوف الموحدين منه فلم يزالوا يجهزون إليه العساكر بعد العساكر وفي كل ذلك يهزمهم إلى أن بعثوا بعثا من الموحدين والغز وأصناف الجند بعد أن تقدموا إلى المصامدة والمجاورين للبلاد التي كان فيها وقالوا إنما يقوى هذا الرجل بتغافلكم عنه ومسامحتكم إياه ولو شئتم لم يبق بالبلاد يوما واحدا فتحركوا عند ذلك وأظهروا الحمية والتقوا هم وأصحاب عبد الرحمن المذكور وكان يدعى أبا قصبة فأسلمته جموعه وقتل وسير برأسه إلى مراكش فكتب إلي بعض إخواني وهو إذ ذاك صبي صغير كان مع أبيه بسوس وكان أبوه من العمال من أهل جزيرة الأندلس من ناحية بلنسية يخبرني بهذا الفتح قبل وصوله إلي من جهة كتاب الموحدين المتولين له رسالة أولها كتب من منزل سوس وقد تبلج فجر الفتح فأسفر وقال فريق الضلال وشيعته أين المفر وقد ألقى النصر جرانه وأعز الله حزبه المؤيد وأعوانه وشرح الحال على غاية الإيجاز لأجل الاستعجال في إنهاء هذه البشائر والانحفاز أن الناكثين النابذين للعروة الوثقى المتمسكين بالسبب الأشقى حاصرهم الموحدون أنجدهم الله أشد الحصار وقطعوا عنهم مواد المعايش وزرافات الأنصار ولسان التأييد يتلو علينا بالعشي والإشراق ما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق ولحين ما أخذ الموحدون أنجدهم الله في حسم دائهم العضال وجردوا لهم من عزماتهم الصادقة ما هو أمضى من النصال طاحوا مجدلين بالحضيض وملأ جثمانهم الفضاء العريض وخيب الله ظنونهم الكاذبة وآمالهم وصيرهم إلى أمهم الهاوية فكانت أولى بهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فاحبط أعمالهم وأمكن الله من رأس ضلالهم المدعو بأبي قصبة فقهره الحزب المنصور وغلبه وحز الحسام منه قنة ورقبة إنما أوردت هذه الرسالة هاهنا لغرابة شأن من وردت علي منه وذلك أنه كان حين كتب بها إلي لم يحتلم بعد
فتح جزيرة منرقة
ومع اتصال هذا الفتح بهم اتصل معه فتح جزيرة منرقة كان فيها من أصحاب ابن غانية رجل اسمه الزبير بن نجاح دخلوها عليه فقتلوه ووجهوا برأسه إلى مراكش فهو معلق بها مع رأس أبي قصبة المذكور
محاربة يحيى بن غانية بأفريقية
ولما كانت سنة 601 تجهز أمير المؤمنين أبو عبد الله في جيوش عظيمة وقصد بلاد أفريقية وقد كان الميرقي يحيى بن غانية قد استولى عليها خلا قسطنطينة وبجاية هيأ له ذلك غفلة الموحدين عنه واشتغال أمير المؤمنين أبي يوسف بغزو الروم بالأندلس على ما قدمناه فسار أبو عبد الله حتى نزل بلاد أفريقية فما استعصى عليه بلد من بلادها خلا المهدية ومهدية بني عبيد فإنه اقام عليها أربعة أشهر قبل أن دخلها أوجب ذلك ما قدمنا من شدة منعتها وكان يحيى بن غانية قد ولى فيها ابن عمه لحا أبا الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن غانية فلما طال عليه الحصار سلم البلد وخرج بنفسه يقصد ابن عمه ثم بدا له أن يرجع إلى الموحدين فأرسل إليهم فتلقوه أحسن لقاء ووصلوه من الصلات النفيسة بما لا قيمة له ولا يصل بمثله إلا الخلفاء وبعد هذا نزع إليهم أخو يحيى بن غانية سير بن إسحاق بن محمد فأكرموا نزله واقطعوه الأقطاع الواسعة بعد أن ملئوا يديه أموالا ولم يزل أبو عبد الله أمير المؤمنين مقيما بأفريقية يصلح ما أفسده ابن غانية إلى أن تم له ما أراد من ذلك وبلغني أن جملة ما أنفق في هذه السفرة مائة وعشرون حملا ذهبا ثم رجع إلى مراكش دار الملك بعد أن ترك بأفريقية من الموحدين وأصناف الجند من يقوم بحمايتها ويذود عنها من رامها واستعمل عليها من أشياخ الموحدين أبا محمد عبد الواحد بن الشيخ أبي حفص عمر إينتي فأقام بمراكش
انتقاض الهدنة بين الموحدين والفرنجة
وكان رجوعه إليها في شهور سنة 604 فأقام بها كما ذكر إلى أول سنة 607 فانتقض ما بينه وبين الأدفنش لعنه الله من المهادنة وبدا له أن يقصد بلاد الروم للغزو فخرج بالجيوش حتى عبر البحر وكان عبوره في شهر ذي القعدة من سنة 7 المذكورة فسار حتى نزل أشبيلية على عادة من سلف قبله فأقام بها بقية السنة المذكورة
فتح شلبترة
وتحرك في أول سنة 8 فقصد بلاد الروم فنزل على قلعة عظيمة لهم في غاية المنعة تدعى شلبترة معناه بلسان العرب الأرض البيضاء إلا أن فيه تقديما وتأخيرا كما جرت العادة في لسان العجم ففتحها بعد حصار وتضييق عليها شديد وكان أبوه قد نزل عليها قبل ذلك فحاصرها أياما يسيرة ثم تركها شفقة على المسلمين وخوفا عليهم فراع فتح هذه القلعة الروم وخامرهم الرعب وخرج الأدفنش لعنه الله إلى قاصية بلاد الروم مستنفرا من أجابه من عظماء الروم وفرسانهم وذوي النجدة منهم فاجتمعت له جموع عظيمة من الجزيرة نفسها ومن السام حتى بلغ نفيره إلى القسطنطينة وجاء معه صاحب بلاد أرغن المعروف بالبرشنوني لعنه الله
أشهر الإمارات الأسبانية في ذلك العهد
وذلك أن جزيرة الأندلس يملك جهاتها الأربع أربعة ملوك من الروم إحدى جهات تسمى أرغون وهي التي ذكرنا وهي شرقي الجزيرة مما يقابل الجنوب منها والجهة الأخرى وهي المملكة الكبرى بلاد تسمى بلاد قشتال يملكها الأدفنش لعنه الله وحد هذه الجهة فيما بين الجنوب والشمال أميل إلى الجنوب قليلا والجهة الأخرى تسمى ليون فهو أول الحد الشمالي المغربي يملكها رجل يدعى بالببوج ومعنى هذا الاسم بالعربية الكثير اللعاب والجهة الأخرى في الشمال مما يلي البحر الأعظم بحر أقيانس يملكها رجل يعرف بابن الريق وقد تقدم ذكره في مواضع من هذا الكتاب والجزيرة بأسرها أعني جزيرة الأندلس تسمى في قديم الدهر عند الروم جزيرة أشبانية وبعد رجوع أمير المؤمنين أبي عبد الله من هذا الفتح المتقدم الذكر إلى أشبيلية استنفر الناس من أقاصي البلاد فاجتمعت له جموع كثيفة وخرج من أشبيلية في أول سنة 609 فسار حتى نزل مدينة جيان فاقام بها ينظر في أمره ويعبئ عساكره وخرج الأدفنش لعنه الله من مدينة طليطلة في جموع ضخمة حتى نزل على قلعة رباح وهي كانت للمسلمين افتتحها المنصور أبو يوسف في الوقعة الكبرى فسلمها إليه المسلمون الذين بها بعد أن أمنهم على أنفسهم فرجع عن الأدفنش لعنه الله بهذا السبب من الروم جموع كثيرة حين منعهم من قتل المسلمين الذين كانوا بالقلعة المذكورة وقالوا إنما جئت بنا لتفتتح بنا البلاد وتمنعنا من الغزو وقتل المسلمين مالنا في صحبتك من حاجة على هذا الوجه
وقعة العقاب وهزيمة المسلمين
وخرج أمير المؤمنين من مدينة جيان فالتقى هو والأدفنش بموضع يعرف بالعقاب بالقرب من حصن يدعى حصن سالم فعبأ الأدفنش جيوشه ورتب أصحابه ودهم المسلمين وهم على غير أهبة فانهزموا وقتل من الموحدين خلق كثير وأكبر أسباب هذه الهزيمة اختلاف قلوب الموحدين وذلك أنهم كانوا على عهد أبي يوسف يعقوب يأخذون العطاء في كل أربعة أشهر لا يخل ذلك من أمرهم فأبطأ في مدة أبي عبد الله هذا عنهم العطاء وخصوصا في هذه السفرة فنسبوا ذلك إلى الوزراء وخرجوا وهم كارهون فبلغني عن جماعة منهم أنهم لم يسلموا سيفا ولا شرعوا رمحا ولا أخذوا في شيء من أهبة القتال بل انهزموا لأول حملة الإفرنج عليهم قاصدين لذلك وثبت أبو عبد الله هذا في ذلك اليوم ثباتا لم ير لملك قبله ولولا ثباته هذا لاستؤصلت تلك الجموع كلها قتلا وأسرا ثم رجع من هذا الوجه إلى أشبيلية واقام بها إلى شهر رمضان من هذه السنة ثم عبر البحر قاصدا مدينة مراكش وكانت هذه الهزيمة الكبرى على المسلمين يوم الاثنين منتصف صفر الكائن في سنة 609 وفصل الأدفنش لعنه الله عن هذا الموضع بعد أن امتلأت يداه وأيدي أصحابه أموالا وأمتعة من متاع المسلمين فقصد مدينتي بياسة وأبذة فأما بياسة فوجدها أو أكثرها خالية فحرق أدؤرها وخرب مسجدها الأعظم ونزل على أبذة وقد اجتمع فيها من المسلمين عدد كثير من المنهزمة وأهل بياسة وأهل البلد نفسه فأقام عليها ثلاثة عشر يوما ثم دخلها عنوة فقتل وسبى وغنم وفصل هو وأصحابه من السبي من النساء والصبيان بما ملئوا به بلاد الروم قاطبة فكانت هذه أشد على المسلمين من الهزيمة
وفاة الناصر محمد
ولم يزل أمير المؤمنين أبو عبد الله مقيما بمراكش بقية سنة 9 وأشهرا من سنة 10 إلى أن توفي في شهر شعبان كما قدمنا واختلف علينا في سبب وفاته فأصح ما بلغني أنه أصابته سكتة من ورم في دماغه وذلك يوم الجمعة لخمس خلون من شعبان فأقام ساكتا لا يتكلم يوم السبت والأحد والاثنين والثلاثاء وأشار عليه الاطباء بالفصد فأبى ذلك وتوفي يوم الاربعاء لعشر خلون من شهر شعبان من سنة 610 ودفن يوم الخميس صلى عليه خاصة الحشم
ذكر ولاية أبي يعقوب يوسف بن محمد
هو يوسف بن محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي أمه أم ولد رومية اسمها قمر تلقب حكيمة كانت ولادته في صدر شوال من سنة 594 قبل وفاة جد أبي يوسف بأربعة أشهر بويع له وسنه يومئذ ست عشرة سنة لا أعلم له ولدا لحداثة سنه ثم اتصل بي في شهور سنة 621 أن يوسف هذا توفي في أحد الشهرين من شوال أو ذي القعدة سنة 20 فكانت مدة ولايته من يوم بويع له وذلك لأحد عشر يوما خلت من شعبان من سنة 610 إلى أن توفي كما ذكر في التاريخ المذكور عشرة أعوام وشهرين
صفته
كان صافي السمرة مستدير الوجه شديد الكحل يشبهونه بجده أبي يوسف في أكثر خلقه وخلقه
وزراؤه
أبو سعيد المتقدم الذكر وزير أبيه استمرت وزارته إلى آخر سنة 615 ثم عزله وولي بعده رجلا اسمه زكريا بن يحيى بن أبي إبراهيم إسماعيل الهزرجي صاحب ابن تومرت والمقتول في حياة عبد المؤمن كما تقدم أم هذا الوزير هي بنت أبي يوسف المنصور فهو وزيره إلى أن توفي كما ذكر
حجابه
مبشر الخصي حاجب أبيه ثم حجبه بعده فارح الخصي يكنى أبا السرور فلم يزل حاجبا له إلى أن توفي كما قيل
قاضيه
أبو عمران موسى بن عيسى بن عمران قاضي أبيه لم يزل أبو عمران هذا قاضيا له إلى أن توفي كما قيل
كتابه
أبو عبد الله بن عياش كاتب أبيه وجده وأبو الحسن بن عياش ثم اتصلت بي وفاة هذين الكاتبين وأنا بالديار المصرية في شهور سنة 619 وأنهم استعادوا أبا عبد الله محمد بن يخلفتن الفازازي المتقدم الذكر في كتاب أمير المؤمنين أبي عبد الله وكان قاضيا بمدينة مرسية من شرقي الأندلس وبها فارقته فأعادوه إلى الكتابة كما كان واستكتبوا معه أبا جعفر أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عياش أبوه هو كاتبهم المشهور بكتابتهم وقد تقدم ذكره في كتاب ثلاثة أمراء منهم وكاتب الجيش أحمد بن منيع لم يتغير
بيعته
بويع لأبي يعقوب هذا يوم دفن أبيه لا أدري أبعهد أبيه إليه أم لا لأني أعلم أن أباه كان كثير الانحراف عنه في آخر ايامه لما كان يسمع من سوء أخباره والذين قاموا ببيعته من القرابة أبو موسى عيسى بن عبد المؤمن عم جده الذي دخل عليه الميرقيون بجاية وهو آخر من بقي من ولد عبد المؤمن لصلبه لم تبلغني وفاته إلى وقتنا هذا وأبو زكريا يحيى بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن كانا قائمين على رأسه يأذنان للناس ومن الموحدين أبو محمد عبد العزيز بن عمر بن أبي زيد الهنتاتي كان أبوه أول وزير وزر لأبي يوسف وقد ذكر وأبو علي عمر بن موسى بن عبد الواحد الشرقي وأبو مروان عبد الملك بن يوسف بن سلميان من أهل تينمل وبويع البيعة الخاصة يوم الخميس ويوم الجمعة بايعه أشياخ الموحدين والقرابة وفي يوم السبت أذن للناس عامة شهدت ذلك اليوم وأبو عبد الله ابن عياش الكاتب قائم يقول للناس تبايعون أمير المؤمنين ابن أمراء المؤمنين على ما بايع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله من السمع والطاعة في المنشط والمكره واليسر والعسر والنصح له ولولاته ولعامة المسلمين هذا ماله عليكم ولكم عليه ألا يجمر بعوثكم وألا يدخر عنكم شيئا مما تعمكم مصلحته وأن يعجل لكم عطاءكم وألا يحتجب دونكم أعانكم الله على الوفاء واعانه على ما قلد من أموركم يعيد هذا القول لكل طائفة إلى أن انقضت البيعة ثم اتصلت وفادة أعيان البلاد ورؤسائها ووجوه القبائل عليه للبيعة إلى أن تم له الأمر
فاطمي من سلالة ملوك القاهرة يثور بمراكش
ولأربعة أشهر من ولايته قبض على رجل كان قد ثار عليهم يدعي أنه من بني عبيد ويقول إنه ولد العاضد لصلبه اسمه عبد الرحمن كان قد ورد البلاد في حياة أبي يوسف أيام كونه بأشبيلية ورام الاجتماع به فلم يأذن له وأقام بالبلاد مطرحا إلى أن حبسه أمير المؤمنين أبو عبد الله في شهور سنة 596 فلم يزل في الحبس إلى أن كانت سنة 601 وتحرك أمير المؤمنين إلى أفريقية شفع له فيه أبو زكريا يحيى بن أبي إبراهيم الهزرجي فأطلقه له بعد أن ضمن عنه أنه لا يتحرك في أمر يكرهونه فلم يقم هذا العبيدي بمراكش إلا أياما يسيرة بعد خروج أمير المؤمنين أبي عبد الله ثم خرج وقصد بلاد صنهاجة فالتفت عليه منهم جماعة وانتشر له فيهم تعظيم لأن هذا الرجل كان كثير الإطراق والصمت حسن الهيئة لقيته مرتين فلم أر في أكثر من شهدته من المشبهين بالصالحين مثله في الآداب الظاهرة من هدوء النفس وسكون الأطراف ووزن الكلام وترتيب الألفاظ ووضع الأشياء مواضعها مع الرياضة المفرطة ثم قصد مدينة سجلماسة في حياة أمير المؤمنين أبي عبد الله بجيش عظيم فخرج إليه متوليها السيد أبو الربيع سليمان بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن فهزمه العبيدي المذكور وأعاده إلى سجلماسة أسوأ عود ولم يزل ينتقل في قبائل البربر من موضع إلى موضع وفي ذلك كله لا يستقيم له أمر ولا تثبت عليه جماعة أوجب ذلك كونه غريب البلد واللسان لا عشيرة له ولا أصل بالبلاد يرجع إليه إلى أن قبض عليه بظاهر مدينة فاس لم يبلغني تفصيل قضية القبض عليه وكتب إلى أمير المؤمنين متولي فاس أبو إبراهيم إسحاق بن أمير المؤمنين أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن يعلمه بالقبض عليه وبكونه عنده في سجنه فكتب إليه يأمره بقتله وصلبه فضربت عنقه وصلب جسده ووجه برأسه إلى مراكش فهو معلق هناك مع عدة رءوس من الثوار والمتغلبين ولم يغير أبو يعقوب هذا على الناس شيئا من سير آبائه ولا أحدث أمرا يتميز به عمن كان قبله خلا أني رأيت كل من يعرفه من خواص الدولة قد ملئ قلبه منه رعبا لما يعلمون من شهامته وشدة تيقظه لقيته وجلست بين يديه خاليا به وذلك في غرة سنة 611 فرأيت من حدة نفسه وتيقظ قلبه وسؤاله عن جزئيات لا يعرفها أكثر السوق فكيف الملوك ما قضيت منه العجب وإلى وقتنا هذا لم يظهر منه شيء مما يتوقع