بسم الله الرحمن الرحيم
عونك اللهم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم كما ذكره الذاكرون، وكما غفل عن ذكره الغافلون. الحمد لله الذي برأ سماوات طباقا رفيعات، ولما دونها محيطات، وجعلها في الأقدار متفاوتات، وبالحركة متباينات، وفي التركيب مختلفات، ذات بروج معدودة، وأقسام مقدرة محدودة، وكواكب نيرة موارة، في أفلاك بها دوارة، تتحرك لنفسها تارة فتردها أفلاكها بقدرته تعالى مقسورة؛ كل ذلك يجري على ما قدر له من إسراع وتأثير، وإبطاء وتدبير، وإنماء وتغيير، بأمر الحكيم القدير، وتقدير العليم الخبير؛ ودحا الأرض فسطحها مهادا، وأرسى عليها الجبال فصارت أوتادا. ثم خلق الإنسان من طين، وأنشأ منه البشر من سلالة من ماء مهين، واستعمرهم في الأرض لينظر كيف يعملون، وسخر لهم ما في السموات وما في الأرض لعلهم يشكرون، ومكنهم من النعماء، وتبسطوا في فنون الأفضال والآلاء، وأثاروا الأرض وعمروها، واتخذوا المدائن واستوطنوها، وقهروا الأعداء ممن ناوأهم، وخضدوا بالقهر شوكة من عاندهم أو شانأهم. حتى إذا كفروا النعم، ولم يخشوا العقوبة والنقم، أبادهم الله الذي أيدهم وأهلكهم القادر الذي مكنهم، وجزاء بما اكتسبوا من السيئات، وعقوبة لهم على اجتراح الخطيئات، وسيعيدهم أجمعين إليه، ويوقفهم كلهم للحساب بين يديه.
أحمده حمدا يليق بجلاله، وينبغي لعظمته وكماله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ظهير، ولا معاون له فيما يريده ولا وزير، شهادة تعبر عن قلب قد عمر بالإخلاص، وذخيرة للنجاء من النار والخلاص. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ونبيه وخليله، الذي أنقذ الله به العباد من الهلاك، وخلصهم به من أشراك الإشراك، حتى قاموا لله سبحانه بما شرع له من طاعته، وأنزل عليه من أحكام عبادته. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأوليائه ومتبعيه وأحبابه، وشرف وكرم. وبعد: فإني لما أعانني الله جلت قدرته، وتعالت عظمته، على إكمال كتاب: عقد جواهر الأسفاط في أخبار مدينة الفسطاط. وضمنته ما وقفت عليه، وأرشدني الله سبحانه إليه من أحوال مدينة الفسطاط. منذ افتتح أرض مصر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصارت دار إسلام، إلى أن قدمت جيوش الإمام المعز لدين الله أبي تميم معد من بلاد المغرب مع عبده وقائده وكاتبه أبي الحسين جوهر القائد الصقلي في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، ونزلت في شمال الفسطاط بالمناخ، وأسس مدينة القاهرة وحل بها، أحببت أن أضع لمن ملك القاهرة من الخلفاء ديوانا يشتمل على جمل خبرهم، ويعرب عن أكثر سيرهم، فجمعت هذا الكتاب وسميته كتاب: إتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا والله تعالى أسأل أن يحفظني فيه، وفيما خولني من دنيا ودين، ويجعلني يوم الفزع الأكبر من الآمنين بمنه وكرمه.
ذكر أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
اعلم أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قتل ليلة الجمعة لإحدى عشرة، وقيل لثلاث عشرة، وقيل لثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين من سني الهجرة بالكوفة. وولد له من الأولاد الذكور: الحسن، والحسين أمهما فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومحمد الأكبر المعروف بابن الحنفية أمه خولة بنت قيس بن جعفر الحنفي. والعباس الأكبر، وعبد الله، وعثمان الأكبر وجعفر الأكبر أمهم أم البنين بنت المحل بن الديان بن حرام الكلابي، وقتل هؤلاء الأربعة مع الحسين بن علي عليه السلام بالطف.
وعمر الأصغر أمه الصهباء أم حبيبة بنت ربيعة التغلبي. وعبد الرحمن الذي يكنى أبا بكر، وعبيد الله. أمهما ليلى بنت مسعود بن خالد التميمي. ويحيى وعون أمهما أسماء بنت عميس الخثعمية. ومحمد الأصغر أمه أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجعفر الأصغر من أم ولد. ومحمد الأوسط، وعباس الأصغر أمهما أم ولد. وعمر الأصغر وعثمان الأصغر. فهؤلاء هم الذكور من ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، منهم من مات في حياة أبيه وهو طفل صغير، ومنهم من قتل ولا عقب له.
وولد له أيضا إناث. ولم يعقب من أولاده الذكور سوى خمسة، هم: الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفية، والعباس، وعمر؛ وسائرهم لم يعقب. فولد للحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام: زيد من أم ولد. والحسن بن الحسن من أم ولد. والقاسم، وأبو بكر، وعبد الله، لا عقب لهم، قتلوا مع عمهم الإمام الحسين بن علي عليه السلام بالطف. وعمرو بن الحسن، وعبد الرحمن بن الحسن، والحسين، ومحمد، ويعقوب، وإسماعيل بنو الحسن. فهؤلاء هم الذكور من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام. ولم يعقب من ولد الحسن بن علي سوى رجلين: هما الحسن بن الحسن وزيد بن الحسن، وسائر ولد الحسن بن علي لا عقب لهم.
فولد الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب محمدا، وبه كان يكنى، وعبد الله أعقب، وحسنا، وإبراهيم، وجعفر، وداود وهذه الخمسة قد أعقبوا، ولم يعقب محمد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ولدا ذكرا. فولد عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب محمدا وهو الذي قتل بمدينة رسول اله صلى الله عليه وسلم، وإبراهيم المقتول بالبصرة، قتلا في الحرب أيام الخليفة أبي جعفر المنصور سنة خمس وأربعين ومائة. وموسى بن عبد الله. ويحيى بن عبد الله وهو الذي كان بالديلم، ونزل بالأمان على يد الفضل بن يحيى
ابن خالد بن برمك، ثم حبسه الخليفة هرون الرشيد، ومات في حبسه، ويقال إنه قتل عند سندى بن شاهك. وسليمان الذي قتل في وقعة فخ وإدريس الأصغر الذي صار إلى بلاد المغرب، وبه عقبه وعقب أخيه سليمان فولد محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المقتول بالمدينة عبد الله الأشتر وهو المعقب من ولده، قتل بكابل، وعليا أخذ بمصر، وحبس في سجن المهدي حتى مات، والحسين بن محمد قتل بفخ، وطاهر وإبراهيم ابنا محمد، لا عقب لهما. وولد إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي وهو المقتول بالبصرة حسنا، فولد حسن بن إبراهيم عبد الله ومات متغيبا، ومحمدا، وإبراهيم. وولد يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي محمدا.
وولد سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي المقتول بفخ محمدا، فر إلى المغرب، وولده هناك. وولد إدريس الأصغر بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي وهو الذي صار إلى المغرب، وغلب على موضع منه في أيام المنصور، فدس إليه المنصور بمتطبب فسقاه فقتله إدريس بن إدريس، ولد بالمغرب وأمه بربرية، وعقبه بالمغرب. وولد الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي أبا جعفر عبد الله، وعليا مات في حبس المنصور مع أبيه، وحسنا درج ولا عقب له، والعباس، وطلحة ابنا الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي انقرضا. وولد إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي إسماعيل أعقب، وإسحق أعقب ثم انقرض، ويعقوب لا عقب له، ومحمدا الذي يسمى الديباج الأصغر، لا عقب له، وعليا أعقب الحسن، وولد الحسن محمدا وإبراهيم. وولد إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي حسنا وإبراهيم أعقبا. وولد جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي الحسن، فولد الحسن بن جعفر عبد الله، وولد عبد الله عبيد الله ولاه المأمون الكوفة ثم مكة، وإبراهيم بن جعفر؛ فولد إبراهيم عبد الله كان له بنات. وولد داود بن الحسن بن الحسن بن علي سليمان وعبد الله، كان عبد اله من أهل الفضل والورع؛ وقد أعقب سليمان وعبد الله ابنا داود. وولد زيد بن الحسن بن علي الحسن لا عقب له إلا منه، وكان فاضلا، ولاه المنصور المدينة. فولد الحسن بن زيد بن الحسن بن علي إسماعيل والقاسم، وعبد الله، وإبراهيم، وزيدا، وعليا، وإسحق.
فمن بيوت بني الحسن بن علي بن أبي طالب: بنو طباطبا. والرسيون. وبنو المطوق. وبنو تج واسمه الحسن. وولد الهادي باليمن الذي له الإمارة. وبنو الأذرع. وولد الداعي إلى الحق بطبرستان.
وولد الحسن بن زيد الذي له الإمارة بالديلم. وولد الناصر الحسنى الذي كان باليمن. وغير ذلك من بيوتات ولد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. وأما ولد الحسين بن علي بن أبي طالب فإن الحسين: ولد عليا الأكبر وقتل بالطف، ولا عقب له؛ وعليا الأصغر وفيه البقية، وجعفرا لا عقب له؛ وعبد الله، قتل صغيرا بالطف، ولا عقب له. هؤلاء هم الذكور من ولد الحسن بن علي، وهم لأمهات شتى. فولد علي الأصغر بن الحسين حسنا، وحسسينا لا عقب لهما؛ وأبا جعفر محمدا؛ وعبد الله، أمهما أم ولد. وزيدا؛ وعمر؛ وعليا، ومحمدا الأوسط ولا عقب له؛ وعبد الرحمن، وحسينا الأصغر؛ وسليمان؛ والقاسم ولا عقب له.
وهؤلاء هم الذكور من ولد علي بن الحسين بن علي؛ وعدتهم ثلاثة عشر ذكرا، أعقب منهم ستة وهم: محمد المكنى بأبي جعفر. وعبد الله. وزيد. وعمر. وعلي. والحسين الأصغر. فولد أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي جعفرا الصادق؛ وعبد الله أمهما أم ولد، وإبراهيم، وعبيد الله لا بقية لهما، درجا، وأمهما أم ولد؛ وعليا لا عقب له، وأمه أم ولد. فولد جعفر بن محمد الصادق إسماعيل أعقب؛ وعبد الله لا عقب له، أمهما فاطمة ابنة الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب؛ وموسى، وإسحق، ومحمدا لأم
ولد؛ والعباس لا عقب له، وأمه أم ولد وعليا المعروف بالعريضي وأمه أم ولد. وحيث انتهينا إلى ذكر إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب فإنه الغرض، وإليه ينسب الخلفاء الفاطميون بناة القاهرة، فنقول: إن إسماعيل بن جعفر الصادق مات في حياة أبيه جعفر سنة ثمان وثلاثين ومائة، وخلف من الأولاد محمدا، وعليا، وفاطمة. فأما محمد بن إسماعيل فإنه الذي إليه الدعوى؛ وكان له من الولد جعفر، وإسماعيل فقط، أمهما أم ولد: فولد جعفر بن محمد بن إسماعيل محمدا، وأحمد؛ أما أحمد فلا عقب له. وأما محمد فولد جعفرا، وإسماعيل، وأحمد، والحسن. قال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم وولد إسماعيل بن جعفر: علي، ومحمد فقط؛ وإمامة محمد هذا تدعى القرامطة والغلاة بعد أبيه إسماعيل. فولد محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد جعفر، وإسماعيل، منهم بنو جعفر البغيض بن الحسن بن محمد الحبيب بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق.
وادعى عبيد الله القائم بالمغرب أنه أخو حسن بن محمد هذا، وشهد له بذلك رجل من بني البغيض، وشهد له أيضا بذلك جعفر بن محمد بن الحسين بن أبي الجن علي بن محمد الشاعر بن علي بن إسماعيل بن جعفر، ومرة ادعى أنه ولد الحسين بن محمد بن إسماعيل بن جعفر؛ وكل هذه دعوى مفتضحة، لأن محمد بن إسماعيل بن جعفر لم يكن له قط ولد اسمه الحسين. وهذا كذب فاحش، لأن مثل هذا النسب لا يخفى على من له أقل علم بالنسب، ولا يجهل أهله إلا جاهل. قلت: وأما ما ذكره أبو محمد من انتسابهم إلى الحسين بن محمد بن إسماعيل قول افتعله معاديهم، فقد كان أبو محمد بقرطبة، وملوكها بنو أمية، وهم أعدى أعادي القوم، فنقل ما أشاعه هناك ملوك بلده، حتى اشتهر كما هي عادة الأعداء. والذي يقوله أهل هذا البيت ويذهبون إليه: أن الإمام من ولد جعفر الصادق هو إسماعيل ابنه من بعده، وأن الإمام بعد إسماعيل بن جعفر هو ابنه محمد، ويلقبونه بالمكتوم، وبعد المكتوم ابنه جعفر بن محمد بن إسماعيل، ويلقبون جعفرا هذا بالمصدق، وبعد جعفر المصدق ابنه محمد الحبيب بن جعفر المصدق بن محمد المكتوم بن إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق. قالوا: فولد محمد الحبيب عبيد الله بن محمد بن جعفر الصادق بن محمد المكتوم بن الإمام إسماعيل.
وعبيد الله هذا هو القائم بالمغرب، الملقب بالمهدي، المنسوب إليه سائر الخلفاء الفاطميين بالمغرب وبمصر. هذا هو الثابت في درج نسبهم. قال الشريف الجواني النقيب محمد بن أسعد بن علي الحسيني وأما إسماعيل بن جعفر يعين الصادق، فعقبه من ابنيه: محمد وعلي. فأما علي فمن ولده أبو الجن بن الحسين بن علي بن محمد بن علي بن إسماعيل بن جعفر وهم بدمشق ويقال لهم: بنو أبي الجن بجيم ونون. وأما محمد بن إسماعيل فينسب إليه الذين تغلبوا على إفريقية الغرب، ثم تغلبوا على مصر والشام. ففي النسابين من أثبتهم، وفيهم من نفاهم، وفيهم من أمسك. سألت الشريف النسابة جمال الدين أبا جعفر محمد بن عبد العزيز بن أبي القاسم الإدريسي الحسني بمدينة القاهرة عن هؤلاء، فقال: المثبتون لأنساب أهل القصر بالقاهرة هم: شيخ الشرف العبيدلي، وابن ملقطة العمري، وأبو عبد الله البخاري. والنافون لأنسابهم هم: الشريف ابن العابد، وابن وكيع من أصحاب سحنون، وابن حزم الأندلس صاحب كتاب الجماهير في أنساب المشاهير. والمتوقفون في أنسابهم هم: محمد المبرقع، وأخوه الحسن الزيديان، في جماعة كثيرة من النسابين، كابن خداع، وشبل بن تكين، وغيرهم. والذي قاله شيخ الشرف:
وبنو عبد الله بالمغرب في نسب القطع. هذا ما أملاه علي الإدريسي، وكان من العلماء بالنسب والتاريخ. قال: ووجدت في كتاب أبي الغنائم عبد الله النسابة الزيدي الحسيني في ذكره ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر: المعقب من جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر رجل واحد هو محمد، أمه فاطمة بنت علي بن جعفر بن عمر بن علي بن الحسين بن علي، وأمها أروى ابنة الهيثم ابن العريان بن الهيثم بن الأسود الجشمي؛ والمعقب من محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل رجل واحد، وهو الحسن الحبيب لأم ولد، وكان له: جعفر، وإسماعيل، وأحمد، وعبيد الله، وعلي اغتربوا فلم يعلم كيف جرى أمرهم، وهل اعقبوا أم لا؟. ويقال إن ولد عبد الله بالمغرب؛ وآخر من ذكره من عقب محمد بن إسماعيل: الحسين ابن أبي طالب، علي بن الحسين، أبي القاسم بن الحسين بن الحسن بن محمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق؟. وأما غيرهم فيقول: إن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ولد جعفرا، وإسماعيل، وأحمد، والحسن. وولد الحسن جعفرا توفي بمصر سنة ثلاث وتسعين ومائتين. فولد جعفر بن الحسين بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق أبا جعفر محمدا. فولد محمد أبا عبد الله جعفرا، وعليا، وأحمد، والحسن، ويحيى. هؤلاء الذكور من ولد الحسن بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وكانوا بمصر. وولد إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب أحمد، ويحيى، ومحمدا، وعليا، درج ولا عقب له. فولد أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق إسماعيل توفي بمصر في ذي القعدة سنة أربع وسبعين ومائتين. ومحمدا لا عقب له.
وزيدا، وعليا، والحسين لأم ولد. فولد إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق أبا عبد الله أحمد توفي سنة خمس وعشرين وثلاثمائة بمصر. وأبا جعفر محمدا توفي سنة اثنتين وثلاثمائة بمصر. وأبا القاسم جعفرا توفي سنة أربع وسبعين ومائتين بمصر، وحمزة درج في سنة خمس وسبعين ومائتين ولا عقب له. وأبا عبد الله الحسين توفي سنة أربع وتسعين ومائتين. وأبا الحسن عليا توفي في طريق مكة سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة. فولد أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق أبا محمد إسماعيل، وأبا الحسن عليا، وأبا القاسم جعفرا، وتوفي سنة ثلاثمائة، وموسى ولا عقب له. فولد إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق أبا الحسن عليا، وأبا عبد الله الحسين، والحسن. وولد علي بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بنتا لم يلد غيرها. وولد جعفر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق أبا عبد الله الحسين، وأبا إبراهيم إسماعيل، وأبا جعفر محمدا، وأبا الحسين محمدا. هؤلاء هم بنو أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وهم بمصر. وولد محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق عليا، والحسين، وموسى.
وولد علي بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق الحسن، وتوفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة ولا عقب له. وولد الحسين بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر زيدا ولا عقب له، ومحمدا وجعفرا، وأحمد، وإسماعيل ولد بالمغرب ولا عقب له. وولد موسى بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر يحيى، وجعفرا، وعليا، وإبراهيم، وإسماعيل ولا عقب له. فهؤلاء بنو محمد بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر وهم بمصر. وولد الحسين بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق محمدا أبا الحسين، ومحمدا أبا عبد الله وهم بمصر. وولد جعفر بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر زينب لم يلد غيرها. وولد علي بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق إسماعيل، ومحمدا، والحسين، والحسن، وجعفرا. وولد إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر محمدا ولا عقب له، وعبد الله. وولد محمد بن علي بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر إبراهيم، وزيدا، وعبد الله، ومحسنا، وعليا. وولد الحسين بن علي بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق حمزة وجعفرا وهم بمصر. وولد زيد بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق موسى ولا عقب له. وولد علي بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر فاطمة ماتت بدمشق.
وولد الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر زيدا مات ببغداد، ومحمدا، وإسماعيل النقيب بدمشق، وأحمد، والحسن، وعليا، وجعفرا ولا عقب له. فولد زيد بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الحسين ولا عقب له، وأم سلمة، وخديجة وكان لها ولد ببغداد، وموسى لا عقب له. وولد محمد بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر فاطمة لم يخلف غيرها. وولد إسماعيل بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق محمدا، وموسى، وإبراهيم، والحسين، وطاهرا. فولد محمد بن إسماعيل بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ابن جعفر أحمد. وولد أحمد بن الحسين حمزة، ومحمدا وقد انقرضا ولا عقب لهما من الذكور. وولد الحسن بن الحسين بن أحمد محمدا، وعقيلا، وإبراهيم ولا عقب له، وعبيد الله، ومحسنا ولا بقية لهما. وولد علي بن الحسين بن أحمد المحسن، وأحمد، ومحمدا المعروف بأخي محسن، كان سكن دمشق، ولا عقب لأحمد ومحمد هذين. وولد يحيى بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر أحمد وفاطمة درجا. وولد محمد إسماعيل، بن محمد بن إسماعيل بن جعفر محمدا. فولد محمد هذا الحسن، والحسين، ومحمدا. وولد الحسن بن محمد الحسين، وأحمد وهم بالكوفة. فهؤلاء جميع ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق. وأما بقية أولاد إسماعيل بن جعفر الصادق فلا حاجة بنا إلى ذكرهم هنا.
ذكر ما قيل في أنساب خلفاء الفاطميين
قال مؤلفه رحمة الله تعالى عليه وقد وقفت على مجلد يشتمل على بضع وعشرين كراسة في الطعن على أنساب الخلفاء الفاطميين، تأليف الشريف العابد المعروف بأخي محسن، وهو محمد بن علي بن الحسين ابن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ويكنى بأبي الحسين؛ وهو كتاب مفيد. وقد غبرت زمانا أظن أنه قائل ما أنا حاكية حتى رأيت محمد بن إسحق النديم في كتاب الفهرست ذكر هذا الكلام بنصه، وعزاه إلى أبي عبد الله بن رزام، وأنه
ذكره في كتابه الذي رد فيه على الإسماعيلية، قال وأنا بريء من قوله: هؤلاء القوم من ولد ديصان الثنوي، الذي ينسب إليه الثنوية وهو مذهب يعتقدون فيه خالقين، أحدهما يخلق النور، والآخر يخلق الظلمة فولد ديصان هذا ابنا يقال له ميمون القداح.
وإليه تنسب الميمونية، وكان له مذهب في الغلو؛ فولد لميمون هذا ابن يقال له عبد الله كان أخبث من أبيه، وأعلم بالحيل، فعمل أبوابا عظيمة من المكر والخديعة على بطلان الإسلام؛ وكان عارفا عالما بجميع الشرائع والسنن، وجميع علوم المذاهب كلها، فرتب ما جعله من المكر في سبع دعوات، يتدرج الإنسان من واحدة إلى أخرى، حتى ينتهي إلى الأخيرة، فيبقى معرا عن جميع الأديان، لا يعتقد غير التعطيل والإباحة، ولا يرجو ثوابا، ولا يخشى عقابا، ويقول إنه على هدى هو وأهل مذهبه، وغيرهم ضال مغفل.
وكان عبد الله بن ميمون يريد بهذا في الباطن أن يجعل المخدوعين أمة له يستمد من أموالهم بالمكر والخديعة، وأما في الظاهر فإنه يدعو إلى الإمام من آل البيت: محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ليجمع الناس بهذه الحيلة. وكان عبد الله بن ميمون هذا أراد أن يتنبأ فلم يتم له، وأصله من موضع بالأهواز يعرف بقورج العباس، ثم نزل عسكر مكرم وسكن ساباط أبي نوح فنال بدعوته مالا، وكان يتستر بالتشيع والعلم، وصار له دعاة، فظهر ما هو عليه من التعطيل والإباحة والمكر والخديعة، فثارت به الشيعة والمعتزلة، وكسروا داره، ففر إلى البصرة ومعه رجل من أصحابه يعرف بالحسين الأهوازي، فادعى أنه من ولد عقيل بن أبي
طالب، وأنه يدعو إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ثم اشتهر خبره، فطلبه العسكريون، فهرب هو والحسين الأهوازي إلى سلمية ليخفى أمره بها، فولد بها ابن يقال له أحمد، ومات عبد الله بن ميمون، فقام من بعده ابنه أحمد هذا في ترتيب الدعوة، وبعث الحسين الأهوازي داعية إلى العراق، فلقي حمدان بن الأشعت قرمط بسواد الكوفة. وولد لأحمد بن عبد الله بن ميمون القداح ولدان، هما: الحسين ومحمد المعروف بأبي الشلعلع، ثم هلك أحمد، فخلفه ابنه الحسين في الدعوة؛ فلما هلك الحسين بن أحمد خلفه أخوه محمد بن أحمد المعروف بأبي الشلعلع. وكان للحسين ابن اسمه سعيد، فبقيت الدعوة له حتى كبر، وكان قد بعث محمد هذا داعيين إلى المغرب، وهما؛ أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد، وأخوه أبو العباس محمد بن أحمد بن محمد؛ فنزلا في قبيلتين من البربر، وأخذا على أهلها.
وقد كان اشتهر أمرهم بسلمية، وأيسروا، وصار لهم أملاك كثيرة، فبلغ خبرهم السلطان، فبعث في طلبهم، ففر سعيد من سلمية يريد المغرب، وكان على مصر يومئذ عيسى النوشري، فدخل سعيد على النوشري ونادمه، فبلغ السلطان خبره، وكان يتقصى عنه، فبعث إلى النوشري بالقبض عليه، فقرىء الكتاب وفي المجلس ابن المدبر، وكان مؤاخيا لسعيد، فبعث إليه يحذره، فهرب سعيد، وكبس النوشري داره فلم يوجد، وسار إلى الاسكندرية، فبعث النوشري إلى والي الاسكندرية بالقبض على سعيد، وكان رجلا ديلميا يقال له علي بن وهسودان. وكان سعيد خداعا، فلما قبض عليه ابن وهسودان قال: إني رجل من آل رسول الله. فرق له، وأخذ بعض ما كان معه وخلاه، فسار حتى نزل سجلماسة وهو في زي
التجار فتقرب إلى واليها وخدمه، وأقام عنده مدة، فبلغ المعتضد خبره، فبعث في طلبه، فلم يقبض عليه والي سجلماسة؛ فورد عليه كتاب آخر، فقبض عليه وحبسه؛ وكان خبره قد اتصل بأبي عبد الله الداعي الذي تقدم ذكر خروجه هو وأخوه إلى البربر، فسار حينئذ بالبربر إلى سجلماسة، وقتل واليها، وأخذ سعيدا، وصار صاحب الأمر، وتسمى بعبيد الله، وتكنى بأبي محمد، وتلقب بالمهدي؛ وصار إماما علويا من ولد محمد بن إسماعيل ابن جعفر الصادق؛ ولم يلبث إلا يسيرا حتى قتل أبا عبد الله الداعي، وتملك البربر، وقلع بني الأغلب ولاة المغرب. قال: فعبيد الله الملقب بالمهدي: هو سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله ابن ميمون القداح بن ديصان الثنوي الأهوازي، وأصلهم من المجوس. قال: أما سعيد هذا الذي استولى على المغرب، وتسمى بعبيد الله، فإنه كان بعد أبيه يتيما في
حجر عمه الملقب بأبي الشلعلع، وكان على ترتيب الدعوة بعد أخيه، فرتب أمرها لسعيد، فلما هلك وكبر سعيد، وصار على الدعوة، وترتيب الدعاة والرياسة، ظهر أمره، وطلبه المعتضد، فهرب إلى المغرب من سلمية. ويقال إنه ترسم بالتعليم كي يخفي أمره، وكان يقول عن محمد أنه ربيب في حجره، وأنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر، وذلك لضعف أمره في مبدئه، ولذلك يقال عن محمد ابن عبيد الله يتيم المعلم. وزعم آخر أن عبيد الله كان ربيبا في حجر بعض الأشراف، وكان يطلب الإمامة، فلما مات ادعى عبيد الله أنه ابنه؛ وقيل بل كان عبيد الله من أبناء السوقة صاحب علم. انتهى ما ذكره الشريف. قال: ولم يدع سعيد هذا المسمى عبيد الله نسبا إلى علي بن أبي طالب إلا من بعد هربه من سلمية، وآباؤه من قبله لم يدعوا هذا النسب؛ وإنما كانوا يظهرون التشيع والعلم، وأنهم يدعون إلى الإمام محمد بن إسماعيل بن جعفر، وأنه حي لم يمت. وهذا القول باطل، وباطنهم غير ظاهرهم، وليس يعرف هذا القول إلا لهم؛ وهم أهل تعطيل وإباحة، وإنما جعلوا علاقتهم بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم بابا للخديعة والمكر. ولم يتم لسعيد أمر بالمغرب إلا أن قال: أنا من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتم له بذلك الحيلة والخديعة، وشاع بين الناس أنه علوي فاطمي من ولد إسماعيل بن جعفر، فاستعبدهم بهذا القول، وخفي أمر مذهبه عليهم إلا من كشف له من خاصته ودعاته في تعطيل البارىء، والطعن على جميع الأنبياء، وإباحة أنفس أممهم وأموالهم وحريمهم، ومع ما كانوا يظهرون لم يكن لهم جسارة أن يذكروا لهم نسبا على منبر، ولا في مجمع بين الناس، سوى ما يشيعون أنهم من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير نسب ينتسبونه، تمويها على العامة.
ولم يكن أحد من السلاطين المتقدمين كاشفهم في أمر نسبهم احتقارا منه بهم وببلدهم، ولبعد ما بينهم من المسافة، فجرى أمرهم على ما ذكرنا منذ ملك سعيد المسمى بعبيد الله المغرب إلى أن جلس نزار بن معد يعني العزيز بمصر. ثم ملك فنا خسرو بن الحسن الديلمي بغداد، فقرب ما بينهما من المسافة، فجمع العلويين ببغداد، وقال لهم: هذا الذي بمصر يقول إنه علوي منكم. فقالوا: ليس هو منا. فقال لهم. ضعوا خطوطكم. فوضعوا خطوطهم أنه ليس بعلوي، ولا من ولد أبي طالب. ثم أنفذ إلى نزار بن معد رسولا يقول له: نريد نعرف ممن أنت؟.
فعظم ذلك عليه، فذكر أن قاضيه ابن النعمان ساس الأمر، لأنه كان يلي أمر الدعوة والمكاتبة في أمرها، فنسب نزارا إلى آبائه، وكتب نسبه، وأمر به أن يقرأ على المنابر، فقرىء على منبر جامع دمشق صدر الكتاب، ثم قال: نزار العزيز بالله بن معد المعز لدين الله، بن إسماعيل المنصور بالله، بن محمد القائم بأمر الله، ابن عبيد الله المهدي، بن الأئمة الممتحنين أو قال المستضعفين وقطع. ثم إن رسول فنا خسرو سار راجعا، فقتل بالسم في طرابلس، فلم يأتهم من بعده رسول، وهلك فنا خسرو. وذكر أبو الحسين هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابي، وابنه غرس الدولة
محمد في تاريخهما أن القادر بالله عقد مجلسا أحضر فيه الطاهر أبا أحمد الحسين ابن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق، وابنه أبو القاسم عليا المرتضى، وجماعة من القضاة والشهود والفقهاء، وأبرز إليهم أبيات الشريف الرضي أبي الحسن محمد بن أحمد الحسين التي أولها: ما مقامي على الهوان وعندي ... مقول صارم، وأنف حمي وإباء محلق بي عن الضيم، ... كما راغ طائر وحشي أي عذر له إلى المجد إن ذل ... غلام في غمده المشرفي أحمل الضيم في بلاد الأعادي، ... وبمصر الخليفة العلوي
من أبوه أبي، ومولاه مولا ... ي، إذا ضامني البعيد القصي لف عرقي بعرقه سيدا النا ... س جميعا: محمد وعلي إن جوعي بذلك الربع شبع ... وأوامي بذلك الظل ري مثل من يركب الظلام وقد أس ... رى ومن خلفه هلال مضي وقال الحاجب للنقيب أبي أحمد: قل لولدك محمد: أي هوان قد أقام فيه عندنا؟ وأي ضيم لقي من جهتنا؟ وأي ذلك أصابه في مملكتنا؟ وما الذي يعمل معه صاحب مصر لو مضى إليه؟ أكان يصنع إليه أكثر من صنيعنا؟ ألم نوله النقابة؟ ألم نوله المظالم؟ ألم نستخلفه على الحرمين والحجاز وجعلناه أمير الحجيج؟ فهل كان يحصل له من صاحب مصر أكثر من هذا؟ ما نظنه كان يكون لو حصل عنده إلا واحدا من أبناء الطالبيين بمصر. فقال النقيب أبو أحمد: أما هذا الشعر فمما لم نسمعه منه، ولا رأيناه بخطه، ولا يبعد أن يكون بعض أعدائه نحله إياه، وعزاه إليه. فقال القادر: إن كان كذلك فليكتب الآن محضر يتضمن القدح في أنساب ولاة مصر، ويكتب محمد خطه فيه. فكتب محضر بذلك، شهد فيه جميع من حضر المجلس، منهم: النقيب أبو أحمد، وابنه المرتضى. وحمل المحضر إلى الرضى ليكتب فيه خطه، حمله أبوه وأخوه، فامتنع، وقال: لا أكتب، وأخاف دعاة صاحب مصر.
وأنكر الشعر، وكتب بخطه أنه ليس بشعره، ولا يعرفه؛ فأجبره أبوه على أن يسطر خطه في المحضر، فلم يفعل، وقال: أخاف دعاة المصريين وغلبتهم، فإنهم معروفون بذلك. فقال أبوه: يا عجبا! أتخاف من بينك وبينه ستمائة فرسخ، ولا تخاف من بينك وبينه مائة ذراع؟ وحلف أن لا يكلمه، وكذلك المرتضى، فعلا ذلك تقية وخوفا من القادر، وتسكينا له. فلما انتهى الأمر إلى القادر سكت على سوء أضمره له، وبعد ذلك بأيام صرفه عن النقابة، وولاها محمد بن عمر النهرسابسي.
وقال الإمام علي بن محمد بن عبد الكريم بن الأثير الجزري في كتاب الكامل في التاريخ!
ذكر ابتداء الدولة العلوية بافريقية
هذه الدولة اتسعت أكناف مملكتها، وطالت مدتها، فنحتاج نستقصي ذكرها، فنقول: أول من ولى منهم: أبو محمد عبيد الله، فقيل هو محمد بن عبد الله بن ميمون بن محمد ابن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب؛ ومن ينسبه هذا النسب يجعله: عبد الله بن ميمون القداح الذي ينسب إليه القداحيه. وقيل هو عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل الثاني بن محمد بن إسماعيل بن جعفر يعني الصادق، وقد اختلف العلماء في صحة نسبه. فقال: هو وأصحابه القائلون بإمامته إن نسبه صحيح، ولم يرتابوا فيه. وذهب كثير من العلماء بالأنساب إلى موافقتهم أيضا، وشهد بصحة هذا القول ما قاله الشريف الرضي. ما مقامي على الهوان؟ وعندي ... مقول صارم، وأنف حمي ألبس الذل في بلاد الأعادي! ... وبمصر الخليفة العلوي؟ من أبوه أبي، ومولاه مولا ... ي إذا ضامني البعيد القصي لف عرقي بعرقه سيدا النا ... س جميعا: محمد وعلي إن ذلي بذلك الحي عز، ... وأوامي بذلك الربع ري
قال أي ابن الأثير: إنما لم يودعها ديوانه خوفا، ولا حجة فيما كتبه في المحضر المتضمن القدح في أنسابهم، فإن الخوف يحمل على أكثر من هذا، على أنه قد ورد ما يصدق ما ذكرته، وهو أن القادر بالله لما بلغته هذه الأبيات أحضر القاضي أبا بكر الباقلاني، وأرسله إلى الشريف أبي أحمد الموسوي والد الشريف الرضي يقول له: قد عرفت منزلك منا، وما لا نزال عليه من صدق الموالاة، وما تقدم لك في الدولة من مواقف محمودة، ولا يجوز أن تكون أنت على خليفة نرضاها، ويكون ولدك على ما يضادها؛ ولقد بلغنا أنه قال شعرا، وهو كذا وكذا، فيا ليت شعري على أي مقام ذل أقام؟ وهو ناظر في النقابة والحج وهما من أشرف الأعمال ولو كان في مصر لكان كبعض الرعايا. وأطال القول. فحلف أبو أحمد أنه ما علم بذلك، وأحضر ولده، فقال له في المعنى، فأنكر الشعر، فقال له: اكتب خطك إلى الخليفة بالاعتذار، واذكر فيه أن نسب المصري مدخول، وأنه مدع في نسبه. فقال: لا أفعل. فقال أبوه: أتكذبني في قولي؟
فقال: ما أكذبك، ولكن أخاف الديلم، وأخاف من المصري، ومن الدعاة التي له في البلاد. فقال أبوه: أتخاف من هو بعيد منك وتراقبه، وتسخط من أنت بمرأى منه ومسمع، وهو قادر عليك وعلى أهل بيتك؟. وتردد القول بينهما، ولم يكتب الرضي خطه، فحرد عليه أبوه وغضب، وحلف أن لا يقيم معه في بلد، فآل الأمر إلى أن حلف الرضي أنه ما قال هذا الشعر. واندرجت القصة على هذا. ففي امتناع الرضي من الاعتذار، ومن أن يكتب طعنا في نسبهم دليل قوي على صحة نسبهم. وسألت أنا جماعة من أعيان العلويين عن نسبه فلم يرتابوا في صحته. وذهب غيرهم إلى أن نسبه مدخول ليس بصحيح، وغلا طائفة منهم إلى أن جعلوا نسبه يهوديا. وقد كتب في الأيام القادرية محضر يتضمن القدح في نسبه ونسب أولاده، وكتب فيه جماعة من العلويين وغيرهم: أن نسبه إلى أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه غير صحيح. وزعم القائلون بصحة نسبه أن العلماء ممن كتب في المحضر إنما كتبوا خوفا وتقية، ومن لا علم عنده بالأنساب فلا احتجاج بقوله. وزعم الأمير عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن شداد بن تميم بن المعز بن باديس صاحب تاريخ إفريقية والغرب أن نسبه معرق في اليهودية، ونقل فيه عن جماعة من العلماء، وقد استقصى ذلك في ابتداء دولتهم وبالغ.
وأنا أذكر معنى ما قاله مع البراءة من عهدة طعنه في نسبه، وما عداه فقد أحسن فيما ذكر، قال: لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم عظم ذلك على اليهود والنصارى والروم والفرس وسائر العرب، لأنه سفه أحلامهم، وعاب أديانهم، فاجتمعوا يدا واحدة عليه، فكفاه الله كيدهم، وأسلم منهم من هداه الله، فلما قبض صلى الله عليه وسلم نجم النفاق، وارتدت العرب، وظنوا أن أصحابه يضعفون بعده، فجاهد أبو بكر رضي الله عنه في سبيل الله، فقتل مسيلمة وأهل الرده، ووطأ جزيرة العرب، وغزا فارس والروم، فلما حضرته الوفاة ظنوا أن بوفاته ينتقض الإسلام، فاستخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأذل فارس والروم، وغلب على ممالكهما، فدس عليه المنافقون أبا لؤلؤة فقتله، ظنا منهم أن بقتله ينطفىء نور الإسلام، فولى عثمان رضي الله عنه، فزاد في الفتوح، فلما قتل وولى علي رضي الله عنه قام بالأم أحسن قيام، فلما يئس أعداء الإسلام من استئصاله بالقوة أخذوا في وضع الأحاديث الكاذبة، وتشكيك ضعفة العقول في دينهم، بأمور قد ضبطها المحدثون، وأفسدوا الصحيح بالتأويل والطعن عليه. وكان أول من فعل ذلك أبو الخطاب محمد بن أبي زينب مولى بني أسيد، وأبو شاكر، ميمون بن ديصان، وغيرهما، فألقوا إلى كل من وثقوا به أن لكل شيء من العبادات باطنا، وأن الله لم يوجب على أوليائه ومن عرف من الأئمة والأبواب صلاة ولا زكاة ولا غير ذلك، ولا حرم عليهم شيئا، وأباحوا لهم نكاح الأمهات والأخوات، وقالوا: هذه قيود للعامة، وهي ساقطة عن الخاصة، وكانوا يظهرون التشيع لآل النبي صلى الله عليه وسلم ليستروا أمرهم، ويستميلوا العامة.
وتفرق أصحابهم في البلاد، وأظهروا الزهد والعبادة، يغرون الناس بذلك وهم على خلافه، فقتل أبو الخطاب وجماعة من أصحابه بالكوفة، وكان أصحابه قالوا له: إنا نخاف الجند فقال لهم: إن أسلحتهم لا تعمل فيكم. فلما ابتدأوا في ضرب أعناقهم، قال له أصحابه: ألم تقل إن سيوفهم لا تعمل فينا؟ فقال: إذا كان قد بدا الله فما حيلتي؟ وتفرقت هذه الطائفة في البلاد، وتعلموا الشعبذة، والنأرنجيات، والنجوم، والكيمياء، فهم يحتالون على كل قوم بما ينفق عليهم، وعلى العامة بإظهار الزهد. ونشأ لابن ديصان ابن يقال له أبو عبد الله القداح علمه الحيل، وأطلعه على أسرار هذه النحلة، فحذق وتقدم. وكان بنواحي أصبهان رجل يعرف بمحمد بن الحسين، ويلقب بدندان، يتولى
تلك المواضع، وكان يبغض العرب، ويجمع مساويهم، فسار إليه القداح، وعرفه من ذلك ما زاد به محله، وأشار إليه أن لا يظهر ما في نفسه ويكتمه، ويظهر التشيع والطعن على الصحابة، فاستحسن قوله، وأعطاه مالا ينفقه على الدعاة إلى هذا المذهب، فسير دعاته إلى كور الأهواز، والبصرة، والكوفة، والطالقان، وخراسان، وسلمية من أرض حمص. وتوفي القداح ودندان، فقام من بعد القداح ابنه أحمد، وصحبه انسان يقال له أبو القاسم رستم بن الحسين بن فرج بن حوشب بن زاذان النجار، من أهل الكوفة، وألقى إليه مذهبه فقبله، وسيره إلى اليمن، وأمره بلزوم العبادة والزهد، ودعا الناس إلى المهدي، وأنه خارج
في هذا الزمان، فنزل بعد، بقرب قوم من الشيعة يعرفون ببني موسى، فأظهر أمره، وقرب أمر المهدي، وأمرهم بالاستكثار من الخيل والسلاح. واتصلت أخباره بالشيعة الذين بالعراق، فساروا إليه، وكثر جمعهم، وعظم بأسهم، وأغاروا على من جاورهم، وسبوا، وجبوا الأموال، وأرسل إلى من بالكوفة من ولد القداح هدايا عظيمة. وأوفدوا إلى المغرب رجلين: أحدهما الحلواني، والآخر أبو سفيان، وقالوا لهما: إن المغرب أرض بور، فاذهبا فأحرثا حتى يجيء صاحب البذر. فسارا، ونزل أحدهما بأرض كتامة، فمالت قلوب أهل تلك النواحي إليهما، وحملوا إليهما الأموال والتحف، فأقاما سنين كثيرة وماتا، وكان من إرسال أبي عبد الله الشيعي إلى المغرب ما كان. فلما توفي عبد الله بن ميمون القداح ادعى ولده أنه من ولد عقيل بن أبي طالب، وهم مع هذا يسترون أمرهم، ويخفون أشخاصهم. وكان ولده أحمد هو المشار إليه منهم، فتوفي وخلف ولده محمدا، ثم توفي محمد وخلف أحمد والحسين، فسار الحسين إلى سلمية، وله بها ودائع من جهة جده عبد الله القداح، ووكلاء وغلمان. وبقي ببغداد من أولاد القداح أبو الشلعلع، وكان الحسين يدعى أنه الوصي وصاحب الأمر، والدعاة باليمن المغرب يكاتبونه، واتفق أنه جرى بحضرته حديث النساء بسلمية،
فوصفوا له امرأة رجل يهودي حداد مات عنها زوجها وهي في غاية الحسن ولها ولد من الحداد يماثلها في الجمال، فأحبها وحسن موقعها منه، وأحب ولدها، وأدبه وعلمه، فتعلم العلم، وصارت له نفس عظيمة، وهمة كبيرة، فمن العلماء من أهل هذه الدعوة من يقول إن الإمام الذي كان بسلمية وهو الحسين مات ولم يكن له ولد، فعهد إلى ابن اليهودي الحداد
وهو عبيد الله، وعلمه أسرار الدعوة من قول وفعل، وأين الدعاة، وأعطاه الأموال والعلامات، وتقدم إلى أصحابه بطاعته وخدمته، وأنه الإمام والوصي، وزوجه ابنة عمه أبي الشلعلع، وجعل لنفسه نسبا، وهو: عبيد الله بن الحسين بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وبعض الناس يقول: إن عبيد الله هذا من ولد القداح. وقال أي ابن الأثير: هذه الأقوال فيها ما فيها، فيا ليت شعري، ما الذي حمل أبا عبد الله الشيعي وغيره ممن قام في إظهار هذه الدعوة حتى يخرجوا الأمر من أنفسهم ويسلموه إلى ولد يهودي؟! وهل يسامح نفسه بهذا الأمر من يعتقده دينا يثاب عليه؟! قال: فلما عهد الحسين إلى عبيد الله قال له: إنك ستهاجر بعدي هجرة بعيدة، وتلقى محنا شديدة فتوفي الحسين، وقام بعده عبيد الله، وانتشرت دعوته، وأرسل إليه أبو عبد الله رجالا من كتامة من المغرب ليخبروه بما فتح الله عليه، وأنهم ينتظرونه. وشاع خبر عند الناس أيام المكتفي، فطلب، فهرب هو وولده أبو القاسم الذي ولي بعده وتلقب بالقائم وهو يومئذ غلام، وخرج معه خاصته ومواليه يريد المغرب، وذلك أيام زيادة الله بن الأغلب. انتهى ما ذكره ابن الأثير. قال المؤلف رحمة الله عليه وأما المحضر فنسخته هذا ما شهد به الشهود
أن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد ينسب إلى ديصان بن سعيد الذي تنسب إليه الديصانية. وأن هذا الناجم بمصر هو منصور بن نزار المتلقب بالحاكم حكم الله عليه بالبوار والخزي والدمار ابن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد لا أسعده الله. وأن من تقدمه من سلفه من الأرجاس الأنجاس عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين أدعياء خوارج، لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه: وأن ما ادعوه من الانتساب إليه زور وباطل. وأن هذا الناجم في مصر هو وسلفه كفار، فساق، زنادقة، ملحدون، معطلون، وللإسلام جاحدون، أباحوا الفروج، وأحلوا الخمور، وسبوا الأنبياء، وادعوا الربوبية. وفي آخره: وكتب في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة. وقال ابن خلدون في كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر ومن الأخبار الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرخين في العبيديين خلفاء الشيعة بالقيروان والقاهرة، من نفيهم عن أهل البيت صلوات الله عليهم والطعن في نسبهم إلى إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق، يعتمدون في ذلك على أحاديث لفقت للمستضعفين من خلفاء بني العباس، تزلفا إليهم بالقدح فيمن ناصبهم، وتفننا في الشمات بعدوهم، حسب ما تذكر بعض هذه الأحاديث في أخبارهم؛ ويغفلون عن التفطن لشواهد الواقعات، وأدلة الأحوال التي اقتضت
خلاف ذلك من تكذيب دعواهم، والرد عليهم، فإنهم متفقون في حديثهم عن مبدأ دولة الشيعة أن أبا عبد الله المحتسب لما دعا بكتامة للرضى من آل محمد، واشتهر خبره، وعلم تحويمه على عبيد الله المهدي، وابنه أبي القاسم خشيا على أنفسهما، فهرا من المشرق محل الخلافة، واجتازا بمصر. وأنهما خرجا من الاسكندرية في زي التجار، ونمى خبرهما إلى عيسى النوشري عامل مصر فسرح في طلبهما الخيالة، حتى إذا أدركا خفي حالهما على تابعهما بما لبسوا من الشارة والزي، فأقبلوا إلى المغرب. وأن المعتضد أوعز إلى الأغالبة أمراء إفريقية بالقيروان، وبني مدرار أمراء سجلماسة بأخذ الآفاق عليهما، وإذكاء العيون في طلبهما، فعثر اليسع صاحب سجلماسة ابن آل مدرار على خفي مكانهما ببلده، واعتقلهما مرضاة للخليفة. هذا قبل أن تظهر الشيعة على الأغالبة بالقيروان. ثم كان بعد ذلك ما كان من ظهور دعوتهم بإفريقية والمغرب، ثم باليمن، ثم بالاسكندرية، ثم بمصر والشام والحجاز؛ وقاسموا بني العباس في ممالك الإسلام شق الأبلمة، وكادوا يلجون عليهم مواطنهم، ويديلون من أمرهم.
ولقد أظهر دعوتهم ببغداد وعراقها الأمير البساسيري من موالي الديلم المتغلبين على خلفاء بني العباس في مغاضبة جرت بينه وبين أمراء العجم، وخطب لهم على منابرها حولا كاملا. وما زال بنو العباس يغصون بمكانهم ودولتهم، وملوك بني أميه وراء البحر ينادون بالويل والحرب منهم. وكيف يقع هذا كله لدعي في النسب، يكذب في انتحال الأمر؟! واعتبر حال القرمطي إذ كان دعيا في انتسابه، كيف تلاشت دعوته، وتفرق اتباعه، وظهر سريعا على خبثهم ومكرهم، فساءت عاقبتهم، وذاقوا وبال أمرهم، ولو كان أمر العبيدين كذلك لعرف ولو بعد مهلة. فمهما تكن عند امرىء من خليفة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم فقد اتصلت دولتهم نحوا من مائتين وسبعين سنة، وملكوا مقام إبراهيم ومصلاه، وموطن الرسول ومدفنه، وموقف الحجيج، ومهبط الملائكة، ثم انقرض أمرهم وشيعتهم في ذلك كله على أتم ما كانوا عليه من الطاعة لهم، والحب فيهم، واعتقادهم بنسب الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق. ولقد خرجوا مرارا بعد ذهاب الدولة ودروس أثرها داعين إلى بدعتهم، هاتفين بأسماء صبيان من أعقابهم، يزعمون استحقاقهم للخلافة، ويذهبون إلى تعيينهم بالوصية ممن سلف قبلهم من الأئمة، ولو ارتابوا في نسبهم لما ركبوا أعناق الأخطار في الانتصار لهم، فصاحب البدعة لا يلبس في أمره، ولا يشبه في بدعته، ولا يكذب نفسه فيما ينتحله.
والعجب في القاضي أبي بكر الباقلاني شيخ النظار من المتكلمين يجنح إلى هذه المقالة المرجوحة، ويرى هذا الرأي الضعيف، فإن كان ذلك لما كانوا عليه من الإلحاد في الدين، والتعمق في الرافضية، فليس ذلك بدافع في صدد بدعتهم، وليس إثبات منتسبهم بالذي يغنى عنهم من الله شيئا في كفرهم، وقد قال تعالى لنوح عليه السلام في شأن ابنه: " إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح، فلا تسألن ما ليس لك به علم " وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة يعظها: يا فاطمة: اعملي: فلن أغنى عنك من الله شيئا. ومتى عرف أمرؤ قضية، أو استيقن أمرا، وجب عليه أن يصدع به " والله يقول الحق وهو يهدى السبيل ". والقوم كانوا في مجال لظنون الدول بهم، وتحت رقبة من الطغاة لتوفر شيعتهم، وانتشارهم في القاصية بدعوتهم، وتكرر خروجهم مرة بعد أخرى، فلاذت رجالاتهم بالاختفاء، ولم يكادوا يعرفون. كما قيل: فلو تسأل الأيام ما أسمى ما درت ... وأين مكاني؟ ما اعرفن مكاني حتى لقد سمى محمد بن إسماعيل الإمام جد عبيد الله المهدي بالمكتوم، سمته بذلك شيعتهم لما اتفقوا عليه من اخفائه حذرا من المتغلبين عليهم، فتوصل شيعة آل العباس بذلك عند ظهورهم إلى الطعن في نسبهم، وازدلفوا بهذا الرأي القائل إلى المستضعفين من خلفائهم، وأعجب به أولياؤهم وأمراء دولتهم، المتولون لحروبهم مع الأعداء، يدفعون به عن أنفسهم وسلطانهم معرة العجز عن المقاومة والمدافعة لمن غلبهم على الشام ومصر والحجاز من البربر الكتاميين شيعة العبيديين وأهل دعوتهم، حتى لقد أسجل القضاة ببغداد بنفيهم من هذا النسب، وشهد بذلك من أعلام الناس جماعة، منهم:
الشريف الرضي. وأخوه المرتضى. وابن البطحاوي. ومن العلماء: أبو حامد الاسفراييني. والقدوري. والصيمري.
وابن الاكفاني. والأبيوردي. وأبو عبد الله بن النعمان فقيه الشيعة. وغيرهم من أعلام الأئمة ببغداد، في يوم مشهود وذلك سنة اثنتين وأربعمائة في أيام القادر؛ وكانت شهادتهم في ذلك على السماع لما اشتهر وعرف بين الناس ببغداد، وغالبها شيعة بني العباس، الطاعنون في هذا النسب، فنقله الأخباريون كما سمعوه، وروه حسبما وعوه، والحق من ورائه. وفي كتاب المعتضد في شأن عبيد الله إلى ابن الأغلب بالقيروان، وابن مدرار بسجلماسة أصدق شاهد، وأوضح دليل على صحة نسبهم، فالمعتضد أقعد بنسب أهل البيت من كل أحد، والدولة والسلطان سوق للعالم تجلب إليه بضائع العلوم والصنائع، وتلتمس فيه ضوال الحكم، وتحدى إليه ركائب الروايات والأخبار، وما نفق فيها نفق عند الكافة، فإن تنزهت الدولة عن التعسف والميل والإفن والشقشقة، وسلكت النهج الأمم، ولم تجر عن قصد السبيل، نفق بأسواقها الإبريز الخالص، واللجين المصفى، وإن ذهبت مع الأغراض والحقود، وماجت
بسماسرة البغي والباطل، نفق البهرج والزائف، والناقد البصير قسطاس نظره، وميزان بحثه وملتمسه. قال أي ابن خلدون: وكان الإسماعيلية من الشيعة يذهبون إلى أن الإمام من ولد جعفر الصادق هو إسماعيل ابنه من بعده، وأن الإمام بعده ابنه محمد المكتوم، وبعده ابنه جعفر المصدق، وبعده ابنه محمد الحبيب، وكانوا أهل غلو في دعاويهم في هؤلاء الأئمة. وكان محمد بن جعفر هذا يؤمل ظهور أمره والظفر بدولته. وكان باليمن من هذا المذهب كثير بعدن في قوم يعرفون ببني موسى؛ وكذلك كان بإفريقية من لدن جعفر الصادق بمرجانة، وفي كتامة، وفي نفزة وسماتة، تلقوا ذلك من الحلواني وابن بكار داعيتي جعفر الصادق، وقدم على جعفر بن محمد والد عبيد الله
من أهل اليمن رجل من أولئك الشيعة، يعرف بعلي بن الفضل، فأخبره بأخبار اليمن، فبعث معه أبا القسم رستم بن الحسين بن فرج بن حوشب الكوفي من رجالات الشيعة، وقال له: ليس لليمن إلا أنت، فخرجا من القادسية سنة ثمان وستين ومائتين، ودخلا اليمن، على حين انخلع محمد بن يعفر من الملك، وأظهر التوبة، فدعوا للرضى من آل محمد، وظهرت الدعوة سنة سبعين، وتسمى أبو القاسم بالمنصور، وابتنى حصنا بجبل لاعة، وزحف بالجيوش، وفتح مدائن اليمن، وملك صنعاء، وأخرج بني يعفر، وفرق الدعاة في اليمن والبحرين، واليمامة، والسند، والهند، ومصر والمغرب. وكان أبو عبد الله المحتسب داعي المغرب، وأصله من الكوفة، واسمه الحسين بن أحمد ابن محمد بن زكريا، من رام هرمز وكان محتسبا بسوق الغزل من البصرة، وقيل إنما المحتسب أخوه أبو العباس محمد. ويعرف أبو عبد الله بالمعلم، كان يعلم الناس مذهب الإمامية الباطنية، واتصل بالإمام محمد بن جعفر، ورأى أهليته، فأرسله إلى ابن حوشب صاحب اليمن، وأمره بامتثال أمره، والاقتداء بسيرته، ثم يذهب بعدها إلى المغرب، ويقصد بلد كتامة، فلما بلغ إلى ابن حوشب لزمه، وشهد مجالسه، وأفاد علمه، ثم خرج مع حاج اليمن إلى مكة حتى أتى الموسم، ولقي به رجالات كتامة واختلط بهم، ووجد لديهم بذار من ذلك المذهب كما قدمنا، فاشتملوا عليه، وسألوه الرحلة فارتحل معهم إلى بلدهم، ونزل بها، وجاهر
بمذهبه، وأعلن إمامة أهل البيت، ودعا للرضى من آل محمد على عادة الشيعة، وأطاعته قبائل كتامة بعد فتن وحروب، ثم اجتمعوا على تلك الدعوة. ثم هلك الإمام محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بعد أن عهد لابنه عبيد الله المهدي، وشاع خبر دعاته باليمن وإفريقية، وطلبه المكتفي، وكان يسكن عسكر مكرم، فانتقل إلى الشام، ثم طلب ففر بنفسه وبابنه أبي القاسم وكان غلاما حدثا، وبلغ مصر، وأراد قصد اليمن، فبلغه أن علي بن المفضل أحدث فيها الأحداث من بعد ابن حوشب، وأساء السيرة، فكره دخول اليمن، واتصل به شأن أبي عبد الله، وما فتح الله عليه بالمغرب، فاعتزم على اللحاق به؛ وسرح عيسى النوشري عامل مصر في طلبه، وكانوا خرجوا من الإسكندرية في زي التجار، فلما أدركت الرفقة خفي حالهم، بما اشتبه من الزي، فافلتوا إلى المغرب. انتهى كلام ابن خلدون رحمه الله قال المؤلف رحمة الله عليه: وأنت إذا سلمت من العصبية والهوى، وتأملت ما قد مر ذكره من أقوال الطاعنين في أنساب القوم علمت ما فيها من التعسف والحمل مع ظهور التلفيق في الأخبار، وتبين لك منه ما تأبى الطباع السليمة قبوله، ويشهد الحس السليم بكذبه، فإنه قد ثبت أن الله تعالى لا يمد الكذاب المفتعل بما يكون سببا لانحراف الناس إليه، وطاعتهم له على كذبه. قال تعالى عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم؛ " ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ". وقال تعالى في الدلالة على صدقه: " أفلا يرون أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون ". وقد علم أن الكذب على الله تعالى، والافتراء عليه في دعوى استحقاق الخلافة النبوية على الأمة، والإمامة لهم شرعا بكونه من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته، من
أعظم الجنايات، وأكبر الكبائر، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يظهر من تعاطى ذلك واجترأ عليه، ثم يمده في ظهوره بمعونته، ويؤيده بنصره حتى يملك أكثر مدائن الإسلام، ويورثها بنيه من بعده، وهو تعالى يراه يستظهر بهذه النعم الجليلة على كذبه، ويفتن بمخرقته العباد، ويحدث بباطله الفتن العظيمة والحروب المبيدة في البلاد، ثم يخليه تعالى وما تولى من ذلك بباطله من غير أن يشعره شعار الكذابين، ويحل به ما من عادته تعالى أن يحل بالمفسدين، فيدمره وقومه أجمعين. كما لا يليق بحكمته تعالى أن يخذل من دعا إلى دينه، وحمل الكافة على عبادته، ولا يؤيده على إعلاء كلمته، بل يسلمه في أيدي أعداء دينه المجاهرين بكفرهم وطغيانهم، حتى يزيدهم ذلك كفرا إلى كفرهم، وضلالا إلى ضلالهم، فإن فعله هذا بالصادق في دعائه إليه تعالى كتأييده الكاذب فيها سواء، بل الحكمة الإلهية والعادة الربانية، وسنة الله التي قد خلت في عباده، اقتضت أنه تعالى إذا رأى الكذاب يستظهر بالمحافظة على التنمس بالباطل، ويتوصل إلى إقامة دولته بالكذب، ويحيلها بالزور في ادعائه نسبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غير صحيح، وصرفه الناس عن طاعة بني العباس الثابتة أنسابهم، المرضية سيرتهم، العادلة بزعمهم أحكامهم ومذاهبهم أن يحول بينه وبين همه بذلك، ويسلبه الأسباب التي يتمكن بها من الاحتراز، ويعرضه لما يوقعه في المهلك، ويسلك به سبيل أهل البغي والفساد. فلما لم يفعل ذلك بعبيد الله المهدي، بل كتب تعالى له النصر على من ناوأه، والتأييد بمعونته على من خالفه وعاداه، حتى مكن له في الأرض، وجعله وبينه من بعده أئمة، وأورثهم أكثر البسيطة، وملكهم من حد منتهى العمارة في مغرب الشمس إلى آخر ملك مصر، والشام، والحجاز، وعمان، والبحرين، واليمن، وملكهم بغداد وديار بكر مدة، ونشر دعوتهم إلى خراسان، ونصرهم على عدوهم أي نصر، تبين أن دعواهم الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة، وهذا دليل يجب التسليم له. وقد روى موسى بن عقبة أن هرقل لما سأل أبا سفيان بن حرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما قاله له: أتراه كاذبا أو صادقا؟ قال أبو سفيان: بل هو
كاذب، قال هرقل: لا تقولوا ذلك، فإن الكذب لا يظهر به أحد، " والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ". وقد نقل عن أئمة أهل البيت عليهم السلام الإشارة إلى أمر عبيد الله المهدي، فمن ذلك: أن موسى الكاظم بن جعفر الصادق سئل عن ظهور القائم متى يكون؟ فقال: إن ظهور القائم مثله كمثل عمود من نور سقط من السماء إلى الأرض، رأسه بالمغرب، وأسفله بالمشرق. وكذلك كان بداية أمر المهدي عبيد الله، فإنه ابتدأ من المغرب، وانتهى أمره على يد بنيه إلى المشرق، فإنه ظهر بسجلماسة في ذي الحجة سنة تسعين ومائتين، وهي أقصى مسكون المغرب، ودعي للمستنصر ببغداد في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة. وكان علي بن محمد بن علي بن موسى الكاظم يقول: في سنة أربع وخمسين ومائتين ستكشف عنكم الشدة، ويزول عنكم كثير مما تجدون إذا مضت عنكم سنة اثنتين وأربعين؛ يشير بذلك إلى أن البداية من تاريخ وقته، فيكون المراد سنة ست وتسعين ومائتين، وفي ذي الحجة منها كان ظهور الإمام المهدي بالله رحمة الله عليه.
ذكر ما كان من ابتداء الدولة الفاطمية إلى أن بنيت القاهرة
وذلك أن أبا عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الشعيي، سار إلى أبي القاسم رستم بن الحسن بن فرج بن حوشب بن ذاذان الكوفي باليمن، وصحبه وصار من كبار أصحابه، وكان له علم وفهم ودهاء ومكر، فلما ورد على ابن حوشب موت الحلواني ورفيقه بالمغرب، قال لأبي عبد الله الشعيي: إن أرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلواني وأبو سفيان، وقد ماتا، وليس لها غيرك، فبادر فإنها موطأة ممهدة لك. فخرج أبو عبد الله إلى مكة، وقد أعطاه ابن حوشب مالا، فلما قدم سأل عن حجاج كتامة، فأرشد إليهم، واجتمع بهم، ولم يعرفهم قصده، وذلك أنه جلس قريبا منهم، فسمعهم يتحدثون بفضائل آل البيت، فاستحسن ذلك، وحدثهم في معناه، فلما أراد القيام سألوه أن يأذن لهم في زيارته، فأذن لهم، وسألوه أين مقصده؟ فقال: مصر، ففرحوا بصحبته، فرحلوا، وهو لا يخبرهم بغرضه، وأظهر العبادة والزهد، فازدادوا فيه رغبة، وخدموه. وكان يسألهم عن بلادهم وأحوالهم وقبائلهم، وعن طاعتهم لسلطان إفريقية؛ فقالوا: ماله علينا طاعة، وبيننا وبينه عشرة أيام.
قال: أتحلمون السلاح؟ قالوا: هو شغلنا ولم يزل يتعرف أحوالهم حتى وصلوا إلى مصر، فلما أراد وداعهم قالوا له: أي شيء تطلب بمصر؟ قال: أطلب التعليم بها قالوا: إذا كنت تقصد هذا، فبلادنا أنفع لك، ونحن أعرف بحقك ولم يزالوا به حتى أجابهم إلى المسير معهم. فلما قاربوا بلادهم رجال من الشيعة فأخبروهم بخبره، فرغبوا في نزوله عندهم، وأقرعوا فيمن يضيفه منهم. ثم ارتحلوا حتى وصلوا إلى أرض كتامة منتصف ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ومائتين، فسأله قوم أن ينزل عندهم حتى يقاتلوا دونه، فقال لهم: أين يكون فج الأخيار؟ فعجبوا من ذلك، ولم يكونوا ذكروه له، فقالوا له: عند بني سليمان. فقال: إليه نقصد، ثم نأتي كل قوم منكم في ديارهم، ونزورهم في بيوتهم فأرضى بذلك الجميع.
وسار إلى جبل يقال له إيكجان، وفيه فج الأخيار، فقال: هذا فج الأخيار، وما سمى إلا بكم، ولقد جاء في الآثار: للمهدي هجرة تنبو عن الأوطان، ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان، قوم اسمهم مشتق من الكتمان، وبخروجكم في هذا الفج سمى فج الأخيار. فتسامعت القبائل، وأتاه البرابر من كل مكان، فعظم أمره إلى أن تقاتلت كتامة عليه مع قبائل البربر، وهو لا يذكر في ذلك اسم المهدي، فاجتمع أهل العلم على مناظرته وقتله، فمنعه الكتاميون من المناظرة، وكان اسمه عندهم أبا عبد الله المشرقي. وبلغ خبره إلى إبراهيم بن أحمد بن الأغلب أمير إفريقية، فأرسل إلى عامله على مدينة ميلة ليسأله عن أمره، فصغره عنده، وذكر أنه يلبس الخشن، ويأمر بالخير والعبادة، فسكت عنه. ثم إن أبا عبد الله قال للكتاميين. أنا صاحب البذر الذي ذكر لكم أبو سفيان والحلواني. فازدادت محبتهم له، وتعظيمهم لأمره، فلما ظهر لأهل المغرب علمه وفضله، قال أحد الأولياء لأصحابه: لولا واحدة كان الحلواني يقولها ما تخالجني الشك في أن هذا الرجل هو الذي كان الحلواني يبشر به.
قالوا: وما هي؟ قال: كان إذا وصفه قال: في فيه إصبع فبلغ ذلك أبا عبد الله فتبسم وقال: هذا لا يكون فلما أخذ العهد بعد ذلك على من سمع هذا القول، واشترط عليهم الكتمان، وضع إصبعه على فيه وقال: هذا هو الإصبع الذي كان يقوله الحلواني، أمركم بالصمت والكتمان، فأما أن يكون في فم رجل إصبع فلا فقالوا كذلك والله هو وتفرقت البرابر وكتامة بسببه، وأراد بعضهم قتله، فاختفى، ووقع بينهم قتال شديد، واتصل الخبر بالحسن بن هرون من أكابر كتامة فأخذ أبا عبد الله إليه، ودافع عنه، ومضى به إلى مدينة تاصروت، فأتته القبائل من كل مكان، وعظم شأنه، وصارت الرئاسة للحسن بن هرون، وسلم إليه أبو عبد الله أعنة الخيل، وظهر من الاستتار، وشهد الحروب، فكان الظفر له، وغنم الأموال، وخندق على مدينة تاصروت، وقد زحفت إليه قبائل المغرب، فاقتتلوا عدة مرار، كان له فيها الظفر، وصار إليه أموالهم، فاستقام له أمر البربر وعامة كتامة، وزحف إلى مدينة ميلة، وقاتل أهلها قتالا شديدا، وأخذ الأرباض، ثم ملك البلد بأمان، فبعث إليه إبراهيم بن الأغلب ابنه الأحول في إثنى عشر ألفا، وأتبعه بمثلهم، فالتقى مع أبي عبد الله، فانهزم أبو عبد الله، وقتل كثير من أصحابه، وتبعه الأحول، فحال بينهما الثلج، ولحق أبو عبد الله بجبل إيكجان، وملك الأحول مدينة تاصروت، وأحرقها وأحرق مدينة ميلة، فبنى أبو عبد الله دار هجرة بإيكجان، وقصده أصحابه، وعاد الأحول إلى إفريقية،
فمات إبراهيم بن الأغلب، وقتل ابنه أبو العباس، وولى زيادة الله بن الأغلب، واشتغل باللهو واللعب، فاشتد سرور أبي عبد الله. ثم إن أبا مضر زيادة الله قتل الأحول، فانتشرت حينئذ جنود أبي عبد الله في البلاد، وصار يقول: المهدي يخرج في هذه الأيام، ويملك الأرض، فيا طوبى لمن هاجر إلي، وأطاعني. وأخذ يغري الناس بزيادة الله ويعيبه، وكان أكثر من عند زيادة الله من الوزراء شيعة، فلم يكن يسوءهم ظفر أبي عبد الله، خصوصا وقد كان يذكر لهم من كرامات المهدي، وأنه يحيي الموتى، ويرد الشمس من مغربها، ويملك الأرض بأسرها، وهو مع ذلك يبعث إلى الوزراء، ويعدهم، وبعث أبو عبد الله برجال.
ذكر خروج عبيد الله المهدي إلى المغرب
وكان من خبر ذلك أن أبا عبد الله سير إلى عبيد الله رجالا من كتامة يخبرونه بما فتح الله عليه، وأنهم ينتظرونه، فوافوه بسلمية من أرض حمص، قد كان اشتهر خبر عبيد الله عند الناس، فطلبه المكتفي، ففر من سلمية ومعه ابنه أبو القاسم نزار الذي قام بالأمر من بعده، وخرج معهما خاصته ومواليه. فلما انتهى إلى مصر أقام مستترا بزي التجار، فأتت الكتب إلى عيسى التوشري أمير مصر من المعتضد بالله العباسي بصفة عبيد الله وحليته، وأنه يأخذ عليه الطرق ويقبضه وكل من يشبهه؛ فلما قرئت الكتب كان في المجلس ابن المدير الكاتب، فبلغ ذلك عبيد الله، فسار من مصر مع أصحابه ومعه أموال كثيرة، فأوسع في النفقة على من صحبه، وفرق النوشري الأعوان في طلب عبيد الله، وخرج بنفسه، فلما رآه لم يشك فيه، وقبض عليه، ووكل به وقد نزل في بستان، ثم استدعاه ليأكل معه، فأعلمه أنه صائم، فرق له، وقال: أعلمني حقيقة أمرك حتى أطلقك. فخوفه الله تعالى وأنكر حاله، وما زال يتلطف به حتى أطلقه وخلى سبيله، وأراد أن يرسل معه من يوصله إلى رفقته، فقال: لا حاجة إلى ذلك، ودعا له. وقيل إنه أعطاه مالا في الباطن حتى أطلقه، فرجع بعض أصحاب النوشري عليه باللوم، فندم على إطلاقه، وأراد أن يبعث الجيش وراءه ليرده. وكان عبيد الله قد لحق بأصحابه، فإذا ابنه أبو القاسم قد ضيع كلبا كان يصيد به،
وهو يبكي عليه، فعرفه عبيده أنهم تركوه في البستان الذي كانوا فيه، فرجع عبيد الله بسبب الكلب حتى دخل البستان ومعه عبيده، فلما رآه النوشري سأل عن خبره، فقيل إنه عاد بسبب كلب لولده، فقال النوشري لأصحابه: قبحكم الله، أردتم أن تحملوني على هذا الرجل حتى آخذه، فلو كان يطلب ما يقال أو لو كان مريبا لكان يطوى المراحل ويخفى نفسه، ولا كان يرجع في طلب كلب وتركه، ولم يعرض له. فسار عبيد الله وخرج عليه عدة من اللصوص بموضع يقال له: الطاحونة، فأخذوا بعض متاعه، منه كتب وملاحم كانت لآبائه، فعظم أمرها عليه، فيقال إنه لما خرج ابنه أبو القاسم في المرة الأولى إلى الديار المصرية أخذها من ذلك المكان. ثم إن عبيد الله انتهى هو وولده إلى مدينة طرابلس، ففارق التجار، وكان في صحبته أبو العباس أخو أبي عبد الله، فقدمه عبيد الله إلى القيروان، فسار إليها، فوجد خبر عبيد الله قد سبق إلى زيادة الله بن الأغلب، فقبض على أبي العباس وقرره، فأنكر، وقال: أنا رجل تاجر صحبت رجلا في القفل، فحبس. وبلغ الخبر إلى عبيد الله، فسار إلى قسنطينة. ووصل كتاب زيادة الله إلى ناظر طرابلس بأخذ عبيد الله، فلم يدركه، ووافى عبيد الله قسطنطينة، فلم يقصد أبا عبد الله، لأن أخاه أبا العباس كان قد أخذ، وسار إلى سجلماسة، فوافت الرسل في طلبه، وقد سار فلم يوجد، ووصل إلى سجلماسة فأقام بها، وقد أقيمت له المراصد بالطرقات.
وكان على سجلماسة اليسع بن مدرار، فأهدى إليه عبيد الله وواصله، فقربه اليسع وأحيه، فأتاه كتاب زيادة الله يعرفه أن الرجل الذي يدعو إليه أبو عبد الله الشيعي عنده، فلم يجد بدا من القبض على عبيد الله وحبسه. وأخذ زيادة الله في جمع العساكر، فقدم إبراهيم بن حنيش من أقاربه على أربعين ألفا، وسلم إليه الأموال والعدد، وسار وقد انضاف إليه مثل جيشه، فنزل مدينة قسنطينية، وأتاه كثير من كتامة الذين لم يطيعوا أبا عبد الله، وقتل في طريقه خلقا كثيرا من أصحاب أبي عبد الله هذا، وأبو عبد الله متحصن بالجبل، فأقام إبراهيم بقسنطينية ستة أشهر، فلما رأى أن أبا عبد الله لا يتقدم إليه زحف بعساكره، فأخرج إليه أبو عبد الله خيلا، فلما رآها إبراهيم قصد إليها بنفسه، والأثقال على ظهور الدواب لم تحط، فقاتلهم قتالا كثيرا، وأدركهم أبو عبد الله، فانهزم إبراهيم بمن معه وجرح، فغنم أبو عبد الله جميع ما معهم، وقتل منهم خلقا كثيرا، فسار إبراهيم إلى القيروان، وعظم أمر أبي عبد الله، واستقرت دولته. وكتب كتابا إلى عبيد الله وهو بسجن سجلماسة يبشره، وسير الكتاب مع بعض ثقاته، فدخل عليه السجن في زي قصاب يبيع اللحم، فاجتمع به وعرفه. ونازل أبو عبد الله عدة مدائن فأخذها بالسيف، وضايق زيادة الله، فحشد وجمع عساكره، وبعث إليه هرون الطيبي في خلق كثير، فقتل هرون في خلائق لا تحصى. فاشتد الأمر على زيادة الله، وخرج بنفسه، فوصل إلى الأربس في سنة خمس وتسعين ومائتين، وسير جيشا مع ابن عمه إبراهيم بن الأغلب. واشتغل زيادة الله بلهوه ولعبه، وأبو عبد الله يأخذ المدائن شيئا بعد شيء عنوة وصلحا، فأخذ مجانة، وتيفاش، ومسكيانة وتبسة، وسار إلى إبراهيم، فقتل من أصحابه، وعاد إلى جبل إيكجان.
فلما دخل فصل الربيع، وطاب الزمان، جمع أبو عبد الله عسكره فبلغت مائة ألف فارس وراجل، وجمع زيادة الله ما لا يحصى، وسار أول جمادى الآخرة سنة ست وتسعين ومائتين، فالتقوا مع أبي عبد الله، واقتتلوا أشد قتال، وطال زمنه، وظهر أصحاب زيادة الله، ثم إن أبا عبد الله كادهم بخيل بعثها من خلفهم، فانهزم أصحاب زيادة الله، وأوقع فيهم القتل، وغنم أموالهم، وكان ذلك في آخر جمادى الآخرة، ففر زيادة الله إلى ديار مصر، فدخل إبراهيم بن الأغلب إلى القيروان، فقصد قصر الإمارة، ونادى بالأمان، وتسكين الناس، وذكر زيادة الله وذمه، وصغر أمر أبي عبد الله، ووعد الناس بقتاله، وطلب منهم الأموال، فقالوا: إنما نحن فقهاء وعامة التجار، وما في أموالنا ما يبلغ غرضك، ثم إنهم ثارا به ورجموه. فخرج عنهم. ودخل أبو عبد الله إلى مدينة رقادة، فأمن الناس، ومنع من النهب، وخرج الفقهاء ووجوه أهل القيروان إلى لقاء أبي عبد الله، وسلموا عليه، وهنوه بالفتح، فرد عليهم ردا حسنا، وأمنهم، وقد أعجبوا به وسرهم، فأخذوا في ذم زيادة الله وذكر مساوئه، فقال لهم: ما كان إلا قويا وله منعة ودولة شامخة، وما قصر في مدافعته، ولكن أمر الله لا يعاند ولا يدافع. فامسكوا عن الكلام. وكان دخول أبي عبد الله رقادة يوم السبت مستهل رجب سنة ست وتسعين ومائتين، فنزل ببعض قصورها، وفرق دورها على كتامة، ونادى بالأمان، فرجع الناس إلى أوطانهم، وأخرج العمال إلى البلاد، وطلب أهل الشر فقتلهم، وأمر بجمع ما كان لزيادة الله من الأموال والسلاح وغيره، فاجتمع منه كثير، وكان له دعة من الجواري لهن حظ من الجمال، فلم ينظر إلى واحدة منهن، وأمر لهن بما يصلحهن. فلما كان يوم الجمعة أمر الخطباء بالقيروان ورقادة فخطبوا ولم يذكروا أحدا، وأمر
بضرب السكة وألا يتسم عليها اسم، وجعل في الوجه الواحد: بلغت حجة الله، وفي الآخر: تفرق أعداء الله. ونقش على السلاح: عدة في سبيل الله. ووسم الخيل على أفخاذها: الملك لله. وأقام على ما كان عليه من لباس الخشن الدون، والقليل من الطعام الغليظ. ولما استقرت الأمور لأبي عبد الله في رقادة وسائر بلاد إفريقية أتاه أخوه أبو العباس أحمد المخطوم، ففرح به، وكان هو الكبير.
ذكر ظهور عبيد الله المهدي من سجلماسة
وذلك أن أبا عبد الله الشيعي لما دخل شهر رمضان سنة ست وتسعين ومائتين سار من رقادة وقد استخلف أخاه أبا العباس على إفريقية في جيوش عظيمة، فاهتز المغرب لخروجه، وخافته زناتة، وزالت القبائل عن طريقه، وأتته رسلهم فدخلوا في طاعته، فلما قرب من سجلماسة بعث اليسع بن مدرار صاحبها إلى عبيد الله وهو في جيشه يسأله عن نسبه وحاله، وهل أبو عبد الله قصد إليه؟ فحلف به أنه ما رأى أبا عبد الله، وإنما أنا رجل تاجر، فأفرده معتقلا بدار وحده، وأفرد ابنه أيضا، فجعل عليهما الحرس، وقرر ولده، فما حال عن كلام أبيه، وقرر رجالا كانوا معه وضربهم، فلم يقروا بشيء. وبلغ ذلك أبا عبد الله، فشق عليه، وأرسل إلى اليسع يتلطف به وأنه لم يقصده للحرب، وإنما له حاجة مهمة عنده، فرمى الكتب وقتل الرسل، فعاوده بالملاطفة خوفا على عبيد الله، ولم يذكره، فقتل الرسول ثانيا، فأسرع أبو عبد الله في السير، ونزل عليه، فخرج إليه اليسع وقاتله يومه كله، فلما جنه الليل فرق أصحابه من أهله وبني عمه، وبات أبو عبد الله في غم عظيم خوفا على عبيد الله. فلما أصبح خرج إليه أهل البلد، وأعلموه بهرب اليسع، فدخل هو وأصحابه البلد، وأتوا مكان عبيد الله وأخرجوه وأخرجوا ابنه في يوم الأحد لسبع خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائتين، وقد انتشر في الناس سرور عظيم كادت تذهب منه عقولهم؛ فأركبهما أبو عبد الله، ومشى هو ورؤساء القبائل بين أيديهما، وأبو عبد الله يقول للناس: هذا مولاكم، وهو يبكي من شدة الفرح، حتى وصل إلى فسطاط ضربه له فنزل فيه، وبعث الخيل في طلب اليسع، فأدرك وأخذ، فضرب بالسياط وقتل.
وأقام عبيد الله المهدي بسجلماسة أربعين يوما، ثم سار إلى إفريقية، وأحضر الأموال من إيكجان فجعلها أحالا، وصار بها إلى رقادة في العشر الأخير من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين. وزال مالك بني الأغلب من إفريقية، وملك بني مدرار من سجلماسة، وملك بني رستم من تاهرت. وملك المهدي جميع ذلك، فلما قرب من رقادة تلقاه أهلها وأهل القيروان وأبو عبد الله ورؤساء كتامة مشاة بين يديه، وابنه خلفه، فسلموا عليه، فرد عليهم ردا جميلا، وأمرهم بالانصراف، ونزل بقصر من قصور رقادة. وأمر يوم الجمعة أن يذكر اسمه في الخطبة، ويلقب بالمهدي أمير المؤمنين في جميع البلاد، فما كان بعد صلاة الجمعة جلس رجل يعرف بالشريف ومعه الدعاة، وأحضروا الناس، ودعوهم إلى مذهبهم، وقتل من لم يوافق. وعرض المهدي جواري زيادة الله فاختار منهن لنفسه ولولده، وفرق ما بقي على وجوه كتامة، وقسم عليهم أعمال إفريقية، ودون الدواوين، وجبا الأموال، واستقرت قدمه، ودانت له أهل البلاد، واستعمل العمال عليها:
ذكر قتل أبي عبد الله الشيعي
وكان سبب قتله أن المهدي لما استقامت له البلاد باشر الأمور بنفسه، وكف يد أبي عبد الله ويد أخيه أبي العباس، فداخل أبا العباس الحسد، وعظم عليه الفطام عن الأمر والنهي، والأخذ والعطاء، فأقبل يزري على المهدي في مجلس أخيه، ويتكلم فيه، وأخوه ينهاه، ولا يزيده ذلك إلا لجاجا، ولام أخاه وقال له: ملكت أمرا، فجئت بمن أزالك عنه، وكان الواجب عليه أن لا يسقط حقك. وما زال به حتى أثر في قلب أبي عبد الله، وقال للمهدي: لو كنت تجلس في قصرك وتتركني مع كتامة آمرهم وأنهاهم، لأني عارف بعاداتهم لكان ذلك أهيب لك في أعين الناس. وكان قد بلغ المهدي ما يجهر به أبو العباس، فرد ردا لطيفا، وأسر ذلك في نفسه. وأخذ أبو العباس يسر إلى المقدمين بما في نفسه، ويقول. ما جازاكم على ما فعلتم، بل أخذ هو الأموال من إيكجان، ولم يقسمها فيكم. وكل ذلك يبلغ المهدي وهو يتغافل، فزاد أبو العباس في القول، حتى قال: إن هذا ليس بالذي كنا نعتقد طاعته وندعو إليه، لأن المهدي يأتي بالآيات الباهرة. فأثر ذلك في قلوب كثير من الناس، حتى إن بعضهم من كتامة واجه المهدي بذلك وقال: إن كنت المهدي فأظهر لنا آية، فقد شككنا فيك. فقتله المهدي. وخافه أبو عبد الله، وعلم أن المهدي قد تغير عليه، فاتفق مع أخيه بجماعة من كتامة على المهدي، ودخلوا عليه مرارا، فلم يجسروا على قتله، ونقل ذلك إلى المهدي من رجل
كان يوافقهم على ما هم فيه، ثم يأتي المهدي فيخبره، فأخذ المهدي في تفريق القوم في البلاد، وكان كبيرهم أبو زاكي تمام بن معارك الإيكجاني، فسيره واليا على طرابلس، وكتب إلى عاملها سرا بقتله عند وصوله، فلما وصل أبو زاكي قتله العامل، وأرسل برأسه إلى المهدي، فأمر حينئذ بقتل جماعة، وأعد رجالا لأبي عبد الله وأخيه أبي العباس، فلما وصلا إلى قرب القصر حمل القوم على أبي عبد الله، فقال: لا تفعلوا فقالوا له: إن الذي أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك، فقتل هو وأخوه في اليوم الذي قتل فيه أبو زاكي، وذلك يوم الاثنين للنصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين بمدينة رقادة، وصلى عليه المهدي، وقال: رحمك الله أبا عبد الله وجزاك خيرا بجميل سعيك. وثارت فتنة بسبب قتلهما، وجرد أصحابها السيوف، فركب المهدي وأمن الناس فسكنوا ثم تتبعهم حتى قتلهم. وثارت فتنة ثانية بين كتامة وأهل القيروان قتل فيها خلق كثير، فخرج المهدي وسكن الفتنة، وكف الدعاة عن طلب التشيع من العامة. وكان أبو عبد الله من الرجال الدهاة الخبيرين بما يصنعون، أحد رجالات العالم القائمين بنقض الدول وإقامة الممالك العظيمة من غير مال ولا رجال. ولما قتل أبو عبد الله واستقام أمر المهدي عهد إلى ولده أبي القاسم بالخلافة، ورجعت كتامة إلى بلادهم فأقاموا طفلا، وقالوا: هذا هو المهدي، ثم زعموا أنه يوحى إليه، وزعموا أن أبا عبد الله لم يمت، فبعث إليهم المهدي ابنه أبا القاسم، فقاتلهم حتى هزمهم، واتبعهم إلى البحر، وقتل منهم خلقا كثيرا، وقتل الطفل الذي أقاموه. ثم إن أهل صقلية خالفوا على المهدي، فأنفذ إليها، وقتل من أهلها. وخالف عليه أهل تاهرت، فغزاها، وقتل أهل الخلاف، وتتبع بني الأغلب، فقتل منهم جماعة برقادة. فلما كان سنة إحدى وثلاثمائة جهز المهدي العساكر من إفريقية مع ولده أبي القاسم إلى مصر، فساروا إلى برقة، واستولوا عليها في ذي الحجة، وساروا إلى الاسكندرية والفيوم
فضيق على أهلهما، وبعث المقتدر بالله مؤنسا الخادم في جيش كثيف، فحاربهم وأجلاهم عن مصر إلى المغرب. وكان سبب تحرك أبي القاسم بن المهدي إلى حرب أهل مصر أنه وجه إلى بغداد قصيدة يفخر فيها بنسبه، وبما فتح من البلاد، فأجابه الصولي بقصيدة على وزنها ورويها، فمنها: فلو كانت الدنيا مثالا لطائر ... لكان لكم منها بما حزتم الذنب فحرك همته هذا البيت، وقال: والله لا أزال حتى أملك صدر الطائر ورأسه إن قدرت، وإلا أهلك دونه. وكابد على ديار مصر من الحروب أهوالا، ومات ولم يظفر بها، وأوصى ابنه المنصور بما كان في عزمه، فشغلته الفتن، وكان الظافر بها المعز. فلما كان في سنة اثنتين وثلاثمائة أنفذ المهدي جيشا مع قائد من قواده يقال له حباسة في البحر، فغلب على الاسكندرية، ثم سار منها يريد مصر، فأرسل المقتدر بالله مؤنسا في عسكر إلى مصر، وأمده بالسلاح والأموال، فالتقى بحباسة في جمادى الأولى، فكانت بينهما حروب كثيرة، قتل فيها من الفريقين جمع عظيم، وانهزم حباسة في سلخ جمادى الآخرة، ويقال إنه قتل في هذه الواقعة سبعة آلاف ولما صار حباسة إلى المغرب قتله المهدي. وفيها، خالف عليه عروبة بن سيف الكتامي بالقيروان، واجتمع عليه خلق كثير من كتامة والبرابر، فأخرج إليهم المهدي موالاه غالبا، فاقتتلوا، فقتل غالب في عالم لا يحصى، وجيء بعدة رءوس إلى المهدي في قفة، فقال:
ما أعجب أمور الدنيا، قد جمعت هذه القفة رؤوس هؤلاء، وقد كان يضيق بهم فضاء المغرب. ثم إن المهدي خرج بنفسه يرتاج موضعا على ساحل البحر يتخذ فيه مدينة، وكان يجد في الكتب خروج أبي يزيد النكاري على دولته، فلم يجد موضعا أحسن ولا أحصن من موضع المهدية، وهي جزيرة متصلة بالبر كهيئة كف متصلة بزند، فبناها، وجعلها دار ملكه، وجعل لها سورا محكما، وأبوابا عظيمة، زنة كل مصراع مائة قنطار. وكان ابتداء بنائها في يوم السبت لخمس خلون من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثمائة، فلما ارتفع السور أمر راميا بالقوس يرمى سهما إلى ناحية المغرب، فرمى بسهم فانتهى موضع المصلى، فقال: إلى موضع هذا يصل صاحب الحمار يعني أبا يزيد الخارجي فإنه كان يركب حمارا. وكان يأمر الصناع بما يعملون، وأمر أن تنقر دار صناعة في الجبل تسع مائة شينى،
وعليها باب مغلق، ونقر في أرضها أهراء للطعام، ومصانع للماء، وبنى فيها القصور والدور، فلما فرغ منها قال: اليوم آمنت على الفاطميات يعني بناته، وارتحل عنها. ولما رأى إعجاب الناس بها وبحصانتها قال: هذه بنيتها لتعتصم بها الفواطم ساعة من نهار، فكان كذلك، لأن أبا يزيد وصل إلى موضع السهم ووقف فيه ساعة وعاد ولم يظفر. فلما كان في سنة ست وثلاثمائة جهز المهدي جيشا كثيفا مع ابنه أبي القاسم إلى مصر، وهي المرة الثانية، فوصل الاسكندرية في ربيع الآخر، ودخلها القاسم، ثم سار منها، وملك الأشمونين وكثيرا من الصعيد، وكتب إلى أهل مكة يدعوهم إلى طاعته، فلم يقبلوا منه، فبعث المقتدر مؤنسا الخادم في شعبان، فوصل إلى مصر، وكانت بينه وبين القائم عدة وقعات. ووصل من إفريقية ثمانون مركبا نجدة للقائم من أبيه، فأرست بالاسكندرية، وعليها سليمان الخادم، ويعقوب الكتامي، وكانا شجاعين. فأمر المقتدر أن تسير مراكب طرسوس، فسار إليهم خمس وعشرون مركبا، فيها النفط والعدد، فالتقت المراكب على رشيد، فظفرت مراكب المقتدر، وأحرقوا كثيرا من مراكب إفريقية، وأهلك أكثر أهلها وأسر منها كثير، فيهم سليمان ويعقوب، فمات سليمان بمصر في الحبس، وحمل يعقوب إلى بغداد، فهرب منها، وعاد إلى إفريقية. وغلب مؤنس عساكر القائم، ووقع فيهم الغلاء والوباء، فمات كثير منهم، ورجع من بقي إلى
إفريقية، وفيهم القائم، وتلقب مؤنس الخادم من حينئذ بالمظفر، لغلبته عساكر المغرب غير مرة. فلما كانت سنة خمس عشرة وثلاثمائة سير المهدي ابنه أبا القاسم من المهدية إلى المغرب في جيش كثير، في صفر، بسبب خارجي خرج عليه، وقتل خلقا، فوصل إلى ما وراء تاهرت. وعاد فخط برمحه في الأرض صفة مدينة سماها المحمدية، وكانت خطة لبني كملان، فأخرجهم منها إلى فحص القيروان، كالمتوقع منهم أمرا، فلذلك أحب أن يكونوا قريبا منه، وهم كانوا أصحاب أبي يزيد الخارجي. وكان المهدي يشبه في خلفاء بني العباس بالسفاح، فإن السفاح خرج من الحميمة بالشام، يطلب الخلافة والسيف يقطر دما، والطلب مراصد، وأبو سلمة الخلال يؤسس له الأمر، ويبث دعوته؛ وعبيد الله خرج من سلمية في الشام، وقد أذكيت العيون عليه، وأبو عبد الله الشيعي ساع في تمهيد دولته، وكلاهما تم له الأمر، وقتل من قام بدعوته. وانتقل كثير من الناس إلى المحمدية، وأمر عاملها أن يكثر من الطعام، ويخزنه ويحتفظ به، ففعل ذلك، فلم يزل مخزونا حتى خرج أبو يزيد، ولقيه المنصور بن القائم بن المهدي، ومن المحمدية كان يمتار ما يريد إذ ليس بالموضع مدينة سواها. فلما كان يوم الاثنين الرابع عشر، وقيل وقت صلاة المغرب ليلة الثلاثاء النصف من ربيع الأول، سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة توفي أبو محمد عبيد الله المهدي بالمهدية، وأخفى ابنه أبو القاسم موته سنة لتدبير كان له، فإنه كان يخاف الناس إذا علموا بموت المهدي.
وكان عمر المهدي لما توفى ثلاثا وستين سنة لم تكمل. وكانت ولايته منذ دخل رقادة ودعى له بالإقامة إلى أن توفي أربعا وعشرين سنة، وعشرة أشهر، وعشرين يوما. وقيل: كانت ولادته بسلمية من أرض الشام في سنة تسع وخمسين، وقيل سنة ستين ومائتين؛ وقيل: ولد بالكوفة. ودعى له على منابر رقادة والقيروان يوم الجمعة لسبع بقين من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين. وتوفي ليلة الثلاثاء منتصف ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. ونقش خاتمة: بنصر الإله الممجد، ينتصر الإمام أبو محمد. وقال فيه سعدون الورجيلي: كفي عن التثبيط إني زائر ... من أهل بيت الوحي خير مزور هذا أمير المؤمنين تضعضعت ... لقدومه أركان كل أمير هذا الإمام الفاطمي ومن به ... أمنت مغاربها من المحذور والشرق ليس لشامه وعراقه ... من مهرب من جيشه المنصور حتى يفوز من الخلافة بالغ ... ويفاز منه بعدله المنشور
القائم بأمر الله أبو القاسم محمد وقيل عبد الرحمن بن المهدي عبيد الله
ولد بسلمية في المحرم سنة ثمانين وقيل سبع وسبعين ومائتين، ورحل مع أبيه إلى المغرب، وعهد إليه من بعده. فلما مات أبوه، وفرغ من جميع ما يريده، وتمكن، أظهر موت أبيه، وتبع سنة أبيه، وثار عليه جماعة، فتمكن منهم. وخرج عليه ابن طالوت في ناحية طرابلس، فبعث إليه وقتله، وجهز جيشا كثيرا إلى المغرب، فهزم خارجيا هناك. وسير جيشا في البحر إلى بلد الروم، فسبى وغنم في بلد جنوه. وسير جيشا بالغ في النفقة عليهم إلى مصر، فدخلوا الاسكندرية، فبعث الأخشيد فهزمهم.
ذكر أبي يزيد مخلد بن كيداد الخارجي
وحروبه وذلك أنه لما كان سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة خرج أبو يزيد بن كيداد النكاري الخارجي بإفريقية، واشتدت شوكته، وكثرت أتباعه، وهزم الجيوش. وكان ابتداء أمره أنه من زناة من مدينة توزر، وكان أبوه يختلف إلى بلاد السودان للتجارة، فولد بها أبو يزيد من جارية صفراء هوارية، فأتى به إلى توزر، فنشأ بها، وتعلم القرآن، وخالط جماعة من النكارية، فمالت نفسه إلى مذهبهم، ثم سافر إلى تاهرت، فأقام بها يعلم الصبيان إلى أن خرج أبو عبد الله الشيعي إلى سجلماسة في طلب عبيد الله المهدي، فانتقل إلى تقيوس، واشترى ضيعة، وأقام يعلم الناس فيها. وكان مذهبه تكفير أهل الملة، واستباحة الأموال والدماء، والخروج على السلطان، فابتدأ يحتسب على الناس في أفعالهم، وصار له جماعة يعظمونه، وذلك في أيام المهدي سنة ست عشرة وثلاثمائة. وتزايدت شوكته، وكثرت أتباعه في أيام القائم، وحاصر باغاية، وهزم الجيوش الكثيرة، ثم حاصر قسطيلية سنة ثلاث وثلاثين، وفتح تبسة ومجانة، وهدم سورها، ودخل مدينة مرمجنة، فلقيه رجل من أهلها، وأهدى له حمارا أشهب مليح الصورة،
فركبه من ذلك اليوم، وصار يعرف براكب الحمار، وكان قصيرا أعرج يلبس جبة صوف قصيرة، وكان قبيح الصورة. ثم إنه هزم كتامة، وافتتح سبتية، وصلب عاملها، وفتح مدينة الأربس، وأحرقها ونهبها، والتجأ الناس إلى الجامع فقتلهم فيه، وبلغ ذلك أهل المهدية فاستعظموه، وقالوا للقائم: الأربس باب إفريقية، ولما أخذت زالت دولة بني الأغلب، فقال: لا بد أن يبلغ أبو يزيد المصلى، وهي أقصى غايته. وأخرج القائم الجيوش لضبط البلاد، وجمع العساكر، وبعث جيشا مع فتاه ميسور، وجيشا مع فتاه بشرى، فسار أبو يزيد وواقع بشرى على باجة، فانهزم أبو يزيد، وصار في أربعمائة، فمال إلى خيام بشرى وانتهبها، فانهزم بشرى إلى تونس وقتل كثير من عسكره، وملك أبو يزيد باجة، وحرقها، ونهبها، وقتل الأطفال، وأخذ النساء، وكتب إلى القبائل يدعوهم إلى نفسه فأتوه، وعمل الأخبية والبنود وآلات الحرب. وجمع بشرى جيشا وأنفذه إلى أبي يزيد، فسير إليهم أبو يزيد جيشا، والتقوا، وانهزم أصحاب أبي يزيد. وكانت فتنة بتونس، وهرب عاملها، وكاتبوا أبا يزيد فأمنهم، وولى عليهم رجلا منهم، فخافه الناس، وانتقلوا إلى القيروان، وأتاه كثير منهم، ثم لقيه بشرى، فانهزم عسكر أبي يزيد، وقتل منهم أربعة آلاف، وأسر خمسمائة، وبعث بهم إلى المهدية في السلاسل، فقتلهم العامة. فغضب لذلك أبو يزيد، وجمع الجموع.
وسار إلى قتال الكتاميين فتلاقى مع طلائعهم، فانهزمت الطلائع، وتبعهم البربر إلى رقادة، فنزل أبو يزيد بالقرب من القيروان في مائة ألف مقاتل، وقاتل أهل رقادة، فقتل من أهل القيروان خلقا كثيرا، ودخل القيروان عسكره في أواخر صفر، فانتهبوا البلد وقتلوا، وأخذ عامل القيروان فحمل إلى أبي يزيد فقتله. وخرج شيوخ القيروان إلى أبي يزيد وهو برقادة فطلبوا الأمان فماطلهم، وأصحابه يقتلون وينهبون، فعادوا إلى الشكوى وقالوا: خربت المدينة. فقال: وما تكون؟ خربت مكة والبيت المقدس؟! ثم قدم ميسور في عساكر عظيمة، فالتقى بأبي يزيد، واشتد القتال بينهما، وقتل ميسور، وحمل رأسه إلى أبي يزيد، فانهزم عامة عسكره. وسير أبو يزيد الكتب إلى عامة البلاد يخبر بهذا الظفر فخاف القائم ومن معه بالمدينة، وانتقل الناس من أرباضها، فاحتموا بالسور، فمنعهم القائم، ووعدهم الظفر، فعادوا إلى زويلة واستعدوا، وأقام أبو يزيد شهرين وثمانية أيام في خيم ميسور، وهو يبعث السرايا إلى كل ناحية، فيغنمون ويعودون؛ وفتح سوسة بالسيف، وقتل الرجال، وسبى النساء، وأحرق البلد، وشق أصحابه فروج النساء، وبقروا البطون، حتى لم يبق موضع في إفريقية معمور، ولا سقف مرفوع، ومضى جميع من بقى إلى القيروان حفاة عراة، فمات أكثرهم جوعا وعطشا.
وفي أواخر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة حفر القائم الخنادق حول أرباض المهدية، وكتب إلى زيرى بن مناد سيد صنهاجة، وإلى سادات كتامة والقبائل بحثهم على الاجتماع بالمهدية، فتأهبوا للمسير إليه. ورحل أبو يزيد نحو المهدية، فنزل على خمسة عشر ميلا منها، وبث سراياه فانتهبوا ما وجدوا، وقتلوا من أصابوا. فلما كان يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الأولى من السنة خرجت كتامة وأصحاب القائم إلى أبي يزيد، فالتقوا على ستة أميال من المهدية، واقتتلوا مع أصحاب أبي يزيد، وأدركهم أبو يزيد وقد انهزم أصحابه وقتل كثير منهم، فلما رآه الكتاميون انهزموا من غير قتال، وأبو يزيد في أثرهم إلى باب الفتح. واقتحم قوم من البربر باب الفتح، وأشرف أبو يزيد على المهدية، ثم رجع إلى منزله، وعاد إلى المهدية، ووقف على الخندق المحدث، وقاتل عليه حتى وصل إلى باب المهدية عند المصلى الذي للعيد وبينه وبين المهدية رمية سهم، وتفرق أصحابه في زويلة ينهبون ويقتلون، وهم لا يعلمون ما صنع أبو يزيد في ذلك الجانب، فحمل الكتاميون على البربر، وهزموهم وقتلوا منهم. ووصل زيرى بن مناد فعظم القتال، وتحير أبو يزيد، وقد مالوا عليه ليقتلوه، فتخلص إلى منزله بعد المغرب، ورحل إلى ترنوطة، وحفر على عسكره خندقا، واجتمع
إليه خلق عظيم من إفريقية والبربر ونفوسة، والزاب، وأقاصي المغرب، فحصر المهدية حصارا شديدا، ومنع الناس من الدخول إليها والخروج منها. ثم زحف إليها لسبع بقين من جمادى الآخرة، فجرى قتال عظيم قتل فيه جماعة من وجوه عسكر القائم، واقتحم أبو يزيد بنفسه حتى وصل قرب الباب، فعرفه بعض العبيد فقبض على لجامه وصاح: هذا أبو يزيد فاقتلوه. فأتاه بعض أصحابه وقطع يد العبد وخلص أبو يزيد؛ وكتب إلى عامل القيروان بإرسال مقاتلة أهلها إليه، ففعل ذلك، وزحف بهم آخر رجب، فجرى قتال شديد، وانهزم أبو يزيد هزيمة منكرة، وقتل جماعة من أصحابه وأكثر أهل القيروان. ثم زحف الزحفة الرابعة في العشر الآخر من شوال، فجرى قتال عظيم، وانصرف إلى منزله، وكثر خروج الناس إليه من الجوع والغلاء، ففتح عند ذلك القائم الأهراء التي عملها أبوه المهدي، وفرق ما فيها على رجاله، وعظم البلاء على الرعية، حتى أكلوا الدواب الميتة، وخرج من المهدية أكثر السوقة والتجار، ولم يبق بها سوى الجند، فكان البربر يأخذون من خرج، ويشقون بطونهم طلبا للذهب. ثم وصلت كتامة فنزلت بقسطنطينة، فخاف أبو يزيد، وكان البربر يأتون إلى أبي يزيد من كل ناحية فينهبون ويرجعون إلى منازلهم، حتى أفنوا ما كان في إفريقية، فلما لم يبق مع أبي يزيد سوى أهل أوراس وبني كملان أخرج عسكره، فكان بينهم قتال شديد لست خلون من ذي القعدة، ثم صبحوهم من الغد فلم يخرج إليهم أحد. ثم زحفت عساكر القائم إليه، فخرج من خندقه، واشتد بينهم القتال، ثم عادوا إلى
القتال، فانهزم عسكر القائم، وعاد الحصار على ما كان عليه، وهرب كثير من أهل المهدية إلى جزيرة صقلية، وطرابلس، ومصر، وبلد الروم. فلما كان آخر ذي القعدة اجتمع لأبي يزيد جمع عظيم، وتقدم إلى المهدية، فقاتل عليها، وكاد أن يؤخذ، ثم خلص. ودخلت سنة أربع وثلاثين وهو مقيم على المهدية وفي المحرم منها ظهر بإفريقية رجل يدعو إلى نفسه، فأجابه كثير من الناس، وادعى أنه رجل عباسي ورد من بغداد، ومعه أعلام سود، فظفر به أصحاب أبي يزيد وساقوه إليه فقتله. وفر بعض أصحاب أبي يزيد إلى المهدية، وخرجوا مع أصحاب القائم، فقاتلوا أبا يزيد فظفروا، وتفرق عند ذلك أصحاب أبي يزيد، ولم يبق معه غير هوارة وبني كملان وكان اعتماده عليهم. ورحل بقية أصحابه إلى القيروان، ولم يشاوروا أبا يزيد، فرحل مسرعا في طائفة، وترك جميع أثقاله، وذلك في سادس صفر، فنزل مصلى القيروان، فخرج أهل المهدية إلى أثقاله، فغنموا طعاما كثيرا وخياما، فحسنت حالهم، ورخصت الأسعار، وبعث القائم إلى البلاد عمالا يطردون عمال أبي يزيد. ثم إن أبا يزيد بعث عسكرا إلى تونس فدخلوها بالسيف في العشرين من صفر، فنهبوا جميع ما فيها، وسبوا النساء والأطفال، وقتلوا الرجال، وهدموا المساجد، والتجأ كثير من الناس إلى البحر فغرقوا. فسير القائم عسكرا لقتال أصحاب أبي يزيد في تونس، فانهزم عسكر القائم، وتبعهم أصحاب أبي يزيد، فكر عليهم عسكر القائم وصبروا، فانهزم أصحاب أبي يزيد، وقتل منهم خلق كثير.
ودخلوا إلى تونس خامس ربيع الأول، فأخرجوا من فيها من أصحاب أبي يزيد، فبعث أبو يزيد ابنه فقتل أهل البلد، وأحرق ما بقي فيه، وتوجه إلى باجة، فقتل من بها من أصحاب القائم، ودخلها بالسيف وأحرقها؛ وكان في هذه المدة من القتل والسبي والتخريب ما لا يوصف. وهم جماعة من أصحاب أبي يزيد بقتله، وكاتبوا القائم بذلك، فظفر بهم أبو يزيد فقتلهم، وكثر النهب والسبي في القيروان. وكان القائم قد بعث يجمع العساكر من المسيلة وغيرها، فاجتمع له خلق كثير، فطرقهم أيوب بن أبي يزيد على حين غفلة فقتل منهم، وغنم أثقالهم، وسير جريدة إلى تونس، فأوقعوا بعسكر القائم، وتكررت الحرب بينهم، فانهزم أصحاب أبي يزيد، وقتلوا قتلا ذريعا، وأخذت أثقالهم، وانهزم أيوب إلى القيروان في ربيع الأول، فعظم على أبي يزيد، وجمع على ابنه أيوب فسار؟، وتوالت بينه وبين أصحاب القائم الحروب إلى أن هزمت أصحاب القائم من عسكر أبي يزيد، ثم تجمعت عسكر القائم، وواقعت أصحاب أبي يزيد على قسنطينة، فانهزمت أصحاب أبي يزيد. فجد حينئذ أبو يزيد في أمره، وجمع العساكر، وسار إلى سوسة سادس جمادى الآخرة، وبها جيش القائم، فحصرها حصرا شديدا، وعمل عليها الدبابات
والمنجنيقات، وقتل من أهلها خلق كثير. فلما كان في شهر رمضان مات القائم، وقام من بعده ابنه المنصور، فكتم موت أبيه خوفا من أي يزيد، وعمل المراكب وشحنها بالرجال، وسيرها إلى سوسة، وسار بنفسه إليها، ثم عاد، وقدمت المراكب فواقعت أبا يزيد حتى انهزم هو وأصحابه، وأحرقوا خيامه، فدخل أبو يزيد إلى القيروان، وفر البربر على وجوههم، فمات أكثرهم جوعا وعطشا. ومنع أهل القيروان أبا يزيد من دخول البلد، وحصروا عامله بها، فالتحق به، وأخذ أبو يزيد امرأته أم أيوب، وتبعه أصحابه بعيالاتهم على سبيبة، وهي على يومين من القيروان فنزلوها. وسار المنصور إلى مدينة سوسة لسبع بقين من شوال، وبعث فنادى في الناس بالأمان، ورحل إلى القيروان لست بقين من شوال، فخرج إليه الناس فأمنهم، ووجد بالقيروان حرما وأولاد لأبي يزيد، فحملهم إلى المهدية وأجرى عليهم الأرزاق. وجمع أبو زيد العساكر، وبعث سرية يتخبرون له، فأرسل إليهم المنصور سرية، فالتقوا واقتتلوا، وهزموا أصحاب المنصور، وبلغ الناس، ذلك فتسرعوا إلى أبي يزيد وكثر جمعه، وزحف إلى القيروان، فواقعه المنصور حتى ظفر، وباشر بنفسه القتال، وجعل يحمل يمينا وشمالا، والمظلة على رأسه كالعلم، ومعه نحو خمسمائة فارس، وأبو يزيد في قدر
ثلاثين ألفا، فانهزم أصحاب المنصور هزيمة عظيمة حتى دخلوا الخندق، وبقي المنصور في نحو عشرين فارسا وقصده أبو يزيد، فلما رآه شهر سيفه، وثبت مكانه، وحمل بنفسه على أبي يزيد، حتى كاد يقتله، فولى أبو يزيد هاربا، وقتل المنصور من أدرك منهم، وتلاحقت به العساكر، فقتل من أصحاب أبي يزيد خلقا كثيرا. وكان يوما من الأيام المشهودة التي لم يكن فيما مضى من الأيام مثله، وعاين الناس من شجاعة المنصور ما لم يظنوه، فزادت مهابته في قلوبهم. ورحل أبو يزيد عن القيروان أواخر ذي القعدة، ثم عاد إليها غير مرة، فلم يخرج إليه أحد، ونادى المنصور: من أتى برأس أبي يزيد فله عشرة آلاف دينار. وأذن للناس في قتال أبي زيد، فجرى قتال شديد انهزم فيه أصحاب المنصور حتى دخلوا الخندق، ثم عادوا فهزموا أصحاب أبي يزيد، وافترقوا وقد انتصف بعضهم من بعض، وكثرت القتلى من الفريقين، وعادت الحرب بينهما غير مرة، وأبو يزيد يبعث السرايا فيقطع الطريق بين المهدية والقيروان وسوسة. ثم إنه بعث إلى المنصور يسأل حرمه وعياله الذين خلفهم بالقيروان وأخذهم المنصور، ليدخل في طاعته، على أن يؤمنه وأصحابه، وحلف على ذلك بأغلظ الأيمان، فسير إليه المنصور عياله مكرمين، بعد أن وصلهم وكساهم، فلما وصلوا إليه نكث، وقال: إنما وجههم خوفا مني. وانقضت سنة أربع وثلاثين وهم على حالهم. ففي خامس المحرم سنة خمس وثلاثين زحف أبو يزيد، وركب المنصور، وكان بينهما قتال ما سمع بمثله، وحملت البربر على المنصور، وحمل عليها، وجعل يضرب فيهم، فانهزموا بعد أن قتل خلق كثير. فلما انتصف المحرم عبى المنصور عسكره، فجعل على ميمنته أهل إفريقية، وعلى ميسرته كتامة، وركب في القلب ومعه عبيده وخاصته، فوقع بين الفريقين قتال شديد،
وحمل أبو يزيد على ميمنة المنصور فهزمها، ثم حمل على القلب فوقع إليه المنصور، وقال: هذا يوم الفتح إن شاء الله تعالى. وحمل فيمن معه حملة رجل واحد، فانهزم أبو يزيد، وأخذت السيوف أصحابه، فولوا منهزمين، وأسلموا أثقالهم، وفر أبو يزيد على وجهه، وقد قتل من أصحابه ما لا يحصى كثرة، حتى أن الذي أخذه أطفال أهل القيروان خاصة من رؤوس القتلى عشرة آلاف رأس. وأقام المنصور يتجهز، ثم رحل أواخر ربيع الأول، فأدرك أبا يزيد، ففر منه فتبعه، وصار كلما قصد أبو يزيد موضعا يتحصن فيه يسبقه المنصور إليه، واستأمن بعض أصحابه فأمنه المنصور، واستمر الهرب بأبي يزيد حتى وصل إلى جبل البربر وأهله على مذهبه، وسلك الرمال، فاجتمع معه خلق كثير، وواقع عسكره المنصور، فهزم الميمنة، وحمل عليه المنصور بنفسه فانهزم، وتبعه المنصور إلى جبال وعرة، وأودية عميقة خشنة الأرض، فمنعت الأدلاء المنصور من سلوك تلك الأرض، وقالوا إنه لم يسلكها جيش قط. واشتد الأمر على عسكر المنصور، فبلغ عليق كل دابة دينارا ونصفا، وبلغت قربة الماء دينارا، هذا وما وراء ذلك رمال وقفار وبلاد السودان التي ليس فيها عمارة، وقيل للمنصور: إن أبا يزيد اختار الموت جوعا وعطشا على القتل بالسيف. فلما سمع المنصور ذلك رجع إلى بلاد صنهاجة، فاتصل به الأمير زيرى بن مناد الصنهاجي، بعساكر صنهاجة، فأكرمه المنصور، وأتته الأخبار بموضع أبي يزيد من الرمال. ونزل بالمنصور مرض شديد أشفى منه، فلما أفاق من مرضه رحل إلى المسيلة ثاني رجب، فإذا أبو يزيد قد سبقه إليها لما سمع بمرض المنصور وهو يحاصرها، فلما علم بالمنصور هرب منه يريد بلاد السودان، فخدعه بنو كملان هم وهوارة ومنعوه من ذلك، وأصعدوه إلى جبال كتامة وغيرهم فتحصن بها، واجتمع إليه أهلها، وصاروا ينزلون ويتخطفون الناس، فسار المنصور عاشر شعبان إليه، فلم ينزل أبو يزيد، فلما أخذ المنصور في العود، نزل أبو يزيد إلى ساقة العسكر، فرجع المنصور، ووقعت الحرب، فانهزم أبو يزيد، وأسلم أصحابه وأولاده، وأدركه فارسان فعقرا فرسه، فسقط عنه، فأركبه بعض أصحابه،
وأدركه الأمير زيرى فطعنه وألقاه، وكثر عليه القتال حتى خلصه أصحابه، وخلصوا به، وتبعهم المنصور فقتل منهم ما يزيد على عشرة آلاف. وسار المنصور في أثره أول رمضان، فاقتتلوا أشد قتال، ولم يقدر أحد الفريقين على الهزيمة لضيق المكان وخشونته، ثم انهزم أبو يزيد، وطلع أصحابه على رؤوس الجبال يرمون بالصخر، واشتد الأمر حتى تواخذوا بالأيدي، وكثر القتل حتى ظنوا أنه الفناء، وافترقوا على السواء. والتجأ أبو يزيد إلى قلعة كتامة وهي منيعة فاحتمى بها، وأقبلت هواره وأكثر من مع أبي يزيد يطلبون الأمان، فأمنهم المنصور، وسار فحصر القلعة، وفرق جنده حولها، فناشبه أبو يزيد القتال، وزحف إليها المنصور غير مرة حتى ملك بعض أصحابه مكانا من القلعة، وألقوا فيها النيران، فانهزم أصحاب أبي يزيد، وقتلوا قتيلا ذريعا، وامتنع أبو يزيد وأولاده في قصر بالقلعة ومعه أعيان أصحابه، فاجتمع أصحاب المنصور، وأحرقوا شعارى الجبل حتى لا يهرب أبو يزيد فصار الليل كالنهار. فلما كان آخر الليل خرج أصحاب أبي يزيد وهم يحملونه على أيديهم، وحملوا على الناس حملة منكرة، فأفرجوا له، ونجوا به، ونزل من القلعة خلق كثير، فأخذوا وأخبروا بخروج أبي يزيد، فأمر المنصور بطلبه، وقال: ما أظنه إلا قريبا منا. فبينما هم كذلك إذ جاء الخبر أن ثلاثة من أصحاب أبي يزيد حملوه من المعركة لقبح عرجه، فذهب لينزل من الوعر فسقط في مكان صعب، فأخذ وحمل إلى المنصور يوم الأحد لخمس بقين من المحرم، وبه جراحات، فلما رآه سجد شكرا لله. وقدم به والناس يكبرون حوله، فأقام عنده إلى سلخ المحرم من سنة ست وثلاثين وثلاثمائة؛ فمات من جراح كانت به، فأمر المنصور بادخاله في قفص عمل له، وجعل معه قردين يلعبان عليه، وأمر بسلخ جلده، وحشاه تبنا، وكتب إلى سائر البلاد بالبشارة.
وخرج عليه بعد أبي يزيد عدة خوارج، فظفر بهم المنصور. ثم عاد المنصور إلى المهديلة في شهر رمضان سنة ست وثلاثين. وكانت وفاة القائم بأمر الله أبو القاسم محمد بن عبيد الله المهدي لثلاث عشرة خلت من شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. وقام بالأمر من بعده ابنه أبو طاهر إسماعيل المنصور بنصر الله، وكتم موته خوفا أن يعلم أبو يزيد، فإنه كان على سوسة قريبا منه، فأبقى الأمور على حالها، ولم يتسم بالخليفة، ولا غير السكة ولا الخطبة ولا البنود، وبقى كذلك حتى فرغ من أمر أبي يزيد، فلما فرغ منه أظهر موت أبيه، وتسمى بالخلافة، وعمل آلات الحرب. ويقال إن القائم لم يرق سريرا، ولا ركب دابة صيد منذ أفضى إليه الأمر حتى مات، وإنه صلى مرة على جنازة، وصلى مرة العيد بالناس. وكانت مدة خلافته اثنتى عشرة سنة، وسبعة أشهر، واثنى عشر يوما. وعمره ثمانيا وخمسين سنة، وقيل أربعا وخمسين سنة، وتسعة أشهر، وستة أيام. وأولاده: أبو الطاهر إسماعيل. وأبو عبد الله جعفر ومات في أيام المعز وحمزة، وعدنان، وأبو كنانة قبضوا بالمغرب ويوسف مات ببرقة سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وعبد الجبار توفي بمصر سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وأربع بنات. وترك سبع سرارى.
وكانت قضاته: إسحاق بن أبي المنهال، ثم مات، فولى أحمد بن يحيى وقتله أبو يزيد لما فتح إفريقية في صفر سنة ثلاث وثلاثين، ثم أحمد بن الوليد. ونقش خاتمه: بنصر الدائم، ينتصر الإمام أبو القاسم. وقال فيه أيوب بن إبراهيم: يا ابن الإمام المرتضى، وابن الو ... صي المصطفى، وابن النبي المرسل الله أعطاك الخلافة واهبا ... ورآك للإسلام أمنع معقل نلت الخلافة، وهي أعظم رتبة ... نيلت، وليست من علاك بأفضل فمنعت حوزتها، وحطت حريمها ... بالمشرفية والوشيج الذبل وقال خليل بن إسحاق لما بعثه لقتال أبي يزيد: وما ودعت خير الخلق طرا ... ولا فارقته عن طيب نفس ولكني طلب به رضاه ... وعفو الله يوم حلول رمس فعاش مملكا ما لاح نجم ... على الثقلين من جن وإنس
المنصور بنصر الله أبو الطاهر إسماعيل ابن محمد القائم بن عبيد الله المهدي
ولد بالمهدية في أول ليلة من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثمائة، وقيل ولد بالقيروان في سنة اثنتين وثلاثمائة، وقيل بل في سنة إحدى وثلاثمائة. وبويع له في شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. وتوفي يوم الأحد الثالث وعشرين من شوال، وقيل يوم الجمعة مع الظهر سلخ شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وسترت وفاته إلى يوم الأحد سابع ذي الحجة منها. وكان له من العمر إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر. وكانت ولايته الخلافة بعد أبيه ثماني سنين، وقيل: سبع سنين وعشرة أيام، وقيل: كان عمره تسعا وثلاثين سنة. وكان فصيحا بليغا خطيبا حاد الذهن، حاضر الجواب، بعيد الغور، جيد الحدس، يخترع الخطبة لوقته؛ وأحواله التي تقدم ذكرها مع أبي يزيد وغيره تدل على شجاعته وعقله. قال أبو جعفر أحمد بن محمد المرورذي: كنت مع المنصور في اليوم الذي أظهره الله بمخلد بن كيداد أبي يزيد، وهزمه، فتقدمت إليه، وسلمت عليه، وقبلت يده، ودعوت له بالنصر والظفر، فأمرني بالركوب وقد جمع عليه سلاحه وآلة حربه، وتقلد سيف جده ذا الفقار، وأخذ بيده رمحين فحدثته ساعة، فجال به الفرس، ورد أحدهما إلى يده اليسرى، فسقط إحدى الرمحين من يده إلى الأرض،
فتفاءلت له بالظفر، ونزلت مسرعا، فرفعت الرمح من الأرض، ومسحته بكمي، فرفعته إليه، وقبلت يده، وقلت: فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر فأخذ المنصور الرمح من يدي وقال: هلا قلت ما هو خير من هذا وأصدق؟. قال، قلت: وما هو؟. قال: قال الله عز وجل: " وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون؛ فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ". قال: فقلت: يا مولانا: أنت ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإمام الأمة، عليكم نزل القرآن، ومن بيتكم درجت الحكم، فقلت أنت بما عندك من نور النبوة، وقال عبدك بما بلغه من علمه ومعرفته بكلام العرب وأهل الشعر. وكان الأمر كما قال، فما هو إلا أن أشرف على عسكر أبي يزيد حتى ضرب الله في وجوههم، فقتلوا، وأحرق عسكرهم وخيامهم بالنار، وولى أبو يزيد في بقية أصحابه خائبين إلى داخل المغرب. ولما صارت الخلافة إلى المنصور في الشهر الذي توفى أبوه فيه، لم يغير السكة ولا البنود، وأقام على ذلك إلى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة فأظهر موت أبيه بعد أن ظفر بأبي يزيد. وكان سبب موته: أنه خرج إلى سفاقس وتونس، ثم إلى قابس، وبعث يدعو
أهل جربة إلى الطاعة فأجابوه، وأخذ منهم رجالا وعاد، وكانت سفرته شهرا. وعهد إلى ابنه معد وجعله ولى عهده. فلما كان شهر رمضان سنة إحدى وأربعين خرج متنزها إلى مدينة جلولاء وهو موضع كثير الثمار، وفيه من الأترج ما لا يحمل الجمل منه غير أربع أترجات لعظمه فحمل منه إلى قصره، وكانت له حظية يحبها، فلما رأت الأترج استحسنته، وأحبت أن تراه في أغصانه، فأجابها إلى ذلك، ورحل بها في خاصته، وأقام بها أياما ثم عاد إلى المنصورية، فأصابه في الطريق ريح شديد، وبرد ومطر أقام أياما، وكثر الثلج، فمات جماعة ممن معه. واعتل المنصور علة شديدة، ووصل المنصورية، فأراد عبور الحمام فنهاه طبيبه إسحاق ابن سليمان الإسرائيلي عن ذلك، فلم يقبل، ودخل الحمام ففنيت الحرارة الغريزية منه، ولازمه السهر، فأخذ طبيبه يعالج المرض دون السهر، فاشتد ذلك على المنصور وقال لبعض خواصه: أما في القيروان طبيب غير إسحاق؟ فأحضر إليه شاب من الأطباء يقال له: أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد بن الجزار، فجمع له أشياء مخدرة، وكلفه شمها، فنام، وخرج وهو مسرور بما فعله، فجاء إسحاق ليدخل على المنصور، فقيل له إنه نائم، فقال: إن كان صنع له شيء ينام منه فقد مات، فدخلوا عليه فإذا هو ميت، فدفن في قصره. وأرادوا قتل ابن الجزار الذي صنع له المنوم، فقام معه إسحاق، وقال:
لا ذنب له، إنما داواه بما ذكره الأطباء، غير أنه جهل أصل المرض، وما عرفتموه، وذلك أنني في معالجته أقصد تقوية الحرارة الغريزية، وبها يكون النوم، فلما عولج بما يطفئها علمت أنه قد مات. وكان نقش خاتمه: بنصر الباطن الظاهر، ينتصر الإمام أبو الطاهر. وكان يشبه بأبي جعفر المنصور من خلفاء بني العباس لأن كلا منهما اختلت عليه الدولة، وأصفقت عليه الحروب، وكاد يسل من الخلافة، فهب له ريح النصر، وتراجع له أمره حتى لم يبق مخالف. وأولاده: أبو تميم المعز لدين الله: وحيدرة مات بمصر في جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، وصلى عليه العزيز بالله. وهاشم مات بمصر في ربيع الأول سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وصلى عليه العزيز بالله. وطاهر مات في المحرم سنة تسع وخمسين وثلاثمائة بالمغرب. وأبو عبد الله الحسين مات بالمغرب. وخمس بنات: هبة، وأروى، وأسماء متن بمصر أيام المعز لدين الله. وأم سلمة ماتت بمصر أيام العزيز بالله. ومنصورة ماتت بالمغرب. وكان له أمهات أولاد ثلاث. وقضاته: أحمد بن محمد بن أبي الوليد.
ثم محمد بن أبي المنصور. ثم عبد الله بن قاسم. ثم علي بن أبي سفيان. ثم أبو محمد زرارة. ثم أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمي. وحاجبه: جعفر بن علي.
المعز لدين الله أبو تميم معد ابن المنصور أبي الطاهر بن القائم أبي القاسم محمد ابن عبيد الله المهدي
قال: ولى الأمر بعد أبيه سلخ شوال وقيل يوم الجمعة سابع عشر سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. وأقام في تدبير الأمور إلى سابع ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وأذن للناس فدخلوا عليه وقد جلس لهم، فسلموا عليه بالخلافة، وكان عمره أربعا وعشرين سنة. ومولده بالمحمدية على أربع ساعات وأربع أخماس ساعة من يوم الاثنين الحادي عشر من رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة. ومدة أيامه ثلاث وعشرون سنة، وخمسة أشهر، وسبع عشر يوما. فلما كان في سنة اثنتين وأربعين جالت عساكره في جبل أوراس، وكان ملجأ كل منافق على الملوك، يسكنه بنو كملان ومليلة وبعض هوارة، ولم يدخلوا في طاعة من تقدمه، فأطاعوا المعز، ودخلوا معه البلاد، وتقدم إلى نوابه بالإحسان إلى البربر، فلم يبق منهم إلا من أتاه وشمله إحسان المعز، فعظم أمره. وفي سنة سبع وأربعين عظم أمر أبي الحسين جوهر عند المعز، وعلا محله، وصار في رتبة الوزارة، فسيره في صفر منها على جيش كثيف، فيهم الأمير زيرى بن مناد الصنهاجي
وغيره، فسار إلى تاهرت، وحارب قوما، وافتتح مدنا، ونهب وأحرق، وسار إلى فارس فنازلها مدة، وسار إلى سجلماسة، وقد قام بها رجل وتلقب بالشاكر لله، وخوطب بأمير المؤمنين، ففر من جوهر فتبعه حتى أخذه أسيرا. ومضى جوهر إلى البحر المحيط، فأمر أن يصاد من سمكه، وبعثه في قلال الماء إلى المعز، وسلك ما هنالك من البلاد فافتتحها، ثم عاد فقاتل أهل فاس حتى افتتحها عنوة، وقبض على صاحبها، وجعله مع صاحب سجلماسة في قفصين، وحملهما إلى المعز بالمهدية، وعاد في أخريات السنة. وفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة كان إعذار المعز لدين الله الأمراء بنيه: عبد الله، وتزار، وعقيل؛ فحين عزم على طهورهم كاتب عماله وولاته من لدن برقة إلى أقصى سجلماسة، وما بين ذلك، وما حوته مملكته إلى جزيرة صقلية وما والاها، في حضر وبدو، وبحر وبر، وسهل وجبل، بطهور من وجد من أولاد سائر الخلق، حرهم وعبدهم، وأبيضهم وأسودهم، ودنيئهم وشريفهم، ومليهم وذميهم، الذين حوتهم مملكته، لمدة شهر، وتوعد على ترك ذلك، وأمرهم بالقيام بجميع نفقاتهم وكسوتهم، وما يصلح أحوالهم من مطعم ومشرب وملبس وطيب وغيره بمقدار رتبهم وأحوالهم، فكان من جملة المنفق في ذلك مما حمل إلى جزيرة صقلية وحدها من المال سوى الخلع والثياب خمسون حملا من الدنانير، كل حمل عشرة آلاف دينار، ومثل ذلك إلى كل عامل من عمال مملكته ليفرقه على أهل عمله. وابتدىء بالختان في مستهل ربيع الأول منها، فكان المعز يطهر في اليوم من أيام الشهر
بحضرته اثنا عشر ألف صبي وفوقها ودونها، وختن من أهل صقلية وحدها خمسة عشر ألف صبي، وكان وزن خرق الأكياس المفرغة مما أنفق في هذا الإعذار مائة وسبعين قنطارا بالبغدادي. واستدعى المعز وهو بالمنصورية في يوم شات باردة الريح عدة شيوخ من شيوخ كتامة، وأمر بادخالهم إليه من غير الباب الذي جرى الرسم به، فإذا هو في مجلس مربع كبير مفروش باللبود على مطارح، وحوله كساء، وعليه جبة، وحواليه أبواب مفتحة تفضى إلى خزائن كتب، وبين يديه مرفع ودواة، وكتب حواليه، فقال: يا إخواننا: أصبحت اليوم في مثل هذا الشتاء والبرد، فقلت لأم الأمراء وإنها الآن بحيث تسمع كلامي: أترى إخواننا يظنون أنا في مثل هذا اليوم نأكل ونشرب ونتقلب في المثقل والديباج والحرير والفنك والسمور والمسك والخمر والغناء كما يفعل أرباب الدنيا؟! ثم رأيت أن أنفذ إليكم فأحضركم لتشاهدوا حالي إذا خلوت دونكم واحتجبت عنكم، وأني لا أفضلكم في أحوالكم إلا فيما لا بد لي منه من دنياكم، وبما خصني الله به من إمامتكم، وأني مشغول بكتب ترد على من المشرق والمغرب أجيب عنها بخطى، وأني لا أشتغل بشيء من ملاذ الدنيا إلا بما صان أرواحكم، وعمر بلادكم، وأذل أعداءكم، وقمع أضدادكم.
فافعلوا يا شيوخ في خلوتكم مثل ما أفعله، ولا تظهروا التجبر والتكبر، فينزع الله النعمة عنكم، وينقلها إلى غيركم، وتحننوا على من وراءكم ممن لا يصل إلي كتحنني عليكم، ليتصل في الناس الجميل، ويكثر الخير، وينتشر العدل. وأقبلوا بعدها على نسائكم، والزموا الواحدة التي تكون لكم، ولا تشرهوا إلى التكثير منهن، والرغبة فيهن، فيتنغص عيشكم، وتعود المضرة عليكم، وتنهكوا أبدانكم، وتذهب قوتكم، وتضعف نحايزكم؛ فحسب الرجل الواحد الواحدة، ونحن محتاجون إلى نصرتكم بأبدانكم وعقولكم. واعلموا أنكم إذا لزمتم ما آمركم به رجوت أن يقرب الله علينا أمر المشرق كما قرب أمر المغرب بكم. انهضوا رحمكم الله ونصركم. وفي سنة خمس وخمسين وثلاثمائة أمر المعز بحفر الآبار في طريق مصر، وأن يبنى له في كل منزلة قصر، ففعل ذلك. وفي يوم الجمعة لثلاث بقين من جمادى الآخرة من السنة وردت النجب من مصر بموت كافور الأخشيدي يوم الأربعاء لعشر بقين من جمادى الأولى. واستدعى المعز يوما أبا جعفر بن حسين بن مهذب صاحب بيت المال وهو بالمغرب، فوجده في وسط القصر جالسا على صندوق، وبين يديه ألوف صناديق مبددة في صحن القصر، فقال له: هذه صناديق مال، وقد شذ عني ترتيبها، فانظرها ورتبها. قال: فأخذت أجمعها إلى أن صارت مرتبة، وبين يدي جماعة من خدام بيت المال والفراشين، وأنفذت إليه أعلمه، فأمر برفعها في الخزائن على ترتيبها، وأن يغلق عليها، وتختم بخاتمه، وقال: قد خرجت عن خاتمنا وصارت إليك ففعل.
وكانت جملتها أربعة وعشرين ألف ألف دينار، وذلك في سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، فأنفقها أجمع على العساكر التي سيرها إلى مصر في سنتي ثمان وتسع وخمسين مع القائد جوهر. وكان رحيله في رابع عشر ربيع الأول منها، ومعه ألف حمل مال، ومن السلاح والخيل والعدد ما لا يوصف، فقدم جوهر إلى مصر، ووصلت البشارة بفتحها في نصف رمضان سنة ثمان وخمسين، فسر المعز سرورا كثيرا وأنشده ابن هانىء قصيدة أولها: يقول بنو العباس: هل فتحت مصر؟ ... فقل لبني العباس: قد قضي الأمر ولما وصلت البشارة من الشام بكسر عسكر أبي عبد الله الحسن بن أحمد القرمطي المعروف بالأعصم أنشده ابن هانىء قصيدة منها: ما شئت لا ما شاءت الأقدار، ... فاحكم فأنت الواحد القهار وأنشد أيضا أخرى أولها: وعلى أمير المؤمنين مظلة ... زاحمت تحت لوائها جبريلا وفي سنتي ستين وإحدى وستين قال: ولقد وصلنا إلى برقة ومعنا خمسون ألف دينار. ولما أنفذ جوهر إلى مصر، وبرز يريد المسير إلى مصر، بعث المعز خفيفا الصقلبي صاحب الستر إلى شيوخ كتامة، يقول:
يا إخواننا: قد رأينا أن ننفذ رجالا من بلدان كتامة، يقيمون بينهم، ويأخذون صدقاتهم ومراعيهم، ويحفظونها علينا في بلادهم، فإذا احتجنا إليها أنفذنا خلفها فاستعنا بها على ما نحن بسبيله. فقال بعض شيوخهم لخفيف وقد بلغهم ذلك: قل لمولانا: والله لا فعلنا هذا أبدا. كيف تؤدي كتامة الجزية، ويصير عليها في الديوان ضريبة؟؟ وقد أعزها الله قديما بالإسلام، وحديثا معكم بالإيمان، وسيوفنا بطاعتكم في المشرق والمغرب؟. فعاد خفيف بذلك إلى المعز، فأمر بإحضار جماعة كتامة، فدخلوا عليه وهو راكب فرسه، فقال: ما هذا الجواب الذي صدر عنكم؟. فقالوا: نعم هو جواب جماعتنا، ما كنا يا مولانا بالذي يؤدي جزية تبقى علينا. فقام المعز في ركابه، وقال: بارك الله فيكم، فهكذا أريد أن تكونوا، وإنما أردت أن أجربكم، فانظروا كيف أنتم بعدى إذا سرنا عنكم إلى مصر، هل تقبلون هذا أو تفعلونه وتدخلون تحته ممن يرومه منكم؟ والآن سررتموني بارك الله فيكم. وكتب إلى جوهر وهو بمصر من الغرب: وأما ما ذكرت يا جوهر من أن جماعة من بني حمدان وصلت إليك كتبهم، يبذلون الطاعة، ويعدون بالمسارعة في المسير إليك، فاسمع لما أذكره لك: احذر أن تبتدىء أحدا من بني حمدان بمكاتبة ترهيبا له ولا ترغيبا، ومن كتب إليك منهم فأجبه بالحسن الجميل، ولا تستدعه إليك؛ ومن ورد إليك منهم فأحسن إليه، ولا تمكن أحدا منهم من قيادة جيش ولا ملك طرف، فبنو حمدان يتظاهرون بثلاثة أشياء، عليها مدار العالم، وليس لهم فيها نصيب: يتظاهرون بالدين، وليس لهم فيه نصيب؛ ويتظاهرون بالكرم وليس لواحد منهم كرم في الله؛ ويتظاهرون بالشجاعة، وشجاعتهم للدنيا لا للآخرة؛ فاحذر كل الحذر من الاستنامة إلى أحد منهم
ولما عزم المعز على المسير إلى مصر أجال فكره فيمن يخلفه بالمغرب، فوقع اختياره على أبي أحمد جعفر بن عبد الأمير، فاستدعاه، وأسر إليه أنه يريد استخلافه بالمغرب، فقال: تترك معي أحد أولادك أو أخوتك جالسا في القصر وأنا أدبر، ولا تسألني عن شيء من الأموال إن كان ما أجبيه بازاء ما أنفقه؛ وإذا أردت أمرا فعلته ولم أنتظر ورود الأمر فيه، لبعد ما بين مصر والمغرب، ويكون تقليد القضاء والخراج وغيره من قبل نفسي. فغضب المعز وقال: يا جعفر: عزلتني عن ملكي، وأردت أن تجعل لي شريكا في أمري، واستبددت بالأموال والأعمال دوني، قم فقد أخطأت حظك، وما أصبت رشدك. فخرج. واستدعى المعز يوسف بن زيرى الصنهاجي، وقال له: تأهب لخلافة المغرب فأكبر ذلك وقال: يا مولانا: أنت وآباؤك الأئمة من ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صفا لكم المغرب، فكيف يصفوا لي وأنا صنهاجي بربري؟ قتلتني يا مولاي بلا سيف ولا رمح. ولم يزل به حتى أجاب وقال: يا مولانا: بشريطة أن تولي القضاء والخراج لمن تراه وتختاره، والخبر لمن تثق به، وتجعلني أنا قائما بين أيديهم، فمن استعصى عليهم أمروني به حتى أعمل فيه ما يجب، ويكون الأمر لهم وأنا خادم بين ذلك. فحسن هذا من المعز وشكره، فلما انصرف قال له عم أبيه أبو طالب أحمد بن المهدي عبيد الله: يا مولانا: وتثق بهذا القول من يوسف أنه يفي بما ذكره؟ فقال المعز: يا عمنا: كم بين قول يوسف وقول جعفر؟ واعلم يا عم أن الأمر الذي طلبه
جعفر ابتداء هو آخر ما يصير إليه أمر يوسف، فإذا تطاولت المدة سينفرد بالأمر، ولكن هذا أولى وأحسن وأجود عند ذوي العقل، وهو نهاية ما يفعله من يترك دياره. ووجهت أم الأمراء من المغرب بصبية ربتها لتباع في مصرن فطلب الوكيل فيها ألف دينار، فجاءت امرأة شابة على حمار، فلم تزل حتى اشترتها منه بستمائة دينار، وقيل له يا مغربي: هذه بنت الأخشيد اشترت الجارية تتمتع بها، وهي ست كافور. فلما عاد أخبر المعز بذلك، فأمر بإحضار الشيوخ، وأمر الرجل فحدثهم بخبر الجارية، ثم قال: يا إخواننا: انهضوا إليهم، فلن يحول بينكم وبينهم شيء، وإذا كان قد بلغ بهم الترف إلى أن صارت امرأة من بنات ملوكهم تخرج وتشتري لنفسها جارية تتمتع بها فقد ضعفت نفوس رجالهم، وذهبت الغيرة منهم، فانهضوا بنا إليهم. فقالوا: السمع والطاعة. فقال: خذوا في حوائجكم، فنحن نقدم الاختيار لمسيرنا إن شاء الله. ولما عزم المعز على الرحيل إلى مصر أتاه بلكين بن زيرى بألفي جمل من إبل زناتة، وحمل ما له بالقصور من الذخائر، وسبك الدنانير على شكل الطواحين، جعل على كل جمل قطعتين، في وسط كل قطعة ثقبا تجمع به القطعة إلى الأخرى، فاستعظم ذلك الجند والرعية، وصاروا يقفون في الطرق لرؤية بيت المال المحمول. وخرج المعز من المغرب يوم الإثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وخرج من المنصورية ومعه بلكين واسمه يوسف إلى سردانية من بلاد إفريقية، فسلم إليه إفريقية والمغرب يوم الأربعاء لتسع بقين من ذي الحجة، وأمر سائر الناس له بالسمع والطاعة، وفوض
إليه أمور البلاد، ما خلا جزيرة صقلية فإنه ترك أمرها لحسن بن علي بن أبي الحسين، وطرابلس وأعمالها. وقال له: إن نسيت، ما وصيناك به فلا تنس ثلاثة أشياء: إياك أن ترفع الجباية عن أهل البادية، ولا ترفع السيف عن البربر، ولا تول أحدا من أخوتك وبني عمك، فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك؛ وافعل مع أهل الحاضرة خيرا. وفارقه. وكان قيصر ومظفر الصقلبيان قد بلغا رتبة عظيمة عند المنصور والمعز، وكان المظفر يدل على المعز لأنه علمه الخط وهو صغير، فاتفق أنه حرد يوما، فسمعه المعز يتكلم بكلمة صقلبية استراب بها، فأخذ المعز نفسه بحفظ اللغات، فابتدأ بالبربرية فأحكمها، ثم بالرومية، ثم بالسودانية، ثم استدعى الصقلبية فمرت به تلك الكلمة فيها، فإذا هي شتمة، فبقيت في نفسه حتى قتلهما. وبلغه وهو بالمغرب أمر الحرب من بني حسن وبني جعفر بن أبي طالب بالحجاز، وأنه قتل من بني الحسن أكثر ممن قتل بنو حسن من بني جعفر، فأنفذ مالا ورجالا سرا سعوا بين الطائفتين حتى اصطلحوا، وتحملوا الحمالات عنهما. وكان فاضل القتلى لبني حسن عند بني جعفر سبعين قتيلا، فأدى القوم ذلك إليهم، وعقدوا بينهم في المسجد الحرام صلحا، وتحملوا دياتهم من مال المعز، وذلك في سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، فصار ذلك جميلا عند بني حسن للمعز، فلما دخل جوهر مصر بادر حسن بن جعفر الحسني فملك مكة ودعا للمعز، وكتب إلى جوهر بذلك، فبعث بالخبر إلى المعز، فأنفذ من المغرب إليه بتقليد الحرم وأعماله.
ذكر بناء القاهرة
قال أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق المصري في كتاب إتمام أخبار أمراء مصر للكندي رحمهما الله: وفي جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة صحت الأخبار بمسير عساكر المعز لدين الله من المغرب إلى مصر، عليها عبده جوهر، وكانت بمصر للمعز دعاة استدعوا خلقا في البلد، وكانوا يقولون: إذا زال الحجر الأسود ملك مولانا المعز لدين الله الأرض كلها، وبيننا وبينكم الحجر الأسود يعنون كافور الإخشيدي، فلما مات كافور أنفذ المعز إلى دعاته بنودا، وقال: فرقوها على من يبايع من الجند، وأمرهم إذا قربت العساكر ينشرونها، فلما قربت العساكر من الإسكندرية جمع الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد ابن موسى بن الحسن بن الفرات الناس وشاورهم، فاتفقوا على مراسلة جوهر، وأن يشترطوا
عليه شروطا، وأنهم يسمعون له ويطيعونه، ثم اجتمعوا على محاربته، ثم انحل ذلك، وعادوا إلى المراسلة بالصلح. وكانت رسل جوهر ترد سرا إلى ابن الفرات، ثم اتفقوا على خروج أبي جعفر مسلم الحسيني، وأبي إسماعيل الرسي، ومعهما القاضي أبو طاهر، وجماعة، فبرزوا إلى الجيزة لاثنتي عشرة بقيت من رجب، ولم يتأخر عن تشييعهم قائد، ولا كاتب، ولا عالم، ولا شاهد، ولا تاجر، وساروا فلقوا جوهر بتروجة ووافقوه، واشترطوا عليه، فأجابهم إلى ما التمسوه، وكتب لهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من جوهر الكاتب عبد أمير المؤمنين المعز لدين الله صلوات الله عليه لجماعة أهل مصر الساكنين بها، من أهلها ومن غيرهم: أنه قد ورد من سألتموه الترسل والاجتماع معي، وهم: أبو جعفر مسلم الشريف أطال الله بقاءه وأبو إسماعيل الرسي أيده الله وأبو الطيب الهاشمي أيده الله. وأبو جعفر أحمد بن نصر أعزه الله والقاضي أعزه الله. وذكروا عنكم أنكم التمستم كتابا يشتمل على أمانكم في أنفسكم وأموالكم وبلادكم وجميع أحوالكم، فعرفتم ما تقدم به أمر مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وحسن نظره لكم. فلتحمدوا الله على ما أولاكم، وتشكروه على ما حماكم، وتدأبوا فيما يلزمكم، وتسارعوا إلى طاعته العاصمة لكم، العائدة بالسلامة لكم، وبالسعادة عليكم، وهو أنه صلوات الله عليه
لم يكن إخراجه للعساكر المنصورة، والجيوش المظفرة إلا لما فيه إعزازكم وحمايتكم والجهاد عنكم، إذ قد تخطفتكم الأيدي، واستطال عليكم المستذل وأطمعته نفسه بالاقتدار على بلدكم في هذه السنة، والتغلب عليه وأسر من فيه، والاحتواء على نعمكم وأموالكم حسب ما فعله في غيركم من أهل بلدان المشرق، وتأكد عزمه، واشتد كلبه، فعاجله مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه بإخراج العساكر المنصورة، وبادره بانفاذ الجيوش المظفرة دونكم، ومجاهدته عنكم وعن كافة المسلمين ببلدان المشرق، الذين عمهم الخزي، وشملتهم الذلة، واكتنفتهم المصائب وتتابعت الرزايا، واتصل عندهم الخوف وكثرت استغاثتهم، وعظم ضجيجهم، وعلا صراخهم، فلم يغثهم إلا من أرمضه أمرهم، ومضه حالهم، وأبكى عينه ما نالهم، وأسهرها ما حل بهم، وهو مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فرجا بفضل الله، وإحسانه لديه، وما عوده وأجراه عليه استنقاذ من أصبح منهم في ذل مقيم، وعذاب أليم، وأن يؤمن من استولى عليه الوهل، ويفرخ روع من لم يزل في خوف ووجل، وآثر إقامة الحج الذي تعطل وأهمل العباد فروضه وحقوقه لخوف المستولى عليهم، وإذ لا يأمنون على أنفسهم ولا على أموالهم، وإذ قد أوقع بهم مرة بعد أخرى، فسفكت دماؤهم، وابتزت أموالهم، مع اعتماد ما جرت به عادته من صلاح الطرقات، وقطع عبث العابثين فيها، ليتطرق الناس آمنين، ويسيروا مطمئنين، ويتحفوا بالأطعمة والأقوات، إذ كان قد انتهى إليه صلوات الله عليه انقطاع طرقاتها، لخوف مادتها، إذ لا زاجر للمعتدين، ولا دافع للظالمين. ثم تجديد السكة، وصرفها إلى العيار الذي عليه السكة الميمونة المنصورية المباركة، وقطع الغش منها، إذ كانت هذه الثلاث خصال هي التي لا يتسع لمن ينظر في أمور المسلمين إلا إصلاحها، واستفراغ الوسع فيما يلزمه منها.
وما أوعز به مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه إلى عبده من نشر العدل، وبسط الحق، وحسم الظلم، وقطع العدوان، ونفى الأذى، ورفع المؤن، والقيام في الحق، وإعانة المظلوم مع الشفقة والإحسان، وجميل النظر، وكرم الصحبة، ولطف العشرة، وافتقاد الأحوال، وحياطة أهل البلد في ليلهم ونهارهم، وحين تصرفهم في أوان ابتغاء معاشهم، حتى لا تجري أمورهم إلا على ما لم شعثهم، وأقام أودهم، وأصلح بالهم، وجمع قلوبهم، وألف كلمتهم، على طاعة وليه ومولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وما أمر به مولاه من إسقاط الرسوم الجائرة التي لا يرتضي صلوات الله عليه بإثباتها عليكم. وأن أجريكم في المواريث على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأضع ما كان يؤخذ من تركات موتاكم لبيت المال من غير وصية من المتوفى بها، فلا استحقاق لمصيرها لبيت المال. وأن أتقدم في رم مساجدكم، وتزيينها بالفر والإيقاد، وأن أعطى مؤذنيها وقومتها ومن يؤم الناس فيها أرزاقهم، وأدرها عليهم، ولا أقطعها عنهم، ولا أدفعها إلا من بيت المال، لا بإحالة على من يقبض منهم. وغير ما ذكره مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه مما ضمنه كتابه هذا ما ذكره من ترسل عنكم أيدهم الله، وصانكم أجمعين بطاعة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه من أنكم ذكرتم وجوها التمستم ذكرها في كتاب أمانكم، فذكرتها إجابة لكم، وتطمينا لأنفسكم. وإلا فلم يكن لذكرها معنى، ولا في نشرها فائدة، إذ كان الإسلام سنة واحدة، وشريعة متبعة، وهي إقامتكم على مذهبكم، وأن تتركوا على ما كنتم عليه من أداء الفروض في العلم، والاجتماع عليه في جوامعكم ومساجدكم، وثباتكم على ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين بعدهم، وفقهاء الأمصار الذين جرت الأحكام بمذاهبكم وفتواهم، وأن يجرى الأذان، والصلاة، وصيام شهر رمضان وفطره، وقيام لياليه، والزكاة، والحج، والجهاد على أمر الله وكتابه، وما نصه نبيه صلى الله عليه وسلم في سنته، واجراء أهل الذمة على ما كانوا عليه.
ولكم علي أمان الله التام العام، الدائم المتصل، الشامل الكامل، المتجدد المتأكد على الأيام وكرور الأعوام، في أنفسكم، وأموالكم، وأهليكم، ونعمكم، وضياعكم، ورباعكم، وقليلكم وكثيركم. وعلى أنه لا يعترض عليكم معترض، ولا يتجنى عليكم متجن، ولا يتعقب عليكم متعقب. وعلى أنكم تصانون وتحفظون وتحرسون، ويذب عنكم، ويمنع منكم، فلا يتعرض إلى أذاكم، ولا يسارع أحد في الاعتداء عليكم، ولا في الاستطالة على قويكم فضلا عن ضعيفكم. وعلى أن لا أزال مجتهدا فيما يعمكم صلاحه، ويشملكم نفعه، ويصل إليكم خيره، وتتعرفون بركته، وتغتبطون معه بطاعة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه. ولكم علي الوفاء بما التزمته، وأعطيتكم إياه، عهد الله، وغليظ ميثاقه وذمته، وذمة أنبيائه ورسله، وذمة الأئمة موالينا أمراء المؤمنين قدس الله أرواحهم، وذمة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين المعز لدين الله صلوات الله عليه فتصرحون بها وتعلنون بالانصراف إليها، وتخرجون إلي وتسلمون علي، وتكونون بين يدي، إلى أن أعبر الجسر، وأنزل في المناخ المبارك، وتحافظون من بعد على الطاعة، وتثابرون عليها، وتسارعون إلى فروضها، ولا تخذلون وليا لمولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وتلزمون ما أمرتم به، وفقكم الله وأرشدكم أجمعين. وكتب القائد جوهر الأمان بخطه في شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين الأخيار.
وكتب بخطه في هذا الكتاب: قال جوهر الكاتب عبد أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين: كتبت هذا الأمان على ما تقدم به أمر مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وعلى الوفاء بجميعه لمن أجاب من أهل البلد وغيرهم على ما شرطت فيه. والحمد لله رب العالمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين. وكتب جوهر بخطه في التاريخ المذكور: وأشهد جوهر على نفسه جماعة الحاضرين وهم: أبو جعفر مسلم بن محمد بن عبيد الله الحسيني. وأبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد الرسي الحسني. وأبو الطيب العباس بن أحمد الهاشمي. والقاضي أبو الطاهر محمد بن أحمد. وابنه أبو يعلى محمد بن محمد. ومحمد بن مهلب بن محمد. وعمرو بن الحرث بن محمد. وأخذ منه أبو جعفر مسلم كتابا إلى أبي الفضل جعفر بن الفرات الوزير وجماعة وجوه الدولة، وخاطب ابن الفرات في كتابه بالوزير بعد مراجعة، وكان قد توقف في مخاطبته بالوزير، وقال: ما كان وزير خليفة، وأجاز الجماعة وحملهم، ولم يقبل أبو جعفر مسلم شيئا منه، وأكلت الجماعة معه، وودعوه وانصرفوا، فوافوا لثمان خلون من شعبان. قال ابن زولاق: سألت أبا جعفر مسلم عند رجوعه عن مقدار العسكر، فقال: هو مثل جمع عرفات كثرة وعدة؛ وسألته عن سن القائد جوهر، فقال لي: نيف وخمسون سنة.
فلما قدم الجماعة انتقض الإخشيدية والكافورية، وكان قد بلغهم ذلك وهم عند القائد جوهر، فتسرعوا في الانصراف من عنده، وبلغ جوهر بعد انصرافهم انتقاض الصلح، فأدرك الجماعة، وأعلمهم بأن القوم قد نقضوا الصلح، وطلب إعادة أمانه إليه، فرفقوا به، فقال للقاضي أبي طاهر: ما تقول يا قاضي في هذه المسألة؟ فقال: ما هي؟ فقال: ما تقول فيمن أراد العبور إلى مصر ليمضي إلى الجهاد لقتال الروم فمنع، أليس له قتالهم؟ فقال له القاضي: نعم. فقال: وحلال قتالهم؟ قال: نعم. ولما وافى أبو جعفر مسلم ومن معه من عند جوهر جاءه الناس، وركب إليه ابن الفرات في موكب عظيم، وعنده جماعة الوجوه، فقرأ عليهم كتاب جوهر بالأمان والشرط، وأوصل كتاب ابن الفرات وكتب الجماعة، فامتنع القوم من قبول ذلك، وقال فرح البجكمي للشريف مسلم: لو جاءنا جدك بهذا ضربنا وجهه بالسيف. فلامهم ابن الفرات على ذلك، وقال: أنتم سألتم الشريف هذه المسألة، فلم يقنع حتى أخذ معه أبا إسماعيل وهو رجل حسني، وأخذ معه قاضي المسلمين، وأخذ معه رجلا عباسيا. وسكت الشريف مسلم، فلم يزد على أن قال: خار الله لكم. واشتغل ابن الفرات يسارر الشريف مسلم، والإخشيدية والكافورية في خوض، فقالوا كلهم: ما بيننا وبين جوهر إلا السيف:
فسلموا على تحرير شويزان بالإماره، وخرجوا يحجبونه إلى داره، وبقي أحمد بن علي بن الإخشيد لا يفكر فيه. واستعدوا للحرب، وساروا لعشر خلون من شعبان، فنزلوا الجزيرة بالرجال والسلاح، ووافى جوهر الجزيرة، فلما شاهد ما فعلوه عاد إلى منية شلقان، وعبر إلى مصر من ذلك الموضع، وأرسل فاستقبل المراكب الواردة من تنيس ودمياط وأسفل الأرض فأخذها، وتولى العبور إليهم جعفر بن قلاح عريانا في سراويل مع جمع من المغاربة، وبلغ الإخشيدية، فأنفذوا تحرير الأرغلي، ويمن الطويل ومبشر الإخشيدي في خلق، فساروا إلى الموضع، وكانوا قد وكلوا به مزاحم بن محمد بن رائق فلقوه راجعا، ووقع القتال فقتل خلق من المصريين. وانصرف الناس عشية الأحد النصف من شعبان، فلما كان نصف الليل انصرف من كان بالجزيرة إلى دورهم، وأصبحوا غادين إلى الشام، وقد قتل جماعة، منهم: تحرير الأرغلي، ومبشر الإخشيدي، ويمن الطويل، وخلق كثير. وأصبح الناس على خطة عظيمة، فبكروا في يوم الاثنين إلى دار الشريف مسلم يسألونه الكتاب إلى جوهر في إعادة أمانهم، فكتب إليه، وجلس الناس عنده، وقد طاف علي بن
الحسين بن لؤلؤ صاحب الشرطة السفلي ومعه رسول جوهر، وبند عليه اسم المعز لدين الله، وبين أيديهما الأجراس بأن لا مؤونة ولا كلفة وأمن الناس، وفرقت البنود، فنشر كل من عنده بند بنده في درب حارته. وجاء الجواب إلى الشريف وقت العصر، ونسخته بعد البسملة: وصل كتاب الشريف الجليل أطال الله بقاءه، وأدام عزه وتأييده وعلوه وهو المهنأ بما هنأ به من الفتح الميمون؛ فوقفت على ما سأل من إعادة الأمان الأول، وقد أعدته على حاله. وجعلت إلى الشريف أعزه الله أن يؤمن كيف رأى وكيف أحب، ويزيد على ما كتبته كيف يشاء، فهو أماني، وعن إذني وإذن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وقد كتبت إلى الوزير أيده الله بالاحتياط على دور الهاربين إلى أن يرجعوا إلى الطاعة، ويدخلوا فيما دخلت فيه الجماعة، ويعمل الشريف أيده الله تعالى على لقائي في يوم الثلاثاء لسبع عشرة تخلو من شعبان. فاستبشرت الجماعة وابتهجوا، وعملوا على الغدو إلى الجزيرة للقاء جوهر مع الشريف مسلم، وبات الناس على هدوء وطمأنينة. فلما كان غداة يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان خرج الشريف أبو جعفر مسلم، وجعفر بن الفضل بن الفرات، وسائر الأشراف والقضاة والعلماء والشهود ووجوه التجار والرعية إلى الجيزة، فلما تكامل الناس أقبل القائد جوهر في عساكره، فصاح بعض حجابه:
الأرض، إلا الشريف والوزير. وتقدم الناس واحدا واحدا، فلما فرغوا من السلام عليه عاد الناس إلى الفسطاط. فلما زالت الشمس أقبلت العساكر، فعبرت الجسر، ودخلت أفواجا أفواجا، ومعهم صناديق المال على البغال، ويقال إن المال كان في ألف وخمسمائة صندوق، وأقبلت القباب، وأقبل جوهر في حلة مذهبة مثقل في فرسانه ورجالته، وقاد العسكر بأسره إلى المناخ الذي رسم له المعز موضع القاهرة، واختط موضع القصر، وأقام عسكره سبعة أيام يدخل من يوم الثلاثاء إلى آخر يوم الاثنين، واستقرت به الدار. وجاءته الألطاف والهدايا فلم يقبل من أحد طعاما إلا من الشريف مسلم، ويقال: لما أناخ جوهر في موضع القاهرة الآن اختط القصر، فأصبح المصريون ليهنئوه، فوجدوه قد حفر أساس القصر في الليل. ويقال إن جوهر لما بنى القصر، وأدار عليها السور سماها: المنصورية، فلما قدم المعز لدين الله إلى الديار المصرية سماها القاهرة.
ويقال في سبب تسميتها القاهرة أن القائد جوهر لما أراد بناء القاهرة أحضر المنجمين، وعرفهم أنه يريد عمارة بلد ظاهر مصر ليقيم بها الجند، وأمرهم باختيار طالع لوضع الأساس، بحيث لا يخرج البلد عن نسلهم، فاختاروا طالعا لحفر السور، وطالعا لابتداء وضع الحجارة في الأساس، وجعلوا بدائر السور قوائم من خشب، بين كل قائمتين حبل فيه أجراس، وقالوا للعمال: إذا تحركت الأجراس أرموا ما بأيديكم من الطين والحجارة. فوقفوا ينتظرون الوقت الصالح لذلك، فاتفق أن غرابا وقع على حبل من تلك الحبال المعلق فيها الأجراس، فتحركت الأجراس كلها، وظن العمال أن المنجمين حركوها، فألقوا ما بأيديهم من الطين والحجارة وبنوا، فصاح المنجمون: القاهر في الطالع. فمضى ذلك وفاتهم ما قصدوه. ويقال إن المريخ كان في الطالع عند ابتداء وضع أساس القاهرة، وهو قاهر الفلك، فسموها القاهرة، فحكموا لذلك أن القاهرة لا تزال تحت حكم الأتراك. وأدار السور اللبن احول بئر العظام، وجعلها في القصر، وجعل القاهرة حارات للواصلين صحبته وصحبة مولاه المعز، وعمل القصر بترتيب ألقاه إليه المعز. ويقال إن المعز لما رأى القاهرة لم يعجبه مكانها في البرية بغير ساحل، وقال لجوهر: يا جوهر فاتتك عمارتك ها هنا يعني المقس بشاطىء النيل.
فلما رأى سطح الجرف المعروف اليوم بالرصد، قال: يا جوهر: لما فاتك الساحل كان ينبغي عمارة القاهرة بهذا الجبل على هذا السطح، وتكون قلعة لمصر. حكاه ابن الطوير. قال: وكان المعز عارفا بالأمور، مطلعا على الأحوال بالذكاء، وكان يضرب في فنون منها النجامة، فرتب في القصر ما يحتاج إليه الملوك بل الخلفاء، بحيث لا يراهم العيان في النقلة من مكان إلى مكان، وجعل لهم في ساحاته البحر والميدان والبستان، وتقدم بعمارة المصلى ظاهر القاهرة لأهلها، لخطبتهم فيها والصلاة في عيدي الفطر والنحر، والآخر بالقرافة لأهل مصر. وقال ابن الظاهر: فلما تحقق المعز وفاة كافور جهز جوهر وصحبته العساكر، ثم نزل بموضع يعرف برقادة، وخرج في أكثر من مائة ألف فارس، وبين يديه أكثر من ألف صندوق من المال
وكان المعز يخرج إلى جوهر في كل يوم ويخلو به، وأمره أن يأخذ من بيوت الأموال ما يريد زيادة على ما أعطاه. وركب إليه المعز يوما فجلس وقام جوهر بين يديه، فالتفت المعز إلى المشايخ الذين وجههم معه وقال: والله لو خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر، وليدخلن إلى مصر بالأردية من غير حرب، ولينزلن في خرابات ابن طولون، وتبنى مدينة تسمى القاهرة تقهر الدنيا. قال: ونزل جوهر مناخه موضع القاهرة الآن في يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، واختط القصر، وبات الناس، فلما أصبحوا حضروا للهناء فوجدوه قد حفر أساس القصر بالليل، وكانت فيه زورات غير معتدلة، فلما شاهد ذلك جوهر لم يعجبه، ثم قال: قد حفر في ليلة مباركة وساعة سعيدة فتركه على حاله. وقال ابن زولاق: ولما أصبح أنفذ علي بن الوليد القاضي لعسكره، وبين يديه أحمال مال ومناد ينادي: من أراد الصدقة فليصر إلى دار أبي جعفر. فاجتمع خلق من المستورين والفقراء، فصاروا بهم إلى الجامع العتيق ففرق فيهم. ولما كان يوم الجمعة لعشر بقين من شعبان نزل جوهر في عسكر إلى الجامع العتيق لصلاة الجمعة، وخطب بهم هبة الله بن أحمد خليفة عبد السميع بن عمر العباسي ببياض، فلما بلغ إلى الدعاء قرأه من رقعة وهو: اللهم صل على عبدك ووليك، ثمرة النبوة، وسليل العترة الهادية المهدية، عبد الله الإمام معد أبي تميم المعز لدين الله، أمير المؤمنين، كما صليت على آبائه الطاهرين وأسلافه الأئمة الراشدين.
اللهم ارفع درجته وأعل كلمته، وأوضح حجته، واجمع الأمة على طاعته، والقلوب على موالاته وصحبته، واجعل الرشاد في موافقته، وورثه مشارق الأرض ومغاربها، وأحمده مبادىء الأمور وعواقبها، فإنك تقول وقولك الحق: " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ". فقد امتعض لدينك، ولما انتهك من حرمتك، ودرس من الجهاد في سبيلك، وانقطع من الحج إلى بيتك وزيارة قبر رسولك صلى الله عليه وسلم؛ فأعد للجهاد عدته، وأخذ لكل خطب أهبته، فسير الجيوش لنصرتك، وأنفق الأموال في طاعتك، وبذل المجهود في رضاك، فارتدع الجاهل، وقصر المتطاول، وظهر الحق وزهق الباطل، فانصر اللهم في جيوشه التي سيرها، وسراياه التي انتدبها، لقتال المشركين، وجهاد الملحدين، والذب عن المسلمين، وعمارة الثغور والحرم، وإزالة الظلم والتهم والنهم، وبسط العدل في الأمم. اللهم اجعل راياته عالية مشهورة، وعساكره غالبة منصورة، وأصلح به وعلى يديه، واجعل لنا منك واقية علية. وأمر جوهر بفتح دار الضرب، وضرب السكة الحمراء، وعليها:
دعا الإمام معد بتوحيد الإله الصمد في سطر. وفي السطر الآخر: المعز لدين الله أمير المؤمنين. وفي سطر آخر: بسم الله. ضرب هذا الدينار بمصر سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وفي الوجه الآخر: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. علي أفضل الوصيين وزير خير المرسلين. ورجع مزاحم بن رائق وكان قد سار مع الإخشيدية ومعه جيش كبير. وأفطر جوهر يوم الفطر على عدد بغير رؤية، وصلى صلاة العيد بالقاهرة، صلى به على بن وليد الإشبيلي وخطب، ولم يصل أهل مصر، وصلوا من الغد في الجامع العتيق، وخطب لهم رجل هاشمي. وكان أبو طاهر القاضي قد التمس الهلال على رسمه في سطح الجامع فلم يره، وبلغ ذلك جوهر فأنكره وتهدد عليه.
وجلس جوهر للمظالم في كل يوم سبت، ثم رد المظالم إلى أن أبي عيسى مرشد. وفي شوال صرف علي بن لؤلؤ عن الشرطة السفلى، ورد شبل المعرضي، وولى عدة من جهات الخراج، وعلى الضياع. وفي ذي الحجة قدم ستة آلاف من الإخشيدية والكافورية، فأنزلوا خارج القاهرة وزيد في الخطبة: اللهم صل على محمد النبي المصطفى، وعلى علي المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطى الرسول، الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا، اللهم صل على الأئمة الراشدين آباء أمير المؤمنين، الهادين المهديين. ونودي برفع البراطيل، وقائم الشرطتين، وسائر رسوم البلد. وورد الخبر بدخول القرامطة الرملة. وورد كتاب المعز من المغرب بوصول رأس نحرير ومبشر ويمن وبلال. وتولى الحسبة رجل يعرف بأبي جعفر الخراساني. وفي نصف ذي الحجة تكاملت الإخشيدية والكافورية المستأمنة بمصر، وهم أربعة عشر رئيسا، في عسكر عدته خمسة آلاف كانوا في معسكر لهم عند مصلى العيد بالقاهرة، فهرب
منه فاتك الهيكلي إلى الشام، فلم يدركه الطلب، وبلغ جوهر أن المستأمنة من الإخشيدية والكافورية اتفقوا على فساد. وتوفي ابن لجعفر بن فلاح، فحضر جوهر الجنازة، وحضر الناس وفيهم الإخشيدية والكافورية، وانصرفوا معه، فقال لهم في طريقه: قد حضر كتاب مولانا ومولاكم بما تسروا به، فسيروا حتى تقفوا عليه. فساروا معه إلى مضاربة بالقاهرة، ودخلوا معه، فقبض على ثلاثة عشر من وجوههم، وهم: نحرير شويزان، وقنك الخادم الأسود، ودرى الصقلي، وحكل الإخشيدي، ولؤلؤ الطويل، ومفلح الوهباني؛ وقيلق التركي، وفرح اليحكمي؛ واعتقلهم ستة أشهر حتى سيرهم مع الهدية إلى المعز، ومعهم الحسن بن عبيد الله بن طغج، وقبض على ضياع نحرير الأرغلي وأمواله، وقبض من يحيى بن مكي بن رجاء ثمانين ألف دينار عينا؛ وصاريين من عود رطب. وورد كتاب المعز إلى جوهر، وإلى أبي جعفر مسلم، وإلى أبي إسماعيل الرسي، وإلى الوزير جعفر بن الفرات. وولى جوهر مزاحم بن محمد بن رائق الحوف والفرما. ودخل جوهر والغلاء شديد، فزاد في أيامه حتى بلغ القمح تسعة أقداح بدينار.
وكان عامل الخراج علي بن يحيى بن العرمرم، فأقره جوهر شهرا، ثم أشرك معه رجاء ابن صولان. وأقر ابن الفرات على وزارته. وأزال جوهر من مصر السواد. ومنع من قراءة سبح اسم ربك في صلاة الجمعة. وأزال التكبير بعد صلاة الجمعة. ولم يدع عملا إلا جعل فيه مغربيا شريكا لمن فيه. وكان القاع ثلاثة أذرع وتسعة عشر إصبعا، وبلغ الماء سبعة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا؛ وخلع جوهر علي ابن أبي الرداد، وحمله فأجازه.
ودخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة
وفي المحرم أنفذ بشير الإخشيدي من تنيس نحو مائة وخمسين رجلا طيف بهم. وكثر الفساد في الطرق فضرب جوهر أعناق جماعة وصلبهم في السكك. ولاثنتي عشرة بقيت منه سار جعفر بن فلاح بن أبي مرزوق إلى الشام، وقاتل القرامطة بالرملة وهزمهم، وأسر الحسين بن عبيد الله بن طغج وجماعة، وبعثهم في القيود إلى جوهر. وسير جوهر إلى الصعيد في البر والبحر. وفي ربيع الأول قبض على دواب الإخشيدية والكافورية، وصرفهم مشاة، وأمرهم بطلب المعيشة. وسير الهدية جعفر بن الفضل بن الفرات مع ابنه أحمد في ربيع الآخر. وفي سلخ ربيع الآخر زاد الغلاء، ونزعت الأسعار؛ وتوفي أبو جعفر المحتسب، فرد جوهر أمر الحسبة إلى سليمان بن عزة. فضبط الساحل، وجمع القماحين في موضع واحد؛ ولم يدع كف قمح يجمع إلا بحضرته؛ وضرب أحد عشر رجلا من الطحانين وطيف بهم. وفي يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الأولى صلى جوهر الجمعة في جامع ابن طولون، وأذن المؤذنون بحي على خير العمل، وهو أول ما أذن به بمصر، وصلى به عبد السميع الجمعة فقرأ سورة الجمعة: وإذا جاءك المنافقون وقنت في الركعة الثانية، وانحط إلى
السجود، ونسي الركوع، فصاح به على بن الوليد قاضي عسكر جوهر: بطلت الصلاة، أعد ظهرا أربعا. ثم أذن بحي على خير العمل في سائر مساجد العسكر، وأنكر جوهر على عبد السميع أنه لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في كل سورة، ولا قرأها في الخطبة، فصلى به الجمعة الأخرى وفعل ذلك، وكان قد دعا لجوهر في الجمعة الأولى في الخطبة، فأنكر ذلك ومنعه. وقبض جوهر الأحباس من القاضي أبي طاهر، وردها إلى غيره. ولأربع بقين منه أذن في الجامع العتيق بحي على خير العمل، وجهر فيه بالبسملة في الصلاة ولسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة أنفذ جوهر هديته إلى المعز ومعها المعتقلون في القيود، فكان فيما أهداه تسع وتسعون بختية، وإحدى وعشرون قبة عليها الديباج المنسوج بالذهب، ولها مناطق من ذهب مكللة بالجوهر، ومائة وعشرون ناقة بأجلة الديباج، وأعنة محلاة بالفضة، وخمسمائة جمل عرابا، وستة وخمسون جلا، وثمانية وأربعون دابة منها بغلة واحدة، وسبعة وأربعون فرسا بأجلة حرير منقوش، وسروج كلها ما بين ذهب وفضة، ولجمها كذلك؛ وعودان كأطول ما يكون العود الذي يتبخر به. وكان الأسرى: الحسن بن عبيد الله بن طغج، وابن غزوان صاحب القرامطة وفاتك الهنكري، والحسن بن جابر الرياحي كاتب الحسن بن عبيد الله بن طغج، ونحرير شويزان، ومفلح الرهباني، ودرى الخازن، وفرقيك، وقيلغ التركي الكافوري، وأبو منحل،
وحكل الإخشيدي، وفرح اليحكمي، ولؤلؤ الطويل، وقنك الطويل الخادم، فحملوا في المراكب إلى الإسكندرية، وساروا منها إلى القيروان في البر. ونافق بشير الإخشيدي بأسفل الأرض، فاستعطفه جوهر، فلم يجب، فسير إليه العساكر، فحاربها بصهرجت ونهبها، ومضى منهزما إلى الشام في البحر، فأخذ بصور، وأدخل به على فيل ومعه جماعة، وبعث به جعفر بن فلاح. وفي رمضان حفر جوهر سوارى الجامع العتيق الخشب. وفي ذي القعدة ردت الحسبة إلى سليمان بن عزة المغربي، فجمع سماسرة الغلات في مكان. وسد الطرق إلا طريقا واحدا، فكان البيع كله هناك، ولا يخرج قدح غلة حتى يقف عليه. ومنع جوهر من الدينار الأبيض، وكان بعشرة دراهم، فأمر أن يكون الراضي بخمسة عشر درهما، والمعزى بخمسة وعشرين درهما ونصف، فلم يفعل الناس ذلك، فرد الأبيض إلى ستة دراهم، فتلف وافتقر خلق. وضربت أعناق عدة من أصحاب تبر والإخشيدية، وصلبوا حتى دخل المعز من المغرب. وأنفذ المعز عسكرا وأحمال مال عدتها عشرون حملا للحرمين، وعدة أحمال متاع. وورد الخبر بفتح جعفر بن فلاح دمشق ودخولها، وكان من خبر جعفر بن فلاح: أنه لما سار من القاهرة في عسكره كان على الرملة ودمشق الحسن بن عبيد الله بن طغج، فلما بلغه دخول جوهر القائد إلى مصر بعساكر المعز سار عن دمشق في شهر رمضان، واستخلف
عليه شمول الإخشيدي، وكان شمول يحقد في نفسه منه، ويكاتب جوهر القائد، فنزل ابن طغج الرملة، وتأهب لحرب من يسير إليه من مصر، فوردت عليه الأخبار بمسير القرامطة إليه، ووافوه بالرملة، فلقيهم وحاربهم، فانهزم منهم، ثم صالحهم وصاهرهم في ذي الحجة. ورحل عنه القرمطي بعد ما أقام بظاهر الرملة ثلاثين يوما، فبعث إلى شمول بالمسير إليه لمحاربة من تقدم من مصر، وأنفذ إلى الصباحي وإلى بيت المقدس بالقدوم عليه، فتقاعد عنه شمول، وقرب منه جعفر بن فلاح، وقد انتشرت كتبه إلى ولاة الأعمال بعدهم الإحسان، ويدعوهم إلى طاعة المعز، فالتقى مع ابن طغج وحاربه، فانهزم منه واحتوى على عسكره، فقتل كثيرا من أصحابه، وأخذه أسيرا في النصف من رجب سنة تسع، فأقام بالرمة يتبع ما كان لابن طغج ولأصحابه، وسار إلى طبرية فبنى قصرا عند الجسر ليحارب فاتك غلام ملهم وكان عليها من قبل كافور الإخشيدي فلم يعرض له ملهم، وملك جعفر طبرية. وكان بحوران والبثنية بنو عقيل من قبل الإخشيد وهم: شبيب، وظالم بن موهوب، وملهم بن ... قد ملكوا تلك الديار، فأخذ جعفر بن فلاح يستميل إليه من العرب فزارة ومرة، وباطنهم على قتل ملهم، فرتبوا له رجالا قتلوه على حين غفلة، وأظهر جعفر أن ذلك من غير علمه. وقبض على من قتله وبعث بهم إلى ملهم، فعفا عنهم. وسار من دمشق مشايخ أهلها إلى طبرية للقاء جعفر، فاتفق وصولهم إليها يوم قتل فاتك، قد ثارت بها فتنة، فأخذوا وسلبوا ما عليهم، فلقوا جعفر بن فلاح، وعادوا إلى دمشق وهم غير شاكرين ولا راضين، فبسطوا ألسنتهم بذم المغاربة حتى استوحش أهل دمشق منهم.
وكان شمول قد خرج منها إلى جعفر، فلقيه بطبرية، وصار البلد خاليا من السلطان، فطمع الطامع، وكثر الذعار وحمال السلاح به وجهز جعفر من طبرية من استمالهم من مرة وفزارة لحرب بني عقيل بحوران والبثنية، وأردفهم بعسكر من أصحابه، فواقعو بني عقيل، وهزموهم إلى أرض حمص وهم خلفهم؛ ثم رجعوا إلى الغوطة، وامتدت أيديهم إلى أخذ الأموال وهم سائرون حتى نزلوا بظاهر دمشق، فثار عليهم أهل البلد، وقاتلوهم وقتلوا منهم كثيرا من العرب، فانهزموا عنها، وذلك لثمان خلون من ذي الحجة، فلحقوا بطلائع جعفر، فساروا معها إلى دمشق، وخرج إليهم الناس مستعدين لمحاربتهم في خيل ورجل فاقتتلوا يومهم ثم انصرفوا، وأصبحوا يوم الجمعة فاقتتلوا، وصاح الناس في الجامع بعد الصلاة: النفير، فخرج النفير، واشتد القتال إلى آخر النهار. ونزل جعفر يوم السبت لعشر خلون منه بالشماسية، وأصبح الناس للقتال، ولم يصلوا ذلك اليوم في المصلى صلاة العيد، فاستمروا طول النهار ومعهم الجند الذين كانوا مع شمول، فكلوا، وحملت معهم المغاربة فانهزموا، وتمكن السيف منهم وهم منهزمون إلى أرض عاتكة وقصر حجاج، فقتل خلق كثير؛ وكان رئيس أهل الشام في هذه الحروب أبو القاسم ابن أبي يعلى العباسي، ومحمد بن عصودا وصدقة الشوا. فلما ملك المغاربة ظاهر البلد طرحوا النار فيما هنالك من الأسواق وغيرها، وصاروا إلى باب الجابية، وأصبحوا وقد ضبط الرعية أبواب البلد، فاستمرت الحرب طول النهار مما يلي المصلى، ثم كفوا عن القتال وباتوا؛ فلما أصبح النهار خرج قوم من مشايخ البلد لمخاطبة جعفر وهو بالشماسية في إصلاح أمر البلد، فأخذهم قوم من المغاربة، وسلبوهم
ثيابهم، وقتلوا منهم وجرحوا عدة، وعلم بذلك أهل البلد، فصاحوا من أعلى المواذن بالناس يعلمونهم الخبر، ثم قدم المأخوذون فارتاع الناس واشتد خوفهم وتحيروا، ثم جرت بينهم بعد ذلك وبين جعفر مراسلة، فخرجوا إليه، فاشتد عليهم وخوفهم بالنار والسيف، فعادوا وقد ملئوا رعبا، فبلغوا قوله للناس وقد تحيروا، فاقتضى رأيهم معاودة جعفر في طلب العفو، فرجع المشايخ إليه، وما زالوا يتضرعون إليه حتى قال: ما أعفو عنكم حتى تخرجوا إلي ومعكم نساؤكم مكشوفات الشعور فيتمرغن في التراب بين يدي لطلب العفو. فقالوا له: نفعل ما يقول القائد. وما برحوا يذلون له حتى انبسط معهم في الكلام، وتقرر الأمر على أنه يدخل يوم الجمعة إلى الصلاة في الجامع. فلما كان يوم الجمعة ركب في عسكره، ودخل البلد فصلى بالجامع وخرج، فوضع أصحابه أيديهم ينهبون الناس، فثاروا عليهم، وقتلوا منهم كثيرا؛ وخرج إليه المشايخ فأنكر عليهم، وقال لهم: دخل رجال أمير المؤمنين للصلاة فقتلتموهم وهددهم، فلطفوا معه القول وداروه، فأومأ إلى مال يأخذه من البلد دية من قتل من رجال أمير المؤمنين، فأجابوه، وكان في الجماعة أبو القاسم أحمد المعروف بالعقيقي العلوي وهو أحمد بن الحسن الأشل بن أحمد بن علي الرئيس بالمدينة كان بن محمد العقيقي بن جعفر بن عبد الله ابن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فانصرفوا من عنده، وفرضوا له المال، فعم الناس البلاء في جبايته. ونزل بظاهر سور دمشق فوق نهر يزيد أصحاب جعفر فبنوا المساكن، وأقاموا بها الأسواق، وصارت شبه المدينة، واتخذ لنفسه قصرا عجيبا من الحجارة، وجعله عظيما
شاهقا في الهواء غريب البناء، وتطلب حمال السلاح فظفر بقوم منهم، وضرب أعناقهم، وصلب جثثهم، وعلق رءوسهم على الأبواب، وفيها رأس إسحاق بن عصودا. وكان ابن أبي يعلى لما انهزم خرج إلى الغوطة يريد بغداد، فقبض عليه ابن عليان العدوي عند تدمر، وجاء به إلى جعفر بن فلاح، فشهره على جمل، وفوق رأسه قلنسوة وفي لحيته ريش وبيده قصبة، ثم بعث به إلى مصر. وأما محمد بن عصودا فإنه لحق بالقرامطة في الأحساء هو وظالم بن موهوب العقيلي لما انهزم بنو عقيل عن حوران والبثنية، فحثوهم على المسير إلى دمشق. فلما كان في ربيع الأول سنة ستين أنفذ جعفر غلامه فتوح على عسكر إلى أنطاكية، وكان لها في أيدي الروم نحو من ثلاث سنين، وسير إلى أعمال دمشق وطبرية وفلسطين فجمع منها الرجال، وبعث عسكرا بعد عسكر إلى أنطاكية، وكان الوقت شتاء، فنازلوها حتى انصرم الشتاء، وسارت القوافل وهم ملحون في القتال، فأردفهم جعفر بعساكر في نحو أربعة آلاف مددا لهم فظفروا بنحو مائتي بغل تحمل علوفة لأهل أنطاكية فأخذوها وقد أشرفوا على اسنكدرونة وعليها عساكر الروم فواقعوهم، فانهزم العسكر، وقتلوا منهم كثيرا. وورد على ابن فلاح خبر هزيمة عسكره، وخبر مسير القرامطة إلى الشام، وأنهم وردوا الكوفة. فأمدهم صاحب بغداد بالسلاح، وكتب لهم بأربعمائة ألف درهم على أبي تغلب ابن حمدان، تقوية لهم على حرب المغاربة، فبعث إلى غلامه فتوح برحيله عن أنطاكية ومصيره إليه، فوافاه ذلك أول رمضان، فسار بمن معه، وتركوا كثيرا من العلف والطعام، وأتوه إلى دمشق، فصار كل قوم منهم إلى أماكنهم.
وقدم القرمطي إلى الرحبة، فأمده أبو تغلب بالمال، وبمن كان عنده من الإخشيدية الذين كانوا بمصر وفلسطين، صاروا إليه لما انهزموا من المغاربة، وصار بهم القرمطي حتى قرب من دمشق، فخرج إليهم جعفر بن فلاح وقد استهان بهم وواقعهم، فانهزم منهم، وأخذ السيف أصحابه، وقتل فلم يدر قاتله لست خلون من ذي القعدة سنة ستين، ووجد مطروحا على الطريق خارج دمشق، فجاءه محمد بن عصودا فقطع رأسه، وصلبه على حائط داره؛ أراد بذلك أخذ ثأر أخيه إسحاق لما قتله جعفر وصلبه. وملك القرامطة دمشق، وأمنوا أهلها، ثم ساروا إلى الرملة فملكوها، واجتمع إليهم كثير من الإخشيدية. وفيها اصطلح قرعويه مولى سيف الدولة بن حمدان متولى حلب، وأبو المعالي شريف ابن سيف الدولة، فخطب له قرعويه بحلب، وخطبا جميعا في معاملتيهما للإمام المعز بحلب وحمص.
ودخلت سنة ستين وثلاثمائة @YY360
ففي المحرم اشتدت الأمراض والوباء بالقاهرة، وورد جماعة من الوافدين إلى المغرب بجوائز وخلع. وفي صفر ضرب تبر بالسياط، وقبضت ودائعه. وفي ربيع الآخر جرح تبر القائد أبو الحسن نفسه، ومات بعد أيام، فسلخ بعد موته وصلب حتى مزقته الرياح عند المنظر. وفي جمادى الأولى منع جوهر من بيع الشوىء مسموطا، وأن يسلخ من جلده. وفي جمادى الآخرة نقل جوهر مجلس المظالم إلى يوم الأحد، وأطلق لأصحاب الراتب ألف دينار فرقت فيهم؛ وورد شمول من الشام مستأمنا، فخلع عليه سبع خلع، وحمل على فرسين، وأعطى إثنا عش كيسا عينا وورقا؛ وقدم سعادة بن حيان من المغرب في جيش كبير، فتلقاه جوهر فترجل له سعادة. وفي شعبان وردت الرسل من المغرب برأس محمد بن خزر، ومعه ثلاثة آلاف رأس، فقرأ عبد السميع يوم الجمعة كتاب المعز بخبر المذكور، وكان محمد بن الخير بن محمد بن خزر الزناتي أكبر ملوك المغرب سلطانا على زناتة وغيرهم، هجم عليه أبو الفتوح يوسف بن زيرى ابن مناد وهو في قليل من أصحابه يشرب، فلما أحيط به قتل نفسه بسيفه في سابع عشر ربيع الآخر سنة ستين وثلاثمائة، فقدم رأسه على المعز لثلاث بقين منه. وفي شوال أنفذ جوهر سعاة بن حيان إلى الرملة واليا عليها، وقد كثر الإرجاف بالقرامطة،
وأن جعفر بن فلاح قتل منهم، وملكوا دمشق، فتأهب جوهر لقتالهم، وعمل الخندق، ونصب عليه البابين الحديد اللذين كانا على ميدان الإخشيدي، وبني القنطرة على الخليج، وفرق السلاح على المغاربة والمصريين؛ ووكل بابن الفرات خادما يبيت معه في داره، ويركب معه حيث سار؛ ووثب أهل تنيس على واليهم وقتلوا جماعة منهم الإمام في القبلة ووجدت رقاع في الجامع العتيق فيها التحذير من جوهر، فجمع الناس ووبخهم فاعتذروا. وفي ذي الحجة كبست القرامطة مدينة القلزم، وأخذوا واليها عبد العزيز بن يوسف، وما كان له من خيل وإبل. وكان القاع خمسة أذرع، وبلغ ماء النيل سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع، وخلع جوهر على ابن أبي الرداد، وأجازه وحمله. وفيها مات أبو سعيد يانس أحد قواد الإخشيدية في المحرم. وقتل تبر القائد أبو الحسن نفسه بسكين الدواة في شهر ربيع الآخر، فسلخه القائد جوهر، وصلبه عند المنظر حتى مزقته الرياح.
ودخلت سنة إحدى وستين وثلاثمائة @YY361
وفي المحرم دخل برءوس من بني هلال. وفيه كبست الفرما، وعصى أهل تنيس، وغيروا الدعوة وسودوا، فحاربهم العسكر، ودخل بعض المنهزمين من القرامطة، وتبعهم القرامطة إلى عين شمس، فاستعد جوهر لقتالهم، وغلق أبواب الطابية، وضبط الداخل والخارج، وقبض على أربعة من الجند المصريين، وضرب أعناقهم وصلبهم، وبعث فأخرج ابن الفرات من داره وأسكنه بالقاهرة. وفي مستهل ربيع الأول التحم القتال مع القرامطة على باب القاهرة. وكان يوم جمعة، فقتل من الفريقين جماعة، وأسر عدة، وأصبحوا يوم السبت متكافئين، وغدوا يوم الأحد للقتال، فسار الحسن بن أحمد بهرام الذي يقال له الأعسم زعيم عسكر القرامطة بجميع عسكره على الخندق، والباب مغلق، فلما زالت الشمس فتح جوهر الباب، واقتتلوا قتالا شديدا قتل فيه خلق كثير، وانهزم الأعسم ونهب سواده بالجب، وأخذت صناديقه وكتبه، وهو في الليل على طريق القلزم، فنهبت بنو عقيل وبنو طي كثيرا من مواده، ونادى جوهر في المدينة: من جاء بالقرمطي أو برأسه فله ثلاث مائة ألف درهم، وخمسون خلعة، وخمسون سرجا بحلى على دوابها. فلما كان الغد من وقعة القرمطي ورد أبو محمد الحسن بن عمار من المغرب؛ وسار عسكر لقتال أهل تنيس، وقبض على تسعمائة من جند مصر في ساعة واحدة وقيدوا؛ ورد جوهر تدبير الأموال إلى جعفر بن الفرات، وخرج سعادة بن حيان في عسكر إلى الرملة بسبب القرامطة فدخلها، ثم قدم عليه الأعسم القرمطي، فعاد سعادة بمن معه إلى مصر. وفي شهر رمضان قبض على عجوز عمياء تنشد في الطريق وحبست، ففرح جماعة من الرعية، ونادوا بذكر الصحابة، وصاحوا:
معاوية خال المؤمنين، وخال علي. فبعث جوهر ونادى في الجامع العتيق: أيها الناس: أقلوا القول، ودعوا الفضول، فإننا حبسنا العجوز صيانة لها، فلا ينطقن أحد إلا حلت عليه العقوبة الموجعة. ثم أطلقت العجوز. وخرج عبد العزيز بن إبراهيم الكلابي بالصعيد، وسود، ودعا لبني العباس، فبعث إليه جوهر في البحر أربعين مركبا عليها بشارة النوبى، وأنفذ بأزرق في البر على عسكر، فأخذ وأدخل به في قفص مغلولا، وطيف به وبمن معه. ووافى الأسطول من المغرب، وسار إلى الشام فأسر وغنم. وأمر جوهر برفع الدنانير البيض. وفي آخر ذي الحجة نهبت المغاربة مواضع بمصر، فثارت الرعية، فاقتتلوا قتالا شديدا، وركب إليهم سعادة بن حيان، وغرم جوهر للناس ما نهب لهم، وقبل قولهم في ذلك.
ودخلت سنة اثنتين وستين وثلاثمائة @YY362
ففي المحرم قدر جوهر قيمة الدنانير، فجعل الأبيض بثمانية دراهم. ولخمس بقين منه توفى سعادة بن حيان، فحضر جوهر جنازته، وصلى عليه الشريف مسلم. وفي ربيع الأول عزل سليمان بن عزة المحتسب جماعة من الصيارفة، فشغب طائفة منهم، وصاحوا: معاوية خال علي بن أبي طالب. فهم جوهر بإحراق رحبة الصيارفة، لولا خوفه على الجامع. وفيه أمر ألا يظهر يهودي إلا بالغيار. ودخل الحسن بن عمار ببضع وتسعين أسيرا، وشهروا. ودخل عبد الله بن طاهر الحسيني على جوهر بطيلسان كحلي وفي مجلسه القضاة والعلماء والشهود فأنكر الطيلسان الكحلي، ومد يده فشقه، فغضب ابن طاهر وتكلم، فأمر جوهر بتمزيقه فمزق، وجوهر يضحك، وبقى حاسرا بغير رداء، فقام جوهر وأخرج له عمامة، ورداء أخضر، وألبسه وعممه بيده. وفي يوم الثلاثاء رابع المحرم المذكور زلزلت دمشق وأعمالها زلزلة عظيمة وقتا من الزمان، ثم هدأ وانهدم بها من أنطاكية عدة أبرجة.
وفي شهر ربيع الآخر تواترت الأخبار بمسير المعز إلى مصر، وورد كتابه من قابس فتأهب جوهر لذلك، وأخذ في عمارة القصر والزيادة فيه. وفي النصف من جمادى الأولى مات عبد العزيز بن هيج فسلخ وصلب. وفي أول رجب كد جوهر الناس للقاء المعز، فتأهبوا لذلك، وخرج أبو طاهر القاضي، وسائر الشهود والفقهاء ووجوه التجار إلى الجيزة مبرزين للقاء المعز، فأقاموا بها أربعين يوما حتى ورد الكتاب بوصول المعز إلى برقة، فسار القاضي ومن معه. وسار الحسن بن عمار إلى الحوف في عشرة آلاف فواقعوا القرامطة هناك. ولخمس بقين من شعبان ورد الخبر بوصول المعز إلى الاسكندرية، ولقيه أبو طاهر القاضي ومن معه، فخاطبهم بخطاب طويل، وأخبرهم أنه لم يسر لازدياد في ملك ولا رجال، ولا سار إلا رغبة في الجهاد ونصرة للمسلمين؛ وخلع على القاضي وأجازه وحمله. ولقيه أبو جعفر مسلم في جماعة الأشراف، ومعهم وجوه البلد بنواحي محلة حفص، وترجلوا له كلهم وكان سائرا فوقف، وتقدم إليه أولا أبو جعفر مسلم، ثم الناس على طبقاتهم، وقبلوا له الأرض وهو واقف، حتى فرغ الناس من السلام عليه، ثم سار وسايره أبو جعفر مسلم وهو يحادثه وسأل عن الأشراف، فتقدم إليه أكابرهم: أبو الحسن محمد بن أحمد الأدرع. وأبو إسماعيل الرسي. وعيسى أخو مسلم. وعبد الله بن يحيى بن طاهر بن السويح ثم عزم على الشريف مسلم، وأمره بركوب قبة لأن الحر كان شديدا وكان الصوم، فقدمت إليه قبة محلاة على ناقة، وعادله غلام له، ونزل المعز إلى الجيزة، فكانت مدة القائد أبي الحسن جوهر أربع سنين وتسعة عشر يوما.
ذكر قدوم المعز لدين الله ابي تميم معد إلى مصر إلى مصر وحلوله بالقصر من القاهرة المعزية
وما كان من ولاية الخلفاء من بعده حتى انقضت أيامهم وأناخ بهم حمامهم. في يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة دخل المعز لدين الله إفريقية. وفي يوم الاثنين رابع عشرين جمادى الأولى سنة ثنتي وستين نزل بقصره خارج برقة. ووصل إلى الإسكندرية يوم الجمعة لست بقين من شعبان، ونزل تحت منارتها ثم سار. ونزل المعز إلى الجيزة فخرج إليه جماعة من بقى، وعقد جوهر جسر الجيزة، وعقد جسرا آخر عند المختار بالجزيرة حتى سار عليه إلى الفسطاط، ثم إلى القاهرة. وزينت له الفسطاط فلم يشقها، ودخل معه جميع من كان وفد إليه، وجميع أولاده وأخوته وعمومته، وسائر ولد المهدي، وأدخل معه توابيت آبائه: المهدي والقائم والمنصور. وكان دخوله إلى القاهرة، وحصوله في قصره يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، فصارت مصر دار خلافة بعد أن كانت دار إمارة. قال الفقيه الحسن بن إبراهيم بن زولاق رحمه الله ومن خطه نقلت:
حدثني أحمد بن جعفر قال: كان القائم بأمر الله عليه السلام يوما في مجلس أبيه المهدي جالسا بين يديه، وكان ابنه المنصور قائما بين يدي جده، فقال المهدي لابن ابنه المنصور: ايتني بابنك يعني المعز لدين الله، فجاءت به دايته وله سنة أو فوقها، فأخذه المهدي في حجره وقبله، وقال لابنه القائم بأمر الله: يا أبا القاسم: ما على ظهر الأرض مجلس أشرف من هذا المجلس، اجتمع فيه أربعة أئمة، يعني المهدي نفسه، وابنه القائم، وابن ابنه المنصور، وابن ابنه المعز لدين الله؛ وزادني أبو الفضل ريدان صاحب المظلة في هذا الخبر أن المهدي جمعهم في دواج وقال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ثلاث أئمة في كساء سوى نفسه، وقد جمع هذا الدواج أربعة أئمة. قال ابن زولاق: ولما وصل المعز إلى قصره خر ساجدا، ثم صلى ركعتين، وصلى بصلاته كل من دخل معه، واستقر في قصره بأولاده وحشمه وخواصه عبيده، والقصر يومئذ مشتمل على ما فيه من عين وورق وجوهر وحلي وفرش وأوان وثياب وسلاح وأسفاط وأعدال وسروج ولجم؛ وبيت المال بحاله بما فيه، وفيه جميع ما يكون للملوك. وخرج غد هذا اليوم وهو يوم الأربعاء جماعة الأشراف والقضاة والعلماء والشهود ووجوه أهل البلد وسائر الرعية لتهنئة المعز. ولعشر خلون من رمضان أمر المعز بالكتاب على المشايخ في سائر مدينة مصر: خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وأثبت اسم المعز لدين الله، واسم ابنه عبد الله الأمير. ووقع المعز بيده إلى محمد بن الحسين بن مهذب صاحب بيت المال:
تقدم يا محمد بابتياع لنا ولمولاك عبد الله في كل يوم من الفاكهة الرطبة واليابسة كذا وكذا بسعر الناس، ولا تعرف الرسول لئلا تقع محاباة ولا مسامحة، وكذلك حوائج المطبخ. وللنصف منه جلس المعز في قصره على السرير الذهب الذي عمله جوهر في الإيوان الجديد، وأذن بدخول الأشراف أولا، ثم بعدهم الأولياء وسائر وجوه الناس، وجوهر قائم بين يديه يقدم الناس قوما بعد قوم؛ ثم مضى جوهر وأقبل بهديته ظاهرة يراها الناس، وهي: من الخيل: مائة وخمسون فرسا مسرجة ملجمة، منها مذهب، ومنها مرصع، ومنها بعنبر. وإحدى وثلاثون قبة على بخاتي بالديباج والمناطق والفرش، منها تسعة بديباج مثقل. وتسع نوق مجنوبة مزينة بمثقل. وثلاثة وثلاثون بغلا، منها سبعة مسرجة ملجمة. ومائة وثلاثون بغلا للنقل. وتسعون نجيبا. وأربعة صناديق مشبكة يرى ما فيها، وفيها أواني الذهب والفضة. ومائة سيف محلى بالذهب والفضة. ودرجان من فضة مخرقة فيها جوهر. وشاشية مرصعة في غلاف. وتسعمائة ما بين سفط وتخت فيها سائر ما أعده له من ذخائر مصر.
وأذن المعز لابنه عبد الله في الجلوس في مجلسه. وحمل أبو جعفر مسلم بن عبيد الله الحسيني هديته، وهي: أحد عشر سفطا من متاع تونة وتنيس ودمياط. وخيلا وبغالا. وقال: كنت أشتهي أن يلبس منها المعز لدين الله ثوبا أو ينعم بالعمامة التي فيها، فما عمل لخليفة قط مثلها. وأذن المعز لجماعة بالجلوس في مجلسه، وأطلق جماعة المعتقلين من الإخشيدية والكافورية الذين اعتقلهم جوهر، وعدتهم نحو الألف. وقال للقاضي أبي طاهر: كم رأيت من خليفة؟ فقال: ما رأيت خليفة غير مولانا المعز لدين الله صلوات الله عليه. فاستحسن ذلك منه على البديهة، مع علم المعز أن أبا طاهر رأى المعتضد، والمكتفي، والمقتدر، والقاهر، والراضي، والمتقي، والمستكفي، والمطيع؛ فشكره وأعجب بقوله. وركب المعز يوم الفطر لصلاة العيد إلى مصلى القاهرة الذي بناه جوهر، وكان محمد بن أحمد بن الأدرع الحسيني قد بكر وجلس في المصلى تحت القبة، فجاء الخدم وأقاموه وأقعدوا موضعه أبا جعفر مسلم، وأقعدوه دونه، فكان أبو جعفر مسلم خلف المعز عن يمينه وهو يصلي. وأقبل المعز في زيه وبنوده وقبابه، وصلى بالناس صلاة العيد صلاة تامة طويلة، قرأ في الأولى بأم الكتاب، وهل أتاك حديث الغاشية؛ ثم كبر بعد القراءة، وركع فأطال، وسجد فأطال.
قال ابن زولاق: أنا سبحت خلفه في كل ركعة وفي كل سجدة نيفا وثلاثين تسبيحة، وكان القاضي النعمان بن محمد يبلغ عنه التكبير؛ وقرأ في الثانية بأم الكتاب وسورة والضحى، ثم كبر أيضا بعد القراءة؛ وهي صلاة جده علي بن أبي طالب، وأطال أيضا في الثانية الركوع والسجود، وأنا سبحت خلفه نيفا وثلاثين تسبيحة في كل ركعة وفي كل سجدة؛ وجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في كل سورة، وأنكر جماعة يترسمون بالعلم قراءته قبل التكبير، لقلة علمهم وتقصيرهم في العلوم. فلما فرغ من الصلاة صعد المنبر، وسلم على الناس يمينا وشمالا، ثم نشر البندين اللذين كانا على المنبر فخطب وراءهما، وكان في أعلى درجة من المنبر وسادة ديباج مثقل، فجلس عليها بين الخطبتين، واستفتح الخطبة ببسم الله الرحمن الرحيم. وكان معه على المنبر جوهر، وعمار بن جعفر، وشفيع صاحب المظلة، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، استفتح بذلك وخطب وأبلغ وأبكى الناس، وكانت خطبته بخضوع وخشوع. فلما فرغ من خطبته انصرف في عساكره، وخلفه أولاده الأربعة بالجواشن والخوذ على الخيل بأحسن زي، وساروا بين يديه بالفيلين. فلما حصل في قصره أحضر الناس فأكلوا ونشطهم إلى الطعام، وعتب على من تأخر، وتهدد من بلغه عنه صيام العيد. ورد إلى أبي سعيد عبد الله بن أبي ثوبان أحكام المغاربة ومظالمهم. وتحاكم إليه جماعة من المصريين فحكم بينهم وسجل، فكان شهود مصر يشهدون عنده ويشهدون على أحكامه، ولم ير هذا بمصر قبل ذلك؛ واستخلف أبو سعيد أحمد بن محمد الدوادي. ومنع المعز من النداء بزيادة النيل، وألا يكتب بذلك إلا إليه وإلى جوهر، فلما تم أباح النداء يعني لما تم ست عشرة ذراعا.
وخلع على جوهر خلعة مذهبة، وعمامة حمراء، وقلده سيفا، وقاد بين يديه عشرين فرسا مسرجة ملجمة، وحمل بين يديه خمسين ألف دينار، ومائتي ألف درهم، وثمانين تختا من ثياب. وركب المعز إلى المقس، وأشرف على أسطوله، وقرأ عليه وعوذه، وخلفه جوهر والقاضي النعمان ووجوه أهل البلد، ثم عاد إلى قصره. وضربت أعناق جماعة عاثوا بنواحي القرافة. وفي ذي القعدة احترق سوق القاهرة، وأعيد. وركب المعز لكسر خليج القاهرة، فكسر بين يديه، وسار على شط النيل، ومر على سطح الجرف، وعطف على بركة الحبش، ثم على الصحراء إلى الخندق الذي حفره جوهر في موكب عظيم، وخلفه وجوه أهل البلد، وأبو جعفر أحمد بن نصر يعرفه بالمواضع، وبلغ المعز أن محمدا أخا أبي إسماعيل الرسي يريد الفرار إلى الشام، فقبض عليه وسجن مقيدا.
وفي يوم عرفة نصب المعز الشمسة التي عملها للكعبة على إيوان قصره، وسعتها اثنا عشر
شبرا في مثلها، وأرضها ديباج أحمر، ودورها اثنا عشر هلال ذهب، وفي كل هلال أترجة ذهب مشبك، جوف كل أترجة خمسون درة كبيض الحمام، وفيها الياقوت الأحمر والأصفر والأزرق، وفي دورها مكتوب آيات الحج بزمرد أخضر، وحشو الكتابة در كبار لم ير مثله، وحشو الشمسة المسك المسحوق؛ فرآها الناس في القصر ومن خارجه لعلو موضعها؛ ونصبها عدة فراشين، وجروها لثقل وزنها. وأول من عمل الشمسة للكعبة أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله، فبعث سلسلة من ذهب كانت تعلق مع الياقوتة التي بعثها المأمون، وصارت تعلق كل سنة في وجه الكعبة، وكان يؤتى بهذه السلسلة في كل موسم وفيها شمسة مكللة بالدر والياقوت والجوهر قيمتها شيء كثير، فيقدم بها قائد يبعث من العراق، فتدفع إلى حجبة الكعبة، ويشهد عليهم بقبضها، فيعلقونها يوم سادس الثمان، فتكون على الكعبة، ثم تنزع يوم التروية. وغدا المعز لصلاة عيد النحر في عساكره، وصلى كما ذكر في صلاة الفطر من القراءة والتكبير وطول الركوع والسجود، وخطب وانصرف في زيه، فلما وصل إلى القصر أذن للناس عامة فدخلوا والشمسة منصوبة على حالها، فلم يبق أحد حتى دخل من أهل مصر والشام والعراق فذكر أهل العراق وأهل خراسان، ومن يواصل الحج أنهم لم يرو قط مثل هذه
الشمسة؛ وذكر أصحاب الجوهر ووجوه التجار أنه لا قيمة لما فيها، وأن شمسة بني العباس كان أكثرها مصنوعا ومن شبه، وأن مساحتها مثل ربع هذه. وكذلك كانت شمسة كافور التي عملها لمولاه أونوجور بن الإخشيد، وكان يسير بها إلى الحرم جعفر بن محمد الموسوي، ثم ابنه أبو الحسين، ثم بعده ابنه مسلم، ثم أبو تراب بعد أخيه، إلى أن أخذها القائد جوهر من أبي تراب. وأمر المعز للناس بالطعام فأكلوا. وورد الخبر بوصول أسطول القرامطة إلى تنيس في البحر، فكانت بينهم وبين أهل تنيس حرب انهزم فيها أصحاب القرامطة، وأخذ منهم عدة مراكب، وأسر طائفة منهم، وأن أسكر؟ نهبت، فعظم ذلك على المعز، واشتد خوف الناس في المقابر حتى كانوا يصلون على الجنائز ولا يتبعونها، ويمضي بها الحفارون؛ فأنكر المعز ذلك، وأمن الناس. ولثماني عشرة من ذي الحجة، وهو يوم غدير خم، تجمع خلق من أهل مصر والمغاربة للدعاء، فأعجب المعز ذلك، وكان هذا أول ما عمل عيد الغدير بمصر. وقدم من تنيس مائة وثلاثة وسبعون رجلا أسارى، وعدة رءوس، ومعهم أعلام القرامطة
منكوسة، وسلاح لهم، فشهر ذلك في البلد، وجلس المعز حتى مروا بين يديه وهو في علو باب قصره. وكانت فتنة في البلد نهبت المغاربة فيها جماعة من الرعية، فركب جوهر في طلب النهابة، وأخذهم وجلدهم. وفي سلخ ذي الحجة سلخ إمام جامع القرافة محمد بن عبد السميع في طريق القرافة، وانصرف الناس من جامع القرافة من غير جمعة. وأحضر جوهر جماعة من أهل تنيس، وطالبهم بديات المغاربة الذين قتلوا عندهم، وألزموا بمائتي ألف دينار، ثم استقر أمرهم على ألف ألف درهم. وانتهى النيل في نقصانه إلى ست أذرع وإصبعين، وبلغ زيادة الماء الجديد سبع عشرة ذراعا وإصبعين، وأطلق المعز لمتولى المقياس الجائزة والخلع والحملان، فزاده على رسمه. وفيها مات أبو عمرو محمد بن عبد الله السهمي قاضي مكة، ومات الإشبيلي قاضي المغاربة بمصر
ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمائة @YY363
وأمير المؤمنين المعز لدين الله. وخليفته القائد جوهر. والقاضي أبو طاهر محمد بن أحمد. والخراج نصفين: إلى علي بن محمد بن طباطبا، وعبد الله بن عطاء الله؛ والنصف الآخر إلى الحسن بن عبد الله، والحسين بن أحمد الروذباري. وصاحب بيت المال محمد بن الحسين بن مهذب. وصاحب المظلة شفيع الصقلي. وطبيبه موسى بن العازار. والشرطة السفلى إلى عروبة بن إبراهيم، وشبل المعرضي. والشرطة العليا إلى خير بن القاسم. وإمام الجامع العتيق والخطبة إلى عبد السميع بن عمر العباسي. وإمام الصلوات الخمس الحسن بن موسى الخياط. ولست عشرة بقيت من المحرم قلد المعز الخراج، ووجوه الأموال جميعها، والحسبة، والسواحل، والجوالى، والأحباس، والمواريث، والشرطتين، وجميع ما ينضاف إلى ذلك، وما يطوى في مصر وسائر الأعمال أبا الفرج يعقوب بن يوسف الوزير، وعسلوج بن الحسن،
وكتب لهما بذلك سجلا. قرىء يوم الجمعة على منبر جامع أحمد بن طولون؛ وقبضت أيدي سائر العمال والمتضمنين. وجلسا غد هذا اليوم في دار الإمارة في جامع أحمد بن طولون للنداء على الضياع وسائر وجوه الأموال، وحضر الناس للقبالات، وطالبوا بالبقايا من الأموال مما على المالكين والمتقبلين والعمال، واستقصيا في الطلب، ونظرا في المظالم. وفيه تبسطت المغاربة في نواحي القرافة والمعافر، فنزلوا في الدور، وأخرجوا الناس من دورهم، ونقلوا السكان وشرعوا في السكنى في المدينة، وكان المعز أمرهم أن يسكنوا في أطراف المدينة، فخرج الناس واستغاثوا إلى المعز، فأمر أن يسكنوا نواحي عين شمس، وركب المعز بنفسه حتى شاهد المواضع التي ينزلون فيها، وأمر لهم بما يبنون به، وهو الموضع الذي يعرف اليوم بالخندق، وخندق العبيد؛ وجعل لهم واليا وقاضيا؛ وأسكن أكثرهم في المدينة مخالطين لأهل مصر، ولم يكن جوهر يبيحهم سكنى المدينة ولا المبيت فيهان وحظر ذلك عليهم، وكان مناديه ينادي كل عشية: لا يبينم في المدينة أحد من المغاربة. وفي يوم عاشوراء انصرف خلق من الشيعة وأتباعهم من المشاهد من قبر كلثم بنت محمد بن جعفر بن محمد الصادق، ونفيسة، ومعهم جماعة من فرسان المغاربة ورجالتهم بالنياحة والبكاء على الحسين، وكسروا أواني السقائين في الأسواق، وشققوا الروايا، وسبوا من ينفق في هذا
اليوم، وثارت إليهم جماعة، فخرج إليهم أبو محمد الحسن بن عمار، ومنع الفريقين، ولولا ذلك لعظمت الفتنة، لأن الناس كانوا غلقوا الدكاكين وعطلوا الأسواق، وقويت أنفس الشيعة بكون المعز بمصر. وكانت مصر لا تخلو من الفتن في يوم عاشوراء عند قبر كلثم وقبر نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب في الأيام الإخشيدية والكافورية، وكان سودان كافور يتعصبون على الشيعة، ويتعلق السودان في الطرق بالناس ويقولون للرجل: من خالك؟ فإن قال: معاوية أكرموه، وإن سكت لقي المكروه، وأخذت ثيابه وما معه، حتى كان كافور يوكل بأبواب الصحراء، ويمنع الناس من الخروج. ولما جلس يعقوب بن كلس وعسلوج بن الحسن الونهاجي لعقد الضياع توفرت الأموال، وزيد في الضياع، وتكاشف الناس. وفي صفر طيف بنحو مائتي رأس قدم بها من المغرب. ومات ابن عم للمعز، فصلى عليه المعز، وكبر سبعا، وكبر على غيره خمسا، وهذا مذهب علي بن أبي طالب: أنه يكبر على الميت على قدر منزلته. ومات إسحاق بن موسى طبيب المعز، فجعل موضعه أخاه إسماعيل بن موسى. وامتنع يعقوب وعسلوج أن يأخذ في الاستخراج إلا دينارا معزيا، فاتضع الدينار الراضي وانحط، ونقص من صرفه أكثر من ربع دينار، فخسر الناس من أموالهم، وكان صرف المعزى خمسة عشر درهما ونصف. واشتد الاستخراج، وأكد المعز فيه ليرد ما أنفقه من أمواله على مصر، لأنه قدم مصر يظن أن الأموال مجتمعة، فوجدها قد فرقتها مؤن مصر وكثرة عساكرها، وكان الذي أنفقه المعز على مصر ما لا يضبط أو يعرفه إلا هو أو خزانه. وحدثني بعض كتاب بيت ماله قال:
حملنا إلى مصر أكياسا فارغة أنفق ما كان فيها في أربعة أعدال على جملين. وكد يعقوب وعسلوج أنفسهما في الاستخراج، فاستخرج في يوم نيف وخمسون ألف دينار معزية، وكان استخراجا بغير براءة ولا خرج ولا حوالة؛ واستخرج في يوم مائة وعشرون ألف دينار معزية، وفي يوم آخر من مال تنيس ودمياط والأشمونين أكثر من مائتي ألف وعشرين ألف دينار، وهذا لم يسمع بمثله قط في بلد، إلا أن في أيام العزيز استخرج خير بن القاسم، وعلي بن عمر العداس، وعبد الله بن خلف المرصدي في ثلاثة أيام مائتي ألف دينار وعشرين ألف دينار عزيزية، منها في أول يوم أربعة وسبعين ألف دينار والباقي في يومين، وذلك في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة. وفي شهر ربيع الآخر كثر الإرجاف بالقرامطة وانتشارهم في أعمال الشام، وكان معهم عبد الله بن عبيد الله أخو أبي جعفر مسلم، فكتب إليه المعز بعد ما شكاه إليه أخيه مسلم. وفيه دخل الناس إلى قصر المعز وفيهم: الأشراف، والعمال، والقواد، وسائر الأولياء من كتامة وغيرهم، فقال إنسان لبعض الأشراف: اجلس يا شريف، فقال بعض الكتاميين: وفي الدنيا شريف غير مولانا؟! لو ادعى هذا غيره قتلناه. خرج الإذن للناس، وبلغ المعز هذا، فلما جلس على سريره وأذن للناس بالجلوس قال: يا معشر الأهل وبني العم من ولد فاطمة: أنتم الأهل، وأنتم العدة، وما نرضى بما بلغنا من القول، وقد أخطأ من تكلم بما قيل لنا، لكم بحمد الله الشرف العالي، والرحم القريبة، ولئن عاود أحد لمثل ما بلغنا لننكلن به نكالا مشهورا. فقبلت الجماعة الأرض، ودعوا وشكروا، وكان المتكلم حاضرا فانقمع وندم. وحدث المعز أنه رأى في منامه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا وبين يديه سيوف منها ذو الفقار، فأخذ علي بن أبي طالب ذا الفقار فضرب به عنق القرمطي الأعسم، وضرب حمزة عنق أخي الأعسم، وضرب جعفر عنق آخر؛ وانكب المعز يقبل رجل النبي صلى الله عليه وسلم، فنسخ الناس هذه الرؤيا.
وحمل مال الأحباس من المودع إلى بيت المال الذي لوجوه البر، وطولب أصحاب الأحباس بالشرائط ليحملوا عليها. ولما وقف على حبس عمرو بن العاص، وأن محمد بن أبي بكر كان قبضه وضرب عليه صافية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب أهل الحق، وأن عمرو بن العاص إنما حبسه لما دعا إلى مصر في أيام معاوية، أخرج ذلك من كتاب أبي عمر الكندي القاضي النعمان بن محمد، فحمله إلى المعز فقال: هذا مال لنا، فليحمل إلينا مفردا من مال الأحباس، ففعل ذلك. وفي ربيع الآخر ثارت المغاربة في صحراء المقابر، ونهبوا الناس، فأنكر المعز ذلك، وقبض على جماعة. وفيه اعتل المعز واحتجب، فاضطربت الرعية، ولم يره أحد. وفي جمادى الأولى أرجف بالقرامطة، وقوى الاستخراج، ومنع الناس من الحضور في الديوان لئلا يقفوا على مبلغه؛ وجلس المعز للناس، فسروا بسلامته. وحمل أبو جعفر مسلم إلى المعز المصحف الكبير الذي كان يذكر أنه كان ليحيى بن خالد ابن برمك، وكان شراؤه أربعمائة دينار على مسلم، فلما رآه المعز قال: أراك معجبا به، وهو يستحق الإعجاب، ولكن نفاخرك نحن أيضا.
فدعا بمصحف نصفين ما رؤى أحسن منهما خطا وإذهابا وتجليدا، فقال: هذا خط المنصور، وإذهابه وتجليده بيده. فقال له مسلم: فثم مصحف بخط مولانا المعز لدين الله عليه السلام؟. فقال: نعم. وأخرج له نصفين. فقال: ما رأيت أصبح من هذا الخط. فقال المعز: بعد مشاهدتك لخط المنصور تقول: ما رأيت أصبح من هذا الخط، ولكنه أصبح من خطك. ثم ضحك وقال: أردت مداعبتك. وكان أبو جعفر مسلم إذا ذكر المعز يقول: وددت أن أبي وجدي شاهداه ليفتخرا به، فلما أقدر أن أقرن به أحدا من خلفاء بني أمية ولا بني العباس. وتوفي محمد بن الحسين بن أبي الحسين أحد خواص المعز، فخرج المعز وهو في بقايا علته، وتقدم إلى القاضي النعمان بن محمد بغسله وبكفنه، وصلى عليه المغرب، وفتح تابوته وأضجعه. وبعد تسعة عشر يوما توفي القاضي النعمان بن محمد أول رجب، فخرج المعز يبين الحزن عليه، وصلى عليه، وأضجعه في التابوت، ودفن في داره بالقاهرة. وفي شعبان دخل أبو جعفر مسلم علي المعز، فلما توسط صحن الإيوان قال له أخوه عيسى: إن الأمير عبد الله في المجلس فسلم عليه. وكان في المجلس جماعة، فدخل أبو جعفر على المعز وقبل الأرض، وقام قائما، وقال: يا أمير المؤمنين: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن إسحاق بن موسى بن جعفر بن محمد قال: دخلت أنا وأخي عبد الله على يعقوب بن صالح بن المنصور وهو يومئذ
أمير المدينة فقال: من أين أقبل الشيخان؟ فقالا: من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، سلمنا عليه وأتيناك، فقال: سلمتما على صاحبيه؟ فقلنا: لا، فقال سبحان الله، كيف لم تسلما على صاحبيه؛ فقال له أخي عبد الله: سألتك بالله أيها الأمير أيهما أقرب؟ ابنك هذا منك أو صاحبي رسول الله من رسول الله؟ فقال: ابني هذا، فقال: ما سلمنا على ابنك في مجلسك إجلالا لك، فنسلم على صحابي رسول الله بحضرة رسول الله؟ فقال: والله ما قصرتما، ثم قال مسلم: تأذن يا أمير المؤمنين في السلام على الأمير عبد الله؟ فأذن له، قال عيسى: وكان المعز لمسلم مكرما. وفيه كثر الإرجاف بالقرامطة ودخول مقدمتهم أرياف مصر وأطراف المحلة، وأنهم ونهبوا واستخرجوا الخراج ثم رجعوا إلى أعمال الشام. وأمر المعز المغاربة بالخروج من مصر والسكنى بالقاهرة ففعلوا. ورد المعز الشرطة العليا إلى خير بن القاسم فاستقصى على المغاربة في الخروج إلى القاهرة. وعاودت المعز العلة فاحتجب أياما لا يراه أحد، ثم جلس للناس فهنوه، وعرضوا أنفسهم للقتال، فشكرهم على ذلك. ووصلت سرية القرامطة إلى أطراف الحوف، وأنفذ القرمطي عبد الله بن عبيد الله أخا مسلم إلى الصعيد، فنزل في نواحي أسيوط وإخميم، وحارب العمال، واستخرج الأموال، فثقل ذلك على المعز، وعاتب أبا جعفر مسلم، فاعتذر إليه، وتبرأ من أفعاله، ونزل الأعسم القرمطي بعسكره بلبيس، وتأهب المعز لمنعه ورده. وقد أحببت أن أورد هنا جملة من أخبار القرامطة لتكرر دخولهم إلى مصر:
ذكر طرف من أخبار القرامطة
وذلك أن الحسين الأهوازي لما خرج داعية إلى العراق لقي حمدان بن الأشعث قرمط بسواد الكوفة، ومعه ثور ينقل عليه، فتماشيا ساعة، فقال حمدان للحسين: إني أراك جئت من سفر بعيد، وأنت معي فاركب ثوري هذا. فقال الحسين: لم أومر بذلك. فقال له حمدان: كأنك تعمل بأمر أمر لك؟. قال: نعم. قال: ومن يأمرك وينهاك؟. قال: مالكي ومالكك، ومن له الدنيا والآخرة. فبهت حمدان قرمط يفكر، ثم قال له: يا هذا: ما يملك ما ذكرته إلا الله. قال: صدقت، والله يهب ملكه لمن يشاء. قال حمدان: فما تريد في القرية التي سألتني عنها؟. وكان الحسين لما رأى قرمط في الطريق سأله: وكيف الطريق إلى قس بهرام. فعرفه قرمط أنه سائر إليه، فسأله عن قرية تعرف بباتنورا في السواد، فذكر أنها
قريبة من قريته، وكان قرمط من قرية تعرف بالدور على نهر هد من رستاق مهروسا من طسوج فرات بادفلي. وإنما قيل له قرمط لأنه كان قصيرا ورجلاه قصيرتين، وخطوه متقاربا، فسمى لذلك قرمطا. فلما قال للحسين: ما تريد في القرية التي سألتني عنها؟ قال له: رفع إلى جراب فيه علم وسر من أسرار الله، وأمرت أن أشفي هذه القرية، وأغني أهلها وأستنقذهم، وأملكهم أملاك أصحابهم. وابتدأ يدعوه، فقال له حمدان قرمط: يا هذا: نشدتك الله، ألا رفعت إلي من هذا العلم الذي معك، وأنقذتني ينقذك الله؟. قال له: لا يجوز ذلك أو آخذ عليك عهدا وميثاقا أخذه الله على النبيين والمرسلين، وألقى إليك ما ينفعك. فما زال يضرع إليه حتى جلسا في بعض الطريق، وأخذ عليه العهد، ثم قال له: ما اسمك؟. قال له قرمط: قم معي إلى منزلي حتى تجلس فيه، فإن لي إخوانا أصير بهم إليك لتأخذ عليهم العهد للمهدي. فصار معه إلى منزله، وأخذ على الناس العهد، وأقام بمنزل حمدان قرمط، فأعجبه أمره، وعظمه؛ وكان الحسين على غاية ما يكون من الخشوع صائما نهاره، قائما ليله، فكان المغبوط من أخذه إلى منزله ليلة؛ وكان يخيط لهم الثياب ويكتسب بذلك، فكانوا يتبركون به وبخياطته.
وأدرك الثمر، فاحتاج أبو عبد الله محمد بن عمر بن شهاب العدوي وكان أحد وجوه الكوفة ومن أهل العلم والفضل إلى عمل ثمره، فوصف له الحسين الأهوازي، فنصبه لحفظ ثمره، والقيام في حظيرته، فأحسن حفظها، واحتاط في أداء الأمانة، وظهر منه من التشدد في ذلك ما خرج به عن أحوال الناس في تساهلهم في كثير من الأمور، وذلك في سنة أربع وستين ومائتين واستحكمت ثقة الناس به، وثقته هو بحمدان قرمط، وسكونه إليه، فأظهر له أمره، وكان مما دعا إليه أنه جاء بكتاب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: يقول الفرج بن عثمان إنه داعية المسيح، وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهدي، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية، وهو جبريل؛ وأن المسيح تصور في جسم إنسان، وقال إنك الداعية، وإنك الحجة، وإنك الناقة، وإنك الدابة، وإنك يحيى بن زكريا، وإنك روح القدس؛ وعرفه أن الصلاة أربع ركعات: ركعتان قبل طلوع الشمس، وركعتان قبل غروبها؛ وأن الأذان في كل صلاة أن يقول المؤذن: الله أكبر ثلاث مرات. أشهد ألا إله إلا الله. مرتين. أشهد أن آدم رسول الله. أشهد أن نوحا رسول الله. أشهد أن إبراهيم رسول الله. أشهد أن موسى رسول الله. أشهد أن عيسى رسول الله. أشهد أن محمدا رسول الله. أشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفية رسول الله.
والقراءة في الصلاة: الحمد لله بكلمته، وتعالى باسمه، المنجد لأوليائه بأوليائه، " قل إن الأهلة مواقيت للناس ظاهرها ليعلموا عدد السنين والحساب والشهور والأيام، وباطنها لأوليائي الذين عرفوا عبادي وسيلتي، فاتقوني يا أولى الألباب، وأنا الذي لا أسأل عما أفعل وأنا العليم الحكيم، وأنا الذي أبلو عبادي وأمتحن خلقي، فمن صبر على بلائي ومحنتي واختباري أدخلته في جنتي، وأخلدته في نعيمي؛ ومن زال عن أمري، وكذب رسلي أخلدته مهانا في عذابي، وأتممت أجلي، وأظهرت أمري على ألسنة رسلي، وأنا الذي لم يعل جبار إلا وضعته، ولا عزيز إلا أذللته، وليس الذي أصر على أمره، وداوم على جهالته، وقال إن نبرح عليه عاكفين وبه موقنين، أولئك هم الكافرون ". ثم يركع. ومن شرائعه: صيام يومين في السنة هما: المهرجان، والنوروز. وأن الخمر حلال. ولا غسل من جنابة، ولكن الوضوء كوضوء الصلاة.
وأن لا يؤكل ماله ناب ولا مخلب. ولا يشرب النبيذ. وأن القبلة إلى بيت المقدس، والحج إليه. وأن الجمعة يوم الاثنين لا يعمل فيه شغل. ولما حضرته الوفاة جعل مكانه حمدان بن الأشعث قرمط، وأخذ على أكثر أهل السواد، وكان ذكيا داهية. فكان ممن أجابه: مهرويه بن زكرويه السلماني، وجلندي الرازي، وعكرمة البابلي، وإسحاق السوراني، وعطيف النيلي، وغيرهم، وبث دعاته في السواد يأخذون على الناس. وكان أكبر دعاته عبدان، وكان فطنا خبيثا، خارجا عن طبقة نظرائه من أهل السواد، ذا فهم وحذق، وكان يعمل عند نفسه على نصب له من غير أن يتجاوز به إلى غيره، ولا يظهر غير التشيع والعلم، ويدعو إلى الإمام من آل رسول الله ت صلى الله عليه وسلم محمد ابن إسماعيل بن جعفر. فكان أحد من تبع عبدان زكرويه بن مهرويه، وكان شابا ذكيا فطنا من قرية بسواد الكوفة على نهر هد، فنصبه عبدان على إقليم نهر هد وما والاه، ومن قبله جماعة دعاة متفرقون في عمله. وكان داعية عبدان على فرات بادفلي: الحسن بن أيمن؛ وداعيته على طسوج تستر: المعروف بالبوراني وإليه نسب البورانية؛ وداعيته على جهة أخرى: المعروف بوليد؛ وفي أخرى: أبو الفوارس. وهؤلاء رؤساء دعاة عبدان، ولهم دعاة تحت أيديهم؛ فكان كل داع يدور في عمله ويتعاهده في كل شهر مرة، وكل ذلك بسواد الكوفة.
ودخل في دعوته من العرب طائفة، فنصب فيهم دعاة، فلم يتخلف عنه رفاعي ولا ضبعي، ولم يبق من البطون المتصلة بسواد الكوفة بطن إلا دخل في الدعوة منه ناس كثيرا أو قليل: من بني عباس، وذهل، وعنزة، وتيم الله، وبني ثعل، وغيرهم من بني شيبان؛ فقوى قرمط، وزاد طمعه، فأخذ في جمع الأموال من قومه: فابتدأ يفرض عليهم أن يؤدوا درهما عن كل واحد، وسمى ذلك: الفطرة، على كل أحد من الرجال والنساء، فسارعوا إلى ذلك. فتركهم مديدة، ثم فرض الهجرة، وهو دينار على كل رأس أدرك، وتلا قوله تعالى: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم، إن صلواتك سكن لهم، والله سميع عليم ". وقال: هذا تأويل هذا. فدفعوا ذلك إليه، وتعاونوا عليه، فمن كان فقيرا أسعفوه. فتركهم مديدة، ثم فرض عليهم البلغة وهي سبعة دنانير، وزعم أن ذلك هو البرهان الذي أراد الله بقوله: " قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ". وزعم أن ذلك بلاغ من يريد الإيمان، والدخول في السابقتين المذكورين في قوله تعالى: " والسابقون السابقون أولئك المقربون ". وصنع طعاما طيبا حلوا لذيذا، وجعله على قدر البنادق، يطعم كل من أدى إليه سبعة دنانير منها واحدة، وزعم أنه طعام أهل الجنة نزل إلى الإمام، فكان ينفذ إلى كل داع منها مائة بلغة، ويطالبه بسبعمائة دينار، لكل واحدة منها سبعة دنانير.
فلما توطأ له الأمر فرض عليهم أخماس ما يملكون وما يتكسبون، وتلا عليهم: " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسة الآية "، فقوموا جميع ما يملكونه من ثوب وغيره وأدوا ذلك إليه، فكانت المرأة تخرج خمس ما تغزل، والرجل يخرج خمس ما يكسبه. فلما تم ذلك فرض عليهم الألفة، وهو أن يجمعوا أموالهم في موضع واحد، وأن يكونوا فيه أسوة واحدة لا يفضل أحد منهم صاحبه وأخاه في ملك يملكه، وتلا عليهم: " واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا " الآية، وقوله تعالى: " لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ". وعرفهم أنه لا حاجة بهم إلى أموال تكون معهم، لأن الأرض بأسرها ستكون لهم دون غيرهم، وقال: هذه محنتكم التي امتحنتم بها ليعلم كيف تعملون. وطالبهم بشراء السلاح وإعداده. وذلك كله في سنة ست وسبعين ومائتين. وأقام الدعاة في كل قرية: رجلا مختارا من ثقاتها يجمع عنده أموال أهل قريته من بقر وغنم وحلى ومتاع وغيره، وكان يكسو عاريهم، وينفق على سائرهم ما يكفيهم، ولا يدع فقيرا بينهم ولا محتاجا ولا ضعيفا؛ وأخذ كل رجل منهم بالانكماش في صناعته والكسب بجهده، ليكون له الفضل في رتبته؛ وجمعت المرأة كسبها من مغزلها، والصبي أجرة نظارته للطير، وأتوه به، فلم يتملك أحد منهم إلا سيفه وسلاحه. فلما استقام له ذلك أمر الدعاة أن يجمعوا النساء ليلة معروفة، ويختلطن بالرجال، ويتراكبن ولا يتنافرن، فإن ذلك من صحة الود والألفة بينهم.
فلما تمكن من أمورهم، ووثق بطاعتهم، وتبين مقدار عقولهم، أخذ في تدريجهم، وأتاهم بحجج من مذهب الثنوية، فسلكوا معه في ذلك حتى يقضي ما كان يأمرهم به في مبدأ أمرهم من الخشوع والورع والتقوى، وظهر منهم بعد تدين كثير إباحة الأموال والفروج، والغناء عن الصوم والصلاة والفرائض، وأخبرهم أن ذلك كله موضوع عنهم وأن أموال المخالفين ودماءهم حلال لهم، وأن معرفة صاحب الحق تغني عن كل شيء، ولا يخاف معه إثم ولا عذاب يعني إمامه الذي يدعو إليه، وهو محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وأنه الإمام المهدي الذي يظهر في آخر الزمان ويقيم الحق، وأن البيعة له، وأن الداعي إنما يأخذها على الناس له، وأن ما يجمع من الأموال مخزون له إلى أن يظهر، وأنه حي لم يمت، وأنه يظهر في آخر الزمان، وأنه مهدي الأمة. فلما أظهر هذه الأمور كلها بعد تعلقه بذكر الأئمة والرسل والحجة والإمام، وأنه المعول والمقصد والمراد، وبه اتسقت هذه الأمور، ولولا هذه لهلك الخلق وعدم الهدى والعلم، ظهر في كثير منهم الفجور، وبسط بعضهم أيديهم بسفك الدماء، وقتلوا جماعة ممن خالفهم، فخافهم الناس واستوحشوا من ظهور؛ السلاح بينهم، فأظهر موافقتهم كثير من مجاوريهم جزعا منهم. ثم إن الدعاة اجتمعوا واتفقوا على أن يجعلوا لهم موضعا يكون وطنا ودار هجرة يهاجرون إليها، ويجتمعون بها، فاختاروا من سواد الكوفة في طسوج الفرات من ضياع السلطان المعروفة بالقاسميات قرية تعرف بمهتماباد، فحاذوا إليها صخرا عظيما، ثم بنوا حولها سورا منيعا عرضه ثماني أذرع، ومن ورائه خندق عظيم، وفرغوا من ذلك في أسرع وقت، وبنوا فيها البناء العظيم، وانتقل إليها الرجال والنساء من كل مكان، وسميت دار الهجرة، وذلك في سنة سبع وتسعين ومائتين؛ فلم يبق حينئذ أحد إلا خافهم، ولا بقي أحد يخافونه لقوتهم وتمكنهم في البلاد.
وكان الذي أعانهم على ذلك تشاغل الخليفة بفتنة الخوارج، وصاحب الزنج بالبصرة، وقصريد السلطان، وخراب العراق، وتركه لتدبيره، وركوب الأعراب واللصوص بعد السبعين ومائتين بالقفر، وتلاف الرجال، وفساد البلدان، فتمكن هؤلاء، وبسطوا أيديهم في البلاد، وعلت كلمتهم. وكان منهم مهرويه أحد الدعاة في مبدأ أمره ينطر النخل ويأخذ أجرته تمرا فيفرغ منه النوا ويتصدق به، ويبيع النوا ويتقوت به، فعظم في أعين الناس قدره، وصارت له مرتبة في الثقة والدين، فصار إلى صاحب الزنج لما ظهر على السلطان وقال له. ورائي مائة ألف ضارب سيف أعينك بهم. فلم يلتفت إلى قوله، ولم يجد فيه مطمعا، فرجع وعظم بعد ذلك في السواد، وانقاد إليه خلق كثير، فادعى أنه من ولد عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر، فقيل له: لم يكن لمحمد بن إسماعيل ابن يقال له عبد الله. فكف عن هذه الدعوى، وصار بعد ذلك في قبة على جمل، ودعى بالسيد، وظهر بسواد الكوفة؛ وسيأتي ذكر ابنه زكرويه، وابن ابنه الحسين بن زكرويه إن شاء الله. وكان رجل من أهل قرية جنابة يعمل الفراء، يقال له أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي، أصله من الفرس، سافر إلى سواد الكوفة، وتزوج من قوم يقال لهم: بنو
القصار كانوا من أصول هذه الدعوة، فأخذ عن عبدان، وقيل بل أخذ عن حمدان قرمط، وسار داعية، فنزل القطيف وهي حينئذ مدينة عظيمة فجلس بها يبيع الرقيق، فلزم الوفاء والصدق، وكان أول من أجابه الحسين بن سنبر، وعلي بن سنبر، وحمدان بن سنبر، في قوم ضعفاء، ما بين قصاب وحمال وأمثال ذلك، فبلغه أن بناحيته داعيا يقال له أبو زكريا، أنفذه عبدان قبل أبي سعيد وكان قد أخذ على بني سنبر من قبل، فعظم أمره على أبي سعيد وقبض عليه وقتله، فحقد عليه بنو سنبر قتله. واتفق أن البلد كان واسعا، ولأهله عادة بالحروب، وهم رجال شداد جهال، فظفر أبو سعيد باشتهار دعوته في تلك الديار، فقاتل بمن أطاعه من عصاه، حتى اشتدت شوكته. وكان لا يظفر بقرية إلا قتل أهلها ونهبها، فهابه الناس، وأجابه كثير منهم، وفر منه خلق كثير إلى بلدان شتى خوفا من شره، ولم يمتنع عليه إلا هجر وهي مدينة البحرين ومنزل سلطانها، وبها التجار والوجوه فنازلها شهورا يقاتل أهلها، ثم وكل بها رجلا. وارتفع فنزل الأحساء وبينها وبين هجر ميلان فابتنى بها دارا، وجعلها منزلا، وتقدم في زراعة الأرض وعمارتها، وكان يركب إلى هجر، ويحارب أهلها، ويعقب قومه على حصارها. ودعا العرب فأجابه بنو الأضبط من كلاب، وساروا إليه بحرمهم وأموالهم، فأنزلهم الأحساء، وأطمعوه في بني كلاب، وسائر من يقرب منه من العرب فضم إليهم رجالا، وساروا فأكثروا من القتل، وأقبلوا بالحريم والأموال والأمتعة إلى الأحساء، فدخل الناس في طاعته، فوجه جيشا إلى بني عقيل فظفر بهم، ودخلوا في طاعته.
فلما اجتمع إليه العرب مناهم ملك الأرض كلها، ورد إلى من أجابه من العرب ما كان أخذ منهم من أهل وولد، ولم يرد عبدا ولا أمة ولا إبلا ولا صبيا إلا أن يكون دون الأربع سنين. وجمع الصبيان في دور وأقام عليهم قوما، وأجرى عليهم ما يحتاجون إليه، ووسمهم لئلا يختلطون بغيرهم، ونصب لهم عرفاء، وأخذ يعلمهم ركوب الخيل والطعان، فنشأوا لا يعرفون غير الحرب، وقد صارت دعوته طبعا لهم. وقبض كل مال في البلد، والثمار، والحنطة، والشعير. وأقام رعاة للإبل والغنم، ومعهم قوم لحفظها، والتنقل معها على نوب معروفة. وأجرى على أصحابه جرايات فلم يكن يصل لأحد غير ما يطعمه. هذا وهو لا يغفل عن هجر، وطال حصاره لهم على نيف وعشرين شهرا حتى أكلوا الكلاب، فجمع أصحابه، وعمل دبابات، ومشى بها الرجال إلى السور، فاقتتلوا يومهم، وكثر بينهم القتلى، ثم انصرف عنهم إلى الأحساء، وباكرهم فناشوه، فانصرف إلى قرب الأحساء، ثم عاد في خيل، فدار حول هجر يفكر فيما يكيدهم به، فإذا لهجر عين عظيمة كثيرة الماء، تخرج من نشز من الأرض غير بعيد منها، فيجتمع ماؤها في نهر يستقيم حتى يمر بجانب هجر، ثم ينزل إلى النخل فيسقيه، فكانوا لا يفقدون الماء في حصارهم. فلما تبين له أمر العين انصرف إلى الأحساء، ثم غدا فأوقف على باب المدينة رجالا كثيرا، ورجع إلى الأحساء، وجمع الناس كلهم، وسار في آخر الليل فورد العين بكرة بالمعاول والرمل وأوقار الثياب الخلقان ووبر وصوف، وأمر بجمع الحجارة ونقلها إلى العين، وأعد الرمل والحصى والتراب، ثم أمر بطرح الوبر والصوف وأوقار الثياب في العين، وطرح فوقها الرمل والحصى والتراب والحجارة، فقذفته العين، ولم يعن ما فعله شيئا، فانصرف إلى الأحساء بمن معه.
وغدا في خيل فضرب البر حتى عرف أن منتهى العين بساحل البحر، وأنها تنخفض كلما نزلت، فرد جميع من كان معه، وانحدر على النهر نحوا من ميلين، ثم أمر بحفر نهر هنك، وأقبل يركب هو وجمعه في كل يوم والعمال يعملون حتى حفره إلى السباخ، ومضى الماء كله فصب في البحر ثم سار فنزل على هجر وقد انقطع الماء عنهم ففر بعضهم فركب البحر، ودخل بعضهم في دعوته، وخرجوا إليه فنقلهم إلى الأحساء، وبقيت طائفة لم يفروا لعجزهم، ولم يدخلوا في دعوته فقتلهم، وأخذ ما في المدينة، وأخربها فبقيت خرابا، وصارت مدينة البحرين هي الأحساء. ثم أنفذ سرية إلى عمان في ستمائة، وأردفهم بستمائة أخرى، فقاتلهم أهل عمان حتى تفانوا، وبقي من أهل عمان خمسة نفر، ومن القرامطة ستة نفر، فلحقوا بأبي سعيد، فأمر بهم فقتلوا، وقال: هؤلاء خاسوا بعهدي ولم يواسلوا أصحابهم الذين قتلوا. وتطير بهلاك السرية، وكف عن أهل عمان. واتصل بالمعتضد بالله خبره، فخاف منه على البصرة، فأنفذ العباس بن عمرو الغنوي في ألفي رجل، وولاه البحرين، فخرج في سنة تسع وثمانين ومائتين والتقى مع أبي سعيد، فانهزم أصحابه، وأسر العباس في نحو من سبعمائة رجل من أصحابه، واحتووا على عسكره، وقتل من غده جميع الأسرى، ثم أحرقهم وترك العباس؛ ومضى المنهزمون فتاه أكثرهم في البر، وتلف كثير منهم عطشا، وورج بعضهم إلى البصرة، فارتاع الناس وأخذوا في الرحيل عن البصرة. ثم لما كان بعد الوقعة بأيام أحضر أبو سعيد العباس بن عمرو وقال له.
أتحب أن أطلقك؟ قال: نعم. قال: على أن تبلغ عني ما أقول صاحبك. قال: أفعل. قال: تقول له: الذي أنزل بجيشك ما أنزل بغيك، هذا بلد خارج عن يدك، غلبت عليه، وقمت به، وكان بي من الفضل ما آخذ به غيره، فما عرضت لما كان في يدك، ولا هممت به، ولا أخفت لك سبيلا، ولا نلت أحدا من رعيتك بسوء؛ فتوجيهك إلي الجيوش لأي سبب؟ اعلم أني لا أخرج عن هذا البلد، ولا توصل إليه وفي هذه العصابة التي معي روح، فأكفني نفسك، ولا تتعرض لما ليس لك فيه فائدة، ولا تصل إلى مرادك منه إلا ببلوغ القلوب الحناجر. وأطلقه، وبعث معه من يرده إلى مأمنه، فوصل إلى بغداد في شهر رمضان، وقد كان الناس يعظمون أمره ويكثرون ذكره، ويسمونه قائد الشهداء، فلما وصل إلى المعتضد عاتبه على تركه التحرز فاعتذر، ولم يبرح حتى رضى عنه. وسأله عن خبره، فعرفه جميعه، وبلغه ما قال القرمطي، فقال: صدق، ما أخذ شيئا كان في أيدينا. وأطرق مفكرا، ثم رفع رأسه وقال: كذب عدو الله الكافر، المسلمون رعيتي حيث كانوا من بلاد الله، والله لئن طال بي عمري لأشخصن بنفسي إلى البصرة وجميع غلماني، ولأوجهن إليه جيشا كثيفا، فإن هزمه وجهت جيشا، فإنه هزمه خرجت في جميع قوادي وجيشي إليه حتى يحكم الله بيني وبينه. فشغل المعتضد عن القرمطي بأمر وصيف غلام أبي الساج. ثم توفي في ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين، وما يزال يذكر أبا سعيد الجنابي في مرضه، ويتلهف ويقول:
حسرة في نفسي كنت أحب أن أبلغها قبل موتي، والله لقد كنت وضعت عند نفسي أن أركب ثم أخرج نحو البحرين، ثم لا ألقى أحدا أطول من سيفي إلا ضربت عنقه، وإني أخاف أن يكون من هناك حوادث عظيمة. وأقبل أبو سعيد بعد إطلاق العباس على جمع الخيل، وإعداد السلاح، ونسج الدروع والمغافر، واتخاذ الإبل، وإصلاح الرجال، وضرب السيوف والأسنة، واتخاذ الروايا والمزاد والقرب، وتعليم الصبيان الفروسية، وطرد الأعراب من قريته، وسد الوجوه التي يتعرف منها أمر بلده وأحواله بالرجال، وإصلاح أراضي المزارع وأصول النخل، وإصلاح مثل هذه الأمور وتفقدها، ونصب الأمناء على ذلك، وأقام العرفاء على الرجال، واحتاط على ذلك كله، حتى بلغ من تفقده أن الشاة إذا ذبحت يتسلم العرفاء اللحم ليفرقوه على من ترسم لهم، ويدفع الرأس والأكارع والبطن إلى العبيد والإماء، ويجز الصوف والشعر من الغنم ويفرقه على من يغزله، ثم يدفعه إلى من ينسجه عبيا وأكسية وغرائر وجوالقات، ويفتل منه حبال، ويسلم الجلد إلى الدباغ، ثم إلى خرازى القرب والروايا، والمزاد؛ وما كان من الجلود يصلح نعالا وخفا فأعمل منه، ثم يجمع ذلك كله إلى خزائن. فكان ذلك دأبه لا يغفله، ويوجه كل قليل خيلا إلى ناحية البصرة، فتأخذ من وجدت، وتصير بهم إليه ويستعبدهم، فزادت بلاده، وعظمت هيبته في صدور الناس. وواقع بني ضبة وقائع مشهورة فظفر بهم، وأخذ منهم خلقا، وبنى لهم حبسا عظيما جمعهم فيه، وسده عليهم، ومنعهم الطعام والشراب، فصاحوا فلم يغثهم، فمكثوا على ذلك شهرا، ثم فتح عليهم فوجد أكثرهم موتى، ويسيرا بحال الموتى وقد تغذوا بلحوم الموتى، فحصاهم وخلاهم فمات أكثرهم. وكان قد أخذ من عسكر العباس خادما له جعله على طعامه وشرابه، فمكث مدة طويلة لا يرى أبا سعيد فيها مصليا صلاة واحدة، ولا يصوم في شهر رمضان ولا في غيره، فأضمر الخادم قتله، حتى إذا دخل الحمام معه وكانت الحمام في داره فأعد الخادم خنجرا ماضيا
والحمام خال فلما تمكن منه ذبحه، ثم خرج فقال: يدعى فلان، لبعض بني سنبر فأحضر، فلما دخل قبضه وذبحه، فلم يزل ذلك دأبه حتى قتل جماعة من الرؤساء والوجوه، فدخل آخرهم فإذا في البيت الأول دم جار، فارتاب وخرج مبادرا، وأعلم الناس، فحصروا الخادم حتى دخلوه، فوجدوا الجماعة صرعى، وذلك في سنة إحدى وثلاثمائة، وقيل اثنتين وثلاثمائة، وكان قتله بأحساء من البحرين. وكانت سنه يوم قتله نيفا وستين سنة. وترك أبو سعيد من الأولاد: أبا القاسم سعيدا. وأبا طاهر سليمان. وأبا منصور أحمد. وأبا إسحاق إبراهيم. وأبا العباس محمدا. وأبا يعقوب يوسف. وكان أبو سعيد قد جمع رؤساء دولته، وأوصى إن حدث به موت يكون القيم بأمرهم سعيد ابنه إلى أن يكبر أبو طاهر، وكان أبو طاهر أصغر سنا من سعيد، فإذا كبر أبو طاهر كان المدبر؛ فلما قتل جرى الأمر على ذلك. وكان قد قال لهم سيكون الفتوح له، فجلس سعيد يدبر الأمر بعد قتل أبيه، وأمر فشد الخادم بحبال، وقرض لحمه بالمقاريض حتى مات؛ فلما كان في سنة خمس وثلاثمائة سلم سعيد إلى أخيه أبي طاهر سليمان الأمر، فعظموا أمره. وكان ابتداء أمر أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي بالقطيف وما والاها في سنة ست وثمانين ومائتين؛ فكانت مدته نحو خمس عشرة سنة.