القسم ٢ من ٤

فتوح مصر والمغرب

ابن عبد الحكم

ذكر من اختط حول المسجد الجامع مع عمرو بن العاص

واختط حول عمرو والمسجد قريش، والأنصار، وأسلم، وغفار، وجهينة، ومن كان فى الراية ممن لم يكن لعشيرته فى الفتح عدد مع عمرو. فاختط وردان مولى عمرو القصر الذي يعرف بقصر عمر بن مروان، وإنما نسب إلى عمر بن مروان أن أنتناس صاحب الجند «3» وخراج مسلمة، سأل معاوية أن يجعل له منزلا قرب الديوان، فكتب معاوية إلى مسلمة بن مخلد، يأمره أن يشترى له منزل وردان، ويخط لوردان حيث شاء، ففعل، فأخذ أنتناس المنزل، وبعث مسلمة مع وردان السمط مولى مسلمة، وأمره أن يقطعه غلوة «4» نشابه، فخرج معه حتى وقفا على موضع مناخ الإبل، وكان ذلك فناء يتوسع فيه «5» المسلمون فيما بينهم وبين البحر، فقال السمط لوردان: لنعلمن اليوم فضل غلاء «6» فارس على الروم، وكان السمط فارسيا، ووردان روميا، فمغط «1» السمط فى قوسه ونزع له بنشابه فاختطها وردان. فلما مات أنتناس أقطعت عمر بن مروان. ويكنى وردان بأبى عبيد. ويقال إن قصر عمر بن مروان من خطة الأزد، فابتاع ذلك عبد العزيز بن مروان، فوهبه لأخيه عمر بن مروان، وذلك أن ذلك الزقاق من قصر عمر بن مروان إلى الاصطبل، والاصطبل من خطة الأزد. واختط قيس بن سعد بن عبادة فى قبلة المسجد الجامع، دار الفلفل «2» ، وكانت فضاء فبناها لما ولى البلد، ولاه إياه على بن أبى طالب، ثم عزله، فكان الناس يقولون إنها له حتى ذكر له ذلك، فقال: وأى دار لى بمصر، فذكروها له، فقال: إنما «3» تلك بنيتها «4» من مال المسلمين لا حق لى فيها. ويقال إن قيس بن سعد أوصى حين حضرته الوفاة، فقال: إنى كنت بنيت دارا بمصر وأنا واليها، واستعنت فيها بمعونة المسلمين، فهى للمسلمين، ينزلها «5» ولاتهم. ولهم عن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان. أحدهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: رب الدابة أحق بصدر دابته «6» . حدثناه أبو الأسود، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد العزيز بن عبد الملك ابن مليل، عن عبد الرحمن بن أبى أمية «7» ، عن قيس بن سعد. ويقال بل كانت دار الفلفل، ودار الزلابية التى إلى جنبها لنافع بن عبد القيس الفهرى. ويقال بل هو عقبة بن نافع، فأخذها قيس بن سعد منه وعوضه منها دار الفهريين التى فى زقاق القناديل. ويقال بل كانت تلك الدار خطة عقبة بن نافع، ويقال بل كانت دار الفلفل لسعد بن أبى وقاص فتصدق بها على المسلمين، واقتصر على داره التى بالموقف، والله أعلم. ويقال إن داره التى بالموقف التى تعرف بالفندق ليس هو خطة لسعد، وإنما كان لمولى «1» سعد فمات فورثها عنه آل سعد. وإنما سميت دار الفلفل؛ لأن أسامة بن زيد التنوخى إذ كان واليا على خراج مصر، وابتاع من موسى بن وردان فلفلا بعشرين ألف دينار كان كتب فيه الوليد بن عبد الملك أراد أن يهديه إلى صاحب الروم، فخزنه فيها، فشكا ذلك موسى بن وردان إلى عمر بن عبد العزيز حين ولى الخلافة، فكتب أن يدفع إليه. حدثنا طلق بن السمح، حدثنا ضمام بن إسماعيل، حدثنى موسى بن وردان، قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز فحدثته بأحاديث عمن أدركته من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت عنده بمنزله، أدخل إذا شئت وأخرج إذا شئت، فكنت أحدثه عمن أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألته الكتاب إلى حيان بن سريج فى عشرين ألف دينار أستوفيها مرح ثمن فلفل ليكتب إليه يدفعها «2» إلى، فقال لى: ولمن العشرون الألف الدينار؟ قلت: هى لى. قال: ومن أين هى لك؟ قلت له: كنت تاجرا، فضرب بمخصرته ثم قال: التاجر فاجر، والفاجر فى النار. ثم قال: اكتبوا إلى حيان بن سريج «3» ، فلم أدخل عليه بعدها، وأمر حاجبه ألا يدخلنى عليه. وصارت دار الزلابية للحكم بن أبى بكر. ويقال بل دار الزلابية خطة عبدة بن عبدة. واختط مسلمة بن مخلد دار الرمل، واختط مع مسلمة فيها، أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختط معهم عقبة بن عامر الجهنى، فلما ولى مسلمة بن مخلد سأله معاوية داره فأعطاه إياها، وخط له فى الفضاء داره ذات الحمام التى بسوق «4» وردان. ثم صارت إلى بنى أبى بكر بن عبد العزيز، فحازها بنو العباس مع ما حيز من أموال بنى مروان. فامتدح ابن شافع صالح بن على فأقطعه إياها. وإنما صارت لبنى أبى بكر بن عبد العزيز، أن مسلمة بن مخلد توفى ولم يترك ذكرا، فورثته ابنته أم سهل ابنة مسلمة، وإليها تنسب منية أم سهل مع «1» زوجتيه وعصبته بنى أبى دجانة، فتزوج عبد العزيز امرأتى مسلمة بعد وفاته، وقضى عنه عشرين ألف دينار كانت عليه، وتزوج أبو بكر بن عبد العزيز ابنته، أم سهل ابنة مسلمة. وكان الذي صار إليهم من ربع «2» مسلمة بالميراث الذي ورثوا عن نسائهم. فكانت دار مسلمة من رحا الكعك إلى حمام سوق وردان، مما صار لعبد العزيز ولأبى بكر بن عبد العزيز، وكان لأبى بكر من منية أم سهل ما ورثه عن امرأته أم سهل. وما كان فى أيدى الناس غيرهم من ذلك مما كان لابن الأشتر الصدفى، ولبنى وردان، ولحمادة ابنة محمد، ولموسى بن على، فمن حقوق عصبة مسلمة مما باعه يحيى بن سعيد الأنصارى، وكان العصبة قد وكلوه بذلك، وبهذا السبب قدم يحيى بن سعيد مصر. وكانت الدار المعروفة بدار المغازل بالحمراء مما باع يحيى بن سعيد أيضا، فاشتراها منه ابن وردان وابن مسكين. وكان مسلمة بن مخلد، كما حدثنا سعيد بن عفير، عن ابن لهيعة، أحسبه أيام عمرو على الطواحين. واشترى معاوية أيضا دار عقبة بن عامر، وخط له فى الفضاء قبالة الطريق إلى دار محفوظ بن سليمان، وكانت من الخط الأعظم إلى البحر. ويقال بل مسلمة بن مخلد أقطعها عقبة على ابنته أم كلثوم ابنة عقبة، وقد يجوز أن يكون مسلمة إنما أقطعها لعقبة بأمر معاوية عوضا من الذي أخذ منه من داره. وكانت دار أبى رافع قد صارت إلى مولاه السائب مولى أبى رافع، فاشتراها منه معاوية، وأقطع السائب فى الفضاء عند حيز الوز. ويقال بل اختط المقداد بن الأسود دارا كانت إلى جنب دار الرمل، وكانت إلى جنبها دار لعقبة بن عامر هى خطته، فابتاع عقبة دار المقداد بن الأسود فهدمها، وهدم داره، فبناهما جميعا دارا لرملة ابنة معاوية فكتب إليه معاوية: لا حاجة لنا «1» بها، فاجعلها للمسلمين. وبرملة سميت دار الرمل (2 لأنهم كانوا يقولون دار رملة، فحرفت العامة ذلك، وقالوا: دار الرمل. ويقال إنما سميت دار الرمل 2) لما ينقل إليها من الرمل لدار الضرب. سمعت يحيى بن بكير فيما أحسب يقوله ولا أعلمنى سمعت ذلك من غيره. يكنى المقداد أبا معبد. حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبى عباد، حدثنا حماد بن شعيب، عن منصور، عن هلال بن يساف «3» ، قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، المقداد على سرية، فلما رجع قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف رأيت الإمارة أبا معبد؟ قال: خرجت يا رسول الله وما أرى أن لى فضلا على أحد من القوم، فما رجعت إلا وكأنهم عبيد لى. قال: كذلك الإمارة أبا معبد، إلا من وقاه الله شرها. قال: والذي بعثك بالحق لا أعمل على عمل أبدا. قال ويقال بل كتب معاوية حين استخلف إلى عقبة بن عامر يسأله أن يسلمها ليزيد لقربها من المسجد، ويعطيه ما هو خير منها، ففعل، فأقطعه معاوية داره التى بسوق وردان وبناها له، وبنى سفل دار الرمل ليزيد، وأقطع معاوية أيضا يزيد قرية من قرى الفيوم، فأعظم الناس ذلك وتكلموا فيه، فلما بلغ ذلك معاوية كره قالة الناس، فرد تلك القرية إلى الخراج كما كانت للمسلمين، وجعل دار الرمل للمسلمين تنزلها ولاتهم، ولم يكن بنى منها إلا سفلها، حتى بنى علوها القاسم بن عبيد الله بن الحبحاب. حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى قبيل، عن فضالة بن عبيد، قال: كنا عند معاوية يوما وعنده معاوية بن حديج، وكان معاوية كالجمل الطنى «1» ، يقدم رجلا ويؤخر أخرى، يرمى «2» بالكلمة فإن ذلت العرب «3» أمضاها، وإن أنكروها لم يمضها. فقال ذات يوم: ما أدرى فى أى كتاب الله تجدون هذا الرزق والعطاء؟ فلو أنا حبسناه، فضرب معاوية بن حديج بين كتفيه مرارا حتى ظننا أنه يجد ألم ذلك، ثم قال: كلا والذي نفسى بيده يا بن أبى سفيان، أو لنأخذن «4» بنصولها ثم لتقفن على أنادرها، ثم لا تخلص منها إلى دينار ولا درهم، فسكت معاوية. ويكنى معاوية بن أبى سفيان بأبى عبد الرحمن، ومعاوية بن حديج بأبى نعيم. وكان الديوان كما حدثنا سعيد بن عفير، عن ابن لهيعة، فى زمان معاوية أربعين ألفا، وكان منهم أربعة آلاف فى مائتين مائتين. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن رزين بن عبد الله مثله. وزاد فكان إنما يحمل إلى معاوية ستمائة ألف فضل أعطيات الجند. حدثنا هانئ، حدثنا ضمام، عن أبى قبيل، قال: كان معاوية بن أبى سفيان قد جعل على كل قبيلة من قبائل العرب رجلا، فكان على المعافر رجل يقال له الحسن، يصبح كل يوم فيدور على المجالس، فيقول: هل ولد الليلة فيكم مولود؟ وهل نزل بكم نازل؟ فيقال: ولد لفلان غلام، ولفلان جارية، فيقول: سموهم، فيكتب. ويقال «5» نزل بها رجل من أهل اليمن بعياله فيسمونه وعياله، فإذا فرغ من القبائل «6» كلها أتى الديوان. وكان الديوان كما حدثنا سعيد بن عفير، عن ابن لهيعة فى زمان معاوية أربعين ألفا، وكان منهم أربعة آلاف فى مائتين مائتين. قال ابن عفير فى حديثه عن ابن لهيعة، قال: فأعطى مسلمة بن مخلد أهل الديوان أعطياتهم، وأعطيات عيالاتهم وأرزاقهم، ونوائبهم ونوائب البلاد من الجسور،. وأرزاق الكتبة، وحملان القمح إلى الحجاز، وبعث إلى معاوية بستمائة ألف دينار فضلا. قال ابن عفير: فنهضت الإبل فلقيهم برح بن حسكل، فقال: ما هذا! ما بال ما لنا يخرج من بلادنا؟ ردوه. فرد حتى وقف على المسجد فقال: أخذتم عطاءكم «1» وأرزاقكم وعطاء عيالاتكم ونوائبكم؟ قالوا: نعم. فقال: لا بارك الله لهم. قال: وخطة برح بن حسكل عند دار زنين فى الزقاق الذي يعرف بخلف «2» القماح. واختط قيس بن أبى العاص السهمى داره التى عند دار ابن رمانة، وكانت دار ابن رمانة بينها وبين المسجد، ودخل بعضها فى المسجد حين زاد فى عرضه عبد الله بن طاهر، وقد كان عمرو بن العاص ولاه القضاء. حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ابن لهيعة، قال: كان قيس بن أبى العاص بمصر، ولاه عمرو بن العاص القضاء. واختط إلى جانب قيس بن أبى العاص عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدى مما يلى زقاق البلاط دار ابن رمانة وما يليها، فاشترى ذلك عبد العزيز بن مروان، فوهب لابن رمانة حين قدم عليه ما بنى، وكان ما بقى للأصبغ بن عبد العزيز، وكانت دار عبد الله تلى المسجد وقبلى بابها اليوم مرحاض بيت المال. وكان ابن رمانة مع عبد العزيز بن مروان فى الكتاب، وكان عبد العزيز قد وهب لابن رمانة خاتما كان له، فلما صار عبد العزيز إلى ما صار إليه، قدم عليه ابن رمانة من الحجاز على بعير ليس عليه إلا فروة «3» له، فقال للحاجب: استأذن لى على الأمير، فكأن الحاجب تثاقل عنه، فقال له ابن رمانة: استأذن لى اليوم أستأذن لك غدا، فدخل الحاجب على عبد العزيز فأخبره بقوله فقال: أدخله، فلما دخل عليه ابن رمانة وكلمه أخرج الخاتم لعبد العزيز فعرفه، فنزع عبد العزيز خاتم نفسه فدفعه إلى ابن رمانة، وبنى له داره، وغرس له نخلهم الذي لهم اليوم بناحية حلوان. وعبد العزيز أيضا الذي غرس لعمير بن مدرك نخله الذي بالجيزة الذي يعرف بجنان عمير. وكان سبب ذلك كما حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، أن عمير بن مدرك كان غرسه أصنافا من الفاكهة، فلما أدرك سأل عبد العزيز أن يخرج إليه، فخرج معه عبد العزيز إليه، فلما رآه قال له عبد العزيز: هبه لى، فوهبه له، فأرسل عبد العزيز إلى صاحب الجزيرة فقال له: لئن أتت عليه الجمعة وفيه شجرة قائمة لأقطعن يدك، وكان بالجزيرة خمسمائة فاعل عدة لحريق «1» إن كان فى البلاد أو هدم. فأتى بهم «2» صاحب الجزيرة فكانوا يقطعون الشجرة بحملها وعمير يرى حسرات، فلما فرغ من ذلك، أمر فنقل إليه الودى من حلوان، وغرسه نخلا، فلما أدرك خرج إليه عبد العزيز وخرج بعير معه، فقال له: أين هذا من الذي كان؟ فقال عمير: وأين أبلغ أنا ما بلغ الأمير؟ قال: فهو لك، وحبسه على ولدك «3» . فهو لهم إلى اليوم. واختط إلى جنب عبد الله بن الحارث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقال بل هو عجلان مولى قيس بن أبى العاص. وهى الدار التى زادها فى المسجد سلمة مولى صالح ابن على. واختط عبادة بن الصامت إلى جانب ابن رمانة، وأنت تريد إلى سوق الحمام، وهى الدار التى كان يسكنها جوجو المؤذن، ودار إلى جنبها، فابتاع أحدهما عبد العزيز ابن مروان فكانت له، وصارت الأخرى لبنى «4» مسكين. واختط خارجة بن حذافة غربى المسجد بينه وبين دار ثوبان قبالة الميضأة القديمة إلى أصحاب الحناء إلى أصحاب السويق بينه وبين المسجد الطريق. وكان الربيع بن خارجة يتيما فى حجر عبد العزيز، فلما بلغ اشترى منه داره بعشرة آلاف دينار للأصبغ بن عبد العزيز، فلما ولى عمر بن عبد العزيز ركب اليه وأخرج له «1» كتاب حبس الدار، فردها عليه بعد أن يدفع إليه الثمن، فسأله أن يعطى كراءها، فقال: أما الكراء فلا، الكراء بالضمان، فردها عليه ولم يأمر له بالكراء. قال الليث بن سعد: فرأيت الربيع فيها وأنا إذ ذاك غلام. ثم خاصم فيها الأصبغ إليه، وابن شهاب قاضيه يومئذ، فقضى ابن شهاب لابن خارجة بالدار، وقبضها، أنه لا يجوز اشتراء الولى ممن يلى أمره ثم خاصم إلى يزيد بن عبد الملك بعد عمر، فقضا له بالكراء فسلمها له بنو الأصبغ حتى مات يزيد، ثم رفعوا إلى هشام بن عبد الملك، فقضى ألا كراء عليهم، فرد الكراء إلى بنى الأصبغ. وخارجة بن حذافة كما حدثنا شعيب بن الليث، وعبد الله بن صالح، عن الليث، عن يزيد بن أبى حبيب، أول من بنى غرفة بمصر، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فكتب إلى عمرو بن العاص: سلام، أما بعد، فإنه بلغنى أن خارجة بن حذافة بنى غرفة، ولقد أراد خارجة أن يطلع على عورات جيرانه، فإذا أتاك كتابى هذا فاهدمها إن شاء الله والسلام. ولأهل مصر عن خارجة بن حذافة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد، ليس لهم عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم غيره. وهو حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عبد الله بن راشد الزوفى، عن عبد الله بن أبى مرة الزوفى، عن خارجة بن حذافة، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن الله قد أمدكم «2» بصلاة هى خير لكم من حمر النعم، الوتر جعله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر «3» . حدثناه أبى، وشعيب بن الليث، وعبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد. ولهم عنه حكايات فى نفسه، وكان خارجة بن حذافة على شرط عمرو بن العاص، أيام عمرو «4» وأيام معاوية حتى قتله الخارجى، وذلك أن عمرو بن العاص كان أصابه فى بطنه شىء فتخلف فى منزله، وكان خارجة يعشى الناس، فضربه الحرورى وهو يظن أنه عمرو، فلما علم أنه ليس عمرا، قال: أردت عمرا وأراد الله خارجة. فكان عمرو يقول: ما نفعنى بطنى قط إلا ذلك اليوم. حدثنا معاوية بن صالح، حدثنا يحيى بن معين، عن وهب بن جرير، عن أبيه، قال: ذهب حرورى ليقتل عمرو بن العاص بمصر، فلما قدمها إذا رجل جالس يغدى قد ولى شرطة عمرو، فظن أنه عمرو، فوثب عليه فقتله، فلما أدخل على عمرو قال: أما والله ما أردت غيرك، قال: لكن الله لم يردنى، فقتل الرجل. وقد قيل إن خارجة إنما قتل بالشام، والله أعلم. حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الهقل بن زياد، عن معاوية بن يحيى الصدفى، حدثنى الزهرى، قال: تعاقد «1» ثلاثة نفر من أهل العراق عند الكعبة على قتل معاوية وعمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة، فأقبلوا بعد ما بويع معاوية على الخلافة حتى قدموا إيلياء، فصلوا من السحر فى المسجد ما قدر لهم ثم انصرفوا، فسألوا بعض من حضر المسجد من أهل الشام، أى ساعة يوافون فيها خلوة أمير المؤمنين، فإنا رهط من أهل العراق أصابنا غرم فى أعطياتنا ونريد أن نكلمه وهو لنا فارغ، فقال لهم: امهلوا حتى إذا ركب دابته فاعترضوا له فكلموه، فإنه سيقف عليكم حتى تفرغوا من كلامه. فتعجلوا ذلك؛ فلما خرج معاوية لصلاة الفجر كبر، فلما سجد السجدة الأولى، انبطح أحدهم «2» على ظهر الحرسى الساجد بينهم وبينه حتى طعن معاوية فى مأكمته، يريد فخذه، بخنجر، فانصرف معاوية وقال للناس: أتموا صلاتكم، وأخذ الرجل فأوثق، ودعى لمعاوية الطبيب فقال الطبيب: إن هذا الخنجر إلا يكن مسموما فإنه ليس عليك بأس، فأعد الطبيب العقاقير التى تشرب إن كان مسموما، ثم أمر بعض من يعرفها من تباعه أن يسقيه إن عقل لسانه حتى يلحس الخنجر، ثم نحسه فلم يجده مسموما، فكبر وكبر من عنده من الناس. ثم خرج خارجة بن حذافة، وهو أحد بنى عدى بن كعب من عند معاوية إلى الناس، فقال: هذا أمر عظيم ليس بأمير المؤمنين بأس بحمد الله وأخذ يذكر الناس وشد عليه أحد الحروريين الباقيين يحسبه عمرو بن العاص فضربه بالسيف على الذؤابة فقتله، فرماه الناس بالثياب، وتعاونوا «1» عليه أخذوه وأوثقوه، واستل الثالث السيف فشد على أهل المسجد، وصبر له سعيد بن مالك بن شهاب، وعليه ممطر تحته السيف مشرج على قائمه، فأهوى بيده فأدخلها الممطر على شرج السيف فلم يحلها حتى غشيه الحرورى فنحاه لمنكبه، فضربه ضربة خالطت سحره، ثم استل سعيد السيف فاختلف هو والحرورى ضربتين، فضرب الحرورى ضربة العين أذهب «2» عينه اليسرى، وضربه سعيد فطرح يمينه بالسيف وعلاه بالسيف حتى قتله، ونزف سعيد فاحتمل نزيفا، فلم يلبث أن توفي، فقال وهو يخبر من «3» يدخل عليه: أما والله لو شئت لنجوت مع الناس، ولكنى تحرجت أن أوليه ظهرى ومعى السيف. ودخل رجل من كلب فقال: هذا طعن معاوية؟ قالوا: نعم. فامتلخ السيف فضرب عنقه، فأخذ الكلبى فسجن، وقيل له قد اتهمت بنفسك، فقال: إنما قتلته غضبا لله، فلما سئل عنه وجد بريئا فأرسل. ودفع قاتل خارجة إلى أوليائه من بنى عدى بن كعب، فقطعوا يديه ورجليه، ثم حملوه حتى جاءوا به العراق، فعاش كذلك حينا، ثم تزوج امرأة فولدت له غلاما فسمعوا أنه ولد له غلام فقالوا: لقد عجزنا حين نترك قاتل خارجة يولد له الغلمان، فكلموا معاوية فأذن لهم بقتله فقتلوه. وقال الحرورى الذي قتل خارجة: أما والله ما أردت إلا عمرو بن العاص. فقال عمرو حين بلغه: ولكن الله أراد خارجة. فلما قتل خارجة ولي عمرو بن العاص شرطه السائب بن هشام بن عمرو، أحد بنى مالك بن حسل، وهشام بن عمرو هو الذي كان قام فى نقض الصحيفة التى كان «4» كتبت قريش على بنى هاشم ألا يناكحوهم، ولا ينكحوا إليهم، ولا يبتاعوا منهم شيئا حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1 وفيه يقول حسان بن ثابت: هل توفين بنو أمية ذمة %~% عهدا كما أوفى جوار هشام من معشر لا يغدرون بجارهم %~% للحارث بن حبيب بن سخام واذا بنو حسل أجاروا ذمة %~% أوفوا وأدوا جارهم بسلام قال ابن هشام: سخام 1) . وخالف ابن هشام غيره من أهل العلم بالشعر. فقال: إنما هى سحام «2» . وقد كان خارجة بن حذافة القرشى، ثم من بنى عدى بن كعب، قد بنى غرفة فى عهد عمر بن الخطاب فأشرفت، فشكت «3» جيرانه إلى عمر بن الخطاب. فكتب «4» إلى عمرو بن العاص، أن انصب سريرا فى الناحية التى شكيت، ثم أقم عليه «5» رجلا لا جسيما ولا قصيرا، فإن أشرفت فسدها. فسئل يزيد من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: مشايخ الجند. قال: واختط عبد الرحمن بن عديس البلوى الدار البيضاء، ويقال بل كانت الدار البيضاء صحنا بين يدى المسجد ودار عمرو بن العاص موقفا لخيل المسلمين على باب المسجد، حتى قدم مروان بن الحكم مصر فى سنة خمس وستين فابتناها لنفسه دارا، وقال: ما ينبغى للخليفة «6» أن يكون ببلد لا يكون له بها دار، فبنيت له فى شهرين «7» . وابن عديس ممن بايع تحت الشجرة، ولأهل مصر عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد، ليس لهم عنه غيره عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن ابن شماسة، أن رجلا حدثه عن عبد الرحمن بن عديس أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: تخرج «1» ناس يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية يقتلهم الله فى جبل لبنان والجليل «2» . أو الجليل وجبل لبنان «3» . واختط عبد الله بن عديس أخو عبد الرحمن بن عديس عند القبة «4» ، دار المعافرى. وكانت دار بنى جمح بركة يجتمع «5» فيها الماء، فقال عمرو بن العاص: خطوا لابن عمى إلى جانبى، يريد وهب بن عمير الجمحى، وهو ممن كان شهد الفتح، فردمت وخطت له. ويقال بل هو عمير بن وهب بن عمير. ويقال بل هى قطيعة من معاوية. وكان عمير قد قدم مصر فى أيام معاوية بن أبى سفيان فكتب أن يبنى له دار، وكان ما هنالك فضاء ليس لأحد فيه دار، وكانت «6» مغيضا للمياه، وهذا مما يحتج به على أن ما حول المسجد كان فضاء لموقف خيل المسلمين، كما فعل عمرو بن العاص حين قدم عليه من بنى سهم من لم يكن شهد الفتح، فبنى لهم دار السلسلة التى فى غربى المسجد. حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، قال: كان وهب بن عمير أمير أهل مصر فى غزوة عمورية سنة ثلاث وعشرين، وأمير أهل الشام أبو الأعور السلمى. واختط ابن الحويرث السهمى إلى جانب دار بنى جمح وقبلى دار زكرياء بن الجهم العبدرى. واختطت ثقيف فى ركن المسجد الشرقى إلى السراجين، وكانت دار أبى عرابة خطة حبيب بن أوس الثقفى الذي كان نزل عليه يوسف بن الحكم بن أبى عقيل ومعه ابنه الحجاج بن يوسف مقدم مروان بن الحكم مصر. ثم لثقيف ما كان متصلا بدار أبى عرابة إلى الدرب الذي يخرجك إلى دار فرج. واختط زكرياء بن الجهم العبدرى داره التى فى زقاق القناديل، وهى دار عباس ابن شرحبيل اليوم ذات الحنية. واختط عبد الرحمن وربيعة ابنا شرحبيل بن حسنة دور «1» عباس بن شرحبيل الأخرى التى إلى جانبها، ودار سلمة بن عبد الملك الطحاوى. حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ابن لهيعة، قال: كان ربيعة بن شرحبيل بن حسنة على المكس. قال: واختط أبو ذر الغفارى دار العمد ذات الحمام، التى أخذ بركة بن منصور الكاتب بيرها، بابها فى زقاق القناديل، وبابها الآخر مما يلى دار بركة، ومن هنالك راجعا إلى سوق بربر إلى قصر ابن جبر قبلك «2» خطة غفار، وكان ابن جبر قد والى غفار. وابن جبر هذا كان رسول المقوقس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمارية وأختها، وبما أهدى معهما. وتزعم القبط أن رجلا منهم قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون ابن جبر. وأبو ذر الذي كان عهد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مصر ما عهد. حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا رشدين بن سعد. وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن حرملة بن عمران، عن عبد الرحمن بن شماسة المهرى، قال: سمعت أبا ذر، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما، فإذا رأيتم أخوين يقتتلان فى موضع لبنة فاخرج «1» . فمر بعبد الرحمن، وربيعة ابنى شرحبيل بن حسنة وهما يتنازعان فى موضع لبنة فخرج منها. قال ابن وهب: سمعت الليث يقول: لا أرى النبي صلى الله عليه وسلم. قال له ذلك، إلا للذى كان من أمر أهل مصر فى عثمان. واختط إياس بن عبد الله القارى «2» غربى دار بنى شرحبيل بن حسنة. واختط رويفع بن ثابت، وعقبة بن كريم، الأنصاريان، مع ربيعة وعبد الرحمن ابنى شرحبيل بن حسنة. واختط رويفع بن ثابت الأنصارى أيضا الدار التى صارت لبنى الصمة. وتوفى رويفع بن ثابت ببرقة، وكان قد وليها. حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث، قال: ولى رويفع بن ثابت أنطابلس سنة ثلاث وأربعين. واختط أبو فاطمة الأزدى دار الدوسى، والدار التى فيها أصحاب الحمائل اليوم. ولهم عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد، وهو ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، حدثنى كثير الأعرج الصدفى، قال: سمعت أبا فاطمة وهو معنا بذى الصوارى، يقول: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا فاطمة، أكثر من السجود فإنه ليس «3» مسلم يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة «4» . حدثناه أبو الأسود، وسعيد بن أبى مريم، عن ابن لهيعة وقد رواه عنه غير «5» أهل مصر. قال والدار التى كان يسكنها عمرو بن خالد، خطة لرجل من بنى تميم. وأصحاب السويق أيضا خطة لرجل من بنى تميم ممن كان شهد الفتح، ثم اشترى ذلك عمرو بن سهيل من بعده. واختط عبد الله بن سعد بن أبى سرح داره اللاصقة بقصر الروم، يقال لها دار الحنية. والدار التى يقال لها دار الموز، وليس قصره هذا الكبير «1» الذي يعرف بقصر الجن خطة، وإنما بناه بعد ذلك فى خلافة عثمان بن عفان، أمر ببنائه حين خرج إلى المغرب لغزو إفريقية. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة أنه سمع يزيد بن أبي حبيب يذكر أن المقداد كان غزا مع عبد الله بن سعد إفريقية، فلما رجعوا قال عبد الله للمقداد فى دار بناها: كيف ترى «2» بنيان هذه الدار؟ فقال له المقداد: إن كان من مال الله فقد أسرفت، وإن كان من مالك فقد أفسدت. فقال عبد الله بن سعد: لولا أن يقول قائل أفسد مرتين لهدمتها. وكان عبد الله يكنى بأبى يحيى. ولهم عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد، ليس لهم عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم غيره، وهو حديث ابن لهيعة، عن عياش بن عباس القتبانى، عن الهيثم بن شفى أبى الحصين، عن عبد الله بن سعد بن أبى سرح، قال: بينا «3» رسول الله صلى الله عليه وسلم وعشرة من أصحابه معه، أبو بكر وعمر وعثمان وعلى والزبير وغيرهم على جبل، إذ تحرك بهم الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسكن حراء، فإنه ليس عليك إلا نبى أو صديق أو شهيد «4» . ولهم عنه حكايات فى نفسه، لم يرو عنه غير أهل مصر. واختط كعب بن ضنة ويقال كعب بن يسار بن ضنة العبسى الدار التى فى طرف زقاق القناديل مما يلى سوق بربر، تعرف بدار النخلة. وكعب هو ابن بنت خالد بن سنان العبسى. أو ابن أخته. قال عبد الرحمن: أنا اشك. وخالد بن سنان الذي تزعم فيه قيس أنه كان تنبأ فى الفترة فيما بين النبي وعيسى صلوات الله عليهما. ولخالد بن سنان حديث فيه طول. حدثنا المقرئ عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا الضحاك بن شرحبيل الغافقى، أن عمار بن سعد التجيبى أخبرهم أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص أن يجعل كعب بن ضنة على القضاء، فأرسل إليه عمرو فأقرأه كتاب أمير المؤمنين، فقال كعب: لا والله لا ينجيه الله من الجاهلية وما كان فيها من الهلكة، ثم يعود فيها بعد إذ نجاه «1» الله منها، فأبى أن يقبل القضاء فتركه عمرو «2» . قال ابن عفير: وكان كعب بن ضنة حكما فى الجاهلية. ولقيس أيضا الدار التى تعرف بدار الزير، وهى اليوم لبنى وردان. وكان يقال لزقاق القناديل زقاق الأشراف؛ لأن عمرا كان على طرفه مما يلى المسجد الجامع، وكعب بن ضنة على طرفه الآخر مما يلى سوق بربر، وفيما بين ذلك دار عياض بن جريبة الكلبى، وهبها له عبد العزيز بن مروان. ودار ابن مذيلفة الكلبى، ودار ابن فراس الكنانى. ودار نافع ابن عبد القيس الفهرى، ويقال بل هو عقبة بن نافع. ودار محمد بن عبد الرحمن الكنانى. ودار أبى ذر الغفارى. ودور ربيعة وعبد الرحمن ابنى شرحبيل بن حسنة وإياهم يتولى بكر بن مضر. ودار زكرياء بن الجهم العبدرى. ودار إياس بن عبد الله القارى. ودار أبى حكيم مولى عتبة بن أبى سفيان بناها له معاوية بن أبى سفيان. واختط ابن عبدة داره التى فى السراجين، وفيها العقابين اليوم، وصارت لبنى مسكين. وكانت دار نصر لرجل من قريش، فمات، فاشتراها عبد العزيز بن مروان فوهبها للإصبغ. ودار سهل التى فيها السراجين وحمام سهل كان ذلك «3» لعبد الله بن عمرو بن العاص، اشتراها فوهبها «4» لابنته أم عبد الله ابنة عبد الله بن عمرو، فتزوجها عبد العزيز ابن مروان فأولدها سهلا وسهيلا، فورثاها من أمهما. والقصر الذي يقال له قصر مارية، كان خطة لابن رفاعة الفهمى، فوهبه لعبد العزيز بن مروان فبناه لأم ولد له رومية يقال لها مارية فنسب إليها. ويقال إنه عوضه من ذلك موضعه بالحمراء. ويقال بل ذلك خطتهم، ثم هدمه عيسى بن يزيد الجلودى مدخله مصر مع عبد الله بن طاهر، فبناه سجنا، وهو السجن الذي عند محرس بنانة «1» عند منزل عمرو بن سواد السرحى، وبنانة «1» كانت حاضنة لبعض بنى مروان أو ظئرا لهم، فنسب المحرس إليها. ومارية أم محمد بن عبد العزيز ولم يعقب. وقد كان عمرو بن العاص كما حدثنا سعيد بن عفير، عن ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، قد دعا خالد بن ثابت الفهمى جد بنى رفاعة ليجعله على المكس فاستعفاه، فقال عمرو: ما تكره منه؟ قال: إن كعبا قال: لا تقرب المكس فإن صاحبه فى النار. واختط جهم بن الصلت المطلبى مما يلى أصحاب الزيت الدار التى تقابل حمام بسر. واختط ابن ملجم بالراية فى أصحاب الزيت الدار المبنى وجهها بالحجارة. واختط إياس بن البكير وابنه تميم بن إياس الدار التى عند دار ابن أبرهة الدار التى فيها أصحاب الأوتاد النافذة إلى السوق، وهو إياس بن البكير بن عبد يا ليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، حلفاء بنى عدى بن كعب. واختط مجاهد بن جبر مولى بنت غزوان، داره التى فى النحاسين، التى صارت لصالح صاحب السوق. واختط أبو شمر بن أبرهة إلى جنب دار شييم «2» الليثى. واختط ابن وعلة إلى جنبه فأخذوا ومن معهم إلى سوق الحمام والدور التى كانت لبنى مروان. وأخبرنى حميد بن هشام الحميرى، قال: ليس لابن أبرهة خطة بفسطاط مصر، وإنما خطتهم بالجيزة، وإنما صارت المنازل التى لهم بالفسطاط وراثة ورثوها من الوعلية؛ لأنهم كانوا صاهروا إلى ابن وعلة فصارت المنازل لهم بالميراث. وكان بنو أبرهة أربعة: كريب بن أبرهة أبو رشدين، وأبو شمر بن أبرهة، ومعدى كرب بن أبرهة، ويكسوم بن أبرهة. حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ابن لهيعة، قال: هاجر كريب بن أبرهة وأخوه أبو شمر بن أبرهة فى خلافة عمر بن الخطاب. حدثنا هارون بن عبد الله الزهرى، حدثنا محمد بن عمر، أخبرنى عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبى حبيب، أن عبد العزيز بن مروان سأل كريب بن أبرهة بن الصباح عن خطبة عمر بن الخطاب بالجابية، أشهدتها؟ فقال: شهدتها وأنا غلام على إزار أسمعها ولا أعيها، ولكن أدلك على من سمعها وهو رجل، قال: من؟ قال: سفيان ابن وهب الخولانى. فأرسل إليه فسأله، فقال أشهدت عمر بالجابية؟ قال: نعم. ثم ذكر الحديث. حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ميمون بن يحيى، عن مخرمة بن بكير، عن يعقوب ابن عبد الله بن الأشج، قال: قدمت مصر فى أيام عبد العزيز بن مروان فرأيت كريب بن أبرهة يخرج من عند عبد العزيز وإن تحت ركابه خمسمائة رجل من حمير. واختط كعب بن عدى العبادى فى القيسارية، فلما أراد عبد العزيز بناءها اشتراها منهم، وخط لهم دارهم التى فى بنى وائل. والحمام الذي «1» يعرف «2» اليوم بحمام أبى مرة، كان خطة لرجل من تنوخ، هو «3» جد ابن علقمة أو أبوه، فسأله إياه عبد العزيز بن مروان، فوهبه له فبناه حماما لزبان بن عبد العزيز، وبزبان كان يعرف، وفيه يقول الشاعر: من كان فى نفسه للبيض «4» منزلة %~% فليأت أبيض فى حمام زبان لا روح فيه ولا شفر يقلبه %~% لكنه صنم فى خلق إنسان فى أبيات له «1» . وكان فيه صنم من رخام على خلقة المرأة عجب من العحب، حتى كسرت فى السنة التى أمر يزيد بن عبد الملك فيها بكسر الأصنام، وكان أمر بكسرها فى سنة اثنتين ومائة. وغرس له عبد العزيز نخله التى بالجيزة اليوم التى تعرف بجنان كعب، عوضا من ذلك. واختط الزبير بن العوام داره التى بسوق وردان اليوم والخطة لبلى، وفيها السلم الذي كان الزبير نصبه وصعد عليه الحصن، وفيها كان عبد الله بن الزبير ينزل إذا قدم مصر فيما ذكر بعض المشايخ، وقد كان عبد الملك بن مروان اصطفاها فردها عليهم هشام بن عبد الملك، ثم أخذها منهم يزيد بن الوليد، فلم تزل فى أيديهم حتى كانت ولاية أمير المؤمنين أبى جعفر، فكلمه فيها هشام بن عروة، وكانت لهشام ناحية من أبى جعفر فأمر بردها عليهم، وقال: ما مثل أبى عبد الله.- يريد الزبير- يؤخذ له شىء. حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن الزبير بن العوام اختط بالفسطاط. واختط أبو بصرة الغفارى عند دار الزبير بن العوام. وأقر عمرو بن العاص القصر لم يقسمه وأوقفه. ولأهل مصر عن أبى بصرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أحاديث، منها: حدثنا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبى الخير، عن أبى بصرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إنا راكبون غدا إلى يهود، فإذا سلموا عليكم فقولوا: عليكم «2» . ومنها حديث الليث بن سعد، عن خير بن نعيم، عن عبد الله بن هبيرة، عن أبى تميم الجيشانى، عن أبى بصرة الغفارى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى يوما صلاة العصر بالمخمص- واد من أوديتهم- ثم انصرف، فقال: إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فتوانوا عنها وتركوها، فمن صلاها منكم كتب الله له أجرها ضعفين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد «3» . حدثناه عبد الله بن صالح. وحدثناه إدريس بن يحيى الخولانى، عن ابن عياش القتبانى، عن ابن هبيرة. ومنها حديث الليث أيضا، عن يزيد بن أبى حبيب، عن كليب بن ذهل الحضرمى، عن عبيد بن جبر، أنه سافر مع أبى بصرة الغفارى فى رمضان، فلما دفعوا «1» من الفسطاط دعا بطعام ونحن ننظر إلى الفسطاط، فقلت له: نأكل ولو نريد أن ننظر إلى الفسطاط نظرنا «2» . فقال: أنرغب «3» عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه! فأفطرنا. ومنها حديث ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن أبى الهيثم، عن أبى بصرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: الكافر يأكل فى سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل فى معى واحد. حدثناه سعيد بن عفير. قال واختطت أسلم مما يلى دار أبى ذر ومن خططها دار الصباح. والزقاق الذي فيه دار ابن بلادة الشرق منه لأسلم. ولهم أيضا من قصر ابن جبر إلى الحجامين الذين بسوق بربر. ويزعم بعض مشايخ أهل مصر قال: ولخزاعة داران: الدار التى تنسب إلى ابن نيزك «4» كانت لرجل منهم يقال له الحارث بن فلان، أو فلان بن الحارث. والدار التى إلى جانبها تليها القضاة «5» . واختط الليثيون الذين كانوا مع عمرو بن العاص وهم آل عروة بن شييم «6» عند أصحاب القراطيس. واختط خلفهم بسر بن أبى أرطاة. ولبنى معاذ من «7» مدلج داران: إحداهما فى زقاق عبد الملك بن مسلمة كانت لأشهب الفقيه، والأخرى فى عقبة سوق بربر فى الزقاق الذي فيه دار مصعب الزهرى. ولعنزة من ربيعة دور مجتمعة نحو من عشر، ومسجد فى أصل العقبة التى عند دار ابن صامت. واختط بلى خلف خارجة بن حذافة، ثم مضوا بخطتهم من دار عمرو بن يزيد إلى دار سلمة ودار واضح، حتى حازوا «1» دار مجاهد بن جبر إلى درب الزجاج، ثم مضوا حتى شرعوا فى أصحاب الزيت، ثم مضوا يشرعون فى قبلة سوق وردان حتى بلغوا مسجد القرون، ثم داخل الزقاق إلى مسجد بنى عوف من بلى، وهو المسجد الذي فى الزقاق ودار ابن يبولة التى بسوق وردان من بلى «2» جزاء «3» الى المعاصير. وكانت بلى إنما يقفون عن يمين راية عمرو بن العاص، لأن أم العاص بن وائل بلوية. (4 حدثنا عبد الملك بن هشام، حدثنا زياد بن عبد الله، عن محمد بن إسحاق أن أم العاص بن وائل امرأة من بلى 4) . وإنما كثرت بلى بمصر كما حدثنا العباس بن طالب، عن عبد الواحد بن زياد، عن عاصم الأحول، عن أبى عثمان النهدى، قال: نادى رجل من بلى وهو حى من قضاعة بالشام، يا آل قضاعة، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فكتب إلى عامل الشام أن تسير «5» ثلث قضاعة إلى مصر فنظروا «6» فإذا بلى ثلث قضاعة، فسيروا إلى مصر. قال ثم اختطت بنو بحر مما يلى بلى، وهم قوم من الأزد فى لخم، ثم شرعوا إلى البحر. ثم اختطت بعدهم الحمراء، وسأذكر حديثهم فى موضعه إن شاء الله. ثم شرعت طائفة من سلامان إلى البحر، ثم شرعت من بعدهم طائفة من فهم وكنانة فهم ثم الحمراء أيضا إلى القنطرة. وكان أول القبائل بلى أهل الراية مما يلى بلى بن عمرو، والراية قريش ومن معها. وإنما سميت الراية لراية عمرو بن العاص. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، قال: الراية قريش كانت معهم راية عمرو بن العاص. ويقال إنما سميت الراية أن قوما من أفناء القبائل من العرب كانوا قد شهدوا مع عمرو بن العاص الفتح، ولم يكن من قومهم عدد فيقفوا مع قومهم تحت رايتهم، وكرهوا أن يقفوا تحت راية غيرهم، فقال لهم عمرو: أنا أجعل راية لا أنسبها إلى أحد أكثر من الراية تقفون تحتها، فرضوا بذلك، فكان كل من لم يكن لقومه عدد وقف تحتها، فقيل الراية من أجل ذلك والله أعلم. والحجر من الأزد فمسجد العيثم حتى تبلغ زقاق السمى «1» ثم يرفا ثم شجاعة ثم ثراد، ثم لقيتها هذيل وفهم، ثم قطعت هذيل بينهم وبين سلامان حتى انتهت هذيل إلى سويقة عدوان، وهى السويقة التى عند زقاق المكى. فدار سبرة والزقاق الذي كان ينزله ابن الأغلب إلى هذه السويقة لهذيل، والزقاق من كتاب إسماعيل إلى منزل بنانة لفهم. ومسجد العيثم بناه الحكم بن أبى بكر بن عبد العزيز بن مروان، فهو من الاصطبل، وكان الاصطبل للأزد فاشتراه منهم الحكم فبناه، وكان يجرى على الذي يقرأ فى المصحف الذي وضعوه فى المسجد الذي يقال له مصحف أسماء من كراه فى كل شهر ثلاثة دنانير، فلما حيزت أموالهم وضمت إلى مال الله وحيز الاصطبل فيما حيز كتب بأمر المصحف إلى أمير المؤمنين أبى العباس، فكتب أن أقروا مصحفهم فى مسجدهم على حاله، وأجروا على الذي يقرأ فيه ثلاثة دنانير من مال الله فى كل شهر. وكان سبب المصحف فيما حدثنا يحيى بن بكير وغيره يزيد بعضهم على بعض، أن الحجاج بن يوسف كتب مصاحف وبعث بها إلى الأمصار، ووجه بمصحف منها إلى مصر، فغضب عبد العزيز بن مروان من ذلك، وقال: يبعث إلى جند أنا به بمصحف، فأمر فكتب له هذا المصحف الذي فى المسجد الجامع اليوم، فلما فرغ منه قال: من وجد فيه حرف خطإ فله رأس أحمر وثلاثون دينارا، فتداوله القراء فأتى رجل من أهل الحمراء فنظر فيه ثم جاء إلى عبد العزيز فقال: قد وجدت فى المصحف حرف خطإ، قال: مصحفى! قال: نعم. فنظروا فإذا فيه إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة «1» فاذا هى مكتوبة نجعة، قد قدمت الجيم قبل العين، فأمر بالمصحف فأصلح ما كان فيه ثم أمر له بثلاثين دينارا ورأس «2» أحمر. ثم توفى عبد العزيز فاشتراه فى ميراثه أبو بكر بن عبد العزيز بألف دينار. ثم توفى أبو بكر فبيع فى ميراثه فاشترته أسماء ابنة أبى بكر بن عبد العزيز بسبعمائة دينار فأمكنت منه الناس وشهرته فنسب إليها. ثم توفيت أسماء فاشتراه الحكم بن أبى بكر فجعله فى المسجد، وأجرى على الذي يقرأ فيه ثلاثة دنانير فى كل شهر من كراء الاصطبل، والحكم بن أبى بكر الذي بنى المسجد المعروف اليوم بقبة سوق وردان. قال: ثم عدوان حتى تنتهى إلى السوق، ثم لقيتهم سلامان، فدار ابن أبى الكنود شارعة فى سويقة عدوان، وزقاق المكى خطة دارس «3» ، ونفر من يرفا، ثم مضت سلامان حتى شرعوا فى البحر إلى جنان حوى، ثم اعترضتهم كنانة من فهم، فلهم من زقاق ابن رفاعة حتى يشرعوا فى البحر. ثم تلقى سلامان من تلقاء جنان حوى بنو يشكر من لخم فجنان حوى، وسفح الجبل الغربى ليشكر بن جزيلة من لخم. وثم خطة على بن رباح اللخمى بالحمراء عند جنان حوى على يسارك وأنت ذاهب تريد القنطرة. قال: واختطت مهرة أول ما دخلت بدار الخيل وما والاها على سفح الجبل الذي يقال له جبل يشكر مما يلى الخندق إلى شرقى العسكر الى جنان بنى مسكين اليوم، مسجد مهرة هنالك قبة سوداء، حتى أدخله طريف الخادم فى دور الخيل حين بناها. وكان جنان بنى مسكين اليوم خطة لرجل من مهرة يقال له الجراح، فمات ولم يترك عقبا، فقدم شريح بن ميمون المهرى فورثه وتزوج امرأته وعقد له على البحر، فلم يكن يعلم مددى نال من الشرف فى زمانه ما نال، إلا أن توبة «4» بن نمر الحضرمى كان مدديا فولى القضاء. حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث، قال: قدمت سفن إفريقية سنة ثمان وتسعين عليهم ابن أبى بردة، فغزوا هم «1» وأهل مصر عليهم شريح بن ميمون فشتوهم والسفن الأولى عمر «2» بن هبيرة وأبو عبيدة على أهل المدينة بالبنطس. وكانت منازل مهرة قبلى «3» الراية مما يلى منازل ابن سعد بن أبى سرح حوزا حازوه، وكانوا إذا أتوا لجمعة ربطوا خيولهم، ثم نقلهم عمرو بن العاص بعد ذلك وضمهم إليه، وعطلوا منازلهم هنالك، فذهبت مهرة بخطتها حتى لقيت غافقا فى السوق ولقوا الصدف ولقوا غنثا مما يلى الغرب. واختطت لخم. فاختطت قبلى ثقيف مما يلى السراجين فالدار التى صارت لعياش بن عقبة لهم ودار الزلابية، ومضوا بخطتهم إلى عقبة مهرة إلى زقاق أبى حكيم، ومعهم نفر من جذام، ثم انحدروا فى زقاق وردان مولى ابن أبى سرح. وثم خطة أبى رقية اللخمى، ومنزله هنالك قائم بحاله لم يغير، يقابل المسجد الذي عند دور بنى وردان. ثم انحدروا إلى مسجد عبد الله فما كان عن يمينك وأنت تريد المسجد الجامع فى الطريق إلى دور الوردانيين من مسجد عبد الله فهو للخم، وما كان عن يسارك فلغافق. ثم جازت لخم بخطتها إلى دور مطر التى بسوق بربر فإن الأزد تلقاهم بدور أبى مريم وباقى خطتها فإن ذلك لحجر وحاء. ومسجد حاء المسجد الذي عند دار إسحاق بن متوكل ذو المنارة، والمسجد الذي على الطريق وأنت تريد إلى محرس أبى حبيب مجلس كان لهم يجلسون فيه، فإذا أقيمت الصلاة خرجوا من خوخات لهم ثلاث شوارع إلى الطريق فإذا صلوا رجعوا إلى مجلسهم. ثم يلقون خثيما ومازنا من الأزد مما يلى دار ابن فليح. ثم يلقون تنوخا مما يلى دار البراء بن عثمان بن حنيف. ثم يلقون غنثا من الأزد مما يلى دار ابن برمك، التى كانت الوكلاء تنزلها، فذلك الزقاق والرحبة وما شرع فى مسجد عبد الله من دار ابن الهيثم الأيلى وما بينهما فلغنث من الأزد إلى منزل أشهب، وإذا سلكت زقاق أشهب فما كان عن يمينك وأنت تريد الموقف فهو لغافق، وما كان عن يسارك فهو للأزد حتى تنتهى إلى الموقف. والموقف كان لابنة مسلمة بن مخلد فتصدقت به على المسلمين. ودار أبى قدامة أيضا مما كانت تصدقت به، ودار إبراهيم بن صالح، وهى دار بنى عبد الجبار من غافق. ثم مضت الأزد حتى أخذت ما شرع فى السويقة قبالة دار سعيد بن عفير، وزقاق الرواسين حتى تنتهى إلى دار حوى ودار عبد الرحمن بن هاشم. ثم تلقى مما يلى السويقة العتقاء، وهم قليل، ومسجد العتقاء هنالك مشهور، وللعتقاء من دار زياد الحاجب حتى تهبط إلى بيطار بلال إلى السوق. وكان زبيد بن الحارث الحجرى حجر حمير كان عداده فى العتقاء، وكان عريفهم. وكان سعيد بن الجهم يقول لعبد الرحمن بن القاسم: أنت منا، فيضيق لذلك، يعنى أن زبيد بن الحارث من حجر، وأنه مولى لهم. وكان عبد الرحمن بن القاسم يتولى العتقاء. فإذا جئت من السويقة وأنت تريد المسجد الجامع، فما كان عن يمينك فللأزد، وما كان عن يسارك مما يلى محرس أبى حبيب فلهم. ثم تلقاهم شجاعة بسقيفة الغزل، وتلقاهم فهم عند كتاب إسماعيل، وتلقاهم بنو شبابة الأزد عند دار حوى. فما كان على الخط الأعظم إذا انتهيت إلى درب دار حوى وتركته وأممت العسكر فهو لفهم حتى تبلغ العسكر، وتلك خطة بنى شبابة من فهم. ولبنى شبابة أيضا المسجد الذي له المنارة التى تخرجك إلى سقيفة تركي، ولهم أيضا المسجد الذي فى رحبة السوسى. وإذا هبطت من درب حوى البحرى وقعت فى هذيل. فما كان عن يمينك وأنت تريد الخندق فلهذيل، وما كان عن يسارك فلدهنة من الأزد حتى تلقى يشكر من لخم فى جبل يشكر. ثم اختطت غافق بين مهرة ولخم، ثم مضوا بخطتهم حتى برزوا إلى الصحراء مما يلى الموقف، ولقوا من وجه مهب الشمال لخما وغنثا، ولقوا مما يلى القبلة الصدف ومهرة. واختطت فاتسعت خطتها لكثرتهم. وكانت غافق كما حدثنا عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب ثلث الناس مدخل عمرو بن العاص مصر. ولغافق من درب السراجين إلى دور بنى وردان. فما كان عن يمينك فلغافق حتى تنتهى إلى مسجد فهم الجمرات، ثم جرى إلى الصفا الى مسجدى حذران، وحذران بطن من غافق إلى مسجد أحدب وإلى مسجد الزمام. وفى موضع مسجد الزمام دفن محمد بن أبى بكر الصديق فيما يزعمون. ثم ارجع إلى حمام سهل. فما كان عن يسارك وأنت تريد مهرة فلغافق، وثم زقاق حمد من غافق الذي قبالة حمام سهل الذي للنساء، وفيه مسجد أبى موسى الغافقى ليس فى الزقاق مسجد غيره. ولأبى موسى صحبة برسول الله صلى الله عليه وسلم، واسم أبى موسى عبد الله بن مالك. ولهم عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثان. حدثنا محمد بن يحيى الصدفى، حدثنا ابن وهب، حدثنا عمرو بن الحارث أن يحيى بن ميمون الحضرمى حدثه عن وداعة الحمدى، حدثه أنه سمع أبا موسى الغافقى يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من افترى على كذبا فليتبوأ بيتا أو مقعدا من النار «1» . حدثنا أسد بن موسى، وسعيد بن عفير، قالا: حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن سليمان، عن ثعلبة أبى الكنود، عن عبد الله بن مالك، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا توضأت وأنا جنب أكلت وشربت، ولا أصلى ولا أقرأ حتى أغتسل. ثم جرى إلى زقاق الموزة فإذا جاوزت زقاق الموزة إلى مسجد سيبان وهو المسجد ذو القبة الذي عند دار خالد بن عبد السلام الصدفى، وسيبان من مهرة فما كان عن يسارك وأنت تريد إلى سقيفة جواد فلغافق، وما كان عن يمينك فللصدف إلى مسجد أحدب إلى ما فوق ذلك إلى الدرب الذي يخرجك إلى الصحراء، غير أن دار ابن سابور وهى الدار التى صارت لإسماعيل بن أسباط خطة رجل من حمير. وللربانيين أيضا من غافق من دار مطر، ما كان عن يمينك وأنت تريد إلى مسجد عبد الله. وعبد الله الذي ينسب إليه المسجد هو عبد الله بن عبد الملك بن مروان. وكان عبد الملك ولاه مصر بعد موت عبد العزيز بن مروان. وكانت ولايته فى جمادى سنة ست وثمانين، كما حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، وكان حدثا. وكان أهل مصر يسمونه مكيسا «1» ، وهو أول من نقل الدواوين إلى العربية، وإنما كانت بالعجمية، وهو أول من نهى الناس عن لباس البرانس. ثم إلى دار ابن هجالة الغافقى، فإذا بلغت دار ابن هجالة فلغافق ما كان عن يمينك وعن شمالك. وفى دار ابن هجالة الغافقى كان تغيب محمد بن أبى بكر حين دخل عمرو بن العاص مصر عام المسناة. وكانت المسناة كما حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، فى صفر سنة ثمان وثلاثين. وكانت للغافقى أخت ضعيفة، فلما أقبل معاوية بن حديج ومن معه فى طلب قتلة عثمان، قالت أخت الغافقى: من تطلبون؟ محمد بن أبى بكر؟ أنا أدلكم عليه ولا تقتلوا أخى، فدلتهم عليه، فلما أخذ قال: احفظوا فى أبا بكر. فقال معاوية بن حديج: قتلت سبعين من قومى بعثمان وأتركك وأنت قاتله! فقتله. وهى الدار الملاصقة بمسجد «2» الزنج تعمل على بابها النعال السندية وفى داخلها الأرحاء. ولغافق من مسجد بادى إلى دار إبراهيم بن صالح إلى مسجد إبراهيم القراط، وتلك دهنة غافق. ولغافق من الخطة أكثر مما ذكرنا، غير أن هذه جملها. واختطت الصدف قبلى مهرة، فمضوا بخطتهم حتى برزوا بطرف منها، فلقوا حضر موت دون الصحراء، ولقوا مما يلى القبلة بنى سعد من تجيب، ولقوا آل أيدعان بن سعد، ولقوا بطرف منها سلهما من مراد، ثم لقوا حضر موت حالوا «1» بينهم وبين الصحراء. وكانت راية الأجدوم مدخل عمرو مع حيان- أو حبان- بن يوسف، فلما استقرت الصدف عرف عليهم عمران بن ربيعة، فأقام عريفا سنين، ثم عرف ابنه، ولم يزل بالبلد منهم قوم لهم شرف وسخاء كان منهم ابن سليك الصدفى. واختطت حضر موت وبطن من يحصب فيهم فى موضعهم اليوم فى زمان عثمان ابن عفان إلا عبد الله بن المتهلل. ودخل مع عمرو بن العاص الفسطاط من حضرموت عبد الله بن كليب من الأشباء، خطته فى آل أيدعان عند دار ابن الرواغ. ومالك بن عمرو بن الأجدع من الحارث. وداره دار هبيرة بن أبيض. والملامس بن جذيمة بن سريع، وخطته عند الصفا عند دار الفرج بن جعفر. ونمر بن زرعة بن نمر بن شاجى البسى «2» . والأعين بن نمر بن مالك بن سريع. وأبو العالية مولى لهم وهو جد أبى قنان. وكانوا مع أخوالهم فى تجيب، ثم قدمت مادتهم فى أيام عثمان، فاختطوا شرقى سلهم والصدف حتى أصحروا، فتحول إليهم من أراد التحول ممن كان منهم بتجيب. واختط بمكانهم عبد الله بن كليب من الأشباء خطته فى بنى أيدعان عند دار ابن الرواغ. وكان أخوه قيس بن كليب فى حجاب عمرو بن العاص أيام معاوية، وهو فتى شاب جميل فرآه معاوية مع عمرو فقال: من هذا الفتى؟ فقال عمرو: أحد حجابى. فقال معاوية: ما يعان من حجبه مثل هذا. ثم حجب بعد ذلك عبد العزيز بن مروان، وفى قيس بن كليب يقول أبو المصعب البلوى فى قصيدته التى هجا فيها أشراف أهل مصر: وظلت أنادى اللكعاء قيسا %~% لتدخلنى «3» وقد حضر الغداء وليس بماجد الجدات قيس %~% ولكن حضرميات قماء وأعرض نفحة «1» ليربوع عنى %~% يزيد بعد ما رفع اللواء أشار بكفه اليمنى وكانت %~% شمالا لا يجوز «2» لها عطاء أكلم عائذا ويصد عنى %~% ويمنعه السلام الكبرياء وجرف قد تهدم جانباه %~% كريب ذاكم البرم العياء وأما القحزمى فذاك بغل %~% أضر به مع الدبر الحفاء وهذاك القصير من تجيب %~% ولو يسطيع ما نفض الخلاء وتروى أضر به مع الدبر الخصاء. قال وكان معاوية إذا قدم عليه أحد من أهل مصر سأله: هل تروى قصيد أبى المصعب؟ وهذه الأبيات فى قصيدة له، يريد بيزيد يزيد بن شرحبيل بن حسنة، وقيس قيس بن كليب الحاجب، وعائذ بن ثعلبة البلوى. وقتل عائذ بالبرلس فى سنة ثلاث وخمسين مع وردان مولى عمرو بن العاص، وأبى رقية اللخمى «3» ، وسأذكر حديثهم فى موضعه إن شاء الله. والقحزمى عمرو بن قحزم وكريب كريب بن أبرهة، والقصير من تجيب زياد بن حناطة التجيبى ثم الخلاوى وهو صاحب قصر ابن حناطة الذي بتجيب. ولم يزل الملامس بن جذيمة عريف حضر موت يدعون له الأشباء والحارث، حتى زمان معاوية بن أبى سفيان، فإنه وقع بين مسلمة بن مخلد وبين الملامس كلام، فاستأذن الملامس معاوية فى النقلة إلى فلسطين بحضر موت، فأذن له، وكتب له بذلك إلى مسلمة، فكره مسلمة ذلك، فقال له رجل من حضر موت يقال له فلان بن مسلم: أنا أمشى بينهم فأكره إليهم الخروج ففعل، فلما تنجز الملامس ذلك من مسلمة قال له: إن رضى قومك، ثم جمعهم فذكر لهم ما قال الملامس، فقال رجل منهم: ما نفارق بلادنا. فقال له: من أنت؟ قال: أنا ابن أمية. قال: فمن قومك؟ قال: بنو عوف. ثم تتابعوا على مثل قوله فكتبهم وعرفهم. حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، حدثنا ابن لهيعة، عن عتبة بن أبى حكيم، عن ابن شهاب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: حضر موت خير من بنى الحارث «1» . حدثنا أبو الأسود، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، أن معاوية بن أبى سفيان كتب إلى مسلمة بن مخلد وهو على مصر: لا تولى عملك إلا أزدى أو حضرمى، فإنهم أهل الأمانة. حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن تبيع، قال: لا يدرك أحد من حضر موت الدجال. قال: ثم اختطت تجيب، فأخذت بنو عامر شرقى الحصن قبلى منزل عبد الله بن سعد بن أبى سرح، ثم مضوا بخطتهم حتى لقوا مهرة والصدف من مهب الشمال، ولقوا سلهما عما يلى الشرق، ولقوا وعلان من مراد، وطرفا من خولان من مهب الجنوب، ثم لقوا بنى غطيف وقبائل من مراد، وحالت سلهم بينهم وبين الصحراء. فخطة كنانة بن بشر بن سلمان الأيدعى دار هبيرة، وثم مسجده. ثم صارت بعد ذلك لعثمان بن يونس أبى السمح جد ابن دهقان لأمه. وكان لكنانة سيف يقال له المقلد، صار إلى سعيد بن عبيد، فكان سعيد يقول: إنما لتجيب سيفان، عريض بنى حديج والمقلد، فقد صار المقلد إلى. قال: واختطت خولان الشرق قبلى الحصن ومهب الجنوب، ثم مضوا بخطتهم حتى لقوا بنى وائل والفارسيين فى السهل، ولقوا تجيب ورعينا فى الجبل، ولقوا بنى غطيف وبنى وعلان من مراد فى الشرق، وتجيب من مهب الشمال، فجاوزهم غطيف فتحول بينهم وبين خطتهم. وكان رائم بن ثعلبة الخولانى من الحياوية يقال إنه رجل من كنانة معروف النسب فيهم، وفيه يقول ابن جذل الطعان: من مبلغ خولان عنى رسالة %~% يربضها «2» أبنا فراس بن مالك بأن أخانا رائم الخير فيكم %~% مقيم بلا ذنب بأزل المهالك إلى مالك ينمى إذا عد أصله %~% كنانة أهل المكرمات الموالك فأجابه رجل من خولان، فقال: من مبلغ عنى فراسا رسالة %~% فنحن لخولان بن عمرو بن مالك إلى سبا الأملاك أصلى ومنبتى %~% يحدثنى جدى به غير هالك قال: واختطت مذحج بين خولان وتجيب. واختطت وعلان مما يلى القصر، ثم مضوا ينازلون خولان وتجيب هم وبنو غطيف. ثم مضت مراد بخطتها حتى لقوا قبائل نافع ورعين، وفيهم بنو عبس بن زوف، ثم مضوا بخطتهم حتى لقوا بنى موهب من المعافر، ولقوا السلف وسبأ وحالوا بينهم وبين الصحراء. وقد غلط بعض الناس فى بنى عبس بن زوف والزقاق المنسوب إلى بنى عبس، فقال: هم عبس قيس وليس كما قال. حدثنا أبو الأسود النضر، بن عبد الجبار، حدثنا ابن لهيعة. عن عتبة بن أبى حكيم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أكثر القبائل فى الجنة مذحج. واختطت القبائل المنسوبة إلى سبإ منهم ابن ذى هجران ومعهم السلف شرقى جنب مما يلى مراد، ثم مضوا بخطتهم بين المعافر وحضر موت حتى أصحروا. واختطت حمير قبلى خولان وشرقيها وشرقى بديعة من مذحج، فكانت يحصب قبلى المعافر حتى قطعوا الجبال. واختطت يافع ورعين شرقى خولان «1» ، ثم لقوا قبائل الكلاع، ثم مضوا بين قبائل سبإ والمعافر وبين اصطبل قرة بن شريك حتى أصحروا. واختطت المعافر وفيهم الأشعريون والسكاسك شرقى الكلاع، فوليهم من ذلك الأكنوع وهم من الأشعريين. وبنو موهب ثم السكاسك ثم المعافر وهم مختلطون. ثم مضوا بخطتهم حتى أصحروا ينازلون حمير وطائفة من خولان. وحمير والمعافر على الجبل موفون على قبائل مضر، وليس فى هذا الجبل إلا هذه القبائل، غير أن جهينة قد كانت نزلت بجرف ينة «1» . وكانت المعافر قد نزلت إلى جنب عمرو بن العاص فأذاهم البعوض وكان جرى النيل. فشكوا «1» ذلك إلى عمرو وسأوه أن ينقلهم، فقال: لا أجد قوما أحمل «2» لى من أصحابى، فنقل قريشا إلى موضعهم، ونقل المعافر إلى موضعها التى هى به اليوم، وقال عمرو لأصحابه: اغتنموا، فكأنى أنظر إلى المسجد وما حوله قد صار فيه الناس ورغبوا فيه وإلى موضعهم قد خرب، فكان كما قال. حدثنا هانئ بن المتوكل، حدثنا ضمام بن إسماعيل، عن أبى قبيل، عن شفى بن ماتع، قال: كان الناس إذا كان فزع خرجوا براياتهم، وكان لكل قوم موقف، فكان موقف المعافر تحت الكوم يريد بالإسكندرية. وقصر فهد الذي بالمعافر ومسجد لسبإ خطه هو فهد بن «3» كثير بن فهد، وكان ولى برقة أيام أسامة بن زيد الأولى، وكان قد ولى جزيرة الصناعة، وهو «4» القصر الذي عند مسجد الزينة، وفى الأشعريين والسكاسك جاء الحديث. حدثنا أبو جابر محمد بن عبد الملك، حدثنا الركن بن عبد الله بن سعد، عن مكحول، عن معاذ، أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم بعثه إلى اليمن حمله على ناقة، وقال: يا معاذ انطلق حتى تأتى الجند، فحيث «5» بركت بك هذه الناقة فأذن وصل وابن فيه مسجدا، فانطلق معاذ حتى إذا انتهى إلى الجند، دارت به ناقته، وأبت أن تبرك. فقال: هل من جند غير هذا؟ قالوا: نعم. جند رخامة، فلما أتاه دارت وبركت، فنزل معاذ فنادى بالصلاة ثم قام فصلى، فخرج إليه ابن يخامر السكسكى، فقال: من أنت؟ قال: أنا رسول رسول رب العالمين. فقال: ما تريد؟ قال: أريد أن أقاتل من خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قص عليه معاذ ما أوصاه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له ابن يخامر: مرحبا بمن جئت من عنده، ومرحبا بك. ابسط يدك، فبايعه ووثب إليه ثلة من الأشعريين، ووثب إليه الأملوك أملوك ردمان، فقال ابن يخامر: إن العرصة «1» التى بنيت فيها المسجد لى، فقال معاذ: خذ ثمنها، فقال: لا، بل هى لله والرسول. فقاتل معاذ من خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثلة من الأشعريين والأملوك أملوك ردمان حتى أجابوه، فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى قاتلت حتى أجابنى أهل اليمن بثلة من الأشعريين والسكاسك والأملوك أملوك ردمان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر للسكاسك والأملوك أملوك ردمان وثلة من الأشعريين. حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنى الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم بخير قبائل؟ قالوا بلى. قال الأملوك أملوك ردمان وفرق من «2» الأشعريين وفرق من خولان والسكاسك والسكون. قال: واختطت بنو وائل فى مهب الشمال، ثم مضوا بخطتهم شارعين على النيل حتى لقيت راشدة من لخم مما يلى الاصطبل. وبين طائفة منهم وبين يحصب وهم فى الجبل الفارسيون وهم قليل. ثم انحطت «3» طائفة من لخم خلف بنى وائل وشرعوا فى النيل، ثم مضوا ينازعون يحصب وهم فى جبل حتى برزوا إلى أرض الحرث والزرع، وكان بين القبائل فضاء من القبيل إلى القبيل، فلما مدت الأمداد فى زمان عثمان بن عفان وما بعد ذلك وكثر الناس، وسع كل قوم لبنى أبيهم حتى كثر البنيان والتأم.

خطط الجيزة

(* حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، وابن هبيرة يزيد أحدهما على صاحبه، قال: فاستحبت همدان ومن والاها الجيزة، فكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يعلمه بما صنع الله للمسلمين. وما فتح عليهم «1» ، وما فعلوا فى خططهم؛ وما استحبت همدان ومن والاها من النزول بالجيزة. فكتب إليه عمر، يحمد الله على ما كان من ذلك، ويقول له: كيف رضيت أن تفرق عنك أصحابك، لم يكن ينبغى لك أن ترضى لأحد من أصحابك أن يكون بينهم وبينك بحر، لا تدرى ما يفجؤهم فلعلك لا تقدر على غياثهم حتى ينزل بهم ما تكره. فاجمعهم إليك فإن أبوا عليك، وأعجبهم موضعهم. فابن عليهم من فىء المسلمين حصنا. فعرض عمرو ذلك عليهم فأبوا، وأعجبهم موضعهم بالجيزة ومن والاهم على ذلك من رهطهم؛ يافع وغيرها، واحبوا ما هنالك، فبنى لهم عمرو بن العاص الحصن الذي بالجيزة فى سنة إحدى وعشرين، وفرغ من بنائه فى سنة اثنتين وعشرين. قال غير ابن لهيعة من مشايخ أهل مصر: إن عمرو بن العاص لما سأل أهل الجيزة أن ينضموا إلى الفسطاط، قالوا: متقدما «2» قدمناه فى سبيل الله ما كنا لنرحل «3» منه إلى غيره، فنزلت يافع الجيزة، فيها مبرح بن شهاب، وهمدان، وذو أصبح، فيهم أبو شمر بن أبرهة، وطائفة من الحجر، منهم علقمة بن جنادة أحد بنى مالك بن الحجر*) . وكانت منهم طائفة قد اختطوا بالفسطاط أسفل من عقبة تنوخ، قد بينت ذلك فى صدر كتابى. قال: وقد كان دخل مع عمرو بن العاص قوم من العجم يقال لهم الحمراء والفارسيون. فأما الحمراء فقوم من الروم فيهم بنو ينة وبنو الأزرق وبنو روبيل. والفارسيون قوم من الفرس وفيهم «4» زعموا قوم من الفرس الذين كانوا بصنعاء، وكان حامل لوائهم ابن ينة، وإليه تنسب سقيفة ابن ينة التى بفسطاط مصر بالحمراء. فقالت الروم والفارسيون: إنهم العرب، وإنا لا نأمنهم ونخاف الغدر من قبلهم، قالوا: فما الرأى؟ قالوا: ننزل نحن فى طرف وأنتم فى طرف، فإن يكن منهم غدر كانوا بيننا، فقال بعضهم: فإن يكن منهم غدر كانوا بين لحيى الأسد، وكنا قد أخذنا بالوثقى. فنزلت الروم الحمراء التى بالقنطرة، ونزلت الفرس بناحية بنى وائل فمسجد الفارسيين هنالك مشهور معروف. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن شيخ من موالى فهم، عن على بن رباح، قال: قدم عمرو بن العاص بالحمراء والفارسيين من الشام. قال ابن لهيعة: سماهم الحمراء لأنهم من العجم.

ذكر أخائذ الإسكندرية

قال وأما الإسكندرية فلم يكن بها خطط، غير أن أبا الأسود النضر بن عبد الجبار حدثنا، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن الزبير بن العوام اختط بالإسكندرية. وإنما كانت أخائذ من أخذ منزلا نزل فيه هو وبنو أبيه. وأن عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية أقبل هو وعبادة بن الصامت حتى علوا الكوم الذي فيه مسجد عمرو بن العاص، فقال معاوية بن حديج: ننزل، فنزل عمرو بن العاص القصر الذي صار لعبد الله ابن سعد بن أبى سرح، ويقال إن عمرا وهبه له لما ولى البلد. ونزل أبو ذر الغفارى منزلا كان غربى المصلى الذي عند مسجد عمرو مما يلى البحر وقد انهدم، ونزل معاوية بن حديج موضع داره التى فوق هذا التل، وضرب عبادة ابن الصامت بناء فلم يزل فيه حتى خرج من الإسكندرية. ويقال إن أبا الدرداء كان معه والله أعلم. حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، وابن هبيرة فى حديثهما، قال: فلما استقامت لهم البلاد قطع عمرو بن العاص من أصحابه لرباط الإسكندرية ربع الناس، وربع فى السواحل والنصف مقيمون معه «1» ، وكان يصير بالإسكندرية خاصة الربع فى الصيف بقدر ستة أشهر، ويعقب بعدهم شاتية ستة أشهر، وكان لكل عريف قصر ينزل فيه بمن معه من أصحابه واتخذوا فيه أخائذ. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، أن المسلمين لما سكنوها فى رباطهم ثم قفلوا ثم غزوا، ابتدروا، فكان الرجل يأتى المنزل الذي كان فيه صاحبه قبل ذلك فيبتدره فيسكنه، فلما غزوا قال عمرو: إنى أخاف أن تخربوا المنازل إذا كنتم تتعاورونها، فلما كان عند الكريون قال لهم: سيروا على بركة الله، فمن ركز منكم رمحه فى دار فهى له ولبنى أبيه، فكان الرجل يدخل الدار فيركز رمحه فى منزل منها، ثم يأتى الآخر فيركز رمحه فى بعض بيوت الدار، فكانت الدار تكون لقبيلتين، ثلاث، وكانوا يسكنونها، حتى إذا قفلوا سكنها الروم وعليهم مرمتها. فكان يزيد بن أبى حبيب، يقول: لا يحل من كرائها شىء ولا بيعها. ولا يورث ولا يورث منها شىء، إنما كانت لهم يسكنونها فى رباطهم.

الزيادة فى المسجد الجامع

ثم إن مسلمة بن مخلد الأنصارى زاد فى المسجد الجامع بعد بنيان عمرو له، ومسلمة الذي كان أخذ أهل مصر ببنيان المنار للمساجد، كان أخذه إياهم بذلك فى سنة ثلاث وخمسين، فبنيت المنار وكتب عليها اسمه. حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: أخذ مسلمة بن مخلد الناس ببناء منار المساجد ووضع ذلك عن خولان؛ لأنه كان صاهر إليهم، وأسقط ذلك عنهم. ثم هدم عبد العزيز بن مروان المسجد فى سنة سبع وسبعين وبناه. ثم كتب الوليد ابن عبد الملك فى خلافته إلى قرة بن شريك العبسى وهو يومئذ واليه على أهل مصر. وكانت ولاية قرة بن شريك مصر فى سنة تسعين، قدمها يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وعزل عبد الله بن عبد الملك، وفى ذلك يقول الشاعر «1» : عجبا ما عجبت حين أتانا %~% أن قد امرت قرة بن شريك وعزلت الفتى المبارك عنا %~% ثم فيلت فيه رأى أبيك فهدمه كله وبناه هذا البناء، وزوقه، وذهب رءوس العمد التى فى مجالس قيس، وليس فى المسجد عمود مذهب الرأس إلا فى مجالس قيس، وحول قرة المنبر حين هدم المسجد إلى قيسارية العسل، فكان الناس يصلون فيها الصلوات ويجمعون فيها الجمع، حتى فرغ من بنيانه. والقبلة فى القيسارية إلى اليوم، وكانت القبة التى فى وسط الجزيرة بين الجسرين فى المسجد «1» الجامع. ثم زاد موسى بن عيسى الهاشمى بعد ذلك فى مؤخره فى سنة خمس وسبعين ومائة. ثم زاد عبد الله بن طاهر فى عرضه بكتاب المأمون بالإذن له فى ذلك فى سنة ثلاث عشرة ومائتين. وأدخل فيه دار الرمل كلها إلا ما بقى منها من دار الضرب، ودخلت فيه دار ابن رمانة وغيرها من بعض الخطط التى ذكرناها. فكان عمال الوليد بن عبد الملك، كما حدثنا سعيد بن عفير، كتبوا إليه: إن بيوت الأموال قد ضاقت من مال الخمس، فكتب إليهم أن ابنوا المساجد. فأول مسجد بنى بفسطاط مصر المسجد الذي فى أصل حصن الروم عند باب الريحان قبالة الموضع الذي يعرف بالقالوس يعرف بمسجد القلعة «2» . حدثنا حميد بن هشام الحميرى، قال: كل مسجد بفسطاط مصر فيه عمد رخام فليس بخطى. وأول كنيسة بنيت بفسطاط مصر، كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن بعض شيوخ أهل مصر، الكنيسة التى خلف القنطرة أيام مسلمة بن مخلد، فأنكر ذلك الجند على مسلمة وقالوا له: أتقر لهم أن يبنوا الكنائس! حتى كاد أن يقع بينهم وبينه شر، فاحتج عليهم مسلمة يومئذ فقال: إنها ليست فى قيروانكم، وإنما هى خارجة فى أرضهم، فسكتوا عند ذلك، فهذه خطط أهل مصر.

ذكر القطائع

قال: وقد كان المسلمون حين اختطوا قد تركوا بينهم وبين البحر والحصن فضاء لتعريق دوابهم وتأدييها، فلم يزل الأمر على ذلك حتى ولى معاوية بن أبى سفيان فاشترى خطة مسلمة بن مخلد منه، وأقطعه داره التى بسوق وردان، ثم اشترى خطة عقبة بن عامر وأقطعه داره التى فى الفضاء عند أصحاب التبن، وهى اليوم فى يدى فرج، اشترى دار أبى رافع التى صارت للسائب مولاه، وأقطع السائب الدار التى عند حيز الوز. ثم ابتنى عبد العزيز دار الأضياف كانت لأضياف عبد العزيز. وأقطع معاوية أيضا سارية مولى عمر بن الخطاب فى الزقاق الذي يعرف بحيز الوز، فباعه ولده مقطعا. وأقطع عبد العزيز خالد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام دار مخرمة التى فى الفضاء وكانت له، دار موسى بن عيسى النوشرى التى بالموقف. قال: وكان خالد وعمر ابنا عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مع عبد الله بن الزبير، وكان أبو بكر بن عبد الرحمن أخا لعبد الملك بن مروان وتربا له، فلما ظهر عبد الملك بن مروان قال: لا سبيل إلى ما يكره عمر وخالد مع أبى بكر، ولكن لله على ألا يسكنان الحجاز، فكتب إلى الحجاج أن خيرهما فى أى الأمصار شاءا فليلحقا بها، فلحق خالد بعبد العزيز بن مروان فأقطعه دار مخرمة فى الفضاء وكانت له دار موسى بن عيسى التى بالموقف، وأما عمر فلحق ببشر بن مروان بالعراق فله بواسط آثار كثيرة. وأقطع عمارة بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط الدور التى تلى أصحاب التبن قبليا. وكان أبو معيط يسمى أبانا. حدثنى بذلك محمد بن إدريس الرازى، وله يقول ضرار بن الخطاب: عين فابكى لعقبة بن أبان %~% فرع فهر وفارس الفرسان وله يقول بعض الشعراء: من سره شحم ولحم راكد %~% فليأت جفنة عقبة بن أبان قال: وكان عبد الأعلى بن أبى عمرة وهو مولى لبنى شيبان على أخت موسى بن نصير وكانت له من عبد العزيز منزلة فخط له داره ذات الحمام الذي يقال له حمام التبن، فلما قدم عبد الأعلى بن أبى عمرة من عند أليون صاحب الروم، قال لعبد العزيز: قد أبليت المسلمين فى تأجيههم «1» إياى نصحا وبلاء حسنا، فمر لى بأربع سوارى «2» من خرب الإسكندرية، فأمر له بها فهى على حوض حمامه الأعظم. وكان عبد العزيز يرسله بالبز «1» إلى ابن عمر. حدثنا أبو الأسود، حدثنا ابن لهيعة عن عبيد الله بن المغيرة، عن عبد الأعلى بن أبى عمرة، أن عبد العزيز بن مروان أرسل معه بألف دينار إلى ابن عمر فقبلها. قال: وأقطع عبد الملك بن مروان عمر بن على الفهرى، ثم أحد بنى محارب داره ذات الحمام التى اشتراها موسى بن عيسى إلى جنب أصحاب القرط. وذلك أن عبد الملك بن مروان لما قتل عمرو بن سعيد، كان عمر بن على ممن أبلى معه، وكان فى أصحابه، فدخل عليه فى خاصته وعمرو بن سعيد مقتول، فاستشارهم فى قتله، فكلهم هاب قتله، ولم يره، فقال عمر بن على: اقتله، قتله الله. فلا يزال فى خلاف ما عاش. قال عبد الملك: ها هو ذا قال، فألق رأسه إلى الناس وأنهبهم بيت المال يفترقون عنك، ففعل، فافترق الناس، وأرسله عبد الملك إلى منزل عمرو يفتشه فوجد فيه كتبا فيها أسماء من بايعه فأحرقها، وبلغ ذلك عبد الملك فقال له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: لو قرأتها لما صح لك قلب شأمى ولا استقامت طاعته إذا علم أنك قد علمت بخلافه فصوب رأيه وحمده، وأقطعه داره ذات الحمام التى اشتراها موسى بن عيسى إلى جنب أصحاب القرط. قال عبد الملك بن مسلمة: هى قطيعة من عبد العزيز للفهرى ولم يسمه باسمه. إلا أن ابن عفير سماه وقال: عبد الملك بن مسلمة أقطعها عبد العزيز الفهرى مولى ابن رمانة حين قدم عليه، وبناها له يزيد بن رمانة، وهى الدار التى تعرف اليوم بدار السلسلة. وآل أبى عبد الرحمن يزيد بن أنيس الفهرى ينكرون ذلك، وهم بذلك أعلم، ويقولون: إنها خطة لأبى عبد الرحمن الفهرى، اختطها عام فتح مصر ولم يكن بنى منها شيئا غير سورها، ثم خرج إلى الشام فاستشهد بها، ثم قدم ابناء العلاء وعلى وكان العلاء أسنهما، وقد كان رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدما إلى مصر فجعلا ذلك البناء مثل المريد العظيم، ولم يجعلا فيها إلا منزلا واحدا، وأسكنا فيه مولى لهما يقال له يحنس، ثم خرج العلاء إلى المدينة فقتل عام الحرة وخلف الحارث بن العلاء، وخرج على إلى الشام فتوفى بها، وخلف عمر بن على، فصار بمنزلة عند عبد الملك. فبعث إلى ابن رمانة وأرسل اليه بمال، وسأله أن يبنى له دار جده بأحكم ما يقدر عليه، ويجعل له فيها حماما ويجعل له خوخة فى داره إذا اراد أن يدخله دخله. وقال: إن ذلك ذكر لك ولشيخك، فحرك ذلك ابن رمانة فبناها وجعل سورها أكثر من ذراعين بذراع البناء، وجعلها تدور بعمد رخام، وجعل قاعدتها مستديرة، ولم يجعل فوقها بناء. ثم قدم عمر بن على مصر، وقد فرغ منها ابن رمانة، فقال له عمر: لقد اتقنت غير أنك لم تجعل لها مسجدا. فبنى المسجد الذي يعرف اليوم بمسجد القرون، بناه مثل الدكان الكبير، ونحاه عن الدار، وجعل بينه وبين الدار فرجة وكان يجلس فيه. ثم بناه بعده أبو عون عبد الملك ابن يزيد، ثم زاد فيه المطلب بن عبد الله الخزاعى، ثم احترق فبناه السرى بن الحكم هذا البناء، ثم مات عمر بن على فورث الحارث بن العلاء- وهو ابن أخيه- كل ما ترك، وحبس الدار على الأقعد فالأقعد بالحارث بن العلاء من الرجال دون النساء أبدا ما تناسلوا، وتقديم كل طبقة على من هو أسفل منها. (فإذا انقرض الرجال فهى على النساء كل من رجعت بنسبها إليه من الصلب) «1» فإذا انقرض النساء فهى وحمامها وكومها المعروف بأبى قشاش يقسم ذلك أثلاثا، فثلث فى سبيل الله، وثلث فى الفقراء والمساكين، وثلث على مواليه وموالى ولده وأولادهم أبدا ما تناسلوا بعد مرمتها، ورزق قيم إن كان لها. فإذا انقرض الموالى فلم يبق منهم أحد فعلى الفقراء والمساكين بفسطاط مصر ومدينة الرسول صلى الله عليه وسلم على ما يرى من وليها «2» من عمارتها. واسم أبى عبد الرحمن يزيد بن أنيس بن عبد الله بن عمرو بن حبيب بن عمرو ابن شيبان بن محارب بن فهر. وعمرو بن حبيب هو آكل السقب، وأمه السوداء ابنة زهرة بن كلاب، وهو الذي يقول فيه الشاعر: بنو آكل السقب الذين كأنهم %~% نجوم بآفاق السماء تنور وكان عند دار السلسلة فلا أدرى أهى هذه الدار أم «3» غيرها حوض من رخام، وكان يملأ فى الأعياد طلاء وتجعل عليه الآنية ويشرب الناس، فلم يزل الأمر على ذلك حتى ولى عمر بن العزيز فقطعه. وبالفسطاط غير دار يقال لها دار السلسلة سوى دار الفهرى منها دار السهمى التى فى الحذائين، والدار التى كان فيها أصبغ الفقيه فى زقاق القناديل. قال وبنى عبد العزيز بن مروان القيساريات قيساريات العسل، وقيسارية الحبال، وقيسارية الكباش وهى فى خطة قوم من بلى يقال لهم الوحاوحة، والقيسارية التى يباع فيها البز، «1» وهى التى تعرف بقيسارية عبد العزيز، وأدخل فيها من خطط الراية، وكان فيها منزل كعب بن عدى العبادى فعوضه منها داره التى فى بنى وائل. قال: وبنى هشام بن عبد الملك قيساريته التى تعرف بقيسارية هشام يباع فيها البز الفسطاطى فى الفضاء بين القصر وبين البحر. وبقيت بعد ذلك من الفضاء بقية بين بنى وائل والبحر فأقطعها بنو العباس الناس. قال: وأقطع عمرو بن العاص حين ولى وردان مولاه الأرض التى خلف القنطرة التى غربيها أبو حميد إلى كنيسة الروم التى هناك. وما كان عن يمينك من رأس الجسر القديم إلى حمام الكبش وهو الحمام الذي يعرف اليوم بحمام السوق، والآخر إلى ساحل مريس، فكل ذلك كان للوليد بن عبد الملك، وكان للوليد أيضا ما كان على يسارك من الجزيرة وأنت خارج إلى الجيزة والحوانيت اللاصقة بجزيرة الصناعة. وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه قد أقطع ابن سندر منية الأصبغ، فحاز لنفسه منها ألف فدان كما حدثنا يحيى بن خالد، عن الليث بن سعد. ولم يبلغنا أن عمر بن الخطاب أقطع أحدا من الناس شيئا من أرض مصر إلا ابن سندر، فإنه أقطعه أرض منية الأصبغ، فلم تزل له حتى مات؛ فاشتراها الأصبغ بن عبد العزيز من ورثته؛ فليس بمصر قطيعة أقدم منها ولا أفضل. وكان سبب إقطاع عمر ما أقطعه من ذلك كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة (* عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنه كان لزنباع الجذامى غلام يقال له سندر، فوجده يقبل جارية له، فجبه وجدع أذنيه وأنفه، فأتى سندر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلى زنباع، فقال: لا تحملوهم ما لا تطيقون «1» ، وأطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون؛ فإن رضيتم فأمسكوا، وإن كرهتموهم فبيعوا، ولا تعذبوا خلق الله، ومن مثل به أو أحرق بالنار فهو حر وهو مولى الله ورسوله. فأعتق سندر، فقال: أوص بى يا رسول الله، قال: أوصى بك كل مسلم، فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سندر إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه، فقال: احفظ فى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاله أبو بكر حتى توفى، ثم أتى عمر فقال له: احفظ فى وصية النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: نعم، إن رضيت أن تقيم عندى أجريت عليك ما كان يجرى عليك أبو بكر، والا فانظر أى المواضع أكتب لك؛ فقال سندر: مصر فإنها أرض ريف، فكتب له إلى عمرو بن العاص: احفظ فيه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما قدم على عمرو، قطع له أرضا واسعة ودارا، فجعل سندر يعيش فيها، فلما مات قبضت فى مال الله*) . قال عمرو بن شعيب: ثم أقطعها عبد العزيز بن مروان الأصبغ بعد، فهى من خير أموالهم. وروى ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن ربيعة بن لقيط التجيبى، عن عبد الله بن سندر، عن أبيه إنه كان عبدا لزنباع بن سلامة الجذامى، فعتب عليه فخصاه وجدعه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأغلظ لزنباع القول وأعتقه منه، فقال: أوص بى يا رسول الله، قال: أوصى بك كل مسلم «2» . قال يزيد: وكان سندر كافرا. حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، أن غلاما لزنباع الجذامى اتهمه فأمر بإخصائه وجدع أنفه وأذنيه، فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه، وقال: أيما مملوك مثل به فهو حر وهو مولى الله ورسوله، فكان بالمدينة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفق به، فلما اشتد مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ابن سندر: يا رسول الله، إنا كما ترى، فمن لنا بعدك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوصى بك كل مؤمن. فلما ولى أبو بكر رضى الله عنه فأقر عليه نفقته حتى مات، فلما ولى عمر بن الخطاب أتاه ابن سندر فقال: احفظ فى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: انظر أى أجناد المسلمين شئت فالحق به آمر لك بما يصلحك. فقال ابن سندر: ألحق بمصر، فكتب له إلى عمرو بن العاص يأمره أن يأمر له بأرض تسعه، فلم يزل فيما يسعه بمصر. ويقال سندر وابن سندر والله أعلم بالصواب. ولأهل مصر عنه حديثان مرفوعان هذا أحدهما، والآخر حدثنا يحيى بن بكير، وعبد الملك بن مسلمة، قالا: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أبى الخير، عن ابن سندر، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، وتجيب أجابت الله ورسوله» «1» . قال ابن بكير فى حديثه فقلت يا أبا الأسود، أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر تجيب؟ قال: نعم. قلت وأحدث الناس عنك بذلك؟ قال: نعم.

خروج عمرو إلى الريف

(* حدثنا عبد الله بن صالح، عن عبد الرحمن بن شريح، عن أبى قبيل، قال: كان الناس يجتمعون بالفسطاط إذا قفلوا؛ فإذا حضر مرافق الريف خطب عمرو بن العاص الناس، فقال: قد حضر مرافق ريفكم؛ فانصرفوا، فإذا حمض اللبن، واشتد العود، وكثر الذباب، فحى على فسطاطكم، ولا أعلمن ما جاء أحدكم «2» قد أسمن نفسه وأهزل جواده. حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: كان عمرو يقول للناس إذا قفلوا من غزوهم: إنه قد حضر الربيع، فمن أحب منكم أن يخرج بفرسه يربعه فليفعل؛ ولا أعلمن ما جاء رجل قد أسمن نفسه وأهزل فرسه؛ فإذا حمض اللبن وكثر الذباب، ولوى العود، فارجعوا إلى قيروانكم*) . حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، أن عمرو بن العاص كان يقول للناس إذا قفلوا: اخرجوا إلى أريافكم «1» ، فإذا غنى الذباب وحمض اللبن، ولوى العود، فحى على فسطاطكم. خطبة عمرو بن العاص: (* حدثنا سعيد بن ميسرة، عن إسحاق بن الفرات، عن ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحميرى، عن بحير بن ذاخر المعافرى، قال: رحت أنا ووالدى إلى صلاة الجمعة تهجيرا، وذلك آخر الشتاء أظنه بعد حميم النصارى بأيام يسيرة. فأطلنا الركوع إذ أقبل رجال بأيديهم السياط، يزجرون الناس، فذعرت، فقلت: يا أبت، من هؤلاء؟ قال: يا بنى هؤلاء الشرط، فأقام المؤذنون الصلاة، فقام عمرو بن العاص على المنبر، فرأيت رجلا ربعة قصد القامة وافر الهامة، أدعج أبلج، عليه ثياب موشية، كأن به العقيان «2» ، تأتلق عليه حلة وعمامة وجبة، فحمد الله وأثنى عليه حمدا موجزا وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ووعظ الناس، وأمرهم ونهاهم، فسمعته يحض على الزكاة، وصلة الأرحام، ويأمر بالاقتصاد، وينهى عن الفضول، وكثرة العيال. وقال فى ذلك: يا معشر الناس، إياى وخلالا أربعا، فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة، وإلى الضيق بعد السعة، وإلى المذلة بعد العزة، إياى وكثرة العيال، وإخفاض الحال، وتضييع المال، والقيل بعد القال، فى غير درك ولا نوال، ثم إنه لا بد من فراغ يؤول إليه المرء فى توديع جسمه، والتدبير لشأنه، وتخليته بين نفسه وبين شهواتها، ومن صار إلى ذلك فليأخذ بالقصد والنصيب الأقل، ولا يضيع المرء فى فراغه نصيب العلم من نفسه فيحور من الخير عاطلا، وعن حلال الله وحرامه غافلا. يا معشر الناس، إنه قد تدلت الجوزاء، وذكت «3» الشعرى، وأقلعت السماء، وارتفع الوباء، وقل الندى، وطاب المرعى ووضعت الحوامل، ودرجت السخائل، وعلى الراعى بحسن رعيته حسن النظر، فحى لكم على بركة الله إلى ريفكم، فنالوا من خيره ولبنه، وخرافه وصيده، وأربعوا خيلكم وأسمنوها وصونوها وأكرموها، فإنها جنتكم من عدوكم، وبها مغانمكم وأثقالكم «1» ، واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيرا، وإياى والمشمومات والمعسولات، فإنهن يفسدن الدين ويقصرن الهمم. حدثنى عمر أمير المؤمنين، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: إن الله سيفتح عليكم بعدى مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا فإن لكم منهم «2» صهرا وذمة. فعفوا أيديكم وفروجكم، وغضوا أبصاركم، ولا أعلمن ما أتى رجل قد أسمن جسمه، وأهزل فرسه، واعلموا أنى معترض الخيل كاعتراض الرجال، فمن أهزل فرسه «3» من غير علة حططته من فريضته قدر ذلك، واعلموا أنكم فى رباط إلى يوم القيامة، لكثرة الأعداء حوالكم «4» وتشوق «5» قلوبهم إليكم وإلى داركم، معدن الزرع والمال والخير الواسع والبركة النامية. وحدثنى عمر أمير المؤمنين، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر، فاتخذوا فيها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد الأرض» فقال له أبو بكر: ولم يا رسول الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة» . فاحمدوا الله معشر «6» الناس على ما أولاكم «7» ، فتمتعوا فى ريفكم ما طاب لكم؛ فإذا يبس العود، وسخن العمود، وكثر الذباب، وحمض اللبن، وصوح «8» البقل، وانقطع الورد من الشجر، فحى على فسطاطكم، على بركة الله «9» ، ولا يقدمن أحد منكم ذو عيال على عياله إلا ومعه تحفة لعياله على ما أطاق من سعيه أو عسرته، أقول قولى هذا وأستحفظ الله عليكم. قال: فحفظت ذلك عنه، فقال والدى بعد انصرافنا إلى المنزل لما حكيت له خطبته: إنه يا بنى يحدو الناس إذا انصرفوا إليه على الرباط كما حداهم على الريف والدعة*) .

ذكر مرتبع الجند

قال: وكان إذا جاء وقت الربيع واللبن، كتب لكل قوم بربيعهم ولبنهم إلى حيث أحبوا، وكانت القرى التى يأخذ فيها عظمهم «1» ، منوف، ودسبندس «2» ، وأهناس، وطلحا. وكان أهل الراية متفرقين، فكان آل عمرو بن العاص وآل عبد الله بن سعد، يأخذون فى منف ووسيم. وكانت هذيل تأخذ فى بنا وبوصير. وكانت عدوان تأخذ فى بوصير. وقرى عك التى يأخذ فيها عظمهم بوصير ومنوف ودسبندس وأتريب. وكانت بلى تأخذ فى منف وطرابية، وكانت فهم تأخذ فى أتريب وعين شمس ومنوف. وكانت مهرة تأخذ فى تتا وتمى. وكانت الصدف تأخذ فى الفيوم. وكانت تجيب تأخذ فى تمى وبسطة ووسيم. وكانت لخم تأخذ فى الفيوم وطرابية وقربيط. وكانت جذام تأخذ فى طرابية وقربيط. وكانت حضر موت تأخذ فى ببا وعين شمس وأتريب. وكانت مراد تأخذ فى منف والفيوم ومعهم عبس بن زوف. وكانت حمير تأخذ فى بوصير وقرى أهناس. وكانت خولان تأخذ فى قرى أهناس والبهنسى والقيس. وآل وعلة يأخذون فى سفط من بوصير. وآل أبرهة يأخذون فى منف. وغفار وأسلم يأخذون مع وائل من جذام وسعد فى بسطة وقربيط وطرابية. وآل يسار بن ضنة فى أتريب. وكانت المعافر تأخذ فى أتريب وسخا ومنوف. وكانت طائفة من تجيب ومراد يأخذون باليدقون. وكان بعض هذه القبائل ربما جاوز بعضا فى الربيع ولا يوقع من معرفة ذلك على أحد إلا أن عظم «3» القبائل. كانوا يأخذون حيث وصفنا «4» ، وكان يكتب لهم بالربيع فيربعون وباللبن ما أقاموا. وكان لغفار وليث أيضا مرتبع بأتريب. قال: وأقامت مدلج بخربتا فاتخذوها منزلا، وكان معهم نفر من حمير من ذبحان وغيرهم حالفوهم فيها فهى منازلهم. ورجعت خشين وطائفة من لخم وجذام فنزلوا أكناف صان وإبليل وطرابية ولم يحفظوا. ولم تكن قيس بالحوف الشرقى قديما، وإنما الذي أنزلهم به ابن الحبحاب، وذلك أنه وفد إلى هشام بن عبد الملك فأمر له بفريضة خمسة آلاف رجل- أو ثلاثة آلاف رجل- شك عبد الرحمن «1» ، فجعل ابن الحبحاب الفريضة فى قيس وقدم بهم فأنزلهم بمصر الحوف الشرقى.

ذكر خيل مصر

قال عبد الرحمن «2» فلما نزل الناس واطمأنت بهم منازلهم كانوا يخرجون فيؤدبون خيلهم فى المضمار. حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة المهرى، عن معاوية بن حديج، أنه مر على رجل بالمضمار معه فرس ممسك برسنه على كثيب، فأرسل غلامه لينظر من الرجل، فإذا هو بأبى ذر، فأقبل ابن حديج إليه، فقال له: يا أبا ذر، إنى أرى هذه الفرس قد عناك وما أرى عنده شيئا. قال أبو ذر: هذا فرس قد استجيب له، قال ابن حديج: وما دعوة بهيمة من البهائم؟ فقال: أبو ذر: إنه ليس من فرس إلا أنه يدعو الله كل سحرية، اللهم أنت خولتنى عبدا من عبيدك وجعلت رزقى بيده، اللهم اجعلنى أحب إليه من ولده وأهله وماله. حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، وشعيب بن الليث، قالا: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، عن ابن شماسة، أن معاوية بن حديج حدثه، أنه مر على أبى ذر وهو قائم عند «1» فرس له، فسأله ما تعالج من فرسك؟ فقال: إنى أظن هذا الفرس قد استجيبت دعوته، ثم ذكر مثل حديث ابن وهب. حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، قال: مر بنا عبد الرحمن بن معاوية بن حديج ونحن جلوس مع حنش بن عبد الله نحو صفا مهرة فغفل عن السلام فناداه حنش يا بن معاوية تمر ولا تسلم، والله لقد رأيتنى أشفع لك عند أبيك أن يجعل لسرجك ركابا تضع فيه رجلك. قال: عبد الرحمن «2» وكان ولد معاوية بن حديج ليست لسروجهم ركب، إنما يثبون على الخيل وثبا. قال عبد الرحمن «2» وكانت أصول خيل مصر من خيل سمى ابن عفير بعضها، منها أشقر صدف، وكان لأبى ناعمة مالك بن ناعمة الصدفى، وبه سميت خوخة الأشقر التى بفسطاط مصر، وكان السبب فى ذلك أن الاشقر نفق فكره صاحبه أن يطرحه فى الأكوام كما تطرح جيف الدواب، فحفر له ودفنه هنالك فنسب الموضع اليه. حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، قال: لما افتتح المسلمون القصر كان رجل من الروم يقبل من ناحية القصير على برذون له أشهب، والمسلمون فى صلاة الصبح، فيقتل ويطعن، فتطلبه خيل المسلمين فلا تقدر عليه، وكان صاحب الأشقر غائبا، فلما قدم أخبر بذلك، فكمن له فى موضع وأقبل العلج ففعل كما كان يفعل، فطلبه صاحب الأشقر فأدركه، قال: فاشتغلت «3» بقتل العلج، وشد الأشقر على الهجين فقتله. ومنها ذو الريش فرس العوام بن حبيب اليحصبى. والخطار فرس لبيد بن عقبة السومى. والذعلوق فرس حمير بن وائل السومى، وعجلى فرس كانت لعك، ولها يقول الشاعر: سبق الأقوام عجلى %~% سبقتهم وهى حبلى حدثنا عبد الواحد بن إسحاق، حدثنا مروان بن معاوية، عن أبى حيان التيمى، عن أبى زرعة، عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمى الأنثى من الخيل فرسا. قال: وعجلى التى قال عبد الرحمن بن معاوية بن حديج، لنمر بن أيفع العكى: ما فعلت عجلى؟ على وجه الاستهزاء به، فقال: أما إن لها فى أمك سهمين. قال: وكان للخم أيضا فرس يقال له أبلق لخم. وكان الجون لعقبة بن كليب الحضرمى. وكان عبد العزيز بن مروان قد طلب الخطار من لبيد بن عقبة فامتنع عليه، فأغزاه إفريقية فمات بها، فلما كان موسى بن نصير، أهدى إلى عبد العزيز بن مروان خيلا فيها الخطار، قال: وقد طالت معرفته وذنبه، فلما صارت إليهم الخيل لم يجدوا من يعرف الخطار، فقالوا: ابنة لبيد، فبعث به عبد العزيز إليها فقالت لمن أتاها: إنى امرأة فاخرجوا عنى حتى أنظر اليه، ففعلوا، فخرجت فنظرت إليه فعرفته، فقالت: والله لا يركبك أحد بعد أبى سويا، ثم قطعت أذنى الفرس وهلبت ذنبه ثم قالت: هو هذا خذوه لا بارك الله لكم فيه، فصار لعبد «1» العزيز بن مروان، فاتخذه للفحلة «2» فكان منه الذائد، ثم كان من الذائد الفرقد فهو أبو الخيل الفرقدية، ولم يعرق الفرقد فى شىء من خيل مصر إلا جاء سابقا. وكان أهل مصر لما بلغ مروان بن الحكم القاصرة وجهوا إليه عقبة بن شريح بن كليب المعافرى ومطير بن يزيد التجيبى، طليعة لهم، ومطير يومئذ على الخطار فرس لبيد ابن عقبة السومى، فدخلا فى عسكر مروان وجولا فيه، ثم إن شيخا من أهل العسكر نذر بهما واستنكر هيئتهما، فقال: والله إنى لأنكر سحنة «3» هذين الفرسين وما أرى على صاحبيهما شحوب السفر، فكرا راجعين إلى الفسطاط فمرا بناقة صرصرانية فى ناحية العسكر لبشر بن مروان، فطرداها، فلما لحقتهما «4» الخيل قال مطير لعقبة: اطرد الناقة وأنا أكفيك وكر مطير فقاتلهم حتى ولوا عنه، ثم لحق صاحبه، ثم لحقته الخيل أيضا ففعل مثل ذلك، حتى وصلا «1» إلى الفسطاط، فسألوهما عن الخبر فقالا: حتى تنحروا الناقة وتأكلوا لحمها وهى أول غنيمة فنحرت الناقة وأكل لحمها ثم أخبراهم الخبر وأنهم أقوى من الرجل. ثم كتب عمر بن الخطاب كما حدثنا شعيب بن الليث، وعبد الله بن صالح، ويحيى بن عبد الله بن بكير، وعبد الملك بن مسلمة، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب إلى عمرو بن العاص: انظر من «2» قبلك ممن بايع «3» تحت الشجرة فأتم لهم «4» العطاء مائتين، وأتمها لنفسك لأمرتك، وأتمها لخارجة بن حذافة لشجاعته، ولعثمان بن أبى العاص لضيافته.

ذكر مقاسمة عمر بن الخطاب العمال

قال عبد الرحمن «5» ثم بعث عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة، كما حدثنا معاوية بن صالح، عن محمد بن سماعة الرملى، قال: حدثنى عبد الله بن عبد العزيز شيخ ثقة إلى عمرو بن العاص وكتب إليه: أما بعد، فإنكم معشر العمال قعدتم على عيون الأموال فجبيتم الحرام وأكلتم الحرام وأورثتم الحرام، وقد بعثت إليك محمد بن مسلمة الأنصارى ليقاسمك مالك فأحضره مالك، والسلام. فلما قدم محمد بن مسلمة مصر أهدى له عمرو بن العاص هدية فردها عليه، فغضب عمرو وقال: يا محمد، لم رددت إلى «6» هديتى وقد أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمى من غزوة ذات السلاسل فقبل؟ فقال له محمد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل بالوحى ما شاء ويمتنع مما شاء، ولو كانت هدية الأخ إلى أخيه قبلتها «7» ؛ ولكنها هدية إمام شر خلفها، فقال عمرو: قبح الله يوما صرت فيه لعمر بن الخطاب واليا، فلقد رأيت العاص بن وائل يلبس الديباج المزرر بالذهب، وإن الخطاب بن نفيل ليحمل الحطب على حمار بمكة، فقال له محمد بن مسلمة: أبوك وأبوه فى النار، وعمر خير منك، ولولا اليوم الذي أصبحت تذم لألفيت «1» معتقلا عنزا يسرك غزرها ويسوءك بكؤها: فقال عمرو: هى فلتة المغضب وهى عندك بأمانة، ثم أحضره ماله فقاسمه إياه ثم رجع. قال: وكان سبب مقاسمة عمر بن الخطاب العمال كما حدثنا أبو الأسود النضر ابن عبد الجبار، وعبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب عن خالد بن الصعق «2» قال شعرا كتب به إلى عمر بن الخطاب: أبلغ أمير المؤمنين رسالة %~% فأنت ولى الله فى المال والأمر فلا تدعن أهل الرساتيق والجزى %~% يسيغون «3» مال الله فى الأدم الوفر«4» فأرسل إلى النعمان فاعلم حسابه %~% وأرسل إلى جزء وأرسل إلى بشر ولا تنسين النافعين «5» كليهما %~% وصهر بنى غزوان عندك ذا وفر ولا تدعونى للشهادة «6» إننى %~% أغيب ولكنى أرى عجب الدهر من الخيل كالغزلان والبيض كالدمى %~% وما ليس ينسى من قرام ومن ستر «7» ومن ريطة مطوية فى صيانها %~% ومن طى أستار «8» معصفرة حمر إذا التاجر الهندى جاء بفارة %~% من المسك راحت فى «9» مفارقهم تجرى نبيع إذا باعوا ونغزوا إذا غزوا %~% فأنى لهم مال ولسنا بذى وفر فقاسمهم نفسى فداؤك إنهم %~% سيرضون إن قاسمتهم منك بالشطر فقاسمهم عمر نصف أموالهم. والنعمان: النعمان بن بشير، وكان على حمص وصهر بنى غزوان، أبو هريرة، وكان على البحرين. قال عبد الرحمن «1» : ويقال إن قائل هذه الأبيات كما حدثنا معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين، عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن الزبير بن الخريت أبو المختار النميرى قال: أبلغ أمير المؤمنين رسالة %~% فأنت أمين «2» الله فى البر والبحر فأرسل إلى النعمان فاعلم حسابه %~% وأرسل إلى جزء وأرسل إلى بشر ولا تدعن النافعين كليهما %~% وذاك الذى فى السوق مولى بنى بدر وما عاصم منها بصفر عيابه «3» %~% ولا ابن غلاب من سراة بنى نصر نبيع إذا باعوا ونغزوا إذا غزوا %~% فأنى لهم مال ولسنا بذى وفر ترى الجرد كالخزان والبيض كالدمى %~% وما لا يعد من قرام ومن ستر ومن ريطة مطوية فى صوانها %~% ومن طى أستار محدرجة حمر إذا التاجر الهندى جاء بفارة %~% من المسك راحت فى مفارقهم تجرى فدونك مال الله لا تتركنه %~% سيرضون إن قاسمتهم منك بالشطر ولا تدعونى للشهادة إننى %~% أغيب ولكنى أرى عجب الدهر قال عمر: فإنا قد أعفيناه من الشهادة ونأخذ منهم نصف أموالهم، فأخذ النصف وكان عمر قد استعمل هؤلاء الرهط. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن أبيه، أن «1» جده أوصى أن يدفع إلى عمر بن الخطاب نصف ماله، وكان عمر استعمله على بعض أعماله. حدثنا أسد بن موسى، حدثنا سليمان بن أبى سليمان، عن محمد بن سيرين قال قال: أبو هريرة لما قدمت من البحرين قال لى عمر: يا عدو الله، وعدو الإسلام، خنت مال الله. قال قلت: لست بعدو الله ولا عدو الإسلام، ولكنى عدو من عاداهما، ولم أخن مال الله ولكنها أثمان خيل لى تناتجت وسهام اجتمعت «2» قال يا عدو الله وعدو الإسلام خنت مال الله، قال قلت: لست بعدو الله ولا عدو الإسلام، ولكنى عدو من عاداهما ولم أخن مال الله، ولكنها أثمان خيل لى تناتجت وسهام اجتمعت، قال ذلك ثلاث مرات، يقول ذلك عمر ويرد عليه أبو هريرة هذا القول. قال: فغرمنى اثنى عشر ألفا، فقمت فى صلاة الغداة فقلت: اللهم اغفر لأمير المؤمنين، فأرادنى على العمل بعد فقلت: لا. قال: أوليس يوسف خيرا منك وقد سأل العمل؟ قلت: إن يوسف نبى ابن نبى، وأنا ابن أميمة، وأنا أخاف ثلاثا واثنتين، قال: ألا تقول خمسا؟ قلت: لا، قال: مه، قلت: أخاف أن أقول بغير حلم وأقضى بغير علم، وأن يضرب ظهرى، ويشتم عرضى، ويؤخذ مالى.

ذكر النيل

(* حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن واهب بن عبد الله المعافرى، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: نيل مصر سيد الأنهار، سخر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب، فإذا أراد الله أن يجرى نيل مصر أمر كل نهر أن يمده فأمدته الأنهار بمائها، وفجر الله له الأرض عيونا، فإذا انتهت جريته إلى ما أراد الله، أوحى الله إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن معاوية بن أبى سفيان سأل كعب الأحبار، هل تجد لهذا النيل فى كتاب الله خبرا؟ قال: أى والذي فلق البحر لموسى، إنى لأجده فى كتاب الله أن الله يوحى إليه فى كل عام مرتين يوحى إليه عند جريه: إن الله يأمرك أن تجرى فيجرى ما كتب الله له، ثم يوحى إليه بعد ذلك: يا نيل غر «1» حميدا. حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا عبد الله بن عمر، عن حبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: النيل وسيحان وجيحان والفرات من أنهار الجنة. حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أبى الخير، عن كعب الأحبار، أنه كان يقول: أربعة أنهار من الجنة وضعها الله فى الدنيا، فالنيل نهر العسل فى الجنة، والفرات نهر الخمر فى الجنة، وسيحان نهر الماء فى الجنة، وجيحان نهر اللبن فى الجنة*) . حدثنا سعيد بن أبى مريم، حدثنا الليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة، قالا: حدثنا يزيد بن أبى حبيب، عن أبى الخير، عن أبى جنادة الكنانى، أنه سمع كعبا يقول: النيل فى الآخرة عسل أغزر ما يكون من الأنهار التى سماها الله، ودجلة فى الآخرة لبن أغزر ما يكون من الأنهار التى سمى الله، والفرات خمر أغزر ما يكون من الأنهار التى سمى الله، وجيحان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التى سمى الله. (* قال فلما فتح عمرو بن العاص مصر كما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، عمن حدثه، أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بؤونة من أشهر العجم، فقالوا له: أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجرى إلا بها، فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إنه إذا كان لثنتى عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلى والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها فى هذا النيل، فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون فى الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما قبله، فأقاموا بؤونة وأبيب ومسرى لا يجرى قليلا ولا كثيرا حتى هموا بالجلاء، فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك. فكتب إليه عمر: قد أصبت، إن الإسلام يهدم ما كان قبله، وقد بعثت إليك ببطاقة فألقها فى داخل النيل إذا أتاك كتابى «1» ، فلما قدم الكتاب على عمرو فتح البطاقة فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد، فإن كنت تجرى من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك. فألقى عمرو البطاقة فى النيل قبل يوم الصليب بيوم، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها لأنه لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل، فأصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله ستة عشر ذراعا فى ليلة، وقطع تلك السنة السوء عن أهل مصر. حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن موسى عليه السلام دعا على آل فرعون، فحبس الله عنهم النيل حتى أرادوا الجلاء حتى طلبوا إلى موسى أن يدعو الله فدعا الله رجاء أن يؤمنوا، فأصبحوا وقد أجراه الله فى تلك الليلة ستة عشر ذراعا، فاستجاب الله بتطوله «2» لعمر بن الخطاب كما استجاب لنبيه موسى عليه السلام*) .

ذكر الجزية

قال عبد الرحمن «3» : وكان عمرو يبعث إلى عمر بن الخطاب بالجزية بعد حبس ما كان يحتاج إليه، وكانت فريضة مصر كما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب لحفر خلجها «4» ، وإقامة جسورها، وبناء قناطرها، وقطع جزائرها مائة ألف وعشرين ألفا «5» ، معهم الطور والمساحى والأداة؛ يعتقبون ذلك، لا يدعون ذلك شتاء ولا صيفا. ثم كتب عمر بن الخطاب كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن القاسم بن عبد الله، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أن يختم فى رقاب أهل الذمة بالرصاص، ويظهروا مناطقهم ويجزوا نواصيهم، ويركبوا على الأكف عرضا، ولا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسى «1» ، ولا يضربوا على النساء ولا على الولدان «2» ، ولا يدعوهم يتشبهون بالمسلمين فى لبوسهم. حدثنا شعيب بن الليث، حدثنا أبى، عن محمد بن عبد الرحمن بن عنج «3» ، أن نافعا حدثهم. وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، حدثنى عبد الله بن عمر، وعمر بن محمد، أن نافعا حدثهم عن أسلم مولى عمر، أنه حدثه أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد ألا يضربوا «4» الجزية إلا على من جرت عليه المواسى. وجزيتهم أربعون درهما على أهل الورق منهم، وأربعة دنانير على أهل الذهب، وعليهم من أرزاق المسلمين من الحنطة والزيت مديان «5» من حنطة، وثلاثة أقساط من زيت فى كل شهر لكل إنسان كان من أهل الشام والجزيرة، وودك وعسل لا أدرى كم هو. ومن كان من أهل مصر فإردب كل «6» شهر لكل إنسان، لا «7» أدرى كم من الودك والعسل، وعليهم من البز والكسوة «8» التى يكسوها أمير المؤمنين الناس، ويضيفون من نزل بهم من أهل الإسلام ثلاث ليال «9» . وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعا لكل إنسان، لا أدرى كم لهم من الودك. وكان لا يضرب الجزية على النساء والصبيان، وكان يختم فى أعناق رجال أهل الجزية. قال: وكانت ويبة عمر بن الخطاب كما حدثنا عبد الملك «1» ، عن الليث بن سعد فى ولاية عمرو بن العاص، ستة أمداد. حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبى «2» إسحاق، عن حارثة ابن مضرب، أن عمر قال: جعلت على أهل السواد ضيافة يوم وليلة، فمن حبسه مطر فلينفق من ماله. (* قال: وكان عمرو بن العاص لما استوسق له الأمر أقر قبطها على جباية «3» الروم؛ وكانت جبايتهم بالتعديل: إذا عمرت القرية، وكثر أهلها زيد عليهم، وإن «4» قل أهلها وخربت نقصوا، فيجتمع عرفاء كل قرية وماروتها ورؤساء أهلها، فيتناظرون فى العمارة والخراب؛ حتى إذا أقروا من القسم بالزيادة انصرفوا بتلك القسمة إلى الكور، ثم اجتمعوا هم ورؤساء القرى، فوزعوا ذلك على احتمال القرى وسعة «5» المزارع، ثم ترجع كل قرية بقسمهم فيجمعون قسمهم وخراج كل قرية وما فيها من الأرض العامرة فيبدرون «6» فيخرجون من الأرض فدادين لكنائسهم وحماماتهم ومعدياتهم من جملة الأرض، ثم يخرج منها عدد الضيافة للمسلمين ونزول السلطان، فإذا فرغوا نظروا إلى ما فى كل قرية من الصناع والأجراء، فقسموا عليهم بقدر احتمالهم؛ فإن كانت فيها جالية قسموا عليها بقدر احتمالهم، وقل ما كانت تكون إلا الرجل المنتاب أو المتزوج، ثم ينظرون ما بقى من الخراج فيقسمونه بينهم على عدد الأرض، ثم يقسمون ذلك بين من يريد الزرع منهم على قدر طاقتهم؛ فإن عجز أحد وشكا ضعفا عن زرع أرضه وزعوا ما عجز عنه على الاحتمال، وإن كان منهم من يريد الزيادة أعطى ما عجز عنه أهل الضعف؛ فإن تشاحوا قسموا «7» ذلك على عدتهم. وكانت قسمتهم على قراريط: الدينار أربعة وعشرين قيراطا، يقسمون الأرض على ذلك. وكذلك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا» «1» . وجعل عليهم لكل فدان نصف اردب قمح وويبتين من شعير إلا القراط، فلم يكن عليه ضريبة، والويبة يومئذ ستة أمداد*) . وكان عمر بن الخطاب، كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، يأخذ ممن صالحه من المعاهدين ما سمى «2» على نفسه، لا يضع «3» من ذلك شيئا ولا يزيد عليه، ومن نزل منهم على الجزية ولم يسم شيئا يؤديه نظر عمر فى أمره؛ فإذا احتاجوا خفف عنهم، وإن «4» استغنوا زاد عليهم بقدر استغنائهم. قال: وروى حيوة بن شريح، حدثنى الحسن بن ثوبان، أن هشام بن أبى رقية اللخمى، حدثه أن صاحب إخنا قدم على عمرو بن العاص، فقال له: أخبرنا ما على أحدنا من الجزية فيصبر لها، فقال عمرو وهو يشير إلى ركن كنيسة: لو أعطيتنى من الأرض إلى السقف ما أخبرتك ما عليك، إنما أنتم خزانة لنا، إن كثر علينا كثرنا عليكم، وإن خفف عنا خففنا عنكم، ومن ذهب إلى هذا الحديث ذهب إلى أن مصر فتحت عنوة. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: قال عمر بن عبد العزيز: أيما ذمي أسلم فإن إسلامه يحرز له نفسه وماله، وما كان من أرض فإنها من فىء الله على المسلمين. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، أن عمر بن عبد العزيز قال: أيما قوم صالحوا على جزية يعطونها، فمن أسلم منهم كان أرضه وداره لبقيتهم. قال الليث: وكتب إلى يحيى بن سعيد أن ما باع القبط فى جزيتهم وما يؤخذون به من الحق الذي عليهم من عبد أو وليدة أو بعير أو بقرة أو دابة، فإن ذلك جائز عليهم جائز لمن ابتاعه منهم غير مردود إليهم إن أيسروا، وما أكروا من أرضهم فجائز كراؤه إلا أن يكون يضر بالجزية التى عليهم؛ فلعل الأرض أن ترد عليهم إن أضرت بجزيتهم، وإن كان فضلا بعد الجزية فإنا نرى كراءها جائزا لمن تكاراها منهم. قال يحيى ونحن نقول: الجزية جزيتان؛ فجزية على رءوس الرجال، وجزية جملة تكون على أهل القرية، ويؤخذ بها أهل القرية، فمن هلك من أهل القرية التى عليهم جزية مسماة على القرية ليست على رءوس الرجال، فإنا نرى أن من هلك من أهل القرية ممن لا ولد له ولا وارث أن أرضه ترجع إلى قريته فى جملة ما عليهم من الجزية، ومن هلك ممن جزيته على رءوس الرجال ولم يدع وارثا؛ فإن أرضه للمسلمين. قال الليث: وقال عمر بن عبد العزيز: الجزية على الرءوس وليست على الأرضين، يريد أهل الذمة. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الملك بن جنادة، أن عمر ابن عبد العزيز كتب إلى حيان بن سريج أن يجعل جزية موتى القبط على أحيائهم. قال عبد الرحمن «1» : وحديث عبد الملك هذا يدل على أن عمر بن عبد العزيز كان يرى أن أرض مصر فتحت عنوة، وأن الجزية إنما هى على «2» القرى، فمن مات من أهل القرى كانت تلك الجزية ثابتة عليهم، وأن موت من مات منهم لا يضع عنهم من الجزية شيئا. قال: ويحتمل أن تكون مصر فتحت بصلح فذلك الصلح ثابت على من بقى منهم، وأن موت من مات منهم لا يضع عنهم مما «3» صالحوا عليه شيئا. والله أعلم. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن محمد بن عمرو، عن ابن جريج أن رجلا أسلم على عهد عمر بن الخطاب فقال: ضعوا الجزية عن أرضى، فقال عمر: لا، إن أرضك فتحت عنوة. قال عبد الملك: وقال مالك بن أنس: ما باع أهل الصلح من أرضهم فهو جائز لهم، وما فتح عنوة فإن ذلك «1» لا يشترى منهم أحد، ولا يجوز لهم بيع شىء مما تحت أيديهم من الأرض؛ لأن أهل الصلح من أسلم منهم كان أحق بأرضه وماله، وأما أهل العنوة الذين أخذوا عنوة؛ فمن أسلم منهم أحرز إسلامه نفسه، وأرضه للمسلمين، لأن أهل العنوة غلبوا على بلادهم وصارت فيئا للمسلمين، ولأن أهل الصلح إنما هم قوم امتنعوا ومنعوا بلادهم حتى صالحوا عليها، وليس عليهم إلا ما صالحوا عليه، ولا أرى أن يزاد عليهم ولا يؤخذ منهم إلا ما فرض عمر بن الخطاب؛ لأن عمر خطب الناس فقال: قد فرضت «2» لكم الفرائض وسنت لكم السنن، وتركتم على الواضحة. قال: وأما جزية الأرض فلا علم لى ولا أدرى كيف صنع فيها عمر، غير أن قد أقر الأرض فلم يقسمها بين الناس الذين افتتحوها فلو نزل هذا بأحد كنت أرى أن يسأل أهل البلاد أهل المعرفة منهم والأمانة، كيف كان الأمر فى ذلك، فإن وجد من ذلك علما يشفى وإلا اجتهد فى ذلك هو ومن حضره من المسلمين. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، أن عمر بن عبد العزيز وضع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة من أهل مصر، وألحق فى الديوان صلح من أسلم منهم فى عشائر من أسلموا على يديه. قال عبد الرحمن «3» : وقال غير عبد الملك: وكانت تؤخذ قبل ذلك ممن أسلم وأول من أخذ الجزية ممن أسلم من أهل الذمة كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن رزين بن عبد الله المرادى، الحجاج بن يوسف. ثم كتب عبد الملك بن مروان إلى عبد العزيز بن مروان، أن يضع الجزية على من أسلم من أهل الذمة، فكلمه ابن حجيرة «4» فى ذلك، فقال: أعيذك بالله أيها الأمير أن تكون أول من سن ذلك بمصر، فوالله إن أهل الذمة ليتحملون جزية من ترهب منهم، فكيف تضعها على من أسلم منهم؟ فتركهم عند ذلك. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أن عمر ابن عبد العزيز كتب إلى حيان بن سريج، أن تضع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة، فإن الله تبارك وتعالى قال: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم «1» وقال: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون «2» وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، قال: كان لعبد الله بن سعد موالى نصارى فأعتقهم «3» فكان عليهم الخراج قال الليث: أدركنا بعضهم وإنهم ليؤدون الخراج. حدثنا عثمان بن صالح، وعبد الله بن صالح، قالا: حدثنا الليث بن سعد، قال: لما ولى ابن رفاعة مصر خرج ليحصى عدة أهلها وينظر فى تعديل الخراج عليهم، فأقام فى ذلك ستة أشهر بالصعيد حتى بلغ أسوان ومعه جماعة من الأعوان والكتاب يكفونه ذلك بجد وتشمير، وثلاثة أشهر بأسفل الأرض، فأحصوا من القرى أكثر من عشرة آلاف قرية، فلم يحص فيها فى أصغر قرية منها أقل من خمسمائة جمجمة من الرجال الذين يفرض عليهم الجزية.

ذكر المقطم

(* حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح «4» المقطم بسبعين ألف دينار، فعجب عمرو من «5» ذلك وقال: أكتب فى ذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: سله لم أعطاك به ما أعطاك وهى لا تزدرع «6» ولا يستنبط «7» بها ماء، ولا ينتفع بها فسأله «8» فقال: إنا لنجد صفتها فى الكتب؛ أن فيها غراس الجنة. فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إنا لا نعلم غراس الجنة إلا للمؤمنين «1» ، فأقبر فيها من مات قبلك من المسلمين، ولا تبعه بشىء. فكان أول من دفن «2» فيها رجل من المعافر، يقال له عامر، فقيل عمرت. فقال المقوقس لعمرو، كما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن وهب، عن عمارة ابن عيسى، قال: ما ذالك، ولا على هذا عاهدتنا، فقطع لهم الحد الذي بين المقبرة وبينهم. حدثنا هانئ بن المتوكل، عن ابن لهيعة، أن المقوقس قال لعمرو: إنا لنجد فى كتابنا أن ما بين هذا الجبل وحيث نزلتم ينبت فيه شجر الجنة، فكتب بقوله إلى عمر بن الخطاب، فقال: صدق فاجعلها مقبرة للمسلمين. وقال غير عمارة بن عيسى: فقبر فيها من عرف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عمن حدثه، خمسة نفر: عمرو بن العاص السهمى، وعبد الله بن حذافة السهمى، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدى، وأبو بصرة الغفارى، وعقبة بن عامر الجهنى. وقال غير عثمان ومسلمة بن مخلد الانصارى. قال ابن لهيعة: والمقطم ما بين القصير إلى مقطع الحجارة وما بعد ذلك فمن اليحموم. وقد اختلف فى القصير. أخبرنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، قال: ليس بقصير موسى النبي عليه السلام، ولكنه موسى الساحر. حدثنا سعيد بن عفير، وعبد الله بن عباد، قالا: حدثنا المفضل بن فضالة، عن أبيه، قال: دخلنا على كعب الأحبار، فقال لنا: ممن أنتم؟ قلنا: من أهل مصر، فقال: ما تقولون فى القصير؟ قال قلنا: قصير موسى، فقال: ليس بقصير موسى، ولكنه قصير عزيز مصر، كان إذا جرى النيل يترفع فيه، وعلى ذلك إنه لمقدس من الجبل إلى البحر «1» . قال ويقال بل كان موقدا يوقد فيه لفرعون إذا هو ركب من منف إلى عين شمس وكان على المقطم موقد آخر، فإذا رأوا النار علموا بركوبه فأعدوا له ما يريد، وكذلك إذا ركب منصرفا من عين شمس. والله أعلم. حدثنا هانئ بن المتوكل، عن ابن لهيعة ورشدين بن سعد، عن الحسن بن ثوبان، عن حسين بن شفى الأصبحى، عن أبيه شفى بن عبيد، أنه لما قدم مصر- وأهل مصر قد اتخذوا مصلى بحذاء ساقية أبى عون التى عند العسكر- فقال: ما لهم وضعوا مصلاهم فى الجبل الملعون، وتركوا الجبل المقدس! قال الحسن بن ثوبان: فقدموا مصلاهم إلى موضعه الذي هو به اليوم. حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى قبيل، أن رجلا سأل كعبا عن جبل مصر، فقال: إنه لمقدس ما بين القصير إلى اليحموم*) .

ذكر استبطاء عمر بن الخطاب عمرو بن العاص فى الخراج

قال عبد الرحمن «2» فلما استبطأ عمر بن الخطاب الخراج من قبل عمرو بن العاص كما حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، كتب إليه: «3» بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام عليك؛ فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد؛ فإنى فكرت «4» فى أمرك والذي عليه، فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة، قد أعطى الله أهلها عددا وجلدا وقوة فى بر وبحر، وأنها قد عالجتها الفراعنة، وعملوا فيها عملا محكما، مع شدة عتوهم «1» وكفرهم، فعجبت من ذلك؛ وأعجب مما عجبت أنها لا تؤدى نصف ما كانت تؤديه من الخراج قبل ذلك على غير قحوط ولا جدوب؛ ولقد أكثرت فى «2» مكاتبتك فى الذي على أرضك من «3» الخراج، وظننت أن ذلك سيأتينا على عير نزر، ورجوت أن تفيق فترفع إلى ذلك؛ فإذا أنت تأتينى بمعاريض تغتالها «4» لا توافق الذي فى نفسى؛ ولست قابلا منك دون الذي كانت تؤخذ به من الخراج قبل ذلك. ولست أدرى مع ذلك ما الذي أنفرك من كتابى وقبضك! فلئن كنت مجزئا كافئا صحيحا، إن البراءة لنافعة «5» ، وإن «6» كنت مضيعا نطفا إن الأمر لعلى غير ما تحدث به نفسك. وقد تركت أن أبتلى ذلك منك فى العام الماضى رجاء أن تفيق فترفع إلى ذلك؛ وقد علمت أنه لم يمنعك من ذلك إلا عمالك عمال السوء، وما توالس عليه وتلفف؛ اتخذوك كهفا. وعندى بإذن الله دواء فيه شفاء عما أسألك عنه؛ فلا تجزع أبا عبد الله أن يؤخذ منك الحق وتعطاه؛ فإن النهز «7» يخرج الدر، والحق أبلج، ودعنى وما عنه تلجلج، فإنه قد برح الخفاء. والسلام. قال: فكتب إليه عمرو بن العاص. بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص؛ سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فقد بلغنى كتاب أمير المؤمنين فى الذي استبطأنى فيه من الخراج، والذي ذكر فيها من عمل الفراعنة قبلى «8» ، وإعجابه من خراجها على أيديهم، ونقص ذلك منها منذ كان الإسلام. ولعمرى للخراج يومئذ أوفر وأكثر، والأرض أعمر، لأنهم كانوا على كفرهم وعتوهم أرغب فى عمارة أرضهم منا منذ «9» كان الإسلام. وذكرت أن النهز يخرج الدر، فحلبتها حلبا قطع ذلك درها. وأكثرت فى كتابك، وأنبت، وعرضت وثربت؛ وعلمت أن ذلك عن شىء تخفيه على غير خبر؛ فجئت لعمرى بالمفظعات «1» المقذعات؛ ولقد كان لك فيه من الصواب من القول رصين صارم بليغ صادق. وقد عملنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن بعده؛ فكنا بحمد الله مؤدين لأماناتنا، حافظين لما عظم الله من حق أئمتنا، نرى غير ذلك قبيحا، والعمل به سيئا، فيعرف ذلك لنا ويصدق فيه قيلنا. معاذ الله من تلك الطعم، ومن شر الشيم، والاجتراء على كل مأثم؛ فاقبض عملك؛ فإن الله قد نزهنى عن تلك الطعم الدنية والرغبة فيها بعد كتابك الذي لم تستبق فيه عرضا ولم تكرم فيه أخا، والله يا بن الخطاب؛ لأنا حين يراد ذلك مني أشد لنفسى غضبا، ولها إنزاها وإكراما. وما عملت من عمل أرى على فيه متعلقا؛ ولكنى حفظت ما لم تحفظ؛ ولو كنت من يهود يثرب ما زدت- يغفر الله لك ولنا- وسكت عن أشياء كنت بها عالما؛ وكان اللسان بها منى ذلولا؛ ولكن الله عظم من حقك ما لا يجهل. والسلام. فكتب إليه عمر بن الخطاب كما وجدت فى كتاب أعطانيه يحيى بن عبد الله بن بكير، عن عبيد الله بن أبى جعفر، عن أبى مرزوق التجيبى، عن أبى قيس مولى عمرو بن العاص: من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص؛ سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فقد عجبت من كثرة كتبى إليك فى إبطائك بالخراج وكتابك إلى ببنيات الطرق «2» ، وقد علمت أنى لست أرضى «3» منك إلا بالحق البين؛ ولم «4» أقدمك إلى مصر أجعلها لك طعمة ولا لقومك؛ ولكنى وجهتك لما رجوت من توفيرك الخراج، وحسن سياستك؛ فإذا أتاك كتابى هذا فاحمل الخراج، فإنما هو فئ المسلمين، وعندى من قد تعلم قوم محصورون. والسلام. فكتب إليه عمرو بن العاص: بسم الله الرحمن الرحيم. لعمر بن الخطاب من عمرو بن العاص، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فقد أتانى كتاب أمير المؤمنين يستبطئنى فى الخراج، ويزعم «5» أنى أعند عن الحق، وأنكب «1» عن الطريق؛ وإنى والله ما أرغب عن صالح ما تعلم؛ ولكن أهل الأرض استنظرونى إلى أن تدرك غلتهم؛ فنظرت للمسلمين؛ فكان الرفق بهم خيرا من أن يخرق بهم، فيصيروا إلى بيع ما لا غنى بهم «2» عنه. والسلام. حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، أن عمرا جباها اثنى عشر ألف ألف. قال غير الليث: وجباها المقوقس قبله بسنة عشرين «3» ألف ألف، فعند ذلك كتب إليه عمر بما كتب به. قال الليث وجباها عبد الله بن سعد حين استعمله عليها عثمان أربعة عشر ألف ألف، فقال عثمان لعمرو: يا أبا عبد الله، درت اللقحة بأكثر من درها الاول، قال عمرو: أضررتم بولدها. وقال غير الليث: فقال له عمرو: ذلك إن لم يمت الفصيل. حدثنا هشام بن إسحاق العامرى، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص، أن يسأل المقوقس عن مصر: من أين تأتى عمارتها وخرابها؟ فسأله عمرو، فقال له المقوقس: تأتى عمارتها وخرابها من وجوه خمسة: أن يستخرج خراجها فى إبان واحد عند فراغ أهلها من زروعهم «4» ، ويرفع خراجها فى إبان واحد عند فراغ أهلها من عصر كرومهم، وتحفر فى كل سنة خلجها، وتسد ترعها وجسورها، ولا يقبل محل أهلها- يريد البغى- فإذا فعل «5» هذا فيها عمرت، وإن عمل فيها بخلافه خربت. قال وفى كتاب ابن بكير الذي أعطانى «6» عن ابن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: لما استبطأ عمر بن الخطاب عمرو بن العاص فى الخراج، كتب إليه: أن ابعث إلى رجلا من أهل مصر؛ فبعث إليه رجلا قديما من القبط، فاستخبره عمر عن مصر وخراجها قبل الإسلام، فقال: يا أمير المؤمنين، كان لا يؤخذ منها شىء إلا بعد عمارتها، وعاملك لا ينظر إلى العمارة، وإنما يأخذ ما ظهر له؛ كأنه لا يريدها إلا لعام واحد. فعرف عمر ما قال، وقبل من عمرو ما كان يعتذر به.

ذكر نهي الجند عن الزرع

(* قال عبد الرحمن «1» ثم إن عمر بن الخطاب فيما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن وهب، عن حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن عبد الله بن هبيرة، أمر مناديه أن يخرج إلى أمراء الأجناد يتقدمون إلى الرعية؛ أن عطاءهم قائم، وأن رزق «2» عيالهم سائل، فلا يزرعون ولا يزارعون. قال ابن وهب: فأخبرنى شريك بن عبد الرحمن المرادى، قال: بلغنا أن شريك بن سمى الغطيفى أتى إلى عمرو بن العاص، فقال: إنكم لا تعطونا ما يحسبنا، أفتأذن لى بالزرع؟ فقال له عمرو: ما أقدر على ذلك، فزرع شريك من غير إذن عمرو، فلما بلغ ذلك عمرا كتب إلى عمر بن الخطاب يخبره أن شريك بن سمى الغطيفي حرث بأرض مصر فكتب إليه عمر: أن أبعث إلى به، فلما انتهى كتاب عمر إلى عمرو أقرأه شريكا، فقال شريك لعمرو: قتلتنى يا عمرو، فقال عمرو: ما أنا قتلتك، أنت صنعت هذا بنفسك، قال له: إذ كان هذا من رأيك، فأذن لى بالخروج إليه من غير كتاب، ولك عهد الله أن أجعل يدى فى يده، فأذن له بالخروج، فلما وقف على عمر قال: تؤمنى يا أمير المؤمنين؟ قال: ومن أى الأجناد أنت؟ قال: من جند مصر، قال: فلعلك شريك بن سمى الغطيفى؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال لأجعلنك نكالا لمن خلفك، قال: أو تقبل منى ما قبل الله من العباد، قال: وتفعل؟ قال: نعم، فكتب إلى عمرو بن العاص: إن شريك بن سمي جاءنى تائبا فقبلت منه*) .

ذكر حفر خليج أمير المؤمنين

(* حدثنا عبد الله بن صالح أو غيره، عن الليث بن سعد، أن الناس بالمدينة أصابهم جهد شديد فى خلافة عمر بن الخطاب فى سنة الرمادة، فكتب إلى عمرو بن العاص وهو بمصر: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاص بن العاص: سلام؛ أما بعد؛ فلعمرى يا عمرو ما تبالى إذا شبعت أنت ومن معك أن أهلك أنا ومن معى؛ فيا غوثاء، ثم يا غوثاء! يردد قوله «1» . فكتب إليه عمرو بن العاص: لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من عمرو بن العاص؛ أما بعد فيا لبيك ثم يا لبيك! قد بعثت إليك بعير أولها عندك وآخرها عندى. والسلام عليك ورحمة الله. فبعث إليه بعير عظيمة، فكان أولها بالمدينة وآخرها بمصر، يتبع بعضها بعضا، فلما قدمت على عمر وسع بها على الناس، ودفع إلى أهل كل بيت بالمدينة وما حولها بعيرا بما عليه من الطعام، وبعث عبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وسعد بن أبى وقاص، يقسمونها على الناس، فدفعوا إلى أهل كل بيت بعيرا بما عليه من الطعام أن يأكلوا الطعام وينحروا البعير فيأكلوا لحمه ويأتدموا شحمه ويحتذوا جلده، وينتفعوا بالوعاء الذي كان فيه الطعام لما أرادوا من لحاف أو غيره، فوسع الله بذلك على الناس. فلما رأى ذلك عمر حمد الله وكتب إلى عمرو بن العاص يقدم عليه هو وجماعة من أهل مصر معه، فقدموا عليه، فقال عمر: يا عمرو؛ إن الله قد فتح على المسلمين مصر، وهى كثيرة الخير والطعام، وقد ألقى فى روعى- لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين، والتوسعة عليهم حين فتح الله عليهم مصر وجعلها قوة لهم ولجميع المسلمين- أن أحفر خليجا من نيلها حتى يسيل فى البحر، فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة؛ فإن حمله على الظهر يبعد ولا نبلغ منه ما نريد؛ فانطلق أنت وأصحابك فتشاوروا فى ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم. فانطلق عمرو فأخبر بذلك من كان معه من أهل مصر فثقل ذلك عليهم، وقالوا: نتخوف أن يدخل فى هذا ضرر على مصر، فنرى أن تعظم ذلك على أمير المؤمنين وتقول له: إن هذا أمر «1» لا يعتدل ولا يكون، ولا نجد إليه سبيلا. فرجع عمرو بذلك إلى عمر، فضحك عمر حين رآه، وقال: والذي نفسى بيده لكأنى أنظر إليك يا عمرو وإلى أصحابك حين أخبرتهم بما أمرنا به من حفر الخليج، فثقل ذلك عليهم، وقالوا: يدخل فى هذا ضرر «2» على أهل مصر؛ فنرى أن تعظم ذلك على «3» أمير المؤمنين، وتقول له: إن هذا الأمر لا يعتدل ولا يكون، ولا نجد إليه سبيلا. فعجب عمرو من قول عمر، وقال: صدقت والله يا أمير المؤمنين، لقد كان الأمر على ما ذكرت، فقال له عمر: انطلق يا عمرو بعزيمة منى حتى تجد فى ذلك، ولا يأتى عليك الحول حتى تفرغ منه إن شاء الله. فانصرف عمرو وجمع لذلك من الفعلة ما بلغ منه ما أراد، ثم احتفر الخليج الذي فى حاشية الفسطاط، الذي يقال له خليج أمير المؤمنين، فساقه من النيل إلى القلزم؛ فلم يأت الحول حتى جرت فيه السفن، فحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة ومكة، فنفع الله بذلك أهل الحرمين، وسمى خليج أمير المؤمنين. ثم لم يزل يحمل فيه الطعام حتى حمل فيه بعد عمر بن عبد العزيز، ثم ضيعته الولاة بعد ذلك، فترك وغلب عليه الرمل، فانقطع، فصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية طحا القلزم. قال ويقال إن عمر بن الخطاب قال لعمرو بن العاص وقدم عليه كما حدثنا أخى عبد الحكم بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن- قال: حسبته، عن عروة: يا عمرو، إن العرب قد تشاءمت بى وكادت أن تهلك على رجلى وقد عرفت الذي أصابها، وليس جند من الأجناد أرجى عندى أن يغيث الله بهم أهل الحجاز من جندك؛ فإن استطعت أن تحتال لهم حيلة حتى يغيثهم الله! فقال عمرو: ما شئت يا أمير المؤمنين، قد عرفت أنه كانت تأتينا سفن فيها تجار من أهل مصر قبل الإسلام، فلما فتحنا مصر انقطع ذلك الخليج واستد، وتركته «1» التجار، فإن شئت أن نحفره فننشئ «2» فيه سفنا يحمل «3» فيه الطعام إلى الحجاز فعلته «4» ! فقال له عمر: نعم، فأفعل*) ، فلما خرج عمرو من عند عمر بن الخطاب ذكر ذلك لرؤساء أهل أرضه من قبط مصر، فقالوا له: ماذا جئت به أصلح الله الأمير تنطلق فتخرج طعام أرضك وخصبها إلى الحجاز وتخرب هذه! فإن استطعت فاستثقل «5» ذلك، فلما ودع عمر بن الخطاب قال له: يا عمرو انظر إلى ذلك الخليج فلا «6» تنسين حفره، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنه قد انسد «7» وتدخل فيه نفقات عظام، فقال له عمر: أما والذي نفسى بيده إنى لأظنك حين خرجت من عندى حدثت بذلك أهل أرضك فعظموه عليك، وكرهوا ذلك، أعزم عليك إلا ما حفرته وجعلت «8» فيه سفنا، فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، إنه متى ما يجد أهل الحجاز طعام مصر وخصبها مع صحة الحجاز لا يخفوا إلى الجهاد، قال: فإنى سأجعل من ذلك أمرا لا يحمل فى هذا البحر إلا رزق «9» أهل المدينة وأهل مكة، فحفره عمرو وعالجه، وجعل فيه السفن. قال عبد الرحمن «10» ويقال: إن عمر بن الخطاب كما ذكر عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، كتب إلى عمرو بن العاص: إلى العاص بن العاص، فإنك لعمرى لا تبالى إذا سمنت أنت ومن معك «11» أن أعجف أنا ومن قبلى، فيا غوثاه، ثم يا غوثاه! فكتب إليه عمرو ابن العاص: أما بعد؛ فيا لبيك ثم يا لبيك، أتتك عير أولها عندك وآخرها عندى، مع أنى أرجو أن أجد السبيل إلى أن أحمل إليك فى البحر. ثم إن عمرا ندم على كتابه فى الحمل إلى المدينة فى البحر وقل: إن أمكنت عمر من هذا خرب مصر ونقله «1» إلى المدينة. فكتب إليه: إنى نظرت فى أمر البحر فإذا هو عسر لا يلتأم ولا يستطاع. فكتب إليه عمر: إلى العاص بن العاص، فقد بلغنى كتابك تعتل فى الذي كنت كتبت إلى به من أمر البحر، وأيم الله لتفعلن أو لأقلعنك بأذنك أو لأبعثن من يفعل ذلك، فعرف عمرو أنه الجد من عمر بن الخطاب ففعل، فبعث إليه عمر ألا تدع بمصر شيئا من طعامها وكسوتها وبصلها وعدسها وخلها إلا بعثت إلينا منه. قال ويقال: إنما دل عمرو بن العاص على الخليج رجل من قبط مصر. حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبى نجيح، عن أبيه، أن رجلا أتى إلى عمرو بن العاص من قبط مصر، فقال: أرأيت «2» إن دللتك على مكان تجرى فيه السفن، حتى تنتهى إلى مكة والمدينة، أتضع عنى الجزية وعن أهل بيتى؟ قال: نعم، فكتب إلى عمر، فكتب إليه أن افعل؛ فلما قدمت السفن الجار خرج عمر حاجا أو معتمرا، فقال للناس: سيروا بنا ننظر إلى السفن التى سيرها الله إلينا من أرض فرعون حتى أتتنا. فقال رجل من بنى ضمرة: فأفردنى السير معه فى سبعة نفر فآوانا الليل إلى خيمة أعراب، فإذا «3» ببرمة تغطى على النار، فقال عمر: هل من طعام؟ فقالوا: لا إلا لحم ظبى أصبناه بالأمس، فقربوه فأكل منه وهو محرم. حدثنا أسد بن موسى، حدثنا وكيع بن الجراح، عن هشام بن سعد، عن زيد ابن أسلم، عن عمرو بن سعد الجارى أن عمر أتى الجار ثم دعا بمناديل ثم قال اغتسلوا من ماء البحر فإنه مبارك. قال غير أسد: فلما قدمت السفن الجار وفيها الطعام، صك عمر للناس بذلك الطعام صكوكا، فتبايع التجار الصكوك بينهم قبل أن يقبضوها. قال: فحدثنى أبى عبد الله بن عبد الحكم، اخبرنا ابن لهيعة، عن أبى الأسود، عن عروة بن الزبير، قال: لقى عمر بن الخطاب العلاء بن الأسود، فقال: كم ربح حكيم بن حزام؟ فقال: ابتاع من صكوك الجار بمائة ألف درهم، وربح عليها مائة ألف، فلقيه عمر بن الخطاب فقال: يا حكيم، كم ربحت؟ فأخبره بمثل خبر العلاء، فقال عمر: فبعته قبل أن تقبضه؟ قال: نعم، قال عمر: فإن هذا بيع لا يصلح، فاردده، فقال حكيم: ما علمت أن هذا لا يصلح، وما أقدر على رده، فقال عمر: ما «1» بد، فقال حكيم: والله ما أقدر على ذلك وقد تفرق وذهب، ولكن رأس مالى وربحى صدقة. حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، أن حكيم ابن حزام ابتاع طعاما أمر به عمر للناس، فباع حكيم الطعام قبل أن يستوفيه، فسمع بذلك عمر فرده عليه، قال: لا تبع طعاما ابتعته حتى تستوفيه. قال مالك: وبلغنى أن صكوكا خرجت للناس فى زمان مروان بن الحكم من طعام الجار فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها «2» ، فدخل زيد ابن ثابت ورجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مروان، فقالا له: أتحل بيع الربا يا مروان! فقال أعوذ بالله، وما ذاك؟ قالا: هذه الصكوك يتبايعها الناس ثم يبيعونها قبل أن يستوفوها، فبعث مروان الحرس يتبعونها ينتزعونه «3» من أيدى الناس ويردونها إلى أهلها. وحدثنا أسد بن موسى، حدثنا مهدى بن ميمون، حدثنا سعيد الجريرى، عن أبى نضرة، عن أبى فراس، أن عمر بن الخطاب خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه قد أتى على زمان وأنا أحسب أن من قرأ القرآن إنما يريد به الله وما عنده، وقد خيل إلى بآخره أنه قد قرأه أقوام يريدون به الدنيا ويريدون به الناس، ألا فأريدوا الله بأعمالكم وأريدوه بقراءتكم، ألا إنما كنا نعرفكم إذ ينزل الوحى وإذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، وإذ ينبئنا الله من أخباركم، فقد انقطع الوحى، وذهب النبي صلى الله عليه وسلم فإنما نعرفكم بما نقول لكم الآن «4» ، من رأينا منه خيرا ظننا به خيرا وأحببناه عليه، ومن رأينا منه شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه، سرائركم فيما بينكم وبين ربكم، ألا إنى إنما أبعث عمالى ليعلموكم دينكم ويعلموكم سننكم «1» ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم ولا يأخذوا «2» أموالكم، ألا فمن أتى إليه شىء من ذلك فليرفعه إلى، فوالذى نفس عمر بيده لأقصنه منه. فقام عمرو بن العاص فقال: أرأيت يا أمير المؤمنين إن عتب عامل من عمالك على بعض رعيته فأدب رجلا من رعيته إنك لمقصه منه؟ قال: نعم، والذي نفس عمر بيده لأقصنه منه، ألا أقصه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه، ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تجمروا بهم فتفتنوهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم. فأتى رجل من أهل مصر كما حدثنا عن أبى عبدة، عن ثابت البنانى وحميد، عن أنس إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذا، قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربنى بالسوط، ويقول: أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصرى؟ خذ السوط فاضرب، فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الألأمين، قال أنس: فضرب فوالله لقد ضربه ونحن نحب ضربه فما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصرى: ضع على ضلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ابنه الذي ضربنى وقد اشتفيت «3» منه، فقال عمر لعمرو: مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ قال يا أمير المؤمنين، لم أعلم ولم يأتنى. حدثنى عبد الله بن صالح، حدثنى الليث بن سعد، عن نافع مولى ابن عمر، أن صبيغا العراقى جعل يسأل عن أشياء من القرآن فى أجناد «4» المسلمين حتى قدم مصر، فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، فلما أتاه الرسول بالكتاب فقرأه، قال: أين الرجل؟ قال: فى الرحل، فقال عمر: ابصر «5» أن يكون ذهب فتصيبك منى العقوبة الموجعة، فأتاه به فقال له عمر: عم تسأل؟ فحدثه، فأرسل عمر إلى رطائب الجريد فضربه بها حتى ترك ظهره دبره، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد له ثم، تركه حتى برأ، ثم دعا به ليعود له، فقال صبيغ: يا أمير المؤمنين، إن كنت تريد قتلى فاقتلنى قتلا جميلا، وإن كنت تريد أن تداوينى فقد والله برأت، فأذن له إلى أرضه، وكتب له إلى أبى موسى الأشعرى: ألا يجالسه أحد من المسلمين، فاشتد ذلك على الرجل، فكتب أبو موسى إلى عمر: إنه قد حسنت هيئته، فكتب عمر أن ائذن للناس «1» فى مجالسته «2» . حدثنا أسد بن موسى، حدثنا محمد بن خازم، عن الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يسأله عن رجل أسلم ثم كفر ثم أسلم ثم كفر حتى فعل ذلك مرارا، أيقبل منه الإسلام؟ فكتب إليه عمر أن اقبل منه، اعرض عليه الإسلام، فإن قبل فاتركه، وإلا فاضرب عنقه. حدثنا أسد بن موسى، حدثنا محمد بن خازم، عن الحجاج، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يسأله عن عبد وجد جرة من ذهب مدفونة، فكتب إليه عمر أن ارضخ له منها بشىء، فإنه أحرى أن يؤدوا ما وجدوا.

ذكر فتح الفيوم

(* حدثنا سعيد بن عفير وغيره، قالوا: فلما تم الفتح للمسلمين بعث عمرو جرائد الخيل إلى القرى التى حولها، فأقامت الفيوم سنة لم يعلم المسلمون بمكانها، حتى أتاهم رجل، فذكرها لهم؛ فأرسل عمرو معه ربيعة بن حبيش بن عرفطة الصدفى؛ فلما سلكوا فى المجابة لم يروا شيئا، فهموا بالانصراف، فقالوا: لا تعجلوا، سيروا؛ فإن كان كذب «3» فما أقدركم على ما أردتم! فلم يسيروا إلا قليلا حتى طلع لهم سواد الفيوم، فهجموا عليها، فلم يكن عندهم قتال، وألقوا بأيديهم. قال ويقال: بل خرج مالك بن ناعمة الصدفى- وهو صاحب الأشقر- على فرسه ينفض المجابة، ولا علم له بما خلفها من الفيوم «1» ، فلما رأى سوادها رجع إلى عمرو فأخبره ذلك. قال ويقال: بل بعث عمرو بن العاص قيس بن الحارث إلى الصعيد، فسار حتى أتى القيس، فنزل بها، وبه سميت القيس، فراث على عمرو خبره، فقال ربيعة بن حبيش: كفيت. فركب فرسه فأجاز عليه البحر- وكانت أنثى- فأتاه بالخبر. ويقال: إنه أجاز من ناحية الشرقية حتى انتهى إلى الفيوم*) وكان يقال لفرسه الأعمى. والله أعلم. قال: (* وبعث عمرو بن العاص، نافع بن عبد القيس الفهرى- وكان نافع أخا العاص بن وائل لأمه- فدخلت خيولهم أرض النوبة صوائف كصوائف الروم، فلم يزل الأمر على ذلك حتى عزل عمرو بن العاص عن مصر، وأمر عبد الله بن سعد بن أبى سرح، فصالحهم*) وسأذكر ذلك فى موضعه إن شاء الله.

ذكر فتح برقة

(2 قال: وكان البربر بفلسطين، وكان ملكهم جالوت؛ فلما قتله داود عليه السلام خرج البربر متوجهين إلى المغرب؛ حتى انتهوا إلى لوبية ومراقية- وهما كورتان من كور مصر الغربية مما يشرب من السماء، ولا ينالها النيل- فتفرقوا هنالك؛ فتقدمت زناتة ومغلية إلى المغرب، وسكنوا الجبال، وتقدمت لواتة فسكنت أرض أنطابلس؛ وهى برقة؛ وتفرقت فى هذا المغرب، وانتشروا فيه 2) حتى بلغوا السوس، ونزلت هوارة مدينة لبدة، ونزلت نفوسة إلى مدينة سبرت، وجلا من كان بها من الروم من أجل ذلك، وأقام الأفارق- وكانوا خدما للروم- على صلح يؤدونه إلى من غلب على بلادهم. (3 فسار عمرو بن العاص فى الخيل حتى قدم برقة؛ فصالح أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدونها إليه جزية، على أن يبيعوا من أحبوا من أبنائهم فى جزيتهم 3) . حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، قال: كتب عمرو بن العاص على لواتة من البربر فى شرطه عليهم أن عليكم أن تبيعوا أبناءكم وبناتكم فيما عليكم من الجزية. حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن لهيعة أن أنطابلس فتحت بعهد من عمرو بن العاص. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن عبد الله الحضرمى، أن ابن دياس حين ولى أنطابلس أتاه بكتاب عهدهم. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن عبد الله الحضرمى، عن أبى قنان أيوب بن أبى العالية الحضرمى، عن أبيه، قال: سمعت عمرو بن العاص على المنبر يقول: لأهل أنطابلس عهد يوفى لهم به. قال ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره، قال: ولم يكن يدخل برقة يومئذ جابى خراج إنما كانوا يبعثون بالجزية إذا جاء وقتها. ووجه عمرو بن العاص عقبة بن نافع؛ حتى بلغ «1» زويلة، وصار ما بين برقة وزويلة للمسلمين.

ذكر أطرابلس

قال ثم سار «2» عمرو بن العاص حتى نزل أطرابلس فى سنة اثنتين وعشرين. حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث بن سعد، قال: غزا عمرو بن العاص طرابلس فى سنة ثلاث وعشرين. ثم رجع إلى حديث عثمان. فنزل على القبة التى على الشرف «3» من شرقيها، فحاصرها شهرا، لا يقدر منهم على شىء، فخرج رجل من بنى مدلج ذات يوم من عسكر عمرو متصيدا فى سبعة نفر، فمضوا غربى المدينة حتى أمعنوا عن العسكر، ثم رجعوا فأصابهم الحر، فأخذوا على ضفة البحر، وكان البحر «4» لا صقا بسور المدينة، ولم يكن فيما بين المدينة والبحر سور «5» ، وكانت سفن الروم شارعة «1» فى مرساها «2» إلى بيوتهم فنظر المدلجى وأصحابه، فإذا البحر قد غاض من ناحية المدينة، ووجدوا مسلكا إليها من الموضع الذي غاض منه البحر، فدخلوا منه حتى أتوا من ناحية الكنيسة، وكبروا، فلم يكن للروم مفزع إلا سفنهم؛ وأبصر عمرو وأصحابه السلة «3» فى جوف المدينة، فأقبل بجيشه حتى دخل عليهم، فلم تفلت الرم إلا بما خف لهم من مراكبهم، وغنم «4» عمرو ما كان فى المدينة وكان من بسبرت متحصنين (واسمها نبارة وسبرت السوق القديم وإنما نقله إلى نبارة عبد الرحمن بن حبيب سنة إحدى وثلاثين) فلما بلغهم محاصرة عمرو مدينة أطرابلس وأنه لم يصنع فيهم شيئا ولا طاقة له بهم أمنوا، فلما ظفر عمرو بن العاص بمدينة أطرابلس، جرد خيلا كثيفة من ليلته، وأمرهم بسرعة السير، فصبحت خيله مدينة سبرت وقد غفلوا، وقد فتحوا أبوابهم لتسرح ماشيتهم «5» ، فدخلوها فلم ينج منهم أحد، واحتوى عمرو على ما فيها ورجعوا إلى عمرو. حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، أنه سمع أبا تميم الجيشانى يقول: غزونا مع عمرو بن العاص غزوة «6» أطرابلس، فجمعنا المجلس ومعنا فيه هبيب بن مغفل، فذكرنا قضاء دين رمضان فقال هبيب بن مغفل: لا يفرق. وقال عمرو بن العاص: لا بأس أن يفرق إذا أحصيت «7» العدد.

ذكر استئذان عمرو بن العاص عمر بن الخطاب فى غزوة إفريقية

وأراد عمرو أن يوجه إلى المغرب فكتب إلى عمر بن الخطاب كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن أبى تميم الجيشانى: إن الله قد فتح علينا أطرابلس، وليس بينها وبين إفريقية إلا تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يغزوها «8» ويفتحها الله على يديه فعل. فكتب إليه عمر: لا إنها ليست بإفريقية، ولكنها المفرقة غادرة مغدور بها، لا يغزوها أحد ما بقيت. حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى قبيل، عن مرة ابن ليشرح المعافرى، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: إفريقية المفرقة- ثلاث مرات- لا أوجه إليها أحدا ما مقلت عينى الماء. حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن على بن رباح، عن مسعود بن الأسود، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بايع تحت الشجرة؛ أنه استأذن عمر ابن الخطاب فى غزو «1» إفريقية، فقال عمر: لا، إن إفريقية غادرة مغدور بها. قال: ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره، قال: فأتى عمرو بن العاص كتاب المقوقس يذكر له فيه: إن الروم يريدون نكث العهد ونقض ما كان بينهم وبينه، وكان عمرو قد عاهد المقوقس على ألا يكتمه أمرا يحدث، فانصرف عمرو راجعا مبادرا لما أتاه وقد كان عمرو يبعث الجريدة من الخيل فيصيبون الغنائم ثم يرجعون.

ذكر عزل عمرو عن مصر

قال: حدثنا عبد الرحمن قال «2» فتوفى عمر رحمة الله عليه ومصر على أميرين: عمرو بن العاص بأسفل الأرض، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح على الصعيد، قال وكانت وفاة عمر كما حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد مصدر «3» الحاج سنة ثلاث وعشرين. حدثنا سعيد بن عفير، قال: إنما كان عمر بن الخطاب ولى عبد الله ابن سعد من الصعيد الفيوم. فلما استخلف عثمان بن عفان، كما حدثنا عبد الله ابن صالح- أو غيره- عن الليث، طمع عمرو بن العاص «4» لما رأى من عثمان أن يعزل له عبد الله بن سعد عن الصعيد، فوفد إليه وكلمه فى ذلك، فقال له عثمان: ولاه عمر ابن الخطاب الصعيد وليس بينه وبينه حرمة ولا خاصة، وقد علمت أنه أخى من الرضاعة، فكيف أعزله عما ولاه غيرى؟!. وقال له فيما حدثنا سعيد بن عفير: إنك لفى غفلة عما كانت تصنع بى أمه، وإن كانت لتخبأ لى العرق من اللحم فى ردنها حتى آتى. قال ثم رجع إلى حديث الليث بن سعد، قال: فغضب عمرو، وقال: لست راجعا إلا على ذلك، فكتب عثمان بن عفان إلى عبد الله بن سعد يؤمره على مصر كلها، فجاءه الكتاب بالفيوم. قال ابن عفير: بقرية منها تدعى دموشة «1» . قال الليث فى حديثه فجعل لأهل أطواب جعلا على أن يصبحوا به الفسطاط فى مركبه، وكان الذي جعل لهم كما يزعم آل عبد الله بن سعد خمسة دنانير، قال الليث: فقدموا به الفسطاط قبل الصبح فأرسل إلى المؤذن فأقام الصلاة حين طلع الفجر، وعبد الله بن عمرو ينتظر المؤذن يدعوه إلى الصلاة؛ لأنه خليفة أبيه، فاستنكر الإقامة. فقيل له صلى عبد الله بن سعد بالناس. وآل عبد الله يزعمون أن عبد الله بن سعد أقبل من غربى المسجد بين يديه شمعة، وأقبل عبد الله بن عمرو، من نحو داره بين يديه شمعة. فالتقت الشمعتان عند القبلة. قال الليث فى حديثه: فأقبل عبد الله بن عمرو حتى وقف على عبد الله ابن سعد، فقال: هذا بغيك ودسك. فقال عبد الله بن سعد: ما فعلت وقد كنت أنت وأبوك تحسدانى على الصعيد، فتعال حتى أوليك الصعيد وأولى أباك أسفل الأرض ولا أحسد كما عليه، فلبث عبد الله بن سعد عليها أميرا محمودا، وغزا فيها ثلاث غزوات كلهن لها «2» شأن: إفريقية، والأساود «3» ، ويوم ذى الصوارى. وسأذكر ذلك فى موضعه إن شاء الله. قال: وكان عزل عمرو بن العاص عن مصر، كما حدثنا يحيى بن عبد الله ابن بكير، عن الليث بن سعد وتولية عبد الله بن سعد فى سنة خمس وعشرين.

ذكر انتقاض الإسكندرية

قال: عبد الرحمن «1» وقد كانت الإسكندرية كما حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، انتقضت وجاءت الروم عليهم منويل الخصى فى المراكب حتى أرسوا بالإسكندرية، فأجابهم من بها من الروم، ولم يكن المقوقس «2» تحرك ولا نكث. وقد كان عثمان بن عفان عزل عمرو بن العاص وولى عبد الله بن سعد، فلما نزلت الروم الإسكندرية، سأل «3» أهل مصر عثمان أن يقر عمرا حتى يفرغ من قتال الروم؛ فإن له معرفة بالحرب وهيبة فى العدو ففعل، وكان على الإسكندرية سورها، فحلف عمرو بن العاص لئن أظهره «4» الله عليهم ليهدمن سورها، حتى تكون مثل بيت الزانية تؤتى من كل مكان، فخرج إليهم عمرو فى البر والبحر. قال عبد الرحمن «5» وقال غير الليث: وضوى إلى المقوقس من أطاعه من القبط، فأما الروم فلم يطعه منهم أحد، فقال خارجة بن حذافة لعمرو: ناهضهم قبل أن يكثر مددهم «6» ولا أمن «7» أن تنتقض مصر كلها، فقال عمرو: لا، ولكن أدعهم حتى يسيروا إلى، فإنهم يصيبون من مروا به فيخزى الله بعضهم ببعض. فخرجوا من الإسكندرية ومعهم من نقض من أهل القرى، فجعلوا ينزلون القرية فيشربون خمورها ويأكلون أطمعتها وينتهبون ما «8» مروا به، فلم يعرض لهم عمرو» حتى بلغوا نقيوس، فلقوهم فى البر والبحر، فبدأت الروم والقبط، فرموا بالنشاب فى الماء رميا شديدا، حتى أصابت النشاب يومئذ فرس عمرو فى لبته وهو فى البر فعفر «1» فنزل عنه عمرو، ثم خرجوا من البحر فاجتمعوا هم والذين فى البر، فنضحوا المسلمين بالنشاب، فاستأخر المسلمون عنهم شيئا، وحملوا على المسلمين حملة ولى المسلمون منها، وانهزم شريك بن سمى فى خيله. وكانت الروم قد جعلت صفوفا خلف صفوف، وبرز يومئذ بطريق ممن جاء من أرض الروم على فرس له عليه سلاح مذهب، فدعا إلى البراز، فبرز إليه رجل من زبيد يقال له حومل يكنى أبا مذحج، فاقتتلا طويلا برمحين يتطاردان «2» ، ثم ألقى البطريق الرمح وأخذ السيف، وألقى حومل رمحه وأخذ سيفه، وكان يعرف بالنجدة، وجعل يصيح: أبا مذحج، فيجيبه: لبيك، والناس على شاطىء النيل فى البر على تعبئتهم وصفوهم، فتجاولا ساعة بالسيفين، ثم حمل عليه البطريق فاحتمله وكان نحيفا، ويخترط حومل حنجرا كان فى منطقته أو فى ذراعه، فضرب به نحر العلج أوتر قوته فأثبته ووقع عليه، فأخذ سلبه، ثم مات حومل بعد ذلك بأيام رحمة الله عليه، فرئى عمرو يحمل سريره بين عمودى نعشه حتى دفنه بالمقطم. ثم شد المسلمون عليهم، فكانت هزيمتهم، فطلبهم المسلمون حتى ألحقوهم بالإسكندرية، ففتح الله عليهم وقتل منويل الخصى. حدثنا الهيثم بن زياد أن عمرو بن العاص قتلهم حتى أمعن فى مدينتهم، فكلم فى ذلك فأمر برفع السيف عنهم، وبنى فى ذلك الموضع الذي رفع فيه السيف مسجد، وهو المسجد الذي بالإسكندرية الذي يقال له مسجد الرحمة؛ وإنما سمى مسجد الرحمة لرفع عمرو السيف هنالك. وهدم سورها كله. وجمع عمرو ما أصاب منهم فجاءه أهل تلك القرى ممن لم يكن نقض، فقالوا: قد كنا على صلحنا، وقد مر علينا هؤلاء اللصوص فأخذوا متاعنا ودوابنا وهو قائم فى يديك. فرد عليهم عمرو ما كان لهم من متاع عرفوه وأقاموا عليه البينة، وقال بعضهم لعمرو: ما حل لك ما صنعت بنا، كان لنا أن تقاتل عنا لأنا فى ذمتك، ولم ننقض، فأما من نقض فأبعده الله، فندم عمرو، وقال: يا ليتنى كنت لقيتهم حين خرجوا من الإسكندرية. (1 وكان سبب نقض الإسكندرية هذا كما حدثنا عن حيوة بن شريح، عن الحسن ابن ثوبان، عن هشام بن أبى رقية، أن صاحب إخنا قدم على عمرو بن العاص فقال: أخبرنا، ما على أحدنا من الجزية فيصبر لها؟ فقال عمرو وهو يشير إلى ركن كنيسة: لو أعطيتنى من الركن إلى السقف، ما أخبرتك، إنما أنتم خزانة لنا إن كثر علينا كثرنا عليكم، وإن خفف عنا خففنا عنكم، فغضب صاحب إخنا «2» ، فخرج إلى الروم فقدم بهم فهزمهم الله، وأسر النبطى فأتى به عمرو، فقال له الناس: اقتله، فقال: لا، بل انطلق فجئنا بجيش آخر 1) . حدثنا سعيد بن سابق، قال: كان اسمه طلما، وأن عمرا لما أتى به سوره «3» ، وتوجه، وكساه برنس أرجوان، وقال له: ايتنا بمثل هؤلاء؛ فرضى بأداء الجزية. فقيل لطلما؛ لو أتيت ملك الروم؟ فقال: لو أتيته لقتلنى، وقال قتلت أصحابى.

ذكر خراب خربة وردان

قال وكان عمرو حين توجه إلى الإسكندرية خرب القرية التى تعرف اليوم بخربة وردان قال عبد الرحمن: واختلف علينا فى السبب الذي خربت له، فحدثنا سعيد ابن عفير، أن عمرا لما توجه إلى نقيوس لقتال الروم عدل وردان «4» لقضاء حاجته عند الصبح «5» ، فاختطفه أهل الخربة فغيبوه، ففقده عمرو، وسأل عنه وقفا أثره فوجدوه فى بعض دورهم، فأمر بإخرابها وإخراجهم منها. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، قال: كان أهل الخربة رهبانا كلهم، فغدروا بقوم من ساقة عمرو فقتلوهم بعد أن بلغ عمرو الكريون، فأقام عمرو ووجه إليهم وردان فقتلهم وخربها، فهى خراب إلى اليوم. حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، قال: كان أهل الخربة أهل توثب وخبث، فأرسل عمرو بن العاص إلى أرضهم، فأخذ له منها جراب فيه تراب من ترابها، ثم دعاهم فكلمهم فلم يجيبوه إلى شىء فأمر بإخراجهم، ثم أمر بالتراب ففرش تحت مصلاه، ثم قعد عليه، ثم دعاهم فكلمهم فأجابوه إلى ما أحب، ثم أمر بالتراب فرفع، ثم دعاهم فلم يجيبوه إلى شىء حتى فعل ذلك مرارا، فلما رأى عمرو ذلك قال: هذه بلدة لا تصلح إلا أن توطأ، فأمر بإخرابها. والله أعلم.

ذكر بعض ما قيل فى فتح الإسكندرية الثانى

ثم رجع إلى حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: فلما هزم الله الروم أراد عثمان عمرا أن يكون على الحرب، وعبد الله بن سعد على الخراج، فقال عمرو: أنا إذا كماسك البقرة بقرنيها وآخر يحلبها، فأبى عمرو. حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حرملة بن عمران، عن تميم بن فرع المهرى، قال: شهدت فتح الإسكندرية فى المرة الثانية فلم يسهم لى، حتى كاد أن يقع بين قومى وبين قريش منازعة، فقال بعض القوم: أرسلوا إلى أبى بصرة الغفارى وعقبة بن عامر الجهنى فإنهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلوهما عن هذا، فأرسلوا إليهما فسألوهما، فقالا: انظروا، فإن كان أنبت فأسهموا له، فنظر «1» إلى بعض القوم فوجدونى قد أنبت، فأسهموا لى. (* حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن موسى بن على، عن أبيه، عن عمرو بن العاص أنه فتح الاسكندرية الفتحة الأخيرة عنوة قسرا، فى خلافة عثمان ابن عفان، بعد موت عمر بن الخطاب رضى الله عنهم أجمعين. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، قال: كان فتح الإسكندرية الأول سنة إحدى وعشرين وفتحها الآخر سنة خمس وعشرين بينهما أربع سنين. حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث بن سعد، قال: كان فتح الإسكندرية الأول سنة اثنتين وعشرين. وكان فتحها الآخر سنة خمس وعشرين. قال غير ابن لهيعة: وأقام عمرو بن العاص بعد فتح الإسكندرية شهرا، ثم عزله عثمان وولى عبد الله بن سعد. قال غير ابن لهيعة فى حديثه عن يزيد بن أبى حبيب: وأقامت الخيس من البيما يقاتلون الناس سبع سنين بعد ما فتحت مصر، مما يفتحون عليهم من تلك المياه والغياض*) .

ذكر قدوم عمرو على عمر بن الخطاب

حدثنا عثمان بن صالح، عن الليث بن سعد، قال: عاش عمر بن الخطاب بعد فتح مصر ثلاث سنين قدم عليه عمرو فيها قدمتين. قال ابن عفير: استخلف فى إحداهما زكرياء بن الجهم العبدرى على الجند، ومجاهد بن جبر مولى بنى نوفل بن عبد مناف على الخراج وهو جد معاذ بن موسى النفاط أبى اسحاق بن معاذ الشاعر فسأله عمر: من استخلفت؟ فذكر له مجاهد بن جبر، فقال له عمر: مولى ابنت غزوان؟ قال: نعم. إنه كاتب، فقال عمر: إن القلم «1» ليرفع بصاحبه. وبنت غزوان هذه أخت عتبة بن غزوان، وقد شهد عتبة بدرا. (2 حدثنا عبد الملك بن هشام. قال: حدثنا زياد بن عبد الله عن محمد بن إسحاق، قال: عتبة بن غزوان بن جابر بن وهب بن نسيب بن مالك بن الحارث بن مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، حليف بنى نوفل بن عبد مناف 2) قال: وخطة مجاهد بن جبر، دار صالح صاحب السوق. قال: ثم رجع إلى حديث ابن عفير، قال: واستخلف فى القدمة الثانية عبد الله ابن عمرو. فحدثنا عبد الملك بن مسلمة. وعبد الله بن صالح، قالا: حدثنا الليث ابن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، أن عمرو بن العاص دخل على عمر بن الخطاب وهو على مائدته جاثيا على ركبتيه، وأصحابه كلهم على تلك الحال وليس فى الجفنة فضل لأحد يجلس، فسلم عمرو على عمر فرد عليه السلام. قال «3» عمرو بن العاص؟ قال: نعم. فأدخل عمر يده فى الثريد، فملأها ثريدا، ثم ناولها عمرو بن العاص، فقال: خذ هذا. فجلس عمرو وجعل الثريد فى يده اليسرى ويأكل باليمنى، ووفد أهل مصر ينظرون إليه، فلما خرجوا قال الوفد لعمرو: أى شىء صنعت؟ فقال عمرو: إنه والله لقد علم أنى بما قدمت به من مصر لغنى عن الثريد الذي ناولنى، ولكنه أراد أن يختبرنى، فلو لم أقبلها للقيت منه شرا. حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى قبيل، قال: دخل عمرو بن العاص على عمر بن الخطاب وقد صبغ «1» رأسه ولحيته بسواد، فقال عمر: من أنت؟ قال: أنا عمرو بن العاص. قال «2» عمر: عهدى بك شيخا وأنت اليوم شاب، عزمت عليك إلا ما خرجت فغسلت هذا «3» . حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: قدم عمرو بن العاص من مصر مرة على عمر، فوافاه على المنبر يوم الجمعة، فقال: هذا عمرو بن العاص قد أتاكم، ما ينبغى لعمرو أن يمشى على الأرض إلا أميرا «4» . حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ابن لهيعة عن مشرح بن عاهان، عن عقبة بن عامر، أن عمر رضى الله عنه قال: ما ينبغى لعمرو أن يمشى على الأرض إلا أميرا. قال الليث، وقال عمرو بن العاص: ما كنت بشىء أتجر منى بالحرب.

ذكر وفاة عمرو بن العاص

قال ثم توفى عمرو بن العاص فى سنة ثلاث، وأربعين. حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، قال: توفى عمرو بن العاص سنة ثلاث وأربعين، وفيها أمر عتبة بن أبى سفيان على أهل مصر، وفيها غزا شريك بن سمى لبدة المغرب. قال: حدثنا أسد بن موسى، وعبد الله بن صالح قالا: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، عن ابن شماسة أخبره أن عمرو بن العاص لما حضرته الوفاة دمعت عيناه، فقال عبد الله بن عمرو: يا أبا عبد الله، أجزع من الموت يحملك على هذا؟ قال: لا، ولكن مما بعد الموت، فذكر له عبد الله مواطنه التى كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والفتوح التى كانت بالشأم، فلما فرغ عبد الله من ذلك قال: قد كنت على أطباق ثلاثة، لو مت على بعضهن علمت ما يقول الناس، بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فكنت أكره الناس لما جاء به، أتمنى لو أنى قتلته، فلو مت على ذلك لقال الناس مات عمرو مشركا، عدوا لله ولرسوله، من أهل النار، ثم قذف الله الإسلام فى قلبى، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبسط إلى يده ليبايعنى، فقبضت يدى، ثم قلت: أبايعك على أن يغفر «1» لى ما تقدم من ذنبى، وأنا أظن حينئذ أنى لا أحدث فى الإسلام ذنبا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمرو، إن الإسلام يجب ما قبله من خطيئة، وإن الهجرة تجب ما بينها وبين الإسلام، فلو مت على هذا الطبق لقال الناس، أسلم عمرو وجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نرجو لعمرو عند الله خيرا كثيرا ثم أصبت إمارات وكانت فتن، فأنا مشفق من هذا الطبق. فإذا أخرجتمونى فأسرعوا بى «2» ، ولا تتبعنى مادحة «3» ولا نار، وشدوا على إزارى، فإنى مخاصم، وسنوا على التراب سنا، فإن يمينى ليست بأحق بالتراب من يسارى، ولا تدخلن القبر خشبة ولا طوبة، ثم إذا قبرتمونى فامكثوا عندى قدر نحر جزور وتقطيعها، أستأنس بكم. حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن أبى حبيب، عن سويد بن قيس، عن قيس بن سمى نحوه. قال وقال عمرو: فو الله إنى إن كنت لأشد الناس حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما ملأت عينى منه، ولا راجعته «4» بما أريد حتى لحق بالله حياء منه.

وصية عمرو بن العاص عند موته

حدثنا أسد بن موسى، حدثنا عبد الرحمن بن محمد، عن محمد بن طلحة، عن إسماعيل، أن عمرو بن العاص لما حضره الموت قال: ادعوا لى عبد الله، فقال: يا بنى إذا أنا مت فاغسلنى وترا، واجعل فى آخر ماء تغسلنى به شيئا من كافور، فإذا فرغت فأسرع بى، فإذا أدخلتنى قبرى فسن على التراب سنا، واعلم أنك تتركنى وحيدا خائفا، اللهم لا أعتذر، ولكنى أستغفر، اللهم إنك أمرت بأمور فتركنا، ونهيت فركبنا، فلا برىء فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، ولكن لا اله إلا أنت لا إله إلا أنت،- ثلاث مرات- ثم قبض. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبيه، أن عمرو ابن العاص لما حضرته الوفاة ذرفت «1» عيناه فبكى، فقال له عبد الله: يا أبت، ما كنت أخشى «2» أن ينزل بك أمر الله إلا صبرت عليه، قال له: يا بنى إنه نزل بأبيك خلال ثلاث: أما أولاهن فانقطاع عمله، وأما الثانية فهول المطلع، وأما الثالثة ففراق الأحبة وهى أيسرهن. اللهم أمرت فتوانيت، ونهيت فعصيت، اللهم ومن شيمك «3» العفو والتجاوز. حدثنا وهب الله بن راشد، أخبرنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن حميد ابن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، أن عمرو بن العاص حين حضرته الوفاة قال: أى بنى، إذا مت فكفنى فى ثلاثة أثواب، ثم أزرنى فى أحدهن، ثم شقوا لى الأرض شقا، وسنوا على التراب سنا، فإنى مخاصم، ثم قال: اللهم إنك أمرت بأمور ونهيت عن أمور، فتركنا كثيرا مما أمرت به، ووقعنا فى كثير مما نهيت عنه، اللهم لا إله إلا أنت، فلم يزل يرددها حتى فاظ. حدثنا المقرئ عبد الله بن يزيد، حدثنا حرملة بن عمران التجيبى، حدثنى يزيد بن أبى حبيب، عن أبى فراس مولى عمرو بن العاص، أن عمرا لما حضرته الوفاة قال لابنه عبد الله: إذا مت فاغسلنى وكفنى، وشد على إزارى فإنى مخاصم، فإذا أنت حملتنى فأسرع بى المشى، فإذا أنت وضعتنى فى المصلى وذلك فى يوم عيد فانظر إلى أفواه الطرق فإذا لم يبق أحد، واجتمع الناس، فابدأ فصل على، ثم صل العيد، فإذا وضعتنى فى لحدى فأهيلوا على التراب، فإن شقى الأيمن ليس بأحق بالتراب من شقى الأيسر، فإذا سويتم على فاجلسوا عند قبرى قدر نحر جزور وتقيطعها، أستأنس بكم. فلما تقدم عبد الله بن عمرو ليصلى على أبيه كما حدثنا عبد الغفار ابن داود. وعبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن ربيعة بن لقيط، قال: والله ما أحب أن لى بأبى أبا رجل من العرب، وما أحب أن الله يعلم أن عينى دمعت عليه جزعا، وأن لى حمر النعم، ثم كبر. حدثنا سعيد بن عفير، قال: ودفن بالمقطم من ناحية الفج، وكان طريق الناس يومئذ إلى الحجاز «1» ، فأحب أن يدعو له من مر به، وفى ذلك يقول عبد الله بن الزبير: ألم تر أن الدهر أخنت ريوبه «2» %~% على عمرو السهمى تجبى له مصر فأضحى نبيذا بالعراء وضللت %~% مكائده عنه وأمواله الدثر ولم يغن عنه جمعه واحتياله %~% ولا كيده حتى أتيح له الدهر

ذكر فتح إفريقية

ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره قال: فلما عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر، وأمر عبد الله بن سعد بن أبى سرح، كان يبعث المسلمين فى جرائد الخيل كما كانوا يفعلون «3» فى أيام عمرو، فيصيبون من أطراف إفريقية ويغنمون، فكتب فى ذلك عبد الله بن سعد إلى عثمان، وأخبره بقربهم من حرز المسلمين، ويستأذنه فى غزوها. فندب عثمان الناس لغزوها بعد المشورة منه فى ذلك، فلما اجتمع الناس أمر عليهم عثمان الحارث بن الحكم إلى أن يقدموا على عبد الله بن سعد مصر فيكون إليه الأمر. فخرج عبد الله بن سعد إليها، وكان مستقر سلطان إفريقية يومئذ بمدينة يقال لها قرطاجنة، وكان عليها ملك يقال له جرجير، كان هرقل قد استخلفه، فخلع هرقل وضرب الدنانير على وجهه، وكان سلطانه ما بين أطرابلس إلى طنجة. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، قال: كان هرقل استخلف جرجير فخلعه. قال: ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره قال: فلقيه جرجير فقاتله فقتله الله، وكان الذي ولى قتله فيما يزعمون عبد الله بن الزبير، وهرب جيش «1» جرجير، فبث عبد الله بن سعد السرايا وفرقها، فأصابوا غنائم كثيرة، فلما رأى ذلك رؤساء أهل إفريقية، طلبوا إلى عبد الله بن سعد أن يأخذ منهم مالا على أن يخرج من بلادهم، فقبل منهم ذلك ورجع إلى مصر، ولم يول عليهم أحدا، ولم يتخذ بها قيروانا. فكانت غنائم المسلمين يومئذ كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن أبى الأسود، عن أبى أويس، قال أبو الأسود مولى لنا قال: غزونا مع عبد الله بن سعد إفريقية، فقسم بيننا الغنائم بعد إخراج الخمس، فبلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار، للفرس ألفا دينار، ولفارسه ألف دينار، وللراجل ألف دينار. فقسم لرجل من الجيش توفى بذات الحمام فدفع إلى أهله بعد موته ألف دينار. حدثنا يوسف بن عدى، حدثنا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن عبد الرحمن ابن أبى هلال، عن أبى الأسود، أن أبا أوس مولى لهم قديما حدثه، أن رجلا خرج فى غزوة إفريقية فمات بذات الحمام، فقسم له، فكان سهمه يومئذ ألف دينار. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، عن غير واحد، أن عبد الله ابن سعد غزا إفريقية وقتل جرجير، فأصاب الفارس يومئذ ثلاثة آلاف دينار، والراجل ألف دينار. قال غير الليث من مشايخ أهل مصر: فى كل دينار دينار وربع. قال: ثم رجع الى حديث عثمان بن صالح وغيره قال: فكان جيش عبد الله ابن سعد ذلك عشرين ألفا. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، قال: كانت مهرة فى غزوة عبد الله ابن سعد وحدهم ستمائة رجل. وغنث من الأزد سبعمائة رجل. وميدعان سبعمائة، وميدعان من الأزد. وكان على مقاسمها كما حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن أزهر بن يزيد الغطيفى، شريك بن سمى، فباع ابن زرارة المدينى تبرا بذهب، بعضه أفضل من بعض، ثم لقيه المقداد بن الأسود فذكر ذلك له، فقال المقداد: إن هذا لا يصلح. فقال له ابن زرارة: فضلها لك هبة. قال شريك: ما أحب أن لى ما تحوز «1» وإنى أرجع به. وكانت ابنة جرجير كما حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، وسعيد بن عفير، قد صارت لرجل من الأنصار فى سهمه، فأقبل بها منصرفا قد حملها على بعير له، فجعل يرتجز: يا بنة جرجير تمشى عقبتك %~% إن عليك بالحجاز ربتك لتحملن من قباء قربتك قالت: ما يقول هذا الكلب؟ فأخبرت بذلك فألقت نفسها عن البعير الذي كانت عليه، فدقت عنقها فماتت. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، أن عبد الله بن سعد هو الذي فتح إفريقية، ونقل «2» هو الذي افترع إفريقية، وأنه كان يوضع بين يديه الكوم من الورق فيقال للأفارقة من أين لكم هذا؟ قال: فجعل إنسان منهم يدور كالذى يلتمس الشيء حتى وجد زيتونة فجاء بها إليه، فقال: من هذا نصيب الورق. قال: وكيف؟ قال: إن الروم ليس عندهم زيتون، فكانوا يأتونا فيشترون منا الزيت فنأخذ هذا الورق منهم. وإنما سموا الأفارقة فيما حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة وغيره، أنهم من ولد فارق بن بيصر، وكان فارق قد حاز لنفسه من الأرض ما بين برقة إلى إفريقية، فبالأفارقة سميت إفريقية. حدثنا أبى عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا بكر بن مضر، عن يزيد بن أبى حبيب، عن قيس بن أبى يزيد، عن الجلاس بن عامر، عن عبد الله بن أبى ربيعة، قال: صلى عبد الله بن سعد للناس بإفريقية المغرب، فلما صلى ركعتين سمع جلبة فى المسجد فراعهم ذلك، وظنوا أنهم العدو، فقطع الصلاة، فلما لم ير شيئا خطب الناس ثم قال: إن هذه الصلاة اختضرت «3» ، ثم أمر مؤذنه فأقام الصلاة ثم أعادها. قال: وبعث عبد الله بن سعد، كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة بالفتح عقبة بن نافع. ويقال بل عبد الله بن الزبير، وذلك أصح. وسار- زعموا عبد الله بن الزبير- على راحلته إلى المدينة من إفريقية عشرين ليلة. حدثنا سعيد بن عفير، حدثنى المنذر بن عبد الله الحزامى، عن هشام بن عروة، أن عبد الله بن سعد بعث عبد الله بن الزبير بفتح إفريقية، فدخل على عثمان فجعل يخبره بلقائهم العدو وما كان فى تلك الغزوة، فأعجب عثمان فقال له: هل تستطيع أن تخبر الناس بمثل هذا؟ قال: نعم. فأخذ بيده حتى انتهى به إلى المنبر ثم قال له: اقصص عليهم ما «1» أخبرتنى. فتلكأ عبد الله بدئا، فأخذ الزبير قبضة حصباء وهم أن يحصبه بها؛ ثم تكلم كلاما أعجبهم، فكان الزبير يقول: إذا أراد أحدكم أن يتزوج المرأة، فلينظر إلى أبيها وأخيها، فلن يلبث أن يرى ربيطة منها ببابه، لما كان يرى من شبه عبد الله بن الزبير بأبى بكر. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، قال: بعث عبد الله بن سعد عبد الله بن الزبير وكان فى الجيش بالفتح، فقدم على عثمان بن عفان، فبدأ به قبل أن يأتى أباه الزبير بن العوام، فخرج عثمان إلى المسجد ومعه ابن الزبير، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر الذي» أبلى الله المسلمين على يدى عبد الله ابن سعد، ثم قال: قم يا عبد الله بن الزبير فحدث الناس بالذى شهدت. قال الزبير: فوجدت فى نفسى على عثمان، وقلت: يقيم غلاما من الغلمان لا يبلغ الذي يحق عليه، والذي يجمل به، فقام فتكلم فأبلغ وأصاب، فما فرغ حتى ملأهم عجبا. ثم نزل عثمان وقام عبد الله بن الزبير إلى أبيه، فأخذ أبوه بيده، وقال: إذا أردت أن تتزوج امرأة فانظر إلى أبيها وأخيها قبل أن تتزوجها، كأنه يشبهه ببلاغة أبى بكر الصديق جده. قال وحدثنيه ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، وقد قيل إن عبد الله بن سعد قد كان وجه مروان بن الحكم إلى عثمان من إفريقية، فلا أدرى أفى الفتح أم بعده «3» ، والله أعلم. حدثنا عبد الله بن معشر الأيلى: أن مروان بن الحكم أقبل من إفريقية، أرسله عبد الله بن سعد، ووجه معه رجلا من العرب من لخم أو جذام- شك عبد الرحمن قال: فسرنا حتى إذا كنا ببعض الطريق قرب الليل، فقال لى صاحبى: هل لك إلى صديق لى هاهنا؟ قلت: ما شئت. قال: فعدل بى عن الطريق حتى أتى إلى دير، واذا سلسلة معلقة، فأخذ السلسلة، فحركها، وكان أعلم منى، فأشرف علينا رجل، فلما رآنا فتح الباب، فدخلنا، فلم يتكلم حتى طرح لى فراشا ولصاحبى فراشا، ثم أقبل على صاحبى يكلمه بلسانه، فراطنه حتى سؤت ظنا، ثم أقبل على، فقال: أي شىء قرابتك من خليفتهم؟ قلت: ابن عمه. قال: هل أحد «1» أقرب إليه منك؟ قلت: لا، إلا أن يكون ولده. قال: صاحب الأرض المقدسة أنت؟ قلت: لا. قال: فإن استطعت أن تكون هو فافعل؛ ثم قال: أريد أن أخبرك بشىء وأخاف أن تضعف عنه. قال: قلت: ألى تقول هذا؟ وأنا أنا. ثم أقبل على صاحبى فراطنه «2» ، ثم أقبل على فساءلنى «3» عن مثل ذلك، وأجبته بمثل جوابى، فقال: إن صاحبك مقتول، وإنا نجد أنه يلى هذا الأمر من بعده صاحب الأرض المقدسة، فإن استطعت أن تكون ذلك فافعل، فأصابتنى لذلك وجمة. فقال لى: قد قلت لك إنى أخاف ضعفك عنه. فقلت: وما لى لا يصيبنى، أو كما قال، وقد نعيت إلى سيد المسلمين وأمير المؤمنين. قال: ثم قدمت المدينة فأقمت شهرا لا أذكر لعثمان من ذلك شيئا، ثم دخلت عليه وهو فى منزل له على سرير، وفى يده مروحة، فحدثته بذلك؛ فلما انتهيت إلى ذكر القتل بكيت وأمسكت. فقال لى عثمان: تحدث، لا تحدثت. فحدثته، فأخذ بطرف المروحة يعضها أحسبه، قال عبد الرحمن: واستلقى على ظهره، وأخذ بطرف عقبه يعركه، حتى ندمت على إخبارى إياه، ثم قال لى: صدق وسأخبرك عن ذلك، لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، أعطى أصحابه سهما، وأعطانى سهمين، فظننت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أعطانى ذلك لما كان من نفقتى فى تبوك، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنك أعطيتنى سهمين، وأعطيت أصحابى سهما سهما، فظننت أن ذلك لما كان من نفقتى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا. ولكن أحببت أن يرى الناس مكانك منى أو منزلتك منى، فأدبرت فلحقنى عبد الرحمن بن عوف فقال: ماذا قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ما زال يتبعك بصره. فظننت أن قولى قد خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمهلت حتى إذا خرج إلى الصلاة أتيته فقلت: يا رسول الله، إن عبد الرحمن بن عوف أخبرنى بكذا وكذا، وأنا أتوب إلى الله، أو كما قال. فقال: لا، ولكنك مقتول، أو قاتل، فكن المقتول، والله أعلم. قال: عبد الرحمن: «1» وكان فتح إفريقية كما حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث بن سعد، سنة سبع وعشرين. وفى تلك السنة كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن مالك بن أنس، توفيت حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم.

ذكر النوبة

قال: عبد الرحمن «2» : غزا عبد الله بن سعد الأساود، وهم النوبة، كما حدثنا يحيى ابن عبد الله بن بكير سنة إحدى وثلاثين. وحدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: كان عبد الله بن سعد بن أبى سرح عامل عثمان على مصر، فى سنة إحدى وثلاثين، فقاتله النوبة. قال ابن لهيعة: وحدثنى الحارث بن يزيد، قال: اقتتلوا قتالا شديدا، وأصيبت يومئذ عين معاوية بن حديج وأبى شمر بن أبرهة، وحيويل بن ناشرة، فيومئذ سموا رماة الحدق، فهادنهم عبد الله بن سعد إذ لم يطقهم. وقال الشاعر: لم تر عينى مثل يوم دمقله %~% والنخيل تعدو بالدروع «3» مثقله قال ابن أبى حبيب فى حديثه: وإن عبد الله صالحهم على هدنة بينهم، على أنهم لا يغزونهم، ولا يغزوا النوبة المسلمين، وأن النوبة يؤدون كل سنة إلى المسلمين كذا وكذا رأسا من السبى، وأن المسلمين يؤدون إليهم من القمح كذا وكذا، ومن العدس كذا وكذا، فى كل سنة. قال ابن أبى حبيب: وليس بينهم وبين أهل مصر عهد ولا ميثاق، إنما هى هدنة أمان بعضنا من بعض. قال ابن لهيعة: ولا بأس أن يشترى رقيقهم منهم ومن غيرهم. وكان أبو حبيب أبو يزيد بن أبى حبيب- واسمه سويد- منهم. حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ابن لهيعة، قال: سمعت يزيد بن أبى حبيب، يقول: أبى من سبى دمقلة مولى لرجل «1» من بنى عامر من أهل المدينة يقال له شريك ابن طفيل. قال: وكان الذي صولح عليه النوبة كما ذكر بعض مشايخ أهل مصر، على ثلاثمائة رأس وستين رأسا فى كل سنة، ويقال بل على أربعمائة رأس فى كل سنة. منها لفىء المسلمين ثلاثمائة رأس وستون رأسا، ولوالى البلد أربعون رأسا. قال فزعم بعض المشايخ أن منها سبعة عشر مرضعا «2» . ثم انصرف عبد الله ابن سعد عنهم. ويقال فيما ذكر بعض المشايخ المتقدمين، أنه نظر فى بعض الدواوين بالفسطاط، وقرأه قبل أن ينخرق «3» ، فإذا هو يحفظ منه: إنا عاهدناكم وعاقدناكم أن توفونا فى كل سنة ثلاثمائة رأس وستين رأسا وتدخلوا بلادنا مجتازين غير مقيمين، وكذلك ندخل بلادكم، على أنكم إن قتلتم من المسلمين قتيلا فقد برئت منكم الهدنة، وعلى إن آويتم للمسلمين عبدا فقد برئت منكم الهدنة، وعليكم رد أباق المسلمين، ومن لجأ إليكم من أهل الذمة. قال: وزعم غيره من المشايخ أنه لا سنة للنوبة على المسلمين، وأنهم أول عام بعثوا بالبقط أهدوا لعمرو بن العاص أربعين رأسا، فكره أن يقبل منهم، فرد ذلك على عظيم من عظماء القبط يقال له نستقوس، وهو القيم لهم فيها، فباع ذلك، واشترى لهم جهازا، فاحتجوا بذلك أن عمرا بعث إليهم القمح والخل «4» وذلك أنهم زجروا عن القمح والخيل، فكشفوا ذلك فى الزمان الأول فأصيبوا. هذه قصتهم. ثم رجع الحديث. فتجمع له فى انصرافه على شاطىء النيل البجة، فسأل عنهم فأخبر بمكانهم «1» ، فهان عليه «2» أمرهم، فنفذ وتركه، ولم يكن لهم عقد ولا صلح؛ وأول من صالحهم عبيد الله بن الحبحاب. ويزعم بعض المشايخ أنه قرأ كتاب ابن الحبحاب فإذا فيه: ثلاثمائة بكر فى كل عام حتى ينزلوا الريف مجتازين تجارا غير مقيمين، على ألا يقتلوا مسلما ولا ذميا، فإن قتلوه فلا عهد لهم ولا يؤوا عبيد المسلمين، وأن يردوا أباقهم إذا وقعوا؛ وقد عهدت هذا فى أيامهم يؤخذون به؛ ولكل شاة أخذها بجاوى فعليه أربعة دنانير، والبقرة عشرة، وكان وكيلهم مقيما بالريف رهينة بيد المسلمين.

ذكر ذى الصوارى

قال عبد الرحمن «3» : ثم غزا عبد الله بن سعد بن أبى سرح كما حدثنا يحيى ابن عبد الله بن بكير، عن الليث بن سعد، ذات الصوارى فى سنة أربع وثلاثين. وكان من حديث هذه الغزوة كما حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث ابن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، أن عبد الله بن سعد لما نزل ذات الصوارى أنزل نصف الناس مع بسر بن أبى أرطاة سرية فى البر، فلما مضوا أتى آت إلى عبد الله ابن سعد، فقال: ما كنت فاعلا حين ينزل بك هرقل فى ألف مركب فافعله الساعة. قال غير الليث: إنما هو ابن هرقل لأن هرقل مات فى سنة تسع عشرة والمسلمون محاصرون الإسكندرية. ثم رجع إلى حديث الليث عن يزيد بن أبى حبيب، قال: وإنما مراكب المسلمين يومئذ مائتا مركب ونيف فقام عبد الله بن سعد بين ظهرانى الناس فقال: قد بلغنى أن هرقل قد أقبل إليكم فى ألف مركب، فأشيروا على؛ فما كلمه رجل من المسلمين، فجلس قليلا لترجع إليهم أفئدتهم، ثم قام الثانية فكلمهم، فما كلمه أحد، فجلس، ثم قام الثالثة، فقال: إنه لا يبق شىء، فأشيروا على. فقام رجل من أهل المدينة كان متطوعا مع عبد الله بن سعد فقال: أيها الأمير إن الله جل ثناؤه يقول كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين «1» فقال عبد الله: اركبوا باسم الله، فركبوا، وإنما فى كل مركب نصف شحنته، قد خرج النصف الآخر الى البر مع بسر، فلقوهم، فاقتتلوا بالنبل والنشاب، وتأخر هرقل لئلا تصيبه الهزيمة، وجعلت القوارب تختلف إليه بالأخبار، فقال: ما فعلوا؟ قالوا: قد اقتتلوا بالنبل «2» والنشاب. فقال: غلبت الروم، ثم أتوه، فقال: ما فعلوا؟ (3 قالوا: قد نفد النبل والنشاب، فهم يرتمون بالحجارة. قال: غلبت الروم. ثم أتوه، فقال: ما فعلوا؟ 3) قالوا قد نفدت الحجارة، وربطوا المراكب بعضها ببعض، يقتتلون بالسيوف. قال: غلبت الروم. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: وكانت السفن إذ ذاك «4» تقرن بالسلاسل عند القتال. فقال: فقرن مركب عبد الله يومئذ وهو الأمير بمركب من مركب العدو، فكاد مركب العدو يجتر مركب عبد الله إليهم، فقام علقمة بن يزيد الغطيفى، وكان مع عبد الله بن سعد فى المركب، فضرب السلسلة بسيفه فقطعها. فسأل عبد الله امرأته بعد ذلك بسيسة ابنة حمزة بن ليشرح، وكانت مع عبد الله يومئذ، وكان الناس يغزون بنسائهم فى المراكب، من رأيت أشد قتالا؟ قالت: علقمة صاحب السلسلة. وكان عبد الله قد خطب بسيسة إلى أبيها، فقال له: إن علقمة قد خطبها وله على فيها وأى، وإن يتركها أفعل «5» ، فكلم عبد الله علقمة فتركها، فتزوجها عبد الله بن سعد، ثم هلك عنها عبد الله، فتزوجها بعده علقمة بن يزيد، ثم هلك عنها علقمة، فتزوجها بعده كريب بن أبرهة، وماتت تحته فى السنة التى قتل فيها مروان الأكدر بن حمام. قال غير ابن لهيعة قتل مروان الأكدر بن حمام فى اليوم الذي ماتت فيه بسيسة، فجاء الخبر إلى كريب بذلك، فقال: حتى أفرغ من دفن هذه الجنازة، فلم ينصرف حتى قتل، فلام الناس يومئذ كريب بن أبرهة. وللأكدر بن حمام وقتله حديث أطول من هذا. (* قال غير ابن لهيعة: مشت الروم إلى قسطنطين بن هرقل فى سنة خمس وثلاثين فقالوا تترك الإسكندرية فى أيدى العرب وهى مدينتنا الكبرى! فقال: ما أصنع بكم ما تقدرون أن تمالكوا ساعة إذا لقيتم العرب، قالوا: فاخرج على أنا نموت. فتبايعوا على ذلك، فخرج فى ألف مركب يريد الإسكندرية، فسار فى أيام غالبة «1» من الريح، فبعث الله عليهم ريحا فغرقتهم إلا قسطنطين نجا بمركبه، فألقته الريح بسقلية، فسألوه عن أمره، فأخبرهم «2» ، فقالوا: شمت «3» النصرانية وأفنيت رجالها، لو دخل العرب علينا لم نجد «4» من يردهم. فقال خرجنا مقتدرين فأصابنا هذا، فصنعوا له الحمام، ودخلوا عليه، فقال ويلكم، تذهب رجالكم وتقتلون ملككم. قالوا: كأنه غرق معهم. ثم قتلوه، وخلوا من كان معه فى المراكب*) .

ذكر رابطة الإسكندرية

(* حدثنا عثمان بن صالح، حدثنا ابن بهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب وعبد الله ابن هبيرة، يزيد أحدهما على صاحبه، قال: لما استقامت البلاد، وفتح الله على المسلمين الإسكندرية قطع عمرو بن العاص من أصحابه لرباط الإسكندرية ربع الناس خاصة، الربع يقيمون ستة أشهر، ثم يعقبهم «5» شاتية ستة أشهر، ربع «6» فى السواحل، والنصف الثانى مقيمون معه. قال غيرهما: وكان عمر بن الخطاب يبعث فى كل سنة غازية من أهل المدينة ترابط بالاسكندرية، وكاتب «7» الولاة، لا تغفلها وتكثف رابطتها، ولا تأمن الروم عليها. وكتب عثمان إلى عبد الله بن سعد، قد علمت كيف كان هم أمير المؤمنين بالإسكندرية، وقد نقضت الروم مرتين، فألزم الإسكندرية رابطتها، ثم أجر عليهم أرزاقهم، وأعقب بينهم فى كل ستة أشهر. حدثنا طلق بن السمح، حدثنا ضمام بن إسماعيل المعافرى، حدثنا أبو قبيل، أن عتبة بن أبى سفيان عقد لعلقمة بن يزيد الغطيفى على الإسكندرية، وبعث معه اثنى عشر ألفا، فكتب علقمة إلى معاوية يشكو عتبة حين غرر به وبمن معه. فكتب إليه معاوية: إنى قد أمددتك بعشرة آلاف من أهل الشام، وبخمسة آلاف من أهل المدينة، فكان فيها سبعة وعشرون ألفا*) . حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، أن علقمة بن يزيد كان على الإسكندرية ومعه اثنا عشر ألفا، فكتب إلى معاوية: إنك خلفتنى بالإسكندرية وليس معى إلا اثنا عشر ألفا، ما يكاد بعضنا يرى بعضا من القلة، فكتب إليه معاوية: إنى قد أمددتك بعبد الله بن مطيع فى أربعة آلاف من أهل المدينة، وأمرت معن بن يزيد السلمى أن يكون بالرملة فى أربعة آلاف ممسكين بأعنة خيولهم، متى يبلغهم عنك فزع يعبروا إليك. قال ابن لهيعة: وكان عمرو بن العاص يقول: ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة.

ذكر من كان يخرج على غزو المغرب بعد عمرو ابن العاص وفتوحه

## $ معاوية بن حديج. قال: ثم خرج إلى المغرب بعد عبد الله بن سعد معاوية بن حديج التجيبى سنة أربع وثلاثين، وكان معه فى جيشه عامئذ عبد الملك بن مروان، فافتتح قصورا، وغنم غنائم عظيمة «1» ، واتخذ قيروانا عند القرن، فلم يزل فيه حتى خرج إلى مصر، وكان معه فى غزاته هذه جماعة من المهاجرين والأنصار. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة. وحدثنا يوسف بن عدى، حدثنا عبد الله بن المبارك، نحوه عن ابن لهيعة، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، قال: غزونا إفريقية مع ابن حديج ومعنا من المهاجرين والأنصار بشر كثير، فنفلنا ابن حديج النصف بعد الخمس، فلم أر احدا أنكر ذلك إلا جبلة بن عمرو الأنصارى. وحدثنا يوسف بن عدى، حدثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبى عمران، قال: وسألت سليمان بن يسار عن النفل فى الغزو، فقال: لم أر أحدا صنعه غير ابن حديج، نفلنا إفريقية النصف بعد الخمس، ومعنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين الأولين ناس كثير، فأبى جبلة بن عمرو الأنصارى أن يأخذ منه شيئا. ثم رجع إلى حديث عثمان بن صالح وغيره، قال: فانتهى إلى قونية، وهى موضع مدينة قيروان «1» ، ثم مضى إلى جبل يقال له القرن، يعسكر «2» إلى جانبه، وبعث عبد الملك بن مروان إلى مدينة يقال لها جلولاء فى ألف رجل، فحاصرها أياما، فلم يصنع شيئا فانصرف راجعا، فلم يسر إلا يسيرا» حتى رأى فى ساقة الناس غبارا شديدا، فظن أن العدو قد طلبهم، فكر جماعة من الناس لذلك، وبقى من على مصافهم، وتسرع سرعان الناس، فإذا مدينة جلولاء قد رقع حائطها، فدخلها المسلمون، وغنموا ما فيها؛ وانصرف عبد الملك إلى معاوية بن حديج. فاختلف الناس فى الغنيمة، فكتب فى ذلك إلى معاوية بن أبى سفيان فكتب، إن العسكر ردء للسرية، فقسم ذلك بينهم، فأصاب كل رجل منهم لنفسه مائتى دينار، وضرب للفرس بسهمين، ولصاحبه بسهم، قال عبد الملك: فأخذت لفرسى ولنفسى ستمائة دينار، واشتريت بها جارية. قال: ويقال بل غزاها معاوية بن حديج بنفسه، فحاصرهم فلم يقدر عليهم، فانصرف آيسا منها، وقد جرح عامة أصحابه، وقتل منهم، ففتحها الله بعد انصرافه بغير خيل ولا رجال، فرجع إليها ومن معه، وفيها السبى لم يردهم أحد، فغنموا، وانصرف منها راجعا إلى مصر. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، قال: غزا معاوية بن حديج إفريقية ثلاث غزوات. أما الأولى فسنة أربع وثلاثين قبل قتل عثمان، وأعطى عثمان مروان الخمس فى تلك الغزوة، وهى غزوة لا يعرفها كثير من الناس؛ والثانية سنة أربعين؛ والثالثة سنة خمسين. ## $ عقبة بن نافع. قال ثم خرج «1» إلى المغرب بعد معاوية بن حديج عقبة بن نافع الفهرى سنة ست وأربعين، ومعه بسر بن أبى أرطاة، وشريك بن سمى المرادى، فأقبل حتى منزل بمغمداش من سرت. وكان توجه بسر إليها. كما حدثنا يحيى بن عبد الله ابن بكير، عن الليث بن سعد سنة ست وعشرين من سرت. فأدركه الشتاء، وكان مضعفا، وبلغة أن أهل ودان قد نقضوا عهدهم، ومنعوا ما كان بسر بن أبى أرطاة فرض عليهم. وكان عمرو بن العاص قد بعث إليها بسرا قبل ذلك وهو محاصر لأهل أطرابلس، فافتتحها. فخلف عقبة بن نافع جيشه هنالك، واستخلف عليهم عمر بن على القرشى، وزهير بن قيس البلوى، ثم سار بنفسه وبمن «2» خف معه أربعمائة فارس وأربعمائة بعير، وثمانمائة قربة حتى قدم ودان فافتتحها، وأخذ ملكهم، فجدع أذنه. فقال: لم فعلت هذا بى وقد عاهدتنى؟ فقال عقبة: فعلت هذا بك أدبا لك، إذا مسست أذنك ذكرته، فلم تحارب العرب. واستخرج منهم ما كان بسر فرضه عليهم، ثلاثمائة رأس وستين رأسا. ثم سألهم عقبة: هل من ورائكم أحد؟ فقيل له: جرمة. وهى مدينة فزان العظمى، فسار إليها ثمانى ليال من ودان، فلما دنا منها أرسل، فدعاهم إلى الإسلام، فأجابوا، فنزل منها على ستة أميال، وخرج ملكهم يريد عقبة، وأرسل عقبة خيلا فحالت بين ملكهم وبين موكبه، فأمشوه راجلا حتى أتى عقبة وقد لغب، وكان ناعما، فجعل يبصق الدم، فقال له: لم فعلت هذا بى وقد أتيتك طائعا؟ فقال عقبة: أدبا لك إذا ذكرته لم تحارب العرب. وفرض عليه «3» ثلاثمائة عبد وستين عبدا. ووجه عقبة الرحل «4» من يومه ذلك إلى المشرق. ثم مضى على جهته من فوره ذلك إلى قصور فزان، فافتتحها قصرا قصرا، حتى انتهى إلى أقصاها فسألهم: هل من ورائكم أحد؟ قالوا: نعم، أهل خاوار، وهو قصر عظيم على رأس المفازة فى وعورة على ظهر جبل، وهو قصبة كوار. فسار إليهم خمس عشرة ليلة، فلما انتهى «1» تحصنوا، فحاصرهم شهرا، فلم يستطع لهم شيئا. فمضى أمامه على قصور كوار فافتتحها، حتى انتهى إلى أقصاها، وفيه ملكها، فأخذه فقطع إصبعه، فقال: لم فعلت هذا بى؟ قال: أدبا لك، إذا أنت نظرت إلى إصبعك لم تحارب العرب. وفرض عليه ثلاثمائة عبد وستين عبدا. فسألهم: هل من ورائكم أحد؟ فقال الدليل: ليس عندى بذلك معرفة ولا دلالة، فانصرف عقبة راجعا، فمر بقصر خاوار، فلم يعرض له، ولم ينزل بهم، وسار ثلاثة أيام، فأمنوا وفتحوا مدينتهم، وأقام عقبة بمكان اسمه اليوم ماء فرس، ولم يكن به ماء، فأصابهم عطش شديد، أشفى منه عقبة وأصحابه على الموت، فصلى عقبة ركعتين، ودعا الله. وجعل فرس عقبة يبحث بيديه فى الأرض حتى كشف عن صفاة، فانفجر منها الماء، فجعل الفرس يمص ذلك الماء، فأبصره عقبة، فنادى فى الناس، أن احتفروا؛ فحفروا سبعين حسيا فشربوا، واستقوا، فسمى لذلك ماء فرس. ثم رجع عقبة إلى خاوار من غير طريقه التى كان أقبل منها، فلم يشعروا به حتى طرقهم ليلا، فوجدهم مطمئنين قد تمهدوا فى أسرابهم، فاستباح ما فى المدينة من ذرياتهم «2» وأموالهم، وقتل مقاتلتهم. ثم انصرف راجعا فسار حتى نزل بموضع زويلة اليوم، ثم ارتحل حتى قدم على عسكره بعد خمسة أشهر، وقد جمت خيولهم وظهرهم «3» ، فسار متوجها إلى المغرب وجانب الطريق الأعظم، وأخذ إلى أرض مزاتة، فافتتح كل قصر بها، ثم مضى إلى صفر «4» فافتتح قلاعها وقصورها، ثم بعث خيلا إلى غدامس، فافتتحت غدامس؛ فلما انصرفت إليه خيله سار إلى قفصة فافتتحها وافتتح قصطيلية. ثم انصرف إلى القيروان، فلم يعجب بالقيروان الذي كان معاوية بن حديج بناه قبله، فركب والناس معه حتى أتى موضع القيروان اليوم، وكان واديا كثير الشجر كثير القطف، تأوى إليه الوحوش والسباع والهوام، ثم نادى بأعلى صوته: يا أهل الوادى، ارتحلوا رحمكم الله. فإنا نازلون؛ نادى بذلك ثلاثة أيام، فلم يبق من السباع شىء ولا الوحوش والهوام إلا خرج، وأمر الناس بالتنقية والخطط، ونقل الناس من الموضع الذي كان معاوية بن حديج نزله إلى القيروان اليوم، وركز رمحه وقال: هذا قيروانكم. (* حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، أن عقبة بن نافع غزا إفريقية، فأتى وادى القيروان، فبات عليه هو وأصحابه حتى إذا أصبح وقف على رأس الوادى، فقال: يا أهل الوادى، اظعنوا، فإنا نازلون. قال ذلك ثلاث مرات، فجعلت الحيات تنساب والعقارب وغيرها مما لا يعرف من الدواب، تخرج ذاهبة، وهم قيام ينظرون إليها من حين أصبحوا حتى أوجعتهم الشمس، وحتى لم يروا منها شيئا، فنزلوا الوادى عند ذلك. قال الليث: فحدثنى زياد بن العجلان، أن أهل إفريقية أقاموا بعد ذلك أربعين سنة، ولو التمست حية أو عقرب بألف دينار ما وجدت*) . ## $ أبو المهاجر. قال: ثم عزل عقبة بن نافع فى سنة إحدى وخمسين «1» ، عزله مسلمة ابن مخلد الأنصارى، وهو يومئذ والى البلد من قبل معاوية بن أبى سفيان، ومسلمة بن مخلد أول من جمعت له مصر والمغرب. وكانت ولاية مسلمة بن مخلد كما حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، سنة سبع وأربعين، وولى أبا المهاجر دينارا مولى الأنصار، وأوصاه «2» حين ولاه أن يعزل عقبة أحسن العزل، فخالفه أبو المهاجر، فأساء عزله وسجنه، وأوقره حديدا حتى «3» أتاه الكتاب من الخليفة بتخلية سبيله وإشخاصه إليه، فخرج عقبة حتى أتى قصر الماء، فصلى، ثم دعا، وقال: اللهم لا تمتنى حتى تمكنى من أبى المهاجر دينار بن أم دينار «1» ، فبلغ ذلك أبا المهاجر، فلم يزل خائفا منذ بلغته دعوته، فلما قدم عقبة مصر ركب إليه مسلمة بن مخلد، فأقسم له بالله لقد خالفه ما صنع أبو المهاجر، ولقد أوصيته بك خاصة. وقد كان قيل لمسلمة: لو أقررت عقبة فإن له جزالة «2» وفضلا، فقال مسلمة: إن أبا المهاجر صبر علينا فى غير ولاية ولا كبير نيل، فنحن نحب أن نكافئه. فلما قدم أبو المهاجر إفريقية كره أن ينزل فى الموضع الذي اختطه عقبة بن نافع، ومضى حتى خلفه بميلين، فابتنى ونزل. وكان الناس قبل أبى المهاجر كما حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة. وأحمد بن عمرو، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، يغزون إفريقية ثم يقفلون منها إلى الفسطاط، وأول من أقام بها حين غزاها أبو المهاجر مولى الأنصار، أقام بها الشتاء والصيف، واتخذها منزلا، وكان مسلمة بن مخلد الذي عقد له على الجيش الذين خرجوا معه إليها، فلم يزالوا بها حتى قتل ابن الزبير، فخرجوا منها. ثم قدم عقبة على معاوية بن أبى سفيان فقال له: فتحت البلاد وبنيت المنازل ومسجد الجماعة، ودانت لى «3» ، ثم أرسلت عبد الأنصار فأساء عزلى. فاعتذر إليه معاوية وقال: قد عرفت مكان مسلمة بن مخلد من الإمام المظلوم، وتقديمه إياه، وقيامه بدمه، وبذل «4» مهجته، وقد رددتك على عملك. ويقال: إن معاوية ليس هو الذي رد عقبة بن نافع، ولكنه قدم على يزيد بن معاوية بعد موت أبيه، فرده واليا على إفريقية، وذلك أصح لأن معاوية توفى سنة ستين. حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث بن سعد، قال: توفى معاوية بن أبى سفيان سنة ستين. ## $ مقتل عقبه بن نافع: ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره، قال: فخرج عقبة ابن نافع سريعا بحنقه على أبى المهاجر حتى قدم إفريقية «1» ، فأوثق أبا المهاجر فى وثاق شديد، وأساء عزله، وغزا به معه إلى السوس، وهو فى حديد. وأهل السوس بطن من البربر، يقال لهم أنبية، فجول فى بلادهم، لا يعرض له أحد ولا يقاتله، فانصرف إلى إفريقية، فلما دنا من ثغرها أمر أصحابه، فافترقوا عنه، وأذن لهم حتى بقى فى قلة، فأخذ على مكان يقال له تهوذة، فعرض له «2» كسيلة بن لمزم فى جمع كثير من الروم والبربر، وقد كان بلغه افتراق الناس عن عقبة، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل عقبة ومن كان معه، وقتل أبو المهاجر وهو موثق فى الحديد، ثم سار كسيلة ومن معه حتى نزلوا الموضع الذي كان عقبة اختطه، فأقام به، وقهر من قرب منه، باب قابس وما «3» يليه، وجعل يبعث أصحابه فى كل وجه. ويقال: بل خرج عقبة بن نافع إلى السوس، واستخلف على القيروان عمر بن على القرشى وزهير بن قيس البلوى، وكانت إفريقية يومئذ تدعى مزاق، فتقدم عقبة إلى السوس، وخالفه رجل من العجم فى ثلاثين ألفا إلى عمر بن على وزهير بن قيس، وهما فى ستة آلاف، فهزمه الله. وخرج ابن الكاهنة البربرى على إثر عقبة، كلما رحل عقبة من منهل دفنه ابن الكاهنة «4» ، فلم يزل كذلك حتى انتهى عقبة إلى السوس، ولا يشعر بما صنع البربرى، فلما انتهى عقبة إلى البحر «5» أقحم فرسه فيه حتى بلغ نحره، ثم قال: اللهم إنى أشهدك «6» ألا «7» مجاز، ولو وجدت مجازا لجزت. وانصرف راجعا والمياه قد عورت، وتعاونت عليه البربر، فلم يزل يقاتل «8» ، وأبو المهاجر معه فى الحديد؛ فلما استحر الأمر أمر عقبة بفتح الحديد عنه، فأبى أبو المهاجر، وقال: ألقى الله فى حديدى؛ فقتل عقبة وأبو المهاجر ومن معهما. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد أن عقبة بن نافع قدم من عند يزيد بن معاوية فى جيش على غزو المغرب، فمر على عبد الله بن عمرو، وهو بمصر، فقال له عبد الله: يا عقبة، لعلك من الجيش الذين يدخلون الجنة برحالهم، فمضى بجيشه حتى قاتل البربر، وهم كفار، فقتلوا جميعا. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن لهيعة، عن بحير «1» بن ذاخر المعافرى، قال: كنت عند عبد الله بن عمرو بن العاص حين دخل عليه عقبة بن نافع بن عبد القيس الفهرى، فقال: ما أقدمك يا عقبة؟ فإنى أعلمك تحب الإمارة. قال: فإن أمير المؤمنين يزيد عقد لى «2» على جيش إلى إفريقية. فقال له عبد الله بن عمرو: إياك أن تكون لعنة أرامل أهل مصر، فإنى لم أزل أسمع أنه سيخرج رجل من قريش فى هذا الوجه، فيهلك فيه. فقدم إفريقية، فيتبع «3» آثار أبى المهاجر وضيق عليه وحدده، ثم خرج إلى قتال البربر، وهم خمسة آلاف رجل من أهل مصر، وخرج بأبى المهاجر معه فى الحديد، فقتل، وقتل أصحابه، وقتل أبو المهاجر معهم. وكان مقتل عقبة بن نافع وأصحابه كما حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد فى سنة ثلاث وستين. قال: ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره، قال: ثم زحف ابن الكاهنة إلى القيروان يريد عمر بن على وزهير بن قيس، فقاتلاه قتالا شديدا، فهزم ابن الكاهنة وقتل أصحابه، وخرج عمر بن على وزهير بن قيس إلى مصر بالجيش لاجتماع ملأ البربر، وأقام ضعفاء أصحابهما ومن كان خرج معهما من موالى إفريقية بأطرابلس. ويقال إن عبد العزيز بن مروان لما ولى مصر كتب إلى زهير بن قيس، وزهير يومئذ ببرقة، يأمره بغزو إفريقية، فخرج فى جمع كثير، فلما دنا من قونية وبها عسكر كسيلة ابن لمزم عبأ زهير لقتاله، فخرج إليه، فاقتتلا، فقتل كسيلة ومن معه، ثم انصرف زهير قافلا إلى برقة. ويقال بل حسان بن النعمان الذي كان وجه زهير بن قيس والله أعلم. وكان مقتل كسيلة كما حدثنا يحيى بن بكير عن الليث بن سعد فى سنة أربع وستين. ## $ حسان بن النعمان: ثم قدم حسان بن النعمان واليا على المغرب، أمره عليها عبد الملك بن مروان فى سنة ثلاث وسبعين، فمضى فى جيش كبير حتى نزل أطرابلس، واجتمع إليه بها من كان خرج من إفريقية وأطرابلس، فوجه على مقدمته محمد بن أبى بكير، وهلال بن ثروان اللواتى، وزهير بن قيس، ففتح البلاد، وأصاب غنائم كثيرة. وخرج إلى مدينة قرطاجنة، وفيها الروم، فلم يصب فيها إلا قليلا من ضعفائهم. فانصرف، وغزا الكاهنة، وهى إذ ذاك ملكة البربر، وقد غلبت على جل «1» إفريقية، فلقيها على نهر يسمى اليوم نهر البلاء، فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزمته، وقتلت من أصحابه وأسرت منهم ثمانين رجلا، وأفلت حسان ونفذ من مكانه إلى أنطابلس، فنزل قصورا من حيز برقة فسميت قصور حسان. واستخلف على إفريقية أبا صالح، وكانت أنطابلس ولوبية ومراقية إلى حد أجدابية من عمل حسان. فأحسنت الكاهنة إسار من أسرته من أصحابه وأرسلتهم إلا رجلا منهم من بنى عبس، يقال له خالد بن يزيد، فتبنته وأقام معها. فبعث حسان إلى خالد رجلا، فأتاه، فقال له: إن حسان يقول لك، ما يمنعك من الكتاب إلينا بخبر الكاهنة؟ فكتب خالد ابن يزيد إلى حسان كتابا وجعله فى خبزة ملة، ثم دفعها إلى الرسول ليخفى فيها الكتاب، وليظن من رأى الخبزة أنها زاد الرجل. فخرجت الكاهنة وهى تقول: يا بنى، هلاككم فيما تأكله الناس؛ فكررت ذلك. ومضى الرسول حتى قدم على حسان بالكتاب، فيه علم ما يحتاج إليه؛ ثم كتب إليه أيضا كتابا آخر، وجعله فى قربوس حفره، ووضع الكتاب فيه، وأطبق عليه حتى استوى وخفى مكانه. فخرجت الكاهنة أيضا، وهى تقول: يا بنى، هلاككم فى شىء من نبات الأرض ميت؛ فكررت ذلك. ومضى حتى قدم على حسان، فندب أصحابه ثم غزاها، فلما توجه إليها خرجت ناشرة شعرها، فقالت: يا بنى، انظروا ماذا ترون فى السماء؟ قالوا: نرى شيئا من سحاب أحمر، قال: لا وإلهى، ولكنها رهج خيل العرب، ثم قالت لخاد بن يزيد: إنى إنما كنت تبنيتك لمثل هذا اليوم، أنا مقتولة «1» ، فأوصيك بأخويك هذين خيرا. فقال خالد: إنى أخاف إن كان ما تقولين حقا ألا يستبقيا. قالت: بلى ويكون أحدهما عند العرب أعظم شأنا منه اليوم، فانطلق فخذ لهما أمانا، فانطلق خالد فلقى حسان فأخبره خبرها، وأخذ لا بنيها أمانا. وكان مع حسان جماعة من البربر من البتر، فولى عليهم حسان الأكبر من ابنى الكاهنة وقربه، ومضى حسان ومن معه، فلقى الكاهنة فى أصل جبل، فقتلت وعامة من معها فسميت ببئر «2» الكاهنة، ثم انصرف حسان فنزل بموضع قيروان إفريقية اليوم، وكان مقيل «3» الكاهنة. قال ثم رجع إلى حديث عثمان وغيره قال: وبنى مسجد جماعتها ودون الدواوين ووضع الخراج على عجم إفريقية، وعلى من أقام معهم على النصرانية من البربر وعامتهم من البرانس إلا قليلا من البتر. وأقام حسان بموضعه حتى استقامت له البلاد، ثم توجه إلى عبد الملك بغنائمه فى جمادى الآخرة سنة ست وسبعين. قال وحدثنا ابن بكير، حدثنا الليث بن سعد، قال: قفل حسان بن النعمان من إفريقية سنة ثمان وسبعين. فلما مر حسان ببرقة أمر على خراجها إبراهيم بن النصرانى، ثم مضى، فمر بعبد العزيز بن مروان، وهو بمصر، ثم نفذ إلى عبد الملك، فسر عبد الملك بما أورد عليه حسان من فتوحه وغنائمه. ويقال بل أخذ منه عبد العزيز كل ما كان معه من السبى، وكان قد قدم معه من وصائف البربر بشىء لم ير مثله جمالا، فكان نصيب الشاعر يقول: حضرت السبى الذي كان عبد العزيز أخذه من حسان مائتى جارية، منها ما يقام بألف دينار. ## $ مقتل زهير بن قيس: قال وأغارت الروم بعد حسان على أنطابلس، فهرب إبراهيم ابن النصرانى وخلى أهل أنطابلس وأهل ذمتها فى أيدى الروم، فرأسوها» أربعين ليلة حتى أسرعوا فيها الفساد، وبلغ ذلك عبد العزيز بن مروان، فأرسل إلى زهير بن قيس، وكان خرج مع «2» حسان، فلما بلغ مصر أقام بها، فأمره عبد العزيز بالنهوض إلى الروم، ولم يجتمع لزهير من أصحابه إلا سبعون رجلا، وكان عارض من الصدف يقال له جندل بن صخر، وكان فظا غليظا، فقال زهير لعبد العزيز بن مروان: أما إذ قد أمرتنى بالخروج فلا تبعثن معى جندلا عارضا، فيحبس على الناس لشدته وفظاظته، وكان عبد العزيز عاتبا على زهير بن قيس لأنه كان قاتله حين وجهه أبوه مروان بن الحكم من ناحية أيلة من قبل أن يدخل مصر، فقال له: ما علمتك يا زهير إلا جلفا جافيا. فقال له زهير: ما كنت أرى يا بن ليلى أن رجلا جمع ما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم من قبل أن يجتمع أبواك جلف جاف، ما هو بالجلف ولا الجاف، أنا منطلق فلا ردنى الله إليك. فخرج حتى إذا كان بدرنة من طبرقة من أرض أنطابلس، لقى الروم وهو فى سبعين رجلا، فتوقف لتلحق به الناس، فقال له فتى شاب كان معه: جبنت يا زهير، فقال: ما جبنت يا بن أخى، ولكن قتلتنى وقتلت نفسك، فلقيهم، فاستشهد زهير وأصحابه جميعا، فقبورهم هنالك معروفة إلى اليوم. وكان مقتل زهير وأصحابه كما حدثنا يحيى بن بكير عن الليث، فى سنة ست وسبعين. قال: وكان بأملس من برية أنطابلس رجل من مذحج يقال له عطية بن يربوع خرج بابن له هاربا من الوباء، وكان فى تلك البرية جماعة من المسلمين، فاستغاثهم وركب فيمن حوله من الناس، فاجتمع إليه سبعمائة رجل، فزحف بهم إلى الروم، فقاتلوهم فهزموهم، واعتصموا بسفنهم، وهرب من بقى منهم. وبلغ ذلك عبد العزيز بن مروان، فبعث إليها غلاما يقال له تليد، ووجه معه ناسا من أشراف أهل مصر فضبطها. حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، قال: أمر على أنطابلس حين قتل زهير طارق، فثقل على الناس إمامة تليد بهم، لأنه عبد، فبلغ ذلك عبد العزيز بن مروان فأرسل إلى تليد بعتقه، وأقام بأنطابلس. ## $ موسى بن نصير: وقدم حسان بن النعمان من قبل عبد الملك متوجها إلى المغرب، فلما قدم مصر قال لعبد العزيز: اكتب إلى عبدك بالإعراض عن أنطابلس، فقال له عبد العزيز: ما كنت لأفعل بعد إذ ضيعتها فاستولت عليها الروم، فقال حسان: إذا أرجع إلى أمير المؤمنين. فقال عبد العزيز: ارجع، فانصرف حسان راجعا إلى عبد الملك، وخلف ثقله بمصر، فقدم على عبد الملك وهو مريض، ووجه عبد العزيز موسى بن نصير إلى المغرب، فأخبر حسان عبد الملك بذلك، فخر عبد الملك ساجدا، وقال: الحمد لله الذي أمكننى من موسى لشدة أسفه عليه. وكان عاملا لعبد الملك على العراق مع بشر بن مروان، فعتب عليه عبد الملك وأراد قتله، فافتداه منه عبد العزيز بمال لما رأى من عقل موسى بن نصير ولبه، وكان عنده بمصر. ثم لم يلبث حسان بن النعمان إلا يسيرا حتى توفى، وقدم موسى بن نصير المغرب فى سنة ثمان وسبعين. حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، قال: أمر موسى بن نصير على إفريقية سنة تسع وسبعين. فعزل أبا صالح، وافتتح عامة المغرب، وواتر فتوحه كتب بها إلى عبد العزيز ابن مروان، وبعث بغنائمه وأنهاها عبد العزيز إلى عبد الملك، فسكن ذلك من عبد الملك بعض ما كان يجد على موسى. حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا الليث بن سعد، أن موسى بن نصير حين غزا المغرب بعث ابنه مروان على جيش، فأصاب من السبى مائة ألف، وبعث ابن أخيه فى جيش آخر فأصاب مائة ألف. فقيل لليث بن سعد، من هم؟ فقال: البربر. فلما أتى كتابه بذلك «1» ، قال الناس: ابن نصير والله أحمق، من أين له عشرون ألفا يبعث بها إلى أمير المؤمنين فى الخمس؟ فبلغ ذلك موسى بن نصير فقال: ليبعثوا «2» من يقبض لهم عشرين ألفا. ثم توفى عبد الملك بن مروان، وكانت وفاته كما حدثنا يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من شوال سنة ست وثمانين، واستخلف الوليد بن عبد الملك، فتواترت فتوح المغرب على الوليد من قبل موسى ابن نصير، فعظمت منزلة موسى عنده، واشتد عجبه به.