ثائران آخران على أبي يعقوب الثاني
وثار في أيام يوسف هذا بعد قتل العبيدي رجلان أحدهما ببلاد جزولة من سوس كان يدعى بالفاطمي قتل وجيء برأسه إلى مراكش في شهور سنة 612 وأنا يومئذ بجزيرة الأندلس لم يبلغني تفصيل أمره لبعدي عن الحضرة غير أني رأيتهم أعظموا الفرح بأخذه وقتله والآخر من صنهاجة قتل في سنة 618 بعد ان أثر آثارا قبيحة فيما بلغني وهزم بعوثا عدة واستفسد خلقا كثيرا بلغني هذا كله وأنا بالبلاد المصرية في التاريخ المتقدم وكان الذي تولى قتل هذا الرجل والإراحة منه وحسم الخلاف الواقع بسببه السيد الأجل أبا محمد عبد العزيز بن أمير المؤمنين أبي يعقوب بن عبد المؤمن بن علي وهو يومئذ وال على مدينة سجلماسة وأعمالها
وفاة أبي يعقوب الثاني
ثم اتصل بي في هذه السنة وهي سنة 621 أن أبا يعقوب أمير المؤمنين توفي في أحد الشهرين من شوال أو ذي القعدة من سنة 620 ولم يبلغني كيفية وفاته فاضطرب الأمر واشرأب الناس للخلاف
ولاية أبي محمد عبد العزيز بن أبي يعقوب الأول
ثم ذكر لي أن عامتهم ومعظمهم اجتمعوا على تقديم اليسد الأجل أبي محمد عبد العزيز بن أمير المؤمنين أبي يعقوب يوسف ابن أمير المؤمنين أبي محمد عبد المؤمن ابن علي رحمهما الله ونضر وجوههما وجزاهما خيرا عن صلاحهما وإصلاحهما وأبو محمد عبد العزيز هذا من أصاغر أولاد أبي يعقوب أمه حرة اسمها مريم صنهاجية من أهل قلعة بني حماد تزوجها أمير المؤمنين أبو يعقوب في حياة أبيه وكانت سبيت هي وأمها ملكة فيمن سبوا من أهل القلعة فأعتقهما أبو محمد عبد المؤمن وزوج مريم هذه لابنه أبي يعقوب فولدت له ثمانية من الولد أربعة ذكور وأربع بنات فالذكور هم إبراهيم وموسى وإدريس وعبد العزيز هذا المذكور هو أصغرهم توفي موسى بظاهر مدينة تاهرت قتله العرب أصحاب الميرقي في شهور سنة 605 وتوفي إبراهيم منهم بأشبيلية وأنا بها في شهور سنة 612 وتوفي أبو العلاء إدريس منهم بأفريقية كما سيأتي والبنات هن زينب ورقية وعائشة وعلية لم يتول أبو محمد عبد العزيز هذا شيئا من أمرهم في حياة أبيه لا في حياة أخيه أبي يوسف فلما ولي أبو عبد الله الأمر ولاه مدينة مالقة وأعمالها من جزيرة الأندلس وذلك في شهور سنة 598 ثم عزله عنها في شهور سنة 603 وولاه أمر قبيلة هسكورة وهي ولاية ضخمة فلم يزل واليا عليها إلى أن عزله عنها وولاه أمر سجلماسة فلم يزل واليا عليها بقية مدتة ومدة ابنه أبي يعقوب إلى أن قتل هذا الثائر المتقدم الذكر في ولاية أبي يعقوب بن أبي عبد الله فعزله أبو يعقوب عن سجلماسة وولاه مدينة أشبيلية حين عزل عنها أخاه أبا العلاء وولاه أمر أفريقية فلم يزل أبو العلاء إدريس واليا بأفريقية إلى أن مات بها في رمضان من سنة 620 على ما بلغني رحمة الله عليه فهذه جملة أخبار هذا الرجل أبي محمد عبد العزيز المذكور بالولاية لأمرهم كما قالوا ولئن كان ما قالوا حقا وتم هذا الأمر له ليملأنها خيرا وعدلا ولتزكون الأرض وتخرج بركاتها ولترسلن السماء مدرارها بيمن نقيبته وحسن سيرته وحميد سريرته هذا إذا ساعده الدهر وقيض الله له أعوانا صالحين فإنه ما علمت صوام قوام مجتهد في دينه شديد البصيرة في أمره قوي العزيمة شديد الشكيمة لا تأخذه في الحق لومة لائم أرطب الناس لسانا بذكر الله وأتلاهم لكتاب الله شهدته والولاية قد اكتنفته وأمور الرعية فقد استغرقت أوقاته وهو في كل ذلك لا يخل بشيء من أوراده ولا يترك وظيفة من الوظائف التي رتبها على نفسه من أخذ العلم وقراءة القرآن وأذكار رتبها على أوقات الليل والنهار شهدت هذا كله منه بنفسي لا أنقله عن أحد ولا أستند فيه إلى رواية هذا مع دماثة خلق ولين جانب وخفض جناح لأصحابه ولمن علم فيه خيرا من المسلمين أو ظنه مضافا إلى سخاء نفس وطلاقة وجه
وصفته
أبيض تعلوه صفرة جميل الوجه جدا معتدل القامة متناسب الأعضاء وله من الولد على علمي ثلاثة محمد وهو أكبرهم وعبد الرحمن وأحمد وبنات هذا تلخيص التعريف بأخبار دولة المصامدة من أول قيام أمرهم وهو سنة 515 إلى وقتنا هذا وهو سنة 621 فذلك مائة وست سنين على الإجمال لا على التفصيل وإنما أوردنا من ذلك ما تدعو الحاجة إليه وتجشم الضرورة من عني بالأخبار إلى معرفته من غير تعرض إلى ما لا حاجة بنا إليه من ذكر أولاد عبد المؤمن وأولاد أولاده وأولاد أولاد أولاده وتفاصيل أخبارهم في ولايتهم وعزلهم وأمهاتهم وكتابهم وحجابهم ووزرائهم إذ لو تتبعنا ذلك لخرج هذا المجموع عن حد التلخيص ولحق بالكتب المبسوطة هذا على انا لو كفينا ضرورات المعاش وأعفينا من كد الزمان لأوردنا من ذلك ما أحاط به العلم وبلغته الرواية وحصلته المشاهدة ولم اثبت في هذه الأوراق المحتوية على دولة المصامدة وغيرها إلا ما حققته نقلا من كتاب أو سماعا من ثقة عدل أو مشاهدة بنفسي هذا بعد أن تحريت الصدق وتوخيت الإنصاف في ذلك كله وجهدت ألا أنقص أحدا ذرة مماله ولا أزيده خردلة مما لا يستحقه وبالله أستعين وإياه أسأل وإليه أضرع في إلهام الصواب والسداد في القول والعمل فهو حسبي ونعم الوكيل
ولاية ابن أبي يعقوب بن عبد المؤمن
لم يكد عبد الواحد أو عبد العزيز ابن أبي يعقوب يجلس على عرش المغرب بعد موت أبي يعقوب الثاني سنة 620 حتى تفرق أمر بني عبد المؤمن واضطرمت مطالعهم حول العرش الموحدي فقام بالأندلس أبو محمد عبد الله بن يعقوب المنصور أمير شرق الأندلس وأعلن نفسه أميرا على مرسية وتلقب بالعادل ثم أخذ يهيئ أسبابه للوثوب على مراكش ليستخلص العرش لنفسه وتم له ما أراد إذ ثار المغاربة على عبد الواحد أو عبد العزيز ابن أبي يعقوب فخلعوه وقتلوه بعد بضعة أشهر من ولايته
ولاية العادل بن المنصور
ولكن عرش المغرب والأندلس لم يخلص للعادل بن المنصور كما لم يخلص من قبله لعمه ابن أبي يعقوب فقد ثار عليه المغاربة في مراكش كما انتقض عليه أمراء الموحدين في الأندلس وانتهى الأمر بقتله في سنة 624
ولاية المأمون بن المنصور
وكان أبو العلاء إدريس بن المنصور أمير أشبيلية وأخو العادل هو مدبر تلك الفتنة طمعا في العرش فلم يكد يعلم بمقتل العادل حتى ادعى الخلافة في أشبيلية وتسمى بالمأمون وبايعه أهل الأندلس
المعتصم بن الناصر
ولكن المغاربة في مراكش لم يرتضوه خليفة وبايعوا شابا من ولد أخيه الناصر محمد بن يعقوب اسمه أبو زكريا يحيى ولقبوه بالمعتصم فسار المعتصم هذا إلى الأندلس على رأس قوة من الجند لإخضاع عمه المأمون فالتقيا في معركة دامية بشذونة فانهزم المعتصم وفر ناجيا بنفسه في طائفة قليلة من جنده وأتيحت الفرصة للمأمون ليجتاز المضيق إلى المغرب ويتسم عرش مراكش ولكن المعارك لم تفتر بينه وبين المعتصم بن الناصر ولم يخلص له عرش البلاد حتى مات في ذي الحجة سنة 629
خروج الأندلس من طاعة الموحدين
وحين كانت المعارك الطاحنة دائرة في المغرب بين المأمون وابن أخيه المعتصم كان النصارى يستولون على بلاد المسلمين في الأندلس حصنا بعد حصن ومدينة بعد مدينة وفي تلك الأثناء قام أمير من سلالة بني هود الجذاميين أصحاب سرقسطة السابقين اسمه أبو عبد الله محمد بن يوسف فاستولى على مرسية وأعلن نفسه أميرا عليها وتلقب باسم المتوكل على الله وخطب للعباسيين خلفاء بغداد واتخذ السواد شعارا ثم لم يلبث أن دانت له جيان وقرطبة وماردة وبطليوس ثم فقد الموحدون غرناطة وبذلك خرجت الأندلس جملة من طاعة الموحدين عدا أشبيلية والجزيرة الخضراء
ولاية الرشيد بن المأمون
وظن المعتصم بن الناصر أن عرش المغرب قد خلص له بعد موت المأمون ولكن أمانيه لم تلبث أ خابت حين بايع أصحاب المأمون ولده الصبي أبا محمد عبد الواحد ولقبوه بالرشيد واستمرت المعارك ناشبة بين المعتصم وابن عمه الرشيد حتى مات المعتصم في رمضان سنة 633 ثم مات الرشيد غريقا في جمادى الآخرة سنة 640
ولاية المعتضد بن المأمون
وولي العرش بعد الرشيد أخوه السعيد أبو الحسن علي بن المأمون وتلقب بالمعتضد وفي عهده استشرف بنو زيان اصحاب تلمسان وبنو مرين ملوك المغرب فيما بعد إلى استخلاص عرش مراكش وقد قتل المعتضد هذا في صفر سنة 946 في موقعة نشبت بينه وبين يحيى ابن زيان أمير تلمسان
ولاية المرتضى أبي حفص بن إسحاق
ثم تولى بعد المعتضد أمير من أحفاد أبي يعقوب يوسف اسمه أبو حفص عمر بن أبي إبراهيم إسحاق وتلقب بالمرتضي
أبو دبوس الواثق
ولكن العرش لم يخلص للمرتضي فقد خرج عليه أمير من أمراء الموحدين اسمه أبو العلاء إدريس ويعرف بابي دبوس وتلقب بالواثق وتحالف مع بني مرين ليعينوه على استخلاص العرش من يد المرتضي وسلم إليهم مدينة مراكش ثمنا لمعونتهم ففر المرتضي ناجيا بنفسه ولكنه لم يستطع أن يفلت من أجله فمات قتيلا سنة 665
تغلب بني مرين
ولبث الواثق أميرا بعد المرتضي ثلاث سنين ثم أدركه أجله في معركة دارت بينه وبين بني مرين حلفائه السابقين في المحرم سنة 668 وبموته انتهى حكم الموحدين في مراكش والأندلس ليبدأ تاريخ دولة بني مرين الذين غلبوا الموحدين على أمرهم في مراكش ودولة بني الأحمر أصحاب غرناطة الذين غلبوا المتوكل بن هود على ما بيده من شرق الأندلس
جامع سير المصامدة وأخبارهم وقبائلهم وأحوالهم في ظعنهم وإقامتهم
قد قدمنا أن أول من صحب المهدي محمد بن تومرت عشرة أنفس وهم المسمون بالجماعة أولهم عبد الواحد الشرقي على الصحيح ثم عبد المؤمن ابن علي أمير المؤمنين ثم عمر بن عبد الله الصنهاجي المعروف عندهم بعمر أزناج ثم فصكة بن ومزال سماه ابن تومرت عمر وكناه أبا حفص انتشر من ظهر عمر هذا بشر كثير وكان له عدة من الولد منهم إبراهيم وإسماعيل ومحمد أم محمد هذا ابنة عبد المؤمن ويحيى وعيسى وموسى ويونس وعبد الحق وعثمان وأحمد وعبد الواحد كان عبد الواحد هذا يتولى أمر أفريقية ولاه أمرها أمير المؤمنين أبو عبد الله سنة 603 فلم يزل واليا عليها إلى أن مات بها يوم الخميس وهو أول يوم من شهر محرم سنة 618 وكان ابن تومرت يسمى فصكة هذا المبارك ويقول لا يزالون بخير ما بقي فيهم هذا الرجل أو أحد من ولده فكان الأمر كما قال وانتفعوا به وبأولاده وأولاد أولاده وهو المشهور بعمر إينتي وقد تقدم ذكره في مواضع من هذا الكتاب ولم يبق في وقتنا هذا من ولده لصلبه سوى رجل واحد اسمه عثمان فارقته بمدينة مرسية وبها ودعته حين ارتحلت إلى هذه البلاد وقد ولوه مدينة جيان وأعمالها هذا آخر عهدي به ثم اتصل بي بديار مصر أنهم ولوه بلنسية ثم عزلوه عنها فلا أدري أهو بالأندلس اليوم أو بمراكش وهو معدود عندي من جملة إخواني رضي الله عنه وعنا وعن جميع المسلمين ثم يوسف بن سليمان وأخوه عبد الله بن سليمان وهما من أهل تينمل من قبيلة تدعى مسكالة حسبما تقدم ثم أبو عمران موسى بن علي الضرير صهر عبد المؤمن كان ضرير البصر كان عبد المؤمن يستخلفه على مراكش إذا سافر عنها ثم أبو إبراهيم إسماعيل الهزرجي وهو الذي أسلم نفسه للقتل وفدى عبد المؤمن بذلك على ما تقدم ثم رجل من أهل يتنمل يعرف عندهم بابن بيجيت أنا شاك في اسمه ثم أيوب الجدميوي وهو الذي تولى قسمة الأقطاع بين الموحدين في أول الأمر فهؤلاء العشيرة المسمون بالجماعة وبعض الناس يعد فيهم أبا محمد واسنار وهو رجل دباغ أسود من أهل مدينة أغمات صحب أبا عبد الله بن تومرت حين مر بها فاختصه أبو عبد الله بن تومرت لخدمته لما رأى من شدته في دينه وكتمانه لما يرى ويسمع فكان يتولى وضوءه وسواكه والإذن عليه للناس وحجابته والخروج بين يديه فلم يزل على ذلك إلى أن توفي ابن تومرت فكان يتولى خدمة ضريحه وضريح عبد المؤمن حين دفن هناك توفي واسنار هذا في صدر دولة أبي يعقوب بعد أن علت سنه وكان من العباد المجتهدين والزهاد المتبتلين لم يكسب شيئا ولا خلف دينارا ولا درهما مع أنه لو شاء لكان أكثر الناس مالا لمكانه من عبد المؤمن ومن المصامدة لما كانوا يعلمون من قربه من صاحبهم وثنائه عليه في أكثر الأوقات وانضاف إلى هؤلاء القوم المسمين بالجماعة خلق من قبائلهم فعدوا فيهم ونسبوا إليهم وأول من يعترض في العرض العام ولد عمر بن عبد الله الصنهاجي ثم فرس عبد المؤمن أو من كان من ولده يتولى الأمر ثم سائر أهل الجماعة على طبقاتهم من سبق وإبطاء ثم أهل خمسين وهم خلق كثير
ذكر قبائل الموحدين
وقبائل الموحدين الذين يجمعهم هذا الاسم ويعمهم وهم الجند والأعوان والأنصار ومن سواهم من سائر البربر والمصامدة رعية لهم وتحت أمرهم سبع قبائل أولهم قبيلة ابن تومرت وهي قبيلة تسمى هرغة وهي قليلة العدد بالنسبة إلى قبائل الموحدين ثم قبيلة عبد المؤمن تسمى كومية وهي قبيلة كثيرة العدد جمة الشعوب لم يكن لها في قديم الدهر ولا في حديثه ذكر في رياسة ولا حظ من نباهة إنما كانوا أصحاب فلاحة ورعاة غنم وأصحاب أسواق يبيعون فيها اللبن والحطب وسوى ذلك من سقط المتاع فتبارك المعز المذل المعطي المانع فأصبح القوم اليوم وليس فوقهم أحد ببلاد المغرب ولا تطاول أيديهم يد بكون عبد المؤمن منهم هذا على أنه كما قدمناه ينتسب إلى غيرهم ثم أهل تينمل وهم قبائل شتى يجمعها اسم هذا الموضع ثم هنتاتة وهي أيضا قبيلة ضخمة جدا وفي بعضها رياسة وشرف في الدهر القديم ثم جنفيسة وهي قبيلة عزيزة منيعة ولغتها أجود اللغات وأفصحها في ذلك اللسان ثم جدميوه وليست كلها بل بعضها رعية ثم من استجاب للموحدين من قبائل صنهاجة ثم بعض قبائل هسكورة فهذه جملة قبائل الموحدين المستحقين لهذا الاسم عندهم والذين يأخذون العطاء وتجمعهم الجيوش وينفرون في البعوث وغير هؤلاء القبائل من المصامدة رعية وإذ قد جرى ذكرهم أعني المصامدة على هذا النسق فلنذكر لك الآن حفظك الله وأصلحك واصلح بك القبائل التي يجمعها هذا الاسم أعني المصامدة وحد بلادهم لتعرفهم ممن سواهم من البربر فحد بلادهم النهر الأعظم الذي يصب من جبال صنهاجة وينتهي إلى البحر الأعظم بحر أقيانس يدعى هذا النهر أم ربيع عليه قبيلتان إحداهما تسمى هسكورة وأخرى صنهاجة وهما من المصامدة وآخر بلادهم الصحراء التي تسكنها قبائل لمتعرنة ومسوفة وسرطة وهؤلاء ليسوا مصامدة وقد كانت المملكة في هذه القبائل أيام المرابطين كما تقدم فهذا حد بلاد المصامدة عرضا وحدها طولا من الجبل المعروف بدرن إلى البحر الأعظم المسمى أقيانس وقبائلها الذين ينطلق عليهم هذا الاسم هسكورة وصنهاجة ودكالة وحاجة ورجراجة ولمطة وجزولة وجنفيسة وهنتاتة وهرغة وقبائل أهل تينمل وحول مراكش قبائل منهم أيضا وهم هرميز وهيلانة وهزرجة يدعونهم الموحدون بالقبائل فهؤلاء الذين يجمعهم اسم المصامدة ثم يجمع الكل جنس البربر من طرابلس المغرب إلى أقصى سوس وما وراء ذلك ممن ذكرنا من لمتونة ومسوفة وسرطة وآخر بلادهم أول حد بلاد السودان وللمصامدة بعد هذا جند من سائر أصناف الناس كالعرب والغز والأندلس والروم وقبائل من المرابطين وغيرهم ثم من ذكرنا من الموحدين صنفان فالصنف الأول يدعون الجموع وهم المرتزقة الذين يكونون بمراكش لا يبرحونها والصنف الآخر يدعون العموم وهم الكائنون ببلادهم لا يحضرون إلى مراكش إلا في النفير الأعظم وعدد المرتزقة الذين بمراكش من قبائل الموحدين وسائر من ذكرنا من الأجناد على ما صح عندي تلخيصه عشرة آلاف نفس هؤلاء الذين بمراكش خارجا عما في سائر البلاد من الموحدين وأصناف الجند وإذا كان العرض العام فأول من يعترض ذرية أبي حفص عمر الصنهاجي على طبقاتهم في أسنانهم ثم بعدهم فرس الخليفة من بني عبد المؤمن ثم أهل الجماعة على ترتيب طبقاتهم ثم أهل خمسين ثم القبائل وأولهم عرضا هرغة قبيلة ابن تومرت ثم بعدهم أهل تينمل ثم كومية ثم الموحدون بعد هذا على طبقاتهم في سرعة الهجرة وبطئها وقد جرت عادتهم بالكتب إلى البلاد واستجلاب العلماء إلى حضرتهم من أهل كل فن وخاصة أهل علم النظر وسموهم طلبة الحضر فهم يكثرون في بعض الأوقات ويقلون وصنف آخر ممن عني بالعلم من المصامدة يسمون طلبة الموحدين ولا بد في كل مجلس عام أو خاص يجلسه الخليفة منهم من حضور هؤلاء الطلبة الأشياخ منهم فأول ما يفتتح به الخليفة مجلسه مسئلة من العلم يلقيها بنفسه أو تلقى بإذنه كان عبد المؤمن ويوسف ويعقوب يلقون المسائل بأنفسهم ولا ينفصلون من مجلس من مجالسهم إلا على الدعاء يدعو الخليفة ويؤمن الوزير جهرا يسمع من بعد من الناس ثم إذا سافروا لا يزال القرآن يقرأ بين أيديهم بالغدو والعشي ركبانا وإذا نزلوا فأول شيء يصنعونه في أول النهار بعد صلاتهم الفجر أن يخرج من ينادي الاستعانة بالله والتوكل عليه هذه عندهم للركوب فحينئذ يركب الناس ويخرج الخليفة من خيمته راكبا وأعيان القرابة وأشياخ الموحدين بين يديه مشاة خطوات كبيرة ثم يأمرهم بالركوب فإذا ركبوا وقف وبسط يديه ودعا فإذا فرغ الدعاء افتتح القراءة طلبة الموحدين خلفه فيقرءون حزبا من القرآن في نهاية الترتيل وهم سائرون سيرا رفيقا ثم شيئا من الحديث ثم يقرءون تواليف ابن تومرت في العقائد بلسانهم وباللسان العربي فإذا فرغوا وقف الخليفة أيضا وبسط يديه ودعا وإذا كان وقت النزول أيضا نزلوا مشاة بين يديه إلى خيمته فإذا بلغها بسط يديه ودعا فلا يزال هذا دأبهم في جميع سفرهم كله
صفة أحوالهم في إقامة الجمعة
فأما صفة أحوالهم وخطبتهم في جمعهم فيخرج الخليفة منهم عند زوال الشمس من خوخة في القبلة ويخرج معه خواص حشمه ويركع ركعتين ثم يجلس فيقرأ قارئ قدر عشر آيات حسن القراءة حسن الصوت ثم يقوم رئيس المؤذنين ومعه العصا التي يتوكأ عليها الخطيب فيقول قد فاء الفيء يا سيدنا أمير المؤمنين والحمد لله رب العالمين يريد بهذا القول استئذانه في صعود الخطيب المنبر فيقوم الخطيب ويصعد المنبر ثم يناوله ذلك الرجل العصل فإذا جلس الخطيب فوق المنبر أذن ثلاثة من المؤذنين مفترقين أصواتهم في نهاية الحسن قد انتخبوا لذلك من البلاد ثم يقوم الخطيب فيخطب فأول شيء يقول الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا أسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه فإنما نحن به وله ثم يتعوذ ويقرأ سورة قاف من أولها إلى آخرها ثم يجلس فإذا قام إلى الخطبة الثانية قال الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوكل عليه ونبرأ من الحول والقوة إليه ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم آله واصحابه الذين اتبعوه ففاتوا الأنام جدا وعزما وأنفدوا وسعهم في نصره والصبر على ما أصابهم فيه وفاء وصدقا وحزما وعلى الإمام المعصوم المهدي المعلوم أبي عبد الله محمد بن عبد الله العربي القرشي الهاشمي الحسني الفاطمي المحمدي الذي أيد بالعصمة فكان أمره حتما واكتنف بالنور اللائح والعدل الواضح الذي يملأ البسيطة حتى لا يدع فيها ظلاما ولا ظلما وعلى وارثة شرفه الصميم قسيمه رضي الله عنه في النسب الكريم المجتبي لوارثه مقامه العلي الخليفة الإمام أبي محمد عبد المؤمن بن علي وعلى أبي يعقوب ولي ذلك الاستخلاص ومستوجب شرف الاجتباء والاختصاص اللهم وارض عن المجاهد في سبيلك المحيي سنة رسولك الخليفة الإمام أبي يوسف أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين وعلى الخليفة الإمام أبي عبد الله ابن الخلفاء الراشدين اللهم وانصر ولي عهدهم الطالع في أفق سعدهم القائم بالأمر من بعدهم الخليفة الإمام أمير المؤمنين أبا يعقوب ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين اللهم كما شددت به عرا الإسلام وجمعت على طاعته قلوب الأنام ونصرت به دين نبيك محمد عليه الصلاة والسلام فاقض له بالنصر المقرون بالكمال والتمام اللهم كما اجتبيته من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين فاجعله من المقتفين لآثارهم المهتدين بمنارهم المقتبسين من أنوارهم اللهم وأيد الطائفة المنصورة والجماعة إخوان نبيك وطائفة مهديك الذين أخبرت عنهم في صريح وحيك أنهم لا يزالون ظاهرين على أمرك إلى قيام الساعة وأمدهم وكافة من انتظم في سلكهم من أنصار الدين وحزبك الموحدين بمواد النصر والتمكين والفتح المبين واجعل لهم من عضدك وتأييدك أعز ظهير وأكرم نصير ثم يدعو وينزل فيصلي فإذا فرغ دعا الخليفة بنفسه وأمن الوزير على ما تقدم فهذه كليات سيرتهم مجملة على ما يقتضيه شرط التقريب وفي أثناء ذلك تفاصيل يطول شرحها وليس بالناظر في هذا الكتاب إليها كبير حاجة إذ قد بين له ما يستدل على ما لم يرسم في هذه الأوراق بما رسم
ذكر أقاليم المغرب والأندلس
وهذا أصلحك الله منتهى ما بلغ من أخبار المغرب وسير ملوكه ووزرائهم وكتابهم وما تعلق بذلك حسب الاستطاعة وقد تقدم بسط العذر عما يقع من التقصير أو الخلل مع أن أصغر خدم مولانا لم تجر عادته بالتصنيف ولا حدث قط نفسه به وإنما بعثته عليه الهمة الفخرية أعلى الله رتبها فما كان من إحسان فإلى تلك الهمة العلية نسبته وعنها منبعثه وما كان من غير ذلك فإغضاؤها يستره ومسامحتها تغمره وقد رسم مولانا حرس الله مجده أن يضاف إلى هذا التصنيف ذكر اقاليم المغرب وتعيين مدنه وتحديد ما بينها من المراحل عددا من لدن برقة إلى سوس الأقصى وذكر جزيرة الأندلس وما يملكه المسلمون من مدنها على ما تقدم فلم ير المملوك بدا من الجري على العادة في سرعة الإجابة وامتثال مرسوم الخدمة لوجوب ذلك عليه شرعا وعرفا هذا مع أن هذا الباب خارج عن مقصود هذا التصنيف وداخل في باب المسالك والممالك وقد وضع الناس فيه كتبا كثيرة ككتاب أبي عبيد البكري الأندلسي وكتاب أبن فياض الأندلسي أيضا وكتاب ابن خردادبه الفارسي وكتاب الفرغاني وغيرها من الكتب المفردة لهذا الشان المستوعبة له ونحن إن شاء الله ذاكرون من ذلك موافقة لرأي مولانا العالي ما يقف به على حدود البلاد ويصور له صورتها على التقريب من غير تطويل جارين في ذلك على ما سلف من عادتنا في سائر الكتاب فنقول وبالله التوفيق ومنه الإعانة قد تقرر واشتهر أن أول حد البلاد المصرية مما يلي الشام العريش وآخره مما يلي المغرب مدينة أنطابلس المعروفة ببرقة هذا عرض الديار المصرية وحدها في الطول من ثغر أسوان إلى مدينة رشيد الكائنة على ساحل البحر الرومي هكذا ذكر أصحاب المسالك والممالك والمعتنون بهذا الشأن
أولا المدن العامرة على الساحل
وأول حد بلاد أفريقية والمغرب مدينة أنطابلس المذكورة المدعوة ببرقة بناها الروم فكانت حاضرة لتلك البلاد ومجتمعا لأهلها افتتحها المسلمون في أيام امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومنها كان ابتداء فتح المغرب ومن هذه المدينة أعني أنطابلس إلى مدينة طرابلس المغرب قريب من خمس وعشرين مرحلة
اتصال العمران بين الإسكندرية والقيروان
وما بين الإسكندرية وطرابلس المغرب خمس وأربعون مرحلة وكانت العمارة متصلة من مدينة الإسكندرية إلى مدينة القيروان تمشي فيها القوافل ليلا ونهارا وكان فيما بين الإسكندرية وطرابس المغرب حصون متقاربة جدا فإذا ظهر في البحر عدو نور كل حصن للحصن الذي يليه واتصل التنوير فينتهي خبر العدو من طرابلس إلى الإسكندرية أو من الإسكندرية إلى طرابلس في ثلاث ساعات أو أربع ساعات من الليل فيأخذ الناس أهبتهم ويحذرون عدوهم لم يزل هذا معروفا من أمر هذه البلاد إلى أن خربت الأعراب تلك الحصون ونفت عنها أهلها أيام خلى بنو عبيد بينهم وبين الطريق إلى المغرب وذلك في حدود 440 حين تغير ما بينهم وبين المعز بن باديس الصنهاجي وقطع الدعاء لهم على المنابر ودعا لبني العباس فاستولى الخراب عليها إلى وقتنا هذا واستوطنتها الأعراب من سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وغيرهم فهم اليوم بها وآثار المدن والحصون باقية إلى اليوم ومدينة أنطابلس هذه خراب لم يبق منها إلا آثارها وفيما بين برقة وطرابلس حصن يسمى طلميثة بالقرب منه معدن كبريت فأما مدينة طرابلس فلم تزل معمورة إلى هذا الوقت وهي أول مملكة المصامدة وقد استولى عليها في مدة ملكهم وفي ملك أبي يعقوب منهم المملوك قراقش المتقدم ذكره في ترجمة أبي يوسف ثم أخرجه منها المصامدة واستولى عليها أيضا يحيى بن غانية وعلى كثير من أفريقية حسبما تقدم تلخيصه ثم أخرجه عنها أيضا المصامدة فهي في ملكهم إلى وقتنا هذا وهو سنة 621
بلاد أفريقية الساحلية
فحد بلاد أفريقية مما يلي المشرق مدينة أنطابلس المذكورة وحدها مما يلي المغرب المدينة المعروفة بقسطنطينة الهواء سميت بذلك لإفراط علوها وشدة منعتها ومسافة ما بين أنطابلس وقسطنطينة المغرب قريبة من خمس وخمسين مرحلة فهذا حد أفريقية طولا وعرضها يختلف بحسب مزاحمة الصحراء العمارة ومباعدتها وسميت أفريقية بذلك لنزول أفريقش من ولد حام بن نوح بها وأفريقش هذا هو أبو البربر فالبربر كلهم من ولد حام بن نوح خلا صنهاجة فإنهم يرجعون إلى حمير هذا كله قول أبي جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه من لدن ذكر افريقش إلى ذكر صنهاجة فأول مدن أفريقية المعمورة طرابلس المغرب المتقدم ذكرها ومنها إلى مدينة تسمى قابس عشر مراحل وقابس هذه على ساحل البحر الرومي وكذلك طرابلس وتنصب إلى قابس هذه أنهار من بعض تلك الجبال التي تليها فهي بذلك أخصب بلاد أفريقية وأوسعها فواكه وأعنابا ومن قابس هذه إلى مدينة صغيرة على الساحل أيضا تسمى سفاقس أربع مراحل ومن سفاقس إلى مهدية بني عبيد ثلاث مراحل وقد تقدمت صفة المهدية في أخبار أبي محمد عبد المؤمن بن علي وبظاهر المهدية المذكورة وقريب منها جدا مدينة تدعى زويلة بناها بنو عبيد حين بنوا المهدية فاختصوا المهدية لأنفسهم وحشمهم وأعيان جندهم ووجوه قوادهم وأسكنوا زويلة هذه سائر الناس من الرعية والسودان وأراذل كتامة وغيرهم من أتباعهم ولما ارتحل المعز إلى مصر بعد أن افتتحها على يدي خادمه جوهر ارتحلت معه طائفة كبيرة من أهل زويلة هذه فإليهم ينسب الباب والحارة التي بالقاهرة اليوم ومن مهدية بني عبيد إلى مدينة تسمى سوسة وإليها تنسب الثياب السوسية مرحلتان ومن سوسة إلى مدينة تونس ثلاث مراحل ولم تكن تونس هذه في قدم الدهر على أيام الإفرنج مدينة وإنما بنيت في أول الإسلام بناها عقبة بن نافع الفهري لمصلحة رآها وإنما كانت المدينة الكبرى مدينة على الساحل هناك تسمى قرطاجة بينها وبين تونس نحو من أربعة فراسخ
شأن مدينة قرطاجة في القديم
وهذه المدينة أعني قرطاجة هي كانت حاضرة أفريقية أيام الروم وهي مدينة عظيمة ظهر فيها من قوتهم وشدة طاعة رعيتهم لهم وفرط جبروتهم ما يعجب منه من تأمله ويعتبر فيه من وقف عليه وذلك أنهم جلبوا إليها المياه من بعد شديد وتحيلوا على ذلك بغرائب من الحيل يعجز عن أيسرها جميع من في هذا العصر وكانوا يضاهرن بها مدينة القسطنطينة العظمى المنسوبة إلى قسطنطين بن هيلان ملك الإفرنج ثم لما افتتح المسلمون أفريقية في أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه خربوا هذه المدينة المذكورة واتخذوا مدينة القيروان دار ملكهم ومقر ولاتهم ومجتمع جندهم ومركز جيوشهم وأسسوا على ساحل البحر مدينة تونس المذكورة وكان هناك قبل ذلك دير معظم عند الروم يزورونه من أقاصي بلادهم فهدمه المسلمون وبنوه مسجدا وسموا المدينة تونس باسم الراهب الذي كان في ذلك الدير فما زالت تونس معمورة إلى وقتنا هذا ولما خربت مدينة القيروان على ما سيأتي الإيماء إليه صارت مدينة تونس حاضرة أفريقية ومقر ولاتها وموضع مخاطبة أولي الأمر منها وكل ما بتونس من جيد الرخام وخالص المرمر فمن مدينة قرطاجة المذكورة ومن مدينة تونس هذه إلى مدينة صغيرة على ساحل البحر تدعى بونة ومعنى هذه اللفظة بلسان الإفرنج جيدة ست مراحل وفيما بين تونس وبونه بليدة تسمى بني زرت بينها وبين تونس يوم تام في البر للمجد ولبني زرت هذه شأن غريب وذلك أنه يخرج في بحرها كلما طلع هلال نوع من السمك لم يكن في الشهر الذي قبل ذلك هذا متواتر عند أهلها لا يختلف فيه منهم أحد والمتفطنون من الصيادين يعرفون الشهور باختلاف السمك عليهم وإن لم يروا الأهلة وهذا منسوب إلى الطلمسات اعتنى به من عني بخدمة القمر ومن ومن مدينة بونه إلى مدينة قسطنطينة التي هي أحد حدي أفريقية خمس مراحل وقسطنطينة بينها وبين البحر مرحلتان أو أكثر من ذلك قليلا هذا ما على ساحل البحر أو قريب منه من مدن أفريقية وبها مما يلي الصحراء مدن أنا ذاكرها إن شاء الله تعالى إذا فرغت مما على ساحل البحر من بلاد المغرب
بلاد المغرب الساحلية
ومن قسطنطينة المغرب إلى بجاية خمس مراحل على الرفق وبجاية هذه هي دار ملك بني حماد الصنهاجيين الذين تنتسب قلعة بني حماد اليهم وكانوا يملكون من قسطنطينة المغرب إلى موضع يعرف بسيوسيرات وقد تقدم هذا الموضع بينه وبين بجاية قريب من تسع مراحل لم يزل بنو حماد يملكون بجاية وجهاتها إلى أن أخرجهم عنها في ولاية يحيى منهم أبو محمد عبد المؤمن بن علي حسبما سبق ومن مدينة بجاية إلى مدينة صغيرة تدعى الجزائر وتنسب إلى قوم يقال لهم بنو مزغن قريب من أربع مراحل وهذه المدينة المعروفة بالجزائر على ساحل البحر الرومي وكذلك مدينة بجاية ومن الجزائر هذه إلى مدينة صغيرة تسمى تنس أربع مراحل ومن مدينة تنس إلى مدينة وهران سبع مراحل ومن مدينة وهران إلى مدينة سبتة على التقريب ثماني عشرة مرحلة
ضيق البحر بين المغرب والأندلس
وبساحل سبتة هذه يلتقي البحران بحر مانطى الذي هو بحر الروم وبحر أقيانس الذي هو البحر الأعظم وهذا أول الخليج المعروف بالزقاق وسعة البحر فيما بين سبتة والأندلس ثمانية عشر ميلا ثم لا يزال يضيق إلى أن ينتهي ذلك من عدوة البربر إلى موضع يدعى قصر مصمودة بينه وبين سبتة نصف يوم ومن جزيرة الأندلس إلى موضع يدعى جزيرة طريف مقابلا لقصر مصمودة المذكور فأضيق ما يكون البحر هنالك وسعته فيما بين هذين الموضعين اثنا عشر ميلا ترى رمال كل واحد من الشطين من الآخر في كل وقت من أوقات النهار وقد ذكر المؤرخون أن الروم بنت في قديم الدهر قنطرة على هذا الخليج ثم طغت المياه فغطتها فيذكر قوم من أهل جزيرة طريف أنهم يرونها أوان سكون البحر وهدوئه حين تصفوا المياه ومن مدينة سبتة إلى مدينة طنجة يوم تام في البر وطنجة هذه آخر الخليج الذي به يلتقي البحران وهي على ساحل البحر الأعظم الذي لا عمارة وراءه وهو المعروف عندنا بالبحر المحيط المتصل ببحر الهند والحبشة وطنجة هذه آخر بلد بالمغرب المحقق وما بعدها من البلاد فإنما هو في الجنوب كمدينة سلا ومدينة مراكش ثم لا يزال دائرا في الجنوب إى أن يأتي بلاد الحبشة والهند فأول بلاد المغرب مما على ساحل البحر الرومي مدينة أنطابلس المعروفة ببرقة وآخرها مما على ساحل البحر الأعظم مدينة طنجة ومسافة ما بين ذلك على التقريب ست وتسعون مرحلة فهذا ذكر المدن التي على ساحل البحر من بلاد المغرب
ثانيا البلاد التي ليست على ساحل
ثم نعود إلى ذكر ما ليس على الساحل من مدن أفريقية والمغرب فنقول
بلاد أفريقية
من مدينة قابس المتقدم ذكرها إلى مدينة تسمى قفصة ثلاث مراحل ومن مدينة قفصة إلى مدينة توزر أربع مراحل وتوزر هذه هي حاضرة بلاد الجريد وأم قراها وبلاد الجريد التي يقع عليها هذا الاسم تنقسم قسمين قسم يسمى قسطيلية وهذا الاسم يقع على توزر وأعمالها وقسم يسمى الزاب وهذا الاسم أيضا يقع على مدينة بسكرة وأعمالها ومن مدينة توزر إلى مدينة بسكرة أربع مراحل وبالقرب من مدينة بسكرة مدينة صغيرة تسمى نقاوس بينها وبينها مرحلتان فهذه المدن التي تلي الصحراء من بلاد أفريقية ويتخللها قرى كثيرة لم نذكرها لصغرها
شأن القيروان في قديم الزمان
وفيما بين مدينة تونس وتوزر مدينة القيروان المشهورة منها إلى الساحل ثلاث مراحل وهي كانت أعني القيروان دار ملك المسلمين بأفريقية منذ الفتح لم يزل الخلفاء من بني أمية وبني العباس يولون عليها الأمراء من قبلهم إلى أن اضطرب أمر بني العباس واستبد الأغالبة بملك أفريقية بعض الاستبداد وهم بنو أغلب بن محمد بن إبراهيم بن أغلب التميميون فاتخذوا القيروان دار ملكهم فلم يزالوا بها إلى أن أخرجهم عنها بنو عبيد وملكوها أيام كونهم بأفريقية ثم ولوا عليها حين ارتحلوا إلى مصر زيري بن مناد الصنهاجي فلم يزل زيري وبنوه ملوكا عليها إلى أن كان آخرهم الذي أخرجه العرب عنها تميم بن المعز بن باديس بن منصور ابن بلجين بن زيري بن مناد المذكور فانتهبتها الأعراب وخربتها فهي كذلك خراب إلى اليوم فيها عمارة قليلة يسكنها الفلاحون وأرباب البادية وكانت القيروان هذه في قديم الزمان منذ الفتح إلى أن خربتها الأعراب دار العلم بالمغرب إليها ينسب أكابر علمائه وإليها كانت رحلة أهله في طلب العلم وقد ألف الناس في أخبار القيروان ومناقبه وذكر علمائه ومن كان به من الزهاد والصالحين والفضلاء المتبتلين كتبا مشهورة ككتاب أبي محمد بن عفيف وكتاب ابن زيادة الله الطبني وغرهما من الكتب فلما استولى عليها الخراب كما ذكرنا تفرق أهلها في كل وجه فمنهم من قصد بلاد مصر ومنهم من قصد صقلية والأندلس وقصدت منهم طائفة عظيمة أقصى المغرب فنزلوا مدينة فاس فعقبهم بها إلى اليوم فهذه نبذة من أخبار أفريقية وفيها مدن كثيرة قد خربت لا أعرف أسماءها لقلة معرفتي بتفاصيل أحوال أفريقية لأني لم ادخل منها إلا مدينة تونس خاصة أتيتها في البحر من الأندلس وذلك سنة 614 وإنما نقلت ما نقلته من أخبارها حسب المستفيض من السماع وفي خراب القيروان على ما تقدم يقول أبو عبد الله محمد بن أبي سعيد ابن شرف الجذامي % ترى سيئات القيروان تعاظمت % فجلت عن الغفران والله غافر % % تراها أصيبت بالكبائر وحدها % ألم تك قدما في البلاد الكبائر %
بلاد المغرب
فقسطنطينة آخر بلاد أفريقية ما يلي البحر منها وما يلي الصحراء وما بعد قسطنطينة فهو من المغرب غير أفريقية فأول ذلك بليدة صغيرة قبلي بجاية في البر تسمى ميلة بينها وبين بجاية ثلاث مراحل ومن بجاية إلى قلعة بني حماد أربع مراحل وهي أيضا أعني القلعة قبلي بجاية
طريق السفار من بجاية إلى مراكش
وها أنا أذكر طريق السفار من بجاية إلى مراكش فمن بجاية إلى مدينة تلمسان عشرون مرحلة وفيما بين ذلك بليدات صغار كمليانة ومازونة ووهران وقد ذكرناها في بلاد الساحل وبين مدينة تلمسان وبين البحر أربعون ميلا وذلك يوم للمجد ومن مدينة تلمسان إلى مدينة فاس عشر مراحل سبع منها إلى المدينة التي تدعى رباط تازا وثلاث إلى فاس وقبلي مدينة تلمسان في الصحراء مدينة سجلماسة منها إلى تلمسان عشر مراحل وهذه المدينة أعني سجلماسة متوسطة في الصحراء مسافة ما بينها وبين تلمسان وفاس ومراكش على حد سواء فمن حيث قصدت إليها من أحد هذه البلاد كان ذلك مسافة عشر مراحل
التعريف بمدينة فاس
ومدينة فاس هذه هي حاضرة المغرب في وقتنا هذا وموضع العلم منه اجتمع فيها علم القيروان وعلم قرطبة إذ كانت قرطبة حاضرة الأندلس كما كانت القيروان حاضرة المغرب فلمااضطرب أمر القيروان كما ذكرنا بعيث العرب فيها واضطرب أمر قرطبة باختلاف بني أمية بعد موت أبي عامر محمد بن أبي عامر وابنه رحل من هذه وهذه من كان فيهما من العلماء والفضلاء من كل طبقة فرارا من الفتنة فنزل أكثرهم مدينة فاس فهي اليوم على غاية الحضارة وأهلها في غاية الكيس ونهاية الظرف ولغتهم أفصح اللغات في ذلك الإقليم وما زلت أسمع المشايخ يدعونها بغداد المغرب وبحق ما قالوا ذلك فإنه ليس بالمغرب شيء من أنواع الظرف واللباقة في كل معنى إلا وهو منسوب إليها وموجود فيها ومأخوذ منها لا يدفع هذا القول أحد من أهل المغرب ولم يتخذ لمتونة والمصامدة مدينة مراكش وطنا ولا جعلوها دار مملكة لأنها خير من مدينة فاس في شيء من الأشياء ولكن لقرب مراكش من جبال المصامدة وصحراء لمتونة فلهذا السبب كانت مراكش كرسي المملكة وإلا فمدينة فاس أحق بذلك منها وما أظن في الدنيا مدينة كمدينة فاس أكثر مرافق وأوسع معايش وأخصب جهات وذلك أنها مدينة يحفها الماء والشجر من جميع جهاتها ويتخلل الأنهار أكثر دورها زائدا على نحو من أربعين عينا ينغلق عليها أبوابها ويحيط بها سورها وفي داخلها وتحت سورها نحو من ثلاثمائة طاحونة تطحن بالماء ولا أعلم بالمغرب مدينة لا تحتاج إلى شيء يجلب إليها من غيرها إلا ما كان من العطر الهندي سوى مدينة فاس هذه فإنها لا تحتاج إلى مدينة في شيء مما تدعو إليه الضرورة بل هي توسع البلاد مرافق وتملؤها خيرا ومن مدينة فاس إلى مدينة مكناسة الزيتون يوم تام للمجد ومن مكناسة الزيتون إلى مدينة سلا أربع مراحل مدينة سلا هذه على ساحل البحر الأعظم المسمى أقيانس وهي في الجنوب كما ذكرنا ينصب إليها نهر يسمى وادي الرمان يصب في البحر الأعظم المذكور وقد بنى المصامدة على ساحل هذا البحر مما يلي مراكش مدينة عظيمة سموها رباط الفتح كان الذي اختطها أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن وأتمها ابنه يعقوب وبنى فيها مسجدا عظيما قد تقدم ذكره وقيل إنهم إنما بنوها بأمر ابن تومرت إياهم بذلك وذلك أنه قال لهم تبنون مدينة عظيمة على ساحل هذا البحر يعني البحر الأعظم ثم يضطرب أمركم وينقض عليكم البلاد حتى ما يبقى بأيديكم إلا هذه المدينة ثم يفتح الله عليكم ويجمع كلمتكم ويعود أمركم كما كان فلهذا سموها رباط الفتح وبين هذه المدينة وبين سلا العتيقة النهر المذكور وقد بنوا عليه قنطرة من ألواح وحجارة يعبر الناس عليها حين يجزر النهر فإذا مد عبروا في القوارب وبين مدينة سلا هذه ومدينة مراكش كرسي المملكة تسع مراحل فمراكش آخر المدن بالمغرب وكان الذي اختطها ملك لمتونة تاشفين ابن علي ثم زاد فيها بعده ابنه يوسف بن تاشفين ثم زاد فيها بعدهما علي بن يوسف بن تاشفين ثم ملكها المصامدة فزادوا فيها حتى جاءت في نهاية الكبر فهي اليوم طولا وعرضا قدر أربع فراسخ هذا إذا ضمت إليها قصور بني عبد المؤمن وأجرى المصامدة فيها مياها كثيرة لم تكن فيها قبل ذلك وبنوا فيها قصورا لم يكن مثلها لملك ممن تقدمهم من الملوك فصارت بذلك في نهاية الحسن وغاية الكمال كما قال الأول % ليس فيها ما يقال له % كملت لو انه كملا %
ترجمة المؤلف بقلمه
وبهذه المدينة أعني مراكش مسقط رأسي وهي أول أرض مس جلدي ترابها وكان مولدي بها لسبع خلون من ربيع الآخر سنة 581 في أول أيام أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي ثم فصلت عنها وأنا ابن تسعة أعوام إلى مدينة فاس فلم أزل بها إلى أن قرأت القرآن وجودته ورويته عن جماعة كانوا هنالك مبرزين في علم القرآن والنحو ثم عدت إلى مراكش فلم أزل مترددا بين هاتين المدينتين ثم عبرت إلى جزيرة الأندلس في أول 603 فأدركت بها جماعة من الفضلاء من أهل كل شأن فلم احصل بحمد الله من ذلك كله إلا معرفة أسمائهم ومواليدهم ووفياتهم وعلومهم انفردوا دوني بكل فضيلة ولا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع يختص برحمته من يشاء وهو ذو الفضل العظيم
بلاد السوس الأقصى
فمراكش هذه آخر المدن الكبار بالمغرب المشهورة به وليس وراءها مدينة لها ذكر وفيها حضارة إلا بليدات صغار بسوس الأقصى فمنها مدينة صغيرة تسمى تارودانت وهي حاضرة سوس وإليها يجتمع أهله ومدينة أيضا صغيرة تدعى زجندر هي على معدن الفضة يسكنها الذين يستخرجون ما في ذلك المعدن وفي بلاد جزولة مدينة هي حاضرتهم أيضا تسمى الكست وفي بلاد لمطة مدينة أخرى هي حاضرتهم أيضا تسمى نول لمطة فهذه المدن التي وراء مراكش فأما تارودانت وزجندر فدخلتهما وعرفتهما ولم أزل أعرف السفار من التجار وغيرهم وخاصة إلى مدينة المعدن المعروفة بزجندر وأما مدينة جزولة ومدينة لمطة فلا يسافر إليهما إلا أهلهما خاصة
ذكر ما بالمغرب من معادن الفضة والحديد
والكبريت والرصاص والزيبق وغير ذلك وأسماء مواضعها قد تقدم ذكر معدن الكبريت الذي بين برقة وطرابلس وأنه بالقرب من حصن يدعى طلميثة وفيما بين سبتة ووهران موضع قريب من ساحل البحر يسمى تمسامان فيه معدن حديد وفيما بين سلا ومراكش قريبا من ساحل البحر الأعظم بمقدار يوم أو أكثر قليلا موضع يدعى إبسنتار فيه معدن حديد أيضا وليس هذا الموضع على طريق السفار إنما يقصده من أراد حمل الحديد منه وبالقرب من مكناسة الزيتون على ثلاث مراحل منها حصن يدعى وركناس فيه معدن فضة وقد ذكرنا معدن زجندر الذي بسوس غير أن فضته ليست هناك أعني فضة معدن زجندر وبسوس أيضا معدنان للنحاس ومعدن توتيا وهي التوتيا التي يصبغ بها النحاس الأحمر فيصير أصفر فهذا جملة ما بالعدوة من المعادن
المعادن بجزيرة الاندلس
وبجزيرة الأندلس معادن أيضا فمنها معدن فضة ببلاد الروم في الجهة المغربية بموضع يدعى شنترة وعلى أربع مراحل من مدينة قرطبة موضع يسمى شلون فيه معدن زيبق منه يفترق الزيبق على جميع المغرب وفي أعمال المرية وعلى يوم ونصف منها بموضع يعرف بدلاية فيه معدن رصاص وفي أعمال المرية أيضا على يوم ونصف منها موضع يسمى بكارش فيه معدن حديد أيضا وما بين دانية وشاطبة موضع يسمى أوربة على نصف يوم من دانية فيه معدن حديد فهذا أيضا جملة ما بالأندلس من المعادن فأما الذهب فمسوق إليها من بلاد السودان
ذكر أسماء الأنهار العظام التي بالمغرب
فأول ذلك نهر ببلاد أفريقية على نصف مرحلة من مدينة تونس يسمى بجردة ينصب من جبل هنالك ينتهي إلى البحر الرومي ونهر بجاية الذي يسمى الوادي الكبير هو متنزهها وعليه بساتينها وقصورها ونهر آخر فيما بين تلمسان ورباط تازا يدعى وادي ملوية يصب في البحر الرومي أيضا ونهر يدعى سبو هو محيط بمدينة فاس من شرقها وغربها ويجاور نهر سبو هذا نهر آخر كبير يسمى ورغة وهذان النهران ينصبان إلى البحر الأعظم بحر أقيانس بعد أن يلتقيا بموضع يدعى المعمورة وفيما بين مكناسة وسلا نهر يدعى بهتا ينصب إلى البحر الأعظم أيضا ونهر سلا المتقدم الذكر وفيما بين سلا ومراكش وعلى ثلاث مراحل من مراكش نهر عظيم يدعى أم ربيع ينصب من جبال صنهاجة من موضع يدعى وانسيفن يصب في البحر الأعظم أيضا ونهر على أربعة أميال من مراكش عليه قنطرة عظيمة يسمى تانسيفت
ونهر سوس الأقصى ونهر ببلاد حاجة يسمى شفشاوة هذه الأنهار كلها تصب إلى البحر الأعظم فهذه جملة الأنهار الكبار التي بالمغرب التي لا يقل ماؤها ولا ينقطع شتاء ولا صيفا ولم نتعرض لذكر الأودية الصغار والأنهار التي تيبس في الصيف
ذكر جزيرة الأندلس وأسماء مدنها وأنهارها
فأما جزيرة الاندلس فهي المعروفة في قديم الزمان عند الروم بجزيرة أشبانية وقد تقدم ذكر حدودها في صدر هذا الكتاب فإغنى ذلك عن إعادته ههنا وكان دين أهلها في الدهر القديم دين الصائبة من عبادة الكواكب واستنزال قواها والتقرب إليها بأنواع القرابين شهدت بذلك طلسمات وجدت بها وضعتها القدماء من أهلها ثم انتقل أهلها إلى دين النصرانية حين ظهر على أيدي أصحاب المسيح عليه السلام وكانت هذه الجزيرة أعني الأندلس منتظمة في مملكة صاحب رومية يستعمل عليها من شاء من أصحابه فلم تزل كذلك والروم يملكونها وقاعدة ملكهم منها مدينة تسمى طالقة على فرسخيت من أشبيلية وهي مدينة عظيمة باق أثرها إلى هذا اليوم إلى أن غلبهم عليها القوطا وهي قبيلة من قبائل الإفرنج فأخرجوهم عن الجزيرة وألحقوهم برومية مدينتهم العظمى وانفرد القوطا هؤلاء بمملكة الجزيرة فملكوها أضخم ملك قريبا من ثلاثمائة سنة وكانت دار ملك القوطا مدينة طليطلة وهي في قريب من وسط الجزيرة فلم يزالوا بها وطليطلة دار ملكهم كما ذكرنا إلى أن افتتحها المسلمون في شهر رمضان من سنة 92 من الهجرة على ما تقدم في صدر الكتاب فلما افتتحها المسلمون تخيروا قرطبة دار ملكهم ومقر تدبيرهم وموضع حلهم وعقدهم فلم تزل قرطبة على ذلك إلى ان انتشرت الفتنة واضطرب أمر بني أمية بالأندلس بموت الحكم المستنصر وتغلب أبي عامر محمد بن أبي عامر وابنه على هشام المؤيد بن الحكم المستنصر حسبما تقدم في صدر هذا الكتاب فهذا تلخيص أخبار جزيرة الأندلس
مجاز الأندلس
وأنا ذاكر إن شاء الله أول ما يلقاه من يعبر إليها من حدودها ومدنها فأول ذلك أني أقول قد تقدم أن البحرين بحر الروم وبحر أقيانس يلتقيان بساحل سبتة ثم يضيق الخليج ويتقارب العدوتان حتى ينتهي ذلك إلى قصر مصمودة من العدوة وجزيرة طريف من الاندلس ثم يأخذ في السعة وأول هذا الخليج مما يلي طنجة الجبل الخارج في البحر الأعظم المعروف بطرف أشبرتال وآخره الجبل الذي شرقي سبتة فإذا عبرت إلى جزيرة الأندلس من سبتة كان الذي تنزل به المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء وإذا عبرت من قصر مصمودة وقعت إلى جزيرة طريف فالمدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء هي في التحقيق على ساحل البحر الرومي وجزيرة طريف على ساحل البحر الأعظم وبين الموضعين أعني الخضراء وطريف ثمانية عشر ميلا وفي شرقي الجزيرة الخضراء الجبل المعروف بجبل الفتح ويسمى أيضا جبل طارق وله طرف خارج في البحر يسمى طرف الفتح وعنده يلتقي البحران بجزيرة الأندلس فهذا تلخيص التعريب بخبر مجاز الأندلس
البلاد التي تغلب عليها النصارى إلى سنة 621
فأما ذكر مدنها فقد كانت فيها مدن كثيرة تغلب النصارى على أكثرها فأنا ذاكر أسماء المدن التي بأيدي النصارى في وقتنا هذا ومواضعها من الجزيرة من مشرق ومغرب من غير تعرض إلى ما بينها من المسافات إذ كان كون النصارى بها مانعا من معرفة ذلك فأول المدن في الحد الجنوبي المشرقي على ساحل البحر الرومي مدينة برشنونة ثم مدينة طركونة ثم مدينة طرطوشة هذه البلاد التي على ساحل البحر الرومي المذكور أعادها الله للمسلمين والمدن التي على غير الساحل في هذا الحد المذكور مدينة سرقسطة ولاردة وأفراغة وقلعة أيوب هذه كلها يملكها صاحب برشنونة لعنه الله وهي الجهة التي تسمى أرغن وفي الحد المتوسط ما بين الجنوب والمغرب من المدن مدينة طليطلة وكونكة وأقليج وطلبيرة ومكادة ومشريط ووبذ وأبلة وشقوبية هذه كلها يملكها الأدفنش لعنه الله وتسمى هذه الجهة قشتال وتجاور هذه المملكة فيما يميل إلى الشمال قليلا مون كثيرة أيضا وهي سمورة وشلمنكة والسبطاط وقلمرية هذه كلها يملكها رجل يعرف بالببوج لعنه الله وتسمى هذه الجهة ليون وفي الحد المغربي الذي هو ساحل البحر الأعظم أقيانس مدن أيضا منها مدينة الأشبونة وشنترين وباجة وشنترة وشنت ياقو ومدينة يابرة ومدن كثيرة ذهبت عني أسماؤها يملكها رجل يعرف بابن الريق لعنه الله فهذا ما بأيدي النصارى من مدن جزيرة الأندلس مما يلي بلاد المسلمين ووراء هذه المدن مما يلي بلاد الروم مدن كثيرة لم تشتهر عندنا لبعدها عنا وتوغلها في بلاد الروم لم يملكها المسلمون قط لأنهم لم يملكوا الجزيرة بأسرها حين افتتحوها وإنما ملكوا معظمها واستولوا على أكثرها
المدن التي بقيت بأيدي المسلمين إلى سنة 621
وأنا ذاكر بعد هذا ما بقي بأيدي المسلمين من البلاد وعدد المراحل التي بينها وقربها من البحر وبعدها حتى يبين ذلك إن شاء الله تعالى فأول شيء يملكه المسلمون بجزيرة الأندلس اليوم حصن صغير على شاطئ البحر الرومي يسمى بنشكلة بينه وبين مدينة بلنسية ثلاث مراحل وهذا الحصن مما يلي بلاد الروم بينه وبين طرطوشة مرحلتان أو أكثر قليلا ثم مدينة بلنسية وهي مدينة في غاية الخصب واعتدال الهواء كان أهل الأندلس يدعونها فيما سلف من الزمان مطيب الأندلس والمطيب عندهم حزمة يعملونها من أنواع الرياحين ويجعلون فيها النرجس والآس وغير ذلك من أنواع المشمومات سموا بلنسية بهذا الاسم لكثرة أشجارها وطيب ريحها وبين بلنسية هذه وبين البحر الرومي قريب من أربعة أميال ثم بعدها مدينة تدعى شاطبة بينها وبينها مرحلتان وبينهما مدينة صغيرة تدعى جزيرة الشقر وسميت جزيرة لأنها في وسط نهر عظيم قد حف بها من جميع جهاتها فلا طريق إليها إلا على القنطرة ومن شاطبة هذه إلى مدينة دانية التي على ساحل البحر الرومي يوم تام ومن شاطبة إلى مدينة مرسية ثلاثة أيام ومن مرسية إلى البحر الرومي عشرة فراسخ ومن مدينة مرسية إلى مدينة أغرناطة سبع مراحل وبين ذلك بلاد صغار أولها مما يلي مرسية حصن لرقة ثم حصن آخر يدعى بلس ثم حصن آخر يدعى قلية ثم بليدة صغيرة تسمى بسطة ثم بليدة أخرى على مسيرة يوم من أغرناطة تسمى وادي آش ويقال لها أيضا وادي الأشى هكذا سمعت الشعراء ينطقون بها في أشعارهم فهذه البليدات التي بين أغرناطة ومرسية وفي مقابلة وادي آش على ساحل البحر الرومي مدينة المرية مخففة الراء وهي مدينة مشهورة تضرب أمواج البحر في سورها بينها وبين وادي آش هذه مرحلتان للمجد وبعد المدينة المعروفة بالمرية على ساحل البحر الرومي حصن منكب وهي بليدة صغيرة يضرب البحر أيضا في سورها بينها وبين المرية أربع مراحل وبين حصن منكب هذا وبين مدينة مالقة ثلاث مراحل وبين مالقة وبين الجزيرة الخضراء ثلاث مراحل للمجد وبالجزيرة الخضراء أو بجبل الفتح يلتقي البحران كما ذكرنا فالذي على ساحل البحر الرومي من بلاد المسلمين بالأندلس الجزيرة الخضراء ومالقة ومنكب والمرية ودانية وبين المرية ودانية نحو من ثمان مراحل ووراء دانية الحصن الذي يسمى بنشكلة وقد تقدم ذكره فهذا ما على الساحل من بلاد المسلمين بالأندلس أعني ما يضرب الموج في سوره فأما مدينة بلنسية فبينها وبين البحر كما ذكرنا قريب من أربعة أميال ثم نعود إلى ذكر البلاد التي ليست على الساحل فنقول من مدينة أغرناطة إلى البحر قريب من أربعين ميلا وذلك مسيرة يوم تام أو يومين على الرفق ومن مدينة أغرناطة إلى مدينة جيان مرحلتان فبين جيان وبين البحر الرومي ثلاث مراحل ومن مدينة جيان إلى مدينة قرطبة مرحلتان
ذكر قرطبة
وقد تقدم ذكر قرطبة هذه وأنها كانت دار ملك المسلمين ومقر تدبيرهم إلى أن نشأت الفتنة واختل أمر بني أمية بالأندلس وبلغت قرطبة هذه من القوة وكثرة العمارة وازدحام الناس مبلغا لم تبلغه بلدة حكى ابن فياض في تاريخه في أخبار قرطبة قال كان بالربض الشرقي من قرطبة مائة وسبعون امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي هذا ما في ناحية من نواحيها فكيف بجميع جهاتها وقيل إنه كان فيها ثلاثة آلاف مقلس وكان لا يتقلس عندهم في ذلك الزمان إلا من صلح للفتيا وسمعت ببلاد الأندلس من غير واحد من مشايخها أن الماشي كان يستضيء بسروج قرطبة ثلاث فراسخ لا ينقطع عنه الضوء وبها الجامع الأعظم الذي بناه أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد المتلقب بالناصر لدين الله وزاد فيه بعده ابنه الحكم المستنصر بالله فزيادة الحكم معروفة إلى اليوم وحكى أبو مروان بن حيان رحمه الله في أخبار قرطبة أن الحكم لما زاد زيادته المشهورة في الجامع اجتنب الناس الصلاة فيها أياما فبلغ ذلك الحكم فسأل عن علته فقيل له أنهم يقولون ما ندري هذه الدراهم التي انفقها في هذا البينان من أين اكتسبها فاستحضر الشهود والقاضي أبا الحكم المنذر بن سعيد البلوطي المتقدم الذكر في قضاته واستقبل القبلة وحلف باليمين الشرعية التي جرت العادة بها أنه ما أنفق فيه درهما إلا من خمس المغنم وحينئذ صلى الناس فيه لما علموا بيمينه ومن الخمس أيضا كان أبوه بناه وزاد فيه أبو عامر محمد محمد أبي عامر زيادة أخرى من هذه ا النسبة فهو مسجد لم ينفق فيه درهم إلا من خمس المغنم وهو معظم القدر عند أهل الأندلس مبارك لا يصلي فيه أحد ويدعو بشيء من أمر الدنيا والآخرة إلا استجيب له قد عرف ذلك من أمره واشتهر وحكى غير واحد أن الأدفنش لعنه الله لما دخلها في شهور سنة 503 دخل النصارى في هذا المسجد بخيلهم فأقاموا به يومين لم تبل دوابهم ولم ترث حتى خرجوا منه وهذه الحكاية مما تواتر عندهم واستفاض بقرطبة وقد جمع أهل الأندلس كتبا في فضائل قرطبة وأخبارها ومن كان بها أو نزلها من الصالحين والفضلاء والعلماء
ذكر أشبيلية
ومن مدينة قرطبة إلى مدينة أشبيلية ثلاث مراحل وأشبيلية هذه هي حاضرة الأندلس في وقتنا هذا وهي التي تسمى عندهم في قديم الزمان حمص سميت بذلك لنزول أجناد حمص إياها حين افتتح المسلمون الأندلس وقد زاد أمر هذه المدينة على صفة كل واصف وأتى فوق نعت كل ناعت وهي على شاطئ نهر عظيم ينصب من جبل شقورة وتنصب فيه أنهار كثيرة فلا يصل إلى أشبيلية إلا وهو بحر خضم تصعد فيه السفن الكبار من البحر الأعظم ترسي على باب المدينة بينها وبين البحر الأعظم سبعون ميلا وذلك مرحلتان وهذه المدينة كانت قاعدة ملك بني عباد حسبما تقدم ثم صيرها المصامدة منزلا لهم أيام كونهم بالأندلس منها ينفذ أمرهم وفيها يستقر ملكهم وينوا بها قصورا عظيمة وأجروا فيها المياه وغرسوا البساتين فزاد ذلك في حسن هذه المدينة أعني أشبيلية ومن أشبيلية إلى مدينة شلب التي على ساحل البحر الأعظم خمس مراحل وبين ذلك بليدات صغار كمدينة لبلة وحصن مرتلة ومدينة طبيرة ومدينة العليا والمدينة المعروفة بشنتمرية هذه البلاد كلها فيما بين شلب وأشبيلية من مغرب الأندلس وبين قرطبة بين البحر الرومي خمس مراحل وقرطبة أيضا على ساحل هذا النهر الذي ينصب إلى أشبيلية يعظم جدا حتى تصعد فيه السفن كما تقدم وينحدر من أراد في القوارب من قرطبة إلى أشبيلية ويصعدون من أشبيلية إلى قرطبة كهيئة النيل وبين مدينة أشبيلية ومدينة شريش مرحلتان وبين شريش وبين البحر ثلاث مراحل فهذه جملة أخبار بلاد المغرب وجزيرة الأندلس ومسافات الأبعاد التي بين كل بلد وبلد على التقريب منها ما سافرت فيه بنفسي ومنها ما نقلته مستفيضا عن السفار المترددين
فصل أنهار الأندلس الكبار المشهورة
وقد رأيت أن أذكر ههنا جملة انهار الأندلس الكبار المشهورة بها فأول ذلك مما يلي المشرق نهر طرطوشة وهو نهر عظيم ينصب من جبال هناك إلى مدينة طرطوشة ثم يصب في البحر الرومي وبين طرطوشة وبين البحر الرومي اثنا عشر ميلا ثم نهر مرسية وهو يصب أيضا في البحر الرومي منبعه من جبل شقورة وهو قسيم نهر أشبيلية منبعهما واحد ثم يفترقان فينصب هذا إلى أشبيلية وهذا إلى مرسية ثم نهر أشبيلية الأعظم وقد تقدم ذكر منبعه ثم تنصب فيه قبل وصوله إلى أشبيلية أنهار كثيرة فيعظم حتى يصير بحرا كما ذكرنا ثم يصب في البحر الأعظم المسمى أقيانس ثم نهر عظيم ببلاد الروم يسمى تاجو وهو الذي عليه مدينة طليطلة وشنترين وبين هاتين المدينتين قريب من عشر مراحل وعلى هذا النهر أيضا مدينة الأشبونة وبينها وبين شنترين ثلاث مراحل ثم ينصب هذا النهر إلى البحر الأعظم فهذه جملة أنهار الأندلس المشهورة بها وقد نجز بحمد الله جميع هذا الإملاء حسبما رسمه مولانا وجريت في ذلك كله على عادتي في التلخيص وتركت أسماء القرى والضياع والأنهار الصغار وغير ذلك مما لا تدعو إليه الحاجة ولا يخل بالتصنيف تركه فإن وافق غرض مولانا ولاق بنفسه وأتى وفق مراده فهي البغية الكبرى والأمنية العظمى التي لم أزل أكدح لها وأسعى فيها واسابق إليها وإن يك غير ذلك فما أنا بأول من اجتهد فحرم الإصابة ولم يقع على المراد ولا في المقصود وبالله أعتصم وإياه أسترشد وعليه أعتمد وهو حسبي ونعم الوكيل
|
وكان الفراغ من هذا الإملاء يوم السبت لست بقين من جمادى الآخرة من سنة 621 والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وحسبنا الله ونعم الوكيل